{"pages":[{"id":1,"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\rكلمة الناشر\rالحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا ، والصلاة والسلام على النبي الأمي وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد :\rفهذا اختصار تفسيري اختصره فضيلة الدكتور / عبد الله بن أحمد بن علي الزيد ، حفظه الله ، من تفسير الإمام الحافظ الفقيه المجتهد أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء ، البغوي المسمى بـ \" معالم التنزيل \" .\rوتفسيره الكامل الذي منه هذا الاختصار من أجل كتب التفسير بالمأثور ، يسرد فيه التفسير بالقرآن - أي يجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد ليوضح معنى الكلمة التي تضمنتها - ويأتي بالأحاديث مع أسانيدها كما يذكر أقوال الصحابة ومن بعدهم من أئمة التفسير وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة ؟ الزمخشري أم القرطبي أم البغوي أو غير هؤلاء ؟ فأجاب قائلًا :\r\" وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة - البغوي \" وعنه قال : \" تفسيره مختصر من تفسير الثعلبي لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة \" .","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"فلما كان تفسيره بهذه المكانة العظمى وأثنى على اختصاره غير واحد من أهل العلم ، أعدنا طبعه من جديد بعد التنسيق مع المختصر .\rعملنا في هذا الكتاب :\r1 - طبع الكتاب في مجلد واحد لأول مرة بلونين .\r2 - وضع المصحف كاملًا ، وكذلك أخذ الآيات القرآنية المفسرة برسم المصحف من الحاسب الآلي تجنبًا للأخطاء المطبعية .\r3 - تصحيح الأخطاء التي نبه عليها فضيلة الدكتور عبدالله الزيد ، فضلًا عن الأخطاء التي استدركها أعضاء لجنة البحث العلمي بدار السلام .\r4 - تم طباعة الكتاب على ورق شمواه .\rونحن عندما نقدم هذا السفر الجليل بين يدي القارئ الكريم ، نتضرع إلى الله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم . هذا . . . ونشكر كل من سعى لإخراج هذا العمل في ثوبه الجديد . وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه .\rخادم الكتاب والسنة\rعبد المالك مجاهد","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\rتقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان\rالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وجعله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبرهان ، وعلى آله وأصحابه أولي العلم والعرفان . وبعد :\rفإن تفسير الإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي تفسير جيد ، شهد العلماء بجودته وإتقانه وتمشيه على مذهب السلف في المنهج والاعتقاد ، إلا أنه طويل بالنسبة لحاجة غالب الناس اليوم ، فالناس اليوم بحاجة إلى تفسير مختصر موثوق .\rفلذلك اتجهت همة أخينا الشيخ الدكتور / عبد الله بن أحمد بن علي الزيد إلى اختصار هذا التفسير وتقريبه للناس . وقد اطلعت على نموذج من عمله فوجدته عملًا جيدًا ومنهجًا سديدًا ، حيث إنه يختار من هذا التفسير ما يوضح الآيات بأقرب عبارة وأسهلها ، فهو مختصر جيد مفيد . جزى الله أخانا الشيخ / عبد الله على عمله هذا خيرًا وغفر الله للإمام البغوي ورحمه ، جزاء ما ترك للمسلمين من علم نافع ومنهج قويم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .\rكتبه :\rصالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان\rفي ( 13 / 10 / 1413 هـ )","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\rمقدمة\rالحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا ، ولمن استمسك به هدى ونورًا . . . والصلاة والسلام على من أرسله بالهدى والبينات سراجًا منيرًا ، نبينا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وأصحابه الذين حفظوا كتاب ربهم وعملوا على جمعه وضبطه وتدوينه ليصل إلى من بعدهم بصورته التي بها نزل .\rوبعد : فإن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى الدالة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم والدعوة العظمى من الله تعالى إلى التوحيد الخالص والطريق المستقيم ، وقد تولى الله حفظه من التحريف والتبديل والتغيير والمعارضة كما قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }\rوها هو قد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان ولا يزال كما وعد الله محفوظًا كما أنزل لم يتغير فيه عما نزل حرف ولا كلمة ، ولا ترتيب ، وسيبقى كذلك إلى آخر الدهر .","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"وقد ظهر لي من خلال عملي حاجة الناس إلى تفسير مختصر يجمع بين علمي الرواية والدراية ، يكون في متناول الكل ، يتميز بخلوه من المخالفات الشرعية والعقدية ، وذلك لأن الوقت في هذا العصر أصبح قليلًا جدًّا بسبب تزاحم المعلومات في كل العلوم ، فرأيت من المناسب اختيار تفسير مختصر يلبي حاجة من أراد الاطلاع على معاني كلام الله سبحانه وتعالى . وقد اطلعت على كثير من المختصرات فوجدت بعضها يهتم بجانب واحد من جوانب إعجاز القرآن كمباحث الإعراب ونكت البلاغة ، والبعض الآخر لا يخلو مما يستوجب النظر ، ومنها ما يستطرد لعلوم أخرى لا يُحتاج إليها في فهم القرآن .","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"ولما كان تفسير الإمام البغوي - رحمه الله - المسمى ( معالم التنزيل ) يجمع بين علمي الرواية والدراية مع وضوح العبارة ، وجمعه لكثير من المعاني التي يذكرها المفسرون بأسلوب سهل مقتضب بعيدًا عن الألغاز والتعمية مع ما يتميز به من الالتزام بمذهب السلف الصالح في المجال العقدي وما خص به من ثناء العلماء والأئمة ، وما حظي به من القبول لدى الأمة ، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة ، الزمخشري ؟ أم القرطبي ؟ أم البغوي ؟ فأجاب في فتواه ( ج 2 - ص 193 ) ما نصه : \" أسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة : البغوي \" .\rوقال محمد رشيد رضا في مقدمة طبعته له عام 1343 هجرية : \" هذا التفسير من أشهر كتب التفسير في العناية بما رُوي عن مفسري السلف وبيان معاني الآيات وأحكامها \" .","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وهو من أجود التفاسير وأنفعها وأشملها أيضًا ، إلا أنه يشتمل على روايات كثيرة وبعض القصص الإسرائيلية والأمور التي يغني بعضها عن بعض ، ولم يسبق حسب علمي أن قام أحد باختصاره ، لذا قمت بهذا العمل لنفسي أولًا ، وحرصًا مني على تقريبه وتسهيله لمن يرغب في تفسير موثق لإمام من أئمة أهل السنة والجماعة ، أسأل الله الإعانة والتوفيق والسداد والقبول .\rمنهج البغوي في تفسيره :\r1 - من المعلوم أن أحسن طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن ، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر ، ثم بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ، ثم بأقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك حيث إنهم حضروا التنزيل وشاهدوا من القرائن والأحوال ما لم يعلمه غيرهم ، ثم بأقوال التابعين الذين تعلموا على الصحابة وأخذوا عنهم ، وهذا ما اتخذه البغوي منهجًا له في تفسيره .\r2 - سلك البغوي - رحمه الله - مسلكًا متوسطًا بلفظ موجز وسهل بعيدًا عن الاستطراد والحشو ، جاء في مقدمة تفسيره : ( جمعت بعون الله تعالى وحسن توفيقه فيما سألوا كتابًا متوسطًا بين الطويل الممل والقصير المخل ) اهـ .","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"3 - ما ذكره من الأحاديث النبوية الشريفة فغالبها يسوقها بأسانيدها التي اشترط فيها الصحة أو الحسن ، وقد وضح ذلك بقوله : ( ما ذكرت من أحاديث رسول الله - صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ - في أثناء الكتاب على وفق آية أو بيان حكم فإن الكتاب يطلب بيانه من السنة ، وعليها مدار الشرع وأمور الدين ، فهي من الكتب المسموعة للحفاظ وأئمة الحديث ، وأعرضت عن ذكر المناكير وما لا يليق بحال التفسير ) .\r4 - ما ذكره عن الصحابة والتابعين فغالبًا يذكره بلا إسناد وذلك لأنه ذكر في مقدمته إسناده إلى كل من يروي عنهم .\r5 - يذكر أقوال السلف في تفسير الآية ولا يرجح بعضها على بعض في كثير من الأحيان إشارة منه - رحمه الله - إلى أن معنى الآية قد يحتمل جميع المعاني أو أكثرها ، وهذه ميزة تميز بها تفسير البغوي قلما توجد في غيره .\r6 - يتحاشى ذكر المسائل الكلامية ويكتفي بإيراد منهج السلف فيها .\r7 - يذكر البغوي بعض الأخبار الإسرائيلية عند تفسير بعض الآيات التي تحكي قصص أهل الكتاب وهو مقل منها بالنسبة لغيره من المفسرين .\r8 - يذكر بعضر الأحكام الفقهية والقراءات المشهورة ، وأسباب النزول في تفسيره .\rعملي في التفسير :","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"ما يجده القارئ في هذا المختصر هو كله من كلام البغوي فقد التزمت بنصه التزامًا تامًّا ولم أتصرف فيه بالزيادة إلا ما استدعى السياق إضافته لربط كلام البغوي بعضه ببعض كواو العطف ونحوها ، ليبقى التفسير بأسلوبه السهل الميسر وجماله الناصع مع تمام الترابط والانسجام ، وقد جعلت ما أضفته بين قوسين تمييرًا له عن كلام البغوي . . . ومن هذا يعلم أن جميع ما في هذا المختصر هو من كلام البغوي ، فإذا ورد فيه قوله : ( قد روينا أو حدثنا ) أو نحو ذلك فالقائل هو : البغوي ، وقد حرصت على هذا المنهج لما لكلام الإمام البغوي - رحمه الله - من ميزة لدى العلماء تجعل الاطمئنان إليه أكثر والوثوق به أحرى ، وما عملته في الاختصار لا يخرج في الغالب عن أحد الأمور التالية :\r1 - استبعاد ما لا ضرورة له في بيان معاني الآيات من الروايات والأسانيد المطولة والأحكام التي لا حاجة لها والاقتصار من سند الحديث عند ذكره على اسم الصحابي الذي روى الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وتركت لمن أراد الاستزادة الرجوع إلى الأصل المختصر .","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"2 - إذا تعددت الأحاديث التي يوردها المؤلف على وفق معاني الآيات الكريمة اقتصرت على ذكر حديث واحد منها وقد أقتصر على موضع الشاهد من الحديث إذا كان يؤدي المعنى المقصود .\r3 - جرى تخريج الأحاديث الشريفة التي وردت في المختصر .\r4 - الإبقاء ما أمكن على الآيات التي استشهد بها المؤلف على طريقته في تفسير القرآن بالقرآن مع جعلها بين قوسين مختلفين عن أقواس الآيات المفسرة .\r5 - تجريد المختصر من الإسرائيليات ما أمكن إلا ما روى منها عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ أو أقره .\r6 - عند تعدد ذكر الآثار أكتفي منها بما يكشف معنى الآية .\r7 - جرى حذف بعض القراءات وخاصة إذا لم يترتب على المحذوف منها تغير المعنى .\rالطبعة التي اعتمدت عليها :","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"اعتمدت في عملي هذا على الطبعة المستقلة الكاملة لتفسير الإمام البغوي في طبعتها الثانية عام ( 1407 ) هجرية التي حققها الأستاذان خالد عبد الرحمن العك ، ومروان سوار ، وقد قابلت ما أشكل فيها على طبعة عام ( 1343 ) هجرية التي طبعت على حاشية تفسير الإمام ابن كثير . وبعد فراغي من العمل خرجت الطبعة الجديدة التي حققها الإخوة محمد عبدالله النمر ، وعثمان جمعة ضميرية ، وسليمان مسلم الحرش فاستفدت منها في مقابلة بعض العبارات المشكلة وفي بعض التخريجات للأحاديث النبوية الشريفة واكتفيت بذلك عن المقابلة على مخطوطة الكتاب وذلك لأن هذه الأخيرة طبعة مقابلة على مخطوطة الكتاب كما جاء في مقدمتها (1) .\rأسأل الله الكريم أن ينفع بعملي هذا وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم . وجزى الله خيرًا من ينبهني على خطأ يجده فليراسلني على ص . ب ( 340655 ) الرياض ( 11333 ) ، ومن ينتفع بما فيه فيدعو لي من وراء الغيب دعوة خير صادقة ، والله الموفق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .\rالرياض في ( 22 / 9 / 1422 هجرية )\rد . عبدالله بن أحمد بن علي الزيد\r_________\r(1) وقد جرى إعادة صف الكتاب في هذه الطبعة الثانية التي استدرك فيها كثير مما فات في الطبعة الأولى وجرى تنقيح الطباعة وتدقيقها .","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\rترجمة الإمام البغوي\rهو الإمام العلامة الحافظ المفسر المحدث الفقيه محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي من أئمة السلف الصالح المتمسكين بالكتاب والسنة .\rولد في بلدة ( بغشور أو : بغ ) وإليها نسبته وهي من بلاد خراسان ، وذلك في أوائل العقد الرابع من القرن الخامس الهجري .\rونشأ البغوي شافعي المذهب غير متعصب لإمامه ولا مندد بغيره من العلماء ، بل سلك مسلك أهل الاختيار والترجيح والتصحيح .\rومنهجه في العقيدة منهج السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم فلم يشغل نفسه بنظريات المتفلسفة وخلافات المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وغيرهم ، وإنما التزم بمنهج أهل السنة والجماعة ناشرًا له ومدافعًا عنه .\rوقد تنقل البغوي في كثير من البلاد طلبا للعلم إلى أن استقر في ( مروالروذ ) الوطن الثاني للبغوي ، وبقي فيها إلى أن وافته المنية عن نيف وثمانين سنة فيما بين عام ( 510 هـ ) إلى ( 516 هـ ) على خلاف في ذلك .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وقد أجمع علماء أهل السنة على جلالة قدر الإمام البغوي ورسوخ علمه بالكتاب والسنة وعلومهما ، وصفه من ترجم له : بشيخ الإسلام ومحيي السنة وعلامة زمانه وأنه دينًا ورعًا عابدًا حافظًا ثبتًا ثقة حجة صحيح العقيدة .\rوهو من أئمة الحديث الشريف ، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده وأحوال رجاله . كما أنه إمام في الفقه والأحكام . وإمام في التفسير وعلوم القرآن الكريم .\rوقد خلف مؤلفات كثيرة منها شرح السنة ، ومصابيح السنة ، ومعالم التنزيل وهو أصل هذا المختصر والتهذيب في فقه الإمام الشافعي . وغير ذلك كثير .\rوأخذ الإمام البغوي العلم عن أئمة عصره وكبار الحفاظ والمحدثين في زمانه منهم : الإمام أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المروزي المتوفى سنة ( 462 هـ ) ، ومحدث مرو عبد الواحد بن أحمد المليحي الهروي المتوفى سنة ( 463 هـ ) ، والإمام علي بن يوسف الجويني شيخ الحجاز المتوفى ( 463 هـ ) وغيرهم .\rوقد روى عنه تلاميذ عدة منهم مجد الدين العطاردي الأصولي والمحدث الطائي الهمذاني وآخرون . رحم الله البغوي رحمة واسعة ورحمنا معه بمنه وكرمه إنه على ذلك قدير .","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"( 1 ) سورة الفاتحة\rولها ثلاثة أسماء معروفة : فاتحة الكتاب ، وأم القرآن ، والسبع المثاني ، وهي مكية على قول الأكثرين ، وقال مجاهد : مدنية ، وقيل : نزلت مرتين ، مرة بمكة ومرة بالمدينة . والأول أصح أنها مكية لأن الله تعالى منَّ على الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ بقوله : { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } ، والمراد منها : فاتحة الكتاب ، وسورة الحجر مكية ، فلم يكن يمن عليه بها قبل نزولها .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"[1] قوله : { بِسْمِ اللَّهِ } الباء زائدة يخفض ما بعدها ، مثل من وعن ، والمتعلق به محذوف لدلالة الكلام عليه ، تقديره : ابدأ بسم الله أو قل بسم الله ، وأسقطت الألف من الاسم طلبًا للخفة لكثرة استعمالها ، فإن قيل : ما معنى التسمية من الله لنفسه ؟ قيل : هو تعليم للعباد كيف يستفتحون القراءة .\rقوله تعالى : { اللَّهِ } قال الخليل وجماعة : هو اسم علم خاص بالله عز وجل لا اشتقاق له كأسماء الأعلام للعباد ، مثل زيد وعمرو ، وقال جماعة : هو مشتق ، ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل : من أله إلاهة أي : عبد عبادة ، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما \" ويذرك وإلاهتك \" أي : عبادتك . معناه أنه المستحق للعبادة دون غيره ، وقيل : أصله إله ، قال الله عز وجل . { وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ } ، قال المبرد : هو قول العرب : ألهت إلى فلان أي سكنت إليه ، قال الشاعر :\r\rألهت إليها والحوادث جمة ...","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره ، يقال : ألهت إليه أي : فزعت إليه . وقيل : أصل الإله ولاه ، فأبدلت الواو بالهمزة مثل وشاح وأشاح ، اشتقاقه من الوله لأن العباد يولهون إليه ، أي يفزعون إليه في الشدائد ويلجؤون إليه في الحوائج كما يوله كل طفل إلى أمه ، وقيل : هو من الوله وهو ذهاب العقل لفقد من يعز عليك .","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"قوله : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما : هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر ، واختلفوا في آية التسمية فذهب قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إلى أنها ليست من فاتحة الكتاب ، ولا من غيرها من السور والافتتاح بها للتيمن والتبرك ، وذهب قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إلى أنها ليست من الفاتحة وليست من سائر السور ، فإنما كتبت للفصل ، وذهب جماعة إلى أنها من الفاتحة ومن كل سورة إلا سورة التوبة ، واتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات والآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وابتداء الآية الأخيرة { صِرَاطَ الَّذِينَ } ، ومن لا يعدها من الفاتحة قال : ابتداؤها { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وابتداء الآية الآخيرة { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } .","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"[2 ، 3] قوله : { الْحَمْدُ لِلَّهِ } لفظه خبر كأنه يخبر عن المستحق للحمد هو الله عز وجل ، وفيه تعليم الخلق تقديره : قولوا الحمد لله ، والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة ، يقال : حمدت فلانًا على ما أسدى إلي من نعمة ، وحمدته على علمه وشجاعته ، والشكر لا يكون إلا على النعمة ، والحمد أعم من الشكر إذ لا يقال : شكرت فلانًا على علمه ، فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامدا .\rقوله : { لِلَّهِ } اللام فيه للاستحقاق كما يقال : الدار لزيد . قوله : { رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، فالرب يكون بمعنى المالك كما يقال لمالك الدار : رب الدار ، ويقال : رب الشيء إذا ملكه ، ويكون بمعنى التربية والإصلاح يقال : رب فلان الضيعة يربها إذا أتمها وأصلحها ، فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم ، ولا يقال للمخلوق : هو الرب معرفًا ، إنما يقال : ربِّ كذا مضافًا ، لأن الألف واللام للتعميم ، وهو لا يملك الكل .","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"والعالمين : جمع عالم والعالم جمع لا واحد له من لفظه ، واختلفوا في العالمين ، قال ابن عباس : هم الجن والإنس ، لأنهم مكلفون بالخطاب ، قال الله تعالى : { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } : وقال قتادة ومجاهد والحسن : جميع المخلوقين ، قال الله تعالى : { قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ }{ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } .","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"[4] قوله : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } قرأ عاصم والكسائي ويعقوب { مَالِكِ } وقرأ الآخرون \" ملك \" قال قوم : معناهما واحد مثل فرهين وفارهين وحذرين وحاذرين ، ومعناهما الرب ، يقال : رب الدار ومالكها ، وقيل : المالك هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ، ولا يقدر عليه أحد غير الله ، قال ابن عباس ومقاتل والسدي : ملك يوم الدين قاضي يوم الحساب ، وقال قتادة : الدين الجزاء ، ويقع على الجزاء في الخير والشر جميعًا ، كما يقال : كما تدين تدان ، قال محمد بن كعب القرظي : ملك يوم لا ينفع فيه إلا الدين ، وقال يمان بن رباب : الدين القهر ، يقال : دنته فدان ، أي : قهرته فذل ، وقيل : الدين الطاعة ، أي : يوم الطاعة ، وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكًا للأيام كلها لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له ، قال الله تعالى : { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } .","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"[5] قوله : { إِيَّاكَ } ، إِيَّا كلمة ضمير خصت بالإضافة إلى المضمر .\rقوله : { نَعْبُدُ } أي : نوحدك ونطيعك خاضعين ، والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع ، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده يقال : طريق معبد أي : مذلل ، { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا .","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"[6] قوله : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } ، اهدنا : أرشدنا ، وقال علي وأبي بن كعب : ثبتنا ، كما يقال للقائم : قم حتى أعود إليك ، أي : دم على ما أنت عليه ، وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية ، بمعنى التثبيت وبمعنى طلب مزيد الهداية ، لأن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى على مذهب أهل السنة .\r{ الصِّرَاطَ } : وصراط قرئ بالسين وهو الأصل ، سمي سراطًا لأنه يسرط السابلة ، ويقرأ بالزاي وقرأ حمزة بإشمام الزاي وكلها لغات صحيحة ، والاختيار الصاد عند أكثر القراء لموافقة المصحف .\rوالصراط المستقيم : قال ابن عباس وجابر : هو الإسلام وهو قول مقاتل ، وقال ابن مسعود : هو القرآن وروي عن علي مرفوعًا : \" الصراط المستقيم كتاب الله \" (1) . وقال سعيد بن جبير : طريق الجنة ، وقال سهل بن عبد الله : طريق السنة والجماعة ، وقال بكر بن عبد الله المزني : طريق رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ ، وقال أبو العالية والحسن : رسول الله وآله وصاحباه ، وأصله في اللغة الطريق الواضح .\r_________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير 1 / 172 وضعفه أحمد شاكر في تعليقه عليه .","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"[7] { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } أي : مننت عليهم بالهداية والتوفيق ، قال عكرمة : مننت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة وهم الأنبياء عليهم السلام ، وقيل : هم كل من ثبته الله على الإيمان من النبيين والمؤمنين . وقال ابن عباس : هم قوم موسى وعيسى عليهما السلام قبل أن يغيروا دينهم ، وقال عبد الرحمن : هم النبي ومن معه ، وقال أبو العالية : هم الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وقال عبد الرحمن بن زيدان : رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وأهل بيته ، وقال شهر بن حوشب : هم أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وأهل بيته .\rقوله : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } يعني : غير صراط الذين غضبت عليهم .","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"{ وَلَا الضَّالِّينَ } أي : وغير الضالين عن الهدى ، وأصل الضلال الهلاك والغيبوبة ، يقال : ضل الماء في اللبن إذا هلك وغاب ، و \" غير \" ههنا بمعنى لا ، ولا بمعنى غير ، وقيل : { الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } هم اليهود والضالون هم النصارى ، لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال : { مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ } [المائدة : 60] وحكم على النصارى بالضلال فقال : { وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ } [المائدة : 77] ، وقال سهل بن عبد الله : غير المغضوب عليهم بالبدعة ولا الضالين عن السنة .\rوالسنة للقارئ أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة \" آمِين \" ، مفصولاً عن الفاتحة بسكتة ، وهو مخفف ويجوز ممدودًا ومقصورًا ، ومعناه اللهم اسمع واستجب .","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"فصل في فضل فاتحة الكتاب\rقال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : « والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها وإنها لهي السبع المثاني التي آتاني الله عز وجل » ، هذا حديث حسن صحيح (1) .\rوعن ابن عباس قال : « بينا رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا من فوقه ، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال : هذا باب فتح من السماء ما فتح قط ، قال : فنزل منه ملك فأتى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ فقال : \" أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك ، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفًا منهما إلا أعطيته » ، صحيح (2) .\rوعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : « من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام » .\r_________\r(1) رواه الترمذي في فضائل القرآن باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب 8 / 178 - 180 ، وأحمد في المسند 2 / 412 - 413 ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم . انظر الترغيب والترهيب للمنذري 2 / 367 ، وأخرجه المصنف في شرح السنة 4 / 446 ، 447 .\r(2) رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم ( 806 ) 1 / 554 ، والنسائي في افتتاح الصلاة 2 / 138 والمصنف في شرح السنة 4 / 466 .","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"وعن أبي هريرة قال : « سمعت رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ يقول : \" قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل \" قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : \" اقرؤوا يقول العبد { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } يقول الله : حمدني عبدي ، يقول العبد : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } يقول الله : أثنى علي عبدي ، يقول العبد : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ، يقول الله : مجدني عبدي ، يقول العبد : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، يقول الله عز وجل : هذه الآية بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، يقول العبد : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } ، يقول الله : ( فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل ) » ، صحيح (1) .\r_________\r(1) رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة رقم ( 395 ) 1 / 296 ، والمصنف في شرح السنة 3 / 47 .","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"(3) سورة البقرة\r[1] { الم } قال الشعبي وجماعة : الم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه ، وهي سر القرآن ، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى ، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها ، قال أبو بكر الصديق : في كل كتاب سر وسر الله في القرآن أوائل السور ، وقال علي : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي .\rوقال جماعة : هي معلومة المعاني ، فقيل : كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه كما قال ابن عباس في { كهيعص } ، الكاف من كافي والهاء من هادي والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق ، وقيل في { المص } أنا الله الملك الصادق ، وقال الربيع بن أنس في الم : الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه اللطيف والميم مفتاح اسمه المجيد ، وقال محمد بن كعب : الألف آلاء الله واللام لطفه والميم ملكه ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : معنى { الم } أنا الله أعلم ، ومعنى المص أنا الله أعلم وأفصل ، ومعنى { الر } أنا الله أرى ، ومعنى { المر } أنا الله أعلم وأرى . قال الزجاج : وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفا من كلمة تريدها كقولهم :\r\rقلت لها قفي فقالت لي قاف (1) ...\r_________\r(1) هذا الرجز للوليد بن عقبة انظر تفسير الطبري 1 / 212 .","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"أي : وقفت .\rوعن سعيد بن جبير قال : هي أسماء الله تعالى مقطعة لو أحسن الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم ، ألا ترى أنك تقول : { المر } ، و : { حم } ، و : { ن } ، فيكون الرحمن ، وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على وصلها .\rوقال قتادة : هذه الحروف أسماء القرآن ، وقال مجاهد وابن زيد : هي أسماء السور ، وبيانه أن القائل إذا قال قرأت { المص } عرف السامع أنه قرأ السورة التي افتتحت بالمص ، وروي عن ابن عباس : أنها أقسام ، وقال الأخفش : إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها مباني كتبه المنزلة ومبادئ أسمائه الحسنى .\r[2] قوله : { ذَلِكَ الْكِتَابُ } أي : هذا الكتاب وهو القرآن ، وأصل الكتاب الضم والجمع ، وسمي الكتاب كتابًا لأنه جمع حرف إلى أحرف .\rقوله تعالى : { لَا رَيْبَ فِيهِ } ، أي : لا شك فيه أنه من عند الله وأنه الحق والصدق ، وقيل : هو خبر بمعنى النهي أي : لا ترتابوا فيه .","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"قوله تعالى : { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } أي : هو هدى ، أي : رشد وبيان لأهل التقوى ، وقيل : هو نصب على الحال ، أي : هاديًا ، تقديره ، لا ريب فيه في هدايته للمتقين ، والهدى ما يهتدي به الإنسان . للمتقين ، أي : للمؤمنين ، قال ابن عباس : المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش ، وهو مأخوذ من الاتقاء ، وأصله الحجز بين شيئين ، ومنه يقال : اتقى بترسه أي : جعله حاجزًا بين نفسه وبين ما يقصده . فكأن المتقي يجعل امتثال أمر الله والاجتناب عما نهاه حاجزًا بينه وبين العذاب وتخصيص المتقين بالذكر تشريف لهم أو لأنهم هم المنتفعون بالهدى .","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"[3] : قوله تعالى : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } موضع ( الذين ) خفض ؛ نعتًا للمتقين ، يؤمنون يصدقون ، وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب ، قال الله تعالى : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } أي : بمصدق لنا ، وهو في الشريعة : الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان ، فسمي الإقرار والعمل إيمانًا لوجه من المناسبة لأنه من شرائعه ، والإسلام هو الخضوع والانقياد فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانًا إذا لم يكن معه تصديق ، وذلك لأن الرجل قد يكون مستسلمًا في الظاهر غير مصدق في الباطن ويكون مصدقًا في الباطن غير منقاد في الظاهر ، والإيمان مأخوذ من الأمان فسمي المؤمن مؤمنًا لأنه يؤمن نفسه من عذاب الله ، والله تعالى مؤمن لأنه يؤمن العباد من عذابه .\r{ بِالْغَيْبِ } ما كان مغيبًا من العيون ، قال ابن عباس : الغيب ههنا كل ما أمرت بالإيمان به فيما غاب عن بصرك من الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان ، وقيل : الغيب ههنا هو الله تعالى ، وقيل : القرآن وقال الحسن : الآخرة ، وقال ابن جريج : الوحي .","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"قوله : { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } ، أي : يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها وأركانها وهيئاتها ، يقال : قام بالأمر وأقام الأمر إذا أتى به معطيًا حقوقه ، أو المراد بها الصلوات الخمس ، ذكر بلفظ الواحد . والصلاة في اللغة : الدعاء ، قال الله تعالى : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } أي : ادع لهم ، وفي الشريعة اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء وثناء .\rقوله : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } ، أي : أعطيناهم ، والرزق اسم لكل ما ينتفع به حتى الولد والعبد ، وأصله في اللغة : الحظ والنصيب .\r{ يُنْفِقُونَ } : يتصدقون ، قال قتادة : ينفقون في سبيل الله وطاعته ، وأصل الإنفاق : الإخراج عن اليد والملك ، وهذه الآية في المؤمنين من مشركي العرب .","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"[4] قوله : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } ، يعني : القرآن . { وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } : من التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهذه الآية في المؤمنين من أهل الكتب . قوله : { وَبِالْآخِرَةِ } ، أي : بالدار الآخرة ، سميت الدنيا : دنيا لدنوها من الآخرة ، وسميت الآخرة : آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا { هُمْ يُوقِنُونَ } ، أي : يستيقنون أنها كائنة ، من الإيقان وهو العلم ، وقيل : الإيقان واليقين علم عن استدلال ، ولذلك لا يسمى الله موقنًا ولا علمه يقينًا إذ ليس علمه عن استدلال .\r[5] قوله : { أُولَئِكَ } أي : أهل هذه الصفة { عَلَى هُدًى } ، أي : رشد وبيان وبصيرة . { مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } : الناجون والفائزون فازوا بالجنة ونجوا من النار ، ويكون الفلاح بمعنى البقاء ، أي باقون في النعيم المقيم ، وأصل الفلاح : القطع والشق ، ومنه سمي الزارع : فلاحًا لأنه يشق الأرض ، فهم المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة .","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"[6] قوله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني مشركي العرب ، قال الكلبي : يعني اليهود ، والكفر هو الجحود ، وأصله : من الستر ومنه سمي الليل كافرًا لأنه يستر الأشياء بظلمته ، وسمي الزارع كافرًا لأنه يستر الحب بالتراب ، فالكافر يستر الحق بجحوده ، والكفر على أربعة أنحاء : كفر إنكار ، وكفر جحود ، وكفر عناد ، وكفر نفاق ، فكفر الإنكار هو أن لا يعرف الله أصلًا ولا يعترف به ، وكفر به ، وكفر الجحود هو أن يعرف الله بقلبه ولا يعترف بلسانه ككفر إبليس وكفر اليهود ، وكفر العناد هو أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب ، وأما كفر النفاق فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب .\rوجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له .","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"قوله : { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ } متساو لديهم { أَأَنْذَرْتَهُمْ } : خوفتهم وحذرتهم ، والإنذار : إعلام مع تخويف وتحذير ، فكل منذر معلم وليس كل معلم منذرًا . { أَمْ } : حرف عطف على الاستفهام ، { لَمْ } : حرف جزم لا يلي إلا الفعل ، لأن الجزم يختص بالأفعال . { تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } : وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله .\rثم ذكر سبب تركهم الإيمان فقال :\r[7] { خَتَمَ اللَّهُ } أي : طبع الله { عَلَى قُلُوبِهِمْ } فلا تعي خيرًا ولا تفهمه ، وحقيقة الختم : الاستيثاق من الشيء كيلا يدخله ما خرج منه ولا يخرج عنه ما فيه ، ومنه الختم على الباب ، قال أهل السنة : أي حكم على قلوبهم بالكفر لما سبق من علمه الأول فيهم ، وقال المعتزلة : جعل على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها ، { وَعَلَى سَمْعِهِمْ } ، أي : على موضع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به ، وأراد على أسماعهم كما قال على قلوبهم ، وإنما وحده لأنه مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع . { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } : هذا ابتداء كلام ، غشاوة أي : غطاء فلا يرون الحق .","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"{ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي : في الآخرة ، وقيل : القتل والأسر في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى ، والعذاب : كل ما يعني الإنسان ويشق عليه ، قال الخليل : العذاب ما يمنع الإنسان عن مراده ، ومنه الماء العذب لأنه يمنع العطش .\r[8] قوله : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ } نزلت في المنافقين وأكثرهم من اليهود ، والناس : جمع إنسان ، وسمي به لأنه عهد إليه فنسي ، كما قال الله تعالى : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ } ، وقيل : لظهوره من قولهم أي أبصرت ، وقيل : لأنه يستأنس به . { وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ } أي : بيوم القيامة ، قال الله تعالى : { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } .","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"[9] { يُخَادِعُونَ اللَّهَ } أي : يخالفون الله ، وأصل الخداع في اللغة الإخفاء ، ومنه المخدع للبيت الذي يخفي فيه المتاع ، فالمخادع يظهر خلاف ما يضمر . وقيل : أصل الخداع : الفساد ، معناه : يفسدون ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من الكفر { وَالَّذِينَ آمَنُوا } ، أي ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا وهم غير مؤمنين . { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ } لأن وبال خداعهم راجع إليهم لأن الله يطلع نبيه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى ، { وَمَا يَشْعُرُونَ } أي : لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم .\r[10] { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } : شك ونفاق ، وأصل المرض الضعف ، سمي الشك في الدنيا مرضًا لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن ، { فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } ، لأن الآيات كانت تنزل تترى آية بعد آية ، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرًا ونفاقًا { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } : مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم ، { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } : ما للمصدر ، أي : بتكذيبهم الله ورسوله في السر .","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"[11] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } ، يعني : للمنافقين ، وقيل : لليهود ، أي : قال لهم المؤمنون : { لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ } ، بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ والقرآن ، وقيل : معناه لا تكفروا ، والكفر أشد فسادًا في الدين ، { قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } : يقول هذا القول كذبًا كقولهم آمنا وهم كاذبون .\r[12] { أَلَا } : كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب ، { إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ } أنفسهم بالكفر ، والناس بالتعويق عن الإيمان ، { وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ } أي : لا يعلمون أنهم مفسدون ، لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح ، وقيل : لا يعلمون ما أعد الله لهم من العذاب .","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"[13] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي : للمنافقين ، وقيل : لليهود : { آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ } : عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب ، وقيل : كما آمن المهاجرون والأنصار ، { قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ } أي : الجهال ، فإن قيل : كيف يصح النفاق مع المجاهرة . بقولهم أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ قيل : إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين ، فأخبر الله نبيه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ والمؤمنين بذلك فرد الله عليهم فقال : { أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ } ، أنهم كذلك ، والسفيه خفيف العقل رقيق الحلم ، من قولهم : ثوب سفيه أي : رقيق ، وقيل : السفيه : الكذاب الذي يتعمد بخلاف ما يعلم .","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"[14] { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا } ، يعني : هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار : { قَالُوا آمَنَّا } كإيمانكم { وَإِذَا خَلَوْا } رجعوا ، ويجوز أن يكون من الخلوة ، و { إِلَى } ، بمعنى : الباء أي : بشياطينهم ، وقيل : إلى بمعنى مع ، كما قال الله تعالى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } أي : مع أموالكم { شَيَاطِينِهِمْ } ، أي : رؤسائهم وكهنتهم ، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له ، والشيطان : المتمرد العاتي من الجن والإنس ومن كل شيء ، وأصله البعد ، يقال : بئر شطون ، أي : بعيدة العمق ، سمي الشيطان شيطانًا لامتداده في الشر وبعده من الخير ، وقال مجاهد : إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين ، { قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ } ، أي : على دينكم { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } بمحمد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وأصحابه بما نُظهر من الإسلام .","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"[15] { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ } : يتركهم ويمهلهم ، والمد والإمداد واحد ، وأصله الزيادة إلا أن المد كثيرًا ما يأتي في الشر ، والإمداد في الخير ، قال الله تعالى في المد { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا } ، وقال في الإمداد : { وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } ، { وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ } . { فِي طُغْيَانِهِمْ } أي : في ضلالتهم ، وأصل الطغيان : مجاوزة الحد ، ومنه : طغى الماء { يَعْمَهُونَ } ، أي يترددون في الضلالة متحيرين .","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"[16] { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى } : بالإيمان { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ } أي : استبدلوا الكفر ، أي : ما ربحوا في تجارتهم { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } : من الضلالة ، وقيل : مصيبين في تجارتهم .","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"[17] { مَثَلُهُمْ } : شبههم ، وقيل : صفتهم ، والمثل قول سائر في عرف الناس يعرف به منه الشيء ، وهو أحد أقسام القرآن السبعة ، { كَمَثَلِ الَّذِي } : يعني الذين بدليل سياق الآية { اسْتَوْقَدَ نَارًا } : أوقد نارًا ، { فَلَمَّا أَضَاءَتْ } النار { مَا حَوْلَهُ } ، أي : حول المستوقد { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ } ، قال ابن عباس : نزلت في المنافقين ، يقول : مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف ، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة خائفًا متحيرًا ، فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمِنُوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ، ووارثوهم وقاسموهم الغنائم ، فذلك نورهم ، فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف ، وقيل : ذهاب نورهم في القبر ، وقيل : في القيامة حيث يقولون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم ، وقيل : ذهاب نورهم بإظهار عقيدتهم على لسان النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ ، فضرب النار مثلًا ، ثم لم يقل : أطفأ الله نورهم لكن عبر بإذهاب النور عنه ، لأن النار نور وحرارة فيذهب نورهم","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"وتبقى الحرارة عليهم ، وقال مجاهد : إضاءة النار إقبالهم إلى المسلمين والهدى ، وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة ، وقال عطاء : نزلت في اليهود وانتظارهم خروج النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ واستفتاحهم به على مشركي العرب ، فلما خرج كفروا به .\rثم وصفهم الله فقال :\r[18] { صُمٌّ } أي : هم صم عن الحق لا يقبلونه ، وإذا لم يقبلوا فكأنهم لم يسمعوا ، { بُكْمٌ } خرس عن الحق لا يقولونه ، أو أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ينطقوا بالحق ، { عُمْيٌ } أي : لا بصائر لهم ، ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له ، { فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } عن الضلالة إلى الحق .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"[19] { أَوْ كَصَيِّبٍ } أي : كأصحاب صيب ، وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى للمنافقين ، بمعنى : إن شئت مثلهم بالمستوقد ، وإن شئت بأهل الصيب ، والصيب : المطر وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب ، فعيل من صاب يصوب ، أي : نزل { مِنَ السَّمَاءِ } أي : من السحاب ، وقيل : هي السماء بعينها ، والسماء كل ما علاك فأظلك ، وهي من أسماء الأجناس يكون واحدًا وجمعًا . { فِيهِ } أي : في الصيب ، وقيل : في السماء ، أي : في السحاب { ظُلُمَاتٌ } جمع ظلمة { وَرَعْدٌ } : وهو الصوت الذي يسمع من السحاب ، { وَبَرْقٌ } : وهو النار التي تخرج منه { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ } : جمع صاعقة ، وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه ، ويقال لكل عذاب مهلك : صاعقة .\rقوله : { حَذَرَ الْمَوْتِ } ، أي : مخافة الهلاك ، { وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ } ، أي : عالم بهم ، وقيل : جامعهم ، قال مجاهد : يجمعهم فيعذبهم ، وقيل : مهلكهم ، دليله قوله تعالى . { إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ } أي تهلكوا جميعًا .","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"[20] { يَكَادُ الْبَرْقُ } ، أي : يقرب ، يقال : كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل ، { يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } : يختلسها ، والخطف استلاب بسرعة { كُلَّمَا } متى ما ، { أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } ، أي : وقفوا متحيرين ، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة وسواد في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات ، من صفتها أن الساري لا يمكنه المشي فيها ، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هوله ، وبرق من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده ، فهذا مثل ضربه الله للقرآن ، وصنيع الكافرين والمنافقين معه ، فالمطر : القرآن لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان ، والظلمات : ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك ، والرعد ما خوفوا به من الوعيد ، وذكر النار ، والبرق ما فيه من الهدى والبيان والوعد ، وذكر الجنة ، فالكافرون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه ، لأن الإيمان عندهم كفر ، والكفر موت ، يكاد البرق يخطف أبصارهم أي : القرآن يبهر قلوبهم . وقيل : هذا مثل ضربه الله للإسلام ، فالمطر : الإسلام ، والظلمات : ما فيه من","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"البلاء والمحن ، والرعد : ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة ، والبرق : ما فيه من الوعد ، { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ } يعني : أن المنافقين إذا رأوا في الإسلام بلاء وشدة هربوا حذرًا من الهلاك ، والله محيط بالكافرين : جامعهم ، يعني : لا ينفعهم هربهم لأن الله تعالى من ورائهم يجمعهم فيعذبهم ، { يَكَادُ الْبَرْقُ } يعني : دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ما سبق لهم من الشقاوة { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ } يعني : أن المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان آمنوا فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة ، وقيل : معناه كلما نالوا غنيمة وراحة في الإسلام ثبتوا وقالوا : إنا معكم ، وإذا أظلم عليهم يعني : رأوا شدة وبلاء تأخروا وقاموا ، أي : وقفوا { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ } ، أي : بأسماعهم { وَأَبْصَارِهِمْ } الظاهرة ، كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة ، وقيل : لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } : قادر .","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"[21] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا النَّاسُ } ، قال ابن عباس : يا أيها الناس : خطاب أهل مكة ، ويا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة ، وهو ههنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله الصغار والمجانين { اعْبُدُوا } : وحدوا ، قال ابن عباس : كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد ، { رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ } : والخلق اختراع الشيء على غير مثال سبق { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } ، أي وخلق الذين من قبلكم { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } : لكي تنجوا من العذاب ، وقيل : معناه كونوا على رجاء التقوى بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله ، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء .","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"[22] { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا } ، أي بساطًا ، وقيل : منامًا ، وقيل : وطاء ، أي : ذللها ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها ، والجعل ههنا بمعنى : الخلق ، { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } : سقفًا مرفوعًا ، { وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ } ، أي : من السحاب ، { مَاءً } ، وهو المطر ، { فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ } : من ألوان الثمرات وأنواع النبات ، { رِزْقًا لَكُمْ } : طعامًا لكم وعلفًا لدوابكم ، { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } ، أي : أمثالًا تعبدونهم كعبادة الله ، وقال أبو عبيدة : الند الضد ، وهو من الأضداد ، والله تعالى بريء من المثل والضد ، { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } : أنه واحد خالق هذه الأشياء .","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"[23] { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } ، أي : وإن كنتم في شك ، لأن الله تعالى علم أنهم شاكون { مِمَّا نَزَّلْنَا } ، يعني : القرآن ، { عَلَى عَبْدِنَا } : محمد ، { فَأْتُوا } : أمر تعجيز ، { بِسُورَةٍ } ، والسورة قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر . { مِنْ مِثْلِهِ } ، أي : مثل القرآن ، ومن : صلة ، كقوله تعالى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } ، وقيل : الهاء في مثله راجعة إلى محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم ، يعني : من مثل محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم أمي لا يحسن الخط والكتابة ، { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } ، أي : واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها ، { مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، وقال مجاهد : ناسًا يشهدون لكم ، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } : أن محمدًا صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم تقوَّلَه من تلقاء نفسه ، فلما تحداهم عجزوا ، فقال :","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"[24] { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا } ، فيما مضى { وَلَنْ تَفْعَلُوا } أبدًا فيما بقي ، وإنما قال ذلك لبيان الإعجاز ، وأن القرآن كان معجزة النبي صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم حيث عجزوا عن الإتيان بمثله ، قوله : { فَاتَّقُوا النَّارَ } ، أي : فآمنوا واتقوا بالإيمان النار ، { الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين : يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهابًا ، وقيل : جمع الحجارة ، وهو دليل على عظم تلك النار ، وقيل : أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة ، كما قال : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } ، { أُعِدَّتْ } : هيئت { لِلْكَافِرِينَ } .","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"[25] قوله تعالى : { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا } ، أي : أخبر ، والبشارة : كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه ، ويستعمل في الخير والشر وفي الخير أغلب ، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، أي : الفعلات الصالحات ، يعني : المؤمنين الذين هم من أهل الطاعات قال معاذ : العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء : العلم والنية والصبر والإخلاص ، { أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ } : جمع الجنة ، والجنة : البستان الذي فيه أشجار مثمرة ، سميت بها لاجتنانها وتسترها بالأشجار ، وقال الفراء : الجنة ما فيه النخيل ، والفردوس ما فيه الكرم { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا } أي : من تحت أشجارها ومساكنها { الْأَنْهَارُ } أي : المياه في الأنهار ، لأن النهر لا يجري ، وقيل : من تحتها أي : بأمرهم ، والأنهار جمع نهر ، سمي به لسعته وضيائه ، ومنه النهار { كُلَّمَا } : متى ما ، { رُزِقُوا } : أطعموا { مِنْهَا } أي : من الجنة ، { مِنْ ثَمَرَةٍ } أي : ثمرة ، ومن : صلة . { رِزْقًا } : طعامًا ، { قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } قيل : من قبل في الدنيا ، وقيل : الثمار في الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم ، فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"أنها الأولى ، { وَأُتُوا بِهِ } : رزقًا { مُتَشَابِهًا } ، قال ابن عباس ومجاهد والربيع : متشابهًا في الألوان مختلفًا في الطعوم ، وقال الحسن وقتادة : متشابهًا أي : يشبه بعضها بعضًا في الجودة ، أي : كلها خيار لا رذالة فيها ، وقال محمد بن كعب : يشبه ثمر الدنيا ، غير أنها أطيب ، وقيل : متشابهًا في الاسم مختلفًا في الطعم ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي .\rقوله تعالى : { وَلَهُمْ فِيهَا } : في الجنان { أَزْوَاجٌ } : نساء وجوار ، يعني : من الحور العين ، { مُطَهَّرَةٌ } : من الغائط والبول والحيض والنفاس والبصاق والمخاط والمني والولد وكل قذر ، وقيل : مطهرة عن مساوئ الأخلاق { وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ، دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها .","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"[26] قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا } يذكر شبها ، { مَا بَعُوضَةً } ما : صلة ، أي : مثلاً بالبعوضة ، وبعوضة : نصب بدل عن المثل ، والبعوض صغار البق ، سميت بعوضة لأنها كانت بعض البق ، { فَمَا فَوْقَهَا } ، يعني : الذباب والعنكبوت ، وقال أبو عبيدة : أي : فما دونها ، كما يقال : فلان جاهل ، فيقال : وفوق ذلك ، أي : وأجهل . { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا } : بمحمد والقرآن ، { فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ } ، يعني : المثل هو { الْحَقُّ } : الصدق { مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا } أي : بهذا المثل ، فلما حذف الألف واللام نصب على الحال والقطع ، ثم أجابهم فقال : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } من الكفار ، وذلك أنهم يكذبون فيزدادون ضلالاً ، { وَيَهْدِي بِهِ } ، أي بهذا المثل { كَثِيرًا } من المؤمنين فيصدقونه ، والإضلال هو الصرف عن الحق إلى الباطل ، وقيل : هو الهلاك ، يقال : ضل الماء في اللبن إذا هلك ، { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ } : الكافرين ، وأصل الفسق : الخروج ، يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"قشرها ، ثم وصفهم فقال :\r[27] { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ } : يخالفون ويتركون ، وأصل النقض : الكسر ، { عَهْدَ اللَّهِ } : أمر الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق بقوله : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } ؟ { قَالُوا بَلَى } ، وقيل : أراد به العهد الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن يؤمنوا بمحمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم في قوله : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ } ، الآية ، وقيل : أراد به العهد الذي عهد إليهم في التوراة أن يؤمنوا بمحمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم ويبينوا نعته ، { مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } : توكيده ، والميثاق : العهد المؤكد ، { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } ، يعني : الإيمان بمحمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم وبجميع الرسل عليهم السلام وقيل : أراد به الأرحام ، { وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ } : بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم وبالقرآن ، { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } : المغبونون .\rثم قال لمشركي العرب على وجه التعجب :\r[28] { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ } ؟ بعد نصب الدلائل ووضوح البرهان .","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"ثم ذكر الدلائل فقال : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } : نطفًا في أصلاب آبائكم ، { فَأَحْيَاكُمْ } : في الأرحام والدنيا ، { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم ، { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } : للبعث ، { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، أي : تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم .\r[29] قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } ، لكي تعتبروا وتستدلوا ، وقيل : لكي تنتفعوا ، { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ } ، قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف : أي ارتفع إلى السماء { فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } : خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدوع ، { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"[30] { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } ، أي : وقال ربك وإذ زائدة ، وقيل : معناه واذكر إذ قال ربك ، وكذلك كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله ، إذ وإذا : حرفا توقيت إلا أن إذ للماضي وإذا للمستقبل ، وقد يوضع أحدهما موضع الآخر . { لِلْمَلَائِكَةِ } ، جمع ملك ، وأراد به الملائكة الذين كانوا في الأرض { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } ، أي : بدلا منكم ، والمراد بالخليفة ههنا آدم { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } : بالمعاصي ، { وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } بغير حق { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } ، قال الحسن : نقول : سبحان الله وبحمده هو صلاة الخلق وصلاة البهائم وغيرهما سوى الآدميين { وَنُقَدِّسُ لَكَ } ، أي : نثني عليك بالقدس والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك ، وقيل : ونطهر أنفسنا لطاعتك ، وقيل : وننزهك ، واللام : صلة ، وقيل : لم يكن هذا من الملائكة على طريق الاعتراض والعجب بالعمل بل على سبيل التعجب وطلب الحكمة فيه ، قَالَ الله { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } : من المصلحة فيه ، وقيل : إني أعلم أن في ذريته من يطيعني ويعبدني من الأنبياء والأولياء والصلحاء ، وقيل","part":1,"page":56},{"id":57,"text":": إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس ، وقيل : إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم .","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"[31] قوله تعالى : { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا } : سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض ، وقيل : لأنه كان آدم اللون ، فلما خلقه الله عز وجل علمه أسماء الأشياء ، وذلك أن الملائكة قالوا لما قال الله تعالى : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقًا أكرم عليه منا وإن كان غيرنا أكرم عليه فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره ، فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم ، قال ابن عباس : علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة ، وقيل : اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وقال الربيع بن أنس : أسماء الملائكة ، وقيل : أسماء ذريته ، وقيل : صنعة كل شيء { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ } إنما قال : { عَرَضَهُمْ } ، ولم يقل عرضها لأن المسميات إذا جمعت من يعقل ومن لا يعقل يكنى عنها بلفظ من يعقل ، كما يكنى عن الذكور والإناث بلفظ الذكور ، وقال مقاتل : خلق الله كل شيء الحيوان والجماد ثم عرض تلك الشخوص على الملائكة ، فالكناية راجعة إلى الشخوص ، فلذلك قال عرضهم { فَقَالَ أَنْبِئُونِي } أخبروني { بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، إني لا أخلق","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"خلقًا إلا وكنتم أفضل وأعلم منه .\rفقالت الملائكة إقرارًا بالعجز :\r[32] { قَالُوا سُبْحَانَكَ } : تنزيهًا لك ، { لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا } ، معناه : إنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا ، { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ } بخلقك { الْحَكِيمُ } في أمرك ، والحكيم له معنيان : أحدهما الحاكم وهو القاضي العدل ، والثاني المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد ، وأصل الحكمة في اللغة : المنع فهي تمنع صاحبها من الباطل .\rفلما ظهر عجزهم .","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"[33] قال الله تعالى : { يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } ، أخبرهم بأسمائهم فسمى آدم كل شيء وذكر الحكمة التي لأجلها خلق ، { فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ } الله تعالى : { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ } يا ملائكتي { إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، ما كان منهما وما يكون { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } ، قال الحسن وقتادة : يعني قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ، { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } : قولكم لن يخلق الله خلقًا أكرم عليه منا ، قال ابن عباس هو : إن إبليس مر على جسد آدم لا روح فيه ، فقال : لأمر ما خلق هذا ، ثم دخل في فيه وخرج من دبره ، وقال : إنه خلق لا يتماسك لأنه أجوف ، ثم قال للملائكة الذين معه : أرأيتم إن فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون ؟ قالوا : نطيع أمر ربنا ، فقال إبليس في نفسه : والله لئن سلطت عليه لأهلكنه ولئن سلط علي لأعصينه ، فقال الله تعالى : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } يعني ما تبديه الملائكة من الطاعة ، { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } يعني إبليس من المعصية .","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"[34] وقوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ } اختلفوا في هذا الخطاب مع الملائكة ، فقال بعضهم : مع الذين كانوا سكان الأرض والأصح أنه مع جميع الملائكة ، لقوله تعالى : { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } ، وقوله : { اسْجُدُوا } ، فيه قولان : الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة وتضمن معنى الطاعة لله عز وجل وامتثال أمره ، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة ، كسجود إخوة يوسف له في قوله عز وجل : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا } ، ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض إنما كان انحناء فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام ، وقيل : معنى قوله : { اسْجُدُوا لِآدَمَ } أي : إلى آدم فكان آدم قبلة والسجود لله تعالى كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة لله عز وجل ، { فَسَجَدُوا } يعني : الملائكة ، { إِلَّا إِبْلِيسَ } ، وكان اسمه عزازيل بالسريانية وبالعربية الحارث ، فلما عصى غير اسمه وصورته ، فقيل : إبليس لأنه أبلس من رحمة الله تعالى ، أي : يئس ، واختلفوا فيه ، فقال ابن عباس وأكثر المفسرين : كان إبليس من الملائكة ، وقال الحسن : كان من الجن ولم يكن من الملائكة لقوله تعالى","part":1,"page":61},{"id":62,"text":": { إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } ، فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس ، ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور ، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة ، والأول أصح لأن خطاب السجود كان مع الملائكة ، وقوله : { كَانَ مِنَ الْجِنِّ } ، أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة ، وقال سعيد بن جبير : من الذين يعملون في الجنة وقيل : إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار سموا جنًّا لاستتارهم عن الأعين ، وإبليس كان منهم .\rقوله : { أَبَى } أي : امتنع فلم يسجد ، { وَاسْتَكْبَرَ } أي : تكبر عن السجود لآدم ، { وَكَانَ } أي : وصار { مِنَ الْكَافِرِينَ } ، وقال أكثر المفسرين : وكان في سابق علم الله من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة . قوله تعالى :","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"[35] { وَقُلْنَا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا } : واسعًا كثيرًا ، { حَيْثُ شِئْتُمَا } : كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما ، { وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } ، يعني : بالأكل ، قال بعض العلماء : وقع النهي على جنس من الشجر ، وقال آخرون : على شجرة مخصوصة { فَتَكُونَا } : فتصيرا { مِنَ الظَّالِمِينَ } ، أي : الضارين أنفسكما بالمعصية ، وأصل الظلم : وضع الشيء في غير موضعه .","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"[36] { فَأَزَلَّهُمَا } : استزل { الشَّيْطَانُ } آدم وحواء ، أي : دعاهما إلى الزلة { عَنْهَا } عن الجنة { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } : من النعيم { وَقُلْنَا اهْبِطُوا } : انزلوا إلى الأرض ، يعني : آدم وحواء وإبليس والحية { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } أراد العداوة التي بين ذرية آدم والحية ، وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس ، وقوله تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } موضع قرار { وَمَتَاعٌ } بلغة ومستمتع { إِلَى حِينٍ } إلى انقضاء آجالكم .","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"[37] { فَتَلَقَّى } التلقي : هو قبول عن فطنة وفهم ، وقيل : هو التعلم ، { آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } اختلفوا في تلك الكلمات ، قال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن : هي قوله : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } الآية ، وقال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي : هو قوله : لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءًا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءًا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين ، وقال عبيد بن عمير : هي أن آدم قال : يا رب أرأيت ما أتيت ، أشيء ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرتَه عليّ قبل أن تخلقني ؟ قال الله تعالى : لا بل شيء قدرته عليكم قبل أن أخلقك ، قال : يا رب فكما قدرته قبل أن تخلقني فاغفر لي ، وقيل : هي ثلاثة أشياء الحياء والدعاء والبكاء . قوله : { فَتَابَ عَلَيْهِ } : فتجاوز عنه { إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ } : يقبل توبة عباده { الرَّحِيمُ } : بخلقه .","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"[38] قوله تعالى : { قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا } ، يعني : هؤلاء الأربعة وقيل الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والهبوط الثاني من السماء الدنيا إلى الأرض { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } ، أي فإن يأتكم يا ذرية آدم { مِنِّي هُدًى } ، أي : رشد وبيان شريعة ، وقيل : كتاب ورسول ، { فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيما يستقبلهم { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوا ، وقيل : لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة .\r[39] { وَالَّذِينَ كَفَرُوا } : جحدوا { وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } بالقرآن { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ } : يوم القيامة ، { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } : لا يخرجون منها ولا يموتون فيها .","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"[40] قوله تعالى : { يا بَنِي إِسْرَائِيلَ } يا أولاد يعقوب ، ومعنى إسرائيل : عبد الله { اذْكُرُوا } : احفظوا ، والذكر يكون بالقلب ويكون باللسان ، وقيل : أراد به الشكر ، وذكر بلفظ الذكر ، لأن في الشكر ذكرًا وفي الكفران نسيانًا ، قال الحسن : ذكر النعمة شكرها ، { نِعْمَتِيَ } ، أي : نعمي ، لفظها واحد ومعناها جمع { الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } ، أي : على أجدادكم وأسلافكم ، قال قتادة : هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل : فلق البحر ، وإنجاؤهم من فرعون بإغراقه ، وتظليل الغمام عليهم في التيه ، وإنزال المن والسلوى ، وإنزال التوراة ، في نعم كثيرة لا تحصى ، وقال غيره : هي جميع النعم التي لله عز وجل على عباده ، { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي } : بامتثال أمري { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } : بالقبول والثواب { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } : فخافوني في نقض العهد .","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"[41] { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ } يعني القرآن ، { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } ، أي : موافقًا لما معكم من التوراة في التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم ، { وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } ، أي : بالقرآن ، يريد من أهل الكتاب ، لأن قريشًا كفرت قبل اليهود بمكة ، معناه ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فتتابعكم اليهود على ذلك فتبوءوا بآثامكم وآثامهم ، { وَلَا تَشْتَرُوا } ، أي ولا تستبدلوا { بِآيَاتِي } : ببيان صفة محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم ، { ثَمَنًا قَلِيلًا } أي : عوضًا يسيرًا من الدنيا ، وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مأكلة يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون كل عام منهم شيئًا معروفًا من زروعهم وضروعهم ونقودهم ، فخافوا أنهم إن بينوا صفة محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم وتابعوه أن تفوتهم تلك المأكلة ، فغيروا نعته وكتموا اسمه ، فاختاروا الدنيا على الآخرة { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } فاخشوني .","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"[42] { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } ، أي لا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم من صفة محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفة محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم ، والأكثرون على أنه أراد لا تلبسوا الإسلام باليهودية والنصرانية ، وقال مقاتل : إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم وكتموا بعضا ليصدقوا في ذلك ، فقال ولا تلبسوا الحق الذي تغيرون بالباطل ، يعني : بما تكتمونه ، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم ، { وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ } ، أي : لا تكتموه ، يعني : نعت محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم ، { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه نبي مرسل .","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"[43] { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } ، يعني : الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها ، { وَآتُوا الزَّكَاةَ } أدوا زكاة أموالكم المفروضة ، فهي مأخوذة من زكاة الزرع إذا نما وكثر ، وقيل : من تزكى ، أي تطهر ، وكلا المعنيين موجودان في الزكاة لأن فيها تطهير أو تنمية للمال ، { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } ، أي صلوا مع المصلين محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم وأصحابه ، وذكر بلفظ الركوع لأن الركوع ركن من أركان الصلاة ، ولأن صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع ، وكأنه قال صلوا صلاة ذات ركوع ، قيل : وإعادته بعد قوله : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } لهذا ، أي : صلوا مع الذين في صلواتهم ركوع ، فالأول مطلق في حق الكل ، وهذا في حق أقوام مخصوصين ، وقيل : هذا حث على إقام الصلاة جماعة كأنه قال لهم : صلوا مع المصلين الذين سبقوهم بالإيمان .","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"[44] { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ } ، أي : بالطاعة ، نزلت في علماء اليهود وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المؤمنين إذا سأله عن أمر محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم : اثبت على دينه فإن أمره حق ، وقوله صدق ، وقيل : هو خطاب لأحبارهم حيث أمروا أتباعهم بالتمسك بالتوراة ، ثم خالفوا وغيروا نعت محمد صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم ، { وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } ، أي : تتركون أنفسكم فلا تتبعونه ، { وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ } : تقرءون التوراة فيها نعته وصفته ، { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } : أنه حق فتتبعون ، والعقل مأخوذ من عقال الدابة ، وهو ما يشد به ركبة البعير فيمنعه عن الشرود ، فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود .","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"[45] { وَاسْتَعِينُوا } : على ما يستقبلكم من أنواع البلاء ، وقيل : على طلب الآخرة ، { بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } : أراد حبس النفس عن المعاصي ، وقيل : أراد بالصبر : الصبر على أداء الفرائض ، وقال مجاهد : الصبر : الصوم ، ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر ، وذلك لأن الصوم يزهده في الدنيا والصلاة ترغبه في الآخرة ، وقيل : الواو بمعنى \" على \" أي : واستعينوا بالصبر على الصلاة كما قال الله تعالى : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } ، { وَإِنَّهَا } ، ولم يقل وإنهما ، رد الكناية إلى كل واحد منهما ، أي وإن كل خصلة منهما وقيل : معناه واستعينوا بالصبر وإنه لكبير ، وبالصلاة وإنها لكبيرة ، فحذف أحدهما اختصارًا ، { لَكَبِيرَةٌ } ، أي : لثقيلة { إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } ، يعني : المؤمنين ، وقال الحسن : الخائفين ، وقيل : المطيعين ، وقال مقاتل بن حيان : المتواضعين ، وأصل الخشوع : السكون ، قال الله تعالى : { وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ } ، فالخاشع ساكن إلى طاعة الله تعالى .","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"[46] { الَّذِينَ يَظُنُّونَ } : يستيقنون ، فالظن من الأضداد يكون شكًّا ويقينًا ، كالرجاء يكون أمنًا وخوفًا . { أَنَّهُمْ مُلَاقُو } : معاينوا { رَبِّهِمْ } : في الآخرة ، وهو رؤية الله تعالى ، وقيل : المراد من اللقاء الصيرورة إليه ، { وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } : فيجزيهم بأعمالهم .\r[47] { يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } ، أي : عالمي زمانكم ، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل به الشرف في حق الأبناء .\r[48] { وَاتَّقُوا يَوْمًا } : واخشوا عقاب يوم ، { لَا تَجْزِي نَفْسٌ } . لا تقضي نفس { عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا } أي : حقًّا لزمها ، وقيل لا تغني ، وقيل لا تكفي شيئًا من الشدائد { وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } إذا كانت كافرة { وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } ، أي فداء ، { وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } : يمنعون من عذاب الله .","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"[49] { وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ } ، أي أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم ، لأنهم نجوا بنجاتهم ، { مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } : أتباعه وأهل دينه ، وفرعون هو الوليد بن مصعب بن الريان ، وكان من القبط { يَسُومُونَكُمْ } : يكلفونكم ويذيقونكم { سُوءَ الْعَذَابِ } : أشد العذاب وأسوأه ، وقيل : يصرفونكم في العذاب مرة هكذا كالإبل السائمة في البرية ، وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدمًا وخولًا ، وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون ، وصنف يحرثون ويزرعون ، وصنف يخدمونه ، ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية ، وقيل : تفسير قوله : { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } : ما بعده وهو قوله تعالى : { يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } ، فهو مذكور على وجه البدل من قوله : { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ }{ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } يتركونهن أحياء ، وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن نارًا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطي فيها ، ولم يتعرض لبني إسرائيل ، فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا : يولد ولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك ، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل { وَفِي","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } ، قيل : البلاء : المحنة ، أي : في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة ، وقيل : البلاء : النعمة ، أي في إنجائي إياكم منهم نعمة عظيمة ، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة ، فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر ، وعلى الشدة بالصبر ، قال الله تعالى : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } .","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"[50] { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ } ، قيل : معناه فرقنا لكم ، وقيل : فرقنا البحر بدخولكم إياه ، وسمي البحر بحرًا لاتساعه ، ومنه قيل للفرس : بحر إذا اتسع في جريه ، وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يسير ببني إسرائيل من مصر ليلًا وخرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره ، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانًا ما بين رجل وامرأة ، فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل ، وعلى مقدمة عسكره هامان في ألف وسبعمائة ألف ، وكان فيهم سبعون ألفًا من دهم الخيل سوى سائر الشيات فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر ونظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس ، فبقوا متحيرين فقالوا : يا موسى كيف نصنع وأين ما وعدتنا ؟ هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا ، قال الله تعالى : { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }{ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } فأوحى الله إليه { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ } ، فضربه وظهر فيه اثنا عشر طريقًا لكل","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"سبط طريق حتى عبروا البحر سالمين ، فذلك قوله تعالى : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ } : من آل فرعون والغرق { وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ } ، وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منفلقًا خاض البحر فأمر الله تعالى البحر أن يأخذهم فالتطم وأغرقهم أجمعين ، وذلك بمرأى من بني إسرائيل ، فذلك قوله تعالى : { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } إلى مصارعهم ، وقيل : إلى إهلاكهم .","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"[51] : { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى } اسم عبري عُرّب وهو بالعبرانية الماء والشجر ، وسمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر ، ثم قلبت الشين المعجمة سينًا في العربية ، { أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } ، أي : انقضاءها ، ثلاثون من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما فوعد الله موسى ينزل عليهم التوراة ، فقال موسى لقومه : إني ذاهب لميقات ربكم آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون ، وواعدهم أربعين ليلة ، ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة ، واستخلف عليهم أخاه هارون ، فلما أتى الوعد جاء جبريل على فرس ليذهب بموسى إلى ربه ، فلما رآه السامري وكان رجلًا صائغًا ورأى موضع قدم الفرس تَخْضر من ذلك ، وكان منافقًا أظهر الإسلام ، وكان من قوم يعبدون البقر فصاغ لهم عجلًا في ثلاثة أيام فقال السامري : هذا إلهكم وإله موسى ، وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم مع الليلة يومين ، فلما مضى عشرون يومًا ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة ، وقيل : كان موسى قد وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك العشرة ، فلما مضت الثلاثون","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"ولم يرجع موسى ظنوا أنه قد مات ، ورأوا العجل وسمعوا قول السامري ، فعكف ثمانية آلاف رجل منهم على العجل يعبدونه ، وقيل : كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل وهذا أصح ، وقال الحسن : كلهم عبدوه إلا هارون وحده ، فذلك قوله تعالى : { ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ } ، أي : إلهًا { مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } : ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها .\r[52] { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ } : محونا ذنوبكم { مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } : من بعد عبادتكم العجل ، { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } : لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم ، قيل : الشكر هو الطاعة بجميع الجوارح في السر والعلانية ، وقال الحسن : شكر النعمة ذكرها .\rقوله تعالى :","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"[53] { وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } ، يعني التوراة ، { وَالْفُرْقَانَ } ، قال مجاهد : هو التوراة أيضًا ذكرها باسمين ، قال الكسائي : الفرقان نعت الكتاب ، والواو زائدة ، يعني الكتاب الفرقان ، أي : المفرق بين الحلال والحرام ، وقال يمان بن ريان : أراد بالفرقان انفراق البحر كما قال : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ } , { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } : بالتوراة .","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"[54] { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ } الذين عبدوا العجل { يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ } : ضررتم بأنفسكم : { بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ } : إلهًا قالوا : فأي شيء نصنع ؟ قال : { فَتُوبُوا } : فارجعوا { إِلَى بَارِئِكُمْ } : خالقكم ، قالوا : كيف نتوب ؟ قال : { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ، يعني : ليقتل البريء منكم المجرم ، { ذَلِكُمْ } ، أي : القتل ، { خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ } ، فلما أمرهم موسى بالقتل ، قالوا : نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين ، وقيل لهم : من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته ، وأصلت القوم عليهم الخناجر ، وكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره ، فلم يمكنهم المضي لأمر الله تعالى ، قالوا : يا موسى كيف نفعل ؟ فأرسل الله تعالى عليهم ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضًا فكانوا يقتلونهم إلى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما السلام وبكيا وتضرعا وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل ، البقية البقية ، فكشف الله تعالى السحابة وأمرهم أن يكفوا عن القتل ، فكشف عن ألوف من القتلى فكان من قتل منهم","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"شهيدًا ومن بقي مكفر عنه ذنوبه ، فذلك قوله تعالى : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } , أي : ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم فتجاوز عنكم ، { إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ } : القابل للتوبة ، { الرَّحِيمُ } بهم .","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"[55] ، قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } ، وذلك أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، فاختار موسى سبعين رجلًا من قومه من خيارهم فقالوا لموسى : اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا ، فقال : أفعل ، وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه ، وأسمعهم الله إني أنا الله لا إله إلا أنا ، فلما فرغ موسى أقبل إليهم فقالوا له : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة معاينة ، وذلك أن العرب تجعل العلم بالقلب رؤية ، فقال : جهرة ليعلم أن المراد منه العيان ، { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } ، أي : الموت ، وقيل : نار جاءت من السماء فأحرقتهم ، { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } ، أي : ينظر بعضكم لبعض حين أخذكم الموت ، وقيل : تعلمون ، والنظر يكون بمعنى العلم ، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول : ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد هلك خيارهم ؟ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلًا رجلًا ، بعدما ماتوا يومًا وليلة ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون فذلك قوله","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"تعالى :\r[56] ، { ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ } : أحييناكم, والبعث : إثارة الشيء عن محله ، يقال : بعثت البعير وبعثت النائم فانبعث ، { مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ } ، قال قتادة : أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ، ولو ماتوا بآجالهم لم يُبعثوا إلى يوم القيامة ، { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"[57] ، { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } ، في التيه تقيكم حرَّ الشمس والغمامُ من الغم ، وأصله : التغطية والستر ، سُمي السحاب غمامًا لأنه يُغطي وجه الشمس ، وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كن يسترهم فشكوا إلى موسى فأرسل الله تعالى غمامًا أبيض رقيقًا أطيب من غمام المطر ، وجعل لهم عمودًا من نور يُضيء لهم الليل إذ لم يكن لهم قمر ، { وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى } أي : في التيه ، والأكثرون : عن أن المن هو الترنجبين ، وقال مجاهد : هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد ، وقال وهب : هو الخبز الرقاق ، قال الزجاج : جملة المنّ من يمن الله به من غير تعب { كُلُوا } : أي : وقلنا لهم كلوا : { مِنْ طَيِّبَاتِ } : حلالات ، { مَا رَزَقْنَاكُمْ } ، ولا تدخروا لغدٍ ، ففعلوا فقطع الله ذلك عنهم ، ودوَّد وفسد ما ادخروا ، فقال الله تعالى : { وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ، أي : وما بخسوا بحقنا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون باستيجابهم عذابي ، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة في الدنيا ولا حساب في العقبى .","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"[58] ، قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ } ، سميت القرية قرية لأنها تجمع أهلها ، ومنه المقراة للحوض لأنها تجمع الماء ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي أريحاء وقيل : بلقاء ، وقال مجاهد : بيت المقدس ، وقال الضحاك : هي الرملة والأردن وفلسطين وتدمر ، وقال مقاتل : إيليا ، وقال ابن كيسان : الشام ، { فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } : موسعًا عليكم { وَادْخُلُوا الْبَابَ } ، يعني : بابًا من أبواب القرية ، وكان لها سبعة أبواب { سُجَّدًا } ، أي : رُكّعًا خضعًا منحنين ، وقال وهب : فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرًا لله تعالى ، { وَقُولُوا حِطَّةٌ } ، قال قتادة : حط عنا خطايانا ، أمروا بالاستغفار ، وقال ابن عباس : لا إله إلا الله ، لأنها تحط الذنوب { نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } : من الغفر وهو الستر ، فالمغفرة : تستر الذنوب { وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } : ثوابًا من فضلنا .","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"[59] { فَبَدَّلَ } : فغير { الَّذِينَ ظَلَمُوا } : أنفسهم ، وقالوا : { قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } ، وذلك أنهم بدّلوا قول الحطة بالحنطة استخفافًا بأمر الله تعالى { فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ } قيل : أرسل الله عليهم طاعونًا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا ، { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } : يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى .","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"[60] { وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى } : طلب السقيا { لِقَوْمِهِ } ، وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل ، فأوحى إليه كما قال : { فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ } وكانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب عليه السلام ، فأعطاها موسى عليه السلام ، قوله تعالى : { الْحَجَرَ } ، اختلفوا فيه قال وهب : لم يكن حجرًا معينًا بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض الحجارة فينفجر عيونًا ، لكل سبط عين ، وكانوا اثني عشر سبطًا ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم ، وقال الآخرون : كان حجرًا معينًا بدليل أنه عرّفه بالألف واللام ، وقال ابن عباس : كان حجرًا خفيفًا مربعًا على قدر رأس الرجل ، كان يضعه في مخلاته فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه ، قوله تعالى : { فَانْفَجَرَتْ } ، أي : فضرب فانفجرت أي سالت ، { مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } : على عدد الأسباط ، { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } : موضع شربهم ، لا يدخل سبط على غيره في شربه ، { كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ } ، أي : وقلنا لهم : كلوا من المنّ والسلوى واشربوا من","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"الماء فهذا كله من رزق الله يأتيكم بلا مشقة ، { وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } ، والعثي , أشد الفساد ، يقال : عثى يعثي عثيًا ، وعثا يعثوا عثوًا ، وعاث يعيث عيثًا .\rقوله تعالى :","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"[61] { وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } ، وذلك أنهم أجمعوا وسئموا من أكل المن والسلوى وإنما قال : على طعام واحد وهما اثنان ، لأن العرب تعبّر عن الاثنين بلفظ الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين وقيل : كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فكانا كطعام واحد { فَادْعُ لَنَا } : فسل لأجلنا { رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا } ، قال ابن عباس : الفوم الخبز ، وقال عطاء : الحنطة ، وقال القتيبي رحمه الله تعالى : الحبوب التي تُؤكل كلها ، وقال الكلبي : الثوم ، { وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا } , { قَالَ } ، لهم موسى عليه السلام : { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى } أخس وأردأ { بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } : أشرف وأفضل { اهْبِطُوا مِصْرًا } ، يعني : فإن أبيتم إلّا ذلك فانزلوا مصرًا من الأمصار ، وقال الضحاك : هو مصر موسى وفرعون ، والأول أصح لأنه لو أراده لم يصرفه ، { فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ } : من نبات الأرض ، { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ } : جُعلت عليهم ، وألزموا : { الذِّلَّةُ } والذل والهوان ، قيل : بالجزية {","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"وَالْمَسْكَنَةُ } : الفقر ، سُمي الفقير مسكينًا لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة ، فترى اليهود وإن كانوا مياسير كأنهم فقراء ، وقيل : الذلة هي فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود ، { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } : رجعوا ، ولا يقال : باءَ إلّا بالشر ، وقال أبو عبيدة : احتملوا وأقروا به ، ومنه الدعاء أبوءُ لك بنعمتك علي وأبوءُ بذنبي ، أي : أقر ، { ذَلِكَ } ، أي : الغضب ، { بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } : بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ، ويكفرون بالإنجيل والقرآن ، { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ } ، تفرد نافع بهمز النبي وبابه ، فيكون معناه : المخبر ، من أنبأ يُنبئ ، والقراءة المعروفة تَرْكُ الهمزة ، وله وجهان : أحدهما هو أيضًا من الأنباء تركت الهمزة فيه تخفيفًا لكثرة الاستعمال ، والثاني : هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة ، وهي المكان المرتفع ، فعلى هذا يكون ( النبيين ) على الأصل ، { بِغَيْرِ الْحَقِّ } , أي بلا جرم { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } : يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي .","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"[62] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا } ، يعني : اليهود ، سموا به لقولهم إنا هُدنا إليك ، أي : ملنا إليك ، وقيل . لأنهم هادوا ، أي : تابوا عن عبادة العجل ، وقيل : لأنهم مالوا عن دين الإسلام وعن دين موسى عليه السلام { وَالنَّصَارَى } ، سُموا به لقول الحواريين : نحن أنصار الله ، وقال مقاتل : لأنهم نزلوا قرية يقال لها ناصرة ، وقيل : لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام { وَالصَّابِئِينَ } قرأ أهل المدينة والصابين والصابون بترك الهمزة ، والباقون بالهمزة ، وأصله الخروج ، يقال : صبأ فلان أي خرج من دين إلى دين آخر ، قال عمر بن الخطاب وابن عباس : هم قوم من أهل الكتاب ، قال عمر : تحل ذبائحهم مثل ذبائح أهل الكتاب, وقال ابن عباس : لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم ، { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } ، فإن قيل : كيف يستقيم قوله من آمن بالله وقد ذكر في ابتداء الآية إن الذين آمنوا ؟ قيل : اختلفوا في حكم الآية فقال بعضهم : أراد بقوله : إن الذين آمنوا على التحقيق ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين ، فقال قوم : هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل المبعث وهم طلاب","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"الدين ، مثل حبيب النجار ، وقس بن ساعدة ، وسلمان الفارسي ، فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه ، ومنهم من لم يدركه ، وقيل : هم المؤمنون من الأمم الماضية ، وقيل هم المؤمنون من هذه الأمة ، والذين هادوا الذين كانوا على دين موسى عليه السلام ولم يبدلوا ، والنصارى الذين كانوا على دين عيسى عليه السلام ولم يغيروا وماتوا على ذلك والصابئون زمن استقامة أمرهم ، من آمن أي : من مات منهم وهو مؤمن لأن حقيقة الإيمانِ بالوفاة ، ويجوز أن يكون الواو مضمرًا ، أي : ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة .","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"وقال بعضهم : إن المذكورين بالإيمان في أول الآية على طريق المجاز دون الحقيقة ، ثم اختلفوا فيهم فقال بعضهم : الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك وقيل : أراد بهم المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم ، واليهود والنصارى الذين اعتقدوا اليهوديّة والنصرانيّة بعد التبديل ، والصابئون بعض أصناف الكفار ، من آمن بالله واليوم الآخر من هذه الأصناف بالقلب واللسان ، { وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } ، وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن ( مَن ) يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث { وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } : في الدنيا { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } : في الآخرة .","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"[63] قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ } : عهدكم يا معشر اليهود { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ } ، وهو الجبل بالسريانية قال ابن عباس : أمر الله تعالى جبلًا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم ، وذلك أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام ، فأمر موسى قومه أن يقبلوها ويعملوا بأحكامها ، فأبوا أن يقبلوها للآصار والأنفال التي هي فيها ، وكانت شريعة ثقيلة ، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع جبلًا على قدر عسكرهم فرفعه فوق رؤوسهم مثل قامة الرجل كالظلة ، وقال لهم : إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم { خُذُوا } ، أي : قلنا لهم خذوا { مَا آتَيْنَاكُمْ } : أعطيناكم { بِقُوَّةٍ } : بجدّ واجتهاد ومواظبة ، { وَاذْكُرُوا } : وادرسوا { مَا فِيهِ } ، وقيل : احفظوا واعملوا { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ، لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العُقبى ، فإن قبلتم وإلّا رضختكم بهذا الجبل فلما رأوا أنْ لا مهرب لهم عنها قبلوا وسجدوا ، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود فصار سنة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ويقولون بهذا السجود رفع العذاب عنا .","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"[64] { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } : أعرضتم { مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } : من بعدما قبلتم التوراة ، { فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } يعني بالإمهال والإدراج وتأخير العذاب عنكم ، { لَكُنْتُمْ } لصرتم { مِنَ الْخَاسِرِينَ } : من المغبونين بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة ، وقيل : من المعذبين في الحال كأنه رحمهم بالإمهال .","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"[65] ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ } ، أي : جاوزوا الحد ، وأصل السبت القطع ، قيل : سُمي يوم السبت بذلك لأن الله تعالى قطع فيه الخلق ، وقيل : لأن اليهود أُمروا فيه بقطع الأعمال والقصة فيه أنهم كانوا زمن داود عليه السلام حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت ، فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع ، فإذا مضى السبت تفرقن ولزمن قعر البحر فلا يُرى شيء منها ، ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال : إنما نُهيتم عن أخذها يوم السبت ، فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر ، وشرعوا منه إليها الأنهار ، فإِذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا يقدرن على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها ، فإذا كان يوم الأحد أخذوها ، وقيل : كانوا يسوقون الحيتان إلى الحياض يوم السبت ولا يأخذونها ، ثم يأخذونها يوم الأحد ، وقيل كانوا ينصبون الحبائل والشخوص يوم الجمعة ، ويُخرجونها يوم الأحد ، ففعلوا ذلك زمانًا ولم تنزل عليهم عقوبة ، فتجرؤوا على الذنب وقالوا : وقد أحِلّ لنا ، فأخذوا وأكلوا وملّحوا وباعوا واشتروا وكثر مالهم ، فلما فعلوا ذلك صار","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"أهل القرية - وكانوا نحوًا من سبعين ألفًا - ثلاثة أصناف : صنف أمسك ونهى ، وصنف أمسك ولم ينه ، وصنف انتهك الحرمة ، وكان الناهون اثني عشر ألفًا ، فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا : والله لا نُساكِنكم في قرية واحدة ، فقسموا القرية بجدار وعبروا بذلك سنتين ، فلعنهم داود عليه السلام وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية ، فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم ، فلما أبطؤوا تسوروا عليهم الحائط فإذا هم جميع قردة لها أذناب يتعاوون ، قال قتادة : صار الشبان قردة والشيوخ خنازير ، فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا قال الله تعالى : { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً } : أمر تحويل وتكوين ، { خَاسِئِينَ } : مُبعدين مطرودين والخسأ : الطرد والإبعاد .","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"[66] { فَجَعَلْنَاهَا } ، أي : جعلنا عقوبتهم بالمسخ { نَكَالًا } ، أي : عقوبة وعبرة ، والنكال : اسم لكل عقوبة ينكل الناظر من فعل ما جُعلت العقوبة جزاءً عليه ، ومنه النكول عن اليمين ، وهو الامتناع ، وأصله من النكل وهو القيد { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } ، قال قتادة : أراد بما بين يديها يعني : ما سبق من الذنوب ، أي : جعلنا تلك العقوبة جزاءً لِما تقدّم من ذنوبهم قبل نهيهم عن أخذ الصيد ، { وَمَا خَلْفَهَا } : ما حضر من الذنوب التي أخذوا بها ، وهي العصيان بأخذ الحيتان ، وقال أبو العالية والربيع : عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعِبرة لمن بعدهم أن يَسْتَنُّوا بسنّتهم ، و ( مَا ) الثانية بمعنى : من ، وقيل : جعلناها أي : جعلنا قرية أصحاب السبت عِبرة لما بين يديها ، أي : القرى التي كانت مبنية في الحال ، وما خلفها وما يحدث من القرى بعدُ ليتعظوا { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } : للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يفعلون مثل فعلهم .","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"[67] قوله عزّ وجلّ : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } : البقرة هي الأنثى من البقر ، يقال : هي مأخوذة من البقر وهي الشق ، سُميت به لأنها تبقر الأرض ، أي : تشقها للحراثة ، والقصة فيه أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه ، فلما طال عليه موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى وألقاه بفنائهم ، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى موسى يدّعي عليهم القتل ، فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى ، قال الكلبي : وذلك قبل نزول قسامة في التوراة ، فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم بدعائه ، فأمرهم الله بذبح بقرة ، فقال لهم موسى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } ، { قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } ، أي : تستهزئ بنا نحن نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح البقرة ، وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر ولم يدروا ما الحكمة فيه { قَالَ } موسى : { أَعُوذُ بِاللَّهِ } : أمتنع بالله { أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } أي : من المستهزئين بالمؤمنين ، وقيل : من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال ، لأن","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"الجواب لا على وفق السؤال جهل ، فلما علم القوم أن ذبح البقرة عزم من الله عزّ وجل استوصفوها ، ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأتْ عنهم ، ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم .\r[68] { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ } ، أي : ما سنّها { قَالَ } موسى { إِنَّهُ يَقُولُ } ، يعني فسأل الله تعالى فقال إنه يعني : إن الله تعالى يقول : { إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ } ، أي لا كبيرة ولا صغيرة ، والفارض : المسنة التي لا تلد ، والبكر : الفتية الصغيرة التي لم تلد قط ، { عَوَانٌ } : وسط نصف { بَيْنَ ذَلِكَ } ، أي : بين السنين ، يقال : عونت المرأة تعوينًا إذا زادت على الثلاثين { فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ } : من ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال .","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"[69] { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا } ، قال ابن عباس : شديدة الصفرة ، وقال قتادة : صاف ، وقال الحسن : الصفراء السوداء ، والأول أصح لأنه لا يقال أسود فاقع ، إنّما يقال أصفر فاقع ، وأسود حالك وأحمر قانئ وأخضر ناضر وأبيض بقق للمبالغة ، { تَسُرُّ النَّاظِرِينَ } : إليها يعجبهم حُسنها وصفاء لونها .\r[70] { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ } أسائمة أم عاملة ؟ { إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا } ، ولم يقل تشابهت لتذكير لفظ البقر ، كقوله تعالى : { أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ } ، وقال الزجاج : أي جنس البقر تشابه ، أي : التبس واشتبه أمره علينا فلا نهتدي إليه { وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } : إلى وصفها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « وايْم الله لو لم يستثنوا لَما بُيّنتْ لهم إلى آخر الأبد » (1) .\r_________\r(1) رواه الإمام الطبري في تفسيره جـ 1 / 275 وابن كثير 1 / 199 وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة .","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"[71] { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ } : مذللة بالعمل ، يقال : رجل ذلول بيِّن الذل ودابة ذلولة بيّنة الذل ، { تُثِيرُ الْأَرْضَ } : تقلبها للزراعة ، { وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ } ، أي : ليست بسانية ، { مُسَلَّمَةٌ } : بريئة من العيوب , { لَا شِيَةَ فِيهَا } : لا لون لها سوى لون جميع جلدها ، قال عطاء : لا عيب فيها ، قال مجاهد : لا بياض فيها ولا سواد ، { قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ } ، أي : بالبيان التام الشافي الذي لا إشكال فيه ، وطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلا مع الفتى فاشتروها بملء مَسْكها ذهبًا { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } : من غلاء ثمنها ، وقال محمد بن كعب : وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها ، وقيل : ما كادوا يفعلُونَ من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها .","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"[72] قوله عزّ وجلّ : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } : هذا أول القصة ، وإن كان مؤخرًا في التلاوة ، واسم القتيل عاميل ، { فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا } قال ابن عباس ومجاهد : معناه فاختلفتم ، وقال الربيع بن أنس : تدافعتم ، أي : يحيل بعضكم على بعض ، من الدرء : وهو الدفع ، فكان كل واحد يدفع عن نفسه ، { وَاللَّهُ مُخْرِجٌ } ، أي : مظهر : { مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } ، فإن القاتل كان يكتم القتل .\r[73] قوله عزّ وجلّ : { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ } ، يعني : القتيل ، { بِبَعْضِهَا } أي : ببعض البقرة ففعلوا ذلك فقام القتيل حيًّا بإذن الله تعالى وأوداجه ، أي : عروق العنق تشخب دمًا ، وقال : قتلني فلان ثم سقط ومات مكانه فحرم قاتله الميراث { كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى } : كما أحيا عاميل ، { وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ، قيل : تمنعون أنفسكم من المعاصي .","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"[74] قوله تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } ، أي يبست وجفت ، جفاف القلب : خروج الرحمة واللين عنه ، وقيل : غلظت ، وقيل : اسودت ، { مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } : من بعد ظهور الدَّلالات ، قال الكلبي : قالوا بعد ذلك نحن لم نقتله ، فلم يكونوا قط أعمى قلبًا ولا أشد تكذيبًا لنبيهم منهم عند ذلك ، أي { فَهِيَ } : في الغِلْظَة والشدة : { كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } ، قيل : أو بمعنى الواو ، كقوله : { مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } أي : بل يزيدون . وإنّما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة لأن الحديد قابل للين , فإنه يلين بالنار ، وقد لَان لداود عليه السلام ، والحجارة لا تلين قط ، ثم فضّل الحجارة على القلب القاسي فقال : { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ } ، قيل : أراد به جميع الحجارة ، وقيل : أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط ، { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ } : أراد به عيونًا دون الأنهار ، { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ } : ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله { مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } : وقلوبكم لا تلين ولا تخشع","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"يا معشر اليهود ، فإن قيل : الحجر جماد لا يفهم فكيف يخشى ؟ قيل : الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه ، ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى علمًا في الجمادات وسائر الحيوانات ، سوى العقلاء لا يقف عليه غير الله ، فلها صلاة وتسبيح وخشية ، كما قال جلّ ذكره : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } وقال : { وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } وقال : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } الآية ، فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى .\rقوله عزّ وجلّ : { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ } : بساهٍ { عَمَّا تَعْمَلُونَ } : وعيد وتهديد ، وقيل : بتارك عقوبة ما تعملون ، بل يجازيكم به .","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"[75] قوله عزّ وجلّ : { أَفَتَطْمَعُونَ } : أفترجون ، يريد محمدًا وأصحابه ، { أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ } : تصدقكم اليهود بما تخبرونهم به ؟ { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ } ، يعني : التوراة ، { ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } : يغيرون ما فيها من الأحكام ، { مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } : علموه ، غيّروا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وآية الرجم { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } : أنهم كاذبون .","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"[76ٍ] قوله عزّ وجل : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا } , قال ابن عباس والحسن وقتادة : يعني : منافقي اليهود الذين آمنوا بألسنتهم إذا لقوا المؤمنين المخلصين ، { قَالُوا آمَنَّا } : كإيمانكم ، { وَإِذَا خَلَا } : رجع { بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } ، كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا وغيرهم من رؤساء اليهود ، لأمرهم على ذلك ، { قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } : بما قص الله عليكم في كتابكم أن محمدًا حق وقوله صدق , والفتاح : القاص , وقال الكسائي : بما بينه لكم من العلم بصفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته , وقال الواقدي : بما أنزل الله عليكم وأعطاكم { لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ } : ليخاصموكم به ، ويعني : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويحتجوا بقولكم عليكم ، فيقولوا : قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ، ثم لا تتبعونه ؟ . وذلك أنّهم قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم : آمنوا به فإنه حق ، ثم قال بعضهم لبعض : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به ؟ . ويعني : لتكون لهم الحجة عليكم . { عِنْدَ رَبِّكُمْ } في الدنيا والآخرة وقيل : إنهم أخبروا","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"المؤمنين بما عذبهم الله به على الجنايات ، فقال بعضهم لبعض : أتحدثونهم بما أنزل الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به عند ربكم ، ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله ، وقال مجاهد : هو قول يهود قريظة ، قال بعضهم لبعض حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : « يا إخوان القردة والخنازير ، فقالوا : من أخبر محمدًا بهذا ؟ ما خرج هذا إلّا منكم » (1) { أَفَلَا تَعْقِلُونَ }\r[77] قوله عزّ وجلّ : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } : يخفون ، { وَمَا يُعْلِنُونَ } : يبدون ، يعني اليهود .\r_________\r(1) أخرجه الطبري 2 / 252 تحقيق أحمد شاكر وذكره ابن كثير 1 / 207 تحقيق الوادعي .","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"[78] وقوله تعالى : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } , أي : من اليهود أميون لا يحسنون القراءة والكتابة جمع : أُمّي ، ومنسوب إلى الأم كأنه باق على ما انفصل من الأم لم يعلم كتابة ولا قراءة ، وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنا أمة أميّة » (1) أي : لا نكتب ولا نحسب ، وقيل : هو منسوب إلى أمّ القرى وهي مكة ، { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ } , قرأ أبو جعفر . ( أَماني ) ، بتخفيف الياء ، كل القرآن ، حذف إحدى الياءين تخفيفًا ، وقراءة العامة بالتشديد ، وهو جمع : أمنية وهي التلاوة ، وقال الله تعالى : { إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } ، أي : في قراءته ، قال أبو عبيدة : إلا تلاوة وقراءة عن ظهر القلب لا يقرؤونه من كتاب ، وقيل : يعلمونه حفظًا وقراءة لا يعرفون معناه ، قال ابن عباس : يعني غير عارفين بمعاني الكتاب ، وقال مجاهد وقتادة : إلّا كذبًا وباطلًا ، قال الفراء : إلا أماني : الأحاديث المفتعلة وأراد بها الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم ، ثم أضافوها إلى الله من تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وغيره .\r_________\r(1) رواه البخاري في الصوم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا نكتب ولا نحسب 4 / 136 ، ومسلم في الصيام رقم ( 1080 ) 2 / 761 والمصنف في شرح السنة 6 / 228 .","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"وقال الحسن وأبو العالية : هي من التمني وهي أمانيهم الباطلة التي يتمنونها على الله عزّ وجلّ ، مثل قولهم : { لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } ، وقولهم : { لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } ، وقولهم : { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } ، فعلى هذا تكون إِلَّا بمعنى ( لكن ) ، أي لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم ، { وَإِنْ هُمْ } ، وما هم { إِلَّا يَظُنُّونَ } ، يعني : وما يظنون إلا ظنًّا وتوهمًا لا يقينًا قاله قتادة والربيع ، وقال مجاهد : يكذبون .","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"[79] ، قوله عزّ وجلّ : { فَوَيْلٌ } ، قال الزجاج : ويل ، كلمة تقولها العرب لكل واقع في هلكة ، وقيل : هو دعاء الكفار على أنفسهم بالويل والثبور ، وقال ابن عباس : شدة العذاب ، وقال سعيد بن المسيب : ويل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لانْمَاعتَ ولَذابتْ من شدة حرّها { لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } ، وذلك أن أحبار اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوراة ، وكانت صفته فيها : حسن الوجه حسن الشعر أكحل العينين ربعة القامة فغيروها وكتبوا مكانها : طوال أزرق سبط الشعر ، فإذا سألهم سفلتهم عن صفته قرؤوا ما كتبوه فيجدونه مخالفًا لصفته ويُكذّبونه ، قال الله تعالى : { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } ، يعني : كتبوه بأنفسهم اختراعًا من تغيير نعته صلى الله عليه وسلم ، { وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } : من المآكل ، ويقال : من المعاصي .","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"[80] { وَقَالُوا } ، يعني اليهود { لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ } : لن تصيبنا النار ، { إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } : قدرًا مقدرًا ثم يزول عنا العذاب ، واختلفوا في هذه الأيام ، فقال ابن عباس ومجاهد : كانت اليهود يقولون : مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب بكل ألف سنة يومًا واحدًا ثم ينقطع العذاب بعد سبعة أيام ، وقال قتادة وعطاء : يعنون أربعين يومًا التي عبد فيها آباؤهم العجل ، وقال الحسن وأبو العالية : قالت اليهود : إن ربنا عتب علينا في أمرنا فأقسم الله ليعذبنا أربعين يومًا فلن تمسنا النار إلا أربعين يومًا تحلة القسم ، فقال الله عزّ وجلّ تكذيبًا لهم ، { قُلْ } : يا محمد { أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ } ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ، { عَهْدًا } موثقًا أن لا يعذبكم إلا هذه المدة { فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ } وعده { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ثم قال :","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"[81] { بَلَى } ، وبلى وبل : حرفا استدراك ، ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل ، { مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } ، يعني الشرك { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } والإحاطة : الإحداق بالشيء من جميع نواحيه ، قال ابن عباس وعطاء والضحاك وأبو العالية والربيع وجماعة : هي الشرك يموت عليه ، وقيل : السيئة الكبيرة والإحاطة به أن يصر عليها فيموت غير تائب قاله عكرمة والربيع بن خيثم ، قال الواحدي رحمه الله في تفسيره الوسيط : المؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته ، وتقدمت منه سيئة وهي الشرك والمؤمن وإن عمل الكبائر لم يوجد منه الشرك ، وقال مجاهد : هي الذنوب تحيط بالقلب كلما عمل ذنبًا ارتفعت حتى يغشى القلب ، وهي الرين { فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }\r[82] { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"[83] قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } : في التوراة والميثاق العهد الشديد ، { لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ } ، أي : وصيناهم بالوالدين ، { إِحْسَانًا } برًا بهما وعطفًا عليهما ونزولًا عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى ، { وَذِي الْقُرْبَى } أي : وبذي القرابة ، والقربى مصدر كالحسنى ، { وَالْيَتَامَى } ، جمع يتيم وهو الطفل الذي لا أب له { وَالْمَسَاكِينِ } ، يعني الفقراء ، { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } : صدقًا وحقًا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته لا تكتموا أمره ، وقال سفيان الثوري : مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ، وقيل : هو اللين في القول والمعاشرة بحسن الخلق ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب ( حَسنًا ) بفتح الحاء والسين ، أي : قولًا حسنًا { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } أعرضتم عن العهد والميثاق ، { إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ } ، وذلك أن قومًا منهم آمنوا ، { وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ } . كإعراض آبائكم .","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"[84] قوله عزّ وجلّ : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ } ، أي : لا تريقون { دِمَاءَكُمْ } ، أي : لا يسفك بعضكم دم بعض ، وقيل : لا تسفكوا دماء غيركم فيسفك دماءكم فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم ، { وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ } : لا يُخرج بعضكم بعضًا من داره ، وقيل : لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم ، { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } : بهذا العهد أنه حق وقبلتم ، { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } : اليوم على ذلك يا معشر اليهود وتعترفون بالقبول .","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"[85] قوله عزّ وجلّ : { ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ } ، يعني : يا هؤلاء ، وهؤلاء للتنبيه ، { تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ } ، أي يقتل بعضكم بعضًا ، { وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ } تتظاهرون والظهير : العون { بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } : بالمعصية والظلم ، { وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى } ، قرأ حمزة ( أسرى ) ، وهما جمع أسير ، ومعناهما واحد ، ( تفدوهم ) : بالمال وتنقذوهم ، وقرأ أهل المدينة وعاصم { تُفَادُوهُمْ } ، أي : تبادلوهم ، أراد مفاداة الأسير بالأسير ، وقيل : معنى القراءتين واحد ، ومعنى الآية : قال السدي : إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضًا ولا يُخرج بعضهم بعضًا من ديارهم ، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه ، وكانت قريظة حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج ، وكانوا يقتتلون في حرب سنين ، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم وبنو النضير مع حلفائهم وإذا غلبوا خرّبوا ديارهم وأخرجوهم منها ، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه وإن كان الأسير من عدوهم ، فتعيرهم العرب ويقولون : كيف","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"تقاتلونهم وتفدونهم ؟ قالوا : إنا أمرنا أن نفديهم ، فيقولون فلم تقاتلوهم ؟ قالوا : إنا نستحي أن تذل حلفاؤنا ، فعيرهم الله تعالى بذلك { وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } ، فكأن الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتال وترك الإخراج وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم وفداء أسراهم ، فأعرضوا عن الكل إلا الفداء ، قال الله تعالى : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } ، قال مجاهد يقول : إن وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك ، { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ } : يا معشر اليهود { إِلَّا خِزْيٌ } : عذاب وهوان ، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، فكان خزي بني قريظة القتل والسبي ، وخزي بني النضير الجلاء والنفي من منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام ، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } وهو عذاب النار { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } .","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"[86] قوله عزّ وجلّ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا } : استبدلوا { الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ } . يهون { عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } ، لا يُمنعون من عذاب الله عزّ وجلّ .","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"[87] { وَلَقَدْ آتَيْنَا } : أعطينا { مُوسَى الْكِتَابَ } : التوراة جملة واحدة ، { وَقَفَّيْنَا } : وأتبعنا ، { مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ } : رسولًا بعد رسول ، { وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ } : الدَّلالات الواضحات ، وهي ما ذكر الله في سورة آل عمران والمائدة ، وقيل : أراد الإنجيل ، { وَأَيَّدْنَاهُ } : قويناه { بِرُوحِ الْقُدُسِ } اختلفوا في روح القدس ، قال الربيع وغيره : أراد الروح الذي لا نفخ فيه ، والقدس هو الله نحو بيت الله وناقة الله ، وقيل : أراد بالقدس : الطهارة ، يعني . الروح الطاهرة ، قال قتادة والسدي والضحاك : روح القدس جبريل عليه السلام ، وقيل : وصف جبريل بالقدس أي بالطهارة ، لأنه لم يقترف ذنبًا ، وقال الحسن : القدس هو الله وروحه جبريل , قال الله تعالى : { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } ، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : روح القدس هو اسم الله تعالى الأعظم الذي كان يحيي به الموتى ، ويري الناس العجائب ، وقيل : هو الإنجيل جعل له روحًا كما جعل القرآن روحًا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه سبب لحياة القلوب .","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"فلما سمعت اليهود ذكر عيسى عليه السلام ، فقالوا : يا محمد لا مثلَ عيسى كما تزعُم عملتَ ، ولا كما يُقص علينا من الأنبياء فعلت ، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقًا ، قال الله تعالى : { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ } : يا معشر اليهود { رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ } : تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان ، { فَفَرِيقًا } : طائفة { كَذَّبْتُمْ } : مثل عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، { وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } مثل زكريا ويحيى وشعيب ، وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم السلام .\r[88] { وَقَالُوا } ، يعني اليهود ، { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } ، جمع أغلف وهو الذي عليه غشاوة ، معناه : عليها غشاوة فلا تسمع ولا تفقه ما يقول ، قال الله عزّ وجلّ : { بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ } : طردهم الله وأبعدهم عن كل خير { بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ } ، قال قتادة : معناه لا يؤمن منهم إلا قليل ، لأن من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود ، أي : فقليلاً يؤمنون ، وقال معمر : لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره ، أي : فقليل يؤمنون .","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"[89] { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } ، يعني القرآن { مُصَدِّقٌ } : موافق { لِمَا مَعَهُمْ } ، يعني : التوراة ، { وَكَانُوا } يعني : اليهود ، { مِنْ قَبْلُ } : من قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، { يَسْتَفْتِحُونَ } : يستنصرون ، { عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } : على مشركي العرب ، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا أحزنهم أمر ودهمهم عدوّ : اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة ، فكانوا ينصرون ، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين : قد أطل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وإرم .\r{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا } ، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل وعرفوا نعته وصفته ، { كَفَرُوا بِهِ } بغيًا وحسدًا , { فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ } .","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"[90] { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ } ، بئس ونعم فعلان ماضيان وُضعا للمدح والذم ، لا يتصرفان تصرف الأفعال ، معناه : بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق { أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } ، يعني : القرآن ، { بَغْيًا } أي : حسدًا ، وأصل البغي : الفساد ، يقال : بغى الجرح إذا فسد ، والبغي : الظلم ، وأصله الطلب ، والباغي طالب الظلم والحاسد يظلم المحسود جهده طلبًا لإزالة نعمة الله تعالى عنه { أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } ، أي النبوة والكتاب { عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } : محمد صلى الله عليه وسلم { فَبَاءُوا } : رجعوا { بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ } ، أي مع غضب ، قال ابن عباس ومجاهد : الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلهم ، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وقال قتادة : الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل ، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقال السدي : الأول بعبادة العجل ، والثاني بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، { وَلِلْكَافِرِينَ } : الجاحدين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم ، { عَذَابٌ مُهِينٌ } : مخزٍ يُهانون","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"فيه .","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"[91] قوله عزّ وجلّ : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } ، يعني : القرآن ، { قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا } ، يعني : التوراة ، يكفينا ذلك { وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } ، أي بما سواه من الكتب ، وقال أبو عبيدة : بما بعده ، { وَهُوَ الْحَقُّ } ، يعني القرآن ، { مُصَدِّقًا } ، نُصب على الحال ، { لِمَا مَعَهُمْ } : من التوراة ، { قُلْ } : لهم يا محمد { فَلِمَ تَقْتُلُونَ } ، 0أي قتلتم ، { أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } : بالتوراة ، وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء عليهم السلام .\r[92] قوله عزّ وجلّ : { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ } بالدَّلَالات الواضحة والمعجزات الباهرة ، { ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ } ، أي : من بعد انطلاقه إلى الجبل ، { وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } .","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"[93] قوله عزّ وجلّ : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا } ، أي استجيبوا وأطيعوا ، سميت الطاعة والإجابة : سمعًا على المجاز ، لأنه سبب للطاعة والإجابة ، { قَالُوا سَمِعْنَا } : قولك ، { وَعَصَيْنَا } : أمْرَكَ ، وقيل : سمعنا بالأذن ، وعصينا بالقلوب { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ } ، أي : حب العجل ، أي معناه : أُدخل في قلوبهم حب العجل وخالطها ، كإشراب اللون لشدة الملازمة ، قوله عزّ وجلّ : { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ } : أن تعبدوا العجل من دون الله ، أي : بئس إيمان يأمر بعبادة العجل ، { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } : بزعمكم وذلك أنهم قالوا : نؤمن بما أُنزل علينا ، فكذبهم الله عزّ وجلّ .","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"[94] قوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ } ، وذلك أن اليهود ادّعوا دعاوى باطلة مثل قولهم : { لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } ، و { لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } ، وقولهم : { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } فكذبهم الله عزّ وجلّ وألزمهم الحُجة فقال : قل لهم يا محمد إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله ، يعني : الجنة ، { خَالِصَةً } ، أي خاصة { مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } ، أي : فأريدوه أو اسألوه ، لأن من علم أن الجنة مأواه حنّ إليها ، ولا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت ، فاستعجلوه بالتمني ، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } : في قولكم ، وقيل : فتمنوا الموت ، أي : ادعو بالموت على الفرقة الكاذبة .","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"[95] قال الله تعالى : { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ، لعلمهم أنهم في دعواهم كاذبون ، وأراد بما قدمت أيديهم ما قدموه من الأعمال ، وأضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون باليد ، فأضيف إلى اليد أعماله ، وإن لم يكن لليد فيها عمل ، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } .","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"[96] { وَلَتَجِدَنَّهُمْ } ، اللام لام القسم ، والنون تأكيد للقسم ، تقديره : والله لتجدنّهم يا محمد ، يعني : اليهود { أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } ، قيل : هو متصل بالأول ، أي : وأحرص من الذين أشركوا ، وقيل : تم الكلام بقوله : { عَلَى حَيَاةٍ } ، ثم ابتدأ { وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } ، وأراد بالذين أشركوا المجوس { يَوَدُّ } : يريد ويتمنى ، { أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } ، يعني : تعمير ألف سنة ، وهي تحية المجوس فيما بينهم يقول الله تعالى : اليهود أحرص على الحياة من المجوس الذين يقولون ذلك ، { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ } : مُباعده { مِنَ الْعَذَابِ } : من النار { أَنْ يُعَمَّرَ } ، أي : طول عمره لا يبعده من العذاب { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } .","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"[97] قوله عزّ وجلّ : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } , قال ابن عباس رضي الله عنهما : « إن حبرًا من أحبار اليهود ، يقال له عبد الله بن صوريا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أي ملك يأتيك من السماء ؟ قال : جبريل ، قال : ذلك عدونا من الملائكة ، ولو كان ميكائيل لآمنّا بك ، إن جبريل ينزل العذاب والقتال والشدة وإنه عادانا مرارًا »{ فَإِنَّهُ } ، يعني : جبريل { نَزَّلَهُ } ، يعني : القرآن ، كناية عن غير مذكور ، { عَلَى قَلْبِكَ } : يا محمد { بِإِذْنِ اللَّهِ } : بأمر الله { مُصَدِّقًا } : موافقًا { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } : لما قبله من الكتب ، { وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } ، قوله عزّ وجل :\r[98] { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } : خصهما بالذكر من جملة الملائكة مع دخولها في قوله : { وَمَلَائِكَتِهِ } ، تفضيلًا وتخصيصًا والواو فيهما بمعنى \" أو \" يعني : من كان عدوًّا لأحد هؤلاء فإنه عدو للكل ، لأن الكافر بالواحد كافر بالكل ، { فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ } .\rقال ابن صوريا : ما جئتنا بشيء نعرفه فأنزل الله تعالى :","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"[99] { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } : واضحات مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام ، { وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ } : الخارجون عن أمر الله عزّ وجلّ .\r[100] { أَوَكُلَّمَا } ، واو العطف عليها ألف الاستفهام ، { عَاهَدُوا عَهْدًا } ، يعني : اليهود عاهدوا : لئن خرج محمد صلى الله عليه وسلم لَتؤمنن به ، فلما خرج إليهم محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به ، وقال عطاء : هي العهود التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود : أن لا يعاونوا المشركين على قتاله ، فنقضوها كفعل بني قريظة والنضير ، دليله قوله تعالى : { الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ } ، { نَبَذَهُ } : طرحه ونقضه { فَرِيقٌ } : طوائف { مِنْهُمْ } ؛ من اليهود ، { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } .","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"[101] { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } ، يعني : محمدًا { مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } ، يعني : التوراة ، وقيل : القرآن ، { كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } قال الشعبي : كانوا يقرؤون التوراة ولا يعملون بها .","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"[102] { وَاتَّبَعُوا } يعني : اليهود { مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ } ، أي : ما تلت ، والعرب تضع المستقبل موضع الماضي ، والماضي موضع المستقبل ، وقيل : ما كانت تتلو ، أي : تقرأ ، قال ابن عباس رضي الله عنه : تتبع وتعمل به ، وقال عطاء : تحدث وتتكلم به, { عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } ، أي : في ملكه وعهده { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } : بالسحر ، وقيل : لم يكن سليمان كافرًا يسحر ويعمل به { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } معنى لكن نفي الخبر الماضي وإثبات المستقبل ، { يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } ، قيل معنى السحر : العلم والحذق بالشيء قال الله تعالى : { وَقَالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ } أي : العالم ، والصحيح أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل ، والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة وعليه أكثر الأمم ، ولكن العمل به كفر .","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"وقوله عر وجلّ : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ } ، أي : ويعلمون الذي أنزل على الملكين ، أي : إلهامًا وعلمًا ، فالإنزال : بمعنى الإلهام والتعليم ، وقيل : واتبعوا ما أنزل على الملكين { هَارُوتَ وَمَارُوتَ } هما اسمان سريانيان { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ } ، أي : أحدًا و (مِنْ) صلة { حَتَّى } : ينصحاه أولًا ، { يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } : ابتلاءٌ ومحنة { فَلَا تَكْفُرْ } ، أي : ، لا تتعلم السحر فتعمل به فتكفر ، وأصل الفتنة : الاختبار والامتحان { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } وهو أن يؤخذ كل واحد عن صاحبه ويبغض كل واحد إلى صاحبه قال الله تعالى : { وَمَا هُمْ } ، قيل : أي السحرة . وقيل : الشياطين ، { بِضَارِّينَ بِهِ } ، أي : بالسحر { مِنْ أَحَدٍ } ، أي أحدًا { إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } ، أي : بعلمه وتكوينه ، فالساحر يسحر والله يكون ، قال سفيان الثوري : معناه إلا بقضائه وقدرته ومشيئته ، { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ } ، يعني : السحر يضرهم ، { وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا } : يعني اليهود ، { لَمَنِ","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"اشْتَرَاهُ } : أي اختار السحر ، { مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ } ، أي : في الجنة ، { مِنْ خَلَاقٍ } ، من نصيب { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ } : باعوا به { أَنْفُسَهُمْ } ، حظ أنفسهم حيث اختاروا السحر والكفر على الدين والحق ، { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } .\r[103] { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، { وَاتَّقَوْا } : اليهودية والسحر ، { لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ } . لكان ثواب الله إياهم خيرًا لهم ، { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } .","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"[104] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } ، وذلك أن المسلمين كانوا يقولون : راعنا يا رسول الله ، من المراعاة ، أي : ارعنا سمعك ، أي : فرّغ سمعك لكل منا وكانت هذه اللفظة سبًّا قبيحًا بلغة اليهود ، وقيل : كان معناها عندهم : اسمع لا سمعت ، وقيل : هي من الرعونة كانوا إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانًا قالوا : راعنا ، بمعنى : يا أحمق ، فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما بينهم : كنا نسب محمدًا سرًّا فأعلنوا به الآن ، فكانوا يأتونه ويقولون : راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم فأنزل الله تعالى : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } لكيلا يجد اليهود بذلك سبيَلًا إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، { وَقُولُوا انْظُرْنَا } ، أي انظر إلينا ، وقيل : انتظرنا وتأنّ بنا { وَاسْمَعُوا } : ما تؤمرون به وأطيعوا ، { وَلِلْكَافِرِينَ } ، يعني : اليهود ، { عَذَابٌ أَلِيمٌ } .","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"[105] قوله تعالى : { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } أي : ما يحب وما يتمنى الذين كفروا من أهل الكتاب يعني : اليهود ، { وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ } ، أي : خير ونبوة ، و (مِنْ) ، صلة ، { وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } : بنبوته ، { مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ، والفضل ابتداء إحسان بلا علّة ، وقيل : المراد بالرحمة الإسلام والهداية .","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"[106] قوله عزّ وجلّ : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا } وذلك أن المشركين قالوا إن محمدًا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ، ويأمرهم بخلاف ما يقوله إلا من تلقاء نفسه ، يقول اليوم قولًا ويرجع عنه غدًا ، كما أخبر الله : { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ } ، قالوا إنما أنت مفتر فأنزل : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا } ، فبين وجه الحكمة في النسخ بهذه الآية ، والنسخ في اللغة شيئان ، أحدهما : بمعنى التحويل والنقل ، ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحوّل من كتاب إلى كتاب ، فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ ، لأنه نسخ من اللوح المحفوظ ، والثاني : يكون بمعنى الرفع ، يقال : نسَخت الشمسُ الظلّ ، أي : ذهبت به وأبطلته ، فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخًا وبعضه منسوخًا ، وهو المراد من الآية { أَوْ نُنْسِهَا } أي : ننسها عن قلبك وقيل : ننسها أي نأمر بتركها ، يقال : أنسيت الشيء ، إذا أمرت بتركه { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا } ، أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم ، لا أن آية خير من آية ، لأن كلام الله واحد وكله خير ، { أَوْ مِثْلِهَا } : في المنفعة","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"والثواب , فكل ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل ، وما نسخ إلى الأشق فهو في الثواب أكثر .\r{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } : من النسخ والتبديل ، لفظه استفهام ومعناه تقرير ، أي : إنك تعلم .\r[107] { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ } : يا معشر الكفار عند نزول العذاب ، { مِنْ دُونِ اللَّهِ } : مما سوى الله { مِنْ وَلِيٍّ } : قريب وصديق ، وقيل : والٍ ، وهو القيم بالأمور { وَلَا نَصِيرٍ } : ناصر يمنعكم من العذاب .","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"[108] قوله : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ } ، نزلت في اليهود حين قالوا : يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة ، فقال تعالى : { أَمْ تُرِيدُونَ } ، يعني : أتريدون ، فالميم صلة ، وقيل : بل تريدون أن تسألوا رسولكم محمدًا صلى الله عليه وسلم { كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } ، سأله قومه { أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً } وقيل : إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا ، كما أن موسى سأله قومه فقالوا : أرِنَا الله جهرة ، ففيه منعهم عن السؤالات المقترحة بعد ظهور الدلائل والبراهين { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ } : يستبدل الكفر بالإيمان { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } : أخطأ وسط الطريق ، وقيل : قصد السبيل .","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"[109] قوله تعالى : { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } ، أي تمنى وأراد كثير من أهل الكتاب من اليهود : { لَوْ يَرُدُّونَكُمْ } ، يا معشر المؤمنين { مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا } ، نُصب على المصدر ، أي : يحسدونكم حسدًا ، { مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } ، أي : من تلقاء أنفسهم ولم يأمرهم الله بذلك ، { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } . في التوراة أن قول محمد صلى الله عليه وسلم : صدق ودينه حق ، { فَاعْفُوا } : فاتركوا { وَاصْفَحُوا } ، وتجاوزوا ، فالعفو : المحو ، والصفح : الإعراض ، وكان هذا قبل آية القتال ، { حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } ، بعذابه القتل والسبي لبني قريظة والجلاء والنفي لبني النضير ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقال قتادة : هو أمره بقتالهم في قوله : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } إلى قوله : { وَهُمْ صَاغِرُونَ } , { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"[110] { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا } : تسلفوا { لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ } : طاعة وعمل صالح { تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ } ، وقيل : أراد بالخير المال من زكاة أو صدقة تجدوه عند الله حتى الثمرة واللقمة مثل أحد { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"[111] { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا } ، أي يهوديًّا { أَوْ نَصَارَى } ، وذلك أن اليهود قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا ولا دين إلا دين اليهودية ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا ولا دين إلا دين النصرانية قال الله تعالى : { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } ، أي : شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله بغير الحق ، { قُلْ } : يا محمد { هَاتُوا } ، أصله آتوا { بُرْهَانَكُمْ } حجتكم على ما زعمتم ، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } . ثم قال ردًّا عليهم :\r[112] { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ } ، أي : ليس كما قالوا بل الحكم للإسلام ، وإنما يدخل الجنة من أسلم وجهه { لِلَّهِ } ، أي : أخلص دينه لله ، وقيل : أخلص عبادته لله ، وقيل : خضع وتواضع لله ، وأصل الإسلام الاستسلام والخضوع ، وخص الوجه لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه ، { وَهُوَ مُحْسِنٌ } : في عمله ، وقيل : مؤمن ، وقيل : مخلص ، { فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"[113] قوله : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ } ، نزلت في يهود المدينة ونصارى أهل نجران ، وذلك أن وفد نجران لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقالت لهم اليهود : ما أنتم على شيء من الدين ، وكفروا بعيسى والإنجيل ، وقالت لهم النصارى : ما أنتم على شيء من الدين ، وكفروا بموسى والتوراة ، فأنزل الله تعالى : { وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ } ، وكلا الفريقين يقرؤون الكتاب ، وقيل : معناه ليس في كتبهم هذا الاختلاف ، فدل تلاوتهم الكتاب ومخالفتهم ما فيه على كونهم على الباطل ، { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ، يعني : آباءهم الذين مضوا ، { مِثْلَ قَوْلِهِمْ } ، قال مجاهد : يعني عوام النصارى ، وقال مقاتل : يعني مشركي العرب ، كذلك قالوا في نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه : إنهم ليسوا على شيء من الدين ، وقال عطاء : أمم كانت قبل اليهود والنصارى ، مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام ، قالوا لنبيهم : إنه ليس على شيء ، { فَاللَّهُ يَحْكُمُ","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } : يقضي بين المحق والمبطل ، { فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } : من الدين .\r[114] قوله : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } ، الآية نزلت في الذين غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتلتهم وسبوا ذراريهم وحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس فكان خرابا إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( ومن أظلم ) أي : أكفر ( ممن منع مساجد الله ) يعني : بيت المقدس ومحاريبه { وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ } ، وذلك أن بيت المقدس موضع حج النصارى ومحل زيارتهم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يدخلها - يعني بيت المقدس - بعد عمارتها رومي إلا خائفا لو علم به قتل { لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } : عذاب وهوان ، قال قتادة : هو القتل للحربي والجزية للذمي ، قال مقاتل والكلبي : تفتح مدائنهم الثلاثة قسطنطينية ورومية وعمورية ، { وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، وهو النار .","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"وقال عطاء وعبد الرحمن بن زيد : نزلت في مشركي مكة ، وأراد بالمساجد المسجد الحرام منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حجه والصلاة فيه عام الحديبية ، وإذا منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يعمره بذكر الله فقد سعوا في خرابها { أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ } ، يعني : أهل مكة ، يقول : أفتحها عليكم حتى تدخلوها وتكونوا أولى بها منهم ، ففتحها عليهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديًا ينادي ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك (1) ، فهذا خوفهم ، وثبت في الشرع أن لا يمكن مشرك من دخول الحرم ، { لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } الذل والهوان والقتل والسبي والنفي .\r[115] { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } ، ملكا وخلقا { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ } ، أي غني يعطي من السعة ، قال الفراء : الواسع الجود الذي يسع عطاؤه كل شيء ، قال الكلبي : واسع المغفرة { عَلِيمٌ } بنياتهم حيثما صلوا ودعوا .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الصلاة باب ما يستر من العورة 1 / 471 وفي الحج والمغازي ، ومسلم في الحج باب لا يحج بالبيت مشرك رقم ( 1347 ) 2 / 982 والمصنف شرح السنة 7 / 21","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"[116] قوله تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } ، قرأ ابن عامر ( قالوا ) ، بلا واو ، وقرأ الآخرون { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } نزلت في يهود المدينة حيث قالوا : عزير ابن الله وفي نصارى نجران حيث قالوا : المسيح ابن الله ، وفي مشركي العرب حيث قالوا : الملائكة بنات الله ، { سُبْحَانَهُ } ، نزه وعظم نفسه ، قوله تعالى : { بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } : عبيدا وملكا ، { كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } ، قال مجاهد وعطاء والسدي : مطيعون ، وقال عكرمة ومقاتل : مقرون له بالعبودية ، وقال ابن كيسان : قائمون بالشهادة ، وأصل القنوت القيام ، واختلفوا في حكم الآية فذهب جماعة إلى أن حكم الآية خاص ، وقال مقاتل : هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الناس ، وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام في جميع الخلق ، لأن لفظ \" كل \" يقتضي الإحاطة بالشيء حيث لا يشذ منه شيء وقيل : قانتون مذللون مسخرون لما خلقوا له .","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"[117] قوله عز وجل : { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، أي : مبدعها ومنشئها من غير مثال سبق ، { وَإِذَا قَضَى أَمْرًا } ، أي : قدره ، وقيل : أحكمه وأتقنه ، وأصل القضاء : الفراغ ، ومنه قيل لمن مات : قضى عليه لفراغه من الدنيا ، ومنه قضاء الله وقدره ، لأنه فرغ منه تقديرا أو تدبيرا { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ، فإن قيل كيف قال : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ والمعدوم لا يخاطب ؟ قيل : قال ابن الأنباري معناه : فإنما يقول له ، أي لأجل تكوينه ، فعلى هذا ذهب معنى الخطاب ، وقيل : هو وإن كان معدوما ولكنه لما قدر وجوده وهو كائن لا محالة كان كالموجود فصح الخطاب .","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"[118] قوله عز وجل : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : اليهود ، وقال مجاهد : النصارى ، وقال قتادة : مشركو العرب ، { لَوْلَا } : هلا { يُكَلِّمُنَا اللَّهُ } : عيانا بأنك رسوله { أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } : دلالة علامة على صدقك ، قال الله تعالى : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، أي : كفار الأمم الخالية ، { مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } ، أي : أشبه بعضهم بعضا في الكفر والقسوة وطلب المحال ، { قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .\r[119] { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ } ، أي : بالصدق ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : بالقرآن وقال ابن كيسان : بالإسلام وشرائعه ، وقال مقاتل : معناه لم نرسلك عبثا إنما أرسلناك بالحق .\rقوله عز وجل : { بَشِيرًا } ، أي : مبشرا لأوليائي وأهل طاعتي بالثواب الكريم ، { وَنَذِيرًا } ، أي : منذرا مخوفا لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم .","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"قرأ نافع ويعقوب : { وَلَا تُسْأَلُ } : على النهي وقيل : هو على معنى قولهم لا تسأل عن شر فلان فإنه فوق ما تحسب ، وليس على النهي ، وقرأ الآخرون { وَلَا تُسْأَلُ } بالرفع ، على النفي بمعنى : ولست بمسئول عنهم { عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } والجحيم معظم النار .","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"[120] ، قوله عز وجل : { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } ، وذلك أنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة ويطمعونه أنه إن أمهلهم اتبعوه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، معناه أنك وإن هادنتهم فلا يرجون بها ، وإنما يطلبون ذلك تعللا ولا يرضون منك إلا باتباع ملتهم { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ } ، إلا باليهودية ، { وَلَا النَّصَارَى } إلا بالنصرانية ، والملة الطريقة ، { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ } ، قيل : الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة كقوله : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } ، { بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } : البيان بأن دين الله هو الإسلام والقبلة قبلة إبراهيم عليه السلام وهي الكعبة ، { مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } .","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"[121] { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في أهل السفينة قدموا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكانوا أربعين رجلًا ، اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا ، وقال الضحاك : هم ممن آمن من اليهود عبد الله بن سلام وشعبة بن عمرو وتمام بن يهودا وأسد وأسيد ابنا كعب وابن يا مين وعبد الله بن صوريا ، وقال قتادة وعكرمة : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : هم المؤمنون عامة ، { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ } ، قال الكلبي : يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم من الناس ، والهاء راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال الآخرون : هي عائدة إلى الكتاب ، واختلفوا في معناه فقال ابن مسعود رضي الله عنه : يقرؤونه كما أنزل ولا يحرفونه ، ويحلون حلاله ويحرمون حرامه ، وقال الحسن : يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويكلون علم ما أشكل عليهم إلى عالمه ، وقال مجاهد : يتبعونه حق اتباعه { أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"[122] { يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } .\r[123] { وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } .","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"[124] { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } وهو إبراهيم بن تارخ هو آزر بن ناخور ، ومعنى الابتلاء : الاختبار والامتحان والأمر ، وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء لأنه عالم بهم ، ولكن ليعلم العباد أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضا ، واختلفوا في الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم ( فأتمهن ) قال قتادة : أداهن ، قال الضحاك : قام بهن ، وقال يمان : عمل بهن ، قال الله تعالى : { قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } : يقتدى بك في الخير ، { قَالَ } إبراهيم : { وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } : ومن أولادي أيضًا فاجعل أئمة يقتدى بهم ، { قَالَ } الله تعالى : { لَا يَنَالُ } لا يصيب { عَهْدِي الظَّالِمِينَ } . أي من كان منهم ظالما لا يصيبه ، قال عطاء بن أبي رباح : عهدي رحمتي ، وقال السدي : نبوتي ، وقيل : الإمامة ، قال مجاهد : ليس لظالم أن يطاع في ظلمه ، ومعنى الآية : لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ظالما من ولدك ، وقيل : أراد بالعهد الأمان من النار ، وبالظالم المشرك .","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"[125] قال الله تعالى : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ } ، يعني : الكعبة ، { مَثَابَةً لِلنَّاسِ } : مرجعا لهم ، قال مجاهد وسعيد بن جبير : يثوبون إليه من كل جانب ويحجون ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : معاذا وملجأ ، وقال قتادة وعكرمة : مجمعا ، { وَأَمْنًا } أي : مأمنا يأمنون فيه من إيذاء المشركين فإنهم ما كانوا يتعرضون لأهل مكة ، ويقولون هم أهل الله ، ويتعرضون لمن حوله { وَاتَّخِذُوا } ، قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على الخبر ، وقرأ الباقون بكسر الخاء على الأمر ، { مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } ، قال يمان : المسجد كله مقام إبراهيم ، وقال إبراهيم النخعي : الحرم كله مقام إبراهيم ، وقيل : أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج مثل عرفة ومزدلفة وسائر المشاهد ، والصحيح : أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي في المسجد يصلي إليه الأئمة ، وذلك الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند بناء البيت .","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"قوله عز وجل { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } ، أي : أمرناهما وأوصينا إليهما { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ } ، يعني : الكعبة إضافة إليه تخصيصا وتفضيلا ، أي : ابنياه على الطهارة والتوحيد ، وقال سعيد بن جبير وعطاء : طهراه من الأوثان والريب وقول الزور { لِلطَّائِفِينَ } : الدائرين حوله ، { وَالْعَاكِفِينَ } : المقيمين المجاورين ، { وَالرُّكَّعِ } ، جمع راكع ، { السُّجُودِ } : ساجد ، وهم المصلون ، قال الكلبي ومقاتل : الطائفين هم الغرباء والعاكفين أهل مكة .","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"[126] { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا } ، يعني مكة ، وقيل : الحرم ، { بَلَدًا آمِنًا } ، أي : ذا أمن يأمن فيه أهله ، { وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ } ، إنما دعا بذلك لأنه كان بواد غير ذي زرع { مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } : دعا للمؤمنين خاصة ، { قَالَ } الله تعالى : { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا } ، أي سأرزق الكافر أيضًا قليلا إلى منتهى أجله ، وذلك أن الله تعالى وعد الرزق للخلق كافة مؤمنهم وكافرهم ، وإنما قيد بالقلة لأن متاع الدنيا قليل ، { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } ، أي : ألجئه في الآخرة : { إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } ، أي : المرجع يصير إليه .\r[127] قوله عز وجل : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ } يعني أسسه ، واحدتها : قاعدة ، وقال الكسائي : جدر البيت { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } ، فيه إضمار ، أي ويقولان : ربنا تقبل منا بناءنا { إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ } ، لدعائنا { الْعَلِيمُ } : بنياتنا .","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"[128] { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } : موحدين مطيعين مخلصين خاضعين لك : { وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا } ، أي : أولادنا ، { أُمَّةً } : جماعة ، والأمة : أتباع الأنبياء ، { مُسْلِمَةً لَكَ } : خاضعة لك ، { وَأَرِنَا } علمنا وعرفنا { مَنَاسِكَنَا } : شرائع ديننا وأعلام حجنا ، وقيل : مواضع حجنا ، وقال مجاهد : مذابحنا ، والنسك : الذبيحة ، وقيل : متعبداتنا ، وأصل النسك : العبادة ، والناسك : العابد ، فأجاب الله تعالى دعاءهما فبعث جبريل فأراهما المناسك في يوم عرفة ، فلما بلغ عرفات قال : عرفت يا إبراهيم ؟ قال : نعم فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات . { وَتُبْ عَلَيْنَا } ، تجاوز عنا ، { إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"[129] { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ } ، أي : في الأمة المسلمة من ذرية إبراهيم وإسماعيل ، وقيل : في أهل مكة ، { رَسُولًا مِنْهُمْ } ، أي : مرسلا منهم ، أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم { يَتْلُو } : يقرأ { عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ } كتابك يعني : القرآن ، والآية من القرآن كلام متصل إلى انقطاعه ، وقيل : هي جماعة حروف ، يقال خرج القوم بآيتهم ، أي بجماعتهم ، { وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ } ، يعني : القرآن ، { وَالْحِكْمَةَ } ، قال مجاهد : فهم القرآن ، وقال مقاتل : مواعظ القرآن وما فيه من الأحكام ، قال قتيبة : هي العلم والعمل ، ولا يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما ، وقيل : السنة والأحكام ، وقيل : هي القضاء ، وقيل : الحكمة الفقه ، قال أبو بكر بن دريد : كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة ، { وَيُزَكِّيهِمْ } ، أي : يطهرهم من الشرك والذنوب ، وقيل : يأخذ الزكاة من أموالهم ، وقال ابن كيسان : يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ من التزكية وهي التعديل ، { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، قال ابن عباس : العزيز : الذي لا يوجد مثله .","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"[130] { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ } أي : يترك دينه وشريعته ، يقال : رغب في الشيء إذا أراده ، ورغب عنه إذا تركه ، وقوله : ( من ) : لفظة استفهام ومعناه التقريع والتوبيخ ، يعني : ما يرغب من ملة إبراهيم { إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } ، قال ابن عباس : من خسر نفسه ، وقال الكلبي : ضل من قبل نفسه ، وقال أبو عبيدة : أهلك نفسه ، وقال ابن كيسان والزجاج : معناه جهل نفسه ، والسفاهة : الجهل وضعف الرأي ، وكل سفيه جاهل ، وذلك أن من عبد غير الله فقد جهل نفسه لأنه لم يعرف أن الله خلقها ، { وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا } : اخترناه في الدنيا ، { وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } ، يعني : أي مع الأنبياء في الجنة ، وقال الحسين بن الفضل : فيه تقديم وتأخير ، تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين .","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"[131] { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } ، أي استقم على الإسلام واثبت عليه ، لأنه كان مسلما ، قال ابن عباس : قال له ذلك حين خرج من السرب ، وقال الكلبي : أخلص دينك وعبادتك لله ، وقال عطاء : أسلم نفسك إلى الله عز وجل وفوض أمورك إليه ، { قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ، أي : فوضت ، قال ابن عباس : وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار .\r[132] { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } معناه : ووصى بها إبراهيم ووصى يعقوب بنيه ، قال الكلبي ومقاتل : يعني كلمة الإخلاص لا إله إلا الله { يا بَنِيَّ } ، معناه أن يا بني : { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى } : اختار { لَكُمُ الدِّينَ } ، أي : دين الإسلام { فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ، مؤمنون ، وقيل مخلصون ، وقيل مفوضون ، والنهي في ظاهر الكلام وقع على الموت ، وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام معناه : داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا وأنتم مسلمون .","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"[133] قوله تعالى : { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ } يعني أكنتم شهداء يريد ما كنتم شهداء حضورا { إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ } ، أي : حين قرب يعقوب من الموت ، قيل : نزلت في اليهود حين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية ؟ فعلى هذا القول يكون الخطاب لليهود ، وقال الكلبي : لما دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران ، فجمع ولده وخاف عليهم ذلك ، فقال عز وجل : { إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } ، وكان إسماعيل عما لهم ، والعرب تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أما { إِلَهًا وَاحِدًا } نصب على البدل من قوله ، { إِلَهَكَ } ، وقيل : نعرفه إلهًا واحدا ، { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }\r[134] { تِلْكَ أُمَّةٌ } : جماعة ، { قَدْ خَلَتْ } : مضت ، { لَهَا مَا كَسَبَتْ } من العمل ، { وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، يعني : يسأل كل عن عمله لا عن عمل غيره .","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"[135] { وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا } ، قال ابن عباس : نزلت في رؤساء يهود المدينة وفي نصارى أهل نجران وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله ، فقالت اليهود : نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان ، وكفرت بعيسى والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وقالت النصارى نبينا أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان وكفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين : كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك ، فقال تعالى : { قُلْ } يا محمد : { بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } ، بل نتبع ملة إبراهيم { حَنِيفًا } أراد به ملة إبراهيم الحنيف قال مجاهد : الحنيفة أتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماما للناس ، قال ابن عباس : الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام ، وأصله من الحنف وهو ميل وعوج يكون في القدم { وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }\rثم علم المؤمنين طريق الإيمان فقال جل ذكره :","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"[136] { قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا } ، يعني القرآن ، { وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ } وهو عشر صحف { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ } ، يعني : أولاد يعقوب ، وهم اثنا عشر سبطا ، واحدهم : سبط ، سموا بذلك لأنه ولد لكل واحد منهم جماعة ، وسبط الرجل : حافده ، والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب ، من بني إسماعيل ، والشعوب من العجم , وكان في الأسباط أنبياء ، ولذلك قال : { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا } ، وقيل : هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلهم أنبياء . { وَمَا أُوتِيَ مُوسَى } ، يعني التوراة ، { وَعِيسَى } ، يعني الإنجيل ، { وَمَا أُوتِيَ } : أعطي { النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ } ، أي : نؤمن بالكل لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى ، { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } ، عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله » الآية .","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"[137] { فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ } أي : بما آمنتم به ، وكذلك كان يقرؤها ابن عباس ، و ( المثل ) صلة ، كقوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } أي : ليس هو كشيء ، وقيل : معناه فإن آمنوا بجميع ما آمنتم به أي : أتوا بإيمان كإيمانكم وتوحيد كتوحيدكم ، وقيل : معناه فإن آمنوا مثل ما آمنتم ، والباء زائدة كقوله تعالى : { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ } ، وقال أبو معاذ النحوي : معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم : { فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ } , أي في خلاف ومنازعة ، قال ابن عباس وعطاء : يقال : شاق مشاقة إذا خالف ، كأن كل واحد أخذ في شق غير شق صاحبه ، قال الله تعالى : { لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي } أي : خلافي ، وقيل : في عداوة ، دليله قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ } ، أي عادوا الله { فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ } : يا محمد ، أي يكفيك شر اليهود والنصارى ، وقد كفي بإجلاء بني النضير ، وقتل بني قريظة ، وضرب الجزية على اليهود والنصارى ، { وَهُوَ السَّمِيعُ } : لأقوالهم { الْعَلِيمُ } بأحوالهم .","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"[138] { صِبْغَةَ اللَّهِ } ، قال ابن عباس في رواية الكلبي وقتادة والحسن : دين الله ، وإنما سماه صبغة لأنه يظهر أثر الدين على المتدين ، كما يظهر أثر الثوب على الصبغ ، وقيل : لأن المتدين يلزمه ولا يفارقه كالصبغ يلزم الثوب ، وقال مجاهد : فطرة الله وهو قريب من الأول ، وقيل : سنة الله ، وقيل : أراد به الختان لأنه يصبغ صاحبه بالدم ، وقال ابن عباس : هي أن النصارى إذا ولد لأحدهم ولد فاتت عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر ، يقال له المعمودية ، وصبغوه به ليطهروه بذلك الماء مكان الختان ، فإذا فعلوا به ذلك قالوا : الآن صار نصرانيا حقا ، فأخبر الله أن دينه الإسلام لا ما يفعله النصارى ، وهو نصب على الإغراء ، يعني الزموا دين الله { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً } : دينا وقيل : تطهيرا . { وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ } : مطيعون .","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"[139] { قُلْ } : يا محمد لليهود والنصارى : { أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ } ، أي في دين الله والمحاجة : المجادلة في الله لإظهار الحجة ، وذلك بأنهم قالوا : إن الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا ، وديننا أقدم فنحن أولى بالله منكم { وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } ، أي : نحن وأنتم سواء في الله فإنه ربنا وربكم ، { وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } ، أي : لكل واحد جزاء عمله فكيف تدعون أنكم أولى بالله ، { وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } ، وأنتم به مشركون ، قال سعيد بن جبير : الإخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله فلا يشرك به في دينه ولا يرائي بعمله .","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"[140] قال الله تعالى : { أَمْ تَقُولُونَ } ، يعني : أتقولون ، صيغة استفهام ، ومعناه التوبيخ { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ } يا محمد { أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ } بدينهم { أَمِ اللَّهُ } وقد أخبر الله تعالى أن إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما . { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ } : أخفى { شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ } ، وهي علمهم بأن إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين ، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم حق ورسول أشهدهم عليه في كتبهم ، { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }\r[141] { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } , كرره تأكيدا .","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"[142] قوله تعالى : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ } الجهال { مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ } ، أي شيء صرفهم وحولهم { عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } ، يعني بيت المقدس ، والقبلة فعلة من المقابلة نزلت في اليهود ومشركي مكة ، طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة فقالوا لمشركي مكة : قد تردد على محمد أمره فاشتاق إلى مولده وقد توجه نحو بلدكم ، وهو راجع إلى دينكم ، فقال الله تعالى { قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } : ملكا والخلق عبيده ، { يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"[143] { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أي : كما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم ، كذلك جعلناكم أمة وسطا ، أي : عدلا خيارا ، قال الله تعالى : { قَالَ أَوْسَطُهُمْ } أي خيرهم وأعدلهم ، وخير الأشياء أوسطها ، وقال الكلبي : يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين قوله تعالى : { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } ، يوم القيامة أن الرسل قد بلغتهم ، { وَيَكُونَ الرَّسُولُ } : محمد صلى الله عليه وسلم : { عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } : معدلا مزكيا لكم ، قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا } ، أي : تحويلها ؟ يعني عن بيت المقدس ، فيكون من باب حذف المضاف ، ويحتمل أن يكون المفعول الثاني للجعل محذوفا على تقدير : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة ، وقيل معناه التي أنت عليها وهي الكعبة ، كقوله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } أي : أنتم { إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ } ، فإن قيل : ما معنى قوله : { إِلَّا لِنَعْلَمَ } وهو عالم بالأشياء كلها قبل كونها ؟ قيل : أراد به العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب ، فإنه لا يتعلق بما","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"هو عالم به في الغيب ، إنما يتعلق بما يوجد معناه لنعلم العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب ، وقيل : إلا لنعلم أي : لنرى ونميز من يتبع الرسول في القبلة ، { مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } ، فيرتد ، وقال أهل المعاني : معناه إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، كأنه سبق في علمه أن تحويل القبلة سبب لهداية قوم وضلالة قوم { وَإِنْ كَانَتْ } ، أي : وقد كانت ، أي تولية الكعبة ، وقيل : الكناية راجعة إلى القبلة ، وقيل : إلى الكعبة ، قال الزجاج : وإن كانت التحويلة ، { لَكَبِيرَةً } : ثقيلة شديدة ، { إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ } ، أي : هداهم الله ، قال سيبويه : ( وإن ) تأكيد شبيه باليمين ، ولذلك دخلت اللام في جوابها ، { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } ، وذلك أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود ، قالوا للمسلمين : أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس إن كانت هدى ، فقد تحولتم عنها ، وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها ؟ ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة ، فقال المسلمون إنما الهدى ما أمر الله به ، والضلالة ما نهى الله عنه ، قالوا : فما شهادتكم على من مات منكم","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"على قبلتنا ؟ فانطلق عشائرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا رسول الله ، قد صرفك إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } ، يعني : صلاتكم إلى بيت المقدس ، { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } الرأفة : أشد الرحمة .","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"[144] { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ } ، هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في المعنى ، فإنها رأس القصة ، وأمر القبلة أول ما نسخ من أمور الشرع ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة فلما هاجر إلى المدينة أمره أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ، ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته في التوراة وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة ، فأنزل الله تعالى : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ } ، { فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً } ، فلنحولنك إلى قبلة { تَرْضَاهَا } ، أي : تحبها وتهواها ، { فَوَلِّ } أي : حول { وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أي : نحوه ، وأراد به الكعبة ، والحرام : المحرم ، { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ } ، من بر أو نحو شرق أو غرب : { فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } ، عند الصلاة .","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"فلما تحولت القبلة قالت اليهود : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره ، فأنزل الله تعالى : { وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ } يعني أمر الكعبة ، { الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } ، ثم هددهم فقال : { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } ، قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء ، قال ابن عباس : يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم ، وقرأ الباقون بالياء ، يعني : ما أنا بغافل عما يفعل اليهود فأجازيهم في الدنيا وفي الآخرة .","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"[145] قوله تعالى : { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ } ، يعني : اليهود والنصارى ، قالوا : ائتنا بآية على ما تقول ، قال الله تعالى : { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ } : معجزة ، { مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ } يعني : الكعبة { وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } ، لأن اليهود تستقبل بيت المقدس { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ } ، الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد به الأمة ، { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } ، من الحق في القبلة ، { إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ }","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"[146] قوله تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } ، يعني : مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه { يَعْرِفُونَهُ } ، يعني : يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } : من بين الصبيان ، قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام : إن الله قد أنزل على نبيه { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } ، فكيف هذه المعرفة ؟ قال عبد الله : يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما عرفت ابني ، ومعرفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني ، فقال عمر : كيف ذلك ؟ فقال أشهد أنه رسول حق من الله تعالى ، وقد نعته الله في كتابنا ، فقال عمر : وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت ، { وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ } ، يعني : صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة { وَهُمْ يَعْلَمُونَ }\r[147] ثم قال : { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } ، أي : هذا الحق خير ، مبتدأ مضمر ، وقيل : رفع بإضمار فعل ، أي : جاء الحق من ربك ، { فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } : الشاكين .","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"[148] قوله تعالى : { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ } ، أي : لأهل كل ملة قبلة ، والوجهة : اسم للمتوجه إليه { هُوَ مُوَلِّيهَا } ، أي : مستقبلها ، ومقبل عليها ، يقال : وليته ، ووليت إليه إذا أقبلت عليه ، ووليت عنه إذا أدبرت عنه ، قال مجاهد : هو موليها وجهه ، وقال الأخفش : هو كناية عن الله عز وجل ، يعني : مولى الأمم إلى قبلتهم { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } ، أي : إلى الخيرات ، يريد بادروا بالطاعات ، والمراد : المبادرة إلى القبول ، { أَيْنَمَا تَكُونُوا } أنتم وأهل الكتاب ، { يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا } : يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم ، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r[149] قوله تعالى : { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } ، قرأ أبو عمرو بالياء ، والباقون بالتاء .","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"[150] { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } ، وإنما كرره لتأييد النسخ ، { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، اختلفوا في تأويل هذه الآية ، ووجه قوله : ( إلا ) فقال بعضهم : معناه حولت القبلة إلى الكعبة لئلا يكون للناس عليكم حجة إذا توجهتم إلى غيرها ، فيقولون : ليست لكم قبلة ، إلا الذين ظلموا وهم قريش واليهود ، فأما قريش فتقول : رجع محمد إلى الكعبة لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة آبائه ، فكذلك يرجع إلى ديننا ، وأما اليهود فتقول لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حق إلا أنه يعمل برأيه ، وقال قوم : لئلا يكون للناس عليكم حجة يعني : اليهود ، وكانت حجتهم على طريق المخاصمة على المؤمنين في صلاتهم إلى بيت المقدس ، أنهم كانوا يقولون : ما درى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن ، وقوله : { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، وهم مشركو مكة ، وحجتهم أنهم قالوا لما صرفت قبلتهم إلى الكعبة : إن محمدا قد تحيّر في دينه وسيعود إلى ملتنا كما عاد إلى قبلتنا ، وهذا","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"معنى قول مجاهد وعطاء وقتادة ، وعلى هذين التأويلين يكون الاستثناء صحيحا ، وقوله : { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا } يعني : لا حجة لأحد عليكم إلا مشركو قريش فإنهم يحاجونكم فيجادلونكم ويخاصمونكم بالباطل والظلم وموضع ( الّذِينَ ) خفض كأنه قال : سوى الذين ظلموا ، وقال الفراء : نصب بالاستثناء .\rقوله تعالى : { مِنْهُمْ } ، يعني : من الناس ، وقيل : هذا استثناء منقطع عن الكلام الأول ، معناه ولكن الذين ظلموا يجادلونكم بالباطل قال أبو روق : لئلا يكون للناس ، يعني : اليهود عليكم حجة ، وذلك أنهم عرفوا أن الكعبة لإبراهيم ، ووجدوا في التوراة أن محمدا سيحول إليها ، فحوله الله تعالى إليها لئلا يكون لهم حجة فيقولوا : إن النبي الذي نجده في كتابنا سيحول إليها ولم تحول أنت ، فلما حول إليها ذهبت حجتهم إلا الذين ظلموا, يعني : إلا أن يظلموا فيكتموا ما عرفوا من الحق .","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"وقال أبو عبيدة : قوله { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا } ليس باستثناء ، ولكن ( إلا ) في موضع واو العطف ، يعني : والذين ظلموا أيضًا لا يكون لهم حجة ، فمعنى الآية : فتوجهوا إلى الكعبة لئلا يكون للناس - يعني لليهود - عليكم حجة فيقولوا : لِمَ تركتم الكعبة وهي قبلة إبراهيم وأنتم على دينه ولا الذين ظلموا وهم مشركو مكة فيقولون لِمَ ترك محمد قبلة جده وتحول عنها إلى قبلة اليهود ؟ { فَلَا تَخْشَوْهُمْ } : في انصرافكم إلى الكعبة ، وفي تظاهرهم عليكم بالمجادلة ، فإني وليكم أظهركم عليهم بالحجة والنصرة ، { وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } ، عطف على قوله : { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } ، ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم ، فتتم به لكم الملة الحنيفية { وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } : لكي تهتدوا من الضلالة ، و( لعلّ وعسى ) من الله واجب .","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"[151] قوله تعالى : { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ } ، هذه الكاف للتشبيه ، ويحتاج إلى شيء يرجع إليه ، فقال بعضهم : يرجع إلى ما قبلها ، معناه : ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ، وقال مجاهد وعطاء والكلبي : هي متعلقة بما بعدها وهو قوله : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } معناه : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم فاذكروني ، وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب ، يعني : كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب { رَسُولًا مِنْكُمْ } يعني : محمدًا صلى الله عليه وسلم { يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا } يعني : القرآن ، { وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } ، قيل : الحكمة السنة ، وقيل : مواعظ القرآن ، { وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } ، من الأحكام وشرائع الإسلام .","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"[152] { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } ، قال ابن عباس : اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي ، وقال سعيد بن جبير : اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي ، وقيل : اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء ، بيانه : { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ }{ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قوله تعالى : { وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ } ، يعني : واشكروا لي بالطاعة ولا تكفرون بالمعصية ، فإن من أطاع الله فقد شكره ، ومن عصاه فقد كفره .\r[153] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } : بالعون والنصرة .","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"[154] { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ } ، نزلت في قتلى بدر من المسلمين ، وكانوا أربعة عشر رجلًا ، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ، كان الناس يقولون لمن يقتل في سبيل الله : مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها ، فأنزل الله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ } ، { بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } ، كما قال في شهداء أحد : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ، قال الحسن : إن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح ، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشية ، فيصل إليهم الوجع .","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"[155] قوله تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } أي : ولنختبرنكم يا أمة محمد ، واللام لجواب القسم المحذوف ، تقديره : والله لنبلونكم ، والابتلاء من الله لإظهار المطيع من العاصي ، لا ليعلم شيئا لم يكن عالما به ، { بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ } , قال ابن عباس : يعني خوف العدو ، { وَالْجُوعِ } ، يعني : القحط ، { وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ } : بالخسران والهلاك ، { وَالْأَنْفُسِ } ، يعني : بالقتل والموت ، وقيل : بالمرض والشيب ، { وَالثَّمَرَاتِ } ، يعني : الجوائح في الثمار ، وحكي عن الشافعي أنه قال : الخوف خوف الله تعالى ، والجوع صيام رمضان ، ونقص من الأموال أداء الزكاة والصدقات ، والأنفس الأمراض ، والثمرات موت الأولاد ، لأن ولد الرجل ثمرة قلبه ، { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } : على البلايا والرزايا ، ثم وصفهم فقال .","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"[156] { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ } : عبيدا وملكا, { وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } في الآخرة .\r[157] { أُولَئِكَ } أهل هذه الصفة : { عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } أي : رحمة ، فإن الصلاة من الله الرحمة ، والرحمة ذكرها الله تأكيدا ، وجميع الصلوات ، أي رحمة بعد رحمة { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } : إلى الاسترجاع ، وقيل : إلى الحق والصواب ، وقيل : إلى الجنة والثواب ، قال عمر رضي الله عنه : نعم العدلان ونعمت العلاوة فالعدلان : الصلاة والرحمة ، والعلاوة الهداية .","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"[158] قوله تعالى : { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } ، الصفا جمع : صفاة ، وهي الصخرة الصلبة الملساء ، يقال صفاة وصفا ، مثل : حصاة وحصى ونواة ونوى ، والمروة : الحجر الرخو ، وجمعها : مروات ، وجمع الكثير : مَرْو ، مثل : تمرة وتمرات وتمر ، وإنما عنى بهما الجبلين المعروفين بمكة في طرفي المسعى ، ولذلك أدخل فيهما الألف واللام ، وشعائر الله أعلام دينه ، أصلها من الإشعار ، وهو الإعلام ، واحدتها شعيرة ، وكل ما كان معلما لقربات يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ودعاء وذبيحة ، فهو شعيرة ، فالمطاف والموقف والنحر كلها شعائر لله ، ومثلها المشاعر ، والمراد بالمشاعر هاهنا : المناسك التي جعلها الله أعلاما لطاعته فالصفا والمروة منها حتى يطاف بهما جميعا ، { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ } ، فالحج في اللغة : القصد ، والعمرة : الزيارة ، وفي الحج والعمرة المشروعين : قصد وزيارة ، { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ } ، أي لا إثم عليه ، وأصله من جنح ، أي : مال عن القصد ، { أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } ، أي : يدور بهما ، وأصله يتطوف أدغمت التاء في الطاء . وسبب نزول هذه الآية أنه كان على الصفا","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"والمروة صنمان إساف ونائلة ، وكان إساف على الصفا ونائلة على المروة ، وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة تعظيما للصنمين ويتمسحون بهما ، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لأجل الصنمين ، فأذن الله فيه وأخبر أنه من شعائر الله ، قوله تعالى : { وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا } , قال مجاهد : معناه فإن تطوع بالطواف بالصفا والمروة ، وقال مقاتل والكلبي فمن تطوع ، أي : زاد في الطواف بعد الواجب ، وقيل : من تطوع بالحج والعمرة بعد أداء الحجة الواجبة عليه ، وقال الحسن وغيره : أراد سائر الأعمال ، يعني : فعل غير المفترض عليه من زكاة وصلاة وطواف وغيرها من أنواع الطاعات ، { فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ } ، مجازٍ لعبده بعمله ، { عَلِيمٌ } : بنيته ، والشكر من الله تعالى أن يعطي لعبده فوق ما يستحق ، يشكر اليسير ويعطي الكثير .","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"[159] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ } ، نزلت في علماء اليهود كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغيرهما من الأحكام التي كانت في التوراة ، { أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ } وأصل اللعن الطرد والبعد ، { وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } ، أي : يسألون الله أن يلعنهم ويقولون : اللهم العنهم ، واختلفوا في هؤلاء اللاعنين ، قال ابن عباس : جميع الخلائق إلا الجن والإنس ، وقال قتادة : هم الملائكة ، وقال عطاء : الجن والإنس, وقال الحسن : جميع عباد الله ثم استثنى فقال :\r[160] { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا } : من الكفر ، { وَأَصْلَحُوا } أسلموا أو أصلحوا الأعمال فيما بينهم وبين ربهم { وَبَيَّنُوا } : ما كتموا ، { فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } : أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم ، { وَأَنَا التَّوَّابُ } الرجاع بقلوب عبادي المنصرفة عني إلي . { الرَّحِيمُ } : بهم بعد إقبالهم عليّ .","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"[161] { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ } أي : لعنة الملائكة { وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } ، قال أبو العالية : هذا يوم القيامة يوقف الكافر فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس ، فإن قيل : فقد قال : ( وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) والملعون هو من جملة الناس ، فكيف يلعن نفسه ؟ قيل : يلعن نفسه في القيامة ، قال الله تعالى : { وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } ، وقيل : إنهم يلعنون الظالمين والكافرين ، ومن يلعن الظالمين والكافرين وهو منهم فقد لعن نفسه .\r[162] { خَالِدِينَ فِيهَا } مقيمين في اللعنة وقيل : في النار ، { لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } لا يمهلون ولا يؤجلون ، وقال أبو العالية : لا ينظرون فيعتذروا ، كقوله تعالى : { وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } .","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"[163] قوله تعالى : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } ، سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا : يا محمد صف لنا ربك وانسبه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وسورة الإخلاص ، والواحد : الذي لا نظير له ولا شريك له ، قال أبو الضحى : لما نزلت هذه الآية قال المشركون : إن محمدا يقول إن إلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين فأنزل الله عز وجل .","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"[164] { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، ذكر السماوات بلفظ الجمع والأرض بلفظ الواحد لأن كل سماء من جنس آخر ، والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب ، فالآية في السماوات : سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة ، وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم ، والآية في الأرض : مدها وبسطها وسعتها وما يرى فيها من الأشجار والأنهار ، والجبال والبحار والجواهر والنبات . قوله تعالى : { وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } ، أي : تعاقبهما في الذهاب والمجيء يخلف أحدهما صاحبه ، إذا ذهب أحدهما جاء الآخر أي : بعده ، نظيره : قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً } ، قال عطاء : أراد اختلافهما في النور والظلمة والزيادة والنقصان ، والليل جمع ليلة ، والليالي جمع الجمع ، والنهار جمع نهر ، وقدم الليل على النهار في الذكر لأنه أقدم منه ، قال الله تعالى : { وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ } ، { وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ } ، يعني : السفن واحده وجمعه سواء ، فإذا أريد به الجمع يؤنث ، وفي الواحد يذكر ، قال الله تعالى في الواحد والتذكير : {","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } ، وقال في الجمع والتأنيث : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } ، { وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ } الآية في الفلك : تسخيرها وجريها على وجه الماء ، وهي موقرة لا ترسب تحت الماء ، { بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ } ، يعني : ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب ، { وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ } ، يعني : المطر ، قيل : أراد بالسماء السحاب ، يخلق الله الماء في السحاب ثم من السحاب ينزل ، وقيل : أراد به السماء المعروفة ، يخلق الله تعالى الماء في السماء ثم ينزل من السماء إلى السحاب ثم من السحاب ينزل إلى الأرض ، { فَأَحْيَا بِهِ } ، أي : بالماء { الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } ، أي : بعد يبسها وجدوبتها ، { وَبَثَّ فِيهَا } ، أي : فرق فيها { مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ } والريح يذكر ويؤنث ، وتصريفها أنها يتصرف إلى الجنوب والشمال ، والقبول والدبور والنكباء ، وقيل : تصريفها أنها تارة تكون لينا ، وتارة تكون عاصفا ، وتارة تكون حارة ، وتارة باردة ، قال ابن عباس","part":1,"page":192},{"id":193,"text":": أعظم جنود الله الريح والماء ، وسميت الريح ريحا لأنها تريح النفوس { وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ } أي : الغيم المذلل ، سمي سحابا لأنه ينسحب ، أي يسير في سرعة كأنه يسحب أي يجر { بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ، فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقا وصانعا .","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"[165] قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ } ، يعني : المشركين ، { مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا } ، أي أصناما يعبدونها ، { يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } ، أي : يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله ، وقال الزجاج : يحبون الأصنام كما يحبون الله لأنهم أشركوها مع الله ، فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة ، { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } ، أي : أثبت وأدوم على حبه من المشركين ؛ لأنهم لا يختارون على الله ما سواه ، والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا أحسن منه ، طرحوا الأول واختاروا الثاني ، قال قتادة : إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى ، كما أخبر الله عز وجل عنهم فقال : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ، والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء قوله تعالى : { وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } معناه : لو يرى الذين ظلموا أنفسهم عند رؤية العذاب ، أي ولو رأوا شدة عذاب الله وعقوبته حين يرون العذاب ، لعرفوا مضرة الكفر ، وأن ما اتخذوا من الأصنام لا ينفعهم ، قوله تعالى : { إِذْ يَرَوْنَ } قرأ","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"ابن عامر بضم الياء والباقون بفتحها ، { الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } أي : بأن القوة لله جميعا معناه : لرأوا وأيقنوا أن القوة لله جميعا .","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"[166] { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ } ، هذا في يوم القيامة حين يجمع الله القادة والأتباع ، فيتبرأ بعضهم من بعض ، هذا قول أكثر المفسرين ، وقال السدي : هم الشياطين يتبرءون من الإنس ، { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ } أي : عنهم { الْأَسْبَابُ } ، أي الصِّلات التي كانت بينهم في الدنيا ، من القرابات والصداقات ، وصارت مخالطتهم عداوة ، وقال ابن جريج : الأرحام ، كما قال الله تعالى : { فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ } ، وقال السدي : يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا, كما قال الله تعالى : { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } ، وأصل السبب ما يوصل به إلى الشيء من ذريعة أو قرابة أو مودة ومنة ، يقال للحبل : سبب ، وللطريق : سبب .","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"[167] { وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا } ، يعني : الأتباع : { لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } ، أي : رجعة إلى الدنيا ، { فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ } ، أي : من المتبوعين ، { كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا } : اليوم ، { كَذَلِكَ } ، أي : كما أراهم العذاب ، كذلك { يُرِيهِمُ اللَّهُ } ، وقيل : كتبرؤِ بعضهم من بعض ، يريهم الله : { أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ } : ندامات ، جمع حسرة ، قيل : يريهم ما ارتكبوا من السيئات فيتحسرون لِمَ عملوا ، وقيل : يريهم ما تركوا من الحسنات ، فيندمون على تضييعها ، وقال ابن كيسان : إنهم أشركوا بالله الأوثان رجاء أن تقربهم إلى الله عز وجل ، فلما عذبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسروا وندموا ، قال السدي : ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا لله فيقال لهم : تلك مساكنكم لو أطعتم الله ، ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون ويتحسرون { وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ }","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"[168] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا } ، نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر ابن صعصعة ، وبني مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام ، والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، فالحلال ما أحله الشرع . طيبا ، قيل : ما يستطاب ويستلذ ، والمسلم يستطيب الحلال ، ويخاف الحرام ، { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } آثاره وزلاته ، وقيل : هي النذور في المعاصي ، وقال أبو عبيدة : هي المحقرات من الذنوب ، وقال الزجاج : طرقه ، { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } : بين العداوة ، وقد أظهر عداوته بإبائه السجود لآدم وغروره إياه ، حتى أخرجه من الجنة ، ثم ذكر عداوته فقال :","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"[169] { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ } ، أي : بالإثم ، وأصل السوء ما يسوء صاحبه ، وهو مصدر ساء يسوء سوءًا ومساءة ، أي : أحزنه ، وسوَّأته فساء أي : حزَّنته فحزن ، { وَالْفَحْشَاءِ } : المعاصي وما قبح من القول والفعل ، وهو مصدر كالسراء والضراء عن ابن عباس قال : الفحشاء من المعاصي ما يجب فيه الحد ، والسوء من الذنوب ما لا حد فيه ، وقال السدي : هي الزنا ، وقيل : هي البخل ، { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ، من تحريم الحرث والأنعام .\r[170] قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا } ، أي : ما وجدنا { عَلَيْهِ آبَاءَنَا } , من عبادة الأصنام ، وقيل : معناه وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله في تحليل ما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة ، والهاء والميم عائدتان إلى الناس في قوله تعالى : { يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا } .","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"و( مَا أَلْفَيْنَا ) ما وجدنا عليه آباءنا من التحريم والتحليل ، قال تعالى : { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ } أي : كيف يتبعون آباءهم ، وآباؤهم { لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا } ؟ الواو في ( أَوَلَوْ ) واو العطف ، ويقال لها أيضًا : واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ ، والمعنى : أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالا لا يعقلون شيئا ، لفظه عام ومعناه الخصوص ، أي : لا يعقلون شيئا من أمور الدين ، لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا ، { وَلَا يَهْتَدُونَ } ثم ضرب لهم مثلا فقال جل ذكره .","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"[171] { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ } ، والنعيق والنعق : صوت الراعي بالغنم ، معناه : مثلك يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم ، وقيل : مثل واعظ الكفار وداعيهم معهم كمثل الراعي ينعق بالغنم وهي لا تسمع ، { إِلَّا دُعَاءً } ، صوتا { وَنِدَاءً } فأضاف المثل إلى الذين كفروا ، لدلالة الكلام عليه ، كما في قوله تعالى : { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ } ، معناه كما أن البهائم تسمع صوت الراعي ولا تفهم ولا تعقل ما يقال لها ، كذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إنما يسمع صوتك ، وقيل : معناه ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله وعن رسوله ، كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنهي إلا الصوت وقيل : معناه مثل الذين كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم ، فلا ينتفع من نعيقه بشيء ، غير أنه في غناء من الدعاء والنداء ، كذلك الكافر ليس له من دعاء الآلهة وعبادتها إلا العناء والبلاء ، كما قال تعالى : { إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ }","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"، وقيل : معنى الآية ومثل الذين كفروا في دعاء الأوثان ، كمثل الذي يصيح في جوف الجبال ، فيسمع صوتا يقال له الصداء لا يفهم منه شيئا ، فمعنى الآية : كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه الناعق إلا دعاء ونداء . { صُمٌّ } ، تقول العرب لمن لا يسمع ولا يعمل : كأنه أصم ، { بُكْمٌ } عن الخير لا يقولونه ، { عُمْيٌ } ، عن الهدى ، لا يبصرونه ، { فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ }\r[172] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ } : حلالات { مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ } : على نعمه ، { إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } ثم بين المحرمات فقال :","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"[173] { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ } الميتة : كل ما لم تدرك ذكاته مما يذبح { وَالدَّمَ } ، أراد به الدم الجاري واستثنى الشرع من الميتة السمك والجراد ، ومن الدم الكبد والطحال فأحلها ، { وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ } ، أراد به جميع أجزائه ، فعبر عن ذلك باللحم لأنه معظمه ، { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } ، أي : ما ذبح للأصنام والطواغيت ، وأصل الإهلال رفع الصوت ، وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها ، فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وإن لم يجهر بالتسمية : مهل ، وقال الربيع بن أنس وغيره : ( وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ) قال : ما ذكر عليه اسم غير الله ، { فَمَنِ اضْطُرَّ } معناه فمن اضطر إلى أكل الميتة ، أي : أحوج وألجئ إليه ، { غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ } ، أصل البغي : قصد الفساد ، يقال : بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ، وأصل العدوان : الظلم ومجاوزة الحد ، يقال : عدا عليه عدوا وعدوانا إذا ظلم ، واختلفوا في معنى قوله : { غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ } ، فقال بعضهم : غير باغ أي : غير خارج على السلطان ، ولا عاد : متعد ، عاص بسفره ، بأن خرج لقطع الطريق","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"أو لفساد في الأرض ، وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ، وقالوا : لا يجوز للعاصي بسفره أن يأكل الميتة إذا اضطر إليها ، ولا أن يترخص برخص المسافر حتى يتوب ، وبه قال الشافعي ، لأن إباحة الميتة له إعانة له على فساده ، وذهب جماعة إلى أن البغي والعدوان راجعان إلى الأكل ، واختلفوا في تفصيله ، وقال الحسن وقتادة : غير باغ بأكله من غير اضطرار ، ولا عاد ، أي : لا يعدو لشبعه ، وقيل : غير باغ أي : غير طالبها وهو يجد غيرها ، ولا عاد أي : غير متعد ما حد له ، فيأكل حتى يشبع ، ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقه ، وقال مقاتل بن حيان : غير باغ أي مستحل لها ، ولا عاد أي متزود منها ، وقيل : غير باغ أي غير مجاوز للقدر الذي أحل له ، ولا عاد أي لا يقصر فيما أبيح له فيدعه { فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ } ، فلا حرج عليه في أكلها ، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } ، لمن أكل في حال الاضطرار { رَحِيمٌ } ، حيث رخص للعباد في ذلك .","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"[174] قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ } يعني : صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ، { وَيَشْتَرُونَ بِهِ } أي : بالمكتوم { ثَمَنًا قَلِيلًا } ، أي : عوضا يسيرا ، يعني : المآكل التي يصيبونها من سفلتهم { أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ } ، يعني : إلا ما يؤديهم إلى النار وهو الرشوة والحرام وثمن الدين ، فلما كان يفضي ذلك بهم إلى النار فكأنهم أكلوا النار ، وقيل : معناه أنه يصير نارا في بطونهم ، { وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، أي : لا يكلمهم بالرحمة وبما يسرهم ، إنما يكلمهم بالتوبيخ ، وقيل : أراد به أن يكون عليهم غضبان ، كما يقال : فلان لا يكلم فلانا إذا كان عليه غضبان ، { وَلَا يُزَكِّيهِمْ } ، أي : لا يطهرهم من دنس الذنوب ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"[175] { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } ، قال عطاء والسدي : هو ( ما ) الاستفهام معناه : ما الذي صبرهم على النار ؟ وأي شيء صبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل ؟ قال الحسن وقتادة : والله ما لهم عليها من صبر ، ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار ؟ وقال الكسائي : فما أصبرهم على أهل النار ، أي : ما أدومهم عليه .","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"[176] { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } ، يعني : ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب بالحق فأنكروه وكفروا به ، وحينئذ يكون ( ذلك ) في محل الرفع ، وقال بعضهم : محله نصب ، معناه : فعلنا ذلك بهم ( بأن الله ) ، أي : لأن الله نزل الكتاب بالحق ، فاختلفوا فيه ، وقيل : معناه ذلك أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله ، من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق ، وهو قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ }{ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } ، { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ } : فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ، { لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } ، أي : في خلاف وضلال بعيد .","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"[177] قوله تعالى : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } البر : كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة ، واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية ، فقال قوم : عنى بها اليهود والنصارى ، وقال الآخرون : المراد بها المؤمنون ، ذلك أن الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل نزول الفرائض إذا أتى بالشهادتين وصلى الصلاة إلى أي جهة كانت ، ثم مات على ذلك وجبت له الجنة ، ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض ، وحددت الحدود وصرفت القبلة إلى الكعبة ، أنزل الله هذه الآية فقال : ( لَيْسَ الْبِرَّ ) ، أي : كله أن تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا على غير ذلك ، لَكِنَّ الْبِرَّ ما ذكر في هذه الآية ، وقوله تعالى : { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } اختلفوا في وجهه ، قيل : لما وقع ( من ) في موقع المصدر جعله خبرا للبر ، كأنه قال : ولكن البر الإيمان بالله ، والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل وقيل : فيه إضمار ، معناه : ولكن البر [بر] ، من آمن بالله ، فاستغنى بذكر الأول عن الثاني ، كقولهم : الجود حاتم ، أي : الجود جود حاتم ، وقيل معناه : ولكن ذا البر من آمن بالله كقوله تعالى : { هُمْ","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ } ، أي : ذو[و] ، درجات ، وقيل معناه : ولكن البار من آمن بالله ، كقوله تعالى : { وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } أي : للمتقي ، والمراد من البر ههنا الإيمان والتقوى ، { وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ } ، كلهم { وَالْكِتَابِ } يعني : الكتب المنزلة ، { وَالنَّبِيِّينَ } : أجمع ، { وَآتَى الْمَالَ } أعطى المال ، { عَلَى حُبِّهِ } ، اختلفوا في هذه الكناية ، فقال أكثر أهل التفسير : إنها راجعة إلى المال ، أي : أعطى المال في حال صحته ومحبته المال وقيل : هي عائدة إلى الله عز وجل ، أي : على حب الله تعالى ، { ذَوِي الْقُرْبَى } : أهل القرابة { وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ } ، قال مجاهد : يعنى المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك ، ويقال للمسافر : ابن السبيل لملازمته الطريق ، وقيل : هو الضيف ينزل بالرجل { وَالسَّائِلِينَ } ، يعني : الطالبين { وَفِي الرِّقَابِ } ، يعني : المكاتبين ، قاله أكثر المفسرين ، وقيل : عتق النسمة وفك الرقبة ، وقيل : فداء الأسارى ، { وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ } : وأعطى الزكاة { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ } : فيما","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"بينهم وبين الله عز وجل ، وفيما بينهم وبين الناس ، { إِذَا عَاهَدُوا } ، يعني : إذا وعدوا أنجزوا ، وإذا حلفوا ونذروا أوفوا ، وإذا عاهدوا أوفوا ، وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتُمنوا أدَّوا . واختلفوا في رفع قوله : ( والموفون ) ، قيل : هو عطف على خبر ، معناه : ولكن ذا البر المؤمنون والموفون بعهدهم ، وقيل تقديره : هم الموفون ، كأنه عدَّ أصنافا ثم قال : هم والموفون كذا ، وقيل على رفع الابتداء والخبر ، يعني : وهم الموفون ، ثم قال : { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ } ، أي الشدة والفقر { وَالضَّرَّاءِ } : المرض والزمانة ، { وَحِينَ الْبَأْسِ } أي القتال والحرب { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } : في إيمانهم ، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } : محارم الله .","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"[178] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ } أي : فرض عليكم القصاص ، { فِي الْقَتْلَى } ، والقصاص : المساواة والمماثلة في الجراحات والديات ، وأصله من قص الأثر إذا اتبعه ، فالمفعول به يتبع ما فعل به فيفعل مثله ، ثم بين المماثلة فقال : { الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } وجملة الحكم فيه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين ، أو العبيد من المسلمين ، أو الأحرار من المعاهدين ، أو العبيد منهم ، قتل من كل صنف منهم ، الذكر إذا قتل بالذكر وبالأنثى وتقتل الأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر ، ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد ، ولا والد بولد ولا مسلم بذمي ، ويقتل الذمي بالمسلم والعبد بالحر والولد بالوالد ، هذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم ، وذهب الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالكافر الذمي ، وإلى أن الحر يقتل بالعبد ، { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } ، أي ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد ، ورضي بالدية ، هذا قول أكثر المفسرين ، قالوا : العفو أن يقبل الدية في قتل","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"العمد ، وقوله : ( من أخيه ) أي : من دم أخيه ، وأراد بالأخ : المقتول ، والكنايتان في قوله ( له ) و ( من أخيه ) ، ترجعان إلى ( من ) وهو القاتل ، وقوله : ( شيء ) دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا يسقط القود ؛ لأن شيئا من الدم قد بطل . قوله تعالى { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } أي : على الطالب للدية أن يتبع بالمعروف فلا يطالب بأكثر من حقه ، { وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } ، أي : على المطلوب منه أداء الدية بالإحسان من غير مماطلة ، أمر كل واحد منهما بالإحسان في ما له وعليه { ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } ، أي : ذلك الذي ذكرت من العفو عن القصاص وأخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة ، وذلك أن القصاص في النفس والجراح كان حتما في التوراة على اليهود ، ولم يكن لهم أخذ الدية ، وكان في شرع النصارى الدية ولم يكن لهم القصاص ، فخيّر اللّه هذه الأمة بين القصاص وبين العفو عن الدية تخفيفًا منه ورحمة ، { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ } ، فقتل الجاني بعد العفو وقبول الدية ، { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، وهو أن يقتل قصاصا ، قال ابن جريج : يتحتم قتله حتى لا يقبل بعد العفو .","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"[179] قوله تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } ، أي : بقاء ، وذلك أن القاصد للقتل إذا علم أنه إذا قَتَل يُقتل ، يمتنع عن القتل ، فيكون فيه بقاؤه وبقاء من هَمَّ بقتله ، وقيل في المثل : القتل أنفى للقتل ، وقيل معنى الحياة : سلامته من قصاص الآخرة ، فإنه إذا اقتُص منه في الدنيا حيي في الآخرة ، وإذا لم يُقتص منه في الدنيا اقتُص منه في الآخرة ، { يا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ، أي تنتهون عن القتل مخافة القَود .","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"[180] قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } ، أي : فُرض عليكم ، { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } ، أي : جاء أسباب الموت وآثاره من العلل والأمراض ، { إِنْ تَرَكَ خَيْرًا } ، أي : مالًا ، نظيره قوله تعالى : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ } ، { الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } ، كانت الوصية فريضة في ابتداء الإسلام للوالدين والأقربين على من مات وله مال ، ثم نُسخت بآية الميراث قوله تعالى : { بِالْمَعْرُوفِ } ، يريد : يوصي بالمعروف ولا يزيد على الثلث ، ولا يُوصي للغني ويدع الفقير ، قال ابن مسعود : الوصية للأخل فالأخل ، أي : الأحوج فالأحوج { حَقًّا } نُصب على المصدر ، وقيل : على المفعول ، أي : جعلَ الوصيةَ حقّا ، { عَلَى الْمُتَّقِينَ } : المؤمنين .","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"[181] قوله تعالى : { فَمَنْ بَدَّلَهُ } ، أي : غيّر الوصيةَ عن الأوصياء أو الأولياء أو الشهود ، { بَعْدَمَا سَمِعَهُ } ، أي : بعد ما سمع قول الموصي { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ } ، والميتُ بريء منه { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } ، لما أوصى به الموصي ، { عَلِيمٌ } : بتبديل المُبدِّل أو سميع لوصيته عليم بنيته .","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"[182] قوله تعالى : { فَمَنْ خَافَ } ، أي علم { مِنْ مُوصٍ جَنَفًا } ، أي : جَورًا وعدولًا عن الحق ، والجنفُ : الميلُ ، { أَوْ إِثْمًا } ، أي : ظلمًا ، وقال السدي وعكرمة والربيع : الجَنَفُ : الخطأ ، والإثم : العمد ، فأصلح بينهم ، { فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ } ، واختلفوا في معنى الآية قال مجاهد : معناها أن الرجل إذا حضر مريضًا وهو يُوصي فرآه يميل إمّا بتقصير أو إسراف أو وضع الوصية في غير موضعها ، فلا حرج على من حضره أن يأمره بالعدل وينهاه عن الجنف ، فينظر للموصَى له والورثة ، وقال الآخرون : إنه أراد به أنه إذا أخطأ الميتُ في وصيته أو جار متعمدًا فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمور المسلمين أن يُصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصى لهم ، ويردّ الوصيةَ إلى العدل والحق ( فَلا إثم عليه ) ، أي : لا حرج عليه ، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"[183] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } ، أي : فُرض وأُوجب الصوم ، والصيام في اللغة : الإمساك ، يُقال : صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة ، لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء كأنها وقفت وأمسكت عن السير سريعة ، ومنه قوله تعالى : { فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } ، أي : صمتًا لأنه إمساك عن الكلام ، وفي الشريعة : الصوم وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع مع النيّة في وقت مخصوص . { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } : من الأنبياء والأمم ، واختلفوا في هذا التشبيه ، فقال سعيد بن جُبير : كان صوم من قبلنا من العتمة إلى الليلة القابلة ، كما كان في ابتداء الإسلام ، وقال جماعة من أهل العلم : أراد أن صيام رمضان كان واجبًا على النصارى ، كما فُرض علينا ، فربّما كان يقع في الحرّ الشديد والبرد الشديد ، وكان يشق عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم ، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف ، فجعلوه في الربيع وزادوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصار أربعين ثم أتموه خمسين يومًا { لَعَلَّكُمْ","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"تَتَّقُونَ } ، يعني : بالصوم ، لأن الصوم وصلة إلى التقوى ، لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات ، وقيل : ( لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ ) تحذرون عن الشهوات من الأكل والشرب والجماع .","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"[184] { أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ } ، قيل : كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجبًا ، وصوم يوم عاشوراء ، فصاموا كذلك من الربيع إلى شهر رمضان سبعة عشر شهرًا ، ثم نُسخ بصوم رمضان ، قال ابن عباس : أول ما نُسخ بعد الهجرة أمر القبلة والصوم وقيل : المراد من قوله : ( أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ) : شهر رمضان ، وهي غير منسوخة ونصب ( أَيَّامًا ) على الظرف ، أي : في أيام معدودات { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ } ، أي فأفطر فعدة { مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ، أي فعليه عدة ، والعدد والعدة واحد ، من أيام أخر ، أي غير أيام مرضه وسفره { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } ، اختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحُكمها ، فذهب أْكثرهم إلى أن الآية منسوخة ، وهو قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما ، وذلك أنهم كانوا في ابتداء الإسلام مُخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا أو يفتدوا ، خَيّرهم اللّه تعالى لئلا يَشُقّ عليهم ، لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم ، ثم نُسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } قال قتادة : هي خاصة في حق الشيخ","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"الكبير الذي يطيق الصوم ولكن يشق عليه ، رخص له في أن يفطر ويفدي ، ثم نسخ ، وقال الحسن : هذا في المريض الذي به ما يقع عليه اسم المرض وهو مستطيع للصوم ، خيّر بين أن يصوم وبين أن يفطر أو يفدي ، ثم نُسخ بقوله تعالى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وثبتت الرخصةُ للذين يُطيقون ، وذهب جماعة إلى أن الآية محكمة غير منسوخة ، ومعناه : وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب فعجزوا عنه في حال الكِبَر فعليهم الفدية بدل الصوم ، وقرأ ابن عباس (وَعَلَي الَّذِين يُطَوَّقُونَه) بضم الياء وفتح الطاء وتخفيفها وفتح الواو وتشديدها ، أي : يُكلّفون الصوم ، وتأويله : على الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصوم ، والمريض الذي لا يُرجى زوال مرضه ، فهم يُكلفون الصوم ولا يُطيقونه ، فلهم أن يفطروا ويُطعموا مكان كل يوم مسكينًا ، وهو قول سعيد بن جُبير ، وجعل الآيةَ محكمة . قوله تعالى : { فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } ، قرأ أهل المدينة والشام مضافًا ، وكذلك في المائدة : (كفارة طعام مساكين) ، أضاف الفدية إلى الطعام ، وإن كان واحدًا لاختلاف اللفظين ، كقوله تعالى : { وَحَبَّ الْحَصِيدِ } ، وقولهم","part":1,"page":220},{"id":221,"text":": مسجد الجامع ، وربيع الأول ، وقرأ الآخرون (فديةٌ ، وكفارةٌ) منونة ، (وطَعَامُ) رفع ، وقرأ ( مَساكِين ) بالجمع هنا ، أهل المدينة والشام ، وآخرون على التوحيد ، فمن جمع نصب النون ، ومن وحّد خفض النون ونوّنها ، والفدية الجزاء ويجب أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا مُدًّا من الطعام بِمُدّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد ، هذا قول فقهاء الحجاز ، وقال بعض فقهاء أهل العراق : عليه لكل مسكين نصف صاع لكل يوم يفطر ، وقال بعضهم : نصف صاع من قمح أو صاع من غيره ، وقال بعض الفقهاء : ما كان المفطر يتقوته يومَهُ الذي أفطره ، وقال ابن عباس : يعطي كل مسكين عشاءَهُ وسُحورَه ، { فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ } ، أي زاد على مسكين واحد فأطعم مكان كل يوم مسكينين فأكثر ، قاله مجاهد وعطاء وطاوس ، وقيل : من زاد على القدر الواجب عليه فأعطى صاعًا وعليه مُدّ فهو خير له ، { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ } ، فمن ذهب إلى النسخ قال معناه : الصوم خير له من الفدية ، وقيل هذا في الشيخ الكبير لو تكلّف الصوم ، وإن شق عليه فهو خير له من أن يفطر ويفدي { إِنْ كُنْتُمْ","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"تَعْلَمُونَ } ، ثم بين اللّه تعالى أيام الصيام فقال :","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"[185] { شَهْرُ رَمَضَانَ } ، رفعه على معنى : هو شهر رمضان ، وقال الكسائي كُتب عليكم شهر رمضان ، وسُمي الشهر شهرًا لشهرته ، وأما رمضان فقد قال مجاهد : هو من أسماء اللّه تعالى ، يقال : شهر رمضان كما يقال شهر اللّه ، والصحيح : أنه اسم للشهر سُمي به من الرمضاء ، وهي الحجارة المحماة ، وهم كانوا يصومونه في الحر الشديد ، وكانت ترمض فيه الحجارة من الحرارة ، قوله تعالى : { الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } ، سمي القرآن قرآنا لأنه يجمع السور والآي والحروف ، وجمع فيه القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد ، وأصل القَرْء : الجمع ، وقد يحذف الهمزة فيقال : قريت الماء في الحوض إذا جمعته ، وقرأ ابن كثير القرَان بفتح الراء غير مهموز ، وكذلك كان يقرأ الشافعي ، ويقول : ليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل ، رُوي عن مقسم عن ابن عباس أنه سُئل عن قوله عزّ وجلّ : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } ، وقوله : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } ، وقوله : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } ، وقد نزل في سائر الشهور ، وقوله عزّ وجلّ : { وَقُرْآنًا","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"فَرَقْنَاهُ } فقال : أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، ثم نزل به جبريل - عليه السلام - على رسول اللّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - نجومًا في ثلاث وعشرين سنة ، فذلك قوله تعالى : { فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } ، قال داود بن أبي هند قلت للشعبي : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } أمَا كان ينزل في سائر الشهور؟ قال : بلى ولكنّ جبرائيل كان يعارض محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - في رمضان ما أَنزل اللّه إليه ، فيُحكم اللّه ما يشاء ويثبت ما يشاء ويُنسيه ما يشاء قوله تعالى : { هُدًى لِلنَّاسِ } : من الضلالة ، و ( هدًى ) في محل النصب على القطع ، لأن القرآن معرفة وهدًى نكرة { وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى } ، أي دَلالاتٍ واضحات من الحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، { وَالْفُرْقَانِ } ، أي : الفارق بين الحق والباطل ، قوله تعالى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ، أي : فمن كان مقيمًا في الحضر فأدركه الشهر . قوله تعالى : { وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ، أباح الفطر لعذر المرض والسفر ، أعاد هذا الكلام ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ ثبوته في المنسوخ { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ } ، بإباحة الفطر في المرض والسفر { وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } قال الشعبي ما خُيِّر رجلٌ بين أمرين فاختار أيسرهما إلّا كان ذلك أحبهما إلى اللّه عزّ وجلّ { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ } الواو في قوله تعالى : وَلِتُكْمِلُوا وَاوُ النَّسق واللام لام كي ، تقديره : ويريد لكي تكملوا العدة ، أي لتكملوا عدة أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم ، وقال : ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ) ، أي : عدة أيام الشهر ، { وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ } : ولتعظموا اللّه ، { عَلَى مَا هَدَاكُمْ } : أرشدكم إلى ما أرضى به من صوم شهر رمضان وخصكم به دون سائر أهل الملل ، قال ابن عباس : هو تكبيرات ليلة الفطر ، وروى الشافعي عن ابن المسيب وعروة وأبي سلمة أنه كانوا يكبرون ليلة الفطر يجهرون بالتكبير ، وشبه ليلة النحر بها إلا من كان حاجًّا وذكرُه التلبية ، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } : اللّه على نعمه .","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"[186] قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } ، فيه إضمار ، كأنه قال : فقل لهم إني قريب منهم بالعلم لا يخفى علي شيء { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } ، قيل : الاستجابة بمعنى الإجابة ، أي : فليجيبوا إلي بالطاعة ، والإجابة في اللغة : الطاعة وإعطاء ما سئل ، فالإجابة من اللّه تعالى العطاء ، ومن العبد : الطاعة : وقيل فليستجيبوا إلي ، أي : ليستدعوا مني الإجابة ، وحقيقته فليطيعوني . { وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } ، لكي يهتدوا ، فإن قيل : فما وجه قوله تعالى : ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ) وقوله : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } ، وقد ندعو كثيرًا فلا يجيب؟ قلنا : اختلفوا في معنى الآيتين ، قيل : معنى الدعاء ههنا : الطاعة ، ومعنى الإجابة؟ الثواب ، وقيل : معنى الآيتين خاص ، وإن كان لفظهما عامًّا تقديرهما : أجيبُ دعوة الداعي إن شئت ، كما قال : { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ } ، وأجيبُ دعوةَ الداع إن وافق القضاء ، أو أجيبه إن كانت الإجابة خيرًا له ، أو أجيبه إن لم يسأل محالًا وقيل : هو عامّ ، ومعنى قوله أجيب","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"، أي : أسمع ، ويقال . ليس في الآية أكثر من استجابة الدعوة ، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها ، وقد يجيب السيدُ عبده والوالِدُ ولده ثم لا يُعطيه سؤله ، فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة ، وقيل : معنى الآية أنه يُجيب دعاءَه فإن قدّر له ما سأل أعطاه وإن لم يُقدِّر له ادخر له الثواب في الآخرة أو كفّ عنه به سوءًا . وقيل . إن اللّه تعالى يُجيب دعاء المؤمن في الوقت ، ويُؤخر إعطاء من يجيب مرادَه ليدعوه فيسمع صوته ، ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته ، وقيل : إن للدعاء آدابًا وشرائط وهي أسباب الإجابة ، فمن استكملها كان من أهل الإجابة ، ومن أخلّ بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء ، فلا يستحق الإجابة .","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"[187] قوله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } ، فالرفث كناية عن الجماع ، قال ابن عباس : إن اللّه حيي كريم يكني ، كلما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول والرفث ، فإنما عنى به الجماع ، وقال الزجاج : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء ، أي : أبيح لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم : { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ } ، أي سكن لكم ، { وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } ، أيْ : سكن لهن ، دليله قوله تعالى : { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ، وقيل : لا يسكن شيء إلى شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر ، وقيل : سمي كل واحد من الزوجين لباسًا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد ، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه ، وقال الربيع بن أنس : هن فراش وقيل : اللباس اسم لما يُواري الشيء ، فيجوز أن يكون كل واحد منهما سترًا لصاحبه عما لا يحل ، كما جاء في الحديث : « منْ تزوج فقد أحرز ثلثي دينه » ، { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ }{ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ } ، أي تخونونها وتظلمونها بالمجامعة بعد العشاء ، قال البَراء","part":1,"page":228},{"id":229,"text":": لمّا نزل صوم رمضان ، كانوا لا يقرَبُون النساء كله ، وكان رجال يخونون أنفسهم ، فأنزل اللّه تعالى : { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ } ، { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } : تجاوز عنكم { وَعَفَا عَنْكُمْ } : مَحَا ذُنوبَكم ، { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ } : جامعوهن حلالًا ، سميت المجامعة : مباشرة ، لملاصقة بشرة كل واحد منهما صاحبه ، { وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } ، أي : فاطلبوا ما قضى اللّه لكم ، وقيل : ما كتب اللّه لكم في اللوح المحفوظ ، يعني : الولد ، قاله أكثر المفسرين ، قال مجاهد : ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه ، وقال قتادة : وابتغوا الرخصة التي كتب اللّه لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع في اللوح المحفوظ ، وقال معاذ بن جبل : وابتغوا ما كتب اللّه لكم ، يعني : ليلة القدر { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا } ، يعني في ليالي الصوم { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } ، يعني : بياض النهار من سواد الليل : سُمّيا خيطين لأن كل واحد منهما يبدو في الابتداء ممتدًّا كالخيط ، { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } ،","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"فالصائم يحرم عليه الطعام والشراب بطلوع الفجر الصادق ويمتد إلى غروب الشمس ، وإذا غربت حصل الفطر { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } ، العكوف هو الإقامة على الشيء ، والاعتكاف في الشرع هو الإقامة في المسجد على عبادة الله ، وهو سنة ، ولا يجوز في غير المسجد ويجوز في جميع المساجد { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } , يعني : تلك الأحكام التي ذكرها في الصيام والاعتكاف حدود اللّه : أي : ما منع اللّه عنها ، قال السدي : شروط اللّه وقال شهر بن حوشب : فرائض الله ، وأصل الحد في اللغة المنع ، ومنه يُقال للبواب : حداد لأنه يمنع الناس من الدخول ، وحدود اللّه ما يمنع الناس من مخالفتها ، { فَلَا تَقْرَبُوهَا } فلا تأتوها { كَذَلِكَ } ، هكذا { يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ، لكي يتقوها فينجوا من العذاب .","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"[188] قوله تعالى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } ، أي : لا يأكل بعضكم مالَ بعض بالباطل ، أي : من غير الوجه الذي أباحه اللّه وأصل الباطل : الشيء الذاهب ، والأكل بالباطل أنواع قد يكون بطريق الغصب والنهب ، وقد يكون بطريق اللهو كالقمار وأجرة المغني ، وغيرهما وقد يكون بطريق الرشوة والخيانة ، { وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ } ، أي : تُلقوا أمور تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام ، وأصل الإدلاء إرسال الدلو ، وإلقاؤه في البئر ، يُقال أدلى دلوه إذا أرسله ، ودلاه يدلوه إذا أخرجه قال ابن عباس : هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ، ويخاصم فيه الحاكم وهو يعرف أن الحق عليه ، وإنه أثم بمنعه قال مجاهد في هذه الآية : لا تخاصم وأنت ظالم ، قال الكلبي هو أن يقيم شهادة الزور ، وقوله : ( وَتُدْلُوا) في محل الجزم بتكرير حرف النهي ، معناه : ولا تدلوا بها إلى الحكام ، وقيل : معناه ولا تأكلوا بالباطل وتنسبونه إلى الحكام ، قال قتادة : لا تُدْلِ بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم فإن قضاءَه لا يُحل حرامًا ، وكان شُريح القاضي يقول : إني لأقضي لك","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"وإني لأظنك ظالمًا ، ولكن لا يسعني إلا أن أقضي لك بما يحضرني من البينة ، وإن قضائي لا يُحل لك حرامًا ، { لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا } : طائفة { مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ } : بالظلم ، وقال ابن عباس : باليمين الكاذبة يقتطع بها مال أخيه { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } : أنكم مبطلون .","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"[189] قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ } جمع هلال ، مثل رداء وأردية ، سُمّي هلالًا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته ، من قولهم : استهل الصبي إذا صرخ حين يُولد ، وأهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ، { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } ، جمع ميقات ، أي : فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون وعدد النساء وغيرها ، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة ، { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا } ، قال أهل التفسير : كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة ، لم يدخل حائطًا ولا بيتًا ولا دارًا من بابه ، فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيت ليدخل منه ويخرج ، أو يتخذ سُلّمًا فيصعد منه ، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يَحِلَّ من إحرامه ، ويرون ذلك برًّا إلّا أن يكون من الحُمْسِ ، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثَقيف وخَثعم وبنو عامر بن صَعْصَعة وبنو نضر بن معاوية ، سُموا أحمسًا لتشددهم في دينهم ، والحماسة","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"الشدة والصلابة « فدخل رسول اللّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - ذات يوم بيتًا لبعض الأنصار ، فدخل رجل من الأنصار على أثره من الباب ، وهو محرم فأنكروا عليه ، فقال له رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم : \"لمَ دخلت من الباب وأنت محرم؟ \" قال : رأيتك دخلت فدخلت على أثرك ، فقال رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم : \"إني أحمسي » (1) ، فقال الرجل : إن كنت أحمسيًّا فإني أحمسي رضيتُ بهديك وسمتك ودينك ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية : { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى } ، أي : البِرَّ بِرّ من اتقى { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } ، في حال الإحرام ، { وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وأبن المنذر انظر الدر المنثور للسيوطي 1 / 492 وتفسير الطبري 3 / 556 .","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"[190] { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، أي : في طاعة اللّه { الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } ، كان في ابتداء الإسلام أمر اللّه تعالى رسول اللّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - بالكف عن قتال المشركين ، ثم لمّا هاجر إلى المدينة أمره بقتال من قاتله منهم بهذه الآية ، وقال الربيع بن أنس : هذه أول آية نزلتْ في القتال ، ثم أمره بقتال المشركين كافّة ، قاتلوا أو لم يقاتلوا بقوله : (اقتلوا المشركين) ، فصارت هذه الآية منسوخة بها ، وقيل : نسخ بقوله : (اقتلوا المشركين) قريب من سبعين آية . وقوله : { وَلَا تَعْتَدُوا } ، أي لا تبدؤوهم بالقتال ، وقيل : هذه الآية محكمة غير منسوخة ، أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - بقتال المقاتلين ، ومعنى قوله : وَلَا تَعْتَدُوا ، أي : لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير والرهبان ، ولا من ألقى إليكم السلام ( ولاَ تَعتَدُوا ) فتبدءوا بالقتال في الحرم محرمين ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"[191] { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } قيل : نسخت الآية الأولى بهذه الآية ، وأصل الثقافة الحِذْقُ والبصر بالأمر ، ومعناه : واقتلوهم حيث أبصرتم مقاتلتهم وتمكنتم من قتلهم ، { وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } ، وذلك أنهم أخرجوا المسلمين من مكة ، فقال : أخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم, { وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } ، يعني : شركهم باللّه - عزّ وجلّ - أشد وأعظم من قتلكم إياهم في الحرم والإحرام ، { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } كان هذا في ابتداء الإسلام ، كان لا يَحِلُّ بدايتهم بالقتال في البلد الحرام ، ثم صار منسوخًا بقوله تعالى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } هذا قول قتادة ، وقال مقاتل بن حيان : قوله : ( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) ، أي : حيث أدركتموهم في الحِلّ والحرم ، صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) ، ثم نسختها آية السيف في براءة ، فهي ناسخة منسوخة ، وقال مجاهد وجماعة : هذه","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"الآية محكمة ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم ، { كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } .\r[192] { فَإِنِ انْتَهَوْا } عن القتال والكفر { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، أي غفور لِما سلَفَ رحيم بالعباد .","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"[193] { وَقَاتِلُوهُمْ } ، يعني : المشركين ، { حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } ، أي شرك ، يعني قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل من الوثني إلّا الإسلام فإن أبى قُتل ، { وَيَكُونَ الدِّينُ } ، أي : الطاعة والعبادة { لِلَّهِ } وحده فلا يُعبد شيء دونه { فَإِنِ انْتَهَوْا } : عن الكفر وأسلموا, { فَلَا عُدْوَانَ } فلا سبيل { إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ } ، قاله ابن عباس ، يدل عليه قوله تعالى : { أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ } ، أي : فلا سبيل علي ، وقال أهل المعاني : العدوان : الظلم ، أي : فإن أسلموا فلا نهب ولا أسر ولا قتل ، إلا عَلى الظالمين الذين بقوا على الشرك ، وما يفعل بأهل الشرك من هذه الأشياء لا يكون ظلمًا ، وسماه عدوانًا على طريق المجازات والمقابلة ، كما قال : { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ } ، وكقوله تعالى : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } ، وسُمي الكافر ظالمًا لأنه يضع العبادة في غير موضعها .","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"[194] { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ } نزلت هذه الآية في عُمْرَةِ القضاء ، وذلك أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج معتمرًا في ذي القعدة فصده المشركون عن البيت بالحديبية, فصالَح أهل مكة على أن ينصرف عامه ذلك ويرجع العام المقبل فيقضي عمرته ، فانصرف رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عامه ذلك ، ورجع في العام القابل في ذي القعدة ، وقضى عمرته سنة سبع من الهجرة ، فذلك معنى قوله تعالى : ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ ) ، يعني ذا القعدة الذي دخلتم فيه مكة ، وقضيتم فيه عُمرتكم سنة سبع, بالشهر الحرام ، يعني : ذا القعدة الذي صُددتم فيه عن البيت سنة ست { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } : جمع حرمة ، وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام ، وحرمة الإحرام والقصاص : المساواة والمماثلة ، وهو أن يُفعل بالفاعل مثل ما فعل ، وقيل : هذا في أمر القتال ، معناه إن بدءوكم بالقتال في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه ، فإنه قصاص بما فعلوا فيه ، { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ } وقاتلوه { بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } ، سُمي الجزاء باسم الابتداء على ازدواج الكلام ، كقوله تعالى : {","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا }{ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"[195] قوله تعالى : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، أراد به الجهاد وكل خير هو في سبيل اللّه ، ولكنّ إطلاقه ينصرف إلى الجهاد ، { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ، قيل : الباء في قوله تعالى : { بِأَيديكُم } زائدة ، يُريد : ولا تلقوا أيديكم ، أي : أنفسكم إلى التهلكة عبّر عن الأنفس بالأيدي ، كقوله تعالى : { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } أي : بما كسبتم ، وقيل : الباء في موضعها ، وفيه ، حذف ، أي : ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة ، أي الهلاك ، وقيل : التهلكة كل شيء يصير عاقبته إلى الهلاك ، أي : ولا تأخذوا في ذلك ، وقيل التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه ، والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه ، والعرب لا تقول للإنسان : ألقَى بيده إلا في الشر ، واختلفوا في تأويل هذه الآية ، فقال بعضهم : هذا في البخل وترك الإنفاق ، يقول : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بترك الإنفاق في سبيل اللّه ، وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة وعطاء ، وقال ابن عباس في هذه الآية : أنفقْ في سبيل اللّه وإنْ لم يكن لك إلا سهم أو مِشْقَص ، ولا يقولنّ أحدُكم : إني لا أجد شيئًا ، وقال السدي فيها : أنفقْ في سبيل","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"اللّه ولو عقالًا ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، ولا تقلْ : ليس عندي شيء ، وقال سعيد بن المسيب ومقاتل بن حيان : لمّا أمر اللّه تعالى بالإنفاق قال رجال : أمرنا بالنفقة في سبيل اللّه ، ولو أنفقنا أموالنا بقينا فقراء ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وقال مجاهد فيها : لا يمنعكم من نفقة في حق خِيفةَ العيلة ، وقال زيد بن أسلم : كان رجال يخرجون في البعوث بغير نفقة ، فإما أن يُقطع بهم وإما أن يكونوا عيالًا ، فأمرهم اللّه تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل اللّه ، ومن لم يكن عنده شيء ينفقه ، فلا يخرج بغير نفقة ولا قوت فيُلقي بيده إلى التهلكة ، فالتهلكة : أن يهلك من الجوع والعطش أو بالمشي ، وقيل : نزلت الآية في ترك الجهاد ، قال أبو أيوب الأنصاري : نزلت فينا معشر الأنصار ، وذلك أن اللّه تعالى لمّا أعزّ ونصر رسوله ، قلنا فيما بيننا : إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر اللّه نبيَّه فلو رجعنا إلى أهلنا وأموالنا فأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل اللّه تعالى : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ، فالتهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"الجهاد ، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل اللّه حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية ، فتوفي هناك وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني : الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة اللّه تعالى ، قال أبو قلابة : هو الرجل يصيب الذنب فيقول قد هلكت ليس لي توبة ، فييأس من رحمة اللّه وينهمك في المعاصي ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك قال اللّه تعالى : { إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } ، { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"[196] قوله عزّ وجلّ : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } اختلفوا في إتمامها فقال بعضهم : هو أن يُتمَّهُمَا بمنَاسِكِهما وحدودِهما وسننهما ، وهو قول ابن عباس وعلقمة وإبراهيم النخعي ومجاهد ، وأركان الحج خمسة : الإحرام ، والوقوف بعرفة ، وطواف الزيارة ، والسعي بين الصفا والمروة ، وحلق الرأس أو التقصير ، وقال سعيد بن جبير وطاوس : تمام الحج والعمرة أن تُحرم بهما مُفردَين مستأنَفَين من دُوَيْرِية أهلك وقال قتادة : تمام العُمرة أن تعمر في غير أشهر الحج ، فإن كانت في أشهر الحج ثم أقام حتى حج فهي تمتعه ، وعليه فيه الهَدي إن وجدَه أو الصيام إنْ لم يجِد الهَدْي ، وتمام الحج أن يُؤتي بمناسكه كلها حتى لا يلزمه عمّا تَركَ دم بسبب قِرَانٍ ولا متْعَةِ ، وقال الضحاك : إتمامهما أن تكون النفقة حلالًا وينتهي عما نهى اللّه عنه ، وقال سفيان الثوري : إتمامهما أن تخرج من أهلك لهما ، ولا تخرج لتجارة ولا لحاجة أخرى . وقوله تعالى : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } اختلف العلماء في الإحصار الذي يبيح للمحرم التحلل من إحرامه ، فذهب جماعة إلى أن كل مانع يمنعه عن الوصول إلى البيت الحرام والمضي في إحرامه من عدو أو","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"مرض أو جرح أو ذهاب نفقة أو ضلال راحلة يُبيح له التحلل ، وبه قال ابن مسعود ، وإبراهيم النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير ، وإليه ذهب سفيان الثوري وأهل العراق ، واحتجوا بما روي عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من كُسر أو عرج فقد حلّ وعليه الحج من قابل » (1) وذهب جماعة إلى أنه لا يباح له التحليل إلَّا بحبس العدو ، وهو قول ابن عباس ، وقال : لا حصر إلا حصر العدو ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق . ثم المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس ، والهدي بشاة وهو المراد من قوله تعالى : { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } ومحل ذبحه حيث أحصر عند أكثر أهل العلم ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح الهدي عام الحديبية بها ، وذهب قوم إلى أن المحصر يقيم على إحرامه ويبعث بهديه إلى الحَرَم ويُواعد من يذبحه هناك ثم يحل ، وهو قول أهل العراق . ومعنى قوله تعالى : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، أي : فعليه ما تيسر من الهدي ، ومحله رفع ، وقيل : (مَا) في محل النصب ، أي : فاهد ما استيسر ، والهدي جمع هدية وهي اسم لكل ما يُهدَى إلى بيت اللّه تقربًا إليه ، وما استيسر\r_________\r(1) رواه أبو داود في المناسك باب الإحصار 2 / 368 ، والترمذي في كتب الحج (96) ، باب ما جاء في الذي يُهل بالحج فيكسر أو يعرج ، وأحمد 3 / 450 ، والمصنف في شرح السنة 7 / 288 .","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"من الهدي شاة ، قاله علي بن أبي طالب وابن عباس لأنه أقرب إلى اليسر ، وقال الحسن وقتادة أعلاه بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة .\rقوله تعالى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } ، اختلفوا في المحل الذيَ يحل المحصر ببلوغ هديه إليه ، فقال بعضهم : هو ذبحه بالموضع الذي أحصر فيه سواء كان في الحل أو في الحَرم ، ومعنى (محلَّه) حيث يحل ذبحه فيه وقال بعضهم : محل هدي المحصر : الحَرَم ، فإن كان حاجًّا فمحله يوم النحر ، وان كان معتمرًا فمحله يوم يبلغ هديه الحرم .\rقوله تعالى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ } ، معناه لا تحلقوا رؤوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو لأذًى في الرأس من هوام أو صُداع { فَفِدْيَةٌ } ، فيه إضمار ، أي : فحلق فعليه فدية يُطعم فَرْقًا بين ستة مساكين ، أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام .","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"قوله تعالى : { فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ } ، أي ثلاثة أيام ، { أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } ، أي ثلاثة آصع على ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، أَوْ نُسُكٍ ، واحدتها نسيكة ، أي : ذبيحة أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة ، أيتها شاءَ ذبحَ ، فهذه الفدية على التخيير والتقدير ، ويتخير بين أن يذبح أو يصوم أو يتصدق ، وكل هدي أو طعام يلزم المحرم يكون بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم ، إلا هديًا يلزم المحصر فإنه يذبحه حيث أحصر ، وأما الصوم فله أن يصوم حيث يشاء ، قوله تعالى : { فَإِذَا }{ أَمِنْتُمْ } ، أي : من خوفكم وبرأتم من مرضكم ، { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } ، اختلفوا في هذه المتعة فذهب عبد اللّه بن الزبير إلى أن معناه : فمن أحصر حتى فاته الحج ولم يتحلّل فقدم مكة يخرج من إحرام بعمل عُمرة واستمتع بإحلاله ذلك ، فتلك العمرة إلى السنة المقبلة ثم حج ، فيكون متمتعًا بذلك الإحلال إلى إحرامه الثاني في العام القابل ، وقال بعضهم : معناه فإذا أمنتم وقد حللتم من إحرامكم بعد الإحصار ، ولم تقضوا عمرتكم وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة فاعتمرتم في أشهر","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"الحج ثم حللتم فاستمتعتم بإحلالكم إلى الحج ثم أحرمتم بالحج ، فعليكم ما استيسر من الهدي ، وهو قول علقمة وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ، وقال ابن عباس وعطاء وجماعة : هو الرجل يقدم معتمرًا من أفق الآفاق في أشهر الحج ، فقضى عمرته وأقام حلالًا بمكة حتى أنشأ منها الحج ، فحج من عامه ذلك فيكون مستمتعًا بالإحلال من العمرة إلى إحرامه بالحج ، فمعنى التمتع : هو الاستمتاع بعد الخروج من العمرة بما كان محظورًا عليه في الإحرام إلى إحرامه بالحج .","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } الهدي { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ } ، أي : صوموا ثلاثة أيام يصوم يومًا قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة ، ولو صام قبله بعدما أحرم بالحج جاز ، ولا يجوز يوم النحر ولا أيام التشريق عند أكثر أهل العلم ، وذهب بعضهم إلى جواز صوم الثلاثة في أيام التشريق ، يُروى ذلك عن عائشة وابن عمر وابن الزبير ، وهو قول مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، قوله تعالى : { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } ، أي صوموا سبعة أيام إذا رجعتم إلى أهليكم وبلدكم ، فلو صام السبعة قبل الرجوع إلى أهله لا يجوز ، وهو قول أكثر أهل العلم ، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ، وقيل : يجوز أن يصومها بعد الفراغ من أعمال الحج ، وهو المراد من الرجوع المذكور في الآية ، قوله تعالى : { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } : ذكرها على وجه التأكيد وهذا لأن العرب ما كانوا يهتدون إلى الحساب فكانوا يحتاجون إلى فضل شرح وزيادة بيان ، وقيل : فيه تقديم وتأخير ، يعني : فصيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم ، فهي عشرة كاملة ، وقيل : كاملة في الثواب والأجر ، وقيل : كاملة فيما أريد به من إقامة الصوم بدل الهدي ، وقيل كاملة","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"شروطها وحدودها ، وقيل : لفظه خبر ومعناه أمر ، أي : فأكملوها ولا تنقصوها ، { ذَلِكَ } أي : هذا الحكم ، { لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، واختلفوا في حاضري المسجد الحرام ، فذهب قوم إلى أنهم أهل مكة ، وهو قول مالك ، وقيل هم أهل الحرم ، وبه قال طاوس ، وقال ابن جُريج : أهل عرفة والرجيع وضجنان ، وقال الشافعي كل من كان وطنه من مكة على أقل من مسافة القصر ، فهو من حاضري المسجد الحرام ، وقال عكرمة : هم من دون الميقات ، وقيل : هم أهل الميقات فما دونه ، وهو قول أصحاب الرأي ، ودَمُ القِران كدم التمتع ، والمكي إذا قَرَن أو تمتع فلا هدي عليه { وَاتَّقُوا اللَّهَ } : في أداء الأوامر ، { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ، على ارتكاب المناهي .","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"[197] قوله تعالى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } ، أي : وقت الحج أشهر معلومات ، وهي : شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر ، ويُروى عن ابن عمر : شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ، وكل واحد من اللفظين صحيح غير مختلف فيه ، فمن قال : عشر عبّر به عن الليالي ، ومن قال تسع عبّر به عن الأيام ، فإن آخر أيامها يوم عرفة وهو يوم التاسع ، وإنما قال : ( أَشهُر ) بلفظ الجمع وهي شهران وبعض الثالث لأنها وقت ، والعرب تسمي الوقتَ تامًّا بقليله وكثيره ، فيقول أتيتك يوم الخميس ، وإنما أتاه في ساعة منه وقال عروة بن الزبير وغيره : أراد بالأشهر شوالًا وذا القعدة وذا الحجة كمالًا لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها مثل الرمي والذبح والحلق وطواف الزيارة والبيتوتة بمنى ، فكانت في حكم الحج ، { فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } ، أي : فمن أوجب على نفسه الحج بالإحرام والتلبية { فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ } اختلفوا في الرفث ، قال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر : هو الجماع ، وهو قول الحسن ومجاهد وعمرو بن دينار وقتادة وعكرمة والربيع وإبراهيم النخعي ، وقال علي بن أبي طلحة عن","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"ابن عباس : الرفث غشيان النساء والتقبيل والغمز وأن يعرض لها بالفحش من الكلام قال طاوس : الرفث التعريض للنساء بالجماع وذكره بين أيديهن ، وقال عطاء : الرفث قول الرجل للمرأة في حال الإحرام إذا حللت أصبتك ، وقيل : الرفث الفحش والقول القبيح ، أما الفسوق فقد قال ابن عباس : هو المعاصي كلها ، وهو قول طاوس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والزهري والربيع والقرظي ، وقال ابن عمر : هو ما نهي عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظفار وأخذ الأشعار وما أشبههما ، وقال إبراهيم وعطاء ومجاهد : هو السباب وقال الضحاك هو التنابز بالألقاب { وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } ، قال ابن مسعود وابن عباس : الجدال أن يماري صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه ، وهو قول عمرو بن دينار وسعيد بن جبير وعكرمة والزهري وعطاء وقتادة ، وقال القاسم بن محمد هو أن يقول بعضهم : الحج اليومَ ويقول بعضهم : الحج غدًا ، وقال القرظي : كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء : حجنا أتمّ من حجكم ، وقال هؤلاء : حجنا أتمّ من حجكم ، وقال مقاتل : هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم في حَجّة الوداع وقد أحرموا بالحج : « اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"مَنْ قلّد الهدي » ، قالوا : كيف نجعله عُمرة وقد سمينا الحج؟ فهذا جدالهم . وقال ابن زيد : كانوا يقفون مواقف مختلفة كلهم يزعم أن موقفه موقف إبراهيم ، فكانوا يجادلون فيه ، وقيل : هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بالمزدلفة وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وكان بعضهم يحج في ذي الحجة ، فكل يقول : ما فعلته فهو الصواب ، فقال جلّ ذكره : ( وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) أي استقر أمر الحج على ما فعله رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فلا اختلاف فيه من بعد ذلك { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } ، أي : لا يخفى عليه فيجازيكم به ، قوله تعالى : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } ، نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يخرجون إلى الحج بغير زاد ويقولون : نحن متوكلون ، ويقولون : نحن نحج بيت اللّه فلا يطعمنا ، فإذا قدموا مكة سألوا الناس ، وربما يُفضي بهم الحال إلى النهب والغصب ، فقال اللّه جل ذكره : ( وَتَزَوَّدُوا) أي : ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم ، قال أهل التفسير . الكعك والزبيب والسويق والتمر ونحوها ، { فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } من السؤال","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"والنهب ، { وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبَابِ } : يا ذوي العقول .","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"[198] قوله تعالى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } ، يعني : التجارة في مواسم الحج { فَإِذَا أَفَضْتُمْ } : دفعتم ، والإفاضة : دفع بكثرة ، وأصله من قول العرب : أفاض الرجل ماءَه ، أي : صبّه ، { مِنْ عَرَفَاتٍ } ، هي جمع عرفة ، جُمعت عرفة بما حولها وإن كانت بقعة واحدة ، كقولهم : ثوب أخلاق { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } : بالدعاء والتلبية ، { عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } ، وهو ما بين جبلي المزدلفة من مَرْمَى عرفة إلى المُحسر ، وليس المأزمان ولا المحسّر من المشعر الحرام ، وسُمي مشعرًا من الشعار ، وهي العلامة لأنه من معالم الحج ، وأصل الحرام من المنع ، فهو ممنوع أن يفعل فيه ما لم يُؤذن فيه ، وسُمي المزدلفة جمعًا لأنه يُجمع فيه بين صلاة المغرب والعشاء ، والإفاضة من عرفات تكون بعد غروب الشمس ، ومن جمع قبل طلوعها من يوم النحر { وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } ، أي : واذكروه بالتوحيد والتعظيم ، كما ذكركم بالهداية ، فهداكم لدينه ومناسك حجه ، { وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ } ، أي وقد كنتم ، وقيل : وما كنتم من قبله إلا من الضالين ، كقوله تعالى :","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"{ وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } ، أي : وما نظنك إلا من الكاذبين ، والهاء في قوله : ( مِن قَبلِه ) راجعة إلى الهُدى ، وقيل إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كناية عن غير مذكور .\r[199] قوله تعالى : { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } ، قال أهل التفسير كانت قريش وحلفاؤها ومن دَانَ بدينها وهم الحُمس ، يقعون بالمزدلفة ويقولون : نحن أهل اللّه وقُطّان حرمه ، فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه ويتعظمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات ، وسائر الناس كانوا يقفون بعرفات ، فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحُمس من المزدلفة ، فأمرهم اللّه أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى جمع مع سائر الناس ، وأخبرهم أنه سنة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام { وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"[200] قوله تعالى : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ } ، أي : فرغتم من حجكم وذبحتم نَسَائِكَكُم ، أي : ذبائحكم ، يقال : نسك الرجل ينسك نَسْكًا إذا ذبح نسيكته ، وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى ، { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } : بالتكبير والتحميد والثناء عليه ، { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } ، وذلك أن العرب كانت إذا فرغت من الحج وقفت عند البيت فذكرت مفاخر آبائها ، فأمرهم اللّه بذكره ، وقال : ( فَاذْكُرُونِي) فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم وأحسنت إليكم وإليهم ، قال ابن عباس وعطاء : معناه فاذكروا اللّه كذكر الصبيان الصغار الآباء ، وذلك أن الصبي أول ما يتكلم يلهج بذكر أبيه لا يذكر غيره ، فيقول اللّه : فاذكروا اللّه لا غير ، كذكر الصبي أباه ، { أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } ، وسئل ابن عباس عن قوله : { فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } فقيل : قد يأتي على الرجل اليوم لا يذكر فيه أباه ، قال ابن عباس : ليس كذلك ولكن أن تغضب للّه إذا عُصِيَ أشد من غضبك لوالديك إذا شُتِمَا ، وقوله تعالى : { أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } ، يعني : بل أشد ، أي : وأكبر ذكرًا ، { فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"آتِنَا فِي الدُّنْيَا } ، أراد به المشركين كانوا لا يسألون اللّه تعالى في الحج إلا الدنيا { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ } : من حظ ونصيب .\r[201] { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا }{ حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } ، يعني : المؤمنين ، واختلفوا في معنى الحسنتين ، قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : في الدنيا حسنة امرأة صالحة ، وفي الآخرة حسنة الجنة والحور العين ، وقال الحسن : في الدنيا حسنة العلم والعبادة ، وفي الآخرة حسنة الجنة والنظر .\rوقال السدي وابن حيان : في الدنيا حسنة رزقًا حلالًا وعملًا صالحًا ، وفي الآخرة حسنة المغفرة والثواب ، وقال قتادة : في الدنيا عافية وفي الآخرة عافية ، وقال عوف : في هذه الآية من آتاه اللّه الإسلام والقرآن وأهلًا ومالًا فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة .","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"[202] قوله تعالى : { أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ } : حظ { مِمَّا كَسَبُوا } : من الخير والدعاء بالثواب والجزاء ، { وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } ، يعني : إذا حاسب عبده فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ، ولا وَعْي صدورٍ ولا إلى رُؤيةٍ ولا فكر ، قال الحسن : أسرع من لمح البصر ، وقيل : معناه إتيان القيامة قريب لأن ما هو آت لا محالة فهو قريب .","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"[203] قوله تعالى : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ } ، يعني التكبيرات أدبار الصلاة وعند الجمرات ، يكبر مع كل حصاة وغيرها من الأوقات ، { فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } الأيام المعدودات هي أيام التشريق وهي أيام منى ورمي الجمار ، سميت معدودات لقلتهن ، كقوله : { دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ } ، والأيام المعلومات : عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر ، هذا قول أكثر أهل العلم ، ورُوي عن ابن عباس : المعلومات يوم النحر ، ويومان بعده والمعدودات أيام التشريق ، وعن علي قال : المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، وقال عطاء عن ابن عباس : المعلومات يوم عرفة ، ويوم النحر وأيام التشريق ، وقال محمد بن كعب : هما شيء واحد وهي أيام التشريق والتكبير أدبار الصلاة مشروع في هذه الأيام في حق الحاج وغير الحاج عند عامة العلماء { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ } ، أراد من نَفْرِ الحاج في اليوم الثاني من أيام التشريق ، فلا إثم عليه ، وذلك أنه على الحاج أن يبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق ، ويرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة ، عند كل جمرة بسبع حصيات ، ورخص في ترك البيتوتة لرعاة الإبل وأهل سقاية","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"الحاج ، ثم كل من يرمي اليوم الثاني من أيام التشريق وأراد أن ينفر فيدع البيتوتة الليلة الثالثة ، ورمي يومها فذلك له واسع ، لقوله تعالى : ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت حتى يرمي اليوم الثالث ثم ينفر ، وقوله : { وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ } ، يعني : لا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في تعجيله ، ومن تأخر حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخيره ، وقيل معناه : فمن تعجّل فقد ترخّص فلا إثم عليه بالترخص ، ومن تأخر فلا إثم عليه بترك الترخص ، وقيل معناه : رجع مغفورًا له لا ذنب عليه تعجل أو تأخر { لِمَنِ اتَّقَى } , أي : لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئًا نهاه اللّه عنها ، كما قال : « من حج فلم يرفث ولم يفسق » ، قال ابن مسعود : إنما جُعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى اللّه تعالى في حجه ، وفي رواية الكلبي عن ابن عباس معناه : لمن اتقى الصيد ، لا يحل له أن يقتل صيدًا حتى تنقضي أيام التشريق ، وقال أبو العالية : ذهب أئمة أن اتقى فيما بقي من عمره ، { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } : تجمعون","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"في الآخرة يجزيكم بأعمالكم .","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"[204] قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، قال الكلبي ومقاتل وعطاء : نزلت في الأخنس بن شُريق الثقفي حليف بني زهرة ، واسمه أُبي ، وسمي الأخنس لأنه خنّس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان رجلا حلو الكلام حلو المنظر ، وكان يأتي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيجالسه ويُظهر الإسلام ، ويقول إني لأحبك ويحلف باللّه على ذلك ، وكان منافقًا فكان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يدني مجلسه ، فنزل قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، أي : تستحسنه ويعظم في قلبك ، ويُقال في الاستحسان : أعجبني كذا ، وفي الكراهية والإنكار : عجبتُ من كذا ، { وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } ، يعني : قول الأخنس المنافق : واللّه إني بك مؤمن ولك محب { وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } ، أي : شديد الخصومة ، يقال : لددتَ يا هذا وأنت تَلدّ لددًا ولَدَادةً ، فإذا أردت أنه غلب على خصمه قلت : لدّه يلدّه لدًّا وتأويله : أنه في أيِّ وجه أخذ من يمين أو شمال ، في أبواب الخصومة غلب","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"، والخِصام : مصدر خاصمه خصامًا ومخاصمةً ، قاله أبو عبيدة ، وقال الزجاج : وهو جمع خصم ، يقال : خصم وخصام وخُصوم : مثل : بحر وبحار وبُحور ، قال الحسن : ألد الخصام ، أي : كاذب القول ، قال قتادة : شديد القسوة في المعصية ، جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ، ويعمل بالخطيئة .\r[205] { وَإِذَا تَوَلَّى } ، أي : أدبر وأعرض عنك ، { سَعَى فِي الْأَرْضِ } ، أي : عمل فيها ، وقيل : سار فيها ومشى ، { لِيُفْسِدَ فِيهَا } ، قال ابن جريج : قطع الرحم وسفك دماء المسلمين ، { وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ } ، وذلك أن الأخنس كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلة فأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم ، والنسل : نسل كل دابة ، والناس منهم ، وقال الضحاك : وَإِذَا تَوَلَّى ، أي : ملك الأمر وصار واليًا سعَى في الأرض ، قال مجاهد في قوله عزّ وجلّ : ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ ) قال : إذا ولي يعمل بالعدوان والظلم ، فأمسك اللّه المطر وأهلك الحرث والنسل ، { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } ، أي : لا يرضى بالفساد .","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"[206] قوله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ } ، أي : خَف اللّه ، { أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ } ، أي : حملته العزة ، حمية الجاهلية على الفعل بالإثم ، أي : بالظلم والعزة والتكبر والمنعة ، وقيل معناه : أخذته العزة للِإثم الذي في قلبه ، فأقام الباء مقام اللام ، قوله : { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } ، أي كافيه ، { وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } ، أي : الفراش ، قال عبد اللّه بن مسعود : إن من أكبر الذنب عند اللّه أن يقال للعبد : اتق اللّه فيقول : عليك بنفسك .\r[207] قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } ، أي : لطلب رضا اللّه تعالى ، { وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ }","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"[208] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً } نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب ، عبد اللّه بن سلام النضيري وأصحابه ، وذلك أنهم كانوا يعظّمون السبت ويكرهون لحوم الإبل وألبانها بعد ما أسلموا وقالوا : يا رسول اللّه إن التوراة كتاب اللّه فدعنا فَلْنَقُمْ بها في صلاتنا بالليل ، فأنزل اللّه تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً } ، أي : في الإسلام ، قال مجاهد : في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم كافة أي : جميعًا ، وقيل : ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه كافّين عن المجاوزة إلى غيره ، وأصل السلم من الاستلام والانقياد ، ولذلك قيل : للصلح سلم ، قال حذيفة بن اليمان في هذه الآية : الإسلام ثمانية أسهم فعدّ الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال : قد خاب من لا سهم له ، { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } ، أي : آثاره فيما زيّن لكم من تحريم السبت ولحوم الإبل وغيره ، { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"[209] { فَإِنْ زَلَلْتُمْ } ، ضللتم ، وقيل : مِلتم ، يقال : زلت قدمه تزل زلًا وزَلَلًا إذا دحضت ، قال ابن عباس : يعني الشرك ، قال قتادة : قد علم اللّه أنه سيزل زالّون من الناس ، فتقدم في ذلك وأوعد فيه ليكون لديه الحجة عليهم ، { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ } ، أي : الدّلَالَاتِ الواضحات ، { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } : في نقمته ، { حَكِيمٌ } : في أمره ، فالعزيز : هو الغالب الذي لا يفوته شيء ، والحكيم ذُو الإصابة في الأمر .","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"[210] قوله تعالى : { هَلْ يَنْظُرُونَ } ، أي : هل ينتظرون ، التاركون الدخولَ في السلم والمتّبِعون خطوات الشيطان ، يقال نظرته وانتظرته بمعنى واحد ، فإذا كان النظر مقرونًا بذكر اللّه أو بذكر الوجه أو إلى ، لم يكن إلا بمعنى الرؤية ، { إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ } ، جمع ظُلة ، { مِنَ الْغَمَامِ } ، وهو السحاب الأبيض الرقيق سُمي غمامًا لأنه يغم ، أي يستر ، وقال مجاهد : هو غير السحاب ، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم ، وقال مقاتل : كهيئة الضبابة أبيض ، قال الحسن : في سترة من الغمام ، فلا ينظر إليهم أهل الأرض ، قوله : { وَالْمَلَائِكَةُ } قرأ أبو جعفر بالخفض عطفًا على الغمام ، تقديره مع الملائكة ، تقول العرب : أقبل الأمير في العسكر ، أي : مع العسكر ، وقرأ الباقون الرفع على معنى إلا أن يأتيهم اللّه والملائكة في ظُلل من الغمام ، والأولى في هذه الآية وفيما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى اللّه تعالى ، أو يعتقد أن اللّه عزّ اسمه منزه عن سمات الحدث ، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة ، قال الكلبي : هذا من المكتوم الذي لا يُفسر ، وكان مكحول والزهري والأوزاعي","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق ، يقولون فيه وفي أمثاله : أمرها كما جاءت بلا كيف ، قال سفيان بن عُيينة : كلما وصف الله به نفسَه في كتابه فتفسيره : قراءتُه والسكوتُ عليه ، ليس لأحد أن يفسره إلا اللّه تعالى ورسوله . وقوله تعالى : { وَقُضِيَ الْأَمْرُ } ، أي : وجب العذاب وفُرغ من الحساب ، وذلك فصل الله القضاء بالحق بين الخلق يوم القيامة ، { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } ، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم ، وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الجيم .","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"[211] قوله تعالى : { سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، أي : سل يا محمد يهود المدينة : { كَمْ آتَيْنَاهُمْ } : أعطينا آباءهم وأسلافهم ، { مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ } دَلَالةٍ واضحة على نبوة موسى عليه السلام ، مثل العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها ، وقيل : معناه الدلالات التي آَتاهم اللّه في التوراة والإنجيل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، { وَمَنْ يُبَدِّلْ } ، يعني : يُغير { نِعْمَةَ اللَّهِ } : كتاب اللّه ، وقيل : عهد اللّه ، وقيل : من يُنكر الدّلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ }{ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"[212] { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } ، الأكثرون على أن المُزَين هو اللّه تعالى ، والتزيين من اللّه تعالى هو : أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة ، فنظر الخلق بأكثر من قدرها فأعجبهم حسنها فَفُتنوا بها ، وقال الزجاج : زين لهم الشيطان ، قيل : نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه ، كانوا يتنعمون بما بسط اللّه لهم في الدنيا من المال ويكذّبون بالمعاد ، { وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } ، أي : يستهزؤون بالفقراء من المؤمنين ، قال ابن عباس : أراد بالذين آمنوا عبد اللّه بن مسعود وعمار بن يا سر وصهيبًا وبلالًا وخبابًا وأمثالهم ، وقال مقاتل : نزلت في المنافقين عبد اللّه بن أُبي وأصحابه كانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ، ويقولون : انظروا إلى هؤلاء الذي يزعم محمد أنه يغلب بهم ، وقال عطاء : نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وبني قينقاع ، سخروا من فقراء المهاجرين ، فوعدهم اللّه أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال ، ويسخرون من الذين آمنوا لفقرهم ، { وَالَّذِينَ اتَّقَوْا } ، يعني : هؤلاء الفقراء ، {","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل السافلين { وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، يعني : كثيرًا بغير مقدار ، لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل ، يريد يوسع على من يشاء ويبسط لمن يشاء من عباده ، وقال الضحاك : يعني : من غير تبعة يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في الآخرة ، وقيل : هذا يرجع إلى اللّه ، معناه : يقتّر على من يشاء ويبسط لمن يشاء ، ولا يعطي لكل أحد بقدر حاجته بل يعطي الكثير مَنْ لا يحتاج إليه ولا يُعطي القليل مَنْ يحتاج إليه ، فلا يُعتَرض عليه ولا يُحاسَب فيما يرزق ، ولا يُقال : لِمَ أعطيت هذا وحرمت هذا ، ولمَ أعطيت هذا أكثر مما أعطيت ذاك ، وقيل : معناه لا يخاف نَفَاذَ خزائنه ، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها لأن الحساب من المعطي إنما يكون بما يخاف من نفاذ خزائنه .","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"[213] قوله تعالى : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً } : على دين واحد ، قال مجاهد : أراد آدم وحده كان أمة واحدة ، قال : سُمي الواحد بلفظ الجمع ، لأنه أصل النسل وأبو البشر ، ثم خلق اللّه تعالى منه حواء ونشر منهما الناس فانتشروا ، وكانوا مسلمين إلى أن قتل هابيل فاختلفوا ، { فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ } قال الحسن وعطاء : كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة الكفر أمثال البهائم فبعث اللّه نوحًا وغيره من النبيين ، وقال قتادة وعكرمة : كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح ، وكان بينهما عشرة قرون ، كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى ، ثم اختلفوا في زمن نوح ، فبعث اللّه إليهم نوحًا فكان أول نبي بُعث ، ثم بَعث بعده النبيين ، وقال الكلبي : هم أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين ، ثم اختلفوا بعد وفاة نوح ، ورُوي عن ابن عباس قال : كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة كفارًا كلهم فبعث اللّه إبراهيم وغيره من النبيين ، وقيل : كان العرب على دين إبراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحي لعنة اللّه عليه ، ورُوي عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : كان الناس حين عُرضوا على آدم وأخرجوا من","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"ظهره ، وأقروا بالعبودية للّه تعالى أمةً واحدة مسلمين كلهم ، ولم يكونوا أمةً واحدة قط غير ذلك اليوم ، ثم اختلفوا بعد آدم ، نظيره في سورة يونس [آية19] ، { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ }{ مُبَشِّرِينَ } : بالثواب من آَمن وأطاع ، { وَمُنْذِرِينَ } ، محذرين بالعقاب من كفر وعصى ، { وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ } ، أي : الكتب ، تقديره : وأنزل مع كل واحد منهم الكتاب ، { بِالْحَقِّ } : بالعدل والصدق ، { لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ } ، قرأ أبو جعفر (ليحكم) بضم الياء وفتح الكاف هاهنا ، وفي أول آل عمران وفي النور موضعين ، لأن الكتاب لا يحكم في الحقيقة إنما يُحكم به ، وقراءة العامة بفتح الياء وضم الكاف ، أي : ليحكم الكتاب ، ذكره على سعة الكلام ، كقوله تعالى : { هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ } [الجاثية : 29] ، وقيل معناه ليحكم كل نبي بكتابه ، { فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ } ، أي : في الكتاب { إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ } ، أي : أعطوا الكتاب ، { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ } ، يعني : أحكام","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"التوراة والإنجيل ، قال الفراء : ولاختلافهم معنيان : أحدهما كفر بعضهم بكتاب بعض ، قال اللّه تعالى : { وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } [النساء : 150] ، والآخر : تحريفهم كتاب اللّه قال اللّه : { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } [النساء : 46] وقيل : الآية راجعة إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابه ، اختلف فيه أهل الكتاب { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ } ، صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - في كتبهم ، { بَغْيًا } ظلمًا وحسدًا { بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } ، أي : إلى ما اختلفوا فيه ، { مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ } ، بعلمه وإرادته فيهم ، قال ابن زيد في هذه الآية : اختلفوا في القبلة فمنهم من يصلي إلى المشرق ومنهم من يصلي إلى المغرب ، ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس ، فهدانا اللّه إلى الكعبة ، واختلفوا في الصيام فهدانا اللّه لشهر رمضان ، واختلفوا في الأيام ، فأخذت اليهود السبت ، والنصارى الأحد ، فهدانا اللّه للجمعة ، واختلفوا في إبراهيم عليه السلام ، فقالت اليهود : كان يهوديًّا ، وقالت النصارى : كان نصرانيًّا ،","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"فهدانا اللّه للحق من ذلك ، واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود الفِرية ، وجعلته النصارى إلهًا ، وهدانا اللّه للحق فيه ، { وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"[214] قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ } ، قال قتادة والسدي : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى ، كما قال اللّه تعالى : { وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ } [الأحزاب : 10] ، وقيل : نزلت في حرب أُحد ، وقال عطاء : لما دخل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المدينة ، اشتد عليهم الضر لأنهم خرجوا بلا مالٍ وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ، واَثروا رضا اللّه ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأسرّ قوم النفاق ، فأنزل اللّه تعالى تطييبًا لقلوبهم ( أم حَسِبتُم ) ، معناه أحسبتم والميم صلة قاله الفراء ، وقال الزجاج : بل حسبتم ، ومعنى الآية : أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ، { وَلَمَّا يَأْتِكُمْ } ، أي : ولم يأتكم و(ما) صلة { مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا } ، شبه الذين مضوا ، { مِنْ قَبْلِكُمْ } : من النبيين والمؤمنين ، { مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ } : الفقر والشدة والبلاء ، { وَالضَّرَّاءُ } : المرض والزَّمَانة ، { وَزُلْزِلُوا } ، أي : حُركوا بأنواع","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"البلايا والرزايا وخُوّفوا ، { حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ } ، ما زال البلاء بهم حتى استبطأوا النصر ، قال اللّه تعالى : { أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } ، قرأ نافع (حتى يَقُولَ الرَّسُولُ) بالرفع ، معناه : حتى قال الرسول .\r[215] قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ }« نزلت في عمرو بن الجموح وكان شيخًا كبيرًا ذا مال فقال : يا رسول اللّه بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فأنزل اللّه تعالى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ }» ، وفي قوله : ( مَاذَا ) وجهان من الإعراب ، أحدهما : آن يكون محله نصبًا بقوله : ( يُنفِقُونَ ) ، تقديره أي شيء ينفقون ، والآخر : أن يكون رفعًا بـ (مَا) ومعناه : ما الذي ينفقون { قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ } ، أي : من مال ، { فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } ، يُجازيكم به قال أهل التفسير : كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة .","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"[216] قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ } ، أي : فُرض عليكم الجهاد ، واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال عطاء : الجهادُ تطوع ، والمراد من الآية أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - دون غيرهم ، وإليه ذهب الثوري ، واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى : { فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } [النساء : 95] ولو كان القاعد تاركًا فرضًا لم يكن بعده الحُسنى ، وجرى بعضهم على ظاهر الآية وقال : الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة وقال قوم وعليه الجمهور : إن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، مثل صلاة الجنازة ورَدِّ السلام ، قال الزهري والأوزاعي : كتب اللّه الجهاد على الناس غَزُوا أو قعدوا ، فمن غزا فبها ونعمت ، ومن قعد فهو عدّة إن استُعين به أعان وإن استُنفر نَفَر وإن استُغني عنه قَعَد ، قوله تعالى : { وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ } ، أي : شاق عليكم ، قال بعض أهل المعاني : هذا الكره من حيث نفورُ الطبع عنه ، لما فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح ، لا أنهم كرهوا أمر","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"اللّه تعالى ، وقال عكرمة : نسخها قوله تعالى : { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ، يعني : أنهم كرهوا ثم أحبوه ، فقالوا : سمعنا وأطعنا ، قال اللّه تعالى : { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } ، لأنّ في الغزو إحدي الحُسنيين إمّا الظفر والغنيمة وإمّا الشهادة والجنة ، { وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا } ، يعني : القعود عن الغزو ، { وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } : لما فيه من فوات الغنيمة والأجر ، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"[217] قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ } ؟ يعني : رجبًا ، وسُمي بذلك لتحريم القتال فيه ، قوله تعالى : { قِتَالٍ فِيهِ } ، أي : عن قتال فيه { قُلْ } ، يا محمد : { قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } : عظيم ، تم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال : { وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، وصدكم المسلمين عن الإسلام { وَكُفْرٌ بِهِ } ، أي : كفركم بالله ، { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، أي : بالمسجد الحرام ، وقيل : صدكم عن المسجد الحرام ، { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ } ، أي : إخراج أهل المسجد { مِنْهُ أَكْبَرُ } : أعظم وزرًا { عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ } ، أي : الشرك الذي أنتم عليه ، { أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } ، أي : أعظم من القتل في الشهر الحرام { وَلَا يَزَالُونَ } ، يعني : مشركي مكة { يُقَاتِلُونَكُمْ } ، يا معشر المؤمنين ، { حَتَّى يَرُدُّوكُمْ } : يصرفوكم ، { عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ } : بطلت { أَعْمَالُهُمْ } : حسناتهم { فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"خَالِدُونَ } .\r[218] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا } ، فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم { وَجَاهَدُوا } ، المشركين { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } طاعة الله { أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ } ، أخبر أنهم على رجاء الرحمة { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"[219] قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } ، الآية نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول اللّه أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مَسْلبة للمال ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وجملة القول في تحريم الخمر على ما قاله المفسرون : إن اللّه أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة وهي : { وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا } فكان المسلمون يشربونها وهي حلال يومئذ ، ثم نزلت هذه الآية في مسألة عمر ومعاذ بن جبل { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } فتركها قوم لقوله { إِثْمٌ كَبِيرٌ } ، وشربها أقوام لقوله : { وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } ثم أنزل اللّه تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } [النساء : 43] ، فحرّم السكر في أوقات الصلاة ، فلما نزلت هذه الآية تركها قوم وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة ، وتركها قوم في أوقات الصلاة وشربوها في غير","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"حين الصلاةَ فقال عمر : اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا ، فأنزل اللّه تعالى تحريم الخمر في سورة المائدة إلى قوله تعالى : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } ، فقال عمر رضي الله عنه : انتهينا يا رب . قوله تعالى : ( والمَيسِر ) ، يعني : القمار والمراد من الآية أنواع القمار كلها ، قال طاوس وعطاء ومجاهد : كل شيء فيه قمار فهو من الميسر ، حتى لُعب الصبيان بالجَوز والكعاب ، ورُوي عن علي - رضي الله عنه - في النرد والشطرنج أنهما من الميسر ، ( قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ) : وزر عظيم من المخاصمة والمشاتمة وقول الفُحش ( ومَنَافع للنّاس ) ، فمنفعة الخمر اللذة عند شربها والفرح واسْتمرَاء الطعام ، وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها ، ومنفعة الميسر إصابة المال من غير كَدّ ولا تعب ، وارتفاق الفقراء به ، والإثم فيه أنه إذا ذهب ماله عن غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء ، { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } ، قال الضحاك وغيره : إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم ، هو ما يحصل به من العداوة والبغضاء . قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ } ؟ وذلك أن رسول اللّه -","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"صلى الله عليه وسلم - حثّهم على الصدقة ، فقالوا : ماذا نُنفق؟ فقال : { قُلِ الْعَفْوَ } ، قرأ أبو عمرو والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق (العَفو) بالرفع ، معناه أي : الذي ينفقون هو العفو ، وقرأ الآخرون بالنصب على معنى : قل : أنفقوا العفو, واختلفوا في معنى العفو ، فقال قتادة وعطاء والسدي : هو ما فَضُلَ عن الحاجة ، وكانت الصحابة يكتسبون المال ويمسكون قدر النفقة ويتصدقون بالفَضْل بحكم هذه الآية ، ثم نُسخ بآية الزكاة ، وقال مجاهد : معناه التصدق عن ظهر غنى حتى لا يبقى كَلًّا على الناس ، وقال عمرو بن دينار : الوسط من غير إسراف ولا إقتار وقال طاوس : ما يَسُرَ ، والعفو اليُسر من كل شيء { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"[220] { فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } ، قيل : معناه يبين اللّه لكم الآيات في أمر النفقة لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ، فتحسبون من أموالكم ما يُصلحكم في معاش الدنيا ، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العُقبَى ، وقال أكثر المفسرين معناها : هكذا يُبين اللّه لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون ، وقيل : معناه يُبيّن اللّه لكم الآيات في أمر النفقة لعلكم تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها ، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها . قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ } ، أي : الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عِوض خير وأعظم أجرًا لمالكم في ذلك من الثواب ، وخير لهم لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم ، قال مجاهد : يُوسع عليه من طعام نفسه ولا يوسع من طعام اليتيم ، { وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ } ، هذه إباحة المخالطة ، أي : إن تشاركوهم في أموالهم ، وتخلطوا بأموالهم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودَوَابكم ، فتُصيبوا من أموالهم عوضَا عن قيامكم بأمورهم أو تكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم ، { فَإِخْوَانُكُمْ } ، أي : فهم إخوانكم ، والإخوان يُعين","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"بعضهم بعضا ويُصيب بعضهم من أموال بعض على وجه الإصلاح والرضا ، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ } : لأموالهم { مِنَ الْمُصْلِحِ } : لها ، يعني : الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق من الذي يقصد الإصلاح { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ } ، أي : لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم ، وقال ابن عباس : ولو شاء اللّه لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا لكم ، وأصل العنت : الشدة والمشقة ، ومعناه : كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم ، { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } ، أي : عزيز في سُلطانه وقدرته على الإعنات { حَكِيمٌ } فيما صنع من تدبيره وترك الإعنات .","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"[221] قوله تعالى : { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } قيل : الآية منسوخة في حق الكتابيات ، لقوله تعالى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } [المائدة : 5] ، وبخبر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وبإِجماع الأمة ، روى الحسن عن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا » فإن قيل : كيف أطلقتم اسم الشرك على من لم ينكر إلا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو الحسن بن فارس : لأن من يقول القرآن كلام غير اللّه فقد أشرك مع اللّه غيره ، وقال قتادة وسعيد بن جبير : أراد بالمشركات الوثنيات ، فإن عثمان تزوج نائلة بنت فَرَافِصَةَ وكانت نصرانية فأسلمت تحته ، وتزوج طلحة بن عبد اللّه نصرانية { وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } : بجمالها ومالها ، { وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا } ، هذا إجماع لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك ، { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ } ، يعني المشركين {","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ } ، أي : إلى الأعمال الموجبة للنار ، { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ } ، أي : بقضائه وقدره وإراداته ، { وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ } ، أي : أوامره ونواهيه ، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } : يتعظون .","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"[222] قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ } ، أي : عن الحيض ، وهو مصدر حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضا ، كالسير والمسير ، وأصل الحيض الانفجار والسيلان ، وقوله : { قُلْ هُوَ أَذًى } ، أي : قذر ، والأذى كل ما يُكره من كل شيء ، { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } أراد بالاعتزال ترك الوطء ، { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ } ، أي : لا تجامعوهنّ ، أما الملامسة والمضاجعة معها فجائزة { حَتَّى يَطْهُرْنَ } ، قرأ عاصم برواية أبي بكر وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء ، حتى يغتسلن ، وقرأ الآخرون بسكون الطاء وضم الهاء مخفف ، ومعناه : حتى يطهرن من الحيض وينقطع دمهن ، { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } ، يعني : اغتسلن { فَأْتُوهُنَّ } ، أي : فجامعوهن ، { مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ } ، أي : من حيث أمركم أن تعتزلوهن منه وهو الفرج ، قال مجاهد وقتادة وعكرمة وقال ابن عباس : طؤوهنّ في الفرج ولا تعدوه إلى غيره ، أي : اتقوا الأدبار ، وقيل : من حيث بمعنى في حيث أمركم اللّه تعالى وهو الفرج ، وقيل : فأتوهن من الوجه الذي أمركم اللّه أن تأتوهن وهو الطهر ، وقال ابن الحنفية مِنْ قَبَل الحلال دون الفجور ، وقيل :","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"لا تأتوهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات وأتوهن وغشيانهن لكم حلال { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } ، قال عطاء ومقاتل بن سليمان والكلبي : يحب التوابين من الذنوب ويحب المتطهرين بالماء من الأحداث والنجاسات ، وقال مقاتل بن حيان : يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من الشرك ، وقال سعيد بن جبير : التوابين من الشرك والمتطهرين من الذنوب ، وقال مجاهد : التوابين من الذنوب لا يعودون فيها والمتطهرين منها لم يصيبوها ، والتواب الذي كلما أذنب تاب ، نظيره قوله تعالى : { فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا } .","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"[223] قوله تعالى : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، و (أَنى) حرف استفهام يكون سؤالًا عن الحال والمحل ، معناه : كيف شئتم وحيث شئتم بعد أن يكون في صمام واحد ، وقال عكرمة أنى شئتم : إنما هو الفرج ، ومثله لكم أي : مزرع لكم ومنبت الولد بمنزلة الأرض التي تزرع ، وفيه دليل على تحريم الأدبار ، لأن محل الحرث والزرع هو القُبل لا الدبر { وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ } ، قال عطاء : التسمية عند الجماع ، قال مجاهد : وقدموا لأنفسكم ، يعني : إذا أتى أهله فليدْع وقيل : قدّموا لأنفسكم ، يعني : طلب الولد وقيل : هو التزوج بالعفائف ليكون الولد صالحًا وقال الكلبي والسدي : وقدّموا لأنفسكم ، يعني : الخير والعمل الصالح بدليل سياق الآية { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ } : صائرون إليه فيجزيكم بأعمالكم ، { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"[224] قوله تعالى : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ } ، أي : لا تجعلوا الحلف باللّه سببًا مانعًا لكم من البرِّ والتقوى ، يُدعى أحدكم إلى صلة رحم أو برٍ ، فيقول : حلفتُ باللّه أن لا أفعله فيعتل بيمينه في ترك البر ، { أَنْ تَبَرُّوا } ، معناه : أنْ لا تبروا ، كقوله تعالى : { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } أي : لئلا تضلوا ، { وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"[225] قوله تعالى : { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } اللغو كل ساقطٍ مُطَّرَح من الكلام لا يُعتد به ، وأختلف أهل العلم في لغو اليمين المذكورة في الآية ، فقال قوم : هو ما يسبق إلى اللسان على عجلة لصلة الكلام من غير عقدٍ وقصد ، كقول القائل لا واللّه وبلى واللّه وكلّا واللّه ، ويُروى عن عائشة أيمان اللغو : ما كانت في الهزل والمراءِ والخُصومة ، والحديث الذي لا يعقد عليه القلب ، وقال قوم : هو أن يحلف عن شيء يرى أنه صادق فيه ، ثم يتبيّن له خلاف ذلك ، وقال عليّ : الغضب ، وقال سعيد بن جبير : هو اليمين في المعصية لا يؤاخذه اللّه بالحنث فيها ، وقال زيد بن أسلم : هو دعاء الرجل على نفسه ، كقول الإنسان : أعمى اللّه بصري أن أفعل كذا ، فهذا كله لغو لا يؤاخذه اللّه به ، ولو آخذهم به لعجّل لهم العقوبة { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } ، أي عزمتم وقصدتم إلى اليمين ، وكسب القلب : العقد والنيّة ، { وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } ، واعلم أن اليمين لا تنعقد إلا باللّه أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته فاليمين باللّه أن يقول : والذي أعبده والذي أصلي له والذي نفسي","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"بيده ، ونحو ذلك ، واليمين بأسمائه كقوله : واللّه والرحمن ونحوه ، واليمين بصفاته كقوله : وعزة اللّه وعظمة اللّه وجلال اللّه وقدرة اللّه ونحوهما ، فإذا حلف بشيء منها على أمر في المستقبل ، فحنثَ يجب عليه الكفارة ، وإذا حلف على أمر ماضٍ أنه كان ولم يكن ، أو على أنه لم يكن وقد كان ، إنْ كان عالمًا به حالة ما حلف فهو اليمين الغموس وهو من الكبائر وإن كان جاهلًا فهو يمين اللغو عندهم .","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"[226] قوله تعالى : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } أي : يحلفون ، والآلية : اليمين ، والمراد من الآية اليمين على ترك وطء المرأة قال سعيد بن المسيب : كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية ، وكان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد أن يتزوج بها غيره ، فيحلف أن لا يقربها أبدًا فيتركها لا أيّمًا ولا ذات بعل ، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام ، فضرب اللّه له أجلًا في الإسلام قوله تعالى : { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } ؛ أي : انتظار أربعة أشهر ، والتربص : التثبت والتوقف ، { فَإِنْ فَاءُوا } : رجعوا عن اليمين بالوطء ، { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، وإذا وطئ في الفرج عن الإيلاء ، وتجب عليه كفارة اليمين عند أكثر أهل العلم ، وقال الحسن وإبراهيم النخعي وقتادة : لا كفارة عليه لأن اللّه تعالى وعد بالمغفرة ، فقال : { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، وذلك عند الأكثرين في سقوط العقوبة لا في الكفارة .","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"[227] { وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ } ، أي : حققوه بالإيقاع ، { فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } : لقولهم ، عَلِيمٌ : بنياتهم ، وفيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضي المدة ما لم يطلقها زوجها ، لأنّه شرطَ فيه العزم ، وقال : { فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، فدل على أنه يقضي مسموعًا ، والقول هو الذي يسمع .","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"[228] قوله تعالى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ } ، أي : المخليات من حبال أزواجهن ، { يَتَرَبَّصْنَ } : ينتظرن { بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } ، فلا يتزوجن ، والقروء : جمع قَرء مثل قرع ، وجمعه القليل : أقرؤ ، والجمع الكثير : أقراء ، واختلف أهل العلم في القَرء فذهب جماعة إلى أنها الحيض ، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ، وبه قال الحسن ومجاهد ، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي ، واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمستحاضة : « دعي الصلاة أيام أقرائك » ، وإنما تدع المرأة الصلاة أيام حيضها ، وذهب جماعة إلى أنّها الأطهار ، وهو قول زيد بن ثابت وعبد اللّه بن عمر وعائشة ، وهو قول الفقهاء السبعة والزهري ، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي ، واحتجوا بأن ابن عمر - رضي اللّه عنه - لمّا طلق امرأته وهي حائض قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر : « مُرْهُ فليراجعها حتى تطهر ، ثم إن شاء أمسك وان شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر اللّه أن يُطلق لها النساء » (1) فأخبر أن زمان العدة هو الطهر { وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } ، قال عكرمة :\r_________\r(1) رواه البخاري في الطلاق9 / 345 ومسلم في الطلاق رقم (1471) 2 / 1093والمصنف في شرح السنة 9 / 202 .","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"يعني الحيض وهو أن يريد الرجل مراجعتها ، فتقول قد حضت الثلاثة ، وقال ابن عباس وقتادة : يعني الحمل ، ومعنى الآية : لا يحل للمرأة كتمان ما خلق اللّه في رحمها من الحيض والحمل لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد . { إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } ، معناه : أن هذا من فعل المؤمنات ، وإن كانت المؤمنة والكافرة في هذا الحكم سواء ، كما تقول : أَدِّ حقي إن كنتَ مؤمنًا ، يعني : أداء الحقوق من فعل المؤمنين { وَبُعُولَتُهُنَّ } ، يعني : أزواجهن جمع بعل ، كالفحولة جمع فحل ، سُمى الزوج بعلًا لقيامه بأمور زوجته ، وأصل البعل السيد والمالك { أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ } : أولى برجعتهن إليهم ، { فِي ذَلِكَ } ، أي : في حال العدة ، { إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا } ، أي : إن أرادوا بالرجعة الصلاح وحُسن العشرة لا الإضرار ، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية كالرجل يطلق امرأته ، فإِذا قرب انقضاء عدتها راجعها ، ثم تركها مدة ثم طلقها ، فإذا قَرُب انقضاء عدتها راجعها ، ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها ، { وَلَهُنَّ } ، أي : للنساء على الأزواج { مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ } للأزواج {","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"بِالْمَعْرُوفِ } ، قال ابن عباس في معناه : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي ، لأن اللّه تعالى قال : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } ، قال ابن عباس : لما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال وقال قتادة : بالجهاد ، وقيل : بالعقل ، وقيل : بالشهادة ، وقيل : بالميراث ، وقيل : بالدية ، وقيل : بالطلاق ، لأن الطلاق بيد الرجال ، وقيل : بالرجعة ، وقال سفيان وزيد بن أسلم : بالإمارة ، وقال القتيبي : ( وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) معناه : فضيلة في الحق ، { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"[229] قوله تعالى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } ، روي عن عروة بن الزبير قال : كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد ، وكان الرجل يطلق امرأته ، فإذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ، ثم طلقها كذلك ثم راجعها ، بقصد مضارتها ، فنزلت هذه الآية : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } , يعني : الطلاق الذي يملك الرجعة عقيبة مرتان ، فإذا طلق ثلاثًا فلا تحل له إلا بعد نكاح زوجِ آَخر ، قوله تعالى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } ، قيل : أراد بالإمساك الرجعة بعد الثانية ، والصحيح أن المراد منه بعد الرجعة ، يعني : إذا راجعها بعد الطلقة الثانية فعليه أن يمسكها بالمعروف ، والمعروف كل ما يعرف في الشرع من أداءِ حقوق النكاح وحُسن الصحبة ، { أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } ، وهو أن يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } : أعطيتموهنّ شيئًا من المهور وغيرها ، ثم استثنى الخلع ، فقال : { إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } : نزلت في جميلة بنت عبد اللّه بن أبي أوفى ، ويقال في حبيبة بنت سهل ، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس ، وكانت تبغضه وهو","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"يُحبّها أتت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فشكت إليه زوجها وقالت . يا رسول اللّه لا أنا ولا هو ، فأرسل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى ثابت بن قيس ، قال ثابت : يا رسول اللّه قد أعطيتها حديقة فقل لها تردها عليّ وأخلي سبيلها ، فقال لها : تردين عليه حديقته وتملكين أمرك ، قالت : نعم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « يا ثابتُ خُذْ منها ما أعطيتها ، وخلّ سبيلَها » ففعل (1) قوله تعالى : ( إِلَّا أَنْ يَخَافَا ) ، أي : يعلما أن لا يقيما حدود اللّه ، قرأ أبو جعفر وحمزة ويعقوب (إِلَّا أَن يخَافَا) بضم الياء ، أي : يعلم ذلك منهما ، يعني : يعلم القاضي والوالي ذلك من الزوجين ، بدليل قوله تعالى : { فَإِنْ خِفْتُمْ } ، فجعل الخوف لغير الزوجين ، ولم يقل : فإن خافا ، وقرأ الآخرون ( يَخَافَا) بفتح الياء ، أي : يعلم الزوجان من أنفسهما أنْ لا يُقيما حدود اللّه ، تخاف المرأة أن تعصي اللّه في أمر زوجها ، ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها فنهى اللّه الرجلَ أن يأخذ من امرأته شيئًا مما آتاها إلا يكون النشوز من قبلها ، فقالت : لا أطيع لك أمرًا ولا أطأ لك مضجعا ونحو ذلك ، قال اللّه تعالى\r_________\r(1) رواه مختصرًا أبو داود في الطلاق 3 / 143 ، والنسائي في الطلاق 6 / 186 وابن جرير في التفسير 4 / 554 .","part":1,"page":302},{"id":303,"text":": { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } ، أي : فيما افتدتْ به المرأة نفسها منه ، قال الفراء : أراد بقوله : ( عَلَيْهِمَا) الزوج دون المرأة ، فذكرهما جميعًا لاقترانهما ، كقوله تعالى : { نَسِيَا حُوتَهُمَا } وإنما الناسي فتى موسى دون موسى ، وقيل : أراد أنه لا جناح عليهما جميعًا ، لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك والمعصية ، ولا فيما افتدت به وأعطت به المال لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق ، وعلى الزوج فيما أخذ منها من المال إذا أعطته طائعة ، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الخلع جائز على أكثر مما أعطاها ، وقال الزهري : لا يجوز بأكثر ممّا أعطاها من المهر ، وقال سعيد بن المسيب : لا يأخذ منها جميع ما أعطاها بل يترك شيئًا ، ويجوز الخلع على غير حال النشوز ، غير أنه يُكره لما فيه من قَطع الوصلة بلا سبب . قوله تعالى : { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } ، أي : هذه أوامر اللّه ونواهيه ، وحدود اللّه ما منع الشرع من المجاوزة عنه ، { فَلَا تَعْتَدُوهَا } ، فلا تجاوزوها ، { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"}\r[230] قوله تعالى : { فَإِنْ طَلَّقَهَا } ، يعني : الطلقة الثالثة ، { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ } ، أي : من بعد الطلقة الثالثة ، { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } ، أي : غير المطلق فيجامعها ، والنكاح يتناول الوطء والعقد جميعًا قوله تعالى : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا } ، يعني : فإن طلقها الزوج الثاني بعدما جامعها فلا جُناح عليهما ، يعني : على المرأة وعلى الزوج الأول أن يتراجعا ، يعني : بنكاح جديد { إِنْ ظَنَّا } ، أي : عَلِما ، وقيل : رجوا ، لأن أحدًا لا يعلم ما هو كائن إلا اللّه عزّ وجلّ ، { أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } ، أي : يكون بينهما الصلاح وحُسن الصحبة ، وقال مجاهد : معناه إن علما أن نكاحهما على غير دلسة ، وأراد بالدلسة : التحليل ، وذهب جماعة إلى أنه إذا لم يُشترط في النكاح مع الثاني أنه يفارقها ، فالنكاح صحيح ويحصل به التحليل ، ولها صداق مثلها غير أنه يكره إذا كان في عزمها ذلك { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ، يعني يعلمون ما أمرهم اللّه تعالى به .","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"[231] قوله تعالى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } ، أي : أشرفْنَ على أن تبين بانقضاء العدة ، ولم يرد حقيقة انقضاء العدة لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها ، فالبلوغ هاهنا بلوغ مقاربة ، وفي قوله تعالى بعد هذا : { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } ، حقيقة انقضاء العدة والبلوغ يتناول المعنيين ، يقال : بلغت المدينة إذا قربت منها إذا دخلتها ، { فَأَمْسِكُوهُنَّ } ، أي : راجعوهن ، { بِمَعْرُوفٍ } قيل : المراجعة بالمعروف أن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء ، { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } ، أي : اتركوهن حتى تنقضي عِدَّتهنَّ فيكن أملك لأنفسهن ، { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } ، أي : لا تقصدوا بالرجعة المضارة بتطويل الحبس ، { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } ، أي : أضر بنفسه بمخالفة أمر اللّه تعالى ، { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا } قال الكلبي : يعني قوله تعالى . { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } ، وكل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آَيات اللّه هزوًا ، وقال أبو الدرداء : هو","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول كنتُ لَاعبًا ، ويعتق ويقول مثل ذلك ، وينكح ويقول مثل ذلك { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } : بالإيمان { وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ } ، يعني : القرآن ، { وَالْحِكْمَةِ } ، يعني : السنة ، وقيل : مواعظ القرآن { يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"[232] { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } ، أي : انقضت عدتهن { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } ، أي : لا تمنعوهن عن النكاح ، والعضل : المنع ، وأصله الضيق والشدة ، يقال : عضلت المرأة : إذا نشب ولدها في بطنها فضاق عليه الخروج ، والداء العضال الذي لا يُطاق علاجه { إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } ، بعقد حلال ومهر جائز ، { ذَلِكَ } ، أي : الذي ذُكر من النهي { يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } ، وإنما قال ذلك موحدًا والخطاب للأولياء ، لأن الأصل في مخاطبة الجمع ذلكم { ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ } ، أي : خير لكم ، { وَأَطْهَرُ } : لقلوبكم من الريبة وذلك أنه كان في نفس كل واحد منهما علاقة حيث لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحل اللّه لهما ، ولم يؤمن من الأولياء أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون ، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ، أي : يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلمون أنتم .","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"[233] قوله تعالى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ } ، أي : المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن ( يُرْضِعْنَ) خبر بمعنى الأمر وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب ، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من يرضع الولد ، لقوله تعالى في سورة الطلاق : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها ، { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } ، أي : سنتين ، وذكر الكمال للتأكيد ، كقوله تعالى : { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } وقيل . إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولًا وبعض الشهر شهرًا ، كما قال اللّه تعالى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } ، وإنّما هي شهران وبعض الثالث ، وقال : { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ } ، وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم ويقال أقام فلان بموضع كذا حولين ، وإنما أقام به حولًا وبعض آخر ، فبين اللّه تعالى أنهما حولان كاملان أربعة وعشرون شهرًا ، { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } ، أي هذا منتهى الرضاعة ، وليس فيها دون ذلك حدّ محدود ، وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به . { وَعَلَى","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"الْمَوْلُودِ لَهُ } ، يعني : الأب ، { رِزْقُهُنَّ } : طعامهن ، { وَكِسْوَتُهُنَّ } : لباسهن ، { بِالْمَعْرُوفِ } أي : على قدر الميسرة ، { لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا } ، أي : طاقتها ، { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه ، { وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } ، أي : لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها تُضاره بذلك ، وقيل : معناه لا تضار والدة فتكره على إرضاعه إذا كرهت إرضاعه ، وقَبِلَ الصبي من غيرها ، لأن ذلك ليس بواجب عليها ، ولا مولود له بولده ، فيحتمل أن يعطي الأم أكثر مما يجب لها إذا لم يرتضع الولد من غيرها وعلى هذه الأقوال يرجع الضرار إلى الوالدين ، يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد ، ويجوز أن يكون الضرار راجعًا إلى الصبي ، أي : لا يضار كل واحد منهما الصبي ، ولا تُرضعه الأم حتى يموت ، أو لا يُنفق الأبُ ، أو ينتزعه من الأم حتى يضرّ بالصبي ، فعلى هذا تكون الباء زائدة ، ومعناه : لا تضار والدة ولدَها ، ولا أبّ ولدَه ، وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين .","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"قوله تعالى : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } ، اختلفوا في هذا الوارث ، فقال قوم : هو وارث الصبي ، معناه : وعلى وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه مثل الذي كان على أبيه في حال حياته وذهب جماعة إلى أن المراد بالوارث هو الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى ، يكون أجرة رضاعه ونفقته في ماله ، فإن لم يكن له مال فعلى الأم ، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان ، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله ، وقيل : هو الباقي من والدي المولود, بعد وفاة الآخر عليه, مثل ما كان على الأب من أجرة الرضاع والنفقة والكسوة, وقيل : ليس المراد منه النفقة بل معناه وعلى الوارث ترك المضارة, وبه قال الشعبي والزهري , { فَإِنْ أَرَادَا } , يعني : الوالدين, { فِصَالًا } : فطاما قبل الحولين { عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا } , أي : اتفاق الوالدين, { وَتَشَاوُرٍ } ,أي : يشاورون أهل العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالوالد, والمشاورة استخراج الرأي, { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } , أي : لا حرج عليهما في الفطام قبل الحولين, { وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ } , أي : لأولادكم مراضع غير","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم إرضاعهم, أو تعذر لعلة بهن أو انقطاع لبن أردن النكاح, { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ } , إلى أمهاتهم, { مَا آتَيْتُمْ } , ما سميتم لهن من أجرة الرضاع ، بقدر ما أرضعن ، وقيل : إذا سلمتم أجور المراضع إليهن ، { بِالْمَعْرُوفِ } ، قرأ ابن كثير (ما أتيتم) وفي الروم { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا } بقصر الألف ، ومعناه : ما فعلتم ، يقال : أتيت جميلا إذا فعلته ، فعلى هذه القراءة يكون التسليم بمعنى الطاعة والانقياد ، لا بمعنى تسليم الأجرة ، يعني إذا سلمتم لأمره وانقدتم لحكمه ، وقيل : إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار ، { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"[234] قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ } ، آي : يموتون ويتوفى آجالهم ، وتوفى واستوفى بمعنى واحد ، ومعنى التوفي : أخذ الشيء وافيا ، { وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } : يتركون أزواجا ، { يَتَرَبَّصْنَ } : ينتظرن ، { بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } ، أي : يعتدون بترك الزينة والطيب والنقلة على فراق أزواجهن هذه المدة ، إلا أن يكن حوامل فعدتهن بوضع الحمل ، وكانت عدة الوفاة في الابتداء حولا كاملا لقوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ } ، ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا وإنما قال عشرا بلفظ المؤنث لأنه أراد الليالي ، لأن العرب إذا أبهمت العدد بين الليالي والأيام غلّبت عليها الليالي ، فيقولون صمنا عشرا ، والصوم لا يكون إلا بالنهار ، وقال المبرد : إنما أنث العشر لأنه أراد المدة ، أي : عشر مدد ، كل مدة يوم وليلة ، وإذا كان المتوفى عنها زوجها حاملا فعدتها بوضع الحمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم ، وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم . أنها تنتظر آخر الأجلين من وضع","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"الحمل أو أربعة أشهر وعشرا . قوله تعالى : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } ، أي : انقضت عدتهن { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } ، خطاب للأولياء ، { فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ } ، أي : من اختيار الأزواج دون العقد فإن العقد إلى الولي ، وقيل : فيما فعلن من التزين للرجال زينة لا ينكرها الشرع { بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ، والإحداد واجب على المرأة في عدة الوفاة ، أما المعتدة عن الطلاق ففيها نظر ، فإن كانت رجعية لا إحداد عليها في العدة ، لأن لها أن تضع ما يشوق قلب الزوج إليها ليراجعها ، وفي البائنة بالخلع والطلقات الثلاث قولان ، أحدهما : الإحداد كالمتوفى عنها زوجها ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وبه قال أبو حنيفة ، والثاني : لا إحداد عليها ، وهو قول عطاء ، وبه قال مالك .","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"[235] قوله تعالى : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ } ، آي : النساء المعتدات ، وأصل التعريض : هو التلويح بالشيء ، والتعويض في الكلام بما يفهم به السامع مراده من غير تصريح والتعريض بالخطبة مباح في العدة, وهو أن يقول : رب راغب فيك ، من يجد مثلك ، إنك لجميلة ، وإنك لصالحة ، وإنك علي لكريمة ، وإني فيك لراغب ، وإن من غرضي أن أتزوج ، وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبني ، ولئن تزوجتك لأحسنن إليك ، ونحو ذلك من الكلام من غير أن يقول أنكحيني ، والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت فيه والتعريض بالخطبة جائز في عدة الوفاة ، آما المعتدة عن فرقة الحياة ينظر إن كانت ممن لا يحل لمن بانت من نكاحها كالمطلقة ثلاثا ، والمبانة باللعان والرضاع ، فإنه يجوز خطبتها تعريضا ، وإن كانت ممن يحل للزوج نكاحها كالمختلعة والمفسوخ نكاحها ، يجوز لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا ، وهل يجوز للغير تعريضا؟ فيه قولان ، أحدهما : يجوز كالمطلقة ثلاثا ، والثاني لا يجوز لأن المعاودة ثابتة لصاحب العدة كالرجعية لا يجوز للغير تعريضا بالخطبة ، وهو قوله تعالى : ( مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ) التماس","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"النكاح وهي مصدر خطب الرجل المرأة يخطب خطبة ، وقال الأخفش : الخطبة الذكر والخطبة التشهد ، فيكون معناه فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن { أَوْ أَكْنَنْتُمْ } : أضمرتم ، { فِي أَنْفُسِكُمْ } ، من نكاحهن ، يقال : أكننت الشيء وكننته لغتان ، وقال ثعلب : أكننت الشيء ، أي : أخفيته في نفسي وكننتُه سترتُه ، قال السدي : هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء ، { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } : بقلوبكم ، { وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا } ، اختلفوا في السر المنهي عنه ، فقال قوم : هو الزنا ، قال زيد بن أسلم : أي : لا ينكحها سرًّا فيمسكها فإذا حلّتْ أظهر ذلك ، وقال مجاهد : هو قول الرجل لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك ، وقال الشعبي والسدي : لا يؤخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره ، وقال عكرمة : لا ينكحها ولا يخطبها في العدة ، قال الشافعي : السر هو الجماع ، وقال الكلبي : أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ، فيقول : آتيك الأربعة والخمسة ، وأشباه ذلك قوله تعالى : { إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا } ، هو ما ذكرنا من التعريض بالخطبة . قوله تعالى : { وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } ، أي : لا تحققوا العزم على عقد النكاح في العدة حتى يبلغ الكتاب أجله ، أي : حتى تنقضي العدة ، وسماها الله : كتابا ، لأنها فرض من الله ، كقوله تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ ) أي : فرض عليكم { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ } ، أي : فخافوا الله { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } لا يعجل بالعقوبة .","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"[236] وقوله تعالى : { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } ، أي : ولم تمسوهن ولم تفرضوا ، نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ، ثم طلقها قبل أن يمسَّها ، فنزلت هذه الآية ( أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ) أي : توجبوا لهن صداقا ، فإن قيل : فما الوجه في نفي الجناح عن المطلق؟ قيل : الطلاق قطع سبب الوصلة ، وجاء في الحديث : « أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق » ، فنفي الجناح عنه إذا كان الفراق أروح من الإمساك ، وقيل : معناه لا سبيل للنساء عليكم إن طلقتموهن من قبل المسيس ، والفرض بصداق ولا نفقة ، وقيل : لا جناح عليكم في تطليقهن قبل المسيس في أي وقت شئتم حائضا كانت المرأة أو طاهرا لأنه لا سنة ولا بدعة في طلاقهن قبل الدخول بها ، بخلاف المدخول بها ، فإنه لا يجوز تطليقها في حال الحيض ، { وَمَتِّعُوهُنَّ } ، أي : أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به ، والمتعة والمتاع : ما يُتبلَّغ به من الزاد ، { عَلَى الْمُوسِعِ } ، أي : على الغني ، { قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ } ، أي : الفقير ، { قَدَرُهُ } ، أي :","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"إمكانه وطاقته ( متاعا ) نُصب على المصدر ، أي : متعوهن ، { مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ } ، أي : بما أمركم الله به من غير ظلم ، { حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ } .","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"[237] وقوله تعالى : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } ، هذا في المطلقة بعد الفرض قبل المسيس ، فلها نصف المفروض وإن مات أحدهما قبل المسيس فلها كمال المهر المفروض ، والمراد بالمس المذكور في الآية : الجماع وقوله تعالى : ( وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) أي : سميتم لهن مهرا فنصف ما فرضتم ، أي : لها نصف المهر المسمّى ، { إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ } ، يعني : النساء ، أي : إلا أن تترك المرأة نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج ، قوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } ، اختلفوا فيه فذهب بعضهم : إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي ، معناه : أن لا تعفو المرأة بترك نصيبها الزوج إن كانت ثيبا من أهل العفو أو يعفو وليها ، فيترك نصيبها إن كانت المرأة بكرا ، أو غير جائزة العفو فيجوز عفو وليها ، وذهب بعضهم إلى أنه إنما يجوز عفو الولي إذا كانت المرأة بكرا ، فإن كانت ثيبا فلا يجوز عفو وليها ، وقال بعضهم : الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج وقالوا : لا يجوز لوليها ترك الشيء من الصداق بكرا","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"كانت أو ثيبا كما لا يجوز له ذلك قبل الطلاق بالاتفاق ، كما لا يجوز له أن يهب شيئا من مالها ، وقالوا : معنى الآية أن لا تعفو المرأة بترك نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج ، أو يعفو الزوج بترك نصيبه فيكون لها جميع الصداق ، فعلى هذا التأويل وجه الآية : الذي بيده عقدة النكاح نكاح نفسه في كل حال قبل الطلاق أو بعده ، { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } ، أي : والعفو أقرب للتقوى أي : إلى التقوى ، والخطاب للرجال والنساء جميعا ، لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا ، كانت الغلبة للمذكر ، معناه ، وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى { وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } ، أي : إفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها ، حثهما جميعا على الإحسان ، { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"[238] قوله تعالى : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى } ، أي : واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها ، وإتمام أركانها ، ثم خص من بينها الصلاة الوسطى بالمحافظة عليها دلالة على فضلها ، ووسطى تأنيث الأوسط ، ووسط الشيء : خيره وأعدله ، واختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم في الصلاة الوسطى فقال قوم : هي صلاة الفجر وذهب قوم إلى أنها صلاة الظهر وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر ، رواه جماعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال قبيصة بن ذؤيب : هي صلاة المغرب لأنها وسط ليس بأقلها ولا أكثرها ، وقال بعضهم : إنها صلاة العشاء ، وقال بعضهم : هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها أبهمها الله تعالى تحريضا للعباد على المحافظة على أداء جميعها ، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة ، وأخفى الاسم الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها . قوله تعالى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } ، أي : مطيعين ، والقنوت : الطاعة ، وقيل : القنوت السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة وقال مجاهد : خاشعين ، وقال : من القنوت طول الركوع ، وغض البصر ، والركود وخفض","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"الجناح وقيل : المراد من القنوت طول القيام وقيل : قانتين أي : داعين وقيل : معناه مصليين .\r[239] قوله تعالى : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } ، معناه : إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف ، فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم ، وهذا في حال المقاتلة والمسايفة يصلي حيث كان وجهه ، راجلا أو راكبا مستقبل القبلة ، وغير مستقبلها ، ويومئ بالركوع والسجود ، ويجعل السجود أخفض من الركوع ، وكذلك إذا قصده سَبُع أو غشيه سيل يخاف منه على نفسه فعدا أمامه مصليا بالإيماء يجوز ، والصلاة في حال الخوف على أقسام ، فهذه أحد أقسام شدة صلاة الخوف { فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ } ، أي : فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها ، { كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } .","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"[240] قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ } : يا معشر الرجال ، { وَيَذَرُونَ } ، أي : يتركون { أَزْوَاجًا } ، أي : زوجات ، { وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ } ، قرأ أهل البصرة وَصِيَّةً بالنصب على معنى : فليوصوا وصية ، وقرأ الباقون بالرفع ، أي : كتب عليكم الوصية { مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ } ، متاعا نصب على المصدر ، أي : متعوهن متاعا ، وقيل : جعل الله ذلك لهن متاعا ، والمتاع : نفقة سنة لطعامها وكسوتها وسكنها وما تحتاج إليه ، { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } ، نصب على الحال وقيل : بنزع حرف على الصفة ، أي : من غير إخراج وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام حولا كاملا وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول ، وكانت نفقتها وسكنها واجبة في مال زوجها تلك السنة ما لم تخرج ، لم يكن لها الميراث ، فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها ، وكان على الرجل أن يوصي بها ، فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث ، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع والثمن ، ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشرا . قوله تعالى : { فَإِنْ خَرَجْنَ } ، يعني : من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة ، { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } يا","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"أولياء الميت ، { فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ } ، يعني : التزين للنكاح ، ولرفع الجناح عن الرجال وجهان ، أحدهما : لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول والآخر : لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج ، لأن مقامها في بيت زوجها حولا غير واجب عليها ، خيّرها الله تعالى بين أن تقيم حولا ولها النفقة والسكنى ، وبين أن تخرج فلا نفقة ولا سكنى ، إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشرا ، { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"[241] { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } ، إنما أعاد ذكر المتعة هاهنا لزيادة معنى وذلك أن في غيرها بيان حكم غير الممسوسة ، وفي هذه الآية بيان حكم جميع المطلقات في المتعة ، وقيل : إنه لما نزل قوله تعالى : { وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ } إلى قوله : { حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ } قال رجل من المسلمين : إن أحسنت فعلت وإن لم أر ذلك لم أفعل ، فقال الله تعالى : ( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ ) ، جعل المتعة لهن بلام التمليك ، وقال : ( حقا على المتقين ) يعني : المؤمنين المتقين الشرك .\r[242] { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"[243] قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } ( ألم تر ) أي : ألم تعلم بإعلامي إياك ، وهو من رؤية القلب ، وقال أهل المعاني : هو تعجيب يقول : هل رأيت مثلهم كما تقول ألم تر إلى ما يصنع فلان { وَهُمْ أُلُوفٌ } ، جمع ألف ، وقيل : مؤتلفة قلوبهم جمع أُلْف ، مثل قاعد وقعود ، والصحيح : أن المراد منه العدد ، { حَذَرَ الْمَوْتِ } ، أي : خوف الموت ، { فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا } ، أمر تحويل ، كقوله تعالى : { كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } ، { ثُمَّ أَحْيَاهُمْ } ، بعد موتهم { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ } ، قيل هو على العموم في حق الكافة ، وقيل على الخصوص في حق المؤمنين ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ } ، أما الكفار فلم يشكروا ، وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية الشكر .","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"[244] { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، أي : في طاعة الله أعداء الله { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، قال أكثر أهل التفسير : هذا خطاب للذين أحيوا ، أمروا بالقتال في سبيل الله فخرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا ، وقيل : الخطاب لهذه الأمة أمرهم بالجهاد .","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"[245] قوله تعالى : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } ، القرض : اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازَى عليه ، فسمّى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما عد لهم من الثواب قرضا ، لأنهم يعملونه لطلب ثوابه ، قال الكسائي : القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ ، وأصل القرض في اللغة : القطع ، سمي به القرض لأنه يقطع به من ماله شيئا يعطيه ليرجع إليه مثله ، وقيل في الآية اختصار مجازه : من ذا الذي يقرض عباد الله والمحتاجين من خلقه وقوله عز وجل : ( يقرض الله ) أي : ينفق في طاعة الله قرضا حسنا ، قال الحسين بن علي الواقدي ، يعني : محتسبا طيبة به نفسه . قال ابن المبارك : من مال حلال ، وقال لا يمن به ولا يؤذي { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } قال السدي : هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله - عز وجل - وقيل سبعمائة ضعف ، { وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } قيل : يقبض بإمساك الرزق والنفس والتقتير ، ويبسط بالتوسيع وقيل : يقبض بقبول التوبة والصدقة ، ويبسط بالخلف والثواب ، وقيل : هو الإحياء والإماتة فمن أماته فقد قبضه ومن مد له في عمره فقد بسط له ، وقيل هذا في القلوب لما أمرهم الله تعالى","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"بالصدقة أخبر أنهم لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه ، قال يقبض بعض القلوب فلا ينشط بالخير ويبسط بعضها فيقدم لنفسه خيرا { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، أي : إلى الله تعودون فيجزيكم بأعمالكم ، وقال قتادة ، الهاء راجعة إلى التراب كناية من غير مذكور أي : من التراب خلقهم واليه يعودون .","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"[246] قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، والملأ من القوم : وجوههم وأشرافهم ، وأصل الملأ : الجماعة من الناس ، ولا واحد له من لفظه ، كالقوم والرهط والإبل والخيل والجيش ، وجمعه أملاء ، { مِنْ بَعْدِ مُوسَى } ، أي : من بعد موت موسى ، { إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ } ، واختلفوا في ذلك النبي ، فقال قتادة : هو يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف عليه السلام ، وقال السدي : اسمه شمعون ، وقال سائر المفسرين هو أشمويل وهو بالعبرانية إسماعيل ، قال وهب بن منبه : بعث الله تعالى أشمويل نبيا فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال ، ثم كان من آمر جالوت والعمالقة ما كان ، فقالوا لأشمويل : { ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، جزم على جواب الأمر ، فلما قالوا له ذلك ، { قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ } ، استفهام شك ، يقول : لعلكم { إِنْ كُتِبَ } : فُرض { عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ } ، من ذلك الملك ، { أَلَّا تُقَاتِلُوا } ، أن لا تفوا بما تقولون ولا تقاتلوا معه ، { قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، قال الكسائي : معناه وما لنا في أن لا تقاتل ؛ فحذف في ،","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"وقال الفراء : أي : وما يمنعنا أن لا نقاتل في سبيل الله ، وقال الأخفش : أن هاهنا زائدة معناه : وما لنا لا نقاتل في سبيل الله ، { وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا } ، أي : أخرج من غلب عليهم من ديارهم ظاهر الكلام العموم وباطنه الخصوص ، لأن الذين قالوا لنبيهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله كانوا في ديارهم وأوطانهم ، وإنما أخرج من أسر منهم ، ومعنى الآية : أنهم قالوا مجيبين لنبيهم : إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا يظهر علينا عدونا ، فأما إذا بلغ ذلك منا فنطيع ربنا في الجهاد ، ونمنع نساءنا وأولادنا ، قال الله تعالى : { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا } : أعرضوا عن الجهاد وضيعوا أمر الله ، { إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } ، وهم الذين عبروا النهر مع طالوت واقتصروا على الغرفة ، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"[247] { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا } ، وذلك أن أشمويل سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا فكان كذلك ، ثم قال لبني إسرائيل : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ، { قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا } ، أي : من أين يكون له الملك علينا؟ { وَنَحْنُ أَحَقُّ } : أولى { بِالْمُلْكِ مِنْهُ } ؟ إنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان ، سبط النبوة وسبط المملكة ولم يكن طالوت من أحدهما ، إنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب فلما قال لهم نبيهم ذلك ، أنكروا عليه لأنه لم يكن من سبط المملكة ، ومع ذلك قالوا : هو فقير ، { وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ } : اختاره { عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً } : فضيلة وسعة { فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } ، وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل في وقته ، وقيل : إنه أتاه الوحي حين أوتي الملك ، وقال الكلبي : ( وَزَادَهُ بَسْطَةً ) فضيلة وسعة في العلم بالحرب ، وفي الجسم بالطول ، وقيل : الجسم بالجمال ، وكان طالوت أجمل رجل في بني إسرائيل وأعلمهم ، { وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ، قيل : الواسع ذو السعة وهو الذي يعطي عن غنى ، والعليم العالم ، وقيل : العالم بما كان ، والعليم بما يكون ، فقالوا له : فما آية ملكه فقال لهم نبيهم : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت .","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"[248] فذلك قوله تعالى : { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ } ، وكانت قصة التابوت أن الله تعالى أنزل تابوتا على آدم فيه صورة الأنبياء عليهم السلام فكان عند آدم إلى أن مات ثم تداولته أنبياء بني إسرائيل ، وكان فيه ما ذكر الله تعالى : { فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } ، اختلفوا في السكينة ما هي؟ فقيل هي ريح خجوج هفافة وقيل : شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة فكانوا إذا سمعوا صوته تيقنوا بالنصرة وقيل : هي طشت من ذهب من الجنة وقيل : هي روح من الله يتكلم إذا اختلفوا في شيء يخبرهم ببيان ما يريدون وقيل : هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها ، وقيل : طمأنينة من ربكم ، ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا ، { وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ } ، يعني : موسى وهارون نفسهما ، كان فيه لوحان من التوراة ورضاض الألواح التي تكسرت ، وكان فيه عصا موسى ونعلاه ، وعمامة هارون وعصاه ، وقفير من المنّ الذي كان ينزل على بني إسرائيل ، فكان التابوت عند بني إسرائيل وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم ، وإذا حضروا القتال قدّموه بين أيديهم","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"فيستفتحون به على عدوهم ، فلما عصوا وأفسدوا سلّط الله عليهم العمالقة فغلبهم على التابوت ، { تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ } ، أي : تسوقه ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت ، وقال الحسن : كان التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة ووضعته بينهم ، وقال قتادة : بل كان التابوت في التيه خلفه موسى فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت فأقروا بملكه ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً } : لعبرة ، { لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية ، وإنهما يخرجان قبل يوم القيامة .","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"[249] قوله تعالى : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ } , أي : خرج بهم ، وأصل الفصل : القطع ، يعني قطع مستقره شاخصا إلى غيره ، فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود وهم يومئذ سبعون ألف مقاتل ، وقيل : ثمانون ألفا وكان في حر شديد فشكوا قلة الماء بينهم وبين عدوهم ، فقالوا : إن المياه قليلة لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا ، { قَالَ } طالوت : { إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } : مختبركم ليرى طاعتكم وهو أعلم ، ( بِنَهَرٍ) قال ابن عباس والسدي : هو نهر فلسطين ، وقال قتادة : نهر بين الأردن وفلسطين عذب ، { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي } ، أي : من أهل ديني وطاعتي ، { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ } : لم يشربه { فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف ، والغرفة بالفتح : الاغتراف ، فالضم اسم والفتح مصدر ، { فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } لما وصلوا إلى النهر وقد ألقى الله عليهم العطش شرب منه الكل إلا القليل ، فمن اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه وصح إيمانه ، وعبر النهر سالما وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"وحمله ودوابه ، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم وغلبهم العطش ، فلم يحضر القتال إلا الذين لم يشربوا ، { فَلَمَّا جَاوَزَهُ } ، يعني : النهر { هُوَ } ، يعني : طالوت ، { وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } ، يعني : القليل ، { قَالُوا } ، يعني : الذين شربوا وخالفوا أمر الله وكانوا أهل شك ونفاق ، { لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } , قال ابن عباس - رضي الله عنهما - والسدي : فانحرفوا ولم يجاوزوا ، { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ } : يستيقنون { أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ } ، وهم الذين ثبتوا مع طالوت { كَمْ مِنْ فِئَةٍ } : جماعة ، وهي جمع لا واحد له من لفظه ، وجمعها فئات وفؤن ، في الرفع ، وفئين في الخفض والنصب ، { قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ } : بقضائه وقدره وإرادته ، { وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } : بالنصر والمعونة .","part":1,"page":337},{"id":338,"text":"[250] { وَلَمَّا بَرَزُوا } ، يعني : طالوت وجنوده ، يعني : المؤمنين ، { لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } المشركين ، ومعنى برزوا : صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر واستوى منها ، { قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا } : أنزل واصبب { صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا } : قو قلوبنا ، { وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }","part":1,"page":338},{"id":339,"text":"[251] { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ } ، أي : بعلم الله تعالى ، { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ } قال الكلبي والضحاك : ملك داود بعد قتل طالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود . فذلك قوله تعالى : { وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ } ، يعني : النبوة ، جمع الله لداود بين الملك والنبوة ، ولم يكن كذلك من قبل كان الملك في سبط والنبوة في سبط ، وقيل : الملك والحكمة هو : العلم مع العمل ، قوله تعالى : { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ } ، قال الكلبي وغيره : يعني صنعة الدروع ، وكان يصنعها ويبيعها وكان لا يأكل إلا من عمل يده ، وقيل : منطق الطير وكلام الجعل والنمل والذر وما أشبهها مما لا صوت لها ، وقيل : هو الزبور ، وقيل : هو الصوت الطيب والألحان { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } ، قال ابن عباس ومجاهد : ولولا دفع الله الناس بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين وخرّبوا المساجد والبلاد ، وقال سائر المفسرين : لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض بمن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر ، وبالصالح عن الفاجر .","part":1,"page":339},{"id":340,"text":"[252] { تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ }\r[253] { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ } ، أي : كلمه الله تعالى ، يعني : موسى عليه السلام ، { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } ، يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ، { وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ } ، أي : من بعد الرسل ، { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ } ، ثبت على إيمانه بفضل الله ، { وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ } ، بخذلانه ، { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا } ، أعاده تأكيدا ، { وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } ، يوفق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا .","part":1,"page":340},{"id":341,"text":"[254] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ } ، قال السدي : أراد به الزكاة المفروضة ، وقال غيره : أراد به صدقة التطوع والنفقة في الخير ، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ } ، أي : لا فداء فيه ، سمي بيعا لأن الفداء شراء نفسه ، { وَلَا خُلَّةٌ } ، ولا صداقة { وَلَا شَفَاعَةٌ } ، إلا بإذن الله { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ، لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها .","part":1,"page":341},{"id":342,"text":"[255] قوله عز وجل : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } الباقي الدائم على الا بد وهو من له الحياة ، والحياة صفة الله تعالى القيوم قال مجاهد : القيوم القائم على كل شيء ، قال الكلبي : القائم على كل نفس ، وقيل : هو القائم بالأمور ، وقال أبو عبيدة : الذي لا يزول { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } ، السنة النعاس ، وهو النوم الخفيف ، الوسنان بين النائم واليقظان ، يقال منه وسن يسن وسنا وسنة ، والنوم هو : الثقل المزيل للقوة والعقل نفى الله تعالى عن نفسه النوم لأنه آفة وهو منزه عن الآفات ، ولأنه تُغير ولا يجوز عليه التغير { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ، ملكا وخلقا ، { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } ، بأمره { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ، قال مجاهد وعطاء والسدي : ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة ، وقال الكلبي : ما بين أيديهم ، يعني : الآخرة لأنهم يقدمون عليها ، وما خلفهم من الدنيا لأنهم يخلّفونها وراء ظهورهم ، وقال ابن جريج : ما بين أيديهم : ما مضى أمامهم ، وما خلفهم : ما يكون بعدهم ،","part":1,"page":342},{"id":343,"text":"وقال مقاتل : ما بين أيديهم ما كان قبل الملائكة وما خلفهم ، أي : ما كان بعد خلقهم ، وقيل : ما بين أيديهم أي : ما قدموه من خير وشر ، وما خلفهم ما هم فاعلوه { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ } ، أي : من علم الله { إِلَّا بِمَا شَاءَ } ، أن يطلعهم عليه ، يعني : لا يحيطون بشيء من علم الغيب إلا بما شاء مما أخبر به الرسل ، كما قال الله تعالى : { فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا }{ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } ، ومعنى قوله : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } ، أي : سعته مثل سعة السماوات والأرض { وَلَا يَئُودُهُ } ، أي : لا يثقله ولا يشق عليه ، يقال : آدني الشيء أي أثقلني ، { حِفْظُهُمَا } , أي : حفظ السماوات والأرض ، { وَهُوَ الْعَلِيُّ } : الرفيع فوق خلقه ، والمتعالي عن الأشياء والأنداد ، وقيل : العلي بالملك والسلطنة ، { الْعَظِيمُ } : الكبير الذي لا شيء أعظم منه .","part":1,"page":343},{"id":344,"text":"[256] قوله تعالى : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } لما أجليت بنو النضير كان فيهم عدد من أولاد الأنصار فأرادت الأنصار استردادهم ، وقالوا : هم أبناؤنا وإخواننا ، فنزلت هذه الآية لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خيروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وان اختاروهم فأجلوهم معهم » (1) وقال مجاهد : كان ناس مسترضعين في اليهود من الأوس فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير ، قال الذين كانوا مسترضعين فيهم : لنذهبن معهم ولندينن بدينهم ، فمنعهم أهلوهم ، فنزلت الآية { قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } ، أي : الإيمان من الكفر والحق من الباطل ، { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ } ، يعني بالشيطان ، وقيل : كل ما عبد من دون الله تعالى فهو طاغوت ، وقيل : ما يُطغي الإنسان فاعول ، من الطغيان زيدت التاء فيه بدلا من لام الفعل كقولهم : حانوت وتابوت ، فالتاء فيها مبدل من هاء التأنيث ، { وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } ، أي : تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين ، والوثقى : تأنيث الأوثق ، وقيل : العروة الوثقى السبب الذي يوصل\r_________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير 5 / 409 ، والبيهقي في السنن 9 / 186 .","part":1,"page":344},{"id":345,"text":"إلى رضا الله تعالى ، { لَا انْفِصَامَ لَهَا } : لا انقطاع لها { وَاللَّهُ سَمِيعٌ } : لدعائك إياهم إلى الإسلام ، { عَلِيمٌ } : بحرصك على إيمانهم .\r[257] قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا } : ناصرهم ومعينهم ، وقيل : محبهم ، وقيل : متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره ، وقال الحسن : ولي هدايتهم ، { يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } ، أي : من الكفر إلى الإيمان ، قال الواقدي : كل ما في القرآن من الظلمات والنور فالمراد منه : الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام : { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } فالمراد منه : الليل والنهار ، سُمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه ، وسمي الإسلام نورا لوضوح طريقه ، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ } ، قال مقاتل : يعني : كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة ، { يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } ، يدعونهم من النور إلى الظلمات ، والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }","part":1,"page":345},{"id":346,"text":"[258] قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ } ، معناه : هل انتهى إليك يا محمد خبر الذي حاج إبراهيم ، أي خاصم وجادل ، وهو نمرود ، وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادعى الربوبية؟ { أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ } ، أي : لأن آتاه الله الملك فطغى أي : كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه واختلفوا في وقت هذه المناظرة ، قال مقاتل : لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه نمرود ، ثم أخرجه ليحرقه بالنار ، فقال له : من ربك الذي تدعونا إليه؟ فقال : ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) ، وقال آخرون : كان هذا بعد إلقائه في النار وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمرود ، وكان الناس يمتارون من عنده الطعام ، فكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام سأله من ربك؟ فإن قال أنت باع منه الطعام ، فأتاه إبراهيم فيمن أتاه ، فقال له نمرود : من ربك؟ قال : ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) فاشتغل بالمحاجة ولم يعطه شيئا قال الله تعالى : { إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ }{ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } ، وهذا جواب سؤال غير مذكور تقديره : قال له من ربك؟ قال إبراهيم : رَبِّيَ الَّذِي","part":1,"page":346},{"id":347,"text":"يُحْيِي وَيُمِيتُ ، { قَالَ } نمرود { أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ } قال أكثر المفسرين : دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل القتل إماتة ، وترك القتل إحياء ، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى ليعجزه ، فإن حجته كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت فكان له أن يقول فأحيي من أمت إن كنت صادقا ، فانتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى { قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ } ، أي : تحير ودهش وانقطعت حجته { وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }","part":1,"page":347},{"id":348,"text":"[259] قوله تعالى : { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ } ، وهذه الآية مسوقة على الآية الأولى ، تقديره : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ، وهل رأيت كالذي مر على قرية؟ وقيل : تقديره : هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه ، وهل رأيت كالذي مر على قرية؟ واختلفوا في ذلك المار ، فقال قتادة وعكرمة والضحاك : هو عزير بن شرخيا ، وقال وهب بن منبه : هو أرميا بن حلقيا ، وكان من سبط هارون وهو الخضر ، وقال مجاهد : هو كافر شك في البعث ، واختلفوا في تلك القرية فقال وهب وعكرمة وقتادة : هي بيت المقدس ، وقال الضحاك : هي الأرض المقدسة وقيل : هي الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ، وقيل : هي قرية العنب وهي على فرسخين من بيت المقدس ، { وَهِيَ خَاوِيَةٌ } : ساقطة ، يقال : خوي البيت بكسر الواو يخوي ، خوى مقصورا إذا سقط وخوى البيت بالفتح خواء ممدودا إذا خلا ، { عَلَى عُرُوشِهَا } : سقوفها ، واحدها عرش ، وقيل : كل بناء عرش ، ومعناه أن السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها ، { قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } , { فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } ، أي :","part":1,"page":348},{"id":349,"text":"أحياه ، { قَالَ كَمْ لَبِثْتَ } ، أي : كم مكثت؟ يقال : لما أحياه الله بعث إليه ملكا فسأله : كم لبثت { قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا } ، وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس ، فقال كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غربت ، ثم التفت فرأى بقية من الشمس ، فقال : { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } ، بل بعض يوم ، { قَالَ } له الملك : { بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ } ، يعني : التين ، { وَشَرَابِكَ } ، يعني العصير ، { لَمْ يَتَسَنَّهْ } ، أي : لم يتغير ، فكان التين كأنه قطف من ساعته ، والعصير كأنه عصر من ساعته ، قال الكسائي : كأنه لم تأت عليه السنون ، وإنما قال : ( لَمْ يَتَسَنَّهْ ) ولم يثنه مع أنه أخبر عن شيئين ردا للمتغير إلى أقرب اللفظين به ، وهو الشراب ، واكتفى بذكر أحد المذكورين ، لأنه في معنى الآخر ، { وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ } ، فنظر فإذا هو عظام بيض ، فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر ، { وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ } معناه : ولنجعلك آية : عبرة ودلالة على البعث بعد","part":1,"page":349},{"id":350,"text":"الموت ، قاله أكثر المفسرين ، وقال الضحاك وغيره : إنه عاد إلى قريته شابا وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز ، وهو أسود الرأس واللحية ، قوله تعالى : { وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا } ، قرأ أهل الحجاز والبصرة : (ننشرها) بالراء ، معناه : نحييها ، يقال : أنشر الله الميت إنشارا وأنشره نشورا ، قال الله تعالى : { ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ } ، وقال في اللازم { وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } ، وقال الآخرون بالزاي ، أي نرفعها من الأرض ونركب بعضها على بعض ، وإنشاز الشيء : رفعه وإزعاجه قال : أنشزته فنشز ، أي : رفعته فارتفع ، واختلفوا في معنى الآية ، فقال الأكثرون : أراد به عظام حماره { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } ، ثم كسي العظام لحما فصار حمارا وقال قوم : أراد به عظام هذا الرجل ، ذلك أن الله تعالى لم يمت حماره بل أماته هو : فأحيا الله عينيه ، ورأسه وسائر جسده ميت ، ثم قال : انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئة يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ، ونظر إلى الرمة في عنقه جديدة لم تتغير ، وتقدير الآية : وانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشزها { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ }","part":1,"page":350},{"id":351,"text":"ذلك عيانا ، { قَالَ أَعْلَمُ } ، قرأ حمزة والكسائي مجزوما موصولا على الأمر على معنى قال الله تعالى له : اعلم ، وقرأ الآخرون ( أعلم ) بقطع الألف ورفع الميم على الخبر عن عزيز أنه قال لما رأى ذلك : أعلم ، { أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }","part":1,"page":351},{"id":352,"text":"[260] قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى } لأعاين فأزداد يقينا فعاتبه الله تعالى ، { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى } يا رب علمت وآمنت ، { وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } ، أي : ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة ، أراد أن يصير له علم اليقين عين اليقين ، لأن الخبر ليس كالمعاينة { قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } ، قرأ أبو جعفر وحمزة ( فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ) بكسر الصاد ، أي : قطعهن ومزقهن ، يقال : صار يصير صيرا ، إذا قطع ، وانصار الشيء انصيارا إذا انقطع ، وقرأ الآخرون ( فَصُرْهُنَّ) بضم الصاد ، ومعناه : أملهن إليك ووجههن وقال عطاء معناه : اجمعهن واضممهن إليك { ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا } أراد بعض الجبال ، قال المفسرون : أمر الله إبراهيم أن يذبح تلك الطيور ، وينتف ريشها ويقطعها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض ، ففعل ثم أمره أن يجعل أجزاءها على الجبال ثم دعاهن فقال : تعالين بإذن الله فذلك قوله تعالى : { ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا } ، قيل : المراد بالسعي الإسراع والعدو","part":1,"page":352},{"id":353,"text":"، وقيل : المراد به المشي دون الطيران وقيل : السعي بمعنى : الطيران ، { وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }","part":1,"page":353},{"id":354,"text":"[261] قوله تعالى : { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، فيه إضمار تقديره : مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم ، { كَمَثَلِ } ، زارع { حَبَّةٍ } وأراد بسبيل الله : الجهاد ، وقيل : جميع أبواب الخير ، { أَنْبَتَتْ } : أخرجت ، { سَبْعَ سَنَابِلَ } ، جمع : سنبلة ، { فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ } , قيل : معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء ، وقيل : معناه يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء { وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ، غني يعطي عن سعة ، عَلِيمٌ بنية من ينفق ماله .","part":1,"page":354},{"id":355,"text":"[262] قوله تعالى : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } : أي : في طاعة الله { ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا } وهو أن يمن عليه بعطائه ، فيقول : أعطيتك كذا ، ويعد نعمه عليه فيكدرها عليه { وَلَا أَذًى } ، هو أن يعيره فيقول : إلى كم تسأل وكم تؤذيني؟ وقيل : من الأذى : وهو أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحبّ وقوفه عليه ، وقال سفيان : { مَنًّا وَلَا أَذًى } ، هو : أن يقول قد أعطيتك فما شكرت { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } ، أي : ثوابهم ، { عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .","part":1,"page":355},{"id":356,"text":"[263] { قَوْلٌ مَعْرُوفٌ } ، أي : كلام حسن ورد على السائل جميل ، وقيل ، عدة حسنة ، وقال الكلبي : دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب { وَمَغْفِرَةٌ } ، أي : تستر عليه خلته ولا تهتك عليه ستره ، وقال الكلبي والضحاك : يتجاوز عن ظالمه ، وقيل : يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه عند رده ، { خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ } يدفعها إليه ، { يَتْبَعُهَا أَذًى } ، أي : من وتعيير للسائل أو قول يؤذيه ، { وَاللَّهُ غَنِيٌّ } ، أي مستغن عن صدقة العباد { حَلِيمٌ } لا يُعجّل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بالصدقة .","part":1,"page":356},{"id":357,"text":"[264] ، قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ } ، أي : أجور صدقاتكم ، { بِالْمَنِّ } ، على السائل ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بالمن على الله تعالى ، { وَالْأَذَى } ، لصاحبها ثم ضرب لذلك مثلا فقال : { كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ } ، أي : كإبطال الذي ينفق ماله { رِئَاءَ النَّاسِ } ، أي : مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقولوا : إنه كريم سخي ، { وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } ، يريد أن الرياء يبطل الصدقة ، ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين ، وهذا للمنافقين لأن الكافر معلن بكفره غير مرائي ، { فَمَثَلُهُ } ، أي : مثل هذا المرائي ، { كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } ، وهو الحجر الأملس { عَلَيْهِ } ، أي على الصفوان ، { تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } ، وهو المطر الشديد العظيم القطر ، { فَتَرَكَهُ صَلْدًا } ، أي : أملس ، والصلد : الحجر الصلب الأملس الذي لا شيء عليه ، فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن بصدقته ويؤذي ، ويري الناس في الظاهر أن لهؤلاء أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان ، فإذا كان يوم القيامة بطل كله","part":1,"page":357},{"id":358,"text":"واضمحل لأنه لم يكن لله ، كما أذهب الوابل ما على الصفوان من التراب فتركه صلدا ، { لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا } ، أي : على ثواب شيء مما كسبوا وعملوا في الدنيا { وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }","part":1,"page":358},{"id":359,"text":"[265] وقوله تعالى : { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } ، أي : طلب رضا الله تعالى ، { وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ } ، قال قتادة : احتسابا ، وقال الشعبي والكلبي تصديقا من أنفسهم ، أي يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم على يقين بالثواب ، وتصديق بوعد الله ، ويعلمون أنّ ما أخرجوا خير لهم مما تركوا ، وقيل : على يقين بإخلاف الله عليهم { كَمَثَلِ جَنَّةٍ } ، أي : بستان ، { بِرَبْوَةٍ } هي المكان المرتفع المستوي الذي تجري فيه الأنهار فلا يعلوه الماء ولا يعلو عن الماء ، وإنما جعلها بربوة لأن النبات عليها أحسن وأزكى ، { أَصَابَهَا وَابِلٌ } مطر شديد كثير ، { فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } ، أي : أضعفت في الحمل ، قال عطاء : حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين ، وقال عكرمة : حملت في السنة مرتين ، { فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } ، أي : فطش وهو المطر الضعيف الخفيف ، ويكون دائما قال السدي : هو الندى ، وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المؤمن المخلص ، فيقول : كما أن هذه الجنة تربع في كل حال ولا تخلف سواء قل المطر أو كثر ، كذلك يضعف الله صدقة","part":1,"page":359},{"id":360,"text":"المؤمن المخلص الذي لا يمن ولا يؤذي سواء قلت نفقته أو كثرت ، وذلك أن الطل إذا كان يدوم يعمل عمل الوابل الشديد ، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }","part":1,"page":360},{"id":361,"text":"[266] { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ }{ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } ، يعني : أيحب أحدكم أن تكون له جنة أي : بستان ، من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار؟ { لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ } ، أولاد صغار ضعاف عجزة ، { فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ } ، وهو الريح العاصف التي ترتفع إلى السماء كأنها عمود وجمعه أعاصير ، { فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ } هذا مثل ضربه الله لعمل المنافق والمرائي ، يقول : عمله في حسنه كحسن الجنة ينتفع به كما ينتفع صاحب الجنة بالجنة ، فإذا كبر أو ضعف وصار له أولاد ضعاف أصاب جنته إعصار فيه نار فاحترقت ، فصار أحوج ما يكون إليها وضعف عن إصلاحها لكبره وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم ، ولم يجد هو ما يعود به على أولاده ولا أولاده ما يعودون به عليه ، فبقوا جميعا متحيرين عجزة لا حيلة بأيديهم ، كذلك يبطل الله عمل هذا المنافق والمرائي حين لا مغيث لهما ولا توبة ولا إقالة { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }","part":1,"page":361},{"id":362,"text":"[267] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ } : من خيار { مَا كَسَبْتُمْ } ، بالتجارة والصناعة وفيه دلالة على إباحة الكسب ، وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ } ، قيل : هذا أمر بإخراج العشور من الثمار والحبوب { وَلَا تَيَمَّمُوا } معناه : لا تقصدوا ، { الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } قال الحسن ومجاهد والضحاك : كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورزالة أموالهم ويعملون الجيد ناحية لأنفسهم ، فأنزل الله تعالى : { وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ } الرديء { مِنْهُ تُنْفِقُونَ }{ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ } ، يعني الخبيث ، { إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ } الإغماض : غض البصر ، وأراد هاهنا : التجويز والمساهلة ، معناه : لو كان لأحدكم على رجل حق فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض له عن حقه وتركه ، قال الحسن وقتادة : لو وجدتموه يباع في السوق ما أخذتموه بسعر الجيد ، وروي عن البراء قال : لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من صاحبه وغيظ ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ } عن صدقاتكم ، { حَمِيدٌ } ، محمود","part":1,"page":362},{"id":363,"text":"في أفعاله .\r[268] { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ } ، أي يخوفكم بالفقر ، والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد ، ومعنى الآية : أن الشيطان يخوفكم بالفقر ، ويقول للرجل : أمسك عليك مالك فإنك إذا تصدقت به افتقرت ، { وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ } ، أي : بالبخل ومنع الزكاة ، وقال الكلبي : كل الفحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا ، { وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ } ، أي : لذنوبكم ، { وَفَضْلًا } ، أي : رزقا وخلفا ، { وَاللَّهُ وَاسِعٌ } ، غني { عَلِيمٌ }","part":1,"page":363},{"id":364,"text":"[269] قوله تعالى : { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ } ، قال السدي : هي النبوة ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - وقتادة : علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله ، وقال الضحاك : القرآن والفهم فيه ، وروى ابن أبي نجيح عنه : الإصابة في القول والفعل ، وقال إبراهيم النخعي : معرفة معاني الأشياء وفهمها { وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ } حُكي عن الحسن قال : الورع في دين الله { فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } قال الحسن : من أعطي القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لم يوح إليه (1) . { وَمَا يَذَّكَّرُ } : يتعظ { إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ذوو العقول .\r[270] قوله تعالى : { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ } فيما فرض الله عليكم { أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ } ، أي : ما أوجبتموه أنتم على أنفسكم في طاعة الله فوفيتم به { فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ } يحفظه حتى يجازيكم { وَمَا لِلظَّالِمِينَ } الواضعين الصدقة في غير موضعها بالرياء ويتصدقون من الحرام { مِنْ أَنْصَارٍ } من أعوان أن يدفعون عذاب الله عنهم ، وهي جمع نصير ، مثل شريف أشراف .\r_________\r(1) روى الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه » ، الحديث .","part":1,"page":364},{"id":365,"text":"[271] قوله تعالى { إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ } ، أي : تظهروها { فَنِعِمَّا هِيَ } , أي : نعمت الخصلة هي { وَإِنْ تُخْفُوهَا } ، تسروها, { وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ } ، أي : تؤتوها الفقراء في السرّ { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } ، وأفضل وكل مقبول إذا كانت النية صادقة ، ولكن صدقة السر أفضل وقيل : الآية في صدقة التطوع ، أما الزكاة المفروضة فالإظهار فيها أفضل حتى يقتدي به الناس ، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل ، والنافلة في البيت أفضل ، وقيل : الآية في الزكاة المفروضة كان الإخفاء فيها خيرا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما في زماننا فالإظهار أفضل حتى لا يساء به الظن . قوله تعالى { وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ } أي : ويكفر الله وقوله : { مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ } قيل : { مِنْ } صلة ، تقديره : نكفر عنكم سيئاتكم ، وقيل : هو للتحقيق والتبعيض ، يعني : نكفر الصغائر من الذنوب { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .","part":1,"page":365},{"id":366,"text":"[272] { لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها { وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } , وأراد به هداية التوفيق { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ } ، أي : مال { فَلِأَنْفُسِكُمْ } ، أي : تنفقونه لأنفسكم { وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ } معناه نهي ، أي : لا تنفقوا إلا ابتعاء وجه الله { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ } ، شرط كالأول, ولذلك حذف النون منهم { يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } , أي يوفر لكم جزاؤه ، ومعناه : يؤدي إليكم ، ولذلك دخل فيه إلى, { وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } , لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا ، وهذا في صدقة التطوع أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة ، فأما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين .","part":1,"page":366},{"id":367,"text":"[273] قوله تعالى : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } اختلفوا في موضع هذه اللام ، قيل : هي مردودة على موضع اللام من قوله : { فَلِأَنْفُسِكُمْ } كأنه قال : وما تنفقوا من خير فللفقراء ، وإنما تنفقون لأنفسكم ، وقيل : معناها الصدقات التي سبق ذكرها ، وقيل : خبر محذوف تقديره : للفقراء الذين صفتهم كذا حق واجب وهم للفقراء المهاجرين ، كانوا نحوا من أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر ، وكانوا في المسجد يتعلمون القرآن ، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم أصحاب الصفة ، فحث الله تعالى عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى ، { الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، فيه أقاويل ، قال قتادة : هم هؤلاء حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله ، { لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ } ، لا يتفرغون للتجارة وطلب المعاش ، وهم أهل الصفة الذين ذكرناهم ، وقيل : حبسوا أنفسهم على طاعة الله ، وقيل : معناه حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله ، وقيل : هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد","part":1,"page":367},{"id":368,"text":"في سبيل الله فصاروا زَمْنَى أحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في سبيل الله للجهاد ، وقيل : من كثرة ما جاهدوا صارت الأرض كلها حربا لهم فلا يستطيعون ضربا في الأرض من كثرة أعدائهم ، { يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ } ، بحالهم ، { أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ } , أي : من تعففهم عن السؤال وقناعتهم يظن من لا يعرف حالهم أنهم أغنياء ، والتعفف التفعل من العفة وهي الترك ، يقال : عف عن الشيء إذا كف عنه ، وتعفف إذا تكلف في الإمساك , { تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ } , السيماء والسيمياء والسمة : العلامة التي يعرف بها الشيء ، واختلفوا في معناها هاهنا ، فقال مجاهد : هي التخشع والتواضع ، وقال السدي : أثر الجهد من الحاجة والفقر ، وقال الضحاك : صفرة ألوانهم من الجوع والضر ، وقيل : رثاثة ثيابهم ، { لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا } , قال عطاء : إذا كان عندهم غداء لا يسألون عشاء ، وإذا كان عندهم عشاء لا يسألون غداء ، وقيل : معناه : لا يسألون الناس إلحافا أصلا ، لأنه قال : { مِنَ التَّعَفُّفِ } والتعفف : ترك السؤال ، ولأنه قال { تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ } ، ولو كانت المسألة من شأنهم لما كانت إلى معرفتهم بالعلامة","part":1,"page":368},{"id":369,"text":"حاجة ، فمعنى الآية : ليس لهم سؤال فيقع فيه إلحاف ، والإلحاف : الإلحاح واللجاج { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ } , من مال { فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } , وعليه مجاز .\r[274] { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } : قال الأخفش : جعل جواب الخبر بالفاء ، لأن الذين بمعنى (من) وجوابها بالفاء في الخبر ، أو معنى الآية : من أنفق كذا فله أجره عند ربه ، { وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .","part":1,"page":369},{"id":370,"text":"[275] قوله تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا } ، أي : الذين يعاملون به ، وإنما خص الأكل لأنه معظم المقصود من المال { لَا يَقُومُونَ } , يعني يوم القيامة من قبورهم { إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ } , أي يصرعه { الشَّيْطَانُ } أصل الخبط : الضرب والوطء ، وهو ضرب على غير استواء ، يقال : ناقة خبوط للتي تطأ الناس وتضرب الأرض بقوائمه { مِنَ الْمَسِّ } , أي : الجنون ، يقال : مس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنونا ، ومعناه : أن آكل الربا يبعث يوم القيامة كمثل المصروع { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } ، أي : ذلك الذي نزل بهم لقولهم هذا واستحلالهم إياه وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه فطالبه فيقول الغريم لصاحب الحق : زدني في الأجل حتى أزيدك في المال ، فيفعلان ذلك ويقولون : سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند المحل لأجل التأخير ، فكذبهم الله تعالى وقال : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } ، واعلم أن الربا في اللغة : الزيادة ، والربا نوعان : ربا الفضل وربا النساء ، فإذا باع مال الربا بجنسه مثلا بمثل بأن","part":1,"page":370},{"id":371,"text":"باع أحد النقدين بجنسه ، أو باع مطعوما بجنسه ، كالحنطة بالحنطة ونحوها يثبت فيه كلا نوعي الربا ، حتى لا يجوز إلا متساويين في معيار الشرع ، فإن كان موزونا كالدراهم والدنانير فيشترط المساواة في الوزن ، وان كان مكيلا كالحنطة والشعير بيع بجنسه ، فيشترط المساواة في الكيل ويشترط التقابض في مجلس العقد ، وإذا باع مال الربا بغير جنسه نظر إن باع بما لا يوافقه في وصف الربا مثل : إن باع مطعوما بأحد النقدين فلا ربا فيه, كما لو باعه بغير مال الربا ، وإن باعه بما يوافقه في الوصف مثل : إن باع الدراهم بالدنانير أو باع الحنطة بالشعير أو باع مطعوما بمطعوم آخر من غير جنسه فلا يثبت فيه ربا الفضل حتى يجوز متفاضلا أو جزافا وثبت فيه ربا النسأ حتى يشترط التقابض في المجلس { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ } : تذكير وتخويف ، وإنما ذكر الفعل ردا إلى الوعظ ، { فَانْتَهَى } ، عن أكل الربا, { فَلَهُ مَا سَلَفَ } ، أي : ما مضى من ذنبه ، قبل النهي مغفور له, { وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } , بعد النهي إن شاء عصمه حيث يثبت على الانتهاء ، وإن شاء خذله حتى يعود ، وقيل : أمره إلى الله فيما يأمره وينهاه ويحل له ويحرم","part":1,"page":371},{"id":372,"text":"عليه, وليس إليه من أمر نفسه شئ { وَمَنْ عَادَ } بعد التحريم إلى أكل الربا مستحلا له, { فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }","part":1,"page":372},{"id":373,"text":"[276] قوله تعالى : { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا } ، أي ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته ، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : يمحق الله الربا . يعني : لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة, { وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } ، أي : يثمرها ويبارك فيها في الدنيا ويضاعف بها الأجر والثواب في العقبى ، { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ } ، بتحريم الربا ، { أَثِيمٍ } ، فاجر بأكله .\r[277] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .\r[278] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا }{ بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .","part":1,"page":373},{"id":374,"text":"[279] { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا } ، أي : إذا لم تذروا ما بقي من الربا, { فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } , قرأ حمزة وعاصم برواية أبي بكر (فآذِنوا) بالمد ، على وزن آمنوا ، أي : فأعلموا غيركم أنكم حرب لله ورسوله ، وأصله من الأذن ، أي : وقعوا في الأذان وقرأ الآخرون : { فَأْذَنُوا } مقصورا بفتح الذال ، أي : فاعلموا أنتم وأيقنوا بحرب من الله ورسوله { وَإِنْ تُبْتُمْ } , أي : تركتم استحلال الربا ورجعتم عنه { فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ } ، بطلب الزيادة { وَلَا تُظْلَمُونَ } ، بالنقصان عن رأس المال .\r[280] { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } ، يعني : وإن كان الذي عليه الدين مُعسرًا { فَنَظِرَةٌ } أمر في صيغة الخبر ، تقديره : فعليه نظرة, { إِلَى مَيْسَرَةٍ } قرأ نافع (ميسُرة) بضم السين ، وقرأ الآخرون بفتحها ، وقرأ مجاهد (مَيسُرة) بضم السين مضافا ، ومعناه : اليسار والسعة ، { وَأَنْ تَصَدَّقُوا } ، أي : تتركوا رؤوس أموالكم إلى المعسر ، { خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }","part":1,"page":374},{"id":375,"text":"[281] قوله تعالى : { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ } ، قرأ أهل البصرة بفتح التاء ، أي : تصيرون إلى الله ، وقرأ الآخرون بضم التاء وفتح الجيم ، أي : تردّون إلى الله تعالى ، { ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم .","part":1,"page":375},{"id":376,"text":"[282] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : لمّا حرم الله الربا أباح السَّلم ، وقال أشهد أن السَّلم المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله تعالى في كتابه وأذن فيه ، ثم قرأ هذه الآية .","part":1,"page":376},{"id":377,"text":"قوله : { إِذَا تَدَايَنْتُمْ } أي : تعاملتم بالدين ، يقال : داينته إذا عاملته بالدين { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } ، الأجل مدة معلومة الأول والآخر ، والأجل يلزم في الثمن والمبيع في السَّلم حتى لا يكون لصاحب الحق الطلب قبل محله ، وفي القرض لا يلزم الأجل عند أكثر أهل العلم ، { فَاكْتُبُوهُ } أي : اكتبوا الذي تداينتم به بيعا كان أو سلما أو قرضا ، واختلفوا في هذه الكتابة فقال بعضهم : هي واجبة ، والأكثرون على أنه أمر استحباب ، فإن ترك فلا بأس كقوله تعالى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } ، وقال بعضهم : كانت كتابة الدين ، والإشهاد والرهن فرضا ثم نسخ الكل بقوله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } وهو قول الشعبي ، ثم بين كيفية الكتابة فقال جل ذكره : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } ، أي : ليكتب كتاب الدين بين الطالب والمطلوب كاتب بالعدل ، أي : بالحق من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم أجل ولا تأخير ، { وَلَا يَأْبَ } ، أي لا يمتنع ، { كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ } ، واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمّل الشهادة","part":1,"page":377},{"id":378,"text":"على الشاهد ، فذهب قوم إلى وجوبها إذا طولب ، وهو قول مجاهد ، وقال الحسن : يجب إذا لم يكن كاتب غيره ، وقال قوم : هو على الندب والاستحباب ، وقال الضحاك : كانت غريمة واجبة على الكاتب والشاهد ، فنسخها قوله تعالى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } ، { كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ } ، أي : كما شرعه الله وأمره ، { فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ } ، يعني : المطلوب يُقرّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه ، والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد جاء بهما القرآن ، فالإملال هنا, والإملاء قوله تعالى : { فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } ، { وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ } ، يعني المملي ، { وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا } وأي : ولا ينقص منه أي من الحق الذي عليه شيئا { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا } ، أي : جاهلا بالإملاء ، قاله مجاهد ، وقال الضحاك والسدي : طفلا صغيرا ، وقال الشافعي : السفيه المبذر : المفسد لما له أو في دينه ، قوله : { أَوْ ضَعِيفًا } ، أي : شيخا كبيرا ، وقيل : هو ضعيف العقل لعته أو جنون { أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ }","part":1,"page":378},{"id":379,"text":"لخرس أو عمى أو عجمة أو حبس أو غيبة لا يمكنه حصول الكتابة أو جهل بما له وعليه ، { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } : أي : قيّمه ، { بِالْعَدْلِ } ، أي : بالصدق والحق ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - ومقاتل : أراد بالولي صاحب الحق ، يعني إن عجز من عليه الحق من الإملال فيملل ولي الحق وصاحب الدين بالعدل لأنه أعلم بالحق { وَاسْتَشْهِدُوا } ، أي : وأشهدوا ، { شَهِيدَيْنِ } ، أي : شاهدين { مِنْ رِجَالِكُمْ } ، يعني : الأحرار المسلمين دون العبيد والصبيان ، وهو قول أكثر أهل العلم ، وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد ، { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ } ، أي : لم يكن الشاهدان رجلين ، { فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } ، أي : فليشهد رجل وامرأتان ، وأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال ، واختلفوا في غير الأموال ، واتفقوا على أن شهادة النساء غير جائزة في العقوبات . قوله تعالى : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ } ، يعني : من كان مرضيا في ديانته وأمانته ، وشرائط قبول الشهادة سبعة : الإسلام ، والحرية ، والعقل ، والبلوغ ، والعدالة ، والمروءة ، وانتفاء التهمة { أَنْ تَضِلَّ","part":1,"page":379},{"id":380,"text":"إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ } معنى الآية فرجل وامرأتان كي تذكر { إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } ، ومعنى تضل أي : تنسى ، يريد إذا نسيت إحداهما شهادتها فتذكرها الأخرى ، فتقول : ألسنا حضرنا مجلس كذا ، وسمعنا كذا ، (وذكر) و (واذكر) بمعنى واحد ، وهما متعديان ، من الذكر الذي هو ضد النسيان { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا } ، قيل أراد به ما دعوا لتحمل الشهادة ، سماهم شهداء على معنى أنهم يكونون شهداء ، وهو أمر إيجاب عند بعضهم ، وقال قوم : تجب الإجابة إذا لم يكن غيرهم ، فإن وجد غيرهم فهم مخيرون ، وهو قول الحسن ، وقال قوم : هو أمر ندب وهو مخير في جميع الأحوال وقال بعضهم : هذا في إقامة الشهادة وأدائها ، فمعنى الآية : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا لأداء الشهادة التي تحمّلوها قال الشعبي : الشاهد بالخيار ما لم يشهد { وَلَا تَسْأَمُوا } ، أي : ولا تملّوا { أَنْ تَكْتُبُوهُ } ، الهاء راجعة إلى الحق ، { صَغِيرًا } كان الحق ، { أَوْ كَبِيرًا } ، قليلا كان أو كثيرا ، { إِلَى أَجَلِهِ } ، إلى محل الحق ، { ذَلِكُمْ } ، أي : الكتاب ، { أَقْسَطُ } ، أعدل { عند الله } ، لأنه أمر به ، واتباع أمره أعدل من","part":1,"page":380},{"id":381,"text":"تركه ، { وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ } لأن الكتابة تذكر الشهود ، { وَأَدْنَى } وأحرى وأقرب إلى ، { أَلَّا تَرْتَابُوا } تشكوا في الشهادة { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } تقديره : إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم ، ومعنى الآية : إلا أن تكون تجارة حاضرة يدا بيد تديرونها بينكم ليس فيها أجل { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا } ، يعني : التجارة . { وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ } ، قال الضحاك : هو عزم من الله تعالى ، والإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره ونقده ونسئه وقال الآخرون : هو أمر ندب . قوله تعالى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } ، هذا نهي للغائب ، وأصله : يضارر ، فأدغمت إحدى الرائين في الأخرى ونصبت ، لحق التضعيف لالتقاء الساكنين ، واختلفوا فيه ، فمنهم من قال : أصله يضارر بكسر الراء الأولى ، وجعل الفعل للكاتب والشهيد ، معناه : لا يضارر الكاتب فيأبى أن يكتب ولا الشهيد فيأبى أن يشهد ، ولا يضار الكاتب فيزيد أو ينقص أو يحرف ما أملي عليه ولا الشهيد فيشهد بما لم يستشهد عليه ، وهذا قول طاوس والحسن وقتادة ، وقال قوم : أصله يضار","part":1,"page":381},{"id":382,"text":"بفتح الراء على الفعل المجهول ، وجعلوا الكاتب والشهيد مفعولين ، ومعناه : أن يدعو الرجل الكاتب أو الشاهد وهما على شغل مهم فيقولان نحن على شغل مهم فاطلب غيرنا ، فيقول الداعي إن الله أمركما أن تجيبا ويلح عليهما فيشغلهما عن حاجتهما فنهى عن ذلك ، وأمر بطلب غيرهما ، { وَإِنْ تَفْعَلُوا } ما نهيتكم عنه من الضرار ، { فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } ، أي : معصية وخروج عن الأمر ، { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .","part":1,"page":382},{"id":383,"text":"[283] ، { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } ، أي : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا الآن فارتهنوا ممن تداينونه رهونا لتكون وثيقة بأموالكم ، واتفقوا على أن الرهن لا يتم إلا بالقبض { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } ، يعني : فإن كان الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به { فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } ، أي : فليقضه على الأمانة ، { وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ } في أداء الحق ، ثم رجع إلى خطاب الشهود فقال : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ } ، إذا دعيتم إلى إقامتها ، نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه فقال : { وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } ، أي : فاجر قلبه ، قيل : ما وعد على شيء كإيعاده على كتمان الشهادة قال : { فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } وأراد به مسخ القلب نعوذ بالله من ذلك ، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من بيان الشهادة وكتمانها { عَلِيمٌ } .","part":1,"page":383},{"id":384,"text":"[284] ، { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ملكا وأهلها له عبيد وهو مالكهم ، { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ، اختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : هي خاصة ثم اختلفوا في وجه خصوصها ، فقال بعضهم : هي متصلة بالآية الأولى نزلت في كتمان الشهادة ، معناه : وإن تبدوا ما في أنفسكم أيها الشهود من كتمان الشهادة أو تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله ، وهو قول الشعبي وعكرمة ، وقال بعضهم : نزلت فيمن يتولى الكافرين من دون المؤمنين ، يعني : وإن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفار أو تسروه يحاسبكم به الله ، وذهب الأكثرون إلى أن الآية عامة ثم اختلفوا فيها فقال قوم : هي منسوخة بالآية التي بعدها وقال بعضهم : الآية غير منسوخة لأن النسخ لا يرد على الأخبار ، إنما يرد على الأمر والنهي ، وقوله : { يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } خبر لا يرد عليه النسخ ، تم اختلفوا في تأويلها فقال قوم : قد أثبت الله تعالى للقلب كسبا فقال : { بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } فليس لله","part":1,"page":384},{"id":385,"text":"عبدا أسرّ عملا أو أعلنه من حركة من جوارحه أو همّة في قلبه إلا يخبره الله به ويحاسبه عليه ، ثم يغفر ما يشاء ويعذب بما يشاء . وقال الآخرون : معنى الآية ، إن الله - عز وجل - يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم أو أخفوه ويعاقبهم عليه ، غير أن معاقبته على ما أخفوه مما لم يعملوه بما يحدث لهم في الدنيا من النوائب والمصائب ، والأمور التي يحزنون عليها وقال بعضهم : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ } ، يعني : ما في قلوبكم مما عزمتم عليه أو تخفوه يحاسبكم به الله ، ولا تبدوه وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله فأمّا ما حدثت به أنفسكم مما لم تعزموا فإن ذلك مما لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها ولا يؤاخذكم به وقيل : معنى المحاسبة: الإخبار والتعريف ، ومعنى الآية : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ } فتعملوا به أو تخفوه مما أضمرتم ونويتم ، يحاسبكم به الله ويخبركم به ويعرفكم إياه ، ثم يغفر للمؤمنين إظهارا لفضله ، ويعذب الكافرين إظهارا لعدله قوله تعالى : { فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } فيغفر لمن يشاء الذنب العظيم ، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون {","part":1,"page":385},{"id":386,"text":"وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r[285] قوله تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ } ، أي : صدق { بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ } ، يعني : كل واحد منهم ، ولذلك وحد الفعل ، { وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى ، وفيه إضمار تقديره : يقولون لا نفرق ، وقرأ يعقوب : لا يفرق ، بالياء فيكون خبرا عن الرسول ، أو معناه : لا يفرق الكل ، وإنما قال : { بَيْنَ أَحَدٍ } ، ولم يقل بين آحاد ، لأن الأحد يكون للواحد والجمع ، قال الله تعالى : { فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } ، { وَقَالُوا سَمِعْنَا } ، قولك { وَأَطَعْنَا } أمرك ، روي عن حكيم عن جابر - رضى الله عنهما - أن جبريل - عليه السلام - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين نزلت هذه الآية : إن الله قد أثنى عليك وعلى أمتك ، فسل تعطه ، فسأل بتلقين الله تعالى فقال : { غُفْرَانَكَ } ، وهو نصب على المصدر ، أي : اغفر غفرانك ، أو على المفعول به ، أي : نسألك غفرانك { رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } .","part":1,"page":386},{"id":387,"text":"[286] ، { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } ظاهر الآية قضاء لحاجة ، وفيها إضمار السؤال كأنه قال : وقالوا لا تكلفنا إلا وسعنا ، وأجاب : أي : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أي : طاقتها ، والوسع : اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ، واختلفوا في تأويله ، فذهب ابن عباس - رضي الله عنه - وعطاء وأكثر المفسرين إلى أنه أراد به حديث النفس الذي ذكر في قوله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } كما ذكرنا ، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : هم المؤمنون خاصة وسَّع عليهم أمر دينهم ولم يكلفهم فيه إلا ما يستطيعون ، كما قال الله تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } ، وقال الله تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ، وسئل سفيان بن عيينة عن قوله عزّ وجلّ : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } قال إلا يسرها ولم يكلفها فوق طاقتها ، وهذا قوله حسن ، لأن الوسع ، ما دون الطاقة . قوله تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ } ، أي : للنفس ما عملت من الخير لها أجره وثوابه { وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } من","part":1,"page":387},{"id":388,"text":"الشر وعليها وزره { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا } ، أي : لا تعاقبنا { إِنْ نَسِينَا } ، جعله بعضهم من النسيان الذي هو السهو ، أمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك ، وقيل : هو من النسيان الذي هو الترك كقوله تعالي : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } ، قوله تعالى : { أَوْ أَخْطَأْنَا } قيل : معناه القصد والعمد ، يقال : أخطأ فلان إذا تعمد ، قال الله تعالى : { إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } قال عطاء : إن نسينا أو أخطأنا ، يعني : إن جهلنا أو تعمدنا ، وجعله الأكثرون : من الخطأ الذي هو الجهل والسهو ، لأن ما كان عمدا من الذنب فغير معفو عنه بل هو في مشيئة الله ، والخطأ معفو عنه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » (1) \" . قوله تعالى : { رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } ، أي : عهدا ثقيلا وميثاقا ولا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقضه وتركه ، { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } ، يعني : اليهود ، فلم يقوموا به فعذبتهم ، وقيل معناه : لا تُشدّد ولا تُغلظ الأمر علينا كما شددت على من قبلنا من اليهود ، وذلك أن الله فرض عليهم\r_________\r(1) وفي رواية لابن ماجه بلفظ . «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان » ، الحديث / كتاب الطلاق / 16 / انظر إرواء الغليل (1 / 123) .","part":1,"page":388},{"id":389,"text":"خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم من الزكاة ، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها ، ومن أصاب ذنبا أصبح ذنبه مكتوبا على بابه ، ونحوها من الأثقال والأغلال يدل عليه قوله تعالى : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } ، وقيل : الإصر ذنب لا توبة له ، معناه : اعصمنا من مثله ، والأصل فيه العقل والإحكام .","part":1,"page":389},{"id":390,"text":"قوله تعالى : { رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } ، أي : لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيقه ، وقيل : هو حديث النفس والوسوسة ، حكي عن مكحول أنه قال : هو الغلمة ، قيل : الغلمة : شدة الشهوة ، وعن إبراهيم قال : هو الحب ، وعن محمد بن عبد الوهاب قال : العشق ، وقال ابن جريج : وهو مسخ القردة والخنازير ، وقيل : هو شماتة الأعداء ، وقيل : هو الفرقة والقطيعة نعوذ بالله منها ، قوله تعالى : { وَاعْفُ عَنَّا } ، أي : تجاوز وامح عنا ذنوبنا ، { وَاغْفِرْ لَنَا } ، أي : استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا ، { وَارْحَمْنَا } فإننا لا ننال العمل إلا بطاعتك ، ولا نترك معصيتك إلا برحمتك ، { أَنْتَ مَوْلَانَا } ناصرنا وحافظنا وولينا ، { فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } .","part":1,"page":390},{"id":391,"text":"(3) سورة آل عمران\r[1, 2] قوله تعالى : { الم }{ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } . قوله تعالى : { اللَّهُ } ابتداء وما بعده خبره ، و { الْحَيُّ الْقَيُّومُ } نعت له .\r[3] { نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ } ، أي : القرآن ، { بِالْحَقِّ } ، بالصدق ، { مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، لما قبله من الكتب في التوحيد والنبوة والأخبار وبعض الشرائع ، { وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ } .\r[4] { مِنْ قَبْلُ } ، وإنما قال : { وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ } لأن التوراة والإنجيل أنزلا جملة واحدة ، وقال في القرآن { نَزَّلَ } لأنه نزل مفصلا ، والتنزيل : للتكثير ، { هُدًى لِلنَّاسِ } ، هاديا لمن تبعه ، ولم يثنّه لأنه مصدر ، { وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ } المفرق بين الحق والباطل { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } .\r[5] { إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ } .","part":1,"page":391},{"id":392,"text":"[6] { هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ } ، من الصور المختلفة ذكرا أو أنثى أبيض أو أسود حسنا أو قبيحا تاما أو ناقصا . { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، وهذا رد على وفد نجران من النصارى حيث قالوا عيسى ولد الله ، وكأنه يقول : كيف يكون ولدا وقد صوره الله تعالى في الرحم ؟","part":1,"page":392},{"id":393,"text":"[7] قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ } مبينات مفصلات سميت محكمات من الإحكام كأنه أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها ، { هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } ، أي : أصله الذي يعول عليه في الأحكام ، وإنما قال : { هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } ، ولم يقل : أمهات الكتاب لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة ، وكلام الله تعالى واحد ، وقيل معناه : كل آية منهن أم الكتاب ، كما قال : (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) ، أي : كل واحد منهما آية ، { وَأُخَرُ } ، جمع أخرى ، ولم يصرفه لأنه معدول عن الآخر مثل : عمر وزفر ، { مُتَشَابِهَاتٌ } ، فإن قيل : كيف فرق هاهنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل الله كل القرآن محكما في مواضع أخر فقال : { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } ، وجعل كله متشابها فقال : { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا } ؟ قيل : حيث جعل الكل محكما أراد أن الكل حق ليس فيه عبث ولا هزل ، وحيث جعل الكل متشابها أراد أن بعضه يشبه بعضا في الحق والصدق وفي الحسن ، وجعل هاهنا بعضه محكما وبعضه متشابها . واختلف العلماء","part":1,"page":393},{"id":394,"text":"فيهما فقال ابن عباس رضي الله عنهما : المحكمات هن الآيات الثلاث في سورة الأنعام : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } ، ونظيرها في بني إسرائيل : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } ، الآيات . وعنه أنه قال : المتشابهات حروف التهجي في أوائل السور . وقال مجاهد وعكرمة : المحكم ما فيه من الحلال والحرام ، وما سوى ذلك متشابه يشبه بعضه بعضا في الحق ويصدق بعضه بعضا ، وقال قتادة والضحاك والسدي : المحكم الناسخ الذي يُعمل به ، والمتشابه المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به . وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : محكمات القرآن : ناسخه ، وحلاله ، وحرامه ، وحدوده ، وفرائضه ، وما يؤمن به ، ويعمل به والمتشابهات : منسوخه ، ومقدِّمه ، ومؤخره ، وأمثاله ، وأقسامه ، وما يؤمن به ولا يعمل به . وقيل : المحكمات ما أوقف الله الخلق على معناه ، والمتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه ، ولا سبيل لأحد إلى علمه ، نحو الخبر عن أشراط الساعة ، وخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام ، وطلوع الشمس من مغربها ، وقيام الساعة ، وفناء الدنيا . قال أحمد بن جعفر بن الزبير : المحكم","part":1,"page":394},{"id":395,"text":"ما لا يحتمل من التأويل غير وجه واحد ، والمتشابه ما يحتمل أوجها . وقيل : المحكم ما يعرف معناه وتكون حجته واضحة ، ودلائله لائحة لا يُشتبه ، والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر ، ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل . وقال بعضهم : المحكم ما يستقل بنفسه في المعنى ، والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا بردّه إلى غيره . { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } ، أي : ميل عن الحق ، وقيل : شك ، { فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } ، واختلفوا في المعنى بهذه الآية ، قال الربيع : هم وفد نجران خاصموا النبي - صلى الله عليه وسلم - في عيسى عليه السلام ، وقالوا له : ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال : بلى ، قالوا : حسبنا ذلك ، فأنزل الله هذه الآية . وقال الكلبي : هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجه بحساب الجمل . وقال ابن جريج : هم المنافقون . وقال الحسن : هم الخوارج . وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } قال : إن لم يكونوا الحرورية","part":1,"page":395},{"id":396,"text":"والسبئية فلا أدري من هم؟ وقيل : هم جميع المبتدعة . قوله تعالى : { ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } : طلب الشرك ، قاله الربيع والسدي ، وقال مجاهد : ابتغاء الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم ، { وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } : تفسيره وعلمه ، دليله قوله تعالى : { سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } ، وقيل : ابتغاء عاقبته ، وطلب أجل هذه الأمة من حساب الجمل ، دليله قوله تعالى : { ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } , أي : عاقبة . قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } ، اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم الواو في قوله : { وَالرَّاسِخُونَ } واو العطف ، يعني : أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم : { يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } ، وهذا قول مجاهد والربيع ، وعلى هذا يكون قوله : { يَقُولُونَ } حالا معناه : والراسخون في العلم مع علمهم قائلين آمنا به ، وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله : { وَالرَّاسِخُونَ } واو الاستئناف وتم الكلام عند قوله : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، وقالوا","part":1,"page":396},{"id":397,"text":": لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ، ويجوز أن يكون في القرآن تأويل استأثر الله بعلمه ولم يُطلع عليه أحدا من خلقه ، كما استأثر بعلم الساعة ، ووقت طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدجال ، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ، ونحوها .","part":1,"page":397},{"id":398,"text":"والخلق متعبدون في المتشابه بالإيمان به ، وفي المحكم بالإيمان به والعمل ، ومما يصدق ذلك قراءة عبد الله إن تأويله إلا عند الله ، { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } ، وقال عمر بن عبد العزيز في هذه الآية : انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا : آمنا به كل من عند ربنا . وهذا القول أقيس في العربية وأشبه بظاهر الآية . قوله تعالى : { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } ، أي : الداخلون في العلم هم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شك ، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته ، يقال : رسخ الإيمان في قلب فلان ، يرسخ رسخا ورسوخا ، وقيل : الراسخون في العلم مؤمنوا أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ، دليله قوله تعالى : { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ } ، يعني : الدارسون علم التوراة والإنجيل ، وسئل مالك بن أنس - رضي الله عنه - عن الراسخين في العلم ، قال : العالم العامل بما علم المتبع لما علم . وقيل : الراسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء : التقوى بينه وبين الله ، والتواضع بينه وبين الخلق ، والزهد بينه وبين الدنيا ، والمجاهدة بينه","part":1,"page":398},{"id":399,"text":"وبين نفسه . وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - ومجاهد والسدي : بقولهم آمنا به سمّاهم الله تعالى راسخين في العلم ، فرسوخهم في العلم قولهم آمنا به ، أي : بالمتشابه ، { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } : المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ ، وما علمنا وما لم نعلم ، { وَمَا يَذَّكَّرُ } : ما يتعظ بما في القرآن { إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، ذوو العقول .\r[8] ، قوله تعالى : { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا } ، أي : ويقول الراسخون ربنا لا تزغ قلوبنا ، أي : لا تملها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ ، { بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } ، وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك ، { وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ } : أعطنا من عندك ، { رَحْمَةً } ، توثيقا وتثبيتا للذي نحن عليه من الإيمان والهدى . وقال الضحاك : تجاوزا ومغفرة ، { إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } .","part":1,"page":399},{"id":400,"text":"[9] قوله تعالى : { رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ } : أي : لانقضاء يوم ، وقيل : اللام بمعنى : في يوم ، { لَا رَيْبَ فِيهِ } ، أي : لا شك فيه ، وهو يوم القيامة ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } ، وهو مفعال ، من الوعد .\r[10] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ } : لن تنفع ولن تدفع ، { عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ } ، قال الكلبى : من عذاب الله ، وقال أبو عبيدة : من بمعنى عند ، أي : عند الله { شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ } .","part":1,"page":400},{"id":401,"text":"[11] { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وعكرمة ومجاهد : كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب . وقال عطاء والكسائي وأبو عبيدة : كسنة آل فرعون . وقال الأخفش : كأمر آل فرعون وشأنهم . وقال النضر بن شميل : كعادة آل فرعون ، يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسل وجحود الحق كعادة آل فرعون ، { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } : كفار الأمم الماضية مثل عاد وثمود وغيرهم ، { كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ } ، فعاقبهم الله ، { بِذُنُوبِهِمْ } وقيل : نظم الآية : إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول النقمة والعقوبة ، مثل آل فرعون وكفار الأمم الخالية ، أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا ، { وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .","part":1,"page":401},{"id":402,"text":"[12] قوله تعالى : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ } قرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما ، أي : أنهم يغلبون ويحشرون ، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما على الخطاب ، أي : قل لهم أنكم ستغلبون وتحشرون ، قال مقاتل . أراد مشركي مكة ، معناه : قل لكفار مكة ستغلبون يوم بدر ، وتحشرون إلى جهنم في الآخرة ، وقال بعضهم : المراد بهذه الآية اليهود { سَتُغْلَبُونَ } تهزمون في الدنيا في قتالكم محمدا { وَتُحْشَرُونَ } في الآخرة { إِلَى جَهَنَّمَ } ، { وَبِئْسَ الْمِهَادُ } ، أي : الفراش ، أي : بئس ما مهد لهم ، يعني : النار .","part":1,"page":402},{"id":403,"text":"[13] قوله تعالى : { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ } ، ولم يقل كانت ، والآية مؤنثة لأنه ردها إلى البيان ، أي : قد كان بيان ، فذهب إلى المعنى ، وقال الفراء : إنما ذكر لأنه حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث فذكر الفعل ، وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه ، فمعنى الآية : { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ } أي : عبرة ودلالة على صدق ما أقول إنكم ستغلبون ، { فِي فِئَتَيْنِ } : فرقتين ، وأصلها فيء الحرب ، لأن بعضهم يفيء إلى بعض ، { الْتَقَتَا } ، يوم بدر ، { فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، طاعة الله ، وهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار ، قوله تعالى : { وَأُخْرَى كَافِرَةٌ } ، أي : فرقة أخرى كافرة ، وهم مشركو مكة وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة ، يرأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وفيهم مائة فرس ، وكانت حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، { يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ } ، قرأ أهل المدينة ويعقوب بالتاء ، يعني : ترون يا معشر اليهود أهل مكة مثل عدد المسلمين ، وذلك أن","part":1,"page":403},{"id":404,"text":"جماعة من اليهود كانوا حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة فرأوا المشركين مثلي عدد المسلمين ورأوا النصر مع ذلك للمسلمين ، فكان ذلك معجزة وآية ، وقرأ الآخرون بالياء ، واختلفوا في وجهه ، فجعل بعضهم الرؤية للمسلمين ، ثم له تأويلان ، أحدهما : يرى المسلمون المشركين مثليهم كما هم ، فإن قيل : كيف قال { مِثْلَيْهِمْ } وهم كانوا ثلاثة أمثال؟ قيل : هذا مثل قول الرجل وعنده درهم : أنا أحتاج إلى مثلي هذا الدرهم ، يعني : إلى مثليه سواء ، فيكون ثلاثة دراهم . والتأويل الثاني وهو الأصح : كان المسلمون يرون المشركين مثلي عدد أنفسهم قللهم الله تعالى في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين ، ثم قللهم الله في أعينهم في حالة أخرى ، حتى رأوهم مثل عدد أنفسهم ، ثم قللهم الله تعالى أيضا في أعينهم حتى رأوهم عددا يسيرا أقل من أنفسهم ، وقال بعضهم : الرؤية راجعة إلى المشركين ، يعني : يرى المشركون المسلمين مثليهم ، قللهم الله قبل القتال في أعين المشركين ليجترئ المشركون عليهم ، ولا ينصرفوا ، فلما أخذوا في القتال كثرهم في أعين المشركين ، ليجبنوا ، وقللهم في أعين المؤمنين ليجترؤوا ، فذلك قوله تعالى : (وإذا","part":1,"page":404},{"id":405,"text":"يريكموهم - إذ التقيتم- في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم) . قوله تعالى : { رَأْيَ الْعَيْنِ } ، أي : في رأي العين ، نصب بنزع حرف الصفة { وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، الذي ذكرت ، { لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ } ، لذوي العقول وقيل : لمن أبصر الجمعين .","part":1,"page":405},{"id":406,"text":"[14] قوله تعالى : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ } ، جمع شهوة ، وهي ما تدعو النفس إليه ، { مِنَ النِّسَاءِ } ، بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان ، { وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ } ، جمع قنطار ، واختلفوا فيه ، فقال الربيع بن أنس : القنطار المال الكثير بعضه على بعض ، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : القنطار ألف ومائتا أوقية ، لكل أوقية أربعون درهما . وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - والضحاك : ألف ومائتا مثقال ، وقال أبو نصرة : ملء مسك ثور ذهبا أو فضة . وسمي قنطارا من الإحكام ، يقال : قنطرت الشيء إذا أحكمته ، ومنه سميت القنطرة . قوله تعالى : { الْمُقَنْطَرَةِ } ، قال الضحاك : المحصنة المحكمة ، وقال قتادة : هي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض . وقال يمان : هي المدفونة . وقال السدي : هي المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير . وقال الفراء : المضعفة . فالقناطير ثلاثة ، والمقنطرة تسعة ، { مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ } ، قيل : سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى ، والفضة فضة لأنها تنفض ، أي : تتفرق ، { وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ } : الخيل جمع لا واحد له من لفظه ، واحدها فرس ، كالقوم والنساء","part":1,"page":406},{"id":407,"text":"ونحوهما ، و { الْمُسَوَّمَةِ } قال مجاهد : هي المطهمة الحسان ، وقال عكرمة : تسويمها حسنها ، وقال سعيد بن جبير : هي الراعية ، يقال : أسام الخيل وسومها ، وقال الحسن وأبو عبيدة : هي المعلمة من السيماء العلامة ، ثم منهم من قال : سيماها الشبه واللون ، وهو قول قتادة ، وقيل : الكي ، { وَالْأَنْعَامِ } ، جمع النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، جمع لا واحد له من لفظه ، { وَالْحَرْثِ } ، يعني : الزرع ، { ذَلِكَ } ، الذي ذكرت ، { مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، يشير إلى أنها متاع يفنى ، { وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } ، أي : المرجع ، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة .\r[15]قوله تعالى : { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ } ، أي : أخبركم { بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } .","part":1,"page":407},{"id":408,"text":"[16] ، { الَّذِينَ يَقُولُونَ } ، إن شئت جعلت محل { الَّذِينَ } خفضا ردا على قوله : { لِلَّذِينَ اتَّقَوْا } ، وإن شئت جعلته رفعا على الابتداء ، ويحتمل أن يكون نصبا تقديره : أعني الذين يقولون : { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا } ، صدقنا ، { فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } : استرها علينا وتجاوز عنا ، { وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } .\r[17] ، { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ } ، إن شئت نصبتها على المدح ، وإن شئت خفضتها على النعت ، يعني : الصابرين في أداء الأوامر ، وعن ارتكاب النهي ، وعن البأساء والضراء وحين البأس والصادقين في إيمانهم ، قال قتادة : هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية ، { وَالْقَانِتِينَ } : المطيعين المصلين ، { وَالْمُنْفِقِينَ } أموالهم في طاعة الله ، { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } ، قال مجاهد وقتادة والكلبي : يعني المصلين بالأسحار ، وعن زيد بن أسلم أنه قال : هم الذين يصلون الصبح في الجماعة ، وقيل : بالسحر لقربه من الصبح ، وقال الحسن : مدوا الصلاة إلى السحر ، ثم استغفروا .","part":1,"page":408},{"id":409,"text":"[18] قوله تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } ، قيل : نزلت هذه الآية في نصارى نجران . وقال الكلبي : قدم حبران من أحبار الشام على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أبصر المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يخرج في آخر الزمان ، فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة ، فقالا له : أنت محمد ؟ قال : نعم ، قالا له : وأنت أحمد ؟ قال : أنا محمد وأحمد ، قالا له : فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك ، فقال : نعم ، قالا : فأخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فأسلم الرجلان . قوله : { شَهِدَ اللَّهُ } أي بين الله ، لأن الشهادة تبيين ، وقال مجاهد : حكم الله ، وقيل : علم الله أنه لا إله إلا هو . وقوله : { وَالْمَلَائِكَةُ } ، أي : وشهدت الملائكة ، قيل : معنى شهادة الله : الإخبار والإعلام ، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار ، { وَأُولُو الْعِلْمِ } ، يعني : الأنبياء عليهم السلام ، وقال ابن كيسان : يعني المهاجرين والأنصار . وقال مقاتل : علماء مؤمني أهل الكتاب ، عبد الله بن سلام","part":1,"page":409},{"id":410,"text":"وأصحابه . قال السدي والكلبي : يعني جميع علماء المؤمنين . { قَائِمًا بِالْقِسْطِ } ، أي : بالعدل ، وقيل معنى قوله : { قَائِمًا بِالْقِسْطِ } أي : قائما بتدبير الخلق ، كما يقال : فلان قائم أمر فلان أي : مدبر له ومتعهد لأسبابه ، وفلان قائم بحق فلان أي : مجاز له ، فالله تعالى مدبر ورازق ومجاز بالأعمال ، { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .","part":1,"page":410},{"id":411,"text":"[19] { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } يعني : الدين المرضي الصحيح ، كما قال : { وَرَضِيتُ لَكُمُ }{ الْإِسْلَامَ دِينًا } ، وقال : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } ، وفتح الكسائي الألف من { إِنَّ الدِّينَ } ردا على أن الأولى ، تقديره : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، وشهد أن الدين عند الله الإسلام ، أو شهد الله أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو ، وكسر الباقون الألف على الابتداء ، والإسلام : هو الدخول في السِّلم ، وهو الانقياد والطاعة ، يقال : أسلم ، أي : دخل في السلم ، واستسلم ، قال قتادة في قوله تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } ، قال : شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله تعالى ، وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه ، فلا يقبل غيره ، ولا يجزي إلا به . قوله تعالى : { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } قال الكلبي : نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام ، أي : وما اختلف الذين أوتوا الكتاب في نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - { إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا","part":1,"page":411},{"id":412,"text":"جَاءَهُمُ الْعِلْمُ } ، يعني : بيان نعته في كتبهم ، وقال الربيع بن أنس : إن موسى عليه السلام لما حضره الموت دعا سبعين رجلا من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم التوراة واستخلف يوشع بن نون ، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم وهم الذين أوتوا الكتاب من أبناء أولئك السبعين ، حتى أهرقوا بينهم الدماء ، ووقع الشر والاختلاف وذلك من بعد ما جاءهم العلم ، يعني بيان ما في التوراة ، { بَغْيًا بَيْنَهُمْ } ، أي : طلبا للملك والرياسة فسلط الله عليهم الجبابرة ، وقال محمد بن جعفر بن الزبير : نزلت في نصارى نجران ومعناها : وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ، يعني : الإنجيل في أمر عيسى عليه السلام ، وفرقوا القول فيه ، إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الله واحد ، وأن عيسى عبده ورسوله ، بغيا بينهم أي : للمعاداة والمخالفة ، { وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .","part":1,"page":412},{"id":413,"text":"[20] قوله تعالى : { فَإِنْ حَاجُّوكَ } ، أي : خاصموك يا محمد في الدين ، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا : ألسنا ما سميتنا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية نسب ، والدين هو الإسلام ونحن عليه؟ فقال الله تعالى : { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ } ، أي : انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي ، وإنما خص الوجه لأنه أكرم الجوارح للإنسان ، وفيه بهاؤه فإذا خضع وجهه للشيء فقد خضع له جميع جوارحه . وقال الفراء : معناه أخلصت عملي لله ، { وَمَنِ اتَّبَعَنِ } ، أي : ومن اتبعني فأسلم كما أسلمت { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ } ، يعني : العرب { أَأَسْلَمْتُمْ } ، لفظه استفهام ومعناه أمر أي : وأسلموا ، كما قال : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } أي : انتهوا ، { فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا } فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية فقال أهل الكتاب : أسلمنا ، فقال لليهود : أتشهدون أن عزيرا عبده ورسوله؟ فقالوا : معاذ الله أن يكون عزير عليه السلام عبدا ، وقال للنصارى : أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله؟ قالوا : معاذ الله أن يكون عيسى عبدا ، فقال الله عز وجل","part":1,"page":413},{"id":414,"text":": { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ } ، أي : تبليغ الرسالة ، وليس عليك الهداية ، { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } ، عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن .","part":1,"page":414},{"id":415,"text":"[21] ، قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } ، يجحدون بآيات الله ، يعني : القرآن ، وهم اليهود والنصارى ، { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ }« عن أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - قال : قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال : رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ }» ، أخبرهم { بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ، وجيع .\r[22] { أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } ، وبطلان العمل في الدنيا أن لا يقبل ، وفي الآخرة أن لا يجازى عليه .","part":1,"page":415},{"id":416,"text":"[23] قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ } ، يعني : اليهود ، { يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ } ، اختلفوا في هذا الكتاب ، فقال قتادة : هم اليهود دعوا إلى حكم القرآن فأعرضوا عنه ، وقال الآخرون : هو التوراة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لنعيم والحارث : هلموا هلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم ، فأبيا عليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } .\r[24] { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ } ، والغرور : هو الإطماع فيما لا يحصل منه شيء ، { مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ، والافتراء : اختلاق الكذب .","part":1,"page":416},{"id":417,"text":"[25] قوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ } ، أي : فكيف حالهم أو كيف يصنعون إذا جمعناهم ، { لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ } ، وهو يوم القيامة { وَوُفِّيَتْ } ، وفرت { كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ } ، أي : جزاء ما كسبت من خير أو شر { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } ، أي : لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم .","part":1,"page":417},{"id":418,"text":"[26] قوله تعالى : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ }{ قُلِ اللَّهُمَّ } قيل : معناه يا الله ، فلما حذف حرف النداء زيد الميم في آخره ، وقال قوم : للميم فيه معنى ، ومعناها اللهم أمنا بخير ، أي : أقصدنا ، حذف منه حرف النداء ، كقولهم : هلم إلينا ، كان أصله هل أم إلينا ، ثم كثرت في الكلام فحذفت الهمزة استخفافا وربما خففوا أيضا فقالوا لا هم ، قوله : { مَالِكَ الْمُلْكِ } ، يعني : يا مالك الملك ، أي : مالك العباد وما ملكوا ، وقيل : يا ملك السماوات والأرض ، { تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ } ، قال مجاهد وسعيد بن جبير : يعني ملك النبوة ، وقال الكلبي : تؤتي الملك من تشاء محمدا وأصحابه ، { وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } ، أبي جهل وصناديد قريش ، وقيل : تؤتي الملك من تشاء : العرب ، وتنزع الملك ممن تشاء : فارس والروم ، وقال السدي : تؤتي الملك من تشاء ، أتى الله الأنبياء عليهم السلام الملك وأمر العباد بطاعتهم ، وتنزع الملك ممن تشاء ، نزعه من الجبارين ، وأمر العباد بخلافهم ، وقيل : تؤتي الملك من تشاء : آدم وولده ، وتنزع الملك ممن تشاء : إبليس وجنوده ، وقوله تعالى : { وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ","part":1,"page":418},{"id":419,"text":"وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ } ، قال عطاء : تعز من تشاء : المهاجرين والأنصار ، وتذل من تشاء : فارس والروم ، وقيل : تعز من تشاء : محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها ، وتذل من تشاء أبا جهل وأصحابه ، حتى جزت رؤوسهم وألقوا في القليب ، وقيل : تعز من تشاء : بالإيمان والهداية . وتذل من تشاء : بالكفر والضلالة ، وقيل : تعز من تشاء بالطاعة ، وتذل من تشاء بالمعصية ، وقيل تعز من تشاء بالنصر, وتذل من تشاء بالقهر ، وقيل : تعز من تشاء بالغنى ، وتذل من تشاء بالفقر ، وقيل : تعز من تشاء بالقناعة والرضى ، وتذل من تشاء بالحرص والطمع ، { بِيَدِكَ الْخَيْرُ } ، أي : بيدك الخير والشر فاكتفى بذكر أحدهما ، { إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":1,"page":419},{"id":420,"text":"[27] قوله تعالى : { تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ } ، أي تدخل الليل في النهار ، حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة ، والليل تسع ساعات ، { وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } ، حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة ، والنهار تسع ساعات ، فما نقص من أحدهما زاد في الآخر ، { وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } ، قال ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة : معنى الآية يخرج الحيوان من النطفة وهي ميتة ، ويخرج النطفة من الحيوان ، وقال عكرمة والكلبي : تخرج الحي من الميت ، أي : الفرخ من البيضة ، وتخرج البيض من الطير ، وقال الحسن وعطاء : يخرج المؤمن من الكافر ، ويخرج الكافر من المؤمن ، وقال الزجاج : يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس ، ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي ، { وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، من غير تضييق ولا تقتير .","part":1,"page":420},{"id":421,"text":"[28] قوله عز وجل : { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنه : كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد يبطنون بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم ، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم ، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة ، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في المنافقين : عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله هذه الآية ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم ، قوله تعالى : { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } ، أي : موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين ، { فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ } ، أي ليس من دين الله في شيء ، ثم استثنى فقال : { إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } ، يعني : إلا أن تخافوا","part":1,"page":421},{"id":422,"text":"منهم مخافة ، ومعنى الآية : إن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم ، إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان ، وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما أو يظهر الكفار على عورة المسلمين ، والتقية لا تكودن إلا مع خوف القتل وسلامة النية ، قال الله تعالى : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } ، ثم هذا رخصة ، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم { وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ } على موالاة الكفار وارتكاب المنهي ومخالفة المأمور ، { وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } .","part":1,"page":422},{"id":423,"text":"[29] { قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ } ، قلوبكم من مودة الكفار ، { أَوْ تُبْدُوهُ } من موالاتهم ، قولا وفعلا ، { يَعْلَمْهُ اللَّهُ } ، قال الكلبي : إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التكذيب ، أو تظهروه بحربه وقتاله ، يعلمه الله ويحفظه عليكم حتى يجازيكم به ، ثم قال : { وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ، يعني : إذا كان لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض؟ فكيف يخفى عليه موالاتكم الكفار وميلكم إليهم بالقلب؟ { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":1,"page":423},{"id":424,"text":"[30] قوله تعالى : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ } ، نصب { يَوْمَ } بنزع حرف الصفة أي : في يوم ، وقيل : بإضمار فعل أي اذكروا واتقوا يوم تجد كل نفس ، { مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا } لم يبخس منه شيء كما قال الله تعالى : { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا }{ وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ } ، جعل بعضهم خيرا في موضع النصب ، أي تجد محضرا ما عملت من الخير والشر ، فتسر بما عملت من الخير ، وجعل بعضهم خيرا مستأنفا ، ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود رضي الله عنهما : (وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) قوله تعالى : { تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا } ، أي : بين النفس { وَبَيْنَهُ } ، يعني وبين السوء { أَمَدًا بَعِيدًا } قال السدي : مكانا بعيدا ، وقال مقاتل : كما بين المشرق والمغرب والأمد الأجل ، والغاية التي ينتهي إليها ، وقال الحسن : يسر أحدهم ألا يلقى عمله أبدا ، وقيل : يود أنه لم يعمله { وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } .","part":1,"page":424},{"id":425,"text":"[31] { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، حب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته ، وابتغاء مرضاته ، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم ، فذلك قوله تعالى : { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، قيل : لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي لأصحابه : إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم ، فنزل قوله تعالى :\r[32] { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا } : أعرضوا عن طاعتهما ، { فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى\" ، قالوا : ومن يأبى ؟ قال : \"من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى » (1) \" .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الاعتصام 13 / 249 ، والمصنف في شرح السنة 1 / 192 .","part":1,"page":425},{"id":426,"text":"[33] قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا } الآية ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : قالت اليهود نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ونحن على دينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، يعني : إن الله اصطفى هؤلاء بالإسلام ، وأنتم على غير دين الإسلام . اصطفى : اختار ، افتعل من الصفوة ، وهي الخالص من كل شيء ، آدم أبا البشر ونوحا ، { وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ } ، قيل : أراد بآل إبراهيم وآل عمران ، إبراهيم عليه السلام وعمران أنفسهما ، كقوله تعالى : { وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ } ، يعني : موسى وهارون ، وقال آخرون : آل إبراهيم : إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وكان محمد - صلى الله عليه وسلم - من آل إبراهيم عليه السلام ، وأما آل عمران فقد قال مقاتل : هو عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب عليه السلام ، وآله : موسى وهارون ، وقال الحسن ووهب : هو عمران بن أشهم بن عمون من ولد سليمان بن داود عليهما السلام ، وآله : مريم وعيسى ، وقيل : عمران بن ماثان ، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء والرسل كلهم من نسلهم ، { عَلَى الْعَالَمِينَ } .","part":1,"page":426},{"id":427,"text":"[34] { ذُرِّيَّةً } ، اشتقاقها من ذرا بمعنى خلق ، وقيل : من الذر لأنه استخرجهم من صلب آدم كالذر ، ويسمى الأولاد والآباء ذرية ، فالأولاد ذرية ، لأنه ذراهم ، والآباء ذرية لأنه ذرا الأبناء منهم ، قال الله تعالى : { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } ، أي : آباءهم ، { ذُرِّيَّةً } نصب على معنى : واصطفى ذرية { بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ } ، أي : بعضها من ولد بعض ، وقيل : بعضها من بعض في التناصر ، وقيل : بعضها على دين بعض ، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .","part":1,"page":427},{"id":428,"text":"[35] { إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ } ، وهي حنة بنت فاقوذا أم مريم ، وعمران : هو عمران بن ماثان ، وليس بعمران أبي موسى عليه السلام ، لأن بينهما ألفا وثمانمائة سنة ، وقيل كان بين إبراهيم وموسى عليهما السلام ألف سنة ، وبين موسى وعيسى عليهما السلام ألفا سنة ، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم ، وقيل : عمران بن أشهم ، قوله تعالى : { رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } , أي : جعلت لك الذي في بطني محررا نذرا مني لك ، { فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ، والنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه محررا ، أي : عتيقا خالصا لله مفرغا لعبادة الله ولخدمة الكنيسة ، لا أشغله بشيء من الدنيا ، وكل ما أخلص فهو محرر ، يقال : حررت العبد إذا أعتقته وخلصته من الرق .","part":1,"page":428},{"id":429,"text":"[36] { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } ، أي : ولدتها ، إذا هي جارية ، والهاء في قوله : { وَضَعَتْهَا } راجعة إلى النذيرة لا إلى (ما) ولذلك أنث ، { قَالَتْ } حنة وكانت ترجو أن يكون غلاما ، { رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى } اعتذارا إلى الله عز وجل ، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ، بجزم التاء إخبارا عن الله تعالى عز وجل ، { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى } في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها للينها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس, { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } ، وهي بلغتهم العابدة والخادمة ، وكانت مريم من أجمل النساء في وقتها وأفضلهن ، { وَإِنِّي أُعِيذُهَا } أمنعها وأجيرها ، { بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا } ، أولادها { مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } ، والشيطان الطريد اللعين والرجيم المرمى بالشهب .","part":1,"page":429},{"id":430,"text":"[37] قوله : { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } ، أي : قبل الله مريم من حنة ، مكان المحرر ، وتقبل بمعنى : قبل ورضي ، والقبول : مصدر قبل يقبل قبولا ، مثل الولوغ والوزوغ ، ولم يأت غير هذه الثلاثة ، وقيل معنى التقبل : التكفل في التربية والقيام بشأنها ، { وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } ، معناه : وأنبتها فنبتت نباتا حسنا ، { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } ، قال أهل الأخبار : أخذت حنة مريم حين ولدتها ، فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار أبناء هارون ، وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة ، فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت أمامهم وصاحب قربانهم ، فقال لهم زكريا : أنا أحقكم بها ، عندي خالتها وكان رأس الأحبار ونبيهم ، فذلك قوله تعالى : { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } ، قرأ حمزة وعاصم والكسائي (وكفَّلها) بتشديد الفاء ، فيكون زكريا في محل النصب أي : ضمنها الله وضمها إليه بالقرعة ، وقرأ الآخرون بتخفيف فيكون زكريا في محل الرفع ، أي : ضمها زكريا إلى نفسه وقام بأمرها ، وهو زكريا بن أذن بن مسلم بن صدوق من أولاد سليمان بن داود عليهما","part":1,"page":430},{"id":431,"text":"السلام ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم زكريا مقصورا ، والآخرون يمدونه ، فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتا واسترضع لها ، وقال محمد بن إسحاق ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء ، بنى لها محرابا في المسجد وجعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا بالسلم مثل باب الكعبة لا يصعد إليها غيره ، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم ، { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ } ، وأراد بالمحراب الغرفة ، والمحراب أشرف المجالس ومقدمها ، وكذلك هو من المسجد ، ويقال للمسجد أيضا محراب ، وقال المبرد : لا يكون المحراب إلا أن يُرتقى إليه بدرجة ، وقال الربيع بن أنس : كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب ، فإذا دخل عليها فتحها ، { وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا } ، أي : فاكهة في غير حينها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف ، { قَالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا } ، قال أبو عبيدة معناه : من أين لك هذا ، وأنكر بعضهم عليه وقال : معناه من أي جهة لك هذا لأن (أنى) للسؤال عن الجهة ، (وأين) للسؤال عن المكان ، { قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } ، أي : من قطف الجنة ،","part":1,"page":431},{"id":432,"text":"وقال أبو الحسن : إن مريم من حين ولدت لم تلقم ثديها قط بل كان يأتيها رزقها من الجنة ، فيقول لها زكريا أنى لك هذا؟ فتقول : { هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } ، تكلمت وهي صغيرة ، { إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، قال أهل الأخبار : فلما رأى ذلك زكريا قال : إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولدا في غير حينه على الكبر ، فطمع في الولد وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا ، وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد .","part":1,"page":432},{"id":433,"text":"[38] قال تعالى : { هُنَالِكَ } ، أي : عند ذلك . { دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } ، فدخل المحراب وغلق الأبواب وناجى ربه { قَالَ رَبِّ } ، أي : يا رب ، { هَبْ لِي } ، أعطني { مِنْ لَدُنْكَ } ، أي : من عندك ، { ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } ، أي : ولدا مباركا تقيا صالحا رضيا ، والذرية تكون واحدا أو جمعا ذكرا وأنثى ، وهو هاهنا واحد بدليل قوله عز وجل : { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا } ، وإنما قال : طيبة لتأنيث لفظ الذرية ، { إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ } ، أي : سامعه ، وقيل : مجيبه ، كقوله تعالى : { إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ } أي : فأجيبوني .","part":1,"page":433},{"id":434,"text":"[39] { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ } أراد بالملائكة هاهنا جبريل عليه السلام وحده ، كقوله تعالى في سورة النحل . { يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ } ، يعني جبريل بالروح والوحي ، ويجوز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع ، كقولهم . سمعت هذا الخبر من الناس وإنما سمع من واحد ، نظيره قوله تعالى : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ } ، يعني : نعيم بن مسعود ، { إِنَّ }{ النَّاسُ } ، يعني : أبا سفيان بن حرب ، وقال المفضل بن سلمة : إذا كان القائل رئيسا يجوز الإخبار عنه بالجمع ، لاجتماع أصحابه معه ، وكان جبريل - عليه السلام - رئيس الملائكة ، وقل ما يبعث إلا ومعه جمع ، فجرى على ذلك ، قوله تعالى : { وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ } ، أي : في المسجد ، وذلك أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان فيفتح باب المذبح ، فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول ، فبينما هو قائم يصلي في المحراب ، يعني : في المسجد عند المذبح يصلي والناس ينتظرون أن يأذن لهم في الدخول ، فإذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض تلمع ففزع منه ، فناداه وهو جبريل عليه السلام : يا زكريا { أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى } هو الاسم لا","part":1,"page":434},{"id":435,"text":"يجر لمعرفته ، وللزائد في أوله ، واختلفوا في أنه لم سمي يحيى ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : لأن الله أحيا به عقر أمه ، قال قتادة : لأن الله تعالى أحيا به قلبه بالإيمان ، وقيل : سمي يحيى لأنه أستشهد ، والشهداء أحياء ، وقيل : معناه يموت ، وقيل : لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية ، { مُصَدِّقًا } نصب على الحال ، { بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ } يعني : عيسى عليه السلام ، سمي عيسى كلمة الله ، لأن الله تعالى قال له كن من غير أب فكان ، فوقع عليه اسم الكلمة ، وقيل : سمي كلمة لأنه يهتدى به كما يهتدى بكلام الله تعالى ، وقيل : هي بشارة الله تعالى لمريم بعيسى عليه السلام ، بكلامه على لسان جبريل عليه السلام ، وقيل : لأن الله تعالى أخبر الأنبياء بكلامه في كتبه أنه يخلق نبيا بلا أب ، فسماه كلمة لحصوله بذلك الوعد ، وكان يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدقه ، وكان يحيى عليه السلام أكبر من عيسى بستة أشهر وكانا ابني خالة ، ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السلام ، وقال أبو عبيدة : بكلمة من الله ، أي : بكتاب من الله وآياته ، تقول العرب : أنشدني كلمة فلان ، أي : قصيدته :","part":1,"page":435},{"id":436,"text":"قوله تعالى : { وَسَيِّدًا } هو فعيل من ساد يسود ، وهو الرئيس الذي يتبع وينتهي إلى قوله ، قال المفضل : أراد سيدا في الدين ، قال الضحاك : السيد : الحسن الخلق ، قال سعيد بن جبير : السيد الذي يطيع ربه عز وجل ، وقال سعيد بن المسيب : السيد الفقيه العالم ، وقال قتادة : سيد في العلم والعبادة والورع ، وقيل : الحليم الذي لا يغضبه شيء ، قال مجاهد : الكريم على الله تعالى ، وقيل : السيد التقي قاله الضحاك ، قال سفيان الثوري : الذي لا يحسد ، وقيل : الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير ، وقيل : هو القانع بما قسم الله له ، وقيل : هو السخي ، قوله تعالى : { وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } ، والحصور : أصله من الحسر وهو الحبس ، والحصور في قول ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة رضي الله عنهم ، وعطاء والحسن الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن ، وهو على هذا القول : فعول بمعنى فاعل ، يعني : أنه يحصر نفسه عن الشهوات ، وقال سعيد بن المسيب ، هو العنين الذي لا ماء له فيكون الحصور بمعنى المحصور ، يعني : الممنوع من النساء ، قال سعيد بن المسيب : كان له مثل هدبة الثوب ، وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره ، وفيه","part":1,"page":436},{"id":437,"text":"قول آخر : أن الحصور الممتنع من الوطء مع القدرة عليه ، واختار قوم هذا القول لوجهين أحدهما لأن الكلام خرج مخرج الثناء ، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء ، والثاني أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء .\r[40] قوله تعالى : { قَالَ رَبِّ } ، أي : يا سيدي ، قال لجبريل عليه السلام ، هذا قول الكلبي وجماعة ، وقيل : قاله لله عز وجل : { أَنَّى يَكُونُ } ، يعني : أين يكون ، { لِي غُلَامٌ } ، أي : أين { وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ } ، هذا من المقلوب ، أي : وقد بلغت الكبر وشخت ، كما تقول : بلغني الجهد ، أي : أنا في الجهد ، وقيل معناه وقد نالني الكبر وأدركني وأضعفني ، قال الكلبي : كان زكريا يوم بشر بالولد ابن اثنتين وتسعين سنة ، وقيل : ابن تسع وتسعين سنة ، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان ابن عشرين ومائة سنة ، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة ، فذلك قوله تعالى : { وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ } ، أي : عقيم لا تلد ، ويقال : رجل عاقر وامرأة عاقر ، وقد عقر بضم القاف يعقر عقرا وعقارة ، { قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } .","part":1,"page":437},{"id":438,"text":"[41] قوله تعالى : { قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً } ، أي : علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكرا لك ، { قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ } ، أي : تكف عن الكلام ، { ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } ، وتقبل بكليتك على عبادتي لا أنه يحبس لسانه عن الكلام ، ولكنه نهي عن الكلام ، وهو صحيح سوي كما قال في سورة مريم { أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } يدل على قوله تعالى : { وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } ، فأمره بالذكر ونهاه عن كلام الناس ، وقال أكثر المفسرين : عقل لسانه عن الكلام مع الناس ثلاثة أيام ، وقال قتادة : أمسك لسانه عن الكلام عقوبة لسؤاله الآية ، بعد مشافهة الملائكة إياه ، فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام . وقوله : { إِلَّا رَمْزًا } أي : إشارة والإشارة قد تكون باللسان وبالعين واليد ، وكانت إشارته بالأصبع المسبحة ، قال الفراء : قد يكون الرمز باللسان من غير أن يبين ، وهو الصوت الخفي شبه الهمس ، وقال عطاء : أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا ، { وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } قيل :","part":1,"page":438},{"id":439,"text":"المراد بالتسبيح : الصلاة والعشي ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس ، ومنه سميت صلاة الظهر والعصر صلاتي العشي ، والإبكار ما بين صلاة الفجر إلى الضحى .\r[42] قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ } ، يعني : جبريل ، { يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ } ، اختارك { وَطَهَّرَكِ } ، قيل : من مسيس الرجال ، وقيل : من الحيض والنفاس ، قال السدي : كانت مريم لا تحيض ، وقيل : من الذنوب ، { وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ } ، قيل : على عالمي زمانها ، وقيل : على جميع نساء العالمين في أنها ولدت بلا أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء وقيل : بالتحرير في المسجد ولم تحرر أنثى .","part":1,"page":439},{"id":440,"text":"[43] قوله تعالى : { يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ } ، قالت لها الملائكة شفاها أي : أطيعي ربك وقال مجاهد : أطيلي القيام في الصلاة لربك ، والقنوت : الطاعة ، وقيل : القنوت طول القيام ، قال الأوزاعي : لما قالت لها الملائكة ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالت دما وقيحا { وَاسْجُدِي وَارْكَعِي } ، قيل : إنما قدم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم ، وقيل : بل كان الركوع قبل السجود في الشرائع كلها ، وليس الواو للترتيب بل للجمع ، { مَعَ الرَّاكِعِينَ } ، ولم يقل مع الراكعات ليكون أعم وأشمل ، فإنه يدخل فيه الرجال والنساء ، وقيل : معناه مع المصلين في الجماعة .","part":1,"page":440},{"id":441,"text":"[44] قوله تعالى : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } ، يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم : ذلك الذي ذكرت من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى ، على نبينا وعليهم السلام ، من أنباء الغيب ، أي : من أخبار الغيب نوحيه إليك رد الكناية إلى ذلك فلذلك ذكره ، { وَمَا كُنْتَ } ، يا محمد ، { لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ } سهامهم في الماء للاقتراع { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } ، يحضنها ويربيها ، { وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } ، في كفالتها .","part":1,"page":441},{"id":442,"text":"[45] قوله تعالى : { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ } ، إنما قال اسمه ، ورد الكناية إلى عيسى ، واختلفوا في أنه لم سمي مسيحا ، فمنهم من قال : هو فعيل بمعنى المفعول ، يعني : أنه مسح من الأقذار وطهر من الذنوب ، وقيل : إنه مسح بالبركة ، وقيل : لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن ، وقيل : مسحه جبريل بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل ، وقيل : لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له ، وسمي الدجال مسيحا لأنه كان ممسوح إحدى العينين ، وقال بعضهم هو فعيل بمعنى الفاعل ، مثل عليم وعالم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : سمي عيسى - عليه السلام - مسيحا لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ ، وقيل : سمي بذلك لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان ، وقال إبراهيم النخعي : المسيح الصديق ، ويكون المسيح بمعنى : الكذاب ، وبه سمي الدجال . والحرف من الأضداد ، { وَجِيهًا } ، أي شريفا رفيعا ذا جاه وقدر ، { فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } ، عند الله .","part":1,"page":442},{"id":443,"text":"[46] { وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ } صغيرا قبل أوان الكلام ، { وَكَهْلًا } ، قال مقاتل : يعني إذا اجتمعت قوته قبل أن يرفع إلى السماء ، وقال الحسين بن الفضل : وكهلا بعد نزوله من السماء ، وقيل : أخبرها أنه يبقى حتى يكتهل ، وكلامه بعد الكهولة إخبار عن الأشياء المعجزة ، وقيل : وكهلا نبيا بشرها بنبوة عيسى عليه السلام ، وكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة ، وقال مجاهد : وكهلا أي : حليما ، والعرب تمدح الكهولة ، لأنها الحالة الوسطى في احتناك السن واستحكام العقل وجودة الرأي والتجربة ، { وَمِنَ الصَّالِحِينَ } ، أي : هو من العباد الصالحين .\r[47] { قَالَتْ رَبِّ } يا سيدي ، تقوله لجبريل ، وقيل : تقول لله عز وجل ، { أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } ولم يصبني رجل ، قالت ذلك تعجبا إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد لا أب له ، { قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا } ، أراد كون الشيء ، { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ، كما يريد .","part":1,"page":443},{"id":444,"text":"[48] { وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ } ، أي : الكتابة والخط ، { وَالْحِكْمَةَ } ، العلم والفقه { وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ } علمه الله التوراة والإنجيل .","part":1,"page":444},{"id":445,"text":"[49] { وَرَسُولًا } ، أي : ونجعله رسولا { إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، قيل : كان رسولا في حال الصبا ، وقيل : إنما كان رسولا بعد البلوغ ، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى عليهما السلام ، فلما بعث قال : { أَنِّي } ، قال الكسائي إنما فتح لأنه أوقع الرسالة عليه ، وقيل : معناه بأني { قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } ، علامة ، { مِنْ رَبِّكُمْ } ، تصدق قولي ، وإنما قال بآية وقد أتى بآيات لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة ، فلما قال ذلك عيسى عليه السلام لبني إسرائيل قالوا : وما هي قال : { أَنِّي أَخْلُقُ } ، أي : أصور وأقدر ، { لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } ، قرأ أبو جعفر (كهيئة الطائر) ، هاهنا وفي المائدة ، والهيئة الصورة المهيأة من قولهم : هيأت الشيء إذا قدرته وأصلحته ، { فَأَنْفُخُ فِيهِ } ، أي : في الطير { فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ } ، قراءة الأكثرين بالجمع ، لأنه خلق طيرا كثيرا ، وقرأ أهل المدينة ويعقوب (فيكون طائرا) على الواحد هاهنا وفي سورة المائدة ، ذهبوا إلى نوع واحد من الطير ، لأنه لم يخلق غير الخفاش ، وإنما خص الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ؛","part":1,"page":445},{"id":446,"text":"لأن له ثديا وأسنانا ، وهي تحيض ، قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق ، وليعلم أن الكمال لله عز وجل ، قوله تعالى : { وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ } ، أي : أشفيهما وأصححهما ، واختلفوا في الأكمه ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وقتادة : هو الذي ولد أعمى ، وقال الحسن والسدي : هو الأعمى ، وقال عكرمة : هو الأعمش ، وقال مجاهد : هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ، والأبرص هو الذي به وضح ، وإنما خص هذين لأنهما داءان عياءان ، وكان الغالب في زمن عيسى - عليه السلام - الطب ، فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك ، قوله تعالى : { وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ } ، قال ابن عباس : قد أحيا أربعة أنفس عازر وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح ، فأما عازر فكان صديقا له فأرسلت أخته إلى عيسى - عليه السلام - أن أخاك عازر يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه وقد مات منذ ثلاثة أيام ، فقال لأخته : انطلقي بنا إلى قبره ، فانطلقت معهم إلى قبره ، فدعا الله تعالى فقام عازر ودكه يقطر فخرج من قبره وبقي وولد له ،","part":1,"page":446},{"id":447,"text":"وأما ابن العجوز فإنه مُرّ به ميتا على عيسى - عليه السلام - على سرير يحمل فدعا الله عيسى فجلس على سريره ، ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له ، وأما ابنة العاشر فكان والدها رجلا يأخذ العشور ، ماتت له بنت بالأمس ، فدعا الله - عز وجل - فأحياها ، وبقيت وولدت ، وأما سام بن نوح عليه السلام فإن عيسى - عليه السلام - جاء إلى قبره فدعا باسم الله الأعظم فخرج من قبره ، وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة ، ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان ، فقال قد قامت القيامة؟ قال : لا ولكن دعوتك باسم الله الأعظم ، ثم قال له : مت ، قال : بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت ، فدعا الله ففعل . قوله تعالى : { وَأُنَبِّئُكُمْ } ، أخبركم { بِمَا تَأْكُلُونَ } , مما لم أعاينه ، { وَمَا تَدَّخِرُونَ } ، ترفعونه ، { فِي بُيُوتِكُمْ } ، حتى تأكلوه ، وقيل : كان يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما يأكل اليوم وبما ادخره للعشاء . قوله تعالى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، الذي ذكرت ، { لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .","part":1,"page":447},{"id":448,"text":"[50] { وَمُصَدِّقًا } عطف على قوله { وَرَسُولًا }{ لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } ، من اللحوم والشحوم ، وقال أبو عبيدة : أراد بالبعض الكل ، يعني : كل الذي حرم عليكم ، وقد ذكر البعض ويراد به الكل ، قوله تعالى : { وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } ، يعني : ما ذكر من الآيات ، وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته ، { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } .\r[51] { إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } .","part":1,"page":448},{"id":449,"text":"[52] { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى } ، أي : وجد ، قاله الفراء ، وقال أبو عبيدة : عرف ، وقال مقاتل : رأى ، { مِنْهُمُ الْكُفْرَ } ، وأرادوا قتله استنصر عليهم ، { قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ } ، قال السدي وابن جريج : مع الله تعالى ، تقول العرب : الذود إلى الذود إبل ، أي : مع الذود ، كما قال الله تعالى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } ، أي : مع أموالكم ، وقال الحسن وأبو عبيدة ( إِلَى) بمعنى في ، أي : من أعواني في الله ، أي : في ذات الله ، وسبيله ، وقيل : ( إِلَى) في موضعها معناه : من يضم نصرته إلى نصرة الله لي ، واختلفوا في الحواريين ، قال مجاهد والسدي : كانوا صيادين يصطادون السمك ، سموا حواريين لبياض ثيابهم ، وقيل : كانوا ملاحين ، وقال الحسن : كانوا قصارين ، سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب ، أي : يبيضونها ، وقال الضحاك : سموا حواريين لصفاء قلوبهم ، وقال ابن المبارك : سموا به لما عليهم من أثر العبادة ونورها ، وأصل الحور عند العرب : شدة البياض ، يقال : رجل أحور وامرأة حوراء أي : شديدة بياض العين ، وقال الكلبي وعكرمة : الحواريون هم الأصفياء ، وهم كانوا","part":1,"page":449},{"id":450,"text":"أصفياء عيسى عليه السلام ، وكانوا اثني عشر رجلا ، قال روح بن أبي القاسم : سألت قتادة عن الحواريين ، قال : هم الذين تصلح لهم الخلافة ، وعنه أيضا أنه قال : الحواريون هم الوزراء ، وقال الحسن : الحواريون الأنصار ، والحواري الناصر ، والحواري في كلام العرب خاصة : الرجل الذي يستعين به فيما ينويه { قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ } ، أعوان دين الله ورسوله { آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ } ، يا عيسى ، { بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } .\r[53] { رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ } ، من كتابك ، { وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ } ، عيسى ، { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } ، الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق ، وقال عطاء مع النبيين لأن كل نبي شاهد أمته ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته ، لأنهم يشهدون للرسل بالبلاغ .","part":1,"page":450},{"id":451,"text":"[54] قوله تعالى : { وَمَكَرُوا } ، يعني : كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر ، دبروا في قتل عيسى عليه السلام ، بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين ، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطئوا على الفتك به فذلك مكرهم ، قال الله تعالى : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } ، فالمكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة ، والمكر من الله استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم ، كما قال : { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } ، ومكر الله تعالى بهم في هذه الآية هو إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام ، حتى قتل .","part":1,"page":451},{"id":452,"text":"[55] { إِذْ قَالَ اللَّهُ يا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } ، اختلفوا في بعض التوفي هاهنا ، قال الحسن والكلبي وابن جريج : إني قابضك ورافعك في الدنيا إلي من غير موت ، يدل عليه قوله تعالى { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } أي : قبضتني إلى السماء وأنا حي, لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه لا بعد موته ، فعلى هذا للتوفي تأويلان أحدهما : إني رافعك إلي وافيا لم ينالوا منك شيئا ، من قولهم : توفيت من كذا وكذا وأستوفيه إذا أخذته تامًّا ، والآخر : إني متسلمك ، من قولهم توفيت منه كذا ، أي : تسلمته ، وقال الربيع بن أنس : المراد بالتوفي النوم ، وكان عيسى قد نام فرفعه الله نائما إلى السماء ، معناه إني منيمك ورافعك إلي ، كما قال الله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ } أي : ينيمكم بالليل ، وقال بعضهم : المراد بالتوفي الموت ، وروى علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه : إني مميتك يدل عليه قوله تعالى : { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ } ، فعلى هذا له تأويلان أحدهما ما قاله وهب : توفى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ثم رفعه الله إليه ، وقال محمد بن إسحاق","part":1,"page":452},{"id":453,"text":": إن النصارى يزعمون أن الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار ، ثم أحياه ورفعه إليه ، والآخر : ما قاله الضحاك وجماعة : إن في هذه الآية تقديمًا وتأخيرًا معناه : إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك من السماء . قوله تعالى : { وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي : مخرجك من بينهم ومنجيك منهم { وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، قال قتادة والربيع والشعبي ومقاتل والكلبي : هم أهل الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه في التوحيد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فهم فوق الذين كفروا ظاهرين قاهرين بالعزة والمنعة والحجة ، وقال الضحاك : يعني الحواريين فوق الذين كفروا ، وقيل : هم أهل الروم ، وقيل : أراد بهم النصارى ، أي : فهم فوق اليهود إلى يوم القيامة ، فإن اليهود قد ذهب ملكهم ، وملك النصارى دائم إلى قريب من قيام الساعة ، فعلى هذا يكون الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة ، لا اتباع الدين ، { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } ، في الآخرة ، { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } ، من الدين وأمر عيسى .","part":1,"page":453},{"id":454,"text":"[56] { فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا } ، بالقتل والسبي والجزية والذلة ، { وَالْآخِرَةِ } أي : وفي الآخرة بالنار ، { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } .\r[57] { وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ } أي : يوفيهم أجور أعمالهم ، { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } ، أي : لا يرحم الكافرين ولا يثني عليهم بالجميل .\r[58] { ذَلِكَ } أي : هذا الذي ذكرته لك من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين { نَتْلُوهُ عَليْكَ } ، يعني : نخبرك به بتلاوة جبريل عليك ، { مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ } ، يعني القرآن والذكر ذي الحكمة ، وقال مقاتل : الذكر الحكيم ، أي : المحكم الممنوع من الباطل ، وقيل : الذكر الحكيم : هو اللوح المحفوظ ، وهو معلق بالعرش من درة بيضاء ، وقيل : من الآيات أي من العلامات الدالة على نبوتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب الله أو من يوحى إليه وأنت أمي لا تقرأ .","part":1,"page":454},{"id":455,"text":"[59] { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ } الآية نزلت في وفد نجران ، وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لك تشتم صاحبنا ، قال : وما أقول ؟ قالوا : تقول إنه عبد الله ، قال : \" أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول \" ، فغضبوا وقالوا : هل رأيت إنسانًا قط من غير أب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ } في كونه خلقه من غير أب { كَمَثَلِ آدَمَ } لأنه خلق من غير أب وأم ، { خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ } ، يعني : لعيسى عليه السلام ، { كُنْ فَيَكُونُ } ، يعني : فكان ، فإن قيل : ما معنى قوله : { خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } خلقًا ، ولا تكوين بعد الخلق ، قيل : معناه خلقه ثم أخبركم أني قلت له كن فكان من غير ترتيب في الخلق كما يكون في الولادة ، وهو مثل قول الرجل : أعطيتك اليوم درهمًا ثم أعطيتك أمس درهمًا أي : ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهمًا ، وفيما سبق من التمثيل دليل على جواز القياس ، لأن القياس هو رد فرع إلى أصل بنوع شبه ، وقد رد الله تعالى خلق عيسى إلى آدم عليهم السلام بنوع","part":1,"page":455},{"id":456,"text":"شبه .\r[60] قوله تعالى : { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } أي : هو الحق ، وقيل : جاءك الحق من ربك ، { فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } أي : الشاكين ، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد أمته .","part":1,"page":456},{"id":457,"text":"[61] قوله عز وجل : { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ } أي : جادلك في أمر عيسى وفي الحق ، { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } بأن عيسى عبد الله ورسوله ، { فَقُلْ تَعَالَوْا } ، أصله تعاليوا تفاعلوا من العلو فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت ، قال الفراء : بمعنى تعال كأنه يقول ارتفع ، { نَدْعُ } جزم لجواب الأمر ، وعلامة الجزم سقوط الواو ، { أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ } ، قيل : أبناءنا الحسن والحسين ، ونساءنا فاطمة وأنفسنا عنى نفسه وعليًّا رضي الله عنه ، والعرب تسمي ابن عم الرجل نفسه ، كما قال الله تعالى : { وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } يريد إخوانكم ، وقيل : هو على العموم لجماعة أهل الدين ، { ثُمَّ نَبْتَهِلْ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي نتضرع في الدعاء ، وقال الكلبي : نجتهد ونبالغ في الدعاء ، وقال الكسائي وأبو عبيدة : نَبْتَهِلْ، والابتهال الالتعان ، يقال عليه بهلة الله ، أي : لعنته { فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } ، منا ومنكم في أمر عيسى .","part":1,"page":457},{"id":458,"text":"[62] قال الله تعالى : { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ } النبأ الحق ، { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ } و( مِنْ) صلة تقديره : وما إله إلا الله ، { وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .\r[63] { فَإِنْ تَوَلَّوْا } ، أعرضوا عن الإيمان { فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ } ، الذين يعبدون غير الله ويدعون الناس إلى عبادة غير الله .","part":1,"page":458},{"id":459,"text":"[64] { قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ } والعرب تسمي كل قصة لها شرح (كلمة) ومنه سميت القصيدة (كلمة) { سَوَاءٍ } عدل { بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } مستوية أي أمر مستو ، يقال دعا فلان إلى السواء ، أي إلى النصفة ، وسواء كل شيء وسطه ، ومنه قوله تعالى : { فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ } وإنما قيل : للنصفة سواء؛ لأن أعدل الأمور أفضلها وأوسطها ، سواء نعت لكلمة إلا أنه مصدر ، والمصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث فإذا فتحت السين مددت ، وإذا كسرت أو ضمت قصرت ، كقوله تعالى : { مَكَانًا سُوًى } ، ثم فسر الكلمة فقال . { أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ } ومحل (أن) رفع على إضمار (هي) ، وقال الزجاج : رفع بالابتداء ، وقيل : محله نصب بنزع حرف الصلة ، معناه بأن لا نعبد إلا الله ، وقيل : محله خفض بدلًا من الكلمة ؛ أي : تعالوا إلى كلمة أن لا نعبد إلا الله ، { وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } كما فعلت اليهود والنصارى ، قال الله تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، وقال عكرمة : هو سجود","part":1,"page":459},{"id":460,"text":"بعضهم لبعض أي لا نسجد لغير الله وقيل : معناه لا نطيع أحدا في معصية الله { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا } أي فقولوا أنتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم لهم : اشهدوا { بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } مخلصون بالتوحيد .\r[65] قوله تعالى : { يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ } تزعمون أنه كان على دينكم ، وإنما دينكم اليهودية والنصرانية وقد حدثت اليهودية بعد نزول التوراة ، والنصرانية بعد نزول الإنجيل ، { وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ } ، أي : بعد إبراهيم بزمان طويل وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } بطلان قولكم .","part":1,"page":460},{"id":461,"text":"[66] قوله تعالى : { هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ } أصله أولاء دخلت عليه هاء التنبيه ، وهو موضع النداء يعني : يا هؤلاء أنتم ، { حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } ، يعني في أمر موسى وعيسى ، وادعيتم أنكم على دينهما ، وقد أنزلت التوراة والإنجيل عليكم ، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم وليس في كتابكم أنه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا ، وقيل : حاججتم فيما لكم به علم يعني : في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنهم وجدوا نعته في كتابهم ، فجادلوا فيه بالباطل ، فلم تحاجون في إبراهيم ، وليس في كتابكم ولا علم لكم به ، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ، ثم برأ الله تعالى إبراهيم عما قالوا ، فقال :\r[67] { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ، والحنيف المائل عن الأديان إلى الدين المستقيم ، وقيل : الحنيف الذي يوحد ويحج ويضحي ويختتن ويستقبل الكعبة وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله عز وجل .","part":1,"page":461},{"id":462,"text":"[68] قوله تعالى : { إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ } أي من اتبعه في زمانه وملته بعده { وَهَذَا النَّبِيُّ } يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم ، { وَالَّذِينَ آمَنُوا } يعني : من هذه الأمة { وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ } .\r[69] قوله عز وجل : { وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } ، نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار بن يا سر حين دعاهم اليهود إلى دينهم ، فنزلت { وَدَّتْ طَائِفَةٌ } أي : تمنت جماعة من أهل الكتاب يعني اليهود ، { لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } يستزيلونكم عن دينكم ويردونكم إلى الكفر ، { وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }\r[70] { يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } يعني : القرآن وبيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } أن نعته في التوراة والإنجيل مذكور .","part":1,"page":462},{"id":463,"text":"[71] { يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } تخلطون الإسلام باليهودية والنصرانية ، وقيل : لم تخلطون الإيمان بعيسى عليه السلام وهو الحق ، بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهو الباطل . وقيل : لِمَ تخلطون التوراة التي أنزلت على موسى بالباطل الذي حرفتموه وكتبتموه بأيديكم ، { وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ودينه حق .","part":1,"page":463},{"id":464,"text":"[72] { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ } أوله ، سمي وجهًا لأنه أحسنه وأول ما يواجه الناظر فيراه ، { وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ، فيشكون ويرجعون عن دينهم .","part":1,"page":464},{"id":465,"text":"[73] { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ } هذا متصل بالأول من قول اليهود بعضهم لبعض ، وَلَا تُؤْمِنُوا أي : ولا تصدقوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ، أي : وافق ملتكم ، واللام في ( من ) صلة أي : لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية ، كقوله تعالى : { قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ } أي : ردفكم . { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ } ، هذا خبر من الله تعالى أن البيان بيانه ، ثم اختلفوا فيه فمنهم من قال : هذا كلام معترض بين كلامين وما بعده متصل بالكلام الأول إخبار عن قول اليهود لبعض ، ومعناه : وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وَلَا تُؤْمِنُوا { أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } من العلم والكتاب والحكمة والآيات من المن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الكرامات ، وَلَا تُؤْمِنُوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنكم أصح دينًا منهم ، وهذا معنى قول مجاهد ، وقيل : إن اليهود قالت لسفلتهم ، وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ، أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ من العلم ، أي لئلا يؤتى أحد ، و(لا) فيه مضمرة ، كقوله تعالى : { يُبَيِّنُ اللَّهُ","part":1,"page":465},{"id":466,"text":"لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } أي : لئلا تضلوا ، يقولون : لا تصدقوهم لئلا يعلمون مثل ما علمتم فيكون لكم الفضل عليهم في العلم ، أو لئلا يحاجوكم عند ربكم فيقولوا عرفتم أن ديننا حق ، وهذا معنى قول ابن جريج ، وقرأ الحسن والأعمش (إن يؤتى) بكسر الألف ، فيكون قول اليهود تاما عند قوله : إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ، وما بعده من قول الله تعالى ، يقول : قل يا محمد ( إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ) أن يؤتى ( أن ) بمعنى : الجحد ، أي : ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ } يعني : إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا : نحن أفضل منكم ، فقوله عز وجل : ( عند ربكم ) ، أي : عند فعل ربكم بكم ، وهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن والكلبي ومقاتل ، وقال الفراء ويجوز أن يكون ( أو ) بمعنى حتى كما يقال : تعلق به أو يعطيك حقك ، ومعنى الآية : ما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم! وقرأ ابن كثير (آن يؤتى) بالمد على الاستفهام ، وحينئذ يكون فيه اختصار تقديره : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة","part":1,"page":466},{"id":467,"text":"تحسدونه ولا تؤمنون به ، هذا قول قتادة والربيع ، قالا : هذا من قول الله تعالى ، يقول : قل لهم يا محمد إن الهدى هدى الله بأن أنزل كتابا مثل كتابكم وبعث نبيا حسدتموه وكفرتم به ، { قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ، قوله : ( أَوْ يُحَاجُّوكُمْ ) على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين ، وتكون (أو) بمعنى (أن) لأنهما حرفا شرط وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر ، أي : وإن يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم ، فقل يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه ، ويجوز أن يكون الجميع خطابا للمؤمنين ، ويكون نظم الآية : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين حسدوكم ، فقل : إن الفضل بيد الله ، وإن حاجوكم ، فقل : ( إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ) ويجوز أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وقوله تعالى : ( وَلَا تُؤْمِنُوا ) من كلام الله يثبت به قلوب المؤمنين لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم ، ويقول : لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا لمن اتبع دينكم ، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والدين والفضل ، ولا تصدقوا","part":1,"page":467},{"id":468,"text":"أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم أي : يقدروا على ذلك ، فإن الهدى هدى الله ، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ، فتكون الآية كلها خطاب الله للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا .\r[74] قوله : { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } أي : بنبوته { مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } .","part":1,"page":468},{"id":469,"text":"[75] قوله تعالى : { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } الآية ، نزلت في اليهود أخبر الله تعالى أن فيهم أمانة وخيانة ، والقنطار عبارة عن المال الكثير ، والدينار عبارة عن المال القليل ، يقول : منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرت ، ومنهم من لا يؤديها وإن قلت ، قال مقاتل : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ هم مؤمنو أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام ، وأصحابه ، { وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } يعني : كفار اليهود ، ككعب بن الأشرف وأصحابه ، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عز وجل : ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) يعني : عبد الله بن سلام ، أودعه رجل ألفًا ومائتي أوقية من ذهب فأداها إليه ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) يعني : فنحاص بن عازوراء ، استودعه رجل من قريش دينارًا فخانه ، { إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } ، قال ابن عباس ملحًّا ، يريد يقوم عليه يطالبه بالإلحاح ، وقال الضحاك","part":1,"page":469},{"id":470,"text":": مواظبًا أي تواظب عليه بالاقتضاء ، وقيل : أراد أودعته ثم استرجعته وأنت قائم على رأسه ولم تفارقه رده إليك ، فإن فارقته وأخرته أنكره ولم يؤده ، { ذَلِكَ } أي : ذلك الاستحلال والخيانة ، { بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } أي : في مال العرب إثم وحرج ، كقوله تعالى : { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } ، وذلك بأن اليهود قالوا : أموال العرب حلال لنا ، لأنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة لهم في كتابنا ، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم ، وقال الكلبي : قالت اليهود إن الأموال كلها كانت لنا فيما في يد العرب منها فهو لنا ، وإنما ظلمونا وغصبونا فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم ، وقال الحسن وابن جريج ومقاتل : بايع اليهود رجالا من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا : ليس لكم علينا حق ، ولا عندنا قضاء لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم ، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتبهم ، فكذبهم الله عز وجل وقال عز من قائل : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، ثم قال ردًّا عليهم :","part":1,"page":470},{"id":471,"text":"[76] { بَلَى } أي : ليس كما قالوا بل عليهم سبيل ، ثم ابتدأ فقال : { مَنْ أَوْفَى } أي : ولكن من أوفى { بِعَهْدِهِ } أي : بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأداء الأمانة ، وقيل : الهاء في عهده راجعة إلى الموفي { وَاتَّقَى } الكفر والخيانة ونقض العهد ، { فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } .","part":1,"page":471},{"id":472,"text":"[77] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } قال عكرمة : نزلت في رؤوس اليهود كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم المآكل والرشا التي كانت لهم من أتباعهم . ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ) أي : يستبدلون بعهد الله ، وأراد الأمانة ، وَأَيْمَانِهِمْ الكاذبة ثمنًا قليلا أي : شيئا قليلا من حطام الدنيا ، { أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ } ، لا نصيب لهم { فِي الْآخِرَةِ } ، ونعيمها { وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ } كلامًا ينفعهم ويسرهم ، وقيل : هو بمعنى الغضب ، كما يقول الرجل : إني لا أكلم فلانا إذا كان غضب عليه ، { وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، أي : لا يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا ينيلهم خيرًا ، { وَلَا يُزَكِّيهِمْ } ، أي : لا يثني عليهم بالجميل ولا يطهرهم من الذنوب ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .","part":1,"page":472},{"id":473,"text":"[78] قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا } يعني : من أهل الكتاب لَفَرِيقًا أي : طائفة ، وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وأبو يا سر وشعبة بن عمرو الشاعر ، { يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ } أي : يعطفون ألسنتهم بالتحريف والتغيير ، وهو ما غيروا من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك ، يقال : لوى لسانه عن كذا أي : غيره ، { لِتَحْسَبُوهُ } أي : لتظنوا ما حرفوا { مِنَ الْكِتَابِ } ، الذي أنزله الله تعالى ، { وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } ، عمدًا ، { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، أنهم كاذبون ، وقال الضحاك عن ابن عباس : إن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعًا ، وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله ما ليس منه .","part":1,"page":473},{"id":474,"text":"[79] قوله تعالى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ } الآية ، قال مقاتل والضحاك : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } يعني : عيسى عليه السلام ، وذلك أن نصارى نجران كانوا يقولون : إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربًّا فقال تعالى : مَا كَانَ لِبَشَرٍ يعني : عيسى { أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ } أي الإنجيل ، وقال ابن عباس وعطاء : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } يعني محمدًا { أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ } أي القرآن ، وذلك أن أبا رافع القرظي من اليهود ، والرئيس من نصارى أهل نجران قالا : يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك ربًّا فقال : معاذ الله أن آمر بعبادة غير الله ، وما بذلك أمرني الله ، وما بذلك بعثني ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } أي ما ينبغي لبشر ، كقوله تعالى : { مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا } أي ما ينبغي لنا ، والبشر : جميع بني آدم لا واحد له من لفظه ، كالقوم والجيش ، ويوضع موضع الواحد والجمع ، { أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ } ، الفهم والعلم ، وقيل : إمضاء الحكم عن الله عز وجل ، { وَالنُّبُوَّةَ } ، المنزلة الرفيعة بالإنباء ، {","part":1,"page":474},{"id":475,"text":"ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا } أي : ولكن يقول كونوا ، { رَبَّانِيِّينَ } ، اختلفوا فيه ، قال علي وابن عباس والحسن : كونوا فقهاء علماء ، وقال قتادة : حكماء وعلماء ، وقال سعيد بن جبير : العالم الذي يعمل بعلمه ، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس : فقهاء معلمين ، وقيل : الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ، وقال عطاء : حكماء وعلماء ونصحاء لله في خلقه ، قال أبو عبيدة : سمعت رجلًا عالمًا يقول : الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي العارف بأنباء الأمة ما كان وما يكون ، وقيل : الربانيون فوق الأحبار ، والأحبار فوق العلماء ، والربانيون الذين جمعوا مع العلم البصائر بسياسة الناس ، قال المؤرج : كونوا ربانيين تدينون لربكم ، من الربوبية ، كان في الأصل ربي فأدخلت الألف للتفخيم ، ثم أدخلت النون لسكون الألف ، كما قيل : صنعاني وبهراني ، وقال المبرد : هم أرباب العلم سموا به لأنهم يربون العلم ، ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها ، وكل من قام بإصلاح الشيء وإتمامه فقد ربه يربه ، واحدها : ربان كما قالوا : ربان وعطشان وشبعان ،","part":1,"page":475},{"id":476,"text":"ثم ضمت إليه يا ء النسبة ، كما يقال : الحياني ورقباني ، وحكي عن علي رضي الله عنه أنه قال : هو الذي يربي علمه بعمله ، قال محمد ابن الحنفية يوم مات ابن عباس : اليوم مات رباني هذه الأمة ، { بِمَا كُنْتُمْ } أي : بما أنتم كقوله تعالى : { مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا } ، أي : من هو في المهد { تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ } ، قرأ ابن عامر وعاصم والكسائي تُعَلِّمُونَ بالتشديد من التعليم ، وقرأ الآخرون (تعلمون) بالتخفيف من العلم ، كقوله : { وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } أي : تقرؤون .","part":1,"page":476},{"id":477,"text":"[80] قوله : { وَلَا يَأْمُرَكُمْ } ، قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بنصب الراء عطفا على قوله : ( ثم يقول ) ، فيكون مردودا على البشر ، أي : ولا يأمر ذلك البشر ، وقيل : على إضمار (أن) أي : ولا أن يأمركم ذلك البشر ، وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف ، معناه : ولا يأمركم الله ، وقال ابن جريج وجماعة : ولا يأمركم محمد ، { أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا } ، كفعل قريش والصابئين حيث قالوا : الملائكة بنات الله واليهود والنصارى حيث قالوا في المسيح وعزير ما قالوا ، { أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ، قالوا له على طريق التعجب والإنكار ، يعني : لا يقوله هذا .","part":1,"page":477},{"id":478,"text":"[81] قوله عز وجل : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } قرأ حمزة لما بكسر اللام ، وقرأ الآخرون بفتحها ، فمن كسر اللام فهي لام الإضافة دخلت على ما الموصولة ، ومعناه : إن الذي يريد للذي آتيتكم ، أي : أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي آتاهم من الكتاب والحكمة وأنهم أصحاب الشرائع ، ومن فتح اللام فمعناه : للذي آتيتكم ، بمعنى الخبر ، وقيل : بمعنى الجزاء ، آي لئن آتيتكم ومهما آتيتكم ، وجواب الجزاء ، قوله : ( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ) قوله ( لَمَا آتَيْتُكُمْ ) قرأ نافع وأهل المدينة (آتيناكم) على التعظيم كما قال : { وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا }{ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } وقرأ الآخرون بالتاء لموافقة الخط ، ولقوله ، ( وإنا معكم ) واختلفوا في المعنى بهذه الآية فذهب قوم إلى أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين خاصة أن يبلغوا كتاب الله ورسالته إلى عباده ، وأن يصدق بعضهم بعضا ، وأخذ العهود على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء ، وينصره إن أدركه ، فإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن (أدركوه) ، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى ، ومن عيسى أن","part":1,"page":478},{"id":479,"text":"يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقال الآخرون : بما أخذ الله الميثاق منهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فعلى هذا اختلفوا فمنهم من قال : إنما أخذ الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيين ، وهذا قول مجاهد والربيع ، ألا ترى إلى قوله : { ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ } ، وإنما كان محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين يدل عليه أن في قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } ، وإنما القراءة المعروفة { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ } فأراد : أن الله أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا الميثاق إلى أممهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقوه وينصروه ، إن أدركوه ، وقال بعضهم : أراد أخذ الله الميثاق على النبيين ، وأممهم جميعا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد على المتبوع عهد على الأتباع ، وهذا معنى قول ابن عباس ، وقال علي بن أبي طالب : لم يبعث الله نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه الميثاق والعهد في أمر محمد ، وأخذ","part":1,"page":479},{"id":480,"text":"العهد على قومه ليؤمنن به ، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه ، قوله : ( ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ ) ، يعني : محمدًا صلى الله عليه وسلم ( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) قال : يقول الله تعالى للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب آدم عليه السلام والأنبياء فيهم كالمصابيح والسرج ، وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، { قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي } ، أي : قبلتم على ذلكم عهدي ، والإصر : العهد الثقيل ، { قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ } ، الله تعالى { فَاشْهَدُوا } أي : فاشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم ، { وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } ، عليكم وعليهم ، وقال ابن عباس : فاشهدوا ، أي فاعلموا ، وقال سعيد بن المسيب : قال الله تعالى للملائكة فاشهدوا عليهم كناية عن غير مذكور .\r[82] { فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ } ، الإقرار ، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، العاصون الخارجون عن الإيمان .","part":1,"page":480},{"id":481,"text":"[83] قوله عز وجل : { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ } ، وذلك « أن أهل الكتاب اختلفوا فادعى كل واحد أنه على دين إبراهيم عليه السلام واختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم عليه السلام \" ، فغضبوا وقالوا : لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك » ، فأنزل الله تعالى : { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ } ، خضع وانقاد ، { مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا } ، فالطوع : الانقياد والاتباع بسهولة ، والكره : ما كان بمشقة وإباء من النفس ، واختلفوا في قوله : ( طوعًا وكرهًا ) قال الحسن : أسلم أهل السموات طوعًا وأسلم من في الأرض بعضهم طوعًا وبعضهم كرهًا خوفًا من السيف والسبي ، وقال مجاهد : طوعًا المؤمن ، وكرهًا ذلك الكافر ، وقيل : هذا يوم الميثاق حين قال لهم { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } ، فقال بعضهم : طوعًا وبعضهم : كرهًا ، وقال قتادة : المؤمن من أسلم طوعًا فنفعه الإيمان ، والكافر أسلم كرهًا في وقت اليأس فلم ينفعه الإسلام ، وقال الشعبي : هو استعاذتهم به عند اضطرارهم ، كما قال الله تعالى :","part":1,"page":481},{"id":482,"text":"{ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } وقال الكلبي : طوعًا الذي ولد في الإسلام ، وكرهًا الذين أجبروا على الإسلام ممن يسبى منهم فيجاء بهم في السلاسل ، { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } لأن مرجح جميع الخلق إلى الله عز وجل .\r[84] قوله تعالى : { قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } ، ذكر الملل والأديان واضطراب الناس فيها ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : آمنا بالله الآية .","part":1,"page":482},{"id":483,"text":"[85] قوله : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } ، نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفارا ، منهم الحارث بن سويد الأنصاري ، فنزلت فيهم { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .\r[86] { كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ } ، لفظه استفهام ومعناه جحد ، أي : لا يهدي الله ، وقيل معناه : كيف يهديهم الله في الآخرة إلى الجنة والثواب { وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .\r[87] { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .\r[88] { خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } ، وذلك أن الحارث بن سويد لما لحق بالكفار ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة ففعلوا ذلك ، فأنزل الله تعالى :","part":1,"page":483},{"id":484,"text":"[89] { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، لما كان منه ، فحملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه فقال الحارث : إنك والله فيما علمت لصدوق وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك وإن الله عز وجل لأصدق الثلاثة ، فرجع الحارث إلى المدينة وأسلم وحسن إسلامه .","part":1,"page":484},{"id":485,"text":"[90] قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا } قال قتادة والحسن : نزلت في اليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم ثم ازدادوا كفرًا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وقال أبو العالية . نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما رأوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم ، ثم ازدادوا كفرا ، يعني : ذنوبًا في حال كفرهم ، قال مجاهد : نزلت في جميع الكفار أشركوا بعد إقرارهم بأن الله خالقهم ، قم ازدادوا كفرا أي : أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه ، قال الحسن : ثم ازدادوا كفرًا كلما نزلت آية كفروا بها ، فازدادوا كفرًا وقيل : ثم ازدادوا كفرًا بقولهم : نتربص بمحمد ريب المنون ، قال الكلبي : نزلت في أحد عشر من أصحاب الحارث بن سويد ، لما رجع الحارث إلى الإسلام أقاموا هم على الكفر بمكة وقالوا نقيم على الكفر ما بدا لنا فمتى أردنا الرجعة نزل فينا ما نزل في الحارث ، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فمن دخل منهم في الإسلام قبلت توبته ، ونزل فيمن مات منهم كافرا { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ }","part":1,"page":485},{"id":486,"text":"الآية ، فإن قيل : قد وعد الله قبول توبة من تاب ، فما معنى قوله : { لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ } ، قيل : لن تقبل توبتهم إذا رجعوا في حال المعاينة ، كما قال : { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ } ، وقيل : هذا في أصحاب الحارث بن سويد حيث أعرضوا عن الإسلام ، وقالوا نتربص بمحمد ريب المنون ، فإن ساعده الزمان نرجع إلى دينه ، ( لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) ، لن يقبل ذلك لأنهم متربصون غير محققين ، { وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ } .\r[91] قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ } ، أي : قدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها ، { ذَهَبًا } ، نصب على التفسير ، كقولهم : عشرون درهما . { وَلَوِ افْتَدَى بِهِ } ، قيل : معناه لو افتدى به ، والواو زائدة مقحمة ، { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } .","part":1,"page":486},{"id":487,"text":"[92] قوله تعالى : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ } يعني : الجنة ، قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ، وقال مقاتل بن حيان : التقوى ، وقيل : الطاعة ، وقيل : الخير ، وقال الحسن : لن تكونوا أبرارا ، { حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } أي : من أحب أموالكم إليكم ، روى الضحاك عن ابن عباس : أن المراد منه أداء الزكاة ، وقال مجاهد والكلبي : هذه الآية نسختها آية الزكاة ، وقال الحسن : كل إنفاق يبتغي به المسلم وجه الله حتى الثمرة ينال به هذا البر ، وقال عطاء : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ أي : شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء . { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } ، أي : يعلمه ويجازي به .","part":1,"page":487},{"id":488,"text":"[93] قوله تعالى : { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ } ، سبب نزول هذه الآية : « أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها ، فلست على ملته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" كان ذلك حلالا لإبراهيم عليه السلام \" ، فقالوا : كل ما نحرمه اليوم كان ذلك حراما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا » ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، يعني : ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على إبراهيم ، بل كان الكل حلالًا له ولبني إسرائيل ، وإنما حرمها إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة ، يعني : ليست في التوراة حرمتها ، وقال الضحاك : لم يكن شيء من ذلك حرامًا عليهم ولا حرمه الله في التوراة ، وإنما حرموه على أنفسهم اتباعًا لأبيهم ، ثم أضافوا تحريمه إلى الله ، فكذبهم الله عز وجل ، فقال : { قُلْ } يا محمد { فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا } ، حتى يتبين لكم أنه كما قلت ، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، فلم","part":1,"page":488},{"id":489,"text":"يأتوا ، فقال الله عز وجل :\r[94] { فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .\r[95] { قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ، وإنما دعاهم إلى اتباع ملة إبراهيم لأن في اتباع ملة إبراهيم اتباعه صلى الله عليه وسلم .\r[96] قوله تعالى : { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ } ، سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للمسلمين : بيت المقدس قبلتنا وهو أفضل من الكعبة وأقدم وهو مهاجر الأنبياء ، وقال المسلمون الكعبة أفضل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .","part":1,"page":489},{"id":490,"text":"[97] { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } ، وليس شيء من هذه الفضائل لبيت المقدس ، واختلف العلماء في قوله تعالى : { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ } ، فقال بعضهم : هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض ، خلقه قبل الأرض بألفي عام ، وكان زبدة بيضاء على الماء ، وقال بعضهم : هو أول بيت بني في الأرض ، ويروى عن ابن عباس أنه قال : أراد به أنه أول بيت بناه آدم في الأرض ، وقيل : هو أول بيت مبارك وضع هدى للناس يعبد الله فيه ويحج إليه ، وقيل : هو أول بيت جعل قبلة للناس ، وقال الحسن والكلبي : معناه أنه أول مسجد ومتعبد وضع للناس ، وقيل : أول بيت وضع للناس يعبد الله فيه ، قوله تعالى : { لَلَّذِي بِبَكَّةَ } قال جماعة : هي مكة نفسها ، وقال الآخرون : بكة موضع البيت في مكة ، ومكة اسم البلد كله وقيل : بكة موضع البيت والمطاف ، سميت بكة : لأن الناس يتباكون فيها ، أي يزدحمون يبك بعضهم بعضا ويمر بعضهم بين يدي بعض ، { مُبَارَكًا } نصب على الحال أي : ذا بركة وهدى للعالمين ، لأنه قبلة للمؤمنين فيه آيات بينات ، قرأ ابن عباس (آية","part":1,"page":490},{"id":491,"text":"بينة) على الواحد ، وأراد مقام إبراهيم وحده ، وقرأ الآخرون آيات بينات ، بالجمع ، فذكر منها مقام إبراهيم وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم ، وكان أثر قدميه فيه ، ومن تلك الآيات في البيت الحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها ، وقيل : مقام إبراهيم جميع الحرم ، قوله عز وجل : { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } من أن يهاج فيه ، وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال : { رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا } ، وقيل : هو خبر بمعنى الأمر تقديره : ومن دخله فأمنوه ، وقيل : معناه ومن دخله معظما له متقربا إلى الله عز وجل كان آمنا يوم القيامة من العذاب . قوله عز وجل : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } ، أي : ولله فرض واجب على الناس حج البيت ، والحج أحد أركان الإسلام ، والاستطاعة نوعان ، أحدهما : أن يكون قادرا مستطيعا بنفسه ، والآخر : أن يكون مستطيعا بغيره ، أما الاستطاعة بنفسه ، فأن يكون قادرا بنفسه على الذهاب ووجد الزاد والراحلة ، أما الاستطاعة بالغير فهي أن يكون الرجل عاجزا بنفسه ، بأن كان زمنا أو به مرض غير مرجو الزوال ، لكن له مال يمكنه أن يستأجر به","part":1,"page":491},{"id":492,"text":"من يحج عنه ، يجب عليه أن يستأجر ، أو لم يكن له مال بل بذل له ولده أو أجنبي الطاعة في أن يحج عنه ، يلزمه أن يأمره إذا كان يعتمد صدقه ، لأن وجوب الحج يتعلق بالاستطاعة ، قوله تعالى : { وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } ، قال ابن عباس والحسن وعطاء : جحد فرض الحج ، وقال مجاهد : من كفر بالله واليوم الآخر ، وقال سعيد بن المسيب : نزلت في اليهود حيث قالوا : الحج إلى مكة غير واجب ، وقال السدي : هو من وجد ما يحج به ثم لم يحج حتى مات فهو كفر به .\r[98] قوله تعالى : { قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } .","part":1,"page":492},{"id":493,"text":"[99] { قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي : لم تصرفون عن دين الله ، { مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا } ، تطلبونها ، { عِوَجًا } زيغا وميلا ، يعني : لم تصدون عن سبيل الله باغين لها عوجا ؟ قال أبو عبيدة : العوج - بالكسر- في الدين والقول والعمل ، والعوج - بالفتح - في الجدار ، وكل شخص قائم ، { وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } ، أن في التوراة مكتوبا نعت محمد صلى الله عليه وسلم دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام .","part":1,"page":493},{"id":494,"text":"[100] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } يعني : مرشاسًا وأصحابه ، { يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } قال جابر : فما رأيت قط يومًا أقبح ، أو لا أحسن من ذلك اليوم ، ثم قال الله تعالى على وجه التعجب :\r[101] { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ } يعني : ولم تكفرون ؟ { وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ } ، القرآن { وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } ، محمد صلى الله عليه وسلم ، قال قتادة : في هذه الآية علمان بينان : كتاب الله ونبي الله ، أما نبي الله فقد مضى ، وأما كتاب الله فقد أبقاه بين أظهركم رحمة من الله ونعمة ، { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ } أي : يمتنع بالله ويستمسك بدينه وطاعته ، { فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، طريق واضح ، وقال ابن جريج ومن يعتصم بالله أي : يؤمن بالله ، وأصل العصمة : المنع ، فكل مانع شيئا فهو عاصم له .","part":1,"page":494},{"id":495,"text":"[102] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } . قال مقاتل بن حيان : كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأصلح بينهم فافتخر بعده منهم رجلان فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا ، فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح ، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس : هو أن يطاع فلا يعصى ، وقال مجاهد : أن تجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم ، وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم ، قال أهل التفسير : لما نزلت هذه الآية شق ذلك عليهم ، فقالوا : يا رسول الله ومن يقوى على هذا ، فأنزل الله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } فنسخت هذه الآية { وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } أي مؤمنون ، وقيل : مخلصون مفوضون أموركم إلى الله عز وجل ، وقال الفضيل : محسنون الظن بالله .","part":1,"page":495},{"id":496,"text":"[103] قوله عز وجل : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ }{ جَمِيعًا } ، الحبل : السبب الذي يتوصل به إلى البغية ، وسمي الإيمان حبلا لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف ، واختلفوا في معناه ههنا ، قال ابن عباس : معناه تمسكوا بدين الله ، وقال ابن مسعود : هو الجماعة ، وقال : عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به ، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة . وقال مجاهد وعطاء : بعهد الله ، وقال قتادة والسدي : هو القرآن ، وقال مقاتل بن حيان : بحبل الله أي : بأمر الله وطاعته ، { وَلَا تَفَرَّقُوا } ، كما افترقت اليهود والنصارى ، { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } جمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام وأصلح ذات بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ( واذكروا نعمة الله عليكم ) يا معشر الأنصار ( إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً ) قبل الإسلام ( فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ) بالإسلام ، { فَأَصْبَحْتُمْ } أي : فصرتم ، { بِنِعْمَتِهِ } برحمته وبدينه الإسلام ، { إِخْوَانًا } في الدين والولاية بينكم . { وَكُنْتُمْ } يا معشر الأوس","part":1,"page":496},{"id":497,"text":"والخزرج { عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ } ، أي على طرف حفرة مثل شفا البئر ، معناه : وكنتم على طرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على كفركم ، { فَأَنْقَذَكُمْ } الله { مِنْهَا } بالإيمان ، { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } .\r[104] { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ } ، أي : ولتكونوا أمة ، ( من ) صلة ليست للتبعيض ، كقوله تعالى : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ } لم يرد اجتناب بعض الأوثان بل أراد فاجتنبوا الأوثان ، واللام في قوله وَلْتَكُنْ لام الأمر ، { يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ } ، إلى الإسلام ، { وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .\r[105] { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، قال أكثر المفسرين : هم اليهود والنصارى ، وقال بعضهم : المبتدعة من هذه الأمة .","part":1,"page":497},{"id":498,"text":"[106] { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } ، ( يوم ) نصب على الظرف ، أي : في يوم ، وانتصاب الظرف على التشبيه بالمفعول ، يريد : تبيض وجوه المؤمنين وتسود وجوه الكافرين ، وقيل : تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة ، { فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } ، معناه : يقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم ، { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } ، فإن قيل كيف قال أكفرتم بعد إيمانكم ، وهم لم يكونوا مؤمنين ؟ قيل : أراد به الإيمان يوم الميثاق ، حيز قال لهم ربهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى . وقال الحسن : هم المنافقون تكلموا بالإيمان بألسنتهم ، وأنكروا بقلوبهم ، وقال عكرمة : إنهم أهل الكتاب آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث ، فلما بعث كفروا به ، وقال قوم : هم من أهل قبلتنا ، وقال أبو أمامة : هم الخوارج ، وقال قتادة : هم أهل البدع .","part":1,"page":498},{"id":499,"text":"[107] قوله تعالى { وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ } ، هؤلاء أهل الطاعة ، { فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ } ، ففي جنة الله . { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\r[108] { تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ } .\r[109] { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } .","part":1,"page":499},{"id":500,"text":"[110] { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال عكرمة ومقاتل : نزلت في ابن مسعود وأبى بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة ، رضي الله عنهم ، وذلك أن مالك بن الصيف ووهب بن يهود اليهوديين قالا لهم : نحن أفضل منكم وديننا خير مما تدعوننا إليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وقال جويبر عن الضحاك : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة الرواة والدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم وقال الآخرون : جميع المؤمنين من هذه الأمة ، وقوله ( كنتم ) أي : أنتم ، كقوله تعالى : { وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا } ، وقال في موضع آخر : { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ } ، وقيل : معناه كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ ، وقال قوم : قوله ( للناس ) صلة قوله : ( خَيْرَ أُمَّةٍ ) أي : أنتم خير أمة للناس . قال أبو هريرة معناه : كنتم خير الناس للناس ، تجيئون بهم في السلاسل فتدخلونهم في الإسلام ، وقيل : للناس صلة قوله ( أُخْرِجَتْ) معناه :","part":1,"page":500},{"id":501,"text":"ما أخرج الله للناس أمة خيرا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى : { تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } أي : الكافرون .\r[111] قوله تعالى : { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى } ، قال مقاتل : إن رؤوس اليهود عمدوا إلى من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه ، فآذوهم فأنزل الله تعالى هذه الآية ، لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء الجهود إلا أذى باللسان وعيدًا وطغيانًا ، وقيل : كلمة كفر تتأذون بها { وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ } ، منهزمين ، { ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ } ، بل يكون لكم النصر .","part":2,"page":1},{"id":502,"text":"[112] { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا } ، حيث ما وجدوا { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ } يعني : أينما وجدوا استضعفوا وقتلوا أو سبوا فلا يأمنون إلا بحبل : عهد من الله تعالى بأن يسلموا ، { وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ } من المؤمنين ببذل جزية أو أمان ، يعني : إلا أن يعصموا بحبل الله فيأمنوا ، قوله تعالى : { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } ، رجعوا به { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } .","part":2,"page":2},{"id":503,"text":"[113] قوله تعالى : { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } قال ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل : لما آمن عبد الله بن سلام وأصحابه ، قالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا شرارنا ولولا ذلك لما تركوا دين آبائهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، واختلفوا في وجهها فقال قوم : فيه اختصار تقديره : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة ، فترك الأخرى اكتفاء بذكر أحد الفريقين ، وقال الآخرون : تمام الكلام عند قوله ( لَيْسُوا سَوَاءً ) وهو وقف لأنه قد جرى ذكر الفريقين من أهل الكتاب في قوله تعالى : { مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } ثم قال : ( لَيْسُوا سَوَاءً ) يعني : المؤمنين والفاسقين ، ثم وصف الفاسقين ، فقال : { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى } ووصف المؤمنين بقوله ( أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ) وقيل : قوله ( من أهل الكتاب ) ابتداء كلام آخر ، لأن ذكر الفريقين قد جرى ، ثم قال : ليس هذان الفريقان سواء ، ثم ابتدأ فقال : من أهل الكتاب ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : لا يستوي اليهود وأمة محمد صلى الله عليه وسلم القائمة بأمر الله الثابتة على","part":2,"page":3},{"id":504,"text":"الحق المستقيمة ، وقوله تعالى : ( أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ) قال ابن عباس : أي مهتدية قائمة على أمر الله لم يضيعوه ولم يتركوه . وقال مجاهد : عادلة . وقال السدي : مطيعة قائمة على كتاب الله وحده . وقيل قائمة في الصلاة . وقيل : الأمة الطريقة . ومعنى الآية : أي ذوو أمة ، أي : ذوو طريقة مستقيمة . { يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ } ، يقرؤون كتاب الله ، وقال مجاهد : يتبعون ، { آنَاءَ اللَّيْلِ } ساعاته ، { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أي : يصلون ، لأن التلاوة لا تكون في السجود ، ! واختلفوا في معناها ، فقال بعضهم : هي قيام الليل ، وقال ابن مسعود صلاة العتمة يصلونها ولا يصليها من سواهم من أهل الكتاب .\r[114] قوله تعالى : { يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ } .","part":2,"page":4},{"id":505,"text":"[115] { وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء فيهما إخبار عن ، الأمة القائمة ، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما ، لقوله { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } ، وأبو عمرو يرى القراءتين جميعًا ، ومعنى هذه الآية : وما تفعلوا من خير فلن تعدموا ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه ، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ } ، بالمؤمنين .","part":2,"page":5},{"id":506,"text":"[116] { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } ، أي : لا تدفع أموالهم بالفدية وأولادهم بالنصرة من الله شيئا ، أي : من . عذاب الله ، وخصهما بالذكر لأن الإنسان يدفع عن ، نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد ، { وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ، وإنما جعلهم من أصحابها لأنهم أهلها لا يخرجون منها ولا يفارقونها ، كصاحب الرجل لا يفارقه .","part":2,"page":6},{"id":507,"text":"[117] { مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، قيل : أراد نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدر وأحد على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال مقاتل : أراد نفقة اليهود على علمائهم ، قال مجاهد : يعني جميع نفقات الكفار في الدنيا وصدقاتهم ، وقيل : أراد إنفاق المرائي الذي لا يبتغي به وجه الله تعالى ، { كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } ، حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنها السموم الحارة التي تقتل ، وقيل فيها صر أي : صوت ، وأكثر المفسرين قالوا : فيها برد شديد ، { أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ } زرع قوم ، { ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } ، بالكفر والمعصية ومنع حق الله تعالى ، { فَأَهْلَكَتْهُ } ، فمعنى الآية : مثل نفقات الكفار وذهابها وقت الحاجة إليها كمثل زرع أصابته ريح باردة فأهلكته أو نار فأحرقته فلم ينتفع أصحابه منه بشيء ، { وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ } ، بذلك ، { وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ، بالكفر والمعصية .","part":2,"page":7},{"id":508,"text":"[118] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ } الآية ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم ، وقال مجاهد : نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين فنهاهم الله تعالى عن ذلك ، فقال : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ } أي : أولياء أصفياء من غير أهل ملتكم ، وبطانة الرجل : خاصته ، تشبيها ببطانة الثوب التي تلي بطنه ، لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون منه على ما لا يطلع عليه غيرهم ، ثم بين العلة في النهي عن مباطنتهم فقال جل ذكره : { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } ، أي لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد ، والخبال : الشر والفساد ، ونصب ( خبالا ) على المفعول الثاني ، لأن (يألو) يتعدى إلى مفعولين ، وقيل : بنزع الخافض ، أي بالخبال ، كما يقال أوجعته ضربا { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } ، أي يودون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك ، والعنت المشقة ، { قَدْ","part":2,"page":8},{"id":509,"text":"بَدَتِ الْبَغْضَاءُ } أي : البغض ، معناه ظهرت أمارة العداوة ، { مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } ، بالشتيمة والوقيعة في المسلمين ، وقيل : بإطلاع المشركين على أسرار المسلمين ، { وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ } ، من العداوة والغيظ ، { أَكْبَرُ } ، أعظم ، { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } .","part":2,"page":9},{"id":510,"text":"[119] { هَا أَنْتُمْ } تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور ، { أُولَاءِ } اسم للمشار إليه ، يريد أنتم أيها المؤمنون ، { تُحِبُّونَهُمْ } أي : تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من القرابة والرضاع والمصاهرة ، { وَلَا يُحِبُّونَكُمْ } ، لما بينكم من مخالفة الدين ، وقال مقاتل هم المنافقون يحبهم المؤمنون لما أظهروا من الإيمان ، ولا يعلمون ما في قلوبهم ، { وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ } ، يعني بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم ، { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا } ، وكان بعضهم مع بعض { عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ } ، يعني : أطراف الأصابع واحدتها أنملة بضم الميم وفتحها ، من الغيظ ، لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ، وعض الأنامل عبارة عن شدة الغيظ وهذا من مجاز الأمثال ، وإن لم يكن ثم عض ، { قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ } ، أي : ابقوا إلى الممات بغيظكم ، { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } ، أي : بما في القلوب من خير وشر .","part":2,"page":10},{"id":511,"text":"[120] وقوله تعالى : { إِنْ تَمْسَسْكُمْ } أي : تصبكم أيها المؤمنون { حَسَنَةٌ } بظهوركم على عدوكم وغنيمة تنالونها منهم ، وتتابع الناس في الدخول في دينكم ، وخصب في معايشكم { تَسُؤْهُمْ } ، تحزنهم ، { وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ } ، مساءة بإخفاق سرية لكم أو إصابة عدو منكم ، واختلاف يكون بينكم أو جدب أو نكبة ، { يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا } ، على أذاهم { وَتَتَّقُوا } ، تخافوا ربكم { لَا يَضُرُّكُمْ } ، أي : لا ينقصكم ، { كَيْدُهُمْ شَيْئًا } ، قرأ ابن عامر وابن كثير ونافع وأهل البصرة (لا يضركم) بكسر الضاد خفيفة ، يقال : ضار يضير ضيرا ، وهو جزم على جواب الجزاء ، وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء من ضر يضر ضرا مثل رد يرد ردا وفي رفعه وجهان . أحدهما : أنه أراد الجزم ، وأصله يضرركم فأدغمت الراء في الراء ، ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الثانية اتباعا ، والثاني : أن تكون لا بمعنى ليس ويضمر فيه الفاء ، تقديره : وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا ، { إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } ، أي : عالم .","part":2,"page":11},{"id":512,"text":"[121] قوله تعالى : { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } ، قال الحسن : هو يوم بدر ، وقال مقاتل : يوم الأحزاب ، وقال سائر المفسرين : هو يوم أحد ، وقال مجاهد والكلبي والواقدي : « غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة رضي الله عنها يمشي على رجليه إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح » . فكان من حرب أحد ما كان ، فذلك قوله تعالى : ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ) تنزل المؤمنين ( مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ) أي : مواطن ، ومواضع للقتال ، يقال : بوأت القوم إذا وطنتهم ، وتبوءوا هم إذا توطؤوا ، قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ) ، وقال : ( أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ) وقيل : تتخذ معسكرًا ، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .","part":2,"page":12},{"id":513,"text":"[122] { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا } أي : تجبنا وتضعفا وتتخلفا ، والطائفتان بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس ، وكانتا جناحي العسكر ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل ، وقيل : في تسعمائة وخمسين رجلًا ، فلما بلغوا الشوط اتخذ عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاثمائة وقال علام نقتل أنفسنا وأولادنا ؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال : أنشدكم بالله في نبيكم وفي أنفسكم ، فقال عبد الله بن أبي : لو نعلم قتالًا لاتبعناكم ، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي ، فعصمهم الله فلم ينصرفوا فذكرهم الله عظيم نعمته ، فقال عز وجل { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا } ناصرهما وحافظهما ، { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } .","part":2,"page":13},{"id":514,"text":"[123] قوله تعالى : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ } ، وبدر موضع بين مكة والمدينة وهو اسم لموضع ، وعليه الأكثرون ، وقيل : اسم لبئر هناك ، وقيل : كانت بدر بئرًا لرجل يقال له بدر ، { وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } ، جمع : ذليل ، وأراد به قلة العدد فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا فنصرهم الله مع قلة عددهم وعددهم ، { فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .\r[124] { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ } ، اختلفوا في هذه الآية فقال قتادة : كان يوم بدر أمدهم الله تعالى بألف من الملائكة كما قال : { فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ } [الأنفال : 9] ، ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا ، { بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ } .","part":2,"page":14},{"id":515,"text":"[125] { بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ } فصبروا يوم بدر واتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة كما وعد ، قال الحسن : وهؤلاء الخمسة آلاف ردء المؤمنين إلى يوم القيامة ، قال ابن عباس ومجاهد : لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر فيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون ، وإنما يكونون عددا ومددا ، وقال الآخرون : إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته واتقوا محارمه أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها ، فلم يصبروا إلا يوم الأحزاب ، فأمدهم حين حاصروا قريظة والنضير ، وقال الضحاك وعكرمة : كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا فلم يصبروا فلم يمدوا . قوله تعالى : { أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ } الإمداد : إعانة الجيش ، وقيل : ما كان على جهة القوة والإعانة ، يقال فيه : أمده إمدادا ، وما كان على جهة الزيادة ، ويقال فيه : مده مددا ، منه قوله تعالى : { وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ } وقيل : المد في الشر ، والإمداد في الخير ، يدل عليه قوله تعالى : { وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ","part":2,"page":15},{"id":516,"text":"} وقال في الخير { وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } . قوله تعالى : { بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ } قرأ ابن عامر تشديد الزاي على التكثير لقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ } ، وقرأ الآخرون بالتخفيف دليله قوله تعالى : { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ } . وقوله : { وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا } ، ثم قال { بَلَى } نمدكم { إِنْ تَصْبِرُوا } لعدوكم { وَتَتَّقُوا } مخالفة نبيكم { وَيَأْتُوكُمْ } يعني المشركين { مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا } قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والحسن وأكثر المفسرين : من وجههم هذا ، وقال مجاهد والضحاك : من غضبهم هذا لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر ، { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ } لم يرد خمسة آلاف سوى ما ذكر من ثلاثة آلاف ، بل أراد معهم ، وقوله { مُسَوِّمِينَ } أي : معلمين ، واختلفوا في تلك العلامة ، فقال عروة بن الزبير : كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر ، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم : عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم ،","part":2,"page":16},{"id":517,"text":"وقال هشام بن عروة والكلبي : عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم ، وقال الضحاك وقتادة : كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها .\r[126] قوله تعالى : { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ } يعني هذا الوعد والمدد ، { إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ } أي : بشارة لتستبشروا به { وَلِتَطْمَئِنَّ } ولتسكن { قُلُوبُكُمْ بِهِ } فلا تجزعوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم ، { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } يعني : لا تحيلوا بالنصر على الملائكة والجند ، فإن النصر من الله تعالى فاستعينوا به وتوكلوا عليه ، لأن العز والحكم له .","part":2,"page":17},{"id":518,"text":"[127] قوله تعالى : { لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، يقول لقد نصركم الله ليقطع طرفا أي : لكي يهلك طائفة من الذين كفروا ، وقال السدي : معناه ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر ، { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } قال الكلبي : يهزمهم ، وقال يمان : يصرعهم لوجوههم ، قال السدي : يلعنهم ، وقال أبو عبيدة : يهلكهم ، وقيل : يحزنهم ، والمكبوت : الحزين ، وقيل : يكبدهم أي : يصب الحزن والغيظ أكبادهم ، والتاء والدال يتعاقبان كما يقال سبت رأسه وسبده إذا حلقه ، وقيل : يكبتهم بالخيبة ، { فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ } ، لم ينالوا شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم .","part":2,"page":18},{"id":519,"text":"[128] قوله تعالى : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } ، أي : ليس إليك ، فاللام بمعنى (إلى) كقوله تعالى : { رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ } ، أي : إلى الإيمان ، وقوله تعالى : { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } ، قال بعضهم : معناه حتى يتوب عليهم : أو إلا أن يتوب عليهم ، وقيل : هو نسق على قوله : { لِيَقْطَعَ طَرَفًا } ، وقوله : ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) اعتراض بين الكلامين ، ونظم الآية : ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } ، ليس لك من الأمر شيء ، بل الأمر أمري في ذلك كله .\r[129] ثم قال : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\r[130] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } ، أراد به ما كانوا يفعلونه عند طول أجل الدين من زيادة المال وتأخير الطلب ، { وَاتَّقُوا اللَّهَ } في أمر الربا فلا تأكلوه ، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .","part":2,"page":19},{"id":520,"text":"[131] ثم خوفهم فقال : { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } .\r[132] { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، لكي ترحموا .","part":2,"page":20},{"id":521,"text":"[133] { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } ، بادروا وسابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إلى الإسلام ، وروي عنه : إلى التوبة ، وبه قال عكرمة ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إلى أداء الفرائض ، وقال أبو العالية : إلى الهجرة ، وقال الضحاك : إلى الجهاد ، وقال مقاتل : إلى الأعمال الصالحة . وروي عن أنس بن مالك أنها التكبيرة الأولى ، { وَجَنَّةٍ } أي وإلى جنة { عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ } أي : عرضها كعرض السماوات والأرض ، كما قال في سورة الحديد : { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } أي : سعتها ، وإنما ذكر العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأكثر والأغلب أكثر من عرضه ، يقول هذه صفة عرضها فكيف طولها ؟ قال الزهري : إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله ، وهذا على التمثيل لا أنها كالسماوات والأرض لا غير ، معناه كعرض السماوات السبع والأرضين السبع عند ظنكم ، { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } .","part":2,"page":21},{"id":522,"text":"[134] { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ } ، أي : في اليسر والعسر ، فأول ما ذكر من أخلاقهم الموجبة للجنة ذكر السخاوة ، { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ } أي : الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه ، والكظم : حبس الشيء عند امتلائه ، وكظم الغيظ أن يمتلئ غيظا فيرده في جوفه ولا يظهره . ومنه قوله تعالى : { إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ }{ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ } ، قال الكلبي عن المملوكين سوء الأدب ، وقال زيد بن أسلم ومقاتل : عمن ظلمهم وأساء إليهم { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ، عن الثوري : الإحسان أن تحسن إلى المسيء ، فإن الإحسان إلى المحسن تجارة .","part":2,"page":22},{"id":523,"text":"[135] قوله تعالى : { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً } يعني : قبيحة خارجة عما أذن الله تعالى فيه ، وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد ، قال جابر : الفاحشة الزنا { أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } ، ما دون الزنا من القبلة والمعانقة والنظر واللمس ، وقال مقاتل والكلبي : الفاحشة ما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل ، أو ظلموا أنفسهم بالمعصية ، وقيل : فعلوا فاحشة الكبائر ، أو ظلموا أنفسهم بالصغائر . وقيل : فعلوا فاحشة فعلا أو ظلموا أنفسهم قولا { ذَكَرُوا اللَّهَ } أي : ذكروا وعيد الله ، والله سائلهم ، وقال مقاتل بن حيان : ذكروا الله باللسان عند الذنوب ، { فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ } أي وهل يغفر الذنوب إلا الله ، { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } أي : لم يقيموا ولم يثبتوا عليه ، ولكن تابوا وأنابوا واستغفروا ، وأصل الإصرار : الثبات على الشيء ، قال الحسن : إتيان العبد ذنبا عمدا إصرار حتى يتوب . وقال السدي : الإصرار : السكوت وترك الاستغفار { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، قال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي : وهم يعلمون أنها معصية ، وقيل :","part":2,"page":23},{"id":524,"text":"وهم يعلمون أن الإصرار ضار ، وقال الضحاك : وهم يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنوب ، وقال الحسن بن الفضل : أن لهم ربا يغفر الذنوب ، وقيل : وهم يعلمون أن الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثرت وقيل : وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم .\r[136] { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } .","part":2,"page":24},{"id":525,"text":"[137] قوله تعالى : { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } ، قال عطاء : شرائع وقال الكلبي : مضت لكل أمة سنة ومنهاج إذا اتبعوها رضي الله عنهم ، وقال مجاهد : قد خلت من قبلكم سنن بالهلاك فيمن كذب قبلكم ، وقيل : سنن أي : أمم ، والسنة : الأمة ، وقيل معناه : أهل السنن ، والسنة : الطريقة المتبعة في الخير والشر ، يقال : سن فلان سنة حسنة ، وسنة سيئة إذا عمل عملا اقتدى به فيه من خير وشر ، ومعنى الآية : قد مضت وسلفت مني سنن فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة ، بإمهالي واستدراجي إياهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لإهلاكهم ، وإدالة أنبيائي عليهم { فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } ، أي : آخرنا من المكذبين ، وهذا في حرب أحد ، يقول الله عز وجل : فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلته في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأوليائه وإهلاك أعدائه .\r[138] { هَذَا } أي : هذا القرآن ، { بَيَانٌ لِلنَّاسِ } ، عامة ، { وَهُدًى } ، من الضلالة ، { وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } ، خاصة .","part":2,"page":25},{"id":526,"text":"[139] قوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا } ، هذا حث لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد والصبر على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أحد ، يقول الله تعالى : ( ولا تهنوا ) أي : لا تضعفوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح ، وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة منهم : حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ، وقتل من الأنصار سبعون رجلا ، { وَلَا تَحْزَنُوا } أي : على ما فاتكم ، { وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ } بأن يكون لكم العاقبة بالنصر والظفر على أعدائكم ، { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } يعني إذا كنتم ، أي : لأنكم مؤمنون ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : « انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب فأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم لا يعلوه علينا ، اللهم لا قوة لنا إلا بك ، وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموها » ، فذلك قوله تعالى : { وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ } وقال الكلبي : نزلت هذه الآية بعد يوم أحد حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم بعدما أصابهم","part":2,"page":26},{"id":527,"text":"من الحرج ، فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية ، دليله قوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ } .\r[140] { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر (قرح) بضم القاف حيث جاء ، وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان معناهما واحد كالجهد والجهد ، وقال الفراء : بالفتح اسم للجراحة ، وبالضم اسم لألم الجراحة ، هذا خطاب مع المسلمين حيث انصرفوا من أحد مع الكآبة والحزن ، يقول الله تعالى : ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ) يوم أحد ، { فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ } ، يوم بدر { وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } ، فيوم لهم ويوم عليهم ، أديل المسلمون من المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين ، وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمسا وسبعين . { وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } يعني . إنما كانت هذه المداولة ليعلم ؛ أي : ليرى الله الذين آمنوا فيميز المؤمن من المنافق ، { وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ } ، يكرم أقواما بالشهادة { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } .","part":2,"page":27},{"id":528,"text":"[141] { وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } أي : يطهركم من الذنوب ، { وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } ، يفنيهم ويهلكهم ، معناه : أنهم إن قتلوكم فهو تطهير لكم ، وإن قتلتموهم فهو محقهم واستئصالهم .\r[142] { أَمْ حَسِبْتُمْ } أي : أحسبتم ؟ { أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ } أي : ولم يعلم الله ، { الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } .\r[143] { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ } ، وذلك أن قوما من المسلمين تمنوا يوما كيوم بدر ليقاتلوا ويستشهدوا فأراهم الله يوم أحد ، وقوله : ( تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ) أي : سبب الموت وهو الجهاد من قبل أن تلقوه ، { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } يعني : أسبابه ، { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } ، فإن قيل : ما معنى قوله : ( وأنتم تنظرون ) ، بعد قوله : ( فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ) ؟ قيل : ذكره تأكيدا ، وقيل : الرؤية قد تكون بمعنى العلم ، فقال : ( وأنتم تنظرون ) ليعلم ، أن المراد بالرؤية النظر ، وقيل : معناه وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم .","part":2,"page":28},{"id":529,"text":"[144] قوله عز وجل : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ } . محمد هو المستغرق لجميع المحامد ، لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكامل ، والتحميد فوق الحمد ، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال ، وأكرم الله نبيه وصفيه باسمين مشتقين من اسمه جل جلاله ( محمد وأحمد ) ، قوله تعالى : { أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } أي : رجعتم إلى دينكم الأول ، { وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ } ، ويرتد عن دينه ، { فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا } ، بارتداده وإنما ضر نفسه ، { وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } .","part":2,"page":29},{"id":530,"text":"[145] { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ } ، قال الأخفش : اللام في ( لنفس ) منقولة من تموت تقديره : وما كان نفس لتموت ، { إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } ، بقضائه وقدره ، وقيل : بعلمه ، وقيل : بأمره ، { كِتَابًا مُؤَجَّلًا } أي : كتب لكل نفس أجلا لا يقدر أحد على تغييره وتأخيره ، ونصب كتابا على المصدر ، أي : كتب كتابا ، { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } يعني : من يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله ، يريد نؤته منها ما يشاء مما قدرناه له ، كما قال : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ } ، نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة ، { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا } ، أي أراد بعمله الآخرة ، قيل : أراد الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا ، { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } ، أي المؤمنين المطيعين .","part":2,"page":30},{"id":531,"text":"[146] قوله تعالى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } معناه : وكم ، وهي كاف التشبيه ضمت إلى أي الاستفهامية ، ولم يقع التنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ، (قاتل) قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة بضم القاف ، وقرأ الآخرون (قاتل) فمن قرأ (قاتل) فلقوله : ( فَمَا وَهَنُوا ) ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعدما قتلوا ، لقول سعيد بن جبير : ما سمعنا أن نبيا قتل في القتال ، ولأن (قاتل) أعم ، قال أبو عبيدة : إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه ، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم ، فكان (قاتل) أعم ، ومن قرأ (قتل) فله ثلاثة أوجه ، أحدها : أن يكون القتل راجعا إلى النبي وحده ، فيكون تمام الكلام عند قوله (قتل) ، ويكون في الآية إضمار معناه : ومعه ربيون كثير ، كما يقال : قتل فلان معه جيش كثير ، أي : ومعه ، والوجه الثاني : أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين ، ويكون المراد : بعض من معه ، تقول العرب قتلنا بني فلان ، وإنما قتلوا بعضهم ، ويكون قوله : { فَمَا وَهَنُوا } راجعا إلى الباقين ، والوجه الثالث : أن يكون القتل للربيين لا غير ، وقوله : (","part":2,"page":31},{"id":532,"text":"رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : جموع كثيرة ، وقال ابن مسعود : الربيون الألوف ، وقال الكلبي الربية الواحدة : عشرة آلاف ، وقال الضحاك : الربية الواحدة : ألف ، وقال الحسن : فقهاء علماء وقيل : هم الأتباع ، والربانيون والربيون الولاة والرعية ، وقيل : منسوب إلى الرب وهم الذين يعبدون الرب ، ( فَمَا وَهَنُوا ) أي : فما جبنوا ، { فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا } ، عن الجهاد بما نالهم من ألم الجراح ، وقتل الأصحاب . { وَمَا اسْتَكَانُوا } ، قال مقاتل : وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم ، وقال السدي : وما ذلوا ، وقال عطاء : وما تضرعوا ، وقال أبو العالية : وما جبنوا ولكن صبروا على أمر ربهم وطاعة نبيهم وجهاد عدوهم ، { وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ } .","part":2,"page":32},{"id":533,"text":"[147] قوله تعالى : { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } ، نصب على خبر كان ، والاسم في أن قالوا ، ومعناه : وما كان قولهم عند قتل نبيهم ، { إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } أي : الصغائر ، { وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا } ، أي : الكبائر ، { وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا } ، كي لا تزول ، { وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } ، فيقول : فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .\r[148] { فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا } ، النصرة والغنيمة ، { وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ } ، أي الأجر والجنة ، { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } .","part":2,"page":33},{"id":534,"text":"[149] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا } ، يعني اليهود والنصارى ، وقال علي رضي الله عنه ، يعني المنافقين في قولهم : للمؤمنين عند الهزيمة : ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم ، { يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } ، يرجعوكم إلى أول أمركم من الشرك بالله ، { فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } ، مغبونين .\r[150] ثم قال : { بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ } ، ناصركم وحافظكم على دينكم الإسلام ، { وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ } .","part":2,"page":34},{"id":535,"text":"[151] { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } وذلك أن أبا سفيان والمشركين لما ارتحلوا يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى إذا بلغوا بعض الطريق ، ندموا وقالوا : بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ، ارجعوا فاستأصلوهم ، فلما عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرعب ، حتى رجعوا عما هموا به ، فذلك قوله تعالى ( سنلقي ) أي : سنقذف في قلوب الذين كفروا الرعب ، الخوف { بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا } حجة وبرهانا ، { وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ } ، مقام الكافرين .","part":2,"page":35},{"id":536,"text":"[152] قوله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ } قال محمد بن كعب القرظي : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد ، قد أصابهم ما أصابهم ، قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا ؟ وقد وعدنا الله النصر ، فأنزل الله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ } ، وذلك أن الظفر كان للمسلمين في الابتداء ، { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } ، وذلك « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين وهو جبل عن يساره وأقام عليه الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير ، وقال لهم : احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وأقبل المشركون فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل ، والمسلمون يضربونهم بالسيوف ، حتى ولوا هاربين » فذلك قوله تعالى : ( إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ) أي تقتلونهم قتلا ذريعا بقضاء الله ، قال أبو عبيدة : (الحس) : الاستئصال بالقتل { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ } أي إن جبنتم ، وقيل : معناه فلما فشلتم ، { وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ } ، فالواو زائدة في","part":2,"page":36},{"id":537,"text":"( وَتَنَازَعْتُمْ) يعني : إذا فشلتم تنازعتم ، وقيل : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم ، ومعنى التنازع الاختلاف ، وكان اختلافهم أن الرماة اختلفوا حين انهزم المشركون ، فقال بعضهم : انهزم القوم فما مقامنا ؟ وأقبلوا على الغنيمة ، وقال بعضهم : لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة ، فلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه ، وأقبلوا على المسلمين وجاءت الريح فصارت دبورا بعد ما كانت صبا ، وانقضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من الدهش ، ونادى إبليس أن محمدًا قد قتل ، فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين ، قوله تعالى : { وَعَصَيْتُمْ } يعني : الرسول صلى الله عليه وسلم وخالفتم أمره { مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ } ، الله { مَا تُحِبُّونَ } يا معشر المسلمين من الظفر والغنيمة ، { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا } ، يعني : الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب ، { وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ } ، يعني : الذين ثبتوا مع","part":2,"page":37},{"id":538,"text":"عبد الله بن جبير حتى قتلوا ، قال عبد الله بن مسعود : ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ، ونزلت هذه الآية { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } ، أي ردكم عنهم بالهزيمة ، { لِيَبْتَلِيَكُمْ } ليمتحنكم ، وقيل : لينزل البلاء عليكم { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة منكم لأمر نبيكم ، { وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } .","part":2,"page":38},{"id":539,"text":"[153] { إِذْ تُصْعِدُونَ } يعني : ولقد عفا عنكم إذ تصعدون هاربين والإصعاد : السير في مستوى الأرض ، والصعود : الارتفاع على الجبال والسطوح ، قال أبو حاتم : يقال أصعدت إذا مضيت حيال وجهك ، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره ، وقال المبرد : أصعد إذا أبعد في الذهاب { وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ } أي : لا تعرجون ولا تقيمون على أحد ، لا يلتفت بعضكم إلى بعض { وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ } أي : في آخركم ومن ورائكم إلي عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة ، { فَأَثَابَكُمْ } ، فجازاكم ، جعل الإثابة بمعنى العقاب ، وأصلها في الحسنات لأنه وضعها موضع الثواب ، كقوله تعالى : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } جعل البشارة في العذاب ، ومعناه : جعل مكان الثواب الذين كنتم ترجون { غَمًّا بِغَمٍّ } ، وقيل : الباء بمعنى على ، أي : غما على غم ، وقيل : غما متصلا بغم ، فالغم الأول : ما فاتهم من الظفر والغنيمة ، والغم الثاني : ما نالوا من القتل والهزيمة ، وقيل : الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح ، والغم الثاني : أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فأنساهم الغم الأول ، وقيل الغم الأول : إشراف","part":2,"page":39},{"id":540,"text":"خالد بن الوليد عليهم بخيل المشركين ، والغم الثاني : حين أشرف عليهم أبو سفيان ، وأصحابه ، حتى وقفوا بباب الشعب ، فلما نظر المسلمون إليهم همهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس لهم أن يعلونا اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض » ، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم . وقيل : إنهم غموا الرسول بمخالفة أمره ، فجازاهم الله بذلك الغم غم القتل والهزيمة ، قوله تعالى : { لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ } ، من الفتح والغنيمة ، { وَلَا مَا أَصَابَكُمْ } أي : ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة ، { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .","part":2,"page":40},{"id":541,"text":"[154] { ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ } ، يا معشر المسلمين ، { مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً } يعني : أمنا ، والأمن والأمنة بمعنى واحد ، وقيل : الأمن يكون مع زوال سبب الخوف ، والأمنة مع بقاء سبب الخوف ، وكان سبب الخوف هنا قائما ، { نُعَاسًا } ، بدل من الأمنة { يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ } قرأ حمزة والكسائي (تغشى) بالتاء ردا إلى الأمنة ، وقرأ الآخرون بالياء ردا إلى النعاس ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم ، هانما ينعس من يأمن ، والخائف لا ينام ( يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ) يعني : المؤمنين ، { وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } يعني المنافقين : قيل : أراد تمييز المنافقين من المؤمنين ، فأوقع النعاس على المؤمنين حتى أمنوا ، ولم يوقع على المنافقين ، فبقوا في الخوف قد أهمتهم أنفسهم ، أي : حملتهم على الهم يقال : أمر مهم { يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ } أي : لا ينصر محمدا ، وقيل : ظنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل ، { ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ } أي : كظن أهل الجاهلية والشرك ، { يَقُولُونَ هَلْ لَنَا } : ما لنا ، لفظه استفهام ومعناه : جحد ، { مِنَ","part":2,"page":41},{"id":542,"text":"الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ } يعني : النصر ، { قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } ، قرأ أهل البصرة برفع اللام على الابتداء وخبره في ( لله ) وقرأ الآخرون بالنصب على البدل ، وقيل : على النعت ، { يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا } ، وذلك أن المنافقين ، قال بعضهم لبعض : لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم يقتل رؤساؤنا ، وقيل : لو كنا على الحق ما قتلنا ههنا ، قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ، يعني : التكذيب بالقدر ، وهو قولهم : ( لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) ، { قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ } ، قضي ، { عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } مصارعهم ، { وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ } ، وليمتحن الله ، { مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ } ، يخرج ويظهر { مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } ، بما في القلوب من خير وشر .","part":2,"page":42},{"id":543,"text":"[155] { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا } ، انهزموا ، { مِنْكُمْ } ، يا معشر المسلمين ، { يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } ، جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد ، وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلا ستة من المهاجرين : وهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم ، قوله تعالى : { إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ } أي : طلب زلتهم ، كما يقال : أستعجلت فلانا إذا طلبت عجلته ، وقيل : حملهم الزلة وهي الخطيئة ، وقيل : أزل واستزل بمعنى واحد ، { بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا } ، أي : بشؤم ذنوبهم ، قال بعضهم : بتركهم المركز ، وقال الحسن : ما كسبوا هو قبولهم من الشيطان ما وسوس إليهم من الهزيمة ، { وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } .","part":2,"page":43},{"id":544,"text":"[156] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا } ، يعني : المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه ، { وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } ، في النفاق والكفر ، وقيل : في النسب ، { إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ } أي : سافروا فيها لتجارة أو غيرها ، { أَوْ كَانُوا غُزًّى } أي : غزاة جمع غاز فقتلوا ، { لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ } يعني قولهم وظنهم ، { حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (يعملون) بالياء ، وقرأ الآخرون بالتاء .","part":2,"page":44},{"id":545,"text":"[157] { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ } ، قرأ نافع وحمزة والكسائي (متم) بكسر الميم ، وقرأ الآخرون بالضم ، فمن ضمه فهو من مات يموت ، كقولك : من قال يقول قلت : بضم القاف ، ومن كسره فهو من مات يمات ، كقولك من خاف يخاف : خفت ، { لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ } ، في العاقبة ، { وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } ، من الغنائم ، قراءة العامة (تجمعون) بالتاء ، لقوله : ( وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ ) وقرأ حفص عن عاصم (يجمعون) بالياء ، يعني : خير مما يجمع الناس .","part":2,"page":45},{"id":546,"text":"[158] { وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ } ، في العاقبة .","part":2,"page":46},{"id":547,"text":"[159] قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ } أي : فبرحمة من الله ، و (ما) صلة ، كقوله ( فبما نقضهم ) { لِنْتَ لَهُمْ } أي : سهلت لهم أخلاقك ، وكثرة احتمالك ، ولم تسرع إليهم بالغضب فيما كان منهم يوم أحد ، { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا } يعني : جافيا سيئ الخلق قليل الاحتمال ، { غَلِيظَ الْقَلْبِ } ، قال الكلبي : فظا في القول غليظ القلب في الفعل ، { لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } ، أي : نفروا وتفرقوا عنك يقال : فضضتهم فانفضوا ، أي : فرقتهم فتفرقوا { فَاعْفُ عَنْهُمْ } ، تجاوز عنهم ما أتوا يوم أحد عاله { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } حتى أشفعك فيهم ، { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } أي : استخرج آراءهم واعلم ما عندهم ، من قول العرب : شرت الدابة ، وشروتها ، إذا استخرجت جريها ، وشرت العسل وأشرته إذا أخذته من موضعه ، واستخرجته ، واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر الله نبيه و!سه بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه ، ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبوا أو كرهوا ، فقال بعضهم : هو خاص في المعنى ، أي : وشاورهم فيما لبس عندك فيه من الله تعالى عهد ، وقال الكلبي : يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكايد","part":2,"page":47},{"id":548,"text":"الحرب عند الغزو ، وقال مقاتل وقتادة : أمر الله تعالى بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم ، فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم ، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم ، وقال الحسن : قد علم الله عز وجل أنه ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده ، { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } لا على مشاورتهم ، أي : قم بأمر الله وثق به واستعنه ، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } .\r[160] { إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ } ، يعينكم الله ويمنعكم من عدوكم ، { فَلَا غَالِبَ لَكُمْ } ، مثل يوم بدر ، { وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ } ، يترككم فلم ينصركم كما كان بأحد ، والخذلان : القعود عن النصرة ، والإسلام للهلكة { فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ } ، أي : من بعد خذلانه ، { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } ، قيل : التوكل ألا تعصي الله من أجل رزقك ، وقيل : ألا تطلب لنفسك ناصرا غير الله ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك شاهدا غيره .","part":2,"page":48},{"id":549,"text":"[161] قوله عز وجل : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } قرأ ابن كثير وأهل البصرة وعاصم ( يَغُلَّ) بفتح الياء وضم الغين ، معناه : أن يخون ، والمراد منه الأمة : وقيل : اللام فيه منقولة معناه : ما كان النبي ليغل ، وقيل : معناه ما كان يظن به ذلك ولا يأتي به ، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الغين ، وله وجهان ، أحدهما : أن تكون من الغلول أيضا ، أي : ما كان لنبي أن يخان ، يعني : أن تخونه أمته ، والوجه الآخر : أن يكون من الأغلال ، معناه : ما كان لنبي أن يغل : أن يخون ، أي : ينسب إلى الخيانة ، { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، قال الكلبي : يمثل له ذلك الشيء في النار ثم يقال له : انزل فخذه فينزل فيحمله على ظهره فإذا بلغ موضعه وقع إلى النار ، ثم يكلف أن ينزل إليه ، فيخرجه فيفعل ذلك به { ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } .\r[162] { أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ } ، فترك الغلول ، { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ } ، فعل ، { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .","part":2,"page":49},{"id":550,"text":"[163] { هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ } يعني : ذو درجات عند الله ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني من اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند الله ، فلمن اتبع رضوان الله الثواب العظيم ، ولمن باء بسخط من الله العذاب الأليم . { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } .\r[164] { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ } ، قيل : أراد به العرب لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وله فيهم من نسب إلا بني تغلب ، دليله قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ } وقال الآخرون : أراد به جميع المؤمنين ومعنى قوله تعالى : ( من أنفسهم ) أي : بالإيمان والشفقة لا بالنسب ، دليله قوله تعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ } ، { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا } ، وقد كانوا ، { مِنْ قَبْلُ } أي : من قبل بعثه { لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } .","part":2,"page":50},{"id":551,"text":"[165] { أَوَلَمَّا } أي : حين { أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ } ، بأحد ، { قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا } ، ببدر ، وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين وقتل المسلمون منهم ببدر سبعين وأسروا سبعين ، { قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا } ، من أين لنا هذا القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا ؟ { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } ، روى عبيدة السلماني عن علي رضي الله عنه قال : « جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى ، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا فتضرب أعناقهم ، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم ، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس فقالوا : يا رسول الله عشائرنا وإخواننا ، لا بل تأخذ منهم فداءهم ، فنقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم ، فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى أهل بدر » ، فهذا معنى قوله تعالى : { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } ، أي بأخذكم الفداء واختياركم القتل ، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":2,"page":51},{"id":552,"text":"[166] { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } ، بأحد من القتل والجرح والهزيمة ، { فَبِإِذْنِ اللَّهِ } ، أي : بقضاء الله وقدره ، { وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ } ، أي : وليميز ، وقيل ليرى .\r[167] { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، أي : لأجل دين الله وطاعته ، { أَوِ ادْفَعُوا } ، عن أهلكم وحريمكم ، وقال السدي : أي : كثروا سواد المسلمين واربطوا إن لم تقاتلوا يكون ذلك دفعا وقمعا للعدو ، { قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ } ، وهو عبد الله بن أبي وأصحابه الذين انصرفوا عن أحد وكانوا ثلاثمائة ، قال الله تعالى : { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ } أي : إلى الكفر يومئذ أقرب { مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ } أي : إلى الإيمان ، { يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ } ، يعني : كلمة الإيمان { مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } .","part":2,"page":52},{"id":553,"text":"[168] { الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } ، في النسب لا في الدين وهم شهداء أحد { وَقَعَدُوا } يعني : قعد هؤلاء القائلون عن الجهاد { لَوْ أَطَاعُونَا } ، وانصرفوا عن محمد صلى الله عليه وسلم وقعدوا في بيوتهم { مَا قُتِلُوا قُلْ } ، لهم يا محمد ، { فَادْرَءُوا } ، فادفعوا ، { عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، أن الحذر يغني عن القدر .","part":2,"page":53},{"id":554,"text":"[169] قوله تعالى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا } الآية ، قيل : نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين ، وقال الآخرون : نزلت في شهداء أحد وكانوا سبعين رجلا ، وقال قوم : نزلت هذه الآية لمحي شهداء بئر معونة ، وقيل : إن أولياء الشهداء كانوا أصابتهم نعمة تحسروا على الشهداء ، وقالوا : نحن في النعمة وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور ، فأنزل الله تعالى تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم : ( ولا تحسبن ) ولا تظنن ( الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قرأ ابن عامر (قتلوا) بالتشديد ، والآخرون بالتخفيف ( أمواتا ) كأموات من لم يقتل في سبيل الله { بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ } ، قيل : أحياء في الدين ، وقيل : في الذكر ، وقيل : لأنهم يرزقون ويأكلون ويتمتعون كالأحياء ، وقيل : لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة ، وقيل : لأن الشهيد لا يبلى في القبر ، ولا تأكله الأرض ، { يُرْزَقُونَ } ، من ثمار الجنة وتحفها .","part":2,"page":54},{"id":555,"text":"[170] { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } ، رزقه وثوابه ، { وَيَسْتَبْشِرُونَ } ، ويفرحون ، { بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ } ، من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان والجهاد لعلمهم أنهم إذا استشهدوا ولحقوا بهم ونالوا من الكرامة ما نالوا ، فهم لذلك مستبشرون ، { أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .\r[171] { يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ } أي : وبأن الله ، وقرأ الكسائي بكسر الألف على الاستئناف ، { لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } .\r[172] قوله تعالى : { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } أي أجابوا ، ومحل ( الذين ) خفض على صفة المؤمنين تقديره : إن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين الذين استجابوا لله والرسول ، { مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ } ، أي : نالهم الجرح في أحد ، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ } بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجابته إلى الغزو ، { وَاتَّقَوْا } ، معصيته { أَجْرٌ عَظِيمٌ } .","part":2,"page":55},{"id":556,"text":"[173] { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } يعني أبا سفيان وأصحابه ، { فَاخْشَوْهُمْ } ، فخافوهم واحذروهم ، فإنه لا طاقة لكم بهم ، { فَزَادَهُمْ إِيمَانًا } تصديقا ويقينا وقوله : { وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ } أي : كافينا الله ، { وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } ، أي : الموكل إليه الأمور ، فعيل بمعنى مفعول .","part":2,"page":56},{"id":557,"text":"[174] { فَانْقَلَبُوا } ، فانصرفوا ، { بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ } بعافية لم يلقوا عدوا { وَفَضْلٍ } تجارة وربح ، { لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ } لم يصبهم أذى ولا مكروه ، { وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ } في طاعة الله وطاعة رسوله ، وذلك أنهم قالوا : هل يكون هذا غزو فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم ، { وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } .\r[175] قوله تعالى : { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ } ، يعني : ذلك الذي قال لكم : { إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ } ، من فعل الشيطان ألقي في أفواههم لترهبوهم وتجبنوا عنهم ، { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } ، أي يخوفكم بأوليائه ، وكذلك هو في قراءة أبي بن كعب يعني : يخوف المؤمنين بالكافرين ، قال السدي : يعظم أولياءه في صدورهم ليخافوهم ، يدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود (يخوفكم أولياءه) ، { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ } ، في ترك أمري { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، مصدقين بوعدي لأني متكفل لكم بالنصر والظفر .","part":2,"page":57},{"id":558,"text":"[176] قوله عز وجل : { وَلَا يَحْزُنْكَ } ، قرأ نافع (يحزنك) بضم الياء وكسر الزاي ، وكذلك في جميع القرآن إلا قوله : { لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ } ، ضده أبو جعفر ، وهما لغتان : حزن يحزن وأحزن يحزن ، إلا أن اللغة الغالبة حزن يحزن ، { الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ } ، قال الضحاك : هم كفار قريش ، وقال غيره : المنافقون يسارعون في الكفر بمظاهرة الكفار . { إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا } ، بمسارعتهم في الكفر ، { يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ } ، نصيبا في ثواب الآخرة ، فلذلك خذلهم حتى سارعوا في الكفر ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .\r[177] { إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا } ، استبدلوا { الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا } ، بمسارعتهم في الكفر وإنما يضرون أنفسهم ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .","part":2,"page":58},{"id":559,"text":"[178] { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، قرأ حمزة هذا والذي بعده بالتاء فيهما ، وقرأ الآخرون بالياء ، فمن قرأ بالياء (فالذين) في محل الرفع على الفاعل وتقديره : لا يحسبن الكفار إملاءنا لهم خيرا ، ومن قرأ بالتاء يعني : ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا ، وإنما نصب على البدل من الذين ، { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ } ، والإملاء الإمهال والتأخير ، يقال : عشت طويلا وتمليت حينا ، ومنه قوله تعالى : (واهجرني مليا) أي : حينا طويلا ، ثم ابتدأ فقال : { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ } ، نمهلهم { لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } ، قال مقاتل : نزلت في مشركي مكة ، وقال عطاء : في قريظة والنضير .","part":2,"page":59},{"id":560,"text":"[179] قوله تعالى : { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } اختلفوا في حكم الآية ونظمها ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين : الخطاب للكفار والمنافقين ، يعني : { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ } يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق { حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } ، وقال قوم : الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم ، معناه : ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق ، فرجع من الخبر إلى الخطاب ، (حتى يميز الخبيث من الطيب) ، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بضم الياء وتشديدها وكذلك التي في الأنفال ، وقرأ الباقون بالتخفيف ، يقال : ماز الشيء يميزه ميزا وميزه تمييزا إذا فرقه فامتاز ، هانما هو بنفسه ، قال أبو معاذ إذا فرقت بين شيئين ، قلت : مزت ميزا فإذا كانت أشياء قلت : ميزتها تمييزا ، وكذلك إذا جعلت الشيء الواحد شيئين قلت : فرقت بالتخفيف ، ومنه فرقت الشعر ، فإن جعلته أشياء ، قلت : فرقته تفريقا ، ومعنى","part":2,"page":60},{"id":561,"text":"الآية : حتى يميز المنافق من المخلص ، فميز الله المؤمنين من المنافقين يوم أحد حيث أظهروا النفاق فتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال قتادة : حتى يميز الكافر من المؤمن بالهجرة والجهاد ، وقال الضحاك : (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه) في أصلاب الرجال وأرحام النساء يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين ، وقيل : (حتى يميز الخبيث) وهو المذنب (من الطيب) وهو المؤمن ، يعني : حتى تحط الأوزار عن المؤمن بما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة ، { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ } ، لأنه لا يعلم الغيب أحد غير الله ، { وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ } فيطلعه على بعض علم الغيب ، نظيره قوله تعالى : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا }{ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } ، وقال السدي : معناه وما كان الله ليطلع محمدا صلى الله عليه وسلم على الغيب ولكن الله اجتباه ، { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } .","part":2,"page":61},{"id":562,"text":"[180] { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ } ، أي : ولا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم ، { بَلْ هُوَ } ، يعني : البخل ، { شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ } ، أي : سوف يطوقون ، { مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، يعني : يجعل ما منعه من الزكاة حية تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من فوقه إلى قدمه ، هذا قول ابن مسعود وابن عباس ، وقال إبراهيم النخعي : معنى الآية يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقا من النار ، قال مجاهد : يكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به في الدنيا من أموالهم . وروى عطية عن ابن عباس : أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ، وأراد بالبخل كتمان العلم كما قال في سورة النساء { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } ومعنى قوله (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) أي : يحملون وزره وإثمه ، كقوله تعالى : { يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ } . { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، يعني","part":2,"page":62},{"id":563,"text":": أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون ويرثهم ، نظيره قوله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } ، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ، قرأ أهل البصرة ومكة بالياء ، وقرأ الآخرون بالتاء .","part":2,"page":63},{"id":564,"text":"[181] قوله تعالى : { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } ، قال الحسن ومجاهد : لما نزلت : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } قالت اليهود : إن الله فقير يستقرض منا ونحن أغنياء ، { سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا } ، من الإفك والفرية على الله فنجازيهم به ، وقال مقاتل : سنحفظ عليهم ، وقال الواقدي : سنأمر الحفظة بالكتابة ، نظيره قوله تعالى : { وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } . { وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } ، قرأ حمزة (سيكتب) بضم الياء ، (وقتلهم) برفع اللام (ويقول) بالياء ، و ( ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) أي : النار ، وهو بمعنى المحرق ، كما يقال : ( لهم عذاب أليم ) ، أي : مؤلم .\r[182] { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } ، فيعذب بغير ذنب .","part":2,"page":64},{"id":565,"text":"[183] قوله تعالى : { الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا } ، الآية ، قال الكلبي : نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد تزعم أن الله تعالى بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك الكتاب وأن الله تعالى قد عهد إلينا في التوراة { أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ } ، يزعم أنه من عند الله ، { حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ } ، فإن جئتنا به صدقناك ؟ فأنزل الله تعالى : ( الذين قالوا ) أي : سمع الله قول الذين قالوا ، ومحل ( الذين ) خفض ردا على الذين الأول ، ( إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا ) أي : أمرنا وأوصانا في كتبه أن لا نؤمن برسول ، أي : لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار أضار فيكون دليلا على صدقه ، والقربان ، كل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من نسيكة وصدقة ملأ وعمل صالح ، وهو فعلان من القربة ، وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل ، وكانوا إذا قربوا قربانا أو غنموا غنيمة جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ، ولها دوي وحفيف ،","part":2,"page":65},{"id":566,"text":"فتأكله وتحرق ذلك القربان وتلك الغنيمة فيكون ذلك علامة القبول ، وإذا لم يقبل بقيت على حالها ، وقال السدي : إن الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد ، فإذا أتياكم فآمنوا بهما ، فإنهما يأتيان بغير قربان ، قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم ، { قُلْ } ، يا محمد { قَدْ جَاءَكُمْ } ، يا معشر اليهود ، { رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ } ، من القربان { فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } ؟ يعني : زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء ، وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، معناه تكذيبهم إياك مع علمهم بصدقك ، كقتل آبائهم الأنبياء ، مع الإتيان بالقربان والمعجزات ، ثم قال معزيا لنبيه صلى الله عليه وسلم .\r[184] { فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ } ، قرأ ابن عامر : (وبالزبر) أي : بالكتب المزبورة ، يعني : المكتوبة ، واحدها مثل : رسول ورسل ، { وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ } ، الواضح المضيء .","part":2,"page":66},{"id":567,"text":"[185] قوله عز وجل : { كُلُّ نَفْسٍ } ، منفوسة { ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } ، توفون جزاء أعمالكم ، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ } إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، { فَمَنْ زُحْزِحَ } ، نحي وأزيل ، { عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } ، يعني منفعة ومتعة كالفأس والقدر والقصعة ، ثم يزول ولا يبقى ، وقال الحسن : كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له ، قال قتادة : هي متاع متروكة يوشك أن تضمحل بأهلها ، فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله ما استطعتم ، والغرور الباطل .","part":2,"page":67},{"id":568,"text":"[186] { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ } ( لَتُبْلَوُنَّ) لتختبرن ، اللام للتأكيد ، وفيه معنى القسم ، والنون لتأكيد القسم ( فِي أَمْوَالِكُمْ ) بالجوائح والعاهات والخسران ( وأنفسكم ) بالأمراض ، وقيل : بمصائب الأقارب والعشائر ، قال عطاء : هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم ورباعهم وعذبوهم ، وقال الحسن : هو ما فرض عليهم من أموالهم وأنفسهم من الحقوق ، كالصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة ، { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } يعني : اليهود والنصارى ، { وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } ، يعني : مشركي العرب ، { أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا } ، على أذاهم { وَتَتَّقُوا } ، الله ، { فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } ، من حق الأمور وخيرها ، وقال عطاء : من حقيقة الإيمان .","part":2,"page":68},{"id":569,"text":"[187] { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر بالياء فيهما ، لقوله تعالى : ( فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ) ، وقرأ الآخرون بالتاء فيها على إضمار القول ، { فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } ، أي طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به ، { وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } ، يعني المآكل والرشا { فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } ، قال قتادة : هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل العلم فمن علم شيئا فليعلمه ، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة ، وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ، ثم تلا هذه الآية .","part":2,"page":69},{"id":570,"text":"[188] { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } ، قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( لا تحسبن ) بالتاء ، أي : لا تحسبن يا محمد الفارحين ، وقرأ الآخرون بالياء لا تحسبن الفارحون في فرحهم منجيا لهم من العذاب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (فلا يحسبنهم) بالياء وضم الياء خبرا عن الفارحين ، أي فلا يحسبن أنفسهم ، وقرأ الآخرون بالتاء وفتح الباء ، أي : فلا تحسبنهم يا محمد ، وأعاد قوله ( فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ ) تأكيدا قال عكرمة : نزلت في فنحاص وأسيبع وغيرهما من الأحبار يفرحون بإضلالهم الناس بنسبة الناس إياهم إلى العلم وليسوا بأهل العلم ، وقال مجاهد : هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه ، وقال سعيد بن جبير : هم اليهود فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم وهم برآء من ذلك ، وقال قتادة ومقاتل : أتت يهود خيبر نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نحن نعرفك ونصدقك هانا على رأيك ونحن لك ردء ، وليس ذلك في قلوبهم ، فلما خرجوا قال لهم المسلمون : ما صنعتم ؟ قالوا : عرفناه وصدقناه ، فقال لهم المسلمون : أحسنتم هكذا فافعلوا ، فحمدوهم ودعوا لهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال : (يفرحون","part":2,"page":70},{"id":571,"text":"بما أتوا) قال الفراء بما فعلوا ، كما قال الله تعالى : { لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا } أي : فعلت ، { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ } بمناجاة { مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }\r[189] { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، يصرفها كيف يشاء ، { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r[190] { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } ذوي العقول ، ثم وصفهم فقال :","part":2,"page":71},{"id":572,"text":"[191] { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } ، قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم والنخعي وقتادة : هذا في الصلاة يصلي قائما فإن لم يستطع قاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب ، وقال سائر المفسرين أراد به المداومة على الذكر في عموم الأحوال لأن الإنسان قلما يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث ، نظيره في سورة النساء { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } ، { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، وما أبدع فيهما ليدلهم ذلك على قدرة الله ويعرفوا أن لها صانعا قادرا مدبرا حكيما ، قال ابن عون : الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النماء ، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ، ولا استنارت بمثل الفكرة ، { رَبَّنَا } أي : ويقولون ربنا { مَا خَلَقْتَ هَذَا } رده إلى الخلق فلذلك لم يقل هذه ، { بَاطِلًا } ، أي : عبثا وهزلا بل خلقته لأمر عظيم ، وانتصب (باطلا) بنزع الخافض ، أي : بالباطل ، { سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } .","part":2,"page":72},{"id":573,"text":"[192] { رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } أي : أهنته ، وقيل : أهلكته ، وقيل : فضحته ، لقوله تعالى : { وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي } فإن قيل : قد قال الله تعالى : { يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } ، ومن أهل الإيمان من يدخل النار ، وقد قال : ( رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ) ، فكيف الجمع ؟ قيل : قال أنس وقتادة معناه : إنك من تخلده في النار فقد أخزيته ، وقال سعيد بن المسيب هذه خاصة لمن لا يخرج منها ، فقد روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله يدخل قوما النار ثم يخرجون منها » . { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } .","part":2,"page":73},{"id":574,"text":"[193] ، { رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا } يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما ، وأكثر الناس ، وقال القرظي : يعني القرآن ، فليس كل واحد يلقى النبي صلى الله عليه وسلم ، { يُنَادِي لِلْإِيمَانِ } إلى الإيمان ، { أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ } أي : في جملة الأبرار .","part":2,"page":74},{"id":575,"text":"[194] { رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ } أي : على ألسنة رسلك ، { وَلَا تُخْزِنَا } ، ولا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا ، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ } ، فإن قيل : ما وجه قولهم : ( رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ) ، وقد علموا أن الله لا يخلف الميعاد ؟ قيل : لفظه دعاء ومعناه خبر ، أي : لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك ، تقديره : { فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا } ( وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ، لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك من الفضل والرحمة ، وقيل . معناه ربنا واجلعنا ممن يستحقون ثوابك وتؤتيهم ما وعدتهم على ألسنة رسلك لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة ، فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها ، وقيل : إنما سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء ، وقالوا : قد علمنا أنك لا تخلف وعدك من النصر ، ولكن لا صبر لنا على حلمك فعجل خزيهم وانصرنا عليهم .","part":2,"page":75},{"id":576,"text":"[195] ، قوله تعالى : { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي } أي : بأني : { لَا أُضِيعُ } لا أحبط ، { عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ } ، أيها المؤمنون { مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } قال مجاهد : « قالت أم سلمة يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء ، فأنزل الله تعالى هذه الآية » ، { بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } ، قال الكلبي : في الدين والنصرة والموالاة ، وقيل : كلكم من آدم وحواء ، وقال الضحاك : رجالكم شكل نسائكم ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة ، كما قال : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } ، { فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي } ، أي : في طاعتي وديني ، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة ، { وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا } قرأ ابن عامر وابن كثير (قتلوا) بالتشديد ، وقال الحسن : يعني أنهم قطعوا في المعركة ، والآخرون بالتخفيف ، وقرأ أكثر القراء : ( وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا ) يريد أنهم قاتلوا العدو ثم أنهم قتلوا ، وقرأ حمزة والكسائي (قتلوا وقاتلوا) وله وجهان ، أحدهما : معناه وقاتل من بقي منهم ، ومعنى قوله","part":2,"page":76},{"id":577,"text":"(وقتلوا) أي : قتل بعضهم ، تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم ، والوجه الآخر (وقتلوا) وقد قاتلوا ، { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } ، نصب على القطع قاله الكسائي ، وقال المبرد : مصدر ، أي : لأثيبنهم ثوابا ، { وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ }\r[196] ، قوله عز وجل : { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ } ، نزلت في المشركين ، وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون ، فقال بعض المؤمنين : إن أعداء الله تعالى فيما نرى من الخير ، ونحن في الجهد ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ } ، وضربهم في الأرض وتصرفهم في البلاد للتجارات وأنواع المكاسب ، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره .\r[197] ، { مَتَاعٌ قَلِيلٌ } ، أي : هو متاع قليل ، بلغة فانية ومتعة زائلة ، { ثُمَّ مَأْوَاهُمْ } ، مصيرهم ، { جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ } . الفراش .","part":2,"page":77},{"id":578,"text":"[198] { لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا } ، جزاء وثوابا ، { مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } ، نصب على التفسير ، وقيل : جعل ذلك نزلا ، { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ } من متاع الدنيا .","part":2,"page":78},{"id":579,"text":"[199] ، قوله عز وجل : { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ } هو الآية ، قال ابن عباس وجابر وأنس وقتادة : نزلت في النجاشي ملك الحبشة ، وقال عطاء : نزلت في أهل نجران أربعين رجلا اثنان وثلاثون من أرض الحبشة وثمانية من الروم ، كانوا على دين عيسى عليه السلام ، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن جريج : نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه ، وقال مجاهد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ } يعني : القرآن ، { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ } يعني : التوراة والإنجيل ، { خَاشِعِينَ لِلَّهِ } خاضعين متواضعين لله ، { لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } يعني : لا يحرفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل الرياسة والمآكلة ، كفعل غيرهم من رؤساء اليهود ، { أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }","part":2,"page":79},{"id":580,"text":"[200] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا } ، قال الحسن : اصبروا على دينكم ولا ندعوه لشدة ولا رخاء ، وقال قتادة : اصبروا على طاعة أدته ، وقال الضحاك ومقاتل بن سليمان : على أمر الله ، وقال مقاتل بن حيان : على أداء فرائض الله تعالى ، وقال زيد بن أسلم : على الجهاد ، وقال الكلبي . على البلاء ، وصابروا يعني : على قتال الكفار ، ورابطوا يعني المشركين ، قال أبو عبيدة : أي دافعوا واثبتوا ، والربط الشد ، وأصل الرباط أن يربط خيولهم ، وهؤلاء خيولهم ، ثم قيل : ذلك لكم مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه ، وإن لم يكن له مركب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها وما عليها ، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها ، ولروحة يروحها العبد في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها » ، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة ، ودليل هذا التأويل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ إسباغ الوضوء على","part":2,"page":80},{"id":581,"text":"المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط فذلكم الرباط »{ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ، قال بعض أرباب اللسان : اصبروا على النعماء وصابروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء .","part":2,"page":81},{"id":582,"text":"(4) سورة النساء\r[1] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } ، يعني : آدم عليه السلام ، { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } يعني : حواء ، { وَبَثَّ مِنْهُمَا } ، نشر وأظهر ، { رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ } أي : تتساءلون به { وَالْأَرْحَامَ } ، قراءة العامة بالنصب ، أي : واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وقرأ حمزة بالخفض ، أي : به وبالأرحام كما يقال : سألتك بالله والأرحام ، والقراءة الأولى أفصح لأن العرب لا تكاد تنسق بظاهر على مكنى إلا بعد أن تعيد الخافض فتقول : مررت به وبزيد ، إلا أنه جائز مع قلته ، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } ، أي : حافظا .","part":2,"page":82},{"id":583,"text":"[2] قوله تعالى : { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } ، قوله : { وَآتُوا } خطاب للأولياء والأوصياء ، واليتامى : جمع يتيم ، واليتيم : اسم لصغير لا أب له ولا جد ، وإنما يدفع المال إليهم بعد البلوغ ، وسماهم يتامى هاهنا على معنى أنهم كانوا يتامى ، { وَلَا تَتَبَدَّلُوا } ، لا تستبدلوا ، { الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ } ، أي : مالهم الذي هو حرام عليكم بالحلال من أموالكم ، واختلفوا في هذا التبديل ، قال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي : كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الرديء ، فربما كان أحد يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها المهزولة ، ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل مكانه الزيف ، ويقول : درهم بدرهم ، فنهوا عن ذلك ، وقيل : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث ، فنصيبه من الميراث طيب ، وهذا الذي يأخذه من نصيب غيره خبيث ، وقال مجاهد : لا تتعجل الرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال . { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } ، أي مع أموالكم ، كقوله تعالى : { مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ } : مع الله ، { إِنَّهُ كَانَ حُوبًا","part":2,"page":83},{"id":584,"text":"كَبِيرًا } ، إثما عظيما .","part":2,"page":84},{"id":585,"text":"[3] وقوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } ، اختلفوا في تأويلهم ، فقال بعضهم : معناه إن خفتم يا أولياء اليتامى ألا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب مثنى وثلاث ورباع وقال الحسن : كان الرجل من أهل الجاهلية تكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يدخل غريب فيشاركه في مالها ، ثم يسيء صحبتها ويتربص أن تموت ويرثها ، فعاب الله تعالى ذلك ، وأنزل الله هذه الآية ، وقال عكرمة : كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر فإذا صار معدما من مؤن نسائه مال إلى مال يتيمته التي في حجره فأنفقه ، فقيل لهم : لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ أموال اليتامى ، وهذه رواية طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال بعضهم : كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء ، فيتزوجون ما شاءوا وربما عدلوا وربما لم يعدلوا فلما أنزل الله تعالى في أموال اليتامى { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } أنزل هذه الآية { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا","part":2,"page":85},{"id":586,"text":"تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } ، يقول كما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء ألا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقوقهن ، لأن النساء في الضعف كاليتامى ، وهذأ قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي ، ثم رخص في نكاح أربع فقال : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً } وقال مجاهد : معناه إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانا فكذلك تحرجوا من الزنا فانكحوا النساء الحلال نكاحا طيبا ثم بين لهم عددا ، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد ، فنزل قوله تعالى : ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) أي : من طاب ، والعرب تضع (من) و (ما) كل واحدة موضع الأخرى ، وطاب أي : حل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، معدولات عن اثنين وثلاث وأربع ، ولذلك لا يصرفن ، وإن الواو بمعنى أو ، للتخيير ، كقوله تعالى : { أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } وهذا إجماع أن أحدا من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة ( فإن خفتم ) ، خشيتم ، وقيل : علمتم ، ( ألا تعدلوا ) ، بين الأزواج الأربع ، (","part":2,"page":86},{"id":587,"text":"فَوَاحِدَةً) أي : فانكحوا واحدة . وقرأ أبو جعفر (فواحدة) بالرفع ، { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } ، يعني : السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر ، ولا قسم لهن ولا وقف في عددهن ، { ذَلِكَ أَدْنَى } ، أقرب { أَلَّا تَعُولُوا } أي : لا تجوروا ولا تميلوا ، يقال : ميزان عائل ، أي : جائر مائل ، هذا قول أكثر المفسرين ، وقال مجاهد : ألا تضلوا ، وقال الفراء : ألا تجاوزوا ما فرض الله عليكم ، وأصل العول : المجاوزة ، ومنه عول الفرائض ، وقال الشافعي رحمه الله : ألا تكثر عيالكم ، وما قاله أحد ، إنما يقال : أعال يعيل إعالة إذا كثر عياله . وقال أبو حاتم : كان الشافعي رضي الله عنه أعلم بلسان العرب منا فله بلغة ، ويقال : هي لغة حمير ، وقرأ طلحة بن مصرف (أن لا تعيلوا) وهي حجة لقول الشافعي رضوان الله عليه .","part":2,"page":87},{"id":588,"text":"[4] { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } قال الكلبي ومجاهد : هذا الخطاب للأولياء ، وذلك أن ولي المرأة كان إذا تزوجها لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا ، وقال الآخرون : الخطاب للأزواج أمروا بإيتاء نسائهم الصداق ، وهذا أصح ، لأن الخطاب فيما قبل مع الناكحين ، والصدقات : المهور ، واحدها صدقة ، نحلة قال قتادة : فريضة ، وقال ابن جريج : فريضة مسماة ، قال أبو عبيدة : ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة ، وقال الكلبي : عطية وهبة ، وقال أبو عبيدة : عن طيب نفس ، وقال الزجاج : تدينا ، { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا } ، يعني : فإن طابت نفوسهن بشيء من ذلك فوهبن منكم ، { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } ، سائغا طيبا ، يقال هنأني الطعام يهنئني بفتح النون في الماضي وكسرها في الغابر ، وقيل : الهنيء : الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء ، والمريء \" المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر .","part":2,"page":88},{"id":589,"text":"[5] قوله تعالى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } ، اختلفوا في هؤلاء السفهاء فقال قوم : هم النساء ، وقال الضحاك : النساء من أسفه السفهاء ، وقال مجاهد : نهى الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم وهن سفهاء سواء كن أزواجا أو بنات أو أمهات ، وقال الآخرون : هم الأولاد ، قال الزهري : يقول لا تعط ولدك السفيه مالك الذي هو قيامك بعد الله تعالى فيفسده ، وقال بعضهم : هم النساء والصبيان ، وقال الحسن : هي امرأتك السفيهة وابنتك السفيهة ، وقال ابن عباس : لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك وبنيك فيكونوا هم الذين يقومون عليك ، ثم تنظر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم ومؤنتهم ، قال الكلبي : إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده . وقال سعيد بن جبير وعكرمة : هو مال اليتيم يكون عندك ، يقول لا تؤته إياه وأنفقه عليه حتى يبلغ ، وإنما أضاف إلى الأولياء فقال : ( أموالكم ) لأنهم قوامها ومدبروها ، والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله","part":2,"page":89},{"id":590,"text":"هو المستحق الحجر عليه ، وهو أن يكون مبذرا في ماله أو مفسدا في دينه ، فقال جل ذكره : ( وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ ) ، أي : الجهال بموضع الحق ( أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) ، أصله : قواما ، فانقلبت الواو يا ء لانكسار ما قبلها ، وهو ملاك الأمر وما يقوم به الأمر . وأراد هاهنا قوام عيشكم الذي تعيشون به . قال الضحاك : به يقام الحج والجهاد وأعمال البر وبه فكاك الرقاب من النار . { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا } أي : أطعموهم ، { وَاكْسُوهُمْ } ، لمن يجب عليكم رزقه ومؤنته ، وإنما قال ( فيها ) ولم يقل : منها ، لأنه أراد أنهم جعلوا لهم فيها رزقا فإن الرزق من الله العطية من غير حد ، ومن العباد أجر موقت محدود ، { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } عدة جميلة ، وقال عطاء : إذا ربحت أعطيتك وإن غنمت فلك فيه حظ ، وقيل : هو الدعاء ، وقال ابن زيد : إن لم يكن ممن يجب عليك نفقته ، فقل له : عافانا الله وإياك بارك الله فيك ، وقيل : قولا تطيب به أنفسهم .","part":2,"page":90},{"id":591,"text":"[6] قوله تعالى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى } أي : اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحفظهم أموالهم ، { حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ } ، أي : مبلغ الرجال والنساء ، { فَإِنْ آنَسْتُمْ } ، أبصرتم ، { مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } ، فقال المفسرون يعني : عقلا وصلاحا في الدين وحفظا للمال وعلما بما يصلحه . وقال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي : لا يدفع إليه ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده ، والابتلاء يختلف باختلاف أحوالهم فإن كان ممن يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئا يسيرا من المال وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في السوق فيختبره في نفقة داره ، والإنفاق على عبيده وأجرائه ، وتختبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها ، فإذا رأى حسن تدبير ، وتصرف في الأمور مرارا يغلب على القلب رشده ، دفع المال إليه . واعلم أن الله تعالى علق زوال الحجر عن الصغير وجواز دفع المال إليه بشيئين : بالبلوغ والرشد ، والبلوغ يكون بأحد أشياء أربعة ، اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء ، واثنان مختصان بالنساء ، أحدهما السن ، والثاني الاحتلام ، أما السن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه","part":2,"page":91},{"id":592,"text":"غلاما كان أو جارية ، وأما الاحتلام فنعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع ، أو غيرهما ، فإذا وجدت ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حكم ببلوغه ، أما ما يختص بالنساء فالحيض والحبل ، فإذا حاضت المرأة بعد استكمال تسع سنين يحكم ببلوغها ، وكذلك إذا ولدت يحكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل . وأما الرشد فهو أن يكون مصلحا في دينه وماله ، والصلاح في الدين هو أن يكون مجتنبا عن الفواحش والمعاصي التي تسقط العدالة ، والصلاح في المال هو ألا يكون مبذرا ، والتبذير : هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية ولا مثوبة أخروية ، أو لا يحسن التصرف فيها ، فيغبن في البيوع ، قوله تعالى : { وَلَا تَأْكُلُوهَا } ، يا معشر الأولياء { إِسْرَافًا } ، بغير حق ، { وَبِدَارًا } أي : مبادرة ، { أَنْ يَكْبَرُوا } و ( أن ) في محل النصب ، يعني : لا تبادروا كبرهم ورشدهم حذرا من أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم ، ثم بين ما يحل لهم ومن مالهم فقال : { وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ } ، أي ليمتنع من مال اليتيم فلا يرزؤه قليلا ولا كثيرا ، والعفة الامتناع مما لا يحل ، { وَمَنْ كَانَ","part":2,"page":92},{"id":593,"text":"فَقِيرًا } ، محتاجا إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده ، { فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } ، واختلفوا في أنه هل يلزمه القضاء ، فذهب بعضهم إلى أن يقضي إذا أيسر وهو المراد من قوله : ( فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) ، فالمعروف القرض ، أي : يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج إليه ، فإذا أيسر قضاه ، وقال قوم : لا قضاء عليه ، { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ } ، هذا أمر وإرشاد ، وليس بواجب ، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعدما بلغ لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة { وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } ، محاسبا ومجازيا وشاهدا .","part":2,"page":93},{"id":594,"text":"[7] قوله تعالى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } يعني : للذكور من أولاد الميت وأقربائه ( نصيب ) حظ { مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } من الميراث ، { وَلِلنِّسَاءِ } ، وللإناث منهم ، { نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ } أي من المال ، { أَوْ كَثُرَ } منه , { نَصِيبًا مَفْرُوضًا } , نصب على القطع ، وقيل : جعل ذلك نصيبا فأثبت لهن الميراث ، ولم يبين كم هو حتى أنزل الله تعالى : { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } .","part":2,"page":94},{"id":595,"text":"[8] قوله تعالى : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ } ، يعني : قسمة المواريث ، { أُولُو الْقُرْبَى } ، الذين لا يرثون ، { وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ } ، أي : فارضخوا لهم من المال قبل القسمة ، { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } اختلف العلماء في حكم هذه الآية ، فقال قوم : هي منسوخة ، وقال سعيد بن جبير والضحاك : كانت هذه قبل آية الميراث ، فجعلت المواريث لأهلها ، ونسخت هذه الآية . وقال الآخرون : هي محكمة ، وهو قول ابن عباس والشعبي والنخعي والزهري ، وقال مجاهد : هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم ، وقال بعضهم : وهو أولى الأقاويل : إن هذا على الندب والاستحباب ، لا على الحتم والإيجاب .","part":2,"page":95},{"id":596,"text":"[9] قوله تعالى : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا } ، أولادا صغارا ، { خَافُوا عَلَيْهِمْ } ، الفقر ، هذا في الرجل يحضره الموت ، فيقول من بحضرته ، انظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا ، قدم لنفسك ، اعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا ، حتى يأتي على عامة ماله ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ، وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث ، ولا يجحف بورثته كما أنه لو كان هذا القائل هو الموصي لسره أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده ، ولا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم . وقال الكلبي : هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول : من كان في حجره يتيم فليحسن إليه وليأت في حقه ما يجب أن يفعل بذريته من بعده ، قوله تعالى : { فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } ، أي : عدلا ، والسديد : العدل ، والصواب من القول ، وهو أن يأمره بأن يتصدق بما دون الثلث ويخلف الباقي لورثته .","part":2,"page":96},{"id":597,"text":"[10] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } أي : حراما بغير حق ، { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } أخبر عن ماله ، أي عاقبته تكون كذلك ، { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } قراءة العامة بفتح الياء ، أي : يدخلونه ، يقال : صلى النار يصلوها صليا وصلاء ، قال الله تعالى : { إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ } ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بضم الياء ، أي : يدخلون النار ويحرقون ، نظيره قوله تعالى : { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا }{ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } .","part":2,"page":97},{"id":598,"text":"[11] قوله تعالى : { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } الآية ، اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالذكورة والقوة فكانوا يورثون الرجال دون النساء والصبيان ، فأبطل الله ذلك بقوله : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } الآية ، وكانت أيضا في الجاهلية وابتداء الإسلام بالمحالفة ، قال الله تعالى : { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } ثم صارت الوراثة بالهجرة ، قال الله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } فنسخ ذلك كله وصارت الوراثة بأحد الأمور الثلاثة بالنسب والنكاح أو الولاء ، والمعني بالنسب أن القرابة يرث بعضهم من بعض ، لقوله تعالى : { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } ، والمعني بالنكاح : أن أحد الزوجين يرث صاحبه ، وبالولاء : أن المعتق وعصباته يرثون المعتق ، قوله عز وجل : ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ) أي : يعهد إليكم ويفرض عليكم في أولادكم أي : في أمر أولادكم إذا متم ،","part":2,"page":98},{"id":599,"text":"لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . { فَإِنْ كُنَّ } يعني : المتروكات من الأولاد ، { نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } ، أي : اثنتين فصاعدا ( فوق ) صلة ، كقوله تعالى : { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ } ، { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ } يعني : البنت ، { وَاحِدَةً } قراءة العامة على خبر كان ، رفعها أهل المدينة على معنى إن وقعت واحدة ، { فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ } يعني لأبوي الميت كناية عن غير مذكور ، { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } أراد أن الأب والأم يكون لكل واحد منهما سدس الميراث عند وجود الولد أو ولد الابن ، والأب يكون صاحب فرض { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } ، اثنان أو أكثر ذكورا وإناثا { فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } ، والباقي يكون للأب إن كان معها أب ، والإخوة لا ميراث لهم مع الأب ، ولكنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يحجب الإخوة الأم من الثلث إلى السدس إلا أن يكونوا ثلاثة لأن الله تعالى قال : ( فَإِنْ","part":2,"page":99},{"id":600,"text":"كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) ، ولا يقال للاثنين إخوة ، فنقول اسم الجمع قد يقع على التثنية لأن الجمع ضم شيء إلى شيء فهو موجود في الاثنين ، قوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } ، قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر (يوصي) فتح الصاد على ما لم يسم فاعله ، وكذلك الثانية ووافق حفص في الثانية ، وقرأ الآخرون بكسر الصاد لأنه جرى ذكر لميت من قبل ، بدليل قوله تعالى : { يُوصِينَ } ، و { تُوصُونَ } قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية ، وهذا إجماع أن الدين مقدم على الوصية . ومعنى الآية الجمع لا الترتيب ، وبيان أن الميراث مؤخر عن الدين والوصية جميعا من بعد وصية إن كانت أو دين إن كان ، والإرث مؤخر عن كل واحد منهما ، { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ } ، يعني : الذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم ، { لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } أي : لا تعلمون أنهم أنفع لكم في الدين والدنيا فمنكم من يظن أن الأب أنفع له ، فيكون الابن أنفع له ، ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له","part":2,"page":100},{"id":601,"text":"، وأنا العالم بمن هو أنفع لكم ، وقد دبر أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه ، { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ } أي : ما قدر الله من المواريث ، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا } ، بأمور العباد ، { حَكِيمًا } ، بنصب الأحكام .","part":2,"page":101},{"id":602,"text":"[12] قوله تعالى : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } هذا ميراث الأزواج ، { وَلَهُنَّ الرُّبُعُ } ، يعني : الزوجات الربع { مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } هذا ميراث الزوجات وإذا كان للرجل أربع نسوة فهن يشتركن في الربع والثمن . قوله تعالى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ } تورث كلالة ، ونظم الآية : وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة وهو نصب على المصدر ، وقيل : على خبر ما لم يسم فاعله ، وتقديره : وإن كان رجل يورث ماله كلالة ، واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة من لا ولد له ولا والد له ، وذهب طاوس إلى أن الكلالة من لا ولد له ، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما ، واحتج من ذهب إلى هذا بقول الله تعالى : { قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ","part":2,"page":102},{"id":603,"text":"هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } ، وبيانه عند العامة مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله ، لأن الآية نزلت فيه ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ابن ، لأن أباه عبد الله بن حزام قتل يوم أحد ، وآية الكلالة نزلت في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فصار شأن جابر بيانا لمراد الآية لنزولها فيه ، واختلفوا في أن الكلالة اسم لمن ؟ فمنهم من قال : اسم للميت ، وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما ، لأنه مات عن ذهاب طرفيه ، فكل عمود نسبه ، ومنهم من قال : اسم للورثة ، وهو قول سعيد بن جبير ، لأنهم يتكللون الميت من جوانبه ، وليس في عمود نسبه أحد ، كالإكليل يحيط بالرأس ووسط الرأس منه خال ، وعليه يدل حديث جابر رضي الله عنه حيث قال : إنما يرثني كلالة ، أي : يرثني ورثة ليسوا بولد ولا والد ، وقال النضر بن شميل : الكلالة اسم للمال قوله تعالى : { وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } ، أراد به الأخ والأخت من الأم بالاتفاق ، قرأ سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت من أم) ولم يقل لهما من ذكر الرجل والمرأة من قبل ، على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما ، وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما","part":2,"page":103},{"id":604,"text":"، وربما أضافت إليهما { فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } فيه إجماع أن أبناء الأم إذا كانوا اثنين فصاعدا يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم ، { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ } أي : غير مدخل الضرر على الورثة بمجاوزة الثلث في الوصية ، { وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ } قال قتادة : كره الله الضرار في الحياة وعند الموت ، ونهى عنه وقدم فيه .\r[13] ، { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } يعني : ما ذكر من الفرائض المحدودة ، { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }\r[14] ، { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ } قرأ أهل المدينة وابن عامر (ندخله جنات ، وندخله نارا) ، وفي سورة الفتح ( ندخله ) و ( نُعَذِّبُهُ) وفي سورة التغابن ( نكفر ) و ( ندخله ) وفي سورة الطلاق ( ندخله ) بالنون فيهن ، وقرأ الآخرون بالياء .","part":2,"page":104},{"id":605,"text":"[15] ، قوله عز وجل : { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ } ، يعني : الزنا ، { مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } ، يعني : من المسلمين ، وهذا خطاب للحكام ، أي : فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود ، فيه بيان أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود . { فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ } ، فاحبسوهن ، { فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا } ، وهذا كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود ، كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ، ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب ، وفي حق الثيب بالرجم .","part":2,"page":105},{"id":606,"text":"[16] ، قوله تعالى : { وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } يعني الرجل والمرأة ، والهاء راجعة إلى الفاحشة { فَآذُوهُمَا } قال عطاء وقتادة : يعني فعيروهما باللسان : أما خفت الله ؟ أما استحييت من الله حيث زنيت ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما : سبوهما واشتموهما ، قال ابن عباس : هو باللسان واليد يؤذى بالتعيير وضرب النعال ، فإن قيل : ذكر الحبس في الآية الأولى وذكر في هذه الآية الإيذاء ، فكيف وجه الجمع ؟ قيل : الآية الأولى في النساء وهذه في الرجال ، وهو قول مجاهد ، وقيل : الآية الأولى في الثيب وهذه في البكر ، { فَإِنْ تَابَا } ، من الفاحشة { وَأَصْلَحَا } ، العمل فيما بعد ، { فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } ، فلا تؤذوهما ، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا } وهذا كله كان قبل نزول الحدود ، فنسخت بالجلد والرجم ، الجلد في القرآن قال الله تعالى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } [سورة النور آية : 2] والرجم في السنة في « الرجلين اللذين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : اقض يا رسول الله بيننا بكتاب الله ، وقال الآخر وكان أفقههما","part":2,"page":106},{"id":607,"text":": أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله ، وائذن لي أن أتكلم ، قال : تكلم ، قال : إن ابني كان عسيفا ، أي : أجيرا على هذا ، فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم ، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي ، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وإنما الرجم على امرأته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، أما غنمك وجاريتك فرد عليك ، وأما ابنك فعليه جلد مائة وتغريب عام ، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ، فغدا عليها فاعترفت ، فرجمها » .","part":2,"page":107},{"id":608,"text":"[17] ، قوله تعالى : { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ } قال الحسن : يعني التوبة التي يقبلها ، فيكون على بمعنى عند ، وقيل : من الله ، { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ } ، قال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله جميعهم على أن كل ما عصي به الله فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن ، وكل من عصى الله فهو جاهل . وقال مجاهد : المراد من الآية : العمد ، قال الكلبي : لم يجهل أنه ذنب لكنه جهل عقوبته ، وقيل : معنى الجهالة : اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية . { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ } ، قيل : معناه قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها ، وقال السدي والكلبي : القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته ، وقال عكرمة : قبل الموت ، وقال الضحاك : قبل معاينة ملك الموت ، قوله تعالى { فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا }","part":2,"page":108},{"id":609,"text":"[18] ، { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } يعني : المعاصي ماله { حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ } ووقع النزاع ، { قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ } وهي حالة السوق حتى يساق بروحه ، لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة ، قال الله تعالى . { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا } ، ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق . { وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا } ، أي : هيأنا وأعتدنا ، { لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }","part":2,"page":109},{"id":610,"text":"[19] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا } قال الفراء : الكره بالفتح ما أكره عليه ، وبالضم ما كان من قبل نفسه من المشقة ، { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } أي : لا تمنعوهن من الأزواج ليضجرن فيفتدين ببعض مالهن قيل : هذا خطاب لأولياء الميت ، والصحيح أنه خطاب للأزواج ، قال ابن عباس رضي الله عنهما . هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر ، فنهى الله تعالى عن ذلك ، ثم قال : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم ، واختلفوا في الفاحشة ، قال ابن مسعود وقتادة : هي النشوز ، وقال بعضهم وهو قول الحسن : هي الزنا ، يعني : المرأة إذا نشزت ، أو زنت حل للزوج أن يسألها الخلع ، وقال عطاء : كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها ، فنسخ ذلك في الحدود ، ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ، قال الحسن : راجع إلى أول الكلام ، يعني : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } ، {","part":2,"page":110},{"id":611,"text":"وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } والمعاشرة بالمعروف : هي الإجمال في القول والمبيت والنفقة ، وقيل : هي أن يصنع لها كما تصنع له ، { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } قيل : هو ولد صالح ، أو يعطفه الله عليها .","part":2,"page":111},{"id":612,"text":"[20] { وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ } أراد بالزوج الزوجة إذا لم يكن من قبلها نشوز ولا فاحشة ، { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا } وهو المال الكثير صداقا ، { فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ } من القنطار ، { شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ } استفهام بمعنى التوبيخ ، { بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } انتصابهما من وجهين أحدهما بنزع الخافض ، والثاني بالإضمار تقديره : تصيبون في أخذه بهتانا وإثما ثم قال :","part":2,"page":112},{"id":613,"text":"[21] { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ } على طريق الاستعظام ، { وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ } أراد به المجامعة ، ولكن الله حيي يكني ، وأصل الإفضاء : الوصول إلى الشيء من غير واسطة ، { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } ، قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة . وهو قول الولي عند العقد : زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، وقال الشعبي وعكرمة : هو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله تعالى واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى » (1) ، قوله عز وجل : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } ، كان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم ، قال الأشعث بن سوار : توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت : إني اتخذتك ولدا وأنت من صالحي قومك ، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره ، فأتته فأخبرته ، فأنزل الله تعالى :\r_________\r(1) رواه مسلم في كتاب الحج / 147 ، وأبو داود في المناسك / 56 ، وابن ماجه في المناسك / 84 ، والدارمي في المناسك / 34 ، والإمام أحمد في مسنده ج5 / 73 .","part":2,"page":113},{"id":614,"text":"[22] ، { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } قيل : بعد ما سلف ، وقيل : معناه لكن ما سلف ، أي : ما مضى في الجاهلية فهو معفو عنه ، { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } أي : إنه فاحشة ، ( وكان ) فيه صلة ، و ( الفاحشة ) أقبح المعاصي ، { وَمَقْتًا } أي : يورث مقت الله ، والمقت . أشد البغض ، { وَسَاءَ سَبِيلًا } ، وبئس ذلك طريقا وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه (مقيت) .","part":2,"page":114},{"id":615,"text":"[23] ، قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } الآية ، بين الله تعالى في هذه الآية المحرمات بسبب الوصلة ، وجملة المحرمات في كتاب الله تعالى أربع عشرة : سبع بالنسب ، وسبع بالسبب ، فأما السبع بالسبب فمنها اثنتان بالرضاع وأربع بالصهرية والسابعة المحصنات ، وهن ذوات الأزواج ، وأما السبع بالنسب فقوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } وهي جمع أم ويدخل فيه الجدات وإن علون من قبل الأم ومن قبل الأب ، { وَبَنَاتُكُمْ } وهي جمع : البنت ، ويدخل فيهن بنات الأولاد وإن سفلن ، { وَأَخَوَاتُكُمْ } جمع الأخت سواء كانت من قبل الأب والأم أو من قبل أحدهما ، { وَعَمَّاتُكُمْ } جمع العمة ، ويدخل فيهن جميع أخوات آبائك وأجدادك وإن علوا ، { وَخَالَاتُكُمْ } جمع خالة ، ويدخل فيهن أخوات أمهاتك وجداتك ، { وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ } ، ويدخل فيهن بنات أولاد الأخ والأخت وإن سفلن ، جملته : أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله وفصول أوله وأول الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل بعده ، والأصول هي الأمهات والجدات ، والفصول البنات وبنات الأولاد ، وفصول أول أصوله هي","part":2,"page":115},{"id":616,"text":"الأخوات وبنات الإخوة والأخوات ، وأول فصل من كل أصل بعده هن العمات والخالات وإن علون ، وأما المحرمات بالرضاع فقوله تعالى : { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ }{ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ } وجملته : أنه يحرم من والرضاعة ما يحرم من النسب ، وأما المحرمات بالصهرية فقوله : { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } وجملته أن كل من عقد النكاح على امرأة فتحرم على الناكح أمهات المنكوحة وجداتها وإن علون من الرضاعة والنسب بنفس العقد ، { وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } الربائب جمع : ربيبة ، وهي بنت المرأة ، سميت ربيبة لتربيته أياها ، وقوله : ( فِي حُجُورِكُمْ ) أي : في تربيتكم ، يقال : فلان في حجر فلان إذا كان في تربيته ، ( دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) أي : جامعتموهن ، ويحرم عليه أيضا بنات المنكوحة وبنات أولادها ، وإن سفلن من الرضاع والنسب بعد الدخول بالمنكوحة ، حتى لو فارق المنكوحة قبل الدخول بها أو ماتت جاز له أن ينكح بنتها ، ولا يجوز له أن ينكح أمها لأن الله تعالى أطلق تحريم الأمهات وقال في تحريم الربائب ، { فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ","part":2,"page":116},{"id":617,"text":"بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } يعني : في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن أو متن ، وقال علي رضي الله عنه : أم المرأة لا تحرم إلا بالدخول بالبنت كالربيبة ، { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ } ، يعني : ما أزواج أبنائكم ، واحدتها : حليلة ، والذكر حليل ، سميا بذلك لأن كل واحد منها حلال لصاحبه ، وقيل : سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل حيث يحل صاحبه من الحلول وهو النزول ، وقيل : إن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه من الحل وهو ضد العقل ، وجملته : أنه يحرم على الرجل حلائل أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا من الرضاع والنسب ، بنفس العقد ، إنما قال : ( مِنْ أَصْلَابِكُمْ ) ليعلم أن حليلة المتبني لا تحرم على الرجل الذي تبناه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة زيد بن حارثة ، وكان زيد قد تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم .","part":2,"page":117},{"id":618,"text":"والرابع من المحرمات بالصهرية حليلة الأب والجد وإن علا ، فيحرم على الولد وولد الولد بنفس العقد سواء كان الأب من الرضاع أو من النسب ، لقوله تعالى { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } ، وقد سبق ذكره ، وكل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين ، قوله تعالى : { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ } ، لا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في النكاح سواء كانت الإخوة بينهما بالنسب أو بالرضاع ، فإذا نكح امرأة ثم طلقها بائنا جاز له نكاح أختها ، وكذلك لو ملك أختين بملك اليمين لم يجز له أن يجمع بينهما في الوطء ، فإذا وطئ إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرم الأولى على نفسه ، وكذلك لا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها { إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } يعني : لكن ما مضى فهو معفو عنه ، لأنهم كانوا يفعلونه قبل الإسلام ، وقال عطاء والسدي : إلا ما كان من يعقوب عليه السلام فإنه يجمع بين ليا أم يهوذا وراحيل أم يوسف ، وكانتا أختين { إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا }","part":2,"page":118},{"id":619,"text":"[24] ، قوله تعالى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } يعني : ذوات الأزواج ، لا يحل للغير نكاحهن قبل مفارقة الأزواج ، وهذه السابعة من النساء اللاتي حرمن بالسبب ثم استثنى فقال : ( إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) ، يعني : السبايا اللواتي سبين ولهن أزواج في دار الحرب فيحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء ، لأن بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها ، قال أبو سعيد الخدري : « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين جيشا إلى أوطاس فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين ، فكرهوا غشيانهن » ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال عطاء : أراد بقوله ( إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) أن تكون أمة في نكاح عبده فيجوز أن ينزعها منه ، وقال ابن مسعود : أراد أن يبيع الجارية المزوجة فتقع الفرقة بينهما وبين زوجها ، ويكون بيعها طلاقا فيحل للمشتري وطؤها ، قوله تعالى : { كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } ، نصب على المصدر ، أي : كتب الله عليكم ، وقيل : نصب على الإغراء ، أي : الزموا ما كتب الله عليكم ، أي فرض الله تعالى ، { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } ، أي : ما سوى ذلكم","part":2,"page":119},{"id":620,"text":"الذي ذكرت من المحرمات ، { أَنْ تَبْتَغُوا } تطلبوا { بِأَمْوَالِكُمْ } ، أن تنكحوا بصداق أو تشتروا بثمن ، { مُحْصِنِينَ } ، أي : متزوجين أو متعففين { غَيْرَ مُسَافِحِينَ } ، أي : غير زانين ، مأخوذ من سفح الماء وصبه وهو المني ، { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } ، اختلفوا في معناه ، فقال الحسن ومجاهد : أراد ما انتفعتم وتلذذتمم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح ، { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ، أي : مهورهن ، وقال آخرون : هو نكاح المتعة وهو أن تنكح امرأة إلى مدة فإذا انقضت تلك المدة بانت منه بلا طلاق ، ويستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث ، وكان ذلك مباحا في ابتداء الإسلام ، ثم نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء ، وإن الله تعالى قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا » وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم أن نكاح المتعة حرام ، والآية منسوخة . وكان ابن عباس رضي الله عنهما يذهب إلى أن الآية محكمة ، وترخص في نكاح المتعة وقيل : إن ابن عباس رضي الله عنهما رجع عن ذلك ، وروى سالم عن عبد","part":2,"page":120},{"id":621,"text":"الله بن عمر أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : ما بال رجال ينكحون هذه المتعة ؟ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ، لا أجد رجلا نكحها إلا رجمته بالحجارة ، قوله تعالى : فآتوهن أجورهن أي : مهورهن ، { فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ } فمن حل ما قبله على نكاح المتعة أرادوا أنهما إذا عقد إلى أجل بمال فإذا تم الأجل فإن شاءت المرأة زادت في الأجل وزاد الرجل في المال ، وإن لم يتراضيا فارقها ، ومن حمل الآية على الاستمتاع بالنكاح الصحيح . قال المراد بقوله : ( وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ ) من الإبراء عن المهر والافتداء والاعتياض . { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } .","part":2,"page":121},{"id":622,"text":"[25] قوله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا } أي : فضلا وسعة ، { أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ } الحرائر { الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ } إمائكم ، { الْمُؤْمِنَاتِ } أي : من لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة ، فليتزوج الأمة المؤمنة ، وفيه دليل على أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين ، أحدهما : ألا يجد مهر حرة ، والثاني أن يكون خائفا على نفسه من العنت ، وهو الزنا ، لقوله تعالى في آخر الآية : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } وفي الآية دليل على أنه لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لأنه قال : ( فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ) ، جوز نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة ، وقال في موضع آخر : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } أي : الحرائر جوز نكاح الكتابية ، بشرط أن تكون حرة ، وجوز أصحاب الرأي للمسلم نكاح الأمة الكتابية ، وبالاتفاق يجوز وطؤها بملك اليمين {","part":2,"page":122},{"id":623,"text":"وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ } أي : لا تتعرضوا للباطن في الإيمان وخذوا بالظاهر فإن الله أعلم بإيمانكم ، { بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } قيل : بعضكم إخوة لبعض ، وقيل : كلكم من نفس واحدة فلا تستنكفوا من نكاح الإماء ، { فَانْكِحُوهُنَّ } ، يعني : الإماء { بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } ، أي : مواليهن ، { وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } مهورهن ، { بِالْمَعْرُوفِ } من غير مطل وضرار ، { مُحْصَنَاتٍ } ، عفائف بالنكاح ، { غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ } ، أي : غير زانيات ، { وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } ، أي : أحباب تزنون بهن في السر ، قال الحسن : المسافحة هي أن كل من دعاها تبعته ، وذات خدن أي : تختص بواحد لا تزني إلا معه ، والعرب كانت تحرم الأولى وتجوز الثانية ، { فَإِذَا أُحْصِنَّ } ، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بفتح الألف والصاد ، أي : حفظن فروجهن ، وقال ابن مسعود : أسلمن ، وقرأ الآخرون : (أحصن) بضم الألف وكسر الصاد ، أي تزويجهن ، { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ } ، يعني : الزنا ، { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ } ، أي : ما على الحرائر الأبكار إذا زنين ، { مِنَ الْعَذَابِ } يعني : الحد فيجلد","part":2,"page":123},{"id":624,"text":"الرقيق إذا زنى خمسين جلدة ، وهل يغرب ؟ فيه قولان ، فإن قلنا يغرب فيغرب نصف سنة على القول الأصح ولا رجم على العبد قوله تعالى : { ذَلِكَ } ، يعني : نكاح الأمة عند عدم الطول ، { لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } ، يعني : الزنا ، يريد المشقة بغلبة الشهوة ، { وَأَنْ تَصْبِرُوا } ، عن نكاح الإماء متعففين ، { خَيْرٌ لَكُمْ } ، لئلا يخلق الولد رقيقا { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .","part":2,"page":124},{"id":625,"text":"[26] ، قوله تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ } ، أي : أن يبين لكم ، كقوله تعالى : { وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } أي : أن أعدل ومعنى الآية : يريد الله أن يبين لكم ، أي : يوضح لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم ، قال عطاء : يبين لكم ما يقربكم منه ، قال الكلبي : يبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم ، { وَيَهْدِيَكُمْ } ويرشدكم ، { سُنَنَ } ، شرائع ، { الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } في تحريم الأمهات والبنات والأخوات ، فإنها كانت محرمة على من قبلكم ، وقيل : ويهديكم الملة الحنيفية وهي ملة إبراهيم عليه السلام ، { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ، ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم ، وقيل : يرجع بكم من المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته ، وقيل : يوفقكم التوبة { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم ، { حَكِيمٌ } ، فيما دبر من أمورهم .","part":2,"page":125},{"id":626,"text":"[27] { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ، إن وقع منكم تقصير في أمر دينكم { وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا } عن الحق ، { مَيْلًا عَظِيمًا } بإتيانكم ما حرم عليكم ، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات ، فقال السدي : هم اليهود والنصارى ، وقال بعضهم : هم المجوس لأنهم يحلون نكاح الأخوات وبنات الأخ والأخت ، وقال مجاهد : هم الزناة يريدون أن تميلوا عن الحق فتزنون كما يزنون ، وقيل : هم كما يزنون ، وقيل : هم جميع أهل الباطل .\r[28] ، { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ } يسهل عليكم في أحكام الشرع ، وقد سهل كما قال جل ذكره : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ } وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « بعثت بالدين الحنيفية السمحة السهلة » ، { وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا } قال طاوس والكلبي وغيرهما في أمر النساء : لا يصبر عنهن ، وقال ابن كيسان : خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا يستميله هواه وشهوته ، وقال الحسن : هو أنه خلق من ماء مهين ، بيانه قوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ } .","part":2,"page":126},{"id":627,"text":"[29] ، قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } ، بالحرام ، يعني : بالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة ونحوها ، وقيل : هو العقود الفاسدة { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً } قرأ أهل الكوفة ( تجارة ) نصب على خبر كان ، أي : إلا أن تكون الأموال تجارة ، وقرأ الآخرون بالرفع ، أي : إلا أن تقع تجارة { عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } أي بطيبة نفس كل واحد منكم ، وقيل : هو أن يجيز كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد البيع ، فيلزم وإلا فلهما الخيار ما لم لتفرقا { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } قال أبو عبيدة : أي لا تهلكوها ، كما قال : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ، وقيل : لا تقتلوا أنفسكم بأكل المال بالباطل ، وقيل : أراد به قتل المسلم نفسه ، وقال الحسن : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) يعني : إخوانكم ، أي : لا يقتل بعضكم بعضا ، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } .","part":2,"page":127},{"id":628,"text":"[30] ، { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } يعني : ما سبق ذكره من المحرمات ، { عُدْوَانًا وَظُلْمًا } ، فالعدوان مجاوزة الحد ، والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ } ندخله في الآخرة ، { نَارًا } ، يصلى فيها ، { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } هينا .","part":2,"page":128},{"id":629,"text":"[31] قوله تعالى : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } ، اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيرا للصغائر ، ففي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الكبائر : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس » ، وفي آخر « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ \" قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : \" الإشراك بالله عز وجل ، وعقوق الوالدين ، وجلس وكان متكئا فقال : ألا وقول الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت » ، وفي آخر قال : « اجتنبوا السبع الموبقات \" ، قالوا : يا رسول الله وما هن ؟ قال : \" الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات » . وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أكبر الكبائر : الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله . وعن سعيد بن جبير : أن رجلا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر : أسبع هي ؟ قال : هي إلى السبعمائة أقرب إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار ، وقال : كل","part":2,"page":129},{"id":630,"text":"شيء عصي الله به فهو كبيرة ، فمن عمل شيئا منها فليستغفر فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعا عن الإسلام أو جاحدا فريضة أو مكذبا بقدر . وقال عبد الله بن مسعود : ما نهى الله تعالى عنه في هذه السورة إلى قوله : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) ، فهو كبيرة . وقال علي بن أبي طالب : هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب . وقال الضحاك : ما أوعد الله عليه حدا في الدنيا أو عذابا في الآخرة . وقال الحسن بن الفضل : ما سماه الله في القرآن كبيرا أو عظيما نحو قوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } ، { إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } ، { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ، { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } ، { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } ، { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا } . قال سفيان الثوري : الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين عباد الله تعالى ، والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى ، لأن الله كريم يعفو ، وقال مالك بن مغول : الكبائر ذنوب أهل البدع ، والسيئات ذنوب أهل السنة ، وقيل : الكبائر ذنوب العمد والسيئات الخطأ","part":2,"page":130},{"id":631,"text":"والنسيان وما أكره عليه ، وحديث النفس المرفوع عن هذه الأمة ، وقيل : الكبائر ذنوب المستحلين مثل ذنب إبليس والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم عليه السلام ، وقال السدي : الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر ، والسيئات مقدماتها وتوابعها مما يجمع فيه الصالح والفاسق ، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها ، وقيل : الكبائر ما يستحقره العباد ، والصغائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته : وقيل : الكبائر الشرك ، وما يؤدي إليه ، وما دون الشرك فهو من السيئات ، قال الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } ، قوله تعالى : { وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } أي : حسنا وهو الجنة ، قرأ أهل المدينة (مدخلا) بفتح الميم هاهنا وفي الحج ، وهو موضع الدخول ، وقرأ الباقون بالضم على المصدر بمعنى الإدخال .","part":2,"page":131},{"id":632,"text":"[32] ، قوله تعالى : { وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } الآية ، قال مجاهد : قالت أم سلمة : يا رسول الله إن الرجال يغزون ولا نغزو ولهم ضعف ما لنا من الميراث ، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا . فنزلت هذه الآية . وقيل : لما جعل الله عز وجل للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث ، قالت النساء : نحن أحق وأحوج إلى الزيادة من الرجال ، لأنا ضعيفات وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش ، فأنزل الله تعالى : ( وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ، وقال قتادة والسدي لما أنزل الله قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } قال الرجل إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كما فضلنا عليهن في الميراث فقال الله تعالى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا } من الأجر { وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ } معناه : أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء ، وذلك أن الحسنة تكون بعشرة أمثالها يستوي فيها الرجال والنساء ، وإن فضل الرجال في الدنيا على النساء ،","part":2,"page":132},{"id":633,"text":"وقيل : معناه للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد وللنساء نصيب مما اكتسبن من طاعة الأزواج وحفظ الفروج . قوله تعالى : { وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } نهى الله تعالى عن التمني لما فيه من دواعي الحسد ، والحسد أن يتمنى الرجل زوال النعمة عن صاحبه سواء تمناها لنفسه أم لا ، وهو حرام ، والغبطة أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه وهو جائز . قال الكلبي : لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ، ولكن ليقل اللهم ارزقني مثله ، وهو كذلك في التوراة وذلك في القرآن . وقوله : ( وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ) أي من رزقه ، قال سعيد بن جبير : من عبادته ، فهو سؤال التوفيق للعبادة ، قال سفيان بن عيينة : لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي . { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }","part":2,"page":133},{"id":634,"text":"[33] ، { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ } أي : ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا موالي ، أي : عصبة يعطون { مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } ، الوالدان والأقربون هم المورثون ، وقيل : معناه ولكل جعلنا موالي أي : ورثة مما ترك أي : من الذين تركوهم ويكون ( ما ) بمعنى : (من) ، ثم فسر { الْمَوَالِيَ } فقال : الوالدان والأقربون ، أي : هم الوالدان والأقربون ، فعلى هذا القول : الوالدان والأقربون ، هم الوارثون ، { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } ، قرأ أهل الكوفة (عقدت) بلا ألف ، أي : عقدت لهم أيمانكم ، وقرأ الآخرون (عاقدت أيمانكم) والمعاقدة : المحالفة والمعاهدة ، والأيمان جمع يمين من اليد والقسم ، وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء ، والتمسك بالعهد . ومحالفتهم أن الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول : دمي دمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك ( فيكون للحليف السدس من مال الحليف ، وكان ذلك في ابتداء الإسلام فذلك قوله تعالى : { فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } أي : أعطوهم حظهم من الميراث ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى","part":2,"page":134},{"id":635,"text":": { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } ، وقال إبراهيم ومجاهد : أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث لهم ، وعلى هذا تكون هذه الآية غير منسوخة لقوله تعالى : { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أنزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار حين قدموا المدينة وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة دون الرحم ، فلما نزلت ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) نسخت ، ثم قال : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) من النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث فيوصي له . وقال سعيد بن المسيب : كانوا يتوارثون بالتبني وهذه الآية فيه ثم نسخ . { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } .","part":2,"page":135},{"id":636,"text":"[34] { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } ، الآية نزلت في سعد بن الربيع وكان من النقباء وفي امرأته وذلك أنها نشزت عليه فلطمها ، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أفرشته كريمتي فلطمها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" لتقتص من زوجها \" فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فجاء جبريل عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" ارجعوا هذا جبريل أتاني بشيء \" فأنزل الله هذه الآية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" أردنا أمرا وأراد الله أمرا ، والذي أراد الله خير \" ، ورفع القصاص (1) قوله تعالى : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) أي : مسلطون على تأديبهن ، والقوام والقيم بمعنى واحد ، والقوام أبلغ وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب ، { بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } يعني : فضل الرجال على النساء بزيادة العقل والدين والولاية ، وقيل : بالشهادة لقوله تعالى : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } وقيل : بالجهاد ، وقيل : بالعبادات من الجمعة والجماعة ، وقيل : هو أن الرجل ينكح أربعا ولا يحل للمرأة إلا زوج واحد ، وقيل : بأن الطلاق\r_________\r(1) روى قريبًا من هذا الخبر الإمام الطبري في تفسيره 5 / 37 ، 38 .","part":2,"page":136},{"id":637,"text":"بيده ، وقيل : بالميراث ، وقيل : بالدية ، وقيل : بالنبوة ، { وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } ، يعني : إعطاء المهر والنفقة ، قوله تعالى : { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ } أي : مطيعات { حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ } أي : حافظات للفروج في غيبة الأزواج ، وقيل : حافظات لسرهم { بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } ، قرأ أبو جعفر (بما حفظ الله) بالنصب ، أي : يحفظن الله في الطاعة ، وقراءة العامة بالرفع ، أي بما يحفظن الله بإيصاء الأزواج بحقهن وأمرهم بأداء المهر والنفقة . وقيل : حافظات للغيب بحفظ الله { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } ، عصيانهن وأصل النشوز : التكبر والارتفاع ، ومنه النشز للموضع المرتفع ، { فَعِظُوهُنَّ } ، بالتخويف من الله والوعظ بالقول ، { وَاهْجُرُوهُنَّ } ، يعني : إن لم ينزعن عن ذلك بالقول فاهجروهن { فِي الْمَضَاجِعِ } ، قال ابن عباس : يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها ، وقال غيره : يعتزل عنها إلى فراش آخر ، { وَاضْرِبُوهُنَّ } يعني : إن لم ينزعن الهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح ولا شائن ، وقال عطاء : ضربا بالسواك { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا } ، أي : لا","part":2,"page":137},{"id":638,"text":"تجنوا عليهن الذنوب ، وقال ابن عيينة : لا تكلفوهن محبتكم فإن القلب ليس بأيديهن . { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } ، متعاليا من أن يكلف العباد ما لا يطيقونه ، وظاهر الآية يدل على أن الزوج يجمع عليها بين الوعظ والهجران والضرب ، فذهب بعضهم إلى ظاهرها وقال : إذا ظهر النشوز جمع بين هذه الأفعال ، وحمل الخوف في قوله : ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ) ، على العلم كقوله تعالى : { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا } أي : علم ، ومنهم من حمل الخوف على الخشية لا على حقيقة العلم ، كقوله تعالى : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً } ، وقال : هذه ا لأفعال على ترتيب الجرائم ، فإن خاف نشوزها بأن ظهرت أمارته منها من المخاشنة وسوء الخلق وعظها ، فإن أبدت النشوز هجرها ، فإن أصرت على ذلك ضربها .","part":2,"page":138},{"id":639,"text":"[35] ، قوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } ، يعني : خلافا بين الزوجين ، والخوف بمعنى اليقين ، وقيل : هو بمعنى الظن يعني : إن ظننتم شقاق بينهما ، وجملته إنه إذا ظهر بين الزوجين شقاق واشتبه حالهما فلم يفعل الزوج الصفح ولا الفرقة ولا المرأة تأدية الحق ولا الفدية وخرجا إلى ما لا يحل قولا وفعلا بعث الإمام حكما من أهله إليه وحكما من أهلها إليها رجلين حرين عدلين ليستطلع كل واحد من الحكمين رأي من بعث إليه إن كانت رغبته في الصلح أو في الفرقة ثم يجتمع الحكمان فينفذان ما يجتمع عليه رأيهما من الصلاح ، فذلك قوله عز وجل : { فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا } ، يعني : الحكمين ، { يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } ، يعني : بين الزوجين ، وقيل : بين الحكمين ، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } اختلف القول في جواز بعث الحكمين من غير رضا الزوجين ، وأصح القولين أنه لا يجوز إلا برضاهما ، وليس لحكم الزوج أن يطلق إلا بإذنه ، ولا لحكم المرأة أن يخلع على ما لها إلا بإذنها ، وهو قول أصحاب الرأي ، والقول الثاني : يجوز بعث الحكمين دون رضاهما","part":2,"page":139},{"id":640,"text":"، فيجوز لحكم الزوج أدن يطلق دون رضاه ولحكم المرأة أن يختلع دون رضاها ، إذا رأيا الصلاح ، كالحاكم يحكم بين الخصمين وإن لم يكن على وفق مرادهما ، وبه قال مالك .","part":2,"page":140},{"id":641,"text":"[36] ، قوله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ } أي : وحدوه وأطيعوه ، { وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : « كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس ؟ قال قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن حق الناس على الله ألا يعذبهم ، قال قلت : يا رسول الله أفلا أبشر الناس ؟ قال : دعهم يعملون » . قوله تعالى : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } برا بهما وعطفا عليهما ، { وَبِذِي الْقُرْبَى } أي : أحسنوا بذي القربى ، { وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى } أي : ذي القرابة ، { وَالْجَارِ الْجُنُبِ } ، أي : البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة { وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ } يعني : الرفيق في السفر ، قال ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة وعكرمة وقتادة ، وقال علي وعبد الله والنخعي : هو المرأة تكون معه إلى جنبه ، وقال ابن جريج وابن زيد : هو الذي يصحبك رجاء نفعك ، { وَابْنِ السَّبِيلِ } ، قيل : هو المسافر لأنه","part":2,"page":141},{"id":642,"text":"ملازم السبيل ، والأكثرون : على أنه الضيف ، { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } ، أي : المماليك أحسنوا إليهم { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } المختال ، المتكبر ، والفخور : الذي يفخر على الناس بغير الحق تكبرا ، ذكر هذا بعدما ذكر من الحقوق ، لأن المتكبر يمنع الحق تكبرا .","part":2,"page":142},{"id":643,"text":"[37] ، { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ } البخل في كلام العرب : منع السائل من فضل ما لديه ، وفي الشرع : منع الواجب ، { وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } ، قرأ حمزة والكسائي (بالبخل) بفتح الباء والخاء ، وكذلك في سورة الحديد ، وقرأ الآخرون بضم الباء وسكون الخاء ، نزلت في اليهود بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموها ، وقال سعيد بن جبير هذا في كتمان العلم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وابن زيد نزلت في كردم بن زيد وحيي بن أخطب ورفاعة بن التابوت و أسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع وبحر بن عمرو كانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخالطونهم فيقولون لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون فأنزل الله تعالى هذه الآية . { وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } ، يعني : المال ، وقيل : يبخلون بالصدقة { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا }","part":2,"page":143},{"id":644,"text":"[38] { وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } نزلت في اليهود ، وقال السدي : في المنافقين ، وقيل : مشركي مكة المنفقين على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم . { وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا } صاحبا وخليلا { فَسَاءَ قَرِينًا } أي : فبئس الشيطان قرينا وهو نصب على التفسير ، وقيل : على القطع بإلغاء الألف واللام كما تقول : نعم رجلا عبد الله .\r[39] ، { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ } أي : ما الذي عليهم وأي شيء عليهم ؟ { لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا }","part":2,"page":144},{"id":645,"text":"[40] { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } ، ونظمه : وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا فإن الله لا يظلم أي : لا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة ، والذرة : هي النملة الحمراء الصغيرة ، وقيل : الذر أجزاء الهباء في الكون وكل جزء منها ذرة ولا يكون لها وزن ، وهذا مثل يريد أن الله لا يظلم شيئا كما قاله في آية أخرى : إن الله لا يظلم الناس شيئا ، وقيل : إن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم بل أخذ له منه ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له ، فذاك قوله تعالى : { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا } قرأ أهل الحجاز (حسنة) بالرفع ، أي وإن توجد حسنة ، وقرأ الآخرون بالنصب على معنى : وإن تك زنة الذرة حسنة يضاعفها ، أي : يجعلها أضعافا كثيرة . { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } ، قال أبو هريرة رضي الله عنه : إذا قال الله تعالى أجرا عظيما فمن يقدر قدره ؟ .","part":2,"page":145},{"id":646,"text":"[41] ، قوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ } ، أي : فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد ، يعني : بنبيها يشهد عليهم بما عملوا ، { وَجِئْنَا بِكَ } ، يا محمد ، { عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } شاهدا يشهد على جميع الأمة على من رآه ومن لم يره .","part":2,"page":146},{"id":647,"text":"[42] ، قوله عز وجل : { يَوْمَئِذٍ } ، يوم القيامة ، { يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ } قرأ أهل المدينة وابن عامر (تسوى) بفتح التاء وتشديد السين على معنى تتسوى ، فأدغمت التاء الثانية في السين ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء وتخفيف السين على حذف تاء التفعل كقوله تعالى : { لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ } ، وقرأ الآخرون بضم التاء وتخفيف السين على المجهول ، أي : لو سويت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئا واحدا . قال قتادة وأبو عبيدة : يعني لو تخرقت الأرض فساخوا فيها وعادوا إليها كما خرجوا منها ثم تسوى بهم ، أي : عليهم الأرض ، وقيل : ودوا لو أنهم لم يبعثوا لأنهم إنما نقلوا من التراب ، وكانت الأرض مستوية عليهم ، وقال الكلبي : يقول الله عز وجل للبهائم والوحوش والطيور والسباع : كونوا ترابا فتسوى بهم الأرض ، فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو كان ترابا كما قال الله تعالى : { وَيَقُولُ الْكَافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا } ، { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا } قال عطاء : ودوا لو تسوى بهم الأرض وأنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم","part":2,"page":147},{"id":648,"text":"ولا نعته . وقال الآخرون : بل هو كلام مستأنف ، يعني : ولا يكتمون الله حديثا لأن ما عملوه لا يخفى على الله ولا يقدرون على كتمانه- وقال الكلبي وجماعة : ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) لأن جوارحهم تشهد عليهم .","part":2,"page":148},{"id":649,"text":"[43] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } الآية ، والمراد من السكر : السكر من الخمر عند الأكثرين ، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه صنع طعاما ودعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوها قبل تحريم الخمر وسكروا فحضرت صلاة المغرب فقدموا رجلا ليصلي بهم فقرأ { قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } أعبد ما تعبدون ، بحذف (لا) هكذا إلى آخر السورة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر أوقات الصلاة حتى نزل تحريم الخمر . وقال الضحاك بن مزاحم : أراد به سكر النوم ، نهى عن الصلاة عند غلبة النوم ، { حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا } نصب على الحال ، يعني : ولا تقربوا الصلاة جنب ، يقال : رجل جنب وامرأة جنب ، ورجال جنب ونساء جنب ، وأصل الجنب : البعد ، وسمي جنبا لأنه يتجنب موضع الصلاة ، أو لمجانبته الناس وبعده منهم ، حتى يغتسل . قوله تعالى : { إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } ، واختلفوا في معناه فقالوا : إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدوا الماء فتيمموا ، منع الجنب من","part":2,"page":149},{"id":650,"text":"الصلاة حتى يغتسل إلا أن يكون في سفر ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم ، وهذا قول علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد رضي الله عنهم ، وقال الآخرون : بل المراد من الصلاة موضع الصلاة ، كقوله تعالى : { وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ } ومعناه : لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه ، مثل أن ينام في المسجد فيجنب أو يصيبه جنابة والماء في المسجد أو يكون طريقه عليه ، فيمر به ولا يقيم ، وهذا قول عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والضحاك والحسن وعكرمة والنخعي والزهري ، وذلك أن قوما من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم ولا ممر لهم إلا في المسجد ، فرخص لهم في العبور ، قوله تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى } ، جمع مريض ، وأراد به مرضا يضره إمساس الماء مثل الجدري ونحوه ، أو كان على موضع الطهارة جراحة يخاف من استعمال الماء فيها التلف أو زيادة الوجع ، فإنه يصلي بالتيمم وإن كان الماء موجودا وإن كان بعض أعضاء طهارته صحيحا والبعض جريحا غسل الصحيح منها وتيمم للجريح ، قوله تعالى : { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } ، أراد أنه إذا كان في سفر طويلا كان أو قصيرا ، وعدم الماء فإنه يصلي بالتيمم ولا","part":2,"page":150},{"id":651,"text":"إعادة عليه ، لما روي عن أبي ذر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليمسه بشره فإن ذلك خير » (1) ، أما إذا لم يكن الرجل مريضا ولا في سفر لكنه عدم الماء في موضع لا يعدم فيه الماء غالبا بأن كان في قرية انقطع ماؤها فإنه يصلي بالتيمم ثم يعيد إذا قدر على رش الماء عند الشافعي ، وعند مالك والأوزاعي لا إعادة عليه ، وعند أبي حنيقة رضي الله عنهما يؤخر الصلاة حتى يجد الماء . قوله تعالى : { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ } أراد به إذا أحدث ، والغائط اسم للمطمئن من الأرض ، وكانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث فكني عن الحدث بالغائط ، { أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ } قرأ حمزة والكسائي (لمستم) ههنا وفي المائدة ، وقرأ الباقون ( لامستم النساء ) واختلفوا في معنى اللمس والملامسة ، فقال قوم : هو المجامعة ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ، وكني باللمس عن الجماع لأن الجماع لا يحصل إلا باللمس ، وقال قوم : هما التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو غير جماع ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي ، واختلف الفقهاء في حكم\r_________\r(1) رواه أبو داود في كتاب الطهارة / 123 ، والترمذي في الطهارة / 92 ، والنسائي في الطهارة / 203 ، والإمام أحمد ج 5 / 146 ، 147 ، 155 ، 180 . وله شاهد من حديث أبي هريرة .","part":2,"page":151},{"id":652,"text":"هذه الآية ، فذهب جماعة إلى أنه إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة ولا حائل بينهما ، ينتقض وضوؤهما ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما ، وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي رضي الله عنهم ، وقال مالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق : إن كان اللمس بشهوة نقض الطهر ، وإن لم يكن بشهوة فلا ينتقض ، وقال قوم : لا ينتقض الوضوء باللمس بحال ، وهو قول ابن عباس وبه قال الحسن والثوري ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا ينتقض إلا إذا حدث الانتشار ، { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } ، اعلم أن التيمم من خصائص هذه الأمة ، روى حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء » (1) ، ( فتيمموا ) ، أي : اقصدوا ، { صَعِيدًا طَيِّبًا } ، أي : ترابا طيبا طاهرا نظيفا قال ابن عباس رضي الله عنهما : الصعيد هو التراب ، واختلف أهل العلم فيما يجوز به التيمم ، فذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنه يختص بما يقع عليه اسم التراب مما يعلق باليد منه غبار ، لأن النبي صلى الله\r_________\r(1) قال الحافظ ابن حجر في « تلخيص الحبير ج 1 / 148 » : « مسلم من حديث أبي مالك الأشجعي . . . وابن أبي شيبة في مسنده ، وابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما . . . » .","part":2,"page":152},{"id":653,"text":"عليه وسلم قال : « وجعلت تربتها لنا طهورًا » (1) ، وجوز أصحاب الرأي التيمم بالزرنيخ والجص والنورة وغيرها من طبقات الأرض ، حتى قالوا : لو ضرب يديه على صخرة لا غبار عليها أو على التراب ثم نفخ فيه حتى زال التراب كله فمسح به وجهه ويديه صح تيممه ، وقالوا : الصعيد وجه الأرض ، لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » (2) وهذا مجمل ، وحديث حذيفة في تخصيص التراب مفسر والمفسر من الحديث يقضي على المجمل ، وجوز بعضهم بكل ما هو متصل بالأرض من شجر ونبات ، ونحوهما وقال : إن الصعيد اسم لما تصاعد على وجه الأرض ، والقصد إلى التراب ، شرط لصحة التيمم ، لأن الله تعالى قال : ( فتيمموا ) ، والتيمم : القصد ، حتى لو وقف في مهب الريح فأصاب الغبار وجهه ونوى لم يصح . قوله تعالى : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا } اعلم أن مسح الوجه واليدين واجب في التيمم ، واختلفوا في كيفيته فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يمسح الوجه واليدين مع المرفقين ، بضربتين يضرب كفيه على التراب فيمسح بهما جميع وجهه ، ولا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور\r_________\r(1) تقدم ذكر من خرجه في الحديث السابق .\r(2) رواه الإمام أحمد في مسنده ج 2 / 222 .","part":2,"page":153},{"id":654,"text":"، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح يديه إلى المرفقين ، وذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين ، لما روي عن عمار أنه قال : « تيممنا إلى المناكب » . وذلك حكاية فعله لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم كما روي أنه قال : « أجنبت فتمكعت في التراب ، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوجه والكفين » . وذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين وهو قول علي وابن عباس رضي الله عنهم ، وبه قال الشعبي وعطاء بن أبي رباح ومكحول ، وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق .\r[44] ، قوله عز وجل : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ } ، يعني : يهود المدينة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم ، كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لويا لسانهما وعاباه فأنزل الله تعالى هذه الآية ، { يَشْتَرُونَ } ، يستبدلون ، { الضَّلَالَةَ } يعني : بالهدى ، { وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ } أي : عن السبيل يا معشر المؤمنين .","part":2,"page":154},{"id":655,"text":"[45] { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ } ، منكم ، فلا تستنصحوهم فإنهم أعداؤكم ، { وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا } ، قال الزجاج : اكتفوا بالله وليا واكتفوا بالله نصيرا .","part":2,"page":155},{"id":656,"text":"[46] ، { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا } ، قيل : هي متصلة بقوله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ } ( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا ) وقيل : هي مستأنفة ، معناه : من الذين هادوا من يحرفون ، كقوله تعالى : { وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ } أي : ممن له منزلة معلومة ، يريد فريق ، { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ } ، يغيرون الكلم { عَنْ مَوَاضِعِهِ } يعني : صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن الأمر فيخبرهم فيرى أنهم يأخذون بقوله فإذا انصرفوا من عنده حرفوا كلامه ، { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا } قولك ، { وَعَصَيْنَا } أمرك ، { وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } أي : اسمع منا ولا نسمع منك ، ( غَيْرَ مُسْمَعٍ ) أي : غير مقبول منك ، وقيل : كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اسمع ، ثم يقولون في أنفسهم : لا سمعت ، { وَرَاعِنَا } أي : ويقولون راعنا يريدون به النسبة إلى الرعونة ، { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ } تحريفا ، { وَطَعْنًا } قدحا { فِي الدِّينِ } ، لأن قولهم : راعنا من المراعاة ، وهم يحرفونه ،","part":2,"page":156},{"id":657,"text":"يريدون به الرعونة ، { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا } ، أي : انظر إلينا مكان قولهم راعنا ، { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ } أي أعدل وأصوب ، { وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } إلا نفرا قليلا منهم وهو عبد الله بن سلام ومن أسلم معه منهم .","part":2,"page":157},{"id":658,"text":"[47] ، قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } ، يخاطب اليهود ، { آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا } يعني : القرآن ، { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } ، يعني : التوراة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم أحبار اليهود عبد الله بن صوريا وكعب بن الأشرف ، فقال : « يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق » ، قالوا : ما نعرف ذلك ، وأصروا على الكفر ، وأنزلت هذه الآية ، { مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا } قال ابن عباس : نجعلها كخف البعير ، وقال قتادة والضحاك : نعميها ، والمراد بالوجه العين ، { فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا } أي : نطمس الوجوه فنردها على القفا ، وقيل : نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة ، لأن منابت شعور الآدميين في أدبارهم دون وجوههم ، وقيل : معناه نمحو آثارها وما فيها من أنف وعين وفم وحاجب ونجعلها كالأقفاء . وقيل : نجعل عينيه على القفاء فيمشي قهقرى ، فإن قيل : قد أوعدهم الله بالطمس إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك ؟ قيل : هذا الوعيد باق ، ويكون طمس ومسخ في اليهودية قبل قيام الساعة ، وقيل : هذا كان وعيد بشرط فلما","part":2,"page":158},{"id":659,"text":"أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه دفع ذلك عن الباقين ، وقيل : أراد به في القيامة ، وقال مجاهد أراد بقوله : ( نَطْمِسَ وُجُوهًا ) أي : نتركهم في الضلالة فيكون المراد طمس وجه القلب ، والرد عن بصائر الهدى على أدبارها في الكفر والضلالة ، وأصل الطمس : المحو والإفساد والتحويل ، وقال ابن زيد : نمحو آثارهم من وجوههم ونواصيهم التي هم بها فنردها على أدبارها حتى يعودوا إلى حيث جاؤوا منه وهو الشام ، وقال : قد مضى ذلك وتأوله في إجلاء بني النضير إلى أذرعات وأريحاء من الشام { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ } ، فنجعلهم قردة وخنازير { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } .","part":2,"page":159},{"id":660,"text":"[48] ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } قال الكلبي : نزلت في وحشي بن حرب وأصحابه وذلك أنه لما قتل حمزة كان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك ، فلما قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا قد ندمنا على الذي صنعنا وأنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } ، الآيات وقد دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله وزنينا ، فلولا هذه الآيات لاتبعناك ، فنزلت { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا } الآيتين ، فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما قرؤوا كتبوا إليه : إن هذا شرط شديد نخاف ألا نعمل صالحا ، فنزل : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } ، فبعث بها إليهم فبعثوا إليه : إنا نخاف ألا نكون من أهل المشيئة فنزلت : { قُلْ يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ } ، فبعث بها إليهم","part":2,"page":160},{"id":661,"text":"فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل منهم ، ثم قال لوحشي : « أخبرني كيف قتلت حمزة ؟ فلما أخبره ، قال : \" ويحك غيب وجهك عني » ، فلحق وحشي بالشام فكان بها إلى أن مات { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى } ، اختلق ، { إِثْمًا عَظِيمًا }","part":2,"page":161},{"id":662,"text":"[49] قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ } الآية ، قال الكلبي : نزلت في رجال من اليهود منهم بحري بن عمر والنعمان بن أوفى ومرحب بن زيد ، أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال : لا ، قالوا : وما نحن إلا كهيئتهم ، ما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل ، وما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال مجاهد وعكرمة : كانوا يقدمون أطفالهم في الصلاة يزعمون أنهم لا ذنوب لهم فتلك التزكية ، وقال الحسن والضحاك وقتادة ومقاتل : نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } ، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : هو تزكية بعضهم لبعض ، قوله تعالى : { بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي } أي : يطهر ويبرئ من الذنوب ويصلح ، { مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } وهو اسم لما في شق النواة ، والقطمير اسم للقشرة التي على النواة ، والنقير اسم للنقرة التي على ظهر النواة ، وقيل : الفتيل من الفتل وهو ما يجعل بين الأصبعين من الوسخ","part":2,"page":162},{"id":663,"text":"عند الفتل .\r[50] قوله تعالى : { انْظُرْ } يا محمد ، { كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ } ، يختلفون على الله ، { الْكَذِبَ } في تغييرهم كتابه ، { وَكَفَى بِهِ } ، بالكذب { إِثْمًا مُبِينًا }","part":2,"page":163},{"id":664,"text":"[51] ، قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ } ، اختلفوا فيهما فقال عكرمة : هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله ، وقال أبو عبيدة : هما كل معبود يعبد من دون الله . قال الله تعالى : { أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } ، وقال عمر : الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان . وهو قول الشعبي ومجاهد . وقيل : الجبت : الأوثان ، والطاغوت : شياطين الأوثان . ولكل صنم شيطان ، يعبر عنه ، فيغتر به الناس . وقال محمد بن سيرين ومكحول : الجبت : الكاهن ، والطاغوت : الساحر . وقال سعيد بن جبير وأبو العالية : الجبت : الساحر بلسان الحبشة ، والطاغوت : الكاهن . وروي عن عكرمة : الجبت بلسان الحبشة : شيطان . وقال الضحاك : الجبت : حيي بن أخطب ، والطاغوت كعب بن الأشرف . دليله قوله تعالى . { يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ } ، وقيل . الجبت كل ما حرم الله ، والطاغوت كل ما يطغي الإنسان . { وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا } ، قال المفسرون : خرج كعب بن الأشرف","part":2,"page":164},{"id":665,"text":"في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أهل مكة : إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا ذلك ، فذلك قوله تعالى : ( يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ) ، ثم قال أبو سفيان لكعب : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم ، فأينا أهدى طريقة ، نحن أم محمد ؟ فقال كعب . أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد وأصحابه ، فأنزل الله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ) يعني : كعبا وأصحابه ( يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ) ، يعني : الصنمين ( وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) : أبي سفيان وأصحابه ( هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم سبيلا ودينا .","part":2,"page":165},{"id":666,"text":"[52] { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا }\r[53] { أَمْ لَهُمْ } يعني ألهم والميم صلة { نَصِيبٌ } حظ { مِنَ الْمُلْكِ } وهذا على جهة الإنكار ، يعني : ليس لهم من الملك شيء ، ولو كان لهم من الملك شيء ، { فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا } لحسدهم وبخلهم ، النقير : النقطة التي تكون في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة ، وقال أبو العالية : هو نقر الرجل الشيء بطرف أصبعه كما ينقر الدرهم :","part":2,"page":166},{"id":667,"text":"[54] { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ } ، يعني : اليهود ، ويحسدون الناس قال قتادة : المراد بالناس العرب حسدهم اليهود على النبوة ، وما أكرمهم الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : أراد محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وجماعة : المراد بالناس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده ، حسدوه على ما أحل الله له من النساء ، وقالوا . ما له هم إلا النكاح ، وهو المراد من قوله : { عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } وقيل : حسدوه على النبوة وهو المراد من الفضل المذكور في الآية . { فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } أراد بآل إبراهيم داود وسليمان وبالكتاب ما أنزل الله إليهم وبالحكمة النبوة { وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا } فمن فسر الفضل بكثرة النساء فسر الملك العظيم في حق داود وسليمان عليهما السلام بكثرة النساء ، فإنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة حرة وسبعمائة سرية ، وكان لداود مائة امرأة ، ولم يكن يومئذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسع نسوة ، فلما قال لهم ذلك سكتوا .","part":2,"page":167},{"id":668,"text":"[55] قال الله تعالى : { فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ } يعني : بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه { وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ } ، أعرض عنه ولم يؤمن به ، { وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا } ، وقودا ، وقيل : الملك العظيم : ملك سليمان . وقال السدي : الهاء في قوله : (من آمن به وصد عنه) راجعة إلى إبراهيم ، وذلك أن إبراهيم زرع ذات سنة ، وزرع الناس فهلك زرع الناس وزكا زرع إبراهيم عليه السلام ، فاحتاج إليه الناس فكان يقول : من آمن بي أعطيته فمن آمن به أعطاه ، ومن لم يؤمن به منعه .","part":2,"page":168},{"id":669,"text":"[56] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } ، ندخلهم نارا ، { كُلَّمَا نَضِجَتْ } احترقت ، { جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا } غير الجلود المحترقة ، فإن قيل : كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعصه ؟ قيل : يعاد الجلد الأول في كل مرة . وإنما قال : { جُلُودًا غَيْرَهَا } لتبديل صفتها ، كما تقول صنعت من خاتمي خاتما غيره ، فالخاتم الثاني هو الأول إلا أن الصناعة والصفة تبدلت ، قوله تعالى : { لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا } .\r[57] { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا } ، كنينا لا تنسخه الشمس ولا يؤذيهم حر ولا برد .","part":2,"page":169},{"id":670,"text":"[58] قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار ، وكان سادن الكعبة ، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح ، فقيل : إنه مع عثمان فطلبه منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : لو علمت أنه رسول الله لم أمنع المفتاح فلوى علي رضي الله عنه يده فأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين ، فلما خرج سأله العباس المفتاح أن يعطيه ويجمع له بين السقاية والسدانة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه ، ففعل ذلك علي رضي الله عنه ، فقال له عثمان : أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق ، فقال علي : لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنًا وقرأ عليه الآية ، فقال عثمان : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وكان المفتاح معه ، فلما مات دفعه إلى أخيه شيبة ، فالمفتاح والسدانة في أولادهم إلى يوم القيامة . وقيل : المراد من الآية جميع","part":2,"page":170},{"id":671,"text":"الأمانات ، قوله تعالى : { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } أي : بالقسط ، { إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا } أي نعم الشيء الذي { يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } .","part":2,"page":171},{"id":672,"text":"[59] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } اختلفوا في (أولي الأمر) ، قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم : هم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم ، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد ، ودليله قوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } ، وقال أبو هريرة . هم الأمراء والولاة ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عه . حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا ، وقيل : المراد أمراء السرايا ، وقال عكرمة : أراد بأولي الأمر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ، وقال عطاء : هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى : { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ } الآية ، قوله عز وجل : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ } أي : اختلفتم ، { فِي شَيْءٍ } من أمر دينكم ، والتنازع : اختلاف الآراء وأصله من النزع فكان المتنازعان يتجاذبان ويتمانعان ، { فَرُدُّوهُ إِلَى","part":2,"page":172},{"id":673,"text":"اللَّهِ وَالرَّسُولِ } أي : إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيا وبعد وفاته إلى سنته ، والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما ، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد . وقيل : الرد إلى الله تعالى والرسول أن يقول لما لا يعلم : الله ورسوله أعلم . { إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ } أي : الرد إلى الله والرسول ، { خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } أي : أحسن مآلا وعاقبة .","part":2,"page":173},{"id":674,"text":"[60] قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ } الآية قال الشعبي : كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة ولا يميل في الحكم ، وقال المنافق : نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم ، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه ، فنزلت هذه الآية ، { وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا } .\r[61] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } أي : يعرضون عنك إعراضا .","part":2,"page":174},{"id":675,"text":"[62] { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ } ، هذا وعيد ، أي : فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة ، { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } يعني : عقوبة صدودهم ، وقيل : هي كل مصيبة تصيب جميع المنافقين في الدنيا والآخرة وتم الكلام هاهنا ، ثم عاد الكلام إلى ما سبق ، يخبر عن فعلهم فقال : { ثُمَّ جَاءُوكَ } ، يعني : يتحاكمون إلى الطاغوت ، { ثُمَّ جَاءُوكَ } أي : يجيئونك يحلفون { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا } ، ما أردنا بالعدل عنه في المحاكمة { إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا } ، قال الكلبي : إلا إحسانا في القول ، وتوفيقا : صوابا ، وقال ابن كيسان : حقًّا وعدلًا ، نظيره : { وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى } ، وقيل : هو إحسان بعضهم إلى بعض ، وقيل : هو تقريب الأمر من الحق ، لا القضاء على أمر الحكم ، والتوفيق : هو موافقة الحق ، وقيل : هو التأليف والجمع بين الخصمين .","part":2,"page":175},{"id":676,"text":"[63] { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } ، من النفاق ، أي : علم أن ما في قلوبهم خلاف ما في ألسنتهم ، { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ، أي : عن عقوبتهم . وقيل : هو التخويف بالله ، وقيل : أن يوعدهم بالقتل إن لم يتوبوا ، قال الحسن : القول البليغ أن يقول لهم : إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قتلتم لأنه يبلغ من نفوسكم كل مبلغ ، وقال الضحاك : { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ } في الملأ { وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا } في السر والخلاء ، وقال : قيل هذا منسوخ بآية القتال .\r[64] قوله عز وجل : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ } ، أي : بأمر الله لأن طاعة الرسول وجبت بأمر الله ، قال الزجاج : ليطاع بإذن الله لأن الله قد أذن فيه وأمر به ، وقيل : إِلَّا لِيُطَاعَ كلام تام كاف ، بِإِذْنِ اللَّهِ تعالى أي : بعلم الله وقضائه ، أي : وقوع طاعته يكون بإذن الله ، { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } ، لتحاكمهم إلى الطاغوت { جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا }","part":2,"page":176},{"id":677,"text":"[65] قوله تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ } ( فلا ) أي : ليس الأمر كما يزعمون أنهم مؤمنون ثم لا يرضون بحكمك ، ثم استأنف القسم ( وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ) ويجوز أن يكون (لا) في قوله ( فلا ) صلة ، كما في قوله ( فلا أقسم ) ، حتى يحكموك : أي يجعلوك حكما ، { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } ، أي : اختلف واختلط من أمورهم والتبس عليهم حكمه ، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها ببعض ، { ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا } قال مجاهد : شكا ، وقال غيره : ضيقا ، { مِمَّا قَضَيْتَ } وقال الضحاك : إنما ، أي : يأثمون بإنكارهم ما قضيت ، { وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } أي : ينقادوا لأمرك انقيادا .","part":2,"page":177},{"id":678,"text":"[66] قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا } أي : فرضنا وأوجبنا { عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } كما أمرنا بني إسرائيل { أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ } ، كما أمرنا بني إسرائيل بالخروج من مصر ، { مَا فَعَلُوهُ } ، معناه : ما كتبنا عليهم إلا طاعة الرسول والرضى بحكمه ، ولو كتبنا عليهم القتل والخروج عن الدور ما كان يفعله ، { إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ } ، نزلت في ثابت بن قيس وهو من القليل الذي استثنى الله . قال الحسن ومقاتل لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن يا سر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم القليل ، والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « إن من أمتي لرجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي » ، قرأ ابن عامر وأهل الشام ( إلا قليلا ) بالنصف على الاستثناء ، وكذلك هو في مصحف أهل الشام ، وقيل : فيه إضمار ، تقديره : إلا أن يكون قليلا منهم ، وقرأ الآخرون قليل بالرفع على الضمير الفاعل في قوله : (فعلوا) تقديره : إلا نفر قليل فعلوه ، { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ } يؤمرون به من","part":2,"page":178},{"id":679,"text":"طاعة الرسول والرضى بحكمه ، { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } تحقيقا أو تصديقا لإيمانهم .\r[67] { وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا } ثوابا وافرا .\r[68] { وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } ، أي : إلى الصراط المستقيم .","part":2,"page":179},{"id":680,"text":"[69] قوله تعالى : { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ } أي : ( ومن يطع الله ) في أداء الفرائض ، ( والرسول ) في السنن ( فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ) أي : لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالستهم لأنهم يرفعون إلى درجة الأنبياء ، { وَالصِّدِّيقِينَ } ، وهم أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والصديق المبالغ في الصدق ، { وَالشُّهَدَاءِ } ، قيل : هم الذين استشهدوا في يوم أحد ، وقيل : الذين استشهدوا في سبيل الله ، وقال عكرمة : النبيون هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم ، والصديق أبو بكر ، والشهداء عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، { وَالصَّالِحِينَ } ، سائر الصحابة رضي الله عنهم ، { وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } يعني : رفقاء الجنة ، والعرب تضع الواحد موضع الجمع ، كقوله تعالى : { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا } أي : أطفالا { وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } أي : الأدبار .","part":2,"page":180},{"id":681,"text":"[70] { ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا } أي : بثواب الآخرة ، وقيل : من أطاع رسول الله وأحبه ، وفيه بيان أنهم لن ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم ، وإنما نالوها بفضل الله عز وجل .\r[71] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ } ، من عدوكم ، أي : من عدتكم وآلتكم من السلاح ، والحَذَر والحِذْر واحد كالمثل والمثل والشبه والشبه ، { فَانْفِرُوا } اخرجوا { ثُبَاتٍ } أي : سرايا متفرقين سرية بعد سرية ، والثبات جماعات في تفرقة واحدتها ثبة ، { أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا } أي مجتمعين كلكم مع النبي صلى الله عليه وسلم .","part":2,"page":181},{"id":682,"text":"[72] قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ } ، نزلت في المنافقين ، وإنما قال : ( منكم ) لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسب وإظهار الإسلام ، لا في حقيقة الإيمان ، ( لَيُبَطِّئَنَّ) أي : ليتأخرن ، وليتثاقلن عن الجهاد ، وهو عبد الله بن أبي المنافق ، واللام في ( لَيُبَطِّئَنَّ) لام القسم ، والتبطئة : التأخر عن الأمر ، يقال : ما أبطأ بك ؟ أي : ما أخرك عنا ؟ ويقال : إبطاء وبطأ يبطئ تبطئة . { فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ } أي : قتل وهزيمة ، { قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ } بالقعود ، { إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا } ، أي : حاضرا في تلك الغزاة فيصيبني ما أصابهم .","part":2,"page":182},{"id":683,"text":"[73] { وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ } ، فتح وغنيية ، { لَيَقُولَنَّ } هذا المنافق ، وفيه تقديم وتأخير ، وقوله { كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } متصل بقوله { فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ } تقديره : فإن أصابتكم مصيبة قال : قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ، ( كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ) أي : معرفة ، قرأ ابن كثير وحفص ويعقوب ( تكن ) بالتاء ، والباقون بالياء ، أي : ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن : { يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ } ، في تلك الغزاة ، { فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا } أي : آخذ نصيبا وافرا من الغنيمة ، وقوله ( فَأَفُوزَ) نصب على جواب التمني بالفاء ، كما تقول : وددت أن أقوم فيتبعني الناس .","part":2,"page":183},{"id":684,"text":"[74] قوله تعالى : { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ } قيل : نزلت في المنافقين ، ومعنى يشرون أي : يشترون ، يعني الذين يختارون الدنيا على الآخرة ، معناه : آمنوا ثم قاتلوا ، وقيل : نزلت في المؤمنين المخلصين ، معناه فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون أي : يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ويختارون الآخرة { وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ } يعني يستشهد ، { أَوْ يَغْلِبْ } ، يظفر { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ } ، في كلا الوجهين { أَجْرًا عَظِيمًا } .","part":2,"page":184},{"id":685,"text":"[75] قوله تعالى : { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ } لا تجاهدون { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، في طاعة الله يعاتبهم على ترك الجهاد ، { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ } أي : عن المستضعفين ، وقال ابن شهاب : في سبيل المستضعفين لتخليصهم ، وقيل : في تخليص المستضعفين ، من أيدي المشركين ، وكان بمكة جماعة ، { مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ } ، يلقون من المشركين أذى كثيرا ، { الَّذِينَ } يدعون و { يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا } يعني : مكة ، الظالم أي : المشرك ، أهلها يعني القرية التي من صفتها أن أهلها مشركين ، وإنما خفض (الظالم) لأنه نعت للأهل ، فلما عاد الأهل إلى القرية صار الفعل لها ، كما يقال مررت برجل حسنة عينه . { وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا } ، أي : من يلي أمرنا لدنك ، { وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } أي : من يمنع العدو عنا ، فاستجاب الله دعوتهم ، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ولى عليهم عتاب بن أسيد وجعله الله لهم نصيرا ينصف المؤمنين المظلومين من الظالمين .","part":2,"page":185},{"id":686,"text":"[76] ، قوله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، أي : في طاعته ، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ } أي : في طاعة الشيطان ، { فَقَاتِلُوا } أيها المؤمنون { أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ } أي : حزبه وجنوده الكفار ، { إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ } ، مكره ، { كَانَ ضَعِيفًا } ، كما فعل يوم بدر لما رأى الملائكة خاف أن يأخذوه فهرب وخذلهم .","part":2,"page":186},{"id":687,"text":"[77] ، قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ } الآية ، قال الكلبي : نزلت في جماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا قبل أن يهاجروا ، ويقولون : يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا ، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كفوا أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم » ، { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } ، فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم ، قال الله تعالى : { فَلَمَّا كُتِبَ } فرض ، { عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ } يعني يخشون مشركي مكة ، { كَخَشْيَةِ اللَّهِ } أي : كخشيتهم من الله ، { أَوْ أَشَدَّ } أكبر ، { خَشْيَةً } ، وقيل : معناه وأشد خشية ، { وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ } ، الجهاد ، { لَوْلَا } هلا ، { أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } ، يعني : الموت ، أي : هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا ؟ واختلفوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك ، فقيل : قاله قوم من المنافقين لأن قوله : ( لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ) ، لا يليق بالمؤمنين ، وقيل :","part":2,"page":187},{"id":688,"text":"قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم قالوه خوفا وجبنا لا اعتقادا ثم تابوا ، وأهل الإيمان يتفاضلون في الإيمان ، وقيل : هم قوم كانوا مؤمنين فلما فرض عليهم القتال نافقوا من الجبن وتخلفوا عن الجهاد ، { قُلْ } يا محمد ، { مَتَاعُ الدُّنْيَا } أي : منفعتها والاستمتاع بها { قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ } ، أفضل ، { خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى } ، الشرك ومعصية الرسول ، { وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا }","part":2,"page":188},{"id":689,"text":"[78] قوله عز وجل : { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ } أي : ينزل بكم الموت ، نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فرد الله عليهم بقوله : { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ } ، { وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } والبروج : الحصون والقلاع ، والمشيدة : المرفوعة المطولة ، { وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } ، نزلت في اليهود والمنافقين ، وذلك أنهم قالوا لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه ، قال الله تعالى : ( وإن تصبهم ) يعني : اليهود ( حسنة ) أي خصب ورخص في السعر ، { يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } لنا ، { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } يعني : الجدب وغلاء الأسعار { يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ } أي : من شؤم محمد وأصحابه ، وقيل : المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر ، وبالسيئة القتل والهزيمة يوم أحد ، يقولوا هذه من عندك أي : أنت الذي حملتنا عليه يا محمد ، فعلى هذا يكون من قول المنافقين { قُلْ } لهم يا محمد ، { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ }","part":2,"page":189},{"id":690,"text":"أي : الحسنة والسيئة كلها من عند الله ، ثم عيرهم بالجهل فقال : { فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ } يعني : المنافقين واليهود ، { لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا } أي : لا يفقهون قولا ، وقيل : الحديث ههنا هو القران أي : لا يفقهون معاني القرآن قوله : ( فَمَالِ هَؤُلَاءِ ) قال الفراء : كثرت في الكلام هذه الكلمة حتى توهموا أن اللام متصلة بها وأنهما حرف واحد ، ففصلوا اللام بما بعدها في بعضه ، ووصلوها في بعضه ، والقراءة الاتصال ، ولا يجوز الوقف على اللام لأنها لام خافضة .","part":2,"page":190},{"id":691,"text":"[79] ، قوله عز وجل : { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ } خير ونعمة { فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ } ، بلية أو أمر تكرهه ، { فَمِنْ نَفْسِكَ } ، أي : بذنوبك ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم المراد غيره ، نظيره قوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } وتعلق أهل القدر بظاهر هذه الآية ، فقالوا : نفى الله تعالى السيئة عن نفسه ونسبها إلى العبد ، فقال : ( وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) ، ولا متعلق لهم فيه ، لأنه ليس المراد من الآية حسنات الكسب ولا سيئاته من الطاعات والمعاصي ، بل المراد منهم ما يصيبهم من النعم والمحن ، وذلك ليس من فعلهم بدليل أنه نسبها إلى غيرهم ولم ينسبها إليهم ، فقال : ( ما أصابك ) ولا يقال في الطاعة والمعصية أصابني ، إنما يقال : أصبتها ، ويقال في المحن : أصابني ، بدليل أنه لم يذكر عليه ثوابا ولا عقابا ، فهو كقوله تعالى : { فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ } ، فلما ذكر حسنات الكسب وسيئاته نسبها إليه ، ووعد عليها الثواب","part":2,"page":191},{"id":692,"text":"والعقاب ، فقال : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا } ، وقيل معنى الآية : ما أصابك من حسنة من النصر والظفر يوم بدر فمن الله أي : من فضل الله ، وما أصابك من سيئة من القتل والهزيمة يوم أحد فمن نفسك ، أي : يعني فبذنوب أصحابك ، وهو مخالفتهم لك ، فإن قيل : كيف وجه الجمع بين قوله { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } وبين قوله ( فَمِنْ نَفْسِكَ ) ؟ قيل : قوله { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أي : الخصب والجدب والنصر والهزيمة كلها من عند الله ، وقوله : { فَمِنْ نَفْسِكَ } أي : وما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك , كما قال الله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } يدل عليها ما روى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه قرأ ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك ) . وقال بعضهم : هذه اللام متصلة بما قبلها , والقول فيه مضمر تقديره : فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا , يقولون : ( مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ","part":2,"page":192},{"id":693,"text":"نَفْسِكَ ) , { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } . { وَأَرْسَلْنَاكَ } يا محمد , { لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } على إرسالك وصدقك , وقيل : كفى بالله شهيدا على أن الحسنة والسيئة كلها من الله تعالى .","part":2,"page":193},{"id":694,"text":"[80] قوله تعالى : { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } , وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : \" من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله \" فقال بعض المنافقين : ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربًّا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربًّا , فأنزل الله تعالى : { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } أي : من يطع الرسول فيما أمر به فقد أطاع الله { وَمَنْ تَوَلَّى } عن طاعته , { فَمَا أَرْسَلْنَاكَ } يا محمد , { عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } , أي : حافظا ورقيبا على كل أمورهم , وقيل : نسخ الله عز وجل هذا بآية السيف , وأمره بقتال من خالف الله ورسوله .","part":2,"page":194},{"id":695,"text":"[81] { وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ } , يعني : المنافقين يقولون باللسان للرسول صلى الله عليه وسلم : إنا آمنا بك فمرنا فأمرك طاعة , قال النحويون : أي أمرنا وشأننا أن نطيعك , { فَإِذَا بَرَزُوا } خرجوا , { مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ } , قال قتادة والكلبي : بيَّت أي : غيَّر وبدل الذي عهد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم , ويكون التبييت بمعنى التبديل , وقال أبو عبيدة والقتيبي : معناه قالوا وقدروا ليلا غير ما أعطوك نهارا وكل ما قدر بليل فهو مبيت , وقال أبو الحسن الأخفش : تقول العرب للشيء إذا قدر : بيت , يشبهونه بتقدير بيوت الشعر , { وَاللَّهُ يَكْتُبُ } أي يثبت ويحفظ ، { مَا يُبَيِّتُونَ } ما يزورون ويغيرون ويقدرون ، وقال الضحاك عن ابن عباس : يعني ما يسرون من النفاق ، { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } يا محمد ولا تعاقبهم ، وقيل : لا تخبر بأسمائهم ، مُنع الرسول صلى الله عليه وسلم من الإخبار بأسماء المنافقين ، { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } أي : اتخذه وكيلا وكفى بالله وكيلا وناصرا .","part":2,"page":195},{"id":696,"text":"[82] قوله تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ } , يعني أفلا يتفكرون في القرآن ، والتدبر هو النظر في آخر الأمر ، ودبر كل شيء آخره . { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } أي تفاوتا وتناقضا كثيرا ، قاله ابن عباس ، وقيل : لوجدوا فيه أي : في الإخبار عن الغيب بما كان وبما يكون اختلافا كثيرا ، أفلا يتفكرون فيه فيعرفوا بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر أنه كلام الله تعالى لأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف .","part":2,"page":196},{"id":697,"text":"[83] قوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو غُلِبُوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم ، فيفشون ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل الله تعالى ( وَإِذَا جَاءَهُمْ ) يعني : المنافقين ( أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ ) أي : الفتح والغنيمة ( أَوِ الْخَوْفِ ) القتل والهزيمة ( أَذَاعُوا بِهِ ) أشاعوه وأفشوه ، { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ } إلى رأيه ولم يحدثوا به حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ، { وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ } ، أي : ذوي الرأي من الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } أي : يستخرجونه وهم العلماء ، أي : علموا ما ينبغي أن يكتم وما ينبغي أن يفشى ، والاستنباط : الاستخراج ، يقال : استنبط الماء إذا استخرجه ، وقال عكرمة : يستنبطونه أي : يحرصون عليه ويسألون عنه ، وقال الضحاك : يتبعونه ، يريد الذين سمعوا تلك الأخبار من المؤمنين والمنافقين","part":2,"page":197},{"id":698,"text":"، لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى ذوي الرأي والعلم ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، أي : يحبون أن يعلموه على حقيقته كما هو ، { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ } كلكم ، { إِلَّا قَلِيلًا } فإن قيل : كيف استثنى القليل ولولا فضله لاتبع الكل الشيطان ؟ قيل : هو راجع إلى ما قبله ، قيل : معناه أذاعوا به إلا قليلا لم يفشه ، وعنى بالقليل المؤمنين ، وهذا قول الكلبي واختيار الفراء ، وقال : لأن علم السر إذا ظهر علمه المستنبط وغيره ، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض ، وقيل : لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا ، ثم قوله : ( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ ) كلام تام ، وقيل : فضل الله : الإسلام ، ورحمته : القرآن ، يقول : لولا ذلك لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ، وهم قوم اهتدوا قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن ، مثل زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وجماعة سواهما ، وفي الآية دليل على جواز القياس ، فإن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية وهو النص ، ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس على المعاني","part":2,"page":198},{"id":699,"text":"المودعة في النصوص .\r[84] قوله تعالى : { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد حرب أُحُد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم ، فأنزل الله عز وجل : { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ } أي : لا تدع جهاد العدو والاستنصار للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك ، فإن الله قد وعدك النصرة وعاقبهم على ترك القتال ، والفاء في قوله تعالى : ( فَقَاتِلْ) جواب عن قوله { وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } فَقَاتِلْ، { وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ } أي : حضهم على الجهاد ورغبهم في الثواب ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا فكفاهم الله القتال ، فقال جل ذكره : { عَسَى اللَّهُ } أي : لعل الله ، { أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، أي : قتال المشركين و ( عسى ) من الله واجب ، { وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا } أي : أشد صولة وأعظم سلطانا ، { وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا } أي : عقوبة .","part":2,"page":199},{"id":700,"text":"[85] قوله عز وجل : { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا } أي نصيب منها ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشفاعة الحسنة هي الإصلاح بين الناس ، والشفاعة السيئة هي المشي بالنميمة بين الناس ، وقيل : الشفاعة الحسنة هي حسن القول في الناس ينال به الثواب والخير ، والسيئة هي : الغيبة وإساءة القول في الناس ينال به الشر ، وقوله ( كِفْلٌ مِنْهَا ) أي : من وزرها ، وقال مجاهد : على شفاعة الناس بعضهم لبعض ، ويؤجر الشفيع على شفاعته وإن لم يشفع قوله تعالى : { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما : مقتدرا أو مجازيا ، وقال مجاهد : شاهدا , وقال قتادة : حافظا ، وقيل : معناه على كل حيوان مقيتا أي : يوصل القوت إليه ، وجاء في الحديث : « كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت ويقيت » (1) .\r_________\r(1) رواه أبو داود في سننه في كتاب الزكاة / 45 ، والإمام أحمد في مسنده ج2 / 160 ط 193 ، 195 .","part":2,"page":200},{"id":701,"text":"[86] قوله تعالى : { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } , التحية : دعاء بطول الحياة ، والمراد بالتحية هنا السلام ، يقول : إذا سلم عليكم مُسلم فأجيبوا بأحسن منها أو رُدُّوها كما سلّم ، فإذا قال : السلام عليكم ، فقل : وعليكم السلام ورحمة الله ، وإذا قال : السلام عليكم ورحمة الله ، فقل : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، وإذا قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فردَّ مثله ، وقيل : ( فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ) ، معناه أي إذا كان الذي سلّم مُسْلِمًا ، ( أَوْ رُدُّوهَا ) بمثلها إذا لم يكن مسلما ، قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا } أي : على كل شيء من رَدِّ السلام بمثله أو بأحسن منه ، حسيبا أي : محاسبا مجازيا ، وقال مجاهد : حفيظا ، وقال أبو عبيدة : كافيا ، يقال : حسبي هذا أي كفاني .","part":2,"page":201},{"id":702,"text":"[87] قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ } اللام ، لام القسم تقديره : والله ليجمعنكم في الموت وفي القبور ، { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، وسميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون من قبورهم , قال الله تعالى : { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا } وقيل : لقيامهم إلى الحساب ، قال الله تعالى : { يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ، { لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } أي : قولا ووعدا ، وقرأ حمزة والكسائي ( أصدق ) ، وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الزاي .","part":2,"page":202},{"id":703,"text":"[88] { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } اختلفوا في سبب نزولها فقال قوم : نزلت في الذين تخلفوا يوم أُحُد من المنافقين ، فلما رجعوا قال بعض الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتلهم فإنهم منافقون ، وقال بعضهم : اعف عنهم فإنهم تكلموا بالإسلام ، وقال بعضهم : نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة وأسلموا ثم ندموا على ذلك ، ثم إنهم خرجوا في تجارة لهم نحو الشام فبلغ ذلك المسلمين ، فقال بعضهم : نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ما معهم لأنهم رغبوا عن ديننا ، وقالت طائفة : كيف تقتلون قوما على دينكم إن لم يذروا ديارهم ، وكان هذا بعين النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساكت لا ينهى واحدا من الفريقين ، فنزلت هذه الآية ، وقال بعضهم : هم قوم أسلموا بمكة ثم لم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين ، فنزلت : ( فما لكم ) يا معشر المؤمنين ( فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ) أي : صرتم فيهم فئتين أي : فرقتين { وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ } أي : نكَّسهم وردَّهم إلى الكفر { بِمَا كَسَبُوا } بأعمالهم غير الزاكية { أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا } ، أي : ترشدوا { مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ } وقيل : معناه أتقولون إن","part":2,"page":203},{"id":704,"text":"هؤلاء مهتدون وقد أضلهم الله ، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ } أي : وكما كفروا يضلل الله عن الهدى ، { فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا } أي : طريقا إلى الحق .","part":2,"page":204},{"id":705,"text":"[89] قوله تعالى : { وَدُّوا } تمنَّوا ، يعني أولئك الذين رجعوا عن الدين تمنوا { لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً } في الكفر ، وقوله ( فَتَكُونُونَ) لم يرد به جواب التمني لأن جواب التمني بالفاء منصوب ، إنما أراد النسق ، أي : ودوا لو تكفرون وودوا لو تكونون سواء ، مثل قوله : { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } أي : ودوا لو تدهن وودوا لو تدهنون ، { فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ } ، منع عن موالاتهم ، { حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } معكم ، قال عكرمة : هي هجرة أخرى والهجرة على ثلاثة أوجه : هجرة المؤمنين في أول الإسلام ، وهي قوله تعالى { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ } وقوله : { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ } ، ونحوهما من الآيات ، وهجرة المؤمنين : وهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابرين محتسبين ، كما حكي هاهنا ، وفي هذه الآية منع موالاة المؤمنين من موالاة المنافقين حتى يهاجروا في سبيل الله ، وهجرة سائر المؤمنين ما نهى الله عنه ، وهي ما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « المهاجر من هجر ما نهى","part":2,"page":205},{"id":706,"text":"الله عنه » (1) . قوله تعالى : { فَإِنْ تَوَلَّوْا } أعرضوا عن التوحيد والهجرة ، { فَخُذُوهُمْ } أي خذوهم أسارى ، ومنه يقال للأسير أخيذ ، { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } في الحل والحرم ، { وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } , ثم استثنى طائفة منهم فقال :\r_________\r(1) رواه البخاري في كتاب الإيمان / 4 .","part":2,"page":206},{"id":707,"text":"[90] { إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ } وهذا الاستثناء يرجع إلى القتل لا إلى الموالاة ، لأن موالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال ، ومعنى ( يصلون ) أي : ينتسبون إليهم ويتصلون بهم ويدخلون فيهم بالحِلْف والجوار ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما يريدون ويلجأون إلى قوم ، { بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } أي : عهد ، وهم الأسلميون وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر الأسلمي قبل خروجه إلى مكة على ألا يعينه ولا يعين عليه ، ومن وصل إلى هلال من قومه وغيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل ما لهلال ، وقال الضحاك عن ابن عباس : أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة كانوا في الصلح والهدنة ، وقال مقاتل : هم خزاعة ، وقوله : { أَوْ جَاءُوكُمْ } أي : يتصلون بقوم جاؤوكم ، { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } أي : ضاقت صدورهم ، قرأ الحسن ويعقوب ( حصرة ) منصوبة منونة أي : ضيقة صدورهم ، يعني القوم الذين جاءوكم وهم بنو مدلج ، كانوا عاهدوا قريشا ألا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشا ألا يقاتلوهم ، حصرت : ضاقت صدورهم ، { أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ } أي : عن قتالكم للعهد الذي بينكم ، {","part":2,"page":207},{"id":708,"text":"أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ } يعني : من أمن منهم ، ويجوز أن يكون معناه أنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم ، يعني قريشا قد ضاقت صدورهم لذلك ، وقال بعضهم : أو بمعنى الواو ، كأنه يقول : إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ، أي : حصرت صدورهم عن قتالهم والقتال معكم ، وهم قوم هلال الأسلميون وبنو بكر ، نهى الله سبحانه عن قتال هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا بأهل عهد للمسلمين ، لأن من انضم إلى قوم ذوي عهد فله حكمهم في حقن الدماء . قوله تعالى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ } . يذكر مِنَّتَهُ على المسلمين بكف بأس المعاهدين ، يقول : إن ضيق صدورهم عن قتالكم لما ألقى الله في قلوبهم من الرعب وكفهم عن قتالكم ، ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم مع قومهم ، { فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ } أي : اعتزلوا قتالكم ، { فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ } ومن اتصل بهم ، ويقال : يوم فتح مكة يقاتلوكم مع قومهم ، { وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ } أي : الصلح فانقادوا واستسلموا { فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا } أي :","part":2,"page":208},{"id":709,"text":"طريقا بالقتل والقتال .","part":2,"page":209},{"id":710,"text":"[91] قوله تعالى : { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ } عن ابن عباس رضي الله عنهما : هم أسد وغطفان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإسلام رياء وهم غير مسلمين ، وكان الرجل منهم يقول له قومه بماذا أسلمت ؟ فيقول : آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء وإذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : إنا على دينكم ، يريدون بذلك الأمن في الفريقين ، وقال الضحاك عن ابن عباس : هم بنو عبد الدار كانوا بهذه الصفة { يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ } ، فلا تتعرضوا لهم ، { وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ } فلا يتعرضوا لهم ، { كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ } أي : دعوا إلى الشرك { أُرْكِسُوا فِيهَا } أي : رجعوا وعادوا إلى الشرك ، { فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } أي : فإن لم يكفوا عن قتالكم حتى تسيروا إلى مكة ، { وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ } أي : المفادة والصلح , { وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ } ولم يقبضوا أيديهم عن قتالكم ، { فَخُذُوهُمْ } ، أسراء ، { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } أي : وجدتموهم ، { وَأُولَئِكُمْ } أي : أهل هذه الصفة ، { جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } أي : حجة بينة ظاهرة","part":2,"page":210},{"id":711,"text":"بالقتل والقتال .","part":2,"page":211},{"id":712,"text":"[92] قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً } , وهذا نهي عن قتل المؤمن كقوله تعالى : { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ } ، ( إِلَّا خَطَأً ) استثناء منقطع معناه : لكن إن وقع خطأ ، { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } أي : فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة ، { وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ } كاملة ، { إِلَى أَهْلِهِ } أي : إلى أهل القتيل الذين يرثونه ، { إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } أي : يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية ، { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } أراد به إذا كان الرجل مسلما في دار الحرب منفردا مع الكفار فقتله من لم يعلم بإسلامه فلا دية عليه ، وعليه الكفارة ، وقيل : المراد منه إذا كان المقتول مسلما في دار الإسلام وهو من نسب قوم كفار ، وقرابته في دار الحرب حرب للمسلمين ففيه الكفارة ولا دية لأهله ، وكان الحارث بن زيد من قوم كفار حرب للمسلمين وكان فيه تحرير رقبة ولم يكن فيه دية لأنه لم يكن بين قومه وبين المسلمين عهد . قوله تعالى : { وَإِنْ كَانَ مِنْ","part":2,"page":212},{"id":713,"text":"قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } أراد به إذا كان المقتول كافرا ذميا أو معاهدا فيجب فيه الدية والكفارة ، والكفارة تكون بإعتاق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول مسلما أو معاهدا رجلا كان أو امرأة حرا كان أو عبدا وتكون في مال القاتل ، { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } ، والقاتل إن كان واجدا للرقبة أو قادرا على تحصيلها بوجود ثمنها فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وحاجته من مسكن ونحوه فعليه الإعتاق ، ولا يجوز أن ينتقل إلى الصوم فإن عجز عن تحصيلها فعليه صوم شهرين متتابعين ، { تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ } أي : جعل الله ذلك توبة القاتل الخطأ { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا } بمن قتل خطأ { حَكِيمًا } فيما حكم به عليكم .","part":2,"page":213},{"id":714,"text":"[93] قوله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا } الآية ، نزلت في مقيس بن صبابة الكندي ، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام فوجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأرسل له رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رجلا من بني فهر إلى بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى مقيس فيقتص منه وإن لم تعلموا أن تدفعوا إليه ديته ، فأبلغهم الفهري ذلك فقالوا : سمعا وطاعة لله ولرسوله ، والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ديته فأعطوه مائة من الإبل ، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة فيأتي الشيطان مقيسا فوسوس إليه ، فقال : تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة ، اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية ، فتغفل الفهري فرماه بصخرة فقتله ، ثم ركب بعيرا وساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا فنزل فيه : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا } بكفره وارتداده ، هو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، عمن أمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة ، قوله تعالى : { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ","part":2,"page":214},{"id":715,"text":"وَلَعَنَهُ } أي : طرده عن الرحمة ، { وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } .","part":2,"page":215},{"id":716,"text":"[94] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا } عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم ، قالوا : ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم فقاموا وقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يعني إذا سافرتم في سبيل الله ، يعني : الجهاد , { فَتَبَيَّنُوا } قرأ حمزة والكسائي هاهنا في موضعين وفي سورة الحجرات بالتاء والثاء من التثبت ، أي : قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر ، وقرأ الآخرون بالياء والنون من التبين ، يقال : تبينت الأمر إذا تأملته ، { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ } هكذا قرأ أهل المدينة وابن عامر وحمزة ، أي : المعاذة وهو قول \" لا إله إلا الله محمد رسول الله \" ، وقرأ الآخرون السلام وهو السلام الذي هو تحية المسلمين لأنه كان قد سلم عليهم وقيل : السلم والسلام واحد ، أي : لا تقولوا لمن سلم عليكم لست مؤمنا ، فذلك قوله تعالى : {","part":2,"page":216},{"id":717,"text":"لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } يعني : تطلبون الغنم والغنيمة ، ( عرض الحياة الدنيا ) منافعها ومتاعها { فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ } أي : غنائم { كَثِيرَةٌ } وقيل : ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ } قال سعيد بن جبير : كذلك كنتم تكتمون إيمانكم من المشركين { فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } بإظهار الإسلام ، وقال قتادة : كنتم ضلالا من قبل فمن الله عليكم بالهداية ، وقيل معناه : كذلك كنتم من قبل تأمنون في قومكم بلا إله إلا الله قبل الهجرة فلا تخيفوا من قالها فمن الله عليكم بالهجرة ، { فَتَبَيَّنُوا } أن تقتلوا مؤمنا ، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار الإسلام فعليهم أن يكفوا عنهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما فإن سمع أذانا كف عنهم ، وإن لم يسمع أغار عليهم .","part":2,"page":217},{"id":718,"text":"[95] قوله تعالى : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } عن الجهاد { غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ } قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي بنصب الراء أي : إلا أولي الضرر ، وقرأ الآخرون برفع الراء على نعت ( القاعدين ) يريد : لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر ، أي : غير أولي الزمانة والضعف في البدن والبصر ، { وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } أي : ليس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون والمجاهدون سواء ، غير أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين ، لأن العذر أقعدهم ، قوله تعالى : { فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً } أي : فضيلة ، وقيل : أراد بالقاعد هاهنا أولي الضرر ، فضل الله المجاهدين عليهم درجة لأن المجاهد باشر الجهاد مع النية وأولي الضرر كانت لهم نية ولكنهم لم يباشروا ، فنزلوا عنهم بدرجة ، { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } يعني : الجنة بإيمانهم ، وقال مقاتل : يعني المجاهد والقاعد المعذور ، { وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا }","part":2,"page":218},{"id":719,"text":"يعني : على القاعدين من غير عذر .\r[96] { دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } قيل : هي سبعون درجة متفاوتة , وقيل : الدرجات هي الإسلام والجهاد والهجرة والشهادة فاز بها المجاهدون .","part":2,"page":219},{"id":720,"text":"[97] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } الآية نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار فقال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ } أراد به ملك الموت وأعوانه أو أراد ملك الموت وحده ، كما قال تعالى : { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } ، والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع { ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } بالشرك ، وهو نصب على الحال أي : في حال ظلمهم , قيل : أي المقام في دار الشرك لأن الله تعالى لم يقبل الإسلام بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالهجرة ، ثم نسخ بعد فتح مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا هجرة بعد الفتح » (1) ، وهؤلاء قتلوا يوم بدر وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم ، وقالوا لهم : فيما كنتم ؟ فذلك قوله تعالى : { قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ } أي : في ماذا كنتم أو في أي الفريقين كنتم ؟ أفي المسلمين ؟ أم في المشركين ؟ سؤال توبيخ وتعيير فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك ، { قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ } عاجزين , { فِي\r_________\r(1) متفق عليه .","part":2,"page":220},{"id":721,"text":"الْأَرْضِ } يعني أرض مكة ، { قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا } ؟ يعني إلى المدينة وتخرجوا من مكة من بين أهل الشرك ؟ فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم ، وقال : { فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ } منزلهم , { جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } أي : بئس المصير إلى جهنم ، ثم استثنى أهل العذر منهم ، فقال :\r[98] { إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } لا يقدرون على حيلة ولا على نفقة ولا على قوة الخروج منها ، { وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا } أي : لا يعرفون طريقا إلى الخروج . وقال مجاهد : لا يعرفون طريق المدينة .\r[99] قوله تعالى : { فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ } يتجاوز عنهم ، وعسى من الله واجب ، لأنه للإطماع ، والله تعالى إذا أطمع عبدا وصله إليه ، { وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كنت أنا وأمي ممن عذر الله ، يعني المستضعفين , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين في الصلاة .","part":2,"page":221},{"id":722,"text":"[100] قوله تعالى : { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً } عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( مُرَاغَمًا) أي : متحوَّلا يتحول إليه ، وقال مجاهد : متزحزحا عما يكره ، وقال أبو عبيدة : المراغم : المهاجر ، قيل : سميت المهاجرة مراغمة لأن من يهاجر يراغم قومه ، وسعة أي : في الرزق ، وقيل : سعة من الضلالة إلى الهدى { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ } أي : قبل بلوغه إلى مهاجره ، { فَقَدْ وَقَعَ } أي : وجب { أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } بإيجابه على نفسه فضلا منه ، { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .\r[101] قوله عز وجل : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ } أي : سافرتم ، { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } أي : حرج وإثم { أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ } يعني من أربعة ركعات إلى ركعتين ، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء ، { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ } أي : يغتالكم ويقتلكم { الَّذِينَ كَفَرُوا } في الصلاة { إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا } أي : ظاهر العداوة .","part":2,"page":222},{"id":723,"text":"[102] قوله تعالى : { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ } روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم أن المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جميعا ندموا إلا كانوا أكبوا عليهم ، فقال بعضهم لبعض : دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعني صلاة العصر ، فإذا قاموا فيها فشدوا عليهم فاقتلوهم ، فنزل جبريل عليه السلام فعلمه صلاة الخوف ، وجملته أن العدو إذا كانوا في معسكرهم في غير ناحية القبلة فيجعل الإمام القوم فرقتين فتقف طائفة وجاه العدو تحرسهم ، ويشرع الإمام مع طائفة في الصلاة ، فإذا صلى بهم ركعة قام وثبت قائما حتى أتموا صلاتهم ، وذهبوا إلى وجاه العدو ثم أتت الطائفة الثانية فصلى بهم الركعة الثانية وثبت جالسا حتى أتموا لأنفسهم الصلاة ، ثم يسلم بهم ، وهذه رواية سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بذات الرقاع ، قوله تعالى : ( وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ ) أي : شهيدا معهم فأقمت لهم الصلاة ، { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ } أي : فلتقف { وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا","part":2,"page":223},{"id":724,"text":"سَجَدُوا } أي : صلوا ، { فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ } يريد مكان الذين هم وجاه العدو ، { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا } ، وهم الذين كانوا في وجه العدو { فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } قيل : هؤلاء الذين أتوا ، وقيل : هم الذين صلوا ، { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } يتمنى الكفار ، { لَوْ تَغْفُلُونَ } أي : وجدوكم غافلين ، { عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً } فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة ، { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ } ، رخص في وضع السلاح في حال المطر والمرض ، لأن السلاح يثقل حمله في هاتين الحالتين ، { وَخُذُوا حِذْرَكُمْ } أي : راقبوا العدو كيلا يتغفلوكم ، والحذر ما يتقى به من العدو , { إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } يهانون فيه ، والجُناح : الإثم ، من جنحت إذا عدلت عن القصد .","part":2,"page":224},{"id":725,"text":"[103] { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ } يعني صلاة الخوف ، أي فرغتم منها ، { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } أي : صلوا لله { قِيَامًا } في حال الصحة ، { وَقُعُودًا } في حال المرض ، { وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } عند الجرح والزمانة ، وقيل : اذكروا الله بالتسبيح والتحميد والتهليل والتمجيد على كل حال ، { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ } أي : سكنتم وآمنتم ، { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } أي : أتموها أربعا بأركانها ، { إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } قيل : واجبا مفروضا مقدرا في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتان ، وقال مجاهد : أي فرضا مؤقتا وقته الله عليهم .","part":2,"page":225},{"id":726,"text":"[104] قوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ } الآية ، سبب نزولها أن أبا سفيان رضي الله عنه وأصحابه لما رجعوا يوم أحد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة في آثارهم فشكوا ألم الجراحات ، فقال الله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ } أي : تضعفوا في ابتغاء القوم في طلب القوم أبي سفيان وأصحابه ، { إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ } تتوجعون من الجراح ، { فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ } أي : يتوجعون ، يعني الكفار { كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ } أي : وأنتم مع ذلك تأملون من الأجر والثواب في الآخرة والنصر في الدنيا ما لا يرجون , { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } .","part":2,"page":226},{"id":727,"text":"[105] قوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } الآية , عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعا من جار له يقال له قتادة بن النعمان , وكانت الدرع في جراب له فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار , ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين , فالتمست الدرع عند طعمة فحلف بالله ما أخذها وما له بها من علم , فقال أصحاب الدرع : لقد رأينا أثر الدقيق حتى دخل داره , فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي فأخذوه منه , فقال اليهودي دفعها إلي طعمة بن أبيرق , فجاء بنو ظفر وهم قوم طعمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يجادل عن صاحبهم ، وقالوا له : إنك إن لم تفعل افتضح صاحبنا ، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاقب اليهودي فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال : { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } بالأمر والنهي والفصل ، { لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } بما علمك الله وأوحى إليك","part":2,"page":227},{"id":728,"text":"، { وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ } طعمة ، { خَصِيمًا } معينا مدافعا عنه .","part":2,"page":228},{"id":729,"text":"[106] { وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ } مما هممت به من معاقبة اليهودي ، وقال مقاتل : واستغفر الله من جدالك عن طعمة { إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } .\r[107] { وَلَا تُجَادِلْ } لا تخاصم ، { عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ } أي : يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا } خائنا ، { أَثِيمًا } بسرقة الدرع ، أثيما في رميه اليهودي , قيل : إنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد به غيره ، والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد الوجوه الثلاثة : إما لذنب تقدم على النبوة أو لذنوب أمته وقرابته ، أو لمباح جاء الشرع بتحريمه فيتركه بالاستغفار ، فالاستغفار يكون معناه السمع والطاعة لحكم الشرع .","part":2,"page":229},{"id":730,"text":"[108] { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ } أي : يستترون ويستحيون من الناس ، يريد بني ظفر بن الحارث ، { وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ } أي : لا يستترون ولا يستحيون من الله ، { وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ } يتقولون ويؤلفون ، والتبييت : تدبير الفعل ليلا ، { مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ } وذلك أن قوم طعمة قالوا فيما بينهم : نرفع الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسمع قوله ويمينه لأنه مسلم ولا يسمع من اليهودي فإنه كافر ، فلم يرض الله ذلك منهم ، { وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا } ثم يقول لقوم طعمة :","part":2,"page":230},{"id":731,"text":"[109] { هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ } , أي : يا هؤلاء , { جَادَلْتُمْ } أي : خاصمتم ، { عَنْهُمْ } يعني : عن طعمة ، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } والجدال : شدة المخاصمة من الجدل ، وهو شدة القتل ، فهو يريد قتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج ، وقيل : الجدال من الجدالة ، وهي الأرض ، فكان كل واحد من الخصمين يروم قهر صاحبه وصرعه على الجدال ، { فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ } ، يعني : عن طعمة ، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ } إذا أخذه الله بعذابه ، { أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا } كفيلا ، أي : من الذي يذب عنهم ، ويتولى أمرهم يوم القيامة ، ثم استأنف فقال :\r[110] { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا } يعني السرقة ، { أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } برميه البريء ، وقيل : ومن يعمل سوءا أي : شركا أو يظلم نفسه : يعني إثما دون الشرك ، { ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ } أي : يتب إليه ويستغفره ، { يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } يعرض التوبة على طعمة في هذه الآية .","part":2,"page":231},{"id":732,"text":"[111] { وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا } يعني : يمين طعمة بالباطل ، أي : ما سرقته إنما سرقه اليهودي { فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ } فإنما يضر به نفسه ، { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا } بسارق الدرع { حَكِيمًا } حكم بالقطع على السارق .\r[112] { وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً } أي : سرقة الدرع ، { أَوْ إِثْمًا } بيمينه الكاذبة ، { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ } أي : يقذف بما جنى { بَرِيئًا } منه وهو نسبة السرقة إلى اليهودي { فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا } البهتان : هو البهت ، وهو الكذب الذي يتحير في عظمه ، { وَإِثْمًا مُبِينًا } ، أي : ذنبا بينا ، وقوله ( ثُمَّ يَرْمِ بِهِ ) ولم يقل بهما بعد ذكر الخطيئة والإثم ، رد الكناية إلى الإثم أو جعل الخطيئة والإثم كالشيء الواحد .","part":2,"page":232},{"id":733,"text":"[113] قوله تعالى : { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : { لَهَمَّتْ } لقد همت أي : أضمرت ، { طَائِفَةٌ مِنْهُمْ } يعني : قوم طعمة ، { أَنْ يُضِلُّوكَ } يخطئوك في الحكم ويلبسوا عليك الأمر حتى تدافع عن طعمة ، { وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ } يعني يرجع وباله عليها ، { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ } يريد أن ضرره يرجع إليهم ، { وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ } يعني : القرآن ، { وَالْحِكْمَةَ } يعني : القضاء بالوحي { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } من الأحكام ، وقيل : من علم الغيب { وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } .","part":2,"page":233},{"id":734,"text":"[114] قوله تعالى : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ } يعني : قوم طعمة ، وقال مجاهد : الآية عامة في حق جميع الناس ، والنجوى : هي الإسرار في التدبير ، وقيل : النجوى ما يتفرد بتدبيره قوم سرا كان أو جهرا ، فمعنى الآية : لا خير في كثير مما يدبرونه بينهم ، { إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } أي : إلا في نجوى من أمر بصدقة ، فالنجوى تكون فعلا ، وقيل : هذا استثناء منقطع ، يعني : لكن من أمر بصدقة ، وقيل النجوى هاهنا : الرجال المتناجون ، كما قال تعالى : { وَإِذْ هُمْ نَجْوَى } [الإسراء : 47] . ( إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ) أي : حث عليها ، { أَوْ مَعْرُوفٍ } أي : بطاعة الله وما يعرفه الشرع ، وأعمال البر كلها معروف ، لأن العقول تعرفها ، { أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ } فعن أم كلثوم بنت عقبة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ليس الكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا » . قوله تعالى : { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي : هذه الأشياء التي ذكرها ، { ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } أي : طلب رضاه ، { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ } في الآخرة ، { أَجْرًا عَظِيمًا } ، قرأ أبو عمرو","part":2,"page":234},{"id":735,"text":"وحمزة ( يؤتيه ) بالياء ، يعني يؤتيه الله ، وقرأ الآخرون بالنون .\r[115] قوله تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ } نزلت في طعمة بن أبيرق وذلك أنه لما ظهرت عليه السرقة خاف على نفسه من قطع اليد والفضيحة ، فهرب إلى مكة وارتد عن الدين ، فقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ } أي : يخالفه ، { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } من التوحيد والحدود ، { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } أي : غير طريق المؤمنين ، { نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى } أي : نكله في الآخرة إلى ما تولى في الدنيا ، { وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } .","part":2,"page":235},{"id":736,"text":"[116] { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } أي : ذهب عن الطريق وحُرم الخير كله ، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن هذه الآية نزلت في شيخ من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إني شيخ منهمك في الذنوب ، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به ، ولم أتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا وإني لنادم تائب مستغفر فماذا حالي ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية .","part":2,"page":236},{"id":737,"text":"[117] قوله تعالى : { إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا } نزلت في أهل مكة ، أي : ما يعبدون ، كقوله تعالى : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي } أي : اعبدوني ، بدليل قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } ، قوله : ( من دونه ) أي : من دون الله ، ( إِلَّا إِنَاثًا ) أراد بالإناث الأوثان لأنهم كانوا يسمونها باسم الإناث ، فيقولون : اللات والعزى ومناة ، وكانوا يقولون لصنم كل قبيلة : أنثى بني فلان فكان في كل واحدة منهن شيطان يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم ، ولذلك قال : { وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا } ، هذا قول أكثر المفسرين يدل على صحة التأويل : وأن المراد بالإناث الأوثان قراءة ابن عباس رضي الله عنه ( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أُثُنًا ) جمع الوثن فصير الواو همزة ، وقال الحسن وقتادة : إلا إناثا أي : مواتا لا روح فيه ، لأن أصنامهم كانت من الجمادات سماها إناثا لأنه يخبر عن الموات ، كما يخبر عن الإناث ، ولأن الإناث أدون الجنسين كما أن الموات أرذل من الحيوان ، وقال الضحاك : أراد بالإناث الملائكة وكان بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون : الملائكة","part":2,"page":237},{"id":738,"text":"إناث ، كما قال الله تعالى : { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا } ، ( وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا ) ، أي : وما يعبدون إلا شيطانا مريدا لأنهم إذا عبدوا الأصنام فقد أطاعوا الشيطان ، والمريد : المارد ، وهو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة ، وأراد : إبليس .\r[118] { لَعَنَهُ اللَّهُ } أي : أبعده الله من رحمته ، { وَقَالَ } يعني : قال إبليس ، { لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا } أي : حقا معلوما ، فما أطيع فيه إبليس فهو مفروضه وأصل الفرض في اللغة : القطع ، ومنه الفرضة في النهر وهي الثلمة تكون فيه ، وفرض القوس والشراك : للشق الذي يكون فيه الوتر والخيط الذي يشد به الشراك .","part":2,"page":238},{"id":739,"text":"[119] { وَلَأُضِلَّنَّهُمْ } يعني : عن الحق ، أي : لأغوينهم ، يقوله إبليس ، وأراد به التزيين ، وإلا فليس إليه من الإضلال شيء ، كما قال : { لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ }{ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ } ، قيل : أمنينهم ركوب الأهواء ، وقيل : أمنينهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ، وقيل : أمنينهم إدراك الآخرة مع ركوب المعاصي { وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن المسيب والضحاك : يعني دين الله ، نظيره قوله تعالى : { لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } أي : لدين الله ، يريد وضع الله في الدين بتحليل الحرام وتحريم الحلال ، وقال عكرمة وجماعة من المفسرين فليغيرن خلق الله بالخصاء والوشم وقطع الآذان حتى حرّم بعضهم الخصاء وجوزه بعضهم في البهائم ، لأن فيه غرضا ظاهرا ، وقيل : تغيير خلق الله هو أن الله تعالى خلق الأنعام للركوب والأكل فحرموها ، وخلق الشمس والقمر والأحجار لمنفعة العباد فعبدوها من دون الله ، { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي : ربا يطيعه","part":2,"page":239},{"id":740,"text":"، { فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا } .\r[120] { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ } فوعده وتمنيته ما يوقعه في قلب الإنسان من طول العمر ونيل الدنيا ، وقد يكون بالتخويف بالفقر فيمنعه من الإنفاق وصلة الرحم كما قال الله تعالى : { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ } ويمنيهم بأن لا بعث ولا جنة ولا نار { وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا } أي : باطلا .\r[121] { أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا } أي : مفرا ومعدلا عنها .","part":2,"page":240},{"id":741,"text":"[122] قوله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } أي : من تحت الغرف والمساكن ، { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا } .","part":2,"page":241},{"id":742,"text":"[123] قوله تعالى : { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ } الآية ، قال مسروق وقتادة والضحاك : أراد ليس أمانيكم أيها المسلمون ولا أماني أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى ، وذلك أنهم افتخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب ، وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى . وقال مجاهد : أراد بقوله { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ } يا مشركي أهل الكتاب ، وذلك أنهم قالوا : لا بعث ولا حساب ، وقال أهل الكتاب : { لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } ، و { لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } ، فأنزل الله تعالى : { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ } أي : ليس الأمر بالأماني وإنما الأمر بالعمل الصالح ، { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } ، قال ابن عباس وسعيد بن جبير وجماعة : الآية عامة في حق كل عامل { وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } .","part":2,"page":242},{"id":743,"text":"[124] قوله تعالى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا } أي : مقدار النقير ، وهو النقرة التي تكون في ظهر النواة .\r[125] { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا } أحكم دينا { مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } أي : أخلص عمله لله ، وقيل : فوض أمره إلى الله ، { وَهُوَ مُحْسِنٌ } أي : موحد ، { وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } يعني : دين إبراهيم عليه السلام ، { حَنِيفًا } أي : مسلما مخلصا ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : ومن دين إبراهيم الصلاة إلى الكعبة والطواف بها ومناسك الحج ، وإنما خُصَّ بها إبراهيم لأنه كان مقبولا عند الأمم أجمع ، وقيل : لأنه بُعث على ملة إبراهيم وزيدت له أشياء . { وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا } صفيا ، والخلة : صفاء المودة ، قال الزجاج : معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل ، والخلة : الصداقة ، فسمي خليلا لأن الله أحبه واصطفاه .","part":2,"page":243},{"id":744,"text":"[126] قوله عز وجل : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } أي : أحاط علمه بجميع الأشياء .","part":2,"page":244},{"id":745,"text":"[127] قوله تعالى : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } الآية , قالت عائشة رضي الله عنها : هي اليتيمة تكون في حجر الرجل ، وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من سنّة صداقها ، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركها ، وفي رواية هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب أن يتزوجها لدمامتها ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها حتى تموت فيرثها ، فنهاهم الله عن ذلك , قوله عز وجل : ( وَيَسْتَفْتُونَكَ) أي : يستخبرونك في النساء ، ( قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ) ، { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ } ، قيل : معناه ويفتيكم فيما يتلى عليكم ، وقيل : يريد الله أن يفتيكم فيهن وكتابه يفتيكم فيهن ، وهو قوله عز وجل : { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } ، قوله : { فِي يَتَامَى النِّسَاءِ } هذا إضافة الشيء إلى نفسه لأنه أراد باليتامى النساء ، { اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ } أي : لا تعطونهن ، { مَا كُتِبَ لَهُنَّ } من صداقهن , { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } أي : في نكاحهن لمالهن وجمالهن بأقل من","part":2,"page":245},{"id":746,"text":"صداقهن ، وقال الحسن وجماعة : أراد لا تؤتونهن حقهن من الميراث لأنهم كانوا لا يورثون النساء ، وترغبون أن تنكحوهن ، أي : عن نكاحهن لدمامتهن ، { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ } يريد : ويفتيكم في المستضعفين من الولدان وهم الصغار ، أن تعطوهم حقوقهم لأنهم كانوا لا يُورِّثون الصغار ، يريد ما يتلى عليكم في باب اليتامى من قوله { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } يعني بإعطاء حقوق الصغار ، { وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } أي : ويفتيكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط بالعدل في مهورهن ومواريثهن ، { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا } يجازيكم عليه .","part":2,"page":246},{"id":747,"text":"[128] { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ } ، أي : علمت { مِنْ بَعْلِهَا } أي : من زوجها { نُشُوزًا } أي : بغضا ، قال الكلبي : يعني ترك مضاجعتها ، { أَوْ إِعْرَاضًا } بوجهه عنها وقلة مجالستها ، { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي : على الزوج والمرأة ، ( أَنْ يَصَّالَحَا ) أي يتصالحا ، وقرأ أهل الكوفة { أَنْ يُصْلِحَا } من أصلح ، { بَيْنَهُمَا صُلْحًا } ، يعني : في القِسْم والنفقة ، وهو أن يقول الزوج لها ، إنك قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوج امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في القسمة ليلا ونهارا فإن رضيتِ بهذا فأقيمي وإن كرهت خلّيتُ سبيلك ، فإن رضيتْ كانت هي المحسنة ولا تُجبر على ذلك ، وإن لم ترض بدون حقها كان على الزوج أن يوفّيها حقها من القسم والنفقة أو يسرحها بإحسان ، فإن أمسكها ووفاها حقها مع كراهية فهو محسن وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية : هو أن الرجل يكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة ، فيقول للكبيرة : أعطيتك من مالي نصيبا على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك فترضى بما اصطلحا عليه ، فإن أبت أن ترضى فعليه أن يعدل بينهما في القسم . وعن علي رضي الله عنه في هذه الآية قال : تكون","part":2,"page":247},{"id":748,"text":"المرأة عند الرجل فتنبو عينه عنها من دمامة أو كبر فتكره فرقته ، فإن أعطته من مالها فهو له حل وإن أعطته من أيامها فهو حل له ، { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } يعني : إقامتها بعد تخييره إياها والمصالحة على ترك بعض حقها من القسم والنفقة خير من الفرقة { وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ } ، يريد شح كل واحد من الزوجين بنصيبه من الآخر ، والشح : أقبح البخل ، وحقيقته : الحرص على منع الخير ، { وَإِنْ تُحْسِنُوا } ، أي : تصلحوا { وَتَتَّقُوا } الجور ، وقيل : هذا خطاب مع الأزواج ، أي : تحسنوا بالإقامة معها على الكراهة وتتقوا ظلمها { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } فيجزيكم بأعمالكم .","part":2,"page":248},{"id":749,"text":"[129] قوله تعالى : { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ } أي : لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب ، { وَلَوْ حَرَصْتُمْ } على العدل ، { فَلَا تَمِيلُوا } أي : إلى التي تحبونها ، { كُلَّ الْمَيْلِ } في القسم والنفقة ، أي : لا تُتبِعوا أهواءكم أفعالكم ، { فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ } ، أي : فتدعوا الأخرى كالمعلقة لا أيِّمًا ولا ذات بعل . وقال قتادة : كالمحبوسة ، وفي قراءة أبي بن كعب : كأنها مسجونة . وروي عن أبي قلابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول : \" اللهم هذا قَسْمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك \" (1) , { وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا } الجور ، { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } .\r_________\r(1) رواه أبو داود في كتاب النكاح / 38 ، والنسائي في كتاب عشرة النساء / 2 ، وابن ماجه في كتاب النكاح / 47 ، والدارمي في كتاب النكاح / 25 ، وهو معل .","part":2,"page":249},{"id":750,"text":"[130] { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا } يعني : الزوج والمرأة بالطلاق ، { يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ } من رزقه ، يعني : المرأة بزوج آخر والزوج بامرأة أخرى ، { وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا } واسع الفضل والرحمة حكيما فيما أمر به ونهى عنه ، وجملة حُكم الآية : أن الرجل إذا كانت تحته امرأتان أو أكثر فإنه يجب عليه التسوية بينهن في القسم ، فإن ترك التسوية بينهن في فعل القسم عصى الله تعالى ، وعليه القضاء للمظلومة والتسوية شرط في البيتوتة ، أما في الجماع فلا ، لأنه يدور على النشاط وليس ذلك إليه .","part":2,"page":250},{"id":751,"text":"[131] قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } عبيدا ومُلكا { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } يعني : أهل التوراة والإنجيل وسائر الأمم المتقدمة في كتبهم , { وَإِيَّاكُمْ } يا أهل القرآن في القرآن ، { أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ } أي : وحدوا الله وأطيعوه ، { وَإِنْ تَكْفُرُوا } بما أوصاكم الله به { فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ، قيل : فإن لله ملائكة في السماوات والأرض هي أطوع له منكم ، { وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا } عن جميع خلقه غير محتاج إلى طاعتهم ، { حَمِيدًا } محمودا على نعمه .","part":2,"page":251},{"id":752,"text":"[132] { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } ، قال عكرمة عن ابن عباس : يعني شهيدا أن فيها عبيدا ، وقيل : دافعا ومُجيرا ، فإن قيل : فأي فائدة في تكرار قوله تعالى : ( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) ؟ قيل : لكل واحد منهما وجه ، أما الأول : فمعناه لله ما في السماوات وما في الأرض وهو يوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيته ، وأما الثاني فيقول : { فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا } أي : هو الغني وله الملك فاطلبوا منه ما تطلبون ، وأما الثالث فيقول : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } أي : له الملك فاتخذوه وكيلا ولا تتوكلوا على غيره .\r[133] قوله تعالى : { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } يهلككم { أَيُّهَا النَّاسُ } يعني : الكفار ، { وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } يقول بغيركم خير منكم وأطوع ، { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا } قادرا .","part":2,"page":252},{"id":753,"text":"[134] { مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } يريد من كان يريد بعمله عَرَضا من الدنيا ولا يريد بها الله عز وجل آتاه الله من عَرَض الدنيا أو دفع عنه فيها ما أراد الله ، وليس له في الآخرة من ثواب ، ومن أراد بعمله ثواب الآخرة آتاه الله من الدنيا ما أحب وجزاه الجنة في الآخرة . قوله تعالى : { وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } .","part":2,"page":253},{"id":754,"text":"[135] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ } يعني : كونوا قائمين بالشهادة بالقسط ، أي : بالعدل لله ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كانت له ، { وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } في الرحم ، أي : قولوا الحق ولو على أنفسكم بالإقرار أو الوالدين والأقربين ، فأقيموها عليهم لله ، ولا تُحابوا غنيا لغناه ولا ترحموا فقيرا لفقره ، فذلك قوله تعالى : { إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا } منكم ، أي : أقيموا على المشهود عليه وإن كان غنيا وللمشهود له وإن كان فقيرا فالله أولى بهما منكم ، أي : كِلوا أمرهما إلى الله . وقال الحسن : معناه الله أعلم بهما ، { فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا } أي : ولا تجوروا وتميلوا إلى الباطل من الحق ، وقيل : معناه لا تتبعوا الهوى لتعدلوا ، أي : لتكونوا عادلين كما يقال : لا تتبع الهوى لترضي ربك . { وَإِنْ تَلْوُوا } أي : تحرفوا الشهادة لتبطلوا الحق { أَوْ تُعْرِضُوا } عنها فتكتموها ولا تقيموها ، يقال : تلووا أي تدافعوا في","part":2,"page":254},{"id":755,"text":"إقامة الشهادة ، يقال : لَوَيْتَه حقه إذا دفعتَه وأبطلتَه ، وقيل : هذا خطاب مع الحكام في ليِّهم الأشداق ، يقول : وإن تلووا أي تميلوا إلى أحد الخصمين أو تعرضوا عنه ، قرأ ابن عامر وحمزة ( تَلُوا ) بضم اللام ، قيل : أصله تلووا ، فحذفت إحدى الواوين تخفيفا ، وقيل : معناه : وإن تلوا القيام بأداء الشهادة أو تعرضوا فتتركوا أداءها { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } .","part":2,"page":255},{"id":756,"text":"[136] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } الآية , عن ابن عباس : نزلت هذه الآية في « عبد الله بن سلام وأسد وأسيد بني كعب ، وثعلبة بن قيس وسلام بن أخت عبد الله بن سلام ، وسلمة ابن أخيه ويامين بن يا مين فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه من الكتب والرسل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" بل آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، والقرآن وبكل كتاب كان قبله » ، فأنزل الله هذه الآية ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وبموسى عليه السلام والتوراة ( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) محمد صلى الله عليه وسلم ، { وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ } يعني القرآن ، { وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ } من التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب ، { وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } ، فلما نزلت هذه الآية قالوا : فإنا نؤمن بالله ورسوله","part":2,"page":256},{"id":757,"text":"والقرآن وبكل رسول وكتاب كان قبل القرآن ، والملائكة واليوم الآخر لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ، وقال الضحاك : أراد بهم اليهود والنصارى ، وقيل : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) بموسى وعيسى ( آمنوا ) بمحمد والقرآن ، وقال مجاهد : أراد بهم المنافقين ، يقول : ( يا أيها الذين آمنوا ) باللسان ( آمنوا ) بالقلب . وقال أبو العالية وجماعة : هذا خطاب للمؤمنين ، يقول : ( يا أيها الذين آمنوا ) آمنوا أي أقيموا واثبتوا على الإيمان ، كما يقال للقائم : قم حتى أرجع إليك ، أي اثبت قائما ، وقيل : المراد به أهل الشرك ، يعني : ( يا أيها الذين آمنوا ) باللات والعزى ( آمنوا ) بالله ورسوله .","part":2,"page":257},{"id":758,"text":"[137] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا } قال قتادة : هم اليهود آمنوا بموسى ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل ، ثم آمنوا بالتوراة ثم كفروا بعيسى عليه السلام ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : هو في جميع أهل الكتاب آمنوا بنبيهم ثم كفروا به ، وآمنوا بالكتاب الذي نزل عليه ثم كفروا به ، وكفرهم به تركهم إياه ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هذا في قوم مرتدين آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا , وقال مجاهد : ثم ازدادوا كفرا أي ماتوا عليه ، { لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } ، ما أقاموا على ذلك ، { وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا } أي طريقا إلى الحق ، فإن قيل : ما معنى قوله : ( لم يكن الله ليغفر لهم ) ، ومعلوم أنه لا يغفر الشرك إن كان أول مرة ؟ قيل : معناه أن الكافر إذا أسلم أول مرة ودام عليه يغفر له كفره السابق ، فإن أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر لا يغفر له كفره السابق الذي كان ، يغفر له لو أنه دام على الإسلام .","part":2,"page":258},{"id":759,"text":"[138] { بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ } أخبرهم يا محمد { بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ، والبشارة : كل خبر يتغير به بشرة الوجه سارًّا كان أو غير سارّ ، وقال الزجاج : معناه اجعل في موضع بشارتك لهم العذاب ، كما تقول العرب : تحيتك الضرب وعتابك السيف ، أي : بدلا لك من التحية ، ثم وصف المنافقين فقال :\r[139] { الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ } يعني يتخذون اليهود أولياء وأنصارا أو بطانة { مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ } ، أي المعونة والظهور على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه , وقيل : أيطلبون عندهم القوة ، { فَإِنَّ الْعِزَّةَ } أي : الغلبة والقوة والقدرة ، { لِلَّهِ جَمِيعًا } .","part":2,"page":259},{"id":760,"text":"[140] { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ } ، قرأ عاصم ويعقوب ( نزل ) بفتح النون والزاي ، أي : نزل الله ، وقرأ الآخرون ( نزل ) بضم النون وكسر الزاي ، أي : عليكم يا معشر المسلمين { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ } يعني القرآن { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ } يعني : مع الذين يستهزؤون ، { حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ، أي : يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وهذا إشارة إلى ما أنزل الله في سورة الأنعام { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : دخل في هذه الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة ، { إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ } أي : إن قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزءون ورضيتم به فأنتم كفار مثلهم ، وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة ، وقال الحسن : لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره ، لقوله تعالى : { وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ","part":2,"page":260},{"id":761,"text":"الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ، والأكثرون على الأول . وآية الأنعام مكية وهذه مدنية والمتأخر أولى . قوله : { إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } .","part":2,"page":261},{"id":762,"text":"[141] { الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } ينتظرون بكم الدوائر ، يعني : المنافقين ، { فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ } ، يعني : ظفر وغنيمة ، { قَالُوا } لكم { أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ } على دينكم في الجهاد كنا معكم فاجعلوا لنا نصيبا من الغنيمة ، { وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } ، يعني دولة وظهور على المسلمين ، { قَالُوا } يعني : المنافقين للكافرين ، { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } والاستحواذ : هو الاستيلاء والغلبة ، قال تعالى : { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ } أي : استولى وغلب ، يقول : ألم نخبركم بعورة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونطلعكم على سرهم ؟ قال المبرد : يقول المنافقون للكفار ألم نغلبكم على رأيكم { وَنَمْنَعْكُمْ } ونصرفكم ، { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، أي : عن الدخول في جملتهم ، وقيل : معناه ألم نستول عليكم بالنصرة لكم ونمنعكم من المؤمنين ، أي ندفع عنكم صولة المؤمنين بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إياكم بأخبارهم وأمورهم ، ومراد المنافقين بهذا الكلام إظهار المنة على الكافرين { فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يعني : بين أهل الإيمان وأهل","part":2,"page":262},{"id":763,"text":"النفاق ، { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } ، قال علي : في الآخرة ، وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم : أي حجة ، وقيل : ظهورا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .\r[142] { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أي يعاملونه معاملة المخادعين وهو خادعهم ، أي : مجازيهم على خداعهم وذلك أنهم يعطون نورا يوم القيامة كما للمؤمنين فيمضي المؤمنين بنورهم على الصراط ، ويطفأ نور المنافقين ، { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ } يعني : المنافقين { قَامُوا كُسَالَى } أي : متثاقلين لا يريدون بها الله فإن رآهم أحد صلوا وإلا انصرفوا فلا يصلون ، { يُرَاءُونَ النَّاسَ } أي : يفعلون ذلك مراءاة للناس لا اتباعا لأمر الله ، { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن : إنما قال ذلك لأنهم يفعلونها رياء وسمعة ، ولو أرادوا بذلك القليل وجه الله تعالى لكان كثيرا ، وقال قتادة : إنما قَلَّ ذكر المنافقين لأن الله تعالى لم يقبله وكل ما قبل الله فهو كثير .","part":2,"page":263},{"id":764,"text":"[143] { مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ } أي : مترددين متحيرين بين الكفر والإيمان ، { لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } أي : ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمؤمنين ، وليسوا من الكفار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفار ، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا } ، أي : طريقا إلى الهدى .\r[144] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } ، نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار ، وقال : { أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } أي حجة بينة في عذابكم ، ثم ذكر منازل المنافقين ، فقال جل ذكره :","part":2,"page":264},{"id":765,"text":"[145] { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } ، قرأ أهل الكوفة ( في الدَّرْك ) بسكون الراء والباقون بفتحها وهما لغتان كالظعْن والظعَن والنهْر والنهَر ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : { فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ } في توابيت من حديد مقفلة في النار ، وقال أبو هريرة : بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم ، { وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } مانعا من العذاب .\r[146] { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا } من النفاق وآمنوا { وَأَصْلَحُوا } عملهم { وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ } وثقوا بالله { وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ } أراد الإخلاص بالقلب ، لأن النفاق كفر القلب ، فزواله يكون بإخلاص القلب ، { فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } قال الفراء : من المؤمنين { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ } في الآخرة { أَجْرًا عَظِيمًا } يعني : الجنة ، وحذفت الياء من ( يؤت ) في الخط لسقوطها في اللفظ ، وسقوطها في اللفظ لسكون اللام في ( الله ) .","part":2,"page":265},{"id":766,"text":"[147] قوله تعالى : { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ } أي : إن شكرتم نعماءه { وَآمَنْتُمْ } به ، فيه تقديم وتأخير ، تقديره : إن آمنتم وشكرتم ، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان ، وهذا استفهام بمعنى التقرير معناه إنه لا يعذب المؤمن الشاكر ، فإن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه ، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه ، والشكر : ضد الكفر والكفر ستر النعمة ، والشكر إظهارها ، { وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } فالشكر من الله تعالى هو الرضى بالقليل من عباده وإضعاف الثواب عليه ، والشكر من العبد الطاعة ، ومن الله : الثواب .","part":2,"page":266},{"id":767,"text":"[148] قوله : { لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } يعني : لا يحب الله الجهر بالقبح من القول إلا من ظلم ، فيجوز للمظلوم أن يخبر عن الظالم وأن يدعو عليه ، قال الله تعالى : { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } ، قال الحسن : دعاؤه عليه أن يقول : اللهم أعني عليه اللهم استخرج حقي منه ، وقيل : إن شتم جاز أن يشتم بمثله لا يزيد عليه وقرأ الضحاك بن مزاحم وزيد بن أسلم : ( إلا من ظلم ) بفتح الظاء واللام ، معناه : لكن الظالم اجهروا له بالسوء من القول ، وقيل معناه : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن يجهره من ظلم ، والقراءة هي المعروفة ، { وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا } لدعاء المظلوم ، { عَلِيمًا } بعقاب الظالم .","part":2,"page":267},{"id":768,"text":"[149] قوله تعالى : { إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا } يعني : حسنة فيعمل بها كتبت له عشرا ، وإن همَّ بها ولم يعملها كتبت له حسنة واحدة ، وهو قوله : { أَوْ تُخْفُوهُ } ، وقيل المراد من الخير : المال ، يريد : إن تبدوا صدقة تعطونها جهرا أو تخفوها فتعطوها سرًّا ، { أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ } أي : عن مظلمة ، { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } فهو أولى بالتجاوز عنكم يوم القيامة .\r[150] قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } الآية ، نزلت في اليهود وذلك أنهم آمنوا بموسى عليه السلام والتوراة وعُزير ، وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمد والقرآن ، { وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا } أي : دينا بين اليهودية والإسلام ومذهبا يذهبون إليه .\r[151] { أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا } حقق كفرهم ليعلم أن الكفر ببعضهم كالكفر بجميعهم { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } .","part":2,"page":268},{"id":769,"text":"[152] { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } كلهم { وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ } ، يعني : بين الرسل وهم المؤمنون ، يقولون : لا نفرق بين أحد من رسله ، { أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } ، بإيمانهم بالله وكتبه ورسله ، قرأ حفص عن عاصم ( يؤتيهم ) بالياء ، أي : يؤتيهم الله ، والباقون بالنون ، { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .","part":2,"page":269},{"id":770,"text":"[153] قوله تعالى : { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ } الآية ، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء من اليهود قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى عليه السلام ، فأنزل الله عليه : { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ } ، وكان هذا السؤال منهم سؤال تحكم واقتراح ، لا سؤال انقياد ، والله تعالى لا ينزل الآيات على اقتراح العباد . قوله : { فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ } أي : أعظم من ذلك ، يعني : السبعين الذي خرج بهم موسى عليه السلام إلى الجبل ، { فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً } أي : عيانا ، قال أبو عبيدة : معناه قالوا جهرة أرنا الله ، { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ } يعني إلها ، { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ } ، ولم نستأصلهم ، قيل : هذا استدعاء إلى التوبة ، معناه : أن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم ، فتوبوا أنتم حتى نعفو عنكم ، { وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا } أي : حجة بينة من","part":2,"page":270},{"id":771,"text":"المعجزات ، وهي الآيات التسع .\r[154] { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ } قرأ أهل المدينة بتشديد الدال وفتح العين نافع برواية ورش ويجزمها الآخرون ، ومعناه : لا تعتدوا ولا تظلموا باصطياد الحيتان فيه ، { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } .","part":2,"page":271},{"id":772,"text":"[155] قوله تعالى : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ } أي : فبنقضهم ، و ( ما ) صلة كقوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ } ونحوها ، { وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } أي : ختم عليها ، { فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا }{ قَلِيلًا } ، يعني : ممن كذب الرسل لا ممن طبع على قلبه ، لأن من طبع الله على قلبه لا يؤمن أبدا ، وأراد بالقليل : عبد الله بن سلام وأصحابه ، وقيل : معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا .\r[156] { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا } حين رموها بالزنا .","part":2,"page":272},{"id":773,"text":"[157] { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ } وذلك أن الله تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على الذي دل اليهود عليه ، وقيل : إنهم حبسوا عيسى عليه السلام في بيت وجعلوا عليه رقيبا فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه السلام على الرقيب فقتلوه ، وقيل غير ذلك ، كما ذكرنا في سورة آل عمران . قوله تبارك وتعالى : { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ } في قتله ، { لَفِي شَكٍّ مِنْهُ } ، أي : في قتله ، قال الكلبي : اختلافهم فيه هو أن اليهود قالت : نحن قتلناه ، وقالت طائفة من النصارى : نحن قتلناه ، وقالت طائفة منهم : ما قتله هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله إلى السماء ، ونحن ننظر إليه ، قال السدي : اختلافهم من حيث إنهم قالوا : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ قال الله تعالى : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } ، من حقيقة أنه قتل أو لم يقتل ، { إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ } لكنهم يتبعون الظن في قتله . قال الله جل جلاله : { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا } ، أي : ما قتلوا عيسى يقينا .","part":2,"page":273},{"id":774,"text":"[158] { بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ } وقيل : قوله { يَقِينًا } ترجع إلى ما بعده وقوله { وَمَا قَتَلُوهُ } كلام تام تقديره : بل رفعه الله إليه يقينا ، والهاء في ( ما قتلوه ) كناية عن عيسى عليه السلام ، وقال الفراء رحمه الله : معناه وما قتلوا الذين ظنوا أنه عيسى يقينا ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه : وما قتلوا ظنهم يقينا ، { وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا } منيعا بالنقمة من اليهود ، { حَكِيمًا } حكم باللعنة والغضب عليهم .","part":2,"page":274},{"id":775,"text":"[159] قوله تعالى : { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } ، أي : وما من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام ، هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم ، وقوله { قَبْلَ مَوْتِهِ } اختلفوا في هذه الكناية ، فقال عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي : إنها كناية عن الكتابي ، ومعناه : وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام قبل موته ، إذا وقع في اليأس حين لا ينفعه إيمانه سواء احترق أو غرق أو تردى في بئر أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة ، وهذه رواية عن ابن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهم . قال : فقيل لابن عباس رضي الله عنهما : أرأيت أن من خر من فوق بيت ؟ قال : يتكلم به في الهواء , قال : فقيل أرأيت إن ضرب عنق أحدهم ؟ قال : يتلجلج به لسانه ، وذهب قوم إلى أن الهاء في ( موته ) كناية عن عيسى عليه السلام ، معناه : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام ، وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة ، ملة الإسلام . وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يوشك أن ينزل","part":2,"page":275},{"id":776,"text":"فيكم ابن مريم حكما عدلا يكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويقتل الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون » (1) ، وقال أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم : { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قبل موت عيسى ابن مريم ، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات . وروي عن عكرمة : أن الهاء في قوله { لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } كناية عن محمد صلى الله عليه وسلم , يقول : لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هي راجعة إلى الله عز وجل يقول : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن بالله عز وجل ، قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانه ، قوله تعالى : { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ } ، يعني : عيسى عليه السلام ، { عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } أنه قد بلغهم رسالة ربه ، وأقر بالعبودية على نفسه ، كما قال تعالى مخبرا عنه { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ } وكل نبي شاهد على أمته قال الله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى\r_________\r(1) متفق عليه .","part":2,"page":276},{"id":777,"text":"هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } .\r[160] قوله عز وجل { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا } وهو ما تقدم ذكره من نقضهم الميثاق وكفرهم بآيات الله وبهتانهم على مريم ، وقولهم : إنا قتلنا المسيح { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } وهي ما ذكر في سورة الأنعام ، فقال : { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } ، ونظم الآية : فبظلم من الذين هادوا وهو ما ذكرنا ، { وَبِصَدِّهِمْ } وبصرفهم أنفسهم وغيرهم ، { عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا } أي : عن دين الله صدا كثيرا .\r[161] { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } في التوراة { وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } من الرشا في الحكم والمآكل التي يصيبونها من عوامهم ، عاقبناهم بأن حرمنا عليهم طيبات ، وكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حُرِّم عليهم شيء من الطيبات التي كانت حلالا لهم ، قال الله تعالى : { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } ، { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } .","part":2,"page":277},{"id":778,"text":"[162] { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ } ، يعني : ليس كل أهل الكتاب بهذه الصفة ، لكن الراسخون المبالغون في العلم منهم أولو البصائر ، وأراد به الذين أسلموا من علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ، { وَالْمُؤْمِنُونَ } يعني : المهاجرون والأنصار ، { يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } يعني : القرآن ، { وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } يعني : سائر الكتب المنزلة ، { وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ } اختلفوا في وجه انتصابه ، فقيل : هو نصب على المدح ، وقيل : نصب على إضمار فعل تقديره : أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ، وقيل : موضعه خفض ، واختلفوا في وجهه ، فقال بعضهم : معناه لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة ، وقيل : معناه يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة ، ثم قوله : { وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } رجوع إلى النسق الأول ، { وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا } .","part":2,"page":278},{"id":779,"text":"[163] قوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } هذا بناء على ما سبق من قوله : { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ } ، فلما ذكر الله عيوبهم وذنوبهم غضبوا وجحدوا كل ما أنزل الله عز وجل ، وقالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء ، فنزل : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ } , وأنزل : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } ، { كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ } فذكر عدة من الرسل الذين أوحى إليهم ، وبدأ بذكر نوح عليه السلام لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه السلام ، قال الله تعالى : { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ } ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة ، وأول نذير على الشرك ، وأول من عذبت أمته لردهم دعوته ، وأهلك أهل الأرض جميعا بدعائه وكان أطول الأنبياء عمرا وجعلت معجزته في نفسه ، لأنه عمّر ألف سنة فلم تسقط له سن ولم تشب له شعرة ولم ينتقص له قوة ، ولم يصبر نبي على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره . قوله تعالى : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ","part":2,"page":279},{"id":780,"text":"وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ } وهم أولاد يعقوب ، { وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا } ، قرأ الأعمش وحمزة ( زُبُورا ) والزُّبور بضم الزاي حيث كان ، بمعنى : جمع زبور ، أي آتينا داود كتبا وصحفا مزبورة ، أي : مكتوبة ، وقرأ الآخرون بفتح الزاي وهو اسم الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داود عليه السلام ، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عز وجل .\r[164] قوله تعالى : { وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ } أي : وكما أوحينا إلى نوح وإلى الرسل ، ( رسلا ) نصب بنزع حرف الصفة ، وقيل : معناه وقصصنا عليك رسلا ، وفي قراءة أبي ( ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ) ، { وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } قال الفراء : العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ، ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام كالإرادة يقال : أراد فلان إرادة ، يريد حقيقة الإرادة ، ويقال : أراد الجدار ، ولا يقال أراد الجدار إرادة لأنه مجاز غير حقيقة .","part":2,"page":280},{"id":781,"text":"[165] قوله تعالى : { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } فيقولوا : ما أرسلت إلينا رسولا وما أنزلت إلينا كتابا ، وفيه دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسول ، قال الله تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } ، { وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } .\r[166] قوله تعالى : { لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما « أن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونك ، ودخل عليه جماعة من اليهود فقال لهم : إني والله أعلم أنكم لتعلمن أني رسول الله ، فقالوا : ما نعلم ذلك والله ، فأنزل الله عز وجل : { لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ } إن جحدوك وكذبوك ، { أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا }» .","part":2,"page":281},{"id":782,"text":"[167] { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } بكتمان نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، { قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا } .\r[168] { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا } , قيل : إنما قال ( وظلموا ) أتبع ظلمهم بكفرهم تأكيدا ، وقيل : معناه كفروا بالله وظلموا محمدا صلى الله عليه وسلم بكتمان نعته ، { لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا } يعني : دين الإسلام .\r[169] { إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ } يعني : اليهودية { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } ، وهذا في حق من سبق حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون .\r[170] { يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ } ، تقديره : فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم ، { وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } .","part":2,"page":282},{"id":783,"text":"[171] { يا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ } نزلت في النصارى وهم أصناف أربعة : اليعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقسية ، فقالت اليعقوبية : عيسى هو الله ، وكذلك الملكانية ، وقالت النسطورية : عيسى هو ابن الله ، وقالت المرقسية ثالث ثلاثة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ويقال الملكانية يقولون : عيسى هو الله ، واليعقوبية يقولون : ابن الله والنسطورية يقولون : ثالث ثلاثة عليهم رجل من اليهود يقال له بولس ، سيأتي في سورة التوبة إن شاء الله تعالى . وقال الحسن يجوز أن تكون نزلت في اليهود والنصارى فإنهم جميعا غلوا في أمر عيسى ، فاليهود بالتقصير ، والنصارى مجاوزة الحد ، وأصل الغلو مجاوزة الحد ، وهو في الدين حرام ، قال الله تعالى : ( لا تغلوا في دينكم ) لا تشددوا في دينكم فتفتروا على الله الكذب { وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } لا تقولوا أن له شريكا وولدا { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ } وهي قوله ( كن ) فكان بشرا من غير أب ، وقيل غيره ، { أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ } أي أعلمها وأخبرها بها ، كما يقال : ألقيت إليك كلمة حسنة ، {","part":2,"page":283},{"id":784,"text":"وَرُوحٌ مِنْهُ } ، قيل : هو روح كسائر الأرواح إلا أن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفا ، وقيل : الروح هو النفخ الذي نفخه جبريل عليه السلام في درع مريم فحملته بإذن الله تعالى ، سمي النفخ روحا لأنه ريح يخرج من الروح وأضافه إلى نفسه لأنه كان بأمره ، وقيل : روح منه أي ورحمة ، فكان عيسى عليه السلام رحمة لمن تبعه وآمن به ، وقيل : الروح الوحي أوحى إلى مريم بالبشارة وإلى جبريل عليه السلام أن كن فكان كما قال الله تعالى : { يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } يعني : بالوحي ، وقيل : أراد بالروح جبريل عليه السلام ، معناه كلمته ألقاها إلى مريم ، وألقاها أيضا روح منه بأمره وهو جبريل عليه السلام ، كما قال : { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ } يعني : جبريل فيها ، وقال : { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } ، يعني : جبريل . { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ } أي : ولا تقولوا هم بثلاثة ، وكانت النصارى تقول أب وابن وروح القدس ، { انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ } تقديره : انتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم ، { إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ","part":2,"page":284},{"id":785,"text":"وَلَدٌ } واعلم أن التبني لا يجوز لله تعالى ، لأن التبني إنما يجوز لمن يتصور له ولد ، { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } .","part":2,"page":285},{"id":786,"text":"[172] قوله تعالى : { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ } وذلك « أن وفد نجران قالوا : يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول إنه عبد الله ورسوله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" إنه ليس بعار لعيسى عليه السلام أن يكون عبد الله \" , فنزل : { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ }» لن يأنف ولن يتعظم ، والاستنكاف : التكبر مع الأنفة ، { وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } وهم حملة العرش ، لا يأنفون أن يكونوا عبيدا لله ، ويستدل بهذه الآية من يقول بتفضيل الملائكة على البشر ، لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة ولا يُرتقى إلا إلى الأعلى ، لا يقال : لا يستنكف فلان من هذا ولا عبده ، إنما يقال : فلان لا يستنكف من هذا ولا مولاه ، ولا حجة لهم فيه لأنه لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر ، بل ردًّا على الذين يقولون الملائكة آلهة ، كما رد على النصارى قولهم المسيح ابن الله ، وقال ردًّا على النصارى بزعمهم ، فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة .","part":2,"page":286},{"id":787,"text":"قوله تعالى : { وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } ، قيل : الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة ، والاستكبار هو العلو والتكبر من غير أنفة .\r[173] { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } من تضعيف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، { وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا } عن عبادته { فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } .\r[174] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ } يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ، هذا قول أكثر المفسرين ، وقيل : هو القرآن ، والبرهان : الحجة ، { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } بيِّنًا يعني القرآن .","part":2,"page":287},{"id":788,"text":"[175] { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ } امتنعوا به من زيغ الشيطان ، { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ } يعني الجنة ، { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا }{ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }","part":2,"page":288},{"id":789,"text":"[176] قوله تعالى : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } نزلت في جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، قال : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل ، وتوضأ وصب علي من وضوئه ، فعقلتُ فقلت : يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة ؟ فنزلت { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } , وقد ذكرنا معنى الكلالة وحكم الآية في أول السورة ، وفي هذه الآية بيان حكم ميراث الإخوة للأب والأم وللأب ، قوله { يَسْتَفْتُونَكَ } أي : يستخبرونك ويسألونك ، { قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } ، { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا } يعني إذا ماتت الأخت فجميع ميراثها للأخ ، { إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } فإن كان لها ابن فلا شيء للأخ ، وإن كان ولدها أنثى فللأخ ما فضل عن فرض البنات ، { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } أراد اثنتين فصاعدا وهو أن من مات وله أخوات فلهن الثلثان ، { وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ","part":2,"page":289},{"id":790,"text":"الْأُنْثَيَيْنِ } ، { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } , قال الفراء رحمة الله عليه وأبو عبيدة : معناه أن لا تضلوا ، وقيل : معناه يبين الله لكم كراهة أن تضلوا ، { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .","part":2,"page":290},{"id":791,"text":"( 5 ) سورة المائدة","part":2,"page":291},{"id":792,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم [1] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } أي : بالعهود ، قال الزجاج : هي أوكد العهود ، يقال : عاقدتُ فلانا وعقدتُ عليه أي : ألزمتُه ذلك باستيثاق ، وأصله من عقد الشيء بغيره ووصله به ، كما يُعقد الحبل بالحبل إذا وُصل ، واختلفوا في هذه العقود ، قال ابن جريج : هذا خطاب لأهل الكتاب ، يعني : يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة أوفوا بالعهود التي عهدتُها إليكم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو قوله : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } ، وقال الآخرون : هو عام ، قال قتادة : أراد بها الحلف الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : هي عهود الإيمان والقرآن ، وقيل : هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ، { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ } , قال الحسن وقتادة : هي الأنعام كلها ، وهي الإبل والبقر والغنم ، وأراد تحليل ما حرّم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام . وروى أبو ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بهيمة الأنعام هي الأجنّة ، ومثله عن الشعبي قال : هي","part":2,"page":292},{"id":793,"text":"الأجنّة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذُبحت أو نحرت ، فذهب أكثر أهل العلم إلى تحليله ، فعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ذكاة الجنين ذكاة أمه » (1) . وشرط بعضهم الإشعار ، قال ابن عمر : ذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا تم خلقُه ونبت شعرُه ، ومثله عن سعيد بن المسيب ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يحل أكل الجنين إذا خرج ميتا بعد ذكاة الأم . وقال الكلبي : بهيمة الأنعام وَحْشِيُّها وهي الظباء وبقر الوحش وحُمر الوحش , سميت بهيمة لأنها أُبهمت عن التمييز , وقيل : لأنها لا نطق لها ، { إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } أي : ما ذُكر في قوله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } إلى قوله : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ } ، { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ } ، وهو نصب على الحال ، أي : لا مُحلّي الصيد ، ومعنى الآية : أُحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلا ما كان منها وحشيا فإنه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام ، فلذلك قال تعالى : { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } .\r_________\r(1) رواه أبو داود في سننه في كتاب الأضاحي باب ما جاء في ذكاة الجنين 4 / 119 , والترمذي في كتاب الصيد / 10 , وابن ماجه في الذبائح / 15 , والدارمي في الأضاحي / 17 , والإمام أحمد ج3 / 31 ، 39 , 45 ، 53 . والمصنف في شرح السنة 11 / 229 , قال المنذري في إسناده عبد الله بن أبي زياد المكي القداح وفيه مقال ، وقال الهيثمي : فيه حماد بن شعيب وهو ضعيف , وصححه الألباني في إرواء الغليل 8 / 172 لشواهده .","part":2,"page":293},{"id":794,"text":"[2] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد : هي مناسك الحج ، وكان المشركون يحجون ويهدون ، فأراد المسلمون أن يُغِيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك . وقال أبو عبيدة : شعائر الله هي الهدايا المُشْعَرة ، والإشعار من الشعار ، وهي العلامة ، وأشعارها : أعلامها بما يُعرف أنها هَدْي ، والإشعار هاهنا : أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم ، فيكون ذلك علامة أنها هدي ، وهي سنة في الهدايا إذا كانت من الإبل ، وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما : لا تحلوا شعائر الله هي أن تصيد وأنت محرم ، بدليل قوله تعالى : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } ، وقال السدي : أراد حرم الله ، وقيل : المراد منه النهي عن القتل في الحرم ، وقال عطاء : شعائر الله حرمات الله واجتناب سخطه واتباع الطاعة ، وقوله : { وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ } أي : بالقتال فيه ، وقال ابن زيد : هو النسيء ، وذلك أنهم كانوا يُحِلّونه عاما ويُحرّمونه عاما ، { وَلَا الْهَدْيَ } هو كل ما يُهدى إلى بيت الله من بعير أو بقرة أو شاة ، { وَلَا الْقَلَائِدَ } أي : الهدايا المقلدة ،","part":2,"page":294},{"id":795,"text":"يريد ذوات القلائد ، وقال عطاء : أراد أصحاب القلائد ، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا الخروج من الحرم قلّدوا أنفسهم وإبلهم بشيء من لِحاء شجر الحرم كيلا يُتعرّض لهم ، فنهى الشرع عن استحلال شيء منها . وقال مطرف بن الشخير : هي القلائد نفسها وذلك أن المشركين كانوا يأخذون من لِحاء شجر مكة ويُتقلدونها فنهوا عن نزع شجرها . قوله تعالى : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } أي : قاصدين البيت الحرام ، يعني : الكعبة فلا تتعرضوا لهم ، { يَبْتَغُونَ } يطلبون { فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ } يعني الرزق بالتجارة ، { وَرِضْوَانًا } أي : على زعمهم ، لأن الكافرين لا نصيب لهم في الرضوان ، وقال قتادة : هو أن يصلح معايشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها , وقيل ابتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامة ، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة ، لأن المسلمين والمشركين كانوا يحجون ، وهذه الآية إلى هاهنا منسوخة بقوله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وبقوله : { فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } ، فلا يجوز أن يحج مشرك ولا أن يأمن كافر بالهدي والقلائد . قوله عز وجل :","part":2,"page":295},{"id":796,"text":"{ وَإِذَا حَلَلْتُمْ } أي : من إحرامكم ، { فَاصْطَادُوا } أمر إباحة ، أباح للحلال أخذ الصيد ، كقوله تعالى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } ، { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة : لا يحملنكم ، يقال : جرمني فلان على أن صنعت كذا ، أي حملني ، وقال الفراء : لا يكسبنكم ، يقال : جرم أي : كسب ، وفلان جريمة أهله ، أي : كاسبهم ، وقيل : لا يدعونّكم ، { شَنَآنُ قَوْمٍ } أي : بغضهم وعداوتهم وهو مصدر شنئت { أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف على الاستئناف ، وقرأ الآخرون بفتح الألف ، أي : لأن صدوكم ، ومعنى الآية : ولا يحملنكم عداوة قوم على الاعتداء لأنهم صدوكم . وقال محمد بن جرير : لأن هذه السورة نزلت بعد قضية الحديبية ، وكان الصد قد تقدم ، { أَنْ تَعْتَدُوا } عليهم بالقتل وأخذ الأموال ، { وَتَعَاوَنُوا } أي : ليعنْ بعضكم بعضا ، { عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } قيل : البر متابعة الأمر ، والتقوى مجانبة النهي ، وقيل : البر : الإسلام ، والتقوى : السنّة ، { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ","part":2,"page":296},{"id":797,"text":"وَالْعُدْوَانِ } ، قيل : الإثم : الكفر ، والعدوان : الظلم ، وقيل : الإثم : المعصية ، والعدوان : البدعة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس \" (1) , { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في البر والصلة باب تفسير البر والإثم رقم ( 2553 ) 4 / 1980 , والمصنف في شرح السنة 13 / 76 .","part":2,"page":297},{"id":798,"text":"[3] { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } أي : ما ذُكر على ذبحه اسم غير اسم الله تعالى ، { وَالْمُنْخَنِقَةُ } وهي التي تخنق فتموت ، قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها ، { وَالْمَوْقُوذَةُ } هي المقتولة بالخشب ، قال قتادة : كانوا يضربونها بالعصا فإذا ماتت أكلوها , { وَالْمُتَرَدِّيَةُ } هي التي تتردى من مكان عال أو في بئر فتموت ، { وَالنَّطِيحَةُ } هي التي تنطحها أخرى فتموت { وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ } يريد ما بقي مما أكل السبع ، وكان أهل الجاهلية يأكلونه ، { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } ، يعني إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء ، وأصل التذكية الإتمام ، يقال : ذكّيتُ النارَ إذا أتممتُ اشتعالها ، والمراد هنا : إتمام فري الأوداج وإنهار الدم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل غير السن والظفر » (1) , { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ } ، قيل : النصب جمع ، واحده نصاب ، وقيل : هو واحد وجمعه أنصاب مثل عنق وأعناق ، وهو الشيء المنصوب , واختلفوا فيه ، فقال مجاهد وقتادة : كانت\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد باب ما أنهر الدم 9 / 631 ، ومسلم في الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم ( 1968 ) 3 / 1558 .","part":2,"page":298},{"id":799,"text":"حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا منصوبة ، كان أهل الجاهلية يعبدونها ويُعظّمونها ويذبحون لها ، وليست هي بأصنام إنما الأصنام هي المُصوّرة المنقوشة ، وقال الآخرون : هي الأصنام المنصوبة ، ومعناه : وما ذبح على اسم النُّصب ، قال ابن زيد : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ } ما أهل لغير الله به : هما واحد ، قال قطرب : على بمعنى اللام أي : وما ذُبح لأجل النُّصب ، { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } أي : وحرّم عليكم الاستقسام بالأزلام ، والاستقسام هو طلب القسم والحكم من الأزلام ، والأزلام هي : القداح التي لا ريش لها ولا نَصْل ، واحدها : زَلْم , وزُلْم ، بفتح الزاي وضمها { ذَلِكُمْ فِسْقٌ } قال سعيد بن جبير : الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها ، وقال مجاهد : هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها ، وقال الشعبي وغيره : الأزلام للعرب ، والكعاب للعجم ، وقال سفيان بن وكيع : هي الشطرنج { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ } يعني : أن ترجعوا إلى دينهم كفارا ، وذلك أن الكفار كانوا يطمعون في عَوْد المسلمين إلى دينهم فلما قوي الإسلام يئسوا ، ويئس وأيس بمعنى واحد ، { فَلَا تَخْشَوْهُمْ","part":2,"page":299},{"id":800,"text":"وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } ، نزلت هذه الآية يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء ، فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت ، وكانت هذه الآية نعي النبي صلى الله عليه وسلم وعاش بعدها إحدى وثمانين يوما . قوله عز وجل : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } يعني : يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم ، يعني الفرائض والسنن والحدود والجهاد والأحكام والحلال والحرام ، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ، ولا شيء من الفرائض والسنن والحدود والأحكام هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما ، ويروى عنه أن آية الربا نزلت بعدها ، وقال سعيد بن جبير وقتادة : أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك ، وقيل : أظهرت دينكم وأمّنتكم من العدو ، وقوله عز وجل : { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } ، يعني : وأنجزت وعدي في قوله : { وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } ، فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين وعليها ظاهرين ، وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين","part":2,"page":300},{"id":801,"text":"، { وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } , قوله عز وجل : { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ } أي : أُجهِد في مجاعة ، والمخمصة خلو البطن من الغذاء ، يقال : رجل خميص البطن إذا كان طاويا خاويا ، { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ } أي : مائل إلى إثم ، وهو أن يأكل فوق الشبع ، وقال قتادة : غير متعرض لمعصية في مقصده ، { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } , وفيه إضمار , أي : فأَكَله فإن الله غفور رحيم .","part":2,"page":301},{"id":802,"text":"[4] قوله : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } الآية ، قال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله زيد الخير ، قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فماذا يحل لنا منها ؟ فنزلت هذه الآية ، وقيل : سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب قالوا : يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فنزلت هذه الآية ، فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها والأول أصح في سبب نزول الآية : { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } يعني : الذبائح على اسم الله تعالى ، وقيل : كل ما تستطيبه العرب وتستلذه من غير أن يرد بتحريمه نص من كتاب أو سنة { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ } يعني وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح ، واختلفوا في هذه الجوارح ، فقال الضحاك والسدي : هي الكلاب دون غيرها ، ولا يحل ما صاده غير الكلب إلا أن تدرِك ذكاتَه ، وهذا غير معمول به ، بل عامة أهل العلم على أن المراد من الجوارح الكواسب من سباع البهائم كالفهد","part":2,"page":302},{"id":803,"text":"والنمر والكلب ، ومن سباع الطير كالبازي والعُقاب والصقر ونحوها مما يقبل التعليم ، فيحل صيدُ جميعها ، سميت جارحة : لجرحها لأربابها أقواتهم من الصيد ، أي : كسبها ، يقال : فلان جارحة أهله ، أي : كاسبهم ، { مُكَلِّبِينَ } والمكلب الذي يغري الكلاب على الصيد ، ويقال للذي يعلمها أيضا : مكلب ، والكلّاب : صاحب الكلاب ، ويقال للصائد بها أيضا : كلاب ، ونصب مكلبين على الحال ، أي : في حال تكليبكم هذه الجوارح أي إغرائكم إياها على الصيد ، وذكر الكلاب لأنها أكثر وأعم ، والمراد جميع جوارح الصيد { تُعَلِّمُونَهُنَّ } ، تؤدبونهن آداب أخذ الصيد ، { مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ } أي : من العلم الذي علمكم الله ، قال السدي : أي كما علمكم الله ، ( مِن ) بمعنى الكاف ، { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ } أراد أن الجارحة المعلمة إذا خرجت بإرسال صاحبها فأخذت الصيد وقتلته كان حلالا ، والتعليم هو أن يوجد فيها ثلاثة أشياء : إذا أُشليتْ استشلتْ ، وإذا زُجرتْ انزجرتْ ، وإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل ، وإذا وجد ذلك منه مرارا - وأقلها بثلاث مرات - كانت معلّمة ، يحل قتلها إذا خرجت","part":2,"page":303},{"id":804,"text":"بإرسال صاحبها { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } فيه بيان أن ذكر اسم الله عز وجل على الذبيحة شرط حالةَ ما يُذبح ، وفي الصيد حالة ما يرسل الجارحة أو السهم .","part":2,"page":304},{"id":805,"text":"[5] قوله عز وجل : { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } ، يعني : الذبائح على اسم الله عز وجل ، { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } يريد ذبائح اليهود والنصارى ومن دخل في دينهم من سائر الأمم ، قوله عز وجل : { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } ، فإن قيل : كيف شرع لهم حل طعامنا وهم كفار ليسوا من أهل الشرع ؟ قال الزجاج : معناه حلال لكم أن تطعموهم فيكون خطاب الحِل مع المسلمين ، وقيل : لأنه ذكر عقيبه حكم النساء ، ولم يذكر حل المسلمات لهم فكأنه قال : حلال لكم أن تطعموهم ، حرام عليكم أن تزوجوهم ، قوله عز وجل { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } ، هذا راجع إلى الأول منقطع عن قوله : { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } اختلفوا في معنى المحصنات فذهب أكثر العلماء إلى أن المراد منهن الحرائر ، وأجازوا نكاح كل حرة مؤمنة كانت أو كتابية فاجرة كانت أو عفيفة ، وهو قول مجاهد ، وقال هؤلاء : لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لقوله تعالى : { مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } جوز نكاح الأمة بشرط","part":2,"page":305},{"id":806,"text":"أن تكون الأمة مؤمنة وذهب قوم إلى أن المراد من المحصنات في الآية : العفائف من الفريقين حرائر كن أو إماء وأجازوا نكاح الأمة الكتابية ، وحرّموا البغايا من المؤمنات والكتابيات ، وهو قول الحسن ، وقال الشعبي : إحصان الكتابية أن تستعف من الزنا وتغتسل من الجنابة ، { إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } غير معالنين بالزنا , { وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } أي : غير مسرّين تسرونهن بالزنا ، قال الزجاج : حرّم الله الجماع على جهة السفاح وعلى جهة اتخاذ الصديقة ، وأحله على جهة الإحصان وهو التزوج { وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } قال مقاتل بن حيان : يقول ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن شيئا وهي للناس عامة { وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } قال ابن عباس ومجاهد في معنى قوله تعالى : { وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ } أي : بالله الذي يجب الإيمان به ، وقال الكلبي : بالإيمان أي : بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله ،","part":2,"page":306},{"id":807,"text":"وقال مقاتل : بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن ، وقيل : من يكفر بالإيمان أي : يستحل الحرام ويحرم الحلال فقد حبط عمله ، وهو في الآخرة من الخاسرين ، قال ابن عباس : خسر الثواب .","part":2,"page":307},{"id":808,"text":"[6] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ } أي : إذا أردتم القيام إلى الصلاة ، وظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء عند كل مرة يريد القيام إلى الصلاة ، لكن علمنا ببيان السنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد من الآية : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ } وأنتم على غير طُهر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ » (1) . وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد ، وقال زيد بن أسلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم ، وقال بعضهم : هو أمر على طريق الندب ، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدد لها طهارته وإن كان على طهر ، قوله عز وجل : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } وحدّ الوجه من منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا يجب غسل جميعه في الوضوء ، قوله تعالى : { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ } ، أي : مع المرافق ، كما قال الله تعالى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } أي : مع أموالكم ، وقال : { مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ } أي : مع الله ، قوله تعالى : {\r_________\r(1) رواه البخاري في كتاب الحيل باب في الصلاة 12 / 329 ، ومسلم في الطهارة باب وجوب الطهارة للصلاة رقم ( 225 ) 1 / 204 .","part":2,"page":308},{"id":809,"text":"وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } اختلف العلماء في قدر الواجب من مسح الرأس فقال مالك : يجب مسح جميع الرأس كما يجب مسح جميع الوجه في التيمم ، وقال أبو حنيفة : يجب مسح ربع الرأس ، وعند الشافعي رحمه الله : يجب قدر ما يطلق عليه اسم المسح ، قوله عز وجل : { وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص { وَأَرْجُلَكُمْ } بنصب اللام ، وقرأ الآخرون وَأَرْجُلِكُمْ بالخفض ، فمن قرأ وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب فيكون عطفا على قوله { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } أي : واغسلوا أرجلكم ، ومن قرأ بالخفض فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنه يمسح على الرجلين ، وذهب جماعة أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين ، وقالوا : خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ لا على موافقة الحكم ، كما قال تبارك وتعالى : { عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } ، فالأليم صفة العذاب ، ولكنه أخذ إعراب اليوم للمجاورة ، وكقولهم : جحر ضب خرب ، فالخراب نعت الجحر ، وأخذ إعراب الضب للمجاورة ، وقال بعضهم : أراد بقوله وأرجلكم المسح على الخفين . قوله تعالى : { إِلَى الْكَعْبَيْنِ } فالكعبان هما العظمان","part":2,"page":309},{"id":810,"text":"الناتئان من جانبي القدمين ، وهما مجمع مفصل الساق والقدم ، فيجب غسلهما مع القدمين كما ذكرنا في المرفقين . قوله عز وجل : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } أي : اغتسلوا ، قوله تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } فيه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب ، { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ } بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم , { مِنْ حَرَجٍ } ضيق ، { وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } من الأحداث والجنابات والذنوب , { وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } قال محمد بن كعب القرظي : إتمام النعمة تكفير الخطايا بالوضوء كما قال الله تعالى : { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } ، فجعل تمام نعمته غفران ذنوبه .","part":2,"page":310},{"id":811,"text":"[7] قوله تعالى : { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } يعني : النعم كلها ، { وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ } عهده الذي عاهدكم به أيها المؤمنون ، { إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } وذلك حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا ، وهو قول أكثر المفسرين ، وقال مجاهد ومقاتل : يعني الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام ، { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } بما في القلوب من خير وشر .\r[8] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ } أي : كونوا له قائمين بالعدل قوّالين بالصدق ، أمرهم بالعدل والصدق في أعمالهم وأقوالهم ، { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ } ولا يحملنكم ، { شَنَآنُ قَوْمٍ } بغض قوم ، { عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا } أي : على ترك العدل فيهم لعداوتهم ، ثم قال : { اعْدِلُوا } يعني : في أوليائكم وأعدائكم ، { هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } ، يعني : إلى التقوى ، { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .","part":2,"page":311},{"id":812,"text":"[9] { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } ، وهذا في موضع النصب ، لأن فعل الوعد واقع على المغفرة ، ورفعها على تقدير أي : وقال لهم مغفرة وأجر عظيم .","part":2,"page":312},{"id":813,"text":"[10] { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } .\r[11] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } بالدفع عنكم ، { إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } بالقتل { فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } .","part":2,"page":313},{"id":814,"text":"[12] { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا } وذلك أن الله عز وجل وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام ، وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون ، فلما استقرت لبني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالسير إلى أريحاء من أرض الشام وهي الأرض المقدسة { وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ } ناصركم على عدوكم , ثم ابتدأ الكلام فقال : { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ } يا معشر بني إسرائيل , { وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } نصرتموهم , وقيل : وقّرتموهم وعظمتموهم , { وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } , قيل : هو إخراج الزكاة , وقيل : هو النفقة على الأهل , { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } لأمحون عنكم سيئاتكم , { وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي : أخطأ قصد السبيل ، يريد طريق الحق ، وسواء كل شيء : وسطه .","part":2,"page":314},{"id":815,"text":"[13] { فَبِمَا نَقْضِهِمْ } أي : فبنقضهم ، و ( ما ) صلة ، { مِيثَاقَهُمْ } ، قال قتادة : نقضوه من وجوه لأنهم كذبوا الرسل الذين جاؤوا بعد موسى وقتلوا أنبياء الله ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه ، { لَعَنَّاهُمْ } قال عطاء : أبعدناهم من رحمتنا ، قال الحسن ومقاتل : عذبناهم بالمسخ ، { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } ، قرأ حمزة والكسائي قسية بتشديد الياء من غير ألف ، وهما لغتان مثل الذاكية والذكية ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : قاسية أي : يا بسة ، وقيل : غليظة لا تلين ، وقيل معناه : إن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق ، ومنه الدراهم القاسية وهي الردية المغشوشة { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } قيل : هو تبديلهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : تحريفهم بسوء التأويل ، { وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } أي : وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته ، { وَلَا تَزَالُ } ، يا محمد ، { تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ } أي : على خيانة ، فاعلة بمعنى المصدر كالكاذبة واللاغية ، وقيل : هو بمعنى الفاعل والهاء","part":2,"page":315},{"id":816,"text":"للمبالغة مثل روّاية ونسابة وعلّامة وحسّابة ، وقيل : على فرقة خائنة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : على خائنة أي : على معصية ، وكانت خيانتهم نقضهم العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله وسمه ، ونحوهما من خياناتهم التي ظهرت منهم ، { إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم الذين أسلموا من أهل الكتاب ، { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ } أي : أعرض عنهم ولا تتعرض لهم ، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ، وهذا منسوخ بآية السيف .","part":2,"page":316},{"id":817,"text":"[14] قوله عز وجل : { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ } ، قيل : أراد بهم اليهود والنصارى فاكتفى بذكر أحدهما ، والصحيح أن الآية في النصارى خاصة لأنه قد تقدم ذكر اليهود ، وقال الحسن : فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى ، أخذنا ميثاقهم في التوحيد والنبوة ، { فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } بالأهواء المختلفة والجدال في الدين ، قال مجاهد وقتادة : يعني بين اليهود والنصارى ، وقال الربيع : هم النصارى وحدهم صاروا فرقا منهم اليعقوبية والنسطورية والملكانية وكل فرقة تكفّر الأخرى ، { وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } في الآخرة .","part":2,"page":317},{"id":818,"text":"[15] قوله عز وجل : { يا أَهْلَ الْكِتَابِ } يريد : يا أهل الكتابين ، { قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ } ، أي : من التوراة والإنجيل مثل صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك ، { وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } ، أي : يعرض عن كثير مما أخفيتم فلا يتعرض له ولا يؤاخذكم به , { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ } يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ، وقيل : الإسلام ، { وَكِتَابٌ مُبِينٌ } أي : بيّن ، وقيل : مبين وهو القرآن .\r[16] { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ } رضاه ، { سُبُلَ السَّلَامِ } قيل : السلام هو الله عز وجل وسبيله دينه الذي شرع لعباده ، وبعث به رسله ، وقيل : السلام هو السلامة ، كاللذاذ واللذاذة بمعنى واحد ، والمراد به طرق السلامة ، { وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي : من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، { بِإِذْنِهِ } بتوفيقه وهدايته ، { وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وهو الإسلام .","part":2,"page":318},{"id":819,"text":"[17] قوله تبارك وتعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } ، وهم اليعقوبية من النصارى يقولون المسيح هو الله تعالى ، { قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } أي : من يقدر أن يدفع من أمر الله شيئا إذا قضاه ؟ { إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":2,"page":319},{"id":820,"text":"[18] { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } ، قيل : أرادوا أن الله تعالى لنا كالأب في الحنو والعطف ، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة ، وقال إبراهيم النخغي : إن اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري فبدلوا يا أبناء أبكاري فمن ذلك قالوا : نحن أبناء الله ، وقيل : معناه نحن أبناء الله يعني أبناء رسل الله . قوله تعالى : { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ } يريد إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه فإن الأب لا يعذب ولده ، والحبيب لا يعذب حبيبه ، وأنتم مقرون أنه معذبكم ؟ وقيل : فلِمَ يعذبكم أي : لِمَ عذب من قبلكم بذنوبهم فمسخهم قردة وخنازير ؟ { بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ } كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان ، { يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ } فضلا , { وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } عدلا ، { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } .","part":2,"page":320},{"id":821,"text":"[19] { يا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا } محمد صلى الله عليه وسلم , { يُبَيِّنُ لَكُمْ } أعلام الهدى وشرائع الدين ، { عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ } أي انقطاع من الرسل ، واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ، قال أبو عثمان النهدي : ستمائة سنة ، وقال قتادة : خمسمائة وستون سنة ، وقال معمر والكلبي : خمسمائة وأربعون سنة ، وسميت فترة لأن الرسل كانت تترى بعد موسى عليه السلام من غير انقطاع إلى زمن عيسى عليه السلام ، ولم يكن بعد عيسى عليه السلام سوى رسولنا صلى الله عليه وسلم . { أَنْ تَقُولُوا } كيلا تقولوا ، { مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":2,"page":321},{"id":822,"text":"[20] قوله عز وجل : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ } ، أي : منكم أنبياء ، أي : منكم أنبياء , { وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا } أي : فيكم ملوكا ، قال ابن عباس رضي الله عنهما ، يعني أصحاب خدم وحشم ، قال قتادة : كانوا أول من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم ، قال السدي : وجعلكم ملوكا أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم ، وقال الضحاك : كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعا وفيه نهر جار فهو ملك { وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } يعني عالمي زمانكم ، قال مجاهد : يعني المن والسلوى والحجر وتظليل الغمام .","part":2,"page":322},{"id":823,"text":"[21] قوله تعالى : { يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } اختلفوا في الأرض المقدسة , قال مجاهد : هي الطور وما حوله ، وقال الضحاك : إيليا وبيت المقدس ، وقال عكرمة والسدي : هي أريحاء ، وقال الكلبي : هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، وقال قتادة : هي الشام كلها ، قال كعب : وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في أرضه وبها أكثر عباده ، قوله عز وجل : { كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } يعني : كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم ، وقال ابن إسحاق : وهب الله لكم ، وقيل : جعلها لكم ، قال السدي : أمركم الله بدخولها ، وقال قتادة : أمروا بها كما أمروا بالصلاة ، أي : فرض عليكم . { وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ } أعقابكم بخلاف أمر الله ، { فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } قال الكلبي : صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له : انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك .","part":2,"page":323},{"id":824,"text":"[22] { قَالُوا يا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ } ، وذلك أن النقباء الذين خرجوا يتجسسون الأخبار لما رجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا ، قال لهم موسى : اكتموا شأنهم ولا تخبروا به أحدا من أهل العسكر فيفشلوا ، فأخبر كل رجل منهم قريبه وابن عمه إلا رجلين وفّيا بما قال لهما موسى فعلمت جماعة من بني إسرائيل ذلك ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا يا ليتنا في أرض مصر ، أو ليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم ، وجعل الرجل يقول لصاحبه : تعال نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر ، فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم { قَالُوا يا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } ، أصل الجبار : المتعظم الممتنع عن القهر ، يقال : نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها ، وسمي أولئك القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوة أجسادهم ، وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد ، فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر خر موسى وهارون ساجدين ، وخرق يوشع وكالب","part":2,"page":324},{"id":825,"text":"ثيابهما وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله :\r[23] { قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ } أي : يخافون الله تعالى ، قرأ سعيد بن جبير ( يُخافون ) بضم الياء ، وقال : الرجلان كانا من الجبارين فأسلما واتبعا موسى ، { أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا } بالتوفيق والعصمة قالا : { ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ } يعني : قرية الجبارين , { فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ } ، لأن الله منجز وعده ، وإنا رأيناهم فكانت أجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة ، فلا تخشوهم ، { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوهما .","part":2,"page":325},{"id":826,"text":"[24] { قَالُوا يا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } فلما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من مخالفتهم أمر ربهم غضب موسى عليه السلام ودعا عليهم .\r[25] { قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي } ، قيل معناه لا يملك إلا نفسه وقيل معناه لا يطيعني إلا نفسي وأخي ، { فَافْرُقْ } فافصل ، { بَيْنَنَا } قيل : فاقض بيننا ، { وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } العاصين .","part":2,"page":326},{"id":827,"text":"[26] { قَالَ } الله تعالى { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } ، قيل : هاهنا تم الكلام معناه تلك البلد محرمة عليهم أبدا لم يرد به تحريم تعبد ، وإنما أراد تحريم منع ، فأوحى الله تعالى إلى موسى : لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ، ولأتيهنهم في هذه البرية { أَرْبَعِينَ سَنَةً } مكان كل يوم من الأيام التي تحبسون فيها سنة ولألقين جيفهم في هذه القفار ، وأما بنوهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلونها ، فذلك قوله تعالى : { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً } ، { يَتِيهُونَ } يتحيرون ، { فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } ، أي : لا تحزن على مثل هؤلاء القوم .","part":2,"page":327},{"id":828,"text":"[27] قوله تعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ } وهما هابيل وقابيل ، ويقال له قابين ، { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا } يعني هابيل { وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ } يعني قابيل فنزلوا على الجبل وقد غضب قابيل لرد قربانه وكان يضمر الحسد في نفسه إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت ، فلما غاب آدم أتى قابيل هابيل وهو في غنمه ، { قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ } قال : ولم ؟ قال : لأن الله تعالى قبل قربانك ورد قرباني ، وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة , فيتحدث الناس أنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي , { قَالَ } هابيل : وما ذنبي ؟ { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } .","part":2,"page":328},{"id":829,"text":"[28] { لَئِنْ بَسَطْتَ } أي : مددت ، { إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } قال عبد الله بن عمر : وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده ، وهذا في الشرع جائز لمن أريد قتله أن ينقاد ويستسلم طلبا للأجر كما فعل عثمان رضي الله عنه ، قال مجاهد : كتب الله في ذلك الوقت إذا أراد رجل قتل رجل أن لا يمتنع ويصبر .","part":2,"page":329},{"id":830,"text":"[29] { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ } ترجع ، وقيل تحمل { بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ } ، أي : بإثم قتلي إلى إثمك , أي : إثم معاصيك التي عملت من قبل ، هذا قول أكثر المفسرين . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : معناه إني أريد أن يكون عليك خطيئتي التي عملتها أنا إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعا ، وقيل : معناه أن ترجع بإثم قتلي وإثم معصيتك التي لم يتقبل لأجلها قربانك ، أو إثم حسدك ، فإن قيل : كيف قال إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ، وإرادة القتل والمعصية لا تجوز ؟ قيل : ليس ذلك بحقيقة إرادة ولكنه لما علم أنه يقتله لا محالة وطّن نفسه على الاستسلام طلبا للثواب فكأنه صار مريدا لقتله مجازا ، وإن لم يكن مريدا حقيقة ، وقيل : معناه إني أريد أن تبوء بعقاب قتلي فيكون إرادة صحيحة لأنها موافقة لحكم الله عز وجل فلا يكون هذا إرادة للقتل بل لموجب القتل من الإثم والعقاب ، { فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ } .","part":2,"page":330},{"id":831,"text":"[30] قوله عز وجل : { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ } أي : طاوعته وشايعته وعاونته ، { قَتْلَ أَخِيهِ } في قتل أخيه , وقال مجاهد : فشجعته ، وقال قتادة : فزينت له نفسه ، وقال يمان : سهلت له ذلك ، أي : جعلته سهلا ، تقديره : صورت له نفسه أن قتل أخيه طوع له أي سهل عليه ، فقتله ، قيل : قتل وهو مستسلم ، وقيل : اغتاله وهو في النوم فشدخ رأسه فقتله ، وذلك قوله تعالى : { فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، وكان لهابيل يوم قُتل عشرون سنة فلما قتله تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم فبعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكن له ثم ألقاه في الحفرة ، وواراه ، وقابيل ينظر إليه ، فذلك قوله تعالى :","part":2,"page":331},{"id":832,"text":"[31] { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ } ، فلما رأى قابيل ذلك { قَالَ يا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي } أي : جيفته ، وقيل : عورته لأنه قد سلب ثيابه ، { فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } على حمله على عاتقه لا على قتله ، وقيل : على فراق أخيه ، وقيل : ندم لقلة النفع بقتله فإنه أسخط والديه ، وما انتفع بقتله شيئا ولم يكن ندمه على القتل وركوب الذنب .","part":2,"page":332},{"id":833,"text":"[32] قوله عز وجل : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ } أي : من جراء ذلك القاتل وجنايته ، يقال : أجل يأجل أجلا ، إذا جنى ، مثل أخذ يأخذ أخذا { كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } ، قتلها فيقاد منه ، { أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ } ، يريد بغير نفس وبغير فساد في الأرض من كفر أو زنا أو قطع طريق ، أو نحو ذلك { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } اختلفوا في تأويله ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة : من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن شد عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا ، قال مجاهد : من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها ، كما يصلى لو قتل الناس جميعا ، ومن أحياها من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعا ، قال قتادة : أعظم الله أجرها وعظّم وزرها ، معناه من استحل قتل مسلم بغير حقه فكأنما قتل الناس جميعا في الإثم لأنهم لا يسلمون منه { وَمَنْ أَحْيَاهَا } ، وتورع عن قتلها ، { فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } في الثواب لسلامتهم منه ، قال الحسن : فكأنما قتل الناس جميعا يعني أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب","part":2,"page":333},{"id":834,"text":"عليه لو قتل الناس جميعا ، ومن أحياها أي عفا عمن وجب عليه القصاص له فلم يقتله فكأنما أحيا الناس جميعا ، قال سليمان بن علي : قلت للحسن : يا أبا سعيد أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل ؟ قال : إي والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا ، { وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ } .\r[33] { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا } وعقوبة المحاربين ما ذكر الله سبحانه وتعالى : { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ } ، فذهب قوم إلى أن الإمام بالخيار في أمر المحاربين بين القتل والقطع والصلب والنفي كما هو ظاهر الآية ، وذهب الأكثرون إلى أن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير { ذَلِكَ } الذي ذكرت من الحدّ ، { لَهُمْ خِزْيٌ } عذاب وهوان وفضيحة { فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .","part":2,"page":334},{"id":835,"text":"[34] { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار ، قال معناه : إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال ، وأما المسلمون المحاربون فمن تاب منهم قبل القدرة عليهم - وهو قبل أن يظفر به الإمام - تسقط عنه كل عقوبة وجبت حقا لله ، ولا يسقط ما كان من حقوق العباد .\r[35] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا } اطلبوا { إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } أي : القربة ، فعيلة من توسل إلى فلان بكذا ، أي : تقرب إليه وجمعها وسائل ، { وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .\r[36] { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ } ، أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .","part":2,"page":335},{"id":836,"text":"[37] { يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا } ، فيه وجهان أحدهما : أنهم يقصدون ويطلبون المخرج منها ، كما قال الله تعالى : ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها ) , والثاني : أنهم يتمنون ذلك بقلوبهم ، كما قال الله تعالى إخبارا عنهم : { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } .\r[38] { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } أراد به أيمانهما ، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود ، وجملة الحكم أن من سرق نصابا من المال من حرز لا شبهة له فيه تقطع يده اليمنى من الرسغ { جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } نصب على الحال والقطع ، ومثله : { نَكَالًا } أي : عقوبة ، { مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .","part":2,"page":336},{"id":837,"text":"[39] { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ } أي : سرقته ، { وَأَصْلَحَ } العمل ، { فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، هذا فيما بينهم وبين الله تعالى ، فأما القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين ، قال مجاهد : قطع السارق توبته فإذا قطع حصلت التوبة ، والصحيح أن القطع للجزاء على الجناية ، كما قال : { جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } ، فلا بد من التوبة بعد ، وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل ، وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم ، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي : لا غرم عليه ، وبالاتفاق إن كان المسروق قائما عنده يسترد ، وتقطع يده لأن القطع حق الله تعالى والغرم حق العبد ، فلا يمنع أحدهما الآخر ، كاسترداد العين .","part":2,"page":337},{"id":838,"text":"[40] { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الجميع ، وقيل : معناه ألم تعلم أيها الإنسان فيكون خطابا لكل واحد من الناس { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ } ، قال السدي والكلبي : يعذب من يشاء من مات على كفره ويغفر لمن يشاء من تاب من كفره ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يعذب من يشاء على الصغيرة ويغفر لمن يشاء على الكبيرة { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":2,"page":338},{"id":839,"text":"[41] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ } ، أي : في موالاة الكفار فإنهم لم يعجزوا الله ، { مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ } ، وهم المنافقون ، { وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا } يعني اليهود ، { سَمَّاعُونَ } أي : قوم سماعون ، { لِلْكَذِبِ } أي : قابلون للكذب ، كقول المصلي : سمع الله لمن حمده ، أي : قبل الله ، وقيل : معناه : سماعون لأجل الكذب ، أي : يسمعون منك ليكذبوا عليك ، وذلك أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون ويقولون سمعنا منه كذا ولم يسمعوا ذلك منه ، { سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } أي هم جواسيس ، يعني : بني قريظة لقوم آخرين هم أهل خيبر قوله : { وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ } , قيل : اللام بمعنى إلى ، وقيل : هي لام كي ، أي : يسمعون لكي يكذبوا عليك ، واللام في قوله { لِقَوْمٍ } أي : لأجل قوم آخرين لم يأتوك وهم أهل خيبر { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ } جمع كلمة ، { مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } ، أي : من بعد وضعه مواضعه ، وإنما ذكر الكناية ردا","part":2,"page":339},{"id":840,"text":"على لفظ الكلم ، { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ } ، أي : إن أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوا ، { وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ } كفره وضلالته ، قال الضحاك : هلاكه ، وقال قتادة : عذابه ، { فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } فلن تقدر على دفع أمر الله فيه { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ } وفيه رد على من ينكر القدر { لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } أي : للمنافقين واليهود ، فخزي المنافقين الفضيحة وهتك الستر بإظهار نفاقهم ، وخزي اليهود الجزية أو القتل أو السبي أو النفي ، ورؤيتهم من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيهم ما يكرهون ، { وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } الخلود في النار .","part":2,"page":340},{"id":841,"text":"[42] { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } , قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة والكسائي ( للسُّحُت ) بضم الحاء ، والآخرون بسكونها ، وهو الحرام ، وأصله الهلاك والشدة ، وقال الله تعالى : { فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ } ، نزلت في حكام اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله ، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم ، قال الحسن : كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه فيريها إياه ويتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه ، فيسمع الكذب ويأكل الرشوة ، وعنه أيضا قال : إنما ذلك في الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلا أو يبطل عنك حقك ، فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه فلا بأس ، فالسحت هو الرشوة في الحكم على قول الحسن ومقاتل وقتادة والضحاك ، وقال ابن مسعود : هو الرشوة في كل شيء ، قال ابن مسعود : من يشفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع بها ظلما فأهدي له فقبل فهو سحت ، فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم ، فقال : الأخذ على الحكم كفر ، قال الله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } والسحت كل كسب لا يحل . قوله عز وجل","part":2,"page":341},{"id":842,"text":"{ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا } ، خيّر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم إن شاء حكم وإن شاء ترك . قوله : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } ، أي بالعدل ، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } أي : العادلين .\r[43] قوله تعالى : { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ } هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه اختصار ، أي : وكيف يجعلونك حكما بينهم فيرضون بحكمك وعندهم التوراة ؟ { فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ } وهو الرجم ، { ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } أي : بمصدقين لك .","part":2,"page":342},{"id":843,"text":"[44] قوله عز وجل : { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } أي : أسلموا وانقادوا لأمر الله تعالى ، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ، وكما قال : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا } ، وأراد بهم النبيين الذين بعثوا من بعد موسى عليه السلام ليحكموا بما في التوراة ، وقد أسلموا لحكم التوراة وحكموا بها ، فإن من النبيين من لم يؤمر بحكم التوراة منهم عيسى عليه السلام { لِلَّذِينَ هَادُوا } قيل : فيه تقديم وتأخير تقديره فيها هدى ونور للذين هادوا ثم قال يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون ، وقيل : هو على موضعه ، ومعناه : يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين هادوا ، كما قال : { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } أي : فعليها ، وكما قال : { أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ } ، وقيل : فيه حذف كأنه قال : للذين هادوا وعلى الذين هادوا فحذف أحدهما اختصارا . { وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ } يعني العلماء ، واحدها حبر وحبر بفتح","part":2,"page":343},{"id":844,"text":"الحاء وكسرها ، والكسر أفصح ، وهو العالم المحكم للشيء ، قال الكسائي وأبو عبيدة : هو من الحبر الذي يكتب به ، وقال قطرب : هو من الحبر الذي هو بمعنى الجمال بفتح الحاء وكسرها ومنه التحبير وهو التحسين ، فسمى العالم حبرا لما عليه من جمال العلم وبهائه ، وقيل : الربانيون هاهنا من النصارى ، والأحبار من اليهود ، قوله عز وجل : { بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ }{ اللَّهِ } ، أي : استُودعوا من كتاب الله ، { وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } أنه كذلك ، { فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } ، قال قتادة والضحاك : نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة . روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قوله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } والظالمون والفاسقون كلها في الكافرين ، وقيل : هي على الناس كلهم ، وقال ابن عباس وطاوس : ليس بكفر ينقل عن الملة ، بل إذا فعله فهو به كافر ، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر ، قال عطاء : هو كفر","part":2,"page":344},{"id":845,"text":"دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق ، وقال عكرمة : معناه : ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق . وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات ، فقال : إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه ، وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق ، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ، ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات ، وقال العلماء : هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا ، فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا .","part":2,"page":345},{"id":846,"text":"[45] قوله تعالى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا } أي : أوجبنا على بني إسرائيل في التوراة ، { أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } يعني : من نفس القاتل بنفس المقتول وفاء يقتل به ، { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } تُفقأ بها { وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ } يُجدع به ، { وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ } تُقطع بها ، قال ابن عباس : أخبر الله تعالى بحكمه في التوراة وهو : أن النفس بالنفس واحدة بواحدة إلى آخرها ، فما بالهم يخالفون فيقتلون بالنفس النفسين ، ويفقؤون بالعين العينين { وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ } تقلع بها وسائر الجوارح قياس عليها في القصاص ، { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } فهذا تعميم بعد تخصيص ، لأنه ذكر العين والأنف والأذن والسن ، ثم قال : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } أي : فيما يمكن الاقتصاص منه كاليد والرجل واللسان ونحوها ، وأما ما لا يمكن الاقتصاص منه من كسر عظم أو جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه ، لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته { فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ } أي : بالقصاص { فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ } ، قيل : الهاء في له كناية عن المجروح وولي القتيل ، أي : كفارة للمصدق وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن والشعبي","part":2,"page":346},{"id":847,"text":"وقتادة ، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من تصدق من جسده بشيء كفر الله عنه بقدره من ذنوبه » (1) , وقال جماعة : هي كناية عن الجارح والقاتل ، يعني إذا عفا المجني عليه عن الجاني فعفوه كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة ، كما أن القصاص كفارة له ، فأما أجر العافي فعلى الله عز وجل ، قال الله تعالى : { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } ، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم ، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في الديات 4 / 650 وقال غريب ، وابن ماجه في الديات رقم ( 2693 ) 2 / 898 , والإمام أحمد في المسند 5 / 316 , 6 / 448 , قال المنذري في الترغيب والترهيب 3 / 305 رجاله رجال الصحيح .","part":2,"page":347},{"id":848,"text":"[46] { وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ } أي : على آثار النبيين الذين أسلموا ، { بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ } أي : في الإنجيل { هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا } ، يعني الإنجيل ، { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } .\r[47] { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ } ، قرأ الأعمش وحمزة ( ولِيَحْكُمَ ) بكسر اللام ونصب الميم ، أي : لكي يحكم ، وقرأ الآخرون بسكون اللام وجزم الميم على الأمر ، قال مقاتل بن حيان : أمر الله الربانيين والأحبار أن يحكموا بما أنزل الله في التوراة ، وأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما في الإنجيل ، فكفروا وقالوا : عزير ابن الله والمسيح ابن الله ، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } الخارجون عن أمر الله عز وجل .","part":2,"page":348},{"id":849,"text":"[48] قوله سبحانه وتعالى : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ } يا محمد { الْكِتَابَ } القرآن ، { بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ } أي : من الكتب المنزلة من قبل ، { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } عن ابن عباس رضي الله عنهما : أي شاهدا عليه ، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والكسائي ، قال حسان :\r\rإن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب","part":2,"page":349},{"id":850,"text":"يريد : شاهدا ومصدقا , وقال عكرمة : دالّا ، وقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة : مؤتمنا عليه ، وقال الحسن : أمينا ، وقيل : أصله مؤيمن مفيعل من أمين ، كما قالوا : مُبيطر من البيطار ، فقلبت الهمزة هاء كما قالوا : أرقت الماء وهرقته ، وإيهات وهيهات ، ونحوها . ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج : القرآن أمين على ما قبله من الكتب ، فما أخبر أهل الكتاب عن كتابهم فإن كان في القرآن فصدقوا وإلا فكذبوا ، وقال سعيد بن المسيب والضحاك : قاضيا ، وقال الخليل : رقيبا وحافظا ، والمعاني متقاربة ، ومعنى الكل : أن كل كتاب يشهد بصدق القرآن فهو كتاب الله تعالى وإلا فلا { فَاحْكُمْ } يا محمد { بَيْنَهُمْ } بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك ، { بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } تعالى بالقرآن ، { وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } أي : لا تعرض عما جاءك من الحق ولا تتبع أهواءهم ، { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } ، قال ابن عباس والحسن ومجاهد : أي سبيلا وسنة ، فالشرعة والمنهاج الطريق الواضح ، وكل ما شرعت فيه فهو شريعة وشرعة ، ومنه شرائع الإسلام لشروع أهلها فيها ، وأراد بهذا أن الشرائع","part":2,"page":350},{"id":851,"text":"مختلفة ، ولكل أهل ملة شريعة ، قال قتادة : الخطاب للأمم الثلاث أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ، فالتوراة شريعة والإنجيل شريعة والفرقان شريعة ، والدين واحد وهو التوحيد . { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي : على ملة واحدة ، { وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ } ليختبركم ، { فِي مَا آتَاكُمْ } من الكتب وبين لكم من الشرائع فيتبين المطيع من العاصي والموافق من المخالف ، { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } فبادروا إلى الأعمال الصالحة ، { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } .","part":2,"page":351},{"id":852,"text":"[49] قوله عز وجل : { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } إليك { وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من رؤساء اليهود بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ، فأتوه فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وإنا إن اتبعناك لم يخالفنا اليهود ، وإن بيننا وبين الناس خصومات فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك ، ويتبعنا غيرنا . ولم يكن قصدهم الإيمان ، وإنما كان قصدهم التلبيس ودعوته إلى الميل في الحكم فأنزل الله عز وجل الآية { فَإِنْ تَوَلَّوْا } أي : أعرضوا عن الإيمان والحكم بالقرآن ، { فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } ، أي : فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم ، { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ } يعني اليهود { لَفَاسِقُونَ } .","part":2,"page":352},{"id":853,"text":"[50] { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } قرأ ابن عامر تبغون وقرأ الآخرون بالياء ، أي : يطلبون ، { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .","part":2,"page":353},{"id":854,"text":"[51] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ } اختلفوا في سبب نزول هذه الآية وإن كان حكمها عاما لجميع المؤمنين { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } في العون والنصرة ويدهم واحدة على المسلمين { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ } فيوافقهم ويعينهم ، { فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .","part":2,"page":354},{"id":855,"text":"[52] { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي : نفاق يعني عبد الله بن أُبي وأصحابه من المنافقين الذين يوالون اليهود ، { يُسَارِعُونَ فِيهِمْ } في معونتهم وموالاتهم ، { يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } دولة ، يعني : أن يدول الدهر دولته فنحتاج إلى نصرهم إيانا ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : معناه : نخشى ألا يتم أمر محمد فيدور الأمر علينا ، وقيل : نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب وقحط فلا يعطونا الميرة والقرض ، { فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ } ، قال قتادة ومقاتل : بالقضاء من نصر محمد صلى الله عليه وسلم على من خالفه ، وقال الكلبي والسدي : فتح مكة ، وقال الضحاك : فتح قرى اليهود مثل خيبر وفدك ، { أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ } ، قيل : بإتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : عذاب لهم ، وقيل : إجلاء بني النضير ، { فَيُصْبِحُوا } يعني هؤلاء المنافقون ، { عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ } من موالاة اليهود ودس الأخبار إليهم { نَادِمِينَ } .","part":2,"page":355},{"id":856,"text":"[53] ( وَ ) حينئذ ، ( يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) قرأ أهل الكوفة : { وَيَقُولُ } بالواو والرفع على الاستئناف , وقرأ أهل البصرة بالواو ونصب اللام عطفا على { أَنْ يَأْتِيَ } أي : وعسى أن يقول الذين آمنوا ، وقرأ الآخرون بحذف الواو ورفع اللام ، وكذلك هو في مصاحف أهل العالية ، استغناء عن حرف العطف لملابسة هذه الآية بما قبلها ، يعني يقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق المنافقين { أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ } حلفوا بالله , { جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } أي : حلفوا بأغلظ الإيمان { إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ } أي : إنهم لمؤمنون ، يريد أن المؤمنين حينئذ يتعجبون من كذبهم وحلفهم بالباطل . قال الله تعالى : { حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } بطل كل خير عملوه ، { فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ } خسروا الدنيا بافتضاحهم ، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب .","part":2,"page":356},{"id":857,"text":"[54] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } قرأ أهل المدينة والشام ( يرتدد ) بدالين على إظهار التضعيف { عَنْ دِينِهِ } فيرجع إلى الكفر ، قال الحسن : علم الله تبارك وتعالى أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه ، واختلفوا في أولئك القوم من هم ؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وقتادة : هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة ، وقال قوم : المراد بقوله : { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } هم الأشعريون ، روي عن عياض بن غنم الأشعري قال : « لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" هم قوم هذا \" ، وأشار إلى أبي موسى الأشعري » (1) , وكانوا من اليمن . قوله عز وجل : { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } يعني : أرقاء رحماء ، لقوله عز وجل : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } ، ولم يرد به الهوان ، بل أراد أن جانبهم لين على المؤمنين . وقيل : هو الذل من\r_________\r(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 313 وصححه على شرط مسلم ، والطبراني ورجاله رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد 7 / 16 ، والطبري في التفسير 10 / 414 .","part":2,"page":357},{"id":858,"text":"قولهم دابة ذلول ، يعني أنهم متواضعون . قال الله تعالى : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا }{ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } أي : أشداء غلاظ على الكفار يعادونهم ويغالبونهم ، من قولهم : عزه أي غلبه . قال عطاء : أذلة على المؤمنين : كالولد لوالده والعبد لسيده ، أعزة على الكافرين : كالسبع على فريسته ، نظيره قوله تعالى : { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } . { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ } يعني : لا يخافون في الله لوم الناس ، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم ، وروينا عن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأن نقوم أو نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم (1) . { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } أي : محبتهم لله ولين جانبهم للمسلمين ، وشدتهم على الكافرين ، من فضل الله عليهم ، { وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الأحكام 13 / 193 ، ومسلم في الإمارة برقم ( 1709 ) 3 / 1470 .","part":2,"page":358},{"id":859,"text":"[55] { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول حين تبرأ عبادة من اليهود ، وقال : أتولى الله ورسوله والذين آمنوا ، فنزل فيهم من قوله : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ } ، إلى قوله : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال جابر بن عبد الله : « جاء عبد الله بن سلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا ، فنزلت هذه الآية ، فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء » ، وعلى هذا التأويل أراد بقوله : { وَهُمْ رَاكِعُونَ } صلاة التطوع بالليل والنهار ، قاله ابن عباس ، وقال السدي : قوله { وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ }{ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } أراد به : علي بن أبي طالب رضي","part":2,"page":359},{"id":860,"text":"الله عنه ، مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه (1) ، وقال جُويبر عن الضحاك في قوله { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } قال : هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض .\r[56] { وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } يعني : يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد المهاجرين والأنصار ، { فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ } يعني أنصار دين الله ، { هُمُ الْغَالِبُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه الطبري 10 / 425 .","part":2,"page":360},{"id":861,"text":"[57] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا } الآية , قال ابن عباس : كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا , وكان رجال من المسلمين يوادّونهما فأنزل الله عز وجل هذه الآية : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا } بإظهار ذلك بألسنتهم قولا وهم مستبطنون الكفر ، { مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } ، يعني : اليهود { وَالْكُفَّارَ } ، قرأ أهل البصرة والكسائي وَالْكُفَّارِ بخفض الراء ، يعني : ومن الكفار ، وقرأ الآخرون بالنصب ، أي : لا تتخذوا الكفار ، { أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .","part":2,"page":361},{"id":862,"text":"[58] { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ } قال الكلبي : كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها قالت اليهود : قد قاموا لا قاموا ، قاموا وصلوا لا صلوا ، على طريق الاستهزاء ، وضحكوا ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . وقال السدي : نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال : حُرق الكاذب ، فدخل خادمه ذات ليلة بنار - وهو وأهله نيام - فتطايرت منها شرارة فاحترق البيت واحترق هو وأهله . وقال الآخرون : إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا المسلمين فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت الأنبياء قبلك , ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء ، فمن أين لك صياح كصياح العير ؟ فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ } الآية .","part":2,"page":362},{"id":863,"text":"[59] قوله عز وجل : { قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا } قال ابن عباس : « أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود ، أبو يا سر بن أخطب ورافع بن أبي رافع وغيرهما ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ، فقال : \" أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل \" إلى قوله : { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }» ، فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته ، وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرا من دينكم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : { قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا } أي : تكرهون منا { إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } أي : هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم ، أي : إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق ، لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب الرياسة وحب الأموال ، ثم قال :","part":2,"page":363},{"id":864,"text":"[60] { قُلْ } يا محمد ، { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ } أخبركم ، { بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ } الذي ذكرتم ، يعني قولهم : لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم ، فذكر الجواب بلفظ الابتداء ، وإن لم يكن الابتداء شرا لقوله تعالى : { أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ } ، { مَثُوبَةً } ثوابا وجزاء ، نُصب على التفسير ، { عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ } أي : هو من لعنه الله ، { وَغَضِبَ عَلَيْهِ } يعني : اليهود ، { وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ } فالقردة أصحاب السبت ، والخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام { وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ } أي : جعل منهم من عبد الطاغوت ، أي : أطاع الشيطان فيما سول له { أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } عن طريق الحق .","part":2,"page":364},{"id":865,"text":"[61] { وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا } يعني : هؤلاء المنافقين ، وقيل : هم الذين قالوا : { آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ } ، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : { آمَنَّا } بك وصدقناك فيما قلت ، وهم يُسرّون الكفر ، { وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ } يعني : دخلوا كافرين وخرجوا كافرين { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ } .\r[62] { وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ } يعني : من اليهود { يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } ، قيل : الإثم المعاصي والعدوان الظلم ، وقيل : الإثم ما كتموا من التوراة ، والعدوان ما زادوا فيها ، { وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ } الرشا ، { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .\r[63] { لَوْلَا } هلّا ، { يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ } يعني : العلماء ، قيل : الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود ، { عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } .","part":2,"page":365},{"id":866,"text":"[64] { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } ، قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة : إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة ، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء : يد الله مغلولة ، أي : محبوسة مقبوضة من الرزق نسبوه إلى البخل ، قيل : إنما قال هذه المقالة فنحاص ، فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله أشركهم الله فيها . وقال الحسن : معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا ما يبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل ، والأول أولى لقوله : { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ، { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } أي : أُمسكت أيديهم عن الخيرات . وقال الزجاج : أجابهم الله تعالى فقال : أنا الجواد وهم البخلاء وأيديهم هي المغلولة الممسكة . وقيل : هو من الغل في النار يوم القيامة ، لقوله تعالى : { إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ } ، { وَلُعِنُوا } عُذّبوا { بِمَا قَالُوا } ، فمن لعنهم أنهم مُسخوا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا وفي الآخرة بالنار ، { بَلْ","part":2,"page":366},{"id":867,"text":"يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } ، ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع ، والبصر , والوجه ، وقال جل ذكره : { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « كلتا يديه يمين » (1) ، والله أعلم بصفاته ، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم . وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات : \" أمرّوها كما جاءت بلا كيف \" ، { يُنْفِقُ } يرزق ، { كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا } أي : كلما أنزل آية كفروا بها فازدادوا طغيانا وكفرا ، { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ } يعني : بين اليهود والنصارى ، قاله الحسن ومجاهد ، وقيل بين طوائف اليهود جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ } يعني : اليهود أفسدوا وخالفوا حكم التوراة ، فبعث الله عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم طيطوس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين ، وقيل : كلما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأوقدوا نار\r_________\r(1) رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة رقم ( 1827 ) 3 / 1458 .","part":2,"page":367},{"id":868,"text":"المحاربة أطفأها الله ، فردهم وقهرهم ونصر نبيه ودينه ، هذا معنى قول الحسن ، وقال قتادة : هذا عام في كل حرب طلبته اليهود فلا تلقى اليهود في بلد إلا وجدتهم من أذل الناس ، { وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } .","part":2,"page":368},{"id":869,"text":"[65] { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم ، { وَاتَّقَوْا } الكفر ، { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } .","part":2,"page":369},{"id":870,"text":"[66] { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ } يعني : أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما ، { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ } يعني : القرآن ، وقيل : كتب أنبياء بني إسرائيل ، { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } قيل : من فوقهم هو المطر ، ومن تحت أرجلهم نبات الأرض . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات الأرض . قال الفراء : أراد به التوسعة في الرزق كما يقال فلان في الخير من قرنه إلى قدمه { مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ } يعني : مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه ، مقتصدة أي عادلة غير غالية ، ولا مقصرة جافية . ومعنى الاقتصاد في اللغة : الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير ، { وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ } كعب بن الأشرف وأصحابه ، { سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } بئس ما يعملون , بئس شيئا عملهم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : عملوا بالقبيح مع التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم .","part":2,"page":370},{"id":871,"text":"[67] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } قالت عائشة : من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب ، وهو يقول : { يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } (1) ، روى الحسن : أن الله تعالى لما بعث رسوله ضاق ذرعا وعرف أن من الناس من يكذبه ، فنزلت هذه الآية (2) ، وقيل : نزلت في عيب اليهود ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام ، فقالوا : أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزؤون به ، فيقولون له : تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى حنانا ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت فنزلت هذه الآية ، وأمره أن يقول لهم : { يا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ } الآية . وقيل : بلّغ ما أُنزل إليك من الرجم والقصاص ، نزلت في قصة اليهود ، وقيل : نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها ، وقيل : في الجهاد ، وذلك أن المنافقين كرهوه ، كما قال الله تعالى : { فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 275 ، ومسلم في الإيمان رقم ( 177 ) 1 / 159 .\r(2) أسباب النزول للواحدي ص ( 232 - 233 ) , الدر المنثور (3 / 116-117 ) .","part":2,"page":371},{"id":872,"text":"عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } ، كرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ } الآية . فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم ، فأنزل الله هذه الآية . قوله تعالى : { وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } قرأ أهل المدينة والشام وأبو بكر ويعقوب رِسَالاته على الجمع والباقون رسالته على التوحيد ، ومعنى الآية : إن لم تبلغ الجميع وتركت بعضه فما بلغت شيئا ، أي : جرمك في ترك تبليغ البعض كجرمك في ترك تبليغ الكل , وقيل : بلّغ ما أنزل إليك أي : أظهر تبليغه ، كقوله : { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } وإن لم تفعل فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته ، أمره بتبليغ ما أنزل إليه مجاهرا محتسبا صابرا ، غير خائف ، فإن أخفيتَ منه شيئا لخوف يلحقك فما بلغت رسالته ، { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } يحفظك ويمنعك من الناس ، فإن قيل : أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى ؟ قيل : معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك . وقيل : نزلت هذه الآية بعد ما شج رأسه لأن سورة المائدة من آخر ما","part":2,"page":372},{"id":873,"text":"نزل من القرآن . وقيل : والله يخصك بالعصمة من بين الناس ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } .\r[68] قوله عز وجل : { قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } ، أي : تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيهما ، { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ } فلا تحزن ، { عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } .\r[69] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى } قوله : ( إن الذين آمنوا ) أي : باللسان . وقوله : { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } أي : بالقلب ، وقيل : الذين آمنوا على حقيقة الإيمان ( من آمن بالله ) ، أي : ثبت على الإيمان ، { وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .","part":2,"page":373},{"id":874,"text":"[70] قوله تعالى : { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } في التوحيد والنبوة ، { وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا } عيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهما ، { وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ } يحيى وزكريا .","part":2,"page":374},{"id":875,"text":"[71] { وَحَسِبُوا } ظنوا ، { أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي : عذاب وقتل ، وقيل : ابتلاء واختبار ، أي : ظنوا أن لا يُبتلوا ولا يُعذبهم الله , { فَعَمُوا } عن الحق فلم يبصروه ، { وَصَمُّوا } عنه فلم يسمعوه ، يعني عموا وصموا بعد موسى صلوات الله وسلامه عليه ، { ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } ببعث عيسى عليه السلام ، { ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ } بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم , { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } .\r[72] { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } وهم الملكانية واليعقوبية منهم ، { وَقَالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي }{ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } .","part":2,"page":375},{"id":876,"text":"[73] { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ } يعني : المرقوسية ، وفيه إضمار معناه : ثالث ثلاثة آلهة ، لأنهم يقولون : الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى ، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة ، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح : { أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ؟ ثم قال ردا عليهم : { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ } ليصيبن ، { الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } خص الذين كفروا لعلمه أن بعضهم يؤمنون .\r[74] { أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ } قال الفراء : هذا أمر بلفظ الاستفهام كقوله تعالى : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } أي : انتهوا ، والمعنى : أن الله يأمركم بالتوبة والاستغفار من هذا الذنب العظيم ، { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .","part":2,"page":376},{"id":877,"text":"[75] { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ } مضت , { مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ } أي : ليس هو بإله بل هو كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة ، { وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } أي : كثيرة الصدق . وقيل : سميت صديقة لأنها صدقت بآيات الله ، كما قال عز وجل في وصفها : { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا } ، { كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ } أي : كانا يعيشان بالطعام والغذاء كسائر الآدميين ، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام ؟! وقيل : هذا كناية عن الحدث . وذلك أن من أكل وشرب لا بد له من البول والغائط ، ومن هذه صفته كيف يكون إلها ؟ ثم قال : { انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي يصرفون عن الحق .\r[76] { قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .","part":2,"page":377},{"id":878,"text":"[77] { قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ } أي : لا تتجاوزوا الحد والغلو والتقصير كل واحد منهما مذموم في الدين ، وقوله : { غَيْرَ الْحَقِّ } أي : في دينكم المخالف للحق ، وذلك أنهم خالفوا الحق في دينهم ، ثم غلوا فيه بالإصرار عليه ، { وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ } والأهواء جمع الهوى وهو ما تدعو إليه شهوة النفس { قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ } يعني : رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى ، والخطاب للذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم ، { وَأَضَلُّوا كَثِيرًا } ، يعني : من اتبعهم على أهوائهم ، { وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } عن قصد الطريق ، أي : بالإضلال ، فالضلال الأول من الضلالة ، والثاني بإضلال من اتبعهم .","part":2,"page":378},{"id":879,"text":"[78] { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ } ، يعني : أهل أيلة لما اعتدوا في السبت ، وقال داود عليه السلام : اللهم العنهم واجعلهم آية ؛ فمسخوا قردة وخنازير ، { وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } أي : على لسان عيسى عليه السلام يعني كفار أصحاب المائدة ، لما لم يؤمنوا ، قال عيسى : اللهم العنهم واجعلهم آية ؛ فمسخوا خنازير ، { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } .\r[79] { كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ } أي : لا ينهى بعضهم بعضا { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } .\r[80] قوله تعالى : { تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ } قيل : من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه ، { يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } مشركي مكة حين خرجوا إليهم يجيشون على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن عباس ومجاهد والحسن : منهم يعني من المنافقين يتولون اليهود ، { لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ } بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة ؟ { أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } غضب الله عليهم ، { وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ } .","part":2,"page":379},{"id":880,"text":"[81] { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ } محمد صلى الله عليه وسلم , { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ } يعني القرآن , { مَا اتَّخَذُوهُمْ } يعني الكفار , { أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } أي : خارجون عن أمر الله سبحانه وتعالى .","part":2,"page":380},{"id":881,"text":"[82] قوله عز وجل : { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } يعني مشركي العرب ، { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } لم يرد به جميع النصارى لأنهم في عداوتهم المسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم ، لا ولا كرامة لهم ، بل الآية فيمن أسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه ، وقيل : نزلت في جميع اليهود وجميع النصارى ، لأن اليهود أقسى قلبا والنصارى ألين قلبا منهم ، وكانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ } أي : علماء ، قال قطرب : القس والقسيس العالم بلغة الروم , { وَرُهْبَانًا } الرهبان العبّاد أصحاب الصوامع واحدهم راهب ، مثل فارس وفرسان وراكب وركبان , وقد يكون واحدا وجمعه رهابين ، مثل قربان وقرابين ، { وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق .","part":2,"page":381},{"id":882,"text":"[83] { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ } محمد صلى الله عليه وسلم { تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ } تسيل ، { مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء : يريد النجاشي وأصحابه قرأ عليهم جعفر بالحبشة كهيعص ، فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة . { يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، دليله قوله تعالى : { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } .\r[84] { وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ } وذلك أن اليهود عيّروهم وقالوا لهم : لِمَ آمنتم ؟ فأجابوهم بهذا ، { وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ } أي : في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، بيانه { أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } .","part":2,"page":382},{"id":883,"text":"[85] { فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ } أعطاهم الله ، { بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } ، وإنما أنجح قولهم وعلق الثواب بالقول لاقترانه بالإخلاص ، بدليل قوله : { وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ } يعني : الموحدين المؤمنين ، وقوله : { تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ } يدل على أن الإخلاص والمعرفة بالقلب مع القول يكون إيمانا .\r[86] { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } .\r[87] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } يعني : اللذات التي تشتهيها النفوس مما أحل الله لكم من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة ، { وَلَا تَعْتَدُوا } ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام , { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .","part":2,"page":383},{"id":884,"text":"[88] { وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا } قال عبد الله بن المبارك : الحلال ما أخذته من وجهه ، والطيب ما غذى وأنمى ، فأما الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي ، { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } .","part":2,"page":384},{"id":885,"text":"[89] قوله عز وجل : { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ( عَقَدْتُمُ ) بالتخفيف ، وقرأ ابن عامر ( عاقدتم ) بالألف , وقرأ الآخرون { عَقَّدْتُمُ } بالتشديد ، أي : وكّدتم ، والمراد من الآية قصدتم وتعمدتم { فَكَفَّارَتُهُ } أي : كفارة ما عقدتم الإيمان إذا حنثتم ، { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } أي : من خير قوت عيالكم ، وقال عبيدة السلماني : الأوسط الخبز والخل ، والأعلى الخبز واللحم ، والأدنى الخبز البحت والكل مُجْزٍ ، قوله تعالى : { أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } كل من لزمته كفارة اليمين فهو فيها مخير : إن شاء أطعم عشرة من المساكين ، وإن شاء كساهم ، وإن شاء أعتق رقبة . قوله عز وجل : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } إذا عجز الذي لزمته كفارة اليمين عن الطعام والكسوة وتحرير الرقبة ، يجب عليه صوم ثلاثة أيام ، والعجز أن لا يفضل من ماله عن قوته وقوت عياله وحاجته ما يطعم أو يكسو أو يعتق فإنه يصوم ثلاثة أيام ، وقال","part":2,"page":385},{"id":886,"text":"بعضهم : إذا ملك ما يمكنه الإطعام وإن لم يفضل عن كفايته فليس له الصيام { ذَلِكَ } أي : ذلك الذي ذكرت ، { كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } وحنثتم ، فإن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث . قوله عز وجل : { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } قيل : أراد به ترك الحلف ، أي : لا تحلفوا ، وقيل - وهو الأصح - : أراد به إذا حلفتم فلا تحنثوا ، فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث هذا إذا لم يكن يمينه على ترك مندوب أو فعل مكروه ، فإن حلف على فعل مكروه أو ترك مندوب فالأفضل أن يُحنث نفسه ويكفّر { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .","part":2,"page":386},{"id":887,"text":"[90] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ } أي : القمار , { وَالْأَنْصَابُ } يعني : الأوثان ، وسميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها ، واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد ، ونصب بضم النون مخففا ومثقلا ، { وَالْأَزْلَامُ } يعني : القِداح التي يستقسمون بها واحدها زلم وزلم ، { رِجْسٌ } خبيث مستقذر ، { مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } من تزيينه , { فَاجْتَنِبُوهُ } رد الكناية إلى الرجس ، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .","part":2,"page":387},{"id":888,"text":"[91] { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } أما العداوة في الخمر فإن الشاربين إذا سكروا عربدوا وتشاجروا ، كما فعل الأنصاري الذي شج سعد بن أبي وقاص بلحي الجمل ، وأما العداوة في الميسر ، قال قتادة : كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل والمال مغتاظا على حرفائه ، { وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ } وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله ، وشوش عليه صلاته كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف ، وتقدم رجل ليصلي بهم صلاة المغرب بعدما شربوا فقرأ { قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ، أعبد ما تعبدون ، بحذف لا ، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } أي : انتهوا , لفظه استفهام ومعناه أمر ، كقوله تعالى : { فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ } ؟\r[92] { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا } المحارم والمناهي , { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } .","part":2,"page":388},{"id":889,"text":"[93] قوله عز وجل : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الآية ، سبب نزول هذه الآية أن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا لما نزل تحريم الخمر : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون من مال الميسر ؟ فأنزل الله تعالى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } وشربوا من الخمر وأكلوا من مال الميسر { إِذَا مَا اتَّقَوْا } الشرك ، { وَآمَنُوا } وصدّقوا ، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا } الخمر والميسر بعد تحريمهما ، { وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا } ما حرم الله عليهم أكله وشربه ، { وَأَحْسَنُوا }{ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } , وقيل : معنى الأول إذ ما اتقوا الشرك ، وآمنوا وصدقوا ثم اتقوا ، أي : داوموا على ذلك التقوى ، وآمنوا وازدادوا إيمانا ، ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا ، وقيل : أي : اتقوا بالإحسان وكل محسن متق ، والله يحب المحسنين .","part":2,"page":389},{"id":890,"text":"[94] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ } الآية ، نزلت عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد ، وكانت الوحوش تغشى رحالهم من كثرتها فهمّوا بأخذها فنزلت : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ } ليختبرنكم الله ، وفائدة البلوى إظهار المطيع من العاصي وإلا فلا حاجة له إلى البلوى بشيء من الصيد ، وإنما بعَّض فقال { بِشَيْءٍ } لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة . { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ } يعني : الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد ، { وَرِمَاحُكُمْ } يعني : الكبار من الصيد ، { لِيَعْلَمَ اللَّهُ } ليرى الله لأنه قد علمه ، { مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ } أي : يخاف الله ولم يره ، كقوله تعالى : { الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } أي : يخافه فلا يصطاد في حال الإحرام { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ } أي : صاد بعد تحريمه ، { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .","part":2,"page":390},{"id":891,"text":"[95] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } أي : محرمون بالحج والعمرة ، وهو جمع حرام ، يقال : رجل حرام وامرأة حرام ، وقد يكون من دخول الحرم ، يقال : أحرم الرجل إذا عقد الإحرام ، وأحرم إذا دخل الحرم { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } اختلفوا في هذا العمد فقال قوم : هو العمد لقتل الصيد مع نسيان الإحرام ، أما إذا قتله عمدا وهو ذاكر لإحرامه فلا حكم عليه ، وأمره إلى الله لأنه أعظم من أن يكون له كفارة ، هذا قول مجاهد والحسن ، وقال الآخرون : هو أن يعمد المحرم قتل الصيد ذاكرا لإحرامه فعليه الكفارة ، واختلفوا فيما لو قتله خطأ ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن العمد والخطأ سواء في لزوم الكفارة ، وقال الزهري : على المتعمد بالكتاب وعلى المخطئ بالسنة ، وقال سعيد بن جبير : لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ ، بل يختص بالعمد . قوله عز وجل : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } معناه أنه يجب عليه مثل ذلك الصيد من النعم ، وأراد به ما يقرب من الصيد المقتول شبها من حيث الخلقة لا من حيث القيمة ، { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } أي : يحكم","part":2,"page":391},{"id":892,"text":"بالجزاء رجلان عدلان ، وينبغي أن يكونا فقيهين ينظران إلى أشبه الأشياء من النعم فيحكمان به { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } أي : يهدي تلك الكفارة إلى الكعبة ، فيذبحها بمكة ويتصدق بلحمها على مساكين الحرم ، { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا } ، قال الفراء رحمه الله : العِدْل بالكسر : المثل من جنسه ، والعَدْل بالفتح : المثل من غير جنسه ، وأراد به أنه في جزاء الصيد مخير بين أن يذبح المثل من النعم فيتصدق بلحمه على مساكين الحرم ، وبين أن يقوّم المثل دراهم ، والدراهم طعاما فيتصدق بالطعام على مساكين الحرم ، أو يصوم عن كل مُدٍّ من الطعام يوما وله أن يصوم حيث شاء لأنه لا نفع فيه للمساكين . وقال مالك إن لم يخرج المثل يقوّم الصيد ثم يجعل القيمة طعاما فيتصدق به ، أو يصوم ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يجب المثل من النَّعم بل يقوّم الصيد , فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النَّعم ، وإن شاء إلى الطعام فيتصدق به ، وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يوما ، وقال الشعبي والنخعي جزاء الصيد على الترتيب ، والآية حجة لمن ذهب إلى التخيير . قوله تعالى : { لِيَذُوقَ","part":2,"page":392},{"id":893,"text":"وَبَالَ أَمْرِهِ } أي : جزاء معصيته ، { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } يعني : قبل التحريم ونزول الآية ، قال السدي : عفا الله عما سلف في الجاهلية ، { وَمَنْ عَادَ }{ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } في الآخرة . { وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } ، وإذا تكرر من المحرم قتل الصيد فيتعدد عليه الجزاء عند عامة أهل العلم .","part":2,"page":393},{"id":894,"text":"[96] قوله عز وجل : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ } والمراد بالبحر جميع المياه ، قال عمر رضي الله عنه : \" صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي به \" . وعن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة : طعامه ما قذفه الماء إلى الساحل ميتا . وقال قوم : هو المالح منه ، وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة وسعيد بن المسيب وقتادة والنخعي ، وقال مجاهد : صيده : طريّه ، وطعامه : مالحه ، متاعا لكم أي : منفعة لكم ، وللسيارة يعني : المارّة . قوله تعالى { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ، صيد البحر حلال للمحرم ، كما هو حلال لغير المحرم ، أما صيد البر فحرام على المحرم وفي الحرم ، والصيد هو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله ، أما ما لا يحل أكله فلا يحرم بسبب الإحرام ، وللمحرم أخذه وقتله .","part":2,"page":394},{"id":895,"text":"[97] قوله عز وجل : { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } ، قال مجاهد : سميت كعبة لتربيعها والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ، قال مقاتل : سميت كعبة لانفرادها من البناء ، وقيل : سميت كعبة لارتفاعها من الأرض ، وأصلها من الخروج والارتفاع ، وسمي الكعب كعبا لنتوئه وخروجه من جانبي القدم ، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثديها : تكعبت ، وسمي البيت الحرام لأن الله تعالى حرمه وعظم حرمته . قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض » (1) ، { قِيَامًا لِلنَّاسِ } ، قرأ ابن عامر ( قيما ) بلا ألف والآخرون قياما بالألف ، أي : قواما لهم في أمر دينهم ودنياهم ، أما الدين لأن به يقوم الحج والمناسك ، وأما الدنيا فيما يجبى إليه من الثمرات ، وكانوا يأمنون فيه من النهب والغارة فلا يتعرض لهم أحد في الحرم ، قال الله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } ؟ { وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ } أراد به الأشهر الحرم ، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، أراد أنه جعل الأشهر الحرم قياما للناس يأمنون فيها القتال ،\r_________\r(1) رواه البخاري في المغازي 8 / 26 , ومسلم ( 1353 ) بنحوه في الحج ، والمصنف في شرح السنة 7 / 294 .","part":2,"page":395},{"id":896,"text":"{ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ } أراد أنهم كانوا يأمنون بتقليد الهدي ، فذلك القوام فيه ، { ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، فإن قيل : أي اتصال لهذا الكلام بما قبله ؟ قيل : أراد الله عز وجل جعل الكعبة قياما للناس لأن الله تعالى يعلم صلاح العباد كما يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، وقال الزجاج : قد سبق في هذه السورة الإخبار عن الغيوب والكشف عن الأسرار ، مثل قوله : { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ } ومثل إخباره بتحريفهم الكتب ونحو ذلك ، فقوله : { ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } راجع إليه .\r[98] { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\r[99] { مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ } التبليغ ، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } .","part":2,"page":396},{"id":897,"text":"[100] { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ } أي : الحلال والحرام ، { وَلَوْ أَعْجَبَكَ } سرَّك ، { كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ } ، ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين { يا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .\r[101] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } أي : إن تظهر لكم تسؤكم ، أي : إن أمرتم بالعمل بها { وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } ، معناه صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي أو حكم ، وليس في ظاهره شرح ما بكم إليه حاجة ومست حاجتكم إليه ، فإذا سألتم عنها حينئذ تبد لكم ، { عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } .\r[102] { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } كما سألت ثمود صالحا الناقة وسأل قوم عيسى المائدة ، { ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ } فأُهلكوا ، قال أبو ثعلبة الخشني : إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها .","part":2,"page":397},{"id":898,"text":"[103] { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ } أي : ما أنزل الله ولا أمر به ، { وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ } قال ابن عباس : البحيرة هي الناقة التي كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها ، أي : شقوها وتركوا الحمل عليها ولم يركبوها ، ولم يجزّوا وبرها , ولم يمنعوها الماء والكلأ ، وقال أبو عبيدة : السائبة البعير الذي يسيب ، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض أو غاب له قريب نذر فقال : إن شفاني الله تعالى أو شُفي مريضي أو عاد غائبي فناقتي هذه سائبة ، ثم يسيبها فلا تحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبها أحد فكانت بمنزلة البحيرة ، وأما الوصيلة : فمن الغنم كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكرا ذبحوه فأكل منه الرجال والنساء ، وإن كانت أنثى تركوها في الغنم ، وإن كان ذكرا وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى ، وقالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوه ، وكان لبن الأنثى حراما على النساء ، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا ، وأما الحام : فهو الفحل إذا رُكب ولد ولده ، ويقال : إذا نتج من صلبه عشرة أبطن ، قالوا : حُمي ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من كلأ ولا ماء ، فإذا","part":2,"page":398},{"id":899,"text":"مات أكله الرجال والنساء { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } في قولهم الله أمرنا بها ، { وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } .","part":2,"page":399},{"id":900,"text":"[104] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ } في تحليل الحرث والأنعام وبيان الشرائع والأحكام ، { قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } من الدِّين ، قال الله تعالى : { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } .","part":2,"page":400},{"id":901,"text":"[105] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } ، وتضعونها في غير موضعها ولا تدرون ما هي ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه » (1) , وفي رواية : « لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليسلطن الله سبحانه وتعالى عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب ، ثم ليدعون الله عز وجل خيارُكم فلا يستجاب لكم » (2) ، قال أبو عبيدة : خاف الصدّيق أن يتأول الناس الآية غير متأولها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأعلمهم أنها ليست كذلك وأن الذي أذن في الإمساك عن تغييره من المنكر هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم يتدينون به ، وقد صُولحوا عليه ، فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإسلام فلا يدخل فيه , وقال مجاهد وسعيد بن جبير : الآية في اليهود والنصارى ، يعني :\r_________\r(1) أخرجه أبو داود في الملاحم 6 / 187 ، والترمذي في الفتن 6 / 388 وقال حسن صحيح ، والمصنف في شرح السنة 14 / 344 ، وصححه ابن حبان ص 455 .\r(2) ذكره الحافظ السيوطي في الجامع الصغير ، وقال : رواه البزار والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ، وأشار لحسنه ، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 13 / 92 .","part":2,"page":401},{"id":902,"text":"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم ، وعن ابن عباس قال في هذه الآية : مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم ، قوله عز وجل : { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا } الضال والمهتدي ، { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .","part":2,"page":402},{"id":903,"text":"[106] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ } أي : ليشهد اثنان ، لفظه خبر ومعناه أمر ، وقيل : إن معناه : أن الشهادة فيما بينكم على الوصية عند الموت اثنان ، واختلفوا في هذين الاثنين ، فقال قوم : هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي ، وقال الآخرون : هما الوصيان ولا يلزم الشاهد يمين ، وجعل الوصي اثنين تأكيدا ، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور كقولك : شهدتُ وصية فلان ، بمعنى حضرت ، قال الله تعالى : { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } يريد الحضور ، { ذَوَا عَدْلٍ } أي : أمانة وعقل ، { مِنْكُمْ } أي : من أهل دينكم يا معشر المؤمنين ، { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } أي : من غير دينكم وملتكم في قول أكثر المفسرين ثم اختلف هؤلاء في حكم الآية ، فقال النخعي وجماعة : هي منسوخة وكانت شهادة أهل الذمة مقبولة في الابتداء ثم نسخت ، وذهب قوم إلى أنها ثابتة ، وقالوا : إذا لم نجد مسلمين فنشهد كافرين ، وقال شريح : من كان بأرض غربة ولم يجد مسلما يُشهده على وصيته فأشهد كافرين على أي دين","part":2,"page":403},{"id":904,"text":"كانا من دين أهل الكتاب أو عبدة الأوثان ، فشهادتهم جائزة ، ولا تجوز شهادة كافر على مسلم إلا على وصية في سفر ، وقال آخرون : قوله { ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } أي : من حي الموصي أو آخران من غير حيّكم وعشيرتكم ، وهو قول الحسن والزهري وعكرمة ، وقالوا : لا تجوز شهادة كافر في شيء من الأحكام ، { إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ } سرتم وسافرتم ، { فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ } ، فأوصيتم إليهما ودفعتم إليهما مالكم فاتهمتهما بعض الورثة وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أنْ { تَحْبِسُونَهُمَا } أي : تستوقفونهما ، { مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } أي : بعد الصلاة ، و( من ) صلة يريد بعد صلاة العصر لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ، ويجتنبون فيه الحلف الكاذب ، وقال السدي : من بعد صلاة أهل دينهما وملتهما لأنهما لا يباليان بصلاة العصر ، { فَيُقْسِمَانِ } يحلفان , { بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ } أي : شككتم ووقعت لكم الريبة في قول الشاهدين وصدقهما ، أي : في قول اللذين ليسا من أهل ملتكم ، فإن كانا مسلمين فلا يمين عليهما ، { لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا } أي : لا نحلف بالله كاذبين على عوض نأخذه أو مال","part":2,"page":404},{"id":905,"text":"نذهب به أو حق نجحده ، { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } ولو كان المشهود له ذا قرابة منا ، { وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } أضاف الشهادة إلى الله لأنه أمر بإقامتها ونهى عن كتمانها ، وقرأ يعقوب ( شَهَادَةً ) ، بتنوين ، ( اللَّه ) ممدود ، وجعل الاستفهام عوضا من حرف القسم ، ويروى عن أبي جعفر ( شَهَادَةً ) منونة ( الله ) بقطع الألف وكسر الهاء من غير استفهام على ابتداء اليمين ، أي : والله ، { إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ } ، أي : إن كتمناها كنا من الآثمين .","part":2,"page":405},{"id":906,"text":"[107] { فَإِنْ عُثِرَ } أي : اطلع على خيانتهما ، وأصل العثور : الوقوع على الشيء ، { عَلَى أَنَّهُمَا } يعني : الوصيين { اسْتَحَقَّا } استوجبا , { إِثْمًا } بخيانتهما وبأيمانهما الكاذبة ، { فَآخَرَانِ } من أولياء الميت ، { يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا } يعني : مقام الوصيين ، { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ } بضم التاء على المجهول ، هذا قراءة العامة ، يعني : الذين استحق ، { عَلَيْهِمُ } أي : فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت استحق الحالفان بسببهم الإثم , و( على ) بمعنى في ، كما قال الله : { عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } ، وقرأ حفص { اسْتَحَقَّ } بفتح التاء والحاء ، وهي قراءة علي والحسن ، أي : حق ووجب عليهم الإثم ، يقال : حق واستحق بمعنى واحد ، { الْأَوْلَيَانِ } نعت للآخران ، أي : فآخران الأوليان ، وإنما جاز ذلك و { الْأَوْلَيَانِ } معرفة والآخران نكرة لأنه لما وصف الآخران فقال ( من الذين ) صار كالمعرفة في المعنى و ( الأوليان ) تثنية الأَولى ، والأَولى هو الأقرب ، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ويعقوب ( الأَوْلَيْنَ ) بالجمع فيكون بدلا من الذين ، والمراد منهم أيضا أولياء الميت ، ومعنى الآية : إذا ظهرت","part":2,"page":406},{"id":907,"text":"خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من أقارب الميت ، { فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا } ، يعني : يميننا أحق من يمينهما ، نظيره قوله تعالى في اللعان : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ } والمراد بها الأيمان ، فهو كقول القائل : أشهد بالله ، أي : أقسم بالله ، { وَمَا اعْتَدَيْنَا } في أيماننا وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادتهما ، { إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ } والوصي إذا أخذ شيئا من مال الميت وقال : إنه أوصى لي به حلف الوارث إذا أنكر ذلك ، وكذلك لو ادعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي ، حلف المدعي أنه لم يبعها منه .","part":2,"page":407},{"id":908,"text":"[108] { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا } ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم ، أي : أقرب إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت ، { أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ } أي : أقرب إلى أن يخافوا رد اليمين بعد يمينهم على المدعي ، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم ، { وَاتَّقُوا اللَّهَ } أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا الأمانة , { وَاسْمَعُوا } الموعظة , { وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .","part":2,"page":408},{"id":909,"text":"[109] قوله عز وجل : { يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ } ، وهو يوم القيامة ، { فَيَقُولُ } لهم ، { مَاذَا أُجِبْتُمْ } أي : ما الذي أجابتكم أمتكم ؟ وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي ؟ { قَالُوا } أي : فيقولون ، { لَا عِلْمَ لَنَا } ، قال ابن عباس معناه : لا علم لنا إلا العلم الذي أنت أعلم به منا ، وقيل : لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا ، وقال ابن جريج : لا علم لنا بعاقبة أمرهم وبما أحدثوا من بعد ، دليله أنه قال : { إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } أي : أنت الذي تعلم ما غاب ونحن لا نعلم إلا ما نشاهد .","part":2,"page":409},{"id":910,"text":"[110] قوله تعالى : { إِذْ قَالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ } ، قال الحسن : ذكر النعمة شكرها ، وأراد بقوله ( نعمتي ) أي : نعمي , لفظه واحد ومعناه جمع ، كقوله تعالى : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } ، { وَعَلى وَالِدَتِكَ } مريم ، ثم ذكر النعم فقال : { إِذْ أَيَّدْتُكَ } قويتك ، { بِرُوحِ الْقُدُسِ } يعني جبريل عليه السلام ، { تُكَلِّمُ النَّاسَ } يعني : وتكلم الناس ، { فِي الْمَهْدِ } صبيا ، { وَكَهْلًا } نبيا , قال ابن عباس : أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة ، فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله إليه ، { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ } يعني الخط ، { وَالْحِكْمَةَ } يعني : العلم والفهم ، { وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ } تجعل وتصور ، { مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } كصورة الطير ، { بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا } حيًّا يطير ، { بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ } وتصحح ، { الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى } من قبورهم أحياء ، { بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ } منعت وصرفت ، { بَنِي","part":2,"page":410},{"id":911,"text":"إِسْرَائِيلَ } يعني اليهود , { عَنْكَ } حين همّوا بقتلك ، { إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } , يعني : بالدلالات الواضحات والمعجزات ، وهي التي ذكرنا ، وسميت بالبينات لأنها مما يعجز عنها سائر الخلق الذين ليسوا بمرسلين ، { فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا } ما هذا ، { إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } يعني : ما جاءهم به من البينات ، قرأ حمزة والكسائي ( ساحر مبين ) هاهنا وفي سورة هود والصف ، فيكون راجعا إلى عيسى عليه السلام ، وفي هود يكون راجعا إلى محمد صلى الله عليه وسلم .\r[111] { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ } ألهمتهم وقذفت في قلوبهم ، وقال أبو عبيدة : يعني أمرت و( إلى ) صلة ، والحواريون خواص أصحاب عيسى عليه السلام ، { أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي } عيسى ، { قَالُوا } حين وفقتهم { آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } .","part":2,"page":411},{"id":912,"text":"[112] { إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ }{ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } ، قرأ الكسائي ( هل تستطيع ) بالتاء ، ( ربَّك ) بنصب الباء وهو قراءة علي وعائشة وابن عباس ومجاهد ، أي : هل تستطيع أن تدعو وتسأل ربك ، وقرأ الآخرون ( يستطيع ) بالياء و ( ربُّك ) برفع الباء ، ولم يقولوه شاكين بقدرة الله عز وجل ولكن معناه هل ينزّل ربك أم لا ؟ كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تنهض معي ؟ وهو يعلم أنه يستطيع ، وإنما يريد هل يفعل ذلك أم لا ، وقيل : يستطيع بمعنى يطيع ، يقال : أطاع واستطاع بمعنى واحد ، كقوله : أجاب واستجاب ، معناه : هل يعطيك ربك بإجابة سؤالك ؟ وفي الآثار من أطاع الله أطاعه الله ، وأجرى بعضهم على الظاهر ، فقالوا : غلط القوم ، وقالوه قبل استحكام المعرفة وكانوا بشرا ، فقال لهم عيسى عليه السلام عند الغلط استعظاما لقولهم : { اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، أي : لا تشكّوا في قدرته ، { أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ } المائدة : الخوان الذي عليه الطعام ، وهي فاعلة من : مادَهُ يميده إذا أعطاه وأطعمه ، كقوله ماره يميره ، وامتار افتعل منه ،","part":2,"page":412},{"id":913,"text":"والمائدة هي المطعمة للآكلين الطعام ، وسمي الطعام أيضا مائدة على الجواز ، لأنه يؤكل على المائدة ، وقال أهل الكوفة : سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين ، أي : تميل ، وقال أهل البصرة : فاعلة بمعنى المفعولة ، يعني ميد بالآكلين إليها ، كقوله تعالى : { عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } أي : مرضية ، { قَالَ } عيسى عليه السلام مجيبا لهم : \" : { اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فلا تشكّوا في قدرته ، وقيل : اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم ، فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان .","part":2,"page":413},{"id":914,"text":"[113] { قَالُوا نُرِيدُ } أي : إنما سألنا لأنا نريد ، { أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا } أكل تبرك لا أكل حاجة فنستيقن قدرته ، { وَتَطْمَئِنَّ } وتسكن ، { قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا } بأنك رسول الله ، أي : نزداد إيمانا ويقينا ، وقيل : إن عيسى عليه السلام أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما فإذا فطروا لا يسألون الله شيئا إلا أعطاهم ، ففعلوا وسألوا المائدة ، وقالوا : ونعلم أن قد صدقتنا في قولك ، إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله تعالى شيئا إلا أعطانا ، { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ } لله بالوحدانية والقدرة ، ولك بالنبوة والرسالة ، وقيل : ونكون من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم .","part":2,"page":414},{"id":915,"text":"[114] { قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ } عند ذلك ، { اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } أي : عائدة من الله علينا حجة وبرهانا ، والعيد : يوم السرور ، سمي به للعود من الترح إلى الفرح ، وهو اسم لما اعتدته ويعود إليك ، وسمي يوم الفطر والأضحى عيدا لأنهما يعودان في كل سنة ، قال السدي : معناه نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيدا لأولنا وآخرنا ، أي : نعظمه نحن ومن بعدنا ، وقال سفيان : نصلي فيه ، قوله ( لأولنا ) أي : لأهل زماننا , وآخرنا أي : لمن يجيء بعدنا ، وقال ابن عباس : يأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم ، { وَآيَةً مِنْكَ } دلالة وحجة ، { وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ } .","part":2,"page":415},{"id":916,"text":"[115] { قَالَ اللَّهُ } تعالى مجيبا لعيسى عليه السلام ، { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } يعني المائدة ، وقرأ أهل المدينة وابن عامر وعاصم ( مُنَزِّلُهَا ) بالتشديد لأنها نزلت مرات والتفعيل يدل على التكرير مرة بعد أخرى ، وقرأ الآخرون بالتخفيف لقوله أنزل علينا ، { فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ } أي : بعد نزول المائدة { فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا } أي : جنس عذاب ، { لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } يعني : عالمي زمانه , فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمُسخوا قردة وخنازير .","part":2,"page":416},{"id":917,"text":"[116] قوله عز وجل : { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ }{ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } , واختلفوا في أن هذا القول متى يكون ، فقال السدي : قال الله تعالى هذا القول لعيسى عليه السلام حين رفعه إلى السماء لأن حرف ( إذ ) يكون للماضي ، وقال سائر المفسرين : إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة بدليل قوله من قبل : { يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ } ، وقال من بعد هذا : { يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } ، وأراد بهما يوم القيامة ، وقد تجيء إذ بمعنى إذا كقوله عز وجل : { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا } أي : إذا فزعوا يوم القيامة ، والقيامة وإن لم تكن بعد ولكنها كالكائنة لأنها آتية لا محالة ، قوله : { أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ؟ فإن قيل : فما وجه هذا السؤال عنه مع علم الله عز وجل أن عيسى لم يقله ؟ قيل هذا السؤال عنه لتوبيخ قومه وتعظيم أمر هذه المقالة ، كما يقول القائل لآخر : أفعلت كذا وكذا فيما يعلم أنه لم يفعله إعلاما واستعظاما لا استخبارا واستفهاما ، وأيضا أراد","part":2,"page":417},{"id":918,"text":"الله عز وجل أن يقر عيسى عليه السلام عن نفسه بالعبودية ، فيسمع قومه منه ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك ، قال أبو روق : وإذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب أرعدت مفاصله ثم يقول مجيبا لله عز وجل : { قَالَ سُبْحَانَكَ } تنزيها وتعظيما لك , { مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } ، ما كان وما يكون .\r[117] { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } وحّدوه ولا تشركوا به شيئا ، { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ } وأقمت ، { فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } قبضتني ورفعتني إليك ، { كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } والحفيظ عليهم تحفظ أعمالهم ، { وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } .","part":2,"page":418},{"id":919,"text":"[118] قوله تعالى : { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، فإن قيل كيف طلب المغفرة لهم وهم كفار ؟ وكيف قال : وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة ؟ قيل : أما الأول فمعناه إن تعذبهم بإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم بعد الإيمان وهذا يستقيم بعد الإيمان .\rوقيل : هذا في الفريقين منهم معناه إن تعذب من كفر منهم وإن تغفر لمن آمن منهم .\rوقيل : ليس هذا على وجه طلب المغفرة ولو كان كذلك لقال : فإنك أنت الغفور الرحيم ، ولكنه على تسليم الأمر وتفويضه إلى مراده .\rوأما السؤال الثاني فكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ، وكذلك هو في مصحفه ، وأما على القراءة المعروفة قيل فيه تقديم وتأخير تقديره : إن تغفر لهم فإنهم عبادك وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم .","part":2,"page":419},{"id":920,"text":"وقيل : معناه إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز في الملك الحكيم في القضاء لا ينقص من عزك شيء ، ولا يخرج من حكمك شيء ، ويدخل في حكمته ومغفرته وسعة رحمته ومغفرته الكفار ، ولكنه أخبر أنه لا يغفر وهو لا يخلف خبره .","part":2,"page":420},{"id":921,"text":"[119] { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } ، قرأ نافع ( يوم ) بنصب الميم ، يعني : تكون هذه الأشياء في يوم ، فحذف في فانتصب ، وقرأ الآخرون بالرفع على أنه خبر ( هذا ) ، أي : ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة ، ولو كذبوا ختم الله على أفواههم ونطقت به جوارحهم فافتضحوا ، وقيل : أراد بالصادقين النبيين ، وقال الكلبي : ينفع المؤمنين إيمانهم ، قال قتادة : متكلمان لا يخطئان يوم القيامة عيسى عليه السلام ، وهو ما قص الله ، وعدو الله إبليس ، وهو قوله : { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ } الآية . فصدق عدو الله يومئذ ، وكان قبل ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه ، وأما عيسى عليه السلام فكان صادقا في الدنيا والآخرة ، فنفعه صدقه ، وقال عطاء : هذا يوم من أيام الدنيا لأن الدار الآخرة دار جزاء لا دار عمل ، ثم بين ثوابهم فقال : { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .","part":2,"page":421},{"id":922,"text":"[120] ثم عظّم نفسه فقال : { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":2,"page":422},{"id":923,"text":"( 6 ) سورة الأنعام","part":2,"page":423},{"id":924,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم [1] { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } قال كعب الأحبار : هذه الآية أول آية في التوراة ، وآخر آية في التوراة قوله : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } الآية , وقال ابن عباس رضي الله عنهما : افتتح الله الخلق بالحمد فقال : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } ، وختمه بالحمد فقال : { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ } ، أي : بين الخلائق ، وقيل : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } . قوله : ( الحمد لله ) حمد الله نفسه تعليما لعباده ، أي : احمدوا الله الذي خلق السماوات والأرض ، خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد وفيهما العبر والمنافع للعباد ، { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } والجعل بمعنى الخلق ، وقال الواقدي : كل ما في القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان إلا في هذه الآية فإنه يريد بهما الليل والنهار ، وقال الحسن : وجعل الظلمات والنور يعني الكفر والإيمان ، وقيل : أراد بالظلمات الجهل والنور العلم ، وقال قتادة : يعني الجنة والنار ، وقيل : معناه خلق الله السماوات","part":2,"page":424},{"id":925,"text":"والأرض ، وقد جعل الظلمات والنور ، لأنه قد خلق الظلمة والنور قبل السماوات والأرض ، قال قتادة : خلق الله السماوات قبل الأرض ، وخلق الظلمة قبل النور ، والجنة قبل النار , { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي : ثم الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون ، أي : يشركون ، وأصله من مساواة الشيء بالشيء ، ومنه العدل ، أي : يعدلون بالله غير الله تعالى ، يقال : عدلت هذا بهذا إذا ساويته ، وبه قال النضر بن شميل ، الباء بمعنى عن ، أي عن ربهم ، يعدلون أي يميلون وينحرفون من العدول .","part":2,"page":425},{"id":926,"text":"[2] قوله عز وجل : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ } يعني آدم عليه السلام ، خاطبهم به إذ كانوا من ولده , { ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } ، قال الحسن وقتادة والضحاك : الأجل الأول من الولادة إلى الموت ، والأجل الثاني من الموت إلى البعث ، وهو البرزخ ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وقال : لكل أحد أجلان أجل من الولادة إلى الموت وأجل من الموت إلى البعث ، فإن كان برا تقيا وَصُولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر ، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث ، وقال مجاهد وسعيد بن جبير : الأجل الأول أجل الدنيا ، والأجل الثاني أجل الآخرة ، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما { ثُمَّ قَضَى أَجَلًا } يعني : النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع عند اليقظة ، { وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } هو أجل الموت ، وقيل : هما واحد معناه : ثم قضى أجلا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها ، وأجل مسمى عنده يعني : وهو أجل مسمى عنده لا يعلمه غيره ، { ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ } تشكون في البعث .","part":2,"page":426},{"id":927,"text":"[3] قوله عز وجل : { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ } يعني : وهو إله السماوات والأرض ، كقوله : { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ } ، وقيل : هو المعبود في السماوات ، وقال محمد بن جرير : معناه وهو الله في السماوات يعلم سركم وجهركم في الأرض ، وقال الزجاج : فيه تقديم وتأخير وتقدير : وهو الله ، { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } في السماوات والأرض ، { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } تعملون من الخير والشر .\r[4] { وَمَا تَأْتِيهِمْ } يعني : أهل مكة ، { مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ } مثل انشقاق القمر وغيره ، وقال عطاء : يريد من آيات القرآن ، { إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ } لها تاركين بها مكذبين .\r[5] { فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ } بالقرآن ، وقيل : بمحمد صلى الله عليه وسلم ، { لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي : أخبار استهزائهم وجزاؤه ، أي : سيعلمون عاقبة استهزائهم إذا عُذّبوا .","part":2,"page":427},{"id":928,"text":"[6] قوله عز وجل : { أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ } ، يعني : الأمم الماضية ، والقرن : الجماعة من الناس ، وجمعه قرون ، وقيل : القرن مدة من الزمان ، يقال : ثمانون سنة ، وقيل : ستون سنة ، وقيل : أربعون سنة ، وقيل : ثلاثون سنة ، ويقال : مائة سنة ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بسر المازني : « إنك تعيش قرنا » (1) . فعاش مائة سنة ، فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهل قرن ، { مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ } أي : أعطيناهم ما لم نعطكم ، وقال ابن عباس : أمهلناهم في العمر مثل قوم نوح وعاد وثمود ، يقال : مكنته ومكنت له ، { وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا } يعني : المطر ، مفعال من الدر ، قال ابن عباس : مدرارا أي : متتابعا في أوقات الحاجات ، وقوله : { مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ } من خطاب التلوين ، رجع من الخبر من قوله : ( ألم يروا ) إلى خطاب ، كقوله : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ } ، وقال أهل البصرة : أخبر عنهم بقوله ( ألم يروا ) وفيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم خاطبهم معهم ،\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التاريخ الصغير ص 93 , وانظر الإصابة 4 / 23 وأسد الغابة 3 / 125 .","part":2,"page":428},{"id":929,"text":"والعرب تقول : قلت لعبد الله ما أكرمه ، وقلت لعبد الله ما أكرمك ، { وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا } خلقنا وابتدأنا ، { مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ } .\r[7] قوله عز وجل : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ } الآية ، قال الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد ، قالوا : يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله ، فأنزل الله عز وجل : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ } مكتوبا من عنده ، { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } أي : عاينوه ومسّوه بأيديهم ، وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من المعاينة ، فإن السحر يجري على المرئي ولا يجري على الملموس ، { لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } معناه : أنه لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من علمي .","part":2,"page":429},{"id":930,"text":"[8] { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ } على محمد صلى الله عليه وسلم ، { مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ } ، أي : لوجب العذاب ، وفرغ من الأمر ، وهذا سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية فأنزلت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب ، { ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } أي : لا يؤجلون ولا يمهلون ، وقال قتادة : لو أنزلنا ملكا ثم لم يؤمنوا لعُجّل لهم العذاب ولم يؤخروا طرفة عين ، وقال مجاهد : لقضي الأمر أي لقامت القيامة ، وقال الضحاك : لو أتاهم ملك في صورته لماتوا .","part":2,"page":430},{"id":931,"text":"[9] { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا } يعني : لو أرسلنا إليهم ملكا ، { لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا } يعني في صورة رجل آدمي ، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة ، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي ، وجاء الملكان إلى داود في صورة رجلين . قوله عز وجل : { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } أي : خلطنا عليهم ما يخلطون وشبهنا عليهم فلا يدرون أمَلَك هو أو آدمي ، وقيل معناه شبهوا على ضعفائهم فشبه عليهم ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هم أهل الكتاب فرّقوا دينهم وحرّفوا الكلم عن مواضعه ، فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم ، وقرأ الزهري ( وَلَلَبَّسْنَا ) بالتشديد على التكرير والتأكيد .\r[10] { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ } كما استهزئ بك يا محمد - يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم { فَحَاقَ } ، قال الربيع بن أنس : فنزل ، وقال عطاء : حل ، وقال الضحاك : أحاط ، { بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي : جزاء استهزائهم من العذاب والنقمة .","part":2,"page":431},{"id":932,"text":"[11] { قُلْ } يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين ، { سِيرُوا فِي الْأَرْضِ } معتبرين ، يحتمل هذا : السير بالعقول والفكر ، ويحتمل السير بالأقدام ، { ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } أي : جزاء أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك ، يحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية .\r[12] قوله عز وجل : { قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } فإن أجابوك وإلا فـ { قُلْ } أنت ، { لِلَّهِ } أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأكيد وآكد في الحجة ، { كَتَبَ } أي : قضى ، { عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } هذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال عليه وإخبار بأنه رحيم بالعباد لا يعجل بالعقوبة ، ويقبل الإنابة والتوبة , { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } اللام فيه لام القسم والنون نون التأكيد مجازه : والله ليجمعنّكم ، { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } أي : في يوم القيامة ، وقيل : معناه ليجمعنكم في قبوركم إلى يوم القيامة ، { لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا } غبنوا { أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } .","part":2,"page":432},{"id":933,"text":"[13] { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } أي : استقر ، قيل : أراد ما سكن وما تحرك ، كقوله : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ } أي : الحر والبرد ، وقيل : إنما خص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر ، وقال محمد بن جرير : كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار ، والمراد منه جميع ما في الأرض وقيل : معناه : وله ما يمر عليه الليل والنهار ، { وَهُوَ السَّمِيعُ } لأصواتهم ، { الْعَلِيمُ } بأسرارهم .","part":2,"page":433},{"id":934,"text":"[14] قوله تعالى : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا } ؟ وهذا حين دعي إلى دين آبائه ، فقال تعالى : قل يا محمد أغير الله أتخذ وليا ، ربا ومعبودا وناصرا ومعينا ؟ , { فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي : خالقهما ومبدعهما ومبتديهما ، { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ } ، أي : وهو يَرزق ولا يُرزق ، كما قال : { مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } . { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } يعني : من هذه الأمة ، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله ، وقيل : أسلم أخلص ، { وَلَا تَكُونَنَّ } يعني : وقيل لي ولا تكونن ، { مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .\r[15] { قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي } فعبدت غيره , { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } يعني عذاب يوم القيامة .","part":2,"page":434},{"id":935,"text":"[16] { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ } يعني : من يُصرف العذاب عنه ، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب ( يَصْرِف ) بفتح الياء وكسر الراء ، أي : من يصرف الله عنه العذاب فقد رحمه ، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء ، { يَوْمَئِذٍ } ، يعني : يوم القيامة ، { فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ } ، أي : النجاة البينة .","part":2,"page":435},{"id":936,"text":"[17] قوله عز وجل : { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ } لا رافع ، { لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } عافية ونعمة ، { فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } من الخير والضر . عن ابن عباس قال : « أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة ، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ، ثم أردفني خلفه ، ثم سار بي مليا ثم التفت إليَّ فقال : يا غلام ، فقلت : لبيك يا رسول الله ، قال : \" احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، تعرّفْ إلى الله في الرخاء يعرفْك في الشدة ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، قد مضى القلم بما هو كائن ، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله تعالى لك لم يقدروا عليه ، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله تعالى عليك ، ما قدروا عليه ، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل , فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، وإن الفرج مع الكرب ، وإن مع العسر يسرا » (1) .\r_________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1 / 307 , والترمذي في القيامة 7 / 219 وقال حديث حسن صحيح .","part":2,"page":436},{"id":937,"text":"[18] وهو { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } ، القاهر الغالب ، وفي القهر زيادة معنى على القدرة ، وهي منع غيره عن بلوغ المراد ، وقيل : هو المنفرد بالتدبير يجبر الخلق على مراده { وَهُوَ الْحَكِيمُ } ، في أمره ، { الْخَبِيرُ } بأعمال عباده .","part":2,"page":437},{"id":938,"text":"[19] قوله عز وجل : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً } الآية ، قال الكلبي : أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أرنا من يشهد أنك رسول الله فإنا لا نرى أحدا يصدقك ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس عندهم ذكر ، فأنزل الله تعالى { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً } فإن أجابوك ، وإلا { قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } على ما أقول ، ويشهد لي بالحق وعليكم بالباطل ، { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ } ، لأخوفكم به يا أهل مكة ، { وَمَنْ بَلَغَ } ، ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة .","part":2,"page":438},{"id":939,"text":"عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » (1) . قال مقاتل : ومن بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له ، وقال محمد بن كعب القرظي : من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه ، { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى } ولم يقل أخر لأن الجمع يلحقه التأنيث ، كقوله عز وجل : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } ، وقال : { فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى } ، { قُلْ } ، يا محمد إن شهدتم أنتم ، فـ { لَا أَشْهَدُ } ، أنا أن معه إلها { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء 6 / 496 والمصنف في شرح السنة 1 / 243 .","part":2,"page":439},{"id":940,"text":"[20] ، قوله تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } ، يعني : التوراة والإنجيل ، { يَعْرِفُونَهُ } يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته ، { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ } ، من بين الصبيان . { الَّذِينَ خَسِرُوا } ، غبنوا { أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } وذلك أن الله جعل لكل آدمي منزلا في الجنة ومنزلا في النار ، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ، ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار ، وذلك الخسران .\r[21] ، قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ } أكفر { مِمَّنِ افْتَرَى } ، اختلق { عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ، فأشرك به غيره ، { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } ، يعني : القرآن ، { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } ، الكافرون .\r[22] ، { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } ، أي : العابدين والمعبودين ، يعني : يوم القيامة ، قرأ يعقوب (يحشرهم) هنا ، وفي سبأ بالياء ، ووافق حفص في سبأ ، وقرأ الآخرون بالنون . { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } ، أنها تشفع لكم عند ربكم .","part":2,"page":440},{"id":941,"text":"[23] { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب (يكن) بالياء لأن الفتنة بمعنى الافتتان ، فجاز تذكيره ، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الفتنة ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم ( فِتْنَتُهُمْ) بالرفع جعلوه اسم كان ، وقرأ الآخرون بالنصب ، فجعلوا الاسم قوله : ( أن قالوا ) ، وفتنتهم الخبر ، ومعنى فتنتهم أي : قولهم وجوابهم ، وقال ابن عباس وقتادة : معذرتهم والفتنة التجربة ، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل له : فتنة ، وقال الزجاج في قوله { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } معنى لطيف وذلك مثل الرجل يفتتن بمحبوب ثم يصيبه فيه محنة فيتبرأ من محبوبه ، فيقال : لم تكن فتنتي إلا هذا ، كذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ولما رأوا العذاب تبرأوا منها ، يقول الله عز وجل : { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } في محبتهم للأصنام ، { إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ، قرأ حمزة والكسائي (ربنا) بالنصب على نداء المضاف ، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت والله ، وقيل : إنهم إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن أهل التوحيد ، قالوا لبعضهم البعض :","part":2,"page":441},{"id":942,"text":"تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد ، فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر .\r[24] ، فقال عز وجل : { انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } ، باعتذارهم بالباطل وتبريهم عن الشرك ، { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ، أي : زال وذهب عنهم ما كانوا يفترون من الأصنام ، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها ، فبطل كله في ذلك اليوم .","part":2,"page":442},{"id":943,"text":"[25] ، قوله عز وجل : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } وإلى كلامك { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } ، أغطية ، جمع كنان ، كالأعنة جمع عنان ، { أَنْ يَفْقَهُوهُ } ، أن يعلموه ، قيل : معناه أن لا يفقهوه ، وقيل : كراهة أن يفقهوه ، { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } ، صمما وثقلا ، وهذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى ، ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن ، { وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ } ، من المعجزات والدلالات ، { لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } ، يعني أحاديثهم وأقاصيصهم ، والأساطير جمع : أسطورة ، وإسطارة ، وقيل : الأساطير هي الترهات والأباطيل ، وأصلها من سطرت ، أي : كتبت .","part":2,"page":443},{"id":944,"text":"[26] ، { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } أي : ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم { وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } ، أي : يتباعدون عنه بأنفسهم ، نزلت في كفار مكة ، قاله محمد ابن الحنفية والسدي والضحاك ، وقال قتادة : ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه ، وقال ابن عباس ومقاتل : نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به ، أي : يبعد { وَإِنْ يُهْلِكُونَ } ، أي : ما يهلكون ، { إِلَّا أَنْفُسَهُمْ } أي : لا يرجع وبال فعلهم إلا إليهم ، وأوزار الذين يصدونهم عليهم ، { وَمَا يَشْعُرُونَ } .","part":2,"page":444},{"id":945,"text":"[27] ، قوله عز وجل : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ } ، يعني : في النار ، كقوله تعالى : { عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } أي : في ملك سليمان ، وقيل : عرضوا على النار ، وجواب ( لو) محذوف معناه : لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا ، { فَقَالُوا يا لَيْتَنَا نُرَدُّ } ، يعني : إلى الدنيا : { وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، قراءة العامة كلها بالرفع على معنى . يا ليتنا نرد نحن ولا نكذب ونكون من المؤمنين ، وقرأ حمزة وحفص ويعقوب { وَلَا نُكَذِّبَ } بنصب الباء والنون على جواب التمني ، أي : ليت ردنا وقع ، وأن لا نكذب ونكون ، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصب بالفاء ، وقرأ ابن عامر (نكذب) بالرفع و(نكون) بالنصب لأنهم تمنوا أن يكونوا من المؤمنين ، وأخبروا عن أنفسهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردوا إلى الدنيا .","part":2,"page":445},{"id":946,"text":"[28] ، { بَلْ بَدَا لَهُمْ } ، أي : ليس الأمر على ما قالوا إنهم لو ردوا لآمنوا بل بدا لهم : ظهر لهم ، { مَا كَانُوا يُخْفُونَ } ، يسرون ، { مِنْ قَبْلُ } ، في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم ، وقيل : ما كانوا يخفون وهو قولهم { وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ، فأخفوا شركهم وكتموا حتى شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا وستروا ، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا ، إلا أن تجعل الآية في المنافقين ، وقال المبرد : بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون ، وقال النضر بن شميل : بل بدا لهم بدا عنهم . ثم قال ، { وَلَوْ رُدُّوا } إلى الدنيا { لَعَادُوا لِمَا } يعني إلى ما ، { نُهُوا عَنْهُ } ، من الكفر { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } ، في قولهم : لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين .\r[29] ، { وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } ، وهذا إخبار عن إنكارهم البعث ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، هذا من قولهم لو ردوا لقالوه .","part":2,"page":446},{"id":947,"text":"[30] ، قوله تعالى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ } ، أي : على حكمه وقضائه ومسألته ، وقيل : عرضوا على ربهم ، { قَالَ } ، لهم ، وقيل : تقول لهم الخزنة بأمر الله : { أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ } يعني : أليس هذا البعث والعذاب بالحق؟ { قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا } ، إنه حق ، قال ابن عباس : هذا في موقف ، وقولهم : والله ربنا ما كنا مشركين في موقف آخر ، وفي القيامة مواقف ، ففي موقف يقرون ، وفي موقف ينكرون . { قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } .","part":2,"page":447},{"id":948,"text":"[31] { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ } ، أي : خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله والبعث بعد الموت ، { حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ } أي : القيامة { بَغْتَةً } ، أي : فجأة ، { قَالُوا يا حَسْرَتَنَا } ، ندامتنا ، ذكر على وجه النداء للمبالغة ، قال سيبويه : كأنه يقول : أيتها الحسرة هذا أوانك ، { عَلَى مَا فَرَّطْنَا } ، أي : قصرنا { فِيهَا } ، أي : في الطاعة ، وقيل : تركنا في الدنيا من عمل الآخرة ، وقال محمد بن جرير : الهاء راجعة إلى الصفقة ، وذلك أنه لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الآخرة بالدنيا قالوا : يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ، أي : في الصفقة ، فترك ذكر الصفقة اكتفاء بذكر قوله { قَدْ خَسِرَ } لأن الخسران إنما يكون في صفقة بيع ، والحسرة شدة الندم ، حتى يتحسر النادم ، كما يتحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد ، { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ } ، أثقالهم وآثامهم ، { عَلَى ظُهُورِهِمْ } ، قال السدي وغيره ، إن المؤمن إذ أخرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول : هل تعرفني؟ فيقول : لا ، فيقول : أنا عملك الصالح فاركبني ، فقد طالما ركبتك","part":2,"page":448},{"id":949,"text":"في الدنيا ، فذلك قوله عز وجل : { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا } أي ركبانا ، وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا ، فيقول : هل تعرفني؟ فيقول : أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك ، فهذا معنى قوله : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ } ، { أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } ، يحملون قال ابن عباس . أي بئس الحمل حملوا .","part":2,"page":449},{"id":950,"text":"[32] ، { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } ، باطل وغرور لا بقاء لها { وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ } ، قرأ ابن عامر (ولدار الآخرة) مضافا أضاف الدار إلى الآخرة ، ويضاف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين ، كقوله : (وحب الحصيد) ، وقولهم : ربيع الأول ومسجد الجامع ، سميت الدنيا لدنوها ، وقيل : لدناءتها ، وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا ، { خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الشرك ، { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، أي : أن الآخرة أفضل من الدنيا ، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب ( أفلا تعقلون ) بالتاء ها هنا وفي الأعراف وسورة يوسف ويس ، ووافق أبو بكر في سورة يوسف ، ووافق حفص إلا في سورة يس ، وقرأ الآخرون بالياء فيهن .","part":2,"page":450},{"id":951,"text":"[33] ، قوله عز وجل : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ } ، قال السدي : التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام ، فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد بن عبد الله أصادق هو أم كاذب \"؟ فإنه ليس ها هنا أحد يسمع كلامك غيري ، قال أبو جهل : والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ، وقال ناجية بن كعب : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : لا نتهمك ولا نكذبك ولكنا نكذب الذي جئت به ، فأنزل الله تعالى { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ } (1) . بأنك كاذب ، { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ } ، قرأ نافع والكسائي بالتخفيف ، وقرأ الآخرون بالتشديد من التكذيب ، والتكذيب هو أن تنسبه إلى الكذب ، وتقول له : كذبت ، والإكذاب هو أن تجده كاذبا ، تقول العرب : أجدبت الأرض وأخصبتها إذا وجدتها جدبة ومخصبة ، { وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } ، يقول : إنهم لا يكذبونك في السر لأنهم عرفوا صدقك فيما مضى ، وإنما يكذبون وحْيي ويجحدون\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير 8 / 437 والحاكم في المستدرك 2 / 315 وقال صحيح على شرط الشيخين .","part":2,"page":451},{"id":952,"text":"آياتي ، كما قال . { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ } .\r[34] ، { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ } ، كذبهم قومهم كما كذبتك قريش ، { فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا } ، بتعذيب من كذبهم ، { وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } ، لا ناقض لما حكم به ، وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه عليهم السلام ، فقال : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ }{ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ }{ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } ، وقال . { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا } وقال : { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي } ، وقال الحسن بن الفضل : لا خلف لِعِدَتِه ، { وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ } ، و(من) صلة كما تقول : أصابنا من مطر .","part":2,"page":452},{"id":953,"text":"[35] ، { وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ } أي : عظم عليك وشق أن أعرضوا عن الإيمان بك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد الحرص ، وكانوا إذ سألوا آية أحب أن يريهم الله تعالى ذلك طمعا في إيمانهم ، فقال الله عز وجل : { فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا } ، تطلب وتتخذ نفقا سربا { فِي الْأَرْضِ } ومنه نافقاء اليربوع وهو أحد جحريه فتذهب فيه ، { أَوْ سُلَّمًا } ، أي : درجا ومصعدا ، { فِي السَّمَاءِ } ، فتصعد فيه ، { فَتَأْتِيَهُمْ }{ بِآيَةٍ } فافعل { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى } ، فآمنوا كلهم ، { فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ } ، أي : بهذا الحرف ، وهو قوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى } ، وأن من يكفر لسابق علم الله فيه .","part":2,"page":453},{"id":954,"text":"[36] ، { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ } ، يعني : المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه ، { وَالْمَوْتَى } ، يعني الكفار ، { يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } ، فيخزيهم بأعمالهم .\r[37] ، قوله عز وجل : { وَقَالُوا } ، يعني : رؤساء قريش ، { لَوْلَا } هلا { نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } ما عليهم في إنزالها .","part":2,"page":454},{"id":955,"text":"[38] ، قوله عز وجل : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } قيد الطيران بالجناح تأكيدا كما يقال نظرت بعيني وأخذت بيدي { إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } ، قال مجاهد : أصناف مصنفة تعرف بأسمائها ، يريد أن كل جنس من الحيوان أمّة ، فالطير أمّة ، والهوام أمة ، والذباب أمّة ، والسباع أمّة ، تعرف بأسمائها مثل بني آدم ، يعرفون بأسمائهم, يقال : الإنس والناس ، وقيل : أمم أمثالكم يفقه بعضهم عن بعض ، وقيل : أمم أمثالكم في الخلق والموت والبعث ، وقال عطاء : أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة ، قال ابن قتيبة : أممٌ أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك ، { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ } ، أي : في اللوح المحفوظ ، { مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } ، قال ابن عباس والضحاك : حشرها موتها ، وقال أبو هريرة : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير ، وكل شيء فيقتص للجمّاء من القرناء ، ثم يقول : كوني ترابا فحينئذ يتمنى الكافر ويقول يا ليتني كنت ترابا . عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة","part":2,"page":455},{"id":956,"text":"حتى يقاد للشاة الجماء من القرناء » (1) .\r[39] قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ } ، لا يسمعون الخير ولا يتكلمون به ، { فِي الظُّلُمَاتِ } ، في ضلالات الكفر ، { مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، هو الإسلام .\r[40] ، قوله تعالى . { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ } ، هل رأيتم؟ والكاف فيه للتأكيد ، وقال الفراء رحمه الله : العرب تقول أرأيتك ، وهم يريدون أخبرنا ، كما يقول : أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل؟ أي : أخبرني ، وقرأ أهل المدينة (أرايتكم ، وأرايتم ، وأرايت) بتليين الهمزة الثانية ، والكسائي بحذفها ، قال ابن عباس : قل يا محمد لهؤلاء المشركين أرأيتكم ، { إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ } ، قبل الموت ، { أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ } يعني : يوم القيامة ، { أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ } ، في صرف العذاب عنكم ، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، وأراد أن الكفار يدعون الله في أحوال الاضطرار كما أخبر الله عنهم : { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في البر والصلة (4 / 1997 / رقم 2582) .","part":2,"page":456},{"id":957,"text":"[41] ، ثم قال : { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } ، أي : تدعون الله ولا تدعون غيره ، { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ } ، قيد الإجابة بالمشيئة والأمور كلها بمشيئته ، { وَتَنْسَوْنَ } ، وتتركون ، { مَا تُشْرِكُونَ } .\r[42] { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ } ، بالشدة والجوع ، { وَالضَّرَّاءِ } ، المرض والزمانة ، { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } ، أي : يتوبون ويخضعون ، والتضرع : السؤال بالتذلل .\r[43] ، { فَلَوْلَا } فهلا ، { إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا } ، عذابنا ، { تَضَرَّعُوا } ، آمنوا فيكشف عنهم ، أخبر الله عز وجل أنه قد أرسل إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أنهم أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا ، فذلك قوله : { وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، من الكفر والمعاصي .","part":2,"page":457},{"id":958,"text":"[44] ، { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } ، تركوا ما وعظوا وأمروا به ، { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } ، قرأ أبو جعفر (فتَّحنا) بالتشديد في كل القرآن ، وقرأ ابن عامر كذلك إذا كان عقيبه جمعًا ، والباقون بالتخفيف . وهذا فتح استدراج ومكر ، أي : بدلنا مكان البلاء والشدة الرخاء والصحة ، { حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا } ، وهذا فرح بطر مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا ، { أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً } ، فجأة آمن ما كانوا وأعجب ما كانت الدنيا إليهم { فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ } ، آيسون من كل خير ، وقال أبو عبيدة : المبلس النادم الحزين ، وأصل الإبلاس : الأطراق من الحزن والندم ، روى عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته ، فإنما ذلك استدراج » (1) . \" ثم تلا ( فلما نسوا ما ذكروا به ) الآية .\r_________\r(1) رواه الإمام أحمد في مسنده ج 4 / 145 وفيه رشدين بن سعد ، وهو ضعيف ، وانظر مجمع الزوائد (10 / 245) .","part":2,"page":458},{"id":959,"text":"[45] ، { فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، أي : آخرهم الذين بدبرهم ، يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبرا ودبورا إذا كان آخرهم ، ومعناه أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية ، { وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم لأنه نعمة على رسله ، فذكر الحمد لله تعليما لهم ولمن آمن بهم ، أن يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين ، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ربهم إذا أهلك المكذبين .","part":2,"page":459},{"id":960,"text":"[46] ، قوله تعالى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ } أيها المشركون ، { إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ } ، حتى لا تسمعوا شيئا أصلا { وَأَبْصَارَكُمْ } ، حتى لا تبصروا شيئا أصلا ، { وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ } ، حتى لا تفقهوا شيئا ولا تعرفوا من أمور الدنيا شيئا ، { مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ } ، ولم يقل بها مع أنه ذكر أشياء ، قيل : معناه يأتيكم بما أخذ منكم ، وقيل : الكناية ترجع إلى السمع الذي ذكر أولا ويندرج غيره تحته ، كقوله تعالى : { وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ } فالهاء راجعة إلى الله ، ورِضا رسوله يندرج في رضا الله تعالى ، { انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ } ، أي : نبين لهم العلامات الدالة على التوحيد والنبوة ، { ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } ، يعرضون عنها مكذبين .\r[47] { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً } فجأة ، { أَوْ جَهْرَةً } ، معاينة ترونه عند نزوله ، قال ابن عباس والحسن : ليلا أو نهارا ، { هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ } ، المشركون .","part":2,"page":460},{"id":961,"text":"[48] ، قوله عز وجل : { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ } العمل ، { فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } ، حين يخاف أهل النار ، { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } ، إذا حزنوا .\r[49] ، { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ } يصيبهم ، { الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } ، يكفرون .","part":2,"page":461},{"id":962,"text":"[50] ، { قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ } ، نزل حين اقترحوا الآيات فأمره أن يقول لهم : { لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ } أي : خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون ، { وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ } ، فأخبركم بما غاب مما مضى ومما سيكون ، { وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ } ، قال ذلك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي ، يريد لا أقول لكم شيئا من ذلك فتنكرون قولي وتجحدون أمري ، { إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } ، أي : ما آتيكم به فمن وحي الله تعالى ، وذلك غير مستحيل في العقل مع قيام الدليل والحجج البالغة ، { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ } قال قتادة : الكافر والمؤمن ، وقال مجاهد : الضال والمهتدي ، وقيل : الجاهل والعالم ، { أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ } ، أي : أنهما لا يستويان .","part":2,"page":462},{"id":963,"text":"[51] ، قوله عز وجل : { وَأَنْذِرْ بِهِ } ، خوف به أي : بالقرآن ، { الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا } ، يجمعوا ويبعثوا ، { إِلَى رَبِّهِمْ } ، وقيل : يخافون أي : يعلمون ، لأن خوفهم إنما كان من علمهم ، { لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ } من دون الله ، { وَلِيٌّ } قريب ينفعهم ، ماله { وَلَا شَفِيعٌ } ، يشفع لهم { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ، فينتهون عما نهوا عنه ، وإنما نفَى الشفاعة لغيره- مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون- لأنهم لا يشفعون إلا بإذنه .","part":2,"page":463},{"id":964,"text":"[52] { وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } قرأ ابن عامر (بالغُدْوة) بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها ها هنا وفي سورة الكهف ، وقرأ الآخرون بفتح الغين والدال وألف بعدها ، (بالغداة والعشي) يعني : صلاة الصبح وصلاة العصر . ويروى أن المراد منه الصلوات الخمس ، وذلك أن أناسا من الفقراء كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال ناس من الأشراف : إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا ، فنزلت هذه الآية ، وقال إبراهيم النخعي : يعني يذكرون ربهم ، وقيل المراد منه : حقيقة الدعاء ، { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } ، أي : يريدون الله بطاعتهم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : يطلبون ثواب الله فقال : { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ } ، أي : لا تكلف أمرهم ولا يتكلفون أمرك ، وقيل : ليس رزقهم عليك فتملهم { فَتَطْرُدَهُمْ } ، ولا رزقك عليهم ، قوله { فَتَطْرُدَهُمْ } ، جواب لقوله : { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } وقوله : { فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ } ، جواب لقوله (ولا تطرد) أحدهما جواب النفي والآخر جواب النهي .","part":2,"page":464},{"id":965,"text":"[53] ، { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا } ، أي ابتلينا ، { بَعْضَهُمْ }{ بِبَعْضٍ } أراد ابتلى الغني بالفقير والشريف بالوضيع ، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه بالإيمان امتنع من الإسلام بسببه فكان فتنة له فذلك قوله : { لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } ، فقال الله تعالى : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } ، فهو جواب لقوله : { أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } ، فهو استفهام بمعنى التقرير ، أي : الله أعلم بمن شكر الإسلام إذ هداه الله عز وجل .","part":2,"page":465},{"id":966,"text":"[54] ، { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } ، قال عكرمة : نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام (1) . وقال عطاء : نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن يا سر والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين . { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } ، أي : قضى على نفسه الرحمة ، { أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ } ، قال مجاهد : لا يعلم حلالا من حرام فمن جهالته ركب الذنب ، وقيل : جاهل بما يورثه ذلك الذنب ، وقيل : جهالته من حيث إنه آثر المعصية على الطاعة والعاجل القليل على الآجل الكثير ، { ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ } ، رجع عن ذنبه ، { وَأَصْلَحَ } ، عمله ، وقيل : أخلص توبته ، { فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب (أنه من عمل) (فأنه غفور رحيم) ، بفتح الألف فيهما بدلا من الرحمة ، أي : كتب على نفسه أنه من عمل منكم ، ثم جعل الثانية بدلا عن الأولى ، كقوله تعالى : {\r_________\r(1) انظر أسباب النزول ص 252 والطبري 11 / 380 .","part":2,"page":466},{"id":967,"text":"أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ } وفتح أهل المدينة الأولى منهما وكسر الثانية على الاستئناف وكسرهما الآخرون على الاستئناف .\r[55] ، { وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ } ، أي : وهكذا ، وقيل : معناه وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وإعلامنا على المشركين كذلك نفصل الآيات ، أي : نميز ونبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل ، { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } ، أي : طريق المجرمين ، وقرأ أهل المدينة (ولتستبين) بالتاء (سبيل المجرمين) نصب على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أي : ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين ، يقال : استبنت الشيء وتبينته إذا عرفته ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر (وليستبين) بالياء (سبيل) بالرفع ، وقرأ الآخرون (ولتستبين) بالتاء { سَبِيلُ } رفع : أي : ليظهر وليتضح السبيل ، يذكر ويؤنث ، فدليل التذكير قوله تعالى : { وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا } ، ودليل التأنيث قوله تعالى : { لِمَ }{ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا } .","part":2,"page":467},{"id":968,"text":"[56] ، قوله عز وجل : { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ } في عبادة الأوثان وطرد الفقراء ، { قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } ، يعني : إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير طريق الهدى .","part":2,"page":468},{"id":969,"text":"[57] ، { قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ } ، أي : على بيان وبصيرة وبرهان { مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ } ، أي : ما جئت به ، { مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } ، قيل : أراد به استعجالهم بالعذاب ، كانوا يقولون : { إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً } الآية ، وقيل . أراد به القيامة ، قال الله : { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا } ، { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ } ، وقرأ الآخرون (يقضي) بسكون القاف والضاد مكسورة ، من قضيت ، أي : يحكم بالحق بدليل أنه قال : { وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } ، والفصل يكون في القضاء ، وإنما حذفوا الياء لاستثقال الألف واللام ، كقوله تعالى : (صال الجحيم) ونحوها ، ولم يقل بالحق لأن الحق صفة المصدر ، كأنه قال . يقضي القضاء الحق .\r[58] ، { قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي } ، وبيدي ، { مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } ، من العذاب ، { لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } ، أي : فرغ من العذاب وأهلكتم ، أي : لعجلته حتى أتخلص منكم ، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ } .","part":2,"page":469},{"id":970,"text":"[59] ، قوله تعالى : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ } ، مفاتح الغيب خزائنه ، جمع مفتح ، واختلفوا في مفاتح الغيب . قال رسول الله : \"مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : لا يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا الله تعالى ، ولا يعلم ما في الغد إلا الله عز وجل ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله \" . وقال الضحاك ومقاتل . مفاتح الغيب خزائن الأرض ، وعلم نزول العذاب ، وقال عطاء : ما غاب عنكم من الثواب والعقاب ، وقيل : انقضاء الآجال ، وقيل : أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم ، وقيل : هي ما لم يكن بعد أنه يكون أم لا يكون ، وما يكون كيف يكون ، وما لا يكون أن لو كان كيف يكون؟ وقال ابن مسعود : أوتي نبيكم علم كل شيء إلا علم مفاتيح الغيب . { وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } ، قال مجاهد : البر : المفاوز والقفار ، والبحر : القرى والأمصار ، لا يحدث فيهما شيء إلا يعلمه ، وقيل : هو البر والبحر المعروف ، { وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا } يريد ساقطة وثابتة ، يعني : يعلم عدد","part":2,"page":470},{"id":971,"text":"ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه ، وقيل : يعلم كم انقلبت ظهرا لبطن إلى أن سقطت على الأرض { وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ } ، قيل هو الحب المعروف في بطون الأرض ، وقيل : هو تحت الصخرة التي في أسفل الأرضين ، { وَلَا رَطْبٍ وَلَا يا بِسٍ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : الرطب الماء ، واليابس البادية ، وقال عطاء : يريد ما ينبت وما لا ينبت ، وقيل : ولا حي ولا ميت ، وقيل : هو عبارة عن كل شيء ، { إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } ، يعني أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ .","part":2,"page":471},{"id":972,"text":"[60] ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ } ، أي : يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل ، { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ } ، كسبتم ، { بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } ، أي : يوقظكم في النهار ، { لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى } ، يعني : أجل الحياة إلى الممات ، يريد استيفاء العمر على التمام ، { ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } ، في الآخرة { ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ } ، يخبركم ، { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .","part":2,"page":472},{"id":973,"text":"[61] ، { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً } ، يعني : الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ، وهو جمع حافظ ، نظيره { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ }{ كِرَامًا كَاتِبِينَ } , { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ } قرأ حمزة (توفيه) و(استهويه) بالياء وأمالهما ، { رُسُلُنَا } يعني : أعوان ملك الموت يقبضونه فيدفعونه إلى ملك الموت فيقبض روحه ، كما قال : { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ } وقيل : الأعوان يتوفونه بأمر ملك الموت فكأن ملك الموت توفاه لأنهم يصدرون عن أمره ، وقيل : أراد بالرسل ملك الموت وحده ، فذكر الواحد بلفظ الجمع ، { وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } ، لا يقصرون .","part":2,"page":473},{"id":974,"text":"[62] ، { ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ } ، يعني : الملائكة ، وقيل : يعني العباد يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق ، فإن قيل الآية في المؤمنين والكفار جميعا وقد قال في آية أخرى : { وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ } ، فكيف وجه الجمع؟ فقيل : المولى في تلك الآية بمعنى الناصر ولا ناصر للكفار ، والمولى ها هنا بمعنى المالك الذي يتولى أمورهم والله عز وجل مالك الكل ومتولي الأمور ، وقيل : أراد هنا المؤمنين خاصة يردون إلى مولاهم ، والكفار فيه تبع ، { أَلَا لَهُ الْحُكْمُ } ، أي : القضاء دون خلقه ، { وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } ، أي : إذا حاسب فحسابه سريع لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد .","part":2,"page":474},{"id":975,"text":"[63] ، قوله تعالى : { قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ } ، قرأ يعقوب بالتخفيف ، وقرأ العامة بالتشديد ، { مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } ، أي : من شدائدهما وأهوالهما ، كانوا إذا سافروا في البر والبحر فضلوا الطريق وخافوا الهلاك ، دعوا الله مخلصين له الدين فينجيهم ، فذلك قوله تعالى : { تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } ، أي : علانية وسرا ، قرأ أبو بكر عن عاصم (وخيفة) بكسر الخاء هنا وفي الأعراف ، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان ، { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا } ، أي : يقولون لئن أنجيتنا ، وقرأ أهل الكوفة : لئن أنجانا الله ، { مِنْ هَذِهِ } ، يعني : من هذه الظلمات ، { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } ، والشكر : هو معرفة النعمة مع القيام بحقها .","part":2,"page":475},{"id":976,"text":"[64] ، { قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا } ، قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر (ينجيكم) بالتشديد ، مثل قوله تعالى : (قل من ينجيكم) ، وقرأ الآخرون هذا بالتخفيف ، { وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ } ، والكرب غاية الغم الذي يأخذ النفس ، { ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ } ، يريد أنهم يقرون أن الذي يدعونه عند الشدة هو الذي ينجيهم ثم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها لا تضر ولا تنفع .","part":2,"page":476},{"id":977,"text":"[65] ، قوله عز وجل : { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } قال الحسن وقتادة : نزلت الآية في أهل الإيمان ، وقال قوم نزلت في المشركين ، وقوله { عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } يعني : الصيحة والحجارة والريح والطوفان ، كما فعل بعاد وثمود وقوم لوط وقوم نوح { أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } ، يعني : الرجفة والخسف كما فعل بقوم شعيب وقارون ، وعن ابن عباس ومجاهد : { عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } السلاطين الظلمة ، ومن تحت أرجلكم العبيد السوء ، وقال الضحاك : من فوقكم من قبل كباركم أو من تحت أرجلكم أي من أسفل منكم ، { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا } ، أي يخلطكم فرقا ويبث فيكم الأهواء المختلفة ، { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } ، يعني السيوف المختلفة ، يقتل بعضكم بعضا . { انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } .\r[66] { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ } ، أي : بالقرآن ، وقيل بالعذاب ، { وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } ، برقيب ، وقيل : بمسلط ألزمكم الإسلام شئتم أو أبيتم ، وإنما أنا رسول .","part":2,"page":477},{"id":978,"text":"[67] ، { لِكُلِّ نَبَإٍ } ، خبر من أخبار القرون ، { مُسْتَقَرٌّ } ، حقيقة ومنتهى ينتهي إليه فيتبين صدقه من كذبه وحقه من باطله ، إما في الدنيا وإما في الآخرة { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ، وقال مقاتل : لكل خبر يخبره الله وقت وقته ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير ، وقال الكلبي : لكل قول وفعل حقيقة ، إما في الدنيا وإما في الآخرة وسوف تعلمون ما كان في الدنيا فستعرفونه وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم .\r[68] ، قوله عز وجل : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا } ، يعني : في القرآن بالاستهزاء ، { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ، فاتركهم ولا تجالسهم ، { حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ } ، قرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد السين وقرأ الآخرون بسكون النون وتخفيف السين ، { الشَّيْطَانُ } ، نَهْيَنا ، { فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ، يعني : إذا جلست معهم ناسيا فقم من عندهم بعدما تذكرت .","part":2,"page":478},{"id":979,"text":"[69] { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } روي عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ، قال المسلمون : كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدا؟ وفي رواية : قال المسلمون : فإنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم ، فأنزل الله عز وجل { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ } ، الخوض, { مِنْ حِسَابِهِمْ } أي : من إثم الخائضين { مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى } ، أي : ذكروهم وعظوهم بالقرآن ، والذكر والذكرى واحد ، يريد ذكروهم ذكرى ، فيكون في محل النصب { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ، الخوض إذا وعظتموهم فرخص في مجالستهم على الوعظ لعلهم يمنعهم من ذلك الخوض ، قيل : لعلهم يستحيون .","part":2,"page":479},{"id":980,"text":"[70] ، قوله عز وجل : { وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا } ، يعني الكفار الذين إذا سمعوا بآيات الله استهزءوا بها وتلاعبوا عند ذكرها ، وقيل : إن الله تعالى جعل لكل قوم عيدا فاتخذ كل قوم دينهم- أي : عيدهم- لعبا ولهوا وعيد المسلمين الصلاة وتكبيراتها وفعل الخير مثل الجمعة والفطر والنحر ، { وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ } أي : وعظ بالقرآن ، { أَنْ تُبْسَلَ } ، أي : لأن لا تبسل ، أي : لا تسلم ، { نَفْسٌ } للهلاك ، { بِمَا كَسَبَتْ } ، قال مجاهد وعكرمة والسدي - قال ابن عباس : تهلك ، وقال قتادة : أن تحبس ، وقال الضحاك : تحرق ، وقال ابن زيد : تؤخذ ، ومعناه . ذكرهم لأن يؤمنوا كيلا تهلك نفس بما كسبت ، وقال الأخفش : تبسل تجازى ، وقيل : تفضح ، وقال الفراء : ترتهن ، وأصل الإبسال التحريم ، والبسل الحرام ، ثم جعل نعتا لكل شدة تتقى وتترك { لَيْسَ لَهَا } ، لتلك النفس ، { مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ } ، قريب { وَلَا شَفِيعٌ } ، يشفع في الآخرة { وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ } ، أي : تفد كل فداء ، { لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا } ، هنا ، { أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا","part":2,"page":480},{"id":981,"text":"} ، أسلموا للهلاك ، { بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ }","part":2,"page":481},{"id":982,"text":"[71] ، { قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا } ، إن عبدناه ، { وَلَا يَضُرُّنَا } ، إن تركناه ، يعني : الأصنام ليس إليها نفع ولا ضر ، { وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا } ، إلى الشرك مرتدين ، { بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ } ، أي : يكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين ، أي : أضلته ، { فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ } ، قال ابن عباس : كالذي استهوته الغيلان في المهامة فأضلوه فهو حائر بائر ، والحيران : المتردد في الأمر لا يهتدي إلى مخرج منه ، { لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا } هذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو إلى الآلهة ولمن يدعو إلى الله تعالى كمثل رجل في رفقة ضل به الغول عن الطريق يدعوه أصحابه من أهل الرفقة هلم إلى الطريق ، ويدعوه الغول فيبقى حيران لا يدري أين يذهب ، فإن أجاب الغول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة ، وإن أجاب من يدعوه إلى الطريق اهتدى ، { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } ، يزجر عن عبادة الأصنام ، كأنه يقول : لا تفعل ذلك فإن الهدى هدى الله لا يهدي غيره ، { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ } ، أي : أن نسلم ، {","part":2,"page":482},{"id":983,"text":"لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ، والعرب تقول : أمرتك لتفعل وأن تفعل وبأن تفعل .\r[72] ، { وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ } ، أي : وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى ، { وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي : تجمعون في الموقف للحساب .","part":2,"page":483},{"id":984,"text":"[73] ، { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ } ، قيل : الباء بمعنى اللام ، أي : إظهارا للحق لأنه جعل صنعه دليلا على وحدانيته ، { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } ، قيل : هو راجع إلى خلق السماوات والأرض ، والخلق بمعنى : القضاء والتقدير ، أي : كل شيء قضاه وقدره قال له : كن فيكون . وقيل : يرجع إلى القيامة يدل على سرعة أمر البعث والساعة ، كأنه قال : ويوم يقول للخلق موتوا فيموتون ، وقوموا فيقومون ، { قَوْلُهُ الْحَقُّ } ، أي : الصدق الواقع لا محالة ، يريد أن ما وعده حق كائن ، { وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } ، يعني ملك الملوك يومئذ زائل ، كقوله { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ، وكما قال : { وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } ، والأمر لله في كل وقت ، ولكن لا أمر في ذلك اليوم لأحد مع أمر الله ، والصور : قرن ينفخ فيه ، قال مجاهد : كهيئة البوق ، وقيل : هو بلغة أهل اليمن ، وقال أبو عبيدة : الصور هو الصور وهو جمع الصورة ، وهو قول الحسن ، والأول أصح ، والدليل عليه ما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : « جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما","part":2,"page":484},{"id":985,"text":"الصور؟ قال : \"قرن ينفخ فيه » (1) . قوله تعالى : { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } يعني : يعلم ما غاب عن العباد وما يشاهدونه لا يغيب عن علمه شيء ، { وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في القيامة 7 / 117 وقال حديث حسن صحيح ، والدارمي في الرقاق 2 / 325 ، وصححه الحاكم 2 / 506 ، والإمام أحمد في المسند 2 / 162 ، 192 .","part":2,"page":485},{"id":986,"text":"[74] ، قوله عز وجل : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ } ، قرأ يعقوب (آزر) بالرفع ، يعني : (آزر) ، والقراءة المعروفة بالنصب ، وهو اسم أعجمي لا ينصرف فينصب في موضع الخفض ، قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي . آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارخ أيضا ، وقال مقاتل بن حيان وغيره : آزر لقب لأبي إبراهيم ، واسمه تارخ ، وقال سليمان التيمي : هو سب وعيب ، ومعناه في كلامهم المعوج ، وقيل : معناه الشيخ الهرم بالفارسية ، وقال سعيد بن المسيب ومجاهد : آزر اسم صنم ، فعلى هذا يكون في محل النصب تقديره { أَتَتَّخِذُ } آزر إلها قوله { أَصْنَامًا آلِهَةً } ، دون الله ، { إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، أي : في خطأ بين .","part":2,"page":486},{"id":987,"text":"[75] ، { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ } أي : كما أريناه البصيرة في دينه ، والحق في خلاف قومه كذلك نريه { مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، والملكوت الملك زيدت فيه التاء للمبالغة كالجبروت والرحموت والرهبوت, قال ابن عباس : يعني خلق السماوات والأرض ، وقال مجاهد وسعيد بن جبير : يعني آيات السماوات والأرض ، وذلك أنه أقيم على صخر وكشف له عن ملكوت السماوات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين ونظر إلى مكانه في الجنة ، فذلك قوله تعالى : { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا } يعني . أريناه مكانه في الجنة ، وقال قتادة : ملكوت السماوات . الشمس والقمر والنجوم ، وملكوت الأرض . الجبال والشجر والبحار ، { وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } ، عطف على المعنى ، ومعناه : نريه ملكوت السماوات والأرض ، ليستدل به وليكون من الموقنين .","part":2,"page":487},{"id":988,"text":"[76] ، { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ } أي : دخل الليل ، يقال : جن الليل وأجن الليل ، وجنه الليل ، وأجن عليه الليل يجن جنونا وجنانا إذا أظلم وغطى كل شيء ، وجنون الليل سواده ، { رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي } اختلفوا في قوله ذلك فأجراه بعضهم على الظاهر ، وقالوا : كان إبراهيم مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله وآتاه رشده فلم يضره ذلك في حال الاستدلال ، وأيضا كان ذلك في حال طفولته قبل قيام الحجة عليه ، فلم يكن كفرا ، وأنكر الآخرون هذا القول ، وقالوا : لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد وبه عارف ، ومن كل معبود سواه بريء ، وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله وطهره واتاه رشده من قبل وأخبر عنه فقال : { إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } ، وقال : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، أفتراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبا قال : هذا ربي معتقدا؟! فهذا ما لا يكون أبدا . { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ } . وما لا يدوم .","part":2,"page":488},{"id":989,"text":"[77] ، { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا } ، طالعا ، { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي } ، وقيل : لئن لم يثبتني ربي على الهدى ، ليس أنه لم يكن مهتديا ، والأنبياء لم يزالوا يسألون الله تعالى الثبات على الإيمان { لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } أي : عن الهدى .\r[78] ، { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً } طالعة ، { قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ } أي : أكبر من الكوكب والقمر ، ولم يقل هذه مع أن الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا الطالع ، أو رده إلى المعنى ، وهو الضياء والنور ، لأنه رآه أضوأ من النجوم والقمر ، { فَلَمَّا أَفَلَتْ } ، غربت ، { قَالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }\r[79] { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .","part":2,"page":489},{"id":990,"text":"[80] ، { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } أي : خاصمه وجادله قومه في دينه ، { قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ } يقول : أتجادلونني في توحيد الله { وَقَدْ هَدَانِي } للتوحيد والحق { وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } ، وذلك أنهم قالوا له : احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بسوء من خبل أو جنون لعيبك إياها ، فقال لهم : ولا أخاف ما تشركون به ، { إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا } ، وليس هذا باستثناء من الأول بل هو استثناء منقطع ، معناه لكن إن يشأ ربي شيئا أي سوء فيكون ما شاء ، { وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } ، أي : أحاط علمه بكل شيء { أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ } .\r[81] ، { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } ، يعني الأصنام وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع ، { وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا } ، حجة وبرهانا ، وهو القاهر القادر على كل شيء ، { فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ } ، أولى { بِالْأَمْنِ } أنا وأهل ديني أم أنتم ، { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } فقال الله تعالى قاضيا بينهما :","part":2,"page":490},{"id":991,"text":"[82] ، { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } لم يخلطوا إيمانهم بشرك , { أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ }","part":2,"page":491},{"id":992,"text":"[83] ، قوله عز وجل : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ } ، حتى خصمهم وغلبهم بالحجة { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } ، بالعلم . قرأ أهل الكوفة ويعقوب ( درجات ) بالتنوين ها هنا وفي سورة يوسف ، أي : نرفع درجات من نشاء بالعلم والفهم والفضيلة والعقل ، كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى وحاج قومه في التوحيد ، { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } .\r[84] ، { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا } ، ووفقنا وأرشدنا .","part":2,"page":492},{"id":993,"text":"{ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ } أي : من قبل إبراهيم ، { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ } ، أي : من ذرية نوح عليه السلام ، ولم يرد من ذرية إبراهيم ، لأنه ذكر في جملتهم يونس ولوطا ولم يكونا من ذرية إبراهيم ، دَاوُدَ ، هو داود بن أيشا ، وَسُلَيْمَانَ ، يعني ابنه وَأَيُّوبَ ، وهو أيوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ، وَيُوسُفَ ، هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام ، وَمُوسَى ، وهو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وَهَارُونَ ، هو أخو موسى أكبر منه بسنة ، { وَكَذَلِكَ } ، أي : كما جزينا إبراهيم على توحيده بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء كذلك { نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } ، على إحسانهم ، وليس ذكرهم على ترتيب أزمانهم .","part":2,"page":493},{"id":994,"text":"[85] ، وَزَكَرِيَّا ، هو زكريا بن اذن ، وَيَحْيَى ، وهو ابنه ، وَعِيسَى ، وهو ابن مريم بنت عمران ، وَإِلْيَاسَ ، واختلفوا فيه ، قال ابن مسعود : هو إدريس وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل ، والصحيح أنه غيره لأن الله تعالى ذكره في ولد نوح ، وإدريس جد أبي نوح ، وهو إلياس بن بشير ابن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران { كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ } .\r[86] ، { وَإِسْمَاعِيلَ } ، وهو ولد إبراهيم ، { وَالْيَسَعَ } ، وهو ابن أخطوب بن العجوز . وقرأ حمزة والكسائي ( واليسع ) بتشديد اللام وسكون الياء هنا وفي ص { وَيُونُسَ } وهو يونس بن متى ، { وَلُوطًا } ، وهو لوط بن هاران بن أخي إبراهيم ، { وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ } ، أي : عالمي زمانهم .\r[87] { وَمِنْ آبَائِهِمْ } ، من فيه للتبعيض ، لأن آباء بعضهم كانوا مشركين ، { وَذُرِّيَّاتِهِمْ } ، أي : ومن ذرياتهم وأراد بعضهم ، لأن عيسى ويحيى لم يكن لهما ولد ، وكان في ذرية بعضهم من كان كافرا { وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ } ، اخترناهم واصطفيناهم ، { وَهَدَيْنَاهُمْ } ، أرشدناهم ، { إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }","part":2,"page":494},{"id":995,"text":"[88] ، { ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ } ، دين الله ، { يَهْدِي بِهِ } ، يرشد به ، { مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا } ، أي : هؤلاء الذين سميناهم ، { لَحَبِطَ } ، لبطل وذهب ، { عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\r[89] ، { أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } ، أي : الكتب المنزلة- عليهم ، { وَالْحُكْمَ } يعني : العلم والفقه ، { وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ } ، يعني : أهل مكة ، { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ } يعني : الأنصار وأهل المدينة قاله ابن عباس ومجاهد ، وقال قتادة : فإن يكفر بها هؤلاء الكفار فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ، يعني : الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله ها هنا ، وقال أبو رجاء العطاردي : معناه : فإن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء وهم الملائكة قوما ليسوا بها بكافرين .","part":2,"page":495},{"id":996,"text":"[90] ، { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ } ، أي : هداهم الله ، { فَبِهُدَاهُمُ } ، فبسنتهم وسيرتهم ، { اقْتَدِهِ } ، الهاء فيها هاء الوقف ، وحذف حمزة والكسائي ويعقوب الهاء في الوصل ، والباقون بإثباتها وصلا ووقفا ، وقرأ ابن عامر : (اقتده) بإشباع الهاء كسرا { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ } ، ما هو ، { إِلَّا ذِكْرَى } ، أي : تذكرة وموعظة ، { لِلْعَالَمِينَ } .","part":2,"page":496},{"id":997,"text":"[91] ، { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ، أي : ما عظموه حق عظمته ، وقيل : ما وصفوه حق وصفه ، { إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : « قالت اليهود : يا محمد أنزل الله عليك كتابا ، قال : نعم ، قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتابا ، فأنزل الله : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ }»{ شَيْءٍ } ، قال الله تعالى : { قُلْ } ، لهم ، { مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ } ، يعني التوراة ، { تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا } ، أي : تكتبون عنه دفاتر وكتبا مقطعة { تُبْدُونَهَا } ، أي : تبدون ما تحبون وتخفون كثيرا من نعت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآية الرجم { وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا } ، الأكثرون على أنها خطاب لليهود ، يقول : علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا { أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ } ، قال الحسن : جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه ولم ينتفعوا","part":2,"page":497},{"id":998,"text":"به ، وقال مجاهد : هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، { قُلِ اللَّهُ } ، هذا راجع إلى قوله { قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى } ، فإن أجابوك وإلا فقل أنت . (الله) ، أي : قل أنزله الله ، { ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ }\r[92] ، { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ } ، أي : القرآن كتاب مبارك أنزلناه { مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ } ، يا محمد ، قرأ أبو بكر عن عاصم (ولينذر) بالياء أي : ولينذر الكتاب ، { أُمَّ الْقُرَى } ، يعني : مكة سميت أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها ، فهي أصل الأرض كلها كالأم أصل النسل ، وأراد أهل أم القرى { وَمَنْ حَوْلَهَا } ، أي : أهل الأرض كلها شرقا وغربا ، { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ } ، بالكتاب ، { وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ } ، يعني : الصلوات الخمس ، { يُحَافِظُونَ } ، يداومون ، يعني المؤمنين .","part":2,"page":498},{"id":999,"text":"[93] ، قوله عز وجل : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى } ، اختلق { عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ، فزعم أن الله تعالى بعثه نبيا ، { أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ } ، قال قتادة : نزلت في مسيلمة الكذاب ، وكان يسجع ويتكهن ، فادعى النبوة وزعم أن الله أوحى إليه ، وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما : « أتشهدان أن مسيلمة نبي؟ قالا : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما » (1) . { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } , قيل : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان إذا أملى عليه سميعا بصيرا كتب عليما حكيما, وإذا قال : عليما حكيما كتب غفورا رحيما, فلما نزلت : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ } [المؤمنون : آية 12] أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان , فقال : تبارك الله أحسن الخالقين, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتبها فهكذا نزلت , فشك عبد الله , وقال :\r_________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي باب وفد بني حنيفة 8 / 89, ومسلم في الرؤيا رقم (2274) 4 / 1781, والمصنف في شرح السنة 12 / 252 .","part":2,"page":499},{"id":1000,"text":"لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي كما أوحي إليه, فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ، ثم رجع عبد الله إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران . وقال ابن عباس . قوله { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } ، يريد المستهزئين وهو جواب لقولهم : { لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا } . قوله عز وجل : { وَلَوْ تَرَى } ، يا محمد { إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ } سكراته وهي جمع غمرة وغمرة كل شيء معظمه وأصله الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها ، ثم وضعت في موضع الشدائد- والمكاره ، { وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ } ، بالعذاب والضرب يضربون وجوههم وأدبارهم ، وقيل . بقبض الأرواح ، { أَخْرِجُوا } ، أي : يقولون أخرجوا { أَنْفُسَكُمُ } ، أي : أرواحكم كرها لأن نفس المؤمن تنشط للقاء ربه ، والجواب محذوف ، يعني لو تراهم في هذه الحال لرأيت عجبا ، { الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } ، أي : الهوان ، { بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } ، تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه .","part":2,"page":500},{"id":1001,"text":"[94] ، { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى } ، هذا خبر من الله أنه يقول للكفار يوم القيامة : ولقد جئتمونا فرادى وحدانا ، لا مال معكم ولا ولد ولا خدم ، وفرادى جمع فردان ، مثل سكران وسكارى ، وكسلان وكسالى ، وقرأ الأعرج فردى بغير ألف مثل سكارى ، { كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } ، عراة حفاة غرلا, { وَتَرَكْتُمْ } ، وخلفتم { مَا خَوَّلْنَاكُمْ } ، أعطينايهم من الأموال والأولاد والخدم ، { وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } ، في الدنيا ، { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } ، وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده ، { لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } ، قرأ أهل المدينة والكسائي وحفص عن عاصم بنصب النون على معنى لقد تقطع ما بينكم من الوصل ، أو تقطع الأمر بينكم برفع النون ، أي : لقد تقطع وصلكم وذلك مثل قوله : { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ } ، أي : الوصلات والبين من الأضداد وصلا ويكون هجرا, { وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ }","part":3,"page":1},{"id":1002,"text":"[95] قوله عز وجل : { إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى } , الفلق الشق, قال الحسن وقتادة والسدي : معناه يشق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة فيخرجها منها , والحب جمع الحبة ، وهي اسم لجميع البذور والحبوب من البر والشعير والذرة , وكل ما لم يكن له نوى , وقال الزجاج : يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج منهما ورقا أخضر, وقال مجاهد : يعني الشقين اللذين فيهما, أي : يشق الحب عن النبات ويخرجه منه ويشق النوى عن النخل ويخرجها منه, والنوى جمع النواة وهي كل ما لم يكن له حب , كالتمر والمشمش والخوخ ونحوها, وقال الضحاك : فالق الحب والنوى يعني : خالق الحب والنوى, { يُخْرِجُ } , { الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } تصرفون عن الحق .","part":3,"page":2},{"id":1003,"text":"[96] { فَالِقُ الْإِصْبَاحِ } شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وكاشفه ، وقال الضحاك : خالق النهار ، والإصباح مصدر كالإقبال والإدبار وهو الإضاءة وأراد به الصبح وهو أول ما يبدو من النهار ، يريد ومبدي الصبح وموضحه ، { وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا } ، يسكن فيه خلقه . وقرأ أهل الكوفة : ( وجعل ) على الماضي ، ( الليل ) ، نصب اتباعا للمصحف ، وقرأ إبراهيم النخعي (فلق الإصباح) ، { وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا } ، { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا } ، أي : جعل الشمس والقمر بحساب معلوم لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما ، والحسبان مصدر كالسحاب ، وقيل : جمع حساب ، { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } .","part":3,"page":3},{"id":1004,"text":"[97] ، قوله عز وجل : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ } أي : خلقها لكم ، { لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } ، والله تعالى خلق النجوم لفوائد ، أحدها : هذا وهو أن راكب السفينة والسائر في القفار يهتدي بها في الليالي إلى مقاصده ، والثاني : أنها زينة للسماء كما قال { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } ، ومنها رمي الشيطان ، كما قال : { وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ } ، { قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .","part":3,"page":4},{"id":1005,"text":"[98] ، { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ } ، خلقكم وابتدأكم { مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } ، يعني : آدم عليه السلام ، { فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة (فمستقر) بكسر القاف ، يعني : فمنكم مستقر ومنكم مستودع ، وقرأ الآخرون بفتح القاف ، أي : فلكم مستقر ومستودع ، واختلفوا في المستقر والمستودع فقال عبد الله بن مسعود : فمستقر في الرحم إلى أن يولد ، ومستودع في القبر إلى أن يبعث ، وقال سعيد بن جبير وعطاء : فمستقر في أرحام الأمهات ومستودع في أصلاب الآباء ، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس ، قال سعيد بن جبير : قال لي ابن عباس : هل تزوجت؟ قلت : لا ، قال : أما إنه ما كان مستودعا في ظهرك فسيخرجه الله عز وجل . وروي عن أبي أنه قال : مستقر في أصلاب الآباء ، ومستودع في أرحام الأمهات ، وقيل : مستقر في الرحم ومستودع فوق الأرض ، قال الله تعالى : { وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ } وقال مجاهد : مستقر على ظهر الأرض في الدنيا ومستودع عند الله في الآخرة ، ويدل عليه قوله تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } ، وقال الحسن : المستقر في القبر والمستودع في الدنيا","part":3,"page":5},{"id":1006,"text":"، وكان يقول : يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبك ، وقيل : المستودع القبر والمستقر الجنة والنار ، لقوله عز وجل في صفة أهل الجنة : { حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } ، وفي صفة أهل النار : { سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا }{ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } .","part":3,"page":6},{"id":1007,"text":"[99] ، { وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ } ، أي : بالماء ، { نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ } ، من الماء ، وقيل : من النبات ، { خَضِرًا } ، يعني : أخضر ، مثل العور والأعور ، يعني : ما كان رطبا أخضر مما ينبت من القمح والشعير ونحوهما ، { نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا } ، أي : متراكبا بعضه على بعض ، مثل سنابل البر والشعير والأرز وسائر الحبوب ، { وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا } ، والطلع أول ما يخرج من ثمر النخل ، { قِنْوَانٌ } ، جمع قنو وهو العذق ، مثل صنو وصنوان ولا نظير لهما في الكلام ، { دَانِيَةٌ } ، أي : قريبة المتناول ينالها القائم والقاعد ، وقال مجاهد : متدلية ، وقال الضحاك : قصار ملتزمة بالأرض ، وفيه اختصار معناه : ومن النخل ما قنوانها دانية ومنها ما هي بعيدة ، فاكتفي بذكر القريبة عن البعيدة لسبقه إلى الأفهام ، كقوله تعالى : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ } يعني : الحر والبرد فاكتفي بذكر أحدهما ، { وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ } ، أي : وأخرجنا منه جنات ، وقرأ الأعمش عن عاصم (وجنات) بالرفع نسقا على قوله { قِنْوَانٌ } وعامة القراء","part":3,"page":7},{"id":1008,"text":"على خلافه ، { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ } ، يعني : وشجر الزيتون وشجر الرمان ، { مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } ، قال قتادة : معناه مشتبها ورقها مختلفا ثمرها ، لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان ، وقيل : مشتبه في المنظر مختلف في الطعم ، { انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ } ، قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم ، هذا وما بعده وفي يس على جمع الثمار ، وقرأ الآخرون بفتحهما على جمع الثمرة مثل بقرة وبقر ، { إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } ، ونضجه وإدراكه ، { إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .","part":3,"page":8},{"id":1009,"text":"[100] ، قوله عز وجل : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ } يعني : الكافرين جعلوا لله الجن شركاء ، { وَخَلَقَهُمْ } ، يعني : وهو خلق الجن ، قال الكلبي : نزلت في الزنادقة أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق ، فقالوا : الله خالق النور والناس والدواب والأنعام ، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب ، وهذا كقوله : { وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا } ، وإبليس من الجن ، { وَخَرَقُوا } بتشديد الراء على التكثير ، وقرأ الآخرون بالتخفيف ، أي : اختلقوا { لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، وذلك مثل قول اليهود عزير ابن الله ، وقول النصارى المسيح ابن الله ، وقول كفار مكة الملائكة بنات الله ، ثم نزه نفسه فقال : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } ،\r[101] { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي : مبدعهما لا على مثال سبق ، { أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } أي : كيف يكون له ولد؟ { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ } ، زوجة ، { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }","part":3,"page":9},{"id":1010,"text":"[102] ، { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ } ، فأطيعوه ، { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } بالحفظ له والتدبير .","part":3,"page":10},{"id":1011,"text":"[103] { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ } ، يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله عز وجل عيانا ، ومذهب أهل السنة إثبات رؤية الله عز وجل عيانا : قال الله تعالى : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ } . { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } ، وقال : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } قال مالك رضي الله عنه : لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب؟ وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } ، وفسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل . وعن جرير بن عبد الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنكم سترون ربكم عيانا » (1) وأما قوله : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } ، فاعلم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والاحاطة به ، والرؤية : المعاينة ، وقد تكون الرؤية بلا إدراك ، قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام : { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } . { قَالَ كَلَّا } . وقال : { لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى } ، فنفي الإدراك\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 597 وفي التوحيد ، ومسلم في المساجد رقم (633) 1 / 439 والمصنف في شرح السنة 2 / 224 .","part":3,"page":11},{"id":1012,"text":"مع إثبات الرؤية ، فالله عز وجل يجوز أن يرى من غير إدراك وإحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به ، قال الله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ، فنفي الإحاطة مع ثبوت العلم ، قال سعيد بن المسيب : لا تحيط به الأبصار ، وقال عطاء : كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به ، وقال ابن عباس ومقاتل : لا تدركه الأبصار في الدنيا ، وهو يرى في الآخرة ، قوله : { وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ } ، أي : لا يخفي على الله شيء ولا يفوته ، { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : اللطيف بأوليائه الخبير بهم ، وقال الزهري معنى ( اللطيف ) الرفيق بعباده ، وقيل : اللطيف الموصل الشيء باللين والرفق ، وقيل : اللطيف الذي ينسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا ، وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء .","part":3,"page":12},{"id":1013,"text":"[104] ، قوله عز وجل : { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ } يعني : الحجج البينة التي تبصرون بها الهدي من الضلالة والحق من الباطل ، { فَمَنْ أَبْصَرَ } أي : فمن عرفها وآمن بها { فَلِنَفْسِهِ } ، عمله ونفعه له ، { وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا } ، أي : من عمي عنها فلم يعرفها ولم يصدقها فعليها ، أي : بنفسه ضر ، ووبال العمى عليه ، { وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } ، برقيب أحصي عليكم أعمالكم ، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفي عليه شيء من أفعالكم .","part":3,"page":13},{"id":1014,"text":"[105] { وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ } ، نفصلها ونبينها في كل وجه ، { وَلِيَقُولُوا } ، قيل : معناه لئلا يقولوا { دَرَسْتَ } ، وقيل : اللام لام العاقبة أي : عاقبة أمرهم أن يقولوا : درست ، أي قرأت على غيرك ، وقيل : قرأت كتب أهل الكتاب ، كقوله تعالى : { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } ، ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لذلك ، ولكن أراد أن عاقبة أمرهم أن كان عدوا لهم ، قال ابن عباس : ( وليقولوا ) يعني : أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن ( دَرَسْتَ) أي : تعلمت من يسار وجبر كانا عبدين من سبي الروم ، ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله ، من قولهم درست الكتاب أدرس درسا ودراسة ، وقال الفراء رحمه الله : يقولون تعلمت من اليهود ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : (دارست) ، بالألف ، بفتح السين وسكون التاء ، أي : هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة ، قد درست وانمحت ، من قولهم درس الأثر يدرس دروسا . { وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي : القرآن ، وقيل : نصرف الآيات لقوم يعلمون ، قال ابن عباس : يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد ، وقيل : يعني أن تصريف الآيات ليشقى بها قوم","part":3,"page":14},{"id":1015,"text":"ويسعد بها قوم آخرون ، فمن قال درست فهو شقي ومن تبين له الحق فهو سعيد .\r[106] ، { اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } ، يعني : القرآن اعمل به ، { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } ، فلا تجادلهم .\r[107] ، { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا } أي : ولو شاء لجعلهم مؤمنين ، { وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } ، رقيبا قال عطاء : وما جعلناك حفيظا تمنعهم مني ، أي : لم تبعث لتحفظ المشركين من العذاب إنما بعثت مبلغا { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } .","part":3,"page":15},{"id":1016,"text":"[108] { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } الآية ، قال ابن عباس : لما نزلت : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } قال المشركون : يا محمد لتنتهين عن سبب آلهتنا أو لنهجون ربك ، فنهاهم الله تعالى أن يسبوا أوثانهم ، وقال قتادة : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار ، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك ، لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، يعني : الأوثان ، { فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا } ، أي : اعتداء وظلما ، { بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، قرأ يعقوب (عدوا) بضم العين والدال وتشديد الواو ، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : « لا تسبوا ربكم » ، فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم . وظاهر الآية وإن كان نهيا عن سب الأصنام فحقيقته النهي عن سب الله تعالى ، لأنه سبب لذلك ، { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } ، أي : كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان ، كذلك زينا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية ، { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ","part":3,"page":16},{"id":1017,"text":"فَيُنَبِّئُهُمْ } , ويجازيهم { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .","part":3,"page":17},{"id":1018,"text":"[109] ، قوله عز وجل : { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } أي : حلفوا بالله جهد أيمانهم ، أي : بجهد أيمانهم ، يعني أوكد ما قدروا عليه من الإيمان وأشدها ، قال الكلبي ومجاهد : إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه ، { لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ } ، كما جاءت من قبلهم من الأمم ، { لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ } ، يا محمد ، { إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ } ، والله قادر على إنزالها ، { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } ، وما يدريكم ، واختلفوا في المخاطبين بقوله { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } ، فقال بعضهم : الخطاب للمشركين الذي أقسموا ، وقال بعضهم : الخطاب للمؤمنين ، وقوله تعالى : { أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر عن عاصم (إنها) بكسر الألف على الابتداء ، وقالوا : تم الكلام عند قوله { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } ، ثم من جعل الخطاب للمشركين قال معناه : وما يشعركم أيها المشركون أنها لو جاءت آمنتم؟ ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه : وما يشعركم أيها المؤمنون أنها لو جاءت آمنوا ؟ لأن المسلمين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله حتى يريهم ما اقترحوا حتى","part":3,"page":18},{"id":1019,"text":"يؤمنوا فخاطبهم بقوله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } ثم ابتدأ فقال جل ذكره : { أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } ، وهذا في قوم مخصوصين حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وقرأ الآخرون أنها بفتح الألف وجعلوا الخطاب للمؤمنين ، واختلفوا في قوله : ( لا يؤمنون ) ، فقال الكسائي : (لا) صلة ، ومعنى الآية : وما يشعركم أيها المؤمنون إذا جاءت أن المشركين يؤمنون؟ كقوله : { وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } أي : يرجعون وقيل : إنها بمعنى لعل ، وكذلك هو في قراءة أبي ، تقول العرب : اذهب إلى السوق أنك تشتري شيئا ، أي : لعلك وقيل : فيه حذف وتقديره : وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون أو لا يؤمنون ؟ وقرأ ابن عامر وحمزة ( لا يؤمنون ) ، بالتاء على الخطاب للكفار واعتبروا بقراءة أبي : إذا جاءتكم لا تؤمنون ، وقرأ الآخرون بالياء على الخبر ، ودليلها قراءة الأعمش : أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون .","part":3,"page":19},{"id":1020,"text":"[110] ، { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } ، قال ابن عباس : يعني ونحول بينهم وبين الإيمان ، فلو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا به أول مرة ، أي : كما لم يؤمنوا بما قبلها من الآيات من انشقاق القمر وغيره ، وقيل : كما لم يؤمنوا به أول مرة ، يعني : معجزات موسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام ، كقوله تعالى : { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } ، وفي الآية محذوف تقديره فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : المرة الأولى دار الدنيا ، يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم ، كما قال : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ } . { وَنَذَرُهُمْ فِي }{ طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } قال عطاء : نخذلهم وندعهم في ضلالتهم يتمادون .","part":3,"page":20},{"id":1021,"text":"[111] { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ } ، فرأوهم عيانا { وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى } بإحيائنا إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا ، { وَحَشَرْنَا } ، وجمعنا ، { عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا } ، قرأ أهل المدينة وابن عامر (قبلا) بكسر القاف وفتح الباء ، أي : معاينة ، وقرأ الآخرون بضم القاف والباء ، قيل : هو جمع قبيل ، وهو الكفيل ، مثل رغيف ورغف ، وقضيب وقضب ، أي : ضمناء وكفلاء ، وقيل : هو جمع قبيل وهو القبيلة ، أي : فوجا ، وقيل : هو بمعنى المقابلة والمواجهة ، من قولهم : أتيتك قبلا لا دبرا إذا أتاه من قبل وجهه . { مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } ، ذلك ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } .","part":3,"page":21},{"id":1022,"text":"[112] { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا } ، أي : أعداء . فيه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم ، يعني كما ابتليناك بهؤلاء القوم ، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء ، ثم فسرها فقال : { شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ } ، قال عكرمة والضحاك والسدي والكلبي : معناه شياطين الإنس التي مع الإنس ، وشياطين الجن التي مع الجن ، وليس للإنس شياطين ، وذلك أن إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الإنس وفريقا منهم إلى الجن ، وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه ، وهم يلتقون في كل حين ، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن : أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله ، ويقول شياطين الجن لشياطين الإنس كذلك ، فذلك وحي بعضهم إلى بعض ، قال قتادة ومجاهد والحسن : إن من الإنس شياطين كما أن من الجن شياطين ، والشيطان : العاتي المتمرد من كل شيء ، قالوا : إن الشيطان إذا أعياه المؤمن وعجز من إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه وقال مالك بن دينار : إن شياطين الإنس أشد عليّ من شياطين الجن ، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شياطين الجن ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى","part":3,"page":22},{"id":1023,"text":"المعاصي عيانا . قوله تعالى : { يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } ، أي : يلقي ، { زُخْرُفَ الْقَوْلِ } ، وهو قول مموه مزين مزخرف بالباطل لا معنى تحته ، { غُرُورًا } ، يعني : لهؤلاء الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم ، ويغرونهم غرورا ، والغرور : القول الباطل ، { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } ، أي : ما ألقوه من الوسوسة في القلوب ، { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } .\r[113] { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } ، أي : تميل إليه ، والصغو : الميل ، يقال : صغو فلان معك ، أي : ميله ، والفعل منه : صغى يصغي صغا وصغى ويصغى ، ويصغو صغوا ، والهاء راجعة إلى زخرف القول ، { وَلِيَرْضَوْهُ }{ وَلِيَقْتَرِفُوا } ليكتسبوا ، { مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } ، يقال : اقترف فلان مالا إذا اكتسبه ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } ، وقال الزجاج : أي : ليعملوا من الذنوب ما هم عاملون .","part":3,"page":23},{"id":1024,"text":"[114] قوله عز وجل : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ } ، فيه إضمار أي : قل لهم يا محمد أفغير الله ، { أَبْتَغِي } ، أطلب { حَكَمًا } قاضيا بيني وبينكم ، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعل بيننا وبينك حكما فأجابهم به ، { وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا } ، مبينا فيه أمره ونهيه ، يعني : القرآن ، وقيل : مفصلا أي خمسا خمسا وعشرا عشرا ، كما قال : { لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } ، { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } ، يعني : علماء اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل ، وقيل : هم مؤمنو أهل الكتاب ، وقال عطاء : هم رءوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد من الكتاب هو القرآن ، { يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ } ، يعني : القرآن ، قرأ ابن عامر وحفص : ( منزل ) ، بالتشديد من التنزيل لأنه انزل نجوما متفرقة ، وقرأ الآخرون بالتخفيف من الإنزال ، لقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ } ، { مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } من الشاكين أنهم يعلمون ذلك .","part":3,"page":24},{"id":1025,"text":"[115] قوله عز وجل : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ } ، قرأ أهل الكوفة ويعقوب (كلمة) على التوحيد ، وقرأ الآخرون (كلمات) بالجمع ، وأراد بالكلمات أمره ونهيه ووعده ووعيده ، { صِدْقًا وَعَدْلًا } ، أي : صدقا في الوعد والوعيد ، وعدلا في الأمر والنهي ، قال قتادة ومقاتل : صادقا فيما وعد وعدلا فيما حكم . { لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } ، قال ابن عباس : لا راد لقضائه ولا مغير لحكمه ولا خلف لوعده ، { وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ، قيل : أراد بالكلمات القرآن لا مبدل له ، يريد لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون .","part":3,"page":25},{"id":1026,"text":"[116] { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، عن دين الله ، وذلك أن أكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة ، وقيل : أراد أنهم جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة ، وقالوا : أتأكلون ما تقتلون ولا تأكلون ما قتله الله عز وجل؟ فقال : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ } ، أي : وإن تطعهم في أكل الميتة { يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ } ، يريد أن دينهم الذي هم عليه ظن وهوى لم يأخذوه عن بصيرة ، { وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } ، يكذبون .\r[117] { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ } ، قيل : موضع (من) نصب بنزع حرف الصفة ، أي : بمن يضل ، وقال الزجاج : موضعه رفع بالابتداء ، ولفظها لفظ الاستفهام ، والمعنى : إن ربك هو أعلم أي الناس من يضل عن سبيله ، { وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } ، أخبر أنه أعلم بالفريقين الضالين والمهتدين فيجازي كلا بما يستحقون .","part":3,"page":26},{"id":1027,"text":"[118] قوله تعالى : { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } ، أي : كلوا مما ذبح على اسم الله ، { إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ } ، وذلك أنهم كانوا يحرمون أصنافا من النعم ويحلون الأموات ، فقيل لهم : أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله .","part":3,"page":27},{"id":1028,"text":"[119] ثم قال : { وَمَا لَكُمْ } يعني : أي شيء لكم ، { أَلَّا تَأْكُلُوا } ، وما يمنعكم من أن تأكلوا { مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } ، من الذبائح ، { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } ، قرأ أهل المدينة ويعقوب وحفص (فصل) ، و(حرم) بالفتح فيهما أي فصل الله ما حرمه عليكم ، لقوله ( اسم الله ) وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وأبو عمرو بضم الفاء والحاء وكسر الصاد والراء على غير تسمية الفاعل ، لقوله (ذكر) وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالفتح (فصل) ، و(حرم) بالضم ، وأراد بتفصيل المحرمات ما ذكرت في قوله تعالى : { حُرِّمَتْ }{ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ } ، { إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } من هذه الأشياء فإنه حلال لكم عند الاضطرار ، { وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ } ، قرأ أهل الكوفة بضم الياء وكذلك قوله (ليضلوا) في سورة يونس ، لقوله تعالى : { يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، وقيل : أراد به عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين الذين اتخذوا البحائر والسوائب ، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله : ( من يضل ) ، { بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، حين امتنعوا من أكل ما ذكر اسم","part":3,"page":28},{"id":1029,"text":"الله عليه ودعوا إلى أكل الميتة ، { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ } ، الذين يجاوزون الحلال إلى الحرام .\r[120] { وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } ، يعني : الذنوب كلها لأنها لا تخلو من هذين الوجهين ، قال قتادة : علانيته وسره ، وقال مجاهد : ظاهره ما يعمله الإنسان بالجوارح من الذنوب ، وباطنه ما ينويه ويقصده بقلبه كالمصر على الذنب القاصد له ، قال الكلبي : ظاهره الزنا وباطنه المخالفة ، وأكثر المفسرين على أن ظاهر الإثم الإعلان بالزنا ، وهم أصحاب الروايات ، وباطنه الاستمرار به ، وذلك أن العرب كانوا يحبون الزنا وكان الشريف منهم يتشرف فيسره ، وغير الشريف لا يبالي به فيظهره ، فحرمهما الله عز وجل ، وقال سعيد بن جبير : ظاهر الإثم نكاح المحارم وباطنه الزنا ، وقال ابن زيد : إن ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في الطواف والباطن الزنا ، وروى حيان عن الكلبي : ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهارا عراة ، وباطنه طواف النساء بالليل عراة ، { إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ } ، في الآخرة ، { بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ } ، يكتسبون في الدنيا .","part":3,"page":29},{"id":1030,"text":"[121] قوله عز وجل : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما : الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها . وقال عطاء : الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } ، والفسق في ذكر اسم غير الله كما قال في آخر السورة { لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ } إلى قوله { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } ، { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } ، أراد أن الشياطين ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم ، وذلك أن المشركين قالوا : يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال : الله قتلها ، قالوا أفتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال ، وما قتله الكلب والصقر والفهد حلال ، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله هذه الآية ، { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } ، في أكل الميتة ، { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } ، قال الزجاج : وفيه دليل على أن من أحل شيئا مما حرم الله أو حرم ما أحل الله فهو مشرك .","part":3,"page":30},{"id":1031,"text":"[122] قوله : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } ، قرأ نافع ( ميتا ) و( لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ) و( الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا ) بالتشديد فيهن ، وقرأ الآخرون بالتخفيف (فأحييناه) أي : كان ضالا فهديناه ، كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان ، { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا } ، يستضيء به ، { يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ } ، على قصد السبيل ، قيل : النور هو الإسلام ، لقوله تعالى { يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } ، وقال قتادة : هو كتاب الله بينة من الله مع المؤمن ، بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي ، ؟ { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ } ، المثل صلة ، أي كمن هو في الظلمات ، { لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } يعني : من ظلمة الكفر { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، من الكفر والمعصية . قال ابن عباس : يريد زين لهم الشيطان عبادة الأصنام .","part":3,"page":31},{"id":1032,"text":"[123] قوله عز وجل : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا } ، أي : كما أن فساق مكة أكابرها ، كذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها ، أي : عظماءها ، جمع أكبر ، مثل أفضل وأفاضل ، وأسود وأساود ، وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم ، كما قال في قصة نوح عليه السلام : { أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ } ، وجعل فساقهم أكابرهم ، { لِيَمْكُرُوا فِيهَا } ، وذلك أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، يقولون لكل من يقدم : إياك وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب ، { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ } ، لأن وبال مكرهم يعود عليهم ، { وَمَا يَشْعُرُونَ } ، أنه كذلك .","part":3,"page":32},{"id":1033,"text":"[124] قوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ } ، يعني : مثل ما أوتي رسل الله من النبوة ، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال : لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك ، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل ، وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إنا صرنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يوحى إليه ، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فأنزل الله عز وجل : { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ } ، حجة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : يعني أبا جهل ، { لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ } ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . ثم قال الله تعالى : { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } ، قرأ ابن كثير وحفص ( رسالته ) على التوحيد ، وقرأ الآخرون (رسالاته) بالجمع ، يعني الله أعلم بمن هو أحق بالرسالة . { سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ } وهوان ، { عِنْدَ اللَّهِ } ، أي : من عند الله ، { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا","part":3,"page":33},{"id":1034,"text":"كَانُوا يَمْكُرُونَ } ، قيل : صغار في الدنيا وعذاب شديد في الآخرة .","part":3,"page":34},{"id":1035,"text":"[125] قوله عز وجل : { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ } ، أي : يفتح قلبه وينوره حتى يقبل الإسلام { وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا } ، قرأ ابن كثير (ضيقا) ، بالتخفيف ها هنا وفي الفرقان ، والباقون بالتشديد ، وهما لغتان مثل : هين وهين ولين ولين ، { حَرَجًا } ، قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الراء والباقون بفتحها ، وهما لغتان أيضا مثل : الدنف والدنف ، والمصدر كالطلب ومعناه ذا حرج ، وبالكسر الاسم وهو أشد الضيق ، يعنى يجعل قلبه ضيقا حتى لا يدخله الإيمان . وقال الكلبي : ليس للخير فيه منفذ . قال ابن عباس : إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه ، وإذا ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } ، وقرأ ابن كثير : (يصعد) بالتخفيف وسكون الصاد ، وقرأ أبو بكر عن عاصم (يصاعد) بالألف ، أي يتصاعد ، وقرأ الآخرون (يصعد) بتشديد الصاد والعين ، أي : يتصعد ، يعني : يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء . وأصل الصعود المشقة ، ومنه قوله تعالى : { سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا } أي : عقبة شاقة . { كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ }{","part":3,"page":35},{"id":1036,"text":"الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ } قال ابن عباس : الرجس هو الشيطان ، أي : يسلط عليه ، وقال الكلبي : هو المأثم ، وقال مجاهد : الرجس ما لا خير فيه . وقال عطاء : الرجس العذاب مثل الرجز . وقيل : هو النجس . روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال : « اللهم إني أعوذ بك من الرجس والنجس » (1) . وقال الزجاج : الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة .\r[126] قوله عز وجل : { وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا } أي : هذا الذي بينا . وقيل : هذا الذي أنت عليه يا محمد طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه مستقيما لا عوج فيه وهو الإسلام . { قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه ابن ماجه في الطهارة رقم (299) 1 / 109 وقال في الزوائد إسناده ضعيف والذي في الصحيحين (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) .","part":3,"page":36},{"id":1037,"text":"[127] { لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ } ، يعني : الجنة . قال أكثر المفسرين : السلام هو الله وداره الجنة وقيل : السلام هو السلامة ، أي : لهم دار السلامة من الآفات ، وهي الجنة . وسميت دار السلام لأن كل من دخلها سلم من البلايا والرزايا ، وقيل : سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلام ، فقال في الابتداء : { ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ } ، وقال : { وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ }{ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } ، وقال : { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا } . { إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا } ، وقال : { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ } ، وقال : { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } . { وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، قال الحسين بن الفضل : يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء .","part":3,"page":37},{"id":1038,"text":"[128] قوله عز وجل : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } ، قرأ حفص : ( يحشرهم ) ، بالياء { جَمِيعًا } ، يعني الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول : { يا مَعْشَرَ الْجِنِّ } ، والمراد بالجن : الشياطين ، { قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ } أي : استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء أي : أضللتم كثيرا ، { وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ } يعني : أولياء الشياطين الذين أطاعوهم من الإنس ، { رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } ، قال الكلبي : استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قفر وخاف على نفسه من الجن قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت في جوارهم ، وأما استمتاع الجن بالإنس : هو أنهم قالوا قد سدنا الإنس مع الجن ، حتى عاذوا بنا . فيزدادون شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم ، وهذا كقوله تعالى { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } وقيل : استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها ، حتى يسهل فعلها عليهم ، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم","part":3,"page":38},{"id":1039,"text":"فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي . قال محمد بن كعب : هو طاعة بعضهم بعضا وموافقة بعضهم لبعض ، { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا } ، يعني : القيامة والبعث ، { قَالَ } الله تعالى : { النَّارُ مَثْوَاكُمْ } ، مقامكم ، { خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } ، اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله : { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ } ، قيل : أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم ، يعني : خالدون في النار إلا هذا المقدار ، وقيل : الاستثناء يرجع إلى العذاب ، وهو قوله : { النَّارُ مَثْوَاكُمْ } ، أي : خالدين في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب ، وقال ابن عباس : الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار و(ما) بمعنى (من) على هذا التأويل ، { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } ، قيل : حكيم بمن استثنى عليم بما في قلوبهم من البر والتقوى .","part":3,"page":39},{"id":1040,"text":"[129] { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } قيل : أي : كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض نولي بعض الظالمين بعضا ، أي : نسلط بعض الظالمين على بعض ، فنأخذ من الظالم بالظالم ، كما جاء : \" من أعان ظالما سلطه الله عليه \" (1) وقال قتادة : نجعل بعضهم أولياء بعض ، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان ، والكافر ولي الكافر حيث كان . وروي عن معمر عن قتادة : نتبع بعضهم بعضا في النار ، من الموالاة . وقيل : معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن ، ونولي ظلمة الجن ظلمة الإنس ، أي : نكل بعضهم إلى بعض ، كقوله تعالى : { نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى } ، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها هو أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم ، وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم .\r_________\r(1) قال في المقاصد الحسنة رواه ابن عساكر في تاريخه وفيه ابن زكريا العدوي متهم بالوضع وأورده الديلمي في الفردوس بلا إسناد . انظر كشف الخفاء 2 / 297, فيض القدير 6 / 72, تمييز الطيب من الخبيث ص177 .","part":3,"page":40},{"id":1041,"text":"[130] قوله عز وجل : { يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } ، اختلفوا في أن الجن هل أرسل إليهم منهم رسول ، فسئل الضحاك عنه ، فقال : بلى ألم تسمع الله يقول ( ألم يأتكم رسل منكم ) ، يعني بذلك رسلا من الإنس ورسلا من الجن قال مجاهد : الرسل من الإنس والنذر من الجن ، ثم قرأ { وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ } ، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا ، وليس للجن رسل ، فعلى هذا قوله ( رسل منكم ) ينصرف إلى أحد الصنفين وهم الإنس ، كما قال : { يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ } ، وإنما يخرج من الملح دون العذب { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ } ، أي : يقرءون عليكم ، { آيَاتِي } ، كتبي { وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } وهو يوم القيامة ، { قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } ، أنهم قد بلغوا ، قال مقاتل : وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر . قال الله عز وجل : { وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } ، حتى لم يؤمنوا ، { وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ } .","part":3,"page":41},{"id":1042,"text":"[131] { ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ } ، أي : ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وعذاب من كذبهم لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ، أي : لم يكن مهلكهم بظلم ، أي : بشرك من أشرك ، { وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ } ، لم ينذروا حتى نبعث إليهم رسلا ينذرونهم . وقال الكلبي : لم يهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل . وقيل : معناه لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل فيكون قد ظلمهم ، وذلك أن الله تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحدا إلا بعد وجود الذنب ، وإنما يكون مذنبا إذا أمر فلم يأتمر أو نهي فلم ينته ، وذلك يكون بعد إنذار الرسل .","part":3,"page":42},{"id":1043,"text":"[132] { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا } ، يعني في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا ، فمنهم هو أشد عذابا ومنهم من هو أجزل ثوابا ، { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } ، قرأ ابن عامر (تعملون) بالتاء والباقون بالياء .\r[133] { وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ } ، عن خلقه ، { ذُو الرَّحْمَةِ } قال ابن عباس : بأوليائه وأهل طاعته ، وقال الحلبي : بخلقه ، ذو التجاوز ، { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } ، يهلككم : وعيد لأهل مكة ، { وَيَسْتَخْلِفْ } ، ويخلف وينشئ ، { مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ } ، خلقا غيركم أمثل وأطوع . { كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } ، أي : من نسل آبائهم الماضين قرنا بعد قرن .\r[134] { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ } أي : ما توعدون من مجيء الساعة والحشر ، { لَآتٍ } ، كائن ، { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } ، أي : بفائتين ، يعني : يدرككم الموت حيث ما كنتم .","part":3,"page":43},{"id":1044,"text":"[135] { قُلْ } يا محمد { يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } ، قرأ أبو بكر عن عاصم (مكاناتكم) بالجمع حيث كان أي : على تمكنكم ، قال عطاء : على حالاتكم التي أنتم عليها . قال الزجاج : اعملوا على ما أنتم عليه . يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة . على مكانتك يا فلان ، أي : اثبت على ما أنت عليه ، وهذا أمر وعيد على المبالغة يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهم اعملوا على ما أنتم عاملون ، { إِنِّي عَامِلٌ } ، ما أمرني به ربي عز وجل : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } ، أي : الجنة ، قرأ حمزة والكسائي : (يكون) بالياء هنا وفي القصص ، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث العاقبة ، { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } ، قال ابن عباس : معناه لا يسعد من كفر بي وأشرك . قال الضحاك : لا يفوز .","part":3,"page":44},{"id":1045,"text":"[136] قوله عز وجل : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا } الآية ، كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا ، وللأوثان نصيبا ، فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين ، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها ، فإن سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا ، وإن سقط شيء من نصيب الأصنام فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان ، وقالوا : إنها محتاجة ، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به ، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام جبروه بما جعلوه لله ، فذلك قوله تعالى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ } خلق { مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا } ، وفيه اختصار مجازة : وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا . { فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ } ، قرأ الكسائي بزعمهم بضم الزاي ، والباقون بفتحها ، وهما لغتان ، وهو القول من غير حقيقة ، { وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا } ، يعني : الأوثان ، { فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ","part":3,"page":45},{"id":1046,"text":"إِلَى شُرَكَائِهِمْ } ، ومعناه : ما قلنا أنهم كانوا يتمون ما جعلوه للأوثان مما جعلوه لله ، ولا يتمون ما جعلوه لله مما جعلوه للأوثان . وقال قتادة : كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جزءوا لله وأكلوا منه فوفروا ما جزءوا لشركائهم ولم يأكلوا منه { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي : بئس ما يقضون .","part":3,"page":46},{"id":1047,"text":"[137] { وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ، أي : كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام كذلك زين لكثير من المشركين ، { قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ } ، قال مجاهد : شركاؤهم أي : شياطينهم زينوا أو حسنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة ، سميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله وأضيف الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها . وقال الحلبي : شركاؤهم سدنة آلهتهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل الأولاد ، وكان الرجل منهم يحلف لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله وقرأ ابن عامر : (زين) بضم الزاي وكسر الياء ، (قتل) رفع (أولادهم) نصب ، (شركائهم) بالخفض على التقديم فأضيف الفعل وهو القتل إلى الشركاء وإن لم يتولوا ذلك ، لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه ، فكأنهم فعلوه . قوله عز وجل : { لِيُرْدُوهُمْ } ، ليهلكوهم, { وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ } ليخلطوا عليهم { دِينَهُمْ } ، قال ابن عباس : ليدخلوا عليهم الشك في دينهم وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشياطين . { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ } ، أي : لوشاء الله لعصمهم حتى ما فعلوا ذلك من تحريم الحرث","part":3,"page":47},{"id":1048,"text":"والأنعام وقتل الأولاد ، { فَذَرْهُمْ } يا محمد ، { وَمَا يَفْتَرُونَ } ، يختلقون من الكذب ، فإن الله تعالى لهم بالمرصاد .","part":3,"page":48},{"id":1049,"text":"[138] { وَقَالُوا } يعني : المشركين, { هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } ، أي : حرام ، يعني : ما جعلوا لله ولآلهتهم من الحرث والأنعام على ما مضى ذكره . وقال مجاهد : يعني الأنعام البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، { لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ } ، يعنون الرجال دون النساء ، { وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا } يعني : الحوامي كانوا لا يركبونها ، { وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا } ، أي : يذبحونها باسم الأصنام لا باسم الله ، وقال أبو وائل : معناه لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير ، لأنه لما جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير عبر بذكر الله تعالى عن فعل الخير . { افْتِرَاءً عَلَيْهِ } ، يعني : أنهم يفعلون ذلك ويزعمون أن الله أمرهم به افتراء عليه { سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } .","part":3,"page":49},{"id":1050,"text":"[139] { وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا } ، أي : نسائنا . قال ابن عباس وقتادة والشعبي : أراد أجنة البحائر والسوائب فما ولد منها حيا فهو خالص للرجال دون النساء ، وما ولد ميتا أكله الرجال والنساء جميعا . وأدخل الهاء في (الخالصة) للتأكيد كالخاصة والعامة ، كقولهم : نسابة وعلامة ، وقال الفراء رحمه الله : أدخلت الهاء لتأنيثها . وقال الكسائي : خالص وخالصة واحد ، مثل وعظ وموعظة ، { وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً } ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر : (تكن) بالتاء (ميتة) رفع ، ذكر الفعل بعلامة التأنيث ، لأن الميتة في اللفظ مؤنثة . وقرأ أبو بكر عن عاصم (تكن) بالتاء (ميتة) نصب ، أي : وإن تكن الأجنة ميتة ، وقرأ ابن كثير : (وإن يكن) بالياء (ميتة) رفع . لأن المراد بالميتة الميت ، أي : وان يقع ما في البطون ميتا ، وقرأ الآخرون (وإن يكن) بالياء (ميتة) نصب ، رده إلى (ما) أي : وان يكن ما في البطون ميتة ، يدل عليه أنه قال : { فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ } ، ولم يقل : فيها ، وأراد أن الرجال والنساء فيه شركاء . { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } ، أي : بوصفهم ، أو على","part":3,"page":50},{"id":1051,"text":"وصفهم الكذب على الله ، { إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } .\r[140] { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ } ، قرأ ابن عامر وابن كثير (قتلوا) بتشديد التاء على التكثير ، وقرأ الآخرون بالتخفيف . { سَفَهًا } ، جهلا . { بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، نزلت في ربيعة ومضر وبعض العرب من غيرهم ، كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر ، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك . { وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ } ، يعني : البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، { افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ } ، حيث قالوا : إن الله أمرهم بها ، { قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ }","part":3,"page":51},{"id":1052,"text":"[141] قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ } ، بساتين ، { مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } ، أي : مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات . وقال ابن عباس : معروشات : ما انبسط على وجه الأرض ، وانتشر مما يعرش ، مثل : الكرم والقرع والبطيخ وغيرها ، وغير معروشات : ما قام على ساق وبسق ، مثل النخل والزرع وسائر الأشجار . وقال الضحاك : كلاهما الكرم خاصة منها ما عرش ومنها ما لم يعرش . { وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ } ، أي : وانشأ النخل والزرع ، { مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } ، ثمره وطعمه منه الحلو والحامض والجيد والرديء ، { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا } ، في النظر ، { وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } ، في المطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف ، { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } ، هذا أمر إباحة . { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم (حصاده) بفتح الحاء ، وقرأ الآخرون بكسرها ، ومعناهما واحد ، كالصرام والصرام والجزاز والجزاز ، واختلفوا في هذا الحق فقال ابن عباس وطاوس والحسن وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب : إنها الزكاة المفروضة من العشر ونصف العشر ، وقال علي","part":3,"page":52},{"id":1053,"text":"بن الحسين وعطاء ومجاهد وحماد والحكم : حق في المال سوى الزكاة أمر بإتيانه لأن الآية مكية وفرضت الزكاة بالمدينة . قال إبراهيم : هو الضغث . وقال الربيع : لقاط السنبل . وقال سعيد بن جبير : كان هذا حقا يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام فصار منسوخا بإيجاب العشر . قال مقسم عن ابن عباس : نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن . { وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } ، قيل : أراد بالإسراف إعطاء الكل . قال السدي : لا تسرفوا أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء . قال الزجاج : على هذا إذا أعطى الإنس كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف ، لأنه جاء في الخبر : « ابدأ بمن تعول . » (1) ، وقال سعيد بن المسيب : معناه لا تمنعوا الصدقة . فتأويل هذه الآية على هذا : لا تتجاوز الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة . وقال مقاتل : لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام . وقال الزهري : لا تنفقوا في المعصية . وقال مجاهد : الإسراف ما قصرت به عن حق الله عز وجل ، وقال : لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا . وقال إياس بن معاوية : ما\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الزكاة باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى 3 / 294 ومسلم في الزكاة باب بيان أفضل الصدقة رقم (1034) 2 / 717 والمصنف في شرح السنة 5 / 178 .","part":3,"page":53},{"id":1054,"text":"جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف . وروى ابن وهب عن أبي زيد ، قال الخطاب للسلاطين ، يقول : لا تأخذوا فوق حقكم .","part":3,"page":54},{"id":1055,"text":"[142] قوله عز وجل : { وَمِنَ الْأَنْعَامِ } ، أي : وأنشأ من الأنعام ، { حَمُولَةً } ، وهي كل ما يحمل عليها من الإبل ، { وَفَرْشًا } , وهي الصغار من الإبل التي تحمل { كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } , لا تسلكوا طريقة وآثاره في تحريم الحرث والأنعام, { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } . ثم بين الحمولة والفرش فقال :","part":3,"page":55},{"id":1056,"text":"[143] { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } , نصبها على البدل من الحمولة والفرش, أي : وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أصناف, { مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ } , أي الذكر والأنثى , فالذكر زوج والأنثى زوج, والعرب تسمي الواحد زوجا إذا كان لا ينفك عن الآخرة, والضأن النعاج , وهي ذوات الصوف من الغنم, والواحد ضأن والأنثى ضائنة, والجمع ضوائن, والواحد ضأن والأنثى ضائنة , والجمع ضوائن, { وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } قرأ ابن كثير وابن عامر وأهل البصرة (ومن المعز) بفتح العين, والباقون بسكونها, والمعز والمعزى جمع لا واحد له من لفظه ، وهي ذوات الشعر من الغنم ، وجمع الماعز معيز ، وجمع الماعزة مواعز ، { قُلْ } يا محمد { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ } ، الله عليكم ، يعني ذكر الضأن والمعز ، { أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ } ، يعني أنثى الضأن والمعز ، { أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ } ، منهما فإنها لا تشتمل إلا على ذكر وأنثى ، { نَبِّئُونِي } وأخبروني ، { بِعِلْمٍ } ، قال الزجاج : فسروا ما حرمتم بعلم ، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أن الله تعالى حرم هذا .","part":3,"page":56},{"id":1057,"text":"[144] { وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ } ، وذلك أنهم كانوا يقولون : { هَذِهِ أَنْعَامٌ }{ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } ، { وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا } ، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وكانوا يحرمون بعضها على الرجال والنساء وبعضها على النساء دون الرجال ، فلما قام الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، قيل : أراد عمرو بن لحي ومن جاء بعده على طريقته ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } . ثم بين أن التحريم والتحليل يكون بالوحي والتنزيل ، فقال :","part":3,"page":57},{"id":1058,"text":"[145] { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا } أي : شيئا محرما . وروي أنهم قالوا : فما المحرم إذا فنزل : ، { قُلْ } يا محمد { لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } ، آكل يأكله ، { إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً } قرأ ابن عامر وأبو جعفر تكون بالتاء, ميتة رفع أي : إلا أن تقع ميتة ، وقرأ ابن كثير وحمزة تكون بالتاء (ميتة) نصب على تقدير اسم مؤنث ، أي : إلا أن تكون النفس ، أو الجثة ميتة ، وقرأ الباقون يكون بالياء ( ميتة ) نصب ، يعني إلا أن يكون المطعوم ميتة ، { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } أي : مهراقا سائلا ، قال ابن عباس : يريد ما خرج من الحيوان وهن أحياء وما خرج من الأرواح وما يخرج من الأوداج عند الذبح ، ولا يدخل فيه الكبد والطحال ، لأنهما جامدان . وقد جاء الشرع بإباحتهما ، ولا ما اختلط باللحم من الدم ، لأنه غير سائل { أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } ، وهو ما ذبح على غير اسم الله تعالى . فذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم مقصور على هذه الأشياء . ويروى ذلك عن عائشة وابن عباس ، قالوا : ويدخل في","part":3,"page":58},{"id":1059,"text":"الميتة المنخنقة والموقوذة, وما ذكر في أول سورة المائدة وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء بل المحرم بنص الكتاب ما ذكر هنا, ذلك معنى قوله تعالى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا } وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها ، ومنها كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، أباح الله أكل هذه المحرمات عند الاضطرار في غير العدوان .","part":3,"page":59},{"id":1060,"text":"[146] قوله عز وجل : { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا } ، يعني اليهود ، { كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } ، وهو ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير مثل البعير والنعامة والأوز والبط ، قال القتيبي : هو كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب وحكاه عن بعض المفسرين ، وقال : سمي الحافر ظفرا على الاستعارة ، { وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } يعني شحوم الجوف ، وهي الثروب ، وشحم الكليتين ، { إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } ، أي : إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما ، { أَوِ الْحَوَايَا } ، وهي المباعر واحدتها حاوية وحوية أي ما حملته الحوايا من الشحم . { أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } يعني : شحم الآلية هذا كله داخل في الاستثناء ، والتحريم مختص بالثرب وشحم الكلية { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ } ، أي : ذلك التحريم عقوبة لهم { بِبَغْيِهِمْ } ، أي : بظلمهم من قتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا واستحلال أموال الناس بالباطل ، { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } في الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم .","part":3,"page":60},{"id":1061,"text":"[147] { فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ } ، بتأخير العذاب عنكم ، { وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ } ، عذابه { عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } ، إذا جاء وقته .","part":3,"page":61},{"id":1062,"text":"[148] { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } ، لما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله قالوا { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا }{ أَشْرَكْنَا } نحن ، { وَلَا آبَاؤُنَا } ، من قبل ، { وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } ، من البحائر والسوائب وغيرهما ، أرادوا أن يجعلوا قوله : ( لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ) ، حجة لهم على إقامتهم على الشرك ، وقالوا إن الله تعالى قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله ، فلولا أنه رضي بما نحن عليه وأراده منا وآمرنا به لحال بيننا وبين ذلك ، فقال الله تعالى تكذيبا لهم ، { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، من كفار الأمم الخالية ، { حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا } ، عذابنا . ويستدل أهل القدر بهذه الآية ، يقولون : إنهم لما قالوا ( لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ) كذبهم الله ورد عليهم ، فقال : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) ، قلنا . التكذيب ليس في قولهم ( لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ) ، بل ذلك القول صدق ، ولكن في قولهم : إن الله تعالى أمرنا بها ورضي بما نحن عليه كما أخبر عنهم في سورة الأعراف : {","part":3,"page":62},{"id":1063,"text":"وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } ، فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى : { قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } والدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم : ( لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ) ، قوله : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) ، بالتشديد ، ولو كان ذلك خبرا من الله عز وجل عن كذبهم في قولهم : ( لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ) ، لقال كذلك كذب الذين مع قبلهم بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب ، وقال الحسن بن الفضل لو ذكروا هذه المقالة ، تعظيما وإجلالا لله عز وجل ، ومعرفة منهم به لما عابهم بذلك ، لأن الله تعالى قال : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا } وقال : { مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } ، والمؤمنون يقولون ذلك ، ولكنهم قالوه تكذيبا وتخرصا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون ، نظيره قوله عز وجل : { وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ } ، قال الله تعالى : { مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } ، وقيل في معنى الآية : إنهم","part":3,"page":63},{"id":1064,"text":"كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان ، ورد عليهم في هذا لأن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته ، فإنه مريد لجميع الكائنات غير أمر بجميع ما يريد ، وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته ، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد . { قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ } ، أي : كتاب وحجة من الله ، { فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } ، حتى يظهر ما تدعون على الله تعالى من الشرك وتحريم ما حرمتموه ، { إِنْ تَتَّبِعُونَ } ما تتبعون فيما أنتم عليه ، { إِلَّا الظَّنَّ } ، من غير علم ويقين ، { وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ } ، تكذبون .\r[149] { قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ } ، التامة على خلقه بالكتاب والرسول والبيان ، { فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } ، فهذا يدل على أنه لم يشأ إيمان الكافر ولو شاء لهداه .","part":3,"page":64},{"id":1065,"text":"[150] { قُلْ هَلُمَّ } ، يقال للواحد والاثنين والجمع ، { شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ } ، أي : ائتوا بشهدائكم الذين يشهدون ، { أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا } ، هذا راجع إلى ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم ودعواهم أن الله أمرهم به ، { فَإِنْ شَهِدُوا } ، وهم كاذبون ، { فَلَا تَشْهَدْ } ، أنت ، { مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } ، أي : يشركون .","part":3,"page":65},{"id":1066,"text":"[151] قول عز وجل : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } ، وذلك أن المشركين سألوا وقالوا : أي شيء الذي حرم الله تعالى؟ فقال عز وجل : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ } أقرأ ما حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا ظنا ولا كذبا كما تزعمون ، فإن قيل : ما معنى قوله : { حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } ، والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك؟ قيل : موضع ( أن ) رفع معناه هو أن لا تشركوا ، وقيل : محله نصب واختلفوا في وجه انتصابه ، قيل : معناه حرم عليكم أن تشركوا به و ( لا ) صلة كقوله تعالى ( ما منعك أن لا تسجد ) أي : منعك أن تسجد . وقيل : تم الكلام عند قوله { حَرَّمَ رَبُّكُمْ } ثم قال : عليكم أن لا تشركوا به شيئا على وجه الإغراء . قال الزجاج : يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى ، أي : أتل عليكم تحريم الشرك ، وجائز أن يكون على معنى : أوصيكم ألا تشركوا به شيئا { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ } ، فقر ، { نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } ، أي : لا تئدوا بناتكم خشية العيلة فإني رازقكم وإياهم","part":3,"page":66},{"id":1067,"text":"، { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } ، ما ظهر يعني العلانية وما بطن يعني السر ، وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السر فحرم الله تعالى الزنا في العلانية والسر . وقال الضحاك : ما ظهر الخمر وما بطن : الزنا . { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ } ، حرم الله تعالى قتل المؤمن والمعاهد إلا بالحق ، إلا بما يبيح قتله من ردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة » (1) { ذَلِكُمْ } الذي ذكرت ، { وَصَّاكُمْ بِهِ } ، أمركم به ، { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الديات 12 / 201 ومسلم في القسامة رقم (1676) 3 / 1302 والمصنف في شرح السنة 10 / 147 ،","part":3,"page":67},{"id":1068,"text":"[152] { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ، يعني : بما فيه صلاحه وتثميره . وقال مجاهد : هو التجارة فيه . وقال الضحاك : هو أن يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا ، { حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } ، قال الشعبي ومالك : الأشد : الحلم ، حتى يكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات . قال أبو العالية : حتى يعقل وتجتمع قوته . وقال الكلبي : الأشد ما بين الثمانية عشرة سنة إلى ثلاثين سنة . وقيل : إلى أربعين سنة . وقيل : إلى ستين سنة . وقال الضحاك : عشرون سنة . وقال السدي : ثلاثون سنة . وقال مجاهد : الأشد ثلاث وثلاثون سنة . والأشد جمع شد ، مثل قد وأقد ، وهو استحكام قوة شبابه وسنه ، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه . وقيل : بلوغ الأشد أن يؤنس رشده بعد البلوغ ، وتقدير الآية : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده ، فادفعوا إليه ماله إن كان رشيدا ، { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ } بالعدل ، { لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } ، أي : طاقتها في إيفاء الكيل والميزان ، أي لم يكلف المعطى أكثر مما وجب عليه ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من","part":3,"page":68},{"id":1069,"text":"حقه حتى لا تضيق نفسه عنه ، بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه ، { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا } ، فاصدقوا في الحكم والشهادة ، { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } ، أي ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قرابة ، { وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ، تتعظون ، قرأ حمزة والكسائي وحفص تذكرون خفيفة الذال ، كل القرآن ، والآخرون بتشديدها قال ابن عباس : هذه الآيات محكمات في جميع الكتب ، لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم ، وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ، ومن تركهن دخل النار .","part":3,"page":69},{"id":1070,"text":"[153] { وَأَنَّ هَذَا } ، أي : هذا الذي وصيتكم به في هاتين الآيتين ، { صِرَاطِي } ، طريقي وديني ، { مُسْتَقِيمًا } ، مستويا قويما ، { فَاتَّبِعُوهُ } ، قرأ حمزة والكسائي ، (وإن) بكسر الألف على الاستئناف وقرأ الآخرون بفتح الألف ، قال الفراء : والمعنى وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما وقرأ ابن عامر ويعقوب بسكون النون . { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } ، أي : الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق ، مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل ، وقيل : الأهواء والبدع ، { فَتَفَرَّقَ } ، فتميل ، { بِكُمْ } ، وتشتت ، { عَنْ سَبِيلِهِ } ، عن طريقه ودينه الذي ارتضى ، وبه أوصى ، { ذَلِكُمْ } ، الذي ذكرت ، { وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } . عن أبي وائل عن عبد الله قال : « خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال : \"هذا سبيل الله ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ، وقال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه \" ثم قرأ : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ }» ، الآية (1) .\r_________\r(1) أخرجه الدارمي في المقدمة 1 / 67 والطبري في تفسيره وصححه الحاكم 3 / 318 ووافقه الذهبي وأخرجه الآجري في الشريعة ص10 والمصنف في شرح السنة 1 / 196 .","part":3,"page":70},{"id":1071,"text":"[154] قوله عز وجل : { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } ، فإن قيل : لم قال : { ثُمَّ آتَيْنَا } وحرف (ثم) للتعقيب وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء القرآن؟ قيل : معناه ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب ، فأدخل ثم لتأخير الخبر لا لتأخير النزول . { تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ } ، اختلفوا فيه ، قيل : تماما على المحسنين من قومه ، فتكون الذي بمعنى من ، أي : على من أحسن من قومه ، وكان بينهم محسن ومسيء ، يدل عليه قراءة ابن مسعود : (على الذين أحسنوا) ، وقال أبو عبيدة : معناه على كل من أحسن ، أي : أتممنا فضيلة موسى بالكتاب على المحسنين ، يعني : أظهرنا فضله عليها ، والمحسنون هم الأنبياء والمؤمنون ، وقيل : الذي أحسن هو موسى ، والذي بمعنى من ، أي : على ما أحسن موسى ، تقديره آتيناه الكتاب يعني التوراة إتماما عليه للنعمة لإحسانه في الطاعة والعبادة وتبليغ الرسالة وأداء الأمر . وقيل : الإحسان بمعنى العلم ، وأحسن بمعنى علم ، ومعناه تماما على الذي أحسن موسى من العلم والحكمة ، أي آتيناه الكتاب زيادة على ذلك . وقيل : معناه تماما مني على إحساني إلى موسى . { وَتَفْصِيلًا } ، بيانا { لِكُلِّ شَيْءٍ } يحتاج","part":3,"page":71},{"id":1072,"text":"إليه من شرائع الدين ، { وَهُدًى وَرَحْمَةً } ، هذا في صفة التوراة ، { لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } ، قال ابن عباس : كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب .\r[155] { وَهَذَا } ، يعني : القرآن ، { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ } ، إليك ، { مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ } ، فاعملوا بما فيه ، { وَاتَّقُوا } ، وأطيعوا ، { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .\r[156] { أَنْ تَقُولُوا } ، يعني : لئلا تقولوا ، كقوله تعالى : { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } ، أي : لئلا تضلوا وقيل : معناه أنزلناه كراهة { أَنْ تَقُولُوا } ، قال الكسائي : معناه اتقوا أن تقولوا يا أهل مكة ، { إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا } ، يعني : اليهود والنصارى ، { وَإِنْ كُنَّا } ، وقد كنا ، { عَنْ دِرَاسَتِهِمْ } ، قراءتهم ، { لَغَافِلِينَ } ، لا نعلم ما هي ، معناه أنزلنا عليكم القرآن لئلا تقولوا إن الكتاب أنزل على من قبلنا بلسانهم ولغتهم فلم نعرف ما فيه وغفلنا عن دراسته ، فتجعلونه عذرا لأنفسكم .","part":3,"page":72},{"id":1073,"text":"[157] { أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ } ، وقد كان جماعة من الكفار قالوا ذلك لو أنا أنزل علينا ما أنزل على اليهود والنصارى لكنا خيرا منهم ، قال الله تعالى : { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } ، حجة واضحة بلغة تعرفونها ، { وَهُدًى } ، بيان { وَرَحْمَةٌ } ، ونعمة لمن اتبعه ، { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ } ، أعرض ، { عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ } ، شدة العذاب ، { بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ } ، يعرضون .","part":3,"page":73},{"id":1074,"text":"[158] قوله تعالى . { هَلْ يَنْظُرُونَ } ، أي : هل ينتظرون بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن ، { إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ } ، لقبض أرواحهم ، وقيل : بالعذاب ، قرأ حمزة والكسائي يأتيهم بالياء ها هنا وفي النحل ، والباقون بالتاء ، { أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ } ، بلا كيف لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة ، { أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } ، يعني طلوع الشمس من مغربها ، عليه أكثر المفسرين ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا . { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ } ، أي : لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان ، { أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } ، يريد : لا يقبل إيمان كافر ولا توبة فاسق { قُلِ انْتَظِرُوا } ، يا أهل مكة ، { إِنَّا مُنْتَظِرُونَ } بكم العذاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعين ، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا » (1) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 397 ومسلم في الإيمان رقم (157) 1 / 137 .","part":3,"page":74},{"id":1075,"text":"رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل آو كسبت في إيمانها خيرا : الدجال ، والدابة ، وطلوع الشمس من مغربها » (1) .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان رقم (158) 1 / 138 .","part":3,"page":75},{"id":1076,"text":"[159] قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ } ، قرأ حمزة والكسائي : فارقوا ، بالألف ها هنا وفي سورة الروم ، أي : خرجوا من دينهم وتركوه وقرأ الآخرون : { فَرَّقُوا } مشددا ، أي : جعلوا دين الله وهو واحد دين إبراهيم عليه السلام الحنيفية ، أديانا مختلفة فتهود قوم وتنصر قوم ، يدل عليه قوله عز وجل : { وَكَانُوا شِيَعًا } ، أي : صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي وقيل : هم أصحاب البدع والشبهات من هده الأمة . وروي عن عمر بن الخطاب « أن رسول صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : يا عائشة إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة » (1) . وعن العرباض بن سارية قال : « صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، وقال قائل : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا : فقال : (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة » (2) . وعن عبد\r_________\r(1) عزاه ابن كثير لابن مردويه وقال : (هو غريب ولا يصح رفعه) ثم قال : والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له انظر تفسير ابن كثير 2 / 197 .\r(2) أخرجه أبو داود في السنة ، باب لزوم السنة 7 / 11 والترمذي في العلم 7 / 437-442 وقال : حديث حسن صحيح ، وابن ماجه في المقدمة رقم (42 , 43) والمصنف في شرح السنة (1 / 205) .","part":3,"page":76},{"id":1077,"text":"الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين فرقة ، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا واحدة ، قالوا : من هي يا رسول الله؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي » (1) ، { لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } ، قيل : لست من قتالهم في شيء نسختها آية القتال ، وهذا على قول من يقول : المراد في الآية اليهود والنصارى ، ومن قال : أراد بالآية أهل الأهواء قال : المراد من قوله لست منهم في شيء أي أنت منهم بريء وهم منك براء ، تقول العرب . إن فعلت كذا فلست مني ولست منك أي : كل واحد منا برئ من صاحبه ، { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ } ، يعني : في الجزاء والمكافآت ، { ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } ، إذا وردوا للقيامة .\r_________\r(1) روي هذا الحديث بطرق كثيرة بألفاظ مختلفة فقد أخرجه أبو داود في السنة 7 / 3-4 والترمذي في الإيمان 7 / 397 وقال : (حسن صحيح) وابن ماجه في الفتن رقم (3991) 2 / 1321 والدارمي في السير 2 / 241 وابن حبان برقم (1834) من الموارد وصححه الحاكم على شرط مسلم .","part":3,"page":77},{"id":1078,"text":"[160] قوله تعالى : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } ، أي : له عشر حسنات أمثالها ، وقرأ يعقوب (عشر) منون ، (أمثالها) بالرفع . { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . « إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله عز وجل » (1) ، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يقول الله تبارك وتعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة بمثلها أو أغفر ، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة » . قال ابن عمر : الآية في غير الصدقات من الحسنات ، فأما الصدقات تضاعف سبعمائة ضعف .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الإيمان باب حسن إسلام المرء 1 / 1000 ومسلم في الإيمان باب إذا هم العبد بحسنة كتبت رقم (129)1 / 18 والمصنف في شرح السنة 14 / 338 .","part":3,"page":78},{"id":1079,"text":"[161] قوله عز وجل : { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا } ، قرأ أهل الكوفة والشام { قِيَمًا } بكسر القاف وفتح الياء خفيفة ، وقرأ الآخرون بفتح القاف وكسر الياء مشددا ومعناهما واحد وهو القويم المستقيم ، وانتصابه على معنى هداني دينا قيما ، { مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .\r[162] { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي } ، قيل : أراد بالنسك الذبيحة في الحج والعمرة ، وقال مقاتل : نسكي : حجي ، وقيل : ديني ، { وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } ، أي : حياتي ووفاتي ، { لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، أي : هو يحييني ويميتني ، وقيل : محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت على الإيمان لله رب العالمين ، وقيل : طاعتي في حياتي لله وجزائي بعد مماتي من الله رب العالمين . قرأ أهل المدينة : ومحياي بسكون الياء ومماتي بفتحها ، وقراءة العامة { وَمَحْيَايَ } بفتح الياء لئلا يجتمع ساكنان .\r[163] قوله تعالى : { لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } ، قال قتادة : وأنا أول المسلمين من هذه الأمة .","part":3,"page":79},{"id":1080,"text":"[164] { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : سيدا وإلها { وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } ، وذلك أن الكفار كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع إلى ديننا . قال ابن عباس : كان الوليد بن المغيرة يقول : اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم ، فقال الله تعالى : { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا } ، لا تجني كل نفس إلا ما كان من إثمه على الجاني ، { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ، أي : لا تحمل نفس حمل أخرى ، أي : لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ، { ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } .","part":3,"page":80},{"id":1081,"text":"[165] { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ } ، يعني : أهلك أهل القرون الماضية وأورثكم الأرض يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بعدهم ، فجعلكم خلائف منهم فيها تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم ، والخلائف جمع خليفة كالوصائف جمع وصيفة ، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة ، لأنه يخلفه . { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } ، أي : خالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والمعاش والقوة والفضل ، { لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } ، ليختبركم فيما رزقكم ، يعني : يبتلي الغني والفقير والشريف والوضيع والحر والعبد ، ليظهر منكم ما يكون عليه من الثواب والعقاب ، { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ } ، لأن ما هو آت فهو سريع قريب ، قيل : هو الهلاك في الدنيا ، { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } ، قال عطاء : سريع العقاب لأعدائه غفور لأوليائه رحيم بهم .","part":3,"page":81},{"id":1082,"text":"(7) سورة الأعراف [1, 2] { المص } . { كِتَابٌ } أي : هذا كتاب ، { أُنْزِلَ إِلَيْكَ } ، وهو القرآن { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ } ، قال مجاهد : شك ، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة . وقال أبو العالية : حرج أي ضيق ، معناه لا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به ، { لِتُنْذِرَ بِهِ } ، أي : كتاب أنزل إليك لتنذر به ، { وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } ، أي : عظة لهم وهو رفع مردود على الكتاب .\r[3] { اتَّبِعُوا } ، أي وقل لهم اتبعوا : { مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } أي : لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى ، { قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } ، تتعظون ، وقرأ ابن عامر : (تذكرون) ، بالياء والتاء .","part":3,"page":82},{"id":1083,"text":"[4] { وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا } ، بالعذاب ، ( وكم ) للتكثير و(رب) للتقليل ، { فَجَاءَهَا بَأْسُنَا } ، عذابنا ، { بَيَاتًا } ، ليلا { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } ، من القيلولة ، تقديره : فجاءها بأسنا ليلا وهم نائمون أو نهارا وهم قائلون أو نائمون ظهيرة ، والقيلولة : الاستراحة نصف النهار ، وإن لم يكن معها نوم . ومعنى الآية : أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له إما ليلا أو نهارا . قال الزجاج : و(أو) لتصريف العذاب ، مرة ليلا ومرة نهارا . وقيل : معناه من أهل القرى من أهلكناهم ليلا ، ومنهم من أهلكناهم نهارا ، فإن قيل : ما معنى أهلكناها فجاءها بأسنا؟ فكيف يكون مجيء البأس بعد الهلاك؟ قيل : معنى ( أهلكنا ) حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا . وقيل : فجاءها بأسنا هو بيان قوله { أَهْلَكْنَاهَا } مثل قول القائل : أعطيتني فأحسنت إلي لا فرق بينه وبين قوله : أحسنت إلي فأعطيتني ، فيكون أحدهما بدلا من الآخر .","part":3,"page":83},{"id":1084,"text":"[5] { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } ، أي : قولهم ودعاؤهم وتضرعهم ، والدعوى تكون بمعنى الادعاء وبمعنى الدعاء ، قال سيبويه : تقول العرب اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين أي في دعائهم ، { إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا } ، عذابنا ، { إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } ، معناه لم يقدروا على رد العذاب ، وكان حاصل آمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ينفع الاعتراف .\r[6] { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } ، يعني : الأمم عن إجابتهم الرسل ، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام ، يعني : لنسألهم عما عملوا فيما بلغتهم الرسل ، { وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } ، عن الإبلاغ .\r[7] { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ } أي : لنخبرنهم عن علم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ينطق عليهم كتاب أعمالهم ، كقوله تعالى : { هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ } . { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } ، عن الرسل فيما بلغوا ، وعن الأمم فيما أجابوا .","part":3,"page":84},{"id":1085,"text":"[8] قوله تعالى : { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ } ، يعني : يوم السؤال . قال مجاهد : معناه والقضاء يومئذ العدل . وقال الأكثرون : أراد به وزن الأعمال بالميزان ، وذلك أن الله تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب ، واختلفوا في كيفية الوزن ، فقال بعضهم : توزن صحائف الأعمال . وروينا : « أن رجلا ينشر عليه تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل مد البصر فيخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فتوضع السجلات في كفة ، والبطاقة في كفة ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة » (1) وقيل : توزن الأشخاص ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة » (2) وقيل : توزن الأعمال ، روي ذلك عن ابن عباس ، فيؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان ، والحكمة في وزن الأعمال امتحان الله عباده بالإيمان في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى ، { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } ، قال مجاهد : حسناته ، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في الإيمان 7 / 395 وقال حديث حسن غريب ، وابن ماجه في الزهد رقم (4300) 2 / 1437 ، وصححه الحاكم 1 / 6 ، وابن حبان ص 625 ، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ح 2 / 213 ، والمصنف من شرح السنة 15 / 134 .\r(2) رواه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التفسير 8 / 426 ، ومسلم في صحيحه في كتاب المنافقين رقم (2785) 4 / 2147 ، والمصنف في شرح السنة 15 / 143 .","part":3,"page":85},{"id":1086,"text":"[9] { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } يجحدون ، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين حضره الموت في وصيته لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا, وثقله عليهم ، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا ، وخفته عليهم وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا ، فإن قيل : قد قال : ( فمن ثقلت موازينه ) ذكر بلفظ الجمع ، والميزان واحد ، قيل : يجوز أن يكون لفظه جمعا ومعناه واحد كقوله { يا أَيُّهَا الرُّسُلُ } وقيل : لكل عبد ميزان وقيل : الأصل ميزان واحد عظيم ولكل عبد فيه ميزان معلق به ، وقيل : جمعه لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان ، ولا يتم الوزن إلا باجتماعها .","part":3,"page":86},{"id":1087,"text":"[10] قوله تعالى : { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ } ، أي : مكناهم والمراد من التمكين التمليك والقدرة ، { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } ، أي : أسبابا تعيشون بها أيام حياتكم من التجارات والمكاسب والمآكل والمشارب والمعايش جمع المعيشة ، { قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } ، فيما صنعت إليكم .","part":3,"page":87},{"id":1088,"text":"[11] قوله عز وجل : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } قال ابن عباس : خلقناكم ، أي : أصولكم وآباءكم ثم صورناكم في أرحام أمهاتكم . وقال قتادة والضحاك والسدي : أما خلقناكم فآدم ، وأما صورناكم فذريته . وقال مجاهد في خلقناكم : آدم ثم صورناكم في ظهر آدم بلفظ الجمع لأنه أبو البشر ففي خلقه خلق من يخرج من صلبه ، وقيل : خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم يوم الميثاق حين أخرجكم كالذر . وقال عكرمة : خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء . وقال يمان : خلق الإنسان في الرحم ثم صوره وشق سمعه وبصره وأصابعه . وقيل : الكل آدم خلقه وصوره وثم بمعنى الواو ، { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ } ، فإن قيل : الأمر بسجود الملائكة كان قبل خلق بني آدم ، فما وجه قوله : { ثُمَّ قُلْنَا } وثم للترتيب والتراخي؟ قيل : على قول من يصرف الخلق والتصوير إلى آدم وحده يستقيم هذا الكلام أما على قول من يصرفه إلى الذرية فعنه أجوبة . أحدها ثم بمعنى الواو ، أي : وقلنا للملائكة ، فلا تكون للترتيب والتعقيب ، وقيل : أراد ثم أخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا ، وقيل : فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد","part":3,"page":88},{"id":1089,"text":"خلقتاكم ، يعني : آدم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم صورناكم . قوله تعالى : { فَسَجَدُوا } ، يعني الملائكة ، { إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ } .\r, لآدم .","part":3,"page":89},{"id":1090,"text":"[12] { قَالَ } , الله تعالى : يا إبليس : { مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } ، أي : وما منعك أن تسجد ولا زائدة كقوله تعالى : { وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } . { قَالَ } إبليس مجيبا { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } ، لأنك { خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } , والنار خير وأنور من الطين قال ابن عباس : أول من قاس إبليس فأخطأ القياس فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس . قال ابن سيرين : ما عبدت الشمس إلا بالقياس . قال محمد بن جرير : ظن الخبيث أن النار خير من الطين ولم يعلم أن الفضل لمن جعل الله له الفضل ، وقد فضل الله الطين على النار . وقالت الحكماء : للطين فضل على النار من وجوه منها أن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم الصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبق له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاجتباء والتوبة والهداية ، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار ، فأورثه اللعنة والشقاوة ، ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها ولأن التراب سبب","part":3,"page":90},{"id":1091,"text":"الحياة ، فإن حياة الأشجار والنبات به ، والنار سبب الهلاك .\r[13] قوله تعالى : { قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا } ، أي : من الجنة ، وقيل : من السماء إلى الأرض وكان له ملك الأرض فأخرجه منها إلى جزائر البحر وعرشه في البحر الأخضر ، فلا يدخل الأرض إلا خائفا على هيئة السارق مثل شيخ عليه أطمار يروع فيها حتى يخرج منها . قال تعالى : { فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ } ، بمخالفة الأمر ، { فِيهَا } ، أي : في الجنة ، فلا ينبغي أن يسكن في الجنة ولا السماء متكبر مخالف لأمر الله ، { فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ } ، من الأذلاء ، والصغار : الذل والمهانة .\r[14] { قَالَ } ، إبليس عند ذلك ، { أَنْظِرْنِي } ، أخرجني وأمهلني فلا تمتني ، { إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } ، من قبورهم وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة ، أراد الخبيث أن لا يذوق الموت .\r[15] { قَالَ } ، الله تعالى ، { إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ } ، المؤخرين ، وبين مدة النظر والمهلة في موضع آخر فقال : { إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } ، وهو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم .","part":3,"page":91},{"id":1092,"text":"[16] { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي } ، اختلفوا في ما قيل : هو استفهام يعني فبأي شيء أغويتني؟ ثم ابتدأ فقال : { لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } وقيل : ما الجزاء ، أي : لأجل أنك أغويتني لأقعدن لهم . وقيل : هي ما المصدرية موضع القسم تقديره : فبإغوائك إياي لأقعدن لهم ، كقوله : { بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي } ، يعني لغفران ربي ، والمعنى بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في .\rوقال ابن الأنباري : أي فيما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء أغويتني : أضللتني عن الهدى . وقيل : أهلكتني . وقيل : خيبتني ، { لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } ، أي : لأجلسن لبني آدم على طريقك القويم وهو الإسلام .","part":3,"page":92},{"id":1093,"text":"[17] { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : من بين أيديهم أي من قبل الآخرة فأشككهم فيها ، { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } ، أرغبهم في دنياهم ، { وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ } ، أشبه عليهم أمر دينهم . { وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } ، أشهي لهم المعاصي . وروى عطية عن ابن عباس : { مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } من قبل دنياهم ، يعني أزينها في قلوبهم ، { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } ، من قبل الآخرة فأقول : لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار ، { وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ } من قبل حسناتهم ، { وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } من قبل سيئاتهم . وقال الحكم : من بين أيديهم : من قبل الدنيا يزينها لهم ، ومن خلفهم : من قبل الآخرة يثبطهم عنها ، وعن أيمانهم : من قبل الحق يصدهم عنه ، وعن شمائلهم : من قبل الباطل يزينه لهم . وقال قتادة : أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار ، ومن خلفهم : من أمور الدنيا يزينها لهم ويدعوهم إليها ، وعن أيمانهم : من قبل حسناتهم بطأهم عنها ، وعن شمائلهم : زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها ، أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك","part":3,"page":93},{"id":1094,"text":"وبين رحمة الله . وقال مجاهد : من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون ، ومن خلفهم وعن شمائلهم من حيث لا يبصرون . وقال ابن جريج : معنى قوله حيث لا يبصرون أي لا يخطئون وحيث لا يبصرون أي لا يعلمون أنهم يخطئون . { وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } ، مؤمنين ، فإن قيل : كيف علم الخبيث ذلك؟ قيل : قاله ظنا فأصاب . قال الله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } .\r[18] { قَالَ } ، الله تعالى لإبليس ، { اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا } ، أي : معيبا ، والذيم والذأم أشد العيب ، يقال : ذأمه يذأمه ذأما فهو مذءوم وذامه يذيمه ذاما فهو مذيم ، مثل سار يسير سيرا . والمدحور : المبعد المطرود ، يقال : يدحره دحرا إذا أبعده وطرده . قال ابن عباس : مذءوما أي ممقوتا ، وقال قتادة : مذءوما مدحورا أي : لعينا منفيا . وقال الكلبي : مذءوما ملوما مدحورا مقصيا من الجنة ومن كل خير . { لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ } ، من بني آدم ، { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ } ، اللام لام القسم ، { مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ } ، أي : منك ومن ذريتك ومن كفار ذرية آدم أجمعين .","part":3,"page":94},{"id":1095,"text":"[19] { وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } .\r[20] { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ } , أي : إليهما ، والوسوسة : حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان { لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا } ، أي : أظهر لهما ما غطي وستر عنهما من عوراتهما ، قيل : اللام فيه لام العاقبة وذلك أن إبليس لم يوسوس لهذا ولكن كان عاقبة أمرهم ذلك ، وهو ظهور عورتهما ، كقوله تعالى : { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } ، ثم بين الوسوسة فقال : { وَقَالَ } ، يعني إبليس لآدم وحواء , { مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ } , يعني لئلا تكونا كراهية أن تكونا ملكين من الملائكة يعلمان الخير والشر ، { أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ } ، من الباقين الذين لا يموتون كما قال في موضع آخر : { هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى } .","part":3,"page":95},{"id":1096,"text":"[21] { وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ } , أي : وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد ، قال قتادة : حلف لهما بالله حتى خدعهما ، وقد يخدع المؤمن بالله ، فقال : إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما ، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا فلما حلف ظن آدم أن أحدا لا يحلف بالله إلا كاذبا فاغتر به .","part":3,"page":96},{"id":1097,"text":"[22] { فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ } ، أي : خدعهما ، يقال : ما زال فلان يدلي لفلان بغرور ، يعني : ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف باطل من القول . وقيل : حطهما من منزلة الطاعة إلى حال المعصية ، ولا يكون التدلي إلا من علو إلى أسفل والتدلية إرسال الدلو في البئر ، يقال : تدلى بنفسه ودلى غيره ، قال الأزهري : أصله تدلية العطشان البئر ليروي من الماء ولا يجد الماء فيكون مدلى بغرور ، والغرور : إظهار النصح مع إبطان الغش . { فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا } ، قال الكلبي : فلما أكلا منها . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قبل أن ازدردا (1) أخذتهما العقوبة ، والعقوبة أن بدت ظهرت لهما سوآتهما عوراتهما ، وتهافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه ، وكانا لا يريان ذلك { وَطَفِقَا } فأقبلا وجعلا { يَخْصِفَانِ } ، يرقعان ويلزقان ويصلان ، { عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ } ، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب . قال الزجاج : يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ } ، يعني : الأكل منها ،\r_________\r(1) ازدردا من زرد اللقمة بلعها . انظر مختار الصحاح ص 270 .","part":3,"page":97},{"id":1098,"text":"{ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ } ، أي : بين العداوة .","part":3,"page":98},{"id":1099,"text":"[23] { قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } ، ضررناها بالمعصية ، { وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، الهالكين .\r[24] { قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } .\r[25] { قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ } ، يعني في الأرض تعيشون ، { وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } أي : من الأرض تخرجون من قبوركم للبعث ، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي : ( تخرجون ) بفتح التاء ها هنا وفي الزخرف ، وافق يعقوب ها هنا وزاد حمزة والكسائي : (وكذلك تخرجون) ، في أول الروم ، والباقون بضم التاء وفتح الراء فيهن .","part":3,"page":99},{"id":1100,"text":"[26] { يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ } ، أي خلقنا لكم { لِبَاسًا } ، وقيل : إنما قال : { أَنْزَلْنَا } لأن اللباس يكون من نبات الأرض ، والنبات يكون بما ينزل من السماء ، فمعنى قوله : { أَنْزَلْنَا } أي : أنزلنا أسبابه . وقيل : كل بركات الأرض منسوبة إلى بركات السماء كما قال تعالى : { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ } وإنما يستخرج الحديد من الأرض . وسبب نزول هذه الآية أنهم كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة ويقولون : لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها ، فكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء بالليل عراة . وقال قتادة : كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها فأمر الله سبحانه بالستر فقال : { قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ } ، يستر عوراتكم ، واحدتها سوأة سميت بها لأنه يسوء صاحبها انكشافها فلا تطوفوا عراة ، { وَرِيشًا } ، يعني : مالا في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي ، يقال : تريش الرجل إذا تمول ، وقيل : الريش الجمال ، أي : ما يتجملون به من الثياب ، وقيل : هو اللباس { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } ، قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي ( وَلِبَاسُ) بنصب","part":3,"page":100},{"id":1101,"text":"السين عطفا على قوله { لِبَاسًا } وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره { خَيْرٌ } وجعلوا ذلك صلة في الكلام ، ولذلك قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } واختلفوا في ( لِبَاسُ التَّقْوَى ) قال قتادة والسدي : لباس التقوى هو الإيمان . وقال الحسن : هو الحياء لأنه يبعث على التقوى . وقال عطية عن ابن عباس : هو العمل الصالح . وعن عثمان بن عفان أنه قال : السمت الحسن . وقال عروة بن الزبير : لباس التقوى خشية الله وقال الكلبي : هو العفاف . والمعنى : لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خلق له من اللباس للتجمل . وقال ابن الأنباري : لباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده إخبارا أن ستر العورة خير من التعري في الطواف . وقال زيد بن علي : لباس التقوى الآلات التي يتقى بها في الحرب كالدرع والمغفر والساعد والساقين . وقيل : لباس التقوى هو الصوف والثياب الخشنة التي يلبسها أهل الورع ، { ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } .","part":3,"page":101},{"id":1102,"text":"[27] { يا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ } لا يضلنكم الشيطان ، { كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ } ، أي : كما فتن أبويكم آدم وحواء فأخرجهما ، { مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا } ، ليرى كل واحد سوأة الآخر . { إِنَّهُ يَرَاكُمْ } ، يعني أن الشيطان يراكم يا بني آدم ، { هُوَ وَقَبِيلُهُ } ، وجنوده ، قال ابن عباس . هو وولده . وقال قتادة : قبيلة الجن والشياطين ، { مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ } ، قال مالك بن دينار : إن عدوا يراك ولا تراه لشديد الخصومة والمؤنة إلا من عصم الله ، { إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ } قرناء وأعوانا ، { لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ } ، وقال الزجاج : سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال . { أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا } .","part":3,"page":102},{"id":1103,"text":"[28] { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً } ، قال ابن عباس ومجاهد : هي طوافهم بالبيت عراة . وقال عطاء : الشرك والفاحشة : اسم لكل فعل قبيح بلغ النهاية في القبح . { قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } ، وفيه إضمار معناه : وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا . قيل : ومن أين أخذ آباؤكم قالوا ، { وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } .","part":3,"page":103},{"id":1104,"text":"[29] { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } ، قال ابن عباس : بلا إله إلا الله . وقال الضحاك : بالتوحيد . وقال مجاهد والسدي : بالعدل . { وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } قال مجاهد والسدي : يعني وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة . وقال الضحاك : إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي . وقيل : معناه اجعلوا سجودكم لله خالصا . { وَادْعُوهُ } ، واعبدوه ، { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ، الطاعة والعبادة ، { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } ، قال ابن عباس : إن الله تعالى بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا . كما قال : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ } ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا قال مجاهد : يبعثون على ما ماتوا عليه ، وقال الحسن ومجاهد : كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا ، كذلك تعودون أحياء يوم القيامة كما قال الله تعالى : { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } . قال قتادة : بدأهم من التراب وإلى التراب يعودون ، نظيره قوله تعالى : { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } .","part":3,"page":104},{"id":1105,"text":"[30] قوله عز وجل : { فَرِيقًا هَدَى } ، أي : هداهم الله ، { وَفَرِيقًا حَقَّ } ، وجب { عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ } ، أي : بالإرادة السابقة ، { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } ، فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء .","part":3,"page":105},{"id":1106,"text":"[31] قوله تعالى : { يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } ، قال أهل التفسير : كانت بنو عامر يطوفون بالبيت عراة ، فأنزل الله عز وجل { يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } ، يعني الثياب . قال مجاهد : ما يواري عورتك ولو عباءة . قال الكلبي : الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد لطواف أو صلاة . { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا } ، قال الكلبي : كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم ، فقال المسلمون : نحن أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله ، فأنزل الله عز وجل وكلوا يعني اللحم والدسم واشربوا اللبن ، { وَلَا تُسْرِفُوا } ، بتحريم ما أحل الله لكم من اللحم والدسم ، { إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } ، الذين يفعلون ذلك . قال ابن عباس : كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة . قال علي بن الحسين بن واقد : قد جمع الله الطب كله في نصف آية فقال : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا } .","part":3,"page":106},{"id":1107,"text":"[32] قوله عز وجل : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } ، يعني لبس الثياب في الطواف ، { وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ } ، يعني اللحم والدسم في أيام الحج . وعن ابن عباس وقتادة . والطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب . { قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، فيه حذف تقديره : هي للذين آمنوا وللمشركين في الحياة الدنيا ، فإن أهل الشرك يشاركون المؤمنين في طيبات الدنيا ، وهي في الآخرة خالصة للمؤمنين لا حظ للمشركين فيها . وقيل : هي خالصة يوم القيامة من التنغيص والغم للمؤمنين ، فإنها لهم في الدنيا مع التنغيص والغم . قرأ نافع ( خالصة ) رفع ، أي : قل هي للذين آمنوا مشتركين في الدنيا وهي في الآخرة خالصة يوم القيامة . وقرأ الآخرون بالنصب على القطع ، { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .","part":3,"page":107},{"id":1108,"text":"[33] { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } ، يعني : الطواف عراة { مَا ظَهَرَ } طواف الرجال بالنهار { وَمَا بَطَنَ } طواف النساء بالليل . وقيل : هو الزنا سرا وعلانية { وَالْإِثْمَ } ، يعني : الذنب والمعصية . وقال الضحاك : الذنب الذي لا حد فيه . قال الحسن : الإثم : الخمر . قال الشاعر :\r\rشربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول\r\r{ وَالْبَغْيَ } ، الظلم والكبر ، { بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا } ، حجة وبرهانا ، { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ، في تحريم الحرث والأنعام ، في قول مقاتل . وقال غيره : هو عام في تحريم القول في الدين من غير يقين .\r[34] { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } ، مدة وأكل وشرب . وقال ابن عباس وعطاء والحسن : يعني وقتا لنزول العذاب بهم ، { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ } ، وانقطع أكلهم ، { لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } ، أي : لا يتقدمون . وذلك حين سألوا العذاب فأنزل الله هذه الآية .","part":3,"page":108},{"id":1109,"text":"[35] قوله تعالى : { يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } ، أي : أن يأتيكم . قيل : أراد جميع الرسل . وقال مقاتل : أراد بقوله { يا بَنِي آدَمَ } مشركي العرب وبالرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وحده ، { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } ، قال ابن عباس : فرائضي وأحكامي ، { فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ } ، أي : اتقى الشرك وأصلح عمله . وقيل : أخلص ما بينه وبين ربه { فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } ، إذا خاف الناس ، { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } ، أي : إذا حزنوا .\r[36] { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا } ، تكبروا عن الإيمان بها ، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر . قال الله تعالى : { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } . { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .","part":3,"page":109},{"id":1110,"text":"[37] قوله تعالى : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ، جعل له شريكا ، { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } ، بالقرآن { أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ } ، أي : حظهم مما كتب لهم في اللوح المحفوظ . واختلفوا فيه ، قال الحسن والسدي : ما كتب لهم من العذاب وقضى عليهم من سواد الوجوه وزرقة العيون . قال عطية عن ابن عباس : كتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسود ، قال الله تعالى : { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ } وقال سعيد ابن جبير ومجاهد : ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة وقال ابن عباس وقتادة والضحاك : يعني أعمالهم التي عملوها وكتب عليهم من خير وشر يجزي عليها . وقال محمد بن كعب القرظي : ما كتب لهم من الأرزاق والآجال والأعمار والأعمال فإذا فنيت ، { جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } ، يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت وأعوانه ، { قَالُوا } ، يعني يقول الرسل للكفار ، { أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ } ، تعبدون ، { مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، سؤال تبكيت وتقريع ، { قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا } ، بطلوا وذهبوا عنا ، {","part":3,"page":110},{"id":1111,"text":"وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } ، اعترفوا عند معاينة الموت ، { أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ } .","part":3,"page":111},{"id":1112,"text":"[38] { قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ } ، يعني : يقول الله لهم يوم القيامة ادخلوا في أمم ، أي : مع جماعات ، { قَدْ خَلَتْ } ، { مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ } ، يعني كفار الأمم الخالية ، { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا } ، يريد أختها في الدين لا في النسب ، فتلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى ، وكل فرقة تلعن أختها ويلعن الأتباع القادة ، ولم يقل أخاها لأنه عنى الأمة والجماعة ، { حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا } ، أي : تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار ، { جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } ، قال مقاتل : يعني أخراهم دخولا النار وهم الأتباع ، { لِأُولَاهُمْ } ، أي : لأولاهم دخولا وهم القادة ، لأن القادة يدخلون النار أولا . وقال ابن عباس : يعني آخر كل أمة لأولاها . وقال السدي : أهل آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين ، { رَبَّنَا هَؤُلَاءِ } ، الذين ، { أَضَلُّونَا } عن الهدى يعني القادة { فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ } ، أي : ضعف عليهم العذاب ، { قَالَ } , الله تعالى, { لِكُلٍّ ضِعْفٌ } ، يعني للقادة والأتباع ضعف من العذاب ، {","part":3,"page":112},{"id":1113,"text":"وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ } ما لكل فريق منكم من العذاب . قرأ الجمهور : { وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ } وقرأ أبو بكر (لا يعلمون) بالياء ، أي : لا يعلم الأتباع ما للقادة ولا القادة ما للأتباع .\r[39] { وَقَالَتْ أُولَاهُمْ } ، يعني القادة ، { لِأُخْرَاهُمْ } ، للأتباع ، { فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ } ، لأنكم كفرتم كما كفرنا فنحن وأنتم في الكفر سواء وفي العذاب سواء ، { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } .","part":3,"page":113},{"id":1114,"text":"[40] { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ } ، بالتاء ، خفف أبو عمرو ، وبالياء ، خفف حمزة والكسائي ، والباقون بالتاء مشددة ، { لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ } لأدعيتهم ولا لأعمالهم . وقال ابن عباس : لأرواحهم لأنها خبيثة لا يصعد بها بل يهوى بها إلى سجين ، إنما تفتح أبواب السماء لأرواح المؤمنين وأدعيتهم وأعمالهم ، { وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ } ، أي : حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة ، والخياط والمخيط واحد وهو : الإبرة والمراد منه أنهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن الشيء إذا علق بما يستحيل كونه يدل ذلك على تأكيد المنع ، كما يقال : لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب أو يبيض القار ، يريد لا أفعله أبدا ، { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ } .","part":3,"page":114},{"id":1115,"text":"[41] { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ } ، أي : فراش ، { وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } ، أي : لحف . وهي جمع غاشية ، يعني ما غشاهم وغطاهم ، يريد إحاطة النار بهم من كل جانب ، كما قال الله : { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ }{ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } .\r[42] { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } ، أي : طاقتها وما لا تحرج فيه ولا تضيق عليه ، { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .","part":3,"page":115},{"id":1116,"text":"[43] { وَنَزَعْنَا } ، وأخرجنا ، { مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } ، من غش وعداوة كانت بينهم في الدنيا فجعلناهم إخوانا على سرر متقابلين لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم . { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ }{ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا } . أي إلى هذا ، يعني طريق الجنة . وقال سفيان الثوري : معناه هدانا لعمل هذا ثوابه ، { وَمَا كُنَّا } ، قرأ ابن عامر : (ما كنا) بلا واو ، { لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } ، هذا قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا ، { وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، قيل . هدا النداء إذا رأوا الجنة من بعيد نودوا أن تلكم الجنة ، وقيل : هذا النداء يكون في الجنة ، عن أبي سعيد وعن أبي هريرة قالا : ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدا ، { وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ","part":3,"page":116},{"id":1117,"text":"تَعْمَلُونَ } , هذا حديث صحيح أخرجه مسلم .","part":3,"page":117},{"id":1118,"text":"[44] قوله تعالى : { وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا } ، من الثواب ، { حَقًّا } ، أي : صدقا ، { فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ } ، من العذاب ، { حَقًّا قَالُوا نَعَمْ } ، قرأ الكسائي بكسر العين حيث كان ، والباقون بفتحها وهما لغتان ، { فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ } ، أي : نادى مناد أسمع الفريقين ، { أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } ، قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم : ( أن ) خفيف ، { لَعْنَةُ } ، رفع ، وقرأ الآخرون بالتشديد ، ( لعنة الله ) نصب على الظالمين ، أي : الكافرين .\r[45] { الَّذِينَ يَصُدُّونَ } ، أي : يصرفون الناس ، { عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، طاعة الله ، { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } ، أي : يطلبونها زيغا وميلا ، أي : يبطلون سبيل الله جائرين عن القصد . قال ابن عباس : يصلون لغير الله ، ويعظمون ما لم يعظمه الله . والعوج بكسر العين في الدين والأمر والأرض وكل ما لم يكن قائما ، وبالفتح في كل ما كان قائما كالحائط والرمح ونحوهما . { وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ } .","part":3,"page":118},{"id":1119,"text":"[46] { وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ } ، يعني : بين الجنة والنار . وقيل . بين أهل الجنة وبين أهل النار حجاب ، وهو السور الذي ذكر الله تعالى في قوله : { فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ } ، قوله تعالى : { وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ } ، والأعراف هي ذلك السور الذي بين الجنة والنار ، وهي جمع عرف وهو اسم للمكان المرتفع ، ومنه عرف الديك لارتفاعه عما سواه من جسده . وقال السدي : سمي ذلك السور أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس . واختلفوا في الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على الأعراف ، فقال حذيفة وابن عباس : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار ، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء ، ثم يدخلهما الجنة بفضل رحمته ، وهم آخر من يدخل الجنة . وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني : هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم . وقيل . هم أطفال المشركين . وقال الحسن : هم أهل الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف فيطلعون على أهل الجنة وأهل النار جميعا ، ويطالعون أحوال الفريقين . قوله تعالى : { يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ } ، أي : يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم","part":3,"page":119},{"id":1120,"text":"وأهل النار بسواد وجوههم { وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } أي : إذا رأوا أهل الجنة قالوا سلام عليكم ، { لَمْ يَدْخُلُوهَا } وَهُمْ يَطْمَعُونَ يعني : أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة { وَهُمْ يَطْمَعُونَ } ، في دخولها قال أبو العالية : ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم . قال الحسن : الذي جعل الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون .\r[47] { وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ } ، تعوذوا بالله ، { قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ، يعني الكافرين في النار .","part":3,"page":120},{"id":1121,"text":"[48] { وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا } ، كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار ، { يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ } ، في الدنيا من المال والولد ، { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } ، عن الإيمان . قال الكلبي : ينادون وهم على السور : يا وليد بن المغيرة ويا أبا جهل ابن هشام ويا فلان ، ثم ينظرون إلى الجنة فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزءون بهم ، مثل سلمان وصهيب وخباب وبلال وأشباههم فيقول أصحاب الأعراف لأولئك الكفار :","part":3,"page":121},{"id":1122,"text":"[49] { أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ } ، حلفتم ، { لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ } ، أي : حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة . ثم يقال لأهل الأعراف ، { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } ، وفيه قول آخر : أن أصحاب الأعراف إذا قالوا لأهل النار ما قالوا قال لهم أهل النار : إن دخل أولئك الجنة وأنتم لم تدخلوها فيعيرونهم بذلك ويقسمون أنهم يدخلون النار ، فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط لأهل النار . أهؤلاء يعني أصحاب الأعراف الذين أقسمتم يا أهل النار أنهم لا ينالهم الله برحمة ، ثم قالت الملائكة لأصحاب الأعراف : { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } ، فيدخلون الجنة .","part":3,"page":122},{"id":1123,"text":"[50, 51] قوله تعالى : { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا } ، أي صبوا ، { عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ } ، أي : أوسعوا علينا مما رزقكم الله من طعام الجنة . قال عطاء عن ابن عباس : لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار في الفرج ، وقالوا : يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة ، فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم ، فينظروا إلى قرابتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فيعرفونهم ولم يعرفهم أهل الجنة لسواد وجوههم فينادي أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم ، وأخبروهم بقراباتهم أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ، { قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ } ، يعني : الماء والطعام ، { الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا } وهو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة وأخواتها والمكاء والتصدية حول البيت ، وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية . وقيل : دينهم أي عيدهم ، { وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ } ، نتركهم في النار ، { كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا } ، أي : كما","part":3,"page":123},{"id":1124,"text":"تركوا العمل للقاء يومهم هذا ، { وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } .","part":3,"page":124},{"id":1125,"text":"[52] { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ } ، يعني القرآن { فَصَّلْنَاهُ } , بيناه ، { عَلَى عِلْمٍ } منا لما يصلحهم ، { هُدًى وَرَحْمَةً } أي : جعلنا القرآن هاديا وذا رحمة ، { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .\r[53] { هَلْ يَنْظُرُونَ } ، أي : هل ينتظرون ، { إِلَّا تَأْوِيلَهُ } ، قال مجاهد : جزاءه . وقال السدي : عاقبته . ومعناه : هل ينتظرون إلا ما يئول إليه أمرهم في العذاب ومصيرهم إلى النار . { يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ } ، أي : جزاؤه وما يئول إليه أمرهم ، { يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } ، اعترفوا به حين لا ينفعهم الاعتراف ، { فَهَلْ لَنَا } ، اليوم ، { مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ } ، إلى الدنيا ، { فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } ، أهلكوها بالعذاب ، { وَضَلَّ } ، وبطل ، { عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } .","part":3,"page":125},{"id":1126,"text":"[54] قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } ، أراد به في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها ، ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء ، قيل : ستة أيام كأيام الآخرة ، وكل يوم كألف سنة . وقيل : كأيام الدنيا . قال سعيد بن جبير : كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة ، فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور . وقد جاء في الحديث : « التأني من الله والعجلة من الشيطان » (1) ، { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } ، قال الكلبي ومقاتل : استقر . وقال أبو عبيدة : صعد ، وأولت المعتزلة (2) الاستواء بالاستيلاء ، فأما أهل السنة يقولون : الاستواء على العرش صفة الله تعالى بلا كيف ، يجب على الرجل الإيمان به ويكل العلم فيه إلى الله عز وجل . وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [سورة طه : آية 5] ، كيف استوى؟ قال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أظنك إلا ضالا ، ثم أمر به فأخرج ، وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث\r_________\r(1) قال العجلوني في كشف الخفاء ج1 / 350 «رواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى ، وابن منيع والحارث بن أبي أسامة في مسانيدهم عن أنس رفعه وأخرجه البيهقي عنه أيضا وله شواهد عند الترمذي وقال : حسن غريب ، بلفظ : »الأناة من الله والعجلة من الشيطان « . وأخرجه المصنف في شرح السنة 13 / 176 .\r(2) المعتزلة : فرقة كلامية ، ظهرت في أخريات القرن الأول الهجري ، وبلغت شأوها في العصر العباسي الأول ، يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها «واصل بن عطاء» مجلس الحسن البصري . وهذه الفرقة شديدة التأثر بالفلسفة اليونانية ، وهي تعتمد في إدراك الغيبيات على العقل ، وكل ما خالف العقل عندهم يأولونه ويطوعونه حسب مفاهيمهم الكلامية ، ولقد جعلوا العقل أساسا لفهم القرآن الكريم لا القرآن أساسا للعقل ففسروا آيات الصفات على حسب ما تدركه عقولهم من الفهم وحكموا العقل في كل ما يتعلق بالاعتقاد والإيمان .","part":3,"page":126},{"id":1127,"text":"بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة : أمروها كما جاءت بلا كيف ، والعرش في اللغة : هو السرير . وقيل : هو ما علا فأظل ، ومنه عرش الكروم . وقيل : العرش الملك . { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } ، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب ( يغشي ) بالتشديد ها هنا وفي سورة الرعد ، والباقون بالتخفيف ، أي : يأتي الليل على النهار فيغطيه ، وفيه حذف أي : ويغشي النهار الليل ، ولم يذكره لدلالة الكلام عليه وذكر في آية أخرى فقال : { يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ } . { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } ، أي : سريعا ، وذلك أنه إذا كان يعقب أحدهم الآخر ويخلفه ، فكأنه يطلبه . { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ } أي : خلق هذه الأشياء مسخرات ، أي : مذللات { بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } ، له الخلق لأنه خلقهم وله الأمر يأمر في خلقه بما يشاء ، قال سفيان بن عيينة : فرق الله بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر . { تَبَارَكَ اللَّهُ } ، أي : تعالى الله وتعظم . وقيل : ارتفع .","part":3,"page":127},{"id":1128,"text":"والمبارك المرتفع . وقيل : تبارك تفاعل من البركة وهي النماء والزيادة . أي : البركة تكتسب وتنال بذكره . وعن ابن عباس قال : جاء بكل بركة . وقال الحسن : تجيء البركة من قبله وقيل . تبارك تقدس . والقدس الطهارة . وقيل : تبارك الله أي باسمه يتبرك في كل شيء . وقال المحققون . معنى هذه الصفة ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال وأصل البركة الثبوت . ويقال : تبارك الله ، ولا يقال . متبارك ولا مبارك ، لأنه لم يرد به التوقيف . { رَبُّ الْعَالَمِينَ } .","part":3,"page":128},{"id":1129,"text":"[55] { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا } ، تذللا واستكانة ، { وَخُفْيَةً } أي : سرا . قال الحسن : بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت ، وإن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم ، ذلك أن الله سبحانه يقول : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } ، وإن الله ذكر عبدا صالحا ورضي فعله فقال : { إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا } . { إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } ، قيل : المعتدين في الدعاء . وقال أبو مجلز : هم الذين يسألون منازل الأنبياء عليهم السلام وقيل : أراد به الاعتداء بالجهر والصياح ، قال ابن جريج : من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح . وروينا عن أبي موسى قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا » (1) . وقال عطية : هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل ، فيقولون : اللهم اخزهم اللهم العنهم .\r_________\r(1) رواه البخاري في الجهاد 7 / 470 ومسلم في الذكر رقم (2704) 4 / 2076 والمصنف في شرح السنة 5 / 66 .","part":3,"page":129},{"id":1130,"text":"[56] { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا } ، أي : لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة ، والدعاء إلى طاعة الله ، وهذا معنى قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي . وقال عطية : لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم . فعلى هذا معنى قوله : { بَعْدَ إِصْلَاحِهَا } أي : بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب . { وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } ، أي : خوفا منه ومن عذابه وطمعا فيما عنده من مغفرته وثوابه . وقال ابن جريج : خوف العدل وطمع الفضل . { إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } ، ولم يقل قريبة ، قال سعيد بن جبير : الرحمة ها هنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ كقوله : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ } ، ولم يقل منها لأنه أراد الميراث والمال . وقال الخليل بن أحمد : القريب والبعيد يستوي فيهما في اللغة المذكر والمؤنث والواحد والجمع . قال أبو عمرو بن العلاء : القريب في اللغة يكون بمعنى القرب وبمعنى المسافة ، تقول العرب :","part":3,"page":130},{"id":1131,"text":"هذه امرأة قريبة منك إذا كانت بمعنى القرابة ، وقريب منك إذا كانت بمعنى المسافة .","part":3,"page":131},{"id":1132,"text":"[57] قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا } ، قرأ عاصم ( بشرا ) بالباء وضمها وسكون الشين ها هنا وفي الفرقان وسورة النمل ، ويعني : أنها تبشر بالمطر بدليل قوله تعالى : { الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ } ، وقرأ حمزة والكسائي نشرا بالنون وفتحها ، وهي الريح الطيبة اللينة ، قال الله تعالى : { وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا } وقرأ ابن عامر بضم النون وسكون الشين ، وقرأ الآخرون بضم النون والشين ، جمع نشور ، مثل صبور وصبر ورسول ورسل ، أي : متفرقة وهي الرياح التي تهب من كل ناحية . { بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } ، أي : قدام المطر { حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ } ، حملت الرياح ، { سَحَابًا ثِقَالًا } بالمطر ، { سُقْنَاهُ } ، ورد الكناية إلى السحاب ، { لِبَلَدٍ مَيِّتٍ } . إلى بلد ميت محتاج إلى الماء . وقيل : معناه لإحياء بلد ميت لا نبات فيه { فَأَنْزَلْنَا بِهِ } ، أي : بالسحاب . وقيل : بذلك البلد الميت ، { الْمَاءَ } ، يعني : المطر ، { فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى } ، استدل بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ، قال أبو","part":3,"page":132},{"id":1133,"text":"هريرة وابن عباس : إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أرسل الله عليهم مطرا كمني الرجال من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان ، فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ، ثم يلقي عليهم النوم فينامون في قبورهم ، ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في رءوسهم وأعينهم ، فعند ذلك يقولون : { يا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا } .","part":3,"page":133},{"id":1134,"text":"[58] قوله تعالى : { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ } ، هذا مثل ضربه الله عز وجل للمؤمن والكافر ، فمثل المؤمن مثل البلد الطيب يصيبه المطر فيخرج نباته بإذن ربه ، { وَالَّذِي خَبُثَ } ، يريد الأرض السبخة التي ، { لَا يَخْرُجُ } ، نباتها ، { إِلَّا نَكِدًا } ، قرأ أبو جعفر بفتح الكاف ، وقرأ الآخرون بكسرها ، أي : عسرا قليلا بعناء ومشقة . فالأول مثل المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله وانتفع به ، والثاني مثل الكافر الذي يسمع القرآن فلا يؤثر فيه ، كالبلد الخبيث الذي لا يتبين أثر المطر فيه { كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ } نبينها ، { لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } عن أبي موسى رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم","part":3,"page":134},{"id":1135,"text":"يقبل هدى الله الذي أرسلت به » (1) .\r[59] قوله تعالى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ } ، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس ، وهو أول نبي بعث بعد إدريس فقال ، لقومه ، { يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ، قرأ أبو جعفر والكسائي من إله غيره بكسر الراء حيث كان على نعت الإله ، وافق حمزة في سورة فاطر : { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ } ، وقرأ الآخرون برفع الراء على التقديم ، تقديره : مالكم غيره من إله ، { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ } ، إن لم تؤمنوا, { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .\r[60] { قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ } ، خطأ وزوال عن الحق ، { مُبِينٍ } بَيَّن .\r[61] { قَالَ } ، نوح ، { يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ } ، ولم يقل ليست ، لأن معنى الضلالة الضلال أو على تقديم الفعل ، { وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في العلم 1 / 175 ومسلم في الفضائل رقم (2282) 2 / 1787 والمصنف في شرح السنة 1 / 287 .","part":3,"page":135},{"id":1136,"text":"[62] { أُبَلِّغُكُمْ } ، قرأ أبو عمرو : ( أبلغكم ) بالتخفيف حيث كان من الإبلاغ . لقوله : ( لقد أبلغتكم ) ، { رِسَالَاتِ رَبِّي } ، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ، وقرأ الآخرون بالتشديد من التبليغ ، لقوله تعالى : { بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } ، رسالات ربي ، { وَأَنْصَحُ لَكُمْ } ، يقال : نصحته ونصحت له . والنصح أن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه ، { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ، أن عقابه لا يرد عن القوم المجرمين .\r[63] { أَوَعَجِبْتُمْ } ، ألف استفهام دخلت على واو العطف ، { أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما . موعظة . وقيل : بيان . وقيل . رسالة . { عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ } ، عذاب الله إن لم تؤمنوا ، { وَلِتَتَّقُوا } ، أي : لكي تتقوا الله ، { وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، لكي ترحموا .","part":3,"page":136},{"id":1137,"text":"[64] { فَكَذَّبُوهُ } يعني : كذبوا نوحا ، { فَأَنْجَيْنَاهُ } ، من الطوفان ، { وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ } ، في السفينة ، { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ } ، أي : كفارا . قال ابن عباس : عميت قلوبهم عن معرفة الله . قال الزجاج : عموا عن الحق والإيمان ، يقال : رجل عم عن الحق وأعمى في البصر . وقيل : العمى والأعمى كالخضر والأخضر . قال مقاتل : عموا عن نزول العذاب وهو الغرق .\r[65] قوله تعالى : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } ، أي : وأرسلنا إلى عاد ، وهو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام ، وهي عاد الأولى أخاهم في النسب لا في الدين ، ( هودا ) وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص . وقال ابن إسحاق : هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ، { قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ } ، أفلا تخافون نقمته؟","part":3,"page":137},{"id":1138,"text":"[66] { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ } ، يا هود ، { فِي سَفَاهَةٍ } ، في حمق وجهالة . قال ابن عباس رضي الله عنهما : تدعو إلى دين لا نعرفه ، { وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } ، أنك رسول الله إلينا .\r[67] { قَالَ } , هود { يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .","part":3,"page":138},{"id":1139,"text":"[68] { أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } ، ناصح أدعوكم إلى التوبة أمين على الرسالة . قال الكلبي . كنت فيكم قبل اليوم أمينا .\r[69] { أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ } ، يعني نفسه ، { لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ } ، يعني في الأرض ، { مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } أي : من بعد إهلاكهم ، { وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً } ، أي : طولا وقوة { فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ } نعم الله ، واحدها إلى وآلاء ، مثل : معى وأمعاء ، وقفا وأقفاء ونظيرها : ( آناء الليل ) ، واحدها أنا وآناء ، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .\r[70] { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } ، من الأصنام ، { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } ، من العذاب ، { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } .","part":3,"page":139},{"id":1140,"text":"[71] { قَالَ } ، هود { قَدْ وَقَعَ } ، وجب ونزل ، { عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ } أي : عذاب ، والسين مبدلة من الزاي ، { وَغَضَبٌ } ، أي : سخط ، { أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا } ، وضعتموها ، { أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ } ، قال أهل التفسير : كانت لهم أصنام يعبدونها سموها أسماء مختلفة ، { مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } ، حجة وبرهان ، { فَانْتَظِرُوا } ، نزول العذاب ، { إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } .\r[72] { فَأَنْجَيْنَاهُ } ، يعني هودا عند نزول العذاب ، { وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } ، أي : استأصلناهم وأهلكناهم عن آخرهم ، { وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ } .","part":3,"page":140},{"id":1141,"text":"[73] قوله تعالى : { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا } ، وهو ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح ، وأراد ها هنا القبيلة . قال أبو عمرو بن العلاء : سميت ثمود لقلة مائها ، والثمد : الماء القليل ، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى ، ( أخاهم صالحا ) أي أرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب لا في الدين صالحا ، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماشيح بن عبيد بن خادر بن ثمود ، { قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } , حجة من ربكم على صدقي { هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ } ، أضافها إليه على التفضيل والتخصيص ، كما يقال : بيت الله { لَكُمْ آيَةً } نصب على الحال { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ } العشب ، { فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } ، لا تصيبوها بعقر ، { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .","part":3,"page":141},{"id":1142,"text":"[74] { وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ } ، أسكنكم وأنزلكم ، { فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا } ، كانوا ينقبون في الجبال البيوت ففي الصيف يسكنون بيوت الطين ، وفي الشتاء بيوت الجبال . وقيل : كانوا ينحتون البيوت في الجبل لأن بيوت الطين ما كانت تبقى مدة أعمارهم لطول أعمارهم ، { فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } والعيث : أشد الفساد .\r[75] { قَالَ الْمَلَأُ } قرأ ابن عامر : وقَالَ الْمَلَأُ بالواو ، { الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } يعني الأشراف والقادة الذين تعظموا عن الإيمان بصالح ، { لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا } ، يعني الأتباع ، { لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ } ، يعني : قال الكفار للمؤمنين ، { أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ } ، إليكم ، { قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ } .\r[76] { قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } ، جاحدون .","part":3,"page":142},{"id":1143,"text":"[77] { فَعَقَرُوا النَّاقَةَ } ، قال الأزهري : العقر هو قطع عرقوب البعير ، ثم جعل النحر عقرا لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره . { وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ } ، والعتو الغلو في الباطل ، يقال : عتا يعتو عتوا إذا استكبروا ، والمعنى : عصوا الله وتركوا أمره في الناقة وكذبوا نبيهم . { وَقَالُوا يا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } ، أي : من العذاب ، { إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } .\r[78] { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } ، وهي زلزلة الأرض وحركتها وأهلكوا بالصيحة والرجفة ، { فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ } ، قيل : أراد الديار . وقيل : أراد في أرضهم وبلدتهم ، ولذلك وحد الدار ، { جَاثِمِينَ } ، خامدين ميتين . قيل : سقطوا على وجوههم موتى عن آخرهم .","part":3,"page":143},{"id":1144,"text":"[79] { فَتَوَلَّى } ، أعرض صالح ، { عَنْهُمْ وَقَالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } ، فإن قيل : كيف خاطبهم بقوله لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم بعدما أهلكوا بالرجفة؟ قيل : كما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقاهم في القليب ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : « أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال النبي-صلى الله عليه وسلم : \"والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكن لا يجيبون » (1) . وقيل : خاطبهم ليكون عبرة لمن خلفهم . وقيل : في الآية تقديم وتأخير تقديرها : فتولى عنهم ، وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي فأخذتهم الرجفة .\r_________\r(1) قطعة من حديث أنس بن مالك أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل 7 / 300, 301 .","part":3,"page":144},{"id":1145,"text":"[80] قوله تعالى : { وَلُوطًا } ، أي : وأرسلنا لوطا . وقيل : معناه واذكر لوطا . وهو لوط بن هاران بن تارخ بن أخي إبراهيم ، { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } ، وهم أهل سدوم وذلك أن لوطا شخص من أرض بابل سافر مع عمه إبراهيم عليه السلام مؤمنا مهاجرا معه إلى الشام ، فنزل إبراهيم فلسطين وأنزل لوطا الأردن ، فأرسله الله عز وجل إلى أهل سدوم فقال لهم : { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ } ، يعني : إتيان الذكران ، { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ } ، قال عمرو بن دينار : ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط .\r[81] { إِنَّكُمْ } ، قرأ أهل المدينة وحفص إنكم بكسر الألف على الخبر ، وقرأ الآخرون على الاستئناف . { لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ } ، في أدبارهم ، { شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ } ، فسر تلك الفاحشة يعنى أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء ، { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ } مجاوزون الحلال إلى الحرام . قال محمد بن إسحاق : كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس لينالوا من ثمارهم فآذوهم .","part":3,"page":145},{"id":1146,"text":"[82] { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا } ، قال بعضهم لبعض ، { أَخْرِجُوهُمْ } ، يعني : لوطا وأهل دينه ، { مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } ، يتنزهون عن أدبار الرجال .\r[83] { فَأَنْجَيْنَاهُ } ، يعني : لوطا ، { وَأَهْلَهُ } ، المؤمنين, وقيل : أهله ابنتاه ، { إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } ، يعني الباقين في العذاب . وقيل : معناه كانت من الباقين المعمرين قد أتى عليها دهر طويل فهلكت مع من هلك من قوم لوط ، وإنما قال : { مِنَ الْغَابِرِينَ } , لأنه أراد ممن بقى من الرجال فلما ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قال من الغابرين .\r[84] { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا } . يعني حجارة من سجيل قال وهب : الكبريت والنار ، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } ، قال أبو عبيدة : يقال في العذاب أمطر وفي الرحمة مطر .","part":3,"page":146},{"id":1147,"text":"[85] قوله تعالى : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا } : وأرسلنا إلى ولد مدين وهو مدين بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام ، وهم أصحاب الأيكة أخاهم شعيبا في النسب لا في الدين . قال عطاء : هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم . وقال ابن إسحاق : هو شعيب بن ميكائيل بن يزجر بن مدين بن إبراهيم وأم ميكائيل بنت لوط . وقيل : هو شعيب بن يثرون بن مدين ، وكان شعيب أعمى وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه ، وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان ، { قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } ، فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : { قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } ولم تكن لهم آية مذكورة؟ قيل . قد كانت لهم هذه الآية إلا أنها لم تذكر ، وليست كل الآيات مذكورة في القرآن ، وقيل : أراد بالبينة مجيء شعيب ، { فَأَوْفُوا الْكَيْلَ } ، أتموا الكيل ، { وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } ، لا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها ، { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا } ، أي : ببعث الرسل","part":3,"page":147},{"id":1148,"text":"والأمر بالعدل ، وكل نبي بعث إلى قوم فهو صلاحهم ، { ذَلِكُمْ } الذي ذكرت لكم وأمرتكم به ، { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، مصدقين بما أقول .\r[86] { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ } ، أي : على كل طريق ، { تُوعِدُونَ } تهددون { وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، دين الله ، { مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } ، زيغا ، وقيل : تطلبون الاعوجاج في الدين والعدول عن القصد ، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق فيقولون لمن يريد الإيمان بشعيب : إن شعيب كذاب فلا يفتننك عن دينك ويتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوفونهم . وقال السدي : كانوا عشارين . { وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ } ، فكثر عددهم ، { وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } ، أي : آخر أمر قوم لوط .\r[87] { وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا } ، أي : إن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مكذبين ومصدقين ، { فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا } ، بتعذيب المكذبين وإنجاء المصدقين ، { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } .","part":3,"page":148},{"id":1149,"text":"[88] { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } ، يعني الرؤساء الذين تعظموا عن الإيمان به ، { لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } ، لترجعن إلى ديننا الذي نحن عليه { قَالَ } شعيب { أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ } ، يعني : لو كنا أي : وإن كنا كارهبن لذلك فتجبروننا عليه؟","part":3,"page":149},{"id":1150,"text":"[89] { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا } ، بعد إذ أنقذنا الله منها ، { إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا } يقول إلا أن يكون قد سبق لنا في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا . فإن قيل : ما معنى قوله : { أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } ، { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا } ولم يكن شعيب قط على ملتهم حتى يصح قولهم ترجع إلى ملتنا؟ قيل : معناه أو لتدخلن في ملتنا ، فقال : وما كان لنا أن ندخل فيها . وقيل : معناه إن صرنا في ملتكم ، ومعنى (عاد) صار ، وقيل : أراد به قوم شعيب لأنهم كانوا كفارا فآمنوا فأجاب شعيب عنهم ، قوله : { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } ، أحاط علمه بكل شيء { عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا } ، فيما توعدوننا به . ثم عاد شعيب بعد ما أيس من فلاحهم فقال : { رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا } ، أي : اقض بيننا ، { بِالْحَقِّ } ، والفتاح : القاضي ، { وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ } أي : الحاكمين .","part":3,"page":150},{"id":1151,"text":"[90] { وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا } ، وتركتم دينكم ، { إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } ، مغبونون وقال عطاء : جاهلون ، قال الضحاك : عجزة .\r[91] { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } ، قال الكلبي : الزلزلة . وقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره : فتح الله عليهم بابا من جهنم فأرسل عليهم حرا شديدا فآخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظل ولا ماء فكانوا يدخلون الأسراب ليتبردوا فيها فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا من الظاهر ، فخرجوا هربا إلى البرية فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فأظلتهم ، وهي الظلة ، فوجدوا لها بردا ونسيما فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا تحت السحابة ، رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم نارا ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلى ، وصاورا رمادا { فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } .\r[92] وقوله تعالى : { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا } ، أي : لم يقيموا ولما ينزلوا فيها ، من قولهم : غنيت بالمكان إذا قمت به ، والمغاني المنازل واحدها مغنى ، وقيل : كأن لم يتنعموا فيها .","part":3,"page":151},{"id":1152,"text":"{ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ } ، لا المؤمنين كما زعموا .\r[93] { فَتَوَلَّى } ، أعرض { عَنْهُمْ } شعيب شاخصا من بين أظهرهم حين أتاهم العذاب { وَقَالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى } ، أحزن, { عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ } ، والأسى : الحزن : والأسى : الصبر .\r[94] قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ } ، فيه إضمار ، يعني : فكذبوه ، { إِلَّا أَخَذْنَا } ، عاقبنا { أَهْلَهَا } ، حين لم يؤمنوا ، { بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ } ، قال ابن مسعود : البأساء : الفقر والضراء : المرض ، وهذا معنى قول من قال البأساء في المال والضراء في النفس . وقيل : البأساء البؤس وضيق العيش ، والضراء والضر سوء الحال . وقيل : البأساء في الحرب والضراء الجدب ، { لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } ، لكي يتضرعوا فيتوبوا .","part":3,"page":152},{"id":1153,"text":"[95] { ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ } ، يعني : مكان البأساء والضراء الحسنة ، يعني النعمة والسعة والخصب والصحة ، { حَتَّى عَفَوْا } ، أي : كثروا وازدادوا ، وكثرت أموالهم ، يقال : عفا الشعر إذا كثر . قال مجاهد : وكثرت أموالهم وأولادهم ، { وَقَالُوا } ، من غرتهم وغفلتهم بعد ما صاروا إلى الرخاء ، { قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ } ، أي : هكذا كانت عادة الدهر قديما لنا ولآبائنا ولم يكن ما مسنا من الضراء عقوبة من الله ، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم فإنهم لم يتركوا دينهم لما أصابهم من الضراء ، قال الله تعالى : { فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً } ، فجأة آمن ما كانوا { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } ، بنزول العذاب .","part":3,"page":153},{"id":1154,"text":"[96] { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } يعني : المطر من السماء والنبات من الأرض ، وأصل البركة : المواظبة على الشيء ، أي : تابعنا عليهم المطر والنبات ورفعنا عنهم القحط والجدب ، { وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ، من الأعمال الخبيثة .\r[97] { أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى } الذين كفروا وكذبوا ، يعني : أهل مكة وما حولها ، { أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا } ، عذابنا { بَيَاتًا } ، ليلا ، { وَهُمْ نَائِمُونَ } .\r[98] { أَوَأَمِنَ } ، قرأ أهل الحجاز والشام : ( أو أمن ) بسكون الواو ، والباقون بفتحها ، { أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى } ، أي : نهارا : والضحى : صدر النهار ، ووقت انبساط الشمس ، { وَهُمْ يَلْعَبُونَ } ، ساهون لاهون .\r[99] { أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } ومكر الله استدراجه إياهم بما أنعم عليهم في دنياهم . وقال عطية : يعني أخذه وعذابه .","part":3,"page":154},{"id":1155,"text":"[100] { أَوَلَمْ يَهْدِ } ، قرأ قتادة ويعقوب : نهد بالنون على التعظيم ، والباقون بالياء على التفريد ، يعني أولم نبين ، { لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ } ، هلاك { أَهْلِهَا } ، الذين كانوا فيها قبلهم { أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ } ، أي : أخذناهم وعاقبناهم ، { بِذُنُوبِهِمْ } كما عاقبنا من قبلهم ، { وَنَطْبَعُ } ، نختم ، { عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } ، الإيمان ولا يقبلون الموعظة ، قال الزجاج : قوله ( نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) منقطع عما قبله لأن قوله { أَصَبْنَاهُمْ } ماض ، و { نَطْبَعُ } مستقبل .","part":3,"page":155},{"id":1156,"text":"[101] { تِلْكَ الْقُرَى } ، أي : هذه القرى التي ذكرت لك أمرها وأمر أهلها يعني قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب . { نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا } ، أخبارها لما فيها من الاعتبار ، { وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } ، بالآيات والمعجزات والعجائب ، { فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ } ، أي : فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات والعجائب بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك العجائب ، نظيره قوله عز وجل : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ } . قال ابن عباس والسدي . يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم ، فأقروا باللسان وأضمروا التكذيب . وقال مجاهد : معناه فما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم ، كقوله عز وجل : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ } . قال يمان بن رباب : هذا على معنى أن كل نبي أنذر قومه بالعذاب فكذبوه ، يقول : ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية ، بل كذبوا بما","part":3,"page":156},{"id":1157,"text":"كذب أوائلهم ، نظيره قوله عز وجل : { كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } . { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ } ، أي : كما طبع الله على قلوب الأمم الخالية التي أهلكها كذلك يطبع الله على قلوب الكفار الذين كتب عليهم أن لا يؤمنوا من قومك .\r[102] { وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ } ، أي : وفاء بالعهد الذي عاهدهم يوم الميثاق ، حين أخرجهم من صلب آدم { وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ } ، أي : ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين ناقضين للعهد .\r[103] قوله تعالى : { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ } ، أي : من بعد نوح وهود وصالح وشعيب ، { مُوسَى بِآيَاتِنَا } ، بأدلتنا ، { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا } ، فجحدوا بها ، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، فظلمهم وضع الكفر موضع الإيمان ، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } ، وكيف فعلنا بهم .","part":3,"page":157},{"id":1158,"text":"[104] { وَقَالَ مُوسَى } لما دخل على فرعون { يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } إليك ، فقال فرعون : كذبت ، فقال موسى :\r[105] { حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } ، أي : أنا خليق بألا أقول على الله إلا الحق ، فتكون على بمعنى الباء كما يقال : رميت بالقوس ورميت على القوس ، وجئت على حال حسنة وبحال حسنة ، يدل عليه قراءة أبي والأعمش (حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق) ، وقال أبو عبيدة : معناه حريص على ألا أقول على الله إلا الحق ، وقرأ نافع (علي) بتشديد الياء أي حق واجب علي ألا أقول على الله إلا الحق . { قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } ، يعني العصا ، { فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، أي : أطلق عنهم وخلهم يرجعون . إلى الأرض المقدسة ، وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة من ضرب اللبن ونقل التراب ونحوهما ، فقال فرعون مجيبا لموسى .\r[106] { قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }","part":3,"page":158},{"id":1159,"text":"[107] { فَأَلْقَى } موسى { عَصَاهُ } من يده { فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ } والثعبان : الذكر العظيم من الحيات ، فإن قيل . أليس قد قال في موضع آخر { كَأَنَّهَا جَانٌّ } ، والجان الحية الصغيرة؟ قيل : إنها كانت كالجان في الحركة والخفة ، وهي في جثتها حية عظيمة . قال ابن عباس والسدي : إنه لما ألقى العصا صارت حية عظيمة صفراء شعراء فاغرة فاها ما بين لحييها ثمانون ذراعا وارتفعت من الأرض بقدر ميل ، وقامت له على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر ، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه ، وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل ، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ثم قال فرعون : هل معك آية أخرى؟ قال : نعم .\r[108] { وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } ، فأدخل يده في جيبه ثم نزعها ، وقيل : أخرجها من تحت إبطه فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس ، وكان موسى آدم ، ثم أدخلها جيبه فصارت كما كانت .","part":3,"page":159},{"id":1160,"text":"[109] { قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ } ، يعنون إنه ليأخذ بأعين الناس حتى يخيل إليهم العصا حية والآدم أبيض ، ويري الشيء بخلاف ما هو به .\r[110] { يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ } ، يا معشر القبط ، { مِنْ أَرْضِكُمْ } ، مصر ، { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } ، أي : تشيرون إليه ، هذا يقوله فرعون وإن لم يذكره ، وقيل : هذا من قول الملأ لفرعون وخاصته .\r[111] { قَالُوا } ، يعني الملأ ، { أَرْجِهْ } قرأ ابن كثير وأهل البصرة وابن عامر بالهمزة وضم الهاء ، وقرأ الآخرون بلا همز ، ثم نافع رواية ورش والكسائي يشبعان الهاء كسرا ، ويسكنها عاصم وحمزة ، ويختلسها أبو جعفر وقالون ، قال عطاء : معناه أخره . وقيل : احبسه ، { وَأَخَاهُ } ، معناه أشاروا عليه بتأخير أمره وترك التعرض له بالقتل ، { وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } ، يعني الشرط في المدائن ، وهي مدائن الصعيد من نواحي مصر ، قالوا : أرسل إلى هذه المدائن رجالا يحشرون إليك من فيها من السحرة ، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد ، فإن غلبهم موسى صدقناه وإن غلبوا علمنا أنه ساحر .","part":3,"page":160},{"id":1161,"text":"[112] فذلك قوله : { يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ } ، قرأ حمزة ، والكسائي (سحار) ها هنا وفي سورة يونس ولم يختلفوا في الشعراء أنه سحار ، قيل : الساحر الذي يعلم السحر ولا يعلم ، والسحار الذي يعلم . وقيل : الساحر من يكون سحره في وقت دون وقت ، والسحار من يديم السحر . قال ابن عباس وابن إسحاق والسدي : قال فرعون لما رأى من سلطان الله في العصا ما رأى : إنا لا نغالب إلا بمن هو منه ، فاتخذ غلمانا من بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الفرحاء يعلمونهم السحر ، فعلموهم سحرا كثيرا وواعد فرعون موسى موعدا فبعث إلى السحرة فجاءوا ومعلمهم معهم ، فقال له : ماذا صنعت؟ قال : قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمرا من السماء فإنه لا طاقة لهم به ، ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا إلا أتى به ، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل : كانوا اثنين وسبعين ، اثنان من القبط وهما رأسا القوم وسبعون من بني إسرائيل . وقال الكلبي : كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى ، وكانوا سبعين غير رئيسهم . وقال كعب : كانوا اثني عشر ألفا . وقال السدي : كانوا بضعة وثلاثين ألفا . وقال عكرمة :","part":3,"page":161},{"id":1162,"text":"كانوا سبعين ألفا . وقال محمد بن المنكدر : كانوا ثمانين ألفا . وقال مقاتل : كان رئيس السحرة شمعون . وقال ابن جريج : كان رئيس السحرة يوحنا .\r[113] { وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ } واجتمعوا ، { قَالُوا } ، لفرعون { إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا } ، أي : جعلا ومالا { إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ } ، قرأ أهل الحجاز وحفص { إِنَّ لَنَا } على الخبر ، وقرأ الباقون بالاستفهام ، ولم يختلفوا في الشعراء أنه مستفهم .\r[114] { قَالَ } فرعون { نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } ، في المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر ، قال الكلبي : يعني أول من يدخل وآخر من يخرج .\r[115] { قَالُوا } يعني السحرة { يا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ } عصاك { وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ } ، لعصينا وحبالنا .","part":3,"page":162},{"id":1163,"text":"[116] { قَالَ } ، موسى بل { أَلْقُوا } أنتم ، { فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ } ، أي : صرفوا أعينهم . عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه والتخييل ، وهذا هو السحر ، { وَاسْتَرْهَبُوهُمْ } ، أي : أرهبوهم وأفزعوهم ، { وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } ، وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا . وفي القصة أن الأرض كانت ميلا في ميل صارت حيات وأفاعي في أعين الناس .\r[117] { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } ، فألقاها فصارت حية عظيمة . حتى سدت الأفق . قال ابن زيد : كان اجتماعهم بالإسكندرية { فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ } قرأ حفص ( تلقف ) ساكنة اللام خفيفة حيث كان ، وقرأ الآخرون بفتح اللام وتشديد القاف ، أي : تبتلع ، { مَا يَأْفِكُونَ } ، يكذبون من التخاييل وقيل : يزورون على الناس . فكانت تلتقم حبالهم وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل وقصدت القوم الذين حضروا فوقع الزحام عليهم فهلك منهم في الزحام خمسة وعشرون ألفا ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت .","part":3,"page":163},{"id":1164,"text":"[118] { فَوَقَعَ الْحَقُّ } ، قال الحسن ومجاهد : ظهر الحق ، { وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، من السحر ، وذلك أن السحرة قالوا : لو كان ما يصنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا ، فلما فقدت علموا أن ذلك من أمر الله .\r[119] { فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ } ، ذليلين مقهورين .","part":3,"page":164},{"id":1165,"text":"[120] { وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } لله تعالى . قال مقاتل : ألقاهم الله . وقيل : ألهمهم الله أن يسجدوا فسجدوا . قال الأخفش : من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا .\r[121, 122] { قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } , فقال فرعون : إياي تعنون فقالوا : { رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } ، قال مقاتل : قال موسى لكبير السحرة : تؤمن بي إن غلبتك؟ فقال : لآتين بسحر لا يغلبه سحر ، ولئن غلبتني لأومنن بك ، وفرعون ينظر .\r[123] { قَالَ } لهم { فِرْعَوْنُ } حين آمنوا { آمَنْتُمْ بِهِ } ، قرأ حفص { آمَنْتُمْ } على الخبر هاهنا وفي طه والشعراء ، وقرأ الآخرون بالاستفهام أأمنتم به ، { قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } ، أصدقتم موسى من غير أمري إياكم ، { إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ } ، أي : صنيع صنعتموه أنتم وموسى : { فِي الْمَدِينَةِ } في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على مصر ، { لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ما أفعل بكم .","part":3,"page":165},{"id":1166,"text":"[124] { لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ } ، وهو أن يقطع من كل شق طرفا . قال الكلبي : لأقطعن أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى ، { ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } ، على شاطئ نهر مصر .\r[125] { قَالُوا } ، يعني السحرة لفرعون ، { إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ } ، راجعون في الآخرة .\r[126] { وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا } ، أي : ما تكره منا . وقال الضحاك وغيره : وما تطعن علينا . وقال عطاء : ما لنا عندك من ذنب تعذبنا عليه ، { إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا } ثم فزعوا إلى الله عز وجل فقالوا : { رَبَّنَا أَفْرِغْ } ، اصبب { عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } ، ذكر الكلبي : أن فرعون قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم وذكر غيره : أنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى : { فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } .","part":3,"page":166},{"id":1167,"text":"[127] { وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ } له { أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ } ، وأرادوا بالإفساد في الأرض دعاءهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته ، { وَيَذَرَكَ } ، أي : وليذرك ، { وَآلِهَتَكَ } ، فلا يعبدك ولا يعبدها . قال ابن عباس : كان لفرعون بقرة يعبدها ، وكان إذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها ، فلذلك أخرج السامري لهم عجلا . وقال الحسن : كان قد علق على عنقه صليبا يعبده ، وقال السدي : كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما وأمرهم بعبادتها ، وقال لقومه : هذه آلهتكم وأنا ربها وربكم ، فذلك قوله : { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } ، وقرأ ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك : { وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ } ، بكسر الألف ، أي : عبادتك فلا يعبدك ، لأن فرعون كان يعبد ولا يعبد وقيل : أراد بالآلهة الشمس . وكانوا يعبدونها .","part":3,"page":167},{"id":1168,"text":"{ قَالَ } فرعون { سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ } ، قرأ أهل لحجاز : (سنقتل) بالتخفيف من القتل ، وقرأ الآخرون بالتشديد من التقتيل على التكثير ، { وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } نتركهن أحياء ، { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } غالبون . قال ابن عباس : كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل في العام الذي قيل له أنه يولد مولود يذهب بملكك ، فلم يزل يقتلهم حتى أتاهم موسى بالرسالة ، وكان ، من أمره ما كان ، فقال فرعون : أعيدوا عليهم القتل ، فأعادوا عليهم القتل ، فشكت ذلك بنو إسرائيل .\r[128] { قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ } ، يعني أرض مصر ، { يُورِثُهَا } ، يعطيها { مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } بالنصر والظفر . وقيل : السعادة والشهادة . وقيل : الجنة .","part":3,"page":168},{"id":1169,"text":"[129] { قَالُوا أُوذِينَا } ، قال ابن عباس : لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل ، فقالوا - يعني قوم موسى - إنا أوذينا ، { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا } ، بالرسالة بقتل الأبناء ، { وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } ، بإعادة القتل علينا . وقيل : فالمراد منه أن فرعون كان يستسخرهم قبل مجيء موسى إلى نصف النهار ، فلما جاء موسى استسخرهم جميع النهار بلا أجر . وذكر الكلبي أنهم كانوا يضربون له اللبن بتبن فرعون ، فلما جاء موسى أجبرهم أن يضربوه بتبن من عندهم . { قَالَ } موسى { عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } ، فرعون ، { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ } ، أي : يسكنكم أرض مصر من بعدهم ، { فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ، فحقق الله ذلك بإغراق فرعون واستخلافهم في ديارهم وأموالهم فعبدوا العجل .","part":3,"page":169},{"id":1170,"text":"[130] قوله عز وجل : { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ } ، أي : بالجدب والقحط . تقول العرب : مستهم السنة ، أي : جدب السنة وشدة السنة . وقيل : أراد بالسنين القحط سنة بعد سنة ، { وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ } ، والغلات بالآفات والعاهات . وقال قتادة : أما السنين فلأهل البوادي ، وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار ، { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } ، أي : يتعظون وذلك لأن الشدة ترقق القلوب وترغبها فيما عند الله عز وجل .","part":3,"page":170},{"id":1171,"text":"[131] { فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ } ، يعني الخصب والسعة والعافية ، { قَالُوا لَنَا هَذِهِ } ، أي : نحن أهلها ومستحقوها على العادة التي جرت لنا في سعة أرزاقنا ولم يروها تفضلا من الله عز وجل فيشكروا عليها ، { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } ، جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون ، { يَطَّيَّرُوا } ، يتشاءموا ، { بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ } ، وقالوا : ما أصابنا بلاء حتى رأيناهم ، فهذا من شؤم موسى وقومه . قال الله تعالى : { أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ } ، أي : أنصباؤهم من الخصب والجدب والخير والشر كله من الله . وقال ابن عباس . طائرهم ما قضى الله عليهم وقدر لهم . وفي رواية عنه : شؤمهم عند الله ومن قبل الله أي : إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله . وقيل : معناه الشؤم العظيم الذي لهم عند الله من عذاب النار ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } ، أن الذي أصابهم من الله .","part":3,"page":171},{"id":1172,"text":"[132] { وَقَالُوا } ، يعني : القبط لموسى ، { مَهْمَا } ، متى (ما) كلمة تستعمل للشرط والجزاء ، { تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ } ، من علامة ، { لِتَسْحَرَنَا بِهَا } ، لتنقلنا عما نحن عليه من الدين ، { فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } ، بمصدقين .","part":3,"page":172},{"id":1173,"text":"[133] { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ } ، قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق : دخل كلام بعضهم في بعض لما آمنت السحرة ، ورجع فرعون مغلوبا أبي هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص مع الثمرات ، فلما عالج منهم بالآيات الأربع : العصا واليد والسنين ونقص الثمار ، فأبوأ أن يؤمنوا فدعا عليهم ، فقال : يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه نقضوا عهدك ، رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة ، فبعث الله عليهم الطوفان -وهو الماء- أرسل الله عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة, فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهما ومن جلس منهم غرق ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة ، وركد الماء على أرضهم لا يقدرون أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا ، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت . وقال مجاهد وعطاء : الطوفان الموت . وقال وهب . الطوفان الطاعون بلغة اليمن . وقال أبو قلابة : الطوفان الجدري ، وهم أول من عذبوا به فبقي في الأرض . وقال مقاتل : الطوفان الماء طغى فوق","part":3,"page":173},{"id":1174,"text":"حروثهم ، فقال لموسى : أدع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل ، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان ، فأنبت الله لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأخصبت بلادهم ، فقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا ، فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية ، فبعث الله عليهم الجراد فأكل عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر حتى كانت تأكل الأبواب وسقوف البيوت والخشب والثياب والأمتعة ومسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ، وابتلي الجراد بالجوع ، فكان لا يشبع ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك فعجوا وضجوا ، وقالوا : يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك وأعطوه عهد الله وميثاقه ، فدعا موسى عليه السلام فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية ، فقالوا : قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا ، فلم يفوا بما عاهدوا وعادوا لأعمالهم السوء فأقاموا شهرا في عافية ، ثم بعث الله عليهم القمل . واختلفوا فيه فقيل : القمل السوس الذي يخرج من الحنطة ، وقال مجاهد والسدي وقتادة والكلبي : القمل الدبي","part":3,"page":174},{"id":1175,"text":"والجراد الطيارة التي لها أجنحة ، والدبي الصغار التي لا أجنحة لهها وقال أبو عبيدة : وهو الحمنان وهو ضرب من القراد . وقال عطاء الخراساني : هو القمل . وبه قرأ أبو الحسن (القمل) بفتح القاف وسكون الميم فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم فأكله فصرخوا وصاحوا إلى موسى أنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا البلاء ، فدعا موسى عليه السلام الله فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم وقالوا : وعزة فرعون لا نتبعه أبدا ولا نصدقه ، فأقاموا شهرا في عافية فأرسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم وأطعمتهم وآنيتهم ، فلا يكشف أحد إناء ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع فلقوا منها أذى شديدا فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا ذلك إلى موسى ، وقالوا: هذه المرة نتوب ، ولا نعود فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعدما أقام سبعا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرا في عافية ، ثم نقضوا العهد ، وعادوا لكفرهم، فدعا عليهم موسى فأرسل الله عليهم الدم, فسال النيل عليهم دما ، وصارت مياههم دما ، وما يستقون من الآبار والأنهار إلا وجدوه دما عبيطا أحمر،","part":3,"page":175},{"id":1176,"text":"فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم. وقال زيد بن أسلم : الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف، فأتوا موسى ، وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه عز وجل فكشف عنهم ، فلم يؤمنوا فذلك قوله عز وجل: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ } ، يتبع بعضها بعضا ، وتفصيلها أن كل عذاب كان يمتد أسبوعا ، وبين كل عذابين شهرا { فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ } .\r[134] { وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ } أي: نزل بهم العذب وهو ما ذكر الله عز وجل من الطوفان وغيره . . . . وقال سعيد بن جبير : الرجز الطاعون، وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس، حتى منهم سبعون ألفا في يوم أحد فأمسوا وهم لا يتدافنون، { قَالُوا } لموسى : { يا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ } . أي: بما أوصاك. وقال عطاء : بما نبأك. وقيل: بما عهد عندك من إجابة دعوتك { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ } ، وهو الطاعون، { لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } .","part":3,"page":176},{"id":1177,"text":"[135] قوله وجل: { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ } ، يعني إلى الغرق في اليم، { إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ } ، ينقضون العهد.\r[136] { فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } ، يعني البحر, { بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } ، أي: عن النقمة قبل حلولها غافلين. وقيل: معناه عن آياتنا معرضين.","part":3,"page":177},{"id":1178,"text":"[137] { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ } ، يقهرون ، ويستذلون بذبح الأبناء واستخدام النساء والاستعباد وهم بنو إسرائيل، { مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا } ، يعني مصر والشام، { الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } ، بالماء والأشجار والثمار والخصب والسعة، { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، يعني: وفَّت كلمة الله ، وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين في الأرض، وذلك قوله تعالى: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ } الآية { بِمَا صَبَرُوا } ، على دينهم وعلى عذاب فرعون، { وَدَمَّرْنَا } ، أهلكنا { مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } في أرض مصر من العمارات، { وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ } ، قال مجاهد : يبنون من البيوت والقصور. وقال الحسن : يعرشون من الأشجار والثمار والأعناب، وقرأ ابن عامر وأبو بكر (يَعْرُشُونَ) بضم الراء ها هنا وفي النحل، وقرأ الآخرون بكسرها.","part":3,"page":178},{"id":1179,"text":"[138] قوله تعالى: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ } ، قال الكلبي : عبر بهم موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه ، فصامه شكرا لله عز وجل { فَأَتَوْا } ، فمروا { عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ } يقيمون، قرأ حمزة والكسائي (يَعْكِفُونَ) بكسر الكاف ، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان، { عَلَى أَصْنَامٍ } ، أوثان { لَهُمْ } ، يعبدونها من دون الله. قال ابن جريج : كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل. قال قتادة . كان أولئك القوم من لحم ، وكانوا نزولا بالرقة، فقالت بنو إسرائيل لما رأوا ذلك، { قَالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا } أي مثالا نعبده { كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } ، ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله، وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه ، ونتقرب بتعظيمه إلى الله عز وجل ، وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة ، وكان ذلك لشدة جهلهم. { قَالَ } موسى { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } ، عظمة الله.\r[139] { إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ } ، مهلك، { مَا هُمْ فِيهِ } ، والتتبير الإهلاك، { وَبَاطِلٌ } ، مضمحل وزائل، { مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .","part":3,"page":179},{"id":1180,"text":"[140] { قَالَ } يعني موسى { أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ } ، أي: أبغي لكم وأطلب، { إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } ، أي: على عالمي زمانكم.\r[141] قوله عز وجل: { وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ } ، قرأ ابن عامر (أنجاكم) وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، { مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ } ، قرأ نافع (يَقْتُلُونَ) خفيفة التاء من القتل ، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير من التقتيل، { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } .","part":3,"page":180},{"id":1181,"text":"[142] { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً } ، ذا القعدة, { وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } , من ذي الحجة { فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى } عند انطلاقه إلى الجبل للمناجاة { لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي } ، كن خليفتي، { فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ } ، أي: أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله وقال ابن عباس : يريد الرفق بهم ، والإحسان إليهم { وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } ، أي: لا تطع من عصى الله ، ولا توافقه على أمره ، وذلك أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر أن الله إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون ، وما يذرون! فلما فعل الله ذلك بهم سأل موسى ربه الكتاب ، فأمره الله عز وجل أن يصوم ثلاثين يوما فلما تمت ثلاثون أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خروب، وقال أبو العالية : أكل من لحاء شجرة ، فقالت له الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك ، فأمره الله تعالى أن يصوم عشرة أيام من ذي الحجة، وقال: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، وكانت فتنتهم في العشر التي زادها.","part":3,"page":181},{"id":1182,"text":"[143] قوله عز وجل: { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } ، أي: للوقت الذي ضربنا له أن نكلمه فيه. قال أهل التفسير: إن موسى عليه السلام تطهر ، وطهر ثيابه لميعاد ربه ، فلما أتى طور سيناء ، وكلمه الله ، وناجاه حتى أسمعه، وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلمه ربه ، وأدناه حتى سمع صرير القلم فاستحلى موسى عليه السلام كلام ربه ، واشتاق إلى رؤيته { قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ } ، قال الزجاج : فيه اختصار تقديره : أرني نفسك أنظر إليك.","part":3,"page":182},{"id":1183,"text":"قال ابن عباس : أعطني أنظر إليك فإن قيل: كيف سأل الرؤية ، وقد علم أن الله تعالى لا يرى في الدنيا؟ قال الحسن : هاج به الشوق ، فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يُرَى في الدنيا { قَالَ } الله تعالى { لَنْ تَرَانِي } وليس لبشر أن يطيق النظر إلي في الدنيا من نظر إلي في الدنيا مات فقال: إلهي سمعت كلامك ، فاشتقت إلى النظر إليك ، ولأن أنظر إليك ، ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ، ولا أراك فقال الله عز وجل: { لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } وهو أعظم جبل، وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية، وقالوا: قال الله تعالى: { لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } ، ولن تكون للتأبيد، ولا حجة لهم فيها ، ومعنى الآية: لن تراني في الدنيا أو في الحال، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال ، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية ، ولم يقل : إني لا أرى حتى يكون لهم حجة ، بل علق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل عند التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا. قال الله تعالى: { وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ","part":3,"page":183},{"id":1184,"text":"اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } ، قال ابن عباس : ظهر نور ربه للجبل جبل زبير. وقال الضحاك : أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور. وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار : ما تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكا. وقال السدي : ما تجلى إلا قدر الخنصر، يدل عليه ما روى ثابت عن أنس « أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ، وقال هكذا، ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل » (1) .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير 8 / 451 وقال: حديث حسن صحيح غريب. والحاكم في المستدرك 2 / 320.","part":3,"page":184},{"id":1185,"text":"وحُكِيَ عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر سبعين ألف حجاب نورا قدر الدرهم ، فجعل الجبل دكا، أي: مستويا بالأرض. قرأ حمزة والكسائي (دكاء) ممدودا غير منون ها هنا وفي، سورة الكهف، وافق عاصم في الكهف، وقرأ الآخرون (دكا) مقصورا منونا فمن قصر فمعناه جعله مدقوقا: والدك والدق واحد، وقيل: معناه دكه الله دكا أي: فتته كما قال: { كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا } ، ومن قرأ بالمد أي : جعله مستويا أرضا دكاء. وقيل: معناه جعله مثل دكاء ، وهي الناقة التي لا سنام لها قال ابن عباس : جعله ترابا. وقال سفيان : ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه. وقال عطية العوفي : صار رملا هائلا. وقال الكلبي : جعله دكا أي : كسرا جبالا صغارا قوله عز وجل: { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } ، قال ابن عباس والحسن : مغشيا عليه. وقال قتادة : ميتا. وقال الكلبي : خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة ، وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر { فَلَمَّا أَفَاقَ } ، موسى من صعقته ، وثاب إليه عقله عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له، { قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ } ، عن سؤال الرؤية { وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } ،","part":3,"page":185},{"id":1186,"text":"بأنك لا ترى في الدنيا. وقال مجاهد والسدي : وأنا أول من آمن بك من بني إسرائيل.","part":3,"page":186},{"id":1187,"text":"[144] { قَالَ يا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ } ، اخترتك على الناس، قرأ ابن كثير وأبو عمرو { إِنِّي } بفتح الياء وكذلك (أخي اشدد)، { بِرِسَالَاتِي } ، قرأ أهل الحجاز برسالتي على التوحيد، والآخرون بالجمع، { وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ } ، أعطيتك، { وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } ، لله على نعمه، فإن قيل: فما معنى قوله: { اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي } ، وقد أعطى غيره الرسالة؟ قيل: لما لم تكن الرسالة على العموم في حق الناس كافة استقام قوله : اصطفيتك على الناس ، وإن شاركه فيه غيره، كما يقول للرجل: خصصتك بمشورتي وإن شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم يكون مستقيما.","part":3,"page":187},{"id":1188,"text":"[145] قوله عز وجل: { وَكَتَبْنَا لَهُ } ، يعني لموسى، { فِي الْأَلْوَاحِ } ، قال ابن عباس : يريد ألواح التوراة قال الحسن : كانت الألواح من خشب. قال الكلبي : كانت من زبرجدة خضراء. وقال سعيد بن جبير : كانت من يا قوت أحمر. وقال الربيع بن أنس : كانت الألواح من برد. وقال ابن جريج : كانت من زمرد { مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } ، مما أمروا به ، ونهوا عنه، { مَوْعِظَةً } نهيا عن الجهل، وحقيقة الموعظة: التذكير والتحذير بما يخاف عاقبته، { وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ } ، أي: تبيينا لكل شيء من الأمر والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام. { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } ، أي: بجد واجتهاد. وقيل: بقوة القلب وصحة العزيمة، لأنه إذا أخذه بضعف النية أداه إلى الفتور، { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا } , قال عطاء عن ابن أنس رضي الله عنهما: يحلوا حلالها ، ويحرموا حرامها ، ويتدبروا أمثالها ، ويعملوا بمحكمها، ويقفوا عند متشابهها. وكان موسى عليه السلام أشد عبادة من قومه، فأمر بما لم يؤمروا به. قال قطرب : بأحسنها أي : بحسنها وكلها حسن. وقل: أحسنها الفرائض والنوافل، وهي ما يستحق عليها الثواب ، وما دونها المباح ؛","part":3,"page":188},{"id":1189,"text":"لأنه لا يستحق عليه الثواب. وقيل: بأحسنها بأحسن الأمرين في كل شيء كالعفو أحسن من القصاص والصبر أحسن من الانتصار. { سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ } ، قال مجاهد : مصيرها في الآخرة قال الحسن وعطاء . يعني جهنم، يحذركم أن تكونوا مثلهم. وقال قتادة وغيره: سأدخلكم الشام فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها. قال عطية العوفي : أراد دار فرعون وقومه وهي مصر، يدل عليه قراءة قسامة بن زهير : (سأورثكم دار الفاسقين)، وقال السدي : دار الفاسقين مصارع الكفار. وقال الكلبي : ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا.","part":3,"page":189},{"id":1190,"text":"[146] قوله تعالى: { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } ، قال ابن عباس : يريد الذين يتجبرون على عبادي ، ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي، يعني سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها، عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم للحق، كقوله: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } . قال سفيان بن عيينة : سأمنعهم فهم القرآن. قال ابن جريج : يعني عن خلق السموات والأرض وما فيهما، أي : سأصرفهم أن يتنكروا فيها ويعتبروا بها. وقيل: حكم الآية لأهل مصر خاصة، وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى موسى عليه السلام. والأكثرون على أن الآية عامة { وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا } ، يعني هؤلاء المتكبرين { سَبِيلَ الرُّشْدِ } , قرأ حمزة والكسائي (الرَّشَدِ) بفتح الراء والشين، والآخرون بضم الراء وسكون الشين وهما لغتان كالسُّقْمِ وَالسَّقَم والْبُخْل والْبَخَل والْحُزْن والْحَزَن. وكان أبو عمرو يفرق بينهما، فيقول: الرشد بالضم الصلاح في الأمر وبالفتح الاستقامة في الدين. معنى الآية: وإن يروا طريق الهدى والسداد، { لَا","part":3,"page":190},{"id":1191,"text":"يَتَّخِذُوهُ } لأنفسهم { سَبِيلًا } ، { وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ } أي : طريق الضلال { يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } ، عن التفكر فيها والاتعاظ بها غافلين ساهين.\r[147] { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ } أي: ولقاء الدار الآخرة التي هي موعد الثواب والعقاب، { حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } ، بطلت ، وصارت كأن لم تكن، { هَلْ يُجْزَوْنَ } في العقبى، { إِلَّا مَا كَانُوا } ، أي: إلا جزاء ما كانوا { يَعْمَلُونَ } ، في الدنيا.","part":3,"page":191},{"id":1192,"text":"[148] قوله عز وجل: { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ } ، أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل { مِنْ حُلِيِّهِمْ } التي استعاروها من قوم فرعون . قرأ حمزة والكسائي (من حِلِيِّهِمْ) بكسر الحاء ، وقرأ يعقوب بفتح الحاء وسكون اللام، واتخذ السامري { عِجْلًا } ، وألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام ، فتحول عجلا، { جَسَدًا } ، حيا لحما ودما { لَهُ خُوَارٌ } ، وهو صوت البقر، وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة وجماعة أهل التفسير. وقيل: كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه، كان يسمع منه صوت. وقيل: كان يسمع صوت حفيف الريح يدخل في جوفه ويخرج، والأول أصح. وقيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة. وقيل: كان يخور كثيرا كلما خار سجدوا ، وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وقال وهب: كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرك. وقال السدي : كان يخور ويمشي، { أَلَمْ يَرَوْا } ، يعني: الذين عبدوا العجل { أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا } . قال الله عز وجل: { اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ } ، أي: اتخذوه إلها وكانوا كافرين.","part":3,"page":192},{"id":1193,"text":"[149] { وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ } ، أي: ندموا على عبادة العجل، تقول العرب لكل نادم على أمر: قد سقط في يديه، { وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا } ، يتب علينا ربنا، { وَيَغْفِرْ لَنَا } ، يتجاوز عنا، { لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، قرأ حمزة والكسائي : (ترحمنا وتغفر لنا) بالتاء فيهما، (رَبَّنَا) بنصب الباء. وكان هذا الندم والاستغفار منهم بعد رجوع موسى إليهم.","part":3,"page":193},{"id":1194,"text":"[150] قوله عز وجل: { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا } ، قال أبو الدرداء : الأسف: شديد الغضب. وقال ابن عباس والسدي : أسفا أي : حزينا. والأسف أشد الحزن. { قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي } ، أي: بئس ما عملتم بعد ذهابي، يقال: خلفه بخير أو بشر إذا أولاه في أهله بعد شخوصه عنه خيرا أو شرا، { أَعَجِلْتُمْ } ، أسبقتم { أَمْرَ رَبِّكُمْ } ، قال الحسن : وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين ليلة. وقال الكلبي : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. { وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ } ، التي فيها التوراة ، وكان حاملا لها, وألقاها على الأرض من شدة الغضب. قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع ، فلما ألقى الألواح تكسرت ، فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع، فرفع ما كان من أخبار الغيب ، وبقي ما فيه الموعظة والأحكام والحلال والحرام، { وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ } ، بذوائبه ولحيته { يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } ، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين ، وأحب إلى بني إسرائيل من موسى ؛ لأنه كان لين الغضب. { قَالَ } هارون عند ذلك، { ابْنَ أُمَّ } قرأ أهل الكوفة والشام هاهنا وفي طه بكسر الميم، يريد يا","part":3,"page":194},{"id":1195,"text":"ابن أمي ، فحذف يا ء الإضافة ، وأبقيت الكسرة لتدل على الإضافة كقوله: { يا عِبَادِ } وقرأ أهل الحجاز والبصرة وحفص بفتح الميم على معنى يا أبن أماه. وقيل: جعله اسما واحدا ، وبناه على الفتح، كقولهم: حضر موت وخمسة عشر ونحوهما، وإنما قال : ابن أم ، وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه. وقيل: كان أخاه لأمه دون أبيه، { إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي } ، يعني عبدة العجل، { وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي } ، هموا وقاربوا أن يقتلوني، { فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي } في مؤاخذتك علي { مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ، يعني عبدة العجل.\r[151] { قَالَ } موسى لما تبين له عذر أخيه، { رَبِّ اغْفِرْ لِي } ، ما صنعت إلى أخي { وَلِأَخِي } ، إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل، { وَأَدْخِلْنَا } جميعا { فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .","part":3,"page":195},{"id":1196,"text":"[152] قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ } ، أي : اتخذوه إلها { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ } في الآخرة { وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، قال أبو العالية : هو ما أمروا به من قتل أنفسهم. وقال عطية العوفي : { إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ } أراد اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم عيرهم بصنيع آبائهم ، فنسبه إليهم { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أراد ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الجزية { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ } ، الكاذبين، قال أبو قلابة : هو والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله. قال سفيان بن عيينة : هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة.\r[153] قوله عز وجل: { وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } .","part":3,"page":196},{"id":1197,"text":"[154] قوله تبارك وتعالى: { وَلَمَّا سَكَتَ } ، أي: سكن، { عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ } ، التي كان ألقاها ، وقد ذهبت ستة أسباعها، { وَفِي نُسْخَتِهَا } ، قيل: أراد بها الألواح ؛ لأنها نسخت من اللوح المحفوظ، وقيل: إن موسى لما ألقى الألواح تكسرت ، فنسخ منها نسخة أخرى فهو المراد من قوله: { وَفِي نُسْخَتِهَا } وقيل: أراد وفيما نسخ منها. وقال عطاء : فيما بقي منها. وقال ابن عباس وعمرو بن دينار : لما ألقى موسى الألواح فكسرت صام أربعين يوما فردت عليه في لوحين فكان فيه، { هُدًى وَرَحْمَةٌ } ، أي: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب، { لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } ، أي: للخائفين من ربهم، واللام في (لربهم) زيادة توكيد، كقوله: { رَدِفَ لَكُمْ } ، وقال الكسائي : لما تقدمت قبل الفعل حسنت، كقوله: { لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } ، وقال قطرب : أراد من ربهم يرهبون. وقيل: أراد راهبون. وقيل: أراد راهبون لربهم.","part":3,"page":197},{"id":1198,"text":"[155] قوله تعالى: { وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ } ، أي: من قومه فانتصب لنزع حرف الصفة. { سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا } ، وفيه دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل. قال السدي : أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا، { فَلَمَّا } أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا. وقال ابن إسحاق . اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا ، ويسألوا التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم، فهذا يدل على أن كلهم عبدوا العجل. قال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب : { أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف ، ولم ينهوهم عن المنكر. وقال ابن عباس : إن السبعين الذين قالوا. { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } كانوا قبل السبعين رجلا الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يختار من قومه سبعين رجلا ، فاختارهم ، وبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ، ولا تعطه","part":3,"page":198},{"id":1199,"text":"أحدا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة. قال وهب : لم تكن الرجفة صوتا ، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة ، وقلقوا ، ورجفوا، حتى كادت أن تبين مفاصلهم، فلما رأى موسى ذلك رحمهم ، وخاف عليهم الموت، فاشتد عليه فقدهم ، وكانوا له وزراء على الخير سامعين مطيعين، فعند ذلك دعا ، وبكى ، وناشد ربه فكشف الله عنهم تلك الرجفة، فاطمأنوا ، وسمعوا كلام ربهم، فذلك قوله عز وجل: { قَالَ } ، يعني موسى { رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ } يعني عن عبادة العجل، { وَإِيَّايَ } بقتل القبطي. { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا } ، يعني عبدة العجل، وظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذهم العجل، وقال هذا على طريق السؤال يسأل. أتهلكنا بفعل السفهاء؟ وقال المبرد : قوله { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا } استفهام استعطاف، أي. لا تهلكنا، وقد علم موسى عليه السلام أن الله تعالى أعدل من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره. قوله تعالى: { إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ } , أي: التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا اختبارك وابتلاءك أضللت بها قوما ، فافتتنوا ، وهديت قوما ، فعصمتهم حتى ثبتوا","part":3,"page":199},{"id":1200,"text":"على دينك, فذلك معنى قوله: { تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا } , ناصرنا وحافظنا, { فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ } .","part":3,"page":200},{"id":1201,"text":"[156] { وَاكْتُبْ لَنَا } أوجب لنا { فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً } , النعمة والعافية, { وَفِي الْآخِرَةِ } أي: وفي الآخرة { حَسَنَةً } , المغفرة والجنة, { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } , أي: تبنا إليك, { قَالَ } الله تعالى: { عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ } , من خلقي, { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ } أي : عمت { كُلَّ شَيْءٍ } , قال الحسن وقتادة : وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر, وهي يوم القيامة للمتقين خاصة, وقال عطية العوفي : وسعت كل شيء ولكن لا تجب إلا للذين يتقون, وذلك أن الكافر يرزق ، ويدفع عنه بالمؤمنين لسعة رحمة الله للمؤمنين ، فيعيش فيها فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه. قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وابن جريج : لما نزلت: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فقال الله سبحانه وتعالى: { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } ، فتمناها اليهود والنصارى، وقالوا: نحن نتقي ونؤتي الزكاة ، ونؤمن، فجعلها الله لهذه الأمة فقال:","part":3,"page":201},{"id":1202,"text":"[157] { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ } وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو نبيكم كان أميا لا يكتب ، ولا يقرأ ، ولا يحسب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنا أمة أمية لا نكتب ، ولا نحسب » (1) ، وهو منسوب إلى الأم أي: هو على ما ولدته أمه. وقيل: هو منسوب إلى أمته، أصله أمتي فسقطت التاء في النسبة كما سقطت في المكي والمدني. وقيل: هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة. { الَّذِي يَجِدُونَهُ } أي: يجدون صفته ونعته ونبوته، { مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ } عن عطاء بن يسار قال: « لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا » . (2) وعن كعب رضي الله\r_________\r(1) رواه البخاري في الصوم 4 / 126، ومسلم في كتاب الصيام رقم (1080) 2 / 761 والمصنف في شرح السنة 6 / 228.\r(2) أخرجه البخاري في البيوع 4 / 342 وفي تفسير سورة الفتح 8 / 585.","part":3,"page":202},{"id":1203,"text":"عنه قال: « إني أجد في التوراة مكتوبا: محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون يحمدون الله في كل منزلة ، ويكبرونه على كل نجد، يأتزرون على أنصافهم ، ويوضؤون أطرافهم، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده بمكة ومهاجره بطابة وملكه بالشام » (1) . قوله تعالى: { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } أي: بالإيمان، { وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ } أي: عن الشرك وقيل. المعروف الشريعة والسنة، والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. وقال عطاء : يأمرهم بالمعروف: بخلع الأنداد ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام ، وينهاهم عن المنكر: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام، { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ } ، يعني: ما كانوا يحرمونه في الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، { وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ } ، يعني: الميتة والدم ولحم الخنزير والزنا وغيرها من المحرمات، { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ } ، قرأ ابن عامر (آصارهم) بالجمع، والإصر: كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل. قال ابن\r_________\r(1) أخرجه الدارمي في المقدمة 1 / 5 وابن سعد في الطبقات 1 / 360 والبغوي في المصابيح 4 / 36 وانظر مشكاه المصابيح 3 / 1607 .","part":3,"page":203},{"id":1204,"text":"عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد : يعني العهد الثقيل كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. وقال قتادة : يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين، { وَالْأَغْلَالَ } ، يعني الأثقال { الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } ، وذلك مثل قتل الأنفس في التوبة ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض، وتعيين القصاص في القتل ، وتحريم أخذ الدية، وترك العمل في السبت، وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس وغير ذلك من الشدائد، وشبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق. { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ } ، أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وَعَزَّرُوهُ } ، وقروه، { وَنَصَرُوهُ } , على الأعداء، { وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ } ، يعني: القرآن، { أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .","part":3,"page":204},{"id":1205,"text":"[158] قوله تعالى: { قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ } ، أي: آياته وهي القرآن. وقال مجاهد والسدي : يعني عيسى ابن مريم . ويقرأ (كلمته). { وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } .\r[159] قوله عز وجل: { وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى } ، يعني: بني إسرائيل، { أُمَّةٌ } أي: جماعة، { يَهْدُونَ بِالْحَقِّ } أي: يرشدون ، ويدعون إلى الحق. وقيل. معناه يهتدون ، ويستقيمون عليه، { وَبِهِ يَعْدِلُونَ } أي: بالحق يحكمون وبالعدل يقومون.","part":3,"page":205},{"id":1206,"text":"[160] قوله عز وجل: { وَقَطَّعْنَاهُمُ } ، أي: فرقناهم، يعني بني إسرائيل { اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا } ، قال الفراء : إنما قال { اثْنَتَيْ عَشْرَةَ } ، والسبط مذكر لأنه قال: { أُمَمًا } فرجع التأنيث إلى الأمم. وقال الزجاج : المعنى : وقطعناهم اثنتي عشرة أمما، وإنما قال : { أَسْبَاطًا أُمَمًا } ، بالجمع وما فوق العشرة لا يفسر بالجمع، فلا يقال: أتاني اثنا عشر رجالا ؛ لأن الأسباط في الحقيقة نعت المفسر المحذوف وهو الفرقة، أي: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أمما. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره. وقطعناهم أسباطا أمما اثنتي عشرة، والأسباط القبائل واحدها سبط. قوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ } ، في التيه، { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ } انفجرت. وقال أبو عمرو بن العلاء : عرقت وهو الانبجاس، ثم انفجرت، { مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } ، لكل سبط عين، { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } ، كل سبط، { مَشْرَبَهُمْ } ، وكل سبط بنو أب واحد. قوله تعالى: { وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ } في التيه تقيهم حر الشمس، { وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ","part":3,"page":206},{"id":1207,"text":"الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } .\r[161] { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ } ، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب : (تغفر) بالتاء وضمها وفتح الفاء. وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الفاء، { خَطِيئَاتِكُمْ } ، قرأ ابن عامر (خطيئتكم) على التوحيد ورفع التاء، وقرأ أبو عمرو : (خطاياكم)، وقرأ أهل المدينة ويعقوب : (خطيئاتكم) بالجمع ورفع التاء، وقرأ الآخرون بالجمع وكسر التاء. { سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } .\r[162] { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا } ،عذابا { مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ } .","part":3,"page":207},{"id":1208,"text":"[163] قوله تعالى: { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ } قيل: هي مدين، أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال توبيخ وتقريع عن القرية التي كانت حاضرة البحر، أي: بقربه. قال ابن عباس : هي قرية يقال : لها إيلة بين مدين والطور على شاطئ البحر. وقال الزهري . هي طبرية الشام. { إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ } ، أي: يظلمون فيه ، ويجاوزون أمر الله تعالى بصيد السمك، { إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } ، أي: ظاهرة على الماء كثيرة، جمع شارع. وقال الضحاك : متتابعة. وفي القصة: أنها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض. { وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ } ، كإتيانهم يوم السبت، قرأ الحسن : (لا يسبتون) بضم الياء أي : لا يدخلون في السبت، والقراءة المعروفة بنصب الياء، ومعناه لا يعظمون السبت، { كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ } ، نختبرهم، { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } ، فوسوس إليهم الشيطان ، وقال: إن الله لم ينهكم عن الاصطياد ، وإنما نهاكم عن الأكل، فاصطادوا أو قيل: وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ، فاتخذوا حياضا على شاطئ البحر،","part":3,"page":208},{"id":1209,"text":"تسوقون الحيتان إليها يوم السبت ، ثم تأخذونها يوم الأحد، ففعلوا ذلك زمانا ، ثم تجرؤوا على السبت ، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا فأخذوا ، وأكلوا ، وباعوا، فصار أهل القرية أثلاثا ، وكانوا نحوا من سبعين ألفا، ثلث نهوا، وثلث لم ينهوا ، وسكتوا وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم، وثلث هم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال الناهون: لا نساكنكم في قرية واحدة ، فقسموا القرية بجدار: للمسلمين باب، وللمعتدين باب، ولعنهم داود عليه السلام ، فأصبح الناهون ذات يوم ، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن لهم شأنا لعل الخمر غلبتهم فعلوا على الجدار ، فإذا هم قردة فعرفت القرود أنسابها من الإنس ، ولم تعرف الإنس أنسابها من القرود، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس ، فتشم ثيابه ، وتبكي فيقول: ألم ننهكم ، فتقول برأسها : نعم، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم.","part":3,"page":209},{"id":1210,"text":"[164] قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } ، اختلفوا في الذين قالوا هذا، قيل: كانوا من الفرقة الهالكة، وذلك أنهم لما قيل لهم : انتهوا عن هذا العمل السيئ، قبل أن ينزل بكم العذاب ، وأنا نعلم أن الله منزل بكم بأسه إن لم تنتهوا أجابوا ، وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم، { أَوْ } علمتم أنه { مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا } أي: قال الناهون { مَعْذِرَةً } أي: موعظتنا معذرة { إِلَى رَبِّكُمْ } ، قرأ حفص : { مَعْذِرَةً } بالنصب أي : نفعل ذلك معذرة إلى ربكم. والأصح أنها من قول الفرقة الساكتة، قالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم، قالوا معذرة إلى ربكم، ومعناه أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله، { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ، أي: يتقوا الله ، ويتركوا المعصية ، ولو كان الخطاب مع المعتدين لكان يقول : ولعلكم تتقون.","part":3,"page":210},{"id":1211,"text":"[165] { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } أي: تركوا ما وعظوا به، { أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، يعني الفرقة العاصية، { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } ، أي: شديد وجيع، من البأس وهو الشدة. واختلف القراء فيه: قرأ أهل المدينة وابن عامر { بَئِيسٍ } بكسر الياء على وزن فعل، إلا أن ابن عامر يهمزه، وأبو جعفر ونافع لا يهمزان، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل صيقل، وقرأ الآخرون على وزن فعيل مثل بعير وصغير، { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أسمع الله يقول { أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } ، فلا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ قال عكرمة : قلت له: جعلني الله فداك ألا تراهم قد أنكروا ، وكرهوا ما هم عليه، وقالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم، وإن لم يقل الله أنجيتهم ، فلم يقل: أهلكتهم ، فأعجبه قولي فرضي ، وأمر لي ببردين ، فكسانيهما، وقال: نجت الفرقة الساكتة. وقال يمان بن رباب : نجت الطائفتان الذين قالوا : لم تعظون قوما ،","part":3,"page":211},{"id":1212,"text":"والذين قالوا : معذرة إلى ربكم، وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان ، وهذا قول الحسن . وقال ابن زيد : نجت الناهية ، وهلكت الفرقتان، وهذه أشد آية في ترك النهي عن المنكر.\r[166] قوله تعالى: { فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ } ، قال ابن عباس : أبوا أن يرجعوا عن المعصية { قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } ، مبعدين ، فمكثوا ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس ، ثم هلكوا.\r[167] { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } ، أي: آذن وأعلم ربك، يقال: تأذن وآذن مثل توعد وأوعد. وقال ابن عباس : تأذن ربك قال ربك. وقال مجاهد : أمر ربك. وقال عطاء : حكم ربك. { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، أي: على اليهود، { مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } ، بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته يقاتلونهم حتى يسلموا ، أو يعطوا الجزية، { إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } .","part":3,"page":212},{"id":1213,"text":"[168] { وَقَطَّعْنَاهُمْ } ، وفرقناهم { فِي الْأَرْضِ أُمَمًا } ، فرقا فرقهم الله ، فتشتت أمرهم فلم تجتمع لهم كلمة { مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ } ، قال ابن عباس ومجاهد : يريد الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، { وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ } ، يعني الذين بقوا على الكفر { وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ } ، بالخصب والعافية، { وَالسَّيِّئَاتِ } ، الجدب والشدة، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ، لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا.","part":3,"page":213},{"id":1214,"text":"[169] قوله عز وجل: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ } ، أي: جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم { خَلْفٌ } ، والخلف: القرن الذي يجيء بعد قرن. قال أبو حاتم : الخلف بسكون اللام الأولاد، الواحد ، والجمع فيه سواء، والخلَف بفتح اللام: البدل سواء كان ولدا أو غريبا. وقال ابن الأعرابي : الخلَف بالفتح: الصالح، وبالجزم: الطالح. وقال النضر بن شميل : الخلف بتحريك اللام وإسكانها في الْقَرْن السوء واحد، وأما في الْقَرْن الصالح فبتحريك اللام لا غير. وقال محمد ابن جرير : أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام، وفي الذم بتسكينها ، وقد يحرك في الذم ، ويسكن في المدح. { وَرِثُوا الْكِتَابَ } ، أي: انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة، { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى } ، فالعرض متاع الدنيا، والعرْض بسكون الراء ما كان من الأموال سوى الدراهم والدنانير، وأراد بالأدنى العالم ، وهو هذه الدار الفانية فهو تذكير الدنيا، وهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها ، وضيعوا العمل بها بما فيها ، وخالفوا حكمها يرتشون في حكم الله وتبديل كلماته، { وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } ، ذنوبنا يتمنون على الله الأباطيل. { وَإِنْ يَأْتِهِمْ","part":3,"page":214},{"id":1215,"text":"عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } ، هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب، يقول : إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما، ويتمنون على الله المغفرة ، وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه. وقال السدي . كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم ، فيقال له: مالك ترتشي؟ فيقول: سيغفر لي ، فيطعن عليه الآخرون، فإذا مات ، أو نزع ، وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي أيضا، يقول: وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه. { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } ، أي : أخذ عليهم العهد في التوراة ألا يقولوا على الله الباطل، وهي تمني المغفرة مع الإصرار ، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار، { وَدَرَسُوا مَا فِيهِ } ، قرأوا ما فيه فهم ذاكرون لذلك، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة، ودرس الكتاب قراءته وتدبره مرة بعد أخرى، { وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } .","part":3,"page":215},{"id":1216,"text":"[170] { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ } ، قرأ أبو بكر عن عاصم . (يُمْسِكُونَ) بالتخفيف وقراءة العامة بالتشديد لأنه يقال: مسكت بالشيء، ولا يقال: أمسكت بالشيء، إنما يقال: أمسكته، وقرأ أبي بن كعب . (وَالَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِالْكِتَابِ)، على الماضي ، وهو جيد لقوله تعالى: { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } إذ قل ما يعطف ماض على مستقبل إلا في المعنى، وأراد الذين يعملون بما في الكتاب، قال مجاهد : هم المؤمنون من أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى ، فلم يحرفوه ، ولم يكتموه ، ولم يتخذوه مأكلة. وقال عطاء : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ } .","part":3,"page":216},{"id":1217,"text":"[171] قوله تعالى: { وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ } ، أي: فلقنا الجبل. وقيل: رفعناه { كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } ، قال عطاء : سقيفة. والظلة: كل ما أظلك، { وَظَنُّوا } ، علموا { أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا } ، أي: وقلنا لهم خذوا، { مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ } ، بجد واجتهاد، { وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ } ، واعملوا به { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ، وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، فرفع الله على رؤوسهم جبلا. قال الحسن : فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من أن يسقط عليه، ولذلك لا تجد يهوديا إلا ويكون سجوده على حاجبه الأيسر.","part":3,"page":217},{"id":1218,"text":"[172] قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } ، الآية عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نسأل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله عز وجل خلق آدم ، ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار » (1) ، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ } أي: من ظهور بني آدم ذريتهم، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر . (ذُرِّيَّاتِهِمْ) بالجمع وكسر التاء، وقرأ الآخرون { ذُرِّيَّتَهُمْ } على التوحيد، ونصب التاء، فإن\r_________\r(1) أخرجه أبو داود في السنة باب في القدر 7 / 71 والترمذي في تفسير سورة الأعراف 8 / 452 - 455 وقال: حديث حسن. وصححه الحاكم 1 / 27 وأخرجه الإمام أحمد في المسند 1 / 44، 45 والمصنف في شرح السنة 1 / 139 والآجري في الشريعة ص 170.","part":3,"page":218},{"id":1219,"text":"قيل: ما معنى قوله { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ } وإنما أخرجهم من ظهر آدم ؟ قيل: إن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتولد أسد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه ، وأخرجوا من ظهره. قوله تعالى: { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } ، أي: أشهد بعضهم على بعض. قوله: { شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا } ، قرأ أبو عمرو : أَنْ يَقُولُوا ويقولوا بالياء فيهما، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما، واختلفوا في قوله: { شَهِدْنَا } قال السدي : هو خبر من الله عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم . وقال بعضهم: هو خبر عن قول بني آدم حين أشهد الله بعضهم على بعض، فقالوا : بلى شهدنا. وقال الكلبي : ذلك من قول الملائكة ، وفيه حذف تقديره: لما قالت الذرية: بلى، قال الله للملائكة. اشهدوا، قالوا: شهدنا، وقوله: أن يقولوا يعني: وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا، أي: لئلا يقولوا أو كراهية أن يقولوا، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام: أخاطبكم ألست بربكم لئلا تقولوا، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا","part":3,"page":219},{"id":1220,"text":"غَافِلِينَ } ، أي: عن هذا الميثاق والإقرار، فإن قيل: كيف تلزم الحجة على أحد لا يذكر الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته ، وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معاندا ناقضا للعهد ، ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة.\r[173] قوله تعالى: { أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ } ، يقول إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون: إنما أشرك آباؤنا من قبل ، ونقضوا العهد وكنا ذرية مع بعدهم، أي: كنا أتباعا لهم ، فاقتدينا بهم ، فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا، { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } ، أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد.\r[174] { وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ } أي: نبين الآيات ليتدبرها العباد، { وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ، من الكفر إلى التوحيد.","part":3,"page":220},{"id":1221,"text":"[175] لقوله تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا } الآية، اختلفوا فيه، قال ابن عباس : هو بلعم بن باعوراء . وقال مجاهد : بلعام بن باعر، وقال عطية عن ابن عباس : كان من بني إسرائيل ، وروي عن علي بن أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين. وقال مقاتل : هو من مدينة بلقا، قال مقاتل : إن ملك البلقاء قال لبلعام : ادع الله على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنحت خشبة ليصلبه ، فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ، ووقفت فضربها، فقالت: لم تضربني؟ إني مأمورة وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع ، وأخبر الملك، فقال: لتدعون عليه ، أو لأصلبنك، فدعا على موسى بالاسم الأعظم: ألا يدخل المدينة، فاستجيب له ، ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى : يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعام ، قال: فكما سمعت دعاءه علي ، فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى عليه السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان، فنزع الله عنه المعرفة ، وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء، فذلك قوله: {","part":3,"page":221},{"id":1222,"text":"فَانْسَلَخَ مِنْهَا } ، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم : نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وكانت قصته: أنه كان قد قرأ الكتب ، وعلم أن الله مرسل رسولا فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم حسده ، وكفر به. وقال الحسن وابن كيسان : نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم. وقال قتادة : هذا مثل ضربه الله عز وجل لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله، فذلك قوله { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } . قال ابن عباس والسدي : اسم الله الأعظم. قال ابن زيد : كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه. وقال ابن عباس في رواية أخرى: أوتي كتابا من كتب الله فانسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها. { فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ } ، أي: لحقه وأدركه، { فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ } .","part":3,"page":222},{"id":1223,"text":"[176] { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } ، أي: رفعنا درجته ومنزلته بتلك الآيات. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لرفعناه بعلمه بها. وقال مجاهد وعطاء : لرفعنا عنه الكفر ، وعصمناه بالآيات. { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ } ، أي: سكن إلى الدنيا ، ومال إليها. قال الزجاج : خلد ، وأخلد واحد، وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام، يقال: أخلد فلان بالمكان ، إذا أقام به، والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا ؛ لأن ما فيها من القفار والرباع كلها أرض وسائر متاعها مستخرج من الأرض { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } ، انقاد لما دعاه إليه الهوى. قال ابن زيد : كان هواه مع القوم. قال عطاء : أراد الدنيا ، وأطاع شيطانه وهذه أشد آية على العلماء، وذلك أن الله أخبر أنه آتاه آياته من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه والانسلاخ عنها، ومن الذي يسلم من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله؟ قوله تعالى: { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } ، يقال: لهث الكلب يلهث لهثا إذا أدلع لسانه. قال مجاهد : هو مثل الذي يقرأ","part":3,"page":223},{"id":1224,"text":"الكتاب ، ولا يعمل به. والمعنى: إن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر ، وإن تركته لم يهتد ، فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب: إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا ، وإن ترك وربض كان لاهثا، قال القتيبي : كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وفي حالة الراحة وفي حال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته فهو ضال ، وإن تركته فهو ضال ، كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث، نظيره قوله تعالى: { وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ } ، ثم عم بهذا التمثيل جميع من يكذب بآيات الله فقال: { ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } ، وقيل: هذا مثل لكفار مكة ، وذلك أنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ، ويدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم نبي لا يشكون في صدقه كذبوه فلم يهتدوا تُركوا أو دُعُوا.","part":3,"page":224},{"id":1225,"text":"[177] { سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } ، أي: بئس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وتقديره: ساء مثلا مثل القوم، فحذف مثل وأقيم القوم مقامه فرفع، { وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ } .\r[178] { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .","part":3,"page":225},{"id":1226,"text":"[179] { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ } ، أخبر الله تعالى أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار ، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها وقيل: اللام في قوله { لِجَهَنَّمَ } لام العاقبة، أي: ذرأناهم، وعاقبة أمرهم جهنم، كقوله تعالى: { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } ، ثم وصفهم فقال: { لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا } ، أي: لا يعلمون بها الخير والهدى، { وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا } وطريق الحق وسبيل الرشاد، { وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا } مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ، ويعتبرون بها، ثم ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الأكل والشرب، فقال: { أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } ، أي: كالأنعام في أن همتهم في الأكل والشرب والتمتع بالشهوات، بل هم أضل لأن الأنعام تميز بين المضار والمنافع، فلا تقدم على المضار، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة مع العلم بالهلاك، { أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } .","part":3,"page":226},{"id":1227,"text":"[180] قوله تعالى: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } ، قال مقاتل : وذلك أن رجلا دعا الله في صلاته ، ودعا الرحمن فقال بعض مشركي مكة: إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يدعون أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو اثنين، فأنزل الله عز وجل: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } . والحسنى تأنيث الأحسن كالكبرى والصغرى، فادعوه بها. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر » (1) . { وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ } ، قرأ حمزة (يَلْحَدُونَ) بفتح الياء والحاء حيث كان وافقه الكسائي في النحل والباقون بضم الياء وكسر الحاء، ومعنى الإلحاد: هو الميل عن المقصد، يقال: ألحد يُلحد إلحادا، ولحد يلحد لحودا إذا مال. قال يعقوب بن السكيت : الإلحاد هو العدول عن الحق وإدخال ما ليس منه فيه { وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ } : هم المشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم ، فزادوا ، ونقصوا فاشتقوا اللات من الله والعزى من العزيز ومناة من\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الدعوات 11 / 214 وفي الشروط وفي التوحيد ومسلم في الذكر والدعاء رقم (2677) 4 / 2062 والمصنف في شرح السنة 5 / 30.","part":3,"page":227},{"id":1228,"text":"المنان، هذا قول ابن عباس ومجاهد . وقيل: هو تسميتهم الأصنام آلهة. وروي عن ابن عباس : يلحدون في أسمائه أي : يكذبون. وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تسميته بما لم يسم به ، ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملته أن أسماء الله تعالى على التوقيف فإنه يسمى جواد ، ولا يسمى سخيا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيما ، ولا يسمى رفيقا، ويسمى عالما ، ولا يسمى عاقلا { سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } في الآخرة.\r[181] قوله تعالى: { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ } ، أي: عصابة، { يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } ، قال عطاء عن ابن عباس . يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان. وقال قتادة : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: « هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها ومع قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون » .","part":3,"page":228},{"id":1229,"text":"[182] { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } ، قال عطاء : سنمكر بهم من حيث لا يعلمون. وقيل. نأتيهم من مأمنهم، كما قال: { فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا } ، قال الكلبي : يزين لهم أعمالهم ، ويهلكهم. وقال الضحاك : كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة. قال سفيان الثوري : نسبغ عليهم النعمة ، وننسيهم الشكر. قال أهل المعاني: الاستدراج أن يتدرج إلى الشيء في خفية قليلا قليلا فلا يباغت ، ولا يجاهر، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه في المشي، ومنه درج الكتاب إذا طواه شيئا بعد شيء.\r[183] { وَأُمْلِي لَهُمْ } ، أي: أمهلهم ، وأطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي، { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } ، أي: إن أخذي قوي شديد، قال ابن عباس : إن مكري شديد. قيل: نزلت في المستهزئين ، فقتلهم الله في ليلة واحدة .","part":3,"page":229},{"id":1230,"text":"[184] قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ } ، قال قتادة : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ليلا فجعل يدعو قريشا فخذا فخذا يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يُصَوِّتُ إلى الصباح، فأنزل الله تعالى: { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ } ، محمد صلى الله عليه وسلم: { مِنْ جِنَّةٍ } جنون. { إِنْ هُوَ } ، ما هو، { إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ } ، ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال:\r[185] { أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ } ، فيهما، { مِنْ شَيْءٍ } ، أي : وينظروا إلى ما خلق الله من شيء ليستدلوا بها على وحدانيته { وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ } أي: لعل أن يكون قد اقترب أجلهم فيموتوا قبل أن يؤمنوا ، ويصيروا إلى العذاب، { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } ، أي: بعد القرآن يؤمنون، يقول: بأي كتاب غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون، وليس بعده نبي ولا كتاب، ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال:","part":3,"page":230},{"id":1231,"text":"[186] { مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ } ، قرأ أهل البصرة وعاصم بالياء ورفع الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء، لأن ذكر الله قد مر قبله، وجزم الراء مردود على (يضلل) وقرأ، الآخرون بالنون ورفع الراء على أنه كلام مستأنف. { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } ، يترددون متحيرين.","part":3,"page":231},{"id":1232,"text":"[187] قوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } ، قال قتادة : قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة فَأَسِرَّ إلينا متى الساعة؟ فأنزل الله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ } ، يعني: القيامة، { أَيَّانَ مُرْسَاهَا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: منتهاها. وقال قتادة . قيامها وأصله الثبات، أي: متى مثبتها؟ { قُلْ } يا محمد { إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي } ، استأثر بعلمها ، ولا يعلمها إلا هو، { لَا يُجَلِّيهَا } ، لا يكشفها ، ولا يظهرها. وقال مجاهد : لا يأتي بها، { لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، يعني: ثقل علمها وخفي أمرها على أهل السماوات والأرض، وكل خفي ثقيل. قال الحسن : يقول إذا جاء ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض، { لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً } , فجأة على غفلة { يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا } أي: عالم بها من قولهم أحفيت في المسألة، أي: بالغت فيها، معناه: كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمتها، { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }","part":3,"page":232},{"id":1233,"text":"، أن علمها عند الله حتى سألوا محمدا عنها.","part":3,"page":233},{"id":1234,"text":"[188] { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أهل مكة قالوا. يا محمد ، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه ، وتربح فيه عند الغلاء؟ وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل منها إلى ما قد أخصبت؟ فأنزل الله تعالى: { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا } أي: لا أقدر لنفسي نفعا، أي: اجتلاب نفع بأن أربح ، ولا ضرا، أي دفع ضر بأن أرتحل من أرض تريد أن تجدب إلا ما شاء الله أن أملكه، { وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ } أي : لو كنت أعلم الخصب والجدب ( لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ) أي: من المال لسنة القحط ( وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ )، أي: الضر والفقر والجوع. وقال ابن جريج : { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا } يعني الهدى والضلالة { وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ } ، أي: متى أموت لاستكثرت من الخير، يعني: من العمل الصالح، وما مسني السوء. قال ابن زيد : واجتنبت ما يكون من الشر واتقيته. وقيل: معناه ولو كنت أعلم الغيب أي : متى الساعة لأخبرتكم حتى","part":3,"page":234},{"id":1235,"text":"تؤمنوا ، وما مسني السوء بتكذيبكم. وقيل. وما مسني السوء ابتداء يريد: ما مسني الجنون ؛ لأنهم كانوا ينسبونه إلى الجنون { إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ } ، لمن لا يصدق بما جئت به، { وَبَشِيرٌ } ، بالجنة، { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ، يصدقون.\r[189] قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } ، يعني من آدم ، { وَجَعَلَ } ، وخلق { مِنْهَا زَوْجَهَا } ، يعني: حواء { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ، ليأنس بها ويأوي إليها، { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } ، أي: واقعها وجامعها { حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا } ، وهو أول ما تحمل المرأة من النطفة يكون خفيفا عليها، { فَمَرَّتْ بِهِ } ، أي: استمرت به ، وقامت ، وقعدت به ، ولم يثقلها، { فَلَمَّا أَثْقَلَتْ } ، أي: كبر الولد في بطنها ، وصارت ذات ثقل بحملها ، ودنت ولادتها، { دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا } ، يعني آدم وحواء ، { لَئِنْ آتَيْتَنَا } ، يا ربنا { صَالِحًا } أي: بشرا سويا مثلنا، { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } .","part":3,"page":235},{"id":1236,"text":"[190] { فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا } ، بشرا سويا { جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا } ، قرأ أهل المدينة وأبو بكر (شركا) بكسر الشين والتنوين، أي: شركة، قال أبو عبيدة : أي : حظا ونصيبا، وقرأ الآخرون (شُرَكَاءُ) بضم الشين ممدودا على جمع شريك يعني إبليس، أخبر عن الواحد بلفظ الجمع، أي: جعلا له شريكا إذ سمياه عبد الحارث ، ولم يكن هذا إشراكا في العبادة ، ولا أن الحارث ربهما فإن آدم كان نبيا معصوما من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما يطلق اسم الرب على من لا يراد به أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف على وجه الخضوع لا على أن الضيف ربه، ويقول للغير. أنا عبدك، وقال يوسف لعزيز مصر: إنه ربي، ولم يرد به أنه معبوده كل ذلك هذا. وقوله: { فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، قيل: هذا ابتداء كلام ، وأراد به إشراك أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق فمستقيم من حيث إنه كان الأولى بهما أن لا يفعلا ما آتيا به من الإشراك في الاسم، وفي الآية قول آخر: هو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم، وهو قول","part":3,"page":236},{"id":1237,"text":"الحسن وعكرمة ، ومعناه: جعل أولادهما شركاء فحذف الأولاد ، وأقامهما مقامهم كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء ، فقال: { ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ } ، { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الفعل من آبائهم. وقيل: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا ، فهودوا ، ونصروا. وقال ابن كيسان : هم الكفار سموا أولادهم عبد العزى وعبد الله وعبد مناة ونحوه. وقال عكرمة : خاطب كل واحد من الخلق بقوله : خلقكم أي : خلق كل واحد من أبيه ، وجعل منها زوجها، أي: جعل من جنسها زوجها، وهذا قول حسن لولا قول السلف مثل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة المفسرين أنه في آدم وحواء (1) . قال الله تعالى: ( فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ).\r[191] قوله تعالى: { أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا } ، يعني: إبليس والأصنام، { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } ، أي: هم مخلوقون.\r_________\r(1) أي: لماذا ذكرت تلك الأقوال.","part":3,"page":237},{"id":1238,"text":"[192] { وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا } أي: الأصنام، لا تنصر من أطاعها، { وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } ، قال الحسن : لا يدفعون عن أنفسهم مكروه من أراد بهم بكسر أو نحوه ، ثم خاطب المؤمنين فقال:\r[193] { وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى } ، وإن تدعوا المشركين إلى الإسلام، { لَا يَتَّبِعُوكُمْ } ، قرأ نافع بالتخفيف ، وكذلك: (يتبعهم الغاوون) في الشعراء ، وقرأ الآخرون بالتشديد فيهما وهما لغتان. يقال: تبعه تبعا ، وأتبعه اتباعا. { سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ } ، إلى الدين، { أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ } ، عن دعائهم لا يؤمنون، كما قال: { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } وقيل: ( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى ) يعني الأصنام لا يتبعوكم لأنها غير عاقلة.","part":3,"page":238},{"id":1239,"text":"[194] { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، يعني الأصنام، { عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } ، يريد أنها مملوكة أمثالكم. وقيل: أمثالكم في التسخير، أي: أنهم مسخرون مذللون لما أريد منهم. قال مقاتل : قوله : { عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } أراد به الملائكة، والخطاب مع قوم كانوا يعبدون الملائكة، والأول أصح. { فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، أنها آلهة. قال ابن عباس : فاعبدوهم هل يثيبونكم ، أو يجازونكم إن كنتم صادقين أن لكم عندها منفعة. ثم بين عجزهم فقال:","part":3,"page":239},{"id":1240,"text":"[195] { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا } ، قرأ أبو جعفر بضم الطاء هنا وفي القصص والدخان، وقرأ الآخرون بكسر الطاء { أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } ، أراد أن قدرة المخلوقين تكون بهذه الجوارح والآلات، وليست للأصنام هذه الآلات، فأنتم مفضلون عليهم بالأرجل الماشية والأيدي الباطشة والأعين الباصرة والأذن السامعة، فكيف تعبدون من أنتم أفضل وأقدر منهم؟ { قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } ، يا معشر المشركين { ثُمَّ كِيدُونِ } أنتم وهم، { فَلَا تُنْظِرُونِ } ، أي: لا تمهلوني ، واعجلوا في كيدي.","part":3,"page":240},{"id":1241,"text":"[196] قوله: { إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ } ، يعني القرآن، أي: أنه يتولاني وينصرني كما أيدني بإنزال الكتاب، { وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الذين لا يعدلون بالله شيئا فالله يتولاهم بنصره فلا يضرهم عداوة من عاداهم.\r[197] { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } .\r[198] { وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا } ، يعني الأصنام، { وَتَرَاهُمْ } يا محمد { يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ } ، يعني الأصنام، { وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } ، وليس المراد من النظر حقيقة النظر إنما المراد منه المقابلة، تقول العرب: داري تنظر إلى دارك أي: تقابلها. وقيل: وتراهم ينظرون إليك أي: كأنهم ينظرون إليك، كقوله تعالى: { وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى } ، أي: كأنهم سكارى هذا قول أكثر المفسرين. وقال الحسن : { وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى } يعني المشركين لا يسمعوا ، ولا يفعلون ذلك بقلوبهم ، وتراهم ينظرون إليك بأعينهم ، وهم لا يبصرون بقلوبهم.","part":3,"page":241},{"id":1242,"text":"[199] قوله تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ } ، قال عبد الله بن الزبير : أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وقال مجاهد : خذ العفو يعني العفو من أخلاف الناس وأعمالهم من غير تجسس، وذلك مثل قبول الاعتذار، والعفو والمساهلة وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك وقال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي والضحاك والكلبي : يعني خذ ما عفا لك من الأموال وهو الفضل عن العيال، وذلك معنى قوله: { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ } ، ثم نسخت هذه بالصدقات المفروضات. وقوله تعالى: { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } ، أي: بالمعروف، وهو كل ما يعرفه الشرع. وقال عطاء: وأمر بالعرف يعني بلا إله إلا الله. { وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } ، أبي جهل وأصحابه, نسختها آية السيف، وقيل: إذا تسفه عليك الجاهل فلا تتقابله بالسفه، وذلك مثل قوله. { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } ، وذلك سلام المتاركة. قال جعفر الصادق : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.","part":3,"page":242},{"id":1243,"text":"[200] قوله تعالى: { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ } أي: يصيبنك ويعتريك ، ويعرض لك من الشيطان نزغ نخسة. والنزغ من الشيطان الوسوسة. وقال الزجاج : النزغ أدنى حركة تكون من الآدمي، ومن الشيطان أدنى وسوسة. وقال عبد الرحمن بن زيد : لما نزلت هذه الآية { خُذِ الْعَفْوَ } ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « كيف يا رب والغضب » ، فنزل: { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } ، أي: استجر بالله { إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .","part":3,"page":243},{"id":1244,"text":"[201] { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا } ، يعني المؤمنين، { إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة والكسائي : (طيف)، وقرأ الآخرون { طَائِفٌ } بالمد والهمز وهما لغتان كالميت والمائت ومعناهما: الشيء يلم بك. وفرق قوم بينهما، فقال أبو عمرو : الطائف ما يطوف حول الشيء، والطيف. اللمة والوسوسة. وقيل: الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان، والطيف اللمم والمس. { تَذَكَّرُوا } ، عرفوا، قال سعيد بن جبير . هو الرجل يغضب الغضبة ، فيذكر الله تعالى فيكظما الغيظ. وقال مجاهد : والرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه. { فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } ، أي: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر. وقال السدي : إذا زلوا تابوا. وقال مقاتل: إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر ، وعرف أنه معصية، فأبصر ، فنزغ عن مخالفة الله.","part":3,"page":244},{"id":1245,"text":"[202] قوله: { وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ } ، يعني إخوان الشياطين من المشركين يمدونهم، أي: يمدهم الشيطان. قال الكلبي : لكل كافر أخ من الشياطين. { فِي الْغَيِّ } ، أي: يطلبون هم الإغواء حتى يستمروا عليه. وقيل: يزيدونهم في الضلالة، وقرأ أهل المدينة: (يمدونهم) بضم الياء وكسر الميم من الإمداد والآخرون بفتح الياء وضم الميم وهما لغتان بمعنى واحد، { ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ } ، أي: لا يكفون، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ، ولا الشياطين يمسكون عنهم، فعلى هذا قوله: { ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ } من فعل المشركين والشياطين جميعا. قال الضحاك ومقاتل : يعني المشركين لا يقصرون عن الضلالة ، ولا يبصرونها، بخلاف ما قال في المؤمنين: { تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } .","part":3,"page":245},{"id":1246,"text":"[203] { وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ } ، يعني. إذا لم تأت المشركين بآية، { قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا } ، هلا افتعلتها ، وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك؟ تقول العرب: اجتبيت الكلام إذا اختلقته. قال الكلبي . كان أهل مكة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الآيات تعنتا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا، لولا اجتبيتها؟ أي: هلا أحدثتها ، وأنشأتها من عندك؟ { قُلْ } لهم يا محمد { إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي } ، ثم قال: { هَذَا } ، يعني القرآن { بَصَائِرُ } ، حجج وبيان وبرهان { مِنْ رَبِّكُمْ } واحدتها بصيرة، وأصلها ظهور الشيء واستحكامه حتى يبصره الإنسان، فيهتدي به يقول: هذا دلائل تقودكم إلى الحق. { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .","part":3,"page":246},{"id":1247,"text":"[204] قوله عر وجل: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فذهب جماعة إلى أنها في القراءة في الصلاة. روي عن أبي هريرة أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم ، فأمروا بالسكوت والاستماع إلى قراءة القرآن. وقال قوم: نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام. ورُوِيَ عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة, وقال الكلبي : كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سمع ناسا يقرؤون مع الإمام ، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا ، وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم الله ؟ وهذا قول الحسن والزهري والنخعي : أن الآية في القراءة في الصلاة. وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد : أن الآية في الخطبة، أمروا بالإنصات لخطبة الإمام يوم الجمعة. وقال سعيد بن جبير : هذا في الإنصات يوم الأضحى والفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام. وقال عمر بن عبد العزيز : يجب الإنصات لقول كل واعظ. والأول أولاها، وهو أنها","part":3,"page":247},{"id":1248,"text":"في القراءة في الصلاة ؛ لأن الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة. واتفقوا على أنه مأمور بالإنصات حالة ما يخطب الإمام.\r[205] قوله تعالى: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ } ، قال ابن عباس يعني بالذكر: القراءة في الصلاة، يريد يقرأ سرا في نفسه، { تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } ، خوفا، أي: تتضرع إلي وتخاف مني هذا في صلاة السر. وقوله: { وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ } ، أراد في صلاة الجهر لا تجهر جهرا شديدا بل في خفض وسكون، يسمع من خلفك. وقال مجاهد وابن جريج : أمر أن يذكروه في الصدور بالتضرع إليه في الدعاء والاستكانة، دون رفع الصوت والصياح بالدعاء. { بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ } ، أي: بالبكر والعشيات، واحد آصال: أصيل، مثل يمين وأيمان، وهو ما بين العصر والمغرب.\r[206] { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } ، يعني الملائكة المقربين، { لَا يَسْتَكْبِرُونَ } ، لا يتكبرون { عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ } ، وينزهونه ، ويذكرونه، فيقولون: سبحان الله. { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة ، وحط عنه بها سيئة » (1) .\r_________\r(1) أخرجه ابن ماجه رقم (1423) 1 / 457 والإمام أحمد في المسند 5 / 276, 280، روى نحوه مسلم في الصلاة برقم (488).","part":3,"page":248},{"id":1249,"text":"(8) سورة الأنفال","part":3,"page":249},{"id":1250,"text":"[1] قوله: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ } أي: عن حكم الأنفال وعلمها، وهو سؤال استخبار لا سؤال طلب. وقيل: هو سؤال طلب. قاله الضحاك وعكرمة . وقوله : { عَنِ الْأَنْفَالِ } أي : من الأنفال، عن بمعنى من. وقيل: عن صلة أي: يسألونك الأنفال، وهكذا قراءة ابن مسعود بحذف عن. والأنفال: الغنائم، واحدها نفل، وأصله الزيادة، يقال: نفلتك وأنفلتك أي : زدتك، سميت الغنائم أنفالا ؛ لأنها زيادة من الله تعالى لهذه الأمة على الخصوص. وأكثر المفسرين على أن الآية في غنائم بدر. وقال عطاء : هي ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة ومتاع فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء. قوله تعالى: { قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } يقسمانها كما شاءا ، واختلفوا فيه، فقال مجاهد وعكرمة والسدي : هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } الآية. كانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم فنسخها الله عز وجل بالخمس. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هي ثابتة غير منسوخة، ومعنى الآية: قل الأنفال لله مع الدنيا والآخرة وللرسول","part":3,"page":250},{"id":1251,"text":"يضعها حيث أمره الله تعالى، أي: الحكم فيها لله ولرسوله، وقد بين الله مصارفها في قوله عز وجل: { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } الآية، { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } ، أي: اتقوا الله بطاعته وأصلحوا الحال بينكم بترك المنازعة والمخالفة، وتسليم أمر الغنيمة إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم. { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .","part":3,"page":251},{"id":1252,"text":"[2] { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ } ، يقول: ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } ، خافت ، وفرقت قلوبهم. وقيل: إذا خوفوا بالله انقادوا خوفا من عقابه { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا } ، تصديقا ويقينا، وقال عمير بن حبيب وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادة ونقصانا، وقيل: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله عز وجل ، وحمدناه فذلك زيادته، وإذا سهونا ، وغفلنا فذلك نقصانه، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي : إن للإيمان فرائض وشرائط وشرائع وحدودا وسننا فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ، أي: يفوضون إليه أمورهم ، ويثقون به ، ولا يرجون غيره ، ولا يخافون سواه.\r[3] { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .","part":3,"page":252},{"id":1253,"text":"[4] { أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } ، يعني: يقينا. قال ابن عباس : برؤوا من الكفر. قال مقاتل : حقا لا شك في إيمانهم. وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنا حقا لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه { لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ } ، قال عطاء : يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم. وقال الربيع بن أنس : سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة. { وَمَغْفِرَةٌ } ، لذنوبهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } ، حسن يعني ما أعد لهم في الجنة.","part":3,"page":253},{"id":1254,"text":"[5] قوله تعالى: { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ } ، اختلفوا في الجالب لهذه الكاف التي في قوله { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ } قال المبرد : تقديره الأنفال لله والرسول ، وإن كرهوا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن كرهوا. وقيل: تقديره امض لأمر الله في الأنفال ، وإن كرهوا كما مضيت لأمر الله في الخروج من البيت لطلب العير وهم كارهون. وقال عكرمة : معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم كما أن إخراج محمد صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق خير لكم، وإن كرهه فريق منكم. وقال مجاهد : معناه كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق منهم، كذلك يكرهون القتال ، ويجادلون فيه. وقيل: هو راجع إلى قوله: { لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ } ، تقديره: وعد الله الدرجات لهم حق ينجزه الله عز وجل كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، فأنجز الوعد بالنصر والظفر. وقيل: الكاف بمعنى على، تقديره: امض على الذي أخرجك ربك. وقال أبو عبيدة : هي بمعنى القسم مجازها: والذي أخرجك، لأن (ما) في موضع الذي، وجوابه { يُجَادِلُونَكَ } ، وعليه يقع القسم، تقديره: يجادلونك والله الذي أخرجك ربك من بيتك بالحق. وقيل:","part":3,"page":254},{"id":1255,"text":"الكاف بمعنى إذ تقديره: واذكر إذ أخرجك ربك. قيل: المراد بهذا الإخراج هو إخراجه من مكة إلى المدينة، والأكثرون على أن المراد منه إخراجه من المدينة إلى بدر، أي: كما أمرك ربك بالخروج ( مِنْ بَيْتِكَ ) إلى المدينة ( بِالْحَقِّ) قيل: بالوحي لطلب المشركين { وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، منهم، { لَكَارِهُونَ } .\r[6] { يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ } ، أي: في القتال: { بَعْدَمَا تَبَيَّنَ } ، وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك، وقالوا: لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، وإنما خرجنا للعير، فذلك جدالهم بعدما تبين لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك، وتبين صدقك في الوعد، { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ } لشدة كراهيتهم القتال، { وَهُمْ يَنْظُرُونَ } ، فيه تقديم وتأخير، تقديره: وإن فريقا من المؤمنين لكارهون: كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون يجادلونك في الحق بعد ما تبين. قال ابن زيد : هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام لكراهيتهم إياه وهم ينظرون.","part":3,"page":255},{"id":1256,"text":"[7] قوله تعالى: { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ } أي: الفريقين إحداهما: أبو سفيان مع العير والأخرى: أبو جهل مع النفير، { وَتَوَدُّونَ } ، أي: تريدون { أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } ، يعني العير التي ليس فيها قتال. والشوكة: الشدة والقوة. ويقال السلاح. { وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ } ، أي: يظهره ويعليه، { بِكَلِمَاتِهِ } ، بأمره إياكم بالقتال. وقيل: بعداته التي سبقت من إظهاره الدين وإعزازه، { وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ } ، أي: يستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد، يعني كفار العرب.\r[8] { لِيُحِقَّ الْحَقَّ } ، ليثبت الإسلام، { وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ } ، أي: يفني الكفر: { وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } ، المشركون. وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة ليلة من شهر رمضان.","part":3,"page":256},{"id":1257,"text":"[9] قوله تعالى: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } ، تستجيرون به من عدوكم ، وتطلبون منه الغوث والنصر { فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ } ، مرسل إليكم مددا وردءا لكم، { بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ } ، قرأ أهل المدينة ويعقوب (مُرْدَفِينَ) بفتح الدال، أي: أردف الله المسلمين ، وجاء بهم مددا، وقرأ الآخرون بكسر الدال أي : متتابعين بعضهم في إثر بعض، يقال: أردفته وردفته بمعنى تبعته.\r[10] قوله تعالى: { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ } ، يعني: الإمداد بالملائكة، { إِلَّا بُشْرَى } ، أي: بشارة { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .","part":3,"page":257},{"id":1258,"text":"[11] { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو : (يَغْشَاكُمْ) بفتح الياء (النُّعَاسُ) رفع على أن الفعل له، كقوله تعالى في سورة آل عمران { أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ } ، قرأ أهل المدينة: (يُغْشِيكُمُ) بضم الياء وكسر الشين مخففا، { النُّعَاسَ } نصب كقوله تعالى: { كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ }{ وُجُوهُهُمْ } ، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الشين مشددا، { النُّعَاسَ } نصب على أن الفعل لله عز وجل، كقوله تعالى: { فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى } ، والنعاس. النوم الخفيف. { أَمَنَةً } أمنا { مِنْهُ } ، مصدر أمنت أمنا وأمنة وأمانا. قال عبد الله بن مسعود رصي الله عنه: النعاس في القتال أمنة من الله وفي الصلاة وسوسة من الشيطان. { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } ، وذلك أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء بدر ، وأصبح المسلمون بعضهم محدثين وبعضهم مجنبين، وأصابهم الظمأ ، ووسوس إليهم الشيطان، وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله وأنكم أولياء الله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ،","part":3,"page":258},{"id":1259,"text":"وأنتم تصلون محدثين ومجنبين، فكيف ترجون أن تظهروا عليهم؟ فأرسل الله عز وجل عليهم مطرا سال منه الوادي ، فشرب المؤمنون ، واغتسلوا ، وتوضؤوا ، وسقوا الركاب ، وملؤوا الأسقية ، وأطفأ الغبار ، ولبد الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام ، وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت أنفسهم، فذلك قوله تعالى: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } من الأحداث والجنابة، { وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } ، وسوسته، { وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ } ، باليقين والصبر، { وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ } ، حتى لا تسوخ في الرمل بتلبيد الأرض، وقيل: يثبت به الأقدام بالصبر وقوة القلب.","part":3,"page":259},{"id":1260,"text":"[12] { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ } ، الذين أمد بهم المؤمنين، { أَنِّي مَعَكُمْ } ، بالعون والنصر { فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا } ، أي: قووا قلوبهم. قيل: ذلك التثبيت حضورهم معهم القتال ومعونتهم، أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين. وقال مقاتل : أي. بشروهم بالنصر، وكان الملك يمشي أمام الصف في صورة الرجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم. { سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } ، قال عطاء : يريد الخوف من أوليائي، { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ } ، قيل: هذا خطاب مع المؤمنين. وقيل. هذا خطاب جمع الملائكة، وهو متصل بقوله { فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا } وقوله: { فَوْقَ الْأَعْنَاقِ } قال عكرمة : يعني الرؤوس لأنها فوق الأعناق. وقال الضحاك : معناه فاضربوا الأعناق، وفوق صلة كما قال تعالى: { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ } ، وقيل: معناه فاضربوا على الأعناق، فوق بمعنى على. { وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ، قال عطية : يعني كل مفصل. وقال ابن عباس وابن جريج والضحاك : يعني الأطراف، والبنان جمع بنانة، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين.","part":3,"page":260},{"id":1261,"text":"[13] { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ } ، خالفوا الله، { وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .\r[14] { ذَلِكُمْ } أي: هذا العذاب والضرب الذي عجلته لكم أيها الكفار ببدر { فَذُوقُوهُ } ، عاجلا، { وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ } ، أي: واعلموا ، وأيقنوا أن للكافرين أجلا في المعاد، { عَذَابَ النَّارِ } .\r[15] قوله عز وجل { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا } , أي: مجتمعين متزاحفين بعضكم إلى بعض، والتزاحف: التداني في القتال: والزحف مصدر لذلك لم يجمع، كقولهم: قوم عدل ورضا. قال الليث : الزحف جماعة يزحفون إلى عدو لهم بمرة، فهم الزحف، والجمع الزحوف، { فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ } يقول: فلا تولوهم ظهوركم أي : لا تنهزموا فإن المنهزم يولي دبره.","part":3,"page":261},{"id":1262,"text":"[16] { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } ، ظهره، { إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ } ، أي: منعطفا يرى من نفسه الانهزام، وقصده طلب الغرة وهو يريد الكرة، { أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ } أي: منضما صائرا إلى جماعة من المؤمنين يريد العود إلى القتال. ومعنى الآية النهي عن الانهزام من الكفار والتولي عنهم، إلا على نية التحرف للقتال والانضمام إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم ، ويعود إلى القتال، فمن ولى ظهره لا على هذه النية لحقه الوعيد، كما قال تعالى. { فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } ، واختلف العلماء في هذه الآية، فقال أبو سعيد الخدري : هذا في أهل بدر خاصة، ما كان يجوز لهم الانهزام لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولم يكن ليهم فئة يتحيزون إليها دون النبي صلى الله عليه وسلم، ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض، فيكون الفار متحيزا إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك، قال يزيد بن أبي حبيب . أوجب الله النار لمن فر يوم بدر، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: { إِنَّمَا","part":3,"page":262},{"id":1263,"text":"اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ } ، ثم كان يوم حنين بعده فقال: { ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } . { ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } ، وقال عبد الله بن عمر : « كنا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة ، فانهزمنا، فقلنا: يا رسول الله نحن الفرارون؟ قال: \"بل أنتم الكرارون، أنا فئة المسلمين » (1) . وقال محمد بن سيرين : لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إلي كنت له فئة فأنا فئة كل مسلم. وقال بعضهم: حكم الآية عام في حق كل من ولى منهزما. جاء في الحديث: \"من الكبائر الفرار من الزحف\" (2) وقال عطاء بن أبي رباح : هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ } ، فليس لقوم أن يفروا من مثلهم فنسخت تلك إلا في هذه العدة ، وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا أو يولوا ظهورهم إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، وإن كانوا أقل من ذلك جاز لهم أن يولوا ظهورهم ، وينحازوا عنهم، قال ابن عباس : من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في الجهاد 5 / 378 وقال: حديث حسن غريب، وأبو داود في الجهاد 3 / 438، وسعيد بن منصور في السنن 2 / 209، 210، والشافعي في المسند 2 / 116.\r(2) جاء في أحاديث في أن الفرار من الزحف كبيرة.","part":3,"page":263},{"id":1264,"text":"فقد فر.","part":3,"page":264},{"id":1265,"text":"[17] قوله تعالى: { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ } ، قال مجاهد . سبب نزول هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن القتال كان الرجل يقول: أنا قتلت فلانا ، ويقول الآخر مثله، فنزلت الآية. ومعناه: فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ، ولكن الله قتلهم بنصرته إياكم وتقويته لكم. وقيل: لكن الله قتلهم بإمداد الملائكة. { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } فلما أقبلت قريش يوم بدر ، ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، فأتاه جبريل عليه السلام ، وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان تناول كفا من حصى عليه تراب ، فرمى به في وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق منهم مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخريه منها شيء، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ، ويأسرونهم فذلك قوله تعالى: { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } ، إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من الحصا إلى وجوه جيش ، فلا يبقى فيهم عين إلا ، ويصيبها منه شيء. وقيل: معنى الآية: وما بلغت إذ رميت ، ولكن الله","part":3,"page":265},{"id":1266,"text":"بلغ. وقيل: وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رمشا بالحصباء ، ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا، { وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا } ، أي: ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة، { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } لدعائكم ، { عَلِيمٌ } بنايتكم.\r[18] { ذَلِكُمْ } ، الذي ذكرت من القتل والرمي والبلاء الحسن، { وَأَنَّ اللَّهَ } ، قيل: فيه إضمار، أي: واعلموا أن الله { مُوهِنُ } ، مضعف، { كَيْدِ الْكَافِرِينَ } ، قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة: (مُوَهِّنٌ) بالتشديد والتنوين، (كيدَ) نصب، وقرأ الآخرون \"مُوهِنٌ\" بالتخفيف والتنوين إلا حفصا ، فإنه يضيفه فلا ينون ويخفض ماله { كَيْدِ } .","part":3,"page":266},{"id":1267,"text":"[19] قوله تعالى: { إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ } ، وذلك أن أبا جهل -لعنه الله- قال يوم بدر لما التقى الناس: اللهم أقطعنا للرحم ، وأتانا بما لم نعرف ، فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه ، وقال السدي والكلبي : كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة أخذوا بأستار الكعبة ، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين ، وأهدى الفئتين ، وأكرم الحزبين ، وأفضل الدينين ففيه نزلت: { إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ } ، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وقال عكرمة : قال المشركون: والله لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فأنزل الله عز وجل: { إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ } أي إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. وقال أبي بن كعب : هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى للمسلمين: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح أي: إن تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر قوله: { وَإِنْ تَنْتَهُوا } ، يقول للكفار: إن تنتهوا عن الكفر بالله وقتال نبيه صلى الله عليه وسلم، { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا } ، لحربه وقتاله، { نَعُدْ }","part":3,"page":267},{"id":1268,"text":"بمثل الواقعة التي وقعت بكم يوم بدر. وقيل: وإن تعودوا إلى الدعاء والاستفتاح نعد للفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم، { وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ } ، جماعتكم، { شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } ، قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص { وَأَنَّ اللَّهَ } بفتح الهمزة، أي: ولأن الله مع المؤمنين، كذلك { وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا } ، وقيل: هو عطف على قوله: { ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ } ، وقرأ الآخرون: (وإن الله) بكسر الألف على الابتداء.\r[20] قوله تعالى: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ } ، أي: لا تعرضوا عنه، { وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } ، القرآن ومواعظه.\r[21] { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } ، أي: يقولون بألسنتهم سمعنا بآذاننا ، وهم لا يسمعون، أي: لا يتعظون ، ولا ينتفعون بسماعهم فكأنهم لم يسمعوا.","part":3,"page":268},{"id":1269,"text":"[22] قوله تعالى: { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ } ، أي: شر من دب على وجه الأرض من خلق الله، { الصُّمُّ الْبُكْمُ } ، عن الحق فلا يسمعونه ، ولا يقولونه، { الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ } أمر الله عز وجل سماهم (دواب) لقلة انتفاعهم بعقولهم، كما قال تعالى: { أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } ، قال ابن عباس : هم نفر من بنى عبد الدار بن قصي، كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد ، فقتلوا جميعا بأحد، وكانوا أصحاب اللواء لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة .\r[23] { وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ } أي: لأسمعهم سماع التفهم والقبول، { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } ، بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، { لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } ، لعنادهم وجحودهم الحق بعد ظهوره. وقيل: إنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أحيي لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن بك، فقال الله عز وجل: { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } كلام قصي { لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } .","part":3,"page":269},{"id":1270,"text":"[24] قوله تعالى: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } ، يقول أجيبوهما بالطاعة، { إِذَا دَعَاكُمْ } ، الرسول صلى الله عليه وسلم، { لِمَا يُحْيِيكُمْ } ، أي: إلى ما يحييكم. قال السدي : هو الإيمان، لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان. وقال قتادة : هو القرآن فيه الحياة وبه النجاة والعصمة في الدارين. وقال مجاهد : هو الحق. وقال ابن إسحاق : هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل. وقال القتيبي : بل الشهادة قال الله تعالى في الشهداء: { بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } . « وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب رضي الله عنه ، وهو يصلي ، فدعاه ، فعجل أبي في صلاته، ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ \" قال: كنت في الصلاة، قال: لا أليس يقول الله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } ؟ فقال: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبت ، وإن كنت مصليا » (1) \". قوله تعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } ، قال سعيد بن جبير\r_________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير 13 / 467 وأخرجه بنحوه الترمذي في فضائل الأعمال 8 / 178 - 180 وقال: حديث حسن صحيح، والإمام أحمد في المسند 2 / 412, 413، وأخرجه البخاري بغير هذا السياق في التفسير 8 / 156.","part":3,"page":270},{"id":1271,"text":"وعطاء : يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان. وقال الضحاك : يحول بين الكافر والطاعة، ويحول بين المؤمن والمعصية. وقال مجاهد : يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ، ولا يدري ما يعمل. وقال السدي : يحول بين الإنسان وقلبه ، فلا تستطيع أن يؤمن ، ولا أن يكفر إلا بإذنه. وقيل: هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم ، واختلجت صدورهم فقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله ، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه فيبدل الخوف أمنا والجبن جرأة. { وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ، فيجزيكم بأعمالكم. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول. « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » قالوا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: « القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء » (1) .\r_________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 3 / 112, 257 والترمذي في القدر 6 / 349، وأخرجه مسلم من رواية عبد الله بن عمرو في القدر رقم (3654) 4 / 2045 وذكره البغوي في مصابيح السنة 1 / 141.","part":3,"page":271},{"id":1272,"text":"[25] { وَاتَّقُوا فِتْنَةً } ، اختبارا وبلاء { لَا تُصِيبَنَّ } , قوله: { لَا تُصِيبَنَّ } ليس بجزاء محض، ولو كان جزاء لم تدخل فيه النون، لكنه نفي، وفيه طرف من الجزاء كقوله تعالى: { يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ } ، وتقديره: واتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم، فهو كقول القائل: انزل على الدابة لا تطرحك ، ولا تطرحنك، فهذا جواب الآمر بلفظ النفي، معناه إن تنزل لا تطرحك. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه: اتقوا فتنة تصيب الظالم وغير الظالم. قال الحسن : نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير رضي الله عنهم. قال الزبير : لقد قرأنا هذه الآية زمانا ، وما أرانا من أهلها ، فإذا نحن المعنيون بها، يعني ما كان يوم الجمل. وقال السدي، ومقاتل والضحاك وقتادة : هذا في قوم مخصوصين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم الفتنة يوم الجمل. وقال ابن عباس : أمر الله عز وجل المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم ، فيعمهما الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله لا يعذب العامة","part":3,"page":272},{"id":1273,"text":"بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه ، فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة » (1) . وقال ابن زيد : أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. « ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به » (2) قوله: { لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً } يعني العذاب، { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .\r_________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 4 / 192 والطحاوي في مشكل الآثار 2 / 66 وعبد الله بن المبارك في الزهد رقم 1352 ص476 والمصنف في شرح السنة 14 / 346 .\r(2) أخرجه البخاري في الفتن 13 / 29 وفي الأنبياء وفي المناقب ومسلم في الفتن رقم (2886) 4 / 2212 والمصنف في شرح السنة 15 / 22.","part":3,"page":273},{"id":1274,"text":"[26] قوله تعالى: { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ } ، يقول: اذكروا يا معاشر المهاجرين إذ أنتم قليل في العدد مستضعفون في أرض مكة في ابتداء الإسلام { تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ } ، يذهب بكم الناس, يعني: كفار مكة. وقال عكرمة : كفار العرب. وقال وهب : فارس والروم، { فَآوَاكُمْ } ، إلى المدينة، { وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ } ، أي: قواكم يوم بدر بالأنصار. وقال الكلبي : قواكم يوم بدر بالملائكة، { وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } ، يعني: الغنائم أحلها لكم ، ولم يحلها لأحد قبلكم، { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .","part":3,"page":274},{"id":1275,"text":"[27] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ } ، قال السدي : كانوا يسمعون الشيء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفشونه، حتى يبلغ المشركين. وقال الزهري والكلبي : نزلت الآية في أبي لبابة هارون بن عبد المنذر الأنصاري من بني عوف بن مالك، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « لما حاصر يهود بني قريظة قالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر ، وكان مناصحا لهم لأن ماله وولده وعياله كانت عندهم، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم وآتاهم فقالوا له: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه أنه الذبح فلا تفعلوا، قال أبو لبابة : والله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أبرح ، ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت ، أو يتوب الله علي، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له فأما إذ فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب الله عليه، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ، ولا شرابا حتى خر","part":3,"page":275},{"id":1276,"text":"مغشيا عليه ، ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني بيده، فجاءه فحله بيده، ثم قال أبو لبابة \": يا رسول الله إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أنخلع من مالي كله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"يجزيك الثلث فتصدق به » ، فنزلت فيه { لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ } ، { وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ } أي: ولا تخونوا أماناتكم، { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ، أنها أمانة. وقيل: وأنتم تعلمون أن ما فعلتم من الإشارة إلى الحلق خيانة. قال السدي : إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم. وقال ابن عباس : لا تخونوا الله بترك فرائضه والرسول بترك سنته ، وتخونوا أماناتكم. قال ابن عباس : هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله، والأعمال التي ائتمت الله العباد عليها. قال قتادة: اعلموا أن دين الله أمانة ، فأدوا إلى الله عز وجل ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده، ومن كانت عليه أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.","part":3,"page":276},{"id":1277,"text":"[28] { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } ، قيل: هذا أيضا في أبي لبابة ، وذلك أن أمواله وأولاده كانوا في بني قريظة، فقال ما قال خوفا عليهم. وقيل: هذا في جميع الناس { وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } ، لمن نصح لله ولرسوله وأدى أمانته.\r[29] عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ } ، بطاعته وترك معصيته، { يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } ، قال مجاهد : مخرجا في الدنيا والآخرة. وقال مقاتل بن حيان : مخرجا في الدين من الشبهات، وقال عكرمة : نجاة أي يفرق بينكم وبين ما تخافون. وقال الضحاك . بيانا. وقال ابن إسحاق : فصلا بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم ، ويطفئ باطل من خالفكم، والفرقان مصدر كالرجحان والنقصان، { وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } ، يمح عنكم ما سلف من ذنوبكم، { وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } .","part":3,"page":277},{"id":1278,"text":"[30] قوله تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، هذه الآية معطوفة على قوله: { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ } واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ } لأن هذه السورة مدنية وهذا المكر والقول إنما كانا بمكة، ولكن الله ذكرهم بالمدينة كقوله تعالى: { إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ } وكان هذا المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من أهل التفسير: أن قريشا فرقوا لما أسلمت الأنصار أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمع نفر من كبارهم في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل : أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا وسيطا فتيا ، ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ، ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، وأنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل ، فتؤدي قريش ديته، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبره بذلك ، وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن الله له عند ذلك بالخروج إلى المدينة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي","part":3,"page":278},{"id":1279,"text":"طالب أن ينام في مضجعه ، وقال له: اتشح ببردتي هذه فإنه لن يخلص إليك منهم أمر تكرهه، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذ قبضة من تراب ، فأخذ الله أبصارهم عنه، فجعل ينثر التراب على رؤوسهم ، وهو يقرأ: { إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا } إلى قوله : { فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } ، ومضى إلى الغار من ثور هو وأبو بكر ، وخلَّف عليًّا بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده ، وكانت الودائع تودع عنده صلى الله عليه وسلم لصدقه وأمانته، وبات المشركون يحرسون عليا في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فرأوا عليا رضي الله عنه، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره ، وأرسلوا في طلبه ، فلما بلغوا الغار رأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثا ، ثم قدم المدينة، فذلك قوله تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، { لِيُثْبِتُوكَ } ، ليحبسوك ، ويسجنوك ، ويوثقوك، { أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ } ، قال الضحاك : يصنعون ، ويصنع","part":3,"page":279},{"id":1280,"text":"الله، والمكر التدبير وهو من الله التدبير بالحق. وقيل: يجازيهم جزاء المكر { وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } .\r[31] { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا } ، يعني النضر بن الحارث ، { قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا } ، وذلك أنه كان يختلف تاجرا إلى فارس والحيرة فيسمع أخبار رستم وإسفنديار ، وأحاديث العجم ، ويمر باليهود والنصارى فيراهم يقرؤون التوراة والإنجيل ، ويركعون ، ويسجدون، فجاء إلى مكة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، ويقرأ القرآن فقال النضر : قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا، { إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } ، أخبار الأمم الماضية وأسماؤهم ، وما سطر الأولون في كتبهم، والأساطير: جمع أسطورة، وهي المكتوبة، من قولهم : سطرت أي : كتبت.","part":3,"page":280},{"id":1281,"text":"[32] قوله تعالى: { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ } ، الآية نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدار قال: اللهم إن كان هذا الذي يقول محمد هو الحق من عندك، (والحقَّ) نصب بخبر كان، وهو عماد وصلة: { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ } ، كما أمطرتها على قوم لوط، { أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ، أي: ببعض ما عذبت به الأمم، وفيه نزل: { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } ، وقال عطاء : لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية ، فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر، وروى أنس رضي الله عنه أن الذي قاله أبو جهل لعنه الله.","part":3,"page":281},{"id":1282,"text":"[33] قوله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } ، اختلفوا في معنى هذه الآية، فقال محمد بن إسحاق : هذا حكاية عن المشركين أنهم قالوها ، وهي متصلة بالآية الأولى، وذلك أنهم كانوا يقولون : إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفره، ولا يعذب أمة ونبيها معها، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكر جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم عمى أنفسهم { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ } الآية، وقالوا: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم { وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } ، ثم قال ردا عليهم : { وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ } وإن كنت بين أظهرهم وإن كانوا يستغفرون، وهم يصدون عن المسجد الحرام. وقال الآخرون: هذا كلام مستأنف يقول الله عز وجل إخبارا عن نفسه: { وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ } ، واختلفوا في تأويلها، فقال الضحاك وجماعة: تأويلها : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مقيم بين أظهرهم، قالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة، ثم خرج من بين أظهرهم ، وبقيت بها بقية من المسلمين","part":3,"page":282},{"id":1283,"text":"يستغفرون، فأنزل الله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } ، ثم خرج أولئك من بينهم فعذبوا وأذن ، الله في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم، وقال أبو موسى الأشعري : كان فيكم أمانان، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى والاستغفار كائن فيكم إلى يوم القيامة.","part":3,"page":283},{"id":1284,"text":"[34] قوله تعالى: { وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ } أي: وما يمنعهم من أن يعذبوا، يريد بعد خروجك من بينهم، { وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، أي: يمنعون المؤمنين من الطواف بالبيت. وقيل: أراد بالعذاب الأول عذاب الاستئصال، وأراد بقوله: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) أي: بالسيف. وقيل: أراد بالأول عذاب الدنيا، وبهذه الآية عذاب الآخرة. وقال الحسن : الآية الأولى وهي قوله: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ } منسوخة بقوله تعالى. ( وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ )، { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ } قال الحسن : كان المشركون يقولون: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بقوله: { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ } أي: أولياء البيت، { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ } أي. ليس أولياء البيت، { إِلَّا الْمُتَّقُونَ } ، يعني: المؤمنين الذين يتقون الشرك، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } قوله تعالى: { وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً } ، قال ابن عباس والحسن : المكاء: الصفير، وهي في اللغة اسم طائر أبيض يكون بالحجاز له","part":3,"page":284},{"id":1285,"text":"صفير، كأنه قال: إلا صوت مكاء، والتصدية التصفيق. قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ، ويصفقون، فالمكاء: جعل الأصابع في الشدق، والتصدية: الصفير، ومنه الصدى الذي يسمعه المصوت في الجبل. قال سعيد بن جبير : التصدية صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام وعن الدين، والصلاة وهي على هذا التأويل: التصددة بدالين، فقلبت إحدى الدالين يا ء كما يقال: تظنيت من الظن\rوتقضَّى البازي إذا البازي كسر ...\r\rأي تقضض البازي. قال ابن الأنباري : إنما سماه صلاة لأنهم أمروا بالصلاة في المسجد الحرام ، فجعلوا ذلك صلاتهم { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } .","part":3,"page":285},{"id":1286,"text":"[36] قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، أي: ليصرفوا عن دين الله. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثني عشر رجلا من قريش ، وكان يطعم كل وأحد منهم كل يوم عشر جزر. وقال الحكم بن عيينة . نزلت في أبي سفيان أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية. قال الله تعالى: { فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } ، يريد ما أنفقوا في الدنيا يصير حسرة عليهم في الآخرة، { ثُمَّ يُغْلَبُونَ } ، ولا يظفرون { وَالَّذِينَ كَفَرُوا } ، منهم، { إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } ، خص الكفار لأن منهم من أسلم.","part":3,"page":286},{"id":1287,"text":"[37] { لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ } ، في سبيل الشيطان، { مِنَ الطَّيِّبِ } ، يعني الكافر من المؤمن فينزل المؤمن الجنان والكافر النيران. وقال الكلبي : العمل الخبيث من العمل الصالح الطيب، فيثيب على الأعمال الصالحة الجنة، وعلى الأعمال الخبيثة النار، وقيل: يعني الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان من الإنفاق الطيب في سبيل الله. { وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ } ، أي: فوق بعض، { فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا } ، أي: يجمعه. ومنه السحاب المركوم، وهو المجتمع الكثيف، فيجعله في جهنم { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } ، الذين خسرت تجارتهم، لأنهم اشتروا بأموالهما عذاب الآخرة.\r[38] { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا } ، عن الشرك { يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } ، أي: ما مضى من ذنوبهم قبل الإسلام، { وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ } ، في نصر الله أنبياءه وإهلاك أعدائه. قال يحيى بن معاذ الرازي : توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر أرجو ألا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب.","part":3,"page":287},{"id":1288,"text":"[39] { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي: شرك. قال الربيع : حتى لا يفتن مؤمن عن دينه { وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } ، أي: ويكون الدين خالصا لله لا شرك فيه، { فَإِنِ انْتَهَوْا } ، عن الكفر، { فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ، قرأ يعقوب (تعملون) بالتاء ، وقرأ الآخرون بالياء.\r[40] { وَإِنْ تَوَلَّوْا } ، عن الإيمان ، وعادوا إلى قتال أهله، { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ } ، ناصركم ومعينكم { نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } ، أي: الناصر.","part":3,"page":288},{"id":1289,"text":"[41] قوله تعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } ، الآية، الغنيمة والفيء اسمان لمال يصيبه المسلمون من أموال الكفار، فذهب جماعة إلى أنهما واحد. وذهب قوم على أنهما مختلفان، فالغنيمة: ما أصابه المسلمون منهم عنوة بقتال، والفيء ما كان عن صلح بغير قتال، فذكر الله عز وجل في هذه الآية حكم الغنيمة فقال: { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } ، فذهب أكثر المفسرين والفقهاء إلى أن قوله: (لله) افتتاح كلام على سبيل التبرك ، وإضافة هذا المال إلى نفسه لشرفه، وليس المراد منه أن سهما من الغنيمة لله مفردا، فإن الدنيا والآخرة كلها لله عز وبر. وهو قول الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم والشعبي ، قالوا: سهم الله وسهم الرسول واحد. والغنيمة تقسم خمسة أخماس، أربعة أخماسها لمن قاتل عليها، والخمس لخمسة أصناف كما ذكر الله عز وجل، { وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } ، قال بعضهم: يقسم الخمس على ستة أسهم، وهو قول أبي العالية ، سهم لله: فيصرف إلى الكعبة. والأول أصح أن خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم، سهم كان لرسول الله صلى الله","part":3,"page":289},{"id":1290,"text":"عليه وسلم في حياته واليوم هو لمصالح المسلمين وما فيه قوة الإسلام، وهو قول الشافعي رحمه الله، وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح. وقال قتادة : هو للخليفة بعده. وقال بعضهم: سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود في الخمس والخمس لأربعة أصناف. قوله: { وَلِذِي الْقُرْبَى } أراد أن سهما من الخمس لذوي القربى وهم أقارب النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفوا فيهم فقال قوم: جميع قريش. وقال قوم: هم الذين لا تحل لهم الصدقة. وقال مجاهد وعلي بن الحسين : هم بنو هاشم. وقال الشافعي : هم بنو هاشم وبنو المطلب وليس لبني عبد شمس ولا لبني نوفل منه شيء، وإن كانوا إخوة، والدليل عليه ما ورد عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: « قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، ولم يعط منه أحدا من بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئا » (1) واختلف أهل العلم في سهم ذوي القربى هل هو ثابت اليوم؟ فذهب أكثرهم إلى أنه ثابت، وهو قول مالك والشافعي ، وذهب أصحاب الرأي إلى أنه غير ثابت، وقالوا: سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي\r_________\r(1) أخرجه الشافعي في المسند 2 / 112 والمصنف في شرح السنة 11 / 126","part":3,"page":290},{"id":1291,"text":"القربى مردودان في الخمس وخمس الغنيمة لثلاثة أصناف: اليتامى والمساكين وابن السبيل. وقال بعضهم: يعطى للفقراء منهم دون الأغنياء، والكتاب والسنة يدلان على ثبوته ، والخلفاء بعد الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يعطونه، ولا يفضل فقير على غني ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، فألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة، غير أنه يعطي القريب والبعيد. وقال: يفضل الذكر على الأنثى فيعطى الرجل سهمين والأنثى سهما واحدا. قوله: { وَالْيَتَامَى } وهو جمع اليتيم، واليتيم الذي له سهم في الخمس هو الصغير المسلم الذي لا أب له إذا كان فقيرا، { وَالْمَسَاكِينِ } هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين، { وَابْنِ السَّبِيلِ } هو المسافر البعيد عن ماله، فهذا مصرف خمس الغنيمة ، ويقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين الذين شهدوا الوقعة، للفارس منهم ثلاثة أسهم ، وللراجل سهم واحد. عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهما له وسهمين لفرسه » (1) وهذا قول أكثر أهل العلم ، وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد 6 / 67 ومسلم في الجهاد والسير رقم (1762) 3 / 1382 والمصنف في شرح السنة 11 / 101.","part":3,"page":291},{"id":1292,"text":"وإسحاق ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: للفارس سهمان ، وللراجل سهم واحد ، ويرضخ للعبيد والنسوان والصبيان إذا حضروا القتال، ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقول. وعند أبي حنيفة : يتخير الإمام في العقار بين أن يقسمه بينهم وبين أن يجعله وقفا على المصالح. وظاهر الآية لا يفرق بين العقار والمنقول، ومن قتل مشركا في القتال يستحق سلبه من رأس الغنيمة، لما روي عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: « من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه » (1) والسلب: كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح وفرسه الذي هو راكبه، ويجوز للإمام أن ينقل بعض الجيش من الغنيمة لزيادة عناء وبلاء يكون منهم في الحرب يخصهم به من بين سائر الجيش ، ويجعله أسوة الجماعة في سهمان الغنيمة. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوف قسم عامة الجيش » (2) واختلفوا في أن النفل من أين يعطى؟ فقال قوم: من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول سعيد بن المسيب ، وبه قال الشافعي ، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : « ما لي مما أفاء الله عليكم إلا\r_________\r(1) رواه البخاري في المغازي 8 / 34،35 والجهاد ومسلم في الجهاد والسير رقم (1751) 3 / 1370 والمصنف في شرح السنة 11 / 105.\r(2) أخرجه البخاري في فرض الخمس 6 / 237 ومسلم في الجهاد والسير رقم (.173) 3 / 1369 والمصنف في شرح السنة 11 / 112.","part":3,"page":292},{"id":1293,"text":"الخمس والخمس مردود فيكم » (1) وقال قوم: هو من الأربعة الأخماس بعد إفراز الخمس كسهام الغزاة، وهو قول أحمد وإسحاق ، وذهب بعضهم إلى أن النفل من رأس الغنيمة قبل الخمس كالسلب للقاتل. وأما الفيء وهو ما أصابه المسلمون من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، بأن صالحهم على مال يؤدونه ومال الجزية وما يؤخذ من أموالهم إذا دخلوا دار الإسلام للتجارة أو يموت واحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له، فهذا كله فيء، ومال الفيء كان خالصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته. قال عمر رضي الله عنه: إن الله قد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ: { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ } إلى قوله: { قَدِيرٌ } ، وكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق على أهله وعياله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله عز وجل، واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال قوم: هو للأئمة بعده. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: للمقاتلة الذين أثبتت أساميهم في ديوان الجهاد لأنهم القائمون مقام النبي صلى الله عليه وسلم في\r_________\r(1) رواه أبو داود في كتاب الجهاد 4 / 62 والنسائي في كتاب الفيء 7 / 131، الإمام أحمد في مسنده ج 4 / 128.","part":3,"page":293},{"id":1294,"text":"إرهاب العدو. والقول الثاني: أنه لمصالح المسلمين ويبدأ بالمقاتلة فيعطون منه كفايتهم، ثم بالأهم فالأهم من المصالح. واختلف أهل العلم في تخميس الفيء، فذهب الشافعي إلى أنه يخمس فخمسه لأهل الغنيمة على خمسة أسهم وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح. وذهب الأكثرون إلى أن الفيء لا يخمس بل مصرف جميعه واحد، ولجميع المسلمين فيه حق قوله تعالى: { إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ } ، قيل: أراد اعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسة وللرسول , يأمر فيه بما يريد، فاقبلوه إن كنتم آمنتم بالله { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا } ، أي: إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا، يعني: قوله { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ } ، { يَوْمَ الْفُرْقَانِ } ، يعني يوم بدر، فرق الله بين الحق والباطل، وهو { يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } ، حزب الله وحزب الشيطان، وكان يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } على نصركم مع قلتكم وكثرتهم.","part":3,"page":294},{"id":1295,"text":"[42] { إِذْ أَنْتُمْ } ، أي: إذ أنتم نزول يا معشر المسلمين، { بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا } ، أي: بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، والدنيا. تأنيث الأدنى، { وَهُمْ } ، يعني عدوكم من المشركين، { بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى } بشفير الوادي الأقصى من المدينة، والقصوى تأنيث الأقصى قرأ ابن كثير وأهل البصرة (بِالْعِدْوَةِ) بكسر العين فيهما والباقون بضمهما، وهما لغتان: كالكِسْوَةِ والْكُسْوَة والرِّشْوَة والرُّشْوَة. { وَالرَّكْبُ } ، يعني: العير يريد أبا سفيان وأصحابه، { أَسْفَلَ مِنْكُمْ } ، أي: في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، على ثلاثة أميال من بدر، { وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ } ، وذلك أن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير ، وخرج الكفار ليمنعوها، فالتقوا على غير ميعاد، فقال تعالى: { وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ } ، لقلتكم وكثرة عدوكم، { وَلَكِنْ } جمعكم على غير ميعاد، { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا } ، من نصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه، { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ } ، أي: ليموت من يموت على بينة رآها وعبرة عاينها ،","part":3,"page":295},{"id":1296,"text":"وحجة قامت عليه. { وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } ، ويعيش من يعيش على بينة لوعده: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } . وقال محمد بن إسحاق : معناه ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه، ويؤمن من آمن على مثل ذلك، فالهلاك هو الكفر والحياة هي الإيمان. وقال قتادة : ليضل من ضل عن بينة ، ويهدي من اهتدى على بينة. قرأ أهل الحجاز وأبو بكر ويعقوب (حَيِيَ) بيائين مثل (خَشِيَ) وقرأ الآخرون بياء واحدة مشددة ؛ لأنه مكتوب بياء واحدة. { وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ } ، لدعائكم، { عَلِيمٌ } بنياتكم.\r[43] قوله تعالى: { إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ } يريك يا محمد المشركين، { فِي مَنَامِكَ } ، أي: نومك. وقال الحسن : في منامك أي : في عينك، لأن العين موضع النوم. { قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ } ، لجبنتم { وَلَتَنَازَعْتُمْ } ، أي: اختلفتم { فِي الْأَمْرِ } ، أي: في الإحجام والإقدام، { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } ، أي: سلمكم من المخالفة والفشل، { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } قال ابن عباس : علم ما في صدوركم من الحب لله عز وجل.","part":3,"page":296},{"id":1297,"text":"[44] { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا } ، قال مقاتل : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن العدو قليل قبل لقاء العدو، وأخبر أصحابه بما رأى، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين. قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا. { وَيُقَلِّلُكُمْ } ، يا معشر المؤمنين { فِي أَعْيُنِهِمْ } ، قال، السدي : قال ناس من المشركين: إن العير قد انصرفت .\rفارجعوا، فقال أبو جهل : الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه؟ فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم، إنما محمد وأصحابه أكلة جزور، فلا تقتلوهم ، واربطوهم بالحبال. يقوله من القدرة التي في نفسه. قال الكلبي . استقل بعضهم بعضا ليجترئوا على القتال، فقلل المشركين في أعين المؤمنين لكي لا يجبنوا، وقلل المؤمنين في أعين المشركين لكي لا يهربوا، { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا } ، من إعلاء الإسلام إعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله. { كَانَ مَفْعُولًا } كائنا، { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }","part":3,"page":297},{"id":1298,"text":"[45] قوله تعالى: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً } أي: جماعة كافرة { فَاثْبُتُوا } ، لقتالهم، { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } ، أي: ادعوا الله بالنصر والظفر بهم، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ، أي: كونوا على رجاء الفلاح.","part":3,"page":298},{"id":1299,"text":"[46] قوله تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا } ، لا تختلفوا، { فَتَفْشَلُوا } ، أي: تجبنوا وتضعفوا، { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } ، قال مجاهد : نصرتكم. وقال السدي : جراءتكم وجدكم. وقال مقاتل بن حيان : حدتكم. وقال النضر بن شميل : قوتكم. وقال الأخفش : دولتكم. والريح هاهنا كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، تقول العرب: هبت ريح فلان إذا أقبل أمره على ما يريد. قال قتادة بن زيد : هو ريح النصر لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله عز وجل تضرب وجوه العدو. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : « نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور » (1) وعن النعمان بن مقرن قال: « شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس ، وتهب الرياح ، وينزل النصر » (2) قوله عز وجل: { وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف » (3) .\r_________\r(1) رواه البخاري في الاستسقاء 2 / 520 والمغازي، ومسلم في الاستسقاء رقم (900) 2 / 617 ورواه الإمام أحمد في مسنده ج 1 / 223، 228 والمصنف في شرح السنة 4 / 387.\r(2) أخرجه أبو داود في الجهاد 4 / 7 والترمذي في السير 5 / 238 وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم 2 / 116 وصححه على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي والإمام أحمد في المسند 5 / 444, 445\r(3) رواه البخاري في الجهاد 6 / 130 ومسلم في الجهاد والسير رقم (1742) 3 / 1362 والمصنف في شرح السنة 11 / 38, 39.","part":3,"page":299},{"id":1300,"text":"[47] يقوله تعالى: { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا } ، فخرا وأشرا، { وَرِئَاءَ النَّاسِ } ، قال الزجاج : البطر الطغيان في النعمة وترك شكرها، الرياء: إظهار الجميل ليرى وإبطان القبيح، { وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } ، نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدر ، ولهم بغي وفخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تجادلك ، وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني » ، قالوا: لما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجاها الله، فارجعوا، فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد بدرا،- وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام- فنقيم بها ثلاثا فننحر الجزور ، ونطعم الطعام ، ونسقي الخمر ، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا، فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم ، وأمرهم بإخلاص النية والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه صلى الله عليه وسلم.","part":3,"page":300},{"id":1301,"text":"[48] قوله تعالى: { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } ، وكان تزيينه أن قريشا لما اجتمعت للسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم ، فجاء إبليس في جند من الشياطين معه رايته ، فتبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، { وَقَالَ } ، لهم { لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ } ، أي: مجير لكم من كنانة, { فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ } , أي: التقى الجمعان رأي إبليس أثر الملائكة , نزلوا من السماء ، وعلم أنه لا طاقة له بهم , { نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ } قال الضحاك : ولى مدبرا. وقال النضر بن شميل : رجع القهقرى على قفاه هاربا . قال الكلبي : لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة آخذ بيد الحارث بن هشام , فنكص على عقبيه, فقال له الحارث : أفرارا عن غير قتال؟ فجعل يمسكه ، فدفع في صدره ، وانطلق ، وانهزم الناس , فلما قدموا مكة قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة , فقال : بلغني أنكم تقولون إني هزمت الناس, فوالله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم, فقالوا : أما أتيتنا في يوم كذا ؟ فحلف لهم , فلما أسلموا علموا أن ذلك","part":3,"page":301},{"id":1302,"text":"كان الشيطان . قال الحسن في قوله : { وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ } , قال : رأى إبليس جبريل معتجرا ببرد يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم, وفي يده اللجام يقود الفرس ما ركب بعد. وقال قتادة : كان إبليس يقول: إني أرى ما لا ترون وصدق . وقال : { إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ } وكذب والله ما به مخافة الله, ولكن علم أنه لا قوة به ولا منعة ، فأوردهم وأسلمهم, وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه إذا التقى الحق والباطل أسلمهم ، وتبرأ منهم . قال عطاء : إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك .\rوقال الكلبي : خاف أم يأخذه جبريل عليه السلام ، ويعرف حالة فلا يطيعوه. قيل : معناه إني أخاف الله أي : أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه كان على ثقة من أمره. { وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } . قيل : معناه : إني أخاف الله عليكم والله شديد العقاب , وقيل: انقطع الكلام عند قوله : أخاف الله ، ثم يقول الله: والله شديد العقاب.","part":3,"page":302},{"id":1303,"text":"[49] قوله تعالي : { إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } شك ونفاق , { غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ } , يعني : غر المؤمنين دينهم هؤلاء قوم كانوا مستضعفين بمكة قد أسلموا ، وحبسهم أقرباؤهم من الهجرة , فلما خرجت قريش إلي بدر أخرجهم كرها, فلما نظروا إلي قلة المسلمين ارتابوا ، وارتدوا, وقالوا : غر هؤلاء دينهم ، فقتلوا جميعا قال الله تعالي : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } , أي: ومن يسلم أمره إلي الله ، ويثق به , { فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } , قوي يفعل بأعدائه ما يشاء , { حَكِيمٌ } لا يستوي بين وليه وعدوه.","part":3,"page":303},{"id":1304,"text":"[50] { وَلَوْ تَرَى } , يا محمد , { إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ } , أي: يقبضون أرواحهم. اختلفوا فيه, قيل : هذا عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم بسياط النار. وقيل: أراد الذين قتلوا من المشركين ببدر كانت الملائكة يضربون { وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } , وقال سعيد بن جبير ومجاهد : يريد أستاههم لكن الله حيي كني. قال ابن عباس : كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم بالسيوف, وإذا ولوا أدركتهم الملائكة ، فضربوا أدبارهم. وقال ابن جريج : يريد ما أقبل منهم ، وما أدبر, أي : يضربون أجسادهم كلها , والمراد بالتوفي القتل. { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } أي : وتقول لهم الملائكة مقامع من حديد يضربون بها الكفار, فتلتهب النار في جراحاتهم, فذلك قوله تعالي : { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } . وقال الحسن : هذا يوم القيامة تقول لهم خزنة جهنم : ذوقوا عذاب الحريق. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يقولون لهم ذلك بعد الموت .","part":3,"page":304},{"id":1305,"text":"[51] { ذَلِكَ } , أي : ذلك الضرب الذي وقع بكم , { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } , أي : بما كسبت أيديكم , { وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } .\r[52] { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } كفعل آل فرعون .\rوصنيعهم وعادتهم، معناه: أن عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون . قال ابن عباس : هو أن آل فرعون أيقنوا أن موسى نبي من الله فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق فكذبوه، فأنزل الله بهم عقوبة كما أنزل بآل فرعون . { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، أي: { كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ }","part":3,"page":305},{"id":1306,"text":"[53] { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ، أراد أن الله تعالى لا يغير ما أنعم على قوم حتى يغيروا هم ما بهم بالكفران وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم، فسلبهم النعمة. وقال السدي : نعمة الله محمد صلى الله عليه وسلم أنعم الله به على قريش وأهل مكة، فكذبوه ، وكفروا به ، فنقله الله إلى الأنصار، { وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }\r[54] { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } ،كصنع آل فرعون, { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } , من كفار الأمم, { كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } , أهلكنا بعضهم بالرجفة ، وبعضهم بالخسف ، وبعضهم بالمسخ ، وبعضهم بالريح ، وبعضهم بالغرق، فكذلك أهلكنا كفار بدر بالسيف لما كذبوا بآيات ربهم، { وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ } ، يعني الأولين والآخرين.\r[55] { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } ، قال الكلبي ومقاتل : يعني يهود بني قريظة منهم كعب بن الأشرف وأصحابه.","part":3,"page":306},{"id":1307,"text":"[56] { الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ } ، يعني عاهدتهم ، وقيل: أي: عاهدت معهم. وقيل: أدخل من لأن معناه أخذت منهم العهد، { ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ } ، وهم بنو قريظة نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعانوا المشركين بالسلاح على قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا ، فعاهدهم الثانية، فنقضوا العهد, ومالؤوا الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة ، فوافقهم على مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، { وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ } ، لا يخافون الله تعالى في نقض العهد.","part":3,"page":307},{"id":1308,"text":"[57] { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ } ، تجدنهم، { فِي الْحَرْبِ } , قال مقاتل : إن أدركتهم في الحرب وأسرتهم، { فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ } ، قال ابن عباس : فنكل بهم من وراءهم. وقال سعيد بن جبير : أنذر بهم من خلفهم. وأصل التشريد: التفريق والتبديد، معناه فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك ، وجاؤوا لحربك فعلا من القتل والتنكيل، يفرق منك ، ويخافك من خلفهم من أهل مكة واليمن، { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } ، يتذكرون ، ويعتبرون فلا ينقضون العهد.\r[58] { وَإِمَّا تَخَافَنَّ } أي: تعلمن يا محمد ، { مِنْ قَوْمٍ } ، معاهدين، { خِيَانَةً } ، نقض عهد بما يظهر لكم منهم من آثار الغدر كما ظهر من \"قريظة والنضير، { فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ } ، فاطرح إليهم عهدهم، { عَلَى سَوَاءٍ } ، يقول: أعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا يتهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب معهم، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ }","part":3,"page":308},{"id":1309,"text":"[59]، قوله تعالى: { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا } ، قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وحفص { يَحْسَبَنَّ } بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، { سَبَقُوا } أي: فاتوا، نزلت في الذين انهزموا يوم بدر من المشركين، فمن قرأ بالياء يقول { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب. قرأ ابن عامر : ( أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) بفتح الألف، أي: لأنهم لا يعجزون، ولا يفوتونني، وقرأ الآخرون بكسر الألف على الابتداء.","part":3,"page":309},{"id":1310,"text":"[60] قوله تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } ، الإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة. { مِنْ قُوَّةٍ } أي: من الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح. عن أبي علي ثمامة بن شفي أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ من قوة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي » (1) وبهذا الإسناد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ستفتح عليكم الروم ، ويكفيكم الله عز وجل فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه » (2) قوله: { وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ } ، يعني: ربطها واقتناءها للغزو. وقال عكرمة : القوة الحصون ، ومن رباط الخيل الإناث. وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة صهيلها. وعن أبي محيريز قال: كان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند البيات والغارات، عن عامر حدثنا عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والأجر والمغنم » (3) .وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من احتبس فرسا في\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الإمارة رقم (1917) 3 / 1522\r(2) أخرجه مسلم في الموضع السابق.\r(3) أخرجه البخاري في الجهاد 6 / 56 مسلم في الإمارة (1872) 1493 .","part":3,"page":310},{"id":1311,"text":"سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة » (1) { تُرْهِبُونَ بِهِ } ، تخوفون { عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ } ، أي: وترهبون آخرين، { مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ } ، قال مجاهد ومقاتل وقتادة : هم بنو قريظة. وقال السدي : هم أهل فارس. وقال الحسن وابن زيد : هم المنافقون، لا تعلمونهم لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله. وقيل: هم كفار الجن. { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } ، يوف لكم أجره، { وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } ، لا تنقص أجوركم.\r[61] قوله تعالى: { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } ، أي: مالوا إلى الصلح، { فَاجْنَحْ لَهَا } ، أي: مل إليها ، وصالحهم. روي عن قتادة والحسن : أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) , { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } !ثق بالله, { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد 6 / 57 المصنف في شرح السنة 10 / 388.","part":3,"page":311},{"id":1312,"text":"[62] { وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ } ، يغدروا ، ويمكروا بك. قال مجاهد : يعني بني قريظة. { فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ } ، كافيك الله، { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ } ، أي: بالأنصار.\r[63] { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } ، أي بين الأوس والخزرج كانت بينهم إحن وثارات في الجاهلية فصيرهم الله إخوانا بعد أن كانوا أعداء، { لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }\r[64] قوله تعالى: { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، قال سعيد بن جبير : أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، ثم أسلم عمر بن الخطاب فتم به الأربعون، فنزلت هذه الآية ، واختلفوا في محل (مَنْ) فقال أكثر المفسرين محله خفض، عطفا على الكاف في قوله. { حَسْبُكَ اللَّهُ } وحسب من اتبعك، وقال بعضهم: هو رفع عطفا على اسم الله معناه: حسبك الله ومتبعوك من المؤمنين.","part":3,"page":312},{"id":1313,"text":"[65] قوله تعالى: { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ } ، أي: حثهم على القتال. { إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ } ، رجلا, { صَابِرُونَ } , محتسبون, { يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } من عدوهم يقهروهم، { وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ } ، صابرة محتسبة، { يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، ذلك { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ } ، أي: إن المشركين يقاتلون على غير احتساب ، ولا طلب ثواب ، ولا يثبتون إذا صدقتموهم القتال خشية أن يقتلوا، وهذا خبر بمعنى الأمر ، وكان هذا يوم بدر فرض الله على الرجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين، فثقلت على المؤمنين، فخفف الله عنهم، فنزل:","part":3,"page":313},{"id":1314,"text":"[66] { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } ضعفا في الواحد عن قتال العشرة وفي المائة عن قتال الألف ط ، وقرأ أبو جعفر : ضُعَفَاءُ بفتح العين والمد على الجمع وقرأ الآخرون بسكون العين، { فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } ، من الكفار، { وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، فرد من العشرة إلى الاثنين فإن كان المسلمون على الشطر من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا. وقال سفيان قال ابن شبرمة : وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا.","part":3,"page":314},{"id":1315,"text":"[67] وقوله تعالى: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى } ، قرأ أبو جعفر وأهل البصرة. تكون بالتاء والباقون بالياء، وقرأ أبو جعفر : (أسارَى)، والآخرون. (أسْرَى)، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: « لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما تقولون في هؤلاء؟ \" فقال أبو بكر . يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم ، واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله كذبوك ، وأخرجوك قَدِّمْهُمْ نضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب ، فأدخلهم فيه ، ثم أضرم عليهم نارا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ثم قال رسول الله: \" أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق \". قال ابن عباس : قال عمر بن الخطاب : فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء","part":3,"page":315},{"id":1316,"text":"تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله تعالى: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ }» (1) . قوله: { أَسْرَى } جمع أسير مثل قتلى وقتيل. قوله: { حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } أي: يبالغ في قتال المشركين وأسرهم، { تُرِيدُونَ } ، أيها المؤمنون { عَرَضَ الدُّنْيَا } بأخذكم الفداء، { وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ } ، يريد لكم ثواب الآخرة بقهركم المشركين ونصركم دين الله عز وجل، { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ، وكان الفداء لكل أسير أربعين أوقية، والأوقية أربعون درهما. قال ابن عباس رضي الله عنهما. كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا ، واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى: { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } ، فجعل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا أعتقوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم.\r_________\r(1) صحيح. أخرجه مسلم (1763 / 58) كتاب الجهاد والسير، وله شواهد كثيرة .","part":3,"page":316},{"id":1317,"text":"[68] قوله تعالى: { لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ } ، قال ابن عباس : كانت الغنائم حراما على الأنبياء والأمم فكانوا إذا أصابوا شيئا من الغنائم جعلوه للقربان، فكانت تنزل نار من السماء فتأكله، فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون في الغنائم ، وأخذوا الفداء، فأنزل الله عز وجل: { لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ } ، يعني لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه يحل لكم الغنائم. وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير : لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم . وقال ابن جريج : لولا كتاب من الله سبق أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وأنه لا يأخذ قوما فعلوا أشياء بجهالة. { لَمَسَّكُمْ } لنالكم وأصابكم، { فِيمَا أَخَذْتُمْ } ، من الفداء قبل أن تؤمروا به { عَذَابٌ عَظِيمٌ }","part":3,"page":317},{"id":1318,"text":"[69] { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } , روى أنه لما نزلت الآية الأولى كف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيديهم عما أخذوا من الفداء فنزل: { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ } وروينا عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. « أحلت لي الغنائم ، ولم تحل لأحد قبلي » .","part":3,"page":318},{"id":1319,"text":"[70] قولة تعالى : { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى } ، قرأ أبو عمرو وأبو جعفر : (من الأسارى) بالألف والباقون بلا ألف، نزلت في العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكان أسر يوم بدر ، وكان قد خرج بعشرين أوقية من الذهب ليطعم بها الناحر، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا ، وبقيت العشرون أوقية معه، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتسب العشرين أوقية من فدائه فأبى ، وقال: « أَمَّا شيءٌ خرجْتَ تستعينُ به علينا فلا أتركه لك » ، وكلف فداء ابني أخيه عقيل ابن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال العباس : يا محمد تركتني أتكفف قريشا ما بقيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة ، وقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله ولعبيد الله وللفضل وقثم \"، يعني بنيه الأربعة، فقال له العباس : وما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي عز وجل، قال العباس : أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ولم يطلع عليه أحد إلا الله عز وجل، » فذلك قوله تعالى: { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ","part":3,"page":319},{"id":1320,"text":"قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى } الذين أخذتم منهم الفداء { إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا } ، أي: إيمانا، { يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ } , من الفداء، { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ، ذنوبكم { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، قال العباس رضي الله عنه: فأبدلني الله عنها عشرين عبدا كلهم تاجر يضرب بمال كثير وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان عشرين أوقية، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي عز وجل.\r[71] قوله عز وجل: { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ } ، يعني الأسارى، { فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } ، ببدر، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، قال ابن جريج : أراد بالخيانة الكفر، أي: إن كفروا بك ، فقد كفروا بالله من قبل ، فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى قتلوهم ، وأسروهم، وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى قتال المؤمنين ومعاداتهم.","part":3,"page":320},{"id":1321,"text":"[72] قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا } ، أي: هجروا قومهم وديارهم، يعني المهاجرين من مكة، { وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا } رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه، أي: أسكنوهم منازلهم { وَنَصَرُوا } أي: ونصروهم على أعدائهم ، وهم الأنصار رضي الله عنهم، { أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ } ، دون أقربائهم من الكفار. قيل: في العون والنصرة. وقال ابن عباس : في الميراث ، وكانوا يتوارثون بالهجرة، فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام، وكان من آمن ، ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة ، وانقطعت الهجرة ، وتوارثوا بالأرحام حيث ما كانوا، وصار ذلك منسوخا بقوله عز وجل: { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } ، { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } ، يعني الميراث، { حَتَّى يُهَاجِرُوا } ، قرأ حمزة (ولايتهم) بكسر الواو والباقون بالفتح، وهما واحد كالدلالة والدلالة. { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ } ، أي: استنصركم","part":3,"page":321},{"id":1322,"text":"المؤمنون الذين لم يهاجروا، { فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } ، عهد فلا تنصروهم عليهم، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }\r[73] { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } وقال ابن عباس : في الميراث، أي: يرث المشركون بعضهم من بعض { إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ } ، قال ابن عباس : إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به. وقال ابن جريج : إلا تعاونوا وتناصروا. وقال ابن إسحاق : جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من سواهم، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم قال: { إِلَّا تَفْعَلُوهُ } ، وهو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمن { وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } ، فالفتنة في الأرض قوة الكفر، والفساد الكبير ضعف الإسلام.","part":3,"page":322},{"id":1323,"text":"[74] { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } ولا ريب في إيمانهم. قيل: حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في الدين، { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } في الجنة. فإن قيل: أي معنى في تكرار هذه الآية؟ قيل: المهاجرون كانوا على طبقات فكان بعضهم أهل الهجرة الأولى وهم الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتت مكة، وكان بعضهم ذا هجرتين: هجرة الحبشة والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى. ومن الثانية الهجرة الثانية.","part":3,"page":323},{"id":1324,"text":"[75] قوله { وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ } أي: معكم، يريد أنتم منهم وهو منكم، { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } ، وهذا نسخ التوارث بالهجرة ، ورد الميراث إلى ذوي الأرحام. قوله: { فِي كِتَابِ اللَّهِ } ، أي: في حكم الله عز وجل. وقيل: أراد بكتاب الله القرآن، يعني: القسمة التي بينها في سورة النساء { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }","part":3,"page":324},{"id":1325,"text":"(9) سورة التوبة\rقال مقاتل : هذه السورة مدنية كلها إلا آيتين من آخر السورة. قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس سورة التوبة؟ قال: هي الفاضحة ما زالت تنزل فيهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحدا منهم إلا ذكر فيها، قال. قلت: سورة الأنفال؟ قال: تلك سورة بدر, قال: قلت: سورة الحشر؟قال: قل سورة بني النضير.\r[1] قوله تعالى: { بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } , أي: هذه براءة من الله. وهي مصدر كالنشاءة والدناءة.\rقال المفسرون: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف ، وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأمر الله عز وجل: { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً } الآية. قال الزجاج : براءة أي: قد برئ الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء لهم بها إذا نكثوا, { إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } , الخطاب مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عاهدهم وعاقدهم ؛ لأنه وأصحابه راضون بذلك, فكأنهم عاقدوا ، وعاهدوا","part":3,"page":325},{"id":1326,"text":"[2] { فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ } ، رجع من الخبر إلى والخطاب، أي: قل لهم سيحوا أي : سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين، { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ } ، أي: غير فائتين ولا سابقين { وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ } , أي: مذلهم بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة. واختلف العلماء في هذا التأجيل وفي هؤلاء الذي برئ الله ورسوله إليهم من العهود التي ، وكانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال جماعة: هذا تأجيل من الله تعالى للمشركين، فمن كانت مدة، عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدته أكثر من أربعة أشهر حطه إلى أربعة أشهر ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود حده بأربعة أشهر، ثم هو حرب بعد ذلك لله ورسوله، فيقتل حيث يدرك ويؤسر، إلا أن يتوب، وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر، فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك خمسون يوما. وقال الزهري: الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذي الحجة والمحرم، لأن هذه الآية نزلت في شوال، والأول هو الأصوب وعليه","part":3,"page":326},{"id":1327,"text":"الأكثرون.","part":3,"page":327},{"id":1328,"text":"[3] { وَأَذَانٌ } عطف على قوله: { بَرَاءَةٌ } أي: إعلام. ومنه الأذان بالصلاة، يقال: أذنته فأذن أي أعلمته. وأصله من الأذن أي : أوقعته في أذنه، { مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ } ، اختلفوا في يوم الحج الأكبر، وروى عكرمة عن ابن عباس . أنه يوم عرفة. وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وابن الزبير . وقال جماعة: هو يوم النحر. وروى ابن جريج عن مجاهد : يوم الحج الأكبر حين الحج أيام منى كلها. وكان سفيان الثوري يقول. يوم الحج الأكبر أيام منى كلها، مثل يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث يراد به الحين والزمان؛ لأن هذه الحروب دامت أياما كثيرة. وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل : يوم الحج الأكبر الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول ابن سيرين ؛ لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين، ولم يجتمع قبله ولا بعده، واختلفوا في الحج الأكبر، فقال مجاهد : الحج الأكبر القرآن، والحج الأصغر إفراد الحج. وقال الزهري والشعبي وعطاء : الحج الأكبر الحج، والحج الأصغر العمرة. قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها. قوله تعالى: { أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ","part":3,"page":328},{"id":1329,"text":"وَرَسُولُهُ } ، أي: ورسوله أيضا بريء من المشركين. وقرأ يعقوب بنصب اللام أي: إن الله ورسوله برئ. { فَإِنْ تُبْتُمْ } رجعتم من كفركم ، وأخلصتم التوحيد، { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ } ، أعرضتم عن الإيمان، { فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }","part":3,"page":329},{"id":1330,"text":"[4] { إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ، هذا استثناء من قوله: { بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } إلا من عهد الذين عاهدتم من المشركين، وهم بنو ضمرة حي من كنانة، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر، وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا العهد، وهذا معنى قوله تعالى: { ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا } من عهدهم الذي عاهدتموهم عليه، { وَلَمْ يُظَاهِرُوا } ، لم يعاونوا، { عَلَيْكُمْ أَحَدًا } ، من عدوكم. وقرأ عطاء بن يسار : (لم ينقضوكم) بالضاد المعجمة من نقض العهد، { فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ } ، فأوفوا لهم بعهدهم، { إِلَى مُدَّتِهِمْ } ، إلى أجلهم الذي عاهدتموهم عليه، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }","part":3,"page":330},{"id":1331,"text":"[5] قوله تعالى: { فَإِذَا انْسَلَخَ } ، انقضى ومضى { الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ } ، قيل: هي الأشهر الأربعة رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. وقال مجاهد وابن إسحاق : هي شهور العهد فمن كان له عهده فعهده أربعة أشهر، ومن لا عهد له فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوما. وقيل لها حرم لأن الله تعالى حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم. فإن قيل: هذا القدر بعض الأشهر الحرم والله تعالى يقول: { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ } ؟ قيل: لما كان هذا القدر متصلا بما مضى أطلق عليه اسم الجمع، ومعناه: مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم.قوله: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } ، في الحل الحرم، { وَخُذُوهُمْ } ، وأسروهم، { وَاحْصُرُوهُمْ } ، أي: احبسهم. قال ابن عباس رضي الله عنه: يريد إن تحصنوا فاحصروهم، أي: امنعوهم من الخروج. وقيل. امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام. { وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } , أي: على كل طريق، والمرصد الموضع الذي يرقب فيه العدو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته، يريد كونوا لهم رصدا لتأخذوهم من أي وجه توجهوا. وقيل:","part":3,"page":331},{"id":1332,"text":"أقعدوا لهم بطريق مكة حتى لا يدخلوها، { فَإِنْ تَابُوا } ، من الشرك، { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } ، يقول دعوهم فليتصرفوا في أمصارهم ، ويدخلوا مكة، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } ، لمن تاب, { رَحِيمٌ } . وقال الحسين بن الفضل : هذه الآية نسخت كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء.\r[6] قوله تعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ } ، أي: وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم، أي: استأمنك بعد انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع كلام الله. { فَأَجِرْهُ } ، فأعذه وآمنه، { حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } ، فيما له وعليه من الثواب العقاب، { ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } ، أي: إن لم يسلم أبلغه مأمنه، أي: الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه، فإن قاتلك بعد ذلك فقدرت عليه فاقتله، { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ } ، أي: لا يعلمون دين الله وتوحيده فهم محتاجون إلى سماع كلام الله. قال الحسن : هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة.","part":3,"page":332},{"id":1333,"text":"[7] قوله تعالى: { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ } ، هذا على وجه التعجب، ومعناه جحد، أي: لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله وهم يغدرون وينقضون العهد، ثم استثنى فقال جل وعلا { إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، قال ابن عباس : هم قريش. وقال قتادة : هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. قال الله تعالى: { فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ } أي: على العهد، { فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ } ، فلم يستقيموا ، ونقضوا العهد ، وأعانوا بني بكر على خزاعة، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم إما أن يسلموا ، وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاؤوا، فأسلموا قبل الأربعة الأشهر. قال السدي والكلبي وابن إسحاق : هم قبائل من بكر بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الديل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية ، فلم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة. وهذا القول أقرب إلى الصواب لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة،","part":3,"page":333},{"id":1334,"text":"فكيف يقول لشيء قد مضى: { فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ } وإنما هم الذين قال عز وجل: { إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا } كما نقصكم قريش، ولم يظاهروا عليكم أحدا كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } .","part":3,"page":334},{"id":1335,"text":"[8]قوله تعالى: { كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } ، هذا مردود على الآية الأولى تقديره: كيف يكون لهم عهد عند- الله وإن يظهروا عليكم، { لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً } قال الأخفش : كيف لا تقتلونهم ، وهم إن يظهروا عليكم، أي: يظفروا بكم، لا يرقبوا: لا يحفظوا. وقال الضحاك : لا ينتظروا. وقال قطرب : لا يراعوا فيكم إلا. قال ابن عباس والضحاك : قرابة وقال يمان : رحما. وقال قتادة الإل: الحلف. وقال السدي : هو العهد. وكذلك الذمة إلا أنه كرر لاختلاف اللفظين. وقال أبو مجلز ومجاهد : الإل هو الله عز وجل، والدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة (لا يرقبون في مؤمن إيلا) بالياء، يعني الله عز وجل. مثل جبرائيل وميكائيل. ولا ذمة أي: عهدا. { يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ } ، أي: يطيعونكم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم، { وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ } ، الإيمان { وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ } , فإن قيل: هذا في المشركين وكلهم فاسقون فكيف قال: { وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ } ؟ قيل: أراد بالفسق نقض العهد هاهنا ، وكان في المشركين من وفى بعهده وأكثرهم نقضوا فلهذا قال: { وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ } .","part":3,"page":335},{"id":1336,"text":"[9] { اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } ، وذلك أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلة أطعمهم إياها أبو سفيان . قال مجاهد : أطعم أبو سفيان حلفاءه، { فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ } ، فمنعوا الناس من الدخول في دين الله. وقال ابن عباس رضي الله عنه: إن أهل الطائف أمدوهم بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. { إِنَّهُمْ سَاءَ } بئس { مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\r[10] { لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً } يقول: لا تبقوا عليهم أيها المؤمنون كما لا يبقون عليكم لو ظهروا { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ } بنقض العهد.\r[11] { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ } ، من الشرك، { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ } ، فهم إخوانكم، { فِي الدِّينِ } ، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، { وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ } ، نبين الآيات { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قال ابن عباس : حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة. قال ابن مسعود: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له.","part":3,"page":336},{"id":1337,"text":"[12] قوله تعالى: { وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ } ، نقضوا عهودهم، { مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ } ، عقدهم يعني مشركي قريش، { وَطَعَنُوا } ، قدحوا { فِي دِينِكُمْ } ، وعابوه. فهذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد، { فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ } ، قرأ أهل الكوفة والشام: { أَئِمَّةَ } بهمزتين حيث كان، وقرأ الباقون بتليين الهمزة الثانية. وأئمة الكفر: رؤوس المشركين وقادتهم من أهل مكة. قال ابن عباس : نزلت في أبي سفيان بن حرب وأبي جهل بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وسائر رؤساء قريش يومئذ الذين نقضوا العهد، وهم الذين هموا بإخراج الرسول. وقال مجاهد :\rهم أهل فارس والروم. وقال حذيفة بن اليمان : ما قوتل أهل هذه الآية ، ولم يأت أهلها بعد، { إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ } ، أي: لا عهود لهم، جمع يمين. قال قطرب : لا وفاء لهم بالعهد. وقرأ ابن عامر : (لا إيمان لهم) بكسر الألف، أي: لا تصديق لهم ولا دين لهم. وقيل. هو من الأمان أي لا تؤمنوهم ، واقتلوهم حيث وجدتموهم، { لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ } ، أي. لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم. وقيل: عن الكفر.","part":3,"page":337},{"id":1338,"text":"[13] ثم حض المسلمين على القتال فقال جل ذكره: { أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ } ، نقضوا عهدهم، وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية ، وأعانوا بني بكر على خزاعة. { وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ } , من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة، { وَهُمْ بَدَءُوكُمْ } ، بالقتال، { أَوَّلَ مَرَّةٍ } ، يعني: يوم بدر، وذلك أنهم قالوا حين سلم العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه. وقال جماعة من المفسرين: أراد أنهم بدأوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، { أَتَخْشَوْنَهُمْ } ، أتخافونهم فتتركون قتالهم، { فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ } في ترك قتالهم، { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }","part":3,"page":338},{"id":1339,"text":"[14] { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } ، يقتلهم الله بأيديكم، { وَيُخْزِهِمْ } ، ويذلهم بالأسر والقهر { وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ } , ويبرئ داء قوم, { مُؤْمِنِينَ } , مما كانوا ينالونه من الأذى منهم. وقال مجاهد والسدي : أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعانت قريش بني بكر عليهم، حتى نكأوا فيهم ، فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين.\r[15] { وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } , كربها ووجدها بمعونة قريش بني بكر عليهم، ثم قال مستأنفا { وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } ، فيهديه إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو ، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }","part":3,"page":339},{"id":1340,"text":"[16] يقوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ } ، أظننتم { أَنْ تُتْرَكُوا } , قيل: هذا خطاب للمنافقين. وقيل: للمؤمنين الذين شق عليهم القتال، فقال: أم حسبتم أن تتركوا ، فلا تؤمروا بالجهاد ، ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من الكاذب، { وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ } ، ولم ير الله { الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً } ، بطانة وأولياء يوالونهم ، ويفشون إليهم أسرارهم. وقال قتادة : وليجة خيانة. وقال الضحاك : خديعة. وقال عطاء : أولياء. وقال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم. فوليجة الرجل: من يختص بدخيلة أمره دون الناس، يقال: هو وليجتي، وهم وليجتي للواحد والجمع. { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }","part":3,"page":340},{"id":1341,"text":"[17] قوله تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ } الآية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم، وأغلظ علي رضي الله عنه القول، فقال العباس : مالكم تذكرون مساوينا ، ولا تذكرون محاسننا؟ فقال له علي رضي الله عنه: ألكم محاسن؟ فقال نعم: إنا لنعمر المسجد الحرام ، ونحجب الكعبة ، ونسقي الحاج، فأنزل الله عز وجل ردا على العباس: ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ )، أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمرا مساجد الله، وأوجب على المسلمين منعهم من ذلك، لأن المساجد إنما تعمر لعبادة الله وحده، فمن كان كافرا بالله فليس من شأنه أن يعمرها فذهب جماعة إلى أن المراد منه العمارة المعروفة من بناء المسجد ومرمته عند الخراب ، فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لا يمتثل. وحمل بعضهم العمارة هاهنا على دخول المسجد والقعود فيه. قال الحسن : ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام. قرأ ابن كثير وأهل البصرة (مسجد الله) على التوحيد، وأراد به المسجد الحرام، لقوله تعالى. { وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، ولقوله","part":3,"page":341},{"id":1342,"text":"تعالى: { فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } ، وقرأ الآخرون: ( مساجد الله ) بالجمع ، والمراد منه أيضا المسجد الحرام. قال الحسن : إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها. قال الفراء : ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد، ألا ترى أن الرجل يركب البرذون فيقول: أخذت في ركوب البراذين، ويقال: فلان كثير الدرهم والدينار، يريد الدراهم والدنانير. وقوله تعالى: { شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } ، أراد وهم شاهدون، فلما طرحت (وهم) نصبت، قال الحسن : لم يقولوا : نحن كفار ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر. وقال الضحاك عن ابن عباس : شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، وذلك أن كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد ، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، كلما طافوا شوطا سجدوا لأصنامهم، ولم يزدادوا بذلك من الله تعالى إلا بعدا. وقال السدي : شهادتهم على أنفسهم بالكفر وهو أن النصراني يسأل من أنت؟ فيقول: أنا نصراني، واليهودي يقول: أنا يهودي، ويقال للمشرك ما دينك؟ فيقول: مشرك. قال الله تعالى { أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } لغير الله عز وجل, { وَفِي","part":3,"page":342},{"id":1343,"text":"النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ }\r[18] قال تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ } ولم يخف في الدين غير الله لم يترك أمر الله لخشية غيره، { فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } ، (وعسى) من الله واجب، أي: فأولئك هم المهتدون، والمهتدون هم المتمسكون بطاعة الله عز وجل التي تؤدي إلى الجنة. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان \" فإن الله قال: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ }» (1) .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في الإيمان 7 / 366 وقال : حديث حسن غريب، وابن ماجه في المساجد رقم (802) 1 / 263، والدارمي في الصلاة 1 / 222، وصححه ابن حبان ص 99 من موارد الظمآن، والحاكم 1 / 212،والإمام أحمد في المسند 3 / 68، 76 .","part":3,"page":343},{"id":1344,"text":"[19] قوله: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال العباس حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر أن عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السقاية لا تنفعهم مع الشرك بالله, والإيمان بالله والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم خير مما هم عيه { سِقَايَةَ } مصدر كالرعاية والحماية. قوله: { وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } , فيه اختصار تقديره: الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله وجهاد من جاهد في سبيل الله؟ وقيل: السقاية والعمارة بمعنى الساقي العامر، وتقديره: أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ، وجاهد في سبيل الله ؟ وهذا كقوله تعالى: { وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } أي: للمتقين، يدل عليه قراءة عبد الله بن الزبير وأبي بن كعب (أجعلتم سُقَاةَ الحاج وعِمرَةَ المسجد الحرام)، على جمع الساقي والعامر، { وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ","part":3,"page":344},{"id":1345,"text":"الظَّالِمِينَ }\r[20] قوله تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً } ,فضيلة { عِنْدَ اللَّهِ } من الذين افتخروا بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام { وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } الناجون من النار.\r[21] { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ }\r[22] { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ }\r[23] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ } بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم وتؤثر المقام معهم على الهجرة والجهاد, { إِنِ اسْتَحَبُّوا } , اختاروا { الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ } , فيطلعهم على عورة المسلمين ويؤثر المقام معهم على الهجرة والجهاد { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ، وكان في ذلك الوقت لا يقبل الإيمان إلا, من مهاجر، فهذا معنى قوله: ( فأولئك هم الظالمون ).","part":3,"page":345},{"id":1346,"text":"[24] ثم قال تعالى: { قُلْ } يا محمد لهؤلاء المتخلفين عن الهجرة, { إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ } , وذلك لما نزلت الآية الأولى قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا ، وذهبت تجاراتنا ، وخُرّبتْ دورُنَا ، وقطعنا أرحامنا, فنزل { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ } , قرأ أبو بكر عن عاصم : (عشيراتكم) بالألف على الجمع, والآخرون بلا ألف على التوحيد لأن العشيرة واقعة على الجمع, ويقوي هذه القراءة أن أبا الحسن الأخفش قال: لا تكاد العرب تجمع العشيرة على العشيرات, إنما تجمعها على العشائر { وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا } , أي: تستطيبونها يعني القصور والمنازل, { أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا } , فانتظروا, { حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } , قال عطاء : بقضائه. وقال مجاهد ومقاتل : بفتح مكة، وهذا أمر تهديد، { وَاللَّهُ لَا يَهْدِي } ، لا يوفق ولا يرشد { الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } الخارجون عن الطاعة.","part":3,"page":346},{"id":1347,"text":"[25]قوله تعالى: { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ } , أي : مشاهد, { كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } حتى قلتم: لن نغلب اليوم من قلة { فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ } ، كثرتكم، { شَيْئًا } ، يعني إن الظفر لا يكون بالكثرة، { وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } ، أي: برحبها وسعتها، { ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } منهزمين.\r[26] { ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ } ، بعد الهزيمة، { سَكِينَتَهُ } ، يعني: الأمنة والطمأنينة، وهي فعيلة من السكون { عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا } ، يعني. الملائكة. وقيل: لا للقتال ، ولكن لتجبين الكفار ، وتشجيع المسلمين، لأنه يروى أن الملائكة لم يقاتلوا إلا يوم بدر، { وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب الأموال، { وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ }\r[27] { ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } فيهديه إلى الإسلام، { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }","part":3,"page":347},{"id":1348,"text":"[28] قوله تعالى: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } الآية، قال الضحاك وأبو عبيدة : نجس قذر. وقيل: خبيث. وهو مصدر يستوي فيه الذكر والأنثى والتثنية والجمع، فأما النجس بكسر النون وسكون الجيم فلا يقال على الانفراد، إنما يقال: رجس نجس، فإذا أفرد قيل: نجس بفتح النون ، وكسر الجيم ، وأراد به نجاسة الحكم لا نجاسة العين، سموا نجسا على الذم. وقال قتادة : سماهم نجسا ؛ لأنهم يجنبون فلا يغتسلون ، ويحدثون فلا يتوضؤون. وقوله تعالى: { فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } ، أراد منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام، وأراد به الحرم ، وهذا كما قال الله تعالى: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، وأراد به الحرم لأنه أسرى به من بيت أم هانئ . قوله: { بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } ، يعني العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه بالناس، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة، وهو سنة تسع من الهجرة. قوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } ، وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون مكة بالطعام ، ويتجرون،","part":3,"page":348},{"id":1349,"text":"فلما منعوا من دخول الحرم خافوا الفقر، وضيق العيش، وذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } فقرا وفاقة، يقال: عال يعيل عيلة إذا افتقر، { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، قال عكرمة : فأغناهم الله عز وجل بأن أنزل عليهم المطر مدرارا ، فكثر خيرهم. وقال مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وجريش من اليمن ، وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون. وقال الضحاك وقتادة : عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها.","part":3,"page":349},{"id":1350,"text":"[29] قوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } ، قال مجاهد : نزلت هذه الآية حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الروم، فغزا بعد نزولها غزوة تبوك. وقال الكلبي : نزلت في قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم وكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين: قال الله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } ، فإن قيل: أهل الكتاب مؤمنون بالله واليوم الآخر؟ قيل: لا يؤمنون كإيمان المؤمنين، فإنهم إذا قالوا : عزير ابن الله والمسيح ابن الله، لا يكون ذلك إيمانا بالله. { وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ } ، أي: لا يدينون الدين الحق، أضاف الاسم إلى الصفة. وقال قتادة : الحق هو الله، أي: لا يدينون دين الله ودينه الإسلام. وقال أبو عبيدة : معناه ولا يطيعون الله تعالى طاعة أهل الحق. { مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } ، يعني: اليهود والنصارى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } ، وهي الخراج المضروب على رقابهم، { عَنْ يَدٍ } ، عن قهر وذل. قال أبو عبيدة : يقال لكل من","part":3,"page":350},{"id":1351,"text":"أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس أعطاه عن يد. وقال ابن عباس : يعطونها بأيديهم ، ولا يرسلون بها على يد غيرهم. وقيل: عن يد أي : نقد ولا نسيئة. وقيل: عن إقرار بإنعام المسلمين عليهم بقبول الجزية منهم، { وَهُمْ صَاغِرُونَ } ، أذلاء مقهورون .","part":3,"page":351},{"id":1352,"text":"[30] قوله تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ } ، يقولون بألسنتهم من غير علم. قال أهل المعاني: لم يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورا. { يُضَاهِئُونَ } ، قرأ عاصم بكسر الهاء مهموزا، والآخرون بضم الهاء مهموزا، وهما لغتان يقال: ضاهيته وضاهأته، ومعناهما واحد. قال ابن عباس رضي الله عنه: يشابهون. والمضاهاة المشابهة. وقال مجاهد : يواطئون. وقال الحسن : يوافقون، { قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ } ، قال قتادة والسدي : ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالوا: المسيح ابن الله كما قالت اليهود من قبل عزير ابن الله. وقال مجاهد : يضاهئون قول المشركين من قبل الذين كانوا يقولون : اللات والعزى ومناة بنات الله. وقال الحسن : شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة كما قال في مشركي العرب : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } . وقال القتيبي : يريد أن من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال","part":3,"page":352},{"id":1353,"text":"أولوهم { قَاتَلَهُمُ اللَّهُ } ، قال ابن عباس : لعنهم الله. وقال ابن جريج : أي: قتلهم الله. وقيل: ليس هو على تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى العجب، { أَنَّى يُؤْفَكُونَ } ، أي: يصرفون عن الحق بعد قيام الأدلة عليه.","part":3,"page":353},{"id":1354,"text":"[31] { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ } ، أي: علماءهم وقراءهم، والأحبار العلماء واحدها حِبر وحَبر، بكسر الحاء وفتحها، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع واحدها راهب، كصاحب وصحبان، { أَرْبَابًا } ، فإن قيل: إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان؟ قلنا: معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله ، واستحلوا ما أحلوا ، وحرموا ما حرموا، فاتخذوهم كالأرباب. « عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } حتى فرغ منها، قلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه ؟ قال: قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم » (1) . { وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } , أي: اتخذوه إلها, { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }\r_________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير 14 / 215، ورواه مختصرا الترمذي في تفسير سورة براءة 8 / 492-494 وقال: حديث غريب.","part":3,"page":354},{"id":1355,"text":"[32] { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } , أي: يبطلوا دين الله بألسنتهم وتكذيبهم إياه. وقال الكلبي : النور القرآن, أي: يريدون أن يردوا القرآن بألسنتهم تكذيبا، { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ } أي: يعلي دينه ، ويظهر ، ويتم الحق الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم { وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }","part":3,"page":355},{"id":1356,"text":"[33] { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ } ، يعني: الذي يأبى إلا إتمام دينه هو الذي أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم : { بِالْهُدَى } , قيل القرآن. وقيل: ببيان الفرائض, { وَدِينِ الْحَقِّ } ، وهو الإسلام، { لِيُظْهِرَهُ } ، ليعليه ، وينصره، { عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } ، على سائر الأديان كلها، { وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } ، واختلفوا في معنى هذه الآية، قال ابن عباس : الهاء عائدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهره عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء. وقال الآخرون: الهاء راجعة إلى دين الحق، وظهوره على الأديان هو أن لا يدان الله تعالى إلا به. وقال أبو هريرة والضحاك : وذلك عند نزول عيسى ابن مريم لا يبقى أهل دين إلا دخل في الإسلام. قال الحسين بن الفضل : معنى الآية ليظهره على الدين كله بالحجج الواضحة. وقيل: ليظهره على الأديان التي حول النبي صلى الله عليه وسلم فيغلبها. قال الشافعي رحمه الله: فقد أظهر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق، وما خالفه من الأديان باطل، وقال. وأظهره على الشرك دين أهل الكتاب ودين الأميين ، فقهر","part":3,"page":356},{"id":1357,"text":"رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها، وقتل أهل الكتاب وسبى، حتى دان بعضهم بالإسلام ، وأعطى بعضهم الجزية صاغرين ، وجرى عليهم حكمه، فهذا ظهوره على الدين كله، والله أعلم.","part":3,"page":357},{"id":1358,"text":"[34] يقوله تعالى: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ } ، يعني: العلماء والقراء من أهل الكتاب، { لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } ، يريد ليأخذون الرشا في أحكامهم ، ويحرفون كتاب الله ، ويكتبون بأيديهم كتبا يقولون هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمنا قليلا من سفلتهم، وهي المأكل التي يصيبونها منهم على تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم يخافون لو صدقوه لذهبت عنهم تلك المآكل، { وَيَصُدُّونَ } , ويصرفون الناس، { عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، دين الله عز وجل، { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، قال ابن عمر رضي الله عنهما. كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز ، وإن كان مدفونا وكل مال لا تؤدي زكاته فهو كنز، وإن إن لم يكن مدفونا. ومثله عن ابن عباس . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: كل مال زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، أديت منه الزكاة أو لم تؤد، وما دونها نفقة. وقيل: ما فضل عن الحاجة فهو كنز والقول الأول أصح أن الآية في منع الزكاة لا في جمع المال الحلال. قال النبي صلى الله عليه","part":3,"page":358},{"id":1359,"text":"وسلم : « نعم المال الصالح للرجل الصالح » (1) \". , قوله عز وجل: { وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، قيل: لم قال: ( وَلَا يُنْفِقُونَهَا )، ولم يقل: ولا ينفقونهما ، وقد ذكر الذهب والفضة جميعا؟ قيل: أراد الكنوز وأعيان الذهب والفضة. وقيل: رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم، كما قال: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } ، رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } . أي: أنذرهم.\r_________\r(1) قال العلامة العجلوني في كتابة كشف الخفاء ج2 ص 424: «رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص رضي الله عنه","part":3,"page":359},{"id":1360,"text":"[35] { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ } ، أي: تدخل النار ، فيوقد عليها أي: على الكنوز، محالة { فَتُكْوَى بِهَا } ، فتحرق بها، { جِبَاهُهُمْ } ، أي: تدخل النار فيوقد عليها أي: { وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } سئل أبو بكر الوراق : لم خص الجباه والجنوب والظهور بالكي؟ قال: لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض جبهته، وزوى ما بين عينيه ، وولاه ظهره ، وأعرض عنه بكشحه. قوله تعالى: { هَذَا مَا كَنَزْتُمْ } ، أي: يقال لهم هذا ما كنزتم، { لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } ، أي: تمنعون حقوق الله تعالى في أموالكم. وقال بعض الصحابة: هذه الآية في أهل الكتاب. وقال الأكثرون. هي عامة في أهل الكتاب والمسلمين، وبه قال أبو ذر رضي الله عنه.","part":3,"page":360},{"id":1361,"text":"[36] قوله تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ } ، أي: عدد الشهور، { عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ } ، وهي المحرم وصفر وربيع الأول وربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة. وقوله: { فِي كِتَابِ اللَّهِ } أي: في حكم الله. وقيل: في اللوح المحفوظ { يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } , والمراد منه الشهور الهلالية ، وهي الشهور التي يعتد بها المسلمون في صيامهم وحجهم وأعيادهم وسائر أمورهم, الشمسية تكون السنة ثلثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم, والهلالية تنقص عن ثلاث مائة وستين يوما بنقصان الأهلة. والغالب أنها تكون ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسين يوما, { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } , من الشهور أربعة حرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم, واحد فرد وثلاثة سرد { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } , أي: الحساب المستقيم, { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } ,قيل: قوله : (فِيهِنَّ) ينصرف إلى جميع شهور السنة, أي : فلا تظلموا فيهن أنفسكم بفعل المعصية ، وترك الطاعة. وقيل : (فِيهِنَّ) أي: في الأشهر الحرم. قال قتادة : العمل","part":3,"page":361},{"id":1362,"text":"الصالح أعظم أجرا في الأشهر الحرم والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن, وإن كان الظلم على كل حال عظيما. وقال ابن عباس : فلا تظلموا فيهن أنفسكم يريد استحلال الحرام والغارة فيهن. قال محمد بن إسحاق بن يسار : لا تجعلوا حلالها حراما ولا حرامها حلالا كفعل أهل الشرك وهو النسيء, { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } , جميعا عامة, { كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } , واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم. فقال قوم: كان كبيرا ، ثم نسخ بقوله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) كأنه يقول فيهن وفي غيرهن. وهو قول قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري ، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف ، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. وقال الآخرون: إنه غير منسوخ؛ قال ابن جريج : حلف بالله عطاء بن أبي رباح : ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها، وما نسخت.","part":3,"page":362},{"id":1363,"text":"[37] قوله تعالى: { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ } ، قيل: هو مصدر كالسعير والحريق. وقيل: هو مفعول كالجريح والقتيل، وهو من التأخير. ومنه النسيئة في البيع، يقال: أنسأ الله في أجله أي : أخر، وقيل: هو من النسيان على معنى المنسي أي : المتروك. ومعنى النسيء هو تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر ، وذلك أن العرب كانت تعتقد تعظيم الأشهر الحرم، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلام، وكانت عامة معايشهم من الصيد والغارة فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي، وربما وقعت لهم حرب في بعض الأشهر الحرم ، فيكرهون تأخير حربهم فنسؤوا- أي: أخروا- تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر ، فيحرمون صفر ، ويستحلون المحرم، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع هكذا شهرا بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها. قال مجاهد : كانوا يحجون في كل شهر عامين ، فحجوا في شهر ذي الحجة عامين ، ثم حجوا في المحرم عامين ، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور، فوافقت حجة أبي بكر رضي الله عنه قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه","part":3,"page":363},{"id":1364,"text":"وسلم في العام القابل حجة الوداع، فوافق حجه شهر الحج المشروع وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة اليوم التاسع ، وخطب اليوم العاشر بمنى، وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان ، وعاد الأمر إلى ما وضع الله عليه حساب الأشهر الحرم يوم خلق السماوات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا يتبدل في مستأنف الأيام فهذا الذي ذكرنا هو النسيء الذي ذكره الله تعالى فقال: { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ } ، يريد زيادة كفر على كفرهم، { يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ } ، يعني النسيء { عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا } ، أي: ليوافقوا، والمواطأة الموافقة، { عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ } يريد أنهم لم يحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام، لئلا يكون الحرم أكثر من أربعة أشهر كما حرم الله فيكون الموافقة في العدد، { فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ } ، قال ابن عباس : يريد زين لهم الشيطان، { وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }","part":3,"page":364},{"id":1365,"text":"[38] قوله: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ } الآية، نزلت في الحث على غزوة تبوك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، وكان ذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر حين طابت الثمار والظلال فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فأنزل الله تعالى: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ } أي: قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم : { انْفِرُوا } اخرجوا في سبيل الله { فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ } أي: لزمتم أرضكم ومساكنكم، { أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ } ، أي: بخفض الدنيا ودعتها من نعيم الآخرة، { فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ }","part":3,"page":365},{"id":1366,"text":"[39] ثم أوعدهم على ترك الجهاد، فقال تعالى: { إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } في الآخرة. وقيل: هو احتباس المطر عنهم في الدنيا { وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } خيرا منكم وأطوع { وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا } ، بترككم النفير. { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }","part":3,"page":366},{"id":1367,"text":"[40] قوله تعالى: { إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ } ، هذا إعلام من الله عز وجل أنه المتكفل بنصر رسوله وإعزاز دينه، أعانوه أو لم يعينوه، وأنه قد نصره عند قلة الأولياء وكثرة الأعداء، فكيف به اليوم وهو في كثرة من الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ { إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، من مكة حين مكروا به وأرادوا تبييته وهموا بقتله، { ثَانِيَ اثْنَيْنِ } أي : هو أحد الاثنين، والاثنان: أحدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر أبو بكر الصديق رضي الله عنه، { إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ } ، وهو نقب في جبل ثور بمكة، { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } ، قال الشعبي : عاتب الله عز وجل أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ولم يكن حزن أبي بكر جبنا منه، وإنما كان إشفاقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } ، قيل: على النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس : على أبي بكر رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكانت عليه السكينة من قبل، { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا } ، وهم الملائكة نزلوا يصرفون","part":3,"page":367},{"id":1368,"text":"وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته، وقيل: ألقوا الرعب في قلوب الكفار حتى رجعوا. وقال مجاهد والكلبي : أعانه بالملائكة يوم بدر، أخبر أنه صرف عنه كيد الأعداء في الغار ، ثم أظهر نصره بالملائكة يوم بدر، { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى } ، وكلمتهم الشرك وهي السفلي إلى يوم القيامة، { وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا } إلى يوم القيامة. قال ابن عباس : هي قول لا إله إلا الله. وقيل: كلمة الذين كفروا ما قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه، وكلمة الله وعد الله أنه ناصره { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }","part":3,"page":368},{"id":1369,"text":"[41] قوله تعالى: { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } ، قال الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة : شبانا وشيوخا. وعن ابن عباس : نشاطا وغير نشاط. وقال عطية العوفي : ركبانا ومشاة. وقال أبو صالح : خفافا من المال أي: فقراء، وثقالا أي: أغنياء. وقال ابن زيد : الثقيل الذي له الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يدع ضيعته، والخفيف الذي لا ضيعة له. ويروى عن ابن عباس قال: خفافا أهل الميسرة من المال وثقالا أهل العسرة. وقيل: خفافا من السلاح، أي : مقلين منه، وثقالا أي: مستكثرين منه، وقال مرة الهمداني : أصحاء ومرضى. وقال يمان بن رباب : عزابا ومتأهلين. وقيل: خفافا من حاشيتكم وأتباعكم، وثقالا مستكثرين بهم. وقيل: خفافا مسرعين خارجين ساعة سماع النفير، وثقالا بعد التروي فيه والاستعداد له { وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قال عطاء الخراساني عن ابن عباس : نسخت هذه الآية بقوله: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ } ، قال السدي : لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله تعالى ، وأنزل: { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى }","part":3,"page":369},{"id":1370,"text":"الآية. ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك:\r[42] { لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا } ، واسم كان مضمر، أي: لو كان ما تدعوهم إليه عرضا قريبا، أي: غنيمة قريبة المتناول، { وَسَفَرًا قَاصِدًا } ، أي: قريبا هنا، { لَاتَّبَعُوكَ } ، لخرجوا معك، { وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ } أي: المسافة، والشقة السفر البعيد لأنه يشق على الإنسان. وقيل: الشقة الغاية التي يقصدونها، { وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ } ، يعني باليمين الكاذبة، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } ، في أيمانهم لأنهم كانوا مستطيعين.","part":3,"page":370},{"id":1371,"text":"[43] { عَفَا اللَّهُ عَنْكَ } ، قال عمرو بن ميمون : اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفدية من أسارى بدر، فعاتبه الله كما تسمعون. قال سفيان بن عيينة : انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل أن يعيره بالذنب. قيل: إن الله عز وجل وقره ، ورفع محله بافتتاح الكلام بالدعاء له، كما يقول الرجل لمن يخاطبه إذا كان كريما عنده: عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي، ورضي الله عنك ألا زرتني. وقيل معناه: أدام الله لك العفو.\r{ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ } ، أي: في التخلف عنك { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } ، في أعذارهم، { وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ } فيها أي: تعلم من لا عذر له. قال ابن عباس رضي الله عنه. لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ.\r[44] { لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } ، أي: لا يستأذنك في التخلف, { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ }","part":3,"page":371},{"id":1372,"text":"[45] { إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } أي : شكت ونافقت، { فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } ، يتحيرون .\r[46] { وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ } إلى الغزو، { لَأَعَدُّوا لَهُ } ، أي: { عُدَّةً } ، أهبة وقوة من السلاح والكراع، { وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ } ، خروجهم، { فَثَبَّطَهُمْ } ، منعهم وحبسهم عن الخروج، { وَقِيلَ اقْعُدُوا } ، في بيوتكم، { مَعَ الْقَاعِدِينَ } ، يعني: مع المرضى والزمني. وقيل: مع النسوان والصبيان. وقوله عز وجل: ( وَقِيلَ) أي: قال بعضهم لبعض: اقعدوا. وقيل: أوحى إلى قلوبهم وألهموا أسباب الخذلان.","part":3,"page":372},{"id":1373,"text":"[47] { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ } ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجهاد لغزوة تبوك ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره على ثنية الوداع ، وضرب عبد الله بن أبي على ذي جُدَّة أسفل من ثنية الوداع، ولم يكن بأقل العسكرين ، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، فأنزل الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم { لَوْ خَرَجُوا } يعني المنافقون { فِيكُمْ } أي : معكم، { مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا } ، أي: فسادا وشرا، ومعنى الفساد. إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر، { وَلَأَوْضَعُوا } أسرعوا، { خِلَالَكُمْ } ، في وسطكم بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم بالنميمة ونقل الحديث من البعض إلى البعض. وقيل: { وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ } أي: أسرعوا فيما يخل بكم. { يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ } ، أي: يطلبون لكم ما تفتنون به، يقولون: لقد جمع لكم كذا وكذا وإنكم مهزومون ، وسيظهر عليكم عدوكما ونحو ذلك. وقال الكلبي : يبغونكم الفتنة يعني: العنت (1) والشر. وقال الضحاك : الفتنة الشرك، ويقال: بغيته الشر والخير أبغيه بغيا إذا التمسته له،\r_________\r(1) في نسخة: (العيب).","part":3,"page":373},{"id":1374,"text":"يعني: بغيت له. { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } ، قال مجاهد : معناه وفيكم مخبرون لهم يؤدون إليهم ما يسمعون منكم ، وهم الجواسيس. وقال قتادة : معناه وفيكم مطيعون لهم، أي: يستمعون كلامهم ويطيعونهم. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } ،","part":3,"page":374},{"id":1375,"text":"[48] { لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ } أي: طلبوا صد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر، وتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبد الله ابن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه. { وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ } ، أجالوا فيك وفي إبطال دينك الرأي، بالتخذيل عنك وتشتيت أمرك، { حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ } ، النصر والظفر، { وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ } ، دين الله، { وَهُمْ كَارِهُونَ }","part":3,"page":375},{"id":1376,"text":"[49]قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي } ، نزلت في جد بن قيس المنافق، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تجهز لغزوة تبوك قال: « يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر؟ يعني الروم، تتخذ منهم سراري ووصفاء، فقال جد : يا رسول الله لقد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، ائذن لي في القعود ولا تفتني بهن وأعينك بمالي » . قال ابن عباس : « اعتل جد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أذنت لك فأنزل الله عز وجل: { وَمِنْهُمْ } يعني من المنافقين { مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي } في التخلف { وَلَا تَفْتِنِّي } ببنات الأصفر » . قال قتادة : ولا تؤثمني. { أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا } ، أي: في الشرك والإثم وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمر الله ورسوله، { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } مطيفة عليهم وجامعة لهم فيها.","part":3,"page":376},{"id":1377,"text":"[50] { إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ } ، نصرة وغنيمة، { تَسُؤْهُمْ } ، تحزنهم، يعني: المنافقين، { وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } ، قتل وهزيمة، { يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا } ، حذرنا، أي: أخذنا بالحزم في القعود عن الغزو، { مِنْ قَبْلُ } ، أي: من قبل هذه المصيبة، { وَيَتَوَلَّوْا } , ويدبروا { وَهُمْ فَرِحُونَ } ، مسرورون بما نالك من المصيبة.\r[51] { قُلْ } لهم يا محمد { لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا } ، أي: علينا في اللوح المحفوظ، { هُوَ مَوْلَانَا } ، ناصرنا وحافظنا. وقال الكلبي : هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة، { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }","part":3,"page":377},{"id":1378,"text":"[52] { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا } ، تنتظرون بنا أيها المنافقون، { إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ } ، إما النصر والغنيمة أو الشهادة والمغفرة، وروينا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة » (1) . { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ } ، إحدى السوأتين إما { أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ } ، فيهلككم كما أهلك الأمم الخالية { أَوْ بِأَيْدِينَا } ، أو بأيدي المؤمنين إن أظهرتم ما في قلوبكم، { فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ } ، قال الحسن : فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه.\r[53] { قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } ، أمر بمعنى الشرط والجزاء، أي: إن أنفقتم طوعا أو كرها، نزلت في جد بن قيس حين استأذن في القعود، قال أعينكم بمالي، يقول: إن أنفقتم طوعا أو كرها { لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ } ، أي: لأنكم, { كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ }\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الخمس 1 / 220 ومسلم في الإمارة رقم (1876) 3 / 1496 .","part":3,"page":378},{"id":1379,"text":"[54] { وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ } , صدقاتهم, { إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ } أي: المانع من قبول نفقاتهم كفرهم، { وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى } ، متثاقلون لأنهم لا يرجون على أدائها ثوابا ، ولا يخافون على تركها عقابا، فإن قيل: كيف ذم الكسل في الصلاة ولا صلاة لهم أصلا؟ قيل: الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل، فإن الكفر مكسل والإيمان منشط، { وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ } ، لأنهم يعدونها مغرما ومنعها مغنما.","part":3,"page":379},{"id":1380,"text":"[55] { فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ } , والإعجاب هو السرور بما يتعجب منه، يقول: لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال والأولاد لأن العبد إذا كان من الله في استدراج كثر الله ماله وولده، { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، فإن قيل: أي تعذيب في المال والولد وهم يتنعمون بها في الحياة الدنيا؟ قيل: قال مجاهد وقتادة: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وقيل: التعذيب بالمصائب الواقعة في المال والولد. وقال الحسن: يعذبهم بها في الدنيا بأخذ الزكاة منها والنفقة في سبيل الله. وقيل: يعذبهم بالتعب في جمعه والوجل في حفظه والكره في إنفاقه، والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده، ثم يقدم على ملك لا يعذره.\r{ وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ } ، أي: تخرج، { وَهُمْ كَافِرُونَ } ، أي: يموتون على الكفر.\r[56] { وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ } ، أي: على دينكم، { وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } ، يخافوا أن يظهروا ما هم عليه.","part":3,"page":380},{"id":1381,"text":"[57] { لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً } ، حرزا أو حصنا أو معقلا. وقال عطاء: مهربا. وقيل: قوما يأمنون فيهم. { أَوْ مَغَارَاتٍ } في الجبال جمع مغارة وهو الموضع الذي تغور فيه، أي تستتر. وقال عطاء : سراديب. { أَوْ مُدَّخَلًا } ، موضع دخول فيه، وهو من أدخل يُدخل، وأصله: مدتخل مفتعل، من دخل يدخل قال مجاهد : محرزا. وقال قتادة : سربا. وقال الكلبي : نفقا في الأرض كنفق اليربوع. وقال الحسن : وجها يدخلونه على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ يعقوب (مَدْخلا) بفتح الميم وتخفيف الدال، وهو أيضا موضع الدخول، { لَوَلَّوْا إِلَيْهِ } ، لأدبروا إليه هربا منكم، { وَهُمْ يَجْمَحُونَ } يسرعون في إباء ونفور لا يرد وجوههم شيء. ومعنى الآية: أنهم لو يجدون مخلصا منكم ومهربا لفارقوكم.","part":3,"page":381},{"id":1382,"text":"[58] قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ } ، الآية . نزلت في ذي الخويصرة التميمي ، واسمه حرقوص بن زهير أصل الخوارج { يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ } أي: يعيبك في أمرها وتفريقها ، ويطعن عليك فيها. يقال: لمزه وهمزه، أي: عابه، يعني أن المنافقين كانوا يقولون : إن محمدا لا يعطي إلا من أحب. وقرأ يعقوب (يلمزك) وكذلك يلمزون في الحجرات (ولا تلمزوا) كل ذلك بضم الميم فيهن، وقرأ الباقون بكسر الميم فيهن وهما لغتان يلمُزُ ويلمِز مثل يحسُر ويحسِر ويعكِف ويعكُف. وقال مجاهد : يلمزك أي : يروزك يعني يختبرك. { فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } ، قيل: إن أعطوا كثيرا فرحوا ، وإن أعطوا قليلا سخطوا.","part":3,"page":382},{"id":1383,"text":"[59] { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } ، أي: قنعوا بما قسم لهم الله ورسوله { وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ } ، كافينا الله، { سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } ، ما نحتاج إليه { إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ } ، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس. وجواب (لو) محذوف أي: لكان خيرا لهم وأعود عليهم.","part":3,"page":383},{"id":1384,"text":"[60] قوله تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } الآية، بَيَّنَ الله تعالى في هذه الآية أهل الصدقات ، وجعلها لثمانية أصناف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء » (1) قوله: { لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } فأحد أصناف الصدقة: الفقراء، والثاني: المساكين: واختلف العلماء في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة والزهري : الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل. وقال ابن عمر : ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن من أنقى نفسه وثيابه لا يقدر على شيء يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، فذلك الفقير. وقال قتادة : الفقير المحتاج الزمن، والمسكين الصحيح المحتاج ، وروي عن عكرمة أنه قال: الفقراء من المسلمين والمساكين من أهل الكتاب. وقال الشافعي . الفقير من لا مال له ، ولا حرفة تقع منه موقعا زمنا كان أو غير زمن، والمسكين من كان له مال أو حرفة ولا يغنيه، سائلا كان أو غير سائل. فالمسكين عنده أحسن حالا من الفقير لأن الله تعالى قال: { أَمَّا السَّفِينَةُ\r_________\r(1) أخرجه أبو داود في الزكاة 2 / 230 ، 231 والدارقطني في الزكاة 2 / 137 والبيهقي في السنن 4 / 174، وقال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، وقد تكلم فيه غير واحد.","part":3,"page":384},{"id":1385,"text":"فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ } أثبت لمهم ملكا مع اسم المسكنة، وعند أصحاب الرأي الفقير أحسن حالا من المسكين. وقال القتبي : الفقير الذي له البلغة من العيش، والمسكين الذي لا شيء له. وقيل: الفقير من له المسكن والخادم، والمسكين من لا ملك له. وقال إبراهيم النخعي : الفقراء هم المهاجرون، والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين. وفي الجملة الفقر والمسكنة عبارتان عن الحاجة وضعف الحال، فالفقير المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره، والمسكين الذي ضعفت نفسه ، وسكنت عن الحركة في طلب القوت. قوله تعالى: { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } . وهم السعاة الذين يتولون قبض الصدقات من أهلها ووضعها في حقها، فيعطون من مال الصدقة فقراء كانوا أو أغنياء، فيعطون مثل أجر عملهم. وقال الضحاك ومجاهد : لهم الثمن من الصدقة. { وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } ، فالصنف الرابع من المستحقين للصدقة هم المؤلفة قلوبهم، وهم قسمان: قسم مسلمون وقسم كفار، فأما المسلمون فقسمان قسم دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم تألفا كما أعطى عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس السلمي . أو أسلموا ونيتهم قوية في","part":3,"page":385},{"id":1386,"text":"الإسلام وهم شرفاء في قومهم مثل عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر ، فكان يعطيهم تألفا لقومهم وترغيبا لأمثالهم في الإسلام، فهؤلاء يجوز للإمام أن يعطيهم من خمسِ خمس الغنيمة، والفيء سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من ذلك ، ولا يعطيهم من الصدقات. والقسم الثاني من مؤلفة المسلمين أن يكون قوم من المسلمين بإزاء قوم كفار من موضع مُتَناءٍ لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة كثيرة وهم لا يجاهدون، إما لضعف نيتهم أو لضعف حالهم، فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم الغزاة من مال الصدقة. وقيل: من سهم المؤلفة. ومنهم قوم بإزاء جماعة من مانعي الزكاة يأخذون منهم الزكاة يحملونها إلى الإمام فيعطيهم الإمام من سهم المؤلفة من الصدقات. وقيل: من سهم سبيل الله. روي أن عدي بن حاتم جاء إلى أبي بكر الصديق بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا. وأما الكفار من المؤلفة فهو من يخشى شره منهم أو يرجى إسلامه، فيريد الإمام أن يعطي هذا حذرا من شره أو يعطي ذلك ترغيبا به في الإسلام، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس، كما أعطى صفوان بن أمية لما كان يرى من ميله","part":3,"page":386},{"id":1387,"text":"إلى الإسلام قوله تعالى: { وَفِي الرِّقَابِ } ، والصنف الخامس هم الرقاب وهم المكاتبون لهم سهم من الصدقة، هذا قول أكثر الفقهاء، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والزهري والليث بن سعد والشافعي . وقال جماعة: يشتري بسهم الرقاب عبيدا فيعتقون. وهذا قول الحسن ، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق . قوله تعالى: { وَالْغَارِمِينَ } ، والصنف السادس هم الغارمون وهم قسمان: قسم أدانوا لأنفسهم في غير معصيته فإنهم يعطون من الصدقة إذا لم يكن لهم من المال ما يفي بديونهم، فإن كان عندهم وفاء فلا يعطون، وقسم أدانوا في المعروف وإصلاح ذات البين فإنهم يعطون من مال الصدقة ما يقضون به ديونهم، وإن كانوا أغنياء. وقوله تعالى : { وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، أراد بها الغزاة فلهم سهم من الصدقة، يعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو، وما يستعينون به على أمر الغزو من النفقة والكسوة والسلاح والحمولة، وإن كانوا أغنياء. قوله تعالى: { وَاِبْنِ السَّبِيلِ } ، والصنف الثامن هم أبناء السبيل، فكل من يريد سفرا مباحا ، ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة بقدر ما يقطع به تلك المسافة سواء كان له في البلد المتنقل إليه مال أو لم يكن. وقال","part":3,"page":387},{"id":1388,"text":"قتادة : ابن السبيل هو الضيف. وقال فقهاء العراق: ابن السبيل الحاج المنقطع. قوله تعالى: { فَرِيضَةً } أي: واجبة { مِنَ اللَّهِ } ، وهو نصب على القطع، وقيل: على المصدر، أي: فرض الله هذه الأشياء فريضة، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }","part":3,"page":388},{"id":1389,"text":"[61] { وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ } ، نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس بن سويد منهم: بل نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فننكر ما قلنا ، ونحلف فيصدقنا بما نقول، فإنما محمد أذن، أي. أذن سامعة، يقال: فلان أذن سامعة وأذنة على وزن فعلة، إذا كان يسمع كل ما قيل له ويقبله. وأصله من أذن يأذن أذنا إذا استمع. وقيل: وهو أذن أي: ذو أذن سامعة، وقال محمد ابن إسحاق بن يسار : نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث قال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه، فنقول ما شئنا ، ثم نأتيه ، ونحلف بالله فيصدقنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله تعالى: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } ، قرأ العامة بالإضافة، أي: مستمع خير وصلاح لكم، لا مستمع شر وفساد. وقرأ الأعشى والبرجمي عن أبي بكر : (أذنٌ خيرٌ لكم) مرفوعين منونين، يعني أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ، ولا يقبل قولكم، ثم كذبهم فقال: { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ } ، أي: لا بل يؤمن بالله، { وَيُؤْمِنُ","part":3,"page":389},{"id":1390,"text":"لِلْمُؤْمِنِينَ } ، أي: يصدق المؤمنين ، ويقبل منهم لا من المنافقين. يقال: أمنته ، وأمنت له بمعنى صدقته. { وَرَحْمَةٌ } ، قرأ حمزة : (ورحمة) بالخفض على معنى أذن خير لكم وأذن رحمة، وقرأ الآخرون. (ورحمة) بالرفع، أي: هو أذن خير وهو رحمة { لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ } ، لأنه كان سبب إيمان المؤمنين. { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }","part":3,"page":390},{"id":1391,"text":"[62] { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ } ، قال قتادة والسدي : اجتمع ناس من المنافقين فيهم الجلاس بن سويد ووديعة بن ثابت فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له : عامر بن قيس فحقروه ، وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق ، وأنتم شر من الحمير، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فدعاهم ، وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلفوا أن عامرا كذاب، وحلف عامر أنهما كذبة، فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل عامر يدعو ، ويقول: اللهم صدق الصادق ، وكذب الكاذب، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي : نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون إليه ، ويحلفون، فأنزل الله تعالى هذه الآية: { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ } ، { وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ } .","part":3,"page":391},{"id":1392,"text":"[63] { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } يخالف الله ورسوله أن يكونوا في جانب واحد من الله ورسوله، { فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ } ، أي: الفضيحة العظيمة.\r[64] { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ } ، أي: يخشى المنافقون، { أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } ، أي: تنزل على المؤمنين، { سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ } ، أي: بما في قلوب المنافقين من الحسد والعداوة للمؤمنين، كانوا يقولون فيما بينهم ، ويسرون ، ويخافون الفضيحة بنزول القرآن في شأنهم. قال قتادة : هذه السورة تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة أثارت مخازيهم ومثالبهم { قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ } ، مظهر { مَا تَحْذَرُونَ } ، قال ابن كيسان : نزلت هذه الآية في اثنى عشر رجلا من المنافقين، وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه، وتنكروا له في ليلة مظلمة ، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدروا، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم (1) .\r_________\r(1) رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب المنافقين (2779)، ورواه الإمام أحمد في مسنده ج 4 / 320 .","part":3,"page":392},{"id":1393,"text":"[65] قوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } الآية، وسبب نزول هذه الآية على ما قال الكلبي ومقاتل وقتادة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والثالث يضحك. قيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ، ويفتح مدائنهم ما أبعده من ذلك. وقيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: احبسوا علي الركب، فدعاهم وقال لهم: قلتم كذا وكذا، فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، أي كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب. قال عمر : فلقد رأيت عبد الله بن أبي يشتد قدام رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: \" أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ \" ما يلتفت إليه ولا يزيده عليه. قوله: { قُلْ } ، أي: قل يا محمد للمنافقين، { أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ } ، كتابه، {","part":3,"page":393},{"id":1394,"text":"وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } .\r[66] { لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } ، فإن قيل : كيف قال: ( قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) وهم لم يكونوا مؤمنين؟ قيل: معناه أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان. { إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ } ، أي: نتبْ على طائفة منكم، وأراد بالطائفة واحدا، { نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } ، بالاستهزاء، وقرأ عاصم : (نعف) بالنون وفتحها وضم الفاء، { نُعَذِّبْ } بالنون وكسر الذال، طآئفة نصب. وقرأ الآخرون: (يعف) بالياء وضمها وفتح الفاء، (تُعَذَّبْ) بالتاء وفتح الذال، طائفة على غير تسمية الفاعل. وقال محمد بن إسحاق : الذي عفي عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأشجعي ، يقال : هو الذي كان يضحك ، ولا يخوض، وكان يمشي مجانبا لهم ، وينكر بعض ما يسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ عني بها تقشعر الجلود منها ، وتجب منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره.","part":3,"page":394},{"id":1395,"text":"[67] قوله تعالى: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ } ، أي: هم على دين واحد. وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق، { يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ } ، بالشرك والمعصية، { وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ } ، أي عن الإيمان والطاعة، { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } أي: يمسكونها عن الصدقة والإنفاق في سبيل الله ولا يبسطونها بخير، { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } ، تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته في الآخرة وتركهم في عذابه، { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }\r[68] { وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ } , كافيهم جزاء على كفرهم, { وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ } ، أبعدهم الله من رحمته، { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } ، دائم .","part":3,"page":395},{"id":1396,"text":"[69] { كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } ، أي: فعلتم كفعل الذين من قبلكم بالعدول من أمر الله، فلعنتم كما لعنوا { كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً } ، بطشا ومنعة، { وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ } ، فتمتعوا أو انتفعوا بخلاقهم بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ورضوا به عوضا عن الآخرة، { فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ } ، أيها الكفار والمنافقون، { كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ } ، وسلكتم سبيلهم، { وَخُضْتُمْ } في الباطل والكذب على الله تعالى وتكذيب رسله وبالاستهزاء بالمؤمنين، { كَالَّذِي خَاضُوا } ، أي: كما خاضوا. وقيل: كالذي يعني كالذين خاضوا، وذلك أن الذي اسم ناقص، مثل (ما) و (من) يعبر به عن الواحد والجمع، نظيره قوله تعالى: { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } ثم قال: { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ } ، { أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } ، أي: كما حبطت أعمالهم وخسروا كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لتتبعن","part":3,"page":396},{"id":1397,"text":"سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم » (1) .\r[70] قوله تعالى: { أَلَمْ يَأْتِهِمْ } ، يعني المنافقين، { نَبَأُ } ، خبر، { الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، حين عصوا رسلنا وخالفوا أمرنا كيف عذبناهم وأهلكناهم ثم ذكرهم، فقال: { قَوْمِ نُوحٍ } ، أهُلكوا بالطوفان، { وَعَادٍ } ، أُهلكوا بالريح { وَثَمُودَ } ، بالرجفة، { وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ } ، بسلب النعمة وهلاك نمروذ، { وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ } ، يعني قوم شعيب أهلكوا بعذاب يوم الظلة، { وَالْمُؤْتَفِكَاتِ } المنقلبات التي جعلنا عاليها سافلها وهي قوم لوط وقُراهم، { أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } ، فكذبوهم وعصَوْهم كما فعلتم يا معشر الكفار فاحذروا تعجيل النِّقمة، { فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الاعتصام 13 / 300 ومسلم في=العلم رقم (2669) 4 / 2054 والمصنف في شرح السنة 14 / 392.","part":3,"page":397},{"id":1398,"text":"[71] { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } في الدِّين واجتماع الكلمة والعون والنصرة. { يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } ، بالإيمان والطاعة والخير، { وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } ، عن الشرك والمعصية وما لا يُعرف في الشرع، { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } ، المفروضة { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .","part":3,"page":398},{"id":1399,"text":"[72] { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً } ، منازل طيبة، { فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ } ، أي: بساتين خلد وإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ } . أي: رضا الله عنهم أكبر من ذلك النعيم الذي هم فيه، { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } . روينا عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يقول الله عز وجل لأهل الجنة يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدًا من خلقك، فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً » (1) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد 13 / 487 ومسلم في الجنة وصفة نعيمها رقم (2829) 4 / 2176، والمصنف في شرح السنة 15 / 231 .","part":3,"page":399},{"id":1400,"text":"[73] { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ } : بالسيف والقتل، { وَالْمُنَافِقِينَ } ، واختلفوا في صفة جهاد المنافقين، قال ابن مسعود : بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه، وقال: لا تلق المنافقين إلا بوجه مكفهر. وقال ابن عباس : باللسان وترك الرفق. وقال الضحاك : بتغليظ الكلام. وقال الحسن وقتادة : بإقامة الحدود عليهم. { وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ } في الآخرة { جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } . قال عطاء : نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح.","part":3,"page":400},{"id":1401,"text":"[74] قوله تعالى: { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا } ، قال ابن عباس : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرة فقال:\" إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني شيطان, فإذا جاء فلا تكلموه \"فلم يلبسوا أن طلع رجل أزرق, فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" علام تشتمني أنت وأصحابك \"؟ فانطلق الرجل، وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا, فأنزل الله عز وجل هذه الآية، » وقال الكلبي : نزلت في الجلاس بن سويد , وذلك « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك فذكر المنافقين وسماهم رجسا وعابهم, فقال جلاس : لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير، فسمعه عامر بن قيس , فقال: أجل إن محمدا لصادق، وأنتم شر من الحمير، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلاس : كذب علي يا رسول الله، وأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله, ولقد كذب علي عامر , ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قال وما كذبت عليه, ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم","part":3,"page":401},{"id":1402,"text":"أنزل على نبيك تصديق الصادق منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: آمين، فنزل جبريل عليه السلام من السماء قبل أن يتفرقوا بهذه الآية, حتى بلغ: { فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ } , فقام الجلاس فقال: يا رسول الله أسمعُ الله عز وجل قد عرض علي التوبة, صدق عامر بن قيس فيما قاله، لقد قلته، وأنا أستغفر الله، وأتوب إليه, فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وحسنت توبته » . { وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ } , أي: أظهروا الكفر بعد إظهار الإيمان والإسلام، وقيل: هي سب النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل كلمة الكفر قول الجلاس : لئن كان محمد صادقًا لنحن شر من الحمير، وقيل كلمة الكفر قولهم: { لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ } وستأتي القصة في موضعها في سورة المنافقين، { وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا } ، قال مجاهد : همَّ المنافقون بقتل المسلم الذي سمع قولهم: لنحن شر من الحمير، لكي لا يفشيه، وقيل: هم اثنا عشر رجلًا من المنافقين، وقفوا على العقبة في طريق تبوك ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء","part":3,"page":402},{"id":1403,"text":"جبريل عليه السلام، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأرسل حذيفة لذلك، وقال السدي : قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجا، فلم يصلوا إليه. { وَمَا نَقَمُوا } ، وما كرهوا وما أنكروا منهم، { إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ } ، وذلك أن مولى الجلاس قتل فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألف درهم فاستغنى، وقال الكلبي : كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم { فَإِنْ يَتُوبُوا } من نفاقهم وكفرهم { يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا } ، يعرضوا عن الإيمان، { يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا } ، بالخزي، { وَالْآخِرَةِ } ، أي: وفي الآخرة بالنار، { وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ }","part":3,"page":403},{"id":1404,"text":"[75] قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب ، ومعتب بن قشير ، وهما من بني عمرو بن عوف ، خرجا على ملأ قعود وقالا: والله لئن رزقنا الله مالا لنصدقن، فلما رزقهما الله عز وجل بخلا به، فقوله عز وجل: { وَمِنْهُمْ } يعني: المنافقين { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } ولنؤدين حق الله منه { وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ } ، نعمل بعمل أهل الصلاح فيه من صلة الرحم والنفقة في الخير.\r[76] { فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ }\r[77] { فَأَعْقَبَهُمْ } ، فأخلفهم، { نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ }\rأي: صير عاقبة أمرهم النفاق، يقال: أعقب فلانا ندامة إذا صير عاقبة أمره ذلك، وقيل: عاقبهم بنفاق قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى واحد، { إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } , يريد حرمهم التوبة إلى يوم القيامة، { بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } .","part":3,"page":404},{"id":1405,"text":"عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان » (1) .\r[78] { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } ، يعني: ما أضمروا في قلوبهم وما تناجوا به بينهم، { وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ }\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الإيمان 1 / 89 ومسلم في الإيمان رقم (59) 1 / 78 والمصنف في شرح السنة 1 / 72 .","part":3,"page":405},{"id":1406,"text":"[79] { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ } الآية، قال أهل التفسير: حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة؛ فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بأربعة آلاف، فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بارك الله لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت » ، فبارك الله في ماله، حتى أنه خلّف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم، وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري ، واسمه الحبحاب بصاع من تمر، وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما لأهلي، وأتيتك بالآخر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقة، فلمزهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل ، ولكنه أراد أن يذكر فيمن أعطى الصدقة، فأنزل الله عز وجل: { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ } أي: يعيبون { الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ } يعني: عبد الرحمن","part":3,"page":406},{"id":1407,"text":"بن عوف وعاصمًا . { وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ } ، أي: طاقتهم، يعني: أبا عقيل ، والجهد: الطاقة، بالضم لغة قريش وأهل الحجاز، وقرأ الأعرج بالفتح، قال القتيبي : الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة، { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } ، يستهزئون منهم، { سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ } . أي: جازاهم الله على السخرية، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }","part":3,"page":407},{"id":1408,"text":"[80] { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } ، لفظ أمر معناه الخبر، تقديره: أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم. { إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } ، وذكر السبعين في العدد للمبالغة في اليأس عن طمع المغفرة، قال الضحاك : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله قد رخص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم، » فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } .\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }","part":3,"page":408},{"id":1409,"text":"[81] { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ } هو عن غزوة تبوك، والمخلف المتروك { بِمَقْعَدِهِمْ } أي: بقعودهم { خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ } ، قال أبو عبيدة : أي: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار وأقاموا، { وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } ، وكانت غزوة تبوك في شدة الحر، { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } ، يعلمون، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود .\r[82] { فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا } ، في الدنيا، { وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا } ، في الآخرة، تقديره: فليضحكوا قليلا وسيبكون كثيرا، { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } عن موسى بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا » . (1) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 280 ومسلم في الفضائل رقم (2359) 14 / 1832 والمصنف في شرح السنة14 / 368.","part":3,"page":409},{"id":1410,"text":"[83] { فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ } أي: ردك يا محمد من غزوة تبوك، { إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ } ، يعني: من المخلفين، إنما قال طائفة منهم لأنه ليس كل من تخلف من غزوة تبوك كان منافقا، { فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ } ، معك في غزوة أخرى، { فَقُلْ } , لهم { لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا } في سفر، { وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } , في غزاة أخرى { فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ } , أي: مع النساء والصبيان، وقيل مع الزمنَى والمرضى، وقال ابن عباس : مع الذين تخلفوا بغير عذر، وقيل: مع الخالفين، قال الفراء : يقال صاحب خالف إذا كان مخالفًا، { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا } عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: « لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دُعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي ابن سلول ، وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ أعدّد عليه قوله، فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: \" أخر عني يا عمر \" فلما أكثرت عليه قال: \" إني","part":3,"page":410},{"id":1411,"text":"خيرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها \"، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } ، إلى قوله: { وَهُمْ فَاسِقُونَ } ، قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، والله ورسوله أعلم » (1) .\r[84] قوله { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } ، لا تقف عليه، ولا تتول دفنه، من قولهم: قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره. { إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } ، فما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدها على منافق، ولا قام على قبره حتى قُبِضَ.\r[85] { وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الجنائز 3 / 228.","part":3,"page":411},{"id":1412,"text":"[86] { وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ } ،ذوو الغنى والسعة منهم في القعود والتخلف, { وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ } , في رحالهم.","part":3,"page":412},{"id":1413,"text":"[87] { رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ } يعني: النساء، وقيل: مع أدنياء الناس وسفلتهم، يقال: فلان خالفة قومه إذا كان دونهم، { وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ }\r[88] { لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ }\rيعني الحسنات، وقيل: الجواري الحسان في الجنة، قال الله تعالى: { فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ } ، جمع خيرة { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }\r[89] { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }","part":3,"page":413},{"id":1414,"text":"[90] قوله تعالى: { وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } ، قرأ يعقوب ومجاهد : (المعذرون) بالتخفيف وهم المبالغون في العذر، يقال في المثل \"لقد أُعذر من أنذر\"، أي: بالغ في العذر من قدم النذارة، وقرأ الآخرون ( الْمُعَذِّرُونَ) بالتشديد، أي المقصرون، يقال: عذر، أي: قصر، وقال الفراء : المعذرون المعتذرون، أدغمت التاء في الذال، ونقلت حركة التاء إلى العين، وقال الضحاك : المعذرون هم رهط عامر بن الطفيل جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم فقالوا: يا نبي الله إن نحن غزونا معك تغير أعراب طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، « \"قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله عنكم » ، وقال ابن عباس : هم الذين تخلفوا بعذر بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، { وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ، يعني المنافقين، قال أبو عمر بن العلاء : كلا الفريقين كان مسيئا قوم تكلفوا عذرا بالباطل، وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله ( وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ )، وقوم تخلفوا عن غير تكلف عذر، فقعدوا جرأة على الله تعالى، وهم المنافقون، فأوعدهم","part":3,"page":414},{"id":1415,"text":"الله بقوله: { سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، ثم ذكر أهل العذر.\r[91] فقال جل ذكره: { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ } ، قال ابن عباس : يعني الزمنى والمشايخ والعجزة، وقيل: هم الصبيان وقيل: النسوان، { وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ } ، يعني الفقراء { حَرَجٌ } ، مأثم، وقيل: ضيق في القعود عن الغزو, { إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } , في مغيبهم وأخلصوا الإيمان والعمل لله، وبايعوا الرسول { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } , أي: من طريق بالعقوبة, { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، قال قتادة : نزلت في زيد بن عمر وأصحابه، وقال الضحاك : نزلت في عبد الله بن أم مكتوم وكان ضرير البصر.","part":3,"page":415},{"id":1416,"text":"[92] قوله تعالى: { وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } , معناه: أنه لا سبيل على الأولين، ولا على هؤلاء الذين أتوك وهم سبعة نفر سُموا البكائين: معقل بن يسار , وصخر بن خنساء , وعبد الله بن كعب الأنصاري , وعبلة بن زيد الأنصاري , وسالم بن عمير , وثعلبة بن غنمة , وعبد الله بن مغفل المزني , أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن الله قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا، واختلفوا في قوله { لِتَحْمِلَهُمْ } قال ابن عباس : سألوه أن يحملهم على الدواب، وقيل: سألوه أن يحملهم على الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة، ليغزوا معه، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر الله عنه في قولة تعالى: { قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا } ، وهم يبكون، فذلك قوله تعالى: { تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ } .","part":3,"page":416},{"id":1417,"text":"[93] { إِنَّمَا السَّبِيلُ } ، بالعقوبة، { عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ } ، في التخلف { وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ } . مع النساء والصبيان، { وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }","part":3,"page":417},{"id":1418,"text":"[94] { يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } ، يروى أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعة وثمانين نفرًا، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوا يعتذرون بالباطل، قال الله تعالى: { قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ } ، لن نصدقكم، { قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } ، فيما سلف، { وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } ، في المستأنف، أتتوبون من نفاقكم، أم تقيمون عليه؟ { ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }","part":3,"page":418},{"id":1419,"text":"[95] { سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ } إذا انصرفتم إليهم من غزوكم، { لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ } , لتصفحوا عنهم ولا تؤنبوهم، { فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ } ، فدعوهم، وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، { إِنَّهُمْ رِجْسٌ } نجس أي: إن عملهم قبيح، { وَمَأْوَاهُمْ } ، في الآخرة، { جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ، قال ابن عباس : « نزلت في جد بن قيس ، ومعتب بن قشير وأصحابهما، وكانوا ثمانين رجلًا من المنافقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: \"لا تجالسوهم ولا تكلموهم » وقال مقاتل : « نزلت في عبد الله بن أُبيّ حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضى عنه، فأنزل الله عز وجل هذه الآية:\r[96] { يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ }»","part":3,"page":419},{"id":1420,"text":"[97] { الْأَعْرَابُ } ، أي: أهل البدو، { أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } ، من أهل الحضر، { وَأَجْدَرُ } ، أي: أخلق وأحرى، { أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ } ، وذلك لبعدهم عن سماع القرآن ومعرفة السنن، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } ، بما في قلوب خلقه، { حَكِيمٌ } , فيما فرض من فرائضه.","part":3,"page":420},{"id":1421,"text":"[98] { وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا } ، قال عطاء : لا يرجون على إعطائه ثوابًا ولا يخافون على إمساكه عقابًا إنما ينفق خوفًا ورياء، والمغرم التزام ما لا يلزم { وَيَتَرَبَّصُ } ، وينتظر، { بِكُمُ الدَّوَائِرَ } ، يعني: صروف الزمان التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر، وقال يمان بن رباب : يعني ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول ويظهر المشركون، { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ } ، عليهم يدور البلاء والحزن، ولا يرون في محمد ودينه إلا ما يكرهون وما يسوؤهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : ( دائرة السوء ) هاهنا، وفي سورة الفتح بضم السين، معناه: الضر والبلاء والمكروه، وقرأ الآخرون بفتح السين على المصدر، وقيل: بالفتح: الردة والفساد، وبالضم الضر والمكروه، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، نزلت في أعراب أسد وغطفان وتميم، ثم استثنى فقال:","part":3,"page":421},{"id":1422,"text":"[99] { وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } ، قال مجاهد : هم بنو مقرن من مزينة، وقال الكلبي : أسلم وغفار وجهينة { وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ } ، القربات جمع القربة، أي: يطلب القربة إلى الله تعالى، { وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ } ، أي: دعاءه واستغفاره، قال عطاء : يرغبون في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. { أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ } ، قرأ نافع برواية ورش قربة بضم الراء، والباقون بسكونها، { سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ } ، في جنته، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }","part":3,"page":422},{"id":1423,"text":"[100] { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ } الآية، قرأ يعقوب بالرفع، عطفًا على قوله: { وَالسَّابِقُونَ } ، واختلفوا في السابقين، قال سعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين وجماعة: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء بن أبي رباح : هم أهل بدر، وقال الشعبي : هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، قوله عز وجل: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ } ، الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا أوطانهم { وَالْأَنْصَارِ } أي: ومن الأنصار وهم الذين نصروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أعدائه من أهل المدينة، وآووا أصحابه، { وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ } قيل: بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين، وقيل: هم الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة أو النصرة إلى يوم القيامة، وقال عطاء : هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم والدعاء، ثم جمعهم الله عز وجل في الثواب فقال: { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ } ، قرأ ابن كثير : ( مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ )، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة، {","part":3,"page":423},{"id":1424,"text":"خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .","part":3,"page":424},{"id":1425,"text":"[101] { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ } وهم من مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار كانت منازلهم حول المدينة، يقول: من هؤلاء الأعراب منافقون، { وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ } ، أي: ومن أهل المدينة من الأوس والخزرج قوم منافقون، { مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ } ، أي: مرنوا على النفاق، يقال: تمرد فلان على ربه أي: عتا، ومرد على معصيته أي: مرن، وثبت عليها واعتادها، ومنه: المريد والمارد، قال ابن إسحاق : لجوا فيه وأبوا غيره، وقال ابن زيد : أقاموا عليه ولم يتوبوا، { لَا تَعْلَمُهُمْ } ، أنت يا محمد ، { نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } ، اختلفوا في هذين العذابين، قال مجاهد : الأول القتل والسبي، والثاني عذاب القبر، وقال قتادة : الدبيلة في الدنيا وعذاب القبر، وقال ابن زيد : الأولى المصائب في الأموال والأولاد في الدنيا، والأخرى عذاب الآخرة، وعن ابن عباس : الأولى إقامة الحدود عليهم، والأخرى عذاب القبر، وقال ابن إسحاق : هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام، ودخولهم فيه من غير حسبة ثم عذاب القبر، وقيل: أحدهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، والآخر عذاب القبر،","part":3,"page":425},{"id":1426,"text":"وقيل: الأولى إحراق مسجد الضرار، والأخرى إحراقهم بنار جهنم، { ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } ، أي: عذاب جهنم يخلدون فيه.","part":3,"page":426},{"id":1427,"text":"[102] { وَآخَرُونَ } ، أي: ومن أهل المدينة أو من الأعراب آخرون، ولا يرجع هذا إلى المنافقين، { اعْتَرَفُوا } ، أقروا، { بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا } ، وهو إقرارهم بذنوبهم وتوبتهم، { وَآخَرَ سَيِّئًا } ، أي: بعمل آخر سيئ، وضع الواو موضع الباء، كما يقال: خلطت الماء واللبن، أي: باللبن، والعمل السيئ هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعمل الصالح هو ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسواري، وقيل: غزواتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، نزلت هذه الآية في قوم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ثم ندموا على ذلك، وقالوا: نكون في الظلال مع النساء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللَّأواء، فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة قالوا: والله لنوثقن أنفسنا بالسواري، فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا ويعذرنا، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بهم فرآهم فقال: من هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء الذين تخلفوا عنك فعاهدوا","part":3,"page":427},{"id":1428,"text":"الله عز وجل أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت تطلقهم، وترضى عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم، ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم؛ لأنهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فأنزل الله هذه الآية فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا واستغفر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا\"، فأنزل الله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } الآية.","part":3,"page":428},{"id":1429,"text":"[103] { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ } ، بها من ذنوبهم، { وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } ، أي: ترفعهم من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين، وقيل: تنمي أموالهم { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } ، أي: ادع لهم واستغفر لهم، وقيل: هو قول الساعي للمصدق إذا أخذ الصدقة منه: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، والصلاة في اللغة: الدعاء، { إِنَّ صَلَاتَكَ } قرأ حمزة والكسائي : ( صلاتك ) على التوحيد ونصب التاء هاهنا، وفي سورة هود ( أَصَلَاتُكَ ) وفي سورة المؤمنين ( عَلَى صَلَاتِهِمْ ) كلهن على التوحيد، وافقهما حفص هاهنا وفي سورة هود، وقرأ الآخرون بالجمع فيهن، وكسر التاء هاهنا وفي سورة المؤمنين، ولا خلاف في التي في الأنعام: { وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } والتي في المعارج: { هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ } إنهما جميعًا على التوحيد، { سَكَنٌ لَهُمْ } ، أي: إن دعاءك رحمة لهم، قاله ابن عباس ، وقيل: طمأنينة لهم وسكون لهم أن الله عز وجل قد قبل منهم، وقال أبو عبيدة : تثبيت لقلوبهم، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، واختلفوا في وجوب الدعاء على الإمام عند أخذ الصدقة، قال بعضهم: يجب:","part":3,"page":429},{"id":1430,"text":"وقال بعضهم: يستحب، وقال بعضهم: يجب في صدقة الفرض، ويستحب في صدقة التطوع، وقيل: يجب على الإمام ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي.\r[104] { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ } ، أي: يقبلها، { وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: « والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة مع كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب إلا كأنما يضعها في يد الرحمن عز وجل فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه، حتى إن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها لمثل الجبل العظيم، ثم قرأ: { أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ }» ، (1) .\r_________\r(1) أخرجه الشافعي بإسناد حسن في المسند 1 / 220 والمصنف في شرح السنة 6 / 131 وصححه الحاكم على شرط الشيخين 2 / 335 وأصل معنى الحديث ثابت في الصحيحين .","part":3,"page":430},{"id":1431,"text":"[105] قوله تعالى: { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، قال مجاهد : هذا وعيد لهم، وقيل: رؤية للنبي صلى الله عليه وسلم بإعلام الله تعالى إياه، ورؤية المؤمنين بإيقاع المحبة في قلوبهم لأهل الصلاح، والبغض لأهل الفساد.","part":3,"page":431},{"id":1432,"text":"[106] قوله تعالى: { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، قرأ أهل المدينة والكوفة غير أبي بكر : ( مرجون ) بغير همز، والآخرون بالهمز، والإرجاء: التأخير، مرجون: مؤخرون لأمر الله: لحكم الله عز وجل فيهم، وهم الثلاثة الذين تأتي قصتهم من بعد: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع ، لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه، فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، حتى شقهم القلق وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وكانوا من أهل بدر فجعل أناس يقولون: هلكوا، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم، فصاروا مرجئين لأمر الله لا يدرون أيعذبهم أم يرحمهم، حتى نزلت توبتهم بعد خمسين ليلة،","part":3,"page":432},{"id":1433,"text":"[107] قوله تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا } ، نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين بنوا مسجدًا يضارون به مسجد قباء ضرارًا يعني مضارة للمؤمنين، { وَكُفْرًا } بالله ورسوله، { وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ } ؛ لأنهم كانوا جميعا يصلون في مسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيؤدي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة، { وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ } ، أي: انتظارًا وإعدادًا لمن حارب الله ورسوله يقال: أرصدت له إذا أعددت له، وهو أبو عامر الفاسق أرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، وابنوا لي مسجدًا فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآت بجند من الروم، فأخرج محمدًا وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك قوله تعالى: { وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ } ، وهو أبو عامر الفاسق ليصلي فيه إذا رجع من الشام، قوله: { مِنْ قَبْلُ } يرجع إلى أبي عامر يعني حارب الله ورسوله من قبل أي: من قبل بناء مسجد الضرار، { وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا } ، ما أردنا ببنائه، { إِلَّا الْحُسْنَى }","part":3,"page":433},{"id":1434,"text":"، إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن السير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، { وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } ، في قولهم وحلفهم.","part":3,"page":434},{"id":1435,"text":"[108] قوله تعالى: { لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا } ، قال ابن عباس : \"لا تصل فيه \" منع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في مسجد الضرار، { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى } اللام لام الابتداء، وقيل: لام القسم، تقديره، والله لمسجد أسس أي: بني أصله على التقوى، { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } ، أي: من أول يوم بني ووضع أساسه، { أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ } ، مصليًا، واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال ابن عمر وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري : هو مسجد المدينة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والدليل عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم قال: « ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي » (1) وذهب قوم إلى أنه مسجد قباء وهو رواية عطية عن ابن عباس وهو قول عروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير وقتادة ، { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } ، من الأحداث والجنابات والنجاسات: وقال عطاء : كانوا يستنجون بالماء ولا ينامون بالليل على الجنابة { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } ، أي المتطهرين.\r_________\r(1) أخرجه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة 3 / 70 ومسلم في الحج ش قم (1391) 2 / 1011 والمصنف في شرح السنة 2 / 338.","part":3,"page":435},{"id":1436,"text":"[109] { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } يقرأ نافع وابن عامر (أسس) بضم الهمزة وكسر السين، (بنيانه) برفع النون فيها جميعا على غير تسمية الفاعل، وقرأ الآخرون ( أُسِّسَ) فتح الهمزة والسين { بُنْيَانَهُ } بنصب النون على تسمية الفاعل، { عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ } ، أي: على طلب التقوى ورضا الله تعالى خير { أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا } ،أي على شفير, { جُرُفٍ } قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر (جرف) ساكنة الراء، وقرأ الباقون بضم الراء وهما لغتان، وهي البئر التي لم تطو، قال أبو عبيدة : هو الهوة، وما يجرفه السيل من الأودية فيتجرف بالماء فيبقى واهيًا، { هَارٍ } ، أي: هائر وهو الساقط يقال: هار يهور فهو هائر، ثم يقلب فيقال: هار مثل شاك وشائك وعاق عائق، وقيل: هو من هار بها إذا انهدم، ومعناه الساقط الذي يتداعى بعضه في إثر بعض كما ينهار الرمل والشيء الرخو، { فَانْهَارَ بِهِ } ، أي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد صيرهم النفاق إلى النار، { وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }","part":3,"page":436},{"id":1437,"text":"[110] { لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً } ، أي: { قُلُوبِهِمْ } ، يحسبون أنهم كانوا في بنائه محسنين كما حبب العجل إلى قوم موسى ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وقال الكلبي : حسرة وندامة؛ لأنهم ندموا على بنائه، وقال السدي : لا يزال هدم بنيانهم ريبة وحزازة، وغيظا في قلوبهم، { إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } ، أي: تتصدع قلوبهم فيموتوا، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر وحفص وحمزة (تقطع) بفتح التاء أي: تتقطع، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، وقرأ الآخرون (تقطع) بضم التاء من التقطيع، وقرأ يعقوب وحده (إلى أن) بتخفيف اللام على الغاية، وقرأ الباقون { إِلَّا أَنْ }\rبتشديد اللام على الاستثناء، ويدل على قراءة يعقوب تفسير الضحاك وقتادة : لا يزالون في شك منه وندامة إلى أن يموتوا فحينئذ يستيقنون، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }","part":3,"page":437},{"id":1438,"text":"[111] قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ } ، قال محمد بن كعب القرظي : لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة، وهم سبعون نفسا، قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي عز وجل أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } ، وقرأ الأعمش (بالجنة) { يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } ، وقرأ حمزة والكسائي : (فيقتلون) بضم الياء وفتح التاء (ويقتلون) بفتح الياء وضم التاء على تقديم فعل المفعول على فعل الفاعل، يعني: يقتل بعضهم ويقتل الباقون، وقرأ الباقون (فيقتلون) بفتح الياء وضم التاء (ويقتلون) بضم الياء وفتح التاء على تقديم فعل الفاعل على ما فعل المفعول، والوجه أنهم يقتلون الكفار أولًا ثم يستشهدون، هذا الوجه أظهر، والقراءة به","part":3,"page":438},{"id":1439,"text":"أكثر، { وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا } أي: ثواب الجنة لهم وعد وحق { فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ } ، يعني أن الله عز وجل وعدهم هذا الوعد وبينه في هذه الكتب، وفيه دليل على أن أهل الملل كلهم أمروا بالجهاد على ثواب الجنة، ثم هنأهم فقال: { وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا } ، فافرحوا { بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ، قال عمر رضي الله عنه: إن الله عز وجل بايعك وجعل الصفقتين لك، وقال قتادة : ثامنهم الله عز وجل فأغلى لهم، وقال الحسن : اسعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن، وعنه أنه قال: إن الله أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها، ثم وصفهم فقال:","part":3,"page":439},{"id":1440,"text":"[112] { التَّائِبُونَ } ، قال الفراء : استؤنفت بالرفع لتمام الآية، وانقطاع الكلام، وقال الزجاج : التائبون رفع بالابتداء، وخبره مضمر، والمعنى التائبون إلى آخر الآية لهم الجنة أيضا، أي: من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد، لأن بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد، فمن كانت هذه صفته فله الجنة أيضا، وهذا أحسن، فكأنه وعد الجنة لجميع المؤمنين، كما قال: { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } ، فمن جعله تابعا للأول فلهم الوعد بالجنة أيضا، وإن كان الوعد بالجنة للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات، قوله: { التَّائِبُونَ } أي: الذين تابوا من الشرك وبرؤوا من النفاق { الْعَابِدُونَ } المطيعون الذين أخلصوا العبادة لله عز وجل { الْحَامِدُونَ } ، الذين يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء { السَّائِحُونَ } ، قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: هم الصائمون، وقال عطاء: السائحون الغزاة المجاهدون في سبيل الله، وقال عكرمة : السائحون هم طلبة العلم، { الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ } ، يعني المصلين، { الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } , بالإيمان, { وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ } عن الشرك، وقيل: المعروف","part":3,"page":440},{"id":1441,"text":"السنة والمنكر البدعة، { وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ } ، القائمون بأوامر الله، وقال الحسن : أهل الوفاء ببيعة الله، { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } .","part":3,"page":441},{"id":1442,"text":"[113] { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } ، اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال قوم: « لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل ، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال: \" أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله \"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة : أترغب عن ملة عبد المطلب : فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان لتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: أنا على ملة عبد المطلب ؟ وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك \"، فأنزل الله تعالى هذه الآية، » وقال أبو هريرة وبريدة : « لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ }» الآية (1) قال قتادة : قال النبي صلى الله عليه وسلم « لأستغفرن لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه \" فأنزل الله تعالى هذه الآية » (2) . وقال علي بن\r_________\r(1) أخرجه الطبري 14 / 512 والإمام أحمد في المسند 5 / 359.\r(2) أخرجه الطبري مطولًا 14 / 513 .","part":3,"page":442},{"id":1443,"text":"أبي طالب رضي الله عنه: « سمعت رجلًا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فأنزل الله عز وجل: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ } ، إلى قوله: { إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ }» (1) .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير 8 / 505 وقال حديث حسن، وصححه الحاكم 2 / 335، وأخرجه أحمد والنسائي، وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار- انظر الكافي الشافي ص 82، وتحفة الأحوذي 8 / 505 .","part":3,"page":443},{"id":1444,"text":"[114] قوله تعالى: { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } ، قال بعضهم: الهاء في إياه عائدة إلى إبراهيم عليه السلام، والوعد كان من أبيه، وذلك أن أباه كان وعده أن يسلم، فقال له إبراهيم سأستغفر لك ربي يعني إذا أسلمت، وقال بعضهم: الهاء راجعة إلى الأب، وذلك أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه، وهو قوله: { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي } ، يدل عليه قراءة الحسن : (وعدها أباه)، بالباء الموحدة، والدليل على أن الوعد من إبراهيم وكان الاستغفار في حال شرك الأب قوله تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ } ، إلى أن قال: { إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } ، فصرح أن إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار، وإنما استغفر له وهو مشرك لمكان الوعد رجاء أن يسلم، { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ } ، لموته على الكفر، { تَبَرَّأَ مِنْهُ } ، وقيل: فلما تبين له في الآخرة أنه عدو لله تبرأ منه أي: يتبرأ منه، قوله تعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } ، اختلفوا في معنى الأواه،","part":3,"page":444},{"id":1445,"text":"جاء في الحديث: \"إن الأواه الخاشع المتضرع \"، وقال عبد الله بن مسعود : الأواه الدعاء، وعن ابن عباس قال: هو المؤمن التواب، وقال الحسن وقتادة : الأواه الرحيم بعباد الله، وقال مجاهد : الأواه الموقن، وقال عكرمة : هو المستيقن بلغة الحبشة.\rوقال كعب الأحبار : هو الذي يكثر التأوه، وكان إبراهيم عليه السلام يكثر أن يقول: أوه من النار، قبل ألا ينفع أوه، وقيل: هو الذي يتأوه من الذنوب، وقال عقبة بن عامر : الأواه الكثير الذكر لله تعالى، وعن سعيد بن جبير قال: الأواه: المسبح، وروي عنه: الأواه: المعلم للخير، وقال النخعي : هو الفقيه، وقال عطاء : هو الراجع عن كل ما يكره الله، وقال أيضا: هو الخائف من النار، وقال أبو عبيدة : هو المتأوه شفقًا وفرقًا المتضرع يقينًا، يريد أن يكون تضرعه على يقين الإجابة ولزوم الطاعة، قال الزجاج : قد انتظم في قول أبي عبيدة أكثر ما قيل في الأواه، وأصله من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء، والفعل منه أوه وتأوه، والحليم الصفوح عمن سبه أو ناله بالمكروه، كما قال لأبيه عند وعيده، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الحليم السيد.","part":3,"page":445},{"id":1446,"text":"[115] قوله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } ، معناه: ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر باستغفاركم للمشركين، { حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } ، يريد حتى يتقدم إليكم بالنهي، فإذا بين ولم تأخذوا به فعند ذلك تستحقون الضلال، وقال مقاتل والكلبي : هذا في المنسوخ، وذلك أن قومًا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، ولم تكن الخمر حرامًا ولا القبلة مصروفة إلى الكعبة، فرجعوا إلى قومهم، وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة، ولا علم لهم بذلك، ثم قدموا بعد ذلك المدينة فوجدوا الخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت، فقالوا: يا رسول الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن ضلال؟ فأنزل الله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } ، يعني ما كان الله ليبطل عمل قوم قد علموا بالمنسوخ حتى يبين لهم الناسخ، { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، ثم عظم نفسه فقال:","part":3,"page":446},{"id":1447,"text":"[116] { إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، يحكم بما يشاء، { يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ }","part":3,"page":447},{"id":1448,"text":"[117] قوله عز وجل: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ } ، الآية، تاب الله أي: تجاوز وصفح، ومعنى توبته على النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه، وقيل: افتتح الكلام به؛ لأنه كان سبب توبتهم، فذكره معهم، كقوله تعالى: { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } ، ونحوه، { وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ } ، أي: في وقت العسرة، ولم يرد ساعة بعينها، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة، والجيش يسمى جيش العسرة، والعسرة الشدة، وكانت عليهم عسرة في الظهر والزاد والماء، قال الحسن : كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يتعقبونه يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير { مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ } قرأ حمزة وحفص : (يزيغ) بالياء لقوله (كاد) ولم يقل، كادت، وقرأ الآخرون بالتاء، والزيغ: الميل، أي: من بعد كادت تميل، { قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ } ، أي: قلوب بعضهم، ولم يرد الميل عن الدين بل أراد الميل إلى التخلف والانصراف للشدة التي عليهم، قال الكلبي : هم ناس بالتخلف ثم لحقوه. { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ","part":3,"page":448},{"id":1449,"text":"} ، فإن قيل: كيف أعاد ذكر التوبة، وقد قال في أول الآية { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ } ؟ قيل: ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب، وهو محض الفضل من الله عز وجل، فلما ذكر الذنب أعاد ذكر التوبة، والمراد منه قبولها، { إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } ، قال ابن عباس : من تاب الله عليه لم يعذبه أبدا.","part":3,"page":449},{"id":1450,"text":"[118] قوله عز وجل: { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } أي: خلفوا من غزوة تبوك، وقيل: { خُلِّفُوا } أي: أرجئ أمرهم عن توبة أبي لبابة وأصحابه، وهؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك الشاعر ومرارة ابن الربيع وهلال بن أمية كلهم من الأنصار، قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } ، أي: اتسعت, { وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ } غمًّا وهمًّا { وَظَنُّوا } أي: تيقنوا، { أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ } ، لا مفزع من الله، { إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا } ، أي: ليستقيموا على التوبة، فإن توبتهم قد سبقت، { إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .","part":3,"page":450},{"id":1451,"text":"[119] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } ، قال نافع : مع محمد وأصحابه، وقال سعيد بن جبير : مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال ابن جريج : مع المهاجرين، لقوله تعالى: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ } إلى قوله { أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: مع الذين صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وأعمالهم، وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بإخلاص نية، وقيل: مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة، وكان ابن مسعود يقرأ: { وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } وقال ابن مسعود : إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئا ثم لا ينجز له، اقرؤوا إن شئتم هذه الآية.","part":3,"page":451},{"id":1452,"text":"[120] قوله تعالى: { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ } ظاهره خبر معناه نهي، كقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ } ، { وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ } ، سكان البوادي مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، { أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ } ، إذا غزا، { وَلَا يَرْغَبُوا } ، أي: ولا أن يرغبوا، { بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ } ، في مصاحبته ومعاونته والجهاد معه، قال الحسن : لا يرغبوا بأنفسهم عن أن يصيبهم من الشدائد فيختاروا الخفض والدعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مشقة السفر، ومقاساة التعب. { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ } ، في سفرهم، { ظَمَأٌ } ، عطش، { وَلَا نَصَبٌ } ، تعب، { وَلَا مَخْمَصَةٌ } ، مجاعة، { فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا } ، أرضا، { يَغِيظُ الْكُفَّارَ } ، وطؤهم إياه { وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا } ، أي: لا يصيبون من عدوهم قتلًا أو أسرًا أو غنيمة أو هزيمة، { إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من اغبرت قدماه","part":3,"page":452},{"id":1453,"text":"في سبيل الله حرمهما الله على النار » (1) واختلفوا في حكم هذه الآية، قال قتادة : هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة فيجوز لمن شاء من المسلمين أن يتخلف عنه إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة، وقيل في هذه الآية: إنها لأول هذه الأمة وآخرها، وقال ابن زيد : هذا حين كان أهل الإسلام قليلا، فلما كثروا نسخها الله تعالى، وأباح التخلف لمن يشاء، فقال: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً } .\r[121] { وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً } ، أي: في سبيل الله، { صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً } ، ولو علاقة سوط { وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا } ، لا يجاوزون واديا في مسيرهم مقبلين أو مدبرين، { إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ } ، يعني: آثارهم وخطاهم، { لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الجمعة 2 / 390 والمصنف في شرح السنة 10 / 353.","part":3,"page":453},{"id":1454,"text":"[122] قوله عز وجل: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً } ، قال ابن عباس في رواية الكلبي : لما أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا فكان المسلمون ينفرون جميعا إلى الغزو، ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، وهذا نفي بمعنى النهي. قوله تعالى: { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ } ، أي: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة، ويبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة، { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ } ، يعني: فرقة القاعدين يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام، فإذا رجعت السرايا أخبروهم بما أنزل بعدهم فتمكث السرايا يتعلمون ما نزل بعدهم وتبعث سرايا أخر، فذلك قوله: { وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ } ، وليعلموهم بالقرآن ويخوفوهم به، { إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } ، أن يجهلوا فلا يعملون بخلافه، وقال الحسن : هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة، ومعناه: هلا نفر فرقة ليتفقهوا، أي: لينصروا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين، ولينذروا قومهم","part":3,"page":454},{"id":1455,"text":"من الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد فيخبروهم بنصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لعلهم يحذرون أن يعادوا النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار.\rوقال الكلبي : لها وجه آخر أي: لم يكن لهم أن ينفروا كافة، ولكن من كل قبيلة طائفة ليتفقهوا في الدين.","part":3,"page":455},{"id":1456,"text":"[123] قوله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ } ، الآية, أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: مثل بني قريظة والنضير وخيبر ونحوها، وقيل: أراد بهم الروم؛ لأنهم كانوا سكان الشام، وكان الشام أقرب إلى المدينة من العراق، { وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً } ، شدة وحمية، قال الحسن : صبرا على جهادكم، { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } ، بالعون والنصرة.\r[124] قوله تعالى: { وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا } ، يقينًا، كان المنافقون يقولون هذا استهزاء، قال الله تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } يقينًا وتصديقًا، { وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } , يفرحون بنزول القرآن.","part":3,"page":456},{"id":1457,"text":"[125] { وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } , شك ونفاق, { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } , أي: كفرهم، فعند نزول كل سورة ينكرونها يزداد كفرهم بها، قال مجاهد : هذه الآية إشارة إلى الإيمان يزيد وينقص، وكان عمر : يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتى نزداد إيمانًا، وقال علي بن أبي طالب : إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب، فكلما ازداد الإيمان عظمًا ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمعة سوداء في القلب فكلما ازداد النفاق ازداد السواد حتى يسود القلب كله. { وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ }","part":3,"page":457},{"id":1458,"text":"[126] قوله: { أَوَلَا يَرَوْنَ } ، قرأ حمزة ويعقوب : (ترون) بالتاء على خطاب النبي والمؤمنين، وقرأ الآخرون بالياء خبر عن المنافقين المذكورين { أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ } ، ويبتلون { فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } , بالأمراض والشدائد، وقال مجاهد : بالقحط والشدة، وقال قتادة : بالغزو والجهاد، وقال مقاتل بن حيان : يفضحون بإظهار نفاقهم، وقال عكرمة : ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون، وقال يمان : ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين، { ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ } ، من نقض العهد، ولا يرجعون إلى الله من النفاق، { وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ } ، أي: لا يتعظون بما يرون من تصديق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين.","part":3,"page":458},{"id":1459,"text":"[127] { وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ } فيها عيب المنافقين وتوبيخهم، { نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } ، يريدون الهرب، يقول بعضهم لبعض إشارة { هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ } ، أي: أحد من المؤمنين إن قمتم، فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد، وإن علموا أن أحدا يراهم أقاموا وثبتوا، { ثُمَّ انْصَرَفُوا } ، عن الإيمان بها، وقيل: انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها ، { صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } ، عن الإيمان، وقال أبو إسحاق الزجاج : أضلهم الله مجازاة على فعلهم ذلك، { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ } ، عن الله دينه.","part":3,"page":459},{"id":1460,"text":"[128 - 129] قوله تعالى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ } تعرفون نسبه وحسبه، قال السدي : من العرب من بني إسماعيل، قال ابن عباس : ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم، وله فيهم نسب، وقال جعفر بن محمد الصادق : لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية من زمان آدم عليه السلام، وقرأ ابن عباس والزهري وابن محيصن (من أنفسكم) بفتح الفاء، أي: من أشرفكم وأفضلكم، { عَزِيزٌ عَلَيْهِ } ، شديد عليه، { مَا عَنِتُّمْ } ، قيل: (ما) صلة أي: عنتكم، وهو دخول المشقة والمضرة عليكم، وقال القتيبي : ما أعنتكم وضركم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما ضللتم، وقال الضحاك والكلبي : ما أتممتم، { حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } ، أي: على إيمانكم وصلاحكم، وقال قتادة : حريص عليكم أي على ضالكم أن يهديه الله، { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } ، قيل: رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين، { فَإِنْ تَوَلَّوْا } ، إن أعرضوا عن الإيمان وناصبوك، { فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } ، روي عن أبي بن كعب قال: آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان { لَقَدْ","part":3,"page":460},{"id":1461,"text":"جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ } ثم إلى آخر السورة، وقال: هما أحدث الآيات بالله عهدا (1) .\r_________\r(1) أخرجه الحاكم 2 / 338، والإمام عبد الله بن أحمد في زوائد المسند 5 / 117، قال الهثيمي في المجمع 7 / 36 فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف سيئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات.","part":3,"page":461},{"id":1462,"text":"(10) سورة يونس\rسورة يونس عليه الصلاة والسلام مكية إلا ثلاث آيات من قوله: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ } إلى آخرها.\r[1] { الر } (والمر) قرأ أهل الحجاز والشام وحفص بفتح الراء، وقرأ الآخرون بالإمالة، وقال ابن عباس والضحاك : { الر } أنا الله أرى، و { المر } أنا الله أعلم وأرى، وقال سعيد بن جبير : ( الر ) و ( حم ) و ( ن) حروف اسم الرحمن، وقد سبق الكلام في حروف التهجي, { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } ، أي: هذا، وأراد بالكتاب الحكيم القرآن، وقيل، أراد بها الآيات التي أنزلها من قبل ذلك، ولذلك قال: ( تلك ) وتلك إشارة إلى غائب مؤنث، والحكيم المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام، فعيل بمعنى مفعل بدليل قوله: { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } ، وقيل: هو بمعنى الحاكم، فعيل بمعنى فاعل دليله قوله عز وجل: { وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ } ، وقيل: هو بمعنى المحكوم، فعيل بمعنى المفعول. قال الحسن : حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وبالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه.","part":3,"page":462},{"id":1463,"text":"[2] قوله تعالى: { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } ، العجب حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة، وسبب نزول الآية أن الله عز وجل لما بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولًا، قال المشركون: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فقال تعالى: { أَكَانَ لِلنَّاسِ } يعني : أهل مكة، الألف فيه للتوبيخ، { عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ } ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، { أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ } ، أي أعلمهم مع التخويف، { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } ، واختلفوا فيه، قال ابن عباس : أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم، قال أعمالهم ثواب صدق، وقال الحسن : عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه، وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: هو السعادة في الذكر الأول، وقال زيد بن أسلم هو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال عطاء : مقام صدق لا زوال ولا بؤس فيه، وقيل: منزلة رفيعة، وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته، كقولهم مسجد الجامع، وحب الحصيد، وقال أبو عبيدة : كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم، يقال لفلان قدم في الإسلام، وله عندي قدم صدق وقدم سوء، وهو يؤنث","part":3,"page":463},{"id":1464,"text":"فيقال: قدم صالحة، { قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ } ، قرأ نافع وأهل البصرة والشام: (لسحر) بغير ألف يعنون القرآن، وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة: ( لساحر ) بالألف يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم.\r[3] قوله عز وجل: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } ، يقضيه وحده { مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ } , معناه أن الشفعاء لا يشفعون إلا بإذنه، وهذا رد على النضر بن الحارث فإنه كان يقول: إذا كان يوم القيامة تشفعني اللات والعزى. قوله تعالى: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ } ، يعني: الذي فعل هذه الأشياء ربكم لا رب لكم سواه، { فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } ، تتعظون.","part":3,"page":464},{"id":1465,"text":"[4] { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا } ، صدقًا لا خلف فيه، نصب على المصدر، أي: وعدكم وعدًا حقًّا { إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } ، أي: يحييهم ابتداء ثم يميتهم ثم يحييهم, قراءة العامة: (إنه) بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ أبو جعفر (أنه) بالفتح على معنى بأنه أو لأنه { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ } ، بالعدل، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ } ، ماء حار انتهى حره، { وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ }","part":3,"page":465},{"id":1466,"text":"[5] { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً } ، بالنهار { وَالْقَمَرَ نُورًا } بالليل، وقيل: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، { وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ } أي: قدر له يعني هيأ له منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها، ولم يقاد قدرهما، قيل: تقدير المنازل ينصرف إليهما غير أنه اكتفى بذكر أحدهما، كما قال: { وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ } ، وقيل: هو ينصرف إلى القمر خاصة؛ لأن القمر يعرف به انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس، ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا، وهذه المنازل مقسومة على البروج، وهي اثنا عشر برجا، فلكل برج منزلان وثلث منزل، فينزل القمر كل ليلة منزلا منها، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين فليلة واحدة، فيكون تلك المنازل، ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يومًا وثلث يوم، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها، قوله تعالى: { لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ } ، أي: قدر المنازل { لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ } دخولها وانقضاءها، { وَالْحِسَابَ } ، يعني: حساب الشهور والأيام والساعات. { مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ } ، رده إلى الخلق والتقدير ولولا رده إلى الأعيان","part":3,"page":466},{"id":1467,"text":"المذكورة لقال تلك، { إِلَّا بِالْحَقِّ } ، أي: لم يخلقه باطلًا بل إظهارًا لصنعه، ودلالة على قدرته، { يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص ويعقوب : ( يُفَصِّلُ ) بالياء، لقوله: ( مَا خَلَقَ ) وقرأ الباقون: (نفصل) بالنون على التعظيم.\r[6] { إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ } يؤمنون.","part":3,"page":467},{"id":1468,"text":"[7] { إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } ، أي: لا يخافون عقابنا ولا يرجون ثوابنا، والرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع، { وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، فاختاروها وعملوا لها، { وَاطْمَأَنُّوا بِهَا } ، سكنوا إليها، { وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ } ، أي: عن أدلتنا غافلون لا يعتبرون، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عن آياتنا: عن محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن غافلون معرضون.\r[8] { أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ، من الكفر والتكذيب.","part":3,"page":468},{"id":1469,"text":"[9] قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } ، فيه إضمار، أي: يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى جنة، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ } ، قال مجاهد : يهديهم على الصراط إلى الجنة يجعل لهم نورًا يمشون به، وقيل: يهديهم معناه يثيبهم ويجزيهم، وقيل: معناه بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه، أي: بتصديقهم هداهم، تجري من تحتهم الأنهار أي: بين أيديهم، كقوله عز وجل: { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا } لم يرد به أنه تحتها وهي قاعدة عليه، بل أراد بين يديها، وقيل: تجري من تحتهم أي: بأمرهم { فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } .","part":3,"page":469},{"id":1470,"text":"[10] { دَعْوَاهُمْ } ، أي: قولهم وكلامهم، وقيل: دعاؤهم، { فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ } ، وهي كلمة تنزيه، تنزه الله من كل سوء، وروينا: « أن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح، كما يلهمون النفس » (1) قال أهل التفسير: هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام فإذا أرادوا الطعام قالوا: { سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ } ، فأتوهم في الوقت بما يشتهون على الموائد، كل مائدة ميل في ميل، على كل مائدة سبعون ألف صحفة، وفي كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضها بعضا، فإذا فرغوا من الطعام حمدوا الله، فذلك قوله تعالى: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، قوله تعالى: { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ } أي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام، وقيل: تحية الملائكة لهم بالسلام، وقيل: تأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام، { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، يريد يفتتحون كلامهم بالتسبيح ويختمونه بالتحميد.\r_________\r(1) رواه مسلم في الجنة، وصفة نعيمها رقم (2835) 4 / 2180..","part":3,"page":470},{"id":1471,"text":"[11] قوله عز وجل: { وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ } ، قال ابن عباس : هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده: لعنكم الله، ولا بارك الله فيكم، قال قتادة : هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب، معناه: لو يعجل الله الناس إجابة دعائهم في الشر والمكروه استعجالهم بالخير، أي: كما يحبون استعجالهم بالخير، { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } ، قرأ ابن عامر ويعقوب : (لقضى) بفتح القاف والضاد، (أجلهم) نصب، أي: لأهلك من دعي عليه وأماته، وقال الآخرون: ( لقضي ) بضم القاف وكسر الضاد ( أجلهم ) رفع، أي: لفرغ من هلاكهم وماتوا جميعًا، وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، يدل عليه قوله عز وجل: { فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } ، لا يخافون البعث والحساب، { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } .","part":3,"page":471},{"id":1472,"text":"[12] { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ } ، الجهد والشدة، { دَعَانَا لِجَنْبِهِ } ، أي: على جنبه مضطجعًا، { أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } ، يريد في جميع حالاته؛ لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات، { فَلَمَّا كَشَفْنَا } دفعنا، { عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ } أي استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء، كأنه لم يدعنا إلى ضر مسه أي: لم يطلب منا كشف ضر مسه، { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ } ، المجاوزين الحد في الكفر والمعصية { مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من العصيان، قال ابن جريج : { كَذَلِكَ زُيِّنَ }{ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من الدعاء عند البلاء وترك الشكر عند الرخاء، وقيل: معناه كما زين لكم أعمالكم، كذلك زين للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم.","part":3,"page":472},{"id":1473,"text":"[13] { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا } أشركوا، { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ } أي: كما أهلكناهم بكفرهم، { نَجْزِي } ، نعاقب ونهلك، { الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ } ، الكافرين بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، يخوف كفار مكة بعذاب الأمم الخالية المكذبة.\r[14] { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ } أي: خلفاء, { فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ } ، أي: من بعد القرون التي أهلكناهم، { لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ، وهو أعلم بهم، وروينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ألا إن هذه الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون » (1) .\r_________\r(1) رواه مسلم في الرقاق رقم (2742) 4 / 2098 والمصنف في شرح السنة 9 / 12.","part":3,"page":473},{"id":1474,"text":"[15] قوله عز وجل: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } ، قال قتادة : يعني مشركي مكة، وقال مقاتل : هم خمسة نفر: عبد الله بن أميه المخزومي، والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن عبيد الله بن أبي قيس العامري والعاص بن عامر بن هشام، { قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } ، هم السابق ذكرهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن بك { ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا } ، ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومناة وليس فيه عيبها، وإن لم ينزلها الله فقل أنت من عند نفسك، { أَوْ بَدِّلْهُ } ، فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، أو مكان حرام حلالا أو مكان حلال حراما، { قُلْ } لهم يا محمد، { مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي } ، من قبل نفسي { إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } ، أي: ما أتبع إلا ما يوحي إلي فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .","part":3,"page":474},{"id":1475,"text":"[16] { قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ } ، يعني: لو شاء الله ما أنزل القرآن علي. { وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } ، أي: ولا أعلمكم الله، قرأ البزي عن ابن كثير: (ولأدراكم به) بالقصر به على الإيجاب، يريد ولا علمكم به من غير قراءتي عليكم، وقرأ ابن عباس: (ولا أنذرتكم به)، من الإنذار، { فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا } حينا، وهو أربعون سنة، { مِنْ قَبْلِهِ } ، من قبل نزول القرآن ولم آتكم بشيء، { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، أنه ليس من قبلي، ولبث النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم قبل الوحي أربعين سنة، ثم أوحى الله إليه فأقام بمكة بعد الوحي ثلاث عشرة سنة ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.\r[17] قوله تعالى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ، فزعم أن له شريكا أو ولدا { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } ، بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ } ، لا ينجو المشركون.","part":3,"page":475},{"id":1476,"text":"[18] { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ } إن عصوه وتركوا عبادته، { وَلَا يَنْفَعُهُمْ } ، إن عبدوه، يعني: الأصنام، { وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ } ، أتخبرون الله, { بِمَا لَا يَعْلَمُ } الله صحته، ومعنى الآية: أتخبرون الله أن له شريكا وعنده شفيعا بغير إذنه، ولا يعلم الله لنفسه شريكا؟! { فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، قرأ حمزة والكسائي : (تشركون) بالتاء ها هنا وفي سورة النحل موضعين، وفي سورة الروم، وقرأ الآخرون كلها بالياء.","part":3,"page":476},{"id":1477,"text":"[19] قوله تعالى: { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً } ، أي: على الإسلام، وقد ذكرنا الاختلاف فيه في سورة البقرة، { فَاخْتَلَفُوا } ، وتفرقوا إلى مؤمن وكافر، { وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } ، بأن جعل لكل أمة أجلا، وقال الكلبي : هي إمهال هذه الأمة، وأنه لا يهلكهم بالعذاب في الدنيا، { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } ، بنزول العذاب تعجيل العقوبة للمكذبين، وكان ذلك فصلًا بينهم، { فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } ، وقال الحسن : ولولا كلمة سبقت من ربك مضت في حكمه أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا بالثواب والعقاب دون القيامة، لقضي بينهم في الدنيا فأدخل المؤمن الجنة والكافر النار، ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة.","part":3,"page":477},{"id":1478,"text":"[20] { وَيَقُولُونَ } ، يعني: أهل مكة، { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ } ، أي: على محمد صلى الله عليه وسلم، { آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } , على ما نقترحه, { فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ } , يعني: قل إنما سألتموني الغيب وإنما الغيب لله، لا يعلم أحد لِمَ لَمْ يفعل ذلك، ولا يعلمه إلا هو، وقيل: الغيب نزول الآية لا يعلم متى ينزل أحد غيره، { فَانْتَظِرُوا } نزولها { إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } وقيل: فانتظروا قضاء الله بيننا بالحق بإظهار المحق على المبطل.","part":3,"page":478},{"id":1479,"text":"[21] قوله عز وجل: { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ } ، يعني: الكفار، رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ ، أي: راحة ورخاء من بعد شدة وبلاء، وقيل: القطر بعد القحط، أي: أصابتهم، { مَسَّتْهُمْ } أي: أصابتهم, { إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا } قال مجاهد: تكذيب واستهزاء، وقال مقاتل بن حيان : لا يقولون هذا من رزق الله إنما يقولون سقينا بنوء كذا، وهو قوله: { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } ، { قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا } ، أعجل عقوبة وأشد أخذًا وأقدر على الجزاء، يريد عذابه في إهلاككم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق، { إِنَّ رُسُلَنَا } ، حفظتنا، { يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } ، قرأ روح عن يعقوب : ( يمكرون ) بالياء.\r[22] قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ } ، يجزيكم ويحملكم، وقرأ جعفر وابن عامر : (ينشركم).","part":3,"page":479},{"id":1480,"text":"بالنون والشين من النشر وهو البسط والبث، { فِي الْبَرِّ } ، على ظهور الدواب، ( وَ ) في ( الْبَحْرِ ) ، على الفلك، { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ } ، أي: في السفن، تكون واحدا وجمعا، { وَجَرَيْنَ بِهِمْ } , يعني: جرت السفن بالناس، رجع من الخطاب إلى الغيبة، { بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } ، لينة, { وَفَرِحُوا بِهَا } , أي: بالريح، { جَاءَتْهَا رِيحٌ } ، أي: جاءت الفلك ريح، { عَاصِفٌ } ، شديدة الهبوب، ولم يقل ريح عاصفة، لاختصاص الريح بالعصوف، وقيل: الريح يذكر ويؤنث، { وَجَاءَهُمُ } ، يعني: ركبان السفينة، { الْمَوْجُ } ، وهو حركة الماء واختلاطه، { مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا } ، أيقنوا { أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } ، دنوا من الهلكة، أي: أحاط بهم الهلاك، { دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ، أي: أخلصوا في الدعاء لله، ولم يدعوا أحدًا سوى الله، وقالوا: { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا }\rيا ربنا، { مِنْ هَذِهِ } , الريح العاصف، { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } ، لك بالإيمان والطاعة.","part":3,"page":480},{"id":1481,"text":"[23] { فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ } ، يظلمون ويتجاوزون إلى غير أمر الله عز وجل في الأرض، { بِغَيْرِ الْحَقِّ } ، أي: بالفساد، { يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ } ؛ لأن وباله راجع عليها، ثم ابتدأ فقال: { مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، أي: هذا متاع الحياة الدنيا، خبر ابتداء مضمر، كقوله: { لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ } أي: هذا بلاغ، وقيل: هو كلام متصل، والبغي ابتداء ومتاع خبره، ومعناه: إنما بغيكم متاع الحياة الدنيا لا يصلح زاد لمعاد؛ لأنكم تستوجبون به غضب الله، وقرأ حفص ( متاع ) بالنصب، أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا، { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .","part":3,"page":481},{"id":1482,"text":"[24] { إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، في فنائها وزوالها، { كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ } ، أي: بالمطر، { نَبَاتُ الْأَرْضِ } ، قال ابن عباس : نبت بالماء من كل لون، { مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ } ، من الحبوب والثمار، { وَالْأَنْعَامُ } ، من الحشيش، { حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا } ، حسنها وبهجتها وظهر الزهر أخضر { وَازَّيَّنَتْ } ، أي: تزينت، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود : تزينت. { وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } ، على جذاذها وقطافها وحصادها، رد الكناية إلى الأرض، والمراد: النبات إذ كان مفهوما، وقيل: ردها إلى الغلة. وقيل: إلى الزينة. { أَتَاهَا أَمْرُنَا } ، قضاؤنا بإهلاكها، { لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا } ، أي: محصودة مقطوعة، { كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ } ، كأن لم تكن بالأمس، وأصله من غني بالمكان إذا أقام به، وقال قتادة : معناه إن المتشبث بالدنيا يأتيه أمر الله وعذابه أغفل ما يكون { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }","part":3,"page":482},{"id":1483,"text":"[25] قوله تعالى: { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ } , قال قتادة : السلام هو الله، وداره الجنة، وقيل: السلام بمعنى السلامة, سميت الجنة دار السلام؛ لأن من دخلها سلم من الآفات؛ وقيل: المراد بالسلام التحية سميت الجنة دار السلام؛ لأن أهلها يحيي بعضهم بعضا بالسلام والملائكة تسلم عليهم، قال الله تعالى: { وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ }{ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } ، { وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فالصراط المستقيم هو الإسلام عم بالدعوة لإظهار الحجة, وخص بالهدية استغناء عن الخلق.","part":3,"page":483},{"id":1484,"text":"[26] { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } , أي: للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى, وهي الجنة, وزيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم, هذا قول جماعة من الصحابة منهم، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، وحذيفة وأبو موسى وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم، وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسدي، وروي عن ابن عباس : أن الحسنى هي: أن الحسنة بمثلها، والزيادة هي التضعيف عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقال مجاهد : الحسنى: حسنة مثل حسنة، والزيادة المغفرة والرضوان، { وَلَا يَرْهَقُ } ، لا يغشى { وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ } غبار جمع قترة، قال ابن عباس وقتادة: سواد الوجه، { وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ } ، هوان، قال قتادة : كآبة، قال ابن أبي ليلى : هذا بعد نظرهم إلى ربهم، { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }","part":3,"page":484},{"id":1485,"text":"[27] { وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا } أي: لهم مثلها، كما قال: { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا } ، { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } ، و(من) صلة، أي: ما لهم من الله عاصم، { كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ } ، ألبست, { وُجُوهُهُمْ قِطَعًا } , جمع قطعة، { مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا } , نصبت على الحال دون النعت، ولذلك لم يقل: مظلمة، تقديره: قطعا من الليل في حال ظلمته أو قطعا من الليل المظلم، وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب : ( قطعا ) ساكنة الطاء، أي بعضا، كقوله: { بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ } . { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }","part":3,"page":485},{"id":1486,"text":"[28] { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ } ، أي: الزموا مكانكم، { أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ } ، يعني: الأوثان، معناه، ثم نقول للذين أشركوا الزموا أنتم وشركاؤكم مكانكم، ولا تبرحوا، { فَزَيَّلْنَا } ، ميزنا وفرقنا { بَيْنَهُمْ } , أي: بين المشركين وشركائهم وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا وذلك حين يتبرأ كل معبود من دون الله ممن عبده، { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } ، يعني: الأصنام، { مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } ، بطلبتنا فيقولون بلى كنا نعبدكم فتقول الأصنام:\r[29] { فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } أي: ما كنا عن عبادتكم إيانا إلا غافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل.","part":3,"page":486},{"id":1487,"text":"[30] قال الله تعالى: { هُنَالِكَ تَبْلُو } ، أي: تختبر، وقيل: معناه تعلم وتقف عليه، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب : (تتلو) بتاءين أي تقرأ، { كُلُّ نَفْسٍ } ، صحيفتها، وقيل: معناه تتبع كل نفس، { مَا أَسْلَفَتْ } ، ما قدمت من خير أو شر، وقيل: معناه تعاين، { وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ } ، إلى حكمه فيتفرد فيهم بالحكم، { مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ } ، الذي يتولى ويملك أمرهم: فإن قيل: أليس قد قال: { وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ } . قيل: المولى هناك هو الناصر، وههنا بمعنى المالك، { وَضَلَّ عَنْهُمْ } ، زال عنهم وبطل، { وَضَلَّ عَنْهُمْ } ، في الدنيا من التكذيب.","part":3,"page":487},{"id":1488,"text":"[31] قوله تعالى: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } أي: من السماء بالمطر ومن الأرض بالنبات، { أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ } ، أي: من إعطائكم السمع والأبصار، { وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } ، يخرج الحي من النطفة والنطفة من الحي، { وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } ، أي: يقضي الأمر، { فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ } ، هو الذي يفعل هذه الأشياء، { فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ } ، أفلا تخافون عقابه في شرككم، وقيل: أفلا تتقون الشرك مع هذا الإقرار.\r[32] { فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ } ، الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم، { الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } ، أي: فأين تصرفون عن عبادته وأنتم مقرون به.\r[33] { كَذَلِكَ } ، قال الكلبي: هكذا، { حَقَّتْ } ، وجبت، { كَلِمَةُ رَبِّكَ } ، حكمه السابق، { عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا } ، كفروا، { أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } ، قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ( كلمات ربك ) بالجمع ههنا موضعين وفي المؤمن، والآخرون على التوحيد.","part":3,"page":488},{"id":1489,"text":"[34] قوله: { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ } ، أوثانكم { مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ } , ينشئ الخلق من غير أصل ولا مثال، { ثُمَّ يُعِيدُهُ } ، ثم يحييه من الموت كهيئته، فإن أجابوك وإلا فـ { قُلْ } أنت، { اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } ، أي: تصرفون عن قصد السبيل.","part":3,"page":489},{"id":1490,"text":"[35] { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي } ، يرشد، { إِلَى الْحَقِّ } ، فإذا قالوا لا، ولا بد لهم من ذلك، { قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ } ، أي: إلى الحق، { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى } ، قرأ حمزة والكسائي ساكنة الهاء, خفيفة الدال, وقرأ الآخرون بتشديد الدال، ثم قرأ أبو جعفر وقالون : بسكون الهاء, وأبو عمرو : يروم الهاء بين الفتح والسكون، وقرأ حفص : بفتح الياء وكسر الياء، وأبو بكر : بكسرهما، والباقون: بفتحهما، ومعناه: يهتدي في جميعها، فمن خالف الدال قال: يقال هديته فهدي، أي: اهتدى، ومن شدد الدال أدغم التاء في الدال، ثم أبو عمرو يروم على مذهبه في إيثار التخفيف، ومن سكن الهاء تركها على حالتها كما فعل في ( تعدو ) و ( خصمون )، ومن فتح الهاء نقل فتحة الهاء المدغمة إلى الهاء، ومن كسر الهاء فلالتقاء الساكنين، وقال: الجزم يحرك إلى الكسر، ومن كسر الياء مع الهاء أتبع الكسر إلى الكسرة، قوله تعالى: { إِلَّا أَنْ يُهْدَى } ، معنى الآية: الله الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع أم الصنم الذي لا يهتدي إلا أن يهدى، فإن قيل: كيف","part":3,"page":490},{"id":1491,"text":"قال: { إِلَّا أَنْ يُهْدَى } ، والصنم لا يتصور أن يهتدي، ولا أن يهدى؟ قيل: معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال، أي: أنها لا تنتقل من مكان إلى مكان إلا أن تحمل وتنقل، بين به عجز الأصنام، وجواب آخر وهو: أن ذكر الهداية على وجه المجاز، وذلك أن المشركين لما اتخذوا الأصنام آلهة، وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل عبر عنهما بما يعبر عمن يعلم ويعقل، ووصفت بصفة من يعقل. { فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } ، كيف تقضون حين زعمتم أن الله شريكًا.\r[36] قوله تعالى: { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا } ، منهم يقولون: إن الأصنام آلهة، وإنها تشفع لهم في الآخرة ظنًّا منهم، لم يرد به كتاب ولا رسول، وأراد بالأكثر جميع من يقول ذلك، { إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } ، أي: لا يدفع عنهم من عذاب الله شيئًا، وقيل: يقوم مقام العلم، { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } .","part":3,"page":491},{"id":1492,"text":"[37] قوله تعالى: { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، قال الفراء : معناه: وما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله، كقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } ، وقيل: (أن) بمعنى اللام، أي: وما كان هذا القرآن ليفترى من دون الله.\rقوله: { وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } ، أي: بين يدي القرآن من التوراة والإنجيل، وقيل: تصديق الذي بين يدي القرآن من القيامة والبعث، { وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ } ، تبيين ما في الكتاب من الحلال والحرام والفرائض والأحكام، { لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ }\r[38] { أَمْ يَقُولُونَ } ، قال أبو عبيدة : (أم) بمعنى الواو, أي: ويقولون، { افْتَرَاهُ } ، اختلق محمد القرآن من قبل نفسه، { قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ } ، شبه القرآن { وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ } ، ممن تعبدون، { مِنْ دُونِ اللَّهِ } ليعينوكم على ذلك، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، أن محمدا افتراه، ثم قال:","part":3,"page":492},{"id":1493,"text":"[39] { بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ } ، يعني: القرآن، كذبوا به، ولم يحيطوا بعلمه، { وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } ، أي: عاقبة ما وعد الله في القرآن، أنه يؤول إليه أمرهم من العقوبة، يريد أنهم لم يعلموا ما يؤول إليه عاقبة أمرهم. { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، أي: كما كذب هؤلاء الكفار بالقرآن كذلك كذب الذين من قبلهم من كفار الأمم الخالية، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } ، آخر أمر المشركين بالهلاك.\r[40] { وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ } ، أي: من قومك من يؤمن بالقرآن، { وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ } ، لعلم الله السابق فيهم، { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ } ، الذين لا يؤمنون.","part":3,"page":493},{"id":1494,"text":"[41] { وَإِنْ كَذَّبُوكَ } ، يا محمد، { فَقُلْ لِي عَمَلِي } ، وجزاؤه، { وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ } ، وجزاؤه، { أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } , هذا كقوله تعالى: { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ }{ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } ، قال الكلبي ومقاتل : هذه الآية منسوخة بآية الجهاد، ثم أخبر أن التوفيق للإيمان به لا بغيره.\r[42]فقال: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } بأسماعهم الظاهرة فلا ينفعهم، { أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ } ، يريد صمم القلب { وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ }","part":3,"page":494},{"id":1495,"text":"[43] { وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ } ، بأبصارهم الظاهرة، { أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ } ، يريد عمى القلب، { وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ } ، وهذا تسلية من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، يقول: إنك لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع ولا أن تهدي من سلبته البصر ولا أن توفق للإيمان من حكمت عليه ألا يؤمن.\r[44] { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا } ، لأنه في جميع أفعاله متفضل عادل، { وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ، بالكفر والمعصية، قرأ حمزة والكسائي : (ولكن الناس) بتخفيف نون (لكن) ورفع (الناس)، وقرأ الباقون (ولكن الناس) بتشديد نون (لكن) ونصب (الناس).","part":3,"page":495},{"id":1496,"text":"[45] قوله تعالى: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } ، قرأ حفص بالياء والآخرون بالنون، { كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ } ، قال الضحاك : كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار، وقال ابن عباس : كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار، { يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } ، يعرف بعضهم بعضًا حين بعثوا من القبور كمعرفتهم في الدنيا، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة، وفي بعض الآثار: أن الإنسان يعرف يوم القيامة من بجنبه ولا يكلمه هيبة وخشية، { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } ، والمراد من الخسران: خسران النفس، ولا شيء أعظم منه.\r[46] قوله تعالى: { وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ } ، يا محمد في حياتك من العذاب، { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } ، قبل تعذيبهم، { فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } ، في الآخرة، { ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ } ، فيجزيهم به، (ثم) بمعنى الواو، تقديره: والله شهيد، قال مجاهد : فكان البعض الذي أراه قتلهم ببدر، وسائر أنواع العذاب بعد موتهم.","part":3,"page":496},{"id":1497,"text":"[47]قوله عز وجل: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ } ، خلت, { رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ } وكذبوه، { قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } ، أي عذبوا في الدنيا وأهلكوا بالعذاب، يعني قبل مجيء الرسول، لا ثواب ولا عقاب، وقال مجاهد ومقاتل : فإذا جاء رسولهم الذي أرسل إليهم يوم القيامة قضي بينه وبينهم بالقسط، { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } ، لا يعذبون بغير ذنب، ولا يؤاخذون بغير حجة ولا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيئاتهم.\r[48] { وَيَقُولُونَ } ، أي: المشركون، { مَتَى هَذَا الْوَعْدُ } الذي تعدنا يا محمد من العذاب، وقيل: قيام الساعة، { مَتَى هَذَا الْوَعْدُ } ، أنت يا محمد وأتباعك.\r[49] { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي } , لا أقدر لها على شيء, { ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } , أي دفع ضر ولا جلب نفع, { إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } , أن أملكه, { لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } , مدة مضروبة, { إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ } , وقت فناء أعمارهم, { فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } , أي يتأخرون، ولا يتقدمون.","part":3,"page":497},{"id":1498,"text":"[50]قوله تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا } , ليلًا, { أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ } , أي: ماذا يستعجل من الله المشركون، وقيل: ماذا يستعجل من العذاب المجرمون, وقد وقعوا فيه، وحقيقة المعنى: أنهم كانوا يستعجلون العذاب, فيقولون: { اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } , فيقول الله تعالى: { مَاذَا يَسْتَعْجِلُ } يعني: ليس يعلم المجرمون ماذا يستعجلون ويطلبون, كالرجل يقول لغيره وقد فعل قبيحًا: ماذا جنيت على نفسك؟","part":3,"page":498},{"id":1499,"text":"[51] { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ } ، قيل: معناه أهنالك، وحينئذ، وليس بحرف عطف، { إِذَا مَا وَقَعَ } نزل العذاب، { آمَنْتُمْ بِهِ } ، أي بالله في وقت اليأس، وقيل: آمنتم به أي صدقتم بالعذاب وقت نزوله، { آلْآنَ } ، فيه إضمار، أي: يقال لكم: الآن تؤمنون حين وقع العذاب؟ { وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } ، تكذيبًا واستهزاءً، قرأ ورش عن نافع ( آلان ) بحذف الهمزة التي بعد اللام الساكنة وإلقاء حركتها على اللام، ويمد الهمزة الأولى على وزن عالان، وكذلك الحرف الآخر، وروى زمعة بن صالح (الان) على مثل علان بغير مد ولا همزة بعد اللام، وقرأ الباقون (آلآن) بهمزة ممدود في الأول، وإثبات همزة بعد اللام، وكذلك قالون وإسماعيل عن نافع .\r[52] { ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا } ، أشركوا، { ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } ، في الدنيا.","part":3,"page":499},{"id":1500,"text":"[53] { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ } ، أي: يستخبرونك يا محمد، { أَحَقٌّ هُوَ } ، أي ما تعدنا من العذاب وقيام الساعة، { قُلْ إِي وَرَبِّي } ، أي: نعم وربي، { إِنَّهُ لَحَقٌّ } ، لا شك فيه، { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } ، أي: بفائتين من العذاب؛ لأن من عجز عن شيء فقد فاته.","part":3,"page":500},{"id":1501,"text":"[54] { وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ } ، أي: أشركت، { مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ } ، يوم القيامة، والافتداء ههنا: بذل ما ينجو به من العذاب، { وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ } ، قال أبو عبيدة : معناه أظهروا الندامة؛ لأنه ليس ذلك اليوم يوم تصبر وتصنع، وقيل: معناه أخفوا، أي: أخفى الرؤساء الندامة من الضعفاء خوفًا من ملامتهم وتعييرهم، { لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } ، فرغ من عذابهم، { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } .\r[55] { أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }\r[56] { هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }","part":4,"page":1},{"id":1502,"text":"[57] قوله تعالى: { يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ } ، تذكرة، { مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ } ، أي: دواء لما في الصدور من داء الجهل، وقيل: لما في الصدور أي شفاء لعمى القلوب، والصدر موضع القلب، وهو أعز موضع في الإنسان لجوار القلب، { وَهُدًى } ، من الضلالة { وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } ، والرحمة هي النعمة على المحتاج؛ فإنه لو أهدى ملك إلى ملك شيئا لا يقال قد رحمه، وإن كان ذلك نعمة؛ فإنه لم يضعها في محتاج.","part":4,"page":2},{"id":1503,"text":"[58] قوله تعالى: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ } ، قال مجاهد وقتادة : فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن، وقال أبو سعيد الخدري : فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلنا من أهله، وقال ابن عمر : فضل الله: الإسلام، رحمته: تزيينه في القلب، وقال خالد بن معدان : فضل الله: الإسلام، ورحمته: السنن، وقيل: فضل الله: الإيمان، ورحمته: الجنة. { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } ، أي: ليفرح المؤمنون أن جعلهم الله من أهله، { هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } ، أي مما يجمعه الكفار من الأموال، وقيل: كلاهما خبر عن الكفار، وقيل: عن المؤمنين، وقرأ أبو جعفر وابن عامر : { فَلْيَفْرَحُوا } بالياء وتجمعون بالتاء، وقرأ يعقوب كلاهما بالتاء، ووجه هذه القراءة أن المراد: فبذلك فليفرح المؤمنون فهو خير مما يجمعونه من الأموال مختلف عنه خطابا للمؤمنين.","part":4,"page":3},{"id":1504,"text":"[59] { قُلْ } يا محمد لكفار مكة، { أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ } عبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن ما في الأرض من خير، فمما أنزل الله من رزق، من زرع وضرع، { فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا } ، هو ما حرموا من الحرث ومن الأنعام كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، قال الضحاك : هو قوله تعالى: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا } ، { قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } ، في هذا التحريم والتحليل، { أَمْ } ، بل، { عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } ، هو قولهم: { وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } .\r[60] { وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به ولا يعاقبهم عليه, { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ }","part":4,"page":4},{"id":1505,"text":"[61] قوله عز وجل: { وَمَا تَكُونُ } ، يا محمد، { فِي شَأْنٍ } ، عمل من الأعمال، وجمعه شؤون، { وَمَا تَتْلُو مِنْهُ } ، من الله، { مِنْ قُرْآنٍ } وقيل: منه أي من الشأن من قرآن، نزل فيه ثم خاطبه وأمته فقال: { وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } ، أي: تدخلون وتخوضون فيه، الهاء عائدة إلى العمل، والإفاضة: الدخول في العمل، وقال ابن الأنباري : تندفعون فيه، وقيل: تكثرون، والإفاضة: الدفع بكثرة، { وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ } ، يغيب عن ربك، وقرأ الكسائي (يعزب) بكسر الزاي، وكذلك في سورة سبأ، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان { مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ } , مثقال ذرة، أي: مثقال ذرة، و (من) صلة والذرة هي النملة الحمراء الصغيرة. { فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ } ، أي: من الذرة، { وَلَا أَكْبَرَ } قرأ حمزة ويعقوب برفع الراء فيهما عطفا على موضع المثقال قبل دخول (من)، وقرأ الآخرون بنصبهما، أراد للكسر عطفا على الذرة في الكسر. { إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } وهو اللوح المحفوظ.","part":4,"page":5},{"id":1506,"text":"[62] قوله تعالى: { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } ، اختلفوا فيمن يستحق هذا الاسم، قال بعضهم: هم الذين ذكرهم الله، فقال:\r[63] { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } ، وقال قوم: هم المتحابون في الله.","part":4,"page":6},{"id":1507,"text":"[64] { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } ، اختلفوا في هذه البشرى، روي عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، قال: « هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له » (1) وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات \"، قالوا: وما المبشرات؟ قال: \"الرؤيا الصالحة » (2) وقيل: البشرى في الدنيا هي الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجنة، وقال الزهري وقتادة : هي نزول الملائكة بالبشارة مع الله تعالى عند الموت، قال الله تعالى: { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } ، وقال عطاء عن ابن عباس : البشرى في الدنيا عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشارة، وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن من يعرج بها إلى الله، ويبشر برضوان الله، وقال الحسن : هي ما بشر الله المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه، كقوله: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }{\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في الرؤيا 6 / 554 وابن ماجه في الرؤيا رقم 3898- 2 / 1283 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي 2 / 340 و 4 / 391 والدارمي في الرؤيا 2 / 123 والإمام أحمد في المسند 5 / 315.\r(2) أخرجه البخاري في التعبير 12 / 375 والمصنف في شرح السنة 12 / 202.","part":4,"page":7},{"id":1508,"text":"وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ } ، وقيل: بشرهم في الدنيا بالكتاب والرسول أنهما أولياء الله، ويبشرهم في القبور وفي كتب أعمالهم بالجنة، { لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } ، لا تغير لقول، ولا خلف لوعده، { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }\r[65] { وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ } ، يعني: قول المشركين، قرأ نافع ( ولا يحزنك ) بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ الآخرون ( يحزنك ) بفتح الياء وضم الزاي، وهم لغتان، يقال: حزنه الشيء يحزنه وأحزنه، تم الكلام ههنا ثم ابتدأ، فقال: { إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ } ، يعني: الغلبة والقدرة لله { جَمِيعًا } هو ناصرك وناصر دينك والمنتقم منهم، قال سعيد بن المسيب، إن العزة لله جميعا يعني أن الله يعز من يشاء، كما قال في آية أخرى: { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } وعزة الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله، { هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }","part":4,"page":8},{"id":1509,"text":"[66] { أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ } هو إما استفهام معناه: وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء؟ وقيل: وما يتبعون حقيقة؛ لأنهم يعبدونها على ظن أنهم شركاء فيشفعون لنا وليس على ما يظنون. { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ } ، يظنون أنها تقربهم إلى الله، { وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ }\rيكذبون.\r[67] { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا } ،مضيئا يبصر فيه، كقولهم: ليل نائم، وعيشة راضية، قال قطرب : تقول العرب: أظلم الليل وأضاء النهار وأبصر، أي: صار ذا ظلمة وضياء وبصر، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } ، سمع الاعتبار أنه مما لا يقدر عليه إلا عالم قادر.","part":4,"page":9},{"id":1510,"text":"[68] { قَالُوا } ، يعني المشركين { اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } ، وهو قولهم الملائكة بنات الله { سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ } ، عن خلقه، { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ، عبيدا وملكا { إِنْ عِنْدَكُمْ } ، ما عندكم، { مِنْ سُلْطَانٍ } ، حجة وبرهان، و(من) صلة تقديره ما عندكم سلطان، { بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ }\r[69] { قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } لا ينجون, وقيل: لا يبقون في الدنيا ولكن:\r[70] { مَتَاعٌ } ، قليل يتمتعون به وبلاغ ينتفعون به إلى انقضاء آجالهم و (متاع) رفع بإضمار، أي: هو متاع، { فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ }","part":4,"page":10},{"id":1511,"text":"[71] قوله تعالى { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ } ، أي: اقرأ يا محمد على أهل مكة خبر نوح { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } ، وهم ولد قابيل، { يا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ } ، عظم وثقل عليكم، { مَقَامِي } طول عمري ومكثي فيكم { وَتَذْكِيرِي } ، ووعظي إياكم { بِآيَاتِ اللَّهِ } ، بحججه وبيناته فعزمتم على قتلي وطردي { فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ } ، أي: أحكموا أمركم واعزموا عليه، { وَشُرَكَاءَكُمْ } ، أي: وادعوا شركاءكم، أي: آلهتكم؛ فاستعينوا بها لتجتمع معكم، وقال الزجاج : معناه فأجمعوا أمركم مع شركائكم، فلما ترك (مع) انتصب، وقرأ يعقوب : (وشركاؤكم) رفع، أي: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم، وقرأ رويس عن يعقوب (فاجمعوا) بوصل الألف وفتح الميم، والوجه من جمع يجمع، والمراد فاجمعوا ذوي أمركم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والمعنى: اجمعوا رؤساءكم، { ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } ، أي: خفيا مبهما, من قولهم: غم الهلال على الناس، أي: أشكل عليهم وخفي، { ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ } ، أي: امضوا ما في أنفسكم وافرغوا منه، يقال: قضى فلان","part":4,"page":11},{"id":1512,"text":"إذا مات ومضى، وقضى دينه إذا فرغ منه، وقيل: معناه توجهوا إلي بالقتل والمكروه وقيل: فاقضوا ما أنتم قاضون، وهذا مثل قول السحرة لفرعون : { فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } ، أي اعمل ما أنت عامل، { وَلَا تُنْظِرُونِ } ، ولا تؤخرون، وهذا على طريق التعجيز، أخبر الله عن نوح أنه كان واثقا بنصر الله تعالى غير خائف من كيد قومه، علما منه بأنهم وآلهتهم ليس إليهم نفع ولا ضر إلا أن يشاء الله.\r[72] { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ } ، أعرضتم عن قولي وقبول نصحي، { فَمَا سَأَلْتُكُمْ } ، على تبليغ الرسالة والدعوة، { مِنْ أَجْرٍ } ، من جعل وعوض، { إِنْ أَجْرِيَ } ، ما أجري وثوابي. { إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } ، أي: من المؤمنين، وقيل: من المستسلمين لأمر الله.\r[73] { فَكَذَّبُوهُ } ، يعني { فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ } ، أي: جعلنا الذين معه في الفلك سكان الأرض خلفاء عن الهالكين. { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ } ، أي: أخر أمر الذين أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا.","part":4,"page":12},{"id":1513,"text":"[74] { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا } ، أي: من بعد نوح رسلا. { إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } ، بالدلالات الواضحات، { فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ } ، أي: بما كذب به قوم نوح من قبل، { كَذَلِكَ نَطْبَعُ } ، أي: نختم . { عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ }\r[75] { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } ، يعني: أشراف قومه، { بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ }\r[76] { فَلَمَّا جَاءَهُمُ } ، يعني: جاء فرعون وقومه، { الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ }\r[77] { قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا } , تقدير الكلام أتقولون للحق لما جاءكم سحر أسحر هذا؟ فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه.\r{ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ } .","part":4,"page":13},{"id":1514,"text":"[78] { قَالُوا } ، يعني: فرعون وقومه لموسى، { أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا } ، لتصرفنا، وقال قتادة : لتلوينا، { عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ } ، الملك والسلطان، { فِي الْأَرْضِ } ، أرض مصر وقرأ أبو بكر : (ويكون) بالياء { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } , بمصدقين.","part":4,"page":14},{"id":1515,"text":"[79] { وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ } .\r[80] { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ }\r[81] { فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ } قرأ أبو عمرو وأبو جعفر : (آلسحر) بقطع الألف والمد على الاستفهام، و ( ما ) في هذه القراءة للاستفهام، وليست بموصولة، وهي مبتدأة و ( جِئْتُمْ بِهِ ) خبرها، والمعنى: أي شيء جئتم به؟ وقوله ( السحر ) بدل عنها، وقرأ الباقون: ( مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ) بوصل الألف من غير مد، و( ما ) في هذه القراءة موصولة بمعنى الذي و( جِئْتُمْ بِهِ ) صلتها، وهي مع الصلة في موضع الرفع بالابتداء، وقوله ( السحر ) خبره أي: الذي جئتم به السحر، وتقوي هذه القراءة قراءة ابن مسعود (ما جئتم به سحر) بغير الألف واللام. { إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ }\r[82] { وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } , بآياته, { وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ }","part":4,"page":15},{"id":1516,"text":"[84] { فَمَا آمَنَ لِمُوسَى } لم يصدق موسى مع ما آتاهم به من الآيات، { إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ } ، اختلفوا في الهاء التي في (قومه)، قيل: هي راجعة إلى موسى، وأراد بهم مؤمني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر وخرجوا معه، قال مجاهد : كانوا أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل هلك الآباء، وبقي الأبناء، وقال الآخرون، الهاء راجعة إلى فرعون، وروى عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه، وماشطة ابنته، وعن ابن عباس رواية أخرى: أنهم كانوا سبعين ألف بيت من القبط من آل فرعون، وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله، وقيل: هم قوم نجوا من قتل فرعون، وذلك أن فرعون لما أمر بقتل أبناء بني إسرائيل كانت المرأة من بني إسرائيل إذا ولدت ابنا وهبته لقبطية خوفا من القتل، فنشئوا عند القبط، وأسلموا في اليوم الذي غلبت السحرة، { عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ } ، قيل: أراد بفرعون آل فرعون، أي: على خوف من آل فرعون وملئهم، كما قال: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ } أي: أهل القرية، وقيل: إنما قال: {","part":4,"page":16},{"id":1517,"text":"وَمَلَئِهِمْ } وفرعون واحد؛ لأن الملك إذا ذكر يفهم منه هو وأصحابه، كما يقال: قدم الخليفة يراد هو ومن معه، وقيل: أراد ملأ الفرية، فإن ملأهم كانوا من قوم فرعون . { أَنْ يَفْتِنَهُمْ } . أي: يصرفهم عن دينهم، ولم يقل يفتنوهم؛ لأنه أخبر عن فرعون، وكان قومه على مثل ما كان عليه فرعون، { وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ } ، لمتكبر، { فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ } ، المجاوزين الحد؛ لأنه كان عبدا فادعى الربوبية.\r[84] { وَقَالَ مُوسَى } ، لمؤمني قومه، { يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ }\r[85] { فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا } ، اعتمدنا، ثم دعوا فقالوا، { رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ، أي: لا تظهرهم علينا، ولا تهلكنا بأيديهم، فيظنوا أنا لم نكن على الحق فيزدادوا طغيانا، وقال مجاهد : لا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون : لو كانوا على الحق لما عذبوا، ويظنوا أنهم خير منا فيفتنوا.\r[86] { وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } .","part":4,"page":17},{"id":1518,"text":"[87] قوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ } هارون، { أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } يقال: بوأ فلان لنفسه بيتًا ومضجعًا إذا اتخذه، وبوأته أنا إذا اتخذته له، { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } ، قال أكثر المفسرين: كانت بنو إسرائيل لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر فرعون بتخريبها، ومنعهم من الصلاة فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم، ويصلوا فيها خوفًا من فرعون، هذا قول إبراهيم وعكرمة عن ابن عباس، وقال مجاهد : خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة، فأمروا بأن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرًّا، معناه: واجعلوا وجوه بيوتكم إلى القبلة، وروى ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه، { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } , يا محمد .","part":4,"page":18},{"id":1519,"text":"[88] { وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً } من متاع الدنيا، { وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ } , اختلفوا في هذه اللام، قيل: هي لام كي، معناه: آتيتهم كي تفتنهم فيضلوا ويضلوا عن سبيلك، كقوله { لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا }{ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } ، وقيل: هي لام العاقبة يعني: ليضلوا فيكون عاقبة أمرهم الضلال، كقوله: { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } . قوله: { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ } ، قال مجاهد : أهلكها، والطمس: المحو، وقال قتادة : صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم كلها حجارة، وقال محمد بن كعب : جعل صورهم حجارة، وكان الرجل مع أهله في فراشه فصارا حجرين، والمرأة قائمة تخبز فصارت حجرًا، قال ابن عباس رضي الله عنه: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحًا وأنصافًا وأثلاثًا، ودعا عمر بن العزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة منقوشة، والجوزة مشقوقة وإنها لحجر، قال السدي : مسخ الله أموالهم حجارة والنخيل والثمار والدقيق","part":4,"page":19},{"id":1520,"text":"والأطعمة، فكانت إحدى الآيات التسع { وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ } ، أي: أقسها واطبع عليها حتى لا تلين، ولا تنشرح للإيمان، { فَلَا يُؤْمِنُوا } ، قيل: هو نصب بجواب الدعاء بالفاء، وقيل: هو عطف على قوله ( لِيُضِلُّوا ) أي: ليضلوا فلا يؤمنوا، وقال الفراء : هو دعاء محله جزم، فكأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا، { حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } ، وهو الغرق، قال السدي : معناه أمتهم على الكفر.","part":4,"page":20},{"id":1521,"text":"[89] { قَالَ } الله تعالى لموسى وهارون، { قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } ، إنما نسب إليهما والدعاء كان من موسى؛ لأنه روى أن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، والتأمين دعاء { فَاسْتَقِيمَا } ، على الرسالة والدعوة، وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم العذاب { وَلَا تَتَّبِعَانِّ } ، نهي بالنون الثقيلة، ومحله جزم، يقال في الواحد لا تتبعن بفتح النون لالتقاء الساكنين، وبكسر النون في التثنية لهذه العلة، وقرأ ابن عامر بتخفيف النون، وقد اختلفت الروايات عنه فيه فبعضهم روى عنه وَلَا تَتَّبِعَانِّ بتخفيف التاء الثانية وفتح الباء وتشديد النون، وبعضهم روى عنه ( تتبعان ) بتشديد التاء الثانية وكسر الباء وتخفيف النون، وبعضهم روى عنه كقراء الجماعة، والوجه في تخفيف النون، إن نون التأكيد تثقل وتخفف، { سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ، يعني: ولا تسلكا سبيل الذين يجهلون حقيقة وعدي، فإن وعدي لا خلف فيه، ووعيدي نازل بفرعون وقومه.","part":4,"page":21},{"id":1522,"text":"[90] { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ } ، عبرنا بهم { فَأَتْبَعَهُمْ } ، لحقهم وأدركهم, { فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ } ، يقال: أتبعه وتبعه إذا أدركه ولحقه، واتبعه بالتشديد إذا سار خلفه واقتدى به، وقيل: هما واحد. { بَغْيًا وَعَدْوًا } ، أي: ظلما واعتداء، وقيل: بغيا في القول وعدوا في الفعل، وكان البحر قد انفلق لموسى وقومه، فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر فلما. دخل آخرهم وهم أولهم أن يخرج انطبق عليهم الماء. وقوله تعالى: { حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ } ، أي: غمره الماء وقرب هلاكه، { قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ } ، قرأ حمزة والكسائي (إنه) بكسر الألف أي: آمنت، وقلت: إنه، وقرأ الآخرون (أنه) بالفتح على وقوع آمنت عليها، وإضمار حرف الجر، أي: آمنت بأنه، فحذف الباء، وأوصل الفعل بنفسه، فهو في موضع النصب. { لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ } ، فدس جبريل في فيه من حمأة البحر.","part":4,"page":22},{"id":1523,"text":"[91] وقال: { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } فلما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل ما مات فرعون، فأمر الله البحر فألقى فرعون على الساحل فرآه بنو إسرائيل فذلك قوله:\r[92] { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ } ، أي: نلقيك على نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع، وقرأ يعقوب ( ننجيك ) بالتخفيف، { بِبَدَنِكَ } ، بجسدك لا روح فيه، وقيل: ببدنك: بدرعك، وكان له درع مشهور مرصع بالجواهر، فرأوه في درعه فصدقوا موسى. { لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } ، عبرة وعظة، { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } .","part":4,"page":23},{"id":1524,"text":"[93] { وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } أنزلنا بني إسرائيل بعد هلاك فرعون، { مُبَوَّأَ صِدْقٍ } ، منزل صدق، يعني. مصر، وقيل: الأردن وفلسطين، وهي الأرض المقدسة التي كتب الله ميراثا لإبراهيم وذريته، قال الضحاك : هي: مصر والشام، { وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } ، الحلالات، { فَمَا اخْتَلَفُوا } ، يعني اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في تصديقه، وأنه نبي، { حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ } ، يعني، القرآن والبيان بأنه رسول الله صدق ودينه حق، وقيل: حتى جاءهم معلومهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه، فالعلم بمعنى المعلوم كما يقال للمخلوق: خلق، قال الله تعالى: { هَذَا خَلْقُ اللَّهِ } ، ويقال: هذا الدرهم ضرب الأمير، أي. مضروبه. { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } ، من الدين.","part":4,"page":24},{"id":1525,"text":"[94] قوله تعالى. { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ } يعني: القرآن { فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ } ، فيخبرونك أنك مكتوب عندهم في التوراة، قيل: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد به غيره على عادة العرب فإنهم يخاطبون الرجل ويريدون به غيره، كقوله تعالى: { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ } ، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به المؤمنون بدليل أنه قال: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } ، ولم يقل بما تعمل، وقال: { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } ، وقيل: كان الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين مصدق ومكذب وشاك، فهذا الخطاب مع أهل الشك معناه: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان رسولنا محمد، فاسئل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : يعنى من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه فسيشهدون على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ويخبرونك بنبوته، قال الفراء : علم الله سبحانه وتعالى أن رسوله غير شاك، لكنه ذكره على عادة العرب يقول الواحد منهم","part":4,"page":25},{"id":1526,"text":"لعبده: إن كنت عبدي فأطعني، ويقول لولده: افعل كذا وكذا إن كنت ابني، ولا يكون بذلك على وجه الشك. { لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } ، من الشاكين.\r[95] { وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } , وهذا كله خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره.\r[96] قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ } ، وجبت عليهم، { كَلِمَةُ رَبِّكَ } ، قيل: لعنته، وقال قتادة : سخطه، وقيل: الكلمة هي قوله: هؤلاء في النار ولا أبالي. { لَا يُؤْمِنُونَ } .\r[97] { وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ } ، دلالة، { حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } ، قال الأخفش : أنث فعل كل؛ لأنه مضاف إلى المؤنث، وهي قوله: آية، ولفظ كل للمذكر والمؤنث سواء.","part":4,"page":26},{"id":1527,"text":"[98] قوله تعالى: { فَلَوْلَا كَانَتْ } ، فهلا كانت، { قَرْيَةٌ } ، ومعناه: فلم تكن قرية؛ لأن في الاستفهام ضربا من الجحد، أي: أهل قرية، { آمَنَتْ } ، عند معاينة العذاب، { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا } ، في حال اليأس، { إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ } ، فإنهم نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، (وقوم) نصب على الاستثناء المنقطع، تقديره: ولكن قوم يونس، { لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } ، وهو وقت انقضاء آجالهم، واختلفوا في أنهم هل رأوا العذاب عيانا أم لا؟ فقال بعضهم: رأوا دليل العذاب؟ والأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانًا بدليل قوله: { كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } ، والكشف يكون بعد الوقوع أو إذا قرب أو سيأتي مثل ذلك في سورة الصافات آية (148).","part":4,"page":27},{"id":1528,"text":"[99] قوله تعالى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ } ، يا محمد، { لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } ، هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه كان حريصًا على أن يؤمن جميع الناس، فأخبره الله جل ذكره: أنه لا يؤمن إلا من سبق له السعادة، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة.\r[100] { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ } ، وما ينبغي لنفس، وقيل: ما كانت نفس، { أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } ، قال ابن عباس : بأمر الله، وقال عطاء : بمشيئة الله، وقيل: بعلم الله. { وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ } ، قرأ أبو بكر : (ونجعل) بالنون، والباقون بالياء، أي: ويجعل الله الرجس أي: العذاب وهو الرجز، { عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ } ، عن الله أمره ونهيه.","part":4,"page":28},{"id":1529,"text":"[101] { قُلِ انْظُرُوا } ، أي: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات: انظروا، { مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، من الآيات والدلائل والعبر، ففي السموات الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفي الأرض الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها، { وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ } ، الرسل، { عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ } ، وهذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون.\r[102] { فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ } ، يعني: مشركي مكة، { إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا } ، مضوا، { مِنْ قَبْلِهِمْ } ، من مكذبي الأمم، قال قتادة : يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود، والعرب تسمي العذاب أيامًا والنعم أيامًا، كقوله: { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ } ، وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو أيام، { قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } .","part":4,"page":29},{"id":1530,"text":"[103] { ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا } ، قرأ يعقوب (ننجي) خفيف مختلف عنه، { وَالَّذِينَ آمَنُوا } ، معهم عند نزول العذاب، معناه: نجينا مستقبل بمعنى الماضي، { كَذَلِكَ } ، كما نجيناهم { حَقًّا } ، واجبًا، { عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ } ، قرأ الكسائي وحفص ويعقوب (ننجي) بالتخفيف والآخرون بالتشديد، ونجا وأنجى بمعنى واحد.\r[104] قوله تعالى: { قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي } ، الذي أدعوكم إليه، فإن قيل: كيف قال: { إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ } وهم كانوا يعتقدون بطلان ما جاء به؟ قيل: كان فيهم شاكون فهم المراد بالآية, أو أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكوا في أمرهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، قوله عز وجل: { فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، من الأوثان، { وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ } ، يميتكم ويقبض أرواحكم، { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } .\r[105] قوله: { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا } ، قال ابن عباس : عملك، وقيل: استقم على الدين حنيفا، { وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .","part":4,"page":30},{"id":1531,"text":"[106] { وَلَا تَدْعُ } ، ولا تعبد، { مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ } ، إن أطعته، { وَلَا يَضُرُّكَ } ، إن عصيته، { فَإِنْ فَعَلْتَ } ، فعبدت غير الله، { فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ } ، الضارين لأنفسهم الواضعين العبادة في غير موضعها.","part":4,"page":31},{"id":1532,"text":"[107] { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ } أي: يصبك بشدة وبلاء، { فَلَا كَاشِفَ } ، فلا دافع له، { لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ } ، رخاء ونعمة وسعة، { فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } ، فلا مانع لرزقه، { يُصِيبُ بِهِ } ، بكل واحد من الضر والخير، { مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .\r[108] { قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ } ، يعني القرآن والإسلام، { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } ، أي: على نفسه وباله عليه، { وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } ، بكفيل أحفظ أعمالكم، قال ابن عباس : نسختها آية القتال.\r[109] { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ } ، بنصرك وقهر عدوك وإظهار دينه { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } ، فحكم بقتال المشركين وبالجزية على أهل الكتاب يعطونها عن يد وهم صاغرون.","part":4,"page":32},{"id":1533,"text":"(11) سورة هود\rمكية إلا قوله: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ } ، وهي مائة وثلاث وعشرون آية.\r[1] { الر كِتَابٌ } ، أي: هذا كتاب، { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } ، قال ابن عباس : لم ينسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به { ثُمَّ فُصِّلَتْ } , بينت بالأحكام والحلال والحرام، وقال الحسن : أحكمت بالأمر والنهي, ثم فصلت بالوعد والوعيد، قال قتادة : أحكمت أحكمها الله فليس فيها اختلاف ولا تناقض، وقال مجاهد : فصلت أي: فسرت، وقيل: فصلت أي: أنزلت شيئًا فشيئًا فشيئًا, { مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } .\r[2] { أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ } , أي: في ذلك الكتاب ألا تعبدوا إلا الله, ويكون محل (أن) رفعًا. وقيل: محله خفض تقديره: بأن لا تعبدوا إلا الله, { إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ } , أي: من الله { نَذِيرٌ } , للعاصين { وَبَشِيرٌ } للمطيعين.","part":4,"page":33},{"id":1534,"text":"[3] { وَأَنِ } , عطف على الأول, { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } , أي: ارجعوا إليه بالطاعة، قال الفراء : (ثم) هنا بمعنى الواو, أي: وتوبوا إليه, لأن الاستغفار هو التوبة والتوبة هي الاستغفار، وقيل: أن استغفروا إليه في المستأنف يمنعكم منعا حسنا، يعيشكم عيشا حسنا في خفض ودعة وأمن وسعة، قال بعضهم: العيش الحسن هو الرضى بالميسور والصبر على المقدور. { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } إلى حين الموت، { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } ، أي: ويؤت كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره وثوابه في الآخرة. وقيل: يؤت كل ذي فضل فضله يعني: من عمل لله عز وجل وفقه الله فيما يستقبل على طاعته. { وَإِنْ تَوَلَّوْا } ، أعرضوا، { فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } ، وهو يوم القيامة.\r[4] { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":4,"page":34},{"id":1535,"text":"[5] قوله تعالى: { أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } ، قال ابن عباس : نزلت في الأخس بن شريق، وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب وينطوي بقلبه على ما يكره. قوله: { يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } : يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة، وقال عبد الله بن شداد : نزلت هذه الآية في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وحنى ظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه؛ كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة : كانوا يحنون صدورهم كي لا يسمعوا كتاب الله تعالى ولا ذكره، وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته، ويرخي ستره، ويحني ظهره، ويتغشى بثوبه، ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي، وقال السدي : يثنون أي: يعرضون بقلوبهم، من قولهم: ثنيت عناني. وقيل: يعطفون، ومنه ثنى الثوب، { لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ } ، أي: من رسول الله. وقال مجاهد : ليستخفوا من الله إن استطاعوا، { أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } ، يغطون رؤوسهم بثيابهم، { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } ، قال الأزهري : معنى الآية من أولها إلى آخرها:","part":4,"page":35},{"id":1536,"text":"إن الذين أضمروا عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم.","part":4,"page":36},{"id":1537,"text":"[6] قوله تعالى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ } ، أي: ليس دابة، (من) صلة، والدابة: كل حيوان يدب على وجه الأرض، وقوله: { إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } ، أي هو المتكفل بذلك فضلًا، وهو إلى مشيئته إن شاء رزق، وإن شاء لم يرزق، وقيل: على بمعنى من أي: من الله رزقها، وقال مجاهد : ما جاءها من رزق فمن الله عز وجل، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعا. { وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } ، قال ابن مقسم - ويروى ذلك عن ابن عباس -: مستقرها المكان الذي تأوي إليه، وتستقر فيه ليلا ونهارا، ومستودعها: الموضع الذي تدفن فيه إذا ماتت، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: المستقر: أرحام الأمهات والمستودع المكان الذي تموت فيه، وقال عطاء : المستقر أرحام الأمهات والمستودع أصلاب الآباء، ورواه سعيد بن جبير وعلي بن طلحة وعكرمة عن ابن عباس، وقيل: المستقر الجنة أو النار والمستودع القبر، لقوله تعالى في صفة الجنة والنار: { حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } . { كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } ، أي: كل مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن خلقها.","part":4,"page":37},{"id":1538,"text":"[7] قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } ، قبل أن خلق السماء والأرض { لِيَبْلُوَكُمْ } ، ليختبركم وهو أعلم، { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } ، عمل بطاعة الله، وأورع عن محارم الله تعالى. { وَلَئِنْ قُلْتَ } ، يا محمد، { إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } ، يعنون القرآن، وقرأ حمزة والكسائي : (ساحر) يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم.\r[8] { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ } ، إلى أجل محدود، وأصل الأمة الجماعة، فكأنه قال: إلى انقراض أمة ومجيء أمة أخرى { لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ } ، أي: أي شيء يحبسه؟ يقولونه استعجالا للعذاب واستهزاء، يعنون أنه ليس بشيء، قال الله تعالى: { أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ } ، يعني العذاب، { لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ } ، لا يكون مصروفا عنهم، { وَحَاقَ بِهِمْ } ، نزل بهم، { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } ، أي: وبال استهزائهم.","part":4,"page":38},{"id":1539,"text":"[9] قوله تعالى: { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً } نعمة وسعة، { ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } ، أي: سلبناها منه، { إِنَّهُ لَيَئُوسٌ } ، قنوط في الشدة، { كَفُورٌ } النعمة.\r[10] { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ } ، بعد بلاء أصابه، { لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي } ، زالت الشدائد عني، { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } ، أشر بطر، والفرح لذة في القلب بنيل المشتهى، والفخر هو التطاول على الناس بتعديد المناقب، وذلك منهي عنه .\r[11] { إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا } ، قال الفراء : هذا استثناء منقطع معناه: لكن الذين صبروا { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، فإنهم إن نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا، { أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } ، لذنوبهم { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } ، وهو الجنة.","part":4,"page":39},{"id":1540,"text":"[12] { فَلَعَلَّكَ } ، يا محمد، { تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ } ، فلا تبلغه إياهم، وذلك أن كفار مكة لما قالوا. { ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا } ليس فيه سب آلهتنا هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع آلهتهم ظاهرا، فأنزل الله تعالى: { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ } يعني: سب الآلهة، { وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } ، أي: فلعلك يضيق صدرك { أَنْ يَقُولُوا } ، أي: لأن يقولوا, { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ } ينفقه { أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ } يصدقه، قاله عبد الله بن أمية المخزومي، قال الله تعالى: { إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ } ليس عليك إلا البلاغ، { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } ، حافظ.","part":4,"page":40},{"id":1541,"text":"[13] { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } ، بل يقولون اختلقه، { قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } ، فإن قيل: قد قال في سورة يونس: { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ } , وقد عجزوا عنه فكيف قال: { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ } , فهو كرجل يقول لآخر: أعطني درهما فيعجز, فيقول: أعطني عشرة دراهم؟ الجواب: قد قيل سورة هود نزلت أولا، وأنكر المبرد هذا, وقال بل نزلت سورة يونس أولًا, وقال معنى قوله في سورة يونس: { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ } , أي: مثله في الخير عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد, فعجزوا فقال لهم في سورة هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد فأتوا بعشر سور مثله من غير خبر ولا وعد ولا وعيد, وإنما هي مجرد البلاغة, { وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ } , واستعينوا بمن استطعتم, { مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .","part":4,"page":41},{"id":1542,"text":"[14] { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ } , يا أصحاب محمد، وقيل: لفظه جمع، والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم وحده. { فَاعْلَمُوا } ، قيل: هذا خطاب مع المؤمنين، وقيل: مع المشركين، { أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ } ، يعني: القرآن، وقيل: أنزله، وفيه علمه، { وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } ، أي: فاعلموا أن لا إله إلا هو، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ، لفظه استفهام ومعناه أمر، أي: أسلموا.\r[15] قوله تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } ، أي: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا { وَزِينَتَهَا } ، نزلت في كل من عمل عملًا يريد به غير الله عز وجل { نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } ، أي: نوف لهم أجور أعمالهم في الدنيا بسعة الرزق ودفع المكاره وما أشبهها. { وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ } ، أي: في الدنيا لا ينقص حظهم.","part":4,"page":42},{"id":1543,"text":"[16] { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا } ، أي: في الدنيا، { وَبَاطِلٌ } ، ماحق، { مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، اختلفوا في المعنى بهذه الآية، فقال مجاهد : أهل الرياء، وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\"، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: \"الرياء » (1) .\rوقيل: هذا في الكفار، وأما المؤمن فيريد الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة.\r_________\r(1) رواه الإمام أحمد في مسنده ج5 / 428, 429. وفي رواية عند الترمذي في كتاب النذور / 9 / وابن ماجه في الفتن / 16 / بلفظ: «الرياء شرك» . ورواه المصنف في شرح السنة 14 / 324 .","part":4,"page":43},{"id":1544,"text":"[17] قوله تعالى: { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ } ، بيان، { مِنْ رَبِّهِ } ، قيل: في الآية حذف ومعناه: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، أو من كان على بينة من ربه كمن هو في الضلالة والجهالة، والمراد بالذي هو على بينة من ربه النبي صلى الله عليه وسلم، { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ } ، أي: يتبعه من يشهد له بصدقه، واختلفوا في هذا الشاهد، فقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم ومجاهد وعكرمة والضحاك وأكثر أهل التفسير: إنه جبريل عليه السلام، وقال الحسن وقتادة : هو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى ابن جريج عن مجاهد قال: هو ملك يحفظه ويسدده، وقال الحسين بن الفضل : هو القرآن ونظمه وإعجازه، وقيل: شاهد منه هو الإنجيل. { وَمِنْ قَبْلِهِ } ، أي: ومن قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: من قبل نزول القرآن. { كِتَابُ مُوسَى } ، أي: كان كتاب موسى، { إِمَامًا وَرَحْمَةً } ، لمن اتبعها، يعني التوراة، وهي مصدقة للقرآن شاهدة للنبي صلى الله عليه وسلم، { أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } ، يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: أراد الذين أسلموا من أهل الكتاب، { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ }","part":4,"page":44},{"id":1545,"text":"أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: بالقرآن، { مِنَ الْأَحْزَابِ } ، من الكفار أهل الملل كلها، { فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار » (1) .\rقوله تعالى: { فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ } ، أي. في شك منه، { إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ } .\r[18] { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ، فزعم أن له ولدًا أو شريكًا، أي: لا أحد أظلم منه، { أُولَئِكَ } ، يعني: الكاذبين والمكذبين، { يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ } ، فيسألهم عن أعمالهم، { وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ } ، يعني: الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم، قاله مجاهد، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو قول الضحاك، وقال قتادة : الخلائق كلهم، { هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان رقم (153) 1 / 134 والمصنف في شرح السنة 1 / 104 .","part":4,"page":45},{"id":1546,"text":"[19] { الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، يمنعون عن دين الله، { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ } .","part":4,"page":46},{"id":1547,"text":"[20] { أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ } ، قال ابن عباس : سابقين، قال قتادة : هاربين، وقال مقاتل : فائتين. { فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ } ، يعني أنصارا وأعوانا يحفظونهم من عذابنا، { يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ } ، أي: يزاد في عذابهم، قيل: يضاعف العذاب عليهم لإضلالهم الغير، واقتداء الأتباع بهم، قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب : (يضعف) مشددة العين بغير ألف، وقرأ الباقون: (يضاعف) بالألف مخففة العين. { مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ } ، الهدى، قال قتادة، صم عن سماع الحق فلا يسمعونه، وما كانوا يبصرون الهدى، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أخبر الله عز وجل أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا قال: { مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ } وهو طاعته، وفي الآخرة قال: { فَلَا يَسْتَطِيعُونَ }{ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ } .\r[21] { أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } ، غبنوا أنفسهم، { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ، يزعمون من شفاعة الملائكة والأصنام.","part":4,"page":47},{"id":1548,"text":"[22] { لَا جَرَمَ } ، أي: حقًّا، وقيل: بلى، وقال الفراء : لا محالة، { أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ } ، يعني: من غيرهم، وإن كان الكل في الخسار.\r[23] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا } ، قال ابن عباس : خافوا. وقال قتادة : أنابوا. وقال مجاهد : اطمأنوا. وقيل: خشعوا. وقوله: { رَبِّهِمْ } ، أي: لربهم. { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }\r[24] { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ } ، المؤمن والكافر، { كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا } ، قال الفراء، لم يقل هل يستوون؛ لأن الأعمى والأصم في حيز كأنهما واحد؛ لأنهما من وصف الكافر، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد؛ لأنهما من وصف المؤمن، { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } ، أي: تتعظون.\r[25] قوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب (أني) بفتح الهمزة أي: بأني، وقرأ الباقون بكسرها، أي: فقال إني؛ لأن في الإرسال معنى القول: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ.","part":4,"page":48},{"id":1549,"text":"[26] { أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } ، أي: مؤلم { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا } أي: فلبث فيهم داعيًا.\r[27] { فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } : والملأ هم الأشراف والرؤساء. { مَا نَرَاكَ } ، يا نوح، { إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا } ، آدميًّا، { وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } ، سفلتنا، والرذل: الدون من كل شيء، والجمع أرذل، ثم يجمع على أراذل، مثل كلب وأكلب وأكالب، وقال في سورة الشعراء. { وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ } يعني: السفلة، وقال عكرمة : الحاكة والأساكفة، { بَادِيَ الرَّأْيِ } ، قرأ أبو عمرو (بادئ) بالهمز، أي: أول الرأي، يريدون أنهم اتبعوك في أول الرأي من غير روية وتفكر، ولو تفكروا لم يتبعوك، وقرأ الآخرون بغير همز، أي ظاهر الرأي من قولهم: بدا الشيء إذا ظهر معناه اتبعوك ظاهرًا من غير أن يتدبروا ويتفكروا باطنًا، قال مجاهد : رأي العين، { وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } .","part":4,"page":49},{"id":1550,"text":"[28] { قَالَ } ، نوح { يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ } ، بيان، { مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً } أي: هدى ومعرفة، { مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ } ، أي: خفيت والتبست عليكم، وقرأ حمزة والكسائي وحفص ( فعميت ) عليكم بضم العين وتشديد الميم، أي: شبهت ولبست عليكم. { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } ، أي: أنلزمكم البينة والرحمة، { وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } ، لا تريدونها، قال قتادة : لو قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يلزموا قومهم لألزموا، ولكن لم يقدروا.","part":4,"page":50},{"id":1551,"text":"[29] قوله: { وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا } ، أي: على الوحي وتبليغ الرسالة، كناية عن غير مذكور، { إِنْ أَجْرِيَ } ، ما ثوابي، { إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا } ، هذا دليل على أنهم طلبوا منه طرد المؤمنين، { أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ } ، أي: صائرون إلى ربهم في المعاد فيجزي من طردهم، { وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } .\r[30] { وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ } ، من يمنعني من عذاب الله، { إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } ، تتعظون.","part":4,"page":51},{"id":1552,"text":"[31] { وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ } ، فآتي منها ما تطلبون، { وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ } ، فأخبركم بما تريدون، وقيل: إنهم لما قالوا لنوح إن الذين آمنوا بك إنما اتبعوك في ظاهر ما ترى منهم، قال نوح مجيبًا لهم: لا أقول لكم عندي خزائن غيوب الله التي يعلم منها ما يضمر الناس، ولا أعلم الغيب فأعلم ما يسرونه في نفوسهم، فسبيلي قبول ما ظهر من إيمانهم، { وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ } ، هذا جواب قولهم: { مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا } . { وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ } ، أي: تحتقرهم وتستصغرهم أعينكم، يعني - المؤمنين، وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، { لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا } أي: توفيقًا وإيمانًا وأجرًا، { اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ } ، من الخير والشر مني، { إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ } ، لو قلت هذا.\r[32] { قَالُوا يا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا } ، خاصمتنا، { فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } ، من العذاب { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } .","part":4,"page":52},{"id":1553,"text":"[33]، { قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ } ، يعني: بالعذاب، { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } .\r[34] { وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي } ، أي: نصيحتي، { إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } ، يضلكم، { هُوَ رَبُّكُمْ } ، له الحكم والأمر { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، فيجزيكم بأعمالكم.\r[35] { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: يعني نوحًا عليه السلام، وقال مقاتل : يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم. { قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي } ، أي: إثمي ووبال جرمي، والإجرام: كسب الذنب. { وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ } ، لا أؤاخذ بذنوبكم.\r[36] قوله تعالى: { وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ } ، فلا تحزن، { بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } فإني مهلكهم، ولا منقذ منهما، فحينئذ دعا نوح عليهم: فقال { رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } فأوحى الله تعالى إليه:","part":4,"page":53},{"id":1554,"text":"[37] { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } ، أي: بأمرنا. { وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } ، بالطوفان، قيل معناه لا تخاطبني في إمهال الكفار، فإني حكمت بإغراقهم، وقيل: لا تخاطبني في ابنك كنعان، وامرأتك واعلة؛ فإنهما هالكان مع القوم.","part":4,"page":54},{"id":1555,"text":"[38] قوله تعالى: { وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ } ، فلما أمره الله تعالى أن يصنع الفلك أقبل نوح عليه السلام على عمل الفلك، ولها عن قومه، وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد، ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره، وجعل قومه يمرون به -وهو في عمله- ويسخرون منه، ويقولون: يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة، قوله تعالى: { وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ } ، وذلك أنهم كانوا يقولون: إن هذا الذي يزعم أنه نبي قد صار نجارا، وروي أنهم كانوا يقولون له: يا نوح ماذا تصنع؟ فيقول أصنع بيتا يمشي على الماء، فيضحكون منه، { قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ } ، إذا عاينتم عذاب الله، { كَمَا تَسْخَرُونَ } ، فإن قيل: كيف تجوز السخرية من النبي؟ قيل: هذا على ازدواج الكلام، يعني إن تستجهلوني فإني أستجهلكم إذا نزل العذاب بكم، وقيل: معناه إن تسخروا منا فسترون عاقبة سخريتكم.\r[39] { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } ، يهينه، { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ } ، يجب عليه، { عَذَابٌ مُقِيمٌ } ، دائم.","part":4,"page":55},{"id":1556,"text":"[40] { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا } ، عذابنا، { وَفَارَ التَّنُّورُ } ، اختلفوا في التنور، قال عكرمة والزهري : هو وجه الأرض، وذلك أنه قيل لنوح : إذا رأيت الماء فار على وجه الأرض فاركب السفينة، وروي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: فار التنور أي: طلع الفجر ونور الصبح، وقال الحسن ومجاهد والشعبي : إنه التنور الذي يخبز فيه، وهو قول أكثر المفسرين، والفوران: الغليان. قوله تعالى: { قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا } ، أي: في السفينة، { مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } ، الزوجان: كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر، يقال لكل واحد منهما زوج، يقال: زوج خف وزوج نعل، والمراد بالزوجين هنا: الذكر والأنثى، قرأ حفص ههنا وفي سورة المؤمنين: مِنْ كُلٍّ بالتنوين أي: من كل صنف زوجين اثنين، ذكره تأكيدًا. { وَأَهْلَكَ } ، أي: واحمل أهلك، أي: ولدك وعيالك، { إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } ، بالهلاك يعني امرأته واعلة، وابنه كنعان، { وَمَنْ آمَنَ } يعني: واحمل من آمن بك، كما قال الله تعالى: { وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ } ، واختلفوا في عددهم، قال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي : لم يكن في السفينة إلا","part":4,"page":56},{"id":1557,"text":"ثمانية، نوح وامرأته وثلاثة بنين له سام وحام ويافث، ونساؤهم: وقال الأعمش : كانوا سبعة: نوح وثلاثة بنين له وثلاث كنائن له، وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا، وقال مقاتل : كانوا اثنين وسبعين نفرًا رجلًا وامرأة وبنيه الثلاثة ونساءهم، فجميعهم ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.\r[41] { وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا } ، أي: قال لهم نوح اركبوا فيها، أي في السفينة، { بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص : (مجراها) بفتح الميم (ومرساها) بضمها، وقرأ محمد بن محيصن (مجراها ومرساها) بفتح الميمين من جرت ورست، أي: بسم الله جريها ورسوها، وهما مصدران وقرأ الآخرون: (مجراها ومرساها) بضم الميمين من أجريت وأرسيت، أي: بسم الله إجراؤها وإرساؤها وهما أيضًا مصدران، كقوله: { أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا } ، { أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ } ، والمراد منها الإنزال والإدخال والإخراج . { إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }","part":4,"page":57},{"id":1558,"text":"[42] { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ } ، والموج ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه الريح، شبهه بالجبال في عظمه وارتفاعه على الماء. { وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ } ، كنعان، وقال عبيد بن عمير : سام وكان كافرًا، { وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ } ، عنه لم يركب السفينة، { يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا } ، قرأ نافع وابن عامر وحمزة والبزي عن ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم ويعقوب : (اركب) بإظهار الباء، والآخرون يدغمونها في الميم، { وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ } ، فتهلك.","part":4,"page":58},{"id":1559,"text":"[43] { قَالَ } له ابنه { سَآوِي } ، سأصير وألتجئ، { إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ } ، يمنعني من الغرق، { قَالَ } له نوح { لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } ، أي: من عذاب الله، { إِلَّا مَنْ رَحِمَ } ، قيل: (من) في محل رفع، أي لا مانع من عذاب الله إلا الله الرحيم، وقيل: (من) في محل النصب، معناه لا معصوم إلا من رحمه الله كقوله: { فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } أي: مرضية، { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ } ، فصار، { مِنَ الْمُغْرَقِينَ } ، ويروى أن الماء علا على رؤوس الجبال قدر أربعين ذراعًا، وقيل: خمسة عشر ذراعًا.\r[44] { وَقِيلَ } ، يعني بعدما تناهى أمر الطوفان. { يا أَرْضُ ابْلَعِي } ، اشربي، { مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي } أمسكي، { وَغِيضَ الْمَاءُ } ، نقص ونضب، يقال: غاض الماء يغيض غيضًا إذا نقص، وغاضه الله أي أنقصه، { وَقُضِيَ الْأَمْرُ } وفرغ من الأمر وهلاك القوم { وَاسْتَوَتْ } ، يعني السفينة استقرت، { عَلَى الْجُودِيِّ } ، وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل، { وَقِيلَ بُعْدًا } ، هلاكا، { لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }","part":4,"page":59},{"id":1560,"text":"[45] قوله تعالى: { وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي } وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي؟ { وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ } ، لا خلف فيه، { وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ } ، حكمت على قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك.","part":4,"page":60},{"id":1561,"text":"[46] { قَالَ } الله عز وجل { يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } ، قرأ الكسائي ويعقوب : (عمل) بكسر الميم وفتح اللام (غير) بنصب الراء على الفعل، أي: عمل الشرك والتكذيب، وقرأ الآخرون بفتح الميم، ورفع اللام تنوينه، (غير) برفع الراء معناه: أن سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح، { فَلَا تَسْأَلْنِي } ، يا نوح، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } ، قرأ أهل الحجاز والشام (فلا تسألني) بفتح اللام وتشديد النون، ويكسرون النون غير ابن كثير فإنه يفتحها، وقرأ الآخرون بجزم اللام وكسر النون خفيفة، ويثبت أبو جعفر وأبو عمرو وورش الياء في الوصل دون الوقف، وأثبتها يعقوب في الحالين، { إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } ، واختلفوا في هذا الابن، قال مجاهد والحسن : كان ولد حدث من غير نوح، ولم يعلم بذلك نوح، ولذلك قال: { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } وقال أبو جعفر الباقر : كان ابن امرأته وكان يعلمه نوح، ولذلك قال { مِنْ أَهْلِي } ولم يقل مني، وقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والأكثرون: إنه كان ابن نوح عليه السلام من صلبه، وقال ابن عباس : ما بغت امرأة نبي قط","part":4,"page":61},{"id":1562,"text":"وقوله { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } أي: من أهل الدين وقوله: { إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } ، يعني: تدعو بهلاك الكفار ثم تسأل نجاة كافر.","part":4,"page":62},{"id":1563,"text":"[47] { قَالَ } نوح { رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .\r[48] { قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ } ، انزل من السفينة، { بِسَلَامٍ مِنَّا } أي بأمن وسلامة منا، { وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ } ، البركة هي ثبوت الخير، ومنه بروك البعير، وقيل: البركة ههنا هي أن الله تعالى جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة، { وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ } ، أي: على ذرية أمم ممن كان معك في السفينة، يعني على قرون تجيء بعدك من ذرية من معك في السفينة، يعني: من ولدك وهم المؤمنون، قال محمد بن كعب القرظي : دخل فيه كل مؤمن إلى يوم القيامة. { وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ } ، هذا ابتداء، أي: أمم سنمتعهم في الدنيا، { ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، وهم الكافرون وأهل الشقاوة.","part":4,"page":63},{"id":1564,"text":"[49] { تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ } ، من أخبار الغيب، { نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا } ، من قبل نزول القرآن، { فَاصْبِرْ } ، على القيام بأمر الله، وتبليغ الرسالة، وما تلقى من أذى الكفار كما صبر نوح، { إِنَّ الْعَاقِبَةَ } آخر الأمر بالسعادة والنصرة { لِلْمُتَّقِينَ } ، لأهل التقوى.\r[50] قوله تعالى { وَإِلَى عَادٍ } ، أي: وأرسلنا إلى عاد، { أَخَاهُمْ هُودًا } ، في النسب لا في الدين، { قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } ، وحدوا الله { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ } ، ما أنتم في إشراككم إلا كاذبون.\r[51] { يا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } ، أي: على تبليغ الرسالة، { أَجْرًا } ، جعلا، { إِنْ أَجْرِيَ } ، ما ثوابي، { إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي } ، خلقني، { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } .","part":4,"page":64},{"id":1565,"text":"[52] { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ } ، أي: آمنوا به، فالاستغفار ههنا بمعنى الإيمان، { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } من عبادة غيره، ومن سالف ذنوبكم، { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } ، أي: يرسل المطر عليكم متتابعًا مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة، { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ } ، أي: شدة مع شدتكم، وذلك أن الله عز وجل حبس عنهم المطر ثلاث سنين وأعقم أرحام نسائهم فلم يلدن، فقال لهم هود عليه السلام: إن آمنتم أرسل الله عليكم المطر فتزدادون مالًا ويعيد أرحام الأمهات إلى ما كانت فيلدن، فتزدادون قوة بالأموال والأولاد، وقيل: تزدادون قوة في الدين إلى قوة في البدن. { وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ } ، أي: لا تدبروا مشركين.\r[53] { قَالُوا يا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ } ، أي: ببيان وحجة واضحة على ما تقول، { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ } ، أي: بقولك، { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } ، بمصدقين.","part":4,"page":65},{"id":1566,"text":"[54] { إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ } ، يعني: لست تتعاطى ما تتعاطاه من مخالفتنا وسب آلهتنا إلا أن بعض آلهتنا اعتراك أي: أصابك بسوء بخبل وجنون، وذلك أنك سببت آلهتنا فانتقموا منك بالتخبيل، لا نحمل أمرك إلا على هذا، { قَالَ } ، لهم هود، { إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ } ، على نفسي، { وَاشْهَدُوا } ، يا قوم، { أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } .\r[55] { مِنْ دُونِهِ } ، يعني الأوثان، { فَكِيدُونِي جَمِيعًا } ، فاحتالوا في مكركم وضري أنتم وأوثانكم، { ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي } ، لا تؤخرون ولا تمهلون.","part":4,"page":66},{"id":1567,"text":"[56] { إِنِّي تَوَكَّلْتُ } ، أي: اعتمدت، { عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } قال الضحاك : محييها ومميتها، قال الفراء : مالكها والقادر عليها، وقال بعض العلماء: آخذ بناصيتها لا تتوجه إلا حيث يلهمها، وقال القتيبي : يقهرها؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته، وقيل إنما خص الناصية بالذكر؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة، فتقول: ناصية فلان بيد فلان، وكانوا إذا أسروا إنسانا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصته ليعتدوا بذلك فخرا عليه، فخاطبهم الله بما يعرفون. { إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، يعني: إن ربي وإن كان قادرا عليهم فإنه لا يظلمهم ولا يعمل إلا بالإحسان والعدل، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه، وقيل: معناه إن دين ربي صراط مستقيم، وقيل: شبه إضمار، أي: إن ربي يحثكم ويحملكم على صراط مستقيم.","part":4,"page":67},{"id":1568,"text":"[57] { فَإِنْ تَوَلَّوْا } ، أي: تتولوا، يعني: تعرضوا عما دعوتكم إليه، { فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ } ، أي: إن أعرضتم يهلككم الله عز وجل، ويستبدل قوما غيركم أطوع منكم يوحدونه ويعبدونه، { وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا } ، بتوليكم وإعراضكم إنما تضرون أنفسكم، وقيل: لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم؛ لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء، { إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } ، أي: لكل شيء حافظ، يحفظني من أن تنالوني بسوء.\r[58] قوله تعالى: { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا } ، عذابنا، { نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } ، وكانوا أربعة آلاف. { بِرَحْمَةٍ } بنعمة { مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } ، وهو الريح التي أهلك بها عادا، وقيل: العذاب الغليظ: عذاب يوم القيامة، أي: كما نجيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجيناهم في الآخرة.","part":4,"page":68},{"id":1569,"text":"[59] { وَتِلْكَ عَادٌ } ، رده إلى القبيلة، { جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ } ، يعني: هودًا وحده، ذكره بلفظ الجمع؛ لأن من كذب رسولًا واحدًا كان كمن كذب جميع الرسل، { وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } . واتبع السفلة والسقاط أهل التكبر والعناد، والجبار: المتكبر، والعنيد: الذي لا يقبل الحق، يقال: عند الرجل يعند عنودًا إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه، وقال أبو عبيدة : العنيد والعاند والعنود والمعاند: المعارض لك بالخلاف.\r[60] { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً } أي أردفوا لعنة تلحقهم وتنصرف معهم، واللعنة: هي الإبعاد والطرد عن الرحمة، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي وفي يوم القيامة أيضا لعنوا كما لعنوا في الدنيا والآخرة، { أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ } أي بربهم، يقال كفرته، وكفرت به كما يقال: شكره وشكرت له، ونصحته، ونصحت له. { أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } ، قيل بعدًا من رحمة الله، وقيل: هلاكًا: منه بعد يبعد بعدًا، والآخر: بمعنى الهلاك، يقال: منه بعد يبعد بعدًا.","part":4,"page":69},{"id":1570,"text":"[61] قوله تعالى: { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا } ، أي: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا في النسب لا في الدين، { قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } ، وحدوا الله عز وجل، { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ } ابتدأ خلقكم، { مِنَ الْأَرْضِ } ، وذلك أنهم من آدم ، وآدم خلق من الأرض، { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } ، أي: جعلكم عمارها وسكانها، وقال الضحاك : أطال عمركم فيها حتى كان الواحد منهم يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة، وكذلك قوم عاد، وقال مجاهد : أعمركم من العمر، أي: جعلها لكم ما عشتم، وقال قتادة : أسكنكم فيها. { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ } ، من المؤمنين، { مُجِيبٌ } لدعائهم.","part":4,"page":70},{"id":1571,"text":"[62] { قَالُوا } ، يعني ثمودًا، { يا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا } ، القول أي: كنا نرجو أن تكون سيدًا فينا. وقيل: كنا نرجو أن تعود إلى ديننا، وذلك أنهم كانوا يرجون رجوعه إلى دين عشيرته، فلما أظهر دعاءهم إلى الله عز وجل، وترك الأصنام زعموا أن رجاءهم انقطع عنه، فقالوا: { أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } ، من الآلهة { وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } ، موقع للريبة والتهمة، يقال: أربته إرابة إذا فعلت به فعلًا يوجب له الريبة.","part":4,"page":71},{"id":1572,"text":"[63] { قَالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً } ، نبوة وحكمة، { فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ } ، أي: من يمنعني من عذاب الله، { إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ } ، قال ابن عباس : معناه ما تزيدونني غير بصارة في خسارتكم، قال الحسين بن الفضل : لم يكن صالح عليه السلام في خسارة حتى قال: فما تزيدونني غير تخسير، وإنما المعنى ما تزيدونني بما تقولون من الفحش إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة، والتفسيق والتفجير في اللغة هو: النسبة إلى الفسق والفجور، وكذلك التخسير هو: النسبة إلى الخسران.","part":4,"page":72},{"id":1573,"text":"[64] { وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً } ، نصب على الحال والقطع، وذلك أن قومًا طلبوا منه أن يخرج ناقة عشراء من هذه الصخرة، وأشاروا إلى صخرة فدعا صالح عليه السلام فخرجت منها ناقة وولدت في الحال ولدا مثلها، وقد بيناه في سورة الأعراف، فهذا معنى قوله: { هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ } ، من العشب والنبات فليست عليكم مؤنتها، { وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } ، ولا تصيبوها بعقر، { فَيَأْخُذَكُمْ } ، إن قتلتموها، { عَذَابٌ قَرِيبٌ } .\r[65] { فَعَقَرُوهَا فَقَالَ } لهم صالح، { تَمَتَّعُوا } ، عيشوا، { فِي دَارِكُمْ } ، أي: في دياركم، { ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } ، ثم تهلكون، { ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } ، أي: غير كذب، روي أنه قال لهم: يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام فتصبحون اليوم الأول ووجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، فكان كما قال، وأتاهم العذاب اليوم الرابع.","part":4,"page":73},{"id":1574,"text":"[66] قوله تعالى: { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا } ، بنعمة منا، { وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ } ، أي: من عذابه، وهو أنه قرأ أبو جعفر ونافع والكسائي خزي يومئذ ، وعذاب يومئذ بفتح الميم. وقرأ الباقون بالكسر. { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } .\r[67] { وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } ، وذلك أن جبريل عليه السلام صاح عليهم صيحة واحدة فهلكوا جميعًا، وقيل: أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، وإنما قال: أخذ والصيحة مؤنثة؛ لأن الصيحة بمعنى الصياح. { فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } ، صرعى هلكى.\r[68] { كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا } ، يقيموا ويكونوا، { أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ } ، قرأ حمزة وحفص ويعقوب : (ثمود) غير منون، وكذلك في سورة الفرقان والعنكبوت والنجم، وافق أبو بكر في النجم، وقرأ الباقون بالتنوين، وقرأ الكسائي : لثمود بخفض الدال والتنوين، والباقون بنصب الدال، فمن جره فلأنه اسم مذكر، ومن لم يجره جعله اسمًا للقبيلة.","part":4,"page":74},{"id":1575,"text":"[69] قوله تعالى: { وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى } ، أراد بالرسل الملائكة عليهم السلام بالبشرى بالبشارة بإسحاق ويعقوب، وقيل: بإهلاك قوم لوط، { قَالُوا سَلَامًا } ، أي: سلموا سلامًا، { قَالَ } إبراهيم { سَلَامٌ } ، أي: عليكم سلام: وقيل: هو رفع على الحكاية، كقوله تعالى: { وَقُولُوا حِطَّةٌ } ، وقرأ حمزة والكسائي سلم ههنا وفي سورة الذاريات بكسر السين بلا ألف، قيل: هو بمعنى السلام، كما يقال: حل وحلال وحرم وحرام، وقيل: هو بمعنى الصلح، أي: نحن سلم أي صلح لكم غير حرب. { فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } ، والحنيذ المحنوذ وهو المشوي على الحجارة في خد من الأرض، وكان سمينا يسيل دسما، كما قال في موضع آخر: { فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } : قال قتادة : كان عامة مال إبراهيم البقر.","part":4,"page":75},{"id":1576,"text":"[70] { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ } ، أي: إلى العجل، { نَكِرَهُمْ } ، أنكرهم، { وَأَوْجَسَ } ، أضمر، { مِنْهُمْ خِيفَةً } ، خوفا، قال مقاتل : وقع في قلبه، وأصل الوجوس: الدخول، كان الخوف دخل قلبه، وقال قتادة : وذلك أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير، وإنما جاء بشر. { قَالُوا لَا تَخَفْ } ، يا إبراهيم، { إِنَّا } ملائكة الله { أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ } .","part":4,"page":76},{"id":1577,"text":"[71] { وَامْرَأَتُهُ } سارة بنت هارون بن أحور وهي ابنة عم إبراهيم . { قَائِمَةٌ } من وراء الستر تسمع كلامهم، وقيل: كانت قائمة تخدم الرسل وإبراهيم جالس معهم. { فَضَحِكَتْ } ، قال مجاهد وعكرمة : ضحكت أي: حاضت في الوقت، تقول العرب: ضحكت الأرنب، أي: حاضت، والأكثرون على أن المراد منه الضحك المعروف، واختلفوا في سبب ضحكها، فقيل: ضحكت لزوال الخوف عنها وعن إبراهيم حين قالوا لا تخف، وقال السدي : لما قرب إبراهيم الطعام إليهم فلم يأكلوا خاف إبراهيم، وظنهم لصوصًا فقال لهم: ألا تأكلون؟ قالوا: إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال إبراهيم : فإن له ثمنًا، قالوا وما ثمنه؟ قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل عليهم الصلاة والسلام، وقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلًا، فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل إليه ضحكت سارة، وقالت: يا عجبًا لأضيافنا إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا، وقال قتادة : ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال مقاتل والكلبي : ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة في بيته وهو فيما بين خدمه وحشمه، وقيل: ضحكت سرورًا بالبشارة، وقال ابن عباس ووهب :","part":4,"page":77},{"id":1578,"text":"ضحكت تعجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها، وعلى هذا القول تكون الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكت، وقالت: يا ويلتي أألد وأنا عجوز؟ قوله تعالى: { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ } ، أي: من بعد إسحاق، { يَعْقُوبَ } ، أراد به والدًا لولد فبشرت أنها تعيش حتى ترى ولد ولدها، قرأ ابن عامر وحمزة وحفص يعقوب بنصب الباء، أي: من وراء إسحاق يعقوب، وقيل: بإضمار فعل، أي: ووهبنا له يعقوب، وقرأ الباقون بالرفع على حذف حرف الصفة، وقيل: ومن بعد إسحاق يحدث يعقوب، فلما بشرت بالولد ضحكت فصكت وجهها، أي: ضربت وجهها تعجبًا.","part":4,"page":78},{"id":1579,"text":"[72] { قَالَتْ يا وَيْلَتَى } ، نداء ندبة وهي كلمة يقولها الإنسان عند رؤية ما يتعجب منه، أي: يا عجبًا، والأصل يا ويلتاه. { أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ } ، وكانت ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق، وقال مجاهد : تسعًا وتسعين سنة. { وَهَذَا بَعْلِي } ، أي: زوجي، سمي بذلك؛ لأنه قيم أمرها، { شَيْخًا } ، نصب على الحال، وكان سن إبراهيم مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق، وقال مجاهد : مائة سنة، وكان بين البشارة والولادة سنة، { إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ } .\r[73] { قَالُوا } ، يعني الملائكة، { أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } ، معناه: لا تعجبي من أمر الله، فإن الله عز وجل إذا أراد شيئًا كان. { رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ } ، أي: بيت إبراهيم عليه السلام، قيل: هذا على معنى الدعاء معنى الخير والرحمة والنعمة، والبركات جمع البركة، وهي ثبوت الخير، وفيه دليل على أن الأزواج من أهل البيت. { إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } ، فالحميد: المحمود في أفعاله، والمجيد: الكريم، وأصل المجد الرفعة.","part":4,"page":79},{"id":1580,"text":"[74] { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ } ، الخوف، { وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } ، بإسحاق ويعقوب، { يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ } ، فيه إضمار، أي: أخذ وظل يجادلنا، قيل: معناه يكلمنا؛ لأن إبراهيم عليه السلام لا يجادل ربه عز وجل، إنما يسأله ويطلب إليه، وقال عامة أهل التفسير: معناه يجادل رسلنا، وكانت مجادلته أنه قال للملائكة: أرأيتم لو كان في مدائن لوط خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: أو أربعون؟ قالوا: لا، قال: أو ثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ خمسة، قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال لهم إبراهيم عند ذلك: إن فيها لوطًا، قالوا، نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فذلك قول إخبار عن إبراهيم عليه السلام: { يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ } .\r[75] { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ } ، قال ابن جريج : وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم","part":4,"page":80},{"id":1581,"text":"[76] { يا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } ، أي: أعرض عن هذا المقال ودع عنك الجدال، { إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ } ، أي: عذاب ربك وحكم ربك، { وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ } ، نازل بهم، { عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } ، أي غير مصروف عنهم.","part":4,"page":81},{"id":1582,"text":"[77] قوله تعالى: { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا } ، يعني: هؤلاء الملائكة، { لُوطًا } ، على صورة غلمان مرد حسان الوجوه، { سِيءَ بِهِمْ } ، أي: حزن لوط بمجيئهم، يقال: سؤته فسيء، كما يقال: سررته فسر. { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } أي: قلبًا، يقال: ضاق ذرع فلان بكذا إذا وقع في مكروه لا يطيق الخروج منه، وذلك أن لوطًا عليه السلام لما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم. { وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } ، أي: شديد كأنه عصب به الشر والبلاء، أي: شد، قال قتادة والسدي : خرجت الملائكة من عند إبراهيم عليه السلام نحو قرية قوم لوط فأتوا لوطًا نصف النهار، وهو في أرض له يعمل فيها، وقيل: إنه كان يحتطب، وقد قال الله تعالى للملائكة: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فاستضافوه فانطلق بهم، فلما مشى بهم ساعة قال لهم: بلغكم أمر أهل هذه القرية: قالوا: وما أمرهم قال، أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عما يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله، وروي أنه حمل الحطب وتبعته الملائكة فمر على جماعة من قومه فغمزوا فيما بينهم، فقال لوط : إن قومي شر","part":4,"page":82},{"id":1583,"text":"خلق الله، ثم مر على قوم آخرين: فغمزوا فقال لوط مثله، ثم مر بقوم فقال مثله، ثم مر بقوم آخرين، فقال مثله، فكان كلما قال لوط هذا القوال قال جبريل للملائكة: اشهدوا حتى أتى منزله، وروي: أن الملائكة جاؤوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره ولم يعلم بذلك أحد إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالًا ما رأيت مثل وجوههم قط.","part":4,"page":83},{"id":1584,"text":"[78] { وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } ، قال ابن عباس وقتادة : يسرعون إليه، وقال مجاهد : يهرولون وقال الحسن : مشى بين مشيتين، قال شمر بن عطية : بين الهرولة والجمز. { وَمِنْ قَبْلُ } ، أي: من قبل مجيئهم إلى لوط، { كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } كانوا يأتون الرجال في أدبارهم. { قَالَ } ، لهم لوط حين قصدوا أضيافه، وظنوا أنهم غلمان، { يا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } ، يعني: بالتزويج، وفي أضيافه ببناته، وكان في ذلك الوقت، تزويج المسلمة من الكافر جائزًا كما زوج النبي صلي الله عليه وسلم ابنته من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين، وقال الحسين بن الفضل : عرض بناته عليهم بشرط الإسلام، وقال مجاهد وسعيد بن جبير : قوله { بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } ، أراد نساءهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، وفي قراءة أبي بن كعب : (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم هو أب لهم)، وقيل: ذكر ذلك على سبيل الدفع لا على التحقيق، فلم يرضوا هذا القول. { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي } ، أي: خافوا الله ولا تخزون في ضيفي،","part":4,"page":84},{"id":1585,"text":"أي: لا تسوؤني ولا تفضحوني في أضيافي. { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ } ، صالح سديد، وقال عكرمة : رجل يقول لا إله إلا الله، وقال ابن إسحاق : رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.\r[79] { قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ } يا لوط، { مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ } ، أي: لسن أزواجًا لنا فنستحقهن بالنكاح، وقيل: معناه ما لنا فيهن من حاجة وشهوة. { وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } ، من إتيان الرجال.\r[80] { قَالَ } ، لهم لوط عند ذلك { لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً } ، أراد قوة البدن والقوة بالأتباع، { أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ } ، أي: أنضم إلى عشيرة مانعة، وجواب \"لو\" مضمر أي: لقتلناكم وحلنا بينكم وبينهم، قال أبو هريرة : ما بعث الله بعده نبيا إلا في منعة من عشيرته، قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار، فلما رأت الملائكة ما يلقى لوط بسببهم.","part":4,"page":85},{"id":1586,"text":"[81] { قَالُوا يا لُوطُ } ، إن ركنك لشديد، { إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ } ، فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ربه عز وجل في عقوبتهم، فأذن له، فقام، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم، وأعمى أبصارهم، فصاروا لا يعرفون الطريق، ولا يهتدون إلى بيوتهم فانصرفوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض سحرونا، وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى تصبح فسترى ما تلقى منا غدًا؛ يوعدونه، فقالت الملائكة: لا تخف إنا أرسلنا لإهلاكهم، فقال لوط للملائكة: متى موعد إهلاكهم؟ فقالوا: الصبح، قال: أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن، فقالوا: { أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } ، ثم قالوا، { فَأَسْرِ } ، يا لوط، { بِأَهْلِكَ } ، قرأ أهل الحجاز (فاسر) و (أن اسر) بوصل الألف حيث وقع في القرآن من سرى يسري، وقرأ الباقون بقطع الألف من أسرى يسري، ومعناهما واحد وهو المسير بالليل. { بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ } ، قال ابن عباس : بطائفة من الليل، وقال الضحاك : ببقية، وقال قتادة : بعد مضي أوله، وقيل: إنه السحر الأول. { وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ }","part":4,"page":86},{"id":1587,"text":"قرأ ابن كثير وأبو عمرو (امرأتك)، برفع التاء على الاستثناء من الالتفات، أي: لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت فتهلك، وكان لوط قد أخرجها معه، ونهى من معه ممن أسرى بهم أن يلتفت سوى زوجته، فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت، وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها، وقرأ الآخرون بنصب التاء على الاستثناء من الإسراء أي: فأسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها، وخلفها مع قومها، فإن هواها إليهم، وتصديقه قراءة ابن مسعود فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ولا يلتفت منكم أحد ، { إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ } ، من العذاب، { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ } ، أي: موعد هلاكهم وقت الصبح، فقال لوط : أريد أسرع من ذلك، فقالوا: { أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } .","part":4,"page":87},{"id":1588,"text":"[82] قوله: { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا } ، عذابنا، { جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا } ، أي على شذاذها ومسافريها. وقيل: بعدما قلبها أمطر عليها، { حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير (سنك وكل) (1) .\rفارسي معرب، وقال قتادة وعكرمة : السجيل: الطين، دليله قوله عز وجل: { لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ } ، قال مجاهد : أولها حجر وآخرها طين، وقال الحسن : كان أصل الحجارة طينا فشددت، وقال الضحاك : يعني الآجر، وقيل: السجيل اسم السماء الدنيا، وقيل: هو جبال في السماء، قال الله تعالى: { وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ } . قوله تعالى: { مَنْضُودٍ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: متتابع يتبع بعضها بعضا مفعول من النضد، وهو وضع الشيء بعضه فوق بعض.\r_________\r(1) هكذا في الأصل وفي طبعة 1343 هـ وطبعة 1459 هـ ومعناه: حجارة وطين، انظر الطبري 30 / 229.","part":4,"page":88},{"id":1589,"text":"[83] { مُسَوَّمَةً } ، من نعت الحجارة وهي نصب على الحال، ومعناها معلمة: قال ابن جريج : عليها سيما لا تشاكل كل حجارة الأرض، وقال قتادة وعكرمة : عليها خطوط حمر على هيئة الجزع، وقال الحسن والسدي : كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم، وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمى به. { عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ } ، يعني: تلك الحجارة، { مِنَ الظَّالِمِينَ } ، أي: من مشركي مكة، { بِبَعِيدٍ } ، وقال قتادة وعكرمة : يعني ظالمي هذه الأمة والله ما أجار الله منهما ظالما بعد، وفي بعض الآثار: \"ما من ظالم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة\".\r[84] قوله عز وجل: { وَإِلَى مَدْيَنَ } ، أي: وأرسلنا إلى ولد مدين، { أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ } ، أي لا تبخسوا، وهم كانوا يطففون مع شركهم، { إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } ، قال ابن عباس : موسرين في نعمة، وقال مجاهد : في خصب وسعة، فحذرهم زوال النعمة وغلاء السعر وحلول النقمة، إن لم يتوبوا. { وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ } ، يحيط بكم فيهلككم.","part":4,"page":89},{"id":1590,"text":"[85] { وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ } ، أتموهما، { بِالْقِسْطِ } ، بالعدل، وقيل: بتقويم لسان الميزان، { وَلَا تَبْخَسُوا } ، لا تنقصوا؛ { النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } .\r[86] { بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير مما تأخذونه بالتطفيف، وقال مجاهد : بقيت الله أي: طاعة الله خير لكم إن كنتم مؤمنين أن ما عندكم من رزق الله وعطائه. { وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } ، بوكيل، وقيل: إنما قال ذلك؛ لأنه لم يؤمر بقتالهم.\r[87] { قَالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } ، من الأوثان، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان شعيب عليه السلام كثير الصلاة، لذلك قالوا هذا، وقال الأعمش : يعني أقراءتك.","part":4,"page":90},{"id":1591,"text":"{ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ } ، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء من الزيادة والنقصان. { إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرادوا السفيه الغاوي، والعرب تصف الشيء بضده فتقول: للديغ سليم وللفلاة مفازة، وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء، وقيل: معناه الحليم الرشيد بزعمك، وقيل: هو على الصحة أي: إنك يا شعيب فينا حليم رشيد لا يجمل بك شق عصا قومك ومخالفة دينهم، وهذا كما قال قوم صالح عليه السلام: { قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا } .","part":4,"page":91},{"id":1592,"text":"[88] { قَالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ } ، بصيرة وبيان، { مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } ، حلالًا، وقيل: كثيرًا، وكان شعيب عليه السلام كثير المال، وقيل: الرزق الحسن: العلم والمعرفة. { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } ، أي: ما أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أرتكبه. { إِنْ أُرِيدُ } ، ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ } ، والتوفيق: تسهيل سبيل الخير والطاعة. { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } ، اعتمدت، { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } ، أرجع في ما ينزل بي من النوائب.","part":4,"page":92},{"id":1593,"text":"[89] { وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ } ، لا يحملنكم، { شِقَاقِي } ، خلافي { أَنْ يُصِيبَكُمْ } ، أي: على فعل ما أنهاكم عنه، { مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ } ، من الغرق، { أَوْ قَوْمَ هُودٍ } ، من الريح، { أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ } ، من الصيحة، { وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ } ، وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط، وقيل: معناه وما دار قوم لوط منكم ببعيد، وذلك أنهم كانوا جيران قوم لوط .\r[90] { وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ } ، والودود له معنيان، أحدهما: أنه محب للمؤمنين، وقيل: هو بمعنى الودود أي محبوب للمؤمنين، وجاء في الخبر: إن شعيبا عليه السلام كان خطيب الأنبياء عليهم السلام.\r[91] { قَالُوا يا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ } ما نفهم، { كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ } ، عشيرتك وكان في منعة من قومه، { لَرَجَمْنَاكَ } ، لقتلناك، والرجم: أقبح القتل. { وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا } ، عندنا، { بِعَزِيزٍ } .","part":4,"page":93},{"id":1594,"text":"[92] { قَالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ } أم كان رهطي أهيب عندكم من الله، أي: إن تركتم قتلي لمكان رهطي فالأولى أن تحفظوني في الله. { وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا } ، أي: نبذتم أمر الله وراء ظهوركم وتركتموه، { إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } .\r[93] { وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } ، أي: على تؤدتكم وتمكنكم، يقال: فلان يعمل على مكانته إذا عمل على تؤدة وتمكن. { إِنِّي عَامِلٌ } ، على تمكني، { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ، أينا الجاني على نفسه والمخطئ في فعله، فذلك قوله: { مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } ، قيل: (من) في محل النصب، أي: فسوف تعلمون الكاذب، وقيل: محله رفع، تقديره: ومن هو كاذب يعلم كذبه ويذوق وبال أمره، { وَارْتَقِبُوا } ، وانتظروا العذاب { إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ } ، منتظر.","part":4,"page":94},{"id":1595,"text":"[94] { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } ، قيل: إن جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة فخرجت أرواحهم، وقيل: أتتهم صيحة من السماء فأهلكتهم. { فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } ، ميتين.\r[95] { كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا } ، أي: كأن لم يقيموا ولم يكونوا { فِيهَا أَلَا بُعْدًا } ، هلاكا، { لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ } ، هلكت { ثَمُودُ } .\r[96] قوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ، حجة بينة.\r[97] { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } ، بسديد.\r[98] { يَقْدُمُ قَوْمَهُ } ، يتقدمهم { يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ } ، فأدخلهم { النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ } ، آي: بئس المدخل، والمدخول فيه.","part":4,"page":95},{"id":1596,"text":"[99] { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ } ، أي: في هذه الدنيا، { لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ } ، أي: العون المعان، وقيل: العطاء المعطى، وذلك أنهم ترادفت عليهم اللعنتان، لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة.","part":4,"page":96},{"id":1597,"text":"[100] { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ } ، عامر، { وَحَصِيدٌ } خراب، وقيل: منها قائم بقيت الحيطان وسقطت السقوف، وحصيد انمحى أثره، وقال مقاتل : قائم يرى له أثر، وحصيد لا يرى له أثر، وحصيد بمعنى محصود.\r[101] { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ } ، بالعذاب والهلاك، { وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } ، بالكفر والمعصية. { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ } ، عذاب ربك، { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } ، أي: غير تخسير، وقيل: تدمير.\r[102] { وَكَذَلِكَ } ، وهكذا، { أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: « إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\"، قال: ثم قرأ { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ }» الآية (1) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 354 ومسلم في البر والصلة رقم (2583) 4 / 1997 والمصنف في شرح السنة 14 / 358.","part":4,"page":97},{"id":1598,"text":"[103] قوله عز وجل: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً } ، لعبرة، { لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ } يعني: يوم القيامة، { وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ } ، أي: يشهده أهل السماء والأرض.\r[104] { وَمَا نُؤَخِّرُهُ } ، أي: وما نؤخر ذلك اليوم، فلا نقيم عليكم القيامة، وقرأ يعقوب، وما يؤخره بالياء، { إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ } ، معلوم عند الله.\r[105] { يَوْمَ يَأْتِ } ، بإثبات الياء وحذفها، { لَا تَكَلَّمُ } ، أي: لا تتكلم { نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } ، أي: فمنهم من سبقت له الشقاوة، ومنهم من سبقت له السعادة.\r[106] قوله: { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الزفير: الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف، وقال الضحاك ومقاتل : الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق: آخره إذا ردده في جوفه، وقال أبو العالية : الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر.","part":4,"page":98},{"id":1599,"text":"[107] { خَالِدِينَ فِيهَا } ، لابثين مقيمين فيها، { مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ } ، قال الضحاك : ما دامت سموات الجنة والنار وأرضها، وكل ما علاك وأظلك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض، وقال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأبيد على عادة العرب، يقولون: لا آتيك ما دامت السموات والأرض، ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار، يعنون أبدا قوله: { إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ } ، اختلفوا في هذين الاستثنائين، فقال بعضهم: الاستثناء في أهل الشقاء يرجع إلى قوم من المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها، ثم يخرجهم منها فيكون ذلك استثناء من غير الجنس؛ لأن الذين أخرجوا من النار سعداء، استثناهم الله من جملة الأشقياء، وأما الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبثهم في النار قبل دخول الجنة، وقيل: إلا ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث، قبل مصيرهم إلى الجنة أو النار يعني هم خالدون في الجنة أو النار إلا هذا المقدار، وقيل: معنى إلا ما شاء ربك: سوى ما شاء ربك، معناه: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء الله من الزيادة على قدر مدة بقاء","part":4,"page":99},{"id":1600,"text":"السموات والأرض، وذلك هو الخلود فيها، كما تقول: لفلان علي ألف إلا الألفين، أي: سوى الألفين اللتين تقدمتا، وقيل: إلا بمعنى الواو، أي. وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار، وهؤلاء في الجنة، كقوله: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا، أي: ولا الذين ظلموا، وقيل: معناه ولو شاء ربك لأخرجهم منها، ولكنه لا يشاء؛ لأنه حكم لهم بالخلود، وقال الفراء : هذا استثناء استثناه الله ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه. { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } .","part":4,"page":100},{"id":1601,"text":"[108] { وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص (سعدوا) بضم السين وكسر العين، أي: رزقوا السعادة، وسعدوا: أسعد بمعنى واحد، وقرأ الآخرون بفتح السين قياسا على { شَقُوا } . { فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ } ، قال الضحاك : إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة، قال قتادة : الله أعلم بثنياه. { عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } ، أي: غير مقطوع، قال ابن زيد : أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: { عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } ، لم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.","part":4,"page":101},{"id":1602,"text":"[109] { فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ } ، في شك، { مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ } ؛ أنهم ضلال، { مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ } ، فيه إضمار، أي: كما كان يعبد، { آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ } هو حظهم من الجزاء. { غَيْرَ مَنْقُوصٍ } .\r[110] { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } ، التوراة، { فَاخْتُلِفَ فِيهِ } ، فمن مصدق به ومكذب كما فعل قومك بالقرآن، يعزي نبيه صلي الله عليه وسلم { وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } في تأخير العذاب عنهم، { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } ، أي: لعذبوا في الحال وفرغ من عذابهم وإهلاكهم، { وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } ، موقع في الريبة والتهمة.","part":4,"page":102},{"id":1603,"text":"[111] { وَإِنَّ كُلًّا } ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر : (وإن كلا)، ساكنة النون على تخفيف إن الثقيلة، والباقون بتشديدها، { لَمَّا } شددها هنا وفي يس والطارق، ابن عامر وعاصم وحمزة، وافق أبو جعفر ههنا، وفي الطارق وفي الزخرف، بالتشديد عاصم وحمزة، والباقون بالتخفيف، فمن شدد قال: الأصل فيه (وإن كلا) لمن ما، فوصلت من الجارة بما، فانقلبت النون ميما للإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت إحداهن، فبقيت لما بالتشديد، و (ما) ههنا بمعنى من هو اسم لجماعة من الناس كما قال تعالى: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ } ، أي: من طاب لكم، والمعنى: وإن كلا لمن جماعة ليوفينهم، ومن قرأ بالتخفيف قال: (ما) صلة زيدت بين اللامين ليفصل بينهما كراهة اجتماعهما، والمعنى: وإن كلا ليوفينهم، وقيل (ما) بمعنى من، تقدير: لمن ليوفينهم، واللام في (لما) لام التأكيد التي تدخل على خبر إن، وفي ليوفينهم لام القسم، والقسم مضمر تقديره والله، { لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } ، أي: جزاء أعمالهم، { إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .","part":4,"page":103},{"id":1604,"text":"[112] قوله عز وجل: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } ، أي: استقم على دين ربك والعمل به والدعاء إليه كما أمرت، { وَمَنْ تَابَ مَعَكَ } ، أي: من آمن معك فليستقيموا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب، وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: « قلت، يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: \"قل: آمنت بالله ثم استقم » (1) . { وَلَا تَطْغَوْا } لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني، وقيل: معناه: ولا تغلوا فتزيدوا على ما أمرت ونهيت. { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما نزلت على رسول الله صلي الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قال: « شيبتني هود وأخواتها » (2) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: « إن الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة » (3) .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان رقم (38) 1 / 65 والمصنف في شرح السنة 1 / 31.\r(2) قال في كشف الخفاء ج 2 / 20 رواه ابن مردويه في تفسيره.\r(3) (3) الدلجة: هو السير بالليل، والحديث أخرجه البخاري في الايمان 1 / 93 والمصنف في شرح السنة 4 / 49، 50.","part":4,"page":104},{"id":1605,"text":"[113] قوله عز وجل: { وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولا تميلوا، والركون: هو المحبة والميل بالقلب، وقال أبو العالية : لا ترضوا بأعمالهم، قال السدي : لا تداهنوا الظلمة، وعن عكرمة : لا تطيعوهم، وقيل: لا تسكنوا إلى الذين ظلموا. { فَتَمَسَّكُمُ } ، فتصيبكم، { النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ } ، أي: أعوان يمنعونكم من عذابه، { ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } .","part":4,"page":105},{"id":1606,"text":"[114] قوله عز وجل: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ } ، أي: الغداة والعشي، قال مجاهد : طرفا النهار صلاة الصبح والظهر والعصر. { وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ } ، صلاة المغرب والعشاء، وقال مقاتل : صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف، وزلفا من الليل يعني صلاة العشاء، وقال الحسن : طرفا النهار الصبح والعصر، وزلفا من الليل المغرب والعشاء، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: طرفا النهار الغداة والعشي، يعني صلاة الصبح والمغرب، قوله: { وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ } ، أي ساعته، واحدتها: زلفة وقرأ أبو جعفر زلفا بضم اللام. { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } ، يعني إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات، عن ابن مسعود رضي الله عنه « أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلي الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله تعالى { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }» قال أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يقول: « الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر » (1) . { ذَلِكَ } ، أي:\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الطهارة رقم (233) 1 / 209 والمصنف في شرح السنة 2 / 177.","part":4,"page":106},{"id":1607,"text":"ذلك الذي ذكرنا، وقيل: هو إشارة إلى القرآن، { ذِكْرَى } ، عظة { لِلذَّاكِرِينَ } ، أي لمن ذكره.\r[115] { وَاصْبِرْ } يا محمد على ما تلقى من الأذى، وقيل: على الصلاة، نظيره { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } . { فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ، في أعمالهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني: المصلين.","part":4,"page":107},{"id":1608,"text":"[116] قوله عز وجل: { فَلَوْلَا } فهلا، { كَانَ مِنَ الْقُرُونِ } ، التي أهلكناهم، { مِنْ قَبْلِكُمْ } ، الآية للتوبيخ { أُولُو بَقِيَّةٍ } ، أي أولوا تمييز، وقيل أولوا طاعة، وقيل أولوا خير، يقال: فلان ذو بقية إذا كان فيه خير، معناه فهلا كان من القرون من قبلكم من فيه خير ينهي عن الفساد في الأرض؟ وقيل: معناه أولوا بقية من خير، يقال: فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة. { يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ } ، أي يقومون بالنهي عن الفساد، ومعناه جحدا، أي: لم يكن فيهم أولوا بقية. { إِلَّا قَلِيلًا } ، هذا استثناء منقطع معناه: لكن قليلا، { مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ } ، وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. { وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا } ، نعموا، { فِيهِ } والمترف: المنعم، وقال مقاتل بن حيان: خولوا، وقال الفراء : عودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا أي: واتبع الذين ظلموا ما عودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا على الآخرة. { وَكَانُوا مُجْرِمِينَ } ، كافرين.","part":4,"page":108},{"id":1609,"text":"[117] { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ } ، أي: لا يهلكهم بشركهم، { وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } ، فيما بينهم يتعاطون الإنصاف ولا يظلم بعضهم بعضا، وإنما يهلكهم إذا تظالموا، وقيل: لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون في أعمالهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات.","part":4,"page":109},{"id":1610,"text":"[118] قوله عز وجل: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ } ، كلهم. { أُمَّةً وَاحِدَةً } ، على دين واحد. { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } على أديان شتى من بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك.\r[119] { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } ، معناه: لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق، فهم لا يختلفون، { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } ، قال الحسن وعطاء : وللاختلاف خلقهم، وقال أشهب : سألت مالكا عن هذه الآية، فقال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير، وقال أبو عبيدة : الذي أختاره فقول من قال: خلق فريقا لرحمته وفريقا لعذابه، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك : وللرحمة خلقهم، يعني الذين رحمهم، وقال الفراء : خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف، ومحصول الآية أن أهل الباطل مختلفون وأهل الحق متفقون فخلق الله أهل الحق للاتفاق، وأهل الباطل للاختلاف. { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ } ، وتم حكم ربك، { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .","part":4,"page":110},{"id":1611,"text":"[120] { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } ، معناه: وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل، أي: من أخبارهم وأخبار أممهم نقصها عليك لنثبت به فؤادك، لنزيدك يقينا ونقوي قلبك، وذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم إذا سمعها كان في ذلك تقوية لقلبه على الصبر لأذى قومه. { وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ } ، قال الحسن وقتادة : في هذه الدنيا، وقال غيرهما: في هذه السورة، وهذا قول الأكثرين، خص هذه السورة تشريفا، وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور. { وَمَوْعِظَةٌ } ، أي: وجاءتك موعظة، { وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } .\r[121] { وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } ، أمر تهديد ووعيد، { إِنَّا عَامِلُونَ } .\r[122] { وَانْتَظِرُوا } ، ما يحل بنا من رحمة الله، { إِنَّا مُنْتَظِرُونَ } ، ما يحل بكم من نقمة الله.","part":4,"page":111},{"id":1612,"text":"[123] { وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، أي: ما غاب عن العباد فيهما، { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ } ، في المعاد، قرأ نافع وحفص يرجع بضم الياء وفتح الجيم: أي: يرد. وقرأ الآخرون بفتح الياء وكسر الجيم، أي يعود الأمر كله إليه حتى لا يكون للخلق أمر. { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } ، وثق به، { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } ، قرأ أهل المدينة والشام وحفص ويعقوب : (تعملون) بالتاء ههنا وفي آخر سورة النمل، وقرأ الآخرون بالياء فيهما، قال كعب : خاتمة التوراة خاتمة سورة هود.","part":4,"page":112},{"id":1613,"text":"(12) سورة يُوسُفُ\rسورة يوسف عليه السلام مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية.\r[1] { الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } ، أي: البين حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه، قال قتادة : مبين والله بركته وهداه ورشده، فهذا من بان أي: ظهر.\rوقال الزجاج : مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام، فهذا من أبان بمعنى أظهر.\r[2] { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ } ، يعني الكتاب، { قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ، أي: أنزلناه بلغتكم لكي تعلموا معانيه وتفهموا ما فيه.","part":4,"page":113},{"id":1614,"text":"[3] { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } ، أي نقرأ، { أَحْسَنَ الْقَصَصِ } ، والقاص هو الذي يتبع الآثار، ويأتي بالخبر على وجهه، معناه: نبين لك أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان، وقيل: المراد منه قصة يوسف عليه السلام خاصة، سماها أحسن القصص لما فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا، من سير الملوك والمماليك والعلماء ومكر النساء والصبر على أذى الأعداء، وحسن التجاوز عنهم بعد الالتقاء وغير ذلك من الفوائد. { بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } (ما) المصدر، أي: بإيحائنا إليك، { هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ } ، وقد كنت، { مِنْ قَبْلِهِ } ، أي: من قبل وحينا، { لَمِنَ الْغَافِلِينَ } ، لمن الساهين عن هذه القصة لا تعلمها.","part":4,"page":114},{"id":1615,"text":"[4] قوله عز وجل: { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ } ، أي: اذكر إذا قال يوسف لأبيه، ويوسف : اسم عبري، ولذلك لا يجري عليه الصرف، وقيل هو عربي، سئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف؟ فقال: الأسف في اللغة: الحزن، والأسيف: العبد، واجتمعا في يوسف عليه السلام فسمي به. { يا أَبَتِ } ، قرأ أبو جعفر وابن عامر (يا أبت)، بفتح التاء في جميع القرآن على تقدير: يا أبتاه، والوجه أن أصله يا أبتا بالألف، وهي بدل عن يا ء الإضافة، فحذفت الألف كما تحذف التاء فبقيت الفتحة تدل على الألف كما تبقى الكسرة تدل على الياء عند حذف الياء، وقرأ الآخرون (يا أبت) بكسر التاء في كل القرآن، والوجه أن أصله (1) : يا أبتي، فحذفت الياء تخفيفا واكتفاء بالكسرة؛ لأن باب النداء حذف يدل على ذلك قوله: { يا عِبَادِ فَاتَّقُونِ } ، { إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } ، أي: نجما من نجوم السماء ونصب الكواكب على التفسير، { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } ، ولم يقل رأيتها إلي ساجدات، والهاء والميم والياء والنون من كنايات من يعقل؛ لأنه لما أخبر عنها بفعل من يعقل عبر عنها بكناية من يعقل كقوله تعالى: { يا أَيُّهَا النَّمْلُ\r_________\r(1) في ط دار طيبة: (لأن أصله: يا أبت، والجزم يحرك إلى كسر)","part":4,"page":115},{"id":1616,"text":"ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ } وكان النجوم في التأويل أخواته، كانوا أحد عشر رجلا يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم، والشمس أبوه والقمر أمه، وكان يوسف عليه السلام ابن اثنتي عشرة سنة حين رأى هذه الرؤيا، وقيل: رآها ليلة الجمعة ليلة القدر فلما قصها على أبيه:","part":4,"page":116},{"id":1617,"text":"[5] { قَالَ يا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ } ، وذلك أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي فعلم يعقوب أن إخوته إذا سمعوها حسدوه فأمره بالكتمان، { فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا } ، فيحتالوا في إهلاكك؛ لأنهم لا يعلمون تأويلها فيحسدونك واللام في قوله { لَكَ } صلة، كقوله تعالى: { لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } ، وقيل: هو مثل قولهم نصحتك ونصحت لك وشكرتك وشكرت لك. { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ، أي: يزين لهم الشيطان ويحملهم على الكيد لعداوته القديمة.","part":4,"page":117},{"id":1618,"text":"[6] قوله عز وجل: { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } ، يصطفيك بقوله يعقوب ليوسف عليهما السلام، أي: كما رفع منزلتك بهذه الرؤيا، فكذلك يصطفيك ربك، { وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } ، يريد تعبير الرؤيا، سمي تأويلا؛ لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه، والتأويل ما يؤول إليه عاقبة الأمر، { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } ، يعني: بالنبوة، { وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ } ، أي: على أولاده، فإن أولاده كلهم كانوا أنبياء، { كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ } ، فجعلهما نبيين، { إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، وقيل: المراد من إتمام النعمة على إبراهيم الخلة، وقيل: إنجاؤه من الذبح، وقيل: بإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها بمصير أبويه وإخوته إليه أربعون سنة، وهو قول أكثر أهل التفسير، وقال الحسن البصري : كان بينهما ثمانون سنة، فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا: ما رضي أن تسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه فبغوه وحسدوه.","part":4,"page":118},{"id":1619,"text":"[7] يقول الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ } ، أي: في خبره وخبر إخوته { آيَاتٌ } ، قرأ ابن كثير (آية) على التوحيد أي عظة وعبرة، وقيل: عجب، وقرأ الآخرون: (آيات) على الجمع. { لِلسَّائِلِينَ } ، وذلك أن اليهود سألوا رسول الله صلي الله عليه وسلم عن قصة يوسف عليه السلام، وقيل: سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من كنعان إلى مصر، فذكر لهم قصة يوسف جميعها، فوجدوها موافقة لما في التوراة فتعجبوا منها، فهذا معنى قوله: { آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ } ، أي: دلالة على نبوة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وقيل: آيات للسائلين ولمن لم يسأل، كقوله: { سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ }\r[فصلت: 10]، وقيل: معناه عبرة للمعتبرين، فإنها تشتمل على حسد إخوة يوسف وما آل إليه أمرهم في الحسد وتشتمل على رؤياه، وما حقق الله منها، وتشتمل على صبر يوسف عليه السلام عن قضاء الشهوة وعلى الرق وعلى اللبث في السجن، وما آل إليه أمره من الملك، وتشتمل على حزن يعقوب وصبره على فراق يوسف، وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد، وغير ذلك من الآيات.","part":4,"page":119},{"id":1620,"text":"[8] { إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ } ، اللام فيه جواب القسم تقديره: والله ليوسف، { وَأَخُوهُ } ، بنيامين، { أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا } ، كان يوسف وأخوه بنيامين من أم واحدة، وكان يعقوب عليه السلام شديد الحب ليوسف عليه السلام، وكان إخوته يرون منه من الميل إليه ما لا يرونه مع أنفسهم فقالوا هذه المقالة، { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } ، أي: جماعة وكانوا عشرة، وقال الفراء : العصبة هي العشرة فما زاد، وقيل: العصبة ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقال مجاهد : ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين، وقيل: جماعة يتعصب بعضها لبعض لا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط. { إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، أي خطأ بين أمر إيثاره يوسف وأخاه علينا، وليس المراد من هذا الضلال، الضلال عن الدين ولو أرادوه لكفروا به، بل المراد منه الخطأ في تدبير أمر الدنيا يقولون نحن أنفع في أمر الدنيا وإصلاح أمر معاشه ورعي مواشيه من يوسف، فنحن أولى بالمحبة منه فهو مخطئ في صرف محبته إليه.","part":4,"page":120},{"id":1621,"text":"[9] { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا } ، أي: إلى أرض تبعد عن أبيه، وقيل: في أرض تأكله السباع، { يَخْلُ لَكُمْ } ، يخلص لكم، ويصف لكم { وَجْهُ أَبِيكُمْ } ، عن شغله بيوسف، { وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ } ، من بعد قتل يوسف، { قَوْمًا صَالِحِينَ } ، تائبين أي: توبوا بعدما فعلتم هذا يعف الله عنكم، وقال مقاتل : صالحين يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم.\r[10] { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ } نهاهم عن قتله وقال: القتل كبيرة عظيمة. { وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ }","part":4,"page":121},{"id":1622,"text":"أي: في أسفل الجب وظلمته، والغيابة: كل موضع ستر عنك الشيء وغيبه، والجب: البئر غير المطوية؛ لأنه جب، أي: قطع ولم يطو { يَلْتَقِطْهُ } ، يأخذه، والالتقاط أخذ الشيء من حيث لا يحتسبه الإنسان، { بَعْضُ السَّيَّارَةِ } ، أي: بعض المسافرين فيذهب به إلى ناحية أخرى فتستريحوا منه، { إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } ، أي: إن عزمتم على فعلكم، قال محمد بن إسحاق : اشتمل فعلهم على جرائم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة وترك العهد والكذب مع أبيهم، وعفا الله عنهم ذلك كله حتى لا ييأس أحد من رحمة الله، وقال بعض أهل العلم: إنهما عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة لهم، ولو فعلوا لهلكوا أجمعون، وكل ذلك كان قبل أن أنبأهم الله تعالى، وسئل أبو عمرو بن العلاء : كيف قالوا (نلعب) وهم أنبياء؟ قال: كان ذلك قبل أن نبأهم الله تعالى، فلما أجمعوا على التفريق بينه وبين والده بضروب من الحيل:","part":4,"page":122},{"id":1623,"text":"[11] { قَالُوا } ، ليعقوب، { يا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ } ، قال جعفر : (تأمنا) بإشمام، وهو رواية عن نافع؟ وقرأ الباقون: (تأمنا) بإشمام الضمة في النون الأولى المدغمة، وهو إشارة إلى الضمة غير إمحاض؛ ليعلم أن أصله لا تأمننا بنونين على تفعلنا، فأدغمت النون الأولى في الثانية، بدؤوا بالإنكار عليه في ترك إرساله معهم، كأنهم قالوا: إنك لا ترسله معنا أتخافنا عليه؟ { وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } قال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم قالوا لأبيهم: { أَرْسِلْهُ مَعَنَا } فقال أبوهم: إني ليحزنني أن تذهبوا به، فحينئذ قالوا: { يا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } ، النصح ههنا هو القيام بالمصلحة، وقيل: البر والعطف، إنا عاطفون عليه قائمون بمصلحته نحفظه حتى نرده إليك.","part":4,"page":123},{"id":1624,"text":"[12] { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا } ، إلى الصحراء، { يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } ، قرأ أبو عمرو وابن عامر بالنون فيهما وجزم العين في (نرتع)، وقرأ يعقوب: (نرتع) بالنون، (ويلعب) بالياء، وقرأ أهل الكوفة بالياء فيهما وجزم العين في (يرتع) يعني يوسف، وقرأ الآخرون (نرتع) بالنون (ويلعب) بالياء، والرتع هو الاتساع في الملاذ؛ يقال: رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته، يريد ونتنعم ونأكل ونشرب ونلهو وننشط، وقرأ أهل الحجاز: (يرتع) بكسر العين، وهو يفتعل من الرعي، ثم ابن كثير قرأ بالنون فيهما أي: نتحارس ويحفظ بعضنا بعضا، وقرأ أبو جعفر ونافع بالياء إخبارا عن يوسف، أي: يرعى الماشية كما نرعى نحن. { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .","part":4,"page":124},{"id":1625,"text":"[13] { قَالَ } لهم يعقوب، { إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ } ، أي. يحزنني ذهابكم به، والحزن ههنا: ألم القلب بفراق المحبوب، { وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } ، وذلك أن يعقوب كان رأى في المنام أن ذئبا شد على يوسف، فكان يخاف من ذلك، فمن ثم قال: أخاف أن يأكله الذئب، قرأ ابن كثير إسماعيل وقالون عن نافع وعاصم وابن عامر : (الذئب) بالهمزة، وكذلك أبو عمرو إذا لم يدرج، وحمزة إذا لم يقف، وقرأ الكسائي وورش عن نافع، وأبو عمرو وفي الدرج، وحمزة في الوقف، (الذيب) بترك الهمزة في الهمز، أنه هو الأصل؛ لأنه من قولهم: تذابت الريح إذا جاءت من كل وجه، ويجمع الذئب أذؤبا وذئابا بالهمزة، والوجه في ترك الهمز أن الهمزة خففت فقلبت يا ء لسكونها وانكسار ما قبلها.\r[14] { قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } ، عشرة، { إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ } ، عجزة ضعفاء.\r[15] { فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا } ، أي: عزموا، { أَنْ يَجْعَلُوهُ } ، يلقوه، { فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ }","part":4,"page":125},{"id":1626,"text":"هذه الواو زائدة تقديره: أوحينا إليه، كقوله تعالى: { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ }{ وَنَادَيْنَاهُ } أي: ناديناه، { لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } ، أي: أوحينا إلى يوسف عليه السلام: لتصدقن رؤياك ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا، وهم لا يشعرون، بوحي الله وإعلامه إياه ذلك، قال مجاهد، وقيل: معناه وهم لا يشعرون يوم تخبرهم أنك يوسف، وذلك حين دخلوا عليه فعرفهم وهم منكرون، والأكثرون على أن الله تعالى أوحى إليه بهذا، وبعث إليه جبريل عليه السلام يؤنسه، ويبشره بالخروج، ويخبره أنه ينبئهم بما فعلوه ويجازيهم عليه وهم لا يشعرون، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ثم إنهم ذبحوا أسخلة، وجعلوا دمها على قميص يوسف علية السلام.","part":4,"page":126},{"id":1627,"text":"[16] { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ } ، قال أهل المعاني: جاؤوا في ظلمة العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب، وروي أن يعقوب عليه السلام سمع صياحهم وعويلهم فخرج وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا قال: فما أصابكم وأين يوسف؟؟\r[17] { قَالُوا يا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } ، أي: نترامى وننتضل، قال السدي : نشتد على أقدامنا. { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا } ، أي: عند ثيابنا وأقمشتنا. { فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } بمصدق لنا { وَلَوْ كُنَّا } وإن كنا { صَادِقِينَ } ، فإن قيل: كيف قالوا ليعقوب أنت لا تصدق الصادق؟ قيل معناه إنك تتهمنا في هذا الأمر؛ لأنك خفتنا عليه في الابتداء، واتهمتنا في حقه، وقيل: معناه لا تصدقنا؛ لأنه لا دليل على صدقنا وإن كنا صادقين عند الله.","part":4,"page":127},{"id":1628,"text":"[18] { وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } ، أي: بدم كذب؛ لأنه لم يكن دم يوسف، وقيل: بدم مكذوب فيه ، فوضع المصدر موضع الاسم، وفي القصة: إنهم لطخوا القميص بالدم ولم يشقوه، فقال يعقوب عليه السلام: كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه فاتهمهم، { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ } زينت، { لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } ، معناه: فأمري صبر جميل، أو فعلي صبر جميل، وقيل: فصبر جميل أختاره، والصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا جرع. { وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } ، أي: أستعين بالله على الصبر، على ما تكذبون.","part":4,"page":128},{"id":1629,"text":"[19] { وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ } ، وهم القوم المسافرون سموا سيارة؛ لأنهم يسيرون في الأرض كانت رفقة من مدين تريد مصر، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريبا من الجب، وكان الجب في قفر بعيد من العمران للرعاة والمارة، وكان ماؤه مالحا فعذب حين ألقي يوسف عليه السلام فيه، فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر، لطلب الماء، فذلك قوله عز وجل. { فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ } والوارد: الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء { فَأَدْلَى دَلْوَهُ } ، أي: أرسلها في البئر، يقال: أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر، ودلوتها إذا أخرجتها، فتعلق يوسف بالحبل فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون { قَالَ يا بُشْرَى } ، قرأ الأكثرون هكذا بالألف وفتح الياء، والوجه: أن بشراي مضافة إلى يا ء المتكلم وهو منادى مضاف فموضعه نصب، وقرأ الكوفيون: (يا بشرى) بغير يا ء الإضافة على فعل، وأمال الراء حمزة والكسائي وفتحها عاصم وقيل: بشر المستقي أصحابه يقول. أبشروا، { هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ } ، أي أخفوه، { بِضَاعَةً } ، قال مجاهد : أسره مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معهم، وقالوا هذا بضاعة استبضعها بعض أهل الماء","part":4,"page":129},{"id":1630,"text":"إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه المشاركة، وقيل: أراد أن إخوة يوسف أسروا شأن يوسف، وقالوا هذا عبد لنا أبق منا، قال الله تعالى: { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } ، فأتى يهوذا يوسف بالطعام فلم يجده في البئر فأخبر بذلك إخوته فطلبوه فإذا هم بمالك وأصحابه نزول فأتوهم فإذا هم بيوسف، فقالوا هذا عبد أبق منا، ويقال: إنهم هددوا يوسف حتى لم يعرف حاله، وقال مثل قولهم، ثم باعوه، فذلك قوله عز وجل:","part":4,"page":130},{"id":1631,"text":"[20] { وَشَرَوْهُ } أي: باعوه، { بِثَمَنٍ بَخْسٍ } ، قال الضحاك ومقاتل والسدي : حرام؛ لأن ثمن الحر حرام، وسمي الحرام بخسا؛ لأنه مبخوس البركة، وعن ابن عباس وابن مسعود : بخس أي زيوف، وقال عكرمة والشعبي : بثمن قليل. { دَرَاهِمَ } ، بدل من الثمن، { مَعْدُودَةٍ } ، ذكر العدد عبارة عن قلتها، وقيل: إنما قال معدودة؛ لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما، إنما كانوا يعدونها عدا فإذا بلغت أوقية وزنوها، { وَكَانُوا } ، يعني: إخوة يوسف، { فِيهِ } ، أي: في يوسف { مِنَ الزَّاهِدِينَ } ، لأنهم لم يعلموا منزلته عند الله، وقيل: كانوا في الثمن من الزاهدين؛ لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن إنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه، ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف فذهبوا به حتى قدموا مصر، وعرضه مالك على البيع فاشتراه صاحب أمر الملك، وكان على خزائن مصر يسمى العزيز فذلك قوله تعالى:","part":4,"page":131},{"id":1632,"text":"[21] { وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ } ، واسمها راعيل، وقيل: زليخا { أَكْرِمِي مَثْوَاهُ } ، أي: منزله ومقامه، والمثوى: موضع الإقامة، وقيل: أكرميه في المطعم والملبس والمقام، وقال قتادة وابن جريج : منزلته. { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا } ، أي: نبيعه بالربح إن أردنا البيع أو يكفينا إذا بلغ بعض أمورنا، { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } ، أي: نتبناه. { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ } ، أي: في أرض مصر، أي. كما أنقذنا يوسف من القتل وأخرجناه من الجب، كذلك مكنا له في الأرض فجعلناه على خزائنها. { وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } أي: مكنا له في الأرض كي نعلمه من تأويل الأحاديث، وهي عبارة عن الرؤيا. { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ } يفعل ما يشاء لا يغلبه شيء ولا يرد عليه حكم راد، وقيل: هي راجعة إلى يوسف عليه السلام معناه: إن الله مسئول على أمر يوسف بالتدبير والإحاطة، لا يكله إلى أحد حتى يبلغه منتهى علمه فيه. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }","part":4,"page":132},{"id":1633,"text":"[22] { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } ، منتهى شبابه وشدته وقوته ومعرفته { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } ، فالحكم: النبوة، والعلم: الفقه في الدين، وقيل: حكما يعني إصابة في القول، وعلما بتأويل الرؤيا، وقيل: الفرق بين الحكيم والعالم: أن العالم هو الذي يعلم الأشياء والحكيم الذي يعمل بما يوجبه العلم. { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: المؤمنين، وعنه أيضا: المهتدين، وقال الضحاك : الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السلام.","part":4,"page":133},{"id":1634,"text":"[23] { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } ، يعني: امرأة العزيز، والمراودة: طلب الفعل، والمراد ههنا أنها دعته إلى نفسها ليواقعها، { وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ } ، أي: أطبقتها، وكانت سبعة، { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } ، أي: هلم وأقبل، قرأ أهل الكوفة والبصرة: (هيت لك) بفتح الهاء والتاء جميعا، وقرأ أهل المدينة والشام: (هيت) بكسر الهاء وفتح التاء، وقرأ ابن كثير : (هيت) بفتح الهاء، وضم التاء، والوجه أن في هذه الكلمة ثلاث لغات هيت وهيت وهيت، والكل بمعنى هلم، وقرأ السلمي وقتادة : (هيت لك) بكسر الهاء، وضم التاء مهموزا على مثال جئت، يعني تهيأت لك، وأنكره أبو عمرو والكسائي، وقالا: لم يحك هذا عن العرب، والأول هو المعروف عند العرب، قال ابن مسعود رضي الله عنه: أقرأني النبي صلي الله عليه وسلم: { هَيْتَ لَكَ } (1) ، قال أبو عبيدة كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران، وقعت إلى الحجاز معناها تعال، وقال عكرمة : هي أيضا بالحورانية هلم، وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية، وهي كلمة حث وإقبال على الشيء: قال أبو عبيدة : إن العرب لا تثني (هيت) ولا تجمع، وتؤنث، وإنها صورة واحدة في كل حال. { قَالَ }\r_________\r(1) أخره الحاكم في المستدرك 2 / 346 وصححه على شرط الشيخين.","part":4,"page":134},{"id":1635,"text":"يوسف لها عند ذلك، { مَعَاذَ اللَّهِ } ، أي: أعوذ بالله وأعتصم بالله مما دعوتني إليه، { إِنَّهُ رَبِّي } يريد أن زوجك قطفير سيدي { أَحْسَنَ مَثْوَايَ } ، أي: أكرم منزلي، هذا قول أكثر المفسرين، وقيل: الهاء راجعة إلى الله تعالى يريد أن الله تعالى ربي أحسن مثواي، أي: آواني، ومن بلاء الجب عافاني. { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } ، يعني: إن فعل هذا فخنته في أهله بعد ما أكرم مثواي فأنا ظالم، ولا يفلح الظالمون، وقيل: لا يفلح الظالمون أي لا يسعد الزناة.","part":4,"page":135},{"id":1636,"text":"[24] { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } ، والهم هو المقاربة من الفعل من غير دخول فيه، وزعم بعض المتأخرين: أن هذا لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام، وقال: تم الكلام عند قوله { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } ثم ابتدأ الخبر عن يوسف عليه السلام فقال: { وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } ، على التقديم والتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، ولكنه رأى البرهان فلم يهم،وأنكره النحاة، وقال: إن العرب لا تؤخر (لولا) عن الفعل، فلا تقول: لقد قمت لولا زيد، وهو يريد لولا زيد لقمت، وقيل: همت بيوسف أن يفترشها، وهم بها يوسف أي: تمنى أن تكون له زوجة، وهذا التأويل وأمثاله غير مرضية؛ لمخالفتها أقاويل القدماء من العلماء الذين أخذ عنهم الدين والعلم، وقال بعضهم: إن القدر الذي فعله يوسف عليه السلام كان من الصغائر، والصغائر تجوز على الأنبياء عليهم السلام، وقال بعض أهل الحقائق: الهم همان: هم ثابت، وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضى، مثل هم امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به، وهم عارض، وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم، مثل هم يوسف عليه السلام، والعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل. {","part":4,"page":136},{"id":1637,"text":"لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } ، اختلفوا في ذلك البرهان، قال قتادة وأكثر المفسرين: إنه رأى صورة يعقوب، وهو يقول له يا يوسف تعمل عمل السفهاء، وأنت مكتوب في الأنبياء، وقال السدي : نودي: يا يوسف تواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جوف السماء لا يطاق، ومثلك إن تواقعها مثله إذا مات ووقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع نفسه، وروى عطية عن ابن عباس : في البرهان أنه رأى مثال الملك، وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما: البرهان النبوة التي أودعها الله في صدره حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل، وعن علي بن الحسين قال: كان في البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب، فقال لها يوسف : لم فعلت هذا؟ فقالت: استحييت منه أن يراني على المعصية، فقال يوسف : أتستحين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه؟ فأنا أحق أن أستحي من ربى وهرب، قوله عز وجل: { لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } جواب لولا محذوف تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لواقع المعصية.","part":4,"page":137},{"id":1638,"text":"{ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ } ، فالسوء الإثم، وقيل: السوء القبيح، والفحشاء: الزنا. { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } ، قرأ أهل المدينة والكوفة: (المخلصين) بفتح اللام حيث كان إذا لم يكن بعده ذكر الدين، زاد الكوفيون (مخلصا) في سورة مريم عليها السلام ففتحوا، ومعنى ( المخلصين ) المختارين للنبوة، دليله: { إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ } ، وقرأ الآخرون بكسر اللام، أي: المخلصين لله الطاعة والعبادة.","part":4,"page":138},{"id":1639,"text":"[25] { وَاسْتَبَقَا الْبَابَ } ، وذلك أن يوسف لما رأى البرهان قام مبادرا إلى باب البيت هاربا، وتبعته المرأة لتمسك الباب حتى لا يخرج يوسف، فسبق يوسف وأدركته المرأة فتعلقت بقميصه خلفه فجذبته إليها حتى لا يخرج. { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ } أي: فشقته { مِنْ دُبُرٍ } ، أي: من خلف، فلما خرجا لقيا العزيز، وهو قوله: { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ } ، أي: وجدا زوج المرأة قطفير عند الباب جالسا مع ابن عم لراعيل فلما رأته هابته و { قَالَتْ } سابقة بالقول لزوجها { مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا } ، يعني: الزنا، ثم خافت عليه أن يقتله فقالت { إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ } ، أي: يحبس، { أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، أي: ضرب بالسياط، فلما سمع يوسف مقالتها.","part":4,"page":139},{"id":1640,"text":"[26] { قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي } ، يعني: طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت منها، وقيل: ما كان يريد يوسف أن يذكرها، فلما قالت المرأة ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ذكره، فقال: { هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي } . { وَشَهِدَ شَاهِدٌ } ، وحكم حاكم، { مِنْ أَهْلِهَا } ، اختلفوا في ذلك الشاهد، فقال سعيد بن جبير والضحاك : كان صبيا في المهد أنطقه الله عز وجل، وهو رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: « تكلم في المهد أربعة وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم عليه السلام، » وقيل: كان ذلك الصبي ابن خال (1) .\rالمرأة . وقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد : لم يكن صبيًّا ولكنه كان رجلًا حكيمًا ذا رأي . قال السدي : هو ابن عم راعيل فحكم فقال : { إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ } أي : من قدّام ، { فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } .\r[27], { وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ } .\r_________\r(1) رواه ابن جرير 16 / 55 والإمام أحمد في المسند 2 / 307 ولم يرفعه وابن حبان في صحيحه ص40 من موارد الظمآن، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة 2 / 497 وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه محمود شاكر في تعليقه على الطبري.","part":4,"page":140},{"id":1641,"text":"[28] { فَلَمَّا رَأَى } ، قطفير , { قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ } عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف عليه السلام ، { قَالَ } لها { إِنَّهُ } ، أي : إن هذا الصنيع ، { مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } ، وقيل : إن هذا من قول الشاهد ، ثم أقبل قطفير على يوسف فقال :","part":4,"page":141},{"id":1642,"text":"[29] { يُوسُفُ } ، أي : يا يوسف ، { أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } أي : عن هذا الحديث فلا تذكره لأحد حتى لا يشيع . وقيل : معناه لا تكترث به فقد بان عذرك وبراءتك ، ثم قال لامرأته ، { وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ } ، أي : توبي إلى الله ، { إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ } ، من المذنبين . وقيل : إن هذا من قول الشاهد ليوسف ولراعيل ، وأراد بقوله واستغفري لذنبك ، أي : سلي زوجك أن لا يعاقبك ويصفح عنك ، إنك كنت من الخاطئين ، من المذنبين حتى راودت شابًّا عن نفسه وخنت زوجك ، فلما استعصم كذبت عليه ، وإنما قال : من الخاطئين ولم يقل : من الخاطئات ؛ لأنه لم يقصد به الخبر عن النساء بل قصد به الخبر عمن يفعل ذلك ، تقديره : من القوم الخاطئين ، كقوله تعالى : { وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } بيانه قوله تعالى : { إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ } .","part":4,"page":142},{"id":1643,"text":"[30] قوله عز وجل : { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ } ، الآية ، يقول شاع أمر يوسف والمرأة في المدينة مدينة مصر . وقيل : مدينة عين الشمس ، وتحدثت النساء بذلك وقلن : { امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا } ، أي : عبدها الكنعاني ، { عَنْ نَفْسِهِ } ، أي : تطلب من عبدها الفاحشة ، { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } ، أي : علقها حبًّا . قال الكلبي : حجب حبُّه قلبها حتى لا تعقل سواه . وقيل : أحبته حتى دخلها حبه شغاف قلبها ، أي : داخل قلبها . قال السدي : الشغاف جلدة رقيقة على القلب ، يقول دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب . وقرأ الشعبي والأعرج : (شعفها) بالعين غير المعجمة ، معناه : ذهب الحب بها كل مذهب . ومنه شعف الجبال وهو رءوسها . { إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، أي : خطأ ظاهر . وقيل : إنها تركت ما يكون على أمثالها من العفاف والستر .","part":4,"page":143},{"id":1644,"text":"[31] { فَلَمَّا سَمِعَتْ } ، راعيل { بِمَكْرِهِنَّ } بقولهن وحديثهن ، قاله قتادة والسدي . وقال ابن إسحاق : إنما قلن ذلك مكرًا بها لتريهن يوسف ، وكان وصف لهن حسنه وجماله . وقيل : إنها أفشت إليهن ذلك ، فلذلك سماه مكرًا { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } ، قال وهب : اتخذت مأدبة ودعت أربعين امرأة منهن هؤلاء اللاتي عيّرنها . { وَأَعْتَدَتْ } ، أي أعدت { لَهُنَّ مُتَّكَأً } أي : ما يتكأ عليه . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد : متكأ أي : طعامًا سماه متكأ ؛ لأن أهل الطعام إذا جلسوا يتكئون على الوسائد ، فسمى الطعام متكأ على الاستعارة . يقال : اتكأنا عند فلان أي : طعمنا . ويقال : المتكأ : ما اتكأت عليه للشراب أو الحديث أو الطعام ، { وَآتَتْ } ، أعطت ، { كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا } ، فكن يأكلن اللحم حزًا بالسكين .","part":4,"page":144},{"id":1645,"text":"{ وَقَالَتِ } ، ليوسف ، { اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ } ، وذلك أنها كانت أجلسته في مكان آخر ؛ فخرج عليهن يوسف . قال عكرمة : كان فضل يوسف على سائر الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم . وروي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « رأيت ليلة أسري بي إلى السماء يوسف كالقمر ليلة البدر » (1) .\r{ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } ، أعظمنه ، قال أبو العالية : هالهن أمره وبهتن . وقيل : أكبرنه أي : حضن لأجله من جماله . ولا يصح . { وَقَطَّعْنَ } ، أي : حززن بالسكاكين التي معهن ، { أَيْدِيَهُنَّ } ، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج ، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهن بيوسف . قال مجاهد : فما أحسسن إلا بالدم . وقال قتادة : إنهن ابَنَّ أيديهن حتى ألقينها . والأصح كان قطعًا بلا إبانة, { وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا } أي : معاذ الله أن يكون هذا بشرًا ، { مَا هَذَا بَشَرًا } نصب بنزع حرف الصفة ، أي : ببشر ، { إِنْ هَذَا } أي : ما هذا ، { إِلَّا مَلَكٌ } ، من الملائكة ، { كَرِيمٌ } ، على الله .\r_________\r(1) قال ابن حجر في الشافي الكافي ص89 : رواه الثعلبي وأخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل وابن مردويه ، والمروي في صحيح مسلم في حديث الإسراء : «فإذا أنا بيوسف إذا هو أُعطي شطر الحسن » .","part":4,"page":145},{"id":1646,"text":"[32] { قَالَتْ } ، يعني راعيل ، { فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ } ، أي : في حبه ، ثم صرحت بما فعلت ، فقالت : { وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } ، أي : امتنع ، وإنما صرحت به لأنها علمت أن لا ملامة عليها منهن وقد أصابهن ما أصابها من رؤيته ، فقلن له : أطع مولاتك . فقالت راعيل : { وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ } ، ولئن لم يطاوعني فيما دعوته إليه ، { لَيُسْجَنَنَّ } أي : ليعاقبن بالحبس ، { وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ } ، من الأذلاء . ونون التوكيد تثقل وتخفف ، والوقف على قوله : { لَيُسْجَنَنَّ } بالنون لأنها مشددة ، وعلى قوله ( لِيَكُونَا ) بالألف لأنها مخففة ، وهي شبيهة نون الإعراب في الأسماء ، كقوله : رأيت رجلًا ، وإذا وقفت : رأيت رجلًا بالألف ، ومثله : { لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ } . فاختار يوسف عليه السلام السجن على المعصية حين توعدته المرأة .","part":4,"page":146},{"id":1647,"text":"[33] { قَالَ رَبِّ } ، أي : يا رب ، { السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } ، قيل : كان الدعاء منها خاصة ، ولكنه أضاف إليهن خروجًا من التصريح إلى التعريض . وقيل : إنهن جميعًا دعونه إلى أنفسهن . قرأ يعقوب وحده : بفتح السين . وقرأ الآخرون بكسرها . واتفقوا على كسر السين في قوله : { وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ } . وقيل : لو لم يقل السجن أحبُّ إليَّ لم يبتل بالسجن ، والأولى بالمرء أن يسأل الله العافية . قوله تعالى : { وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } ، أمل إليهن وأتابعهن ، يقال : صبا فلان إلى كذا يصبوا صبوًا وصبوا وصبوة إذا مال واشتاق إليه . { وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ } ، فيه دليل على أن المؤمن إذا ارتكب ذنبًا يرتكبه عن جهالة .\r[34] { فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } , السميع لدعائه العليم بمكرهن .","part":4,"page":147},{"id":1648,"text":"[35] { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ } ، يعني للعزيز وأصحابه في الرأي وذلك أنهم أرادوا أن يقتصروا من أمر يوسف على الأمر بالإعراض ، ثم بدا له بأن يحبسوه . { مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ } ، الدالة على براءة يوسف من قدِّ القميص وكلام الطفل وقطع النساء أيديهن وذهاب عقولهن . { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } إلى مدة يرون فيه رأيهم . وقال عطاء : إلى أن تنقطع مقالة الناس . قال عكرمة : سبع سنين . وقال الكلبي : خمس سنين . قال السدي : وذلك أن المرأة قالت لزوجها : إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يخبرهم أني راودته عن نفسه ، فإما أن تأذن لي أن أخرج فأعتذر إلى الناس ، وإما أن تحبسه ، فحبسه ، وذُكر أن الله تعالى جعل ذلك الحبس تطهيرًا ليوسف عليه السلام من همه بالمرأة .","part":4,"page":148},{"id":1649,"text":"[36] قوله تعالى : { وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ } وهما غلامان كانا للريان بن الوليد بن شروان العمليق ملك مصر الأكبر ، أحدهما خبازه وصاحب طعامه والآخر ساقيه وصاحب شرابه ، غضب الملك عليهما فحبسهما . وكان السبب فيه أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله فضمنوا لهذين مالًا ليسما الملك في طعامه وشرابه ، فأجاباهم ، ثم إن الساقي نكل عنه ، وقبل الخباز الرشوة فسم الطعام ، فلما أحضر الطعام والشراب ، قال الساقي : لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم ، وقال الخباز لا تشرب فإن الشراب مسموم ، فقال الملك للساقي : اشرب فشربه فلم يضره ، وقال للخباز : كل من طعام ، فأبى فجرب ذلك الطعام على دابة فأكلته فهلكت ، فأمر الملك بحبسهما, وكان يوسف حين دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول : إني أعبر الأحلام ، فقال أحد الفتيين لصاحبه : هلم فلنجرب هذا العبراني ، فتراءيا له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئًا ، قال ابن مسعود : ما رأيا شيئًا وإنما تحالما ليجربا يوسف ، وقال قوم : بل كانا رأيا حقيقة ، فرآهما يوسف وهما مهمومان فسألهما عن شأنهما ، فذكر أنهما غلامان للملك وقد حبسهما ، وقد رأيا رؤيا قد غمتهما ،","part":4,"page":149},{"id":1650,"text":"فقال يوسف : قصا علي ما رأيتما ، فقصا عليه { قَالَ أَحَدُهُمَا } ، وهو صاحب الشراب ، { إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } ، أي : عنبًا سمى العنب خمرًا باسم ما يئول إليه ، كما يقال : فلان يطبخ الآجر أي : يطبخ اللبن للآجر . وقيل : الخمر العنب بلغة عمان ، وذلك أنه قال : إني رأيت كأني في بستان ، فإذا أنا بأصل حبلة عليها ثلاث عناقيد من عنب فجنيتها وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه . { وَقَالَ الْآخَرُ } ، وهو الخباز { إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ } ، وذلك أنه قال : إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز والألوان من الأطعمة وسباع الطير ينهشن وينهبن منه . { نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } ، أخبرنا بتفسيره وتعبيره وما يئول إليه أمر هذه الرؤيا . { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } ، أي : العالمين بعبارة الرؤيا ، والإحسان بمعنى العلم . وروي أن الضحاك بن مزاحم سئل عن قوله : ( إنا نراك من المحسنين ) ، ما كان إحسانه ؟ قال : كان إذا مرض إنسان في السجن عاده وقام عليه ، وإذا ضاق عليه المجلس وسع له وإذا احتاج إلى شيء جمع له شيئًا ، وكان مع","part":4,"page":150},{"id":1651,"text":"هذا يجتهد في العبادة ، ويقوم الليل كله للصلاة . وقيل : إنه لما دخل السجن وجد فيه قومًا قد اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم ، فجعل يسليهم وجعل يقول : أبشروا واصبروا تؤجروا ، فيقولون بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك ، لقد بورك لنا في جوارك فلما قصا عليه الرؤيا كره يوسف أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره في إظهار المعجزة والدعاء إلى التوحيد .","part":4,"page":151},{"id":1652,"text":"[37] { قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } ، قيل : أراد به في النوم يقول لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما { إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } ، في اليقظة ، وقيل : أراد به في اليقظة يقول لا يأتيكما طعام من منازلكما ترزقانه ، تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل فيه إليكما ، { قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا } ، قبل أن يصل إليكما ، وأي طعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم ، فهذا مثل معجزة عيسى عليه السلام حيث قال : { وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ } ، فقالا : هذا من فعل العرافين والكهنة, فمن أين لك هذا العلم ؟ فقال : ما أنا بكاهن وإنَّما { ذَلِكُمَا } ، العلم, { مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } ، وتكرار (هم) على التأكيد .","part":4,"page":152},{"id":1653,"text":"[38] { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } , أظهر أنه من أولاد الأنبياء { مَا كَانَ لَنَا } ، ما ينبغي لنا { أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } , معناه : أن الله قد عصمنا من الشرك { ذَلِكَ } ، التوحيد والعلم ، { مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ } ، ما بين لهم من الهدى ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ } ، ثم دعاهما إلى الإسلام فقال :\r[39] { يا صَاحِبَيِ السِّجْنِ } جعلهما صاحبي السجن لكونهما فيه ، كما يقال لسكان الجنة أصحاب الجنة ولسكان النار أصحاب النار { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ } ، أي : آلهة شتى هذا من ذهب وهذا من فضة ، وهذأ من حديد وهذا أعلى وهذا أوسط وهدأ أدنى ، متباينون لا تضر ولا تنفع ، { خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } ، الذي لا ثاني له ، القهار : الغالب على الكل ، ثم بين عجز الأصنام فقال :\r[40] { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ }","part":4,"page":153},{"id":1654,"text":"أي : من دون الله ، وإنما ذكر بلفظ الجمع وقد ابتدأ الخطاب للاثنين لأنه أراد جميع أهل السجن ، وكل من هو على مثل حالهما من أهل الشرك ، { إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا } آلهة وأربابًا خالية عن المعنى لا حقيقة لتلك الأسماء { أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } حجة وبرهان ، { إِنِ الْحُكْمُ } ، ما القضاء والأمر والنهي ، { إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } ، أي : المستقيم ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ، ثم فسَّر رؤياهما فقال :","part":4,"page":154},{"id":1655,"text":"[41] { يا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا } ، وهو صاحب الشراب ، { فَيَسْقِي رَبَّهُ } ، يعني الملك { خَمْرًا } ، والعناقيد الثلاثة أيام يبقى في السجن ثم يدعوه الملك بعد الثلاثة أيام ، ويرد إلى منزلته التي كان عليها ، { وَأَمَّا الْآخَرُ } ، يعني : صاحب الطعام فيدعوه الملك بعد ثلاثة أيام ، والسلال الثلاث الثلاثة أيام يبقى في السجن ، ثم يخرجه فيأمر به ، { فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ } ، قال ابن مسعود : لما سمعا قول يوسف قالا : ما رأينا شيئًا إنما كنا نلعب ، قال يوسف : { قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } أي : فرغ من الأمر الذي عنه تسألان ، ووجب حكم الله عليكما الذي أخبرتكما به ، رأيتما أو لم تريا .","part":4,"page":155},{"id":1656,"text":"[42] { وَقَالَ } يعني : يوسف عند ذلك ، { لِلَّذِي ظَنَّ } ، علم { أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا } وهو الساقي ، { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ } ، يعني : سيدك الملك ، وقل له : إن في السجن غلامًا محبوسًا ظلمًا طال حبسه { فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } ، قيل : أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف للملك تقديره : فأنساه الشيطان ذكره لربه . وقال ابن عباس وعليه الأكثرون : أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه حين ابتغى الفرج من غيره واستعان بمخلوق ، وتلك غفلة عرضت ليوسف من الشيطان (1) .\r{ فَلَبِثَ } فمكث, { فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } واختلفوا في معنى البضع ، فقال مجاهد : ما بين الثلاث إلى السبع . وقال قتادة : ما بين الثلاث إلى التسع . وقال ابن عباس ما دون العشرة . وأكثر المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين ، وكان قد لبث قبله خمس سنين فجملته اثنتا عشر سنة .\r[43] { وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يا بِسَاتٍ } ، فقال لهم : { يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } .\r_________\r(1) لقد رد الإمام اللغوي المفسر أبو حيان الأندلسي في تفسيره « البحر المحيط » ج5 / 311 هذا الوجه في إعادة ضمير فأنساه على يوسف ، فقال : « وقيل : الضمير في أنساه عائد على يوسف ، ورتبوا على ذلك أخبارًا لا تليق نسبتها إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام » .","part":4,"page":156},{"id":1657,"text":"[44] { قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ } أخلاط أحلام مشتبهة أهاويل واحدها ضغث, وأصله الحزمة من أنواع الحشيش ، والأحلام جمع الحلم ، وهو الرؤيا ، والفعل منه حلمت أحلم بفتح اللام في الماضي وضمها في الغابر حُلُمًا وحُلْمًا ، مثقلًا ومخففًا . { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ } .\r[45] { وَقَالَ الَّذِي نَجَا } ، من القتل ، { مِنْهُمَا } ، من الفتيين وهو الساقي ، { وَادَّكَرَ } أي : تذكر قول يوسف اذكرني عند ربك ، { بَعْدَ أُمَّةٍ } ، أي : بعد حين وهو سبع سنين . { أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ } ، وذلك أن الغلام جثا بين يدي الملك ، وقال : إن في السجن رجلًا يعبر الرؤيا ، { فَأَرْسِلُونِي } ، وفيه اختصار تقديره : فأرسلني أيها الملك إليه ، فأرسله فأتى السجن . قال ابن عباس : ولم يكن السجن في المدينة .","part":4,"page":157},{"id":1658,"text":"[46] فقال : { يُوسُفُ } يعني : يا يوسف ، { أَيُّهَا الصِّدِّيقُ } ، والصديق الكثير الصدق ، { أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يا بِسَاتٍ } ، فإن الملك رأى هذه الرؤيا ، { لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ } ، أهل مصر ، { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } ، تأويل الرؤيا . وقيل : لعلهم يعلمون منزلتك في العلم ، فقال لهم يوسف معبرًا ومعلمًا ، أما البقرات السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخاصيب ، والبقرات العجاف والسنبلات ، فالسنون المجدبة ، فذلك قوله تعالى إخبارًا عن يوسف :","part":4,"page":158},{"id":1659,"text":"[47] { قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا } ، هذا خبر بمعنى الأمر ، يعني : ازرعوا سبع سنين على عادتكم في الزراعة ، والدأب : العادة . وقيل : بجد واجتهاد . وقرأ عاصم برواية حفص : (دَأَبًا) بفتح الهمزة ، وهما لغتان ، يقال : دأبت شي الأمر أدأب ودأبًا إذا اجتهدت فيه . { فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ } ، أمرهم بترك الحنطة في السنبلة لتكون أبقى على الزمان ولا تفسد ، { إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ } ، أي : تدرسون قليلًا للأكل ، أمرهم بحفظ الأكثر والأكل بقدر الحاجة .\r[48] { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ } . سمى السنين المجدبة شدادًا لشدتها على الناس ، { يَأْكُلْنَ } ، أي : يفنين ويهلكن ، { مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } ، أي : يؤكل فيهن ما أعددتم لهن من الطعام ، أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع { إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ } تحرزون وتدخرون للبذر .","part":4,"page":159},{"id":1660,"text":"[49] { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ } ، أي : يمطرون من الغث ، وهو المطر . وقيل : ينقذون ، من قول العرب : استغثت فلانًا فأغاثني ، { وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } ، قرأ حمزة والكسائي : (تعصرون) ، بالتاء لأن الكلام كله على الخطاب ، وقرأ الآخرون بالياء ردًّا إلى الناس ، ومعناه : يعصرون العنب خمرًا والزيتون زيتًا والسمسم دهنًا وأراد به كثرة النعيم والخير . وقال أبو عبيدة : يعصرون أي ينجون من الكروب والجدب والعصر والعصرة النجا والملجأ .","part":4,"page":160},{"id":1661,"text":"[50] { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ } ، وذلك أن الساقي لما رجع إلى الملك وأخبره بما أفتاه به يوسف من تأويل رؤياه ، وعرف الملك أن الذي قاله كائن ، قال ائتوني به ، { فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ } ، وقال له : أجب الملك ، أبى أن يخرج مع الرسول حتى تظهر براءته ثم ، { قَالَ } ، للرسول ، { ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ } يعني : سيدك الملك ، { فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } ، ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبًا واحترامًا { إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } أي : إن الله بصنيعهن عالم ، وإنما أراد يوسف بذكرهن ، بعد طول المدة حتى لا ينظر إليه الملك بعين التهمة والخيانة ، ويصير إليه بعد زوال الشك عن أمره ، فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته ، فدعا الملك النسوة وامرأة العزيز .","part":4,"page":161},{"id":1662,"text":"[51] { قَالَ } ، لهن ، { مَا خَطْبُكُنَّ } ، ما شأنكن وأمركن ، { إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ } ، خاطبهن والمراد امرأة العزيز ، وقيل : إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرته بطاعتها فلذلك خاطبهن جميعًا { قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ } ، معاذ الله ، { مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ } ، خيانة ، { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ } ظهر وتبين . وقيل : إن النسوة أقبلن على امرأة العزيز فقررنها فأقرت ، وقيل : خافت أن يشهدن عليها فأقرت وقالت : { أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } ، في قوله : هي راودتني عن نفسي ، فلما سمع ذلك يوسف قال :\r[52] { ذَلِكَ } أي : ذلك الذي فعلت من ردّي رسول الملك إليه ، { لِيَعْلَمَ } ، العزيز ، { أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ } ، في زوجته ، { بِالْغَيْبِ } ، أي : في حال غيبته, { وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } (1) .\r_________\r(1) وذكر بعضهم أن الأليق والأنسب بسياق القصة أن ذلك من قول امرأة العزيز تقول : إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب ولا وقع المحذور وإنما راودته فامتنع , فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة - انظر ابن كثير 2 / 482 ودقائق التفسير 2 / 273 وتفسير المنار 12 / 313 .","part":4,"page":162},{"id":1663,"text":"[53] { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي } ، من الخطأ والزلل فأزكيها ، { إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } ، بالمعصية { إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي } أي : إلا من رحم ربي فعصمه ، و (ما) بمعنى من ، كقوله تعالى : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ } أي : من طاب لكم ، وهم الملائكة عصمهم الله عز وجل فلم يركب فيهم الشهوة . وقيل : إلا ما رحم ربي إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان . { إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، فلما تبين للملك عذر يوسف عليه السلام وعرف أمانته وعلمه اشتاق لرؤيته وكلامه ، وذلك معنى قوله تعالى إخبارًا عنه :\r[54] { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } أي : أجعله خالصًا لنفسي ، { فَلَمَّا كَلَّمَهُ } ، فيه اختصار تقديره : فجاء الرسول يوسف فقال له : أجب الملك الآن ، أعجب الملك ما رأى منه مع حداثة سنه فأجلسه و { قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ } ، المكانة في الجاه ، { أَمِينٌ } ، أي : صادق .","part":4,"page":163},{"id":1664,"text":"[55] فـ { قَالَ } ، يوسف ، { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ } ، الخزائن جمع خزانة وأراد خزائن الطعام والأموال ، والأرض أرض مصر ، أي : خزائن أرضك . على خراج مصر ودخله ، { إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } ، أي : حفيظ للخزائن عليم بوجوه مصالحها . وقيل : حفيظ عليم ، أي : كاتب حاسب . وقيل : حفيظ لما استودعتني عليم بما وليتني . وقيل : حفيظ للحساب عليم بالألسن أعلم لغة من يأتيني . وقال الكلبي : حفيظ بتقديره في السنين المجدبة عليم بوقت الجوع حين يقع ، فقال له الملك : ومن أحق به منك ؟! فولاه ذلك ، وقال له : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ ، ذو مكانة ومنزلة ، أمين على الخزائن .","part":4,"page":164},{"id":1665,"text":"[56] { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ } ، يعني : أرض مصر ملكناه ، { يَتَبَوَّأُ } ، أي : ينزل ، { مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ } ، ويصنع فيها ما يشاء . قرأ ابن كثير وحده : (نشاء) بالنون ردًّا على قوله : (مكنا) وقرأ الآخرون بالياء ردًّا على قوله (يتبوّأ) . { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا } , أي : بنعمتنا, { مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } , قال ابن عباس ووهب : يعني الصابرين . قال مجاهد وغيره : فلم يزل يوسف عليه السلام يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف به حتى أسلم الملك وكثير من الناس, فهذا في أمر الدنيا .","part":4,"page":165},{"id":1666,"text":"[57] { وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ } , ثواب الآخرة , { خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } , فلما اطمأن يوسف في ملكه دبر في جمع الطعام بأحسن التدبير ، وبنى الحصون والبيوت الكثيرة ، وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة ، وأنفق بالمعروف حتى خلت السنون المخصبة ودخلت السنون المجدبة بهول لم يعهد الناس بمثله ، وقصد الناس مصر من كل النواحي يمتارون الطعام فجعل يوسف لا يمكن أحدًا منهم ، وإن كان عظيمًا أكثر من حمل بعير تقسيطًا بين الناس ، وتزاحم الناس عليه فأصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب الناس في سائر البلاد من القحط والشدة ، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس فأرسل بنيه إلى مصر للميرة وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه .","part":4,"page":166},{"id":1667,"text":"[58] فذلك قوله تعالى : { وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ } وكانوا عشرة ، وكان منزلهم بالقرب من أرض فلسطين ، بغور الشام ، وكانوا أهل بادية وإبل وشاة ، فدعاهم يعقوب عليه السلام وقال : يا بني بلغني أن بمصر ملكًا صالحًا يبيع الطعام ، فتجهزوا له فاذهبوا لتشتروا منه الطعام ، فأرسلهم فقدموا مصر ، { فَدَخَلُوا عَلَيْهِ } ، على يوسف ، { فَعَرَفَهُمْ } يوسف عليه السلام . قال ابن عباس ومجاهد : وعرفهم بأول ما نظر إليهم . وقال الحسن : لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه ، { وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } ، أي : لم يعرفوه . فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية ، قال لهم : أخبروني من أنتم وما أمركم فإني أنكرت شأنكم ؟ قالوا : نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار ، فقال : لعلكم جئتم تنظرون عورة بلادي ، قالوا : لا والله ما نحن بجواسيس إنما نحن إخوة بنو أب واحد ، وهو شيخ صدّيق يقال له يعقوب نبي من أنبياء الله ، فقال : وكم أنتم ؟ قالوا : كنا اثني عشر فذهب أخ لنا معنا إلى البرية فهلك فيها وكان أحبنا إلى أبينا ، قال : فكم أنتم هاهنا ؟ قالوا : عشرة ، قال : وأين الآخر ؟ قالوا : عند أبينا لأنه أخو الذي هلك من أمه ،","part":4,"page":167},{"id":1668,"text":"فأبونا يتسلى به ، فقال : فمن يعلم أن الذي تقولون حق وصدق ؟ قالوا : أيها الملك إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد من أهلها ، فقال لهم يوسف : فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين ، وأنا أرضى بذلك ، قالوا : فإن أبانا يحزن على فراقه وسنراود عنه أباه ، قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم الذي من أبيكم ، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأيًا في يوسف ، فخلّفوه عنده . فذلك قوله عز وجل :\r[59] { وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } ، أي : حمل لكل واحد بعيرًا بعدتهم ، { قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ } ، يعني بنيامين ، { أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ } . أي : أتمه ولا أبخس الناس شيئًا فأزيدكم حمل بعير لأجل أخيكم وأكرم منزلتكم وأحسن إليكم ، { وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ } ، قال مجاهد : أي : خير المضيفين . وكان قد أحسن ضيافتهم .\r[60] { فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي } ، أي : ليس لكم عندي طعام أكيله ، { وَلَا تَقْرَبُونِ } ، أي : لا تقربوا داري وبلادي بعد ذلك وهو جزم على النهي .","part":4,"page":168},{"id":1669,"text":"[61] { قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ } ، أي : نطلبه ونسأله أن يرسله معنا ، { وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ } ، ما أمرتنا به .\r[62] { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ } يريد لغلمانه { اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ } ، ثمن طعامهم وكانت دراهم . وقال الضحاك عن ابن عباس : كانت النعال والأدم . وقيل : كانت ثمانية جرب من سويق المقل . والأول أصح { فِي رِحَالِهِمْ } ، أوعيتهم ، وهي جمع رحل ، { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا } ، انصرفوا ، { إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ، واختلفوا في السبب الذي فعله يوسف من أجله ، قيل : أراد أن يريهم كرمه في رد البضاعة وتقديم الضمان في البر والإحسان ليكون أدعى لهم إلى العود لعلهم يعرفونها أي كرامتهم علينا . وقيل : رأى لؤمًا أخذ الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه فرده عليهم من حيث لا يعلمون تكرمًا . وقال الكلبي : تخوف ألا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى . وقيل : فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة نفيًا للغلط ولا يستحلون إمساكها .","part":4,"page":169},{"id":1670,"text":"[63] { فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يا أَبَانَا } ، إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلًا من أولاد يعقوب ما أكرمنا كرامته ، فقال لهم يعقوب : إذا أتيتم ملك مصر فأقرئوه مني السلام ، وقولوا له : إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا ، ثم قال : أين شمعون ؟ قالوا : ارتهنه ملك مصر وأخبروه بالقصة ، فقال لهم : ولم أخبرتموه ؟ قالوا : إنه أخذنا وقال أنتم جواسيس حيث كلمناه بلسان العبرانية ، وقصوا عليه القصة ، وقالوا : يا أبانا { مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ } ، قال الحسن : معناه يمنع منا الكيل إن لم تحمل أخانا معنا . وقيل : معناه أعطى باسم كل واحد منا حملًا ويمنع منا الكيل لبنيامين ، والمراد بالكيل الطعام لأنه كان يكال ، { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا } ، بنيامين ، { نَكْتَلْ } قرأ حمزة والكسائي . (يكتل) بالياء ، يعني : يكيل لنفسه كما نحن نكتال ، وقرأ الآخرون : (نكتل) بالنون : يعني : نكتل نحن وهو الطعام . وقيل : نكتل له ، { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .","part":4,"page":170},{"id":1671,"text":"[64] { قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ } ، يوسف { مِنْ قَبْلُ } ، أي : كيف آمنكم عليه وقد فعلتم بيوسف ما فعلتم ؟ { فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا } قرأ حمزة والكسائي وحفص : (حافظًا) بالألف على التفسير ، كما يقال : هو خير رجلًا ، وقرأ الآخرون : (حفظًا) بغير ألف على المصدر ، يعني : خيركم حفظًا ، يقول : حفظه خير من حفظكم . { وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .","part":4,"page":171},{"id":1672,"text":"[65] { وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ } ، الذي حملوه من مصر ، { وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ } ثم الطعام ، { رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يا أَبَانَا مَا نَبْغِي } ، أي : ماذا نبغي وأي شيء نطلب ؟ وذلك أنهم ذكروا ليعقوب عليه السلام إحسان الملك إليهم وحثوه على إرسال بنيامين معهم ، فلما فتحوا المتاع ووجدوا البضاعة ، قالوا : يا أبانا ما نبغي ، { هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا } ، أي شيء نطلب بالكلام فهذا هو العيان من الإحسان والإكرام ، أوفى لنا الكيل وردَّ علينا الثمن ، أرادوا تطييب نفس أبيهم ، { وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } ، أي : نشتري لهم الطعام فنحمله إليهم . يقال : مار أهله يمير ميرًا إذا حمل إليهم الطعام من بلد آخر . ومثله امتار يمتار امتيارًا . { وَنَحْفَظُ أَخَانَا } بنيامين ، أي : مما تخاف عليه . { وَنَزْدَادُ } , على أحمالنا ، { كَيْلَ بَعِيرٍ } ، أي : حمل بعير يكال لنا من أجله ؛ لأنه كان يعطي باسم كل رجل حمل بعير ، { ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } ، أي : ما حملناه قليل لا يفينا وأهلنا . وقيل : معناه نزداد كيل بعير ذلك كيل يسير لا مؤنة فيه ولا مشقة .","part":4,"page":172},{"id":1673,"text":"[66] { قَالَ } لهم يعقوب ، { لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ } ، تعطون { مَوْثِقًا } ، أي : ميثاقًا وعهدًا ، { مِنَ اللَّهِ } ، والعهد الموثق : المؤكد بالقسم . وقيل : المؤكد بإشهاد الله على نفسه { لَتَأْتُنَّنِي بِهِ } ، وأدخل اللام فيه لأن معنى الكلام اليمين ، { إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ } ، قال مجاهد : إلا أن تهلكوا جميعًا . وقال قتادة : إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك . وفي القصة : أن الأخوة ضاق الأمر عليهم وجهدوا أشد الجهد ، فلم يجد يعقوب بدًا من إرسال بنيامين معهم . { فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } ، أعطوه عهودهم ، { قَالَ } ، يعني : يعقوب ، { اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } ، شاهد . وقيل : حافظ . قال كعب : لما قال يعقوب { فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } ، قال الله عز وجل : « وعزتي لأردن عليك كليهما بعدما توكلت عليَّ .","part":4,"page":173},{"id":1674,"text":"» [67] { وَقَالَ } ، لهم يعقوب لما أرادوا الخروج من عنده ، { يا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ } وذلك أنه خاف عليهم العين لأنهم كانوا أعطوا جمالًا وقوة وامتداد قامة ، وكانوا ولد رجل واحد ، فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم لئلا يصابوا بالعين ، فإن العين حق ، وجاء في الأثر : « إن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر » (1) .\rوعن إبراهيم النخعي أنه قال : ذلك لأنه كان يرجو أن يروا يوسف في التفرق . والأول أصح . ثم قال : { وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } ، معناه : إن كان الله قضى فيكم قضاء فيصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين ، فإن المقدور كائن والحذر لا ينفع عن القدر, { إِنِ الْحُكْمُ } ، ما الحكم ، { إِلَّا لِلَّهِ } ، هذا تفويض يعقوب أموره إلى الله ، { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } اعتمدت ، { وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } .\r_________\r(1) رواه الإمام مالك في الموطأ في كتاب العين ، ورواه الإمام أحمد في مسنده ج 3 / 447 ، بلفظ : (إن العين حق) .","part":4,"page":174},{"id":1675,"text":"[68] { وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ } أي : من الأبواب المتفرقة . وقيل : كانت المدينة مدينة الفرماء ولها أربعة أبواب ، فدخلوها من أبوابها ، { مَا كَانَ يُغْنِي } ، يدفع { عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } صدّق الله تعالى يعقوب فيما قال ، { إِلَّا حَاجَةً } ، مرادًا ، { فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } ، أشفق عليهم إشفاق الآباء على أبنائهم وجرى الأمر عليه ، { وَإِنَّهُ } يعني : يعقوب عليه السلام ، { لَذُو عِلْمٍ } ، يعني : كان يعمل ما يعمل عن علم لا عن جهل ، { لِمَا عَلَّمْنَاهُ } ، أي : لتعليمنا إياه . وقيل : إنه لعامل بما علم . قال سفيان : من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالمًا . وقيل : إنه لذو حفظ لما علمناه ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ، ما يعلم يعقوب لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم . وقال ابن عباس : لا يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه .","part":4,"page":175},{"id":1676,"text":"[69] { وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ } ، قالوا : هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئناك به ، فقال : أحسنتم وأصبتم ، وستجدون جزاء ذلك عندي ، ثم أنزلهم فأكرم منزلتهم ، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحيدًا فبكى وقال : لو كان أخي يوسف حيًّا لأجلسني معه ، فقال يوسف : لقد بقي أحدكم هذا وحيدًا فأجلسه معه على مائدته فجعل يُواكله فلمّا كان الليل أمر لهم بمثل ، وقال لينم كل أخوين منكم على مثال ، فبقي بنيامين وحده ، فقال يوسف : هذا ينام معي على فراشي ، فنام معه فجعل يوسف يضمه إليه ويشم ريحه حتى أصبح ، وجعل روبين يقول : ما رأينا مثل هذا ، فلما أصبح ، قال لهم : إني أرى هذا الرجل ليس معه ثان فسأضمه إليّ فيكون منزله معي ، ثم أنزلهم منزلًا وأجرى عليهم الطعام ، وأنزل أخاه لأمه ، فذلك قوله تعالى : { آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } أي : ضم إليه أخاه فلما خلا به قال : { قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ } ، أي : لا تحزن ، { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، بشيء فعلوه بنا فيما مضى ، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا ، ولا تعلمهم شيئًا مما أعلمتك ، ثم أوفى يوسف لإخوته الكيل وحمل لهم","part":4,"page":176},{"id":1677,"text":"بعيرًا بعيرًا ولبنيامين بعيرًا باسمه ، ثم أمر بسقاية الملك فجعلت في رحل بنيامين .","part":4,"page":177},{"id":1678,"text":"[70] فذلك قوله تعالى : { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ } ، وهي المشربة التي كان الملك يشرب منها . قال ابن عباس : كانت من زبرجد . وقال ابن إسحاق : كانت من فضة . وقيل : من ذهب ، وقال عكرمة : كانت مشربة من فضة مرصعة بالجواهر ، جعلها يوسف مكيالًا لئلا يكال بغيرها ، وكان يشرب منها . والسقاية والصواع واحد ، جعلت في وعاء طعام بنيامين ، ثم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا وذهبوا منزلًا . وقيل : خرجوا من العمارة ، ثم بعث من خلفهم من استوقفهم وحبسهم . { ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ } ، نادى منادٍ ، { أَيَّتُهَا الْعِيرُ } وهي القافلة التي فيها الأحمال { إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } . قفوا . قيل : قالوه من غير أمر يوسف . وقيل : قالوه بأمره ، وكان هفوة منه . وقيل : قالوه على تأويل أنهم سرقوا يوسف من أبيه ، فلما انتهى إليهم الرسول ، قال لهم : ألم نكرم ضيافتكم ونحسن منزلتكم ونوفكم كيلكم ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم ؟ قالوا : بلى ، قالوا : وما ذاك ؟ قالوا : سقاية الملك فقدناها ، ولا نتهم عليها غيركم .","part":4,"page":178},{"id":1679,"text":"[71] فذلك قوله عز وجل : { قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ } ، عطفوا على المؤذن وأصحابه ، { مَاذَا تَفْقِدُونَ } ، ما الذي ضل عنكم . والفقدان : ضد الوجدان .\r[72] { قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } ، من الطعام ، { وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } ، كفيل ، يقوله المؤذن .\r[73] { قَالُوا } ، يعني : إخوة يوسف ، { تَاللَّهِ } أي : والله ، وخصت هذه الكلمة بأن أبدلت الواو فيها بالتاء في اليمين دون سائر أسماء الله تعالى . { لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ } ، لنسرق في أرض مصر ، فإن قيل : كيف قالوا لقد علمتم ؟ ومن أين علموا ذلك ؟ قيل : قالوا قد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض ، فإنا منذ قطعنا هذا الطريق لم نرزأ أحدًا شيئًا فاسألوا عنَّا مَن مررنا به ، هل ضررنا أحدًا . وقيل : لأنهم ردوا البضاعة التي جعلت في رحالهم ، قالوا : فلو كنا سارقين ما رددناها . وقيل : قالوا بذلك لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم ، وكانوا إذا دخلوا مصر كمموا أفواه دوابهم كيلا تتناول شيئًا من حروث الناس ، { وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ } .","part":4,"page":179},{"id":1680,"text":"[74] { قَالُوا } ، يعني : المنادي وأصحابه { فَمَا جَزَاؤُهُ } ، يعني : ما جزاء السارق ، { إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ } في قولكم وما كنا سارقين .\r[75] { قَالُوا } ، يعني : إخوة يوسف ، { جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } ، أي : فالسارق جزاؤه أن يسلم السارق بسرقته إلى المسروق منه فيسترقّه سَنة ، وكان ذلك سُنّة آل يعقوب في حكم السارق ، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ضعفي قيمة المسروق ، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عنده ، فرد الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم . { كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } ، الفاعلين ما ليس لهم فعله من سرقة مال الغير ، فقال الرسول عند ذلك : لا بد من تفتيش أمتعتكم ، فأخذ في تفتيشها . وروي أنه ردهم إلى يوسف فأمر بتفتيش أوعيتهم بين يديه .","part":4,"page":180},{"id":1681,"text":"[76] { فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ } ، لإزالة التهمة ، { قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ } ، فكان يفتش أوعيتهم واحدًا واحدًا { ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ } ، إنما أنّث الكناية في قوله استخرجها ، والصواع مذكر ، بدليل قوله : { وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } لأنه رد الكناية هاهنا إلى السقاية . وقيل : الصواع يذكر ويؤنث ، فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوته رءوسهم من الحياء ، وأقبلوا على بنيامين وقالوا : ما الذي صنعت فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل ؟ ما يزال لنا منكم البلاء متى أخذت هذا الصواع ، فقال بنيامين : بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية ، والله قد وَضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم ، فأخذوا بنيامين رقيقًا ، { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } ، والكيد هاهنا جزاء الكيد ، يعني : كما فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم . وقد قال يعقوب عليه السلام ليوسف : { فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا } , فكدنا ليوسف في أمرهم . والكيد من الخلق : الحيلة ، ومن الله : التدبير بالحق . وقيل : كدنا : ألهمنا . وقيل : دبرنا . وقل : أردنا . ومعناه :","part":4,"page":181},{"id":1682,"text":"صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى نفسه ، وحال بينه وبين إخوته . { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ } فيضمه إلى نفسه ، { فِي دِينِ الْمَلِكِ } ، أي : في حكمه . قاله قتادة . وقال ابن عباس : في سلطانه . { إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } يعني : إن يوسف لم يكن يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ذلك ، وهو ما أجري على ألسنة الإخوة أن جزاء السارق الاسترقاق ، فحصل مراد يوسف بمشيئة الله تعالى { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } , بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته . وقرأ يعقوب (يرفع) و(يشاء) بالياء فيهما ، وإضافة درجات إلى (من) في هذه السورة . والوجه أن الفعل فيهما مسند إلى الله تعالى ، وقد تقدم ذكره في قوله : ( إلا أن يشاء الله ) أي : يرفع الله درجات من يشاء . وقرأ الباقون بالنون فيهما ، إلا أن الكوفيين قرءوا : (درجات) بالتنوين ، ومن سواهم بالإضافة ، أي : نرفع به نحن ، والواقع أيضًا هو الله تعالى : { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } قال ابن عباس : فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى ، فإن الله تعالى فوق كل عالم .","part":4,"page":182},{"id":1683,"text":"[77] { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } ، يريدون أخًا له من أمه يعنون به يوسف ، واختلفوا في السرقة التي وصفوا بها يوسف ، فقال سعيد بن جبير وقتادة : كان لجده أبي أمه صنم يعبده فأخذه سرًّا أو كسره وألقاه في الطريق لئلا يعبد . وقال مجاهد : إن يوسف جاءه سائل يومًا فأخذ بيضة من البيت فناولها السائل . وقال سفيان ابن عيينة : أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلًا . وقال وهب : كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء ، { فَأَسَرَّهَا } أضمرها { يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } وإنما أنث الكناية لأنه عين بها الكلمة وهي قوله : { قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا } ، ذكرها سرًّا في نفسه ولم يصرح بها ، يريد أنتم شر مكانًا أي : منزلًا عند الله ممن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف ؛ لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقية وخيانتكم حقيقة ، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } ، تقولون .","part":4,"page":183},{"id":1684,"text":"[78] { قَالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } يحبه . { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } ، بدلًا منه ، { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } ، في أفعالك . وقيل : من المحسنين إلينا في توفية الكيل وحسن الضيافة ورد البضاعة . وقيل : يعنون إن فعلت ذلك كنت من المحسنين .","part":4,"page":184},{"id":1685,"text":"[79] { قَالَ } يوسف ، { مَعَاذَ اللَّهِ } أعوذ بالله ، { أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ } ولم يقل إلا من سرق تحرزًا من الكذب ، { إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ } إن أخذنا بريئًا بمجرم .","part":4,"page":185},{"id":1686,"text":"[80] { فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ } ، أي : أيسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه . وقال أبو عبيدة : استيأسوا استيقنوا أن الأخ لا يُرد إليهم . { خَلَصُوا نَجِيًّا } ، أي : خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم . والنجي يصلح للجماعة كما قال هاهنا, ويصلح للواحد كقوله : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } ، وإنما جاز للواحد والجمع لأنه مصدر جعل نعتًا كالعدل والزور, ومثله النجوى يكون اسمًا ومصدرًا, ، قال الله تعالى : { وَإِذْ هُمْ نَجْوَى } ، أي : متناجون . وقال : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ } ، وقال في المصدر : { إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ } . { قَالَ كَبِيرُهُمْ } ، يعني : في العقل والعلم لا في السن . قال ابن عباس والكلبي : هو يهوذا وهو أعقلهم . وقال مجاهد : هو شمعون ، وكانت له الرئاسة على إخوته . وقال قتادة والسدي والضحاك : هو روبيل ، وكان أكبرهم في السن ، وهو الذي نهى عن قتل يوسف . { أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا } , عهدًا . { مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ } ، قصرتم { فِي يُوسُفَ } واختلفوا في محل (ما) قيل : هو","part":4,"page":186},{"id":1687,"text":"نصب بإيقاع العلم عليه ، يعني : أنتم تعلموا من قبل تفريطكم في يوسف . وقيل : وهو في محل الرفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله ( من الله ) ثم قال ( ومن قبل ) هذا تفريطكم في يوسف . وقيل : (ما) صلة أي : ومن قبل هذا فرطتم في يوسف { فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ } ، التي أنا بها وهي مصر { حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي } ، بالخروج منها يدعوني ، { أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي } ، برد أخي إليّ أو بخروجي وترك أخي . وقيل : أو يحكم الله لي بالسيف فأقاتلهم وأسترد أخي ، { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } ، أعدل من فصل بين الناس .","part":4,"page":187},{"id":1688,"text":"[81] { ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ } ، يقول الأخ المحتبس بمصر لإخوته : ارجعوا إلى أبيكم ، { فَقُولُوا يا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ } ، بنيامين ، { سَرَقَ } وقرأ ابن عباس والضحاك بضم السين وكسر الراء وتشديدها ، يعني : نُسب إلى السرق ، كما يقال خونته أي نسبته إلى الخيانة ، { وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا } ، يعني : ما قلنا هذا إلا بما علمنا فإنا رأينا إخراج الصواع من متاعه . وقيل : معناه وما شهدنا إلا بما علمنا أي ما كانت منها شهادة في عمرنا على شيء إلا بما علمنا ، وليست هذه شهادة منا إنما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم . وقيل : قال لهم يعقوب عليه السلام : ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم ، فقالوا : ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق إلا بما علمنا ، وكان الحكم ذلك عند يعقوب وبنيه . { وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } ، قال مجاهد وقتادة . ما كنا نعلم أن ابنك سيسرق ويصير أمرنا إلى هذا ، وإنما قلنا ونحفظ أخانا مما لنا حفظه منه سبيل . وعن ابن عباس : ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين .\rوقال عكرمة : وما كنا للغيب حافظين فلعلها دست بالليل في رحله .","part":4,"page":188},{"id":1689,"text":"[62] { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } ، أي : أهل القرية وهي مصر { وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا } ، أي : القافلة التي كنا فيها . وكان صحبهم قوم من كنعان من جيران يعقوب . قال ابن إسحاق : عرف الأخ المحتبس بمصر أن إخوته أهل تهمه عند أبيهم لما كانوا صنعوا في أمر يوسف فأمرهم أن يقولوا هذه المقالة لأبيهم . { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } ، فإن قيل : كيف استجاز يوسف أن يعمل مثل هذا بأبيه ولم يخبره بمكانه وحبس أخاه مع علمه بشدة وجد أبيه عليه ؟ وقيل معنى العقوق : قطيعة الرحم وقلة الشفقة ؟ قيل : قد أكثر الناس فيه ، والصحيح أنه عمل ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى ، أمره به ليزيد في بلاء يعقوب فيضاعف له الأجر ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين . وقيل : إنه لم يظهر نفسه لإخوته لأنه لم يأمن أن يدبروا في أمره تدبيرًا فيكتموه عن أبيه . والأول أصح .","part":4,"page":189},{"id":1690,"text":"[83] { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ } ، زينت ، { أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } ، وفيه اختصار معناه : فرجعوا إلى أبيهم وذكروا لأبيهم ما قال كبيرهم ، فقال يعقوب : بل سولت لكم أنفسكم أمرًا ، أي : حمل أخيكم إلى مصر لطلب نفع عاجل ، { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا } ، يعني : يوسف وبنيامين وأخاهم المقيم بمصر ، { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } ، بحزني ووجدي على فقدهم ، { الْحَكِيمُ } ، في تدبير خلقه .\r[84] قوله تعالى : { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ } ، وذلك أن يعقوب عليه السلام لما بلغه خبر بنيامين تناهى حزنه وبلغ جهده ، وهيج حزنه على يوسف فأعرض عنهم ، { وَقَالَ يا أَسَفَى } ، يا حزنا ، { عَلَى يُوسُفَ } والأسف أشد الحزن ، { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ } ، يعني : عمي بصره . قال مقاتل : لم بصر بهما ست سنين ، { فَهُوَ كَظِيمٌ } ، أي : مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه . وقال قتادة : تردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرًا . قال الحسن : كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون عامًا لا تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب .","part":4,"page":190},{"id":1691,"text":"[85] { قَالُوا } ، يعني : أولاد يعقوب ، { تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ } ، أي : لا تزال تذكر يوسف ، لا تفتر من حبه ، يقال : ما فتىء يفعل كذا أي : ما زال يفعل ، و(لا) محذوفة من قوله (تفتؤا) يقال : ما فتىء يفعل كذا أي : ما زال ، { حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا } ، قال ابن عباس : دفنًا . وقال مجاهد : الحرض ما دون الموت ، يعني : قريبًا من الموت . وقال ابن إسحاق : فاسدًا لا عقل لك ، والحرض : الذي فسد جسمه وعقله . وقيل : ذائبًا من الهم . ومعنى الآية : حتى تكون دنف الجسم مخبول العقل . وأصل الحرض : الفساد في الجسم ، والعقل من الحزن والهرم ، أو العشق أو الهم ، يقال : رجل حرض وامرأة حرض ، ورجلان وامرأتان حرض ، ورجال ونساء كذلك ، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث ؛ لأنه مصدر وضع موضع الاسم . { أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ } ، أي : من الميتين .","part":4,"page":191},{"id":1692,"text":"[86] { قَالَ } يعقوب عليه السلام عند ذلك لما رأى غلظتهم { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } والبث أشد الحزن ، سمي بذلك لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه أي : يظهره ، قال الحسن : بثي أي : حاجتي . وروى أنه دخل على يعقوب جار له وقال : يا يعقوب ما الذي غير حالك مالي أراك قد تهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك ؟ قال : هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف ، فأوحى الله إليه : يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ؟ فقال : يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي ، فقال : قد غفرتها لك ، فكان بعد ذلك إذا سئل قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله . قوله تعالى : { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ، يعني أعلم من حياة يوسف ما لا تعلمون .","part":4,"page":192},{"id":1693,"text":"[87] { يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا } ، تخبروا واطلبوا الخير ، { مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ } ، والتحسس بالحاء والجيم لا يبعد أحدهما من الآخر ، إلا إن التحسس بالحاء في الخير وبالجيم في الشر ، والتحسس هو طلب الشيء بالحاسة . قال ابن عباس : معناه التمسوا { وَلَا تَيْأَسُوا } ، ولا تقنطوا { مِنْ رَوْحِ اللَّهِ } أي : من الرحمة : وقيل : من فرج الله . { إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } .","part":4,"page":193},{"id":1694,"text":"[88] { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ } ، وفيه إضمار تقديره : فخرجوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا عليه ، { قَالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ } أي : الشدة والجوع ، { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ } ، أي : قليلة رديئة كاسدة لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع فيها وأصل الإزجاء السوق والدفع وقيل : للبضاعة مزجاة لأنها غير نافعة , وإنما تجوز على دفع من أخذها , { فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ } , أي : أعطنا ما كنت تعطينا قبل الثمن الجيد الوافي { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } , أي تفضل علينا بما بين الثمنين الجيد والرديء ولا تنقصنا . هذا قول أكثر المفسرين وقال ابن جريج والضحاك : وتصدق علينا برد أخينا إلينا . { إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي } , يثيب, { الْمُتَصَدِّقِينَ } , وقال الضحاك : لم يقولوا إن الله يجزيك لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن . وسئل سفيان بن عيينة : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبينا عليه الصلاة والسلام ؟ فقال سفيان : ألم تسمع قوله تعالى : { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } , يريد أن الصدقة كانت حلالًا لهم .","part":4,"page":194},{"id":1695,"text":"وروي أن الحسن سمع رجلًا يقول : اللهم تصدق عليَّ ، فقال : إن الله لا يتصدق وإنما يتصدق من يبغي الثواب ، قل : اللهم أعطني أو تفضل عليَّ .\r[89] { قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ } ، اختلفوا في السبب الذي حمل يوسف على هذا القول ، قال ابن إسحاق : ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته الرقة فارفض دمعه فباح بالذي كان يكتمه ، وقيل : قاله حين قرأ كتاب أبيه الذي كتب إليه فلم يتمالك البكاء, فقال : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذا فرقتم بينهما ، وصنعتم ما صنعتم إذ أنتم جاهلون بما يئول إليه أمر يوسف ؟ وقيل : مذنبون وعاصون . وقال الحسن : إذ أنتم شبان ومعكم جهل الشباب . فإن قيل : كيف قال ما فعلتم بيوسف وأخيه وما كان منهم إلى أخيه شيء وهم لم يسعوا في حبسه ؟ قيل : قد قالوا له في الصاع : ما رأينا منكم يا بني راحيل خيرًا وقيل : لما كانا من أم واحدة كانوا يؤذونه من بعد فقد يوسف .","part":4,"page":195},{"id":1696,"text":"[90] { قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ } ، قرأ ابن كثير وأبو جعفر : (إنك) على الخبر ، وقرأ الآخرون على الاستفهام ، { قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي } ، بنيامين ، { قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } ، أنعم الله علينا بأن جمع بيننا { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ } ، بأداء الفرائض واجتناب المعاصي ، { وَيَصْبِرْ } ، عما حرم الله عز وجل عليه . قال ابن عباس : يتقي الزنا ويصبر عن العزوبة . وقال مجاهد : يتقي المعصية ويصبر على السجن ، { فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } .\r[91] { قَالُوا } معتذرين ، { تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا } أي : اختارك الله وفضلك علينا ، { وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } ، أي : وما كنا في صنيعنا بك إلا مخطئين مذنبين . يقال : خطئ خطأ إذا تعمد ، وأخطأ إذا كان غير متعمد .","part":4,"page":196},{"id":1697,"text":"[92] { قَالَ } ، يوسف وكان حليمًا ، { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } لا تعيير ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم ، { يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } ، فلما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه ، فقال : ما فعل أبي بعدي ؟ قالوا : ذهبت عيناه من البكاء فأعطاهم قميصه ، ثم قال :\r[93] { اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا } ، أي : يعد مبصرًا . وقيل : يأتيني بصيرًا لأنه كان قد دعاه . قال الحسن . لم يعلم أنه يعود بصيرًا إلا بعد أن أعلمه الله عز وجل . وقال الضحاك : كان ذلك القميص من نسج الجنة . عن مجاهد قال : أمره جبريل أن يرسل إليه قميصه ، فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته وقال : ألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا ، { وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ }","part":4,"page":197},{"id":1698,"text":"[94] { وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ } ، أي خرجت من عريش مصر متوجهة إلى كنعان { قَالَ أَبُوهُمْ } أي : قال يعقوب لولد ولده ، { إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ } ، تسفهوني ، وعن ابن عباس : تجهلوني . وقال الضحاك : تهرموني فتقولون شيخ كبير قد خرف وذهب عقله . وقيل : تضعفوني . وقال أبو عبيدة : تضللوني . وأصل الفند الفساد .\r[95] { قَالُوا } ، يعني : أولاد أولاده ، { تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ } لفي خطئك السابق من ذكر يوسف لا تنساه ، والضلال هو الذهاب عن الطريق الصواب ، فإن عندهم إن يوسف قد مات ويرون يعقوب قد لهج بذكره .","part":4,"page":198},{"id":1699,"text":"[96] { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ } ، وهو المبشر عن يوسف ، قال ابن مسعود : جاء البشير بين يدي العير . قال ابن عباس : هو يهوذا قال : أنا ذهبت بالقميص ملطخًا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب فأنا أذهب إليه اليوم بالقميص فأخبره أن ولده حي فأفرحه كما أحزنته . قال ابن عباس : حمله يهوذا وخرج حافيًا حاسرًا يعدو ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها حتى أتى أباه ، وكانت المسافة ثمانين فرسخًا . وقيل : البشير مالك بن ذعر . { أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ } ، يعني : ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب ، { فَارْتَدَّ بَصِيرًا } فعاد بصيرًا بعد ما كان أعمى وعادت إليه قوته بعد الضعف وشبابه بعد الهرم وسروره بعد الحزن . { قَالَ } ، يعني : يعقوب عليه السلام ، { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ، من حياة يوسف أن الله يجمع بيننا . وروى أنه قال للبشير : كيف تركت يوسف ؟ قال : إنه ملك مصر ، فقال يعقوب : ما أصنع بالملك ؟ على أي دين تركته ؟ قال على دين الإسلام ، قال : الآن تمت النعمة .","part":4,"page":199},{"id":1700,"text":"[97] { قَالُوا يا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } . مذنبين .\r[98] { قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي } ، قال أكثر المفسرين . أخّر الدعاء إلى السحر وهو الوقت الذي يقول الله تعالى : (هل من داع فأستجيب له) (1) .\rوعن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما : سوف أستغفر لكم ربي يعني ليلة الجمعة . وعن الشعبي قال : سوف أستغفر لكم ربي ، قال : أسأل يوسف إن عفا عنكم أستغفر لكم ربي { إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .\r_________\r(1) يشير إلى الحديث الصحيح في ذلك أخرجه البخاري في التهجد 3 / 29 ومسلم في صلاة المسافرين رقم (758) 1 / 521 .","part":4,"page":200},{"id":1701,"text":"[99] { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ } ، أي : ضم إليه ، { أَبَوَيْهِ } ، قال أكثر المفسرين : هو أبوه وخالته ليا ؟ وكانت أمه راحيل قد ماتت في نفاس بنيامين . وقيل : هو أبوه وأمه وكانت حية { وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } ، فإن قيل : فقد قال فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه فكيف قال ادخلوا مصر بعد ما أخبر أنهم دخلوها ؟ وما وجه هذا الاستثناء وقد حصل الدخول ؟ قيل : إن يوسف إنما قال لهم هذا القول حين تلقاهم قبل دخولهم مصر وفي الآية تقديم وتأخير ، والاستثناء يرجع إلى الاستغفار وهو من قول يعقوب لبنيه : سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله . وقيل : الاستثناء يرجع إلى الأمن من الجواز لأنهم كانوا لا يدخلون مصر قبله إلا بجواز من ملوكهم, يقول : آمنين من الجواز إن شاء الله, كما قال : { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } , وقيل : (إن) ها هنا بمعنى إذ, يريد إذ شاء الله , كقوله تعالى : { وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } , أي : إذ كنتم مؤمنين .","part":4,"page":201},{"id":1702,"text":"[100] { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ } , أي : على السرير, أجلسمها . والرفع هو النقل إلى العلو .","part":4,"page":202},{"id":1703,"text":"{ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا } , يعني : يعقوب وخالته وإخوانه وكانت تحية الناس يومئذ السجود, ولم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض ، وإنما هو الانحناء والتواضع . وقيل : وضعوا الجباه على الأرض وكان ذلك على طريق التحية والتعظيم ، لا على طريق العبادة . وكان ذلك جائزًا في الأمم السالفة فنسخ في هذه الشريعة . وروي عن ابن عباس أنه قال : معناه خروا لله عز وجل سجدًا بين يدي يوسف . والأول أصح . { وَقَالَ } ، يوسف عند ذلك ، ؟ { يا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } ، وهو قوله : { إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } . { وَقَدْ أَحْسَنَ بِي } ، ربي ، أي : أنعم عليَّ ، { إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ } ، ولم يقل من الجب مع كونه أشد بلاء من السجن استعمالًا للكرم لكيلا يخجل إخوته بعد ما قال لهم : { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } ، ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من السجن أعظم ، لأنه بعد الخروج من الجب صار إلى العبودية والرق ، وبعد الخروج من السجن صار إلى الملك ، ولأن وقوعه في البئر كان لحسد إخوته وفي","part":4,"page":203},{"id":1704,"text":"السجن كان مكافأة من الله تعالى لزلة كانت منه . { وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ } ، والبدو بسيط من الأرض يسكنه أهل المواشي بماشيتهم ، وكانوا أهل بادية ومواشي ، يقال بدا يبدو إذا صار إلى البادية . { مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ } ، أفسد ، { الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } ، بالحسد والبغض ، { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ } ، أي : ذو لطف ، { لِمَا يَشَاءُ } وقيل : معناه لمن يشاء . وحقيقة اللطيف الذي يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } ، فلما جمع الله تعالى ليوسف شمله على أن نعيم الدنيا لا يدوم سأل الله تعالى حسن العاقبة فقال :","part":4,"page":204},{"id":1705,"text":"[101] { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } ، يعني ملك مصر ، والملك : اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير . { وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } ، يعني : تعبير الرؤيا . { فَاطِرَ } ، أي : يا فاطر ، { السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي : خالقهما { أَنْتَ وَلِيِّي } ، أي : معيني ومتولي أمري ، { فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا } ، يقول اقبضني إليك مسلمًا ، { وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } ، يريد بآبائي النبيين .\r[102] { ذَلِكَ } ، الذي ذكرت { مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ } أي : ما كنت يا محمد عند أولاد يعقوب ، { إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ } ، أي : عزموا على إلقاء يوسف في الجب ، { وَهُمْ يَمْكُرُونَ } .\r[103] { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ } ، يا محمد ، { وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } ، على إيمانهم . وروي أن اليهود وقريشًا سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قصة يوسف ، فلما أخبرهم على موافقة التوراة لم يسلموا ، فحزن النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك ، فقيل له : إنهم لا يؤمنون وإن حرصت على إيمانهم .","part":4,"page":205},{"id":1706,"text":"[104] { وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ } ، أي : على تبليغ الرسالة والدعاء إلى الله تعالى ، { مِنْ أَجْرٍ } ، جعل وجزاء ، { إِنْ هُوَ } ، ما هو يعني القرآن ، { إِلَّا ذِكْرٌ } ، عظة وتذكير { لِلْعَالَمِينَ } .\r[105] { وَكَأَيِّنْ } ، وكم ، { مِنْ آيَةٍ } ، عبرة ودلالة ، { فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } ، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها .","part":4,"page":206},{"id":1707,"text":"[106] { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } ، فكان من إيمانهم إذا سئلوا : من خلق السماوات والأرض ؟ قالوا : الله ، وإذا قيل لهم : من ينزل القطر ؟ قالوا : الله ، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ويشركون . وعن ابن عباس أنه قال : إنها نزلت في تلبية المشركين من العرب كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك . وقال عطاء : هذا في الدعاء وذلك أن الكفار نسوا ربهم في الرخاء ، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء ، كما قال الله تعالى : { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا }{ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } الآية ، وقوله : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } ، وغير ذلك من الآيات .","part":4,"page":207},{"id":1708,"text":"[107] { أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ } ، أي : عقوبة مجللة . قال مجاهد : عذاب يغشاهم ، نظيره قوله تعالى : { يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ } الآية . قال قتادة : وقيعة . وقال الضحاك : يعني الصواعق والقوارع . { أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } ، فجأة ، { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } ، بقيامها . قال ابن عباس : تهيج بالناس وهم في أسواقهم .","part":4,"page":208},{"id":1709,"text":"[108] { قُلْ } ، يا محمد ، { هَذِهِ } ، الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها ، { سَبِيلِي } ، سنتي ومنهاجي . وقال مقاتل : ديني ، نظيره قوله : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ } أي : إلى دينه . { أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } ، على يقين . والبصيرة : هي المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل ، { أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } ، أي : ومن آمن بي وصدقني أيضا يدعو إلى الله . هذا قول الكلبي وابن زيد . قال : حق على من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه ، يذكرون بالقرآن . وقيل : تم الكلام عند قوله : { أَدْعُو إِلَى اللَّهِ } ثم استأنف : { عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } ، يقول : إني على بصيرة من ربي وكل من اتبعني . قال ابن عباس : يعني أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية ، معدن العلم وكنز الإيمان وجند الرحمن . قال عبد الله بن مسعود : من كان مستنا فليستن بمن قد مات ، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا أفضل هذه الأمة ، أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا ، اختارهم الله لصحبة نبيه ، لإقامة دينه ، فاعرفوا","part":4,"page":209},{"id":1710,"text":"لهم فضلهم ، واتبعوهم على آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم . قوله تعالى : { وَسُبْحَانَ اللَّهِ } ، أي : وقل سبحان الله تنزيها له عما أشركوا به . { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .","part":4,"page":210},{"id":1711,"text":"[109] { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ } ، يا محمد ، { إِلَّا رِجَالًا } ، لا ملائكة ، { نُوحِي إِلَيْهِمْ } ، قرأ أبو جعفر وحفص : ( نوحي ) بالنون وكسر الحاء ، وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء . { مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } ، يعني : من أهل الأمصار دون أهل البوادي لأن أهل الأمصار أعقل من أهل البوادي لغلظهم وجفائهم . { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ } ، يعني : هؤلاء المشركين المكذبين ، { فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ } ، آخر أمر ، { الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، يعني : الأمم المكذبة فيعتبروا ، { وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا } يقول جل ذكره : هذا فعلنا بأهل ولايتنا وطاعتنا أن ننجيهم عند نزول العذاب ، وما في الدار الآخرة خير لهم ، فترك ما ذكرنا اكتفاء بدلالة الكلام عليه . قوله ( ولدار الآخرة ) ، قيل : معناه ولدار الحال الآخرة خير . وقيل : هو إضافة الشيء إلى نفسه ، كقوله : { إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } ، وكقولهم : يوم الخميس وربيع الآخر { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } فتؤمنون .","part":4,"page":211},{"id":1712,"text":"[110] { حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا } ، اختلف القراء في قوله : ( كذبوا ) فقرأ أهل الكوفة وأبو جعفر : (كذبوا) بالتخفيف ، وكانت عائشة تنكر هذه القراءة . وقرأ الآخرون بالتشديد ، فمن شدده قال : معناه حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا أي أيقنوا- يعني الرسل- أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعد إيمانه ، والظن لمعنى اليقين . وهذا معنى قول قتادة . وقال بعضهم : معناه حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومه أن يصدقوهم ، وظنوا أن من آمن بهم من قومهم قد كذبوهم وارتدوا عن دينهم لشدة المحنة والبلاء عليهم استبطاء النصر . ومن قرأ بالتخفيف قال : معناه حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا أي : ظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم في وعيد العقاب . وروي عن ابن عباس . أن معناه ضعف قلوبهم . يعني : وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فيما وعدوا من النصر ، وكانوا بشرا فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم قد أخلفوا ، ثم تلا : { حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ } ( جاءهم ) أي : جاء الرسل نصرنا . { فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ } ، قرأ","part":4,"page":212},{"id":1713,"text":"العامة بنونين ، أي : نحن ننجي من نشاء . وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم وفتح الياء على ما لم يسم فاعله ، لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة مضمومة ، فيكون محل (من) رفعا على هذه القراءة ، وعلى القراءة الأولى يكون نصبا ، فنجي من نشاء عند نزول العذاب ، وهم المؤمنون المطيعون . { وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا } ، عذابنا ، { عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } ، أي : المشركين .\r[111] { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ } , أي : في خبر يوسف وإخوته, { عِبْرَةٌ } عظة, { لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ } يعني : القرآن, { حَدِيثًا يُفْتَرَى } , أي يختلق, { وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي } , أي ولكن كان تصديق الذي, { بَيْنَ يَدَيْهِ } , من التوراة والإنجيل, { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } , مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام والأمر والنهي, { وَهُدًى وَرَحْمَةً } , بيانا ونعمة, { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .","part":4,"page":213},{"id":1714,"text":"(13) سورة الرعد\r[1] { المر } قال ابن عباس : معناه أنا الله أعلم وأرى , { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ } , يعني : تلك الأخبار التي قصصتها عليك آيات التوراة والإنجيل والكتاب المتقدمة ، { وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ } ، يعني : وهذا القرآن الذي أنزل إليك { مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ } أي : هو الحق فاعتصم به ، فيكون محل الذي رفعا على الابتداء والحق خبره, وقيل : محله خفض يعني تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك, ثم ابتدأ الحق يعني ذلك الحق وقال ابن عباس : أراد بالكتاب القرآن , ثم قال : وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ } ، قال مقاتل : نزلت في مشركي مكة حين قالوا : إن محمدا يتولد من تلقاء نفسه ، فرد قولهم ثم بين دلائل ربوبيته ، فقال عز من قائل :","part":4,"page":214},{"id":1715,"text":"[2] { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } يعني : السواري واحدها عمود مثل أديم وأدم وعمد أيضا جمعه مثل رسول ورسل ، معناه نفي العمد أصلا هو الأصح يعني ليس من دونها دعامة تدعمها ولا فوقها علاقة تمسكها { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } ، علا عليه ، { وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } ، ذللها لمنافع خلقه فهما مقهوران, { كُلٌّ يَجْرِي } ، أي : يجريان على ما يريد الله عز وجل ، { لِأَجَلٍ مُسَمًّى } ، أي : إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا . وقال ابن عباس . أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما ينتهيان إليها ولا يجاوزانها ، { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } ، يقضيه وحده ، { يُفَصِّلُ الْآيَاتِ } ، يبين الدلالات ، { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } ، لكي توقنوا بوعده وتصدقوه .","part":4,"page":215},{"id":1716,"text":"[3] { وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ } ، بسطها ، { وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ } ، جبالا ثابتة ، واحدتها : راسية { وَأَنْهَارًا } أي : وجعل فيها أنهارا . { وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } ، أي : صنفين اثنين أحمر وأصفر وحلوا وحامضا ، { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } ، أي : يلبس النهار بظلمة الليل ويلبس الليل بضوء النهار { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ، فيستدلون ، والتفكر تصرف القلب في طلب معاني الأشياء .","part":4,"page":216},{"id":1717,"text":"[4] { وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ } ، متقاربات يقرب بعضها من بعض وهي مختلفة هذه طيبة تنبت وهذه سبخة لا تنبت ، وهذه قليلة الريع وهذه كثيرة الريع ، { وَجَنَّاتٌ } ، أي : بساتين { مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ } الصنوان جمع صنو وهو النخلات يجمعهن أصل واحد ، { وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } هي النخلة المنفردة بأصلها . وقال أهل التفسير : صنوان مجتمع وغير صنوان متفرق نظيره من الكلام قنوان جمع قنو { يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ } قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب ماله يسقي بالياء أي : يسقى ذلك كله بماء واحد وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى : { وَجَنَّاتٌ } ولقوله تعالى من بعد { وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي } ولم يقل بعضه ، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام ، { وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ } ، في الثمر والطعم ، قرأ حمزة والكسائي (ويفصل ) بالياء ، لقوله تعالى : { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ } . وقرأ الآخرون بالنون على معنى . ونحن نفضل بعضها على بعض في الأكل ، وجاء في الحديث : { وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ } . قال الفارسي : كجيد","part":4,"page":217},{"id":1718,"text":"التمر والدقل والحلو والحامض . قال مجاهد : كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد . قال الحسن : هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم ، كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن عز وجل فسطحها فصارت قطعا متجاورة فينزل عليها المطر من السماء فتخرج هذه زهرتها وشجرها وثمرها ونباتها وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها ، وكل يسقى بماء واحد ، كذلك الناس خلقوا من آدم عليه السلام فينزل من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع ، وتقسو قلوب فتلهو ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ } الذي ذكرت { لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .","part":4,"page":218},{"id":1719,"text":"[5] { وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } العجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومعناه إنك إن تعجب من إنكارهم النشأة الآخرة مع إقرارهم بابتداء الخلق فعجب أمرهم ، وكان المشركون ينكرون البعث مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله تعالى ، وقد تقرر في القلوب أن الإعادة أهون من الابتداء ، فهذا موضع العجب ، وقيل : معناه وإن تعجب من تكذيب المشركين واتخاذهم ما لا يضر ولا ينفع آلهة يعبدونها وهم قد رأوا من قدرة الله تعالى ما ضرب لهم به الأمثال فعجب قولهم ، أي : فتعجب أيضا من قولهم ، { أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا } ، بعد الموت ، { أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } ، أي : نعاد خلقا جديدا كما كنا قبل الموت قال الله تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ } يوم القيامة { وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .","part":4,"page":219},{"id":1720,"text":"[6] قوله : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ } ، الاستعجال طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته ، والسيئة هاهنا هي العقوبة والحسنة العافية ، وذلك أن مشركي مكة كانوا يطلبون العقوبة بدلا من العافية استهزاء منهم يقولون : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . { وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ } ، أي : مضت من قبلهم في الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها العقوبات ، والمثلات جمع المثلة بفتح الميم وضم الثاء مثل صدقة وصدقات . { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ } .","part":4,"page":220},{"id":1721,"text":"[7] { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ } ، أي : على محمد - صلى الله عليه وسلم - { آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } أي : علامة وحجة على نبوته ، قال الله تعالى : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ } ، مخوف ، { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } ، أي : لكل قوم نبي يدعوهم إلى الله تعالى ، وقال الكلبي : داع يدعوهم إلى الحق أو إلى الضلالة . وقال عكرمه : الهادي محمد - صلى الله عليه وسلم - يقول إنما أنت منذر وأنت هاد لكل قوم أي داع ، وقال سعيد بن جبير : الهادي هو الله تعالى .","part":4,"page":221},{"id":1722,"text":"[8] قوله تعالى : { اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى } ، من ذكر أو أنثى سوي الخلق أو ناقص الخلق واحدا أو اثنين أو أكثر { وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ } ، أي : ما تنقص { وَمَا تَزْدَادُ } ، قال أهل التفسير : غيض الأرحام الحيض على الحمل ، فإذا حاضت الحامل كان نقصانا في الولد ، لأن دم الحيض غذاء الولد في الرحم فإذا أهرقت الدم ينقص الغذاء فينتقص الولد ، وإذا لم تحض يزداد الولد ويتم فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم والزيادة تمام خلقته باستمساك الدم . وقيل : إذا حاضت ينتقص الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرا فإن رأت خمسة أيام دما وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام فالنقصان في الغذاء والزيادة في المدة . وقال الحسن : غيضها نقصانها من تسعة أشهر والزيادة زيادتها على تسعة أشهر . وقيل : النقصان السقط ، والزيادة تمام الخلق ، وأقل مدة الحمل ستة أشهر ، فقد يولد المولود لهذه المدة ويعيش { وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ } ، أي : بتقدير وحد لا يجاوزه ولا يقصر عنه .\r[9] { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ } ، الذي كل شيء دونه { الْمُتَعَالِ } على كل شيء .","part":4,"page":222},{"id":1723,"text":"[10] قوله تعالى : { سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } ، أي : يستوي في علم الله المسر بالقول والجاهر به ، { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ } ، أي : مستتر بظلمة الليل ، { وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ } ، أي : ذاهب في سربه ظاهر ، والسرب بفتح السين وسكون الراء الطريق ، قال القتيبي : سارب بالنهار أي متصرف في حوائجه ، قال ابن عباس : هو صاحب ريبة مستخف بالليل فإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم ، وقيل : مستخف بالليل أي ظاهر من قولهم خفيت الشيء إذا أظهرته وأخفيته إذا كتمته ، وسارب بالنهار أي : متوار داخل في سرب .","part":4,"page":223},{"id":1724,"text":"[11] { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ } ، أي : لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل والنهار صعدت ملائكة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار وإذا صعدت ملائكة النهار جاء في عقبها ملائكة الليل ، والتعقيب : العود بعد البدء وإنما ذكر بلفظ التأنيث لأن واحدها معقب ، وجمعه معقبة ، ثم جمع الجمع معقبات كما قيل أبناوات سعد ورجالات بكر { مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } ، يعني : من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار ، ومن خلفه من وراء ظهره ، { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } ، يعني : بأمر الله ، أي : يحفظونه بإذن الله ما لم يجىء القدر ، فإذا جاء القدر خلوا عنه . وقيل : يحفظونه من أمر الله أي مما أمر الله به من الحفظ عنه . قال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام ، فما منهم شيء يأتيه يريده إلا قال : وراءك إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } ، من العافية والنعمة ، { حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ، من الحال الجميلة فيعصوا ربهم ، { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا } ، أي : عذابا وهلاكا { فَلَا مَرَدَّ","part":4,"page":224},{"id":1725,"text":"لَهُ } أي : لا راد له ، { وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } ، أي : ملجأ يلجئون إليه ، وقيل : والٍ يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم .\r[12] قوله : { هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا } ، قيل : خوفا من الصاعقة طمعا في نفع المطر ، وقيل : الخوف للمسافر يخاف منه الأذى أو المشقة والطمع للمقيم يرجو منه البركة والمنفعة ، وقيل : الخوف من المطر في غير مكانه وأبانه والطمع إذا كان في مكانه وأبانه ومن البلدان ما إذا مطروا قحطوا وإذ لم يمطروا أخصبوا . { وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ } ، بالمطر . يقال : أنشأ الله السحابة فنشأت أي أبداها فبدت ، والسحب جمع واحدتها سحابة .","part":4,"page":225},{"id":1726,"text":"[13] { وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ } ، قال ابن عباس : من سمع صوت الرعد فقال : سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعلى ديته ، وعن عبد الله بن الزبير : أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث وقال : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته { وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } ، أي : تسبح الملائكة من خيفة الله عز وجل وخشيته { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ } ، جمع صاعقة وهي العذاب المهلك ينزل من البرق فيحرق من يصيبه ، { فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ } ، يخاصمون ، { فِي اللَّهِ } نزلت في شأن أربد بن ربيعة حيث قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : مم ربك آمن دُرّ أم من يا قوت أم من ذهب ؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته { وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ } ، قال علي رضي الله عنه : شديد الأخذ . وقال ابن عباس : شديد الحول ، وقال مجاهد : شديد القوة . وقال أبو عبيدة : شديد العقوبة . وقيل : شديد المكر . والمحال والمماحلة المماكرة والمغالبة .","part":4,"page":226},{"id":1727,"text":"[14] { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ } ، أي : لله دعوة الصدق . قال علي رضي الله عنه : دعوة الحق التوحيد . وقال ابن عباس : شهادة أن لا إله إلا الله . وقيل : الدعاء بالإخلاص والدعاء الخالص لا يكون إلا لله عز وجل . { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } ، أي : يعبدون الأصنام من دون الله تعالى . { لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ } ، أي : لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر . { إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } ، أي : إلا كباسط كفيه ليقبض على الماء والقابض على الماء لا يكون في يده شيء ولا يبلغ إلى فيه منه شيء ، كذلك الذين يدعون الأصنام وهي لا تضر ولا تنفع لا يكون بيده شيء . وقيل : معناه كالرجل العطشان الجالس على شفير البئر يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر إلى الماء ولا يرتفع إليه الماء فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء ودعاؤه له ، ولا هو يبلغ فاه كذلك الذين يدعون الأصنام لا ينفعهم نداؤها ودعاؤها ، وهي لا تقدر على شيء ، وعن ابن عباس : كالعطشان إذا بسط كفيه إلى الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف بهما الماء ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسطا كفيه ,","part":4,"page":227},{"id":1728,"text":"مثل ضربه الله لخيبة الكفار . { وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ } ، أصنامهم ، { إِلَّا فِي ضَلَالٍ } ، يضل عنهم إذا احتاجوا إليه كما قال : { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ، { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ } وقال الضحاك عن ابن عباس : وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال لأن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى .\r[15] { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا } ، يعني : الملائكة والمؤمنين ، { وَكَرْهًا } ، يعني : المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسيف . { وَظِلَالُهُمْ } يعني : ظلال الساجدين طوعا وكرها تسجد لله عز وجل طوعا . قال مجاهد : ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع ، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره . { بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } ، يعني إذا سجد بالغدو والعشي يسجد معه ظله ، والآصال : جمع الأصل والأصل جمع الأصيل وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس . وقيل : ظلالهم أي : أشخاصهم بالغدو والآصال بالبكر والعشايا . وقيل : سجود الظل تذليله لما أريد له .","part":4,"page":228},{"id":1729,"text":"[16] قوله تعالى : { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، أي : خالقهما ومدبرهما فسيقولون الله ، إنهم يقرون بأن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض إذا أجابوك ، فقل أنت أيضا يا محمد : الله . وروي أنه لما قال هذا للمشركين عطفوا عليه فقالوا : أجب أنت ، فأمره الله عز وجل فقال : { قُلْ } ، أنت يا محمد ، { اللَّهُ } ، ثم قال الله لهم إلزاما للحجة : { قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } ، معناه : إنكم مع إقراركم بأن الله خالق السماوات والأرض اتخذتم من دونه أولياء فعبدتموها من دون الله, يعني : الأصنام, وهم { لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا } فكيف يملكون لكم ؟ ثم ضرب لهم مثلا فقال : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ } ، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن ، { أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ } أي : كما لا يستوي الظلمات والنور لا يستوي الكفر والإيمان . { أَمْ جَعَلُوا } ، أي : جعلوا ، { لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } ، أي : اشتبه ما خلقوه بما خلقه الله تعالى فلا يدرون ما خلق الله وما خلق آلهتهم {","part":4,"page":229},{"id":1730,"text":"قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } .\rثم ضرب الله تعالى مثلين للحق والباطل .","part":4,"page":230},{"id":1731,"text":"[17] فقال عز وجل : { أَنْزَلَ } يعني الله عز وجل ، { مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } ، يعني المطر ، { فَسَالَتْ } ، من ذلك الماء { أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } ، أي : في الصغر والكبر ، { فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ } ، الذي حدث من ذلك الماء ، { زَبَدًا رَابِيًا } ، الزبد الخبث الذي يظهر على وجه الماء ، رابيا أي عاليا مرتفعا فوق الماء الصافي الباقي هو الحق . والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية هو الباطل . وقيل : قوله أنزل من السماء ماء هذا مثل للقرآن والأودية مثل للقلوب يريد ينزل القرآن ، فتحتمل منه القلوب على قدر اليقين والعقل والشك والجهل ، فهذا أحد المثلين والمثل الآخر قوله عز وجل : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص { يُوقِدُونَ } بالياء لقوله تعالى : { مَا يَنْفَعُ النَّاسَ } ، ولا مخاطبة ها هنا ، قرأ الآخرون بالتاء ومما توقدون ، أي : ومن الذي توقدون عليه النار ، والإيقاد جعل النار تحت الشيء ليذوب ، { ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ } ، أي : لطلب زينة ، وأراد الذهب والفضة لأن الحلية تطلب منهما ، { أَوْ مَتَاعٍ } أي : طلب متاع وهو ما ينتفع به ، وذلك مثل الحديد","part":4,"page":231},{"id":1732,"text":"والنحاس والرصاص ، والصفر تذاب فيتخذ منها الأواني وغيرها مما ينتفع بها ، { زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ } أي : إذا أذيب فله أيضا زبد مثل زبد الماء ، فالباقي الصافي من هذه الجواهر مثل الحق ، والزبد الذي لا ينتفع به مثل الباطل ، { فَأَمَّا الزَّبَدُ } ، الذي علا السيل { فَيَذْهَبُ جُفَاءً } أي : ضائعا باطلا ، والجفاء ما رمى به الوادي من الزبد والقدر إلى جنباته ، يقال : جفا الوادي وأجفأ إذا ألقى غثاءه ، وأجفأت القدر وجفأت إذا غلت وألقت زبدها ، فإذا سكنت لم يبق فيها شيء معناه : إن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل . وقيل : جفاء أي : متفرقا . يقال : جفأت الريح الغيم إذا فرقته وذهبت به ، { وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ } ، يعني : الماء والذهب والفضة والصفر والنحاس ، { فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ } ، أي : يبقى ولا يذهب ، { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ } ، جعل الله هذا مثالا للحق والباطل ، يعني أن الباطل كالزبد يذهب ويضيع والحق كالماء يبقى في القلوب . وقيل : هذا تسلية للمؤمنين ، يعني : أن أمر المشركين كالزبد يرى في الصورة شيئا وليس له حقيقة ، وأمر","part":4,"page":232},{"id":1733,"text":"المؤمنين كالماء المستقر في مكانه له البقاء والثبات .\r[18] قوله تعالى : { لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا } أجابوا ، { لِرَبِّهِمُ } ، فأطاعوه ، { الْحُسْنَى } الجنة ، { وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ } ، أي : لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداء من النار ، { أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ } قال إبراهيم النخعي : سوء الحساب أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء ، { وَمَأْوَاهُمْ } في الآخرة { جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ } ، الفراش ، أي : بئس ما مهد لهم .","part":4,"page":233},{"id":1734,"text":"[19] قوله تعالى . { أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ } ، فيؤمن به ويعمل بما فيه ، { كَمَنْ هُوَ أَعْمَى } ، عنه لا يعلمه ولا يعمل به ، قيل : نزلت في حمزة وأبي جهل ، وقيل : في عمار وأبي جهل ، فالأول حمزة أو عمار والثاني أبو جهل ، وهو الأعمى ، أي : لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصره ولا يتبعه . { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ } يتعظ, { أُولُو الْأَلْبَابِ } ذوو العقول .\r[20] { الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ } بما أمرهم الله تعالى به وفرضه عليهم فلا يخالفونه . { وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ } ، وقيل : أراد العهد الذي أخذه على ذرية آدم عليه السلام حين أخرجهم من صلبه .\r[21] { وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } ، قيل : أراد به الإيمان بجميع الكتب والرسل ولا يفرقون بينهما ، والأكثرون على أنه أراد به صلة الرحم { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ } .","part":4,"page":234},{"id":1735,"text":"[22] { وَالَّذِينَ صَبَرُوا } ، على طاعة الله ، وقال ابن عباس : على أمر الله عز وجل ، وقال عطاء : على المصائب والنوائب . وقيل : عن الشهوات . وقيل : عن المعاصي . { ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ } ، طلب تعظيمه أن يخالفوه ، { ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ } ، يعني يؤدون الزكاة ، { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يدفعون بالصالح من العمل السيئ من العمل ، وهو معنى قوله : { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } ، وجاء في الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها ، السر بالسر والعلانية بالعلانية » (1) .\rوقال ابن كيسان : معنى الآية يدفعون الذنب بالتوبة . وقيل : لا يكافئون الشر بالشر ولكن يدفعون الشر بالخير .\r_________\r(1) رواه الإمام أحمد في مسنده 5 / 169 بلفظ : «إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها» وأشار الحافظ السيوطي في جامعه الصغير إلى تصحيح هذه الرواية ، وذكر أخرى بلفظ : «إذا عملت سيئة فأحدث عندها توبة : السر بالسر ، والعلانية بالعلانية» رواها الإمام أحمد عن عطاء مرسلا .","part":4,"page":235},{"id":1736,"text":"وقال القتيبي : معناه إذا سفه عليهم حلموا ، فالسفه : السيئة ، والحلم : الحسنة . وقال قتادة : ردوا عليهم معروفا نطيره قوله تعالى : { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } ، وقال الحسن : إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا { أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ } ، يعني الجنة ، أي : عاقبتهم دار الثواب . ثم بين ذلك فقال :\r[23] { جَنَّاتُ عَدْنٍ } ، بساتين إقامة ، { يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ } ، قيل : من أبواب الجنة . وقيل : من أبواب القصور .\r[24] { سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } ، أي : يقولون سلام عليكم . وقيل : يقولون سلمكم الله من الآفات التي تخافون منها . قال مقاتل : يدخلون عليهم في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرات معهم الهدايا والتحف من الله عز وجل ، يقولون سلام عليكم { بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } .","part":4,"page":236},{"id":1737,"text":"[25] { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } ، هذا في الكفار . { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } ، أي : يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض . وقيل : يقطعون الرحم ، { وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ } ، أي : يعملون بالمعاصي ، { أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } ، يعني : النار ، وقيل : سوء المنقلب لأن منقلب الناس دورهم .\r[26] قوله تعالى : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } ، أي : يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء ، { وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، يعني : مشركي مكة أشروا وبطروا ، والفرح لذة في القلب بنيل المشتهى ، { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ } أي : قليل ذاهب . قال الكلبي : كمثل القصعة والقدح والقدر ينتفع بها ثم تذهب .\r[27] { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، من أهل مكة { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } أي : يهدي إليه من يشاء بالإنابة . وقيل : يرشد إلى دينه من يرجع إليه بقلبه .","part":4,"page":237},{"id":1738,"text":"[28] { الَّذِينَ آمَنُوا } ، في محل النصب بدل من قوله : { مَنْ أَنَابَ } ، { وَتَطْمَئِنُّ } , تسكن, { قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ } قال مقاتل : بالقرآن ، والسكون يكون باليقين ، والاضطراب يكون بالشك ، { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } ، تسكن قلوب المؤمنين ويستقر فيها اليقين ، قال ابن عباس : هذا في الحلف ، يقول : إذا حلف المسلم بالله على شيء تسكن قلوب المؤمنين إليه ، فإن قيل : أليس قد قال الله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } ، فكيف تكون الطمأنينة والوجل في حالة واحدة ؟ قيل : الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة عند ذكر الوعد والثواب ، فالقلوب توجل إذا ذكرت وعيد الله وشدة حسابه ، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله وكرمه .","part":4,"page":238},{"id":1739,"text":"[29] { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، ابتداء ، وقوله : { طُوبَى لَهُمْ } خبره ، واختلفوا في تفسير { طُوبَى } روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : فرح لهم وقرة عين . وقال عكرمة : نعم مالهم . وقال قتادة : حسنى لهم . وقال معمر ، عن قتادة : هذه كلمة عربية يقول الرجل للرجل طوبى لك أي أصبت خيرا . وقال إبراهيم : خير لهم وكرامة . قال الفراء : أصله من الطيب والواو فيه لضمة الطاء وفيه لغتان ، تقول العرب : طوباك وطوبى لك أي لهم الطيب . { وَحُسْنُ مَآبٍ } أي : حسن المنقلب . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : طوبى اسم الجنة بالحبشية . وقال الربيع : هو البستان بلغة الهند . وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء قال : طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها (1) .\r_________\r(1) انظر صحيح البخاري (6552, 6553) كتاب الرقاق ، ومسلم (2826-2828) كتاب صفة الجنة .","part":4,"page":239},{"id":1740,"text":"[30] قوله تعالى : { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ } أي : كما أرسلنا الأنبياء إلى الأمم أرسلناك إلى هذه الأمة ، { قَدْ خَلَتْ } ، مضت, { مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ } ، لتقرأ ، { عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ } ، قال قتادة ومقاتل وابن جريج : الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية ، وذلك أن سهيل بن عمرو لما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي : « اكتب بسم الله الرحمن الرحيم » ، قالوا : لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب ، اكتب كما كنت تكتب باسمك اللهم ، فهذا معنى قوله : { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ } ، والمعروف أن الآية مكية وسبب نزولها : أن أبا جهل سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الحجر يدعو : يا الله يا رحمن ، فرجع إلى المشركين فقال : إن محمدا يدعو إليهن يدعو الله ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن ، ولا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة فنزلت هذه الآية ونزل قوله تعالى : { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا","part":4,"page":240},{"id":1741,"text":"فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } ، وروى الضحاك عن ابن عباس : أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : اسجدوا لله للرحمن قالوا وما الرحمن ؟ قال الله تعالى . { قُلْ } ، لهم يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته { هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } ، اعتمدت { وَإِلَيْهِ مَتَابِ } أي : توبتي ومرجعي .","part":4,"page":241},{"id":1742,"text":"[31] قوله : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ } فأذهبت عن وجه الأرض, { أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ } أي : شققت فجعلت أنهارا وعيونا { أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى }{ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا } ، أي : في هذه الأشياء إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا } ، قال أكثر المفسرين : معناه أفلم يعلم . قال الكلبي : هي لغة النخع . وقيل : هي لغة هوازن ، يدل عليه قراءة ابن عباس : (أفلم يتبين الذين آمنوا) ، وأنكر الفراء أن يكون ذلك بمعنى العلم وزعم أنه لم يسمع أحدا من العرب يقول : يئست بمعنى علمت ، ولكن معنى العلم فيه مضمر ، وذلك أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سمعوا هذا من المشركين طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا فنزل : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا } يعني : الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من إيمان هؤلاء أي لم ييأسوا علما وكل من علم شيئا يئس من خلافه, يقول : ألم ييئسهم العلم, { أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا } من كفرهم وأعمالهم الخبيثة {","part":4,"page":242},{"id":1743,"text":"قَارِعَةٌ } أي : نازلة وداهية تقرعهم من أنواع البلاء أحيانا بالجدب وأحيانا بالسلب وأحيانا بالقتل والأسر { أَوْ تَحُلُّ } ، يعني : القارعة ، { قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ } ، وقيل : أو تحل أي تنزل أنت يا محمد بنفسك قريبا من ديارهم ، { حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ } ، قيل : يوم القيامة . وقيل : الفتح والنصر وظهور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودينه . { إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } ، وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل الله تسلية لنبيه - صلى الله عليه وسلم - :\r[32] { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ } ، كما استهزءوا بك ، { فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } ، أمهلتهم وأطلت لهم المدة ومنه الملوان وهما الليل والنهار ، { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } عاقبتهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار, { فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } ، أي : عقابي لهم .","part":4,"page":243},{"id":1744,"text":"[33] { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } أي : حافظها ورازقها وعالم بها ومجازيها بما عملت ، وجوابه محذوف تقديره : كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه, { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ } بينوا أسماءهم وقيل صفوهم ثم انظروا هل هي أهل لأن تعبد { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ } أي : تخبرون الله { بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ } فإنه لا يعلم لنفسه شريكا ولا في الأرض إلها غيره { أَمْ بِظَاهِرٍ } يعني : أم تتعلقون بظاهر ، { مِنَ الْقَوْلِ } ، مسموع وهو في الحقيقة باطل لا أصل له . وقيل : بزائل من القول { بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ } . كيدهم . وقال مجاهد : شركهم وكذبهم على الله, { وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ } أي : صرفوا عن الدين { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ } . بخذلانه إياه, { فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }\r[34] { لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، بالقتل والأسر, { وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ } , أشد { وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ } مانع يمنعهم من العذاب .","part":4,"page":244},{"id":1745,"text":"[35] قوله عز وجل : { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ } صفة الجنة ، كقوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى } أي : الصفة العليا, { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } أي : صفة الجنة التي وعد المتقون أن الأنهار تجري من تحتها . وقيل : مثل صلة مجازها الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار . { أُكُلُهَا دَائِمٌ } أي : لا ينقطع ثمرها ونعيمها ، { وَظِلُّهَا } أي : ظلها ظليل لا يزول وهو رد على الجهمية حيث قالوا إن نعيم الجنة يفنى . { تِلْكَ عُقْبَى } أي عاقبة { الَّذِينَ اتَّقَوْا } يعني الجنة, { وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ }","part":4,"page":245},{"id":1746,"text":"[36] قوله تعالى : { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } يعني : القرآن وهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - { يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } من القرآن, { وَمِنَ الْأَحْزَابِ } يعني : الكفار الذين تحزبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم اليهود والنصارى, { مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ } ، هذا قول مجاهد وقتادة . وقال الآخرون : كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكره في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة , فلما كرر الله ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل الله سبحانه وتعالى : { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ } يعني : مشركي مكة حين كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم , قالوا : ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة , يعنون مسيلمة الكذاب , فأنزل الله عز وجل { وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ } , { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ } , وإنما قال : { بَعْضَهُ } لأنهم كانوا لا ينكرون ذكر الله وينكرون ذكر الرحمن . {","part":4,"page":246},{"id":1747,"text":"قُلْ } , يا محمد , { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } أي : مرجعي .\r[37] { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا } ، يقول : كما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد فأنكره الأحزاب كذلك أنزلنا إليك الحكم والدين عربيا ، نسب إلى العرب لأنه نزل بلغتهم فكذب به الأحزاب . وقيل : نظم الآية كما أنزل الكتب على الرسل بلغاتهم فكذلك أنزلنا عليك الكتاب حكما عربيا . { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ } . وقيل : في القبلة ، { أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ } يعني : من ناصر ولا حافظ .","part":4,"page":247},{"id":1748,"text":"[38] قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ } ، روي أن اليهود ، وقيل : إن المشركين قالوا : إن هذا الرجل ليست له همة إلا في النساء فأنزل الله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً } ، وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ، { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } ، يقول : لكل أمر قضاه الله كتاب قد كتبه فيه . وقيل : فيه تقديم وتأخير تقديره أي : لكل كتاب أجل ومدة أي : الكتب المنزلة لكل واحد منها وقت ينزل فيه .","part":4,"page":248},{"id":1749,"text":"[39] { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } ، قرأ ابن كثير وأبو عمر وعاصم ويعقوب { وَيُثْبِتُ } بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتشديد . واختلفوا في معنى الآية فقال سعيد بن جبير وقتادة : يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه . وقال ابن عباس : يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة وقيل : معنى الآية إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ، مثل قوله : أكلت ، شربت ، دخلت ، خرجت ، ونحوها من كلام هو صادق فيه ، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب ، هذا قول الضحاك والكلبي . وقال الكلبي : يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب ، وقال عطية عن ابن عباس : هو الرجل يعمل بطاعة الله عز وجل ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو ، والذي يثبت الرجل يعمل بطاعة الله فيموت وهو في طاعة الله عز وجل فهو الذي يثبت . وقال الحسن : { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ } أي من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجىء أجله إلى يوم أجله . وعن سعيد ابن جبير قال : { يَمْحُوا","part":4,"page":249},{"id":1750,"text":"اللَّهُ مَا يَشَاءُ } من ذنوب العباد فيغفرها ويثبت ما يشاء فلا يغفرها . وقال عكرمة : { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ } من الذنوب بالتوبة ويثبت بدل الذنوب حسنات ، كما قال الله تعالى : { فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } . وقال السدي : { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ } يعني القمر { وَيُثْبِتُ } يعني الشمس بيانه قوله تعالى : { فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً } وقال الربيع : هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم فمن أراد موته محاه فأمسكه ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه ، بيانه قوله عز وجل : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا } الآية . { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } ، أي : أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير . وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما : هما كتابان : كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت ، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء . وعن عطاء عن ابن عباس قال : إن لله تعالى لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء لها دفتان من يا قوت لله في كل يوم فيه ثلاثمائة وستون لحظة { يَمْحُوا اللَّهُ مَا","part":4,"page":250},{"id":1751,"text":"يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } . وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب فقال : علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون .\r[40] { وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ } ، من العذاب قبل وفاتك ، { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } ، قبل ذلك ، { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ } ، ليس عليك إلا ذلك ، { وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ } ، الجزاء يوم القيامة .","part":4,"page":251},{"id":1752,"text":"[41] قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْا } يعني : أهل مكة الذين يسألون محمدا - صلى الله عليه وسلم - الآيات ، { أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } ، أكثر المفسرين على أن المراد منه فتح ديار الشرك ، فإن ما زاد في ديار الإسلام فقد نقصر مع ديار الشرك ، يقول : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } فنفتحها لمحمد أرضا بعد أرض حوالي أرضهم ، أفلا يعتبرون ؟ هذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة . وقال قوم : هو خراب الأرض معناه أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنخربها ونهلك أهلها أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك ؟ وقال مجاهد : هو خراب الأرض وقبض أهلها . وعن عكرمة قال : قبض الناس . وعن الشعبي مثله . وقال عطاء وجماعة : نقصانها موت العلماء ، وذهاب الفقهاء قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا » (1) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في العلم 1 / 194 ومسلم في العلم رقم (2673) 4 / 2058 .","part":4,"page":252},{"id":1753,"text":"{ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ } ، لاراد لقضائه ولا ناقض لحكمه ، { وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .\r[42] { وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، يعني : من قبل مشركي مكة ، والمكر : إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر ، { فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا } ، أي : عند الله جزاء مكرهم . وقيل : إن الله خالق مكرهم جميعا بيده الخير والشر وإليه النفع والضر ، فلا يضر أحد أحدا إلا بإذنه ، { يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ } أي : عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار ويدخل المؤمنون الجنة .\r{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ }","part":4,"page":253},{"id":1754,"text":"[43] { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } ، إني رسول إليكم { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } ، يريد مؤمني أهل الكتاب يشهدون أيضا على ذلك . قال قتادة : هو عبد الله بن سلام . وأنكر الشعبي هذا وقال : السورة مكية ، وعبد الله بن سلام أسلم بالمدينة ، وقال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } أهو عبد الله بن سلام ؟ فقال : وكيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية ؟ وقال الحسن ومجاهد : ومن عنده علم الكتاب هو الله عز وجل يدل عليه قراءة عبد الله بن عباس ، وَمِنْ عِنْدِهُ بكسر الميم والدال أي : من عند الله عز وجل . وقرأ الحسن وسعيد بن جبير وَمَنْ عِنْدَهُ بكسر الميم والدال عُلِم الكتاب على الفعل المجهول ، دليل هذه القراءة : { وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } وقوله : { الرَّحْمَنُ }{ عَلَّمَ الْقُرْآنَ } .","part":4,"page":254},{"id":1755,"text":"(14) سورة إبراهيم\r[1] { الر كِتَابٌ } أي : هذا كتاب { أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ } ، يا محمد يعني القرآن ، { لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي : لتدعوهم من ظلمات الضلالة إلى نور الإيمان ، { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } ، بأمر ربهم . وقيل : بعلم ربهم ، { إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } أي : إلى دينه والعزيز هو الغالب والحميد المستحق بالحمد .\r[2] { اللَّهِ } قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر الله بالرفع على الاستئناف وخبره فيما بعده ، وقرأ الآخرون بالخفض نعتا للعزيز الحميد ، وكان يعقوب إذا وصل خفض وقال أبو عمرو : الخفض على التقديم والتأخير تقديره إلى صراط الله العزيز الحميد ، { الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } .","part":4,"page":255},{"id":1756,"text":"[3] { الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ } ، يختارون ، { الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، أي : يمنعون الناس عن قبول دين الله ، { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } ، يطلبونها زيغا وميلا يريد يطلبون سبيل الله جائرين عن القصد . وقيل : الهاء راجعة إلى الدنيا ومعناه يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق ، أي بجهة الحرام . { أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ } .\r[4] قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } ، بلغتهم ليفهموا عنه فإن قيل : كيف هذا وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كافة الخلق ؟ قيل : بعث من العرب بلسانهم والناس تبع لهم ثم بث الرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله عز وجل ويترجمون لهم بألسنتهم ، { فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }","part":4,"page":256},{"id":1757,"text":"[5] { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي : من الكفر إلى الإيمان بالدعوة ، { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ } ، قال ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة : بنعم الله . وقال مقاتل : بوقائع الله في الأمم السالفة . يقال فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم ، وإنما أراد بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة فاجتزأ بذكر الأيام عنها لأنها كانت معلومة عندهم ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } ، الصبار : الكثير الصبر ، والشكور : الكثير الشكر ، وأراد لكل مؤمن لأن الصبر والشكر من خصال المؤمنين .","part":4,"page":257},{"id":1758,"text":"[6] { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } ، قال الفراء : العلة الجالبة لهذه الواو أن الله تعالى أخبرهم أن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع العذاب غير التذبيح ، وبالتذبيح وحيث طرح الواو في يذبحون ويقتلون أراد تفسير العذاب الذي كانوا يسومونهم ، { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } ، يتركوهن أحياء { وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } .\r[7] { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ } ، أي : أعلم ، يقال : أذن وتأذن بمعنى واحد ، مثل أوعد وتوعد ، { لَئِنْ شَكَرْتُمْ } نعمتي فآمنتم وأطعتم { لَأَزِيدَنَّكُمْ } في النعمة . وقيل : الشكر قيد الموجود وصيد المفقود . وقيل : لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب .\r{ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ } ، نعمتي فجحدتموها ولم تشكروها ، { إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } .\r[8] { وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ } أي : غني عن خلقه حميد محمود في أفعاله لأنه فيها متفضل وعادل .","part":4,"page":258},{"id":1759,"text":"[9] { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ } ، خبر الذين { مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ } ، يعني : من كان بعد قوم نوح وعاد وثمود { جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } بالدلالات الواضحات ، { فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ } ، قال ابن مسعود : عضوا على أيديهم غيظا كما قال : عضوا عليكم الأنامل من الغيظ . قال ابن عباس : لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم . قال مجاهد وقتادة : كذبوا الرسل وردوا ما جاءوا به ، يقال : رددت قول فلان في فيه أي كذبته . وقال الكلبي : يعني أن الأمم ردوا أيديهم في أفواههم أي في أفواه أنفسهم أي وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا . وقال مقاتل : فردوا أيديهم على أفواه الرسل يسكتونهم بذلك . وقيل : إن الأيدي بمعنى النعم معناه . ردوا ما لو قبلوا كانت أيادي ونعما في أفواههم أي : بأفواههم يعني : بألسنتهم . { وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } ، موجب للريبة موقع للتهمة .","part":4,"page":259},{"id":1760,"text":"[10] { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ } ، هذا استفهام بمعنى نفي ما اعتقدوه ، { فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، خالقهما ، { يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } ، أي : ذنوبكم ، و { مِنْ } صلة ، { وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } ، إلى حين استيفاء آجالكم فلا يعاجلكم بالعذاب ، { قَالُوا } ، للرسل ، { إِنْ أَنْتُمْ } ، ما أنتم ، { إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا } ، في الصورة والجسم ولستم ملائكة وإنما { تُرِيدُونَ } ، بقولكم ، { أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ، حجة بينة على صحة دعواكم .","part":4,"page":260},{"id":1761,"text":"[11] { قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } ، بالنبوة والحكمة ، { وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } .\r[12] { وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ } وقد عرفنا أن لا ننال شيئا إلا بقضائه وقدره ، { وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا } ، بين لنا الرشد وبصرنا طريق النجاة . { وَلَنَصْبِرَنَّ } ، اللام لام القسم مجازا ، والله لنصبرن { عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } .\r[13] { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } ، يعنون إلا أن ترجعوا أو حتى ترجعوا إلى ديننا ، { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ } .","part":4,"page":261},{"id":1762,"text":"[14] { وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي : بعد هلاكهم ، { ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي } أي : خاف قيامه بين يدي كما قال : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } ، فأضاف قيام العبد إلى نفسه ، كما تقول : ندمت على ضربك أي على ضربي إياك ، { وَخَافَ وَعِيدِ } أي عقابي .","part":4,"page":262},{"id":1763,"text":"[15] قوله : { وَاسْتَفْتَحُوا } أي : استنصروا . قال ابن عباس ومقاتل : يعني الأمم وذلك أنهم قالوا : اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا ، نظيره قوله تعالى : { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ } ، وقال مجاهد وقتادة : واستفتحوا يعني الرسل وذلك أنهم لما يئسوا من إيمان قومهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب ، كما قال نوح : { رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } وقال موسى : { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ } ، الآية : { وَخَابَ } ، خسر . وقيل : هلك ، { كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } والجبار : الذي لا يرى فوقه أحدا . والجبرية : طلب العلو بما لا غاية وراءه . وهذا الوصف لا يكون إلا لله عز وجل . وقيل : الجبار : الذي يجبر الخلق على مراده ، والعنيد : المعاند للحق ومجانبه . قاله مجاهد ، وعن ابن عباس : هو المعرض عن الحق . وقال مقاتل : هو المتكبر . وقال قتادة : العنيد الذي أبى أن يقول : لا إله إلا الله .","part":4,"page":263},{"id":1764,"text":"[16] { مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } أي : أمامه كقوله تعالى : { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ } أي أمامهم . قال أبو عبيدة : هو من الأضداد . وقال الأخفش : هو كما يقال : هذا الأمر من ورائك يريد أنه سيأتيك ، وأنا من وراء فلان يعني أصل إليه . وقال مقاتل : من ورائه جهنم أي بعده . { وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ } أي : من ماء هو صديد وهو ما يسيل من أبدان الكفار من القيح والدم . وقال محمد بن كعب : ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر .","part":4,"page":264},{"id":1765,"text":"[17] { يَتَجَرَّعُهُ } أي : يتحساه ويشربه لا بمرة واحدة بل جرعة جرعة لمرارته وحرارته ، { وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ } ، يكاد صلة أي لا يسيغه ، كقوله تعالى : { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } أي : لم يرها ، قال ابن عباس : لا يجيزه . وقيل : معناه : يكاد لا يسيغه ويسيغه فيغلي في جوفه يقول الله عز وجل : { وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } , ويقول : { وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ } , يعني يجدهم الموت وألمه من كل مكان من أعضائه , قال إبراهيم التيمي : حتى من تحت كل شعرة من جسده . وقيل : يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله, { وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } , فيستريح ، قال ابن جريج : تعلق بنفسه عند حنجرته ولا تخرج من فيه فيموت ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة . نظيرها { لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا } , { وَمِنْ وَرَائِهِ } , أمامه , { عَذَابٌ غَلِيظٌ } , شديد, وقيل : العذاب الغليظ : الخلود في النار .\r[18] { مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ }","part":4,"page":265},{"id":1766,"text":"يعني : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كقوله تعالى : { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ } أي : ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة { كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } ، وصف اليوم بالعصوف ، والعصوف من صفة الريح لأن الريح تكون فيه ، كما يقال : يوم حار ، ويوم بارد لأن الحر والبرد فيه . وقيل : معناه في يوم عاصف الريح فحذف الريح لأنها قد ذكرت من قبل ، وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يريد أنهم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا ؛ لأنهم أشركوا فيها غير الله كالرماد الذي ذرته الريح لا ينتفع به ، فذلك قوله تعالى : { لَا يَقْدِرُونَ } ، يعني : الكفار { مِمَّا كَسَبُوا } ، في الدنيا ، { عَلَى شَيْءٍ } ، في الآخرة ، { ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } .","part":4,"page":266},{"id":1767,"text":"[19] { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } ، قرأ حمزة والكسائي خاَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وفي سورة النور ( خالق كل دابة ) مضافا ، وقرأ الآخرون (خلق) على الماضي وَالْأَرْض وكل بالنصب ، { بِالْحَقِّ } أي : لم يخلقهما باطلا وإنما خلقهما لأمر عظيم ، { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } ، سواكم أطوع لله منكم .\r[20] { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } منيع شديد ، يعني أن الأشياء تسهل في القدرة لا يصعب على الله شيء وإن جل وعظم .","part":4,"page":267},{"id":1768,"text":"[21] قوله تعالى : { وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا } أي : خرجوا من قبورهم إلى الله وظهروا جميعا ، { فَقَالَ الضُّعَفَاءُ } ، يعني الأتباع ، { لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } ، أي : تكبروا على الناس وهم القادة والرؤساء ، { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } جمع تابع مثل حرس وحارس ، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ } ، دافعون ، { عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا } ، يعني القادة للمتبوعين ، { لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } أي : لو هدانا الله لدعوناكم إلى الهدى ، فلما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة ، { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ } ، مهرب ولا منجا .","part":4,"page":268},{"id":1769,"text":"[22] { وَقَالَ الشَّيْطَانُ } ، يعني : إبليس ، { لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ } ، أي فرغ منه فأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، وقال مقاتل : يوضع له منبر في النار فيرقاه فيجتمع عليه الكفار بالأئمة فيقول لهم ، { إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ } ، فوفى لكم به ، { وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } ، وقيل : يقول لهم : قلت لكم : لا بعث ولا جنة ولا نار . { وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ } ولاية . وقيل : لم آتكم بحجة فيما دعوتكم إليه ، { إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ } ، هذا استثناء منقطع معناه : ولكن { دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ } ، بإجابتي ومتابعتي من غير سلطان ولا برهان ، { مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ } ، بمغيثكم { وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ } بمغيثي { إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ } أي : كفرت بجعلكم إياي شريكا في عبادته وتبرأت من ذلك ، { إِنَّ الظَّالِمِينَ } ، الكافرين ، { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .","part":4,"page":269},{"id":1770,"text":"[23] قوله تعالى : { وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ } ، يسلم بعضهم على بعض وتسلم الملائكة عليهم . وقيل : المحيي بالسلام هو الله عز وجل .\r[24] وقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا } ، ألم تعلم ، والمثل قول سائر لتشبيه شيء بشيء { كَلِمَةً طَيِّبَةً } ، وهي قول : لا إله إلا الله ، { كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ } ، وهي النخلة يريد كشجرة طيبة الثمرة ، وقال أبو ظبيان عن ابن عباس : هي شجرة في الجنة { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } ، في الأرض { وَفَرْعُهَا } ، أعلاها ، { فِي السَّمَاءِ } ، كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق فإذا تكلم بها عرجت فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله عز وجل . قال الله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } .","part":4,"page":270},{"id":1771,"text":"[25] { تُؤْتِي أُكُلَهَا } ، تغطي ثمرها ، { كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } ، والحين في اللغة هو الوقت ، كذلك عمل المؤمن يصعد أول النهار وآخره وبركة إيمانه لا تنقطع أبدا ، بل تصل إليه في كل وقت ، والحكمة في تمثيل الإيمان بالشجرة هي أن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء : عرق راسخ ، وأصل قائم ، وفرع عال كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق بالقلب ، وقول باللسان ، وعمل بالأبدان . { وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } .\r[26] { وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ } . وهي الشرك ، { كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } وهي الحنظل . وقيل : هي الثوم . وقيل : الكشوت (1) .\r{ اجْتُثَّتْ } ، يعني انقلعت ، { مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ } ، ثبات ، معناه وليس لها أصل ثابت في الأرض ، ولا فرع صاعد إلى السماء , كذلك الكافر لا خير فيه ولا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح .\r_________\r(1) في لسان العرب 2 / 181 «الكشوث والأكشوث» نبات مجتث مقطوع الأصل, وقيل لا أصل له, وهو أصفر يتعلق بأطراف الشوك وغيره وقال الجوهري : نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض .","part":4,"page":271},{"id":1772,"text":"[27] قوله تعالى : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ } , كلمة التوحيد وهي قول لا إله إلا الله { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } , يعني قبل الموت , { وَفِي الْآخِرَةِ } , يعني في القبر هذا قول أكثر المفسرين وقيل في الحياة الدنيا عند السؤال في القبر, وفي الآخرة : عند البعث , والأول أصح { وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ } أي : لا يهدي المشركين إلى الجواب بالصواب في القبر { وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } , من التوفيق والخذلان والتثبيت وترك التثبت .\r[28] قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا } عن ابن عباس : هم كفار قريش . وقال عمر : هم قريش ، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - نعمة الله { وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ } ، قال : البوار يوم بدر ، قوله : { بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ } أي : غيروا نعمة الله عليهم في محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث ابتعثه الله منهم كفرا كفروا به فأحلوا أي أنزلوا قومهم ممن تابعهم على كفرهم دار البوار الهلاك ، ثم بين دار البوار فقال :","part":4,"page":272},{"id":1773,"text":"[29] { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا } ، يدخلونها { وَبِئْسَ الْقَرَارُ } ، المستقر .\r[30] { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } ، أمثالا وليس لله تعالى ند ، { لِيُضِلُّوا } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكذلك في الحج وسورة لقمان والزمر (ليضل) وقرأ الآخرون بضم الياء على معنى : ليضلوا الناس ، { عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا } ، عيشوا في الدنيا ، { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ } .\r[31] { قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ } قال الفراء : هذا جزم على الجزاء, { وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ } مخاللة وصداقة .\r[32] { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } بإذنه . { وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ } ذللها لكم تجرونها حيث شئتم .","part":4,"page":273},{"id":1774,"text":"[33] { وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ } يجريان فيما يعود إلى مصالح العباد ولا يفتران ، قال ابن عباس : دؤوبهما في طاعة الله عز وجل ، { وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } ، يتعاقبان في الضياء والظلمة والنقصان والزيادة .","part":4,"page":274},{"id":1775,"text":"[34] { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } ، يعني : آتاكم من كل شيء سألتموه شيئا ، فحذف الشيء الثاني اكتفاء بدلالة الكلام على التبغيض , وقيل : هو على التكثير نحو قولك : فلان يعلم كل شيء, وآتاه كل الناس ، وأنت تريد بعضهم نظيره قوله تعالى : { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } ، وقرأ الحسن مِنْ كُلٍّ بالتنوين ما على النفي يعني من كل ما لم تسألوه ، يعني : أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها ، { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ } ، أي : نعم الله ، { لَا تُحْصُوهَا } ، أي : لا تطيقوا عدها ولا القيام بشكرها ، { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } ، أي ظالم لنفسه بالمعصية كافر بربه في نعمته وقيل : الظلوم الذي يشكر غير من أنعم عليه والكافر من يجحد منعمه .","part":4,"page":275},{"id":1776,"text":"[35] قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ } ، يعني : الحرم ، { آمِنًا } ذا أمن يؤمن فيه ، { وَاجْنُبْنِي } أبعدني ، { وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } ، يقال : جنبت الشيء وأجنبته جنبا وجنبته تجنيبا واجتنبته اجتنابا بمعنى واحد ، فإن قيل : قد كان إبراهيم معصوما من عبادة بنيه الأصنام فكيف يستقيم السؤال وقد عبد كثير من بنيه الأصنام فأين الإجابة ؟ قيل : الدعاء في حق إبراهيم لزيادة العصمة والتثبيت وأما دعاؤه لبنيه فأراد بنيه من صلبه ولم يعبد منهم أحد الصنم . وقيل : إن دعاءه لمن كان مؤمنا من بنيه .","part":4,"page":276},{"id":1777,"text":"[36] { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ } يعني : ضل بهن كثير من الناس عن طريق الهدى حتى عبدوهن ، وهذا من المقلوب نظيره قوله تعالى : { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } ، أي : يخوفهم بأوليائه ، وقيل : نسب الإضلال إلى الأصنام لأنهن سبب فيه كما يقول القائل : فتنتني الدنيا ، نسب الفتنة إلى الدنيا لأنها سبب الفتنة . { فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } ، أي : من أهل ديني وملتي ، { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، قال السدي : معناه : \" ومن عصاني ثم تاب \" وقال مقاتل بن حيان : ومن عصاني فيما دون الشرك . وقيل : قال ذلك قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك .","part":4,"page":277},{"id":1778,"text":"[37] قوله تعالى : { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي } ، أدخل من للتبعيض ، ومجاز الآية : أسكنت من ذريتي ولدا ، { بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } ، وهو مكة لأن مكة واد بين جبلين ، { عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ } سماه محرما لأنه يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره { رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ } الأفئدة جمع الفؤاد { تَهْوِي إِلَيْهِمْ } ، تشتاق وتحن إليهن . قال السدي : معناه : أمل قلوبهم إلى هذا الموضع ، قال مجاهد : لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم فارس والروم والترك والهند . وقال سعيد بن جبير : لحجت اليهود والنصارى والمجوس ولكنه قال : أفئدة من الناس وهم المسلمون . { وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ } ، ما رزقت سكان القرى ذوات الماء ، { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } .","part":4,"page":278},{"id":1779,"text":"[38] { رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ } ، من أمورنا . وقال ابن عباس ومقاتل : من الوجد بإسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ذي زرع . { وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ } قيل : هذا كله قول إبراهيم متصل بما قبله . وقال الأكثرون : يقول الله عز وجل { وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ } .\r[39] { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ } ، أعطاني على كبر السن ، { إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } ، قال ابن عباس : ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة ، وولد إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة . وقال سعيد بن جبير : بشر إبراهيم بإسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة .\r[40] { رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ } ، يعني : ممن يقيم الصلاة بأركانها ويحافظ عليها ، { وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } يعني : اجعل من ذريتي من يقيمون الصلاة . { رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ } ، أي : عملي وعبادتي ، سمى العبادة دعاء وقيل : معناه استجب دعائي .","part":4,"page":279},{"id":1780,"text":"[41] { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ } ، فإن قيل : كيف استغفر لوالديه وهما غير مؤمنين ؟ قيل : قد قيل : إن أمه أسلمت ، وقيل : أراد إن أسلما وتابا ، وقيل : قال ذلك قبل أن يتبين له أمر أبيه وقد بين الله عذر خليله في استغفاره لأبيه في سورة التوبة . { وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ، أي : اغفر للمؤمنين كلهم ، { يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ } ، أي يبدو ويظهر . وقيل : أراد يوم الحساب يوم يقوم الناس للحساب ، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوما .\r[42] قوله تعالى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ } الغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور ، والآية لتسلية المظلوم وتهديد للظالم ، { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ } أي : لا تغمض من هول ما ترى في ذلك اليوم ، وقيل : ترتفع وتزول عن أماكنها .","part":4,"page":280},{"id":1781,"text":"[43] { مُهْطِعِينَ } ، قال قتادة : مسرعين . قال سعيد بن جبير : الاهطاع النسلان كعدو الذئب ، وقال مجاهد : مديمي النظر ، ومعنى الإهطاع أنهم لا يلتفتون يمينا ولا شمالا ، ولا يعرفون مواطن أقدامهم ، { مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ } ، أي رافعي رءوسهم ، قال القتيبي : المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل بصره على ما بين يديه . وقال الحسن : وجوه الناس يومئذ إلى الماء لا ينظر أحد إلى أحد ، { لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } ، لا ترجع إليهم أبصارهم مع شدة النظر ، وهي شاخصة قد شغلهم ما بين أيديهم . { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } ، أي خالية . قال قتادة : خرجت قلوبهم عن صدورهم فصارت في حناجرهم ، لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى مكانها ، فأفئدتهم هواء لا شيء فيها ومنه سمي ما بين السماء والأرض هواء لخلوه ، وقيل : خالية لا تعي شيئا ولا تعقل من الخوف . وقال الأخفش : جوفا لا عقول لها . والعرب تسمي كل أجوف خلو هواء . قال سعيد بن جبير : وأفئدتهم هواء أي : مترددة تمور في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه ، وحقيقة المعنى : أن القلوب زائلة عن أماكنها والأبصار شاخصة من هول ذلك اليوم .","part":4,"page":281},{"id":1782,"text":"[44] { وَأَنْذِرِ النَّاسَ } ، خوفهم ، { يَوْمَ } ، أي : بيوم { يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ } . هو يوم القيامة { فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، أشركوا ، { رَبَّنَا أَخِّرْنَا } ، أمهلنا { إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } ، هذا سؤالهم الرد إلى الدنيا ، أي : ارجعنا { نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ } ، فيجابون : { أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ } ، حلفتم في دار الدنيا ، { مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ } ، عنها أي : لا تبعثون . وهو قوله تعالى : { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ } .\r[45] { وَسَكَنْتُمْ } ، في الدنيا ، { فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } ، بالكفر والعصيان ، يعني قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم . { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } ، أي : عرفتم عقوبتنا إياهم ، { وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ } ، أي بينا مثلكم كمثلهم .","part":4,"page":282},{"id":1783,"text":"[46] { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ } ، أي : جزاء مكرهم ، { وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ } ، قرأ علي وابن مسعود : (وإن كاد مكرهم) بالدال ، وقرأ العامة بالنون . { لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ } ، قرأ العامة لتزول بكسر اللام الأولى ونصب الثانية ، معناه : وما كان مكرهم لتزول . قال الحسن : إن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال . وقيل : معناه إن مكرهم لا يزيل أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي هو ثابت كثبوت الجبال . وقرأ ابن جريج والكسائي : لَتَزُولُ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية ، معناه : إن مكرهم وإن عظم حتى بلغ محلا يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد . وقال قتادة : معناه : وإن كان مكرهم شركهم لتزول منه الجبال وهو قوله تعالى . { وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا }{ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا } .\r[47] { فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } ، بالنصر لأوليائه وهلاك أعدائه ، وفيه تقديم وتأخير ، تقديره : ولا تحسبن الله مخلف رسله وعده ، { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } .","part":4,"page":283},{"id":1784,"text":"[48] قوله تعالى : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ } قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد » (1) .\rوعن ابن مسعود في هذه الآية قال : تبدل الأرض بأرض كفضة بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم تعمل فيها خطيئة وقيل : معنى التبديل جعل السماوات جنانا وجعل الأرض نيرانا . وقيل : تبديل الأرض تغييرها من هيئة إلى هيئة ، وهي تسيير جبالها ولهم أنهارها وتسوية أوديتها وقلع أشجارها وجعلها قاعا صفصفا ، وتبديل السماوات تغييرها عن حالها بتكوير شمسها ، وخسوف قمرها وانتثار نجومها ، وكونها مرة كالدهان ، ومرة كالمهل . عن عائشة قالت : « سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله عز وجل : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ } فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله ؟ فقال : (على الصراط » (2) .\r{ وَبَرَزُوا } ، خرجوا من قبورهم ، { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 372 ومسلم في صفات المنافقين رقم (2790) 4 / 2150 والمصنف في شرح السنة 5 / 112 .\r(2) أخرجه مسلم في صفات المنافقين رقم (2791) 4 / 2150 والمصنف في شرح السنة 15 / 107 .","part":4,"page":284},{"id":1785,"text":"[49] { وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ } ، مشدودين بعضهم ببعض ، { فِي الْأَصْفَادِ } ، في القيود والأغلال واحدها : صفد ، وكل من شددته شدا وثيقا فقد صفدته وقيل : يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة ، بيانه قوله تعالى : { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } ، يعني : قرناءهم من الشياطين وقيل : معناه مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد والقيود ، ومنه قيل للجبل : قرن .\r[50] { سَرَابِيلُهُمْ } ، أي : قمصهم ، واحدها : سربال . { مِنْ قَطِرَانٍ } هو ما تهنأ به الإبل ، وقرأ عكرمة ويعقوب مِنْ قَطِرٍ آنٍ على كلمتين منونتين ، والقطر النحاس والصفر المذاب ، والآن الذي انتهى حره ، قال الله تعالى : { يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } . { وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ } ، أي : تعلو .\r[51] { لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ } ، من خير وشر ، { إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .\r[52] { هَذَا } ، أي : هذا القرآن ، { بَلَاغٌ } ، أي تبليغ وعظة ، { لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا } .","part":4,"page":285},{"id":1786,"text":"وليخوفوا ، { بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } ، أي ليستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله ، { وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } ، أي : ليتعظ أولو العقول .","part":4,"page":286},{"id":1787,"text":"(15) سورة الحجر\r[1] { الر } معناه أنا الله أرى ، { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ } ، أي : هذه آيات الكتاب ، { وَقُرْآنٍ } أي : وآيات قرآن ، { مُبِينٍ } ، أي : بيّن الحلال من الحرام والحق من الباطل ، فإن قيل : لما ذكر الكتاب ثم قال : { وَقُرْآنٍ مُبِينٍ } وكلاهما واحد ؟ قلنا : قد قيل كل وأحد منهما يفيد فائدة أخرى فإن الكتاب ما يكتب والقرآن ما يجمع بعضه إلى بعض . وقيل : المراد بالكتاب التوراة والإنجيل وبالقرآن هذا الكتاب .\r[2] { رُبَمَا } ، قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم بتحفيف الباء والباقون بتشديدهما وهما لغتان ، ورب للتقليل وكم للتكثير ، ورب تدخل على الاسم وربما على الفعل ، يقال : رب رجل جاءني وربما جاءني رجل ، وأدخل ما هاهنا للفعل بعدها . { يَوَدُّ } يتمنى ، { الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ } ، واختلف في الحالة التي يتمنى الكافر فيها الإسلام ، قال الضحاك : حالة المعاينة . وقيل : يوم القيامة . والمشهور أنه حين يخرج الله المؤمنين من النار .","part":4,"page":287},{"id":1788,"text":"[3] { ذَرْهُمْ } ، يا محمد يعني الذين كفروا ، { يَأْكُلُوا } في الدنيا ، { وَيَتَمَتَّعُوا } ، من لذاتهم { وَيُلْهِهِمُ } ، يشغلهم ، { الْأَمَلُ } ، عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة ، { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } ، إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا ، وهذا تهديد ووعيد . وقال بعض أهل العلم : ذرهم تهديد وقوله : فسوف يعلمون ، تهديد آخر ، فمتى يهنأ العيش بين تهديدين . والآية نسختها آية القتال .\r[4] { وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ } ، أي : من أهل قرية ، { إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ } ، أي أجل مضروب لا يتقدم عليه ولا يأتيهم العذاب حتى يبلغوه ولا يتأخر عنهم .\r[5] { مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } ، من صلة أي : ما تسبق أمة أجلها { وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } ، أي : الموت لا يتقدم ولا يتأخر ، وقيل : العذاب . وقيل : الأجل المضروب .\r[6] { وَقَالُوا } يعني : مشركي مكة ، { يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ } ، أي : القرآن وأرادوا به محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، { إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } ، وذكروا تنزيل الذكر على سبيل الاستهزاء .","part":4,"page":288},{"id":1789,"text":"[7] { لَوْ مَا } هلا { تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ } ، شاهدين لك بالصدق على ما تقول إن الله أرسلك ، { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } ، إنك نبي .\r[8] { مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ } ، قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر بنونين الْمَلَائِكَةَ نصب ، وقرأ أبو بكر بالتاء وضمها وفتح الزاي الملائكة رفع وقرأ الباقون بالتاء وفتحها وفتح الزاي الْمَلَائِكَةُ رفع . { إِلَّا بِالْحَقِّ } أي : بالعذاب ولو نزلت يعني الملائكة لعجلوا بالعذاب ، { وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ } أي : مؤخرين ، وقد كان الكفار يطلبون إنزال الملائكة عيانا فأجابهم الله تعالى بهذا . ومعناه أنهم لو نزلوا أعيانا لزال عن الكفار الإمهال وعذبوا في الحال .","part":4,"page":289},{"id":1790,"text":"[9] { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ } ، يعني القرآن ، { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ، أي : نحفظ القرآن من الشياطين أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه أو يبدلوا بغيره ، قال الله تعالى : { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } والباطل : هو إبليس لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه . وقيل : الهاء في (له) راجعة إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - أي : إنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء كما قال جل ذكره : { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } .\r[10] قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ } ، أي رسلا ، { فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ } ، أي : في الأمم والقرون الماضية ، والشيعة : هم القوم المجتمعة المتفقة كلمتهم على رأي واحد .\r[11] { وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } ، كما فعلوا بك ، ذكره تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - .","part":4,"page":290},{"id":1791,"text":"[12] { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } ، أي : كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء بالرسل في قلوب شيع الأولين كذلك نسلكه : ندخله ، { فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ } ، يعني مشركي مكة قومك ، وفيه رد على القدرية (1) .\r\r[13] { لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ } ، يعني : لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن ، { وَقَدْ خَلَتْ } ، مضت ، { سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ } ، أي : وقائع الله تعالى الإهلاك فيمن كذب الرسل من الأمم الخالية يخوف أهل مكة .\r[14] { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ } ، يعني : على الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة ، { بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ } ، فظلت الملائكة يعرجون فيه وهم يرونها عيانا ، هذا قول الأكثرين . وقال الحسن : معناه فظل هؤلاء الكفار يعرجون فيه أي : يصعدون . والأول أصح .\r[15] { لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ } ، سدت ، { أَبْصَارُنَا } ، قاله ابن عباس . وقال الحسن : سحرت ، وقال قتادة : أخذت ، وقال الكلبي : عميت . وقرأ ابن كثير سكرت بالتخفيف ، أي : حبست ومنعت النظر كما يسكر النهر لحبس الماء ، { بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ } ، أي : عمل فينا السحر فسحرنا محمد .\r_________\r(1) القدرية هم الذين ينكرون القدر ويزعمون أن كل عبد خالق لفعله ليخرجوا بذلك فعل الإنسان عن قدرة الله . انظر الوصية الكبرى لابن تيمية ص 57 تعليق (5) .","part":4,"page":291},{"id":1792,"text":"[16] قوله تعالى : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا } ، والبروج هي النجوم الكبار مأخوذة من الظهور ، يقال : تبرجت المرأة أي : ظهرت ، وأراد بها المنازل التي تنزلها الشمس والقمر والكواكب السيارة ، وهي اثنا عشر برجا : الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت . وقال عطية : هي قصور في السماء عليها الحرس { وَزَيَّنَّاهَا } ، أي السماء بالشمس والقمر والنجوم . { لِلنَّاظِرِينَ } .\r[17] { وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } ، مرجوم . وقيل : ملعون قال ابن عباس : كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات وكانوا يدخلونها ، ويأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة ما سمعوا ، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات ، فلما ولد محمد . - صلى الله عليه وسلم - منعوا من السماوات أجمع ، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب ، فلما منعوا من تلك المقاعد ذكروا ذلك لإبليس ، فقال : لقد حدث في الأرض حادث ، قال : فبعثهم فوجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو القرآن فقالوا : هذا والله حدث .","part":4,"page":292},{"id":1793,"text":"[18] { إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ } ، لكن من استرق السمع ، { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ } ، والشهاب الشعلة من النار .\r[19] قوله تعالى : { وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا } ، بسطناها { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } ، جبالا ثوابت ، وقد كانت الأرض تميد إلى أن أرساها الله بالجبال ، { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا } ، أي : في الأرض ، { مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ } ، بقدر معلوم ، وقيل : يعني في الجبال وهي جواهر من الذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها .\r[20] { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } ، جمع معيشة ، قيل : أراد بها المطاعم والمشارب والملابس . وقيل : ما يعيش به الآدمي في الدنيا ، { وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } ، أي : جعلنا فيها معايش من لستم له برازقين من الدواب والأنعام ، أي : جعلنا لكم وكفيناكم رزقها و (من) في الآية بمعنى ما ، كقوله تعالى : { فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ } ، وقيل : من في موضعها لأنه أراد المماليك مع الدواب . وقيل : من في محل الخفض عطفا على الكاف والميم في لكم .","part":4,"page":293},{"id":1794,"text":"[21] { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ } ، أي : وما من شيء ، أي : وما من شيء, { إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ } , أي مفاتيح خزائنه . وقيل : أراد به المطر ، { وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ } ، لكل أرض حد مقدر .","part":4,"page":294},{"id":1795,"text":"[22] { وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ } أي : حوامل لأنها تحمل الماء إلى السحاب ، وهو جمع لاقحة ، يقال : ناقة لاقحة إذا حملت الولد . قال ابن مسعود : يرسل الله الريح فتحمل الماء فيمر به السحاب فيدر كما تدر اللقحة ثم تمطر . وقال أبو عبيدة : أراد باللواقح الملاقح واحدتها ملقحه ، لأنها تلقح الأشجار . قال عبيد بن عمير : يبعث الله الريح المبشرة فتقم الأرض قما ثم يبعث الله المثيرة فتثير السحاب ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركاما, ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر . وقال أبو بكر بن عياش : لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيه, فالصبا تهيجه والشمال تجمعه والجنوب تذره والدبور تفرقه, { فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } أي : جعلنا المطر لكم سقيا وسقاه إذا أعطاه ما يشرب . وتقول العرب : سقيت الرجل ماء ولبنا إذا كان لسقيه, فإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه ودوابه تقول العرب : أسقيته . { وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } , يعني المطر في خزائننا لا في خزائنكم . وقال سفيان : بمانعين .","part":4,"page":295},{"id":1796,"text":"[23] { وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ } نميت جميع الخلائق, فلا يبقى حي سوانا .\r[24] { وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ } قال ابن عباس : أراد بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياء . قال الشعبي : الأولين والآخرين . وقال عكرمة : المستقدمون من خلق الله والمستأخرون من لم يخلق الله . قال مجاهد : الستقدمون القرون الأولى والمستأخرون أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال الحسن : المستقدمون في الطاعة والخير ، والمستأخرون المبطئون عنها . وقيل : المستقدمون في الصفوف في الصلاة والمستأخرون فيها .\rوقال الأوزاعي . أراد المصلين في أول الوقت والمؤخرين إلى آخره . وقال مقاتل : أراد بالمستقدمين والمستأخرين في صف القتال . وقال ابن عيينة : أراد من يسلم ومن لا يسلم .\r[25] { وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } على ما علم منهم . وقيل : يملك الكل ثم يحشرهم الأولين والآخرين . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « من مات على شيء بعثه الله عليه » (1) .\r_________\r(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 313 وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . وأخرجه الإمام أحمد في المسند 3 / 313 والمصنف في شرح السنة 14 / 401 وصححه الألباني في الصحيحة رقم (283) 1 / 510 وأخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها برقم (2878) 4 / 2204 (يبعث كل عبد على ما مات عليه) .","part":4,"page":296},{"id":1797,"text":"[26] قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ } ، يعني : آدم عليه السلام ، سمي إنسانا لظهوره وإدراك البصر إياه . وقيل : من النسيان لأنه عهد إليه فنسي . { مِنْ صَلْصَالٍ } وهو الطين اليابس الذي إذا نقرته سمعت له صلصلة ، أي : صوتا . قال ابن عباس : هو الطين الحر الطيب الذي إذا نضب عنه الماء تشقق فإذا حرك تقعقع . وقال مجاهد : هو الطين المنتن . واختاره الكسائي ، وقال : هو من صل اللحم إذا أنتن ، { مِنْ حَمَإٍ } ، والحمأ : الطين المنتن الأسود ، { مَسْنُونٍ } ، أي : متغير . قال مجاهد وقتادة : هو المنتن المتغير . وقال أبو عبيدة : هو المصبوب . تقول العرب : سننت الماء أي صببته . قال ابن عباس : هو التراب المبتل المنتن جعل صلصالا كالفخار .","part":4,"page":297},{"id":1798,"text":"[27] { وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ } ، قال ابن عباس : هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر . وقال قتادة : هو إبليس خلق قبل آدم . ويقال : الجان أبو الجن وإبليس أبو الشيطان ، وفي الجن مسلمون وكافرون ، ويحيون ويموتون ، وأما الشياطين فليس منهم مسلمون ويموتون إذا مات إبليس . وذكر وهب : إن من الجن من يولد لهم ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين ، ومن الجن من هم بمنزلة الريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون . { مِنْ نَارِ السَّمُومِ } ، والسموم ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله . يقال : السموم بالنهار والحرور بالليل . وقيل : نار السموم لهب النار . وقيل : من نار السموم أي : من نار جهنم . وعن الضحاك عن ابن عباس قال : كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم : الجن خلقوا من نار السموم وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار ، فأما الملائكة فإنهم خلقوا من النور .\r[28] قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا } ، أي : سأخلق بشرا ، { مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ } .","part":4,"page":298},{"id":1799,"text":"[29] { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } ، وعدلت صورته ، وأتممت خلقه ، { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي } ، فصار بشرا حيا والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان وأضافه إلى نفسه تشريفا ، { فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } ، سجود تحية لا سجود عبادة .\r[30] { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ } ، الذين أمروا بالسجود ، { كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } ، فإن قيل : لم قال ( كلهم أجمعون ) وقد حصل المقصود بقوله : فسجد الملائكة ؟ قلنا : زعم الخليل وسيبويه أنه ذكر ذلك تأكيدا وذكر المبرد أن قوله ( فسجد الملائكة ) كان من المحتمل أنه سجد بعضهم فذكر كلهم ليزول هذا الإشكال ، ثم كان يحتمل أنهم سجدوا في أوقات مختلفة فزال ذلك الإشكال بقوله : ( أجمعون ) .\r[31] { إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ }","part":4,"page":299},{"id":1800,"text":"[32] { قَالَ يا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } .\r[33] { قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ } ، أراد : إني أفضل منه لأنه طيني ، وأنا ناري والنار تأكل الطين .\r[34] { قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا } أي : من الجنة { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } ، طريد .\r[35] { وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } ، قيل : إن أهل السماوات يلعنون إبليس كما يلعنه أهل الأرض فهو ملعون في السماء والأرض .\r[36] { قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } ، أراد الخبيث أن لا يموت .\r[37] { قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ } .\r[38] { إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } ، أي : الوقت الذي يموت فيه الخلائق وهو النفخة الأولى .\r[39] { قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي } ، أضللتني . وقيل : خيبتني من رحمتك ، { لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ } حب الدنيا ومعاصيك ، { وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ } ، أي : لأضلنهم ، { أَجْمَعِينَ } .","part":4,"page":300},{"id":1801,"text":"[40] { إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } ، المؤمنين الذين أخلصوا لك بالطاعة والتوحيد ، ومن فتح اللام أي من أخلصته بتوحيدك فهديته واصطفيته .\r[41] { قَالَ } ، الله تعالى { هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } ، قال الحسن : معناه صراط مستقيم . قال مجاهد : الحق يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقه ولا يعوج عليه شيء . وقال الأخفش : يعني على الدلالة على الصراط المستقيم . قال الكسائي : هذا على التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه طريقك , أي : لا تفلت مني , كما قال عز وجل : { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } . وقيل : معناه على استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية .\r[42] { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } , أي : قوة . قال أهل المعاني : يعني على قلوبهم . معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي , وهؤلاء ثنية الله الذين هداهم واجتباهم . { إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } .\r[43] { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } , يعني موعد إبليس ومن تبعه .","part":4,"page":301},{"id":1802,"text":"[44] { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } , أطباق . قال علي كرم الله وجهه : تدرون كيف أبواب النار هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى, أي : سبهة أبواب بعضها فوق بعض وإن الله وضع الجنان على العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض . قال ابن جريج : النار سبع دركات أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية . { لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ } أي : لكل دركة قوم يسكنونها . وقال الضحاك : في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون ، وفي الثانية النصارى ، وفي الثالثة اليهود ، وفي الرابعة الصابئون ، في الخامسة المجوس ، وفي السادسة أهل الشرك ، وفي السابعة المنافقون ، فذلك قوله تعالى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } .\r[45] قوله تعالى : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } ، أي : في بساتين وأنهار .\r[46] { ادْخُلُوهَا } أي : يقال لهم : ادخلوا الجنة ، { بِسَلَامٍ } ، أي : بسلامة { آمِنِينَ } ، من الموت والخروج والآفات .","part":4,"page":302},{"id":1803,"text":"[47] { وَنَزَعْنَا } ، أخرجنا ، { مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } ، هو الشحناء والعداوة والحقد والحسد ، { إِخْوَانًا } ، نصب على الحال ، { عَلَى سُرُرٍ } ، جمع سرير { مُتَقَابِلِينَ } يقابل بعضهم بعضا لا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه .\r[48] { لَا يَمَسُّهُمْ } ، لا يصيبهم ، { فِيهَا نَصَبٌ } أي : تعب ، { وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ } ، هذه أنص آية في القرآن على الخلود .\r[49] قوله تعالى : { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } ، قال ابن عباس : يعني لمن تاب منهم .\r[50] { وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ } عن أبي هريرة قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : « إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة ، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار » (1) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 301 والمصنف في شرخ السنة 14 / 378 .","part":4,"page":303},{"id":1804,"text":"[51] قوله تعالى : { وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } أي : عن الضيافة ، والضيف اسم يقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى ليبشروا إبراهيم بالولد ويهلكوا قوم لوط .","part":4,"page":304},{"id":1805,"text":"[52] { إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ } ، إبراهيم ، { إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } خائفون لأنهم لم يأكلوا طعامه .\r[53] { قَالُوا لَا تَوْجَلْ } لا تخف ، { إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } ، أي : غلام في صغره عليم في كبره يعني إسحاق ، فتعجب إبراهيم عليه السلام من كبره وكبر امرأته .\r[54] { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي } أي : بالولد { عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ } ، أي : على حال الكبر قاله على طريق التعجب ، { فَبِمَ تُبَشِّرُونَي } فبأي شيء تبشرون .\r[55] { قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ } أي بالصدق ، { فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ } .\r[56] { قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ } قنط يقنط أي : من ييأس ، { مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ } ، أي : الخاسرون ، والقنوط من رحمة الله كبيرة كالأمن من مكره .\r[57] { قَالَ } إبراهيم لهم ، { فَمَا خَطْبُكُمْ } ، ما شأنكم ، { أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ } .\r[58] { قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ } ، مشركين .","part":4,"page":305},{"id":1806,"text":"[59] { إِلَّا آلَ لُوطٍ } ، أتباعه وأهل دينه ، { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } خفف الجيم حمزة والكسائي وشدده الباقون .\r[60] . { إِلَّا امْرَأَتَهُ } ، أي : امرأة لوط ، { قَدَّرْنَا } ، قضينا ، { إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ } الباقين في العذاب ، والاستثناء من النفي إثبات ، ومن الإثبات نفي ، فاستثنى امرأة لوط من الناجين فكانت ملحقة بالهالكين ، قرأ أبو بكر (قدرنا) هاهنا وفي سورة النمل بتخفيف الدال . والباقون بتشديدها .\r[61] { فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ } .\r[62] { قَالَ } لوط لهم { إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } أي : أنا لا أعرفكم .\r[63] { قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ } ، أي : يشكون في أنه نازل بهم وهو العذاب لأنه كان يوعدهم بالعذاب ولا يصدقونه .\r[64] { وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ } ، باليقين . وقيل : بالعذاب ، { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } .","part":4,"page":306},{"id":1807,"text":"[65] { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ } أي : خلفهم ، { وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ } ، حتى لا يرتاعوا من العذاب إذا نزل بقومهم . وقيل : جعل الله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوط ، { وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } ، قال ابن عباس : يعني الشام . وقال مقاتل : يعني زغر . وقيل : الأردن .\r[66] { وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ } ، أي وقضينا إلى آل لوط ذلك الأمر أي أحكمنا الأمر الذي أمرنا في قوم لوط ، وأخبرناه { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ } ، يدل عليه قراءة عبد الله وقلنا له إن دابر هؤلاء يعني أصلهم ، { مَقْطُوعٌ } ، مستأصل ، { مُصْبِحِينَ } ، إذا دخلوا في الصبح .\r[67] { وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ } ، يعني سدوم ، { يَسْتَبْشِرُونَ } ، بأضياف لوط أي : يبشر بعضهم بعضا طمعا في ركوب الفاحشة منهم .\r[68] { قَالَ } ، لوط لقومه ، { إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي } ، وحق على الرجل إكرام ضيفه , { فَلَا تَفْضَحُونِ } , فيهم .\r[69] { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ } , ولا تخجلون .","part":4,"page":307},{"id":1808,"text":"[70] { قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ } ، أي : ألم ننهك عن أن تضيف أحدا من العالمين . وقيل : ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة فإنا نركب منهم الفاحشة .","part":4,"page":308},{"id":1809,"text":"[71] { قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي } أزوجهن إياكم إن أسلمتم فأتوا الحلال ودعوا الحرام, { إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } , ما آمركم به . وقيل : أراد بالبنات نساء قومه لأن النبي كالوالد لأمته .\r[72] قال الله تعالى : { لَعَمْرُكَ } , يا محمد أي وحياتك, { إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ } , حيرتهم وضلالتهم { يَعْمَهُونَ } , يترددون, قال قتادة : يلعبون . روي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس أنه قال : ما خلق الله نفسا أكرم عليه من محمد - صلى الله عليه وسلم - وما أقسم الله تعالى بحياة أحد إلا بحياته (1) .\r[73] { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } ، أي : حين أضاءت الشمس فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا .\r[74] { فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ }\r[75] { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } ، قال ابن عباس : للناظرين . وقال مجاهد : للمتفرسين . وقال قتادة : للمعتبرين . وقال مقاتل : للمتفكرين .\r[76] { وَإِنَّهَا } ، يعني قرى قوم لوط ، { لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ } ، أي : بطريق واضح ، وقال مجاهد : بطريق معلم ليس بخفي ولا زائل .\r_________\r(1) أخرجه الطبري في تفسيره 14 / 44 والحارث بن أبي أسامة في مسنده وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية . انظر الدر المنثور 5 / 89 والمطالب العالية 3 / 347 .","part":4,"page":309},{"id":1810,"text":"[77] { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } .\r[78] { وَإِنْ كَانَ } ، وقد كان { أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ } الغيضة , { لَظَالِمِينَ } لكافرين واللام للتأكيد وهم قوم شعيب عليه السلام كانوا أصحاب غياض وشجر ملتف ، وكانت عامة شجرهم الدوم وهو المقل .\r[79] { فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ } ، بالعذاب وذلك أن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام ثم بعث سحابة فالتجئوا إليها يلتمسون الروح ، فبعث عليهم منها نارا فأحرقتهما ، فذلك قوله تعالى : { فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ }{ وَإِنَّهُمَا } يعني مدينتي قوم لوط وأصحاب الأيكة { لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ } ، لبطريق واضح مستبين .\r[80] قوله تعالى : { وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ } ، وهي مدينة ثمود قوم صالح وهي بين المدينة والشام ، { الْمُرْسَلِينَ } ، أراد صالحا وحده ، وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل كلهم .\r[81] { وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا } يعني : الناقة وولدها والبئر والآية في الناقة خروجها من الصخرة وكبرها وقرب ولادها وغزارة لبنها , { فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ } .","part":4,"page":310},{"id":1811,"text":"[82] { وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ } , من الخراب ووقوع الجبل عليهم .\r[83] { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ } , يعني : صيحة العذاب, { مُصْبِحِينَ } , أي : داخلين في وقت الصبح .\r[84] قوله تعالى : { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } , من الشرك والأعمال الخبيثة .\r[85] قوله تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ } , يعني : القيامة { لَآتِيَةٌ } , يجازي المحسن بإحسانه والمسيئ بإساءته { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } ، فأعرض عنهم واعف عفوا حسنا . نسختها آية القتال .\r[86] { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ } بخلقه .","part":4,"page":311},{"id":1812,"text":"[87] قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } ، قال عمر وعلي : فاتحة الكتاب . وهو قول قتادة وعطاء والحسن وسعيد بن جبير عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم » (1) .\r، وعن ابن مسعود قال : السبع المثاني هي فاتحة الكتاب والقرآن العظيم سائر القرآن ، واختلفوا في أن الفاتحة لم سميت مثاني ؟ فقال ابن عباس والحسن وقتادة : لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة . وقيل : لأنها مقسومة بين الله وبين العبد بنصفين نصفها ثناء ونصفها دعاء ، كما روينا عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال . « يقول الله : \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين » (2) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة الحجر 8 / 381 .\r(2) أخرجه مسلم في الصلاة رقم (395) 1 / 396 والمصنف في شرح السنة 3 / 47 .","part":4,"page":312},{"id":1813,"text":"، وقال الحسين بن الفضل : سميت مثاني لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة . وقال مجاهد : سميت مثاني لأن الله تعالى استثناها وادخرها لهذه الأمة فما أعطاها غيرهم . وقال أبو زيد البلخي : سميت مثاني لأنها تثني أهل الشر عن الفسق من قول العرب ثنيت عناني . وقيل : لأن أولها ثناء . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : إن السبع المثاني هي السبع الطوال أولها سورة البقرة وآخرها الأنفال مع التوبة . وقال بعضهم : سورة يونس بدل الأنفال ، عن ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال . « إن الله تعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطاني المئين مكان الإنجيل ، وأعطاني مكان الزبور المثاني ، وفضلني ربي بالمفصل » . وقال طاووس : القرآن كله مثاني قال الله تعالي : { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ } . وسمي القرآن مثاني لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ، وعلى هذا القول المراد بالسبع سبعة أسباع القرآن ، فيكون تقديره على هذا وهي القرآن العظيم .","part":4,"page":313},{"id":1814,"text":"[88] قوله تعالى : { لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } , يا محمد , { إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا } , أصنافا , { مِنْهُمْ } أي : من الكفار متمنيا لها, نهى الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن الرغبة في الدنيا ومزاحمة أهلها عليها, { وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } , أي : لا تغتم على ما فاتك من مشاركتهم في الدنيا وقيل : هذه الآية متصلة بما قبلها وذلك أنه لما من الله تعالى عليه بالقرآن نهاه عن الرغبة في الدنيا : , { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ } , لين جانبك { لِلْمُؤْمِنِينَ } , وارفق بهم والجناحان من ابن آدم جانباه .\r[89] { وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ } .\r[90] { كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ } قال الفراء : مجازة أنذركم عذابا كعذاب المقتسمين, حكي عن ابن عباس أنه قال : هم اليهود والنصارى .","part":4,"page":314},{"id":1815,"text":"[91] { الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } , جزّؤوه فجعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه . وقال مجاهد : هم اليهود والنصارى قسموا كتابهم ففرقوه وبدلوه . وقيل : المقتسمون قوم اقتسموا القرآن, فقال بعضهم : سحر . وقال بعضهم : شعر . وقال بعضهم : كذب . وقال بعضهم : أساطير الأولين . وقيل : الاقتسام هو أنهم فرقوا القول في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : ساحر كاهن شاعر , وقال مقاتل : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا عقاب مكة وطرفها , وقعدوا على نقابها فيقولون لمن جاء من الحجاج : لا تغتروا بهذا الرجل الخارج الذي يدعي النبوة منا, وتقول طائفة منهم : إنه مجنون وطائفة إنه كاهن وطائفة إنه شاعر, والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه حكما فإذا سئل عنه قال : صدق أولئك يعني المقتسمين . وقوله : { عِضِينَ } قيل : هو جمع عضو مأخوذ من قولهم عضيت الشيء تعضية ، إذا فرقته ومعناه أنهم جعلوا القرآن أعضاء ، فقال بعضهم : سحر . وقال بعضهم : كهانة . وقال بعضهم : أساطير الأولين . وقيل : هو جمع عضة . يقال : عضة وعضين مثل برة وبرين وعزة وعزين ، وأصلها عضهة ذهبت هاؤها الأصلية","part":4,"page":315},{"id":1816,"text":"كما نقصوا من الشفة وأصلها شفهة بدليل أنك تقول في التصغير شفيهة ، والمراد بالعضة الكذب والبهتان . وقيل : المراد بالعضين العضة وهو السحر يريد أنهم سموا القرآن سحرا .\r[92] { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } ، يوم القيامة .","part":4,"page":316},{"id":1817,"text":"[93] { عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } في الدنيا قال محمد بن إسماعيل : قال عدة من أهل العلم عن قوله لا إله إلا الله ، فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى : { فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ } قيل : قال ابن عباس : لا يسألهم هل عملتم لأنه أعلم بهم منهم ولكن يقول : لم عملتم كذا وكذا ؟ واعتمده قطرب فقال : السؤال ضربان : سؤال استعلام وسؤال توبيخ ، فقوله تعالى : { فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ } ، يعني : استعلاما . وقوله : { لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } يعني : توبيخا وتقريعا . وقال عكرمة عن ابن عباس في الآيتين : إن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف مختلفة يسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها ، نظير ذلك قوله تعالى : { هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ } ، وقال في آية أخرى : { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } .","part":4,"page":317},{"id":1818,"text":"[94] قوله تعالى : { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } ، قال ابن عباس : أظهره . ويروى عنه : أمضه . وقال الضحاك : أعلم . وقال الأخفش : أفرق ، أي : أفرق بالقرآن بين الحق والباطل . وقال سيبويه : اقض بما تؤمر ، وأصل الصدع الفصل والفرق ، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية بإظهار الدعوة . وروي عن عبد الله بن عبيدة قال : كان مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه { وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } ، نسختها آية القتال .\r[95] { إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } ، يقول الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : فاصدع بأمر الله ولا تخف أحدا غير الله عز وجل فإن الله كافيك من عاداك كما كفاك المستهزئين ، وهم خمسة نفر من رؤساء قريش : الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان رأسهم- والعاص بن وائل السهمي ، والأسود بن عبد المطلب بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة ، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ، والحارث بن قيس بن الطلاطلة .","part":4,"page":318},{"id":1819,"text":"[96] { الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وقيل : استهزاؤهم واقتسامهم هو أن الله لما أنزل في القرآن سورة البقرة وسورة النحل وسورة النمل وسورة العنكبوت ، كانوا يجتمعون ويقولون استهزاء يقول هذا في سورة البقرة ويقول هذا في سورة النحل ويقول هذا في سورة العنكبوت .\r[97] فأنزل الله تعالى : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ }\r[98] { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } ، قال ابن عباس : فصل بأمر ربك ، { وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ } ، من المصلين المتواضعين ، وقال الضحاك : فسبح بحمد ربك قل سبحان الله وبحمده ، وكن من الساجدين ، يعني : من المصلين . وروي « أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة » (1) .\r[99] { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } ، أي الموت الموقن به ، وهذا معنى ما ذكر في سورة مريم . { وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا } .\r_________\r(1) أخرجه أبو داود في الصلاة 2 / 94 والإمام أحمد في المسند 5 / 388 والمصنف في شرح السنة 4 / 155 وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة 1 / 416 .","part":4,"page":319},{"id":1820,"text":"(16) سورة النحل\r[1] { أَتَى } أي : جاء ودنا وقرب ، { أَمْرُ اللَّهِ } ، قال ابن عرفة : تقول العرب : أتاك الأمر وهو متوقع بعد ، أي : أتى أمر الله وعده . { فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ } ، وقوعا ، (أمر الله) قال الكلبي وغيره : المراد منه القيامة . قال ابن عباس : « لما نزل قوله تعالى : { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } قال الكفار بعضهم لبعض : إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن ، فلما لم ينزل شيء قالوا : ما نرى شيئا فنزل قوله : { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ } ، فأشفقوا فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فأنزل الله تعالى : ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ) فوثب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورفع الناس رءوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزلت ( فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ) فاطمأنوا » (1) .\r_________\r(1) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 321 بدون إسناد وبمعناه أخرجه الطبري 14 / 75 .","part":4,"page":320},{"id":1821,"text":"والاستعجال : طلب الشيء قبل حينه ، ولما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه وإن كادت لتسبقني » وقال قوم : المراد بالأمر هاهنا عقوبة المكذوبين والعذاب بالسيف ، وذلك أن النضر بن الحارث قال : « اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فاستعجل العذاب فنزلت هذه الآية » (1) .\rوقتل النضر يوم بدر صبرا . { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، معناه تعاظم بالأوصاف الحميدة عما يصفه به المشركون .\r_________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 2 / 50 قال ابن حجر في الفتح : أخرجه أحمد والطبري وسنده حسن وأصل الحديث في البخاري كتاب الرقاق 11 / 347 وفي مسلم في كتاب الفتن 4 / 2268 .","part":4,"page":321},{"id":1822,"text":"[2] { يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ } ، قرأ العامة بضم الياء وكسر الزاي ، و (الملائكة) نصب . وقرأ يعقوب بالتاء وفتحها وفتح الزاي و (الملائكة) رفع ، { يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ } بالوحي سماه روحا لأنه يحيي به القلوب والحق . قال عطاء : بالنبوة . وقال قتادة : بالرحمة . قال أبو عبيدة : بالروح يعني مع الروح وهو جبرائيل . { مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا } ، اعلموا { أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ } وقيل : معناه مروهم بقول لا إله إلا الله منذرين مخوفين بالقرآن إن لم يقولوا . وقوله : فاتقون أي : فخافون .\r[3] { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، أي : ارتفع عما يشركون .","part":4,"page":322},{"id":1823,"text":"[4] { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ }{ خَصِيمٌ } ، جدل بالباطل ، { مُبِينٌ } ، نزلت في أبي بن خلف الجمحي وكان ينكر البعث جاء بعظم رميم فقال . أتقول إن الله تعالى يحيي هذا بعد ما قد رم ؟ كما قال جل ذكره { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ } نزلت فيه أيضا . والصحيح أن الآية عامة ، وفيها بيان القدرة وكشف قبيح ما فعلوه ، من جحود نعم الله مع ظهورها عليهم .\r[5] قوله تعالى : { وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا } ، يعني الإبل والبقر والغنم ، { لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ } يعني : من أوبارها وأشعارها وأصوافها ملابس ولحفا تستدفئون بها ، { وَمَنَافِعُ } ، بالنسل والدر والركوب والحمل وغيرها ، { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } ، يعني لحومها .\r[6] { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } ، زينة ، { حِينَ تُرِيحُونَ } أي : حين تردونها بالعشي من مراعيها إلى مباركها التي تأوي إليها ، { وَحِينَ تَسْرَحُونَ } ، أي : تخرجونها بالغداة من مراحها إلى مسارحها ، وقدم الرواح لأن المنافع تؤخذ منها بعد الرواح ، ومالكها يكون أعجب بها إذا راحت .","part":4,"page":323},{"id":1824,"text":"[7] { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } ، أحمالكم , { إِلَى بَلَدٍ } آخر غير بلدكم . { لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ } ، أي : بالمشقة والجهد . والشق : النصف أيضا أي : لم تكونوا بالغيه إلا بنقصان قوة النفس وذهاب نصفها . وقرأ أبو جعفر (بشق) بفتح الشين وهما لغتان مثل رَطل ورِطل . { إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } ، بخلقه حيث جعل لكم هذه المنافع .\r[8] { وَالْخَيْلَ } ، يعني : وخلق الخيل وهي اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والنساء والسماء . { وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } ، يعني وجعلها زينة لكم مع المنافع التي فيها ، { وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } من وسائل الانتقال وأسباب الزينة ، وقيل : يعني ما أعد الله في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها مما لم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر عدى قلب بشر .","part":4,"page":324},{"id":1825,"text":"[9] قوله تعالى : { وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ } يعني : بيان طريق الهدى من الضلالة . وقيل : بيان الحق بالآيات والبراهين ، والقصد : الصراط المستقيم . { وَمِنْهَا جَائِرٌ } يعني : ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج ، فالقصد من السبيل دين الإسلام ، والجائر منها دين اليهودية والنصرانية وسائر ملل الكفر . قال جابر بن عبد الله : قصد السبيل بيان الشرائع والفرائض . وقال عبد الله بن المبارك وسهل بن عبد الله . قصد السبيل السنة . ومنها جائر : الأهواء والبدع ، دليله قوله تعالى : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } . { وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } ، نظيره قوله تعالى : { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } .\r[10] قوله . { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ } ، تشربونه ، { وَمِنْهُ شَجَرٌ } ، أي : من ذلك الماء شراب أشجاركم حياة نباتكم ، { فِيهِ } يعني : في الشجر ، { تُسِيمُونَ } ، ترعون مواشيكم .","part":4,"page":325},{"id":1826,"text":"[11] { يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ } أي : ينبت الله لكم به يعني الماء الذي أنزل وقرأ أبو بكر عن عاصم (ننبت) بالنون . { الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .\r[12] { وَسَخَّرَ لَكُمُ } ، ذلل لكم { اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ } ، مذللات ، { بِأَمْرِهِ } أي : بإذنه وقرأ حفص عن عاصم (والنجوم مسخرات) بالرفع على الابتداء . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .\r[13] { وَمَا ذَرَأَ } ، خلق ، { لَكُمْ } ، لأجلكم : أي : وسخر ما خلق لأجلكم ، { فِي الْأَرْضِ } ، من الدواب والأشجار والثمار وغيرها ، { مُخْتَلِفًا } نصب على الحال ، { أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } ، يعتبرون .","part":4,"page":326},{"id":1827,"text":"[14] { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } يعني : السمك ، { وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } يعني : اللؤلؤ والمرجان ، { وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ } ، جواري فيه . قال قتادة : مقبلة ومدبرة وهو أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى تدبر تجريان بريح واحدة . وقال الحسن : مواخر أي مملوءة . وقال الفراء والأخفش : مواخر شواق تشق الماء يجؤجؤها . قال مجاهد : تمخر السفن الرياح . وأصل المخر : الرفع والشق ، وفي الحديث : « إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح » (1) .\r(1) أي : لينظر من أين مجراها وهبوبها حتى لا يرث عليه البول . وقال أبو عبيدة : صوائخ . والمخر : صوت هبوب الريح عند شدتها ، { وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } يعني : التجارة ، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، إذ رأيتم صنع الله فيما سخر لكم .\r_________\r(1) أخرجه ابن حبان في المجروحين 3 / 108 وذكره الزمخشري في الفائق 3 / 305 وابن الأثير في النهاية 4 / 305 والزيلعي في نصب الراية 2 / 103 .","part":4,"page":327},{"id":1828,"text":"[15] { وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ } أي لئلا تميد بكم أي تتحرك وتميل ، والميد : هو الاضطراب والتكفؤ ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحر : ميد قال وهب : لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة : إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال ، { وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا } أي : وجعل فيها أنهارا وطرقا مختلفة { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ، إلى ما تريدون فلا تضلون .\r[16] { وَعَلَامَاتٍ } يعني : معالم الطرق . قال بعضهم : ها هنا تم الكلام ثم ابتدأ ، { وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } ، قال محمد بن كعب والكلبي : أراد بالعلامات الجبال والجبال تكون علامات النهار والنجوم علامات الليل . وقال مجاهد : أراد بالكل النجوم منها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به .\r[17] { أَفَمَنْ يَخْلُقُ } ، يعني : الله تعالى ، { كَمَنْ لَا يَخْلُقُ } ، يعني : الأصنام ، { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } .","part":4,"page":328},{"id":1829,"text":"[18] { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ } لتقصيركم في شكر نعمه { رَحِيمٌ } بكم حيث وسع عليكم النعم ولم يقطعها عنكم بالتقصير والمعاصي .\r[19] { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ }\r[20] { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يعني : الأصنام ، وقرأ عاصم ويعقوب (يدعون) بالياء . { لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } .\r[21] { أَمْوَاتٌ } أي : الأصنام { غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ } ، يعني الأصنام { أَيَّانَ } متى { يُبْعَثُونَ } ، والقرآن يدل على أن الأصنام تبعث وتجعل فيها الحياة فتتبرأ من عابديها وقيل : ما يدري الكفار عبدة الأصنام متى يبعثون .\r[22] قوله تعالى : { إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ } ، جاحدة ، { وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } ، متعظمون .","part":4,"page":329},{"id":1830,"text":"[23] { لَا جَرَمَ } ، حقا { أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ } عن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان\" ، فقال رجل : يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ؟ قال : \"إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمط الناس » (1) .\r[24] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } ، يعني : لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم مشركو مكة الذين اقتسموا عقابها إذا سأل منهم الحاج ، { مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } ، أحاديثهم وأباطيلهم .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان رقم (91) 1 / 53 والمصنف في شرح السنة 13 / 165 .","part":4,"page":330},{"id":1831,"text":"[25] { لِيَحْمِلُوا } أي : ليجعلوا ، { أَوْزَارَهُمْ } ، ذنوب أنفسهم ، { كَامِلَةً } ، وإنما ذكر الكمال لأن البلايا التي تلحقهم في الدنيا وما يفعلون فيها من الحسنات لا تكفر عنهم شيئا ، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، بغير حجة فيصدونهم عن الإيمان ، { أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } ، ما يحملون . عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا » (1) .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في العلم رقم (2674) 4 / 2060 والمصنف في شرح السنة 1 / 232 .","part":4,"page":331},{"id":1832,"text":"[26] قوله تعالى : { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، وهو نمرود بن كنعان ، بنى الصرح ببابل ليصعد السماء . قال ابن عباس ووهب : كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع . وقال كعب ومقاتل : كان طوله فرسخين فهبت ريح وألقت رأسه في البحر وخر عليهم الباقي وهم تحته ، فذلك قوله تعانى : { فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ } أي : قصد تخريب بنيانهم من أصولها ، { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ } يعني أعلى البيوت { مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ } ، من مأمنهم .","part":4,"page":332},{"id":1833,"text":"[27] { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ } ، يهينهم بالعذاب ، { وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ } ، تخالفون ، المؤمنون فيهم ما لهم لا يحضرونكم فيدفعون عنكم العذاب ، وكسر نافع النون من (تشاقون) على الإضافة ، والآخرون بفتحها . { قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } ، وهم المؤمنون ، { إِنَّ الْخِزْيَ } ، الهوان ، { الْيَوْمَ وَالسُّوءَ } ، أي : العذاب ، { عَلَى الْكَافِرِينَ } .\r[28] { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ } يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه ، قرأ حمزة (يتوفاهم) بالياء وكذا ما بعده ، { ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } ، بالكفر ونصب على الحال أي : في حال كفرهم ، { فَأَلْقَوُا السَّلَمَ } أي : استسلموا وانقادوا وقالوا ، { مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ } ، شرك فقال لهم الملائكة ، { بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } . قال عكرمة : عنى بذلك من قتل من الكفار ببدر .","part":4,"page":333},{"id":1834,"text":"[29] { فَادْخُلُوا } أي : قال لهم ادخلوا { أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } ، عن الإيمان ، ( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا جاء يسأل الذين قعدوا على الطرق عنه فيقولون : ساحر كاهن شاعر كذاب مجنون ، ولو لم تلقه خير ، فيقول السائل : إنا شر وفد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة فألقاه فيدخل مكة فيرى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيخبرونه بصدقه وأنه نبي ، مبعوث .","part":4,"page":334},{"id":1835,"text":"[30] فذلك قوله : { وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا } يعني : أنزل خيرا ، ثم ابتدأ فقال : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ } ، كرامة من الله . قال ابن عباس : هي تضعيف الأجر إلى العشر . وقال الضحاك : هي النصر والفتح . وقال مجاهد : هي الرزق الحسن { وَلَدَارُ الْآخِرَةِ } ، أي ولدار الحال الآخرة ، { خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ } ، قال الحسن : هي الدنيا لأن أهل التقوى يتزودون فيها للآخرة . وقال أكثر المفسرين : هي الجنة ، ثم فسرها .\r[31] فقال : { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ } .\r[32] { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ } ، مؤمنين طاهرين من الشرك . قال مجاهد : زاكية أفعالهم وأقوالهم . وقيل : معناه إن وفاتهم تقع طيبة سهلة . { يَقُولُونَ } يعني : الملائكة لهم, { سَلَامٌ عَلَيْكُمُ } وقيل : معناه يبلغونهم سلام الله, { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .","part":4,"page":335},{"id":1836,"text":"[33] قوله : { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ } , لقبض أرواحهم, { أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ } , يعني : يوم القيامة, وقيل : العذاب . { كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } , أي : كفروا كما كفر الذين من قبلهم, { وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ } بتعذيبه إياهم, { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }\r[34] { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا } , عقوبات كفرهم وأعمالهم الخبيثة, { وَحَاقَ بِهِمْ } , نزل بهم, { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }","part":4,"page":336},{"id":1837,"text":"[35] { وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ }{ شَيْءٍ } يعني في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، فلولا أن الله رضيها لنا لغير ذلك وهدانا إلى غيرها ، { كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } ، أي : ليس إليهم الهداية إنما إليهم التبليغ .\r[36] { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا } أي : كما بعثنا فيكم ، { أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } ، وهو معبود من دون الله ، { فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ } ، أي : هداه الله إلى دينه ، { وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ } أي وجبت : بالقضاء السابق حتى مات على كفره ، { فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } ، أي : مال أمرهم وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك .","part":4,"page":337},{"id":1838,"text":"[37] { إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ } ، يا محمد ، { فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ } ، قرأ أهل الكوفة (يهدي) بفتح الياء وكسر الدال أي : لا يهدي الله من أضله . وقيل : معناه لا يهتدي من أضله الله ، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الدال يعني من أضله الله فلا هادي له كما قال : { مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ } ، { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } أي : مانعين من العذاب .\r[38] قوله تعالى : { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ } ، وهم منكرو البعث قال الله تعالى ردا عليهم : { بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } .\r[39] { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ } أي : ليظهر لهم الحق فيما يختلفون ، { فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ } .\r[40] { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ، يقول الله تعالى : إذا أردنا أن نبعث الموتى فلا تعب علينا في إحيائهم ولا في شيء مما يحدث إنما نقول له : كن فيكون .","part":4,"page":338},{"id":1839,"text":"[41] قوله تعالى : { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } ، عذبوا وأوذوا في الله ، قال قتادة : هم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم حتى لحق منهم طائفة بالحبشة ثم بوأ الله لهم المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة ، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين . { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } ، وهو أنه أنزلهم المدينة . وقيل : معناه لنحسنن إليهم في الدنيا . وقيل : الحسنة في الدنيا التوفيق والهداية . { وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } . وقوله : (لو كانوا يعلمون) ينصرف إلى المشركين لأن المؤمنين كانوا يعلمونه .\r[42] { الَّذِينَ صَبَرُوا } ، في الله على ما نالهم ، { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } .","part":4,"page":339},{"id":1840,"text":"[43] { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ } ، نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فهل بعث إلينا ملكا ، { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } ، يعني مؤمني أهل الكتاب ، { إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } .\r[44] { بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ } ، واختلفوا في الجالب للباء في قوله ( بالبينات ) قيل : هي راجعة إلى قوله : ( وَمَا أَرْسَلْنَا ) ، وإلا بمعنى غير ، مجاز : وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال يوحى إليهم ولم نبعث ملائكة . وقيل : تأويله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر . { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } ، أراد بالذكر الوحي وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينا للوحي وبيان الكتاب يطلب من السنة { وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } .","part":4,"page":340},{"id":1841,"text":"[45] { أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا } ، عملوا { السَّيِّئَاتِ } من قبل يعني نمرود بن كنعان وغيره الكفار ، { أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ } .\r[46] { أَوْ يَأْخُذَهُمْ } ، بالعذاب ، { فِي تَقَلُّبِهِمْ } ، تصرفهم في الأسفار . وقال ابن عباس : في اختلافهم . وقال ابن جريج : في إقبالهم وإدبارهم ، { فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } ، السابقين الله .\r[47] { أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ } ، والتخوف : النقص ، أي : ينقص من أطرافهم ونواحيهم شيئا بعد شيء حتى يهلك جميعهم ، يقال : تخوفه الدهر وتخونه إذا نقصه وأخذ ماله وحشمه ، ويقال : هذا لغة بني هذيل . وقال الضحاك والكلبي : هو من الخوف ، أي : أن يعذب طائفة ليتخوف الآخرون أن يصيبهم مثل ما أصابهم . { فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } ، حين لم يعجل بالعقوبة .","part":4,"page":341},{"id":1842,"text":"[48] قوله : { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } ، قرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب وكذلك في سورة العنكبوت ، والآخرون بالياء خبرا عن الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من شيء من جسم قائم له ظل ، { يَتَفَيَّأُ } ، قرأ أبو عمر ، ويعقوب بالتاء والآخرون بالياء . { ظِلَالُهُ } ، أي : تميل وتدور من جانب إلى جانب فهي في أول النهار على حال ثم تتقلص ثم تعود في آخر النهار إلى حال أخرى, سجدا لله فميلانها ودورانها سجودها لله عز وجل . ويقال للظل بالعشي : فيء لأنه فاء أي رجع من المغرب إلى المشرق, فالفيء الرجوع, والسجود الميل . يقال : سجدت النخلة إذا مالت .","part":4,"page":342},{"id":1843,"text":"قوله عز وجل { عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ } ، قول قتادة والضحاك : أما اليمين فأول النهار والشمال آخر النهار , تسجد الظلال لله . وقيل : المراد من الظلال سجود الأشخاص فإذا قيل : لم وحد اليمين وجمع الشمائل ؟ قيل : من شأن العرب في اجتماع العلامتين الاكتفاء بواحدة , كقوله تعالى : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } , وقوله : { يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } , وقيل : اليمين يرجع إلى قوله : (وما خلق الله) ولفظ (ما) واحد والشمائل جمع يرجع إلى المعنى . { وَهُمْ دَاخِرُونَ } ، صاغرون .","part":4,"page":343},{"id":1844,"text":"[49] { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } إنما أخبر بـ (ما) لغلبة ما لا يعقل على من يعقل في العدد ، والحكم للأغلب كتغليب المذكر على المؤنث ، { مِنْ دَابَّةٍ } ، أراد من كل حيوان يدب . ويقال : السجود الطاعة والأشياء كلها مطيعة لله عز وجل من حيوان وجماد ، قال الله تعالى : { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } ، وقيل : سجود الأشياء تذللها وتسخرها لما أريدت له وسخرت له . وقيل : سجود الجمادات وما لا يعقل ظهور أثر الصنع فيه على معنى أنه يدعو الغافلين إلى السجود عند التأمل والتدبر فيه ، قال الله تعالى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ } . { وَالْمَلَائِكَةُ } ، خص الملائكة بالذكر مع كونهم من جملة ما في السماوات والأرض تشريفا ورفعا لشأنهم . وقيل : لخروجهم من الموصوفين بالدبيب إذ لهم أجنحة يطيرون بها . وقيل : أراد ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دابة ، وتسجد الملائكة . { وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } .\r[50] { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } كقوله : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } . { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }","part":4,"page":344},{"id":1845,"text":"[51] قوله تعالى : { وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } .\r[52] { وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ } ، الطاعة والإخلاص { وَاصِبًا } ، دائما ثابتا ، معناه : ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو هلاك غير الله عز وجل فإن الطاعة تدوم له ولا تنقطع . { أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ } ، أي : تخافون ، استفهام على طريق الإنكار .\r[53] قوله تعالى : { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } ، أي : وما يكن من نعمة فمن الله ، { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ } ، القحط والمرض ، { فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } ، تضجون وتصيحون بالدعاء والاستغاثة .\r[54] { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } .","part":4,"page":345},{"id":1846,"text":"[55] { لِيَكْفُرُوا } ، ليجحدوا ، { بِمَا آتَيْنَاهُمْ } ، وهذه اللام تسمى لام العاقبة ، أي : حاصل أمرهم هو كفرهم بما آتيناهم أعطيناهم من النعماء وكشف الضراء والبلاء ، { فَتَمَتَّعُوا } ، أي : عيشوا في الدنيا المدة التي ضربتها لكم ، { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبة أمركم ، هذا وعيد لهم .\r[56] { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ } ، له حقا أي : الأصنام ، { نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } ، من الأموال وهو ما جعلوا للأوثان من حروثهم وأنعامهم ، فقالوا : هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ، ثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال : { تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ } ، يوم القيامة ، { عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } ، في الدنيا .\r[57] { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ } ، وهم خزاعة وكنانة ، قالوا : الملائكة بنات الله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ } ، أي : ويجعلون لأنفسهم البنين الذين يشتهونهم فيكون (ما) في محل النصب ، ويجوز أن يكون على الابتداء فيكون (ما) في محل الرفع .","part":4,"page":346},{"id":1847,"text":"[58] { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا } ، متغيرا من الغم والكراهية ، { وَهُوَ كَظِيمٌ } ، وهو ممتلئ حزنا وغيظا فهو يكظمه ، أي : يمسكه ولا يظهره .","part":4,"page":347},{"id":1848,"text":"[59] { يَتَوَارَى } ، أي : يختفي ، { مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ } . من الحزن والعار ثم يتفكر { أَيُمْسِكُهُ } ، ذكر الكناية ردا على (ما) { عَلَى هُونٍ } أي : هوان ، { أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ } ، أي : يخفيه فيئده ، وذلك أن مضر وخزاعة وتميما كانوا يدفنون البنات أحياء خوفا من الفقر عليهم وطمع غير الأكفاء فيهن ، وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر وتركها ترعى له الإبل والغنم في البادية وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى صارت سداسية قال : لأمها زينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ، وقد حفر لها بئرا في الصحراء فإذا بلغ بها البئر قال لها : انظري إلى هذه البئر ، فيدفعها من خلفها في البئر ثم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض ، فذلك قوله عز وجل : ( أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ) { أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } ، بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين ، نظيره : { أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى }{ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } ، وقيل : بئس حكمهم وأد البنات .","part":4,"page":348},{"id":1849,"text":"[60] { لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } ، يعني : لهؤلاء الذين يصفون لله البنات ولأنفسهم البنين { مَثَلُ السَّوْءِ } ، صفة السوء من الاحتياج إلى الولد وكراهية الإناث وقتلهن خوف الفقر ، { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى } الصفة العليا وهي التوحيد وأنه لا إله إلا هو . وقيل : جميع صفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والبقاء وغيرها من الصفات . قال ابن عباس : مثل السوء النار والمثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله . { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .\r[61] { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ } ، فيعاجلهم بالعقوبة على كفرهم وعصيانهم ، { مَا تَرَكَ عَلَيْهَا } ، أي : على الأرض ، كناية عن غير مذكور ، { مِنْ دَابَّةٍ } ، قال قتادة في الآية : قد فعل الله ذلك من زمن نوح فأهلك من على الأرض إلا من كان في سفينة نوح عليه السلام . وقيل : إن معنى الآية لو يؤاخذ الله آباء الظالمين بظلمهم انقطع النسل ولم توجد الأبناء فلم يبق في الأرض أحد . { وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } ، يمهلهم بحلمه إلى أجل ، { مُسَمًّى } ، إلى منتهى آجالهم وانقطاع أعمارهم .","part":4,"page":349},{"id":1850,"text":"{ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } .\r[62] قوله عز وجل : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } ، لأنفسهم يعني البنات ، { وَتَصِفُ } ، أي : تقول : { أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى } , يعني البنين محل (إن) نصب بدل عن الكذب, قال يمان : يعني بالحسنى : الجنة في المعاد يقولون نحن في الجنة إن كان محمد صادقا بالوعد في البعث . { لَا جَرَمَ } , حقا . قال ابن عباس : بلى, { أَنَّ لَهُمُ النَّارَ } , في الآخرة, { وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ } , قرأ نافع بكسر الراء وكسرها أي : مضيعون أمر الله, وقرأ الآخرون بفتح الراء وتخفيفها أي : منسيون في النار, قاله ابن عباس , وقال سعيد بن جبير : مبعدون, وقال مقاتل : متروكون . قال قتادة : معجلون إلى النار . قال الفراء : مقدمون على النار, ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : « أنا فرطكم على الحوض » (1) أي : متقدمكم .\r_________\r(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 463 ومسلم في الطهارة رقم (249) 1 / 218 .","part":4,"page":350},{"id":1851,"text":"[63] { تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ } كما أرسلنا إلى هذه الأمة ، { فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } ، الخبيثة ، { فَهُوَ وَلِيُّهُمُ } ، ناصرهم ، { الْيَوْمَ } ، وقرينهم سماه وليا لهم لطاعتهم إياه ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، في الآخرة .\r[64] { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ } ، من الدين والأحكام ، { وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ، أي : ما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا وهدى ورحمة فالهدى والرحمة عطف على قوله (لتبين) .","part":4,"page":351},{"id":1852,"text":"[65] { وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } ، يعني المطر , { فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ } ، بالنبات, { بَعْدَ مَوْتِهَا } يبوستها ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } ، سمع القلوب لا سمع الآذان .\r[66] { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً } ، لعظة ، { نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ } ، قال الفراء : رد الكناية إلى النعم ، والنعم والأنعام واحد ، ولفظ النعم مذكر قال أبو عبيدة والأخفش : النعم يذكر ويؤنث فمن أنث فالمعنى الجمع ومن ذكر فلحكم اللفظ . قال الكسائي : رده إلى ما يعني في بطون ما ذكرنا ، وقال المؤرج : الكناية مردودة إلى البعض والجزء كأنه قال نسقيكم مما في بطونه اللبن إذا ليس لكلها لبن واللبن فيه مضمر ، { مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ } ، وهو ما في الكرش من الثقل فإذا خرج منه لا يسمى فرثا ، { وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا } ، من الدم والفرث ليس عليه لون دم ولا رائحة فرث ، { سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ } ، هنيئا يجري على السهولة في الحلق .","part":4,"page":352},{"id":1853,"text":"[67] { وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ } يعني : ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب ، { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ } والكناية في (منه) عائدة إلى (ما) محذوفة أي : ما تتخذون منه ، { سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } ، قال قوم : السكر : الخمر ، والرزق الحسن الخل والزبيب والتمر والرُّبّ, قالوا : وهذا قبل تحريم الخمر, وإلى هذا ذهب ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد , وقال الشعبي : السكر ما شربت, والرزق الحسن : ما أكلت . وروى العوفي عن ابن عباس : أن السكر هو الخل بلغة الحبشة ، وقال بعضهم : السكر النبيذ المسكر ، وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد والمطبوخ من العصير ، وهو قول الضحاك والنخعي ، ومن يبيح شرب النبيذ ومن حرم يقول : المراد من الآية الإخبار لا الإحلال وأولى الأقاويل أن قوله : (تتخذون منه سكرا) منسوخ ، روي عن ابن عباس قال : السكر ما حرم من ثمرها والرزق الحسن ما أحل . وقال أبو عبيدة : السكر الطعم يقال : هذا سكر لك أي : طعم ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }","part":4,"page":353},{"id":1854,"text":"[68] { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ } ، أي : ألهمها وقذف في أنفسها ففهمته ، والنحل زنابير العسل واحدتها نحلة . { أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } ، يبنون ، وقد جرت العادة أن أهلها يبنون لها الأماكن فهي تأوي إليها ، قال ابن زيد : هي الكروم .\r[69] { ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } ، ليس معنى الكل العموم ، وهو كقوله تعالى : { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ }{ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا } . قيل : هي نعت الطرق ، يقول : هي مذللة للنحل سهلة المسالك . قال مجاهد : لا يتوعر عليها مكان سلكته . وقال آخرون : الذلل نعت النحل ، أي : مطيعة منقادة بالتسخير . يقال : إن أربابها ينقلونها من مكان إلى مكان ولها يعسوب إذا وقف وقفت وإذا سار سارت ، { يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ } ، يعني : العسل { مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } ، أبيض وأحمر وأصفر . { فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } ، أي : في العسل وقال مجاهد : أي في القرآن والأول أولى ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ، فيعتبرون .","part":4,"page":354},{"id":1855,"text":"[70] { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ } ، صبيانا أو شبانا أو { وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ } ، أردئه قال مقاتل . يعني الهرم . قال قتادة : أرذل العمر : تسعون سنة روي عن علي قال : أرذل العمر : خمس وسبعون . وقيل : ثمانون سنة . { لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا } ، لكيلا يعقل بعد عقله الأول شيئا ، { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } .\r[71] { وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ } ، بسط عن واحد وضيق على الآخر وقلل وكثر . { فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } ، من العبيد ، { فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ } ، أي : حتى يستووا هم وعبيدهم في ذلك ، يقول الله تعالى : لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقهم الله سواء وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني يلزم به الحجة على المشركين . قال قتادة : هذا مثل ضربه الله عز وجل فهل منكم أحد يشركه مملوكه في زوجته وفراشه وماله أفتعدلون بالله خلقه وعباده . { أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } . بالإشراك به .","part":4,"page":355},{"id":1856,"text":"[72] قوله تعالى : { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } . يعني : النساء خلق من آدم وزوجته حواء ، وقيل : من أنفسكم أي : من جنسكم أزواجا ، { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً } . قال ابن مسعود والنخعي : الحفدة أختان الرجل على بناته ، وعن ابن مسعود أيضا أنهم الأصهار ، فيكون معنى الآية على هذا القول : وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان والأصهار . وقال عكرمة والحسن والضحاك : هم الخدم . قال مجاهد : هم الأعوان من أعانك فقد حفدك . وقال عطاء : هم ولد ولد الرجل الذين يعينونه ويخدمونه . وقال قتادة : مهنة تمتهنونهم ويخدمونكم من أولادكم . قال الكلبي ومقاتل : البنين الصغار والحفدة كبار الأولاد الذين يعينونه على عمله . وروى مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس : أنهم ولد الولد . وروى العوفي عنه : أنهم بنو امرأة الرجل ليسوا منه { وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } ، من النعم الحلال ، { أَفَبِالْبَاطِلِ } ، يعني الأصنام ، { يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } ، يعني التوحيد والإسلام ، وقيل : الباطل الشيطان أمرهم بتحريم البحيرة","part":4,"page":356},{"id":1857,"text":"والسائبة ، وبنعمة الله أي بما أحل الله لهم يكفرون يجحدون تحليله .","part":4,"page":357},{"id":1858,"text":"[73] { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ } ، يعني المطر ، { وَالْأَرْضِ } ، يعني النبات ، { شَيْئًا } قال الأخفش : هو بدل من الرزق معناه أنهم لا يملكون من أمر الرزق شيئا قليلا ولا كثيرا . وقال الفراء : نصب شيئا بوقوع الرزق عليه أي لا يرزق شيئا ، { وَلَا يَسْتَطِيعُونَ } ، ولا يقدرون على شيء بذكر عجز الأصنام عن إيصال نفع أو دفع ضر .\r[74] { فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ } ، يعني الأشباه فتشبهونه بخلقه وتجعلون له شريكا فإنه واحد لا مثل له ، { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ، خطأ ما تضربون من الأمثال ، ثم ضرب مثلا للمؤمن والكافر ، فقال جل ذكره .","part":4,"page":358},{"id":1859,"text":"[75] { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } هذا مثل الكافر رزقه الله مالا فلم يقدم فيه خيرا { وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا } ، هذا مثل المؤمن أعطاه الله مالا فعمل فيه بطاعة الله وأنفقه في رضاء الله سرا وجهرا فأثابه الله عليه الجنة . { هَلْ يَسْتَوُونَ } ، ولم يقل هل يستويان لمكان (من) وهو اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع ، وكذلك قوله ( لا يستطيعون ) بالجمع لأجل من ، معناه : هل يستوي هذا الفقير البخيل والغني السخي كذلك لا يستوي الكافر العامي والمؤمن المطيع . { الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } ، يقول ليس الأمر كما يقولون ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتحمد عليه إنما الحمد الكامل لله عز وجل لأنه المنعم والخالق والرازق ، ولكن أكثر الكفار لا يعلمون ، ثم ضرب مثلا للأصنام فقال :","part":4,"page":359},{"id":1860,"text":"[76] { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ } ، كَلٌّ ثقل ووبال على مولاه ابن عمه وأهل ولايته ، { أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ } ، يرسله ، { لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ } ، لأنه لا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه ، هذا مثل الأصنام لا تسمع ولا تنطق ولا تعقل ، ( وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ ) عابده يحتاج إلى أن يحمله ويضعه ويخدمه ، { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } ، يعني : الله فإنه قادر متكلم يأمر بالتوحيد ، { وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، قال الكلبي : يعني يدلكم على صراط مستقيم . وقيل : هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم . وقيل : كلا المثلين للمؤمن والكافر ، يرويه عطية عن ابن عباس قال عطاء : الأبكم أبي بن خلف ، ومن يأمر بالعدل : حمزة وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون . وقال مقاتل : نزلت في هاشم بن عمرو بن الحرث بن ربيعة القرشي ، وكان قليل الخير يعادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل : نزلت في عثمان بن عفان ومولاه ، كان عثمان ينفق عليه وكان مولاه يكره الإسلام .","part":4,"page":360},{"id":1861,"text":"[77] { وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ } ، في قرب كونها ، { إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ } ، إذا قال له كن فيكون ، { أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } ، بل هو أقرب ، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ، نزلت في الكفار الذين يستعجلون القيامة استهزاء .\r[78] { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } تم الكلام ثم ابتدأ فقال جل وعلا ، { وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ } ، لأن الله تعالى جعل هذه الأشياء لهم قبل الخروج من بطون الأمهات وإنما أعطاهم العلم بعد الخروج ، { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، نعمة كون السمع والأبصار والأفئدة قبل الخروج إذ يسمع الطفل ويبصر ولا يعلم ، وهذه الجوارح من غير هذه الصفات كالمعدوم ، كما قال فيمن لا يسمع الحق ولا يبصر العبر ولا يعقل الثواب : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } لا يشكرون نعمه .","part":4,"page":361},{"id":1862,"text":"[79] { أَلَمْ يَرَوْا } ، قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بالتاء والباقون بالياء لقوله : ( ويعبدون ) . { إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ } ، مذللات ، { فِي جَوِّ السَّمَاءِ } وهو الهدف بين السماء والأرض ، روى كعب الأحبار أن الطير ترفع اثني عشر ميلا ولا ترفع فوق هذا وفوق الجو السكاك السماء { مَا يُمْسِكُهُنَّ } في الهواء { إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .","part":4,"page":362},{"id":1863,"text":"[80] { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ } التي هي من الحجر والمدر ، { سَكَنًا } أي : مسكنا تسكنونه ، { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا } ، يعني الخيام والقباب والأخبية والفساطيط من الأنطاع والأدم ، { تَسْتَخِفُّونَهَا } أي : يخف عليكم حملها ، { يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } ، رحلتكم في سفركم ، { وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ } ، في بلدكم لا تثقل عليكم في الحالين ، { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } ، يعني أصواف الضأن وأوبار الإبل أشعار المعز ، والكناية راجعة إلى الأنعام ، { أَثَاثًا } قال ابن عباس : مالا . قال مجاهد : متاعا . قال القتيبي : الأثاث المال جميعه من الإبل والغنم والمتاع ، وقال غيره : هو متاع البيت من الفرش والأكسية ، { وَمَتَاعًا } ، بلاغا ينتفعون بها ، { إِلَى حِينٍ } يعني إلى حين الموت . وقيل : إلى حين تبلى .","part":4,"page":363},{"id":1864,"text":"[81] { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا } تستظلون بها من شدة الحر وهي ظلال الأبنية والأشجار, { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا } , يعني : الأسراب والغيران واحدها كن { وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } قمصا من الكتان والقز والقطن والصوف, { تَقِيكُمُ } , تمنعكم, { الْحَرَّ } , قال أهل المعاني : أراد الحر والبرد اكتفاء بذكر أحدهما لدلالة الكلام عليه . { وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ } , يعني : الدروع , والبأس : الحرب, يعني تقيكم في بأسكم السلاح أن يصيبكم { كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } , تخلصون له الطاعة .\r[82] { فَإِنْ تَوَلَّوْا } , فإن أعرضوا فلا يلحق في ذلك عتيب ولا سمة تقصير, { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } .","part":4,"page":364},{"id":1865,"text":"[83] { يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ } , قال السدي يعني : محمدا - صلى الله عليه وسلم -, { ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } , يكذبون به . وقال قوم : هي الإسلام . وقال مجاهد وقتادة : يعني ما عُدّ لهم من النعم في هذه السورة يقرون أنها من الله, ثم قيل لهم : تصدقوا وامتثلوا لأمر الله فيها ينكرونها فيقولون ورثتها من آبائنا . وقال الكلبي : هو أنه لما ذكر لهم هذه النعمة قالوا : نعم هذه كلها من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا . وقال عوف بن عبد الله : هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا وكذا ولولا فلان لما كان كذا ، { وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ } ، الجاحدون .\r[84] قوله عز وجل : { وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } ، يعني رسولا { ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } ، في الاعتذار ، وقيل : في الكلام أصلا ، { وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } ، يسترضون ، يعني : لا يكلفون أن يرضوا ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف ولا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون ، وحقيقة المعنى في الاستعتاب أنه التعرض لطلب الرضا وهذا الباب منسد في الآخرة على الكفار .","part":4,"page":365},{"id":1866,"text":"[85] { وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، كفروا ، { الْعَذَابَ } يعني جهنم ، { فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } .\r[86] { وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا } ، يوم القيامة ، { شُرَكَاءَهُمْ } ، أوثانهم ، { قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ } ، أربابا ونعبدهم ، { فَأَلْقَوْا } ، يعني الأوثان ، { إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ } ، أي : قالوا لهم ، { إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } ، في تسميتنا آلهة ما دعوناكم إلى عبادتنا .\r[87] { وَأَلْقَوْا } ، يعني المشركين { إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ } ، استسلموا وانقادوا لحكمه فيهم ، ولم تغن عنهم آلهتهم شيئا ، { وَضَلَّ } ، وزال ، { عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ، من أنها تشفع لهم .","part":4,"page":366},{"id":1867,"text":"[88] { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، منعوا الناس عن طريق الحق { زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ } ، في الدنيا بالكفر وصد الناس عن الإيمان .\r[89] { وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } ، يعني نبيها لأن الأنبياء كانت تبعث إلى الأمم منها . { وَجِئْنَا بِكَ } ، يا محمد { شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ } ، الذين بعثت إليهم { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا } بيانا ، { لِكُلِّ شَيْءٍ } ، يحتاج إليه من الأمر والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام ، { وَهُدًى } ، من الضلالة { وَرَحْمَةً وَبُشْرَى } ، بشارة { لِلْمُسْلِمِينَ } .\r[90] { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } ، بالإنصاف ، { وَالْإِحْسَانِ } ، إلى الناس وعن ابن عباس : العدل : التوحيد والإحسان : أداء الفرائض . وعنه أيضا : الإحسان : الإخلاص في التوحيد ، وذلك معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه » (1) .\r_________\r(1) قطعة من الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري في الإيمان 1 / 114 ومسلم في الإيمان برقم (8) 1 / 36 .","part":4,"page":367},{"id":1868,"text":"وقال مقاتل : العدل التوحيد ، والإحسان : العفو عن الناس ، { وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى } ، صلة الرحم ، { وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ } ، ما قبح من القول والفعل . وقال ابن عباس : الزنا ، { وَالْمُنْكَرِ } ، ما لا يعرف في شريعة ولا سنة ، { وَالْبَغْيِ } ، الكبر والظلم . وقال ابن عيينة : العدل استواء السر والعلانية ، والإحسان : أن يكون سريرته أحسن من علانيته ، والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته ، { يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ، لعلكم تتعظون . قال ابن مسعود : أجمع آية في القرآن هذه الآية . وقال أيوب عن عكرمة : إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) إلى آخر الآية فقال له : يا ابن أخي أعد فعاد عليه ، فقال : إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وان أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ، وما هو بقول البشر .","part":4,"page":368},{"id":1869,"text":"[91] قوله تعالى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ } ، والعهد هاهنا هو اليمين ، قال الشعبي : العهد يمين وكفارته كفارة اليمين ، { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } ، تشديدها فتحنثوا فيها ، { وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } ، شهيدا بالوفاء ، { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } ، واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية وإن كان حكمها عاما ، قيل : نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمرهم الله بالوفاء بها . وقال مجاهد وقتادة : نزلت في حلف أهل الجاهلية . ثم ضرب الله مثلا لنقض العهد .","part":4,"page":369},{"id":1870,"text":"[92] فقال : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ } ، أي : من بعد غزله وإحكامه معناه : أنها لم تكف عن العمل ولا حين عملت كفت عن النقض ، فكذلك أنتم إذا أنقضتم العهد ، لا كففتم عن العهد ولا حين عاهدتم وفيتم به ، { أَنْكَاثًا } ، يعني أنقاضا واحدتها نكث وهو ما نقض بعد الفتل غزلا كان أو حبلا . { تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ } ، أي : دخلا وخيانة وخديعة والدخل : ما يدخل في شيء للفساد ، وقيل : الدخل والدغل أن يظهر الوفاء ويبطن النقض . { أَنْ تَكُونَ } أي : لأن تكون ، { أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى } ، أي : أكثر وأعلى ، { مِنْ أُمَّةٍ } قال مجاهد : وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قوما أكثر منهم وأعز نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا الأكثر ، فمعناه : طلبتم العز بنقض العهد بأن كانت أمة أكثر من أمة فنهاهم الله عن ذلك . { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ } ، يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بالعهد ، { وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } ، في الدنيا .","part":4,"page":370},{"id":1871,"text":"[93] { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } ، على ملة واحدة وهي الإسلام ، { وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ } ، بخذلانه إياهم عدلا منه ، { وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } ، بتوفيقه إياهم فضلا منه ، { وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، يوم القيامة .","part":4,"page":371},{"id":1872,"text":"[94] { وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا } ، خديعة وفسادا ، { بَيْنَكُمْ } ، فتغرون بها الناس فيسكنون إلى أيمانكم ويأمنون ثم تنقضونها ، { فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } ، فتهلكوا بعد ما كنتم آمنين والعرب تقول لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في ورطة بعد سلامة زلت قدمه ، { وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، قيل : معناه سهلتم طريق نقض العهد على الناس بنقضكم العهد ، { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .\r[95] { وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } ، يعني لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضا قليلا من الدنيا ، ولكن أوفوا بها . { إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ } ، من الثواب لكم على الوفاء بالعهد ، { خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ، فضل ما بين العوضين ثم بين ذلك .\r[96] فقال : { مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ } ، أي : الدنيا وما فيها يفنى ، { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ } ، قرأ أبو جعفر وابن كثير وعاصم بالنون والباقون بالياء ، { الَّذِينَ صَبَرُوا } ، على الوفاء في السراء والضراء ، { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .","part":4,"page":372},{"id":1873,"text":"[97] قوله تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ }{ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } قال سعيد بن جبير وعطاء : هي الرزق الحلال . قال الحسن : هي القناعة . وقال مقاتل بن حيان : يعني العيش في الطاعة . قال أبو بكر الوراق : هي حلاوة الطاعة . وقال مجاهد وقتادة : هي الجنة . ورواه عوف عن الحسن . وقال : لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة . { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .\r[98] { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ } ، أي : إذا أردت قراءة القرآن { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } ، كقوله تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا } ، والاستعاذة سنة عند قراءة القرآن ، وأكثر العلماء على أن الاستعاذة قبل القراءة . وقال أبو هريرة : بعدها ولفظه أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . والاستعاذة بالله هي الاعتصام به .\r[99] { إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ } ، حجة وولاية ، { عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ، قال سفيان : ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر .","part":4,"page":373},{"id":1874,"text":"[100] { إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } ، يطيعونه ويدخلون في ولايته ، { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } ، أي : بالله مشركون . وقيل : الكناية راجعة إلى الشيطان ، ومجازه الذين هم من أجله مشركون بالله .\r[101] { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ } ، يعني وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر ، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ } ، أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما يغير ويبدل من أحكامه ، { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ } ، يا محمد ، { مُفْتَرٍ } ، مختلق وذلك أن المشركين قالوا : إن محمدا يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه ، قال الله : { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } ، حقيقة القرآن ، وبيان الناسخ والمنسوخ .\r[102] { قُلْ نَزَّلَهُ } ، يعني القرآن ، { رُوحُ الْقُدُسِ } ، جبريل ، { مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } بالصدق ، { لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا } ، أي : ليثبت قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا ويقينا ، { وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } .","part":4,"page":374},{"id":1875,"text":"[103] { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ } ، آدمي وما هو من عند الله ، واختلفوا في هذا البشر ، قال ابن عباس : اسمه بلعام وكان نصرانيا أعجمي اللسان ، « فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج ، فكانوا يقولون : إنما يعلمه بلعام » (1) . وقال عكرمة : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ غلاما لبني المغيرة يقال له يعيش ، وكان يقرأ الكتب ، فقالت قريش : إنما يعلمه بشر ، يعيش » . وقال الفراء : قال المشركون إنما يتعلم من عايش مملوك كان لحويطب بن عبد العزى ، وكان قد أسلم وحسن إسلامه ، وكان أعجمي اللسان . وقال ابن إسحاق : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام رومي نصراني عبد لبعض بني الحضرمي ، يقال له جبر ، وكان يقرأ الكتب ، وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي : كان لنا عبدان من أهل عين النمر وكانا يصنعان السيوف بمكة ، وكان يقرآن التوراة والإنجيل فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما يقرآن التوراة ، فيقف ويستمع . قال الضحاك : وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا آذاه الكفار يقعد إليهما ويستريح بكلامهما ،\r_________\r(1) أخرجه ابن جرير 14 / 177 .","part":4,"page":375},{"id":1876,"text":"فقال المشركون : إنما يتعلم محمد منهما ، فنزلت هذه الآية قال الله تعالى تكذيبا لهم : { لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ } ، أي يميلون ويشيرون إليه ، { أَعْجَمِيٌّ } ، الأعجمي الذي لا يفصح وإن كان ينزل بالبادية ، والعجمي منسوب إلى العجم ، وإن كان فصيحا ، والأعرابي البدوي ، والعربي منسوب إلى العرب ، وإن لم يكن فصيحا ، { وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } ، فصيح وأراد باللسان القرآن ، والعرب تقول : اللغة لسان .\r[104] { إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ } ، لا يرشدهم الله ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، ثم أخبر الله تعالى أن الكفار هم المفترون .\r[105] فقال : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } ، لا محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن قيل : قد قال إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون فما معنى قوله : ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) ، قيل : إنما يفتري الكذب أخبار عن فعلهم وهم الكاذبون نعت لازم لهم كقول الرجل لغيره كذبت وأنت كاذب أي كذبت في هذا القول ، ومن عادتك الكذب .","part":4,"page":376},{"id":1877,"text":"[106] { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ } قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في عمار وذلك أن المشركين أخذوه وأباه يا سرا وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم, فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قُبُلها بحربة فقتلت وقتل زوجها يا سر وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام, وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها, فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما وراءك ؟ قال : شر يا رسول الله نلت منهم وذكرت آلهتهم بخير, قال : كيف وجدت قلبك ؟ قال : مطمئنا بالإيمان فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت, فنزلت هذه الآية » (1) وقال مقاتل : نزلت في جبر مولى عامر بن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر فكفر مكرها, { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } , ثم أسلم مولى عامر بن الحضرمي وحسن إسلامه وهاجر جبر مع سيده ، { وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي : فتح صدره بالكفر بالقبول فاختاره ، { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } . وأجمع العلماء على أن من أكره\r_________\r(1) أخرجه الطبري 14 / 181 وعبد بن حميد والحاكم انظر الدر المنثور 5 / 172 .","part":4,"page":377},{"id":1878,"text":"على كلمة الكفر ، يجوز له أن يقول بلسانه ، وإذا قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفرا وإن أبى أن يقول حتى يقتل كان أفضل .\r[107] { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا } ، آثروا ، { الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } ، لا يرشدهم .\r[108] { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } ، عما يراد بهم .\r[109] { لَا جَرَمَ } ، أي حقا ، { أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } ، أي المغبونون .\r[110] { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا } ، عذبوا ومنعوا من الإسلام فتنهم المشركون { ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا } على الإيمان والهجرة والجهاد ، { إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا } ، من بعد تلك الفتنة والغفلة { لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } .","part":4,"page":378},{"id":1879,"text":"[111] { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ } ، تخاصم وتحتج, { عَنْ نَفْسِهَا } بما أسلفت من خير وشر مشتغلا بها لا تتفرغ إلى غيرها ، { وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } .","part":4,"page":379},{"id":1880,"text":"[112] قوله تعالى : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً } ، يعني . مكة كانت آمنة لا يهاج أهلها ولا يغار عليها ، { مُطْمَئِنَّةً } ، قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج إليه سائر العرب ، { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ } ، يحمل إليها من البر والبحر ، نظيره : { يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ } . { فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ } ، جمع النعمة ، وقيل : جمع نعماء مثل بأساء وأبؤس ، { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ } ابتلاهم الله بالجوع سبع سنين وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جهدوا وأكلوا العظام المحرقة ، والجيف والكلاب الميتة ، ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : ما هذا ؟ هبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان ؟ فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون ، وذكر اللباس لأن ما أصابهم من الهزال والشحوب وتغير ظاهرهم عما كانوا عليه من قبل كاللباس لهم ، { وَالْخَوْفِ } ، يعني : بعوث النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه التي كانت تطيف بهم { بِمَا","part":4,"page":380},{"id":1881,"text":"كَانُوا يَصْنَعُونَ } .\r[113] { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ } ، محمد صلى الله عليه وسلم ، { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } .\r[114] { فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } .\r[115] { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا }{ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\r[116] قوله تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ } ، أي : لا تقولوا لوصف ألسنتكم أو لأجل وصفكم الكذب أي : أنكم تحلون وتحرمون لأجل الكذب لا لغيره ، { هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ } ، يعني البحيرة والسائبة ، { لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } ، فتقولون إن الله أمرنا بهذا ، { إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } ، لا ينجون من عذاب الله .","part":4,"page":381},{"id":1882,"text":"[117] { مَتَاعٌ قَلِيلٌ } يعني : الذي هم فيه متاع قليل أو لهم متاع قليل في الدنيا . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، في الآخرة .\r[118] { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ } يعني في سورة الأنعام . وقوله تعالى : { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } الآية { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ } بتحريم ذلك عليهم ، { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } فحرمنا عليهم ببغيهم .\r[119] { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا } يعني : بالإصلاح والاستقامة على التوبة ، { إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا } ، أي : من بعد الجهالة ، { لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } .","part":4,"page":382},{"id":1883,"text":"[120] قوله تعالى . { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً } قال ابن مسعود : الأمة معلم الخير أي : كان معلم الخير ، يأتم به أهل الدنيا ، وقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما اجتمع في أمة ، قال مجاهد : كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار . قال قتادة : ليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضونه { قَانِتًا لِلَّهِ } مطيعا . وقيل . قائما بأوامر الله تعالى ، { حَنِيفًا } مستقيما على دين الإسلام . وقيل : مخلصا . { وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .\r[121] { شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ } ، اختاره ، { وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، أي : إلى دين الحق .","part":4,"page":383},{"id":1884,"text":"[122] { وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } ، يعني الرسالة والخلة . وقيل : لسان الصدق والثناء الحسن . وقال مقاتل بن حيان . يعني الصلاة عليه في قول هذه الأمة : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم . وقيل : أولادا أبرارا على الكبر . وقيل : القبول العام في جميع الأمم . { وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } ، مع آبائه الصالحين في الجنة . وفي الآية تقديم وتأخير مجازه : وآتيناه في الدنيا والآخرة حسنة ، وإنه لمن الصالحين .\r[123] { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } ، يا محمد { أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } ، حاجا مسلما ، { وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ، وقال أهل الأصول : كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ في شريعته ، وما لم ينسخ صار شرعا .","part":4,"page":384},{"id":1885,"text":"[124] قوله تعالى : { إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى }{ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ } أي : خالفوا فيه . قيل : معناه إنما جعل السبت لعنة على الذين اختلفوا فيه . وقيل : معناه ما فرض الله تعظيم السبت وتحريمه إلا على الذين اختلفوا فيه ، يعني اليهود ، قال قتادة : الذين اختلفوا فيه هم اليهود استحله بعضهم وحرمه بعضهم . { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .","part":4,"page":385},{"id":1886,"text":"[125] { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ } ، بالقرآن, { وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } ، يعني مواعظ القرآن . وقيل : الموعظة الحسنة هي الدعاء إلى الله بالترغيب والترهيب . وقيل : هو قول اللين الرقيق من غير تغليظ ولا تعنيف ، { وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ، وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن أي أعرض عن أذاهم ولا تقصر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق ، نسختها آية القتال . { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } .","part":4,"page":386},{"id":1887,"text":"[126] { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } ، هذه الآيات نزلت بالمدينة في شهداء أحد وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد من تبقير البطون والمثلة السيئة حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به غير حنظلة بن الراهب فإن أباه أبا عمر الراهب كان مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك ، فقال المسلمون حين رأوا ذلك : لئن أظهرنا الله عليهم لنزيدن على صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد ، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وأذنه وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه فقال : « لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك » ، فأنزل الله تعالى : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا ) الآية . { وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } ، أي : ولئن عفوتم لهو خير للعافين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « بل نصير ، وأمسك عما أراد وكفر عن يمينه » ، قال ابن عباس والضحاك : كان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله ومنع من الابتداء بالقتال ، فلما أعز الإسلام وأهله نزلت براءة ، وأمروا","part":4,"page":387},{"id":1888,"text":"بالجهاد ونسخت هذه الآية ، قال النخعي والثوري ومجاهد وابن سيرين : الآية محكمة نزلت فيمن ظلم بظلامة فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظالم منه ، أمر بالجزاء والعفو ومنع من الاعتداء ، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم .\r[127] { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ } ، أي : بمعونة الله وتوفيقه ، { وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } ، في إعراضهم عنك ، { وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } ، أي : مما فعلوا من الأفاعيل ، وقال أبو عبيدة : الضيق بالكسر في قلة المعاش وفي المساكن ، فأما ما كان في القلب والصدر فإنه بفتح الضاد . وقال ابن قتيبة : الضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين ، ولين ولين ، فعلى هذا هو صفة كأنه قال : ولا تكن في أمر ضيق من مكرهم .\r[128] { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا } ، المناهي ، { وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } بالعون والنصرة .","part":4,"page":388},{"id":1889,"text":"( 17 ) سورة الإسراء","part":4,"page":389},{"id":1890,"text":"[1] { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا } ، سبحان الله تنزه الله تعالى من كل سوء ووصف بالبراءة من كل نقص على طريق المبالغة وتكون سبحان بمعنى التعجب أسرى بعبده ، أي : سيره ، وكذلك سرى به ، والعبد هو : محمد صلى الله عليه وسلم ، { مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، قيل : كان الإسراء من مسجد مكة . روى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : « بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق » ، فذكر حديث المعراج وقال قوم : عرج به من دار أم هانئ بنت أبي طالب ومعنى قوله : ( مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أي : من الحرم . قال مقاتل : كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة . ويقال : كان في رجب . وقيل : كان في رمضان . { إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } ، يعني : بيت المقدس ، وسمي أقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار . وقيل : لبعده من المسجد الحرام . { الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } ، بالأنهار والأشجار والثمار . وقال مجاهد : سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي ، وفيه الصخرة ومنه يحشر الناس يوم القيامة . { لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا }","part":4,"page":390},{"id":1891,"text":"من عجائب قدرتنا ، وقد رأى هناك الأنبياء والآيات الكبرى ، { إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ، ذكر السميع لينبه على أنه المجيب لدعائه ، وذكر البصير لينبه على أنه الحافظ له في ظلمة الليل . وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول : « ما فقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن الله أسرى بروحه » . والأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك .\r[2] قوله عز وجل : { وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا } ، بألا ، { تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا } ، ربا كفيلا ، قرأ أبو عمرو : ( لا يتخذوا ) بالياء لأنه خبر عنهم والآخرون بالتاء ، يعني قلنا لهم لا تتخذوا .\r[3] { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا } ، قال مجاهد : هذا نداء يعني : يا ذرية من حملنا ، { مَعَ نُوحٍ } ، في السفينة فأنجيناهم من الطوفان ، { إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } ، كان نوح عليه السلام إذا أكل طعاما أو شرب شرابا أو لبس ثوبا قال : الحمد لله ، فسمي عبدا شكورا ، أي : كثير الشكر .","part":4,"page":391},{"id":1892,"text":"[4] قوله عز وجل : { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ } أي : أعلمناهم وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتاب أنهم سيفسدون ، والقضاء على وجوه : يكون أمرا كقوله : { وَقَضَى رَبُّكَ } ، ويكون حكما كقوله : { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ } ويكون خلقا : كقوله { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } ، وقال ابن عباس وقتادة : يعني وقضينا عليهم ، فإلى بمعنى على ، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، { لَتُفْسِدُنَّ } ، لام القسم مجازه : والله لتفسدن ، { فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } ، بالمعاصي ، والمراد بالأرض أرض الشام وبيت المقدس ، { وَلَتَعْلُنَّ } ، ولتستكبرن ولتظلمن الناس ، { عُلُوًّا كَبِيرًا } .","part":4,"page":392},{"id":1893,"text":"[5] { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا } ، يعني أولى مرتين ، قال قتادة : إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة وركبوا المحارم . وقال محمد بن إسحاق : إفسادهم في المرة الأولى : قتل شعياء وارتكابهم المعاصي . { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا } ، قال قتادة : يعني جالوت الخزري وجنوده ، وهو الذي قتله داود . وقال سعيد بن جبير : يعني سنجاريب من أهل نينوى . وقال ابن إسحاق : بختنصر البابلي وأصحابه ، وهو الأظهر . { أُولِي }{ بَأْسٍ } ، ذوي بطش ، { شَدِيدٍ } ، في الحرب ، { فَجَاسُوا } ، أي : فطافوا وداروا ، { خِلَالَ الدِّيَارِ } ، وسطها يطلبونكم ، والجوس : طلب الشيء بالاستقصاء. قال الفراء : جاسوا قتلوكم بين بيوتكم ، { وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا } ، قضاء كائنا لا خلف فيه .\r[6] { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ } ، يعني : الرجعة والدولة ، { عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } ، عددا ، أي : من ينفر معهم وعاد البلد أحسن مما كان .","part":4,"page":393},{"id":1894,"text":"[7] { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ } ، أي : لها ثوابها ، { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } ، أي : فعليها ، كقوله تعالى : { فَسَلَامٌ لَكَ } أي : عليك . وقيل : فلها الجزاء والعقاب ، { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ } أي : المرة الأخيرة من إفسادكم وذلك قصدهم قتل عيسى عليه السلام حين رفع وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام ، فسلط الله عليهم الفرس والروم حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم ، فذلك قوله تعالى : { لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } ، أي : تحزن وجوهكم وسوء الوجه بإدخال الغم والحزن . قرأ الكسائي ويعقوب : ( لنسوء ) بالنون وفتح الهمزة على التعظيم ، كقوله ( وقضينا ) و ( بعثنا ) وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر بالياء وفتح الهمزة على التوحيد ، أي ليسوء الله وجوهكم ، وقيل : ليسوء الوعد وجوهكم ، وقرأ الباقون بالياء وضم الهمزة على الجمع ، أي ليسوء العباد أولوا البأس الشديد { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ } ، يعني : بيت المقدس ونواحيه ، { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا } ، وليهلكوا ، { مَا عَلَوْا } أي : ما غلبوا عليه من بلادكم { تَتْبِيرًا } .","part":4,"page":394},{"id":1895,"text":"[8] { عَسَى رَبُّكُمْ } ، يا بني إسرائيل ، { أَنْ يَرْحَمَكُمْ } ، بعد انتقامه منكم فيرد الدولة إليكم ، { وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } ، أي : إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة . قال قتادة : فعادوا فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ، { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } ، سجنا ومحبسا من الحصر وهو الحبس . قال الحسن : حصيرا أي : فراشا . وذهب إلى الحصير الذي يبسط ويفرش .","part":4,"page":395},{"id":1896,"text":"[9] { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } ، أي : إلى الطريقة التي هي أصوب . وقيل : الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله ، { وَيُبَشِّرُ } ، يعني : القرآن ، { الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ } بأن لهم ، { أَجْرًا كَبِيرًا } ، وهو الجنة .\r[10] { وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ، وهو النار .\r[11] وقوله تعالى : { وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ } ، حذف الواو لفظا لاستقلال اللام الساكنة كقوله : { سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ } ، وحذف في الخط أيضا وهي غير محذوفة في المعنى ، ومعناه : ويدعو الإنسان على ماله وولده ونفسه ، { بِالشَّرِّ } ، فيقول عند الغضب : اللهم العنه وأهلكه ونحوهما ، { دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ } ، أي : كدعائه ربه بالخير أن يهب له النعمة والعافية لو استجاب الله دعاءه على نفسه لهلك ، ولكن الله لا يستجيب بفضله ، { وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا } بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه . قال جماعة من أهل التفسير ، وقال ابن عباس : ضجرا لا صبر له على السراء والضراء .","part":4,"page":396},{"id":1897,"text":"[12] قوله عز وجل : { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ } ، أي : علامتين دالتين على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا ، { فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ } ، قال ابن عباس : جعل الله نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعلها مع نور الشمس ، { وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً } ، منيرة مضيئة ، يعني يبصر بها . قال الكسائي : تقول العرب : أبصر النهار إذا أضاءت بحيث يبصر بها ، { لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } ، أي : لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يدر وقت الحج ولا وقت حلول الآجال ولا وقت السكون والراحة . { وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا } .","part":4,"page":397},{"id":1898,"text":"[13] قوله عز وجل : { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ } ، قال ابن عباس : عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان . وقال الكلبي ومقاتل : خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسبه به . وقال الحسن : يمنه وشؤمه . وعن مجاهد : ما من مولود إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد . وقال أهل المعاني : أراد بالطائر ما قضى الله عليه أنه عامله وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة سمي طائرا على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها . وقال أبو عبيدة والقتيبي : أراد بالطائر حظه من الخير والشر من قولهم طار سهم فلان بكذا وكذا ، وخص العنق من بين سائر الأعضاء لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزين أو يشين ، فجرى كلام العرب بتشبيه الأشياء اللازمة إلى الأعناق ، { وَنُخْرِجُ لَهُ } يقول الله تعالى : ونحن نخرج له ، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا } ، وقرأ الحسن ومجاهد ويعقوب : ( ويخرج له ) بفتح الياء وضم الراء ، معناه : ويخرج له الطائر يوم القيامة كتابا . وقرأ أبو جعفر ( يخرج ) بالياء وضمها وفتح الراء ، { يَلْقَاهُ } ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر ( يلقاه ) بضم الياء وفتح","part":4,"page":398},{"id":1899,"text":"اللام وتشديد القاف ، يعني : يلقى الإنسان ذلك الكتاب ، أي : يؤتاه . وقرأ الباقون بفتح الياء خفيفة أي يراه { مَنْشُورًا } ، وفي الآثار : أن الله تعالى يأمر الملك بطي الصحيفة إذا تم عمر العبد فلا تنشر إلا في يوم القيامة .\r[14] { اقْرَأْ كِتَابَكَ } ، أي : يقال له : اقرأ كتابك ، قوله تعالى : { كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } ، محاسبا . قال الحسن : لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك . قال قتادة : سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا .\r[15] { مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } ، لها ثوابه ، { وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } ، لأن عليها عقابه ، { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ، أي : لا تحمل حاملة حمل أخرى من الآثام ، أي : لا يؤخذ أحد بذنب أحد . { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } إقامة للحجة وقطعا لعذر ، وفيه دليل على أن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل .","part":4,"page":399},{"id":1900,"text":"[16] { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } ، قرأ مجاهد : ( أمرنا ) بالتشديد أي : سلطنا شرارها فعصوا ، وقرأ الحسن وقتادة ويعقوب ( أمرنا ) بالمد ، أي : أكثرنا . وقرأ الباقون بالقصر مختلفا ، أي أمرناهم بالطاعة فعصوا ، ويحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء ويحتمل أن تكون بمعنى أكثرنا ، يقال : أمرهم الله أي كثرهم الله واختار أبو عبيدة قراءة العامة وقال : لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها يعني الأمر والإمارة والكثرة . ( مترفيها ) منعميها وأغنياءها { فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ } ، وجب عليها العذاب ، { فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } ، أي : خربناها وأهلكنا من فيها .","part":4,"page":400},{"id":1901,"text":"[17] قوله : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ } ، أي : المكذبة ، { مِنْ بَعْدِ نُوحٍ } ، يخوف كفار مكة ، { وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } ، قال عبد الله بن أبي أوفى . القرن : مائة وعشرون سنة ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن ، وكان في آخره يزيد بن معاوية . وقيل : مائة سنة . وروي عن محمد بن القاسم عن عبد الله بن بشر المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال : « سيعيش هذا الغلام قرنا » (1) ، قال محمد بن القاسم فما زلنا نعد له حتى تم له مائة سنة ، ثم مات . قال الكلبي : القرن : ثمانون سنة . وقيل : أربعون سنة.\r_________\r(1) أخرجه ابن جرير 15 / 58 وذكره البخاري في التاريخ الصغير ص ( 39 ) وأخرجه أبو نعيم كما في التهذيب 5 / 139 .","part":4,"page":401},{"id":1902,"text":"[18] { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ } ، يعني الدنيا أي الدار العاجلة ، { عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ } ، من البسط والتقتير ، { لِمَنْ نُرِيدُ } ، أن نفعل به ذلك أو إهلاكه ، { ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ } في الآخرة ، { جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا } ، يدخل نارها ، { مَذْمُومًا مَدْحُورًا } ، مطرودا مبعدا .\r[19] { وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا } ، عمل عملها ، { وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا } ، مقبولا .\r[20] { كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ } ، أي : نمد كلا الفريقين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة ، { مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ } ، أي : يرزقهما جميعا ثم يخلف بهما الحال في المآل ، { وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ } ، رزق ربك ، { مَحْظُورًا } ، ممنوعا عن عباده فالمراد من العطاء العطاء في الدنيا وإلا فلا حظ للكفار في الآخرة .\r[21] { انْظُرْ } ، يا محمد ، { كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } ، في الرزق والعمل الصالح, يعني : طالب العاجلة وطالب الآخرة, { وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا } .","part":4,"page":402},{"id":1903,"text":"[22] { لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } , الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره . وقيل : معناه لا تجعل أيها الإنسان مع الله إلها آخر, { فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا } , مذموما من غير حمد مخذولا من غير نصر .","part":4,"page":403},{"id":1904,"text":"[23] قوله عز وجل : { وَقَضَى رَبُّكَ } , وأمر ربك, قال ابن عباس وقتادة والحسن : قال الربيع بن أنس : وأوجب ربك . قال مجاهد : وأوصى ربك, { أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أي : وأمر بالوالدين إحسانا برا بهما وعطفا عليهما, { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ } قرأ حمزة والكسائي بالألف على التثنية فعلى هذا قوله : { أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا } ، كلام مستأنف ، كقوله تعالى : { ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ } وقوله : { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } وقوله : ( الذين ظلموا ) ابتداء وقرأ الباقون ( يَبْلُغَنَّ ) على التوحيد ، { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } كلمة كراهية ، قال أبو عبيدة أصل التف والأف الوسخ على الأصابع إذا فتلتها . وقيل : الأف ما يكون في المغابن من الوسخ ، والتف ما يكون في الأصابع . وقيل : الأف وسخ الأنف والتف وسخ الأظفار . وقيل . الأف وسخ الظفر والتف ما رفعته بيدك من الأرض من شيء حقير ، { وَلَا تَنْهَرْهُمَا } ، ولا تزجرهما ، { وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا } ، حسنا جميلا لينا قال ابن المسيب : كقول العبد المذنب للسيد","part":4,"page":404},{"id":1905,"text":"الفظ . وقال مجاهد : لا تسميهما ولا تكنيهما وقل لهما يا أبتاه يا أماه . وقال مجاهد : في هذه الآية أيضا إذا بلغا عندك من الكبر ما يبولان فلا تتقذرهما ولا تقل لهما أف حين تميط عنهما الخلاء والبول كما كانا يميطانه عنك صغيرا .\r[24] { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ } ، أي : ألن جانبك لهما واخضع لهما . قال عروة بن الزبير : ألن لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحباه { مِنَ الرَّحْمَةِ } ، من الشفقة ، { وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } , أراد إذا كانا مسلمين . قال ابن عباس : هذا منسوخ بقوله : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد » (1) . وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر » (2) .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في البر 6 / 25 مرفوعا وموقوفا وقال في الموقوف : أصح ، وأخرجه ابن حبان برقم ( 2026 ) ص ( 496 ) من موارد الظمآن وصححه الحاكم 4 / 152 والمصنف في شرح السنة 13 / 12 .\r(2) أخرجه الإمام أحمد في المسند 3 / 28 و 44 ، والمصنف في شرح السنة 13 / 17 وفيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وللحديث شواهد كثيرا وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2 / 285 .","part":4,"page":405},{"id":1906,"text":"[25] { رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ } ، من بر الوالدين وعقوقهما ، { إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ } ، أبرارا مطيعين بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين وغير ذلك ، { فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ } ، بعد المعصية { غَفُورًا } ، قال سعيد بن جبير في هذه الآية : هو الرجل يكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد به إلا الخير فإنه لا يؤاخذ به . قال سعيد بن المسيب : الأواب الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب . قال سعيد بن جبير : الرجاع إلى الخير . وعن ابن عباس قال : هو الرجاع إلى الله فيما يحزنه وينوبه . وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : هم المسبحون ، دليله قوله : { يا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } . قال قتادة : هم المصلون ، قال عون العقيلي : هم الذين يصلون صلاة الضحى .","part":4,"page":406},{"id":1907,"text":"[26] قوله تعالى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } ، يعني صلة الرحم ، وأراد به قرابة الإنسان وعليه الأكثرون وعن علي بن الحسين : أراد به قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، { وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا } ، أي : لا تنفق مالك في المعصية . وقال مجاهد : لو أنفق الإنسان ماله كله كان تبذيرا ولو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا . وسئل ابن مسعود عن التبذير فقال : إنفاق المال في غير حقه .\r[27] { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } ، أي : أولياءهم ، والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم . { وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } ، جحودا لنعمه .","part":4,"page":407},{"id":1908,"text":"[28] { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ } ، نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول ، فنزل ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ) ، وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم ، { ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا } ، انتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك ، { فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } لينا وهي العدة ، أي : عدهم وعدا جميلا . وقيل : القول الميسور أن تقول : رزقنا الله وإياك .","part":4,"page":408},{"id":1909,"text":"[29] { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ } يعني : ولا تمسك يدك عن النفقة في الحق كالمغلولة يده لا يقدر على مدها ، { وَلَا تَبْسُطْهَا } ، بالعطاء ، { كُلَّ الْبَسْطِ } ، فتعطي جميع ما عندك ، { فَتَقْعُدَ مَلُومًا } ، يلومك سائلوك بالإمساك إذا لم تعطهم ، والملوم الذي أتى بما يلوم نفسه أو يلوم غيره ، { مَحْسُورًا } منقطعا لا شيء عندك تنفقه . يقال : حسرته بالمسألة إذا ألحفت عليه ودابة حسيرة إذا كانت كالة رازحة . قاد قتادة : ( محسورا ) نادما على ما فرط منك .\r[30] { إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ } ، يوسع { الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } أي : يقتر ويضيق ، { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } .\r[31] قوله تعالى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ } ، فقر ، { نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ } ، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة فنهوا عنه ، وأخبروا أن رزقهم ورزق أولادهم على الله تعالى ، { إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر ( خطأ ) أي : إثما كبيرا .","part":4,"page":409},{"id":1910,"text":"[32] { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا } .\r[33] { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ } ، وحقها : ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحل دم أمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها » (1) .\r_________\r(1) أخرجه أبو داود في الديات 6 / 301 ، والترمذي في الفتن 3 / 373 ، وابن ماجه في الحدود 2 / 847 ، والمصنف في شرح السنة 1 / 148 وأخرجه الشيخان عن ابن مسعود نحوه .","part":4,"page":410},{"id":1911,"text":"{ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } ، أي : قوة ولاية على القاتل بالقتل ، قاله مجاهد ، وقال الضحاك : سلطانه هو أنه يتخير فإن شاء استفاد منه وإن شاء أخذ الدية ، وإن شاء عفا عنه . { فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } ، قرأ حمزة والكسائي : ( فلا تسرف ) بالتاء يخاطب ولي القتيل ، وقرأ الآخرون بالياء على الغائب أي : لا يسرف الولي في القتل ، واختلفوا في هذا الإسراف الذي منع منه ولي القتيل ، فقال ابن عباس وأكثر المفسرين : معناه لا يقتل غير القاتل وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتل أشرف منه . وقال سعيد بن جبير : إذا كان القاتل واحدا فلا يقتل جماعة بدل واحد ، وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفا لا يرضون بقتل القاتل وحده حتى يقتلوا معه جماعة من أقربائه . وقال قتادة : معناه لا يمثل بالقاتل . { إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } ، فالهاء راجعة إلى المقتول في قوله : ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا ) يعني : أن المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القول على قاتله ، وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله ، هذا قول مجاهد ، وقال قتادة : الهاء","part":4,"page":411},{"id":1912,"text":"راجعة إلى ولي المقتول معناه أنه منصور على القاتل باستيفاء القصاص منه أو الدية . وقيل في قوله : ( فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) أنه أراد به القاتل المعتدي ، يقول : لا يعتدي بالقتل بغير الحق شأنه إن فعل ذلك قولي المقتول منصور عليه باستيفاء القصاص منه .\r[34] { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ } ، بالإتيان بما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه . وقيل : أراد بالعهد ما يلتزمه الإنسان على نفسه ، { إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا } ، وقال السدي : كان مطلوبا . وقيل : العهد يسأل عن صاحب العهد ، فيقال : فيما نقضت كالموءودة تسأل فيم قتلت .\r[35] { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص ( بالقسطاس ) بكسر القاف والباقون بضمه ، وهما لغتان وهو الميزان صغيرا كان أو كبيرا أي : بميزان العدل . وقال الحسن : هو القبان- قال مجاهد : هو رومي . وقال غيره : هو عربي مأخوذ من القسط وهو العدل ، أي : زنوا بالعدل . { الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } ، أي : عاقبة .","part":4,"page":412},{"id":1913,"text":"[36] { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } ، قال قتادة . لا تقل رأيت ولم تره وسمعت ولم تسمعه وعلمت ولم تعلمه . وقال مجاهد : لا ترم أحدا بما ليس لك به علم . قال القتيبي : لا تتبعه بالحدس والظن . وهو في اللغة اتباع الأثر ، يقال : قفوت فلانا أقفوه وقفيته وأقفيته إذا اتبعت أثره ، وبه سميت القافية لتتبعهم الآثار . قال القتيبي : هو مأخوذ من القفو كأنه يقفو الأمور ، أي : يكون في إقفائها يتبعها ويتعرفها . وحقيقة المعنى : لا تتكلم أيها الإنسان بالحدس والظن . { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } ، قيل : معناه يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده . وقيل . يسأل السمع والبصر والفؤاد عما فعله المرء . وقوله ( كُلُّ أُولَئِكَ ) أي حل هذه الجوارح والأعضاء ، وعلى القول الأول يرجع أولئك إلى أربابها .","part":4,"page":413},{"id":1914,"text":"[37] { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا } ، أي بطرا وكبرا وخيلاء وهو تفسير المشي فلذلك أخرجه على المصدر ، { إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ } أي : لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها ، { وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا } أي : لا تقدر أن تطال الجبال وتساويها بكبرك ، معناه أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا كمن يريد خرق الأرض ومطاولة الجبال لا يحصل على شيء . وقيل : ذكر ذلك لأن من مشى مختالا يمشي مرة على عقبه ومرة على صدور قدميه ، فقيل له : إنك لن تنقب الأرض إن مشيت على عقبيك ، ولن تبلغ الجبال طولا إن مشيت على صدور قدميك .","part":4,"page":414},{"id":1915,"text":"[38] { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا } ، قرأ ابن عامر وأهل الكوفة برفع الهمزة وضم الهاء على الإضافة ، ومعناه كل الذي ذكرنا من قوله { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } ( كَانَ سَيِّئُهُ ) أي : سيئ ما عددنا عليك عند ربك مكروها لأن فيما عددنا أمورا حسنة كقوله : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ }{ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ } وغير ذلك ، وقرأ الآخرون ( سَيِّئَةً ) منصوبة منونة يعني : كل الذي ذكرنا من قوله : { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ } إلى هذا الموضع سيئة لا حسنة فيه ، إذ الكل يرجع إلى المنهي عنه دون غيره ، ولم يقل مكروهة لأن فيه تقديما وتأخيرا تقديره كل ذلك كان مكروها سيئه . وقوله ( مَكْرُوهًا ) على التكرير لا على الصفة مجازه كل ذلك كان سيئه وكان مكروها ، راجع إلى المعنى دون اللفظ ، لأن السيئة الذنب وهو مذكر .","part":4,"page":415},{"id":1916,"text":"[39] { ذَلِكَ } ، الذي ذكرناه ، { مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ } ، وكل ما أمر الله به أو نهى الله عنه فهو حكمة . { وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } ، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات والمراد منه الأمة ، { فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا } ، مطرودا مبعدا من كل خير .\r[40] قوله عز وجل : { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ } ، أي : اختاركم فجعل لكم الصفوة ولنفسه ما ليس بصفوة ، يعني اختاركم ، { بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا } لأنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله ، { إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا } ، يخاطب مشركي مكة .\r[41] { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ } ، يعني الصبر والحكم والأمثال والأحكام والحجج والإعلام والتشديد للتكثير والتكرير ، { لِيَذَّكَّرُوا } أي : ليتذكروا ويتعظوا ، وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف وكذلك في الفرقان . { وَمَا يَزِيدُهُمْ } ، تصريفنا وتذكيرنا وتكريرنا ، { إِلَّا نُفُورًا } ، ذهابا وتباعدا عن الحق .","part":4,"page":416},{"id":1917,"text":"[42] { قُلْ } ، يا محمد لهؤلاء المشركين ، { لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ } ، قرأ حفص وابن كثير ( يَقُولُونَ ) بالياء وقرأ الآخرون بالتاء ، { إِذًا لَابْتَغَوْا } ، لطلبوا يعني الآلهة { إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا } ، بالمبالغة والقهر ليزيلوا ملكه ، كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض . وقيل : معناه لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه . قال قتادة : لعرفوا الله بفضله وابتغوا ما يقربهم إليه . والأول أصح ، ثم نزه نفسه .\rفقال عز من قائل : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ } ، قرأ حمزة والكسائي ( تقولون ) بالتاء والآخرون بالياء ، { عُلُوًّا كَبِيرًا } .","part":4,"page":417},{"id":1918,"text":"[44] { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص ويعقوب ( تُسَبِّحُ ) بالتاء وقرأ الآخرون بالياء للحائل بين الفعل والتأنيث ، { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } ، روي عن ابن عباس أنه قال : وإن من شيء حي إلا يسبح بحمده . وقال قتادة : يعني الحيوانات والناميات . وقال بعض أهل المعاني : تسبح السموات والأرض والجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء ما دامت تدل بلطيف تركيبها وعجيب هيئتها على خالقها ، فيصير ذلك بمنزلة التسبيح منها . والأول هو المنقول عن السلف واعلم أن لله تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن يوكل علمه إليه . { وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } ، أي لا تعلمون تسبيح ما عدا من يسبح بلغاتكم وألسنتكم ، { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } .","part":4,"page":418},{"id":1919,"text":"[45] { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } ، يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به . قال قتادة : وهو الأكنة ، والمستور بمعنى الساتر كقوله : { كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا } مفعول بمعنى فاعل . وقيل : مستور عن أعين الناس فلا يرونه . وفسره بعضهم بالحجاب عن الأعين . الظاهر كما روي عن سعيد بن جبير أنه لما نزلت : { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر والنبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فلم تره ، فقالت لأبي بكر : أين صاحبك لقد بلغني أنه هجاني ؟ فقال : والله ما ينطق عن الهوى ولا ينطق بالشعر ولا يقوله ، فرجعت وهي تقول : قد كنت جئت بهذا الحجر لأرضخ برأسه ، فقال أبو بكر : ما رأتك يا رسول الله ؟ قال : لا لم يزل ملك بيني وبينها يسترني (1) .\r_________\r(1) أخرجه أبو يعلى وابن أبي حاتم . انظر تفسير ابن كثير 3 / 44 و 4 / 565 ومجمع الزوائد .","part":4,"page":419},{"id":1920,"text":"[46] { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } ، أغطية ، { أَنْ يَفْقَهُوهُ } ، كراهية أن يفقهوه . وقيل : لئلا يفقهوه ، { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } ، ثقلا لئلا يسمعوه . { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ } ، يعني إذا قلت : لا إله إلا الله في القرآن وأنت تتلوه ، { وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } ، جمع نافر مثل قاعد وقعود وجالس وجلوس ، أي نافرين .\r[47] { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } ، قيل : به صلة أي : يطلبون سمعه ، { إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } ، وأنت تقرأ القرآن ، { وَإِذْ هُمْ نَجْوَى } ، يتناجون في أمرك . وقيل : ذو نجوى ، فبعضهم يقول : هو مجنون ، وبعضهم يقول : كاهن ، وبعضهم يقول : ساحر ، وبعضهم يقول : شاعر . { إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ } ، يعني الوليد بن المغيرة وأصحابه ، { إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا } ، مطبوبا . وقال مجاهد : مخدوعا . وقيل : مصروفا عن الحق . يقال : ما سحرك عن كذا ؟ أي ما صرفك عنه ؟ وقال أبو عبيدة : أي رجلا له سحر ، والسحر : الرئة أي : إنه بشر مثلكم تغذى معللا بالطعام والشراب يأكل ويشرب .","part":4,"page":420},{"id":1921,"text":"[48] { انْظُرْ } ، يا محمد ، { كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ } ، الأشباه ، قالوا : شاعر وساحر وكاهن ومجنون ، { فَضَلُّوا } ، فحاروا وحادوا ، { فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا } أي : وصولا إلى طريق الحق .\r[49] { وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا } بعد الموت . قال مجاهد : ترابا . وقيل : حطاما . والرفات : كل ما يكسر ويبلى من كل شيء كالفتات والحطام . { أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } .","part":4,"page":421},{"id":1922,"text":"[50] { قُلْ } ، لهم يا محمد { كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا } ، في الشدة والقوة ، وليس هذا بأمر إلزام بل هو أمر تعجيز ، أي : استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو حديد في القوة .\r[51] { أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ } ، قيل : السماء والأرض والجبال . وقال مجاهد وعكرمة وأكثر المفسرين : إنه الموت ، فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت ، أي : ولو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم ، { فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا } ، من يبعثنا بعد الموت ، { قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ } ، خلقكم ، { أَوَّلَ مَرَّةٍ } ، ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة ، { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ } ، أي : يحركونها إذا قلت لهم ذلك مستهزئين بها ، { وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ } ، أي : البعث والقيامة ، { قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا } أي : هو قريب ، لأن عسى من الله واجب ، نظيره قوله تعالى : { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا } .","part":4,"page":422},{"id":1923,"text":"[52] { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } من قبوركم إلى موقف القيامة ، { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } ، قال ابن عباس : بأمره . وقال قتادة . بطاعته . وقيل : مقرين بأنه خالقهم وباعثهم ويحمدونه حتى لا ينفعهم الحمد . قيل : هذا خطاب مع المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين . { وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ } ، في الدنيا أو في القبور ، { إِلَّا قَلِيلًا } ، لأن الإنسان لو مكث ألوفا من السنين في الدنيا أو في القبور عد ذلك قليلا في مدة القيامة والخلود . قال قتادة : يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة .\r[53] قوله تعالى : { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا } ، للكافرين { الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ولا يكافئوهم بسفههم . قال الحسن : يقول له يهديك الله . وكان هذا قبل الإذن في الجهاد والقتال . وقيل : أمر الله المؤمنين بأن يقولوا ويفعلوا التي هي أحسن أي : الخلة التي هي أحسن . وقيل : الأحسن : كلمة الإخلاص لا إله إلا الله . { إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ } ، أي : يفسد ويلقي العداوة بينهم ، { إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا } ، ظاهر العداوة .","part":4,"page":423},{"id":1924,"text":"[54] { رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ } ، يوفقكم فتؤمنوا ، { أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ } ، يميتكم على الشرك فتعذبوا ، قاله ابن جريج . وقال الكلبي : إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة ، وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم ، { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا } حفيظا وكفيلا . قيل : نسختها آية القتال .","part":4,"page":424},{"id":1925,"text":"[55] { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، أي : ربك العالم بمن في السموات والأرض فجعلهم مختلفين في صورهم وأخلاقهم وأحوالهم وملكهما ، { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ } ، قيل : جعل أهل السموات والأرض مختلفين كما فضل بعض النبيين على بعض . قال قتادة : في هذه الآية اتخذ الله إبراهيم خليلا وكلم الله موسى تكليما وقال لعيسى كن فيكون ، وآتى سليمان ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعده ، وآتى داود زبورا كما قال : { وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا } ، والزبور كتاب علمه الله داود يشتمل على مائة وخمسين سورة كلها دعاء وتمجيد وثناء على الله عز وجل ، وليس فيها حرام ولا حلال ولا فرائض ولا حدود ، معناه : إنكم لم تنكروا تفضيل النبيين فكيف تنكرون فضل النبي صلى الله عليه وسلم وإعطاءه القرآن ؟ وهذا خطاب مع من يقر بتفضيل الأنبياء عليهم السلام من أهل الكتاب وغيرهم .","part":4,"page":425},{"id":1926,"text":"[56] قوله عز وجل : { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ } ، وذلك أن المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف فاستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم ، قال الله تعالى : { قُلِ } للمشركين { ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أنها آلهة { مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ } ، القحط والجوع ، { عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا } ، إلى غيركم أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر .","part":4,"page":426},{"id":1927,"text":"[57] { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } ، يعني الذين يدعونهم المشركون أنهم آلهة يعبدونهم . قال ابن عباس ومجاهد : وهم عيسى وأمه وعزير والملائكة ، والشمس والقمر والنجوم ، { يَبْتَغُونَ } أي يطلبون { إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } ، أي القربة . وقيل : الوسيلة الدرجة أي يتضرعون إلى الله في طلب الدرجة العليا . وقيل : الوسيلة كل ما يتقرب به إلى الله تعالى . وقوله { أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } ، معناه ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به . وقال الزجاج : أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله تعالى ويتقرب إليه بالعمل الصالح ، { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } ، جنته ، { وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } ، أي يطلب منه الحذر . وقال عبد الله بن مسعود : نزلت الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون ولم يعلم الإنس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم ، فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم الله وأنزل هذه الآية ، وقرأ ابن مسعود ( الذين تدعون ) بالتاء .","part":4,"page":427},{"id":1928,"text":"[58] { وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ } وما من قرية { إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، أي : مخربوها ومهلكوا أهلها ، { أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا } ، بأنواع العذاب إذا كفروا وعصوا . وقال مقاتل وغيره : مهلكوها في حق المؤمنين بالإماتة ومعذبوها في حق الكفار بأنواع العذاب . قال عبد الله بن مسعود : إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في إهلاكها . { كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ } ، في اللوح المحفوظ ، { مَسْطُورًا } ، مكتوبا . قال عبادة بن الصامت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن أول ما خلق الله القلم فقال : اكتب ، فقال : ما أكتب ؟ قال : القدر ، وما كان وما هو كائن إلى الأبد » (1) .\r_________\r(1) أخرجه أبو داود في السنة 7 / 69 والترمذي في القدر 6 / 368 والإمام أحمد في المسند 5 / 317 والطيالسي في مسنده ص 79 وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة 1 / 34 .","part":4,"page":428},{"id":1929,"text":"[59] قوله : { وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ } ، قال ابن عباس : « سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا فأوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن أستأني بهم فعلت ، وإن شئت أن أوتيهم ما سألوا فعلت ، فإن لم يؤمنوا أهلكهم كما أهلكت من كان قبلهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" لا بل تستأني بهم » (1) ، فأنزل الله عز وجل : ( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ ) التي سألها كفار قريش ( إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ) فأهلكناهم ، فإن لم يؤمن قومك بعد إرسال الآيات أهلكناهم ، لأن من شأننا في الأمم إذا سألوا الآيات ثم لم يؤمنوا بعد إتيانها أن نهلكهم ولا نمهلهم ، وقد حكمنا بإمهال هذه الأمة في العذاب ، فقال جل ذكره : { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } ، ثم قال : { وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً } ، مضيئة بينة ، { فَظَلَمُوا بِهَا } ، أي : جحدوا بها أنها من عند الله كما قال : { بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } ، أي :\r_________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1 / 258 والحاكم في المستدرك 2 / 362 قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح .","part":4,"page":429},{"id":1930,"text":"يجحدون وقيل : ظلموا أنفسهم بتكذيبها يريد فعاجلناهم بالعقوبة ، { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ } أي : العبر والدلالات ، { إِلَّا تَخْوِيفًا } ، للعباد ليؤمنوا . قال قتادة : إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يرجعون .","part":4,"page":430},{"id":1931,"text":"[60] قوله عز وجل : { وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ } ، أي : هم في قبضته لا يقدرون على الخروج عن مشيئته فهو حافظك ومانعك منهم فلا تهبهم وامض إلى ما أمر الله به من تبليغ الرسالة ، كما قال : { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } ، { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ } ، فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات . قال ابن عباس : هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج والأكثرون (1) ، والعرب تقول : رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك ، وكذبوا وكان فتنة للناس . وقال قوم : أسري بروحه دون بدنه . وقال بعضهم : كان له معراجان رؤية بالعين ومعراج رؤيا بالقلب ، وقال قوم : أراد بهذه الرؤيا ما رأى صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فجعل السير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون ، فرجع إلى المدينة وكان رجوعه في ذلك العام بعد ما أخبر أنه يدخلها فكان رجوعه فتنة\r_________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة الإسراء 8 / 398 .","part":4,"page":431},{"id":1932,"text":"لبعضهم ، حتى دخلها في العام المقبل ، فأنزل الله تعالى : { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } ، { وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ } ، يعني شجرة الزقوم ، مجازه والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن ، والعرب تقول لكل طعام كريه : طعام ملعون . وقيل : معناه الملعون أكلها ، ونصب الشجرة عطفا على الرؤيا ، أي : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة إلا فتنة للناس ، فكانت الفتنة في الرؤيا ما ذكرنا ، والفتنة في الشجرة الملعونة من وجهين : أحدهما : أن أبا جهل قال : إن ابن أبي كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة ثم يزعم أنه ينبت فيها شجرة ، وتعلمون أن النار تحرق الشجرة ، والثاني : أن عبد الله بن الزبعري قال : إن محمدا يخوفنا بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر ، وقال أبو جهل : يا جارية تعالي فزقمينا فأتت بالتمر والزبد ، فقال : يا قوم تزقموا فإن هذا ما يخوفكم به محمد ، فوصفها الله تعالى في الصافات . وقيل : الشجرة الملعونة هي التي تلتوي على الشجر فتخنقه ، يعني الكشوث ، { وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ } ، التخويف ، { إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا } أي : تمردا","part":4,"page":432},{"id":1933,"text":"وعتوا عظيما .\r[61] قوله عز وجل : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } ، أي : خلقته من طين .\r[62] { قَالَ } ، يعني إبليس ، { أَرَأَيْتَكَ } أي أخبرني والكاف لتأكيد المخاطبة ، { هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ } أي : فضلته علي : { لَئِنْ أَخَّرْتَنِي } أمهلتني { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ } أي : لأستأصلنهم بالإضلال ، يقال : احتنك الجراد الزرع إذا أكله كله . وقيل : هو من قول العرب حنك الدابة يحنك إذا شد في حنكها الأسفل حبلا يقودها ، أي لأقودنهم كيف شئت . وقيل : لأستولين عليهم بالإغواء ، { إِلَّا قَلِيلًا } ، يعني المعصومين الذين استثناهم الله عز وجل في قوله : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } .\r[63] { قَالَ } الله { اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ }{ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ } أي : جزاءك وجزاء أتباعك ، { جَزَاءً مَوْفُورًا } ، وافرا مكملا, يقال : وفرته أوفره وفرا .","part":4,"page":433},{"id":1934,"text":"[64] وقوله : { وَاسْتَفْزِزْ } ، واستخفف واستجهد ، { مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ } ، أي : من ذرية آدم ، { بِصَوْتِكَ } ، قال ابن عباس وقتادة : بدعائك إلى معصية الله ، وكل داع إلى معصية الله فهو من جند إبليس . قال الأزهري : معناه ادعهم دعاء تستفزهم به إلى جانبك ، أي : تستخفهم . وقال مجاهد : بالغناء والمزامير ، { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } ، قيل : اجمع عليهم مكايدك وخيلك ، ويقال : اجلبوا وجلبوا إذا صاحوا ، يقول : صح بخيلك ورجلك وحثهم عليه بالإغواء ، قال مقاتل : استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم ، والخيل : الركبان ، والرجل : المشاة . قال أهل التفسير : كل راكب وماش في معاصي الله فهو من جند إبليس . وقال مجاهد وقتادة : إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس وهو كل ما يقاتل في المعصية ، والرجل والرجالة والراجلة واحد ، يقال : راجل ورجل مثل تاجر وتجر وراكب وركب ، وقرأ حفص ورجلك بكسر الجيم وهما لغتان ، { وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ } ، فالمشاركة في الأموال كل ما أصيب من حرام أو أنفق في حرام ، هذا قول مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ، وقال عطاء : هو الربا وقال قتادة : هو ما","part":4,"page":434},{"id":1935,"text":"كان المشركون يحرمونه من الأنعام كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام . وقال الضحاك : هو ما كانوا يذبحونه لآلهتهم ، وأما الشركة في الأولاد ، روي عن ابن عباس : أنها الموءودة . وقال مجاهد والضحاك : هم أولاد الزنا . وقال الحسن وقتادة : هو أنهم هودوا أولادهم ونصروهم ومجسوهم . وروي عن جعفر بن محمد أن الشيطان يقعد على ذكر الرجل فإذا لم يقل بسم الله أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل . { وَعِدْهُمْ } ، أي : خذ منهم الجميل في طاعتك . وقيل : قل لهم : لا جنة ولا نار ولا بعث . { وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا } ، والغرور تزيين الباطل بما يظن أنه حق ، فإن قيل : كيف ذكر الله هذه الأشياء وهو يقول : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } ؟ قيل : هذا على طريق التهديد ، كقوله تعالى : { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } ، وكقول القائل : افعل ما شئت فسترى .\r[65] قوله : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا } ، أي حافظا ومن يوكل الأمر إليه .","part":4,"page":435},{"id":1936,"text":"[66] قوله عز وجل : { رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ } أي : يسوق ويجري لكم الفلك ، { فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } ، لتطلبوا من رزقه ، { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } .","part":4,"page":436},{"id":1937,"text":"[67] { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ } ، الشدة وخوف الغرق ، { فِي الْبَحْرِ ضَلَّ } ، أي : بطل وسقط ، { مَنْ تَدْعُونَ } ، من الآلهة ، { إِلَّا إِيَّاهُ } ، إلا الله فلم تجدوا مغيثا سواه ، { فَلَمَّا نَجَّاكُمْ } ، أجاب دعاءكم وأنجاكم من هول البحر وأخرجكم ، { إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ } ، عن الإيمان والإخلاص والطاعة كفرا منكم لنعمه ، { وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا } .\r[68] { أَفَأَمِنْتُمْ } ، بعد ذلك ، { أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ } ، يغور بكم ، { جَانِبَ الْبَرِّ } ، ناحية البر وهي الأرض ، { أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } ، أي : يمطر عليكم حجارة من السماء كما أمطر على قوم لوط . وقال أبو عبيدة والقتيبي : الحاصب الريح التي ترمي بالحصباء ، وهي الحصا الصغار ، { ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا } ، قال قتادة : مانعا .","part":4,"page":437},{"id":1938,"text":"[69] { أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ } ، يعني في البحر ، { تَارَةً } مرة ، { أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ } ، قال ابن عباس : أي : عاصفا وهي الريح الشديدة . وقال أبو عبيدة : هي الريح التي تقصف كل شيء ، أي تدقه وتحطمه . وقال القتيبي : هي التي تقصف الشجر ، أي تكسره ، { فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } ، ناصرا ولا ثائرا ، وتبيع بمعنى تابع أي تابعا أي مطالبا بالثأر . وقيل . من يتبعنا بالإنكار . قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( أن نخسف ، ونرسل ، ونعيدكم ، فنرسل ، فنغرقكم ) ، بالنون فيهن ، لقوله ( علينا ) وقرأ الآخرون بالياء لقوله : ( إلا إياه ) وقرأ أبو جعفر ويعقوب ( فتغرقكم ) بالتاء يعني الريح .","part":4,"page":438},{"id":1939,"text":"[70] قوله عز وجل : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } ، روي عن ابن عباس أنه قال : هو أنهم يأكلون بالأيدي وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض . وروي عنه أنه قال : بالعقل . وقال الضحاك : بالنطق . وقال عطاء : بتعديل القامة وامتدادها ، والدواب منكبة على وجوهها . وقيل : بحسن الصورة . وقيل . الرجال باللحى والنساء بالذوائب . وقيل : بأن سخر لهم سائر الأشياء . وقيل : بأن منهم خير أمة أخرجت للناس . { وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } ، أي : حملناهم في البر على الدواب وفي البحر على السفن ، { وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } ، يعني : لذيذ المطاعم والمشارب . قال مقاتل : السمن والزبد والتمر والحلوى ، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى . { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } ، وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير ممن خلقهم لا على الكل . وقال قوم : فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة . وقال الكلبي : فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة . جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، وأشباههم .","part":4,"page":439},{"id":1940,"text":"[71] قوله تعالى : { يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } ، قال مجاهد وقتادة : بنبيهم . وقال أبو صالح والضحاك : بكتابهم الذي أنزل عليهم . وقال الحسن وأبو العالية : بأعمالهم . وقال قتادة أيضا : بكتابهم الذي فيه أعمالهم ، بدليل سياق الآية ، { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } ويسمى الكتاب إماما كما قال عز وجل : { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } . وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى ، قال الله تعالى : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } ، وقال : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) ، وقيل : بمعبودهم . وعن سعيد بن المسيب قال : كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في الخير والشر . وقال محمد بن كعب : ( بِإِمَامِهِمْ ) ، قيل : يعني بأمهاتهم ، وفيه ثلاثة أوجه من الحكمة أحدها : لأجل عيسى عليه السلام ، والثاني : لشرف الحسن والحسين ، والثالث : لئلا يفتضح أولاد الزنا . { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } أي : لا ينقص","part":4,"page":440},{"id":1941,"text":"من حقهم قدر فتيل .\r[72] { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى } ، اختلفوا في هذه الإشارة فقال قوم : هي راجعة إلى النعم التي عددها الله تعالى في هذه الآيات من قوله : { رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ } إلى قوله ( تفضيلا ) يقول : ومن كان منكم في هذه النعم التي قد عاين أعمى ، { فَهُوَ فِي } ، أمر ، { الْآخِرَةِ } ، التي لم يعاين ولم ير ، { أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } ، يروى هذا عن ابن عباس ، وقال الآخرون : هي راجعة إلى الدنيا يقول من كان في هذه الدنيا أعمى القلب عن رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق ، فهو في الآخرة أعمى أي أشد عمى وأضل سبيلا أي أخطأ طريقا . وقيل . من كان في هذه الدنيا أعمى عن الاعتبار فهو في الآخرة أعمى عن الاعتذار . وقال الحسن : من كان في هذه الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته ، وأمال بعض القراء هذين الحرفين وفتحهما بعضهم ، وكان أبو عمرو يكسر الأول ويفتح الثاني فهو في الآخرة أشد عمى لقوله . ( وأضل سبيلا ) .","part":4,"page":441},{"id":1942,"text":"[73] قوله عز وجل : { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ } ليصرفونك { عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } من القرآن { لِتَفْتَرِيَ } ، لتختلق ، { عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا } ، لو فعلت ما دعوك إليه { لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا } أي : والوك وصافوك .\r[74] { وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ } ، على الحق بعصمتنا ، { لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ } أي : تميل ، { إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } أي قريبا من الفعل .\r[75] { إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ } ، أي : لو فعلت ذلك لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات ، يعني أضعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة . وقيل : الضعف هو العذاب سمي ضعفا لتضاعف الألم فيه . { ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } ، أي : ناصرا يمنعك من عذابنا .","part":4,"page":442},{"id":1943,"text":"[76] قوله تعالى : { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا } ، اختلفوا في معنى الآية فقال بعضهم : هذه الآية مدنية . قال الكلبي : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كره اليهود مقامه بالمدينة حسدا منهم ، فأتوه وقالوا : يا أبا القاسم لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء فإن أرض الأنبياء الشام ، وهي الأرض المقدسة ، فإن كنت نبيا مثلهم فأت الشام ، فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة . وفي رواية : إلى ذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويخرج ، فأنزل الله هذه الآية والأرض هاهنا هي المدينة . وقال مجاهد وقتادة : الأرض أرض مكة ، والآية مكية ، هم المشركون أن يخرجوه منها فكفهم الله عنه حتى أمره بالهجرة ، فخرج بنفسه . وهذا أليق بالآية لأن ما قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية وقيل : هم الكفار كلهم أرادوا أن يستفزوه من أرض العرب باجتماعهم وتظاهرهم عليه ، فمنع الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ولم ينالوا منه ما أملوا ، والاستفزاز هو الإزعاج بسرعة ، { وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ } أي : بعدك { إِلَّا قَلِيلًا } أي : لا يلبثون بعدك إلا قليلا","part":4,"page":443},{"id":1944,"text":"حتى يهلكوا ، فعلى هذا القول الأول مدة حياتهم ، وعلى الثاني ما بين خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن قتلوا ببدر .\r[77] قوله عز وجل : { سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا } أي : كسنتنا ، فانتصب بحذف الكاف ، وسنة الله في الرسل إذا كذبتهم الأمم ألا يعذبهم ما دام نبيهم بين أظهرهم ، فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم عذبهم . { وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا } ، أي تبديلا .","part":4,"page":444},{"id":1945,"text":"[78] قوله : { أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } ، اختلفوا في الدلوك ، روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : الدلوك هو الغروب ، وقال ابن عباس وابن عمر وجابر : هو زوال الشمس ومعنى اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل والشمس تميل إذا زالت وغربت ، والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ، ولأنا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها ، فدلوك الشمس يتناول صلاة الظهر والعصر وإلى غسق الليل يتناول المغرب والعشاء ، وقرآن الفجر هو صلاة الصبح ، قوله عز وجل : { إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } ، أي : ظهور ظلمته ، وقال ابن عباس : بدو الليل . وقال قتادة : وقت صلاة المغرب . وقال مجاهد : غروب الشمس ، { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } ، يعني صلاة الفجر ، سمي صلاة الفجر قرآنا لأنها لا تجوز إلا بقرآن ، وانتصاب القرآن من وجهين أحدهما أنه عطف على الصلاة ، أي : وأقم قرآن الفجر ، قاله الفراء ، وقال أهل البصرة : على الإغراء أي : وعليك قرآن الفجر ، { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } ، أي : يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار .","part":4,"page":445},{"id":1946,"text":"[79] قوله تعالى : { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ } أي : قم بعد نومك ، والتهجد لا يكون إلا بعد النوم ، يقال : تهجد إذا قام بعد ما نام ، وهجد إذا نام ، والمراد من الآية : قيام الليل للصلاة ، وكانت صلاة الليل فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم في الابتداء ، وعلى الأمة ، لقوله تعالى : { يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ }{ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا } ، ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخا في حق الأمة بالصلوات الخمس ، وبقي الاستحباب : قال الله تعالى : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } ، وبقي الوجوب في حق النبي صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل : { نَافِلَةً لَكَ } أي : زيادة لك ، يريد فضيلة زائدة ، على سائر الفرائض ، فرضها الله عليك . وذهب قوم إلى أن الوجوب صار منسوخا في حقه كما في حق الأمة ، فصارت نافلة ، وهو قول مجاهد وقتادة ، لأن الله تعالى قال : ( نَافِلَةً لَكَ ) ولم يقل عليك ، قوله عز وجل : { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } عسى من الله تعالى واجب لأنه لا يدع أن يعطي عباده أو يفعل بهم ما أطمعهم فيه ، والمقام المحمود هو مقام الشفاعة لأمته لأنه يحمده فيه الأولون","part":4,"page":446},{"id":1947,"text":"والآخرون ، والأخبار في الشفاعة متواترة كثيرة وأول من أنكرها عمرو بن عبيد وهو مبتدع باتفاق أهل السنة .","part":4,"page":447},{"id":1948,"text":"[80] قوله عز وجل : { وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ } ، المراد من المدخل والمخرج الإدخال والإخراج ، واختلف أهل التفسير فيه ، فقال ابن عباس والحسن وقتادة : أدخلني مدخل صدق المدينة ، وأخرجني مخرج صدق من مكة ، نزلت حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة . وقال الضحاك : وأخرجني مخرج صدق من مكة آمنا من المشركين ، وأدخلني مدخل صدق مكة ظاهرا عليها بالفتح . وقال مجاهد : أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق ، وأخرجني من الدنيا وقد قمت بما وجب علي من حقها مخرج صدق . وعن الحسن أنه قال : أدخلني مدخل صدق الجنة وأخرجني مخرج صدق من مكة وقيل : أدخلني في طاعتك وأخرجني من المناهي وقيل : معناه أدخلني حيث ما أدخلتني بالصدق ، وأخرجني بالصدق ، أي : لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه ، فإن ذا الوجهين لا يكون أمينا ووجيها عند الله . ووصف الإدخال والإخراج بالصدق لما يئول إليه الخروج والدخول من النصر والعز ودولة الدين ، كما وصف القدم بالصدق فقال : { أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } . { وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا } ، قال","part":4,"page":448},{"id":1949,"text":"مجاهد : حجة بينة . وقال الحسن : ملكا قويا تنصرني به على من ناوأني وعزا ظاهرا أقيم به دينك ، فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما فيجعله له . قال قتادة : علم نبي الله صلى الله عليه وسلم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان نصير ، فسأل سلطانا نصيرا كتاب الله وحدوده وإقامة دينه .\r[81] قوله عز وجل : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ } ، يعني القرآن ، { وَزَهَقَ الْبَاطِلُ } ، أي الشيطان ، قال قتادة ، وقال السدي : الحق الإسلام ، والباطل الشرك . وقيل : الحق عبادة الله ، والباطل عبادة الأصنام . { إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } ذاهبا ، يقال : زهقت نفسه أي خرجت . عن أبي معمر عن عبد الله ، قال : « دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة صنم ، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : \" جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ، { جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ }» (1) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 400 .","part":4,"page":449},{"id":1950,"text":"[82] قوله عز وجل : { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } ، قيل : ( من ) ليس للتبعيض ، ومعناه : وننزل من القرآن ما هو كله شفاء ، أي : بيان من الضلالة والجهالة يتبين به المختلف ويتضح به المشكل ويستشفى به من الشبهة ويهتدى به من الحيرة ، وهو شفاء القلوب بزوال الجهل عنها ورحمة للمؤمنين . { وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا } ، لأن الظالم لا ينتفع به والمؤمن من ينتفع به فيكون رحمة له ، وقيل : زيادة الخسارة للظالم من حيث أن كل آية تنزل يتجدد منهم تكذيب ويزداد لهم خسارة ، قال قتادة : لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ، قضى الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا .","part":4,"page":450},{"id":1951,"text":"[83] قوله تعالى : { وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ } ، عن ذكرنا ودعائنا ، { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } ، أي تباعد منا بنفسه ، أي ترك التقرب إلى الله بالدعاء . وقال عطاء : تعظم وتكبر ، ويكسر النون والهمزة حمزة والكسائي ، ويفتح النون ويكسر الهمزة أبو بكر وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ( وناء ) مثل جاء قيل : هو بمعنى نأى ، وقيل : ناء من النوء وهو النهوض والقيام . { وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ } ، الشدة والضر ، { كَانَ يَئُوسًا } , أي آيسا قنوطا . وقيل معناه أنه يتضرع ويدعو عند الضر والشدة, فإذا تأخرت الإجابة يئس ولا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الإجابة, وإن تأخرت فيدع الدعاء .","part":4,"page":451},{"id":1952,"text":"[84] قوله عز وجل : { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ } , قال ابن عباس : على ناحيته . وقال مقاتل : على خليقته . قال الفراء : على طريقته التي جبل عليها . وقال القتيبي : على طبيعته وجبلته . وقيل : على السبيل الذي اختاره لنفسه, وهو من الشكل, يقال : لست على شكلي ولا شاكلتي, وكلها لغات متقاربة, تقول العرب : طريق ذو شواكل إذا تشعبت منه الطرق, ومجاز الآية : كل يعمل على ما يشبهه كما يقال في المثل : كل امرئ يشبهه فعله . { فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا } ، أوضح طريقا .","part":4,"page":452},{"id":1953,"text":"[85] قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } ، واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه ، فروى عن ابن عباس : إنه جبريل ، وهو قول الحسن وقتادة ، روي عن علي أنه قال : ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها . وقال مجاهد : خلق على صور بني آدم لهم أيد وأرجل ورءوس وليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام ، وقال سعيد بن جبير : لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش . وقيل : الروح هو القرآن . وقيل : المراد منه عيسى عليه السلام ، فإنه روح الله وكلمته ، ومعناه أنه ليس كما يقول اليهود ولا كما يقول النصارى ، وقال قوم : هو الروح المركب في الخلق الذي يحيل به الإنسان ، وهو الأصح . وتكلم فيه قوم فقال بعضهم : هو الدم ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم . وقال قوم : هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس . وقال قوم . هو عرض . وقال قوم : هو جسم لطيف . وقال بعضهم : الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلو والعلم والبقاء ، ألا ترى أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات ، فإذا خرج ذهب الكل ، وأولى","part":4,"page":453},{"id":1954,"text":"الأقاويل : أن يوكل علمه إلى الله عز وجل ، وهو قول أهل السنة . قال عبد الله بن بريدة : إن الله لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وقوله عز وجل : { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } قيل : من علم ربي ، { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } أي : في جنب علم الله قيل : هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم . وقيل : خطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون : أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير . وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح ولكن لم يخبر به أحدا لأن ترك إخباره به كان علما لنبوته . والأول أصح لأن الله عز وجل استأثر بعلمه .\r[86] قوله تعالى : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } ، يعني القرآن ، معناه : إنا كما منعنا علم الروح عنك وعن غيرك ، لو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك يعني القرآن ، { ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا } ، أي : من يتوكل برد القرآن إليك .","part":4,"page":454},{"id":1955,"text":"[87] { إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } ، هذا استثناء منقطع معناه : ولكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك . { إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } ، فإن قيل كيف يذهب القرآن وهو كلام الله عز وجل ؟ قيل : المراد منه محوه من المصاحف وإذهاب ما في الصدور . وقال عبد الله بن مسعود . اقرءوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع . قيل : هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الناس ؟ قال : يسري عليه ليلا فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا ولا يجدون في المصاحف شيئا .","part":4,"page":455},{"id":1956,"text":"[88] قوله جل وعلا : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } ، لا يقدرون على ذلك ، { وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } ، عونا ومظاهرا ، نزلت حين قال الكفار : لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله تعالى ، فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب ، وهو كلام في أعلى طبقات المبالغة لا يشبه كلام الخلق ، لأنه غير مخلوق ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله .\r[89] قوله عز وجل : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ } ، من كل وجه من العبر والأحكام والوعد والوعيد وغيرها ، { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا } ، جحودا .\r[90] { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ } ، لن نصدقك ، { حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ } يعني . أرض مكة { يَنْبُوعًا } أي : عيونا .\r[91] { أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ } ، بستان ، { مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا } ، تشقيقا .","part":4,"page":456},{"id":1957,"text":"[92] { أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } ، قرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح السين ، أي : قطعا وهي جمع كسفة ، وهي القطعة والجانب مثل كسرة وكسر ، وقرأ الآخرون بسكون السين على التوحيد ، وجمعه أكساف وكسوف ، أي : تسقطها طبقا واحدا . وقيل : أراد جانبها علينا . وقيل : معناه أيضا القطع ، وهي جمع التكسير مثل سدرة وسدر في الشعراء وسبأ ( كسفا ) بالفتح ، حفص ، وفي الروم ساكنة أبو جعفر ، وابن عامر . { أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا } ، قال ابن عباس : كفيلا أي يكفلون بما تقول . وقال الضحاك : ضامنا . وقال مجاهد : هو جمع القبيلة أي : بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة . وقال قتادة : عيانا أي نراهم مقابلة أي معاينة . وقال الفراء : هو من قول العرب لقيت فلانا قبيلا ، وقبيلا أي : معاينة .","part":4,"page":457},{"id":1958,"text":"[93] { أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ } أي : من ذهب ، وأصله الزينة ، { أَوْ تَرْقَى } ، تصعد ، { فِي السَّمَاءِ } ، هذا قول عبد الله بن أبي أمية ، { وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ } ، لصعودك ، { حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ } ، أمرنا فيه باتباعك ، { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي } ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ( قال ) يعني محمدا ، وقرأ الآخرون على الأمر ، أي : قل يا محمد ، { هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا } ، أمره بتنزيهه وتمجيده ، على معنى أنه لو أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل ، ولكن الله لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر ، وما أنا إلا بشر وليس ما سألتم في طوق البشر ، واعلم أن الله تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله ، مثل القرآن وانشقاق القمر وتفجير العيون من بين الأصابع وما أشبهها ، والقوم عامتهم كانوا متعنتين لم يكن قصدهم طلب الدليل ليؤمنوا ، فرد الله عليهم سؤالهم .","part":4,"page":458},{"id":1959,"text":"[94] قوله عز وجل : { وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا } ، جهلا منهم ، { أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا } ، أراد أن الكفار كانوا يقولون : لن نؤمن لك لأنك بشر ، وهلا بعث الله إلينا ملكا فأجابهم الله تعالى :\r[95] { قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ } ، مستوطنين مقيمين ، { لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا } ، من جنسهم لأن القلب إلى الجنس أميل منه إلى غير الجنس .\r[96] { قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } ، أني رسوله إليكم ، { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } .","part":4,"page":459},{"id":1960,"text":"[97] { وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ } ، يهدونهم ، { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ } عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه » (1) { عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا } ، فإن قيل كيف وصفهم بأنهم عمي وبكم وصم . وقد قال : { وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ } ، وقال : { دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا } وقال : { سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا } ، أثبت الرؤية والكلام والسمع ؟ قيل : يحشرون على ما وصفهم الله ثم تعاد إليهم هذه الأشياء ، وجواب آخر : قال ابن عباس : عميا لا يرون ما يسرهم بكما لا ينطقون بحجة صما لا يسمعون شيئا يسرهم . وقال الحسن : هذا حين يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار . وقال مقاتل : هذا حين يقال لهم : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } يصيرون بأجمعهم عميا وبكما وصما لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون . { مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ } ، قال ابن عباس : كلما سكنت ،\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 492 ومسلم في المنافقين 4 / 2161","part":4,"page":460},{"id":1961,"text":"أي : سكن لهيبها . وقال مجاهد : طفئت وقال قتادة : ضعفت وقيل : هو الهدو من غير أن يوجد نقصان في ألم الكفار ، لأن الله تعالى قال : { لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } ، وقيل : كلما خبت أي أرادت أن تخبو ، { زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } ، أي : وقودا ، وقيل : المراد من قوله : { كُلَّمَا خَبَتْ } أي : نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا فيها إلى ما كانوا عليه وزيد في تسعير النار لتحرقهم .\r[98] { ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } ، فأجابهم الله تعالى .\r[99] فقال : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ } ، في عظمتها وشدتها ، { قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } ، في صغرهم وضعفهم ، نظيره قوله تعالى : { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } . { وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا } ، أي : وقتا لعذابهم ، { لَا رَيْبَ فِيهِ } ، أنه يأتيهم ، قيل : هو الموت ، وقيل : هو يوم القيامة ، { فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا } ، أي : جحودا وعنادا .","part":4,"page":461},{"id":1962,"text":"[100] { قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي } أي : نعمة ربي . وقيل : رزق ربي ، { إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ } ، لبخلتم وحبستم ، { خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ } ، أي : خشية الفاقة ، قاله قتادة ، وقيل : خشية النفاد ، يقال : أنفق الرجل أي أملق وذهب ماله ونفق الشيء ، أي : ذهب ، وقيل : لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفقر ، { وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا } ، أي : بخيلا ممسكا عن الإنفاق .\r[101] قوله عز وجل : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } ، أي : دلالات واضحات ، فهي الآيات التسع ، قال ابن عباس والضحاك : هي العصا واليد البيضاء والعقدة التي كانت بلسانه فحلها وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . وقال عكرمة وقتادة ومجاهد وعطاء : هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنون ونقص الثمرات .","part":4,"page":462},{"id":1963,"text":"وذكر محمد بن كعب القرظي : الطمس والبحر بدل السنين ونقص من الثمرات . وقال بعضهم : هن آيات الكتاب { فَاسْأَلْ } ، يا محمد ، { بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ } ، موسى ، يجوز أن يكون الخطاب معه والمراد غيره ، ويجوز أن يكون خاطبه عليه السلام وأمره بالسؤال ليتبين كذبهم مع قومهم . { فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسَى مَسْحُورًا } ، أي : مطبوبا سحروك ، قاله الكلبي ، وقال ابن عباس : مخدوعا . وقيل : مصروفا عن الحق . وقال الفراء وأبو عبيدة : ساحرا فوضع المفعول موضع الفاعل . وقال محمد بن جرير : معطى علم السحر ، فهذه العجائب التي تفعلها من سحرك .","part":4,"page":463},{"id":1964,"text":"[102] { قَالَ } ، موسى { لَقَدْ عَلِمْتَ } ، قرأ العامة بفتح التاء خطابا لفرعون ، وقرأ الكسائي بضم التاء ، ويروى ذلك عن علي ، وقال : لم يعلم الخبيث أن موسى على الحق ، ولو علم لآمن ولكن موسى هو الذي علم ، قال ابن عباس : علمه فرعون ولكنه عاند ، قال الله تعالى : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } ، وهذه القراءة وهي نصب التاء أصح في المعنى وعليه أكثر القراء ، لأن موسى لا يحتج عليه بعلم نفسه ، ولا يثبت عن علي رفع التاء لأنه روي عن رجل من مراد عن علي ، وذلك الرجل مجهول ولم يتمسك بها أحد من القراء غير الكسائي ، { مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ } ، هذه الآيات التسع ، { إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } ، جمع بصيرة أي يبصر بها ، { وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } ، قال ابن عباس : ملعونا . وقال مجاهد : هالكا . وقال قتادة : مهلكا . وقال الفراء : أي مصروفا ممنوعا عن الخير يقال : ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما منعك وصرفك عنه .","part":4,"page":464},{"id":1965,"text":"[103] { فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ } ، أي : أراد فرعون أن يستفزهم موسى وبني إسرائيل أي يخرجهم ، { مِنَ الْأَرْضِ } ، يعني أرض مصر ، { فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا } ، ونجينا موسى وقومه .\r[104] { وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ } ، أي من بعد هلاك فرعون ، { لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ } ، يعني أرض مصر والشام ، { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ } ، يعني يوم القيامة ، { جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } أي : جميعا إلى موقف القيامة . واللفيف : الجمع الكثير إذا كانوا مختلطين من كل نوع ، يقال : لفت الجيوش إذا اختلطوا وجمع القيامة كذلك فيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر . وقال الكلبي : فإذا جاء وعد الآخرة يعني مجيء عيسى من السماء جئنا بكم لفيفا أي : النزاع من كل قوم من هنا وهنا لفوا جميعا .","part":4,"page":465},{"id":1966,"text":"[105] { وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ } ، يعني القرآن ، { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا } ، للمطيعين, { وَنَذِيرًا } ، للعاصين .\r[106] { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ } ، قيل : أنزلناه نجوما لم ينزل مرة واحدة ، بدليل قراءة ابن عباس : ( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ ) بالتشديد ، وقراءة العامة بالتخفيف ، أي : فصلناه . وقيل : بيناه . وقال الحسن : معناه فرقنا به بين الحق والباطل . { لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ } أي : على تؤدة وترسل في ثلاث وعشرين سنة ، { وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا } .\r[107] { قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا } ، هذا على طريق الوعيد والتهديد ، { إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ } ، قيل : هم مؤمنو أهل الكتاب وهم الذين كانوا يطلبون الدين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أسلموا بعد مبعثه ، مثل زيد بن عمر بن نفيل وسلمان الفارسي وأبي ذر وغيرهم . { إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ } ، يعني القرآن { يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ } أي : يسقطون على الأذقان ، قال ابن عباس : أراد بها الوجوه ، { سُجَّدًا } .","part":4,"page":466},{"id":1967,"text":"[108] { وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا } ، أي : كائنا واقعا .\r[109] { وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ } ، أي : يقعون على الوجوه يبكون ، البكاء مستحب عند قراءة القرآن ، { وَيَزِيدُهُمْ } ، نزول القرآن ، { خُشُوعًا } ، خضوعا لربهم ، نظيره قوله تعالى : { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } .","part":4,"page":467},{"id":1968,"text":"[110] { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ } ، قال ابن عباس : سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يبكي ويقول في سجوده : يا الله يا رحمن ، فقال أبو جهل : إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) . ومعناه أنهما اسمان لواحد { أَيًّا مَا تَدْعُوا } ، ( ما ) صلة معناه أيا ما تدعوا من هذين الاسمين ومن جميع أسمائه ، { فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا } نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به ، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم { وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا } (2) ، أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن . وقال قوم : نزلت الآية في الدعاء . عن عائشة رضي الله عنها قالت : أنزل ذلك في الدعاء .\r_________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير 15 / 182 وانظر أسباب النزول للواحدي ص341 والدر المنثور 5 / 348 .\r(2) أخرجه البخاري في تفسير سورة الإسراء 8 / 404 ومسلم في الصلاة 1 / 329 .","part":4,"page":468},{"id":1969,"text":"[111] { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } ، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يحمد على وحدانيته ، ومعنى الحمد لله هو الثناء عليه بما هو أهله ، قال الحسين بن الفضل : معناه الحمد لله الذي عرفني أنه لم يتخذ ولدا ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ } ، قال مجاهد : لم يذل حتى يحتاج إلى ولي يتعزز به { وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } ، أي : وعظمه عن أن يكون له شريك أو ولي .","part":4,"page":469},{"id":1970,"text":"( 18 ) سورة الكهف\r[1] { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ } أثنى الله على نفسه بإنعامه على خلقه ، وخص رسول صلى الله عليه وسلم بالذكر ، لأن إنزال القرآن عليه كان نعمة عليه على الخصوص وعلى سائر الناس على العموم . { وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا } .","part":4,"page":470},{"id":1971,"text":"[2] { قَيِّمًا } ، فيه تقديم وتأخير معناه أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا ( قيما ) أي مستقيما . قال ابن عباس : عدلا . وقال الفراء : قيما على الكتب كلها أي : مصدقا لها ناسخا لشرائعها . وقال قتادة : ليس على التقديم والتأخير بل معناه : أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، ولكن جعله قيما . قوله عز وجل : { وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا } أي : مختلفا ، على ما قال الله تعالى : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } وقيل : معناه لم يجعله مخلوقا . وروي عن ابن عباس في قوله { قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ } أي : غير مخلوق . { لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } ، أي لينذر ببأس شديد ، { مِنْ لَدُنْهُ } ، أي من عنده ، { وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } . أي الجنة .\r[3] { مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا } أي : مقيمين فيه .\r[4] { وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } .","part":4,"page":471},{"id":1972,"text":"[5] { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ } ، أي قالوه عن جهل لا عن علم ، { كَبُرَتْ } ، أي عظمت ، { كَلِمَةً } ، نصب على التمييز ، يقال : تقديره كبرت الكلمة كلمة . وقيل : من كلمة ، فحذف ( من ) فانتصب ، { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } أي : تظهر من أفواههم ، { إِنْ يَقُولُونَ } ، ما يقولون ، { إِلَّا كَذِبًا } .\r[6] { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ } ، من بعدهم, { إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ } أي : القرآن ، { أَسَفًا } ، أي حزنا وقيل : غضبا .\r[7] { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا } ، فإن قيل : أي زينة في الحيات والعقارب والشياطين ؟ قيل : فيها زينة على معنى أنها تدل على وحدانية الله تعالى . وقال مجاهد : أراد به الرجال خاصة هم زينة الأرض . وقيل : أراد بهم العلماء والصلحاء . وقيل : الزينة بالنبات والأشجار والأنهار ، كما قال . { حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ } . { لِنَبْلُوَهُمْ } ، لنختبرهم ، { أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } ، أي أصلح عملا . وقيل . أيهم أترك للدنيا .","part":4,"page":472},{"id":1973,"text":"[8] { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } , فالصعيد وجه الأرض, وقيل هو التراب, جرزا يا بسا أملس لا ينبت شيئا . يقال : جزرت الأرض إذا أكل نباتها .\r[9] قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا } , يعني أظننت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي هم عجب من آياتنا . وقيل : معناه إنهم ليسوا بأعجب من آياتنا فإن ما خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب أعجب منهم, والكهف : هو الغار في الجبل, واختلفوا في الرقيم, قال سعيد بن جبير : هو لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وقصصهم وهذا أظهر الأقاويل ، ثم وضعوه على باب الكهف وكان اللوح من رصاص, وقيل, من حجار, فعلى هذا يكون الرقيم بمعنى المرقوم ، أي : المكتوب ، والرقم : الكتابة . وحكي عن ابن عباس أنه قال : هو اسم للوادي الذي فيه أصحاب الكهف ، وعلى هذا هو من رقمة الوادي وهو جانبه ، وقال كعب الأحبار : هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف ، وقيل : اسم للجبل الذي فيه الكهف ، ثم ذكر الله قصة أصحاب الكهف .","part":4,"page":473},{"id":1974,"text":"[10] فقال : { إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ } ، أي صاروا إليه ، يقال : أوى فلان إلى موضع كذا أي : اتخذه منزلا { إِلَى الْكَهْفِ } ، وهو غار في جبل مخلوس واسم الكهف : خيرم . { فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً } . ومعنى الرحمة الهداية في الدين . وقيل : الرزق ، { وَهَيِّئْ لَنَا } ، يسر لنا ، { مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } ، أي : ما نلتمس من خير رضاك وما فيه رشدنا ، وقال ابن عباس : رشدا أي : مخرجا من الغار في سلامة .\r[11] { فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ } ، أي أنمناهم وألقينا عليهم النوم . وقيل : معناه منعنا نفوذ الأصوات إلى مسامعهم ، فإن النائم إذا سمع الصوت ينتبه ، { فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا } ، أي : أنمناهم سنين معدودة وذكر العدد على سبيل التأكيد . وقيل : ذكره يدل على الكثرة فإن القليل لا يعد في العادة .","part":4,"page":474},{"id":1975,"text":"[12] { ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ } ، يعني من نومهم ، { لِنَعْلَمَ } أي : علم المشاهدة { أَيُّ الْحِزْبَيْنِ } ، أي : الطائفتين ، { أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } . وذلك أن أهل القرية تنازعوا في مدة لبثهم في الكهف واختلفوا في قوله { أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا } حفظ لما مكثوا في كهفهم نياما أمدا أي : غاية . وقال مجاهد : عددا ونصبه على التفسير .\r[13] { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } نقرأ عليك { نَبَأَهُمْ } ، خبر أصحاب الكهف . { بِالْحَقِّ } ، بالصدق { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ } ، شبان ، { آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } ، إيمانا وبصيرة .","part":4,"page":475},{"id":1976,"text":"[14] { وَرَبَطْنَا } شددنا ، { عَلَى قُلُوبِهِمْ } ، بالصبر والتثبيت وقويناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم ومفارقة ما كانوا فيه من خفض العيش وفروا بدينهم إلى الكهف ، { إِذْ قَامُوا } ، بين يدي دقيانوس حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم ، { فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا } ، قالوا ذلك لأن قومهم كانوا يعبدون الأوثان ، { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } ، يعني إن دعونا غير الله لقد قلنا إذا شططا ، قال ابن عباس : جورا . وقال قتادة : كذبا . وأصل الشطط والإشطاط مجاوزة القدر والإفراط .\r[15] { هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا } ، يعني أهل بلدهم ، { اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ } ، أي من دون الله ، { آلِهَةً } ، يعني الأصنام يعبدونها ، { لَوْلَا } ، أي هلا ، { يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ } ، أي على عبادتهم ، { بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ } ، بحجة واضحة ، { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ، وزعم أن له شريكا أو ولدا .","part":4,"page":476},{"id":1977,"text":"[16] ثم قال بعضهم لبعض : { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ } ، يعني قومكم ، { وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ } ، قرأ ابن مسعود وَمَا يَعْبُدُونَ من دون اللَّهَ ، وأما القراءة المعروفة فمعناها أنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه الأوثان يقول : إذا اعتزلتموهم وجميع ما يعبدون إلا الله فإنكم لم تعتزلوا ، { فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ } ، فالجأوا إليه ، { يَنْشُرْ لَكُمْ } ، يبسط لكم ، { رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ } ، يسهل لكم ، { مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا } أي : ما يعود إليه يسركم ورفقكم . قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ( مرفقا ) بفتح الميم وكسر الفاء ، وقرأ الآخرون بكسر الميم وفتح الفاء ، ومعناهما واحد ، وهو ما يرتفق به الإنسان .","part":4,"page":477},{"id":1978,"text":"[17] قوله تعالى : { وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ } ، قرأ ابن عامر ويعقوب : بسكون الزاي وتشديد الراء على وزن تحمر ، وقرأ أهل الكوفة بفتح الزاي خفيفة وألف بعدها ، وقرأ الآخرون بتشديد الزاي ، وكلها بمعنى واحد ، أي : تميل وتعدل ، { عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ } أي : جانب اليمين ، { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ } ، أي : تتركهم وتعدل عنهم ، { ذَاتَ الشِّمَالِ } ، أصل القرض القطع ، { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ } أي : متسع من الكهف وجمعها فجوات ، قال ابن قتيبة : كان كهفهم مستقبل بنات نعش ، لا تقع فيه الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب وفيما بين ذلك ، قال : اختار الله لهم مضطجعا في مقناة لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم وهم في متسع ينالهم برد الريح ونسيمها ويدفع عنهم كرب الغار وغمومه . وقال بعضهم : هذا القول خطأ وهو أن الكهف كان مستقبل بنات نعش فكانت الشمس لا تقع عليهم ولكن الله صرف الشمس عنهم بقدرته وحال بينها وبينهم ، ألا ترى أنه قال : { ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ } ، من عجائب صنع الله ودلالات قدرته التي يعتبر بها ، { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي","part":4,"page":478},{"id":1979,"text":"وَمَنْ يُضْلِلْ } ، أي : من يضلله الله ولم يرشده ، { فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا } ، معينا ، { مُرْشِدًا } .","part":4,"page":479},{"id":1980,"text":"[18] قوله تعالى : { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا } أي : منتبهين جمع : يقظ ، { وَهُمْ رُقُودٌ } ، نيام جمع راقد مثل قاعد وقعود وإنما اشتبه حالهم لأنهم كانوا مفتحة أعينهم يتنفسون ولا يتكلمون ، { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } ، مرة للجنب الأيمن ومرة للجنب الأيسر . قال ابن عباس : كانوا يقلبون في السنة مرة من جنب إلى جنب لئلا تأكل الأرض لحومهم . وقيل : كان يوم عاشوراء يوم تقلبهم . وقال أبو هريرة : كان لهم في كل سنة تقلبان ، { وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } ، أكثر أهل التفسير على أنه كان من جنس الكلاب . وروي عن ابن جريج : أنه كان أسد أو سمي الأسد كلبا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب فقال : « اللهم سلط عليه كلبا من كلابك » (1) فافترسه أسد ، والأول المعروف قوله { بِالْوَصِيدِ } قال مجاهد والضحاك : والوصيد فناء الكهف . وقال عطاء : عتبة الباب . وقال السدي : الوصيد الباب . وهو رواية عكرمة عن ابن عباس ، فإن قيل : لم يكن للكهف باب ولا عتبة ؟ قيل : معناه موضع الباب والعتبة كان الكلب قد بسط ذراعيه وجعل وجهه عليهم . قال السدي : كان أصحاب الكهف\r_________\r(1) صححه الحاكم في المستدرك 2 / 539 ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري 4 / 39 .","part":4,"page":480},{"id":1981,"text":"إذا انقلبوا انقلب الكلب معهم وإذا انقلبوا إلى اليمين كسر الكلب أذنه اليمنى ورقد عليها ، وإذا انقلبوا إلى الشمال كسر أذنه اليسرى . ورقد عليها . { لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ } ، يا محمد ، { لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا } ، لما ألبسهم الله من الهيبة حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيوقظهم الله تعالى من رقدتهم ، { وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا } ، خوفا قرأ أهل الحجاز بتشديد اللام والآخرون بتخفيفها واختلفوا في أن الرعب كان لماذا ؟ قيل : من وحشة المكان . وقال الكلبي : لأن أعينهم كانت مفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام وقيل لكثرة شعورهم وطول أظفارهم ولتقلبهم من غير حس ولا شعور . وقيل : إن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد .","part":4,"page":481},{"id":1982,"text":"[19] قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ } ، أي كما أنمناهم في الكهف وحفظنا أجسادهم من البلى على طول الزمان فكذلك بعثناهم من النومة التي تشبه الموت ، { لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ } ليسأل بعضهم بعضا واللام فيه لام العاقبة لأنهم لم يبعثوا للسؤال ، { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ } ، وهو رئيسهم مكسلمينا ، { كَمْ لَبِثْتُمْ } ، في نومكم وذلك أنهم استنكروا طول نومهم . ويقال : إنهم راعهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك ، { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا } ، وذلك أنهم دخلوا الكهف غدوة فقالوا فانتبهوا حين انتبهوا عشية فقالوا : لبثنا يوما ثم نظروا وقد بقيت من الشمس بقية ، فقالوا : { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } ، فلما نظروا إلى شعورهم وأظفارهم علموا أنهم لبثوا أكثر من يوم ، { قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } ، وقيل : إن رئيسهم مكسلمينا لما سمع الاختلاف بينهم قال . دعوا الاختلاف ربكم أعلم بما لبثتم ، { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ } ، يعني تمليخا ، قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر بورقكم ساكنة الراء والباقون بكسرهما ومعناهما واحد وهي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة . { إِلَى الْمَدِينَةِ }","part":4,"page":482},{"id":1983,"text":"، قيل : هي طرسوس وكان اسمها في الجاهلية أفسوس فسموها في الإسلام طرسوس ، { فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا } أي : أحل طعاما حتى لا يكون من غصب أو سبب حرام ، وقيل : أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن ولا يكون من ذبيحة من يذبح لغير الله وكان فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم . وقال الضحاك : أطيب طعاما . وقال مقاتل بن حيان : أجود طعاما . وقال عكرمة : أكثر ، وأصل الزكاة الزيادة . وقيل : أرخص طعاما . { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } ، أي قوت وطعام تأكلونه ، { وَلْيَتَلَطَّفْ } ، وليترفق في الطريق وفي المدينة وليكن في ستر وكتمان ، { وَلَا يُشْعِرَنَّ } ، ولا يعلمن { بِكُمْ أَحَدًا } ، من الناس .\r[20] { إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } ، أي : يعلموا بمكانكم ، { يَرْجُمُوكُمْ } قال ابن جريج : يشتموكم ويؤذوكم بالقول . وقيل : يقتلوكم ، وقيل : كان من عادتهم القتل بالحجارة وهو أخبث القتل . وقيل : يضربوكم ، { أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ } أي : إلى الكفر ، { وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا } ، إن عدتم إليه .","part":4,"page":483},{"id":1984,"text":"[21] قوله عز وجل : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا } أي : أطلعنا ، { عَلَيْهِمْ } ، يقال : عثرت على الشيء إذا اطلعت عليه وأعثرت غيري أي أطلعته ، { لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } ، يعني أصحاب بيدروس الحاكم حين بعثوا الذين أنكروا البعث ، { وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } ، قال ابن عباس . يتنازعون في البنيان ، فقال المسلمون : نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس لأنهم على ديننا ، وقال المشركون : نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل ديننا . وقال عكرمة : تنازعوا في البعث ، فقال المسلمون : البعث للأجساد والأرواح ، وقال قوم للأرواح دون الأجساد ، فبعثهم الله تعالى وأراهم أن البعث للأجساد والأرواح .\rوقيل : تنازعوا في مدة لبثهم . وقيل : في عددهم . { فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ } ، بيدروس الملك وأصحابه ، { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } .","part":4,"page":484},{"id":1985,"text":"[22] { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ }{ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ } , أي ظنا وحدسا مع غير يقين ، ولم يقل هذا في حق السبعة ، فقال : { وَيَقُولُونَ } يعني : المسلمين ، { سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } ، اختلفوا في الواو في قوله : { وَثَامِنُهُمْ } وقيل . تركها وذكرها سواء . وقيل : هي واو الحكم والتحقيق كأنه حكى اختلافهم ، وتم الكلام عند قوله ويقولون سبعة ثم حقق هذا القول بقوله : { وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } والثامن لا يكون إلا بعد السابع . وقيل : هذه واو الثمانية ، وذلك أن العرب تعد فتقول : واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية ، لأن العقد كان عندهم سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة ، نظيره قوله تعالى : { التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ } إلى قوله : { وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ } ، وقال في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا } . { قُلْ رَبِّي","part":4,"page":485},{"id":1986,"text":"أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ } ، أي : بعددهم { مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ } ، أي : إلا قليل من الناس . قال ابن عباس : إنا من القليل كانوا سبعة . وقال محمد بن إسحاق : كانوا ثمانية { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ } ، أي : لا تجادل ولا تقل في عددهم وشأنهم ، { إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا } ، إلا بظاهر ما قصصنا عليك ، يقول : بحسبك ما قصصت عليك فلا تزد عليه وقف عنده ، { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ } ، من أهل الكتاب ، { أَحَدًا } أي : لا ترجع إلى قولهم بعد أن أخبرناك .\r[23] { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا } .","part":4,"page":486},{"id":1987,"text":"[24] { إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } ، يعني : إذا عزمت على أن تفعل غدا شيئا فلا تقل أفعل غدا حتى تقول إن شاء الله ، وذلك أن أهل مكة سألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين ، فقال : أخبركم غدا ولم يقل : إن شاء الله ، فلبث الوحي أياما ثم نزلت هذه الآية ، { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } ، قال ابن عباس ومجاهد والحسن : معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن ، وجوز ابن عباس الاستثناء المنقطع وإن كان إلى سنة وجوزه الحسن ما دام في المجلس ، وجوزه بعضهم إذا قرب الزمان ، فإن بعد فلا يصح ، ولم يجوزه جماعة حتى يكون الكلام متصلا بالكلام . وقال عكرمة : معنى الآية واذكر ربك إذا غضبت . وقال وهب : مكتوب في الإنجيل ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب . وقال الضحاك والسدي : هذا في الصلاة ، عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها » (1) . { وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } ، أي يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد . وقيل : أمر الله نبيه أن يذكره إذا نسي شيئا ويسأله أن يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه . ويقال : هو أن القوم لما\r_________\r(1) أخرجه البخاري في المواقيت 2 / 70 ومسلم في المساجد رقم ( 597 ) 2 / 241 والمصنف في شرح السنة 2 / 241 .","part":4,"page":487},{"id":1988,"text":"سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله عز وجل أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج على صحة نبوته ما هو أدل لهم من قصة أصحاب الكهف وقد فعل حيث أتاه من علم الغيب حال المرسلين ما كان أوضح لهم في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف ، وقال بعضهم : هذا شيء أمر أن يقوله مع قوله إن شاء الله إذا ذكر الاستثناء بعد النسيان وإذا نسي الإنسان إن شاء الله فتوبته من ذلك أن يقول : ( عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) .","part":4,"page":488},{"id":1989,"text":"[25] قوله عز وجل : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ } ، يعني أصحاب الكهف . قال بعضهم : هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك ، ولو كان خبرا من الله عز وجل عن قدر لبثهم لم يكن لقوله : { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا } وجه ، وهذا قول قتادة ، ويدل عليه قراءة ابن مسعود : ( وقالوا لبثوا في كهفهم ) ثم رد الله تعالى عليهم فقال : { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا } وقال الآخرون . هذا إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف ، وهو الأصح ، وأما قوله { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا } فمعناه أن الأمر من مدة لبثهم كما ذكرنا فإن نازعوك فيها فأجبهم : وقل الله أعلم بما لبثوا ، أي : هو أعلم منكم ، وقد أخبرنا بمدة لبثهم . وقيل : إن أهل الكتاب قالوا : إن هذه المدة من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم وقال : قل الله أعلم بما لبثوا يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله . قوله تعالى : { ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ } قرأ حمزة والكسائي : ( ثلاث مائة ) بلا تنوين ، وقرأ الآخرون : بالتنوين ، فإن قيل : لم قال ثلاثمائة سنين ولم يقل سنة ؟ قيل : نزل قوله : {","part":4,"page":489},{"id":1990,"text":"وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ } ، فقالوا : أياما أو شهورا أو سنين ؟ فنزلت { سِنِينَ } ، قال الفراء : ومن العرب من يضع سنين في موضع سنة . وقيل : معناه ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة . { وَازْدَادُوا تِسْعًا } ، قال الكلبي : قالت نصارى نجران : أما ثلاثمائة فقد عرفنا وأما التسع فلا علم لنا بها فنزلت .","part":4,"page":490},{"id":1991,"text":"[26] { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا } روي عن علي أنه قال عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة شمسية والله تعالى ذكر ثلاثمائة قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين ، فيكون في ثلاثمائة تسع سنين فلذلك قال : { وَازْدَادُوا تِسْعًا } . { لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، فالغيب ما يغيب عن إدراكك والله عز وجل لا يغيب عن إدراكه شيء . { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } أي ما أبصر الله بكل موجود وأسمعه لكل مسموع ، أي لا يغيب عن سمعه وبصره شيء ، { مَا لَهُمْ } أي : ما لأهل السموات والأرض ، { مِنْ دُونِهِ } أي : من دون الله ، { مِنْ وَلِيٍّ } ، ناصر, { وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } ، قرأ ابن عامر ويعقوب : ولا تشرك بالتاء على المخاطبة والنهي ، وقرأ الآخرون بالياء أي لا يشرك الله في حكمه أحدا . وقيل : الحكم هنا علم الغيب لا يشرك في علم غيبه أحدا .","part":4,"page":491},{"id":1992,"text":"[27] قوله عز وجل : { وَاتْلُ } أي : واقرأ يا محمد ، { مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ } ، يعني القرآن ، واتبع ما فيه ، { لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } ، قال الكلبي : لا مغير للقرآن . وقيل : لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه ، { وَلَنْ تَجِدَ } ، أنت ، { مِنْ دُونِهِ } ، إن لم تتبع القرآن ، { مُلْتَحَدًا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : حرزا . وقال الحسن : مدخلا . وقال مجاهد : ملجأ . وقيل : معدلا . وقيل : مهربا . وأصله من الميل .","part":4,"page":492},{"id":1993,"text":"[28] قوله عز وجل : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ } الآية ، نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء فيهم سلمان وعليه شملة قد عرق فيها وبيده خوصة يشقها ثم ينسجها ، فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم : أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها ، فإن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا ، فأنزل الله عز وجل : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ } ، أي : احبس يا محمد نفسك ، { مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } ، طرفي النهار { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } لا يريدون به عرضا من الدنيا . قال قتادة : نزلت في أصحاب الصفة وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى ، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم » . { وَلَا تَعْدُ } أي : لا تصرف ولا تتجاوز ، { عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } ، إلى غيرهم ، { تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، أي","part":4,"page":493},{"id":1994,"text":"طلب مجالسة الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا ، { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا } ، أي جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا يعني عيينة بن حصن . وقيل : أمية بن خلف ، { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } ، أي مراده في طلب الشهوات ، { وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } ، قال قتادة ومجاهد : ضياعا . وقيل : معناه ضيع أمره وعطل أيامه . وقيل : ندما . وقال مقاتل ابن حيان : سرفا . وقال الفراء : متروكا . وقيل : باطلا . وقيل : مخالفا للحق . وقال الأخفش : مجاوز للحد . قيل : معنى التجاوز في الحد ، هو قول عيينة : إن أسلمنا أسلم الناس وهذا إفراط عظيم .","part":4,"page":494},{"id":1995,"text":"[29] { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ } ، أي ما ذكر من الإيمان والقرآن ، معناه : قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا : أيها الناس الحق من ربكم وإليه التوفيق والخذلان وبيده الهدى والضلال ، ليس إليّ من ذلك شيء . { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } ، هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله : { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } ، وقيل : معنى الآية : وقل الحق من ربكم ولست بطارد المؤمنين لهواكم ، فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا فإن كفرتم فقد أعد لكم ربكم نارا أحاط بكم سرادقها ، وإن آمنتم فلكم ما وصف الله عز وجل لأهل طاعته . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية : من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر ، كفر وهو قوله : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } . { إِنَّا أَعْتَدْنَا } ، أعددنا وهيأنا من العتاد وهو العدة ، { لِلظَّالِمِينَ } للكافرين ، { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } ، السرادق الحجزة التي تطيف بالفساطيط ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « سرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة » (1) . قال ابن\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في صفة جهنم 7 / 306 وقال : هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين وفي رشدين بن سعد مقال ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند 3 / 29 والحاكم 4 / 601 والطبري 15 / 239 والمصنف في شرح السنة 15 / 245 .","part":4,"page":495},{"id":1996,"text":"عباس : هو حائط من نار . وقال الكلبي : هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة . وقيل : هو دخان يحيط بالكفار وهو الذي ذكره الله تعالى : { انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ } . { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا } من شدة العطش ، { يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «{ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قال كعكر الزيت ، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه » (1) . وقال ابن عباس : هو ماء غليظ مثل دردي الزيت . وقال مجاهد : هو القيح والدم ، وسئل ابن مسعود عن المهل ؟ فدعا بذهب وفضة فأوقد عليهما النار حتى ذابا ، ثم قال : هذا أشبه شيء بالمهل ، { يَشْوِي الْوُجُوهَ } ، ينضج الوجوه من حره ، { بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ } النار ، { مُرْتَفَقًا } ، قال ابن عباس : منزلا . وقال مجاهد : مجتمعا . وقال عطاء : مقرا . وقال القتيبي : مجلسا . وأصل المرتفق المتكأ .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في الموضع السابق 7 / 305 وأحمد في المسند 3 / 70 والحاكم 4 / 604 والمصنف في شرح السنة 15 / 245 بنفس الإسناد ، وهو ضعيف .","part":4,"page":496},{"id":1997,"text":"[30] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } ، فإن قيل : أين جواب قوله : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ؟ قيل : جوابه قوله : { أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي } ، وأما قوله : { إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ } فكلام معترض . وقيل : فيه إضمار معناه : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنا لا نضيع أجرهم بل نجازيهم ، ثم ذكر الجزاء .","part":4,"page":497},{"id":1998,"text":"[31] فقال : { أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } ، أي : إقامة ، يقال : عدن فلان بالمكان إذا أقام به ، سميت عدنا لخلود المؤمنين فيها ، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } ، قال سعيد بن جبير : يحلى كل واحد منهم ثلاثة أساور : واحد من ذهب, وواحد من فضة ، وواحد من لؤلؤ ويواقيت ، { وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ } ، وهو مارق من الديباج ، { وَإِسْتَبْرَقٍ } ، وهو ما غلظ منه ، ومعنى الغلظ في ثياب الجنة إحكامه . وعن أبي عمران الجوني قال : السندس هو الديباج المنسوج بالذهب ، { مُتَّكِئِينَ فِيهَا } ، في الجنان ، { عَلَى الْأَرَائِكِ } ، وهي السرر في الحجال واحدتها أريكة ، { نِعْمَ الثَّوَابُ } أي نعم الجزاء ، { وَحَسُنَتْ } الجنان { مُرْتَفَقًا } أي : مجلسا ومقرا .","part":4,"page":498},{"id":1999,"text":"[32] { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ } اذكر لهم خبر رجلين ، { جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ } ، بستانين ، { مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } ، أي : أطفناهما من جوانبهما بنخل, والحفاف الجانب ، وجمعه أحفة ، يقال : حف به القوم أي طافوا بجوانبه ، { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } ، أي جعلنا حول الأعناب النخيل ووسط الأعناب الزرع . وقيل : بينهما أي بين الجنتين زرعا يعني لم يكن بين الجنتين موضوع خراب .\r[33] { كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ } ، أي أعطت كل واحدة من الجنتين ، { أُكُلَهَا } ، ثمرها تاما ، { وَلَمْ تَظْلِمْ } ، لم تنقص ، { مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا } ، قرأ العامة بالتشديد ، وقرأ يعقوب بتخفيف الجيم ، { خِلَالَهُمَا نَهَرًا } يعني شققنا وأخرجنا وسطهما نهرا .","part":4,"page":499},{"id":2000,"text":"[34] { وَكَانَ لَهُ } ، لصاحب البستان ، { ثَمَرٌ } قرأ عاصم وأبو جعفر ويعقوب ثمر بفتح الثاء والميم ، وكذلك بثمرة ، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء ساكنة الميم ، وقرأ الآخرون بضمهما ، فمن قرأ بالفتح هو جمع ثمرة وهو ما تخرجه الشجرة من الثمار المأكولة ، ومن قرأ بالضم فهي الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف ، جمع ثمار . وقال مجاهد : ذهب وفضة . وقيل : جميع الثمرات . قال الأزهري : الثمرة تجمع على ثمر ، ويجمع الثمر على ثمار ، ثم تجمع الثمار على ثمر . { فَقَالَ } ، يعني صاحب البستان ، { لِصَاحِبِهِ } ، المؤمن ، { وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } ، يخاطبه ويجاوبه ، { أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا } أي : عشيرة ورهطا . وقال قتادة : خدما وحشما . وقال مقاتل : ولدا ، تصديقه قوله تعالى : { إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا } .","part":4,"page":500},{"id":2001,"text":"[35] { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } ، يعني الكافر ، أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به فيها ويريه أثمارها ، { وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } ، بكفره ، { قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ } ، تهلك ، { هَذِهِ أَبَدًا } ، قال أهل المعاني : راقه حسنها وغرته زهرتها فتوهم أنها لا تفنى أبدا وأنكر البعث .\r[36] فقال : { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً } ، كائنة, { وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا } ، قرأ أهل الحجاز والشام هكذا على التثنية ، يعني من الجنتين ، وكذلك هو في مصاحفهم ، وقرأ الآخرون منها أي : من الجنة التي دخلها ، { مُنْقَلَبًا } أي : مرجعا إن قيل : كيف قال { وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي } ، وهو منكر البعث ؟ قيل : معناه ولئن رددت إلى ربي على ما تزعم أنت يعطيني هنالك خيرا منها فإنه لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل منها .\r[37] { قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ } ، المسلم ، { وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ } ، أي خلق أصلك من تراب ، { ثُمَّ } ، خلقك ، { مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا } أي : عدلك بشرا سويا ذكرا .","part":5,"page":1},{"id":2002,"text":"[38] { لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي } ، قرأ ابن عامر ويعقوب لكنا بالألف في الوصل ، وقرأ الباقون بلا ألف واتفقوا على إثبات الألف في الوقف ، وأصله \" لكن أنا \" فحذفت الهمزة طلبا للتخفيف لكثرة استعمالها ثم أدغمت إحدى النونين في الأخرى ، قال الكسائي : فيه تقديم وتأخير مجازه : لكن الله هو ربي { وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } .\r[39] { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ } ، أي هلا إذ دخلت جنتك ، { قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ } أي : الأمر ما شاء الله . وقيل : جوابه مضمر أي ما شاء الله كان ، وقوله : { لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ } ، أي لا أقدر على حفظ مالي أو دفع شيء عنه إلا بالله ، وروي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى من ماله شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه . قال : ما شاء الله لا قوة إلا بالله . ثم قال : { إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا } (أنا) عماد (1) ، ولذلك نصب أقل معناه : إن ترني أقل منك مالا وولدا فتكبرت وتعظمت علي .\r_________\r(1) وهكذا في طبعة 1343 هـ وكذا في طبعة النمر وهو صحيح","part":5,"page":2},{"id":2003,"text":"[40] { فَعَسَى رَبِّي } ، فلعل ربي ، { أَنْ يُؤْتِيَنِي } ، يعطيني في الآخرة ، { خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا } ، أي على جنتك ، { حُسْبَانًا } ، قال قتادة : عذابا . وقال ابن عباس رضي الله عنه : نارا . وقال القتيبي : مرامي . { مِنَ السَّمَاءِ } ، وهي مثل صاعقة أو شيء يهلكها ، واحدتها حسبانة ، { فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } ، أي أرضا جرداء ملساء لا نبات فيها . وقيل : تزلق فيها الأقدام . وقال مجاهد : رملا هائلا .\r[41] { أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا } ، أي : غائرا منقطعا ذاهبا لا تناله الأيدي ، ولا الدلاء ، والغور مصدر وضع موضع الاسم ، مثل زور وعدل ، { فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا } ، يعني : إن طلبته لم تجده .","part":5,"page":3},{"id":2004,"text":"[42] { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } ، أي أحاط العذاب بثمر جنته ، وذلك أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأهلكتها وغار ماؤها ، { فَأَصْبَحَ } ، صاحبها الكافر { يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ } ، أي يصفق بيده على الأخرى ويقلب كفيه ظهرا لبطن تأسفا وتلهفا ، { عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ } ، أي ساقطة ، { عَلَى عُرُوشِهَا } ، سقوفها ، { وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } .\r[43] قال الله تعالى : { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ } ، جماعة ، { يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، يمنعونه من عذاب الله { وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا } ، ممتنعا منتقما لا يقدر على الانتصار لنفسه . وقيل : لا يقدر على رد ما ذهب عنه .","part":5,"page":4},{"id":2005,"text":"[44] { هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ } ، يعني في القيامة ، قرأ حمزة والكسائي ( الوِلاية ) بكسر الواو ، يعني السلطان ، وقرأ الآخرون بفتح الواو من الموالاة والنصر ، كقوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا } ، قال القتيبي : يريد أنهم يتلونه يومئذ ويتبرءون مما كانوا يعبدون . وقيل : بالفتح الربوبية وبالكسر الإمارة ، { الْحَقُّ } برفع القاف أبو عمرو والكسائي على نعت الولاية ، وتصديقه قراءة أبي : ( هنالك الولاية الحق لله ) ، وقرأ الآخرون بالجر على صفة الله كقوله تعالى : { ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ }{ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا } ، أفضل جزاء لأهل طاعته لو كان غيره يثيب ، { وَخَيْرٌ عُقْبًا } ، أي عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره ، فهو خير إثابة ، وعاقبة : طاعة ، قرأ حمزة وعاصم ( عقبا ) ساكنة القاف ، وقرأ الآخرون بضمها .","part":5,"page":5},{"id":2006,"text":"[45] قوله تعالى : { وَاضْرِبْ لَهُمْ } ، يا محمد أي لقومك : { مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ } ، يعني المطر ، { فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ } ، خرج منه كل لون وزهرة ، { فَأَصْبَحَ } ، عن قريب { هَشِيمًا } ، يا بسا . قال ابن عباس وقال الضحاك : كسيرا . والهشيم : ما يبس وتفتت من النباتات فأصبح هشيما ، { تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ } ، قال ابن عباس : تفرقه الرياح . وقال أبو عبيدة مثله . وقال القتيبي : تنسفه ، { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا } ، قادرا .","part":5,"page":6},{"id":2007,"text":"[46] { الْمَالُ وَالْبَنُونَ } ، التي يفتخر بها عتبة وأصحابه الأغنياء ، { زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، ليست من زاد الآخرة ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : المال والبنون حرث الدنيا والأعمال الصالحة حرث الآخرة ، وقد يجمعها الله لأقوام . { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } ، اختلفوا فيها ، فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد : هي قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر . وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أفضل الكلام أربع كلمات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر » (1) . وقال سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم : الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس . ويروى هذا عن ابن عباس ، وعنه رواية أخرى أنها الأعمال الصالحة ، وهو قول قتادة . قوله تعالى : { خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا } ، أي جزاء ، المراد { وَخَيْرٌ أَمَلًا } أي ما يأمله الإنسان .\r_________\r(1) أخرجه البخاري تعليقا في الأيمان والنذور 11 / 566 ومسلم من حديث سمرة بن جندب 3 / 1675 والنسائي وابن حبان . انظر فتح الباري 11 / 567 .","part":5,"page":7},{"id":2008,"text":"[47] { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ } . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ( تسير \" بالتاء وفتح الياء \" الجبال \" رفع \" ) دليله قوله تعالى : { وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ } ، وقرأ الآخرون بالنون وكسر الياء ، الجبال نصب ، وسير الجبال نقلها من مكان إلى مكان ، { وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً } ، أي ظاهرة ليس عليها شجر ولا جبل ولا نبات ، كما قال : { فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا }{ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا } ، قال عطاء : هو بروز ما في باطنها من الموتى وغيرهم ، فترى باطن الأرض ظاهرا ، { وَحَشَرْنَاهُمْ } ، جميعا إلى الموقف والحساب ، { فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ } ، أي نترك منهم ، { أَحَدًا } .\r[48] { وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا } ، أي صفا صفا فوجا فوجا ، لا أنهم صف واحد . وقيل : قياما ، ثم يقال لهم يعني الكفار : { لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } ، يعني أحياء ، وقيل : فرادى كما ذكر في سورة الأنعام . وقيل : غرلا . { بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا } ، يوم القيامة ، يقوله لمنكري البعث .","part":5,"page":8},{"id":2009,"text":"[49] قوله تعالى : { وَوُضِعَ الْكِتَابُ } ، يعني كتاب أعمال العباد يوضع في أيدي الناس في أيمانهم وشمائلهم وقيل : معناه يوضع بين يدي الله تعالى . { فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ } ، خائفين ، { مِمَّا فِيهِ } ، من الأعمال السيئة ، { وَيَقُولُونَ } ، إذا رأوها ، { يا وَيْلَتَنَا } ، يا هلاكنا ، والويل والويلة الهلكة ، وكان من وقع في هلكة دعا بالويل ، ومعنى النداء تنبيه المخاطبين ، { مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً } ، من ذنوبنا . قال ابن عباس : الصغيرة : التبسم ، والكبيرة : القهقهة . وقال سعيد بن جبير : الصغيرة : اللمم واللمس والقبلة ، والكبيرة : الزنا . { إِلَّا أَحْصَاهَا } ، عددها ، قال السدي : كتبها أثبتها . قال مقاتل بن حيان : حفظها { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا } ، مكتوبا مثبتا في كتابهم ، { وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } ، أي لا ينقص ثواب أحد عمل خيرا . وقال الضحاك : لا يؤاخذ أحدا بجرم لم يعمله . وقال عبد الله بن قيس : يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات, فأما العرضتان فجدال ومعاذير, وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي, فآخذ","part":5,"page":9},{"id":2010,"text":"بيمينه وآخذ بشماله . ورفعه بعضهم عن أبي موسى .","part":5,"page":10},{"id":2011,"text":"[50] قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ } , يقول : واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم { فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ } , قال ابن عباس : كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم . وقال الحسن : كان من الجن ولم يكن من الملائكة, فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس, { فَفَسَقَ } , أي خرج, { عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } , عن طاعة ربه, { أَفَتَتَّخِذُونَهُ } , يعني يا بني آدم { وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } , أي أعداء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن إبليس يضع »« عرشه على الماء ثم يبعث سراياه يفتنون الناس ، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة ، يجيء أحدهم فيقول . فعلت كذا وكذا ، فيقول : ما صنعت شيئا ، قال : ثم يجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته ، قال : فيدنيه منه ويقول : نعم أنت » . قال الأعمش : أراه قال : فيلتزمه (1) . قوله تعالى : { بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } ، قال قتادة : بئس ما استبدلوا طاعة إبليس وذريته بعبادة ربهم .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في صفات المنافقين برقم ( 2813 ) ( 4 / 216 ) والمصنف في شرح السنة ( 14 / 410 ) .","part":5,"page":11},{"id":2012,"text":"[51] { مَا أَشْهَدْتُهُمْ } ، ما أحضرتهم ، وقرأ أبو جعفر ( ما أشهدناهم ) بالنون والألف على التعظيم ، أي أحضرناهم يعني إبليس وذريته . وقيل : الكفار ، وقال الكلبي : يعني الملائكة ، { خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ } ، يقول ما أشهدتهم خلقا فأستعين بهم على خلقها وأشاورهم فيها ، { وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } ، أي الشياطين الذين يضلون الناس عضدا أي : أنصارا وأعوانا .","part":5,"page":12},{"id":2013,"text":"[52] قوله تعالى : { وَيَوْمَ يَقُولُ } قرأ حمزة بالنون والآخرون بالياء أي : يقول الله لهم يوم القيامة ، { نَادُوا شُرَكَائِيَ } ، يعني الأوثان { الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } ، أنهم شركائي ، { فَدَعَوْهُمْ } ، فاستغاثوا بهم ، { فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } ، أي لم يجيبوهم ولم ينصروهم { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ } ، يعني بين الأوثان وعبدتها وقيل : بين أهل الهدى وأهل الضلال ، { مَوْبِقًا } مهلكا قاله عطاء والضحاك . وقال ابن عباس : هو واد في النار . وقال مجاهد : واد في جهنم . وقال عكرمة : هو نهر في النار يسيل نارا على حافته حيات مثل البغال الدهم . قال ابن الأعرابي : وكل حاجز بين شيئين فهو موبق ، وأصله الهلاك يقال : أوبقه أي أهلكه ، قال الفراء : وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة ، والبين على هذا القول التواصل كقوله تعالى : ( لقد تقطع بينكم ) على قراءة من قرأ بالرفع .\r[53] { وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ } ، أي المشركون ، { فَظَنُّوا } ، أيقنوا ، { أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا } ، داخلوها وواقعون فيها ، { وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } ، معدلا لأنها أحاطت بهم من كل جانب .","part":5,"page":13},{"id":2014,"text":"[54] قوله تعالى : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } ، بينا ، { فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ } ، أي ليتذكروا ويتعظوا ، { وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا } ، خصومة في الباطل . قال ابن عباس : أراد النضر بن الحارث وجداله في القرآن . قال الكلبي : أراد به أبي بن خلف الجمحي . وقيل : المراد من الآية الكفار ، لقوله تعالى : { وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ } ، وقيل : هي على العموم ، وهذا أصح .","part":5,"page":14},{"id":2015,"text":"[55] قوله عز وجل : { وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى } ، القرآن والإسلام والبيان من الله عز وجل . وقيل : إنه الرسول صلى الله عليه وسلم . { وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ } ، يعني سنتنا في إهلاكهم إن لم يؤمنوا . وقيل : إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين من معاينة العذاب ، كما قالوا : { اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ، { أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا } ، قال ابن عباس : أي : عيانا من المقابلة . وقال مجاهد : فجأة ، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة { قُبُلًا } بضم القاف والباء ، جمع قبيل أي : أصناف العذاب نوعا نوعا .","part":5,"page":15},{"id":2016,"text":"[56] { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ } ، ومجادلتهم قولهم : { أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا } وقوله : { لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } وما أشبهه . { لِيُدْحِضُوا } ، ليبطلوا ، { بِهِ الْحَقَّ } ، وأصل الدحض الزلق يريد ليزيلوا به الحق ، { وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا } ، فيه إضمار يعني وما أنذروا به وهو القرآن, هزوا أي استهزأ .\r[57] { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ } ، وعظ ، { بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا } ، تولى عنها وتركها ولم يؤمن بها ، { وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } ، أي ما عمل من المعاصي من قبل ، { إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } ، أغطية ، { أَنْ يَفْقَهُوهُ } ، أي يفهموه يريد لئلا يفهموه ، { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } ، أي صمما وثقلا ، { وَإِنْ تَدْعُهُمْ } ، يا محمد { إِلَى الْهُدَى } ، إلى الدين ، { فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } ، وهذا في أقوام علم الله منهم أنهم لا يؤمنون .","part":5,"page":16},{"id":2017,"text":"[58] { وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ } ، ذو النعمة { لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ } ، يعاقب الكفار ، { بِمَا كَسَبُوا } ، من الذنوب { لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ } ، في الدنيا ، { بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ } ، يعني البعث والحساب ، { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا } ، ملجأ .\r[59] { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ } ، يعني قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ، { لَمَّا ظَلَمُوا } ، كفروا ، { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } ، أي أجلا ، قرأ أبو بكر ( لمهلكهم ) بفتح الميم واللام ، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام ، وكذلك في النمل { مَهْلِكَ } أي لوقت هلاكهم ، وقرأ الآخرون بضم الميم وفتح اللام أي : لإهلاكهم .","part":5,"page":17},{"id":2018,"text":"[60] قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ } ، عامة أهل العلم قالوا : إنه موسى بن عمران . وقال بعضهم : هو موسى بن ميشا من أولاد يوسف . والأول أصح { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ } ، يوشع بن نون ، { لَا أَبْرَحُ } ، أي لا أزال أسير { حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } ، أي وإن كان حقبا أي دهرا طويلا وزمانا ، وجمعه أحقاب ، والحقب : جمع الحقب . قال عبد الله بن عمر : والحقب ثمانون سنة ، فحملا خبزا وسمكة مالحة حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا .\r[61] فذلك قوله : { فَلَمَّا بَلَغَا } ، يعني موسى وفتاه ، { مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي : بين الفريقين ، { نَسِيَا } ، تركا ، { حُوتَهُمَا } ، وإنما كان الحوت مع يوشع ، وهو الذي نسيه وأضاف النسيان إليهما لأنهما جميعا تزوداه لسفرهما ، كما يقال : خرج القوم إلى موضع كذا وحملوا من الزاد كذا وإنما حمله واحد منهم ، { فَاتَّخَذَ } ، أي الحوت ، { سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ } ، أي مسلكا قال ابن عباس : جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى صار صخرة .","part":5,"page":18},{"id":2019,"text":"[62] قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاوَزَا } ، يعني ذلك الموضع وهو مجمع البحرين ، { قَالَ } ، موسى { لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا } ، أي طعامنا ، والغداء ما يعد للأكل غدوة ، والعشاء ما يعد للأكل عشية ، { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } ، أي تعبا وشدة وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد مجاوزة الصخرة ، ليتذكر الحوت ويرجع إلى مطلبه .","part":5,"page":19},{"id":2020,"text":"[63] { قَالَ } له فتاه يذكر { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ } ، وهي صخرة كانت بالموضع الموعود { فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ } ، أي تركته وفقدته ، وذلك أن يوشع حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى فيخبره ، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد . قيل : في الآية إضمار معناه : نسيت أن أذكر لك أمر الحوت ، ثم قال : { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ } ، أي وما أنساني أن أذكر لك أمر الحوت إلا الشيطان ، وقيل : معناه أنسانيه لئلا أذكره ، { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا } ، قيل : هذا من قول يوشع ، ويقول طفر الحوت إلى البحر فاتخذ فيه مسلكا فعجبت من ذلك عجبا . وروينا في الخبر : كان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا (1) .\r_________\r(1) في رواية البخاري في كتاب التفسير : ( فكان لفتاه عجبا وللحوت سربا ) .","part":5,"page":20},{"id":2021,"text":"[64] { قَالَ } موسى { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } ، أي نطلب ، { فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا } أي : رجعا يقصان الأثر الذي جاءا منه يبتغيانه ، فوجدا عبدا من عبادنا ، قيل : كان ملكا من الملائكة ، والصحيح الذي جاء في التواريخ ، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنه الخضر » (1) ، واسمه بليا بن ملكان ، قيل : كان من نسل بني إسرائيل . وقيل : كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا في الدنيا ، والخضر لقب له .\r[65] فذلك قوله تعالى : { فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً } ، أي نعمة ، { مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } ، أي إلهاما ولم يكن الخضر نبيا عند أكثر أهل العلم ، يقول : جئت لأتبعك .\r[66] { قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ } ، وأصحبك ، { عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } قرأ أبو عمرو ويعقوب : ( رشدا ) بفتح الراء والشين ، وقرأ الآخرون بضم الراء وسكون الشين ، أي صوابا . وقيل : علما ترشدني به . وفي بعض الأخبار أنه لما قال له موسى هذا قال له الخضر : كفى بالتوراة علما وبني إسرائيل شغلا, فقال له موسى : إن الله أمرني بهذا فحينئذ .\r_________\r(1) انظر صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الخضر مع موسى ( 6 / 431 ) .","part":5,"page":21},{"id":2022,"text":"[67] { قَالَ } , له الخضر , { إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } , وإنما قال ذلك لأنه علم أنه يرى أمورا منكرة, ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات, ثم بين عذره في ترك الصبر .\r[68] فقال له : { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } . أي علما .\r[69] { قَالَ } , موسى , { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا } , إنما استثنى لأنه لم يثق من نفسه بالصبر { وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا } , أي لا أخالفك فيما تأمرني .\r[70] { قَالَ } الخضر ، { فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي } ، فإن صحبتني ولم يقل اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه إلا أنه شرط عليه شرطا فقال ، { فَلَا تَسْأَلْنِي } ، قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر بفتح اللام وتشديد النون ، والآخرون بسكون اللام وتخفيف النون ، { عَنْ شَيْءٍ } أعمله فيما تنكره وتعترض عليه ، عن شيء ، حتى ابتدأ لك بذكره فأبين لك شأنه .","part":5,"page":22},{"id":2023,"text":"[71] { فَانْطَلَقَا } يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها فوجدا سفينة فركباها ، وروينا عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « مرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول ، فلما لججوا البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة » فذلك قوله : { حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ } ، له موسى ، { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } ، قرأ حمزة والكسائي : ليغرق بالياء وفتحها وفتح الراء وقرأ الآخرون بالتاء ورفعها وكسر الراء أهلها النصب على أن الفعل للخضر ، { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } أي منكرا ، والإمر في كلام العرب الداهية ، وأصله كل شيء شديد كثير ، يقال : إمر القوم إذا كثروا واشتد أمرهم . وقال القتيبي : { إِمْرًا } أي عجبا .\r[72] { قَالَ } ، العالم وهو الخضر ، { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } .","part":5,"page":23},{"id":2024,"text":"[73] { قَالَ } ، موسى ، { لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ } ، قال ابن عباس : إنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام ، فكأنه نسي شيئا آخر . وقيل : معناه بما تركت من عهدك والنسيان الترك . وقال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم : « كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا » (1) ، { وَلَا تُرْهِقْنِي } ، ولا تغشني ، { مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } ، وقيل : لا تكلفني مشقة ، يقال : أرهقته عسرا أي كلفته ذلك ، يقول لا تضيق على أمري وعاملني باليسر ولا تعاملني بالعسر .\r_________\r(1) انظر صحيح البخاري 5 / 326 ومسلم 4 / 1847 .","part":5,"page":24},{"id":2025,"text":"[74] { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ } ، في القصة أنهما خرجا من البحر يمشيان فمرا بغلمان يلعبون فأخذ الخضر غلاما ظريفا وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين قال الضحاك : كان غلاما يعمل بالفساد وتأذى منه أبواه ، عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا » (1) . { قَالَ } موسى ، { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً } ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو : ( زاكية ) بالألف ، وقرأ الآخرون : زَكِيَّةً، قال الكسائي والفراء : معناهما واحد ، مثل : القاسية والقسية ، وقال أبو عمرو بن العلاء : الزاكية التي لم تذنب قط ، والزكية التي أذنبت ثم تابت ، { بِغَيْرِ نَفْسٍ } ، أي لم تقتل نفسا بشيء وجب به عليها القتل ، { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا } ، أي منكرا . قال قتادة : النكر أعظم من الإمر لأنه حقيقة الهلاك ، وفي خرق السفينة كان خوف الهلاك ، وقيل : الأمر أعظم لأنه كان فيه تغريق جمع كثير . قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر هاهنا نكرا وفي سورة الطلاق بضم الكاف ، والآخرون بسكونها .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في القدر برقم ( 2661 ) 4 / 2050 .","part":5,"page":25},{"id":2026,"text":"[75] { قَالَ } ، يعني الخضر { أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } ، قيل : زاد هنا لأنه نقض العهد مرتين ، وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى يا نبي الله اذكر العهد الذي أنت عليه .\r[76] { قال } ، موسى ، { إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا } ، بعد هذه المرة ، { فَلَا تُصَاحِبْنِي } ، وفارقني ، وقرأ يعقوب : فَلَا تصحبنِي بغير ألف من الصحبة . { قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } ، قرأ أبو جعفر ونافع وأبو بكر من لدني خفيفة النون وقرأ الآخرون ، بتشديدها ، قال ابن عباس : أي قد أعذرت فيما بيني وبينك . وقيل : قد حذرتني أني لا أستطيع معك صبرا . وقيل : اتضح لك العذر في مفارقتي . عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل لرأى العجب » (1) { إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } فلو صبر لرأى العجب .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الفضائل برقم ( 2380 ) 14 / 1851 .","part":5,"page":26},{"id":2027,"text":"[77] قوله تعالى : { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } ، قال ابن عباس : يعني أنطاكيه . وقال ابن سيرين . هي الأيلة وهي أبعد الأرض من السماء . وقيل : برقة . وعن أبي هريرة : بلدة بالأندلس . { اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا } ، قال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم : « حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما فطافا في المجالس فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما » (1) . وروي أنهما طافا في القرية فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما . وروي أنهما طافا في القوم فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافوهم فلم يضيفوهما . قال قتادة : شر القرى التي لا تضيف الضيف . قوله تعالى : { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } ، أي يسقط ، وهذا من مجاز كلام العرب ، لأن الجدار لا إرادة له وإنما معناه قرب ودنا من السقوط ، كما تقول العرب : داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها . { فَأَقَامَهُ } ، أي سواه { قَالَ } موسى { لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب لَتَخِذْتَ بتخفيف التاء وكسر الخاء ، وقرأ الآخرون لتخذت بتشديد التاء وفتح الخاء ، وهما\r_________\r(1) قطعة من الحديث السابق .","part":5,"page":27},{"id":2028,"text":"لغتان مثل اتبع وتبع عليه يعني على إصلاح الجدار ، { أَجْرًا } يعني جعلا ، معناه : إنك قد علمت وإننا جياع وإن أهل القرية لم يطعمونا فلو أخذت على عملك أجرا .\r[78] قال الخضر ، { هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } ، يعني هذا وقت فراق بيني وبينك . وقيل : هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا . وقال الزجاج : معناه هذا فراق بيننا أي فراق اتصالنا وكرر بين تأكيدا { سَأُنَبِّئُكَ } ، أي سوف أخبرك { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } ، وفي بعض التفاسير أن موسى أخذ بثوبه ، فقال . أخبرني بمعنى ما عملت قبل أن تفارقني .","part":5,"page":28},{"id":2029,"text":"[79] فقال : { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } ، أي : يؤاجرون ويكتسبون بها ، { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا } ، أجعلها ذات عيب ، { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ } ، أي أمامهم ، / 360 ملك ، كقوله : { مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } ، وقيل : وراءهم خلفهم ، وكان رجوعهم في طريقهم عليه ، والأول أصح يدل عليه قراءة ابن عباس وكان أمامهم { مَلِكٌ } ، { يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا } ، أي : كل سفينة صالحة غصبا وكان ابن عباس يقرأ كذلك فخرقها وعيبها الخضر حتى لا يأخذها الملك الغاصب .\r[80] قوله تعالى : { وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا } ، أي فعلمنا ، وفي قراءة ابن عباس : وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين فخشينا ، أي فعلمنا ، { أَنْ يُرْهِقَهُمَا } ، يغشيهما ، وقال الكلبي : يكلفهما ، { طُغْيَانًا وَكُفْرًا } ، قال سعيد بن جبير : فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه .","part":5,"page":29},{"id":2030,"text":"[81] { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا } ، قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمر بالتشديد هاهنا وفي سورة التحريم والقلم ، وقرأ الآخرون بالتخفيف ، وهما لغتان وفرق بعضهم فقال : التبديل تغيير الشيء أو تغيير حاله وعين الشيء قاصم والإبدال رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه ، { رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً } ، أي صلاحا وتقوى ، { وَأَقْرَبَ رُحْمًا } ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بضم الحاء والباقون بجزمها أي : عطفا من الرحمة . وقيل : هو من الرحم والقرابة ، قال قتادة : أي أوصل للرحم وأبر بوالديه ، قال مطرف : شرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل . ولو بقي لكان فيه هلاكهما ، فليرض امرؤ بقضاء الله تعالى ، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب .","part":5,"page":30},{"id":2031,"text":"[82] قوله تعالى : { وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ } ، وكان اسمهما أصرم وصريم ، { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا } ، اختلفوا في ذلك الكنز ، روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كان ذهبا وفضة » (1) . وقال عكرمة : كان مالا . وعن سعيد بن جبير : كان الكنز صحفا فيها علم { وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا } ، قيل : كان اسمه كاشح وكان من الأتقياء . قال ابن عباس : حفظا بصلاح أبيهما ، وقيل : كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء ، قال محمد بن المنكدر : إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده ، وعترته وعشيرته وأهل دويرات حوله ، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم . قال سعيد بن المسيب : إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي . قوله عز وجل : { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } ، أي يبلغا ويعقلا . وقيل : أن يدركا شدتهما وقوتهما . وقيل : ثمان عشرة سنة ، { وَيَسْتَخْرِجَا } حينئذ { كَنْزَهُمَا رَحْمَةً } ، نعمة ، { مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } ، أي باختياري ورأيي ، بل فعلته بأمر الله وإلهامه ، { ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الكهف 8 / 600 والحاكم في المستدرك 2 / 369 والبخاري في تاريخه والطبراني . انظر تحفة الأحوذي 8 / 601 .","part":5,"page":31},{"id":2032,"text":"تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } ، أي لم تطق عليه صبرا ، واستطاع واسطاع بمعنى واحد .\r[83] قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا } ، خبرا ، واختلفوا في نبوته والأكثرون على أنه كان ملكا عادلا صالحا .","part":5,"page":32},{"id":2033,"text":"[84] قوله عز وجل : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ } ، أوطأنا ، والتمكين : تمهيد الأسباب . وقال علي : سخر له السحاب فحمله عليها ، ومد له في الأسباب وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء ، فهذا معنى تمكنه في الأرض ، وهو أنه سهل عليه السير فيها وذلل له طرقها . { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } أي : من كل شيء يحتاج إليه الخلق . وقيل : من كل ما يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء ، { سَبَبًا } ، أي : علما يتسبب به إلى كل ما يريد ، ويسير به في أقطار الأرض ، والسبب : ما يوصل به إلى الشيء . وقال الحسن : بلاغا إلى حيث أراد . وقيل : قربنا إليه أقطار الأرض .\r[85] { فَأَتْبَعَ سَبَبًا } ، أي : سلك وسار طريقا ، قرأ أهل الحجاز والبصرة : فاتبع ثم اتبع موصولا مشددا ، قرأ الآخرون بقطع الألف وجزم التاء : وقيل : معناهما واحد ، والصحيح الفرق بينهما فمن قطع الألف فمعناه أدرك ولحق ، ومن قرأ بالتشديد فمعناه سار ، يقال : ما زلت أتبعه حتى اتبعته أي : ما زلت أسير خلفه حتى لحقته . وقوله : سببا أي طريقا . وقال ابن عباس : منزلا .","part":5,"page":33},{"id":2034,"text":"[86] { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } ، قرأ أبو جعفر وأبو عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ( حامية ) بالألف غير مهموزة ، أي حارة ، وقرأ الآخرون { حَمِئَةٍ } مهموزا بغير الألف أي ذات حماة ، وهي الطينة السوداء ، وسأل معاوية كعبا : كيف تجد في التوراة أن تغرب الشمس ؟ قال : نجد في التوراة أنها تغرب في ماء وطين . قال القتيبي : يجوز أن يكون معنى قوله : { فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } أي عندها عين حمئة أو في رأي العين . { وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا } ، أي عند العين أمة { قُلْنَا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ } ، يستدل بهذا من زعم أنه كان نبيا فإن الله تعالى خاطبه ، والأصح أنه لم يكن نبيا والمراد منه الإلهام ، { إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ } ، يعني إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام ، { وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا } ، يعني تعفو وتصفح . وقيل : تأسرهم فتعلمهم الهدى ، خيره الله بين الأمرين .","part":5,"page":34},{"id":2035,"text":"[87] { قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ } ، كفر ، { فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ } ، أي : نقتله ، { ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ } ، في الآخرة { فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا } أي : منكرا يعني بالنار ، والنار أنكر من القتل .\r[88] { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى } ، قرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب { جَزَاءً } منصوبا منونا أي : فله الحسنى جزاء نصب على المصدر ، وقرأ الآخرون بالرفع على الإضافة ، والحسنى الجنة وإضافة الحسن إليها كما قال : { وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ } ، والدار هي الآخرة . وقيل : المراد بالحسنى على هذه القراءة الأعمال الصالحة . { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا } ، أي نلين له القول ونعامله باليسر من أمرنا . وقال مجاهد : يسرا أي معروفا .\r[89] { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا } ، أي سلك طرقا ومنازل .","part":5,"page":35},{"id":2036,"text":"[90] { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ } ، أي موضع طلوعها ، { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا } ، قال قتادة والحسن : لم يكن بينهم وبين الشمس ستر ، وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء ، فكانوا يكونون في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم .\r[91] قوله عز وجل : { كَذَلِكَ } ، قيل : معناه كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها ، والصحيح أن معناه كما حكم في القوم الذين هم عند غروب الشمس كذلك حكم في الذين هم عند طلوع الشمس ، { وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا } ، يعني بما عنده ومعه من الجند والعدة والآلات خبرا أي علما .\r[92] { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا } .","part":5,"page":36},{"id":2037,"text":"[93] { حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } هما هنا جبلان سدد ، والقرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم . { وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا } يعني : أمام السدين . { لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا } ، قرأ حمزة والكسائي ( يفقهون ) بضم الياء وكسر القاف على معنى لا يفهمون غيرهم قولا ، وقرأ الآخرون بفتح الياء والقاف ، أي لا يفهمون كلام غيرهم ، قال ابن عباس : لا يفهمون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم .","part":5,"page":37},{"id":2038,"text":"[94] { قَالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ } فإن قيل : كيف قالوا ذلك وهم لا يفهمون ؟ قيل : كلم عنهم مترجم ، دليله قراءة ابن مسعود : لا يكادون يفقهون قولا قال الذين من دونهم يا ذا القرنين . { إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } ، قرأهما عاصم مهموزين ، والآخرون بغير همز ، وهما لغتان أصلهما من أجيج النار ، وهو ضوؤها وشررها ، شبهوا به لكثرتهم وشدتهم ، وقيل : بالهمز من أجيج النار وبترك الهمز اسمان أعجميان ، مثل هاروت وماروت قوله تعالى : { مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ } ، قال الكلبي : فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يا بسا إلا احتملوه ، وأدخلوه أرضهم ، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا . وقيل : فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس . وقيل : معناه أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم . { فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا } ، قرأ حمزة والكسائي ( خراجا ) بالألف ، وقرأ الآخرون خرجا بغير ألف وهما لغتان بمعنى واحد ، أي جعلا وأجرا من أموالنا . وقال أبو عمرو : الخرج ما تبرعت به ، والخراج ما لزمك أداؤه . وقيل : الخراج على الأرض والخرج على الرقاب . يقال : أد خرج رأسك وخراج مدينتك .","part":5,"page":38},{"id":2039,"text":"{ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا } ، أي حاجزا فلا يصلون إلينا .\r[95] { قَالَ } ، لهم ذو القرنين : { مَا مَكَّنِّي فِيهِ } ، قرأ ابن كثير ( مكنني ) بنونين ظاهرين . وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام ، أي ما قواني عليه ، { رَبِّي خَيْرٌ } ، من جعلكم ، { فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ } ، معناه إني لا أريد المال بل أعينوني بأبدانكم وقوتكم ، { أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا } ، أي سدا ، قالوا : وما تلك القوة ؟ قال : فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل ، والآلة . قالوا وما تلك الآلة ؟ قال :","part":5,"page":39},{"id":2040,"text":"[96] { آتُونِي } ، أعطوني وقرأ أبو بكر ائتوني أي جيئوني ، { زُبَرَ الْحَدِيدِ } ، أي قطع الحديد واحدتها زبرة ، فأتوه بها وبالحطب وجعل بعضها على بعض فلم يزل يجعل الحديد على الحطب والحطب على الحديد ، { حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ } ، قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بضم الصاد والدال ، وجزم أبو بكر الدال ، وقرأ الآخرون بفتحها ، وهما الجبلان ، ساوى أي : سوى بين طرفي الجبلين . { قَالَ انْفُخُوا } ، وفي القصة أنه جعل الفحم والحطب في خلال زبر الحديد ثم قال انفخوا يعني في النار ، { حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا } ، أي صار الحديد نارا ، { قَالَ آتُونِي } ، قرأ حمزة وأبو بكر وصلا ، وقرأ الآخرون بقطع الألف . { أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا } ، أي آتوني قطرا أفرغ عليه ، والإفراغ الصب والقطر هو النحاس المذاب ، فجعلت النار تأكل الحطب ويصير النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس . قال قتادة : هو كالبر والبحر طريقة سوداء وطريقة حمراء ، وفي القصة أن عرضه كان خمسين ذراعا وارتفاعه مائتي ذراع وطوله فرسخ .","part":5,"page":40},{"id":2041,"text":"[97] { فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } ، أن يعلوه من فوقه لطوله وملاسته ، { وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } ، من أسفله لشدته ولصلابته . وقرأ حمزة { فَمَا اسْطَاعُوا } بتشديد الطاء أدغم تاء الافتعال في الطاء .","part":5,"page":41},{"id":2042,"text":"[98] { قَالَ } يعني ذا القرنين ، { هَذَا } ، أي السد ، { رَحْمَةٌ } ، نعمة ، { مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي } ، قيل : القيامة . وقيل : وقت خروجهم . { جَعَلَهُ دَكَّاءَ } ، قرأ أهل الكوفة { دَكَّاءَ } بالمد والهمز ، أي أرضا ملساء ، وقرا الآخرون بلا مد أي : جعله مدكوكا مستويا مع وجه الأرض ، { وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا } .\r[99] قوله تعالى : { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } ، قيل : هذا عند فتح السد ، يقول : تركنا يأجوج ومأجوج يموج أي يدخل بعضهم على بعض ، كموج الماء ويختلط بعضهم ببعض لكثرتهم ، وقيل : هذا عند قيام الساعة يدخل الخلق بعضهم في بعض ، ويختلط إنسيهم بجنيهم حيارى ، { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } ، لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة ، { فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا } ، في صعيد واحد .\r[100] { وَعَرَضْنَا } ، أبرزنا ، { جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا } ، حتى يشاهدوها عيانا .","part":5,"page":42},{"id":2043,"text":"[101] { الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ } ، أي غشاء والغطاء ما يغطى به الشيء ويستره ، { عَنْ ذِكْرِي } ، يعني عن الإيمان والقرآن . وعن الهدى والبيان . وقيل . عن رؤية الدلائل . { وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا } ، أي سمع القبول ، والإيمان لغلبة الشقاوة عليهم . وقيل : لا يعقلون وقيل : كانوا لا يستطيعون أي لا يقدرون أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتلوه عليهم لشدة عداوتهم ، كقول الرجل : لا أستطيع أن أسمع من فلان شيئا لعداوته .","part":5,"page":43},{"id":2044,"text":"[102] { أَفَحَسِبَ } ، أفظن ، { الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ } ، أربابا يريد بالعباد عيسى والملائكة ، كلا بل هم لهم أعداء ويتبرءون منهم . قال ابن عباس : يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله . وقال مقاتل : الأصنام سماها عبادا ، كما قال : { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } ، وجواب هذا الاستفهام محذوف . قال ابن عباس : يريد إني لأغضب لنفسي ، يقول أفظن الذين كفروا أن يتخذوا غيري أولياء وإني لا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم ؟ ! وقيل : أفظنوا أنهم ينفعهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء . { إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا } ، أي : منزلا ، قال ابن عباس : هي مثواهم . وقيل : النزل ما يهيأ للضيف ، يريد هي معدة لهم عندنا كالنزل للضيف .\r[103] { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } ، يعني الذين اتبعوا أنفسهم في عمل يرجون به فضلا ونوالا فنالوا هلاكا وبوارا ، كمن يشتري سلعة يرجو عليها ربحا فخسر وخاب سعيه ، واختلفوا فيهم ، قال ابن عباس وسعد بن أبي وقاص : هم اليهود والنصارى . وقيل : هم الرهبان .","part":5,"page":44},{"id":2045,"text":"[104] { الَّذِينَ } حبسوا أنفسهم في الصوامع . وقال علي بن أبي طالب : هم أهل حروراء . { ضَلَّ سَعْيُهُمْ } ، بطل عملهم واجتهادهم ، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } ، أي عملا .\r[105] { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ } ، بطلت ، { أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } ، أي لا نجعل لهم خطرا وقدرا ، تقول العرب : ما لفلان عندي وزن أي قدر لخسته ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة » (1) وقال : { فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } ، قال أبو سعيد الخدري : يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة ، فإذا وزنوها لم تزن شيئا ، فذلك قوله تعالى : { فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 426 ومسلم في صفات المنافقين برقم ( 2785 ) 4 / 2147 .","part":5,"page":45},{"id":2046,"text":"[106] { ذَلِكَ } الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وخسة أقدارهم ، ثم ابتدأ فقال : { جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي } ، يعني القرآن ، { وَرُسُلِي هُزُوًا } ، أي سخرية ومهزوءا بهم .","part":5,"page":46},{"id":2047,"text":"[107] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ } ، روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة » (1) . قال كعب : ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر . وقال قتادة : الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأقصاها وأرفعها . قال كعب : الفردوس هو البستان الذي فيه الأعناب . وقال مجاهد . هو البستان بالرومية . وقال عكرمة : هي الجنة بلسان الحبش . قال الزجاج : هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية ، وقال الضحاك : هي الجنة الملتفة الأشجار . وقيل : هي الروضة المستحسنة . وقيل . هي التي تنبت ضروبا من النبات ، وجمعه فراديس, { نُزُلًا } ، قيل أي منزلا . وقيل : ما يهيأ للنازل على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس ونعيمها نزلا ، ومعنى كانت لهم أي في علم الله قبل أن يخلقوا .\r_________\r(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في التوحيد 13 / 404 .","part":5,"page":47},{"id":2048,"text":"[108] { خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ } ، لا يطلبون ، { عَنْهَا حِوَلًا } ، أي تحولا إلى غيرها . قال ابن عباس : لا يريدون أن يتحولوا عنها كما ينتقل الرجل من دار إلى دار إذا توافقه إلى دار أخرى .","part":5,"page":48},{"id":2049,"text":"[109] { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي } ، قال ابن عباس : قالت اليهود يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة, وفي كتابك { وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } , ثم نقول : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } ؟ فأنزل الله هذه الآية . وقيل لما نزلت : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } , قالت اليهود : أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء, فأنزل الله : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا } سمي المداد مدادا لإمداد الكتاب, وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء . قال مجاهد : لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب, { لَنَفِدَ الْبَحْرُ } أي ماؤه, { قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ } , قرأ حمزة والكسائي ينفد بالياء لتقدم الفعل, والباقون بالتاء, { كَلِمَاتُ رَبِّي } , أي علمه وحكمه, { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } , معناه لو كان الخلائق يكتبون والبحر يمدهم لنفد البحر ولم تنفد كلمات الله ، ولو جئنا بمثله مددا بمثل ماء البحر في كثرته مدادا وزيادة ، نظيره قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ","part":5,"page":49},{"id":2050,"text":"يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } .\r[110] { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } ، قال ابن عباس علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه ، فأمره الله أن يقر فيقول : أنا آدمي مثلكم إلا إني خصصت بالوحي وأكرمني الله به ، يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد لا شريك له ، { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ } ، أي يخاف المصير إليه . وقيل : يأمل رؤية ربه ، فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعا فجمع به المعنيين ، { فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } ، أي لا يرائي بعمله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من سمع سمع الله به ، ومن يرائي يرائي الله به » (1) وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر \" ، قالوا : يا رسول الله وما الشرك الأصغر ؟ قال : \" الرياء » (2) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 235 ومسلم في البر والصلة برقم ( 2642 ) 4 / 2034 والمصنف في شرح السنة 14 / 323 .\r(2) أخرج هذه الرواية الإمام أحمد في مسنده ج5 ص428 ،429 والمصنف في شرح السنة 14 / 324 قال الهيثمي : ( رجاله رجال الصحيح ) وقال المسند : « إسناده جيد » .","part":5,"page":50},{"id":2051,"text":"( 19 ) سورة مريم\r[1] قوله عز وجل { كهيعص } ، قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء وضده ابن عامر وحمزة وبكسرهما الكسائي وأبو بكر والباقون بفتحهما . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو اسم من أسماء الله تعالى . وقال قتادة : هو اسم من أسماء القرآن . وقيل : اسم للسورة . وقيل : هو قسم أقسم الله به . وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { كهيعص } قال : الكاف من كريم وكبير ، والهاء من هاد ، والياء من رحيم ، والعين من عليم ، وعظيم ، والصاد من صادق . وقال الكلبي : معناه كاف لخلقه ، هاد لعباده ، يده فوق أيديهم ، عالم ببريته ، صادق في وعده .\r[2] { ذِكْرُ } ، رفع بالمضمر أي هذا الذي نتلوه عليك ذكر { رَحْمَةِ رَبِّكَ } ، وفيه تقديم وتأخير معناه : ذكر ربك ، { عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } ، برحمته .\r[3] { إِذْ نَادَى } ، دعا { رَبَّهُ } , في محرابه ، { نِدَاءً خَفِيًّا } ، دعا سرا من قومه في جوف الليل .","part":5,"page":51},{"id":2052,"text":"[4] { قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ } ، ضعف ورق ، { الْعَظْمُ مِنِّي } ، من الكبر . قال قتادة : اشتكى سقوط الأضراس ، { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ } ، أي أبيض شعر الرأس ، { شَيْبًا } ، شمطا ، { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا } ، يقول عودتني الإجابة فيما مضى ولم تخيبني . وقيل : معناه لما دعوتني إلى الإيمان آمنت ولم أشق بترك الإيمان .\r[5] { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ } ، والموالى : بنو العم . قال مجاهد : العصبة . وقال أبو صالح : الكلالة . وقال الكلبي : الورثة . { مِنْ وَرَائِي } ، من بعد موتي ، قرأ ابن كثير { مِنْ وَرَائِي } بفتح الياء ، والآخرون بإسكانها . { وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا } ، لا تلد ، { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ } ، أعطني من عندك { وَلِيًّا } .","part":5,"page":52},{"id":2053,"text":"[6] { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } ، قرأ أبو عمرو والكسائي بجزم الثاء فيهما على جواب الدعاء ، وقرأ الآخرون بالرفع على الحال والصفة ، يعني وليا وارثا ، واختلفوا في هذا الإرث ، قال الحسن : معناه يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة والحبورة . وقيل : أراد ميراث النبوة والعلم . وقيل : أراد إرث الحبورة ، لأن زكريا كان رأس الأحبار . وقال الزجاج : والأولى أن يحمل على ميراث غير المال لأنه يبعد أن يشفق زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يرثه بنو عمه ماله ، والمعنى : أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما كان شاهده من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء ، فسأل ربه ولدا صالحا يأمنه على أمته ، ويرث نبوته وعمله لئلا يضيع الدين . وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما . { وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا } ، أي برا تقيا مرضيا .","part":5,"page":53},{"id":2054,"text":"[7] قوله عز وجل : { يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ } ، وفيه اختصار ، معناه فاستجاب الله دعاءه ، فقال : يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ ، { بِغُلَامٍ } بولد ذكر ، { اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا } ، قال قتادة والكلبي : لم يسم أحد قبله يحيى . وقال سعيد بن جبير وعطاء : لم نجعل له شبها ومثلا ، كما قال الله تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } ، أي مثلا ، والمعنى : أنه لم يكن له مثل لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط . وقيل : لم يكن له ميل في أمر النساء ، لأنه كان سيدا وحصورا . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما : أي لم تلد العواقر مثله ولدا . وقيل : لم يرد الله به اجتماع الفضائل كلها ليحيى إنما أراد بعضها لأن الخليل والكليم كانا قبله وهما أفضل منه .","part":5,"page":54},{"id":2055,"text":"[8] { قَالَ رَبِّ أَنَّى } ، من أين ، { يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا } ، أي يبسا ، وقال قتادة : يريد تحول العظم ، يقال : عتا الشيخ يعتو عتيا وعسيا ، إذا انتهى سنه وكبر ، وشيخ عات وعاس إذا صار إلى حالة اليبس والجفاف . وقرأ حمزة والكسائي : عتيا وبكيا وصليا وجثيا بكسر أوائلهن ، والباقون برفعها ، وهما لغتان .\r[9] { قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } ، يسير ، { وَقَدْ خَلَقْتُكَ } ، قرأ حمزة ، والكسائي ( خلقناك ) بالنون والألف على التعظيم ، { مِنْ قَبْلُ } ، أي من قبل يحيى ، { وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } .\r[10] { قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً } ، دلالة على حمل امرأتي ، { قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } ، أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس . قال مجاهد : أي لا يمنعك من الكلام مرض . وقيل : ثلاث ليال سويا أي متتابعا ، والأول أصح . وفي القصة : أنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ذكر الله تعالى انطلق لسانه .","part":5,"page":55},{"id":2056,"text":"[11] قوله تعالى : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ } ، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون إذ خرج عليهم زكريا متغيرا لونه فأنكروه ، فقالوا : مالك يا زكريا ؟ { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ } ، قال مجاهد : كتب لهم بالأرض ، { أَنْ سَبِّحُوا } ، أي صلوا لله { بُكْرَةً } ، غدوة ، { وَعَشِيًّا } ، أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة ، فلما كان وقت حمل امرأته ومنع الكلام خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة .","part":5,"page":56},{"id":2057,"text":"[12] قوله عز وجل : { يا يَحْيَى } ، قيل : فيه حذف معناه : وهبنا له يحيى وقلنا له : يا يحيى ، { خُذِ الْكِتَابَ } ، يعني التوراة ، { بِقُوَّةٍ } ، بجد ، { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : النبوة ، { صَبِيًّا } ، وهو ابن ثلاث سنين . وقيل : أراد بالحكم فهم الكتاب ، فقرأ التوراة وهو صغير . وعن بعض السلف قال . من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبيا (1) .\r[13] { وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا } ، رحمة من عندنا { وَزَكَاةً } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص . وقال قتادة رضي الله عنه : هي العمل الصالح ، وهو قول الضحاك ومعنى الآية وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد ، ليدعوهم إلى طاعة ربهم ويعمل عملا صالحا في إخلاص . وقال الكلبي : يعني صدقة تصدق الله بها على أبويه ، { وَكَانَ تَقِيًّا } ، مسلما ومخلصا مطيعا ، وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها .\r[14] { وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ } ، أي بارا لطيفا بهما محسنا إليهما . { وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا } ، الجبار المتكبر ، وقيل : الجبار الذي يضرب ، ويقتل على الغضب ، والعصي العاصي .\r_________\r(1) أخرجه ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس مرفوعا ، وأخرجه ابن أبي حاتم والديلمي موقوفا على ابن عباس . انظر الدر المنثور 5 / 485 كشف الخفا للعجلوني 2 / 86 .","part":5,"page":57},{"id":2058,"text":"[15] { وَسَلَامٌ عَلَيْهِ } ، أي : سلام له ، { يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا } ، قال سفيان بن عيينة : أوحش ما يكون الإنسان في هذه الأحوال يوم ولد فيخرج مما كان فيه ، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ، ويوم يبعث حيا فيرى نفسه في محشر لم ير مثله ، فخصر يحيى بالسلامة في هذه المواطن .\r[16] قوله عز وجل : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ } ، في القرآن ، { مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ } ، تنحت واعتزلت ، { مِنْ أَهْلِهَا } ، من قومها ، { مَكَانًا شَرْقِيًّا } ، أي مكانا في الدار مما يلي المشرق ، وكان يوما شاتيا شديد البرد فجلست في مشرقة تفلي رأسها . وقيل : كانت طهرت من الحيض ، فذهبت لتغتسل . قال الحسن : ومن ثم اتخذت النصارى المشرق قبلة .","part":5,"page":58},{"id":2059,"text":"[17] { فَاتَّخَذَتْ } ، فضربت ، { مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : سترا . وقيل : جلست وراء جدار ، وقال مقاتل : وراء جبل . وقال عكرمة : إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد ، فبينما هي تغتسل من الحيض قد تجردت إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي الخلق ، فذلك قوله . { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } ، يعني جبريل عليه السلام ، { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا } ، وقيل : المراد بالروح عيسى عليه السلام ، جاء في صورة بشر فحملت به . الأول أصح فلما رأت مريم جبريل يقصد نحوها نادته من بعيد .\r[18] و { قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } ، مؤمنا مطيعا ، فإن قيل : إنما يستعاذ من الفاجر فكيف قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ؟ قيل : هذا كقول القائل : إن كنت مؤمنا فلا تظلمني أي ينبغي أن يكون إيمانك مانعا من الظلم ، وكذلك هاهنا معناه : وينبغي أن يكون تقواك مانعا لك من الفجور .","part":5,"page":59},{"id":2060,"text":"[19] { قَالَ } ، لها جبريل ، { إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ } ، قرأ نافع وأهل البصرة : ( لهيب لك ) أي لهيب لكربك ، وقرأ الآخرون : { لِأَهَبَ لَكِ } أسند الفعل إلى الرسول ، وإن كانت الهبة من الله تعالى ، لأنه أرسل به ، { غُلَامًا زَكِيًّا } ، ولدا صالحا طاهرا من الذنوب .\r[20] { قَالَتْ } ، مريم { أَنَّى } ، من أين ، { يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } ، لم يقربني زوج ، { وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا } فاجرة ، تريد أن الولد إنما يكون من نكاح أو سفاح ، ولم يكن هنا واحد منهما .\r[21] { قَالَ } ، جبريل ، { كَذَلِكِ } ، قيل : معنا ، كما قلت يا مريم ولكن ، { قَالَ رَبُّكَ } ، وقيل : هكذا قال ربك { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي خلق ولد بلا أب { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً } علامة { لِلنَّاسِ } دلالة على قدرتنا ، { وَرَحْمَةً مِنَّا } ، ونعمة لمن تبعه على دينه ، { وَكَانَ } ذلك ، { أَمْرًا مَقْضِيًّا } ، محكوما مفروغا عنه لا يرد ولا يبدل .","part":5,"page":60},{"id":2061,"text":"[22] قوله عز وجل : { فَحَمَلَتْهُ } ، قيل : إن جبريل رفع عنها درعها فنفخ في جيبها فحملت حين أصبحت . وقيل : مد جيب درعها بأصبعه ثم نفخ في الجيب . وقيل : نفخ في كم قميصها . وقيل : في فيها . وقيل . نفخ جبريل عليه السلام نفخا من بعيد فوصل الريح إليها فحملت بعيسى في الحال ، { فَانْتَبَذَتْ بِهِ } ، أي تنحت بالحمل فلما حملته انتبذت به أي وانفردت ، { مَكَانًا قَصِيًّا } ، أي بعيدا من أهلها . قال ابن عباس رضي الله عنهما : أقصى الوادي ، وهو وادي بيت لحم ، فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج ، واختلفوا في مدة حملها ووقت وضعها ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : كان الحمل والولادة في ساعة واحدة . وقيل . كان مدة حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء . وقيل : كان مدة ثمانية أشهر ، وكان ذلك آية أخرى لأنه ليلا يعيش ولد يولد لثمانية أشهر ، وولد عيسى لهذه المدة وعاش . وقيل . ولدت لستة أشهر . وقال مقاتل بن سليمان . حملته مريم في ساعة وصور في ساعة ووضعته حين زالت الشمس من يومها ، وهي بنت عشر سنين ، وكانت قد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى .","part":5,"page":61},{"id":2062,"text":"[23] { فَأَجَاءَهَا } ، أي ألجأها وجاء بها ، { الْمَخَاضُ } ، وهو وجع الولادة ، { إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ } وكانت نخلة يا بسة في الصحراء ، في شدة الشتاء ، لم يكن لها سعف ، وقيل : التجأت إليها لتستند إليها وتتمسك بها على وجع الولادة ، { قَالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا } ، تمنت الموت استحياء من الناس وخوف الفضيحة ، { وَكُنْتُ نَسْيًا } ، قرأ حمزة وحفص ( نسيا ) بفتح النون ، والباقون بكسرها ، وهما لغتان ، مثل الوتر والوتر والجسر والجسر ، وهو الشيء المنسي ، والنسي في اللغة كل ما ألقي ونسي ولم يذكر لحقارته ، { مَنْسِيًّا } ، أي متروكا . قال قتادة : شيء لا يعرف ولا يذكر . قال عكرمة والضحاك ومجاهد : جيفة ملقاة . وقيل : تعني لم أخلق .","part":5,"page":62},{"id":2063,"text":"[24] { فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا } ، قرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي وحفص من تحتها بكسر الميم والتاء يعني جبريل عليه السلام ، وكانت مريم على أكمة وجبريل وراء الأكمة تحتها فناداها ، وقرأ الآخرون بفتح الميم والتاء وأراد جبريل عليه السلام أيضا ناداها من سفح الجبل . وقيل : هو عيسى لما خرج من بطن أمه ناداها ، { أَلَّا تَحْزَنِي } ، وهو قول مجاهد والحسن ، والأول قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والسدي وقتادة والضحاك وجماعة أن المنادي كان جبريل لما سمع كلامها وعرف جزعها ناداها ألا تحزني ، { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا } ، والسري : النهر الصغير . وقيل : تحتك أي جعله الله تحت أمرك إن أمرتيه أن يجري جرى وإن أمرتيه بالإمساك أمسك . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ضرب جبريل عليه السلام . ويقال : ضرب عيسى عليه الصلاة والسلام برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى . وقيل : كان هناك نهر يا بس أجرى الله سبحانه وتعالى فيه الماء وحييت النخلة اليابسة ، فأورقت وأثمرت وأرطبت . وقال الحسن : تحتك سريا يعني عيسى وكان والله عبدا سريا يعني رفيعا .","part":5,"page":63},{"id":2064,"text":"[25] { وَهُزِّي إِلَيْكِ } ، يعني قيل لمريم : حركي { بِجِذْعِ النَّخْلَةِ } ، تقول العرب : هزه وهز به ، كما يقول حز رأسه وحز برأسه ، وأمدد الجبل وأمدد به ، { تُسَاقِطْ عَلَيْكِ } ، القراءة المعروفة بفتح التاء والقاف وتشديد السين ، يعني تتساقط ، فأدغمت إحدى التاءين في السين يعني تسقط عليك النخلة رطبا ، وخفف حمزة السين وحذف التاء التي أدغمها غيره ، وقرأ حفص بضم التاء وكسر القاف خفيف على وزن تفاعل وتساقط بمعنى أسقط ، والتأنيث لأجل النخلة ، وقرأ يعقوب ( يساقط ) بالياء مشددة رده إلى الجذع ، { رُطَبًا جَنِيًّا } ، مجنيا . وقيل : الجني هو الذي بلغ الغاية ، وجاء أوان اجتنائه . قال الربيع بن خثيم : ما للنفساء عندي خير من الرطب ، ولا للمريض خير من العسل .","part":5,"page":64},{"id":2065,"text":"[26] قوله سبحانه وتعالى : { فَكُلِي وَاشْرَبِي } ، يعني فكلي يا مريم من الرطب واشربي من ماء النهر ، { وَقَرِّي عَيْنًا } ، يعني طيبي نفسا وقيل : قري عينك بولدك عيسى . يقال : أقر الله عينك يعني صادف فؤادك ما يرضيك ، فتقر عينك من النظر إليه . وقيل : أقر الله عينه يعني أنامها ، يقال : قر يقر إذا سكن . وقيل : إن العين إذا بكت من السرور فالدمع بارد وإذا بكت من الحزن فالدمع يكون حارا ، فمن هذا قيل : أقر الله عينه وأسخن الله عينه ، { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا } ، يعني ترين ، فدخل عليه نون التأكيد فكسرت الياء لالتقاء الساكنين ، معناه : فإما ترين من البشر أحدا فيسألك عن ولدك { فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } ، يعني : صمتا ، وكذلك كان يقرأ ابن مسعود رضي الله عنه ، والصوم في اللغة : الإمساك عن الطعام والشراب والكلام . قال السدي : كان في بني إسرائيل من إذا أراد أن يجتهد صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم حتى يمسي . وقيل : إن الله تعالى أمرها أن تقول هذا إشارة . وقيل : أمرها أن تقول هذا القدر نطقا ثم تمسك عن الكلام بعده ، { فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ","part":5,"page":65},{"id":2066,"text":"إِنْسِيًّا } ، يقال كانت تكلم الملائكة ولا تكلم الإنس .\r[27] { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ } ، وقيل : إنه ولدته ثم حملته في الحال إلى قومها . وقال الكلبي : حمل يوسف النجار مريم عليها السلام وابنها عيسى صلوات الله على نبينا وعليه إلى غار ومكث أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها ، ثم حملته مريم عليها السلام إلى قومها . فكلمها عيسى عليه السلام في الطريق فقال : يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه ، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين ، { قَالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا } ، عظيما منكرا ، قال أبو عبيدة : كل أمر فائق من عجب أو عمل فهو فري ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمر : « فلم أر عبقريا يفري فريه » (1) يعني عمله .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في المناقب 6 / 629 ومسلم في فضائل الصحابة برقم ( 2393 ) 4 / 1862","part":5,"page":66},{"id":2067,"text":"[28] { يا أُخْتَ هَارُونَ } ، يريد يا شبيهة هارون ، قال قتادة وغيره : كان هارون رجلا صالحا عابدا في بني إسرائيل . وروي أنه اتبع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى سائر الناس ، شبهوها على معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح ، وليس المراد منه الأخوة في النسب كما قال الله تعالى : { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } أي أشباههم . وقال الكلبي : كان هارون أخا مريم من أبيها ، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل . وقال السدي : إنما عنوا به هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله كما يقال للتميمي يا أخا تميم . وقيل : كان هارون رجلا فاسقا في بني إسرائيل عظيم الفسق فشبهوها به .\r{ مَا كَانَ أَبُوكِ } عمران ، { امْرَأَ سَوْءٍ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : زانيا ، { وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ } ، حنة ، { بَغِيًّا } ، أي زانية فمن أين لك هذا الولد ؟","part":5,"page":67},{"id":2068,"text":"[29] { فَأَشَارَتْ } مريم { إِلَيْهِ } ، أي إلى عيسى عليه السلام أن كلموه . قال ابن عباس رضي الله عنهما . لما لم تكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها ، وفى القصة : لما أشارت إليه غضب القوم ، وقالوا مع ما فعلت أتسخرين بنا ؟ ثم ، { قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا } أي : من هو في المهد ، وهو حجرها . وقيل : هو المهد بعينه ، { كَانَ } بمعنى هو ، وقال أبو عبيدة : كان صلة أي كيف نكلم صبيا في المهد ، وقد يجيء كان حشوا في الكلام لا معنى له كقوله : { هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا } أي : هل أنا ؟ قال السدي : فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم . وقيل : لما أشارت إليه ترك الثدي واتكأ على يساره ، وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه .","part":5,"page":68},{"id":2069,"text":"[30] { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ } ، وقال وهب : أتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى : انطق بحجتك إن كنت أمرت بها ، فقال عند ذلك عيسى عليه السلام وهو ابن أربعين يوما . وقال مقاتل : بل هو يوم ولد : إني عبد الله ، أقر على نفسه بالعبودية لله عز وجل أول ما تكلم لئلا يتخذ إلها ، { آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا } ، قيل : معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا . وقيل : هذا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ ، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : متى كنت نبيا ؟ قال : « كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد » (1) . وقال الأكثرون : أوتي الإنجيل وهو صغير طفل ، وكان يعقل عقل الرجال . وعن الحسن أنه قال : ألهم التوراة وهو في بطن أمه .\r_________\r(1) صححه الحاكم في المستدرك 2 / 609 وأخرجه الإمام أحمد في المسند 5 / 379 والبخاري في تاريخه 7 / 374 .","part":5,"page":69},{"id":2070,"text":"[31] { وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ } ، أي نفاعا حيث ما توجهت . وقال مجاهد : معلما للخير . وقال عطاء : أدعو إلى الله وإلى توحيده وعبادته . وقيل : مباركا على من تبعني : { وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ } ، أي أمرني بهما ، فإن قيل : لم يكن لعيسى مال فكيف يؤمر بالزكاة ؟ قيل : معناه بالزكاة لو كان لي مال . وقيل : أوصاني بالزكاة أي أمرني أن أوصيكم بالزكاة . وقيل : بالاستكثار من الخير . { مَا دُمْتُ حَيًّا } .\r[32] { وَبَرًّا بِوَالِدَتِي } أي وجعلني برا بوالدتي ، { وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا } ، أي عاصيا لربه . وقيل : الشقي الذي يذنب ولا يتوب .\r[33] { وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ } ، أي السلام عند الولادة من طعن الشيطان . { وَيَوْمَ أَمُوتُ } ، أي عند الموت من الشرك ، { وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا } ، من الأهوال ، فلما كلمهم عيسى بهذا علموا براءة مريم ثم سكت عيسى عليه السلام فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان .","part":5,"page":70},{"id":2071,"text":"[34] { ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ } ، قال الزجاج : أي ذلك الذي قال : إني عبد الله عيسى ابن مريم ، { قَوْلَ الْحَقِّ } ، قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب : { قَوْلَ الْحَقِّ } بنصب اللام وهو نصب على المصدر أي : قال : قول الحق ، { الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ } ، يختلفون ، فقائل يقول : هو ابن الله ، وقائل يقول : هو الله ، وقائل يقول : هو ساحر كذاب, وقرأ الآخرون برفع اللام يعني هو قول الحق ، أي هذا الكلام هو قول الحق ، أضاف القول إلى الحق ، كما قال : حق اليقين ، ووعد الصدق ، وقيل : هو نعت لعيسى ابن مريم ، يعني ذلك عيسى ابن مريم كلمة الله الحق هو الله الذي فيه يمترون ويشكون ويختلفون ويقولون غير الحق ، ثم نفى عن نفسه الولد ، ثم عظم نفسه فقال :\r[35] { مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ } ، أي ما كان من صفته اتخاذ الولد . وقيل : اللام منقولة أي ما كان الله أن يتخذ من ولد ، { سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا } ، إذا أراد أن يحدث أمرا ، { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } .","part":5,"page":71},{"id":2072,"text":"[36] { وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ } ، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو أن الله بفتح الألف يرجع إلى قوله : { وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ } وبأن الله ربي وربكم ، وقرأ أهل الشام والكوفة ويعقوب بكسر الألف على الاستئناف ، { فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } .\r[37] قوله : { فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ } ، يعني النصارى سموا أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى ، النسطورية والملكانية واليعقوبية . { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } ، يعني يوم القيامة .\r[38] { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } ، أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم السمع والبصر ، أخبر أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم يسمعوا ولم يبصروا في الدنيا . قال الكلبي : لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله تعالى لعيسى : { أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ } الآية . { يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، أي : في خطأ بين .","part":5,"page":72},{"id":2073,"text":"[39] { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ } ، فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، وذبح الموت . عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد : يا أهل الجنة فيشرفون وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت ، وكلهم قد رآه ، ثم ينادي : يا أهل النار فيشرقون وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا فيقولون : نعم هذا الموت ، وكلهم قد رآه فيذبح ، ثم يقول : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت » (1) ثم قرأ : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } . { وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ } . أي عما يفعل بهم في الآخرة ، { وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } ، لا يصدقون .\r[40] قوله عز وجل : { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } أي نميت سكان الأرض ونهلكهم جميعا ، ويبقى الرب وحده فيرثهم ، { وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } ، فنجزيهم بأعمالهم .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 428 ومسلم في الجنة وصفة نعيمها برقم ( 2849 ) 4 / 2188","part":5,"page":73},{"id":2074,"text":"[41] { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } ، الصديق الكثير الصدق القائم عليه . وقيل : من صدق الله في وحدانيته ، وصدق أنبياءه ورسله ، وصدق بالبعث ، وقام بالأوامر فعمل بها ، فهو الصديق . والنبي العالي في الرتبة بإرسال الله تعالى إياه .\r[42] قوله تعالى : { إِذْ قَالَ } ، إبراهيم ، { لِأَبِيهِ } ، آزر وهو يعبد الأصنام ، { يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ } ، صوتا ، { وَلَا يُبْصِرُ } ، شيئا ، { وَلَا يُغْنِي عَنْكَ } ، أي لا يكفيك ، { شَيْئًا } .\r[43] { يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ } ، بالله والمعرفة ، { مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي } ، على ديني ، { أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا } ، مستقيما .\r[44] { يا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ } ، لا تطعه فيما يزين لك من الكفر والشرك ، { إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا } ، عاصيا ، كان بمعنى الحال ، أي هو كذلك .","part":5,"page":74},{"id":2075,"text":"[45] { يا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ } ، أي أعلم ، { أَنْ يَمَسَّكَ } ، يصيبك ، { عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ } ، إن أقمت على الكفر ، { فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا } , قرينا في النار .\r[46] { قَالَ } أبوه مجيبا له ، { أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ } ، لئن لم تسكت وترجع عن عيبك آلهتنا وشتمك إياها ، { لَأَرْجُمَنَّكَ } ، قال الكلبي ومقاتل والضحاك : لأشتمنك ولأبعدنك عني بالقول القبيح . قال ابن عباس : لأضربنك . وقال الحسن : لأقتلنك بالحجارة . { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } ، قال الكلبي : اجتنبني طويلا . وقال مجاهد وعكرمة : حينا . وقال سعيد بن جبير : دهرا . أصله المكث ، ومنه يقال : تمليت حينا ، والملوان : الليل والنهار . وقال قتادة وعطاء : سالما . وقال ابن عباس : اعتزلني سالما لا تصيبك مني معرة ، يقال : فلان ملي بأمر كذا إذا كان كافيا .","part":5,"page":75},{"id":2076,"text":"[47] { قَالَ } إبراهيم ، { سَلَامٌ عَلَيْكَ } , أي سلمت مني لا أصيبك بمكروه ، وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره . وقيل : هذا سلام هجران ومفارقة . وقيل : سلام بر ولطف ، هو جواب الحليم للسفيه . قال الله تعالى : { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } . { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي } ، قيل . إنه لما أعياه أمره ووعده أن يراجع الله فيه ، فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له ، معناه سأسأل الله تعالى لك توبة تنال بها المغفرة . { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } ، برا لطيفا . قال الكلبي : عالما يستجيب لي إذا دعوته . قال مجاهد : عودني الإجابة لدعائي .\r[48] { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، أي : أعتزل ما تعبدون من دون الله . قال مقاتل : كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من كوثى ، فهاجر منها إلى الأرض المقدسة ، { وَأَدْعُو رَبِّي } ، أي أعبد ربي ، { عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا } ، أي عسى ألا أشقى بدعائه وعبادته ، كما أنتم تشقون بعبادة الأصنام . وقيل : عسى أن يجيبني إذا دعوته ولا يخيبني .","part":5,"page":76},{"id":2077,"text":"[49] { فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، فذهب مهاجرا .\r[50] { وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا } أي : نعمتنا . قال الكلبي : المال والولد ، وهو قول الأكثرين ، قالوا معناه : ما بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق . وقيل : الكتاب والنبوة ، { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا } ، يعني ثناء حسنا رفيعا في كل أهل الأديان ، فكلهم يتولونهم ويثنون عليهم .","part":5,"page":77},{"id":2078,"text":"[51] قوله عز وجل : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا } ، غير مراء أخلص العبادة والطاعة لله عز وجل . وقرأ أهل الكوفة ميم مخلصا بفتح اللام أي مختارا اختاره الله عز وجل . وقيل : أخلصه الله من الدنس { وكان رسولا نبيا } .\r[52] { وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ } ، يعني يمين موسى ، والطور : جبل بين مصر ومدين . ويقال اسمه الزبير ، وذلك حين أقبل من مدين ورأى النار { أَنْ يا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } . { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } ، أي : مناجيا ، فالنجي المناجي ، كما يقال : جليس ونديم . قال ابن عباس : معناه قربه فكلمه ، ومعنى التقريب إسماعه كلامه . وقيل : رفعه على الحجب حتى سمع صرير القلم .\r[53] { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } ، وذلك حين دعا موسى فقال : { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي }{ هَارُونَ أَخِي } ، فأجاب الله دعاءه وأرسل إلى هارون ، ولذلك سماه هبة له .","part":5,"page":78},{"id":2079,"text":"[54] { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ } ، وهو إسماعيل بن إبراهيم جد النبي صلى الله عليه وسلم { إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ } ، قال مجاهد : لم يعد شيئا إلا وفى به { وَكَانَ رَسُولًا } ، إلى جرهم ، { نَبِيًّا } ، مخبرا عن الله عز وجل .\r[55] { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ } أي : قومه . وقيل : أهله وجميع أمته ، { بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ } ، قال ابن عباس : يريد التي افترضها الله تعالى عليهم ، وهي الحنيفية التي افترضت علينا ، { وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا } ، قائما لله بطاعته . وقيل : رضيه الله عز وجل لنبوته ورسالته .\r[56] قوله : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ } ، هو جد أبي نوح ، واسمه : أخنوخ ، سمي إدريس لكثرة درسه الكتب . وكان خياطا وهو أول من خط بالقلم ، وأول من خاط الثياب ، ولبس الثياب المخيطة ، وكانوا من قبله يلبسون الجلود ، وأول من اتخذ السلاح, وقاتل الكفار ، وأول من نظر في علم النجوم والحساب ، { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } .","part":5,"page":79},{"id":2080,"text":"[57] { وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } ، قيل : هي الجنة . وقيل : هي الرفعة بعلو الرتبة في الدنيا . وقيل : إنه رفع إلى السماء الرابعة .\r[58] { أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ } ، أي إدريس ونوحا ، { وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } ، أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة ، يريد إبراهيم لأنه ولد سام بن نوح ، { وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ } ، يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب ، قوله : { وَإِسْرَائِيلَ } ، أي ومن ذرية إسرائيل وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى ، { وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا } ، هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا ، { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } ، سجدا جمع ساجد وبكيا جمع باك ، أخبر الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سجدوا وبكوا .","part":5,"page":80},{"id":2081,"text":"[59] قوله تعالى : { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } ، أي : من بعد النبيين المذكورين خلف وهم قوم سوء والخلف بالفتح الصالح وبالجزم الطالح قال السدي : أراد بهم اليهود ومن لحق بهم . وقال مجاهد وقتادة : هم قوم في هذه الأمة ، { أَضَاعُوا الصَّلَاةَ } ، تركوا الصلاة المفروضة . وقال ابن مسعود وإبراهيم : أخروها عن وقتها وقال سعيد بن المسيب : هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا العصر حتى تغرب الشمس ، { وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ } ، أي المعاصي وشرب الخمر ، أي آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله . وقال مجاهد : هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزوا بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة . { فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } ، قال ابن وهب : الغي نهر في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه . وقال ابن عباس : الغي واد في جهنم ، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد للزاني المصر عليه ، ولشارب الخمر المدمن عليها ، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ، ولأهل العقوق ولشاهد الزور ، ولا مرأة أدخلت على زوجها ولدا ، وقال عطاء : الغي واد في جهنم يسيل قيحا ودما . وقال كعب : هو واد في جهنم أبعدها قعرا ، وأشدها حرا فيه بئر تسمى الهيم ، كلما خبت","part":5,"page":81},{"id":2082,"text":"جهنم فتح الله تلك البئر فيسعر بها جهنم وقال الضحاك : غيا وخسرانا . وقيل : هلاكا . وقيل : عذابا . وقوله : { فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } ليس مراده يرون فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الروية .\r[60] { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا } .\r[61] { جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ } ، ولم يروها ، { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا } ، يعني أتيا مفعول بمعنى فاعل . وقيل : لم يقل أتيا لأن كل من أتاك فقد أتته ، والعرب لا تفرق بين قول القائل أتت علي خمسون سنة وبين قوله أتيت على خمسين سنة ، ويقول : وصل إلي الخير ووصلت إلى الخير ، قال ابن جرير : وعده أي موعوده ، وهو الجنة مأتيا يأتيه أولياؤه وأهل طاعته .","part":5,"page":82},{"id":2083,"text":"[62] { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا } ، في الجنة { لَغْوًا } ، باطلا وفحشا وفضولا من الكلام . وقال مقاتل : هو اليمين الكاذبة ، { إِلَّا سَلَامًا } ، استثناء من غير جنسه يعني بل يسمعون فيها سلاما أي قولا يسلمون منه ، والسلام اسم جامع للخير لأنه يتضمن السلامة ، معناه إن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم, إنما يسمعون ما يسلمهم . وقيل : هو تسليم بعضهم على بعض وتسليم الملائكة عليهم . وقيل : هو تسليم الله عليهم ، { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } ، قال أهل التفسير : ليس في الجنة ليل يعرف به البكرة والعشي ، بل هم في نور أبدا ولكنهم يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار . وقيل : إنهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب ، ووقت الليل بإرخاء الحجب . وقيل : المراد منه رفاهية العيش وسعة الرزق من غير تضييق ، وكان الحسن البصري يقول : كانت العرب لا تعرف من العيش أفضل من الرزق بالبكرة والعشي ، فوصف الله عز وجل أهل جنته بذلك .","part":5,"page":83},{"id":2084,"text":"[63] { تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا } أي : نعطي وننزل . وقيل : يورث عباده المؤمنين المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا ، { مَنْ كَانَ تَقِيًّا } ، أي المتقين من عباده .","part":5,"page":84},{"id":2085,"text":"[64] { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ } عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ » فنزلت { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا } الآية : قال : كان هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم (1) . وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل والكلبي : « احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ، فقال : أخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله ، حتى شق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ، تم نزل بعد أيام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك \" ، فقال له جبريل : إني كنت أشوق ، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست ، فأنزل الله { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ } وأنزل : { وَالضُّحَى } /403 L93 L2 L2 /403 وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } . »{ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ } ، أي له علم ما بين أيدينا ، واختلفوا فيه فقال سعيد بن جبير\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 428 وفي التوحيد 13 / 440 والمصنف في شرح السنة 13 / 325 .","part":5,"page":85},{"id":2086,"text":"وقتادة ومقاتل : ما بين أيدينا من أمر الآخرة والثواب والعقاب ، وما خلفنا ما مضى من الدنيا وما بين ذلك ما يكون هذا من الوقت إلى قيام الساعة ، وقيل : ما بين أيدينا من أمر الآخرة وما خلفنا من أمر الدنيا وما بين ذلك أي ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة . وقيل : ما بين أيدينا ما بقي من الدنيا وما خلفنا ما مضى منها ، وما بين ذلك مدة حياتنا . وقيل : ما بين أيدينا بعد أن نموت وما خلفنا قبل أن نخلق وما بين ذلك مدة الحياة . وقيل : ما بين أيدينا من الأرض إذا أردنا النزول إليها وما خلفنا السماء إذا نزلنا منها ، وما بين ذلك الهواء يريد أن ذلك كله لله عز وجل فلا نقدر على شيء إلا بأمره . { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } ، أي ناسيا ، يقول : ما نسيك ربك أي ما تركك ، والناسي التارك .\r[65] { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ } أي اصبر على أمره ونهيه ، { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : مثلا . وقال سعيد بن جبير : عدلا . وقال الكلبي . هل تعلم أحدا يسمى الله غيره .","part":5,"page":86},{"id":2087,"text":"[66] { وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ } ، يعني أبي بن خلف الجمحي كان منكرا للبعث ، قال : { أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا } ، من القبر ، قاله استهزاء وتكذيبا للبعث .\r[67] قال الله عز وجل : { أَوَلَا يَذْكُرُ } ، أي يتذكر ويتفكر ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب يذكر خفيف ، { الْإِنْسَانُ } ، يعني أبي بن خلف { أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا } ، أي لا يتفكر هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على الإعادة ، ثم أقسم بنفسه ، فقال :\r[68] { فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ } أي لنجمعنهم في المعاد يعني المشركين المنكرين للبعث ، { وَالشَّيَاطِينَ } ، مع الشياطين ، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة ، { ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ } ، قيل : في جهنم ، { جِثِيًّا } ، قال ابن عباس رضي الله عنه : جماعات ، جمع جثوة ، وقال الحسن والضحاك : جمع جاث أي جاثين على الركب . قال السدي : قائمين على الركب لضيق المكان .","part":5,"page":87},{"id":2088,"text":"[69] { ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ } ، لنخرجن ، { مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ } ، أي من كل أمة وأهل دين من الكفار . { أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا } ، عتوا قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني جرأة . وقال مجاهد : فجورا يريد الأعتى فالأعتى . وقال الكلبي : قائدهم ورأسهم في الشر يريد أنه يقدم في إدخال النار من هو أكبر جرما وأشد كفرا . وفي بعض الآثار أنهم يحضرون جميعا حول جهنم مسلمين مغلولين ، ثم يقدم الأكفر فالأكفر ورفع أيهم على معنى الذي ، يقال لهم : أيهم أشد على الرحمن عتيا . وقيل على الاستئناف ، ثم لننزعن يعمل في موضع من كل شيعة .\r[70] { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا } ، أي أحق بدخول النار ، يقال : صلي يصلى صليا مثل لقي يلقى لقيا ، صلى يصلي صليا مثل مضى يمضي مضيا إذا دخل النار وقاسى حرها .","part":5,"page":88},{"id":2089,"text":"[71] { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا } ، أي وما منكم إلا واردها, وقيل : القسم في مضمر أي والله ما منكم من أحد إلا واردها, والورود هو موافاة المكان, واختلفوا في الورود هاهنا وفيما تنصرف إليه الكناية في قوله : { وَارِدُهَا } قال ابن عباس رضي الله عنه وهو قول الأكثرين معنى الورود هاهنا هو الدخول ، والكناية راجعة إلى النار ، وقالوا : النار يدخلها البر والفاجر ، ثم ينجي الله المتقين ، فيخرجهم منها ، والدليل على أن الورود هو الدخول قول الله عز وجل حكاية عن فرعون : { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ } وقال قوم : ليس المراد من الورود الدخول, وقالوا : النار لا يدخلها مؤمن أبدا, لقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ }{ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا } , وقالوا : كل من دخلها لا يخرج منها, والمراد من قوله : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا } , الحضور والرؤية, لا الدخول, كما قال تعالى : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ } أراد به الحضور . وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أنه قال : وإن منكم إلا واردها يعني","part":5,"page":89},{"id":2090,"text":"القيامة والكناية راجعة إليها ، والأول أصح ، وعليه أهل السنة أنهم جميعا يدخلون النار ثم يخرج الله عز وجل منها أهل الإيمان ، بدليل قوله تعالى : { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا } ، أي اتقوا الشرك ، وهم المؤمنون . والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه لا ما وردت والدليل على هذا ما ورد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم » (1) وأراد بالقسم قوله : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا } . عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير . ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير » (2) ، وقال أبان عن قتادة \" من إيمان \" مكان \" خير \" وأما قوله عز وجل : { لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا } قيل : إن الله عز وجل أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنهم لا يسمعون حسيسها فيجوز أن يكون قد سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة ، لأنه لم يقل لم يسمعوا حسيسها ويجوز ألا يسمعوا حسيسها عند دخولهم إياها ، لأن الله عز وجل يجعلها\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور 11 / 541 ومسلم في البر والصلة برقم ( 2632 ) 4 / 2028 .\r(2) أخرجه البخاري في الإيمان 1 / 103 ومسلم في الإيمان رقم ( 192 ) 1 / 182 .","part":5,"page":90},{"id":2091,"text":"عليهم بردا وسلاما . { كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا } ، أي كان ورودكم جهنم حتما لازما مقضيا قضاه الله عليكم .\r[72] { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا } ، أي اتقوا الشرك ، وقرأ الكسائي ( ننجي ) بالتخفيف ، والباقون بالتشديد { وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا } ، جميعا . وقيل : جاثين على الركب ، وفيه دليل على أن الكل دخلوها ثم أخرج الله منها المتقين ، وترك فيها الظالمين ، وهم المشركون .\r[73] { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } ، واضحات ، { قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، يعني النضر بن الحارث وذويه من قريش ، { لِلَّذِينَ آمَنُوا } ، يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة ، وكان المشركون يرجلون أشعارهم ويدهنون رءوسهم ويلبسون ثيابهم ، فقالوا للمؤمنين : { أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا } ، منزلا ومسكنا ، وهو موضع الإقامة ، وقرأ ابن كثير : ( مقاما ) بضم الميم أي إقامة ، { وَأَحْسَنُ نَدِيًّا } ، أي مجلسا ، ومثله النادي ، فأجابهم الله تعالى فقال :","part":5,"page":91},{"id":2092,"text":"[74] { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا } ، أي متاعا وأموالا . وقال مقاتل : لباسا وثيابا ، { وَرِئْيًا } ، قرأ أكثر القراء بالهمز أي منظرا من الرؤية ، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ونافع غير ورش ريا مشددا بغير همز ، وله تفسيران ، أحدهما : هو الأول بطرح الهمز والثاني من الري الذي هو ضد العطش ، ومعناه الارتواء من النعمة ، فإن المتنعم يظهر فيه ارتواء النعمة ، والفقير يظهر عليه ذيول الفقر .\r[75] { قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا } ، هذا أمر بمعنى الخبر ، معناه يدعه في طغيانه ويمهله في كفره ، { حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ } ، وهو الأسر والقتل في الدنيا ، { وَإِمَّا السَّاعَةَ } ، يعني القيامة فيدخلون النار ، { فَسَيَعْلَمُونَ } ، عند ذلك { مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا } ، منزلا ، { وَأَضْعَفُ جُنْدًا } ، أقل ناصرا أهم أم المؤمنون ؟ لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة . وهذا رد عليهم في قوله : { أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا } .","part":5,"page":92},{"id":2093,"text":"[76] { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } ، أي إيمانا وإيقانا على يقينهم ، { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } ، الأذكار والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها ، { خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا } عاقبة ومرجعا .","part":5,"page":93},{"id":2094,"text":"[77] قوله : { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا } عن مسروق حدثنا خباب قال : كنت قينا فعملت للعاص بن وائل فاجتمع مالي عنده فأتيته أتقاضاه ، فقال : لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : أما والله حتى تموت ثم تبعث ، قال : وإني لميت ثم مبعوث ؟ قلت : نعم ، قال : إنه سيكون لي ثم مال وولد فأقضيك ، فأنزل الله عز وجل : { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا } (1) .\r[78] { أَطَّلَعَ الْغَيْبَ } ، قال ابن عباس : أنظر في اللوح المحفوظ ؟ وقال مجاهد : أعلم الغيب حتى يعلم في الجنة هو أم لا ؟ { أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } ، يعني قال : لا إله إلا الله . وقال قتادة : يعني أعمل عملا صالحا قدمه ؟ وقال الكلبي : أعهد إليه أن يدخل الجنة .\r[79] { كَلَّا } ، رد عليه يعني لم يفعل ذلك ، { سَنَكْتُبُ } ، سنحفظ عليه ، { مَا يَقُولُ } ، فنجازيه به في الآخرة . وقيل : نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول . { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا } ، أي نزيده عذابا فوق العذاب . وقيل : نطيل مدة عذابه .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 430 .","part":5,"page":94},{"id":2095,"text":"[80] { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } ، أي ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه وقوله ما يقول لأنه زعم أن له مالا وولدا في الآخرة ، أي لا نعطيه ونعطي غيره فيكون الإرث راجعا إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول . وقيل : معنى قوله : { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } أي : نحفظ ما يقول حتى نجازيه به ، { وَيَأْتِينَا فَرْدًا } ، يوم القيامة لا مال ولا ولد .\r[81] { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً } يعني مشركي قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها ، { لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } ، أي منعة ، يعني يكونون لهم شفعاء يمنعونهم من العذاب .\r[82] { كَلَّا } ، أي ليس الأمر كما زعموا ، { سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ } ، أي يجحد الأصنام والآلهة التي كانوا يعبدونها عبادة المشركين ويتبرءون منهم ، كما أخبر الله تعالى : { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } ، { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } أي أعداء لهم ، وكانوا أولياءهم في الدنيا . وقيل : أعوانا عليهم يكذبونهم ويلعنونهم .","part":5,"page":95},{"id":2096,"text":"[83] { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ } ، أي سلطناهم عليهم وذلك حين قال لإبليس : { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } ، الآية { تَؤُزُّهُمْ أَزًّا } ، تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية ، والأز والهز التحريك أي تحركهم وتحثهم على المعاصي .\r[84] { فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ } , أي لا تطلب عقوبتهم ، { إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا } ، قال الكلبي : يعني الليالي والأيام والشهور والأعوام . وقيل : الأنفاس التي يتنفسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجل لعذابهم .\r[85] قوله : { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا } أي اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجتمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته { إِلَى الرَّحْمَنِ } أي إلى جنته وفدا أي جماعات جمع وافد ، مثل راكب وركب . وصاحب وصحب . وقال ابن عباس : ركبانا . وقال أبو هريرة : على الإبل . وقال علي بن أبي طالب : ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن على نوق رحالها الذهب ونجائب سرجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن هموا بها طارت .","part":5,"page":96},{"id":2097,"text":"[86] { وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ } ، الكافرين الكاذبين ، { إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا } ، أي مشاة . وقيل : عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش . والورد جماعة يردون الماء ولا يرد أحد الماء إلا بعد عطش .\r[87] { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } ، يعني لا إله إلا الله . وقيل : معناه لا يشفع الشافعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا يعني المؤمنين ، كقوله : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ } ، وقيل : لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله أي لا يشفع إلا المؤمن .","part":5,"page":97},{"id":2098,"text":"[88] { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا } ، يعني اليهود والنصارى ، ومن زعم أن الملائكة بنات الله ، وقرأ حمزة والكسائي ( ولدا ) بضم الواو وسكون اللام هاهنا وفي الزخرف وسورة نوح ، ووافق ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في سورة نوح ، والباقون بفتح الواو هاهنا ، وهما لغتان مثل العرب والعرب العجم والعجم .\r[89] { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا } ، قال ابن عباس : منكرا . وقال قتادة ومجاهد : عظيما . وقال مقاتل : لقد قلتم قولا عظيما . والإد في كلام العرب أعظم الدواهي .","part":5,"page":98},{"id":2099,"text":"[90] { تَكَادُ السَّمَاوَاتُ } ، قرأ نافع والكسائي يكاد بالياء هاهنا وفي حمعسق لتقدم الفعل ، وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث السماوات ، { يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } ، ها هنا وفي حمعسق بالنون من الانفطار ، أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب وافق ابن عامر وحمزة هاهنا لقوله تعالى : { إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ } و { السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ } ، وقرأ الباقون بالتاء من التفطير ومعناهما واحد ، يقال : انفطر الشيء وتفطر أي تشقق ، { وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا } ، أي : تنكسر كسرا . وقيل : تنشق الأرض أي تنخسف بهم ، والانفطار في السماء أن تسقط عليهم وتخر الجبال هدا أي تنطبق عليهم .\r[91] { أَنْ دَعَوْا } ، أي من أجل أن جعلوا .\r[ { لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا } ] ، قال ابن عباس وكعب : فزعت السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين ، وكادت أن تزول وغضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا : اتخذ الله ولدا ، ثم نفى الله عن نفسه الولد فقال :\r[92] { وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا } ، أي ما يليق به اتخاذ الولد ولا يوصف به .","part":5,"page":99},{"id":2100,"text":"[93] { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ } ، أي إلا آتيه يوم القيامة ، { عَبْدًا } ذليلا خاضعا يعني الخلق كلهم عبيده .\r[94] { لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا } أي عد أنفاسهم وأيامهم وآثارهم ، فلا يخفى عليه شيء .\r[95] { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } وحيدا ليس معه من الدنيا شيء .\r[96] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا } أي : محبة . قال مجاهد : يحبهم الله ويحببهم إلى عباده المؤمنين . عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إذا أحب الله العبد قال لجبرائيل : قد أحببت فلانا فأحبُّه ، فيحبه جبرائيل ، ثم ينادي في أهل السماء : إن الله عز وجل قد أحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض ، وإذا أبغض العبد » قال مالك : لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك (1) .\r_________\r(1) أخرجه مالك في الموطأ 2 / 953 والبخاري في الأدب 10 / 461 ومسلم في البر والصلة رقم (2637) 4 / 2030 .","part":5,"page":100},{"id":2101,"text":"[97] { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ } ، أي سهلنا القرآن بلسانك يا محمد ، { لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ } ، يعني المؤمنين ، { وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا } شدادا في الخصومة ، جمع الألد . وقال الحسن : صما عن الحق ، قال مجاهد : الألد الظالم الذي لا يستقيم . قال أبو عبيدة : الألد الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل .\r[98] { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ } ، هل ترى ، وقيل : هل تجد { مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا } ، أي صوتا ، والركز : الصوت الخفي ، قال الحسن : أي بادوا جميعا فلم يبق منهم عين ولا أثر .","part":5,"page":101},{"id":2102,"text":"(20) سورة طه\r[1] { طه } ، قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء ، وبكسرهما حمزة والكسائي وأبو بكر ، والباقون بفتحهما ، قيل : هو قسم . وقيل : اسم من أسماء الله تعالى . وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك : معناه يا رجل . وقال قتادة : هو يا رجل بالسريانية . وقال الكلبي : هو يا إنسان بلغة عك . وقال مقاتل : معناه طأ الأرض بقدميك يريد في التهجد . وقال محمد بن كعب القرظي : هو قسم أقسم الله عز وجل بطوله وهدايته . قال سعيد بن جبير : الطاء افتتاح اسمه طاهر والهاء افتتاح اسمه هاد ، قال الكلبي : لما نزل على رسول الله صلي الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه وكان يصلي الليل كله فأنزل الله هذه الآية ، وأمره أن يخفف على نفسه فقال :\r[2] { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } ، وقيل : لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا : ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك ، فنزلت { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } أي لتعني وتتعب ، وأصل الشقاء في اللغة العناء .","part":5,"page":102},{"id":2103,"text":"[3] { إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى } ، أي لكن أنزلناه عظة لمن يخشى . وقيل : تقديره ما أنزل عليك القرآن لتشقى ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى .\r[4] { تَنْزِيلًا } ، بدل من قوله تذكرة ، { مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ } أي من الله الذي خلق الأرض ، { وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا } ، يعني العالية الرفيعة وهي جمع العليا كقولهم كبرى وصغرى وصغر .\r[5] { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }\r[6] { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } ، يعني الهواء ، { وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } ، والثرى هو التراب الندي .","part":5,"page":103},{"id":2104,"text":"[7] { وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ } ، أي تعلن به { فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } ، قال الحسن : السر ما أسره الرجل إلى غيره ، وأخفى من ذلك ما أسر من نفسه . وعن ابن عباس وسعيد بن جبير : السر ما تسر في نفسك وأخفى من السر ما يلقيه الله عز وجل في قلبك من بعد ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك لأنك تعلم ما تسر به اليوم وما تعلم ما تسر به غدا ، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسر به غدا . قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : السر ما أسر ابن آدم في نفسه ، والخفي ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعمله .\rوقال مجاهد : السر : العمل الذي تسره من الناس ، وأخفى : الوسوسة . وقيل : السر هو العزيمة وأخفى ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه . وقال زيد بن أسلم : يعلم السر وأخفى أي يعلم أسرار العباد ، وأخفى سره من عباده فلا يعلمه أحد ، ثم وحد نفسه ، فقال :\r[8] { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } .\r[9] { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } ، أي قد أتاك استفهام بمعنى التقرير .","part":5,"page":104},{"id":2105,"text":"[10] { إِذْ رَأَى نَارًا } ، وذلك أن موسى استأذن شعيبا في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة والدته وأخته ، فأذن له فخرج بأهله وماله ، وكانت أيام الشتاء فسار في البرية غير عارف بطرقها ، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور { فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا } ، أقيموا ، قرأ حمزة بضم الهاء ههنا وفي القصص ، { إِنِّي آنَسْتُ } ، أي أبصرت ، { نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ } ، قطعة من نار ، والقبس قطعة من نار يأخذها في طرف عمود { أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } ، أي أجد عند النار من يدلني على الطريق .\r[11] { فَلَمَّا أَتَاهَا } قال أهل التفسير : لم يكن الذي رآه موسى نارًا بل كان نورًا ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا . وقال أكثر المفسرين : إنه نور الرب عز وجل ، وقال سعيد بن جبير : هي النار بعينها وهي إحدى حجب الله تعالى ، يدل عليه ما روينا عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : « حجابه النار لو كشفها الله لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » (1) { نُودِيَ يا مُوسَى } .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الايمان برقم (179) 1 / 161 .","part":5,"page":105},{"id":2106,"text":"[12] { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ } ، قرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ، \" أني\" بفتح الألف على معنى : نودي بأني ، وقرأ الآخرون بكسر الألف أي نودي ، فقيل : إني أنا ربك { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ } ، أي المطهر ، { طُوًى } ، وطوى اسم الوادي وقال الضحاك : طوى واد مستدير عميق مثل الطوى في استدارته .","part":5,"page":106},{"id":2107,"text":"[13] { وَأَنَا اخْتَرْتُكَ } ، اصطفيتك برسالاتي ، قرأ حمزة وأنّا مشددة النون ، اخترناك على التعظيم { فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } ، إليك .\r[14] { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي } ، ولا تعبد غيري ، { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } ، قال مجاهد : أقم الصلاة لتذكرني بها ، وقال مقاتل : إذا تركت صلاة ثم ذكرتها ، فأقمها .\r[15] { إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } ، قيل : معناه إن الساعة آتية أخفيها وأكاد صلة وأكثر المفسرين قالوا : معناه أكاد أخفيها من نفسي وذكر ذلك على عادة العرب إذا بالغوا في كتمان الشيء يقولون : كتمت سرك من نفسي أي أخفيته غاية الإخفاء والله تعالى لا يخفى عليه شيء ، وقال : أكاد أي أريد ، ومعنى الآية : إن الساعة آتية أريد أخفيها ، والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت ، وقرأ الحسن بفتح الألف أي أظهرها ، يقال : خفيت الشيء إذا أظهرته وأخفيته إذا سترته ، وقوله تعالى : { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } ، أي تعمل من خير وشر .","part":5,"page":107},{"id":2108,"text":"[16] { فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا } ، فلا يصرفنك عن الإيمان بالساعة ، { مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } ، مراده خالف أمر الله { فَتَرْدَى } ، أي فتهلك .\r[17] قوله عز وجل : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسَى } ، سؤال تقرير والحكمة في هذا السؤال تنبيهه وتوقيفه على أنها عصا حتى إذا قلبها حية علم أنه معجزة عظيمة ، وهذا على عادة العرب يقول الرجل لغيره : هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه ، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه .","part":5,"page":108},{"id":2109,"text":"[18] { قَالَ هِيَ عَصَايَ } ، قيل : وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان ولها محجن { أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا } ، أعتمد عليها إذا مشيت وإذا عييت وعند الوثبة ، { وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي } ، أضرب بها الشجرة اليابسة ليسقط ورقها فترعاه الغنم ، وقرأ عكرمة (وأهس) بالسين غير المعجمة ، أي أزجر بها الغنم ، والهس زجر الغنم ، { وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } ، حاجات ومنافع أخرى ، جمع مأربة بفتح الراء ، ولم يقل (أخر) لرؤوس الآي ، وأراد بالمأرب ما يستعمل فيه العصا في السفر ، فكان يحمل بها الزاد ويشد بها الحبل فيستقي الماء من البئر ، ويقتل بها الحيات ويحارب بها السباع ، ويستظل بها إذا قعد وغير ذلك .\r[19] { قَالَ } ، الله تعالى ، { أَلْقِهَا يا مُوسَى } ، انبذها ، قال وهب : ظن موسى أنه يقول ارفضها .","part":5,"page":109},{"id":2110,"text":"[20] { فَأَلْقَاهَا } ، على وجه الرفض ثم حانت منه نظرة ، { فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ } ، صفراء من أعظم ما يكون من الحيات ، { تَسْعَى } تمشي بسرعة على بطنها وقال في موضع آخر : { كَأَنَّهَا جَانٌّ } وهي الحية الصغيرة الخفيفة الجسم ، وقال في موضع : { ثُعْبَانٌ } ، وهو أكبر ما يكون من الحيات ، فأما الحية فإنها تجمع الصغير والكبير والذكر والأنثى ، وقيل : الجان عبارة عن ابتداء حالها فإنها كانت حية على قدر العصا ثم كانت تتورم وتنتفخ حتى صارت ثعبان ، والثعبان عبارة عن انتهاء حالها ، وقيل : إنها كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان . قال محمد بن إسحاق : نظر موسى فإذا العصا حية من أعظم ما يكون من الحيات فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا وهرب ، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ، ثم نودي أن يا موسى أقبل وارجع حيث كنت ، فرجع وهو شديد الخوف .\r[21] { قَالَ خُذْهَا } ، بيمينك ، { وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى } ، هيئتها الأولى أي نردها عصا كما كانت ، قال المفسرون : أراد الله عز وجل أن يري موسى ما أعطاه من الآية التي لا يقدر عليها مخلوق لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون .","part":5,"page":110},{"id":2111,"text":"[22] قوله تعالى : { وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ } ، يعني إبطك ، قال مجاهد : تحت عضدك ، وجناح الإنسان عضده إلى أصل إبطه ، { تَخْرُجْ بَيْضَاءَ } ، نيرة مشرقة ، { مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } ، من غير عيب ، والسوء ههنا بمعنى البرص . قال ابن عباس : كان ليده نور ساطع يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر ، { آيَةً أُخْرَى } ، يعني دلالة أخرى على صدقك سوى العصا .\r[23] { لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى } ، ولم يقل الكبر لرؤوس الآي وقيل : فيه إضمار معناه لنريك من آياتنا الكبرى ، دليله قول ابن عباس : كانت يد موسى أكبر آياته .\r[24] قوله تعالى : { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } ، يعني جاوز الحد في العصيان والتمرد ، فادعه إلى عبادتي .\r[25] { قَالَ } ، موسى ، { رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي } ، وسعه للحق ، قال ابن عباس : يريد حتى لا أخاف غيرك ، وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفا شديدا لشدة شوكته وكثرة جنوده ، وكان يضيق صدرًا بما كلف من مقاومة فرعون وجنده فسأل الله أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحدا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله وإذا علم ذلك لم يخف من فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده .","part":5,"page":111},{"id":2112,"text":"[26] { وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي } ، يعني سهل علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون .\r[27 ، 28] { وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي }{ يَفْقَهُوا قَوْلِي } ، يقول : احلل العقدة كي يفقهوا كلامي .\r[29] { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا } ، معينًا وظهيرًا ، { مِنْ أَهْلِي } والوزير من يوازرك ويعينك ويتحمل عنك بعض ثقل عملك ، ثم بين من هو فقال :\r[30] { هَارُونَ أَخِي } ، وكان هارون أكبر من موسى بأربع سنين وكان أفصح منه لسانًا وأجمل وأوسم ، أبيض اللون ، وكان موسى آدم أقنى أجعد .\r[31] { اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي } ، قوِّ به ظهري .\r[32] { وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي } ، يعني في النبوة وتبليغ الرسالة ، وقرأ ابن عامر (أَشْدُدْ) بفتح الألف (وَأُشْرِكْهُ) بضمها على الجواب حكاية عن موسى يعني أفعل ذلك ، وقرأ الآخرون على الدعاء ، والمسألة عطفا على ما تقدم من قوله : { رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي }{ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي } .\r[33] { كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا } ، قال الكلبي : نصلي لك كثيرا .\r[34] { وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا } ، نحمدك ونثني عليك بما أوليتنا من نعمك .\r[35] { إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا } ، خبيرًا عليمًا .","part":5,"page":112},{"id":2113,"text":"[36] { قَالَ } ، الله تعالى { قَدْ أُوتِيتَ } ، أعطيت ، { سُؤْلَكَ } ، جميع ما سألته ، { يا مُوسَى } .\r[37] { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ } ، أنعمنا عليك ، { مَرَّةً أُخْرَى } ، يعني قبل هذه المرة وهي .\r[38] { إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ } ، وحي إلهام ، { مَا يُوحَى } ، ما يلهم . ثم فسر ذلك الإلهام وعدد نعمه عليك فقال :","part":5,"page":113},{"id":2114,"text":"[39] { أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ } ، يعني ألهمناها أن اجعليه في التابوت ، { فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ } ، يعني نهر النيل ، { فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ } ، يعني شاطئ النهر ، لفظه أمر ومعناه خبر ، ومجازه حتى يلقيه اليم بالساحل ، { يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ } ، يعني فرعون ، فاتخذت تابوتًا ووضعت فيه موسى ثم ألقته في النيل ، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون ، فبينما فرعون جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ تابوت يجيء به الماء فأمر الغلمان والجواري بإخراجه ، فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجهًا ، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك ؛ فذلك قوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي } ، قال ابن عباس : أحبه وحببه إلى خلقه . قال عكرمة : ما رآه أحد إلا أحبه . قال قتادة : ملاحة كانت في عيني موسى ، ما رآه أحد إلا عشقه { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ، يعني لتربى بمرآي ومخطر مني ، قرأ أبو جعفر وَلِتُصْنَعَ بالجزم .","part":5,"page":114},{"id":2115,"text":"[40] { إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ } ، واسمها مريم متعرفة خبره ، { فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ } ، يعني على امرأة ، ترضعه وتضمه إليها ، وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة ، فلما قالت ذلك لهم أخته ، قالوا : نعم ، فجاءت بالأم فقبل ثديها ، فذلك قوله تعالى : { فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا } ، بلقائك ، { وَلَا تَحْزَنَ } , أي ليذهب عنها الحزن ، { وَقَتَلْتَ نَفْسًا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان قتل قبطيًّا كافرًا . قال كعب الأحبار : كان إذْ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة, { فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ } ، أي من غم القتل وكربه, { وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } ، قال ابن عباس رضي الله عنه . اختبرناك اختبارًا . وقال الضحاك ومقاتل : ابتليناك ابتلاءً . وقال مجاهد : أخلصناك إخلاصا .","part":5,"page":115},{"id":2116,"text":"وعن ابن عباس في رواية سعيد بن جبير : أن الفتون وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها ، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال ، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت ، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه ، ثم أخذ بلحية فرعون حتى هم بقتله ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ، ثم قتله القبطي ، وخروجه إلى مدين خائفًا ، فكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير ، فعلى هذا معنى فتناك : خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب من النار فيخلص من كل خبث فيه ، والفتون مصدر { فَلَبِثْتَ } ، فمكثت أي فخرجت من أرض مصر إلى مدين فلبثت ، { سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ } ، يعني ترعى الأغنام عشر سنين ، ومدين بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر ، هرب إليها موسى { ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يا مُوسَى } ، قال مقاتل : على موعد ولم يكن هذا الموعد مع موسى وإنما كان موعدًا في تقدير الله ، قال محمد بن كعب : جئت على القدر الذي قدرت لك أنك تجيء إلي فيه . وقال عبد الرحمن بن كيسان : على رأس أربعين سنة ، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء ، وهذا معنى قول أكثر المفسرين ، أي على الموعد الذي وعده الله وقدره أنه","part":5,"page":116},{"id":2117,"text":"يوحى إليه بالرسالة ، وهو أربعون سنة .\r[41] قوله عز وجل : { وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } ، أي اخترتك واصطفيتك لوحيي ورسالتي ، يعني لتتصرف على إرادتي ومحبتي وذلك أن قيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله ومحبته ، قال الزجاج : اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي ، كأني الذي أقمت بك عليهم الحجة وخاطبتهم .\r[42] { اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي } ، بدلالاتي ، وقال ابن عباس : يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى { وَلَا تَنِيَا } ، ولا تضعفا ، وقال السدي : لا تفترا . وقال محمد بن كعب : لا تقصرا ، { فِي ذِكْرِي } .","part":5,"page":117},{"id":2118,"text":"[43 ، 44] { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى }{ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا } ، يقول دارياه وارفقا به ، قال ابن عباس رضي الله عنه : لا تعنفا في قولكما ، وقال السدي وعكرمة : كنياه فقولا يا أبا العباس ، وقيل : يا أبا الوليد وقيل : أمرهما باللطافة في القول لما له من حق التربية وكان هارون يومئذ بمصر ، فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقاه إلى مرحله وأخبره بما أوحى إليه ، { لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } ، أي يتعظ ويخاف ويسلم ، فإن قيل : كيف قال { لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ } وقد سبق في علمه أنه لا يتذكر ولا يسلم؟ قيل : معناه اذهبا على رجاء منكما وطمع وقضاء الله وراء أمركما . وقال الحسين بن الفضل : هو ينصرف إلى غير فرعون مجازه لعله يتذكر ويخشى خاش إذا رأى بري وألطافي بمن خلقته وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية .","part":5,"page":118},{"id":2119,"text":"[45] { قَالَا } ، يعني موسى وهارون ، { رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعجل علينا بالقتل والعقوبة ، يقال : فرط عليه فلان إذا عجل بمكروه ، وفرط منه أمر أي بدر وسبق ، { أَوْ أَنْ يَطْغَى } ، أي يجاوز الحد في الإساءة إلينا .\r[46] { قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } ، قال ابن عباس : أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما فأمنعه لست بغافل عنكما فلا تهتما .\r[47] { فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ } ، أرسلنا إليك ، { فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، أي خلِّ عنهم وأطلقهم من أعمالك ، { وَلَا تُعَذِّبْهُمْ } ، لا تتعبهم في العمل ، وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة ، { قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ } ، قال فرعون : وما هي؟ فأخرج يده لها شعاع كشعاع الشمس ، { وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } ، ليس المراد منه التحية إنما معناه يسلم من عذاب الله من أسلم .","part":5,"page":119},{"id":2120,"text":"[48] { إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } ، أي إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه .\r[49] { قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يا مُوسَى } ، من إلهكما الذي أرسلكما .\r[50] { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } ، قال الحسن وقتادة : أعطى كل شيء صلاحه وهداه لما يصلحه . وقال مجاهد : أعطى كل شيء صورته لم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم ، ولا خلق البهائم كخلق الإنسان ثم هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح . وقال الضحاك : أعطى كل شيء خلقه يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للنظر والأذن للسمع .","part":5,"page":120},{"id":2121,"text":"[51] { قَالَ } فرعون ، { فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى } ، ومعنى البال الحال ، أي ما حال القرون الماضية والأمم الخالية مثل قوم نوح وعاد وثمود فيما تدعونني إليه فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث .\r[52] { قَالَ } ، موسى ، { عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي } ، أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها . وقيل : إنما رد موسى علم ذلك إلى الله لأنه لم يعلم ذلك ، فإن التوراة أنزلت إليه بعد هلاك فرعون وقومه . { فِي كِتَابٍ } ، يعني في اللوح المحفوظ ، { لَا يَضِلُّ رَبِّي } ، أي لا يخطئ . وقيل : لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء ، { وَلَا يَنْسَى } ، ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم وقيل : لا ينسى أي لا يترك الانتقام فينتقم من الكفار ويجازي المؤمن .","part":5,"page":121},{"id":2122,"text":"[53] { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا } ، قرأ أهل الكوفة : (مَهْدًا) ، ههنا وفي الزخرف فيكون مصدرًا أي فرشا ، وقرأ الآخرون : (مِهَادا) ، كقوله تعالى : { أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا } أي فراشا وهو اسم يفرش كالبساط اسم لما يبسط ، { وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا } السلك إدخال الشيء في الشيء والمعنى : أدخل في الأرض لأجلكم طرقًا تسلكونها . قال ابن عباس : سلك لكم فيها طرقًا تسلكونها ، { وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } ، يعني المطر ، تم الإخبار عن موسى . ثم أخبر الله عن نفسه بقوله . { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } ، بذلك الماء { أَزْوَاجًا } ، أصنافا ، { مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى } ، مختلف الألوان والطعوم والمنافع من أبيض وأحمر وأخضر وأصفر ، فكل صنف منها زوج ، فمنها للناس ومنها للدواب .","part":5,"page":122},{"id":2123,"text":"[54] { كُلُوا وَارْعَوْا } أي وارتعوا ، { أَنْعَامَكُمْ } ، تقول العرب : رعيت الغنم فرعت أي أسيموا أنعامكم ترعى ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ } ، الذي ذكرت ، { لِأُولِي النُّهَى } ، لذوي العقول ، واحدتها نهية سميت نهية لأنها تنهى صاحبها عن القبائح والمعاصي . قال الضحاك : لأولي النهى الذي ينتهون عما حرم الله عليهم ، قال قتادة : لذوي الورع .\r[55] { مِنْهَا } أي من الأرض ، { خَلَقْنَاكُمْ } ، يعني أباكم آدم { وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } ، أي عند الموت والدفن ، { وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } ، يوم البعث .\r[56] قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ } ، يعني فرعون ، { آيَاتِنَا كُلَّهَا } ، يعني الآيات التسع التي أعطاها الله موسى ، { فَكَذَّبَ } ، بها وزعم أنها سحر ، { وَأَبَى } ، أن يسلم .\r[57] { قَالَ } ، يعني فرعون { أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا } ، يعني أرض مصر ، { بِسِحْرِكَ يا مُوسَى } ، أي تريد أن تغلب على ديارنا فيكون لك الملك وتخرجنا منها .","part":5,"page":123},{"id":2124,"text":"[58] { فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا } ، أي فاضرب بينا وبينك أجلا وميقاتا ، { لَا نُخْلِفُهُ } ، قرأ أبو جعفر { لَا نُخْلِفُهُ } جزمًا لا نجاوزه ، { نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى } ، قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب : (سوى) بضم السين ، وقرأ الآخرون بكسرها وهما لغتان مثل عُدًى وعِدًى وطُوًى وطِوًى ، قال مقاتل وقتادة : مكانًا عدلا بيننا وبينك . وعن ابن عباس : نَصَفًا ، ومعناه تستوي مسافة الفريقين إليه . قال أبو عبيدة والقتيبي : وسطًا بين الفريقين . قال مجاهد : منصفا . وقال الكلبي : يعني سوى هذا المكان .\r[59] { قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ } ، قال مجاهد وقتادة ومقاتل والسدي : كان يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون في كل سنة . وقيل : هو يوم النيروز . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : يوم عاشوراء ، { وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } ، أي وقت الضحوة نهارًا جهارًا ليكون أبعد من الريبة .\r[60] { فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ } ، مكره وحيلته وسحرته ، { ثُمَّ أَتَى } ، أي الميعاد .","part":5,"page":124},{"id":2125,"text":"[61] { قَالَ لَهُمْ مُوسَى } ، يعني للسحرة الذين جمعهم فرعون وكانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل واحد حبل وعصا . وقيل : كانوا أربعمائة . وقال كعب : كانوا اثني عشر ألفا . وقيل : أكثر من ذلك ، { وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص : { فَيُسْحِتَكُمْ } بضم الياء وكسر الحاء ، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء وهما لغتان . قال مقاتل والكلبي : فيهلككم . وقال قتادة . فيستأصلكم ، { وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى } .\r[62] { فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } ، أي تناظروا وتشاوروا ، يعني السحرة في أمر موسى سرا من فرعون . قال الكلبي : قالوا سرًّا : إن غلبنا موسى اتبعناه . وقال محمد بن إسحاق : لما قال لهم موسى : لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ، قال بعضهم لبعض : ما هذا بقول السحر . { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى } ، أي المناجاة يكون مصدرا واسما .","part":5,"page":125},{"id":2126,"text":"[63] ثم { قَالُوا } ، وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون ، { إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ } ، يعني موسى وهارون ، وقرأ ابن كثير وحفص : (إن) بتخفيف النون { هَذَانِ } أي ما هذان إلا ساحران ، كقوله : { وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } ، أي ما نظنك إلا من الكاذبين ، وشدد ابن كثير النون من هذان ، وقرأ أبو عمرو : (إن) بتشديد النون (هذين) بالياء على الأصل ، وقرأ الآخرون : إن بتشديد النون هَذَانِ بالألف واختلفوا فيه وقال قوم : هو لغة بلحارث ابن كعب وخثعم وكنانة فإنهم يجعلون الاثنين في موضع الرفع والنصب والخفض بالألف ، يقولون : أتاني الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان ، فلا يتركون ألف التثنية في شيء ، وكذلك يجعلون كل يا ء ساكنة انفتح ما قبلها ألِفًا ، كما في التثنية ، يقولون : كسرت يداه وركبت علاه ، يعني يديه وعليه . قال شاعرهم :\r\rتزود مني بين أدناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم","part":5,"page":126},{"id":2127,"text":"وقيل . تقدير الآية ( إنه هذان ) ، فحذف الهاء ، وذهب جماعة إلى أن حرف (إنّ) ههنا بمعنى نعم ، أي نعم هذان (1) . { يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ } ، مصر ، { بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى } ، قال ابن عباس : يعني بسراة قومكم وأشرافكم ، يقال هؤلاء طريقة قومهم أي أشرافهم ، والمثلى تأنيث الأمثل ، وهو الأفضل ، حديث الشعبي عن علي ، قال : يصرفان وجوه الناس إليهما . قال قتادة : طريقتهم المثلى كان بنو إسرائيل يومئذ أكثر القوم عددًا وأموالا ، فقال عدو الله : يريد أن يذهبا بهم لأنفسهم . وقيل : بطريقتكم المثلى أن بسنتكم ودينكم الذي أنتم عليه ، والمثلى نعت الطريق ، تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى ، يعني على الصراط المستقيم .\r_________\r(1) ذكر الإمام أبو حيان في تفسيره البحر المحيط ج 6 ص 255- : صحة وثبوت الاستعمال «إن» بمعنى «نعم» في اللغة العربية فقال : «إن» بمعنى «نعم» ، وثبت ذلك في اللغة ، فتحمل الآية عليه ، و«هذان لساحران» مبتدأ وخبر . وقد ساق أوجهًا صحيحة في اللغة لإثبات صحة القراءة المتواترة الثابتة في المصحف الشريف ، فارجع إليه إن شئت . وانظر ما ذكر الإمام الشوكاني في ذلك في تفسيره فيض القدير ج 3 ص 373 .","part":5,"page":127},{"id":2128,"text":"[64] { فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ } ، قرأ أبو عمرو ( فاجمعوا ) بوصل الألف وفتح الميم ، من الجمع أي لا تدعوا أشياء من كيدهم إلا جئتم به والصحيح أن معناه العزم والإحكام ، أي اعزموا كلكم على كيده مجتمعين له لا تختلفوا فيختل أمركم ، { ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا } أي جميعا ، قاله مقاتل والكلبي ، وقال قوم : أي مصطفين مجتمعين ليكون أشد لهيبتكم ، وقال أبو عبدة : الصف المجتمع ، ويسمى المصلى صفا معناه ثم ائتوا المكان الموعد صفًّا ، { وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } ، أي فاز من غلب .","part":5,"page":128},{"id":2129,"text":"[65] { قَالُوا } ، يعني السحرة ، { يا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى } عِصِيَّنَا .\r[66] { قَالَ } ، موسى ، { بَلْ أَلْقُوا } ، أنتم أولا ، { فَإِذَا حِبَالُهُمْ } ، وفيه إضمار ، أي فألقوا فإذا حبالهم ، { وَعِصِيُّهُمْ } ، جمع العصا ، { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } ، قرأ ابن عامر ويعقوب تخيل بالتاء رد إلى الحبال والعصي ، وقرأ الآخرون بالياء ردوه إلى الكيد والسحر ، { مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } ، حتى تظن أنها تسعى أي تمشي وذلك أنهم كانوا لطخوا حبالهم وعصيهم بالزئبق ، فلما أصابه حر الشمس انهمست واهتازت فظن موسى أنها تقصده وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات ، وكانت قد أخذت ميلا من كل جانب ورأوا أنها تسعى .\r[67] { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى } ، أي وجد ، وقيل . أضمر في نفسه خوفًا ، واختلفوا في خوفه طبع البشرية وذلك أنه ظن أنها تقصده ، وقال مقاتل : خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره فلا يتبعونه .","part":5,"page":129},{"id":2130,"text":"[68] { قُلْنَا } ، لموسى ، { لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى } ، أي الغالب ، يعني لك الغلبة والظفر .\r[69] { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ } ، يعني العصا ، { تَلْقَفْ } ، تلتقم وتبتلع ، { مَا صَنَعُوا } ، قرا ابن عامر تلقف برفع الفاء ههنا ، وقرأ الآخرون بالجزم على جواب الأمر ، { إِنَّمَا صَنَعُوا } أي الذي صنعوا ، ( كَيْدُ سِحْرٍ ) ، أي حيلة سحر هكذا قرأ حمزة والكسائي بكسر السين بلا ألف وقرأ الآخرون ، { سَاحِرٍ } لأن إضافة الكيد إلى الفاعل أولى من إضافته إلى الفعل ، وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية ، { وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } ، من الأرض ، قال ابن عباس : لا يسعد حيث كان . وقيل : معناه حيث احتال .","part":5,"page":130},{"id":2131,"text":"[70 ، 71] { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى }{ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ } ، لرئيسكم ومعلمكم ، { الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } ، يعني على جذوع النخل ، { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا } ، يعني على إيمانكم به أنا أو رب موسى على ترك الإيمان به ، { وَأَبْقَى } ، يعني أدوم .\r[72] { قَالُوا } ، يعني السحرة ، { لَنْ نُؤْثِرَكَ } ، لن نختارك ، { عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } ، يعني الدلالات ، قال مقاتل : يعني اليد البيضاء والعصا .\rوقيل : كان استدلالهم أنهم قالوا لو كان هذا سحرًا فأين حبالنا وعصينا . وقيل : من البينات يعني من اليقين والعلم { وَالَّذِي فَطَرَنَا } ، يعني لن نؤثرك على الله الذي فطرنا ، وقيل : هو قسم ، { فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } ، يعني فاصنع ما أنت صانع ، { إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } ، يعني أمرك وسلطانك في الدنيا وسيزول عن قريب .","part":5,"page":131},{"id":2132,"text":"[73] { إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ } ، فإن قيل كيف قالوا هذا وقد جاءوا مختارين يحلفون بعزة فرعون أن لهم الغلبة . قيل : روي عن الحسن أنه قال : كان فرعون يكره قومًا على تعلم السحر لكيلا يذهب أصله وقد كان أكرههم في الابتداء . وقال مقاتل : كانت السحرة اثنين وسبعين ، اثنان من القبط ، وسبعون من بني إسرائيل ، كان عدو الله فرعون أكره الذين هم من بني إسرائيل على تعلم السحر ، فذلك قوله : { وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ } ، قال عبد العزيز بن أبان : قالت السحرة لفرعون : أرنا موسى إذا نام ، فأراهم موسى نائما وعصاه تحرسه ، فقالوا لفرعون : إن هذا ليس بساحر إن الساحر إذا نام بطل سحره ، فأبى عليهم إلا أن يتعلموا ، فذلك قوله تعالى : { وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ } ، { وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } ، قال محمد بن إسحاق : خير منك ثوابًا وأبقى عذابًا ، وقال محمد بن كعب : خير منك ثوابًا إن أطيع وأبقى منك عذابًا إن عصي وهذا جواب لقوله : { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } .","part":5,"page":132},{"id":2133,"text":"[74] { إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا } ، قيل : هذا ابتداء كلام من الله تعالى ، وقيل : من تمام قول السحرة مجرما أي مشركًا يعني من مات على الشرك ، { فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا } ، فيستريح ، { وَلَا يَحْيَا } ، حياة ينتفع بها .\r[75] { وَمَنْ يَأْتِهِ } ، قرأ أبو عمرو ساكنة الهاء ، ويختلسها أبو جعفر ، وقالون ويعقوب ، وقرأ الآخرون بالإشباع ، { مُؤْمِنًا } ، أي : من مات على الإيمان ، { قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا } ، أي الرفيعة ، والعُلى جمع والعليا تأنيث الأعلى .\r[76] { جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } ، يعني تطهر من الذنوب .","part":5,"page":133},{"id":2134,"text":"[77] قوله عز وجل : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي } ، يعني أسر بهم ليلا من أرض مصر ، { فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ } ، يعني اجعل لهم طريقًا في البحر بالضرب بالعصا ، { يَبَسًا } ، ليس فيه ماء ولا طين ، وذلك أن الله أيبس لهم الطريق في البحر ، { لَا تَخَافُ دَرَكًا } ، قرأ حمزة لَا تَخَفْ بالجزم على النهي ، والباقون بالألف والرفع على النفي ، لقوله تعالى : { وَلَا تَخْشَى } ، قيل : لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى أن يغرقك البحر أمامك .\r[78] { فَأَتْبَعَهُمْ } ، فلحقهم ، { فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ } ، وقيل : معناه أمر فرعون جنوده أن يتبعوا موسى وقومه ، والباء فيه زائدة وكان هو فيهم ، { فَغَشِيَهُمْ } ، أصابهم ، { مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ } ، وهو الغرق . وقيل : غشيهم علاهم وسترهم من اليم ما غشيهم يريد غشيهم بعض ماء اليم لا كله . وقيل : غشيهم من اليم ما غشيهم قوم موسى فغرقهم ونجا موسى وقومه .\r[79] { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى } ، يعني ما أرشدهم وهذا تكذيب لفرعون في قوله : { وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } .","part":5,"page":134},{"id":2135,"text":"[80] قوله : { يا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ } ، فرعون { وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى } .\r[81] { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ، قرأ حمزة والكسائي أنجيتكم وواعدتكم ورزقتكم بالتاء على التوحيد ، وقرأ الآخرون بالنون والألف على التعظيم ، ولم يختلفوا في ونزلنا لأنه مكتوب بالألف ، { وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ } ، قال ابن عباس : لا تظلموا . وقال الكلبي : لا تكفروا النعمة فتكونوا ظالمين طاغين . وقيل : لا تنفقوا في معصيتي . وقيل : لا تتقووا بنعمتي على معاصي . وقيل : لا تدخروا فادخروا فتدود ، { فَيَحِلَّ } ، قرأ الأعمش والكسائي فيحل بضم الحاء ، ومن يحلل بضم اللام ، يعني ينزل ، وقرأ الآخرون بكسرها يعني يجب ، { عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى } ، هلك وتردى في النار .","part":5,"page":135},{"id":2136,"text":"[82] { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ } ، قال ابن عباس : تاب من الشرك ، { وَآمَنَ } ، ووحد الله وصدقه ، { وَعَمِلَ صَالِحًا } ، أدى الفرائض ، { ثُمَّ اهْتَدَى } ، قال عطاء عن ابن عباس : علم أن ذلك توفيق من الله . وقال قتادة وسفيان الثوري : يعني لزم الإسلام حتى مات عليه . قال الشعبي ومقاتل والكلبي : علم أن ذلك ثوابا . وقال زيد بن أسلم : تعلم العلم ليهتدي به كيف يعمل . قال الضحاك : استقام . وقال سعيد بن جبير : أقام على السنة والجماعة .\r[83] { وَمَا أَعْجَلَكَ } , يعني وما حملك على العجلة ، { عَنْ قَوْمِكَ } ، وذلك أن موسى اختار من قومه سبعين رجلا حتى يذهبوا معه إلى الجبل ليأخذوا التوراة فسار بهم ثم عجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه عز وجل وخلف السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل فقال الله تعالى : { وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسَى } .\r[84] { قَالَ } ، مجيبا لربه تعالى : { هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي } ، يعني هم بالقرب مني يأتون من بعدي { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } ، لتزداد رضًا .","part":5,"page":136},{"id":2137,"text":"[85] { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ } ، أي ابتلينا الذين خلفتهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفًا ، من بعدك : أي من بعد انطلاقك إلى الجبل ، { وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ } ، أي دعاهم وصرفهم إلى عبادة العجل ، وأضافه إلى السامري لأنهم ضلوا بسببه .\r[86] { فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا } ، حزينا . { قَالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا } ، صدقا أنه يعطيكم التوراة ، { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ } ، مدة مفارقتي إياكم ، { أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ } أي أردتم أن تفعلوا فعلا يجب عليكم به الغضب من ربكم { فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي } .","part":5,"page":137},{"id":2138,"text":"[87] { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } ، قرأ نافع وأبو جعفر وعاصم : { بِمَلْكِنَا } بفتح الميم وقرأ حمزة والكسائي بضمها ، وقرأ الآخرون بكسرها ، أي : ونحن نملك أمرنا . وقيل : باختيارنا ، ومن قرأ بالضم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا ، وذلك أن المرء إذا وقع في البلية والفتنة لم يملك نفسه ، { وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا } ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب حملنا بفتح الحاء ، وتخفيف الميم ، وقرأ الآخرون بضم الحاء وتشديد الميم أي جعلونا نحملها وكلفنا حملها ، { أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ } ، من حُلي قوم فرعون ، سماها أوزارًا لأنهم أخذوها على وجه العارية فلم يردها ، وذلك أن بني إسرائيل كانوا قد استعاروا حليًّا من القبط وكان ذلك معهم حين خرجوا من مصر . وقيل : إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذوها وكانت غنيمة ولما تكن الغنيمة حلالا لهم في ذلك الزمان ، فسماها أوزارًا لذلك ، { فَقَذَفْنَاهَا } ، قيل : إن السامري قال لهم أحفروا حفيرة فألقوها فيها حتى يرجع موسى ، قال السدي : قال لهم هارون : إن تلك غنيمة لا تحل فاحفروا حفيرة فألقوها فيها حتى يرجع موسى ، فيرى رأيه","part":5,"page":138},{"id":2139,"text":"فيها ، ففعلوا . قوله : { فَقَذَفْنَاهَا } أي طرحناها في الحفرة ، { فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ } ، ما معه من الحلي فيها ، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : أوقد هارون نارًا وقال : اقذفوا فيها ما معكم ، فألقوه فيها ثم ألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل . قال قتادة : كان صر قبضة من ذلك التراب في عمامته .","part":5,"page":139},{"id":2140,"text":"[88] { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ } ، أي تركه موسى ههنا وذهب يطلبه . وقيل : أخطأ الطريق وضل .\r[89] قال الله تعالى : { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا } ، أي : لا يرون أن العجل لا يكلمهم ولا يجيبهم إذا دعوه ، { وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } ، وقيل : إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له : ما هذا؟ قال : أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي ، فقال هارون : اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه ، فألقى التراب في فم العجل وقال : كن عجلا يخور فكان ذلك بدعوة هارون ، والحقيقة أن ذلك كان فتنة ابتلى الله بها بني إسرائيل .\r[90] { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ } ، أي من قبل رجوع موسى ، { يا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ } ، ابتليتم بالعجل ، { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي } ، على ديني في عبادة الله ، { وَأَطِيعُوا أَمْرِي } ، في ترك عبادة العجل .","part":5,"page":140},{"id":2141,"text":"[91] { قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ } ، أي لن نزال ، { عَلَيْهِ } ، على عبادته ، { عَاكِفِينَ } ، مقيمين ، { حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى } ، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا وهم الذين لم يعبدوا العجل ، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل ، قال للسبعين الذين كانوا معه : هذا صوت الفتنة ، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله .\r[92] و { قَالَ } ، له { يا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا } ، أشركوا .\r[93] { أَلَّا تَتَّبِعَنِي } ، أي : أن تتبعني و (لا) صلة أي تتبع أمري ووصيتي ، يعني : هلا قاتلتهم وقد علمت أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم .\rوقيل : أن لا تتبعني ، أي : ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم ، فتكون مفارقتك إياهم تقريعًا وزجرًا لهم عما أتوه ، { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } ، أي خالفت أمري .","part":5,"page":141},{"id":2142,"text":"[94] { قَالَ يا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي } ، أي بشعر رأسي وكان قد أخذ ذوائبه ، { إِنِّي خَشِيتُ } ، لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضا ، { أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، أي خشيت إن فارقتهم واتبعتك صاروا أحزابًا يتقاتلون ، فتقول أنت فرقت بين بني إسرائيل ، { وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } , ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك : اخلفني في قومي ، وأصلح أي ارفق بهم ، ثم أقبل موسى على السامري .\r[95] { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ } ، أي ما أمرك وشأنك؟ وما الذي حملك على ما صنعت؟ { يا سَامِرِيُّ } .","part":5,"page":142},{"id":2143,"text":"[96] { قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ } ، رأيت ما لم يروا وعرفت ما لم يعرفوا ، قرأ حمزة والكسائي ما لم تبصروا بالتاء على الخطاب ، وقرأ الآخرون بالياء على الخبر ، { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ } ، أي من تراب أثر فرس جبريل ، { فَنَبَذْتُهَا } أي ألقيتها في فم العجل ، وقال بعضهم : إنما خار لهذا لأن التراب كان مأخوذًا من تحت حافر فرس جبريل ، فإن قيل : كيف عرفه ورأى جبريل من بين سائر الناس؟ قيل : لأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيها البنون وضعته في الكهف حذرًا عليه فبعث الله جبريل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة . { وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ } ، أي زينت ، { لِي نَفْسِي } .","part":5,"page":143},{"id":2144,"text":"[97] { قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ } ، أي ما دمت حيًّا ، { أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ } ، أي لا تخالط أحدًا ولا يخالطك أحد وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه . قال ابن عباس : لا مساس لك ولولدك ، والمساس من المماسة معناه لا يمس بعضنا بعضًا ، فصار السامري يهيم في البرية مع الوحوش والسباع لا يمس أحدًا ولا يمسه أحد ، فعاقبه الله بذلك ، وكان إذا لقي أحدًا يقول : لا مساس ، أي لا تقربني ولا تمسني ، وقيل : كان إذا مس أحدًا أو مسه أحد حما جميعًا حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك ، وإذا مس أحد من غيرهم أحدًا منهم حما جميعًا في الوقت ، { وَإِنَّ لَكَ } يا سامري ، { مَوْعِدًا } ، لعذابك ، { لَنْ تُخْلَفَهُ } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : لَنْ تُخْلِفَهُ بكسر اللام أي لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة ، وقرأ الآخرون بفتح اللام أي لن تكذبه ولن يخلفك الله ، ومعناه أن الله تعالى يكافئك على فعلك ولا تفوته ، { وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ } ، بزعمك ، { الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا } ، أي ظلت ودمت عليه مقيمًا تعبده ، والعرب تقول : ظلت أفعل كذا بمعنى ظللت ومستُ","part":5,"page":144},{"id":2145,"text":"بمعنى مسستُ ، وقرأ أبو جعفر بالتخفيف من الإحراق ، { ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ } ، لنذرينه ، { فِي الْيَمِّ } ، في البحر ، { نَسْفًا } ، روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم لأنه كان قد صار لحمًا ودمًا ثم حرقه بالنار ، ثم ذراه في اليم ، قرأ ابن محيصن : لَنَحْرُقَنَّهُ بفتح النون وضم الراء لنبردنه بالمبرد ، ومنه قيل للمبرد المحرق . وقال السدي . أخذ موسى العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد ثم ذاره في اليم .\r[98] { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } ، وسع علمه كل شيء .","part":5,"page":145},{"id":2146,"text":"[99] { كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ } ، من الأمور ، { وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا } ، يعني القرآن .\r[100] { مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ } ، أي عن القرآن فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه ، { فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا } ، حملا ثقيلا من الإثم .\r[101] { خَالِدِينَ فِيهِ } ، مقيمين في عذاب الوزر ، { وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا } ، أي بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفرًا بالقرآن .\r[102] { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } ، قرأ أبو عمرو ننفخ بالنون وفتحها وضم الفاء لقوله : { وَنَحْشُرُ } وقرأ الآخرون بالياء وضمها وفتح الفاء على غير تسمية الفاعل ، { وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ } ، المشركين ، { يَوْمَئِذٍ زُرْقًا } ، والزرقة هي الخضرة في سواد العين فيحشرون زرق العيون سود الوجوه . وقيل : زرقًا أي عميًا . وقيل : عطاشًا .","part":5,"page":146},{"id":2147,"text":"[103] { يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ } ، أي يتشاورون بينهم ويتكلمون خفية ، { إِنْ لَبِثْتُمْ } ، أي ما مكثتم في الدنيا ، { إِلَّا عَشْرًا } ، أي عشر ليال . وقيل : في القبور : بين النفختين ، وهو أربعون سنة ، لأن العذاب يرفع عنهم بين النفختين استقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا .\r[104] قال الله تعالى : { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } ، أي يتشاورون بينهم ، { إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً } ، أوفاهم عقلا وأعدلهم قولا ، { إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا } ، قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة . وقيل : نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم .\r[105] قوله : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا } ، قال ابن عباس : سأل رجل من ثقيف رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال : كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية ، والنسف هو القلع يعني يقلعها من أصلها ويجعلها هباء منثورا .\r[106] { فَيَذَرُهَا } ، يعني فيدع أماكن الجبال من الأرض ، { قَاعًا صَفْصَفًا } يعني أرضا ملساء مستوية لا نبات فيها ، والقاع ما انبسط من الأرض والصفصف الأملس .","part":5,"page":147},{"id":2148,"text":"[107] { لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا } ، قال مجاهد : انخفاضًا وارتفاعًا . وقال الحسن : العوج ما انخفض من الأرض ، والأمت ما نشز من الروابي ، يعني لا ترى واديًا ولا رابية . قال قتادة : لا ترى فيها صدعا ولا أكمة .\r[108] { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ } ، أي صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة ، وهو إسرافيل ، وذلك أنه يضع الصور في فيه ، ويقول : أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن ، { لَا عِوَجَ لَهُ } ، يعني لدعائه ، وهو من المقلوب يعني لا عوج لهم من دعاء الداعي لا يزيغون عنه يمينًا ولا شمالا ولا يقدرون عليه بل يتبعونه سراعًا ، { وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ } ، يعني سكتت وذلت وخضعت ، وصف الأصوات بالخشوع والمراد أهلها ، { فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا } ، يعني صوت وطء الأقدام إلى المحشر ، والهمس الصوت الخفي كصوت أخفاف الإبل في المشي . وقال مجاهد : هو تخافت الكلام وخفض الصوت . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : تحريك الشفاه من غير منطق .","part":5,"page":148},{"id":2149,"text":"[109] { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ } ، يعني لا تنفع الشفاعة أحدًا من الناس ، { إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ } ، يعني إلا من أذن الله له أن يشفع ، { وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } يعني ورضي قوله ، قال ابن عباس : يعني قال : لا إله إلا الله ، وهذا يدل على أنه لا يشفع غير المؤمن .\r[110] { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ، الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي ، أي يعلم الله ما بين أيديهم وما خلفهم وما خلفوا من أمر الدنيا . وقيل : ما بين أيديهم من الآخرة وما خلفهم من الأعمال ، { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ، قيل : الكناية ترجع إلى (ما) أي : هو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، وهم لا يعلمونه . وقيل : الكناية راجعة إلى (الله) لأن عباده لا يحيطون به علمًا .\r[111] { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ } ، أي ذلت وخضعت ، ومنه قيل للأسير : عان ، وقال طلق بن حبيب : هو السجود على الجبهة للحي القيوم ، { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } ، قال ابن عباس : خسر من أشرك بالله ، والظلم هو الشرك .","part":5,"page":149},{"id":2150,"text":"[112] { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ } ، قرأ ابن كثير \"فلا يخف\" مجزومًا على النهي جوابًا لقوله تعالى : ( ومن يعمل ) ، وقرأ الآخرون (فلا يخافُ) مرفوعا على الخبر ، { ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } ، قال ابن عباس : لا يخاف أن يزداد على سيئاته لا أن ينقص من حسناته . وقال الحسن : لا ينقص من ثواب حسناته ولا يحمل عليه ذنب مسيء . وقال الضحاك : لا يؤخذ بذنب لم يعمله وتبطل حسنة عملها ، وأصل الهضم النقص والكسر ، ومنه هضم الطعام .\r[113] { وَكَذَلِكَ } ، أي كما بينا في هذه السورة ، { أَنْزَلْنَاهُ } ، يعني أنزلنا هذا الكتاب ، { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } ، يعني بلسان العرب ، { وَصَرَّفْنَا } يعني بينا { فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ } ، أي صرفنا القول فيه بذكر الوعيد ، { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ، أي يجتنبون الشرك ، { أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا } ، أي يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبروا ويتعظوا بذكر عتاب الله للأمم الخالية .","part":5,"page":150},{"id":2151,"text":"[114] { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ } ، جل الله عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون ، { وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ } ، أراد النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبدر فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة ، ومخافة الانفلات والنسيان ، فنهاه الله عن ذلك ، وقال : { وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ } ، أي لا تعجل بقراءته ، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } ، أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ ، نظيره قوله تعالى : { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ } وقرأ يعقوب : (نقضي) بالنون وفتحها وكسر الضاد ، وفتح الياء : (وحيه) بالنصب ، وقال مجاهد وقتادة : معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معانيه ، { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } ، يعني بالقرآن ومعانيه . وقيل علما إلى ما علمت . وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال : اللهم زدني إيمانًا ويقينًا .","part":5,"page":151},{"id":2152,"text":"[115] قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ } يعني أمرناه وأوحينا إليه ألا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدك وتركوا الإيمان بي ، وهم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى : ( لعلهم يتقون ) ، { فَنَسِيَ } ، فترك الأمر ، والمعنى أنهم نقضوا العهد فإن آدم أيضا عهدنا إليه فنسي ، { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } ، قال الحسن : لم نجد له صبرًا عما نُهي عنه وقال عطية العوفي : حفظًا لما أمر به .\rوقال قتيبة : رأيًا معزومًا حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له ، والعزم في اللغة هو توطين النفس على الفعل ، قال أبو أمامة الباهلي : لو وزن حلم آدم بحلم جميع ولده لرجح حلمه ، وقد قال الله : { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } ، فإن قيل : أتقولون إن آدم كان ناسيًا لأمر الله حين أكل من الشجرة؟ قيل : يجوز أن يكون نسي أمره ، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعًا عن الإنسان بل كان مؤاخذًا به ، وإنما رفع عنا ، وقيل : نسي عقوبة الله وظن أنه نهاه تنزيها .\r[116] قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى } ، أن يسجد .","part":5,"page":152},{"id":2153,"text":"[117] { فَقُلْنَا يا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ } ، حواء ، { فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } ، يعني تتعب وتنصب ، ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك . قال السدي : يعني الحرث والزرع والحصيد والطحن والخبز . وعن سعيد بن جبير : قال أهبط إلى آدم ثورًا أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه ، فذلك شقاؤه ، ولم يقل : فتشقيا رجوعًا به إلى آدم لأن تعبه أكثر فإن الرجل هو الساعي على زوجته . وقيل : لأجل رءوس الآي .\r[118] { إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا } ، أي في الجنة { وَلَا تَعْرَى } .\r[119] { وَأَنَّكَ } ، قرأ نافع وأبو بكر بكسر الألف على الاستئناف ، وقرأ الآخرون بالفتح نسقًا على قوله : { أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا }{ لَا تَظْمَأُ } لا تعطش ، { فِيهَا وَلَا تَضْحَى } يعني لا تبرز للشمس فيؤذيك حرها . وقال عرمة : لا تصيبك الشمس وأذاها ، لأنه ليس في الجنة شمس ، وأهلها في ظل ممدود .","part":5,"page":153},{"id":2154,"text":"[120] { فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ } ، يعني على شجرة إن أكلت منها بقيت مخلدًا ، يعني على شجرة إن أكلت منها بقيت مخلدًا ، { وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى } ، لا يبيد ولا يفنى .\r[121] { فَأَكَلَا } ، يعني آدم وحواء عليهما السلام ، { مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ } ، بأكل الشجرة ، { فَغَوَى } ، يعني فعل ما لم يكن له فعله . وقيل : أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه أكله ، فخاب ولم لم ينل مراده . وقال ابن الأعرابي : أي فسد عليه عيشه وصار من العز إلى الذل ، ومن الراحة إلى التعب . قال ابن قتيبة : يجوز أن يقال عصى آدم ولا يجوز أن يقال آدم عاص لأنه إنما يقال عاص لمن اعتاد فعل المعصية ، كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك ويعتاده .\r[122] { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ } ، اختاره واصطفاه ، { فَتَابَ عَلَيْهِ } ، بالعفو ، { وَهَدَى } ، هداه إلى التوبة حتى قالا ربنا ظلمنا أنفسنا .","part":5,"page":154},{"id":2155,"text":"[123] { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ } ، يعني الكتاب والرسول ، { فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } ، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله في الدنيا من الضلالة ، ووقاه الله يوم القيامة سوء الحساب ، وذلك بأن الله يقول : { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } . وقال الشعبي عن ابن عباس : أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة ، وقرأ هذه الآية .","part":5,"page":155},{"id":2156,"text":"[124] { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي } ، يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه ، { فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } ، ضيقًا قيل : هو عذاب القبر وقال الحسن : هو الزقوم والضريع والغسلين في النار . وقال عكرمة : هو الحرام . وقال الضحاك : هو الكسب الخبيث . وعن ابن عباس : قال : الشقاء . ورُوي عنه أنه قال . كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فيه فلا خير فيه ، وهو الضنك في المعيشة ، وإن أقوامًا أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين فكانت معيشتهم ضنكًا ، وذلك أنهم يرون الله ليس بمختلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله ، قال سعيد بن جبير : يسلبه القناعة حتى لا يشبع ، { وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } ، قال ابن عباس . أعمى البصر . وقال مجاهد : أعمى عن الحجة .","part":5,"page":156},{"id":2157,"text":"[125] { قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا } ، بالعين أو بصيرا بالحجة .\r[126] { قَالَ كَذَلِكَ } ، أي كما { أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا } ، فتركتها وأعرضت عنها ، { وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى } تترك في النار . قال قتادة : نسُوا من الخير ولم ينسوا من العذاب .\r[127] { وَكَذَلِكَ } ، أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك ، { نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ } ، أشرك ، { وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ } ، مما يعذبهم به في الدنيا والقبر ، { وَأَبْقَى } ، وأدوم .\r[128] { أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } ، يبين لهم القرآن يعني كفار مكة ، { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ } ، ديارهم ومنازلهم إذا سافروا ، والخطاب لقريش كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وثمود وقريات قوم لوط ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى } ، لذوي العقول .","part":5,"page":157},{"id":2158,"text":"[129] { وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى } فيه تقديم وتأخير ، تقديره : ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزامًا وأجلا مسمى ، والكلمة الحكم بتأخير العذاب عنهم ، أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم وأجل مسمى وهو القيامة لكان لزامًا ، أي لكان العذاب لازمًا لهم كما لزم القرون الماضية الكافرة .","part":5,"page":158},{"id":2159,"text":"[130] { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } ، نسختها آية القتال ، { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } ، أي صل بأمر ربك . وقيل : صلِّ لله بالحمدلة والثناء عليه ، { قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } ، يعني صلاة الصبح ، { وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } ، صلاة العصر ، { وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ } ، ساعاتها واحدها أنى ، { فَسَبِّحْ } ، يعني صلاة المغرب والعشاء . قال ابن عباس : يريد أول الليل ، { وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } ، يعني صلاة الظهر ، وسمي وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال ، وهو النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء ، وقيل : المراد من آناء الليل صلاة العشاء ومن أطراف النهار صلاة الظهر والمغرب ، لأن الظهر في آخر الطرف الأول من النهار ، وفي أول الطرف الآخر من النهار ، فهو في طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس ، وعند ذلك يصلي المغرب ، { لَعَلَّكَ تَرْضَى } ، أي ترضى ثوابه في المعاد ، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم : تُرضي بضم التاء أي تعطي ثوابه . وقيل : ترضى أي يرضاك الله تعالى ، كما قال : { وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا } ، وقيل : معنى الآية لعلك ترضى بالشفاعة ، كما قال : { وَلَسَوْفَ","part":5,"page":159},{"id":2160,"text":"يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } .","part":5,"page":160},{"id":2161,"text":"[131] قوله تعالى : { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } ، قال أبو رافع : « نزل برسول الله صلي الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال لي : \"قل له : إن رسول الله يقول لك يعني كذا وكذا من الدقيق وأسلفني إلى هلال رجب\" فأتيته فقلت له ذلك فقال : والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن ، فأتيت رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : والله لئن باعني وأسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء وأمين في الأرض ، اذهب بدرعي الحديد إليه » (1) . فنزلت هذه الآية : { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } ، لا تنظر ، { إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ } ، أعطينا ، { أَزْوَاجًا } ، أصنافا ، { مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي زينتها وبهجتها ، وقرأ يعقوب زهرة بفتح الهاء وقرأ العامة بجزمها ، { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } ، أي لنجعل ذلك فتنة لهم بأن أزيد لهم النعمة فيزيدوا كفرًا وطغيانًا ، { وَرِزْقُ رَبِّكَ } ، في المعاد يعني في الجنة ، { خَيْرٌ وَأَبْقَى } ، قال أبي ابن كعب : من لم يستعز بعز الله تقطعت نفسه حسرات ، ومن يتبع بصره فيما في أيدي الناس بطل حزنه ، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه .\r_________\r(1) أخرجه إسحاق وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار والطبري والطبراني وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو متروك انظر الكافي الشافي ص 109 وأسباب النزول للواحدي ص 352 وأيد القرطبي بطلان هذه الرواية 11 / 263 .","part":5,"page":161},{"id":2162,"text":"[132] { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ } ، أي قومك . وقيل : من كان على دينك ، كقوله تعالى : { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ } ، { وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } ، أي اصبر على الصلاة ، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر .\r{ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا } ، لا نكلفك أن ترزق أحدا من خلقنا ، ولا أن ترزق نفسك وإنما نكلفك عملا ، { نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ } ، الخاتمة الجميلة المحمودة ، { لِلتَّقْوَى } ، أي لأهل التقوى . قال ابن عباس : يعني الذين صدقوك واتبعوك واتقوني . وفي بعض المسانيد أن النبي صلي الله عليه وسلم : « كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية » .","part":5,"page":162},{"id":2163,"text":"[133] قوله تعالى : { وَقَالُوا } ، يعني المشركين ، { لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ } ، أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة ، { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ } ، قرأ أهل المدينة والبصرة وحفص عن عاصم { تَأْتِهِمْ } لتأنيث البينة ، وقرأ الآخرون بالياء لتقدم الفعل ، لأن البينة هي البيان فرد إلى المعنى ، { مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى } ، يعني بيان ما فيها ، وهو القرآن أقوى دلالة وأوضح آية . وقيل : أو لم يأتهم ما في الصحف الأولى التوراة والإنجيل وغيرهما من أنباء الأمم أنهم اقترحوا الآيات ، فلما أتتهم ولم يؤمنوا بها ، كيف عجلنا لهم العذاب والهلاك ، فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك .\r[134] { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ } ، يعني من قبل إرسال الرسول وإنزال القرآن ، { لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا } ، هلا { أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا } ، يدعونا ، أي لقالوا يوم القيامة ، { فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } ، بالعذاب والذل والهوان والخزي والافتضاح .","part":5,"page":163},{"id":2164,"text":"[135] { قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ } ، منتظر دوائر الزمان ، وذلك أن المشركين قالوا : نتربص بمحمد حوادث الدهر ، فإذا مات تخلصنا ، قال الله تعالى : { فَتَرَبَّصُوا } ، فانتظروا ، { فَسَتَعْلَمُونَ } ، إذا جاء أمر الله وقامت القيامة ، { مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ } ، المستقيم ، { وَمَنِ اهْتَدَى } ، من الضلالة نحن أم أنتم؟ .","part":5,"page":164},{"id":2165,"text":"(21) سورة الأنبياء\r[1] { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ } ، قيل : اللام بمعنى من ، يعني اقترب من الناس { حِسَابُهُمْ } ، يعني وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم ، يعني يوم القيامة ، نزلت في منكري البعث ، { وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ } ، عن التأهب له .\r[2] { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } ، يعني ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به . قال مقاتل : يحدث الله الأمر بعد الأمر . وقيل : الذكر المحدث ما قاله النبي صلي الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ سوى القرآن ، وأضافه إلى الرب عز وجل لأنه قال بأمر الرب ، { إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } ، يعني استمعوه لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون .","part":5,"page":165},{"id":2166,"text":"[3] { لَاهِيَةً } ، ساهية غافلة ، { قُلُوبُهُمْ } ، معرضة عن ذكر الله ، وقوله : { لَاهِيَةً } نعت تقدم الاسم ، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في الإعراب ، وإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان : فصل ووصل ، فحالته في الفصل النصب كقوله تعالى : { خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ } وفي الوصل حالة ما قبله من الإعراب كقوله : { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا } . { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، يعني أشركوا ، قوله : { وَأَسَرُّوا } فعل تقدم الجمع وكان حقه وأسر ، قال الكسائي : فيه تقديم وتأخير ، أراد : الذين ظلموا أسروا النجوى . وقيل : محل الذين رفع على أسروا . قال المبرد : هذا كقولك : إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله ، على البدل مما في انطلقوا .\rثم بين سرهم الذي تناجوا به فقال : { هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } ، أنكروا إرسال البشر وطلبوا إرسال الملائكة ، { أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ } ، يعني تحضرون السحر وتقبلونه ، { وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } ، تعلمون أنه سحر .","part":5,"page":166},{"id":2167,"text":"[4] { قَالَ } ، لهم محمد ، { رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص : { قَالَ رَبِّي } ، على الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم ، { يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } أي لا يخفى عليه شيء ، { وَهُوَ السَّمِيعُ } ، لأقوالهم ، { الْعَلِيمُ } ، بأفعالهم .\r[5] { بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ } ، أباطيلها وأقاويلها وأهاويلها رآها في النوم ، { بَلِ افْتَرَاهُ } ، أختلقه ، { بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } ، يعني أن المشركين اقتسموا القول فيه وفيما يقوله ، قال بعضهم : أضغاث أحلام . وقال بعضهم : بل هو فرية . وقال بعضهم : بل محمد شاعر وما جاءكم به شعر . { فَلْيَأْتِنَا } محمد ، { بِآيَةٍ } ، إن كان صادقًا ماله { كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } ، من الرسل بالآيات .\r[6] قال الله تعالى مجيبًا لهم : { مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ } ، أي قبل مشركي مكة ، { مِنْ قَرْيَةٍ } ، أي من أهل قرية آتتهم الآيات ، { أَهْلَكْنَاهَا } ، أهلكناهم بالتكذيب ، { أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } ، إن جاءتهم آية ، معناه : أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم أفيؤمن هؤلاء .","part":5,"page":167},{"id":2168,"text":"[7] { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ } ، هذا جواب لقولهم : { هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } يعني إنا لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالا نوحي إليهم ، { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } ، يعني أهل التوراة والإنجيل يريد علماء أهل الكتاب فإنهم لا ينكرون أن الرسل كانوا بشرًا ، وإن أنكروا نبوة محمد صلي الله عليه وسلم ، وأمر المشركين بمسألتهم لأنهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي صلي الله عليه وسلم أقرب منهم إلى تصديق من آمن به . وقال ابن زيد : أراد بالذكر القرآن فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن ، { إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } .\r[8] { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ } ، أي الرسل ، { جَسَدًا } ، ولم يقل أجسادًا لأنه اسم الجنس ، { لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ } ، هذا رد لقولهم : { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ } ، يقول : لم نجعل الرسل ملائكة بل جعلناهم بشرا يأكلون الطعام ، { وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } ، في الدنيا .","part":5,"page":168},{"id":2169,"text":"[9] { ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ } ، الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم ، { فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ } ، يعني أنجينا المؤمنين الذين صدقوهم ، { وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ } ، يعني المشركين المكذبين ، وكل مشرك مسرف على نفسه .\r[10] { لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا } ، يا معشر قريش ، { فِيهِ ذِكْرُكُمْ } ، يعني شرفكم ، كما قال : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ } ، وهو شرف لمن آمن به ، وقال مجاهد : فيه حديثكم . وقال الحسن : فيه ذكركم أي ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم ، { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } .","part":5,"page":169},{"id":2170,"text":"[11] { وَكَمْ قَصَمْنَا } ، أهلكنا ، والقصم الكسر ، { مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً } ، أي كافرة ، يعني أهلها ، { وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا } ، يعني : أحدثنا بعد هلاك أهلها ، { قَوْمًا آخَرِينَ } .\r[12] { فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا } ، يعني رأوا عذابنا بحاسة البصر ، { إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ } ، يعني يسرعون هاربين .\r[13] { لَا تَرْكُضُوا } ، يعني قيل لهم لا تركضوا لا تهربوا لا تذهبوا ، { وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } ، يعنى نعمتم به ، { وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } ، قال ابن عباس : عن قتل نبيكم وقيل : من دنياكم شيئا .\r[14] { قَالُوا يا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } .\r[15] { فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } ، أي تلك الكلمة وهي قولهم يا ويلنا ، دعاؤهم يدعون بها ويرددونها؟ { حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا } كما يحصد الزرع ، { خَامِدِينَ } ، ميتين .\r[16] { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ } ، أي عبثا وباطلا .","part":5,"page":170},{"id":2171,"text":"[17] { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا } ، اختلفوا في اللهو ، قال ابن عباس في رواية عطاء : اللهو ههنا المرأة ، وهو قول الحسن وقتادة ، وقال في رواية الكلبي . اللهو الولد وهو قول السدي ، وهو في المرأة أظهر لأن الوطء يسمى لهوًا في اللغة ، والمرآة محل الوطء { لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا } ، يعني من عندنا من حور العين لا من عندكم من أهل الأرض . وقيل : معناه لو كان جائزًا ذلك في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم بل يستر ذلك حتى لا يطلعوا عليه ، وتأويل الآية أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا وقال : { لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا } لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده ، لا عند غيره ، { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } ، قال قتادة ومقاتل وابن جريج : (إن) للنفي ، معناه : ما كنا فاعلين . وقيل : { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } للشرط أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا ، ولكنا لم نفعله لأنه لا يليق بالربوبية .","part":5,"page":171},{"id":2172,"text":"[18] { بَلْ } ، يعني دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل ، { نَقْذِفُ } ، نرمي ونسلط ، { بِالْحَقِّ } ، بالإيمان ، { عَلَى الْبَاطِلِ } ، على الكفر ، وقيل . الحق قول الله ، فإنه لا ولد له ، والباطل قولهم أتخذ الله ولدا ، { فَيَدْمَغُهُ } ، يعني يهلكه ، وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ ، { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } ، ذاهب ، والمعنى : أنا نبطل كذبهم بما تبين من الحق حتى يضمحل ويذهب ، ثم أوعدهم على كذبهم فقال : { وَلَكُمُ الْوَيْلُ } ، يا معشر الكفار . { مِمَّا تَصِفُونَ } ، الله بما لا يليق به من الصاحبة والولد . وقال مجاهد . مما تكذبون .\r[19] { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، عبيدا وملكا ، { وَمَنْ عِنْدَهُ } ، يعني الملائكة . { لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } ، ولا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها ، { وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ } ، لا يعيون ، يقال : حسر واستحسر إذا تعب وأعيا . وقال السدي : لا ينقطعون عن العبادة .\r[20] { يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ } ، لا يضعفون ، قال كعب الأحبار : التسبيح لهم كالنفس لبني آدم .","part":5,"page":172},{"id":2173,"text":"[21] { أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً } استفهام بمعنى الجحد أي لم يتخذوا ، { مِنَ الْأَرْضِ } ، يعني الأصنام من الخشب والحجارة وهما من الأرض ، { هُمْ يُنْشِرُونَ } ، يحيون الأموات ، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإنعام بأبلغ وجوه النعم .\r[22] { لَوْ كَانَ فِيهِمَا } ، يعني في السماء والأرض ، { آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ } ، يعني غير الله ، { لَفَسَدَتَا } ، لخربتا وهلك من فيهما بوجود التمانع بين الآلهة لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام ، ثم نزه نفسه فقال : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، يعني يصمه به المشركون من الشريك والولد .\r[23] { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } ، ويحكم على خلقه لأنه الرب { وَهُمْ يُسْأَلُونَ } ، عن أفعالهم وأعمالهم لأنهم عبيد .","part":5,"page":173},{"id":2174,"text":"[24] { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً } ، استفهام إنكار وتوبيخ ، { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } ، يعني حجتكم على ذلك ، ثم قال مستأنفا ، { هَذَا } ، يعني القرآن . { ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ } ، فيه خبر من معي على ديني ومن تبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية . { وَذِكْرُ } ، خبر ، { مَنْ قَبْلِي } ، من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة . وعن ابن عباس في رواية عطاء : ذكر من معي : القرآن ، وذكر من قبلي : التوراة والإنجيل ، ومعناه : راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولدا ، { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ } .","part":5,"page":174},{"id":2175,"text":"[25] { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم نوحي إليه بالنون وكسر الحاء على التعظيم ، لقوله : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ، وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول ، { أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } ، وحدون .\r[26] { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا } ، نزلت في خزاعة حيث قال : الملائكة بنات الله { سُبْحَانَهُ } ، نزه نفسه عما قالوا ، { بَلْ عِبَادٌ } ، أي هم عباد ، يعني الملائكة ، { مُكْرَمُونَ } .\r[27] { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ } ، لا يقدمونه بالقول ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ، { وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } ، معناه أنهم لا يخالفونه قولا ولا عملا .\r[28] { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ، أي ما عملوا وما هم عاملون . وقيل : ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم ، { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } ، قال ابن عباس : أي إلا لمن قال : لا إله إلا الله ، وقال مجاهد : أي لمن رضي عنه ، { وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } ، خائفون لا يأمنون مكره .","part":5,"page":175},{"id":2176,"text":"[29] { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ } ، قال مقاتل : عنى به إبليس حين دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه ، فإن أحدا من الملائكة لم يقل إني إله من دون الله ، { فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } ، الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها .","part":5,"page":176},{"id":2177,"text":"[30] { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، قرأ العامة بالواو وقرأ ابن كثير ألم ير بغير واو ، وكذلك هو في مصاحفهم معناه : ألم يعلم الذين كفروا ، { أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك وعطاء وقتادة : كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ، { فَفَتَقْنَاهُمَا } ، فصلنا بينهما بالهواء والرتق في اللغة السد ، والفتق الشق ، قال كعب : خلق الله السماوات والأرض بعضها على بعض ، ثم خلق ريحا فوسطها ففتحهما بها . قال مجاهد والسدي : كانت السماوات مرتقة طبقة واحدة ففتقها وجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض كانت مرتقة طبقة واحدة ففتحها فجعلها سبع أرضين . قال عكرمة وعطية : كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت ، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات ، وإنما قال : { رَتْقًا } على التوحيد وهو من نعت السماوات والأرض لأنه مصدر وضع موضع الاسم ، مثل الزور والصوم ونحوهما ، { وَجَعَلْنَا } ، وخلقنا ، { مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } ، أي أحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر ، يعني أنه سبب لحياة كل شيء .","part":5,"page":177},{"id":2178,"text":"والمفسرون يقولون : يعني أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء . لقوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ } ، قال أبو العالية : يعني النطفة ، فإن قيل : قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء؟ قيل : هذا على وجه التكثير ، يعني أن أكثر الأحياء في الأرض مخلوق من الماء أو بقاؤه بالماء ، { أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } .\r[31] { وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ } ، أي جبالا ثوابت ، { أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ } ، لئلا تميد بهم ، { وَجَعَلْنَا فِيهَا } ، في الرواسي ، { فِجَاجًا } ، طرقا ومسالك ، والفج الطريق الواسع بين الجبلين ، أي جعلنا بين الجبال طرقا كي يهتدوا إلى مقاصدهم ، { سُبُلًا } ، تفسير للفجاج ، { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } .","part":5,"page":178},{"id":2179,"text":"[32] { وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا } ، من أن تسقط ، دليله قوله تعالى : { وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ } ، وقيل : محفوظا من الشياطين بالشهب ، دليله قوله تعالى : { وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } ، { وَهُمْ } ، يعني الكفار ، { عَنْ آيَاتِهَا } ، أي عن ما خلق الله فيها من الشمس والقمر والنجوم وغيرها ، { مُعْرِضُونَ } ، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها .\r[33] { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } ، يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء ، وإنما قال : يسبحون ، ولم يقل تسبح على ما يقال لما لا يعقل لأنه ذكر عنها فعل العقلاء من الجري والسبح ، فذكر على ما يعقل ، والفلك مدار النجوم الذي يضمها ، والفلك في كلام العرب كل شيء مستدير وجمعه أفلاك ، ومنه فلكة المغزل ، وقال الحسن : الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل ، يريد أن الذي يجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الطاحونة . قال الضحاك : فلكها مجراها وسرعة سيرها . قال مجاهد : كهيئة حديد الرحى .","part":5,"page":179},{"id":2180,"text":"وقال بعضهم : الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب ، فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه ، وهو معنى قول قتادة وقال الكلبي : الفلك استدارة السماء . وقال آخرون : الفلك موج مكفوف دون السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم .\r[34] قوله عز وجل : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ } ، دوام البقاء في الدنيا ، { أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } ، أي أفهم الخالدون إن مت ، قيل : نزلت هذه الآية حين قالوا : نتربص بمحمد ريب المنون .\r[35] { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ } ، نختبركم { بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ } ، بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر ، وقيل : بما تحبون وما تكرهون ، { فِتْنَةً } ، ابتلاء لننظر كيف شكرتم فيما تحبون ، وصبركم فيما تكرهون ، { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } .","part":5,"page":180},{"id":2181,"text":"[36] { وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ } ، ما يتخذونك ، { إِلَّا هُزُوًا } ، سخريا ، قال السدي : نزلت في أبي جهل مر به النبي صلي الله عليه وسلم فضحك ، وقال : هذا نبي بني عبد مناف ، { أَهَذَا الَّذِي } ، أي يقول بعضهم لبعض : أهذا الذي ، { يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ } ، أي يعيبها ، يقال : فلان يذكر فلانا أي يعيبه ، وفلان يذكر الله أي يعظمه ويبجله ، { وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ } ، وذلك أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة ، و { هُمْ } الثانية صلة .","part":5,"page":181},{"id":2182,"text":"[37] { خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } ، اختلفوا فيه ، فقال قوم . معناه أن بنيته وخلقته من العجلة وعليها طبع ، كما قال الله تعالى : { وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا } والمراد بالإنسان آدم ، وأورث أولاده العجلة ، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء : خلقت منه ، كما يقول : خلقت من تعب وخلقت من غضب ، تريد المبالغة في وصفه بذلك ، يدل على هذا قوله تعالى : { وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا } ، وقال قوم : معناه خلق الإنسان يعني آدم من تعجيل في خلق الله إياه ، لأن خلقه كان بعد خلق كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة ، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ } ، هذا خطاب للمشركين ، نزل هذا في المشركين كانوا يستعجلون بالعذاب ويقولون أمطر علينا حجارة من السماء : وقيل : نزلت في النضر بن الحارث ، فقال تعالى : { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي } أي مواعيدي فلا تستعجلون ، أي فلا تطلبوا العذاب من وقته ، فأراهم يوم بدر ، وقيل : كانوا يستعجلون القيامة .","part":5,"page":182},{"id":2183,"text":"[38 ، 39] { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، فقال تعالى : { لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ } ، لا يدفعون { عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ } ، قيل : ولا عن ظهورهم السياط ، { وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } ، يمنعون من العذاب ، وجواب لو في قوله : { لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ } محذوف معناه : ولو علموا لما أقاموا على كفرهم ، ولما استعجلوا ، ولا قالوا متى هذا الوعد .\r[40] { بَلْ تَأْتِيهِمْ } ، يعني الساعة { بَغْتَةً } ، فجأة ، { فَتَبْهَتُهُمْ } ، أي تحيرهم ، يقال : فلان مبهوت آي متحير ، { فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } ، يمهلون .\r[41] { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ } نزل { بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي جزاء استهزائهم .","part":5,"page":183},{"id":2184,"text":"[42] { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ } ، يحفظكم ، { بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ } ، إن أنزل بكم عذابه ، وقال ابن عباس : من يمنعكم من عذاب الرحمن ، { بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ } ، عن القرآن ومواعظ الله ، { مُعْرِضُونَ } .\r[43] { أَمْ لَهُمْ } ، أي : صلة فيه ، وفي أمثاله { آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا } ، فيه تقديم وتأخير ، تقديره : أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم ، ثم وصف الآلهة بالضعف ، فقال تعالى : { لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ } ، منع أنفسهم ، فكيف ينصرون عابديهم ، { وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } ، قال ابن عباس : يمنعون .\rوقال عطية : عنه يجارون ، تقول العرب : أنا لك جار وصاحب من فلان ، أي مجير منه . وقال مجاهد : ينصرون ويحفظون . وقال قتادة : لا يصبحون من الله بخير .","part":5,"page":184},{"id":2185,"text":"[44] { بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ } ، الكفار ، { وَآبَاءَهُمْ } ، في الدنيا أي أمهلناهم . وقيل : أعطيناهم النعمة ، { حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } ، أي امتد بهم الزمان فاغتروا ، { أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } ، أي ما ننقص من أطراف المشركين ونزيد في أطراف المؤمنين ، يريد ظهور النبي صلي الله عليه وسلم وفتحه ديار الشرك أرضا فأرضا ، { أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ } ، أم نحن .","part":5,"page":185},{"id":2186,"text":"[45] { قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ } ، أي أخوفكم بالقرآن ، { وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ } ، قرأ ابن عباس رضي الله عنهما بالتاء وضمها وكسر الميم ، (الصم) نصبا ، جعل الخطاب للنبي صلي الله عليه وسلم ، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها وفتح الميم ، الصُّمُّ رفع ، { إِذَا مَا يُنْذَرُونَ } ، يخوفون .\r[46] { وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ } ، أصابتهم { نَفْحَةٌ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما طرف . وقيل : قليل . وقال ابن جريج . نصيب ، من قولهم نفح فلان لفلان من ماله أي أعطاه حظا ونصيبا منه . وقيل : ضربة من قولهم نفحت الدابة برجلها إذا ضربت بها ، { مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } ، أي بإهلاكنا إنا كنا مشركين ، دعوا على أنفسهم بالويل بعدما أقروا بالشرك .","part":5,"page":186},{"id":2187,"text":"[47] { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ } ، أي ذوات القسط والقسط : العدل ، { لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا } ، أي : لا تنقص من ثواب حسناتها ولا يزاد على سيئاتها { وَإِنْ كَانَ } ، الشيء ، { مِثْقَالَ حَبَّةٍ } ، أي زنة مثقال حبة . { مِنْ خَرْدَلٍ } ، قرأ أهل المدينة (مثقال) برفع اللام هاهنا وفي سورة لقمان يعني : وإن وقع مثقال حبة من خردل ونصبها الآخرون على معنى وإن كان ذلك الشيء مثقال حبة من خردل ، { أَتَيْنَا بِهَا } أحضرناها لنجازي بها ، { وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } ، قال السدي : محصين ، والحسب معناه : العد ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : عالمين حافظين ، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه .","part":5,"page":187},{"id":2188,"text":"[48] { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ } ، يعني الكتاب المفرق بين الحق والباطل ، وهو التوراة . وقال ابن زيد : الفرقان النصر على الأعداء ، كما قال الله تعالى : { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ } ، يعني يوم بدر لأنه قال { وَضِيَاءً } ، أدخل الواو فيه أي آتينا موسى النصر والضياء ، وهو التوراة . ومن قال : المراد بالفرقان التوراة ، قال : الواو في قوله : { وَضِيَاءً } ، زائدة مقحمة ، معناه : آتيناه التوراة ضياء ، وقيل : هو صفة أخرى للتوراة ، { وَذِكْرًا } ، تذكيرا ، { لِلْمُتَّقِينَ } .\r[49] { الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } ، أي يخافونه ولم يروه ، { وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } ، خائفون .\r[50] { وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ } ، يعني القرآن وهو ذكر لمن تذكر به ، مبارك لمن يتبرك به ويطلب منه الخير ، { أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ } ، يا أهل مكة ، { لَهُ مُنْكِرُونَ } ، جاحدون ، هذا استفهام توبيخ وتعبير .","part":5,"page":188},{"id":2189,"text":"[51] قوله عز وجل : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ } ، قال القرطبي : أي صلاحه ، { مِنْ قَبْلُ } ، يعني من قبل موسى وهارون ، وقال المفسرون : رشده من قبل ، أي هداه من قبل البلوغ ، وهو حين خرج من السرب وهو صغير ، يريد هديناه صغيرا كما قال تعالى ليحيى عليه السلام : { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا }{ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } ، أنه أهل للهداية والنبوة .\r[52] { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ } ، أي الصور ، يعني الأصنام { الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } ، يعني على عبادتها مقيمون .\r[53] { قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } ، فاقتدينا بهم .\r[54] { قَالَ } ، إبراهيم ، { لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، خطأ بين بعبادتكم إياها .\r[55] { قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ } ، يعنون أجاد أنت فيما تقول أم لاعب؟ .","part":5,"page":189},{"id":2190,"text":"[56] { قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ } ، خلقهن ، { وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } ، يعني على أنه الإله الذي لا يستحق العبادة غيره . وقيل : من الشاهدين على أنه خالق السماوات والأرض .\r[57] { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } ، لأمكرن بها ، { بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ } ، يعني بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم .","part":5,"page":190},{"id":2191,"text":"[58] { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } ، قرأ الكسائي \"جذاذا\" بكسر الجيم أي كسرا وقطعا جمع جذيذ ، وهو الهشم مثل خفيف وخفاف ، وقرأ الآخرون بضمها ، مثل الحطام والرفات ، { إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ } ، فإنه لم يكسره ووضع الفأس في عنقه ، وقيل : ربطه بيده وكانت اثنين وسبعين صنما بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من رصاص وشبة وخشب وحجر ، وكان الصنم الكبير من الذهب مكللا بالجواهر في عينيه يا قوتتان تتقدان . قوله تعالى : { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } ، قيل : معناه لعلهم يرجعون إلى دينه وإلى ما يدعوهم إليه إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها ، وقيل : لعلهم إليه يرجعون فيسألونه ، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم جذاذا .\r[59] { قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ } ، يعني من المجرمين .\r[60] { قَالُوا } يعني الذين سمعوا قول إبراهيم وتالله لأكيدن أصنامكم ، { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } ، يعيبهم ويسبهم ، { يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } ، وهو الذي نظن أنه صنع هذا ، فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه .","part":5,"page":191},{"id":2192,"text":"[61] { قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ } ، قاله نمرود يقول : جيئوا به ظاهرا بمرأى من الناس ، { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } ، عليه أنه الذي فعله ، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة ، قاله الحسن وقتادة والسدي ، وقال محمد ابن إسحاق : { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } أي يحضرون عقابه وما يصنع به فلما أتوا به .\r[62] { قَالُوا } ، له { أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يا إِبْرَاهِيمُ } .\r[63] { قَالَ } ، إبراهيم ، { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } ، غضب من أن يعبد معه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن ، وأراد بذلك إبراهيم إقامة الحجة عليهم ، فذلك قوله : { فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ } ، حتى يخبروا من فعل ذلك بهم . قال القتيبي : معناه بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون على سبيل الشرط فجعل النطق شرطا للفعل أي إن قدروا على النطق قدروا على الفعل ، فأراهم عجزهم عن النطق ، وفي ضميره أنا فعلت .","part":5,"page":192},{"id":2193,"text":"[64] { فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ } ، أي تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم ، { فَقَالُوا } ، ما نراه إلا كما قال ، { إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ } ، يعني بعبادتكم من لا يتكلم . وقيل : أنتم الظالمون هذا الرجل سؤالكم إياه وهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها .\r[65] { ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ } ، قال أهل التفسير : أجرى الله الحق على لسانهم في القول الأول ثم أدركتهم الشقاوة ، فهو معنى قوله : { ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ } أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم ، يقال : نكس المريض إذا رجع إلى حالته الأولى ، وقالوا : { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ } ، فكيف نسألهم؟ فلما اتجهت الحجة لإبراهيم عليه السلام .\r[66] { قَالَ } ، لهم ، { أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا } ، إن عبدتموه ، { وَلَا يَضُرُّكُمْ } ، إن تركتم عبادته .\r[67] { أُفٍّ لَكُمْ } ، يعني تبا وقذرا لكم ، { وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، يعني أليس لكم عقل تعرفون به هذا ، فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب .","part":5,"page":193},{"id":2194,"text":"[68] { قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } ، يعني إن كنتم ناصرين لها .\r[69] قال الله تعالى : { قُلْنَا يا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } ، قال ابن عباس لو لم يقل سلاما لمات إبراهيم من بردها .\r[70] قوله : { وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ } ، قيل : معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم ، وقيل : معناه إن الله عز وجل أرسل على نمرود وأهله البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته .\r[71] قوله : { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا } ، من نمرود وقومه من أرض العراق ، { إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } ، يعني الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار ، ومنها بعث أكثر الأنبياء . خرج من كوثى من أرض العراق مهاجرًا إلى ربه ، ومعه لوط وسارة ، كما قال الله تعالى : { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه .","part":5,"page":194},{"id":2195,"text":"[72] { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } ، قال مجاهد وعطاء : معنى النافلة : العطية وهما جميعا من عطاء الله نافعة يعني عطاء ، قال الحسن والضحاك . فضلا . وعن ابن عباس وأبي بن كعب وأبي زيد وقتادة رضي الله عنهم : النافلة هو يعقوب لأن الله عز وجل أعطاه إسحاق بدعائه حيث قال : { هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } ، وزاد يعقوب وهو ولد الولد ، والنافلة الزيادة ، { وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ } ، يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب .","part":5,"page":195},{"id":2196,"text":"[73] { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } ، يقتدى بهم في الخيرات يهدون بأمرنا يدعون الناس إلى ديننا ، { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ } ، يعني العمل بالشرائع ، { وَإِقَامَ الصَّلَاةِ } ، يعني المحافظة عليها ، { وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ } ، إعطاءها ، { وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } ، موحدين .\r[74] { وَلُوطًا آتَيْنَاهُ } ، يعني وآتينا لوطا ، وقيل : واذكر لوطا آتيناه ، { حُكْمًا } ، يعني الفصل بين الخصوم بالحق ، { وَعِلْمًا } ، { وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ } ، يعني سدوما وكان أهلها يأتون الذكران في أدبارهم ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أخر ، كانوا يعملونها من المنكرات ، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ }\r[75] { وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } .","part":5,"page":196},{"id":2197,"text":"[76] { وَنُوحًا إِذْ نَادَى } ، دعا ، { مِنْ قَبْلُ } ، يعني من قبل إبراهيم ولوط ، { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } ، قال ابن عباس : من الغرق وتكذيب قومه . وقيل : لأنه كان أطول الأنبياء عمرا وأشدهم بلاء والكرب أشد الغم .\r[77] { وَنَصَرْنَاهُ } ، منعناه ، { مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } ، أن يصلوا إليه بسوء . وقال أبو عبيدة : يعني على القوم ، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ } .","part":5,"page":197},{"id":2198,"text":"[78] قوله تعالى : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ } ، اختلفوا في الحرث ، قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وأكثر المفسرين : كان الحرث كرما قد تدلت عناقيده . وقال قتادة : كان زرعا ، { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } ، يعني رعته ليلا فأفسدته ، والنفش الرعي بالليل والهمل بالنهار وهما الرعي بلا راع ، { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } ، يعني كان ذلك بعلمنا وبمرأى منا لا يخفى علينا علمه ، قال ابن عباس وقتادة والزهري : وذلك أن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب زرع والآخر صاحب غنم ، فقال صاحب الزرع إن هذا انفلتت غنمه ليلا ووقعت في حرثي فأفسدته فلم يبق منه شيء ، فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث ، فخرجا فمرا على سليمان فقال : كيف قضى بينكما؟ فأخبراه ، فقال سليمان : لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا فأخبر بذلك داود فدعاه فقال : كيف تقضي؟ قال : أدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه ، فإذا صار الحرث كهيئة يوم أكل دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه ، فقال داود : القضاء ما قضيت وحكم بذلك .","part":5,"page":198},{"id":2199,"text":"[79] قوله تعالى : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } ، أي علمناه القضية وألهمناها سليمان ، { وَكُلًّا } ، يعني داود وسليمان ، { آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } ، قال الحسن . لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد أهلكوا ولكن الله حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده ، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : « كانت امرأتان معهما ابناهما فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت صاحبتها : إنما ذهب بابنك؟ وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان وأخبرتاه فقال : ائتوني بالسكين أشقه بينهما ، ففالت الصغرى : لا تفعل يرحمك الله فهو ابنها فقضى به للصغرى » (1) . قوله تعالى : { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ } ، أي وسخرنا الجبال والطير يسبحن مع داود إذا سبح ، قال ابن عباس : كان يفهم تسبيح الحجر والشجر . وقال وهب : كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير . وقال قتادة . يسبحن أي يصلين معه إذا صلى . وقيل : كان داود إذ فتر يسمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه . { وَكُنَّا فَاعِلِينَ } ، ما ذكر من التفهيم وإيتاء\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء 6 / 458 ومسلم في الأقضية رقم (1720) 3 / 1343 .","part":5,"page":199},{"id":2200,"text":"الحكم والتسخير .\r[80] { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ } ، المراد باللبوس هنا الدروع لأنها تلبس وهو في اللغة اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها ، وهو بمعنى الملبوس كالجلوس والركوب ، قال قتادة : أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود وكانت من قبل صفائح والدرع يجمع الخفة والحصانة ، { لِتُحْصِنَكُمْ } لتحرزكم وتمنعكم ، { مِنْ بَأْسِكُمْ } أي من حرب عدوكم ، قال السدي : من وقع السلاح فيكم وقيل : ليحصنكم الله { فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ } ، يقول لداود وأهل بيته . وقيل : يقول لأهل مكة . فهل أنتم شاكرون نعمي بطاعة الرسول .","part":5,"page":200},{"id":2201,"text":"[81] { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً } ، أي وسخرنا لسليمان الريح وهي هواء متحرك وهم جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه ، ويظهر للحس بحركته ، والريح يذكر ويؤنث ، عاصفة شديدة الهبوب ، فإن قيل : قد قال في موضع آخر تجري بأمره رخاء والرخاء اللين؟ قيل : كانت الريح تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت ، وإن أراد أن تلين لانت ، { تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } ، يعني الشام وذلك إنها كانت تجري لسليمان وأصحابه حيث شاء سليمان ثم يعود إلى منزله بالشام { وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ } ، علمناه ، { عَالِمِينَ } ، بصحة التدبير فيه أي علمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه عز وجل .","part":5,"page":201},{"id":2202,"text":"[82] قوله تعالى : { وَمِنَ الشَّيَاطِينِ } ، يعني وسخرنا له من الشياطين ، { مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ } ، يعني يدخلون تحت الماء فيخرجون له من قعر البحر الجواهر ، { وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ } ، يعني دون الغوص وهو ما ذكر الله عز وجل : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ } الآية . { وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ } ، حتى لا يخرجوا من أمره . وقال الزجاج : معناه حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا .","part":5,"page":202},{"id":2203,"text":"[83] قوله تعالى : { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ } ، يعني دعا ربه ، واختلفوا في وقت ندائه والسبب الذي قال لأجله : أني مسني الضر وفي مدة بلائه ، فروى ابن شهاب عن أنس يرفعه أن أيوب لبث في بلائه ثماني عشرة سنة . وقال وهب : لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما .","part":5,"page":203},{"id":2204,"text":"وقال كعب : كان أيوب في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبع أيام . وقار الحسن : مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا تختلف فيه الدواب لا يقربه أحد غير امرأته رحمة صبرت معه بصدق وتأتيه بطعام وتحمد الله معه إذا حمد ، وأيوب مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله والصبر على ما ابتلاه به فلما نظر أيوب وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا لله وقال : رب { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } ، فقيل له : ارفع رأسك فقد استجيب لك اركض برجلك فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها فلم يبق عليه من دائه شيء ظاهر إلا سقط وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان . ثم ركض برجله ركضة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج فقام صحيحا وكسي حلة قال : فجعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من أهل ومال إلا وقد ضاعفه الله فإن قيل : إن الله سماه صابرا وقد أظهر الشكوى والجزع ، بقوله : { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ } و { أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ } ، قيل : ليس هذا شكاية إنما هو دعاء بدليل قوله تعالى : { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ } ، على أن الجزع إنما هو في الشكوى","part":5,"page":204},{"id":2205,"text":"إلى الخلق فأما الشكوى إلى الله عز وجل فلا يكون جزعا ولا ترك صبرا كما قال يعقوب : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } . قال سفيان بن عيينة : وكذلك من أظهر الشكوى إلى الناس وهو راض بقضاء الله لا يكون ذلك جزعا كما روي « أن جبريل دخل على النبي صلي الله عليه وسلم في مرضه فقال : كيف تجدك؟ قال : أجدني مغموما وأجدني مكروبا » (1) . وقال لعائشة حين قالت وارأساه : « قال : بل أنا وارأساه » (2) .\r_________\r(1) قطعة من حديث طويل أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 3 / 139 قال الهيثمي في مجمع الزوائد : فيه عبد الله بن ميمون القداح وهو ذاهب الحديث .\r(2) أخرجه البخاري في المرضى 10 / 123 .","part":5,"page":205},{"id":2206,"text":"[84] قوله : { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } ، واختلفوا في ذلك فقال ابن مسعود وقتادة وابن عباس والحسن وأكثر المفسرين : رد الله عز وجل إليه أهله وأولاده بأعيانهم أحياهم الله وأعطاه مثلهم معهم ، وهو ظاهر القرآن : قال الحسن : آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رد الله إليه وأهله ، يدل عليه ما روي عن الضحاك عن ابن عباس : أن الله عز وجل رد إلى المرأة شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكرا . قال عكرمة : قيل لأيوب : إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في الآخرة ، وآتيناك مثلهم في الدنيا فقال : يكونون لي في الآخرة ، وأوتى مثلهم في الدنيا ، فعلى هذا يكون معنى الآية : وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا وأراد بالأهل الأولاد ، { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } ، أي نعمة من عندنا ، { وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } ، أي عظة وعبرة لهم .","part":5,"page":206},{"id":2207,"text":"[85] قوله : { وَإِسْمَاعِيلَ } ، يعني ابن إبراهيم ، { وَإِدْرِيسَ } ، وهو أخنوخ ، { وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ } ، على أمر الله ، واختلفوا في ذا الكفل ، فقال عطاء : إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله إليه إني أريد قبض روحك فاعرض ملكك على بني إسرائيل فمن تكفل لك أن يصلي بالليل ولا يفتر ويصوم بالنهار ولا يفطر ، ويقضي بين الناس ولا يغضب ، فادفع ملكك إليه ففعل ذلك ، فقام شاب فقال : أنا أتكفل لك بهذا فتكفل ، ووفى به فشكر الله له ونبأه فسمي ذا الكفل وقيل : إن ذا الكفل رجل كفل أن يصلي كل ليلة مائة ركعة إلى أن يقبضه الله فوفى به ، واختلفوا في أنه كان نبيا ، فقال بعضهم : كان نبيا . وقيل : هو إلياس . وقيل : زكريا . وقال أبو موسى : لم يكن نبيا ولكن كان عبدا صالحا .\r[86] { وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا } ، يعني ما أنعم به عليهم في الدنيا من النبوة وصيرهم إليه في الجنة من الثواب ، { إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ } .","part":5,"page":207},{"id":2208,"text":"[87] { وَذَا النُّونِ } ، أي اذكر صاحب الحوت وهو يونس بن متى ، { إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا } والمغاضبة ههنا من المفاعلة التي تكون من واحد ، كالمسافر والمعاقبة ، فمعنى قوله مغاضبا أي غضبان . وقال الحسن : إنما غاضب ربه عز وجل من أجل أنه أمره بالمسير إلى قومه لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم ، فقيل له إن الأمر أسرع من ذلك حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلا يلبسها فلم ينظر ، وكان في خلقه ضيق فذهب مغاضبا . وعن ابن عباس ، قال : أتى جبريل يونس فقال : انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم ، فقال : ألتمس دابة ، قال : الأمر أعجل من ذلك فغضب فانطلق إلى السفينة { فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ } ، أي لن نقضي عليه العقوبة ، قاله مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ، وهو رواية العوفي عن ابن عباس يقال : قدر الله الشيء تقديرا وقدر يقدر قدرا بمعنى واحد ، ومنه قوله : { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ } في قراءة من خففها دليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري : { فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ } بالتشديد ، وقال عطاء وكثير من العلماء : معناه فظن أن لن نضيق عليه الحبس ،","part":5,"page":208},{"id":2209,"text":"كقوله تعالى : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } ، أي يضيق . وقال ابن زيد : هو استفهام معناه فظن أنه يعجز ربه ، فلا يقدر عليه . وقرأ يعقوب يقدر بضم الياء على المجهول خفيف { فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } ، يعني ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت ، وروي عن أبي هريرة مرفوعا : أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر ، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه : ما هذا؟ فأوحى الله إليه أن هذا تسبيح دواب البحر ، قال : فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه . فقالوا : يا ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة . وفي رواية : صوتا معروفا من مكان مجهول ، فقال : ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت ، فقالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال : نعم فشفعوا له ، عند ذلك فأمر الحوت فقذفه إلى الساحل ، كما قال الله تعالى : { فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ } .","part":5,"page":209},{"id":2210,"text":"[88] فذلك قوله عز وجل : { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ } ، أي أجبناه ، { وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ } ، من تلك الظلمات { وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ } ، من كل كرب إذا دعونا واستغاثوا بنا واختلفوا في أن رسالة يونس بن متى متى كانت؟ فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنها كانت بعد أن أخرجه الله من بطن الحوت ، بدليل أن الله عز وجل ذكره في سورة الصافات ، { فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ } ، ثم ذكر بعده : { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } ، وقال الآخرون . إنها كانت من قبل بدليل قوله تعالى : { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ }{ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } .\r[89] قوله عز وجل : { وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ } ، أي دعا ربه ، { رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا } ، وحيدا لا ولد لي وارزقني وارثا ، { وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ } ، أثنى على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق وأنه أفضل من بقي حيا .","part":5,"page":210},{"id":2211,"text":"[90] { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى } ، ولدا { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } أي جعلناها ولودا بعد ما كانت عقيما ، قاله أكثر المفسرين ، وقال بعضهم : كانت سيئة الخلق فأصلحها الله له بأن رزقها حسن الخلق . { إِنَّهُمْ } الأنبياء ، يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة { كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا } ، طمعا { وَرَهَبًا } ، خوفا ، رغبا في رحمة الله ، ورهبا من عذاب الله ، { وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } ، أي متواضعين ، قال قتادة : ذللا لأمر الله . قال مجاهد : الخشوع هو الخوف اللازم في القلب .","part":5,"page":211},{"id":2212,"text":"[91] { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } ، حفظت من الحرام وأراد مريم بنت عمران ، { فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا } ، أي أمرنا جبرائيل حتى نفخ في جيب درعها ، وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها ، وأضاف الروح إليه تشريفا لعيسى عليه السلام ، { وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ } ، أي دلالة على كمال قدرتنا على خلق ولد من غير أب ولم يقل آيتين وهما آيتان لأن معنى الكلام وجعلنا شأنهما وأمرهما آية ولأن الآية كانت فيهما واحدة ، وهي أنها أتت به من غير فحل .\r[92] قوله : { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ } ، أي ملتكم ودينكم ، { أُمَّةً وَاحِدَةً } ، أي دينا واحدا وهو الإسلام ، فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان ، وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد فجعلت الشريعة أمة واحدة لاجتماع أهلها على مقصد واحد ونصب أمة على القطع . { وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } .","part":5,"page":212},{"id":2213,"text":"[93] { وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } ، أي اختلفوا في الدين فصاروا فرقا وأحزابا ، قال الكلبي : فرقوا دينهم بينهم يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض ، والتقطع ههنا بمعنى التقطيع ، { كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ } ، فنجزيهم بأعمالهم .\r[94] { فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } ، لا يجحد ولا يبطل عمله سعيه بل يشكر ويثاب عليه ، { وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } ، لعمله حافظون ، وقيل : معنى الشكر من الله المجازاة ، ومعنى الكفران ترك المجازاة .","part":5,"page":213},{"id":2214,"text":"[95] { وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ } ، قال ابن عباس : معنى الآية وحرام على قرية أي أهل قرية ، { أَهْلَكْنَاهَا } أن يرجعوا بعد الهلاك ، فعلى هذا تكون (لا) صلة ، وقال آخرون : الحرام بمعنى الواجب ، فعلى هذا تكون (لا) ثابتة معناه واجب على أهل قرية أهلكناهم { أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } ، إلى الدنيا ، وقال الزجاج : معناه حرام على أهل قرية أهلكناهم أي حكمنا بهلاكهم أن يتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ، والدليل على هذا المعنى أنه قال الآية التي قبلها : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } أي يتقبل عمله ثم ذكر هذه الآية عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله .","part":5,"page":214},{"id":2215,"text":"[96] قوله تعالى : { حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ } ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب : (فتحت) بالتشديد على التكثير ، وقرأ الآخرون بالتخفيف ، { يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ } ، يريد فتح السد عن يأجوج ، { وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ } ، أي نشز وتل ، والحدب المكان المرتفع ، { يَنْسِلُونَ } ، يسرعون النزول من الآكام والتلال كنسلان الذئب ، وهو سرعة مشيه ، واختلفوا في هذه الكناية ، فقال قوم : عنى بها يأجوج ومأجوج وقال قوم : أراد جميع الخلق يعني أنهم يخرجون من قبورهم .","part":5,"page":215},{"id":2216,"text":"[97] قوله تعالى : { وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ } يعني القيامة ، قال الفراء وجماعة : الواو في قوله وأقترب مقحمة فمعناه حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق وقال قوم : لا يجوز طرح الواو ، وجعلوا جواب حتى إذا فتحت في قوله يا ويلنا ، فيكون مجاز الآية : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق ، قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا . قوله : { فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، وفي قوله هي ثلاثة أوجه أحدها : أنها كناية عن الأبصار ، ثم أظهر الأبصار بيانا معناه : فإذا الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا . والثاني : أن هي تكون عمدا كقوله : { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ } ، والثالث : أن يكون تمام الكلام عند قوله : { هِيَ } ، على معنى فإذا هي بارزة يعني من قربها كأنها حاضرة ، ثم ابتدأ : { شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، على تقديم الخبر على الابتداء ، مجازها : أبصار الذين كفروا شاخصة . قال الكلبي شخصت أبصار الكفار فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم وهوله ، يقولون : { يا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا } ، اليوم ، { بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ","part":5,"page":216},{"id":2217,"text":"} ، بوضعنا العبادة في غير موضعها .\r[98] { إِنَّكُمْ } أيها المشركون { وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، يعني الأصنام ، { حَصَبُ جَهَنَّمَ } ، يعني وقودها . وقال مجاهد وقتادة : حطبها ، والحصب في لغة أهل اليمن الحطب . وقال عكرمة : هذا الحطب بلغة الحبشة . قال الضحاك : يعني يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصب . وأصل الحصب المرمي ، قال الله عز وجل : { أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا } أي ريحا ترميهم بحجارة ، وقرأ علي بن أبي طالب : حطب جهنم ، { أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } ، أي فيها داخلون .\r[99] { لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ } ، يعني الأصنام ، { آلِهَةً } على الحقيقة ، { مَا وَرَدُوهَا } ، أي ما دخل عابدوها النار ، { وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ } ، يعني العابد والمعبودين .","part":5,"page":217},{"id":2218,"text":"[100 ، 101] { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ }{ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى } ، قال بعض أهل العلم : إن ههنا بمعنى إلا معناه : إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى ، يعني السعادة والعدة الجميلة بالجنة ، { أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } ، قيل : الآية عامة في كل من سبقت لهم من الله السعادة . وقال أكثر المفسرين : عنى بذلك كل من عبد من دون الله وهو لله طائع ولعبادة من يعبده كاره .\r[102] { لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا } ، يعني صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة ، والحس والحسيس الصوت الخفي ، { وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ } ، مقيمون كما قال : { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ } .","part":5,"page":218},{"id":2219,"text":"[103] { لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ } ، قال ابن عباس : الفزع الأكبر النفخة الأخيرة بدليل قوله عز وجل : { يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ } ، قال الحسن : حين يؤمر بالعبد إلى النار . قال ابن جريج : حين يذبح الموت وتنادي : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت . وقال سعيد بن جبير والضحاك : هو أن تطبق عليهم جهنم وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه . { وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ } , أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ، ويقولون : { هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } .","part":5,"page":219},{"id":2220,"text":"[104] { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ } اختلفوا في السجل ، فقال السدي ، السجل ملك يكتب أعمال العباد ، واللام زائدة ، أي كطي السجل الكتب كقوله : { رَدِفَ لَكُمْ } ، اللام فيه زائدة ، وقال ابن عباس ومجاهد والأكثرون : السجل الصحيفة للكتب أي لأجل ما كتب ، معناه : كطي الصحيفة على مكتوبها ، والسجل اسم مشتق من المساجلة وهي المكاتبة ، والطي الدرج الذي هو ضد النشر ، { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } ، أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة ، نظيره قوله تعالى : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } .","part":5,"page":220},{"id":2221,"text":"[105] { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ } قال سعيد بن جبير ومجاهد : الزبور جميع الكتب المنزلة ، والذكر أم الكتاب الذي عنده ، والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ . وقال ابن عباس والضحاك : الزبور التوراة والذكر الكتب المنزلة من بعد التوراة . وقال الشعبي : الزبور كتاب داود ، والذكر التوراة ، وقيل : الزبور زبور داود والذكر القرآن ، وبعد بمعنى قبل ، كقوله تعالى : { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ } : أي أمامهم { أَنَّ الْأَرْضَ } يعني أرض الجنة ، { يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } ، قال مجاهد : يعني أمة محمد صلي الله عليه وسلم دليله قوله تعالى : { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ } ، وقال ابن عباس : أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون وهذا حكم من الله بإظهار الدين وإعزاز المسلمين . وقيل : أراد بالأرض الأرض المقدسة .","part":5,"page":221},{"id":2222,"text":"[106] { إِنَّ فِي هَذَا } ، أي في هذا القرآن ، { لَبَلَاغًا } ، وصولا إلى البغية أي من اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجوه من الثواب . وقيل : بلاغا أي كفاية . يقال في هذا الشيء بلاغ وبلغة أي كفاية ، والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر ، { لِقَوْمٍ عَابِدِينَ } ، أي المؤمنين الذين يعبدون الله ، وقال ابن عباس : عالمين وقال كعب الأحبار : هم أمة محمد صلي الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان .\r[107] { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } ، قال ابن زيد : يعني رحمة للمؤمنين خاصة فهو رحمة لهم . وقال ابن عباس : هو عام في حق من أمن ومن لم يؤمن ، فمن آمن رحمة له في الدنيا والأخرة؟ ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنهم ورفع المسخ والخسف والاستئصال عنهم ، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم : « إنما أنا رحمة مهداة » . (1) .\r[108] { قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } . أي أسلموا .\r_________\r(1) أخرجه الدارمي عن أبي صالح مرسلا 1 / 9 ووصله الحاكم 1 / 35 وصححه على شرط الشيخين . قال الهيثمي في المجمع 8 / 257 : (رواه البزار والطبراني في الصغير ، ورجال البزار رجال الصحيح) .","part":5,"page":222},{"id":2223,"text":"[109] { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ } ، أي أعلمتكم بالحرب وأن لا صلح بيننا ، { عَلَى سَوَاءٍ } ، يعني إنذارا بينا نستوي في علمه لا استيذانا به دونكم لتتأهبوا لما يراد بكم ، يعني أذنتكم على وجه نستوي نحن وأنتم في العلم به ، وقيل : لتستووا في الإيمان به { وَإِنْ أَدْرِي } ، يعني وما أعلم . { أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ } ، يعني القيامة .\r[110] { إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } .\r[111] { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ } ، يعني لعل تأخير العذاب عنكم كناية عن غير مذكور ، { فِتْنَةٌ } اختبار ، { لَكُمْ } ، ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم ، { وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } ، يعني تتمتعون إلى انقضاء آجالكم .","part":5,"page":223},{"id":2224,"text":"[112] { قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ } قرأ حفص عن عاصم : { قَالَ رَبِّ احْكُمْ } ، وقرأ الآخرون : قُل رَبِّ احْكُم يعني افصل بيني وبين من كذبني بالحق ، فإن قيل : كيف قال : احكم بالحق؟ قيل : الحق ههنا بمعنى العذاب لأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر ، نظيره قوله تعالى : { رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ } ، قال أهل المعاني : معناه رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه والله تعالى يحكم بالحق طلب منه أو لم يطلب ، ومعنى الطلب ظهور الرغبة من الطالب في حكمه من الحق ، { وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } ، من الكذب والباطل .","part":5,"page":224},{"id":2225,"text":"(22) سورة الحج\r[1] { يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ } ، أي : احذروا عقابه بطاعته ، { إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } ، والزلزلة والزلزال شدة الحركة على الحالة الهائلة ، واختلفوا في هذه الزلزلة فقال علقمة والشعبي : هي من أشراط الساعة . وقيل : قيام الساعة . وقال الحسن والسدي : هده الزلزلة تكون يوم القيامة .\rوقال ابن عباس : زلزلة الساعة قيامها فتكون معها .","part":5,"page":225},{"id":2226,"text":"[2] { يَوْمَ تَرَوْنَهَا } ، يعني الساعة ، وقيل : الزلزلة ، { تَذْهَلُ } ابن عباس : تشغل ، وقيل : تنسى ، يقال ذهلت عن كذا إذا تركته واشتغلت بغيره عنه { كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } ، أي : كل امرأة معها ولد ترضعه ، يقال : امرأة مرضع بلا هاء إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل ، فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء . { وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } ، أي : تسقط ولدها من هول ذلك اليوم قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام ، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حمل . ومن قال . تكون في القيامة قال : هذا على وجه تعظيم الأمر لا على حقيقته كقولهم أصابني أمر يشيب منه الوليد يريد به شدته . { وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى } قال الحسن . معناه وترى الناس سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب . وقيل : معناه وترى الناس كأنهم سكارى { وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } .","part":5,"page":226},{"id":2227,"text":"[3] قوله : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } نزلت في النضر بن الحارث ، وكان كثير الجدل وكان يقول : الملائكة بنات الله ، والقرآن أساطير الأولين ، وكان ينكر البعث وإحياء من صار ترابا . قوله تعالى : { وَيَتَّبِعُ } أي : يتبع في جداله في الله بغير علم ، { كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ } ، والمريد المتمرد الغالي العاتي المستمر في الشر .\r[4] { كُتِبَ عَلَيْهِ } ، قضي على الشيطان ، { أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ } ، اتبعه { فَأَنَّهُ } ، يعني الشيطان { يُضِلُّهُ } ، أي : يضل من تولاه ، { وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } ، ثم ألزم الحجة ، منكري البعث .","part":5,"page":227},{"id":2228,"text":"[5] فقال : { يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } ، يعني : في شك ، { مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ } يعني : أباكم أدم الذي هو أصل النسل ، { مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } يعني ذريته والنطفة هي المني وأصلها الماء القليل وجمعها نطاف ، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } ، وهي الدم الغليظ المتجمد الطري ، وجمعها علق وذلك أن النطفة تصير دما غليظا ثم تصير لحما ، { ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ } ، وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ ، { مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } ، قال ابن عباس وقتادة : مخلقة أي تامة وغير مخلقة غير تامة أي ناقصة الخلق . وقال مجاهد : مصورة وغير مصورة يعني السقط . وقيل : المخلقة الولد الذي تأتي به المرأة لوقته ، وغير المخلقة السقط . { لِنُبَيِّنَ لَكُمْ } ، كما قدرتنا وحكمتنا في تصريف أطوار خلقكم ولتستدلوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة . وقيل . لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة ، { وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ } ، فلا تمجه ولا تسقطه ، { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } ، إلى وقت خروجها من الرحم تامة الخلق والمدة . { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ }","part":5,"page":228},{"id":2229,"text":"من بطون أمهاتكم { طِفْلًا } أي : صغارًا ولم يقل أطفالا لأن العرب تذكر الجمع باسم الواحد . وقيل . تشبيها بالمصدر مثل عدل وزور .","part":5,"page":229},{"id":2230,"text":"{ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ } يعني : الكمال والقوة ، { وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى } ، من قبل بلوغ الكبر ، { وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ } ، أي : الهرم والخرف ، { لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا } ، أي : يبلغ من السن ما يتغير عقله فلا يعقل شيئا ثم ذكر دليلا أخر على البعث فقال : { وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً } ، أي يا بسة لا نبات فيها ، { فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ } ، المطر ، { اهْتَزَّتْ } ، تحركت بالنبات وذلك أن الأرض ترتفع بالنبات فذلك تحركها ، { وَرَبَتْ } ، أي : ارتفعت وزادت ، وقرأ أبو جعفر : (ورأبت) بالهمزة ، وكذلك في حم السجدة أي : ارتفعت وعلت ، قال المبرد : أراد اهتز وربا نباتها فحذف المضاف ، والاهتزاز في النبات أظهر ، يقال . اهتز النبات أي : طال وإنما أنث لذكر الأرض . وقيل . فيه تقديم وتأخير معناه : ربت واهتزت ، { وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } ، أي : صنف حسن يبهج به من رآه أي : يسر ، فهذا دليل آخر على البعث .","part":5,"page":230},{"id":2231,"text":"[6] { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } ، أي : لتعلموا أن الله هو الحق ، { وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r[7] { وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ } .","part":5,"page":231},{"id":2232,"text":"[8] { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني : النضر بن الحارث ، { وَلَا هُدًى } ، بيان { وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ } .\r[9] { ثَانِيَ عِطْفِهِ } ، متبخترا لتكبره . وقال . مجاهد وقتادة : أي لاوي عنقه . قال عطية وابن زيد : معرضا عما يدعى إليه تكبرا . وقال ابن جريج : يعرض عن الحق تكبرا . والعطف : الجانب ، وعطفا الرجل : جانباه عن يمين وشمال وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان أي يلويه ويميله عند الإعراض عن الشيء ، نظيره قوله تعالى : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا } ، وقال تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ } . { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، عن دين الله ، { لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } ، عذاب وهوان هو القتل ببدر ، فقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط يوم بدر صبرا . { وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ } .","part":5,"page":232},{"id":2233,"text":"[10] ويقال له : { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } ، فيعذبهم بغير ذنب وهو جل ذكره على أي وجه شاء تصرف في عبده فحكمه عدل وهو غير ظالم .","part":5,"page":233},{"id":2234,"text":"[11] قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ } ، الآية نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصح بها جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته ذكرا وكثر ماله قال : هذا دين حسن وقد أصبت فيه خيرا واطمأن إليه ، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت فرسه وقل ماله قال : ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرا فينقلب عن دينه ، وذلك الفتنة فأنزل الله عز وجل . { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ } ، أكثر المفسرين قالوا على شك وأصله من حرف الشيء وهو طرفه نحو حرف الجبل والحائط الذي كالقائم عليه غير مستقر ، فقيل للشاك في الدين أنه يعبد الله على حرف لأنه على طرف وجانب من الدين لم يدخل فيه على الثبات والتمكن كالقائم على حرف الجبل مضطرب غير مستقر يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف لضعف قيامه ، ولو عبدوا الله في الشكر على السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف ، قال الحسن : هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه . { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ } ، صحة في جسمه وسعة في معيشته ، { اطْمَأَنَّ بِهِ } ، أي : رضي به وسكن إليه","part":5,"page":234},{"id":2235,"text":"، { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } ، بلاء في جسده وضيق في معيشته ، { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ } ، ارتد ورجع على عقبه إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر ، { خَسِرَ الدُّنْيَا } ، يعني هذا الشاك خسر الدنيا بفوات ما كان يؤمله ، { وَالْآخِرَةَ } ، بذهاب الدين والخلود في النار { ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } الظاهر .\r[12] { يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ } ، إن عصاه لم يعبده ، { وَمَا لَا يَنْفَعُهُ } ، إن أطاعه وعبده { ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } ، عن الحق والرشد .\r[13] { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ } أي : ضر عبادته ، فإن قيل : قد قال لمن ضره أقرب من نفعه ولا نفع في عبادة الصنم أصلا؟ قيل : هذا على عادة العرب فإنهم يقولون لما لا يكون أصلا بعيد ، كقوله : { ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } أي : لا رجع أصلا فلما كان نفع الصنم بعيدا على معنى أنه لا نفع فيه أصلا قيل : ضره أقرب من نفعه لأنه كائن . { لَبِئْسَ الْمَوْلَى } : أي : الناصر . وقيل : المعبود . { وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ } ، أي : الصاحب والمخالط يعني الوثن ، والعرب تسمي الزوج العشير لأجل المخالطة .","part":5,"page":235},{"id":2236,"text":"[14] { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } .","part":5,"page":236},{"id":2237,"text":"[15] { مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ } ، يعني نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم { فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ } ، أي : بحبل { إِلَى السَّمَاءِ } أراد بالسماء سقف البيت على قول الأكثرين أي : ليشدد حبلا في سقف بيته فليختنق به حتى يموت ، { ثُمَّ لِيَقْطَعْ } الحبل بعد الاختناق . وقيل : ثم ليقطع أي ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقا ، { فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } ، صنعه وحيلته ، { مَا يَغِيظُ } (ما) بمعنى المصدر أي : هل يذهبن كيده وحيلته غيظه معناه فليختنق غيظا حتى يموت ، وليس هذا على سبيل الحتم أن يفعله لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت ، ولكنه كما يقال للحاسد : إن لم ترض هذا فاختنق ومت غيظا . وقال ابن زيد : المراد من السماء السماء المعروفة ومعنى الآية : من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكيد في أمره ليقطعه عنه فليقطعه من أصله فإن أصله من السماء فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي صلي الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه من السماء فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل .","part":5,"page":237},{"id":2238,"text":"[16] { وَكَذَلِكَ } أي مثل ذلك يعني ما تقدم من آيات القرآن ، { أَنْزَلْنَاهُ } ، يعني القرآن { آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ } .\r[17] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } ، يعني : عبدة الأوثان ، { إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } ، يحكم بينهم ، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } .","part":5,"page":238},{"id":2239,"text":"[18] { أَلَمْ } ، ألم تعلم ، وقيل : ألم { تَرَ } بقلبك { أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ } ، قال مجاهد : سجودها تحول ظلالها .","part":5,"page":239},{"id":2240,"text":"وقال أبو العالية : ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له ، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه . وقيل : سجودها بمعنى الطاعة فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله خاشع لله مسبح له كما أخبرنا الله تعالى عن السماوات والأرض { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } ، وقال في وصف الحجارة { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } ، وقال تعالى : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } ، وهذا مذهب حسن موافق لأهل السنة . قوله : { وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ } ، أي : من هذه الأشياء كلها تسبح الله عز وجل وكثير من الناس يعني المسلمين . { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } ، وهم الكفار لكفرهم وتركهم السجود وهم مع كفرهم تسجد ظلالهم لله عز وجل والواو في قوله : { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } ، واو الاستئناف . { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ } أي : يهنه الله { فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } أي : من يذله الله فلا يكرمه أحد ، { إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } ، أي : يكرم ويهين فالسعادة والشقاوة بإرادته ومشيئته","part":5,"page":240},{"id":2241,"text":".","part":5,"page":241},{"id":2242,"text":"[19] قوله تعالى : { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } أي : جادلوا في دينه وأمره والخصم اسم شبيه بالمصدر ، فلذلك قال : { اخْتَصَمُوا } بلفظ الجمع كقوله : { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } ، واختلفوا في هذين الخصمين . فقيل : هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة ابن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة . وقال ابن عباس وقتادة : نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نحن أولى بالله منكم وأقدم منكم كتابا ، ونبينا قبل نبيكم ، وقال المؤمنون : نحن أحق بالله آمنا بنبينا محمد صلي الله عليه وسلم ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب وأنتم تعرفون نبينا وكتابنا وكفرتم به حسدا ، فهذه خصومتهم في ربهم . وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والكلبي : هم المؤمنون والكافرون كلهم من أي ملة كانوا . وقال بعضهم جعل الأديان ستة في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا } الآية فجعل خمسة للنار وواحدا للجنة . فقوله تعالى : { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } ينصرف إليهم فالمؤمنون خصم وسائر الخمسة خصم ثم بين الله عز وجل ما","part":5,"page":242},{"id":2243,"text":"للخصمين فقال : { فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ } قال سعيد بن جبير : ثياب من نحاس مذاب وليس من الآنية شيء إذا حمى أشد حرًّا منه وسمي باسم الثياب لأنها تحيط بهم كإحاطة الثياب . وقال بعضهم : يلبس أهل النار مقطعات من النار ، { يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ } ، الحميم : هو الماء الحار الذي انتهت حرارته .\r[20] { يُصْهَرُ بِهِ } أي : يذاب بالحميم ، { مَا فِي بُطُونِهِمْ } ، يقال : صهرت الإلية والشحم بالنار إذا أذبتهما أصهرها صهرا معناه يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم حتى يسقط ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء ، { وَالْجُلُودُ } أي : يشوي حرها جلودهم فتتساقط .\r[21] قوله تعالى : { وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } ، سياط من حديد واحدتها مقمعة ، قال الليث : المقمعة شبه الجزر من الحديد ، من قولهم : قمعت رأسه إذا ضربته ضربا عنيفا .","part":5,"page":243},{"id":2244,"text":"[22] { كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ } ، يعني : كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي يأخذ بأنفاسهم { أُعِيدُوا فِيهَا } ، يعني : ردوا إليها بالمقامع . وفي التفسير : إن جهنم لتجيش بهم فتلقيهم إلى أعلاها فيريدون الخروج منها فتضربهم الزبانية بمقامع الحديد فيهوون فيها سبعين خريفا . { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } ، أي : تقول لهم الملائكة : ذوقوا عذاب الحريق ، أي : المحرق مثل الأليم والوجيع ، قال الزجاج : هؤلاء أحد الخصمين . وقال في الآخر وهم المؤمنون .\r[23] { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } ، جمع سوار ، { وَلُؤْلُؤًا } ، قرأ أهل المدينة وعاصم (ولؤلؤا) ههنا وفي سورة الملائكة بالنصب وافق يعقوب ههنا على معنى ويحلون لؤلؤا ولأنها مكتوبة في المصاحف بالألف وقرأ الآخرون بالخفض عطفا على قوله من ذهب ، { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } أي : أنهم يلبسون في الجنة ثياب الإبريسم وهو الذي حرم لبسه في الدنيا على الرجال .","part":5,"page":244},{"id":2245,"text":"[24] قوله تعالى : { وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ } ، قال ابن عباس : هو شهادة أن لا إله إلا الله . وقال ابن زيد : لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله . وقال السدي : أي القرآن . وقيل : هو قول أهل الجنة الحمد لله الذي صدقنا وعده . { وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } ، إلى دين الله وهو الإسلام والحميد هو الله المحمود في أفعاله .","part":5,"page":245},{"id":2246,"text":"[25] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، عطف المستقبل عن الماضي لأن المراد من لفظ المستقبل الماضي كما قال تعالى في موضع آخر : { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، وقيل : معناه إن الذين كفروا فيما تقدم ويصدون عن سبيل الله في الحال ، أي : وهم يصدون . { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، أي : ويصدون عن المسجد الحرام . { الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ } ، قبلة لصلاتهم ومنسكا ومتعبدًا كما قال : { وُضِعَ لِلنَّاسِ } . { سَوَاءً } ، قرأ حفص عن عاصم ويعقوب : { سَوَاءً } نصبا بإيقاع الجعل عليه يتعدى إلى مفعولين . وقيل : معناه مستويا فيه ، { الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } ، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وما بعده خبر ، وتم الكلام عند قوله : { لِلنَّاسِ } وأراد بالعاكف المقيم فيه ، وبالبادي الطارئ المنتاب إليه من غيره ، واختلفوا في معنى الآية فقال قوم : سواء العاكف فيه والباد يعني في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه ، وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة ، وقالوا : المراد منه نفس المسجد الحرام ومعنى التسوية هو التسوية في تعظيم الكعبة في فضل الصلاة في","part":5,"page":246},{"id":2247,"text":"المسجد الحرام والطواف بالبيت ، وقال الآخرون : المراد منه جميع الحرم ، ومعنى التسوية أن المقيم والبادي سواء في النزول به ليس أحدهما أحق بالمنزل يكون فيه من الأخر غير أنه لا يزعج فيه أحد إذا كان قد سبق إلى منزل ، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد ، قالوا : هما سواء في البيوت والمنازل . وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها ، وعلى القول الأول وهو الأقرب إلى الصواب يجوز لأن الله تعالى قال : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ } ، وقال النبي صلي الله عليه وسلم يوم فتح مكة : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن » (1) ، فنسب الدار إليه نسب ملك ، واشترى عمر دارًا للسجن بمكة بأربعة آلاف درهم ، فدل على جواز بيعها وهذا قول طاوس وعمر بن دينار وبه قال الشافعي . قوله عز وجل : { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } أي : في المسجد الحرام وهو الميل إلى الظلم ، والباء في قوله { بِإِلْحَادٍ } زائدة كقوله : { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } ، ومعناه من يرد فيه إلحادا بظلم ، وأنكر المبرد أن تكون الباء زائدة وقال : معنى الآية من تكن إرادته فيه بأن يلحد\r_________\r(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الجهاد والسير رقم (1780) 3 / 1405 .","part":5,"page":247},{"id":2248,"text":"بظلم . واختلفوا في هذا الإلحاد فقال مجاهد وقتادة : هو الشرك وهو عبادة غير الله . وقال قوم : هو كل شيء كان منهيا عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم . وقال عطاء : هو دخول الحرم غير محرم أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم من قتل صيد أو قطع شجر . وقال ابن عباس : هو أن تقتل فيه من لا يقتلك أو تظلم من لا يظلمك ، وهذا معنى قول الضحاك . وعن مجاهد أنه قال : تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات . وقال حبيب بن أبي ثابت : وهو احتكار الطعام بمكة . وقال عبد الله بن مسعود : لو أن رجلا هم بخطيئة لم تكتب عليه ما لم يعملها ، ولو أن رجلا هم بقتل رجل بمكة وهو بعدن أبين أو ببلد أخر أذاقه الله من عذاب أليم . قال السدي : إلا أن يتوب .","part":5,"page":248},{"id":2249,"text":"[26] قوله تعالى : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ } ، أي : وطأنا . قال ابن عباس : جعلنا . وقيل : بينا . قال الزجاج . جعلنا مكان البيت مبوأ لإبراهيم . وقال مقاتل بن حيان : هيئنا . وإنما ذكر مكان البيت لأنه لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت لم يدر أين يبني فبعث الله ريحا خجوجا فكنست له ما حول البيت على الأساس . قوله تعالى : { أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا } أي : عهدنا إلى إبراهيم وقلنا له لا تشرك بي شيئا ، { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ } ، أي : الذين يطوفون بالبيت ، { وَالْقَائِمِينَ } أي : المقيمين ، { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } ، أي : المصلين .","part":5,"page":249},{"id":2250,"text":"[27] { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ } أي : أعلم ونادى في الناس ، { بِالْحَجِّ } ، فقال إبراهيم وما يبلغ صوتي؟ فقال : عليك الأذان وعلينا البلاغ ، فقام إبراهيم وقال : يا أيها الناس ، ألا إن ربكم قد بنى لكم بيتا وكتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم فأجابه كل من كان يحج من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات : لبيك اللهم لبيك ، قال ابن عباس وزعم الحسن أن قوله : { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } كلام مستأنف وإن المأمور بهذا التأذين محمد صلي الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع . وروى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : « أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا » (1) . قوله تعالى : { يَأْتُوكَ رِجَالًا } ، أي : مشاة على أرجلهم جمع راجل ، مثل قائم وقيام وصائم وصيام ، { وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } ، أي : ركبانا على كل ضامر ، والضامر : البعير المهزول . { يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } من كل طريق بعيد .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الحج رقم (1337) 2 / 975 والمصنف في شرح السنة 7 / 3 .","part":5,"page":250},{"id":2251,"text":"[28] { لِيَشْهَدُوا } ، ليحضروا ، { مَنَافِعَ لَهُمْ } ، قال سعيد بن المسيب : العفو والمغفرة . وقال سعيد بن جبير : التجارة ، وهي رواية ابن زيد عن ابن عباس ، قال الأسواق . وقال مجاهد : التجارة وما يرضي الله به من أمر الدنيا والآخرة . { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } ، يعني عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين . قيل لها : معلومات للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في أخرها . ويروى عن علي رضي الله عنه أنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، وفي رواية عطاء عن ابن عباس : أنها يوم عرفة والنحر وأيام التشريق . وقال مقاتل : المعلومات أيام التشريق .","part":5,"page":251},{"id":2252,"text":"{ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } ، يعني الهدايا والضحايا تكون من النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم . واختار الزجاج أن الأيام المعلومات يوم النحر وأيام التشريق لأن الذكر على بهيمة الأنعام يدل على التسمية على نحرها ونحر الهدايا يكون في هذه الأيام . { فَكُلُوا مِنْهَا } أمر إباحة وليس بواجب ، وإنما قال ذلك لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعا يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع . واختلفوا في الهدي الواجب بالشرع هل يجوز للمهدي أن يأكل منه شيئا مثل دم التمتع والقران والدم الواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد ، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يأكل منه شيئا وبه قال الشافعي ، وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر ، وقال ابن عمر : لا يأكل من جزاء الصيد والنذر ، ويأكل مما سوى ذلك ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال مالك : يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور ، وعند أصحاب الرأي يأكل من دم التمتع والقران ولا يأكل من واجب سواهما . قوله عز وجل : { وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } ، يعني :","part":5,"page":252},{"id":2253,"text":"الزمن الفقير الذي لا شيء له والبائس الذي اشتد بؤسه ، والبؤس شدة الفقر .","part":5,"page":253},{"id":2254,"text":"[29] { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ } ، التفث الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار والشعث ، تقول العرب لمن تستقذره : ما أتفثك أي ما أوسخك . والحاج أشعث أغبر أي : لم يحلق شعره ولم يقلم ظفره فقضاء التفث إزالة هذه الأشياء ليقضوا تفثهم ، أي : ليزيلوا أدرانهم ، والمراد منه الخروج عن الإحرام بالحلق وقص الشارب ونتف الإبط والاستحداد وقلم الأظفار ولبس الثياب . قال ابن عمر وابن عباس : قضاء التفث مناسك الحج كلها . وقال مجاهد : هو مناسك الحج وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقلم الأظفار . وقيل : التفث ههنا رمي الجمار . قال الزجاج : لا نعرف التفث ومعناه إلا من القرآن . قوله تعالى : { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } ، قال مجاهد : أراد نذر الحج والهدي وما ينذر الإنسان من شيء يكون في الحج أي : ليتموها بقضائها . وقيل : المراد منه الوفاء بما نذر على ظاهره . وقيل : أراد به الخروج عما وجب عليه نذرا ولم ينذر . والعرب تقول لكل من خرج عن الواجب عليه وفى بنذره . وقرأ عاصم برواية أبي بكر (وليوفوا) بنصب الواو وتشديد الفاء { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } ، أراد به الطواف الواجب عليه وهو طواف الإفاضة يوم","part":5,"page":254},{"id":2255,"text":"النحر بعد الرمي والحلق ، والطواف ثلاثة ، طواف القدوم : وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعا يرمل ثلاثا من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه ويمشي أربعا ، وهذا الطواف سنة لا شيء على من تركه . والطواف الثاني : هو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق ، وهو واجب لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأت به . والطواف الثالث هو طواف الوداع لا رخصة فيه لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعا فمن تركه فعليه دم إلا المرأة الحائض يجوز لها ترك طواف الوداع . قوله : { بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } واختلفوا في معنى العتيق ، فقال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وقتادة : سمي عتيقا لأن الله أعتقه من أيدي الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه ، فلم يظهر عليه جبار قط . وقال سفيان بن عيينة : سمي عتيقا لأنه لم يملك قط وقال الحسن وابن زيد : سمي به لأنه قديم وهو أول بيت وضع للناس ، يقال دينار عتيق أي قديم ، وقيل : سمي عتيق لأن الله أعتقه من الغرق فإنه رفع أيام الطوفان .","part":5,"page":255},{"id":2256,"text":"[30] { ذَلِكَ } أي : الأمر ذلك يعنى ما ذكر من أعمال الحج ، { وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ } ، أي معاصي الله وما نهى عنه وتعظيمها ترك ملابستها . قال الليث : حرمات الله ما لا يحل انتهاكها . وقال الزجاج : الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه ، وذهب قوم إلى أن معنى الحرمات ههنا المناسك بدليل ما يتصل بها من الآيات . وقال ابن زيد : الحرمات ههنا البيت الحرام ، والبلد الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام والإحرام . { فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } ، أي : تعظيم الحرمات ، خير له عند الله في الآخرة ، { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ } أن تأكلوها إذا ذبحتموها وهي الإبل والبقر والغنم ، { إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } ، تحريمه وهو قوله في سورة المائدة { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ } ، الآية ، { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ } أي : عبادتها ، يقول : كونوا على جانب منها فإنها رجس ، أي : سبب الرجس ، وهو العذاب والرجس : بمعنى الرجز وقال الزجاج : (من) ههنا للتجنيس أي : اجتنبوا الأوثان التي هي رجس ، { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } ، يعني : الكذب والبهتان .","part":5,"page":256},{"id":2257,"text":"وقال ابن مسعود : شهادة الزور ، وقيل : هو قول المشركين في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك .","part":5,"page":257},{"id":2258,"text":"[31] { حُنَفَاءَ لِلَّهِ } ، مخلصين له ، { غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } ، قال قتادة : كانوا في الشرك يحجون ويحرمون البنات والأمهات والأخوات وكانوا يسمون حنفاء ، فنزلت : { حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } أي : حجاجًا لله مسلمين موحدين يعني : من أشرك لا يكون حنيفًا . { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ } ، أي : سقط ، { مِنَ السَّمَاءِ } ، إلى الأرض ، { فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ } ، أي : تستلبه الطير وتذهب به ، والخطف والاختطاف تناول الشيء بسرعة ، وقرأ أهل المدينة فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء ، أي يتخطفه ، { أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ } ، أي : تميل وتذهب به ، { فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } ، أي : بعيد معناه أن بعد من أشرك بالحق كبعد من سقط من السماء فذهبت به الطير ، أو هوت به الريح ، فلا يصل بحال . وقيل : شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع بحيث تسقطه الريح ، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه إلى المكان السحيق ، وقال الحسن : شبه أعمال الكفار بهذه الحال في أنها تذهب وتبطل فلا يقدرون على شيء منها .","part":5,"page":258},{"id":2259,"text":"[32] { ذَلِكَ } ، يعني : الذي ذكرت من اجتناب الرجس وقول الزور ، { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } ، قال ابن عباس : شعائر الله البدن والهدي وأصلها من الأشعار وهو إعلامها ليعلم أنها هدي وتعظيمها استسمانها واستحسانها ، وقيل : شعائر الله أعلام دينه فإنها من تقوى القلوب ، أي : فإن تعظيمها من تقوى القلوب .","part":5,"page":259},{"id":2260,"text":"[33] { لَكُمْ فِيهَا } أي : في البدن قبل تسميتها للهدى ، { مَنَافِعُ } ، في درها ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها ، { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } ، وهو أن يسميها ويوجبها هديا فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها ، هذا قول مجاهد ، وقول قتادة والضحاك ، ورواه مقسم عن ابن عباس . وقيل : معناه لكم في الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هديًا بأن تركبوها وتشربوا ألبانها عند الحاجة إلى أجل مسمى ، يعني إلى أن تنحروها وهو قول عطاء ابن أبي رباح . وقال بعضهم : أراد بالشعائر المناسك ومشاهدة مكة ، لكم فيها منافع بالتجارة والأسواق إلى أجل مسمى وهو الخروج من مكة . وقيل . لكم فيها منافع بالأجر والثواب في قضاء المناسك إلى أجل مسمى ، أي : إلى انقضاء أيام الحج ، { ثُمَّ مَحِلُّهَا } ، أي : منحرها ، { إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } أي : منحرها عند البيت العتيق ، يريد أرض الحرم كلها ، كما قال : { فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } أي : الحرم كله . وروي عن جابر في قصة حجة الوداع أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : « نحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم » (1) . ومن قال : الشعائر المناسك قال معنى\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الحج رقم (1218) 2 / 893 والمصنف في شرح السنة 7 / 150 .","part":5,"page":260},{"id":2261,"text":"قوله { ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } أي : محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق ، أي : أن يطوفوا به طواف الزيارة يوم النحر .","part":5,"page":261},{"id":2262,"text":"[34] قال الله تعالى : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ } ، يعني جماعة مؤمنة سلفت قبلكم ، { جَعَلْنَا مَنْسَكًا } ، قرأ حمزة والكسائي بكسر السين ههنا وفي آخر السورة ، على معنى الاسم مثل المسجد والمطلع ، يعني مذبحا وهو موضع القربان ، وقرأ الآخرون بفتح السين على المصدر ، مثل المدخل والمخرج يعني إراقة الدماء وذبح القرابين ، { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } ، عند نحرها وذبحها وسماها بهيمة لأنها لا تتكلم ، وقال : { بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } وقيدها بالنعم لأن من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير ، لا يجوز ذبحها في القرابين . { فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } ، أي : سموا على الذبائح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد ، { فَلَهُ أَسْلِمُوا } ، انقادوا وأطيعوا ، { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } ، قال ابن عباس وقتادة : المتواضعين . وقال مجاهد : المطمئنين إلى الله عز وجل ، والخبت المكان المطمئن من الأرض . وقال الأخفش : الخاشعين . وقال النخعي : المخلصين . وقال الكلبي : هم الرقيقة قلوبهم . وقال عمر بن أوس : هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا .","part":5,"page":262},{"id":2263,"text":"[35] { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ } ، من البلاء والمصائب ، { وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ } ، أي : المقيمين للصلاة في أوقاتها ، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } ، أي : يتصدقون .\r[36] { وَالْبُدْنَ } ، جمع بدنة سميت بدنة لعظمها وضخامتها يريد الإبل العظام الصحاح الأجسام ، يقال : بَدُنَ الرجل بدنًا وبدانةً إذا ضخم ، فأما إذا سن واسترخى يقال : بدن تبدينًا . قال عطاء والسدي : البُدن البقر أما الغنم فلا تسمى بدنة .","part":5,"page":263},{"id":2264,"text":"{ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } ، من أعلام دينه ، سميت شعائر لأنها تشعر ، وهو أن تُطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هدي ، { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } ، النفع في الدنيا والأجر في العقبى ، { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا } ، أي : عند نحرها ، { صَوَافَّ } ، أي : قيامًا على ثلاث قوائم قد صفت رجلها وإحدى يديها ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك . وقرأ أبي الحسن ومجاهد (صوافي) بالياء أي صافية خالصة لله لا شريك له فيها ، { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } ، يعني : سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض ، وأصل الوجوب : الوقوع . يقال : وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب ، { فَكُلُوا مِنْهَا } ، أمر إباحة ، { وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } ، اختلفوا في معناهما ، فقال عكرمة وإبراهيم وقتادة : القانع الجالس في بيته المتعفف يقنع بما يُعطى ولا يسأل ، والمعترّ الذي يسأل . وروى العوفي عن ابن عباس : القانع الذي لا يعترض ولا يسأل ، فعلى هذين التأويلين يكون القانع من القناعة يقال : قنع قانعة إذا رضي بما قُسم له .","part":5,"page":264},{"id":2265,"text":"وقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي : القانع الذي يسأل والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل ، فيكون القانع من قنع قنوعًا إذا سأل . وقال ابن زيد : القانع المسكين ، والمعتر الذي ليس بمسكين ، ولا يكون له ذبيحة يجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم . { كَذَلِكَ } يعني : مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا { سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ } ، نعمة منا لتتمكنوا من نحرها ، { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، لكي تشكروا إنعامي عليكم .","part":5,"page":265},{"id":2266,"text":"[37] { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا } ، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله فأنزل الله هذه الآية : { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا } ، قرأ يعقوب (تنال وتناله) بالتاء فيهما ، وقرأ العامة بالياء ، قال مقاتل : لن يُرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها ، { وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } ، ولكن ترفع إليه منكم الأعمال الصالحة والتقوى ، والإخلاص وما أريد به وجه الله ، { كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ } ، يعني : البدن ، { لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } ، أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه ، وهو أن يقول : الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا وأولانا ، { وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } ، قال ابن عباس : الموحدين .","part":5,"page":266},{"id":2267,"text":"[38] قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة (يدفع) ، وقرأ الآخرون (يدافع) بالألف يريد يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم عن المؤمنين . { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } ، يعني : خوان في أمانة الله كفور لنعمته ، قال ابن عباس : خانوا الله فجعلوا معه شريكا وكفروا نعمه . قال الزجاج : من تقرب إلى الأصنام بذبيحته وذكر عليها اسم غير الله فهو خوان كفور .","part":5,"page":267},{"id":2268,"text":"[39] { أُذِنَ } ، قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم أذن بضم الألف والباقون بفتحها ، أي : أذن الله ، { لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ } ، قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص { يُقَاتَلُونَ } بفتح التاء يعني المؤمنين الذين يقاتلهم المشركون ، وقرأ الآخرون بكسر التاء يعني الذين أذن لهم بالجهاد (يقاتلون) المشركين ، قال المفسرون : كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فلا يزالون محزونين من بين مضروب ومشجوج ، ويشكون ذلك إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فيقول لهم : اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ، وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال ، فنزلت هذه الآية بالمدينة وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة ، فكانوا يمنعون فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة ، { بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } ، يعني : بسبب ما ظلموا واعتدوا عليهم بالإيذاء ، { وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } .","part":5,"page":268},{"id":2269,"text":"[40] { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ } ، بدل من الذين الأولى { إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } ، يعني : لم يخرجوا من ديارهم إلا لقولهم ربنا الله وحده ، { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } ، بالجهاد وإقامة الحدود ، { لَهُدِّمَتْ } ، قرا أهل المدينة بتخفيف الدال وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير فالتخفيف يكون للتقليل والتكثير والتشديد يختص بالتكثير ، { صَوَامِعُ } قال مجاهد والضحاك : يعني : صوامع الرهبان . وقال قتادة : صوامع الصابئين ، { وَبِيَعٌ } ، يعني بيع النصارى جمع بيعة وهي كنيسة النصارى ، { وَصَلَوَاتٌ } يعني كنائس اليهود ويسمونها بالعبرية صلوتا ، { وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } ، يعني مساجد المسلمين من أمة محمد صلي الله عليه وسلم ومعنى الآية : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شريعة كل نبي مكان صلاتهم ، لهدم في زمن موسى الكنائس ، وفي زمن عيسى البيع والصوامع ، وفي زمن محمد صلي الله عليه وسلم المساجد وقال ابن زيد : أراد بالصلوات صلوات أهل الإسلام فإنها لا تنقطع إذا دخل العدو عليهم . {","part":5,"page":269},{"id":2270,"text":"وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ } ، يعني : ينصر دينه ونبيه ، { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } .\r[41] { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ } ، قال الزجاج : هذا من صفة ناصريه ومعنى مكناهم نصرناهم على عدوهم حتى يتمكنوا في البلاد قال : هم أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم . قال الحسن : هذه الأمة { وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } ، يعني : أخر أمور الخلق ومصيرهم إليه يعني يبطل كل ملك سوى ملكه فتصير الأمور إليه بلا منازع ولا مدع .\r[42] قوله تعالى : { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ } ، يعزي نبيه صلي الله عليه وسلم ، { فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ } .\r[43] { وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ }","part":5,"page":270},{"id":2271,"text":"[44] { وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ } ، يعني : أمهلتهم وأخرت عقوبتهم ، { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } ، عاقبتهم ، { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } ، يعني : إنكاري ، أي : كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالعذاب والهلاك يخوف به من يخالف النبي صلي الله عليه وسلم ويكذبه .\r[45] { فَكَأَيِّنْ } ، فكم { مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا } بالنون والألف على التعظيم ، { وَهِيَ ظَالِمَةٌ } ، يعني : وأهلها ظالمون ، { فَهِيَ خَاوِيَةٌ } ساقطة { عَلَى عُرُوشِهَا } ، على سقوفها ، { وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ } : يعني وكم من بئر معطلة متروكة مخلاة عن أهلها { وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } ، قال قتادة والضحاك ومقاتل : رفيع طويل ، من قولهم : شاد بناءه إذا رفعه . وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء : مجصص من مشيد ، وهو الجص .","part":5,"page":271},{"id":2272,"text":"[46] { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ } ، يعني : كفار مكة فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية ، { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } ، يعني : ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية فيعتبرون بها ، { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } ، ذكر التي في الصدور تأكيدًا كقوله : { يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } معناه أن العمى الضار هو عمى القلب ، فأما عمى البصر فليس بضار في أمر الدين ، قال قتادة : البصر الظاهر بلغة ومتعة وبصر القلب هو البصر النافع .","part":5,"page":272},{"id":2273,"text":"[47] { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ } ، نزلت في النضر بن الحارث حيث قال : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء . { وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ } ، فأُنجز ذلك يوم بدر . { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } قال ابن عباس : يعني يومًا من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض .","part":5,"page":273},{"id":2274,"text":"وقال مجاهد وعكرمة : يومًا من أيام الآخرة ، والدليل عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : « أبشروا يا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة » (1) قال ابن زيد : هذه أيام الآخرة : وقوله : (مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون) يوم القيامة . والمعنى على هذا أنهم يستعجلون بالعذاب ، وإن يوما من أيام عذابهم في الآخرة ألف سنة . وقيل : معناه إن يوما من أيام العذاب الذي استعجلوه في الثقل والاستطالة والشدة كألف سنة مما تعدون ، فكيف تستعجلونه هذا كما يقال : أيام الهموم طوال ، وأيام السرور قصار . وقيل : معناه إن يومًا عنده وألف سنة في الإمهال سواء لأنه قادر متى شاء أخذهم لا يفوته شيء بالتأخير فيستوي في قدرته وقوع ما يستعجلون به من العذاب وتأخره ، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء .\r[48] { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا } ، يعني أمهلتها ، { وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ }\r[49] { قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ }\r_________\r(1) أخرجه أبو داود في العلم 5 / 255 قال المنذري : في إسناده المعلى بن زياد وفيه مقال .","part":5,"page":274},{"id":2275,"text":"[50] { فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } الرزق الكريم الذي لا ينقطع أبدا . وقيل : هو الجنة .\r[51] { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا } ، يعني عملوا في إبطال آياتنا ، { مُعَاجِزِينَ } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو معجزين بالتشديد ههنا وفي سورة سبأ يعني مثبطين الناس عن الإيمان ، وقرأ الآخرون { مُعَاجِزِينَ } بالألف يعني معاندين مشاقين . وقال قتادة . معناه ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم ألا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار ، ومعنى يعجزوننا أي يفوتوننا فلا نقدر عليهم ، { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } ، وقيل : معاجزين مغالبين يريد كل واحد أن يظهر عجز صاحبه .","part":5,"page":275},{"id":2276,"text":"[52 ، 53] قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ } وهو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانًا ، { وَلَا نَبِيٍّ } وهو الذي يكون نبوته إلهاما أو منامًا ، وكل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا { إِلَّا إِذَا تَمَنَّى } قال بعضهم . أي : أحب شيئًا واشتهاه وحدث به نفسه مما لم يؤمر به { أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } يعني مراده . وعن ابن عباس قال : إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ما وجد إليه سبيلا ، وما من نبي إلا تمنى أن يؤمن به قومه ولم يتمن ذلك نبي إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضي به قومه فينسخ الله ما يلقي الشيطان . وأكثر المفسرين قالوا : معنى قوله { تَمَنَّى } يعني تلا وقرأ كتاب الله تعالى ألقى الشيطان في أمنيته يعني في تلاوته ، { فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ } أي : يبطله ويذهبه ، { ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ } ، فيثبتها ، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }{ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً } ، أي : محنة وبلية ، { لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } ، شك ونفاق ، { وَالْقَاسِيَةِ } ، يعني : الجافية ، { قُلُوبِهِمْ } ، عن قبول الحق وهم المشركون ، {","part":5,"page":276},{"id":2277,"text":"وَإِنَّ الظَّالِمِينَ } ، المشركين { لَفِي شِقَاقٍ } ضلال ، { بَعِيدٍ } أي : في خلاف شديد .\r[54] { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } ، التوحيد والقرآن . وقال السدي : التصديق بنسخ الله تعالى ، { أَنَّهُ } يعني : الذي أحكم الله من آيات القرآن هو { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ } ، أي : يعتقدون أنه من الله ، { فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } يعني : فتسكن إليه قلوبهم ، { وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، أي : طريق قويم هو الإسلام .","part":5,"page":277},{"id":2278,"text":"[55] { وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ } ، يعني في شك مما ألقى الشيطان . وقال ابن جريج : منه أي من القرآن . وقيل : من الدين وهو الصراط المستقيم . { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } ، يعني : القيامة . وقيل : الموت { أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } قال الضحاك وعكرمة : عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة . والأكثرون على أن اليوم العقيم يوم بدر لأنه ذكر الساعة من قبل وهو يوم القيامة . وسمي يوم بدر عقيمًا لأنه لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير والعقم في اللغة : المنع ، يقال : رجل عقيم إذا مُنع من الولد .\rوقيل : لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه . وقال ابن جريج : لأنهما لم يُنظروا فيه إلى الليل حتى قتلوا قبل المساء .","part":5,"page":278},{"id":2279,"text":"[56] { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ } ، يعني يوم القيامة ، { لِلَّهِ } غير منازع ، { يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } ، ثم بين الحكم فقال تعالى : { فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } .\r[57] { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } .\r[58] { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله وطلب رضاه ، { ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا } ، وهم كذلك ، قرأ ابن عامر (قتلوا) بالتشديد { لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا } ، والرزق الحسن الذي لا ينقطع أبدا وهو رزق الجنة ، { وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } ، قيل : هو قوله : { بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } .\r[59] { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ } ، لأن لهم فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، { وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ } ، بنياتهم ، { حَلِيمٌ } ، عنهم .","part":5,"page":279},{"id":2280,"text":"[60] { ذَلِكَ } ، يعني : الأمر ذلك الذي قصصنا عليكم ، { وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } ، جازى الظالم بمثل ظلمه . قال الحسن : يعني قاتل المشركين كما قاتلوه ، { ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ } ، يعني ظلم بإخراجه من منزله يعني ما أتاه المشركون من البغي على المسلمين حتى أحوجوهم إلى مفارقة أوطانهم ، نزلت في قوم من المشركين أتوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فكره المسلمون قتالهم وسألوهم أن يكفوا عن القتال من أجل الشهر الحرام فأبى المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم ، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم ، قال تعالى : { لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ } والعقاب الأول بمعنى الجزاء { إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } عفا عن مساوئ المؤمنين وغفر ذنوبهم .\r[61] { ذَلِكَ } يعني ذلك النصر { بِأَنَّ اللَّهَ } ، القادر على ما يشاء فمن قدرته أنه { يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } .","part":5,"page":280},{"id":2281,"text":"[62] { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ } قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي وحفص بالياء وقرأ الآخرون بالتاء ، يعني المشركين { مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ } العالي على كل شيء ، { الْكَبِيرُ } العظيم الذي كل شيء دونه\r[63] { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً } ، بالنبات ، { إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ } ، بأرزاق عباده واستخراج النبات من الأرض ، { خَبِيرٌ } ، بما في قلوب العباد إذا تأخر المطر عنهم .\r[64] { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ، عبيدا وملكا ، { وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ } ، عن عباده ، { الْحَمِيدُ } ، في أفعاله .","part":5,"page":281},{"id":2282,"text":"[65] { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ } يعني وسخر لكم الفلك ، { تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } ، وقيل : ما في الأرض الدواب التي تركب في البر ، والفلك التي تركب في البحر ، { وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ } ، لكيلا تسقط على الأرض ، { إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } .\r[66] { وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ } ، يعني : أنشأكم ولم تكونوا شيئا ، { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } ، عند انقضاء آجالكم ، { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } ، يوم البعث للثواب والعقاب ، { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ } ، لنعم الله .","part":5,"page":282},{"id":2283,"text":"[67] { لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ } ، قال ابن عباس : يعني شريعة هم عاملون بها . وروي عنه أنه قال : عيدا . قال قتادة ومجاهد : موضع قربان يذبحون فيه . وقيل : موضع عبادة مَألفًا يألفونه . والمنسك في كلام العرب : الموضع المعتاد لعمل خير أو شر ، ومنه مناسك الحج لتردد الناس إلى أماكن أعمال الحج . { فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ } ، يعني في أمر الذبائح . نزلت في بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان ويزيد بن خنيس قالوا لأصحاب النبي صلي الله عليه وسلم : ما لكم تأكلون مما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون مما قتله الله؟ قال الزجاج : معنى قوله \"لا ينازعنك\" أي : لا تنازعهم أنت ، كما يقال : لا يخاصمك فلان ، أي : لا تخاصمه ، وهذا جائز فيما يكون بين الاثنين ، ولا يجوز لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربه وذلك أن المنازعة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين ، فإذا ترك أحدهما فلا مخاصمة هناك . { وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ } ، إلى الإيمان بربك ، { إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ } .\r[68] { وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } .","part":5,"page":283},{"id":2284,"text":"[69] { اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } ، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل . والاختلاف ذهاب كل واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر .\r[70] { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ } ، كله ، { فِي كِتَابٍ } ، يعني اللوح المحفوظ ، { إِنَّ ذَلِكَ } يعني : علمه لجميع ذلك ، { عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } .\r[71] { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا } ، حجة وبرهانًا ، { وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } ، يعني أنهم فعلوا ما فعلوا عن جهل لا عن علم ، { وَمَا لِلظَّالِمِينَ } ، للمشركين ، { مِنْ نَصِيرٍ } ، مانع يمنعهم من عذاب الله .","part":5,"page":284},{"id":2285,"text":"[72] { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } ، يعني : القرآن ، { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ } ، يعني الإنكار يتبين ذلك في وجوههم من الكراهية والعبوس ، { يَكَادُونَ يَسْطُونَ } ، يعني : يقعون ويبسطون إليكم أيديهم بالسوء . وقيل : يبطشون ، { بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } ، يعني : بمحمد وأصحابه من شدة الغيظ . يقال : سطا عليه وسطا به إذا تناوشه بالبطش والعنف ، وأصل السطو القهر . { قُلْ } ، يا محمد ، { أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ } ، يعني بشر لكم وأكره إليكم من القرآن الذي تستمعون ، { النَّارُ } يعني : هي النار ، { وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .","part":5,"page":285},{"id":2286,"text":"[73] { يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ } ، معنى : ضرب جعل كقولهم : ضرب السلطان البعث على الناس وضرب الجزية على أهل الذمة أي جعل ذلك عليهم . ومعنى الآية : جعل لي شبه وشبه بي الأوثان ، أي : جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها ومعنى { فَاسْتَمِعُوا لَهُ } ، يعني : فاستمعوا حالها وصفتها ، ثم بين ذلك فقال : { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، يعني : الأصنام ، قرأ يعقوب بالياء والباقون بالتاء { لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا } ، واحدا في صغره وقلته لأنها لا تقدر عليه والذباب واحد وجمعه القليل أذبة والكثير ذباب مثل غراب وأغربة وغربان ، { وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ } ، يعني خلقه ، { وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ } ، قال ابن عباس : كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ، فإذا جف جاء الذباب فاستلب منه . وقال السدى : كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام فتقع الذباب عليه فيأكلن منه . وقال ابن زيد : كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر ، ويطيبونها بألوان الطيب فربما تسقط منها واحدة فيأخذها طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استردادها فذلك قوله : {","part":5,"page":286},{"id":2287,"text":"وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا } أي : وإن يسلب الذباب الأصنام شيئا مما عليها لا يقدرون أن يستنقذوه منه ، { ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } ، قال ابن عباس : الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب من الصنم ، والمطلوب الصنم يطلب الذباب منه السلب . وقيل : على العكس : الطالب الصنم والمطلوب الذباب . وقال الضحاك : الطالب العابد والمطلوب المعبود .\r[74] { مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ، ما عظموه حق عظمته وما عرفوه حق معرفته ، ولا وصفوه حق صفته إن أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه ، { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } .\r[75] { اللَّهُ يَصْطَفِي } ، يعني يختار { مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا } وهم جبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وغيرهم ، { وَمِنَ النَّاسِ } يعني يختار من الناس رسلا مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلي الله عليه وسلم وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام ، نزلت حين قال المشركون أأنزل الله عليه الذكر من بيننا ، فأخبر أن الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } يعني سميع لقولهم بصير بمن يختاره لرسالته .","part":5,"page":287},{"id":2288,"text":"[76] { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } قال ابن عباس : ما قدموا { وَمَا خَلْفَهُمْ } ، ما خلفوا . وقال الحسن : ما بين أيديهم ما عملوا وما خلفهم ما هم عاملون من بعد . وقيل : ما بين أيديهم ملائكته وكتبه ورسله قبل أن خلقهم وما خلفهم أي ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم . { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } .\r[77] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } ، يعني صلوا لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود ، { وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ } ، أي : وحدوه ، { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ } ، قال ابن عباس : صلة الرحم ومكارم الأخلاق ، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ، لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة . واختلف أهل العلم في سجود التلاوة عقيب قراءة هذه الآية ، فذهب قوم إلى أنه يسجد عندها وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ، وبه قال ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق . وذهب قوم إلى أنه لا يسجد ههنا وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي ، وعدة سجود القرآن أربعة عشر عند أكثر أهل العلم منها ثلاث في المفصل . وذهب قوم إلى أنه ليس في المفصل سجود .","part":5,"page":288},{"id":2289,"text":"[78] قوله : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } ، قيل : جاهدوا في سبيل الله أعداء الله حق جهاده هو استفراغ الطاقة فيه ، قاله ابن عباس ، وعنه أيضا أنه قال : لا تخافوا في الله لومة لائم فهو حق الجهاد ، كما قال تعالى : { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ } . قال الضحاك ومقاتل : اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته . وقال مقاتل بن سليمان : نسخها قوله : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ، وقال أكثر المفسرين . حق الجهاد أن تكون نيته خالصة صادقة لله عز وجل . وقال السدي : هو أن يطاع فلا يعصى . وقال عبد الله بن المبارك : هو مجاهدة النفس وهو الجهاد الأكبر وهو حق الجهاد . { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } يعني : اختاركم لدينه ، { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ، ضيق ، معناه أن المؤمن لا يبتلى بشيء ، الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجا بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص ، وبعضها بأنواع الكفارات ، فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من العقاب فيه . وقيل : من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس","part":5,"page":289},{"id":2290,"text":"ذلك عليكم وسع الله عليكم حتى تتيقنوا . وقال مقاتل : يعني الرخص عند الضرورات كقصر الصلاة في السفر والتيمم عند فقد الماء وأكل الميتة عند الضرورة والإفطار بالسفر والمرض والصلاة قاعدا عند العجز عن القيام . وهو قول الكلبي ، وروي عن ابن عباس أنه قال : الحرج ما كان على بني إسرائيل من الأعمال التي كانت عليهم وضعها الله عن هذه الأمة . { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } ، يعني كلمة أبيكم نصب بنزع حرف الصفة وقيل : نصب على الإغراء ، يعني اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم ، وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم لأنها داخلة في ملة محمد صلي الله عليه وسلم فإن قيل فما وجه قوله : { مِلَّةَ أَبِيكُمْ } وليس كل المسلمين يرجع نسبهم إلى إبراهيم؟ قيل : خاطب به العرب وهم كانوا من نسل إبراهيم . وقيل : خاطب به جميع المسلمين وإبراهيم أب لهم على معنى وجوب احترامه وحفظ حقه كما يجب احترام الأب ، وهو كقوله تعالى : { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } ، وقال النبي صلي الله عليه وسلم : « إنما أنا لكم مثل الوالد » (1) { هُوَ سَمَّاكُمُ } ، يعني أن الله تعالى سماكم { الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ } ، يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة .\r_________\r(1) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في الطهارة 1 / 18 والنسائي في الطهارة 1 / 38 وابن ماجة في الطهارة 1 / 114 والدارمي 1 / 172 وصححه ابن حبان برقم (128) ص 62 ورواه المصنف فى شرح السنة 1 / 356 وقال : هذا حديث صحيح .","part":5,"page":290},{"id":2291,"text":"{ وَفِي هَذَا } يعني : وفي الكتاب ، هذا قول أكثر المفسرين . وقال ابن زيد : هو يرجع إلى إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه ، من قبل هذا الوقت وفي هذا الوقت ، وهو قوله : { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ } ، { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ } ، يوم القيامة أن قد بلغكم ، { وَتَكُونُوا } ، أنتم ، { شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } ، أن رسلهم قد بلغتهم ، { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ } ، ثقوا بالله وتوكلوا عليه . قال الحسن : تمسكوا بدين الله . وروي عن ابن عباس قال : سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره . وقيل . معناه ادعوه ليثبتكم على دينه . وقيل : الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة ، { هُوَ مَوْلَاكُمْ } ، وليكم وناصركم وحافظكم ، { فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } ، الناصر لكم .","part":5,"page":291},{"id":2292,"text":"(23) سورة المؤمنون\r[1] قوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } ، قد حرف تأكيد ، وقال المحققون : قد يقرب الماضي من الحال ، يدل على أن الفلاح قد حصل لهم وأنهم عليه في الحال وهو أبلغ من تجريد ذكر الفعل ، والفلاح . النجاة والبقاء ، قال ابن عباس : قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة .","part":5,"page":292},{"id":2293,"text":"[2] { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } اختلفوا في معنى الخشوع ، فقال ابن عباس : مخبتون أذلاء . وقال الحسن وقتادة : خائفون . وقال مقاتل : متواضعون . وقال مجاهد : هو غض البصر وخفض الصوت ، والخشوع قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في القلب والبصر والصوت ، قال الله عز وجل : { وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ } ، عن علي رضي الله عنه : هو أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا . وقال سعيد بن جبير : هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على شماله ، ولا يلتفت من الخشوع لله عز وجل . وقال عمرو بن دينار : هو السكون وحسن الهيئة . وقال ابن سيرين وغيره : هو ألا ترفع بصرك عن موضع سجودك . وقال أبو هريرة : كان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما نزل : { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } رموا بأبصارهم إلى مواضع السجود . وقال عطاء : هو ألا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة . وقيل : الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة والإعراض عما سواها ، والتدبر فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر .","part":5,"page":293},{"id":2294,"text":"[3] قوله تعالى : { وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } قال عطاء عن ابن عباس : عن الشرك وقال الحسن : عن المعاصي . وقال الزجاج : عن كل باطل ولهو ومالا يجمل من القول والفعل . وقيل : هو معارضة الكفار بالشتم والسب ، قال الله تعالى : { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } ، أي : إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه .\r[4] { وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } ، أي : للزكاة الواجبة مؤدون ، فعبر عن التأدية بالفعل لأنها فعل . وقيل : الزكاة ههنا هو العمل الصالح ، أي : والذين هم للعمل الصالح فاعلون .\r[5] { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } ، الفرج اسم يجمع سوأة الرجل والمرأة ، وحفظ الفرج التعفف عن الحرام .","part":5,"page":294},{"id":2295,"text":"[6] { إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ } ، أي : من أزواجهم ، وعلى بمعنى من { أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } ، (ما) في محل الخفض يعني أو مما ملكت أيمانهم ، والآية في الرجال خاصة بدليل قوله : { أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } والمرأة لا يجوز أن تستمتع بفرج مملوكها . { فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } ، يعني يحفظ فرجه إلا من امرأته أو أمته فإنه لا يلام على ذلك ، وإنما لا يلام فيهما إذا كان على وجه أذن فيه الشرع دون الإتيان في غير المأتى ، وفي حال الحيض والنفاس ، فإنه محظور وهو على فعله ملوم .\r[7] { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ } ، أي : التمس وطلب سوى الأزواج والولائد المملوكة ، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } ، الظالمون المتجاوزون من الحلال إلى الحرام .","part":5,"page":295},{"id":2296,"text":"[8] { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ } ، قرأ ابن كثير (لأماناتهم) على التوحيد ههنا وفي سورة المعارج ، كقوله تعالى : { وَعَهْدِهِمْ } والباقون (1) بالجمع ، كقوله عز وجل : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } ، { وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } ، حافظون ، أي يحفظون ما ائتمنوا عليه ، والعقود التي عاقدوا الناس عليها ، يقومون بالوفاء بها ، والأمانات تختلف فتكون بين الله تعالى وبين العباد كالصلاة والصيام والعبادات التي أوجبها الله عليه ، ويكون من العبيد كالودائع والصنائع فعلى العبد الوفاء بجميعها . [9] { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ } ، قرأ حمزة ة والكسائي (صلاتهم) ، على التوحيد ، والآخرون \"صلواتهم\" على الجمع . { يُحَافِظُونَ } أي يداومون ، على حفظها ويراعون أوقاتها ، كرر ذكر الصلاة ليبين أن المحافظة عليها واجبة كما أن الخشوع فيها واجب .\r[10] { أُولَئِكَ } ، أهل هذه الصفة ، { هُمُ الْوَارِثُونَ } ، يرثون منازل أهل النار من الجنة . وقال بعضهم : معنى الوراثة هو أنه يؤول أمرهم إلى الجنة وينالونها كما يؤول أمر الميراث إلى الوارث .\r_________\r(1) أي وقرا الباقون بالجمع .","part":5,"page":296},{"id":2297,"text":"[11] قوله تعالى : { الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ } ، وهو أعلى الجنة قد ذكرناه في سورة الكهف ، { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ، لا يموتون ولا يخرجون .","part":5,"page":297},{"id":2298,"text":"[12] وقوله عز وجل : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ } ، يعني : ولد آدم ، والإنسان اسم الجنس يقع على ، الواحد والجمع ، { مِنْ سُلَالَةٍ } ، روي عن ابن عباس أنه قال : السلالة صفوة الماء . وقال مجاهد : من بني آدم . وقال عكرمة : هو يسيل من الظهر ، والعرب تسمي النطفة سلالة والولد سليلا وسلالة لأنهما مسلولان منه . قوله : { مِنْ طِينٍ } ، يعني : طين آدم . والسلالة : تولدت من طين خلق أدم منه . وقيل : المراد من الإنسان هو آدم . وقوله : { مِنْ سُلَالَةٍ } أي : سل من كل تربة .\r[13] { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً } ، يعني الذي هو الإنسان جعلناه نطفة ، { فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } ، حريز وهو الرحم مكن وهيئ لاستقرارها فيه إلى بلوغ أمدها .","part":5,"page":298},{"id":2299,"text":"[14 ، 15] { ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا } ، قرأ ابن عامر وأبو بكر (عظما) { فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا } بسكون الظاء على التوحيد فيهما ، وقرأ الآخرون بالجمع لأن الإنسان ذو عظام كثيرة . وقيل : بين كل خلقتين أربعون عاما . { فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا } ، أي ألبسنا ، { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } ، اختلف المفسرون فيه ، فقال ابن عباس وغيره : هو نفخ الروح فيه . وقال قتادة : نبات الأسنان والشعر . وروى ابن جريج عن مجاهد : أنه استواء الشباب . وعن الحسن قال : ذكرا أو أنثى . وروى العوفي عن ابن عباس : أن ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الاتضاع ، إلى القعود إلى القيام ، إلى المشي إلى الفطام, إلى أن يأكل ويشرب ، إلى أن يبلغ الحلم ، ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها . { فَتَبَارَكَ اللَّهُ } ، أي : استحق التعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال . { أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } ، المصورين والمقدرين . والخلق في اللغة التقدير . وقال مجاهد : يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين ، يقال : رجل خالق أي : صانع . وقال","part":5,"page":299},{"id":2300,"text":"ابن جريج : إنما جمع الخالقين لأن عيسى كان يخلق كما قال : { أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ } فأخبر الله عن نفسه بأنه أحسن الخالقين . { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ } ، والميت بالتشديد ، والمائت الذي لم يمت بعد وسيموت ، والميت بالتخفيف من مات ، ولذلك لم يجز التخفيف ههنا . كقوله : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } .\r[16] { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } .\r[17] { وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ } ، أي : سبع سماوات ، سميت طرائق لتطارقها وهو أن بعضها فوق بعض ، يقال : طارقت النعل إذا جعلت بعضه فوق بعض . وقيل : سميت طرائق لأنها طرائق الملائكة . { وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ } ، أي كنا لهم حافظين من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم كما قال الله تعالى : { وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ } . وقيل : ما تركناهم سدى بغير أمر ونهي . وقيل : وما كنا عن الخلق غافلين أي بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب .","part":5,"page":300},{"id":2301,"text":"[18] { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ } ، يعلمه الله . قال مقاتل : بقدر ما يكفيهم للمعيشة ، { فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ } ، يريد ما يبقى في الغدران والمستنقعات ينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع المطر . وقيل : فأسكناه في الأرض ثم أخرجنا منها ينابيع ، فماء الأرض كله من السماء ، { وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } ، حتى تهلكوا عطشا وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم .\r[19] قوله تعالى : { فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ } ، يعني بالماء ، { جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } ، في الجنات ، { فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } ، شتاء وصيفا ، وخص النخيل والأعناب بالذكر لأنها أكثر فواكه العرب .","part":5,"page":301},{"id":2302,"text":"[20] { وَشَجَرَةً } أي : أنشأ لكم شجرة { تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ } ، وهي الزيتون ، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو (سيناء) بكسر السين . وقرأ الآخرون بفتحها ، واختلفوا في معناه وفي { سِينِينَ } في قوله تعالى : { وَطُورِ سِينِينَ } قال مجاهد : معناه البركة ، أي : من جبل مبارك . وقال قتادة : معناه الحسن ، أي من الجبل الحسن . وقال الضحاك : هو بالنبطية ، ومعناه الحسن : وقال عكرمة : هو بالحبشية . وقال الكلبي : معناه الشجر ، أي : جبل ذو شجر . وقيل : هو بالسريانية الملتفة بالأشجار . وقال مقاتل : كل جبل فيه أشجار مثمرة فهو سينا ، وسينين بلغة النبط . وقيل : هو فيعال من السناء وهو الارتفاع . قال ابن زيد : هو الحمل الذي نودي منه موسى بين مصر وأيلة . وقال مجاهد : سينا اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده . وقال عكرمة : هو اسم المكان الذي فيه هذا الجبل ، { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة ويعقوب تنبت بضم التاء وكسر الباء وقرأ الآخرون بفتح التاء وضم الباء ، فمن قرأ بفتح التاء فمعناه تنبت تثمر الدهن وهو الزيتون . وقيل : تنبت ومعها الدهن ، ومن قرأ بضم التاء ، اختلفوا فيه","part":5,"page":302},{"id":2303,"text":"فمنهم من قال : الباء زائدة معناه تنبت الدهن كما يقال أخذت ثوبه وأخذت بثوبه ، ومنهم من قال نبت وأنبت لغتان بمعنى واحد ، { وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ } ، الصبغ والصباغ الإدام الذي لون الخبز إذ غمس فيه وينصبغ ، والإدام كل ما يؤكل مع الخبز سواء ينصبغ به الخبز ولا يصبغ . قال مقاتل : جعل الله في هذه الشجرة أدما ودهنا ، فالأدم : الزيتون ، والدهن الزيت ، وقال : خص الطور بالزيتون لأن أول الزيتون نبت بها . ويقال : لأن الزيتون أول شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان .\r[21] قوله سبحانه وتعالى : { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً } ، يعني : آية تعتبرون بها ، { نُسْقِيكُمْ } ، قرأ العامة بالنون ، وقرأ أبو جعفر ههنا بالتاء وفتحها ، { مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } .\r[22] { وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } ، يعني : على الإبل في البر وعلى الفلك في البحر .","part":5,"page":303},{"id":2304,"text":"[23] { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } ، وحدوه ، { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ، معبود سواه ، { أَفَلَا تَتَّقُونَ } ، أفلا تخافون عقوبته إذا عبدتم غيره .\r[24] { فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } ، يعني : يتشرف بأن يكون له الفضل عليكم فيصير متبوعا وأنتم له تبع ، { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ } ، ألا يعبد سواه ، { لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً } ، يعني بإبلاغ الوحي { مَا سَمِعْنَا بِهَذَا } ، الذي يدعونا إليه نوح { فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ } ، وقيل : ما سمعنا بهذا أي : بإرسال بشر رسولا .\r[25] { إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } ، يعني جنون ، { فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ } ، يعني إلى أن يموت فتستريحوا منه .\r[26] { قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } ، يعني : أعني بإهلاكهم لتكذيبهم إياي .","part":5,"page":304},{"id":2305,"text":"[27] { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا } ، أدخل فيها ، يقال : سلكته في كذا وأسلكته فيه ، { مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ } ، يعني من سبق عليه الحكم بالهلاك . { وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ }","part":5,"page":305},{"id":2306,"text":"[28 ، 29] { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ } ، اعتدلت { أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ، يعني الكافرين ، { وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا } ، قرأ أبو بكر عن عاصم (منزلا) بفتح الميم وكسر الزاي ، أي يريد موضع النزول ، قيل : هذا هو السفينة بعد الركوب ، وقيل : هو الأرض بعد النزول ، ويحتمل أنه أراد في السفينة ، ويحتمل بعد الخروج وقرأ الباقون منزلا بضم الميم وفتح الزاي أي إنزالا ، مباركا ، فالبركة في السفينة النجاة وفي النزول بعد الخروج كثرة النسل من أولاده الثلاثة ، { وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ } .\r[30] { إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، يعني الذي ذكرت من أمر نوح والسفينة وإهلاك أعداء الله { لَآيَاتٍ } لدلالات على قدرته ، { وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } ، يعني : وقد كنا وقيل : وما كنا إلا مبتلين أي : مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره لننظر ما هم عاملون قبل نزول العذاب بهم .\r[31] { ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ } ، من بعد إهلاكهم ، { قَرْنًا آخَرِينَ } .","part":5,"page":306},{"id":2307,"text":"[32] { فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ } ، يعني هودا وقومه . وقيل : صالحا وقومه . والأول أظهر ، { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ } .\r[33] { وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ } ، أي المصير إلى الآخرة { وَأَتْرَفْنَاهُمْ } ، نعمناهم ووسعنا عليهم ، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } ، يعني مما تشربون منه .\r[34] { وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } ، لمغبونون .\r[35] { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ } ، من قبوركم أحياء وأعاد إنكم لما طال الكلام ، ومعنى الكلام : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون؟ وكذلك هو في قراءة عبد الله .","part":5,"page":307},{"id":2308,"text":"[36] { هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ } ، قال ابن عباس : هي كلمة بعد ، أي : بعيد ما توعدون ، قرأ أبو جعفر (هيهات هيهات) بكسر التاء ، وقرأ نصر ابن عاصم بالضم ، وكلها لغات صحيحة فمن نصب جعله مثل أين وكيف ، ومن رفع جعله مثل منذ وقط وحيث ، ومن كسر جعله مثل أمس وهؤلاء ، ووقف عليها أكثر القراء بالتاء ، ويروى عن الكسائي الوقف عليها بالهاء .\r[37] { إِنْ هِيَ } ، يعنون الدنيا ، { إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } ، قيل : فيه تقديم وتأخير ، أي : نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت . وقيل : يموت الآباء ويحيا الأبناء . وقيل : يموت قوم ويحيا قوم . { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } ، بمنشرين بعد الموت .\r[38] { إِنْ هُوَ } ، يعني الرسول ، { إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ } ، بمصدقين بالبعث بعد الموت .\r[39 ، 40] { قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } . { قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ } ، أي : عن قليل و (ما) صلة ، { لَيُصْبِحُنَّ } ، ليصيرن ، { نَادِمِينَ } ، على كفرهم وتكذيبهم .","part":5,"page":308},{"id":2309,"text":"[41] { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ } ، يعني صيحة العذاب ، { بِالْحَقِّ } ، قيل : أراد بالصيحة الهلاك . وقيل : صاح بهم جبريل صيحة فتصدعت قلوبهم ، { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً } ، وهو ما يحمله السيل من حشيش وعيدان شجر ، معناه : صيرناهم هلكى فيبسوا يبس الغثاء من نبات الأرض ، { فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .\r[42] { ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ } ، يعني : أقواما آخرين .\r[44] { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } ، يعني : مترادفين يتبع بعضهم بعضا غير متواصلين ، لأن بين كل نبيين زمانا طويلا وهي فعلى من المواترة ، قال الأصمعي : يقال واترت الخبر إذا أتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين مهملة . { كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا } ، بالهلاك ، أي : أهلكنا بعضهم في إثر بعض ، { وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } ، يعني سمرا وقصصا يتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم ، وهي جمع أحدوثة . وقيل : جمع حديث . قال الأخفش : إنما هو في الشر وأما في الخير فلا يقال جعلتهم أحاديث وأحدوثة إنما يقال صار فلان حديثا ، { فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ } .","part":5,"page":309},{"id":2310,"text":"[45] { ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ، يعني بحجة بينة من اليد والعصا . وغيرهما .\r[46] { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا } ، تعظموا عن الإيمان ، { وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ } ، متكبرين قاهرين بالظلم .\r[47] { فَقَالُوا } ، يعني فرعون وقومه ، { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } ، يعني : موسى وهارون ، { وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } مطيعون متذللون والعرب تسمي كل من دان للملك عابدا له .\r[48] { فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ } ، بالغرق .\r[49] { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } ، التوراة ، { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } ، أي لكي يهتدي به قومه .","part":5,"page":310},{"id":2311,"text":"[50 ، 51] { وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } ، دلالة على قدرتنا ، ولم يقل آيتين ، قيل : معناه شأنهما آية . وقيل : معناه جعلنا كل واحد منهما آية ، كقوله تعالى : { كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا } . { وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ } ، الربوة المكان المرتفع من الأرض ، واختلفت الأقوال فيها ، فقال عبد الله بن سلام : هي دمشق ، وهو قول سعيد بن المسيب ومقاتل ، وقال الضحاك : غوطة دمشق . وقال أبو هريرة : هي الرملة . وقال عطاء عن ابن عباس : هي بيت المقدس ، وهو قول قتادة وكعب . وقال كعب : هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا . وقال ابن زيد : هي مصر . وقال السدي : أرض فلسطين . { ذَاتِ قَرَارٍ } أي : مستوية منبسطة واسعة يستقر عليها ساكنوها . { وَمَعِينٍ } ، فالمعين الماء الجاري الظاهر الذي تراه العيون ، مفعول من عانه يعنيه إذا أدركه البصر . قوله : { يا أَيُّهَا الرُّسُلُ } ، قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبى وجماعة : أراد به محمد صلي الله عليه وسلم وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة . وقال بعضهم : أراد به عيسى وقيل : أراد به جميع الرسل عليهم السلام ، {","part":5,"page":311},{"id":2312,"text":"كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ } ، أي الحلالات ، { وَاعْمَلُوا صَالِحًا } ، الصلاح هو الاستقامة على ما توجبه الشريعة ، { إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } .\r[52] { وَإِنَّ هَذِهِ } قرأ أهل الكوفة وإن بكسر الألف على الابتداء وقرأ الباقون بفتح الألف وخفف ابن عامر النون وجعل إن صلة مجازه وهذه { أُمَّتُكُمْ } قرأ الباقون بتشديد النون على معنى وبأن هذا تقديره بأن هذه أمتكم ، أي ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها ، { أُمَّةً وَاحِدَةً } ، أي ملة واحدة وهي الإسلام؟ { وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } أي : اتقوني لهذا ، وقيل : معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم فأمركم واحد { وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } فاحذروني وقيل : هو نصب بإضمار فعل ، أي : أعلموا أن هذه أمتكم أي ملتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون .","part":5,"page":312},{"id":2313,"text":"[53] { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ } ، دينهم ، { بَيْنَهُمْ } تفرقوا فصاروا فرقا يهودا ونصارى ومجوسا ، { زُبُرًا } . أي : فرقا وقطعا مختلفة ، واحدها زبور وهو الفرقة والطائفة ، ومثله الزبرة وجمعها زبر ، ومنه . { زُبَرَ الْحَدِيدِ } أي : صاروا فرقا كزبر الحديد . وقرأ بعض أهل الشام (زبرا) بفتح الباء ، قال قتادة ومجاهد : (زبرا) أي : كتبا يعني دان كل فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخرون . وقيل : جعلوا كتبهم قطعا مختلفة آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض ، وحرفوا البعض { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ } أي : بما عندهم منهم الذين ، { فَرِحُونَ } معجبون ومسرورون .\r[54] { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ } ، قال ابن عباس : في كفرهم وضلالتهم ، وقيل : عمايتهم ، وقيل : غفلتهم { حَتَّى حِينٍ } ، إلى أن يموتوا .\r[55] { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ } ما نعطيهم ونجعله مددا لهم من المال والبنين في الدنيا .","part":5,"page":313},{"id":2314,"text":"[56] { نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ } ، أي : نجعل لهم في الخيرات ونقدمها ثوابا لأعمالهم لمرضاتنا عنهم ، { بَل لَا يَشْعُرُونَ } ، إن ذلك استدراج لهم . ثم ذكر المسارعين في الخيرات فقال :\r[57] { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } ، أي : خائفون ، والإشفاق : الخوف, والمعنى أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه ، قال الحسن البصري : المؤمن من جمع إحسانا وخشية والمنافق من جمع إساءة وأمنا .\r[58] { وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } يصدقون .\r[59] { وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ } .","part":5,"page":314},{"id":2315,"text":"[60] { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } . أي : يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات ، وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } أي : يعملون ما عملوا من أعمال البر ، { وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } ، أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله وأن أعمالهم لا تقبل منهم ، { أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } ، لأنهم يوقنون أنهم يرجعون إلى الله عز وجل . قال الحسن : عملوا لله بالطاعات واجتهدوا فيها ، وخافوا أن ترد عليهم . « عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال : \"لا يا بنت الصديق ، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه » .\r(1) .\r[61] قوله عز وجل : { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } ، يبادرون إلى الأعمال الصالحات ، { وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } أي : إليها سابقون ، كقوله تعالى : { لِمَا نُهُوا } أي : إلى ما نهوا ، و { لِمَا قَالُوا } ونحوها ، وقال ابن عباس في معنى هذه الآية : سبقت لهم من الله السعادة . وقال الكلبي : سبقوا الأمم في الخيرات .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير 9 / 19 والإمام أحمد 6 / 159 - 206 والحاكم 2 / 393 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ، والطبري 18 / 34 .","part":5,"page":315},{"id":2316,"text":"[62] قوله { وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } ، أي : طاقتها فمن لم يستطع القيام فليصل قاعدا ومن لم يستطع الصوم فليفطر ، { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ } ، وهو اللوح المحفوظ ينطق بالحق يبين بالصدق ، ومعنى الآية لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إلا ما أطاقت من العمل ، وقد أثبتنا عمله في اللوح المحفوظ ، فهو ينطق به ويبينه . وقيل : هو كتب أعمال العباد التي تكتبها الحفظة ، { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } ، ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم .","part":5,"page":316},{"id":2317,"text":"[63] ثم ذكر الكفار فقال : { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ } أي : في غفلة وجهالة ، { مِنْ هَذَا } أي : من القرآن { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } ، أي : للكفار أعمال خبيثة من المعاصي ، والخطايا محكومة عليهما من دون ذلك ، يعني من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في قوله : { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } ، { هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } لا بد لهم من أن يعملوها فيدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة ، هذا قول أكثر المفسرين . وقال قتادة : هذا ينصرف إلى المسلمين وأن لهم أعمالا سوى ما عملوا من الخيرات هم لها عاملون ، والأول أظهر .\r[64] { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ } ، أي : أخذنا أغنياءهم ورؤساءهم ، { بِالْعَذَابِ } ، قال ابن عباس : هو السيف يوم بدر . وقال الضحاك : يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فقال : « اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف » (1) فابتلاهم الله عز وجل بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف . { إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } يجزعون ويستغيثون وأصل الجأر رفع الصوت بالتضرع .\r_________\r(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الدعوات 11 / 193 ومسلم في المساجد رقم (675) 1 / 466 .","part":5,"page":317},{"id":2318,"text":"[65] { لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ } ، أي لا تضجوا ، { إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ } ، لا تمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم .\r[66] { قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } ، يعني القرآن ، { فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ } ترجعون القهقرى تتأخرون عن الإيمان .","part":5,"page":318},{"id":2319,"text":"[67] { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } ، اختلفوا في هذه الكناية فأظهر الأقاويل أنما تعود إلى البيت الحرام كناية عن غير مذكور ، أي : مستكبرين متعظمين بالبيت الحرام وتعظمهم به أنهم كانوا يقولون : نحن أهل حرم الله وجيران بيته فلا يظهر علينا أحد ولا نخاف أحدا فيأمنون فيه وسائر الناس في الخوف ، هذا قول ابن عباس ومجاهد وجماعة ، وقيل : مستكبرين به أي بالقرآن فلم يؤمنوا به . والأول أظهر ، المراد منه الحرم ، { سَامِرًا } ، نصب على الحال ، أي أنهم يسهرون بالليل في مجالسهم حول البيت ، ووحد سامرا وهو بمعنى السمار لأنه وضع موضع الوقت ، أراد تهجرون ليلا . وقيل : وحد سامر ، ومعناه الجمع ، قوله : { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا } ، { تَهْجُرُونَ } قال نافع (تهجرون) بضم التاء وكسر الجيم من الأهجار وهو الإفحاش في القول ، أي تفحشون وتقولون الخنا ، وذكر أنهم كانوا يسبون النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه ، وقرأ الآخرون (تهجرون) بفتح التاء وضم الجيم ، أي : تعرضون عن النبي صلي الله عليه وسلم وعن الإيمان والقرآن ، وترفضونها . وقيل : هو من الهجر وهو القول القبيح ، يقال : هجر يهجر هجرا إذا قال غير الحق . وقيل . تهزؤون","part":5,"page":319},{"id":2320,"text":"وتقولون ما لا تعلمون ، من قولهم هجر الرجل في منامه إذا هذى .\r[68] { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا } ، يعني يتدبروا { الْقَوْلَ } ، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن ، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صلي الله عليه وسلم ، { أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ } ، فأنكروا ، يريد إنا قد بعثنا من قبلهم رسلا إلى قومهم كذلك بعثنا محمدا صلي الله عليه وسلم إليهم . وقيل . أم بمعنى بل يعني جاءهم ما لم يأت أبائهم الأولين فلذلك أنكروا .\r[69] { أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ } ، محمدا صلي الله عليه وسلم ، { فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } ، قال ابن عباس : أليس قد عرفوا محمدا صلي الله عليه وسلم صغيرا وكبيرا وعرفوا نسبه وصدقه وأمانته ووفاءه بالعهود ، وهذا على سبيل التوبيخ على الإعراض عنه بعدما عرفوه بالصدق والأمانة .\r[70] { أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } ، جنون وليس كذلك { بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ } ، يعني بالصدق والقول الذي لا تخفى صحته وحسنه على عاقل ، { وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } .","part":5,"page":320},{"id":2321,"text":"[71] { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ } ، قال ابن جريج ومقاتل والسدي وجماعة : الحق هو الله أي لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل ، وقيل . لو اتبع مرادهم ، فسمى لنفسه شريكا وولدا كما يقولون : { لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } ، وقال الفراء والزجاج : والمراد بالحق القرآن أي لو نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدونه { لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } ، وهو كقوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } . { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ } ، بما يذكرهم ، قال ابن عباس : أي بما فيه فخرهم وشرفهم يعني القرآن ، فهو كقوله تعالى . { لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ } ، أي : شرفكم { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ } ، أي شرف لك ولقومك . { فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ } , يعني عن شرفهم, { مُعْرِضُونَ } .","part":5,"page":321},{"id":2322,"text":"[72] { أَمْ تَسْأَلُهُمْ } ، على ما جئتهم به ، { خَرْجًا } ، أجرا وجعلا { فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } ، يعني ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير ، { وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } ، قرأ حمزة والكسائي (خراجا) (فخرج) كلاهما بالألف وقرأ ابن عامر كلاهما بغير ألف وقرأ الآخرون (خرجا) بغير الألف (فخراج) بالألف .\r[73] { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، وهو الإسلام .\r[74] { وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ } ، أي عن دين الحق ، { لَنَاكِبُونَ } ، لعادلون مائلون .","part":5,"page":322},{"id":2323,"text":"[75] { وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ } ، قحط وجدوبة { لَلَجُّوا } ، تمادوا ، { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } ، ولم ينزعوا عنه .\r[76] { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ } ، « وذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم دعا على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني (1) . يوسف فأصابهم القحط ، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلي الله عليه وسلم وقال : أنشدك الله والرحم ، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال : بلى ، فقال : قد قتلت الأباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا هذا القحط ، فدعا فكشف عنهم ، فأنزل الله هذه الآية { فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ }» ، أي : ما خضعوا وما ذلوا لربهم ، وأصله طلب السكون ، { وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } ، أي : لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا على تمردهم .\r[77] { حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، قال ابن عباس : يعني القتل يوم بدر وهو قول مجاهد ، وقيل : هو الموت . وقيل : هو قيام الساعة؟ { إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } ، آيسون من كل خير .\r_________\r(1) هكذا في الأصل ، وفي طبعة النمر وزميله .","part":5,"page":323},{"id":2324,"text":"[78] { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ } أي : أنشأ لكم الأسماع { وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ } ، لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا ، { قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } ، أي : لم تشكروا هذه النعم .\r[79] { وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ } ، خلقكم ، { فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ، تبعثون .\r[80] { وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } ، أي : تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان ، قال الفراء : جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض ، { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، ما ترون من صنعه فتعتبرون .\r[81] { بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ } ، أي : كذبوا كما كذب الأولون .\r[82] { قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } ، لمحشورون ، قالوا ذلك على طريق الإنكار في التعجب .\r[83] { لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا } ، الوعد ، { مِنْ قَبْلُ } ، أي : وعد أباءنا قوم زعموا أنهم رسل الله فلم نر له حقيقة ، { إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } ، أكاذيب الأولين .","part":5,"page":324},{"id":2325,"text":"[84] { قُلْ } ، يا محمد مجيبا لهم يعني أهل مكة ، { لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا } ، من الخلق ، { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ، خالقها ومالكها .\r[85] { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } ، ولا بد لهم من ذلك لأنهم يقرون أنها مخلوقة . { قُلْ } لهم إذا أقروا بذلك ، { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } ، فتعلمون أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت .\r[86] { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } .\r[87] { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } ، قرأ العامة (لله) ومثله ما بعده فجعلوا الجواب على المعنى كقول القائل للرجل : من مولاك؟ فيقول : لفلان ، أي أنا لفلان وهو مولاي ، وقرأ أهل البصرة فيها (الله) وكذلك هو في مصحف أهل البصرة وفي سائر المصاحف مكتوب بالألف كالأول ، { قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ } ، تحذرون .","part":5,"page":325},{"id":2326,"text":"[88] { قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } ، الملكوت الملك والتاء فيه للمبالغة ، { وَهُوَ يُجِيرُ } ، أي : يؤمن من يشاء { وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ } ، أي : لا يؤمن من أخافه الله أو يمنع هو من السوء من يشاء ولا يمنع منه من أراده بسوء { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ، قيل : معناه أجيبوا إن كنتم تعلمون .\r[89] { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } ، أي : تخدعون وتصرفون عن توحيده وطاعته ، والمعنى : كيف يخيل لكم الحق باطلا؟ .","part":5,"page":326},{"id":2327,"text":"[90] { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ } ، بالصدق { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } ، فيما يدعون من الشريك والولد .\r[91] { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ } ، أي : من شريك ، { إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ } ، أي : تفرد بما خلقه فلم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره ، ومنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق . { وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } ، أي : طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم ، ثم نزه نفسه فقال : { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } .\r[92] { عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } قرأ أهل المدينة والكوفة غير حفص (عالم) برفع الميم على الابتداء ، وقرأ الآخرون بجرها على نعت الله في سبحان الله ، { فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، أي : تعظم عما يشركون ، ومعناه أنه أعظم من أن يوصف بهذا الوصف .\r[93] قوله : { قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي } ، أي : إن أريتني ، { مَا يُوعَدُونَ } ، أي : ما أوعدتهم من العذاب .\r[94] { رَبِّ } ، أي : يا رب ، { فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ، أي : لا تهلكني بهلاكهم .","part":5,"page":327},{"id":2328,"text":"[95] { وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ } ، من العذاب لهم ، { لَقَادِرُونَ } .\r[96] { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ، أي : ادفع بالخلة التي هي أحسن هي الصفح والإعراض والصبر ، { السَّيِّئَةَ } ، يعني أذاهم ، أمرهم بالصبر على أذى المشركين والكف عن المقاتلة ، نسختها آية السيف . { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } ، يكذبون ويقولون من الشرك .\r[97] { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ } ، أي : أمتنع وأعتصم بك ، { مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ } ، قال ابن عباس : نزعاتهم . وقال الحسن : وساوسهم . وقال مجاهد : نفخهم ونفثهم . وقال أهل المعاني : دفعهم بالإغواء إلى المعاصي ، وأصل الهمز شدة الدفع .\r[98] { وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } ، في شيء من أموري ، وإنما ذكر الحضور لأن الشيطان إذا حضره يوسوسه . ثم أخبر أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت .","part":5,"page":328},{"id":2329,"text":"[99] فقال : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ } ، ولم يقل ارجعني وهو يسأل الله وحده الرجعة على عادة العرب فإنهم يخاطبون الواحد بلفظ الجمع على وجه التعظيم كما أخبر الله تعالى عن نفسه فقال : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ومثله كثير في القرآن . وقيل : هذا الخطاب مع الملائكة الذين يقبضون روحه ابتداء بخطاب الله لأنهم استغاثوا بالله أولا ثم رجعوا إلى مسالة الملائكة الرجوع إلى الدنيا .","part":5,"page":329},{"id":2330,"text":"[100] قوله تعالى : { لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } أي : ضيعت أن أقول لا إله إلا الله . وقيل : أعمل بطاعة الله . قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله ، فرحم الله امرءًا أعمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب { كَلَّا } ، كلمة ردع وزجر ، أي : لا يرجع إليها ، { إِنَّهَا } يعني : سؤاله الرجعة ، { كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } ، ولا ينالها ، { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ } ، أي أمامهم وبين أيديهم حاجز ، { إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } ، والبرزخ الحاجز بين الشيئين ، واختلفوا في معناه ههنا ، فقال مجاهد : حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا . وقال قتادة : بقية الدنيا . وقال الضحاك : البرزخ ما بين الموت إلى البعث . وقيل : هو القبر وهم فيه إلى يوم يبعثون .","part":5,"page":330},{"id":2331,"text":"[101] { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ } ، اختلفوا في هذه النفخة ، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنها النفخة الأولى { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ }{ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ } ، { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ } ، { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } . وعن ابن مسعود : أنها النفخة الثانية ، قال : يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد : هذا فلان بن فلان فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده وولده وزوجته أو أخيه فيأخذ منه ، ثم قرأ ابن مسعود { فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ } . وفي رواية عطاء عن ابن مسعود : أنها الثانية فلا أنساب بينهم أي : لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتفاخرون في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا . من أنت ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد أن الأنساب تنقطع .","part":5,"page":331},{"id":2332,"text":"فإن قيل : قد قال ههنا { وَلَا يَتَسَاءَلُونَ } وقال في موضع آخر : { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } ؟ الجواب . ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن للقيامة أحوالا ومواطن ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون.\r[102] قوله: { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .\r[103] { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } .\r[104]. { تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ } أي: تسفع وقيل: تحرق، { وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } ، عابسون .","part":5,"page":332},{"id":2333,"text":"[105] قوله تعالى: { أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } ، يعني القرآن تخوفون بها، { فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } .\r[106] { قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } ، قرأ حمزة والكسائي : شقاوتنا بالألف وفتح الشين وهما لغتان أي: غلبت علينا شقوتنا التي كتبت علينا فلم نهتد. { وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ } عن الهدى.\r[107] { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } أي: من النار، { فَإِنْ عُدْنَا } لما تكره { فَإِنَّا ظَالِمُونَ } .\r[108] { قَالَ اخْسَئُوا } ، أبعدوا، { فِيهَا } ، كما يقال للكلب إذا طرد اخسأ، { وَلَا تُكَلِّمُونِ } ، في رفع العذاب فإني لا أرفعه عنكم فعند ذلك أيس المساكين من الفرج، قال الحسن . هو آخر كلام يتكلم به أهل النار ثم لا يتكلمون بعدها إلا الشهيق والزفير، ويصير لهم عواء كعواء الكلاب لا يُفهمون ولا يفهمون.\r[109] { إِنَّهُ } الهاء في (إنه) عماد وتسمى أيضا المجهولة، { كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي } ، وهم المؤمنون { يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } .","part":5,"page":333},{"id":2334,"text":"[110] { فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا } ، قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي (سخريا) بضم السين هاهنا وفي سورة ص، وقرأ الباقون بكسرهما واتفقوا على الضم في سورة الزخرف. قال الخليل : هما لغتان مثل قولهم: بحر لجي، ولجي بضم اللام وكسرها، مثل كوكب دري ودري، قال الفراء والكسائي : الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل واتفقوا في سورة الزخرف بأنه بمعنى التسخير، { حَتَّى أَنْسَوْكُمْ } أي: أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم، { ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ } ، نظيره { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ } قال مقاتل : نزلت في بلال وعمار وخباب وصهيب وسلمان والفقراء من أصحابه، كان كفار قريش يستهزؤون بهم.\r[111] { إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا } ، على أذاكم واستهزائكم في الدنيا، { أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ } قرأ حمزة والكسائي (إنهم) بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتحها، فيكون في موضع المفعول الثاني إني جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز بالجنة.","part":5,"page":334},{"id":2335,"text":"[112] { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ } ، قرأ حمزة والكسائي : وقل إن، على الأمر والنهي. ومعنى الآية: قولوا أيها الكافرون، فأخرج الكلام مخرج الواحد، والمراد منه الجماعة إذا كان معناه مفهوما ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد منهم، أي قل يا أيها الكافرون وقرأ ابن كثير : قل كم على الأمر، وقال أن على الخبر لأن الثانية جواب، وقرأ الآخرون قال فيهما جميعا أي قال الله تعالى للكفار يوم البعث كم لبثتم، { فِي الْأَرْضِ } ، أي: في الدنيا وفي القبور { عَدَدَ سِنِينَ } .\r[113] { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } ، نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما هم بصدده من العذاب، { فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ } ، الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم.\r[114] { قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ } ، أي: ما لبثتم في الدنيا، { إِلَّا قَلِيلًا } سماه قليلا لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلا في جنب ما يلبث في الآخرة لأن لبثه في الدنيا والقبر متناه { لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ، قدر لبثكم في الدنيا.","part":5,"page":335},{"id":2336,"text":"[115] { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } ، لعبا وباطلا لا لحكمة، وهو نصب على الحال، أي: عابثين. وقيل: للعبث، أي: لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وهو مثل قوله: { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } وإنما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله تعالى، { وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } أي: أفحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون في الآخرة للجزاء، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب : لا ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم. ثم نزه الله نفسه عما يصفه به المشركون.\r[116] فقال جل ذكره: { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } يعني السرير الحسن. وقيل: المرتفع.\r[117] { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } أي: لا حجة له به ولا بينة لأنه لا حجة في دعوى الشرك، { فَإِنَّمَا حِسَابُهُ } ، جزاؤه، { عِنْدَ رَبِّهِ } ، يجازيه بعلمه كما قال تعالى: { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } ، { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } . لا يسعد من جحد وكذب.","part":5,"page":336},{"id":2337,"text":"[118] { وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } .","part":5,"page":337},{"id":2338,"text":"( 24 ) سورة النور\r[1] { سُورَةٌ } ، أي: هذه سورة، { أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا } قرأ ابن كثير وأبو عمر ( وفرضناها ) بتشديد الراء، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: أوجبنا ما فيها من الأحكام وألزمناكم العمل بها. وقيل: معناه قدرنا ما فيها من الحدود، والفرض: التقدير، قال الله عز وجل: { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } أي: قدرتم، ودليل التخفيف قوله: { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ } ، وأما التشديد فمعناه فصلناه وبيناه. وقيل: هو بمعنى الفرض الذي هو بمعنى الإيجاب أيضا والتشديد للتكثير لكثرة ما فيها من الفرائض، أي أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة. { وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } ، واضحات، { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ، تتعظون.","part":5,"page":338},{"id":2339,"text":"[2] قوله عز وجل: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } أراد إذا كانا حرين بالغين عاقلين بكرين غير محصنين، فاجلدوا فاضربوا كل واحد منهما مائة جلدة، يقال جلده إذا ضرب جلده، كما يقال رأسه وبطنه، إذا ضرب رأسه وبطنه، وذكر بلفظ الجلد لئلا يبرح ولا يضرب بحيث يبلغ اللحم، وقد وردت السنة أنه يجلد مائة ويغرب عاما (1) وهو قول أكثر أهل العلم، وإن كان الزاني محصنا فعليه الرجم، ذكرناه في سورة النساء (2) { وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ } أي: رحمة ورقة، وقرأ ابن كثير ( رأفة ) بفتح الهمزة، والرأفة معنى يكون في القلب، لا ينهى عنه لأنه لا يكون باختيار الإنسان.. واختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي . وقال جماعة: معناها ولا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن . قال الزهري : يجتهد في حد الزنا والفرية ويخفف في حد الشرب. وقال قتادة : يجتهد في حد الزنا ويخفف في الشرب والفرية. { فِي دِينِ اللَّهِ } ، أي: في حكم الله، { إِنْ\r_________\r(1) أخرج البخاري في الشهادات 5 / 255 أن رسول الله أمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام.\r(2) آية : 16 .","part":5,"page":339},{"id":2340,"text":"كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } ، معناه أن المؤمن لا تأخذه الرأفة إذا جاء أمر الله تعالى، { وَلْيَشْهَدْ } وليحضر { عَذَابَهُمَا } حدهما إذا أقيم عليهما { طَائِفَةٌ } ، نفر، { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، قال مجاهد والنخعي : أقله رجل واحد فما فوقه وقال عكرمة وعطاء : رجلان فصاعدا. وقال الزهري وقتادة : ثلاثة فصاعدا. وقال مالك وابن زيد : أربعة بعدد شهود الزنا.","part":5,"page":340},{"id":2341,"text":"[3] قوله:- { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } ، اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها، فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة فرغب أناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ( وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) أن يتزوجوا تلك البغايا لأنهن كن مشركات، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والشعبي ، ورواية العوفي عن ابن عباس , وقال عكرمة : نزلت في نساء بمكة والمدينة , منهن تسع لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها, منهن أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي , فكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مالكة, فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة , فاستأذن رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح أم مهزول واشترطت له أن تنفق عليه ، فأنزل الله هذه الآية.","part":5,"page":341},{"id":2342,"text":"وقال قوم: المراد من النكاح هو الجماع، ومعناه أن الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة والزانية لا تزني إلا بزان أو مشرك، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم . ورواه الوالبي عن ابن عباس ، قال يزيد بن هارون . إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان، وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول : إذا تزوج الزاني بالزانية فهما زانيان أبدا. وقال الحسن : الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة والزانية المجلودة لا ينكحها إلا زان مجلود. قال سعيد بن المسيب وجماعة: إن حكم الآية منسوخ، فكان نكاح الزانية حراما بهذه الآية فنسخها قوله: { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } فدخلت الزانية في أيامى المسلمين.","part":5,"page":342},{"id":2343,"text":"[4] قوله: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } ، أراد بالرمي القذف بالزنا وكل من رمى محصنا أو محصنة بالزنا، فقال له: زنيت أو يا زاني فيجب عليه جلد ثمانين جلدة، إن كان حرا وإن كان عبدا فيجلد أربعين وإن كان المقذوف غير محصن، فعلى القاذف التعزير وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزاني حتى أن من زنى مرة في أول بلوغه ثم تاب وحسنت حالته وامتد عمره فقذفه قاذف فلا حد عليه. فإن أقر المقذوف على نفسه بالزنا أو أقام القاذف أربعة من الشهود على زناه سقط الحد عن القاذف لأن الحد الذي وجب عليه حد الفرية وقد ثبت صدقه، وقوله: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ) أي: يقذفون بالزنا المحصنات يعني المسلمات الحرائر العفائف { ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } يشهدون على زناهن { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } أي: اضربوهم ثمانين جلدة. { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } .","part":5,"page":343},{"id":2344,"text":"[5] { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة وفي حكم هذا الاستثناء فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته قبلت شهادته، سواء تاب بعد إقامة الحد عليه أو قبلها، لقوله تعالى: ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ) وقالوا: الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة وإلى الفسق فبعد التوبة تقبل شهادته ويزول عنه اسم الفسق وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب، وقالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله: { وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة، وقال: الاستثناء يرجع إلى الكل وعامة العلماء على أنه لا يسقط بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط كالقصاص يسقط بالعفو، ولا يسقط بالتوبة. فإن قيل: إذا قبلتم شهادته بعد التوبة فما معنى قوله { أَبَدًا } قيل: معناه لا تقبل شهادته أبدا ما دام هو مصرا على قذفه لأن أبد كل إنسان مدته على ما يليق بحاله، كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا: يراد ما دام كافرا.","part":5,"page":344},{"id":2345,"text":"[6] { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } ، يقذفون نساءهم، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ } ، يشهدون على صحة ما قالوا ، { إِلَّا أَنْفُسُهُمْ } غير أنفسهم ، { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب ( أربع شهادات ) برفع العين على خبر الابتداء، أي: فشهادة أحدهم التي تدرأ الحد أربع شهادات، وقرأ الآخرون بالنصب أي: فشهادة أحدهم أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين.\r[7] { وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } ، قرأ نافع ويعقوب ( أن ) خفيفة وكذلك الثانية ( لعنة الله ) رفع، ثم يعقوب قرأ ( غضب ) بالرفع، وقرأ نافع ( غضب ) بكسر الضاد وفتح الباء على الفعل الماضي ( الله ) رفع ، وقرأ الآخرون { أَنَّ } بالتشديد فيهما، { لَعْنَةَ } نصب، و { غَضَبَ } بفتح الضاد على الاسم، { اللَّهِ } جر، وقرأ حفص عن عاصم { وَالْخَامِسَةَ } الثانية نصب، أي ويشهد الشهادة الخامسة، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره في أن كالأولى.","part":5,"page":345},{"id":2346,"text":"[8] قوله : { وَيَدْرَأُ } يدفع , { عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ }\r[9] { وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } وأراد بالعذاب الحد كما قال في أول السورة: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: أحدهما ومعنى الآية أن الزوج إذ لاعن وجب على المرأة حد الزنا، وإذا وجب عليها حد الزنا بلعانه فأرادت إسقاطه عن نفسها فإنها تلاعن فتقوم وتشهد بعد تلقين الحاكم أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة علي غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به .\r[10] قوله : { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } ، جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان، { وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ } يعود على من يرجع عن المعاصي بالرحمة { حَكِيمٌ } فيما فرض من الحدود.","part":5,"page":346},{"id":2347,"text":"[11] قوله: { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ } بالكذب وهو أسوأ الكذب سمي إفكا لكونه مصروفا عن الحق، من قوله : أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه \"وهو ما مثل في عائشة رضي الله عنها عند تخلفها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد غزواته بعد أن أحضرها صفوان السلمي\" وذلك أن عائشة تستحق الثناء لما كانت عليه من الحصانة والشرف فمن رماها بالسوء قلب الأمر عن وجهه, { عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } أي جماعة منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش زوجة طلحة ابن عبيد الله وغيرهم، { لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ } ، يا عائشة ويا صفوان ، وقيل: هو خطاب لعائشة ولأبويها وللنبي صلى الله عليه وسلم ولصفوان، يعني لا تحسبوا الإفك شرا لكم , { بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } ، لأن الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم.","part":5,"page":347},{"id":2348,"text":"قوله تعالى: { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ } ، يعني من العصبة الكاذبة { مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ } ، أي: جزاء ما اجترح من الذنب على قدر ما خاض فيه ، { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي: تحمل معظمه فبدأ بالخوض فيه، قرأ يعقوب ( كبره ) بضم الكاف، وقرأ العامة بالكسر قال الكسائي : هما لغتان. قال الضحاك : قام بإشاعة الحديث، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول . وروى الزهري عن عروة عن عائشة { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ } قالت: عبد الله بن أبي ابن سلول ، والعذاب الأليم هو النار في الآخرة.\r[12] قوله: { لَوْلَا } ، هلا، { إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ } بإخوانهم ، { خَيْرًا } ، قال الحسن : بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة ، نظيره قوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ، { فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } . { وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ } ، أي: كذب بين.","part":5,"page":348},{"id":2349,"text":"[13] { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } ، على ما زعموا، { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } ، فإن قيل: كيف يصيرون عند الله كاذبين إذ لم يأتوا بالشهداء ومن كذب فهو عند الله كاذب سواء أتى بالشهداء أو لم يأت \"؟ قيل: عند الله أي في حكم الله وقيل: معناه كذبوهم بأمر الله. وقيل: هذا في حق عائشة ومعناه أولئك هم الكاذبون في غيبي وعلمي.\r[14] { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ } ، خضتم، { فِيهِ } ، من الإفك, { عَذَابٌ عَظِيمٌ } قال ابن عباس : أي عذاب لا انقطاع له يعني في الآخرة لأنه ذكر عذاب الدنيا من قبل، فقال تعالى: { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، وقد أصابهم فإنه قد جلد وحد، وقد روت عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية حد أربعة نفر: عبد الله بن أبي وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش .","part":5,"page":349},{"id":2350,"text":"[15] قوله تعالى: { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ } ، تقولونه، { بِأَلْسِنَتِكُمْ } ، قال مجاهد ومقاتل : يرويه بعضكم عن بعض. وقال الكلبي : وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقيا، وكذا قرأه أبي بن كعب . وقال الزجاج : يلقيه بعضكم إلى بعض، وقرأت عائشة ( تلقونه ) بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق وهو الكذب، { وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا } ، تظنون أنه سهل لا إثم فيه، { وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } في الوزر.\r[16] { وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ } ، هذا اللفظ هاهنا بمعنى التعجب، { هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } ، يعني كذب عظيم يبهت ويتحير من عظمته. وفي بعض الأخبار أن أم أيوب قالت لأبي أيوب الأنصاري : أما بلغك ما يقول الناس في عائشة ؟ فقال أبو أيوب : سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت الآية على وفق قوله.\r[17] { يَعِظُكُمُ اللَّهُ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحرم الله عليكم وقال مجاهد : ينهاكم الله. { أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .","part":5,"page":350},{"id":2351,"text":"[18] { وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ } ، بالأمر والنهي، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } بأمر عائشة وصفوان بن المعطل ، { حَكِيمٌ } ، حكم ببراءتهما.\r[19] قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ } ، يعني يظهر ويذيع الزنا، { فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } ، يعني عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين، والعذاب في الدنيا الحد وفي الآخرة النار، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ } ، كذبهم وبراءة عائشة وما خاضوا فيه من سخط الله، { وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }\r[20] { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } ، جواب ( لولا ) محذوف يعني: لعاجلكم بالعقوبة، قال ابن عباس : يريد مسطحا وحسان بن ثابت وحمنة .","part":5,"page":351},{"id":2352,"text":"[21] قوله: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } يعني بالقبائح من الأفعال، { وَالْمُنْكَرِ } ، كل ما يكرهه الله، { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا } ، قال مقاتل : ما صلح. وقال ابن قتيبة : ما طهر، { مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ } والآية على العموم عند بعض المفسرين، قالوا: أخبر الله أنه لولا فضله ورحمته بالعصمة ما صلح منكم أحد. وقال قوم: هذا الخطاب للذين خاضوا في الإفك، ومعناه: ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ، قال: ما قبل توبة أحد منكم، { أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي } ، يطهر { مَنْ يَشَاءُ } ، من الذنب بالرحمة والمغفرة، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .","part":5,"page":352},{"id":2353,"text":"[22] قوله تعالى: { وَلَا يَأْتَلِ } ، يعني ولا يحلف، وهو يفعل من الألية وهي القسم، وقرأ أبو جعفر يتأل بتقديم التاء وتأخير الهمزة، وهو يتفعل من الألية وهي القسم. { أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ } ، يعني أولو الغنى والسعة يعني أبا بكر الصديق { أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، يعني مسطحا وكان مسكينا مهاجرا بدريا ابن خالة أبي بكر ، حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } ، عنهم خوضهم في أمر عائشة ، { أَلَا تُحِبُّونَ } ، يخاطب أبا بكر ، { أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فلما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح نفقته التي كانت ينفقها عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا (1) وقال ابن عباس والضحاك : أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألا يتصدقون على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم، فأنزل الله هذه الآية.\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 455 ومسلم في التوبة رقم ( 2770 ) 4 / 2129.","part":5,"page":353},{"id":2354,"text":"[23] { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } ، العفائف، { الْغَافِلَاتِ } عن الفواحش، { الْمُؤْمِنَاتِ } ، والغافلة عن الفاحشة التي لا يقع في قلبها فعل الفاحشة وكانت عائشة كذلك، قوله تعالى: { لُعِنُوا } ، عذبوا، { فِي الدُّنْيَا } ، بالحد، { وَالْآخِرَةِ } ، بالنار، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، قال مقاتل : هذا خاص في عبد الله بن أبي المنافق. وروي عن خصيف قال: قلت لسعيد بن جبير : من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة، فقال ذلك لعائشة خاصة. وقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر المؤمنات وقال الآخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } إلى قوله { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فأنزل الجلد والتوبة.","part":5,"page":354},{"id":2355,"text":"[24] { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ } ، قرأ حمزة والكسائي بالياء لتقديم الفعل وقرأ الآخرون بالتاء، { أَلْسِنَتُهُمْ } ، وهذا قبل أن يختم على أفواههم، { وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ } ، يروى أنه يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا. وقيل: معناه تشهد ألسنة بعضهم على بعض وأيديهم وأرجلهم، { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .\r[25] { يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ } ، جزاءهم الواجب. وقيل: حسابهم العدل. { وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ } ، يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: وذلك أن عبد الله بن أبي كان يشك في الدين فيعلم يوم القيامة أن الله هو الحق المبين.","part":5,"page":355},{"id":2356,"text":"[26] قوله سبحانه تعالى: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ } ، قال أكثر المفسرين: الخبيثات من القول والكلام للخبيثين من الناس. { وَالْخَبِيثُونَ } ، من الناس, { لِلْخَبِيثَاتِ } من القول، { وَالطَّيِّبَاتُ } ، من القول { لِلطَّيِّبِينَ } ، من الناس، { وَالطَّيِّبُونَ } ، من الناس، { لِلطَّيِّبَاتِ } ، من القول، والمعنى: أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس والطيب لا يليق إلا بالطيب، فعائشة لا تليق بها الخبيثات من القول لأنمها طيبة فتضاف إليها طيبات الكلام من المدح والثناء الحسن وما يليق بها. قال الزجاج : معناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، وهذا ذم للذين قذفوا عائشة ، ومدح للذين برؤوها بالطهارة. وقال ابن زيد : معناه الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء أمثال عبد الله بن أبي والشاكين في الدين، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. يريد عائشة طيبها الله لرسوله الطيب صلى الله عليه وسلم { أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ } يعني: عائشة وصفوان ذكرهما","part":5,"page":356},{"id":2357,"text":"بلفظ الجمع كقوله تعالى: { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } أي: إخوان. وقيل: أولئك مبرؤون يعني الطيبين والطيبات منزهون، { مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } ، فالمغفرة هي العفو عن الذنوب والرزق الكريم الجنة. وروي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا غيرها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافه، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه, وخلقت طيبة ، ووعدت مغفرة ورزقا كريما، وكان مسروق إذا روى عن عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من السماء.","part":5,"page":357},{"id":2358,"text":"[27] قوله: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ، قيل: معنى قوله: ( حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ) أي : حتى تستأذنوا وكان ابن عباس يقرأ حتى تستأذنوا وكذلك كان يقرأ أبي بن كعب ، والقراءة المعروفة تستأنسوا وهو بمعنى الاستئذان. وقيل: الاستئناس طلب الأنس وهو أن ينظر هل في البيت ناس فيؤذنهم إني داخل. وقال الخليل : الاستئناس الاستبصار من قوله: آنست نارا أي: أبصرتها. وقيل: هو أن يتكلم بتسبيحة أو تكبيرة أو يتنحنح، يؤذن أهل البيت. وجملة حكم الآية أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان. واختلفوا في أنه يقدم الاستئذان أم السلام؟ فقال قوم: يقدم الاستئذان فيقول: أأدخل سلام عليكم، لقوله تعالى: ( حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) والأكثرون على أنه يقدم السلام فيقول: سلام عليكم أأدخل. وفي الآية تقديم وتأخير، تقديرها: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود .","part":5,"page":358},{"id":2359,"text":"[28] قوله: { فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا } أي إن لم تجدوا في البيوت أحدا يأذن لكم في دخولها فلا تدخلوها، { حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا } يعني إذا كان في البيت قوم فقالوا: ارجع فليرجع ولا يقعد على الباب ملازما، { هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } ، يعني الرجوع أطهر وأصلح لكم. قوله تعالى: { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } ، من الدخول بالإذن وغير الإذن، ولما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وعلى ظهر الطريق، ليس فيها ساكن؟","part":5,"page":359},{"id":2360,"text":"[29] فأنزل الله عز وجل: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } أي: بغير استئذان، { فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ } يعني منفعة لكم واختلفوا في هذه البيوت, فقال قتادة : هي الحانات والبيوت والمنازل المبنية للسابلة ليأووا أمتعتهم إليها فيجوز دخولها بغير استئذان والمنفعة فيها بالنزول وإيواء المتاع والاتقاء من الحر والبرد. وقال ابن زيد : هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلونها للبيع والشراء وهو المنفعة . وقال إبراهيم النخعي : ليس على حوانيت السوق إذن , وقيل: هي جميع البيوت التي لا ساكن لها لأن الاستئذان إنما جاء لئلا يطلع على عورة فإن لم يخف ذلك فله الدخول بغير استئذان, { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ }","part":5,"page":360},{"id":2361,"text":"[30] قوله تعالى: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } , أي: عن النظر إلى ما يحل النظر إليه: وقيل: ( من ) صلة يعني يغضوا أبصارهم. وقيل: هو ثابت لأن المؤمنين غير مأمورين بغض البصر أصلا لأنه لا يجب الغض عما يحل النظر إليه, وإنما أمروا بأن يغضوا عما لا يحل النظر إليه, { وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } , عما لا يحل ، قال أبو العالية : كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا والحرام , إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه , { ذلك } يعني غض البصر وحفظ الفرج , { أَزْكَى لَهُمْ } , يعني خير لهم وأطهر ، { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } يعني عليم بما يفعلون.","part":5,"page":361},{"id":2362,"text":"[31] قوله عز وجل: { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } , عما لا يحل , { وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } , عمن لا يحل . وقيل أيضا: يحفظن فروجهن يعني يسترنها حتى لا يراها أحد، { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } , يعني لا يظهرن زينتهن لغير محرم , وأراد بها الزينة الخفية وهما زينتان خفية وظاهرة, فالخفية مثل الخلخال والخضاب في الرجل والسوار في المعصم والقرط والقلائد, فلا يجوز لها إظهارها, ولا للأجنبي النظر إليها, والمراد من الزينة موضع الزينة. قوله تعالى: { إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } , أراد به الزينة الظاهرة , واختلف أهل العلم في هذه الزينة الظاهرة التي استثناها الله تعالى: , قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي : هو الوجه والكفان . وقال ابن مسعود : هي الثياب بدليل قوله تعالى: { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } , وأراد بها الثياب وقال الحسن : الوجه والثياب . وقال ابن عباس : الكحل والخاتم والخضاب في الكف, فما كان من الزينة الظاهرة جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة وشهوة , فإن خاف شيئا منها غض البصر, قوله عز وجل : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ } , يعني:","part":5,"page":362},{"id":2363,"text":"ليلقين بمقانعهن, { عَلَى جُيُوبِهِنَّ } , وصدورهن ليسترن بذلك شعورهن وصدورهن وأعناقهن وأقراطهن . قالت عائشة : رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله عز وجل ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) شققن مروطهن فاختمرن بها. { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } ، قال ابن عباس ومقاتل : يعني لا يضعن الجلباب ولا الخمار إلا لبعولتهن، أي إلا لأزواجهن، { أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ } ، فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره له النظر إلى فرجها. قوله تعالى: { أَوْ نِسَائِهِنَّ } أراد أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة إلا ما بين السرة والركبة كالرجل المحرم، هذا إذا كانت المرأة مسلمة، فإن كانت كافرة فهل يجوز للمسلمة أن تنكشف لها. اختلف أهل العلم فيه، فقال بعضهم. يجور كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء، وقال بعضهم: لا","part":5,"page":363},{"id":2364,"text":"يجوز لأن الله تعالى قال: ( أَوْ نِسَائِهِنَّ ) والكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين، وكانت أبعد من الرجل الأجنبي، قوله تعالى: { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } ، اختلفوا فيها، فقال قوم: عبد المرأة محرم لها، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفا وأن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة، كالمحارم وهو ظاهر القرآن وقال قوم: هو كالأجنبي معها، وهو قول سعيد بن المسيب ، وقال: المراد من الآية الإماء دون العبيد، قوله: { أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ } ، قرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر غير بنصب الراء على القطع لأن ( التابعين ) معرفة و ( غير ) نكرة. وقيل: بمعنى ( إلا ) فهو استثناء معناه: يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم فإنهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة. وقرأ الآخرون بالجر على نعت ( التابعين ) والإربة والأرب الحاجة، والمراد بـ ( التابعين غير أولي الإربة ) هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ذلك، ولا حاجة لهم في النساء، وهو قول مجاهد وعكرمة والشعبي . وعن ابن عباس أنه الأحمق العنين. وقال الحسن : هو الذي لا","part":5,"page":364},{"id":2365,"text":"ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن. وقال سعيد بن جبير : هو المعتوه وقال عكرمة : المجبوب. وقيل هو المخنث. وقال مقاتل : الشيني الهرم والعنين والخصي والمجبوب ونحوه. { أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } ، أراد بالطفل الأطفال يكون واحدا وجمعا، أي: لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع فيطلعوا عليها. وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر، وهو قول مجاهد ، وقيل: لم يطيقوا أمر النساء. وقيل: لم يبلغوا حد الشهوة. { وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } ، كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت خلخالها أو يتبين خلخالها، فنهيت عن ذلك. { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا } ، من التقصير الواقع في أمره ونهيه. وقيل: راجعوا طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة، { أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ، عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"يا « أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة » (1) .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء برقم ( 2072 ) 4 / 2076 والمصنف في شرح السنة 5 / 571.","part":5,"page":365},{"id":2366,"text":"[32] قوله تعالى: { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } ، الأيامى جمع أيم وهو من لا زوج له من رجل أو امرأة يقال رجل: أيم وامرأة أيمة، وأيم، ومعنى الآية: زوجوا أيها المؤمنون من أحرار رجالكم ونسائكم { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } ، وهذا الأمر أمر ندب واستحباب. يستحب لمن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد أهبة النكاح أن يتزوج، وإن لم يجد أهبة النكاح يكسر شهوته بالصوم، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » (1) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط » (2) . { إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ، قيل: الغنى هاهنا القناعة. وقيل اجتماع الرزقين رزق الزوج ورزق الزوجة. وقات عمر : عجبت لمن ابتغى الغنى بغير النكاح، والله عز وجل يقول: ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) . وروي عن بعضهم: أن الله تعالى وعد الغني بالنكاح وبالتفرق فقال تعالى: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ\r_________\r(1) أخرجه البخاري في النكاح 9 / 106 ومسلم في النكاح رقم ( 1400 ) 2 / 1018.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف 6 / 173 عن سعيد بن أبى هلال مرسلا .","part":5,"page":366},{"id":2367,"text":"يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) ، وقال تعالى: { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ } .","part":5,"page":367},{"id":2368,"text":"[33] { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا } ، أي: ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون مالا ينكحون به للصداق والنفقة، { حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } أي يوسع عليهم من رزقه. قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ } أي: يطلبون المكاتبة، { مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ } ، سبب نزول هذه الآية ما روي أن غلاما لحويطب بن عبد العزيز سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فأنزل الله هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار، ووهب له منها عشرين دينارا فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب، والكتابة أن يقول الرجل لمملوك: كاتبتك على كذا من المال ويسمي مالا معلوما يؤدي ذلك في نجمين أو نجوم معلومة في كل نجم كذا، فإذا أديت فأنت حر، والعبد يقبل ذلك، فإذا أدى المال عتق ويصير العبد أحق بمكاسبه بعد أداء المال، وإذا أعتق بعد أداء المال فما فضل في يده من المال، يكون له ويتبعه أولاده الذين حصلوا في حال الكتابة في العتق، وإذا عجز عن أداء المال كان لمولاه أن يفسخ كتابته ويرده إلى الرق، وما في يده من المال يكون لمولاه، وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: {","part":5,"page":368},{"id":2369,"text":"فَكَاتِبُوهُمْ } أمرا يجب ! على المولى أن يكاتب عبده الذي علم فيه خيرا إذا سأل العبد ذلك، على قيمته أو أكثر، وإن سأل على أقل من قيمته فلا يجب، وهو قول عطاء وعمرو بن دينار ، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه أمر ندب واستحباب، { إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } ، اختلفوا في معنى الخير، فقال ابن عمر : قوة على الكسب. وهو قول مالك والثوري ، وقال الحسن ومجاهد والضحاك : مالا، كقوله تعالى: { إِنْ تَرَكَ خَيْرًا } أي: مالا، قال الزجاج : لو أراد به المال لقال إن علمتم لهم خيرا، وقال إبراهيم وابن زيد وعبيدة : صدقا وأمانة. وقال طاوس وعمرو بن دينار : مالا وأمانة. وقال الشافعي : وأظهر معاني الخير في العبد الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من كتابته إذا كان هكذا. وحكى محمد بن سيرين عن عبيدة : إن علمتم فيهم خيرا أي: أقاموا الصلاة. وقيل: هو أن يكون العبد بالغا عاقلا، فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما لأن الابتغاء منهما لا يصح، وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق. قوله سبحانه وتعالى: { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } ، اختلفوا فيه فقال بعضهم: هذا خطاب للموالي يجب على المولى أن يحط عن","part":5,"page":369},{"id":2370,"text":"مكاتبه من مال كتابته شيئا، وهو قول عثمان وعلي والزبير وجماعة، وبه قال الشافعي ، ثم اختلفوا في قدره فقال قوم: يحط عنه ربع مال الكتابة، وهو قول علي ورواه بعضهم عن علي مرفوعا، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يحط عنه الثلث. وقال الآخرون: ليس له حد بل عليه أن يحط عنه ما شاء، وهو قول الشافعي وقال بعضهم: هو أمر استحباب، والوجوب أظهر، وقال قوم: أراد بقوله وآتوهم من مال الله أي سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات، بقوله تعالى: { وَفِي الرِّقَابِ } وهو قول الحسن وزيد بن أسلم ، وقال إبراهيم : هو حث لجميع الناس على معونتهم، قوله تعالى: { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } الآية، نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق كانت له جاريتان معاذة ومسيكة ، وكان يكرههما على الزنا بالضريبة يأخذها منهما، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكتا إليه، فأنزل هذه الآية: ( وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ ) إماءكم ( عَلَى الْبِغَاءِ ) أي الزنا ( إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) أي إذا أردن، وليسر معناه","part":5,"page":370},{"id":2371,"text":"الشرط لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا وإن لم يردن تحصنا، كقوله تعالى: { وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أي إذا كنتم مؤمنين. وقيل: شرط إرادة التحصن لأن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن، فإذا لم ترد التحصن بغت طوعا، والتحصن التعفف ، وقال الحسن بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصنا ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. { لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: لتطلبوا من أموال الدنيا يريد من كسبهن وبيع أولادهن، { وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، يعني للمكرهات، والوزر على المكره.\r[34] قوله تعالى: { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ } ، من الحلال والحرام، { وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ } أي شبها من حالكم بحالهم أيها المكذبون، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من المكذبين، { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } للمؤمنين الذين يتقون الشرك والكبائر.","part":5,"page":371},{"id":2372,"text":"[35] قوله تعالى: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } , قال ابن عباس : هادي أهل السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهداه من الضلالة ينجون. وقال الضحاك : منور السماوات والأرض، يقال: نور السماء بالملائكة ونور الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد : مدبر الأمور في السماوات والأرض. وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية : مزين السماوات والأرض، زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. ويقال: بالنبات والأشجار. قوله تعالى: { مَثَلُ نُورِهِ } أي مثل نور الله تعالى في قلب المؤمن وهو النور الذي يهتدي به كما قال فهو على نور من ربه، وكان ابن مسعود يقرأ مثل نوره في قلب المؤمن. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : مثل نوره الذي أعطى المؤمن. وقال بعضهم: الكناية عائدة إلى المؤمن، أي: مثل نور قلب المؤمن، وكان أبي يقرأ: ( مثل نور من آمن به ) وهو عبد جعل الإيمان والقرآن في صدره. وقال الحسن وزيد بن أسلم : أراد بالنور القرآن. وقال سعيد بن جبير والضحاك : هو محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: أراد بالنور الطاعة، سمى طاعة الله نورا وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلا، { كَمِشْكَاةٍ }","part":5,"page":372},{"id":2373,"text":"وهي الكوة التي لا منفذ لها فإن كان لها منفذ فهي كوة. وقيل: المشكاة حبشية. قال مجاهد : هي القنديل { فِيهَا مِصْبَاحٌ } أي: سراج، أصله من الضوء، ومنه الصبح، ومعناه: كمصباح في مشكاة، { الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } ، يعني القنديل، قال الزجاج . إنما ذكر الزجاجة لأن النور وضوء النار فيها أبين من كل شيء، وضوء يزيد في الزجاج، ثم وصف الزجاجة، فقال: { الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } قرأ أبو عمر والكسائي ( درئ ) بكسر الدال والهمزة، وقرأ حمزة وأبو بكر بضم الدال والهمزة، فمن كسر الدال فهو فعيل من الدرء وهو الدفع لأن الكوكب يدفع الشياطين من السماء وشبهه بحالة الدفع لأنه يكون في تلك الحالة أضوأ وأنور، ويقال: هو من درأ الكوكب إذا اندفع منقبضا فيتضاعف ضوؤه في ذلك الوقت. وقيل: دري مكرر أي طالع، يقال: درأ النجم إذا طلع وارتفع. ويقال: درأ علينا فلان أي طلع وظهر، فأما رفع الدال مع الهمزة كما قرأ حمزة قال أكثر النحاة: هو لحن لأنه ليس في كلام العرب فعيل بضم الفاء وكسر العين، قال أبو عبيدة : وأنا أرى لها وجها وذلك أنها دروء على وزن فعول، مثل سبوح وقدوس، وقد استثقلوا كثرة الضمات فردوا بعضها إلى","part":5,"page":373},{"id":2374,"text":"الكسر، كما قالوا: عتيا وهو فعول من عتوت، وقرأ الآخرون ( دري ) بضم الدال وتشديد الياء بلا همز، أي: شديد الإنارة نسبت إلى الدر في صفائه وحسنه، وإن كان الكوكب أكثر ضوءا من الدر لكنه يفضل الكوكب بضيائه، كما يفضل الدر سائر الحب. وقيل: الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام، وهي زحل والمريخ والمشتري والزهرة وعطارد. وقيل: شبهه بالكوكب، ولم يشبهه بالشمس والقمر لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف والكواكب لا يلحقها الخسوف. { يُوقَدُ } قرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ( توقد ) بالتاء وفتحها وفتح الواو والدال أو تشديد القاف على الماضي يعني المصباح، أي: اتقد يقال توقدت النار إذا اتقدت. وقرأ أهل الكوفة غير حفص توقد بالتاء وضمها وفتح القاف خفيفا، يعني الزجاجة أي : نار الزجاجة لأن الزجاجة لا توقد، وقرأ الآخرون بالياء وضمها خفيفا يعني المصباح ، { مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } ، أي من زيت شجرة مباركة، فحذف المضاف بدليل قوله تعالى: { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ } ، وأراد بالشجرة المباركة الزيتونة وهي كثيرة البركة، وفيها منافع كثيرة لأن الزيت يسرج به هو أضوأ وأصفي الأدهان، وهو إدام","part":5,"page":374},{"id":2375,"text":"وفاكهة، ولا يحتاج في استخراجه إلى إعصار بل كل أحد يستخرجه، قوله تعالى: { لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ } أي: ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية وحدها فلا تصيبها الشمس بالغداة إذا طلعت، بل هي ضاحية الشمس طول النهار تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها فتكون شرقية وغربية تأخذ حظها من الأمرين، فيكون زيتها أضوأ وهذا كما يقال: فلان ليس بأسود ولا بأبيض يريد ليس بأسود خالص ولا بأبيض خالص، بل اجتمع فيه كل واحد منهما. وقال السدي وجماعة: معناه أنها ليست في مقناة لا تصيبها الشمس ولا في مضحاة لا يصيبها الظل، فهي لا تضرها شمس ولا ظل. وقيل: معناه أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد. وقيل: معناه هي شامية لأن الشام لا شرقي ولا غربي. وقال الحسن : ليست هذه من أشجار الدنيا ولو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية وإنما هو مثل ضربه الله لنوره. { يَكَادُ زَيْتُهَا } ، دهنها، { يُضِيءُ } من صفائه، { وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } ، أي: قبل أن تصيبه النار، { نُورٌ عَلَى نُورٍ } ، يعني نور المصباح على نور الزجاجة. واختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل، فقال بعضهم:","part":5,"page":375},{"id":2376,"text":"وقع هذا التمثيل لنور محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس لكعب الأحبار : أخبرني عن قوله تعالى: ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) فقال كعب : هذا مثل ضربه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة توقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة، يكاد نور محمد وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار وقال بعضهم: وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن. روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله فيه من الإيمان، والقرآن في قلبه يوقد من شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده، فمثله كمثل الشجرة التي التف بها الشجر خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت فكذلك المؤمن، قد احترس من أن يصيبه شيء من الفتن فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن أبتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، يكاد زيتها يضيء أي يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له بموافقته إياه نور على نور. وقال الحسن وابن زيد : هذا مثل القرآن، فالمصباح هو القرآن فكما يستضاء بالمصباح يهتدى بالقرآن، والزجاجة قلب المؤمن","part":5,"page":376},{"id":2377,"text":"والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحي، ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ، نور على نور يعني القرآن نور من الله لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن، فازداد بذلك نورا على نور قوله تعالى: { يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لدين الإسلام وهو نور البصيرة وقيل: القرآن { وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ } ، يبين الله الأشياء للناس تقريبا للأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك، { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .","part":5,"page":377},{"id":2378,"text":"[36] قوله: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ } ، أي ذلك المصباح في بيوت. وقيل: يوقد في بيوت، والبيوت: هي المساجد، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: المساجد بيوت الله في الأرض، وروى صالح بن حيان عن ابن بريدة في قوله تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ ) ، قال: إنما هي أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان ، ومسجد المدينة بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: { أَنْ تُرْفَعَ } ، قال مجاهد : أن تبنى نظيره قوله تعالى: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ } قال الحسن : أي تعظم أي لا يذكر فيه الخنا من القول. { وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يتلى فيها كتابه، ( يُسَبِّحُ) ، قرأ ابن عامر وأبو بكر ( يسبح ) بفتح الباء على غير تسمية الفاعل والوقف على هذه القراءة عند قوله: ( وَالْآصَالِ) وقرأ الآخرون بكسر الباء جعلوا التسبيح فعلا للرجال، { يُسَبِّحُ لَهُ } ، أي: يصلي، { فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } ، أي","part":5,"page":378},{"id":2379,"text":"بالغداة والعشي. قال أهل التفسير: أراد به الصلوات المفروضات. فالتي تؤدى بالغداة صلاة الصبح والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما. وقيل: أراد به صلاة الصبح والعصر.","part":5,"page":379},{"id":2380,"text":"[37] قوله: { رِجَالٌ } ، قيل: خص الرجال بالذكر في هذه المساجد لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المسجد، { لَا تُلْهِيهِمْ } ، لا تشغلهم، { تِجَارَةٌ } ، قيل: خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات، وأراد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعا لأنه ذكر البيع بعد هذا، كقوله: { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً } يعني الشراء، وقال الفراء - التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه الرجل على يديه. قوله: { وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ } ، عن حضور المساجد لإقامة الصلاة، { وَإِقَامِ } ، أي: لإقامة، { الصَّلَاةِ } ، حذف الهاء وأراد أداءها في وقتها لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة وأعاد ذكر إقامة الصلاة مع أن المراد من ذكر الله الصلوات الخمس لأنه أراد بإقام الصلاة حفظ المواقيت. روى سالم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد، فقال ابن عمر فيهم نزلت: ( رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ ) { وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ } ، المفروضة، قال ابن عباس رضي","part":5,"page":380},{"id":2381,"text":"الله عنه: إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها. وقيل: هي الأعمال الصالحة. { يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } ، قيل: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشرك والكفر، وتنفتح أبصار من الأغطية. وقيل: تتقلب القلوب بين الخوف والرجاء تخشى الهلاك وتطمع في النجاة، وتقلب الأبصار من هوله أي: ناحية يؤخذ بهم ذات اليمين أم ذات الشمال، ومن أين يؤتون الكتب أم من قبل الأيمان أم من قبل الشمائل، وذلك يوم القيامة. وقيل: فتقلب القلوب في الجوف فترتفع إلى الحنجرة فلا تزل ولا تخرج، وتقلب البصر شخوصه من هول الأمر وشدته.\r[38] { لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا } ، يريد أنهم اشتغلوا بذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، أي بأحسن ما عملوا، يريد يجزيهم بحسناتهم، وما كان من مساوي أعمالهم لا يجزيهم بها، { وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } ، ما لم يستحقوه بأعمالهم، { وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، ثم ضرب لأعمال الكفار مثلا.","part":5,"page":381},{"id":2382,"text":"[39] فقال تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } ، السراب الشعاع الذي يرى نصف النهار عند شدة الحر في البراري، يشبه الماء الجاري على الأرض يظنه من رآه ماء، فإذا قرب منه انفش فلم ير شيئا، والقيعة: جمع القاع وهو المنبسط الواسع من الأرض، وفيه يكون السراب، { يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ } ، أي يتوهمه العطشان، { مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ } ، أي: جاء ما قد رأى أنه ماء. وقيل: جاء موضع السراب، { لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } ، على ما قدره وحسبه، كذلك الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا أتاه ملك الموت واحتاج إلى عمله لم يجد عمله أغنى منه شيئا ولا نفعه . { وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ } ، أي عند عمله، أي وجد الله بالمرصاد. وقيل: قدم على الله، { فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ } ، أي جزاء عمله، { وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .","part":5,"page":382},{"id":2383,"text":"[40] { أَوْ كَظُلُمَاتٍ } ، وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار، يقول مثل أعمالهم من فسادها وجهالتهم فيها كظلمات، { فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ } ، وهو العميق الكثير الماء، ولجة البحر: معظمه، { يَغْشَاهُ } ، يعلوه، { مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ } ، متراكم، { مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ } ، قرأ ابن كثير برواية القواس ( سحاب ) بالرفع والتنوين، ظُلُمَاتٌ ، بالجر على البدل من قوله: ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ ) . وروى أبو الحسن البري عنه: ( سحاب ظلمات ) بالإضافة، وقرأ الآخرون ( سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ ) كلاهما بالرفع والتنوين، فيكون تمام الكلام عند قوله ( سحاب ) ثم ابتدأ فقال: ( ظلمات ) ، { بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر بعضها فوق بعض , أي: ظلمة الموج على ظلمة البحر وظلمة الموج فوق الموج، وظلمة السحاب على ظلمة الموج ، وأراد بالظلمات أعمال الكافر وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه. { إِذَا أَخْرَجَ } ، يعني الناظر، { يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } ، يعني لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمة. وقال الفراء : { يَكَدْ } صلة أي لم","part":5,"page":383},{"id":2384,"text":"يرها، قال المبرد . بعني لم يرها إلا بعد الجهد، كما يقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه، ولكن بعد يأس وشدة. وقيل: معناه قرب من رؤيتها ولم يرها, كما يقال: كاد النعام يطير. { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } ، قال ابن عباس : من لم يجعل الله له دينا وإيمانا فلا دين له. وقيل: من لم يهده الله فلا إيمان له ولا يهديه أحد. وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يلتمس الدين في الجاهلية ويلبس المسوح فلما جاء الإسلام كفر. والأكثرون على أنه عام في جميع الكفار.","part":5,"page":384},{"id":2385,"text":"[41] قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ } ، باسطات أجنحتهن بالهواء. قيل: خص الطير بالذكر من جملة الحيوان لأنها تكون بين السماء والأرض فتكون خارجة عن حكم من في السماء والأرض، { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } ، قال مجاهد : الصلاة لبني آدم، والتسبيح لسائر الخلق. وقيل: إن ضرب الأجنحة صلاة الطير وصوته تسبيحه. قوله: ( كُلٌّ قَدْ عَلِمَ ) أي: كل مصل ومسبح علم الله صلاته وتسبيحه. وقيل: معناه كل مصل ومسبح منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } .\r[42] { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } .","part":5,"page":385},{"id":2386,"text":"[43] { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي } ، يعني يسوق بأمره، { سَحَابًا } ، إلى حيث يريد، { ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ } ، يعني يجمع بين قطع السحاب المتفرقة بعضها إلى بعض، { ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا } ، متراكما بعضه فوق بعض، { فَتَرَى الْوَدْقَ } يعني المطر، { يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ } ، وسطه وهو جمع الخلل، كالجبال جمع الجبل. { وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ } ، يعني: ينزل البرد، و ( من ) صلة، وقيل: معناه وينزل من السماء من جبال أي مقدار جبال في الكثرة من البرد، ( من ) في قوله ( مِنْ جِبَالٍ ) صلة أي: وينزل من السماء جبالا من برد. وقيل: معناه وينزل من جبال في السماء تلك الجبال من برد. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أخبر الله عز وجل أن في السماء جبالا من برد، ومفعول الإنزال محذوف تقديره: وينزل من السماء من جبال فيها برد، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه. قال أهل النحو. ذكر الله تعالى ( من ) ثلاث مرات في هذه الآية فقوله: ( من السماء ) لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء، وقوله تعالى: ( مِنْ جِبَالٍ ) للتبعيض لأن ما ينزله الله تعالى بعض تلك","part":5,"page":386},{"id":2387,"text":"الجبال التي في السماء، وقوله تعالى: ( مِنْ بَرَدٍ ) للتجنيس لأن تلك الجبال من جنس البرد. { فَيُصِيبُ بِهِ } ، يعني بالبرد { مَنْ يَشَاءُ } ، فيهلك زروعه وأمواله { وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ } ، فلا يضره، { يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } ، يعني ضوء برق السحاب، { يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ } ، من شدة ضوئه وبريقه.","part":5,"page":387},{"id":2388,"text":"[44] { يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } ، يصرفهما في اختلافهما وتعاقبهما يأتي بالليل ويذهب بالنهار ويذهب بالليل, ويذهب بالنهار ويذهب بالليل، { إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، يعني في ذلك الذي ذكرت من هذه الأشياء ، { لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ } يعني دلالة لأهل العقول والبصائر على قدرة الله تعالى وتوحيده.","part":5,"page":388},{"id":2389,"text":"[45] قوله تعالى: { وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ } ، قرأ حمزة والكسائي ( خالق كل ) بالإضافة، وقرأ الآخرون ( خَلَقَ كُلَّ ) على الفعل، { مِنْ مَاءٍ } ، يعني من نطفة وأراد به كل حيوان يشاهد في الدنيا ولا يدخل فيه الملائكة ولا الجن، لأنا لا نشاهدهم. وقيل: أصل جميع الخلق من الماء، وذلك أن الله تعالى خلق ماء ثم جعل بعضه ريحا فخلق منها الملائكة، وبعضه نارا فخلق منها الجن، وبعضها طينا فخلق منها آدم، { فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ } ، كالحيات والحيتان والديدان، { وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ } ، مثل بني آدم والطير، { وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ } ، كالبهائم والسباع، ولم يذكر من يمشي على أكثر من أربع مثل حشرات الأرض لأنها في الصورة كالتي يمشي على الأربع، وإنما قال: ( من يمشي ) ، و ( من ) إنما تستعمل فيمن يعقل دون من لا يعقل من الحيات والبهائم، لأنه ذكر كل دابة، فدخل فيه الناس وغيرهم، وإذا جمع اللفظ من يعقل ومن لا يعقل تجعل الغلبة لمن يعقل. { يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":5,"page":389},{"id":2390,"text":"[46] { لَقَدْ أَنْزَلْنَا } ، إليك، { آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } .\r[47] { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا } . يعني المنافقين يقولونه، { ثُمَّ يَتَوَلَّى } يعرض عن طاعة الله ورسوله، { فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } ، أي من بعد قولهم آمنا، ويدعو إلى غير حكم الله. قال الله تعالى: { وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } ، نزلت هذه الآية في بشر المنافق كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف ، فإن محمدا يحيف علينا، فأنزل الله هذه الآية.\r[48] { وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } الرسول يحكم بحكم الله، { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } ، يعني عن الحكم. وقيل: عن الإجابة.\r[49] { وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } ، مطيعين منقادين لحكمه، يعني إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لثقتهم بأنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضا بالحق.","part":5,"page":390},{"id":2391,"text":"[50] { أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا } يعني شكوا، هذا استفهام ذم وتوبيخ، يعني هم كذلك، { أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ } ، يعني بظلم، { بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ، لأنفسهم بإعراضهم عن الحق.\r[51] { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ } إلى كتاب الله ورسوله، { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } ، هذا ليس على طريق الخبر لكنه تعليم أدب الشرع على معنى أن المؤمنين كذا ينبغي أن يكونوا، ونصب القول على الخبر واسمه في قوله تعالى: { أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ، يعني سمعنا الدعاء وأطعنا بالإجابة. { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .","part":5,"page":391},{"id":2392,"text":"[52] { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: فيما ساءه وسره ويخشى الله على ما عمل من الذنوب. { وَيَتَّقْهِ } ، فيما بعد, { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } الناجون، قرأ أبو عمرو وأبو بكر ( يتقه ) ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر ويعقوب وقالون ، كما في نظائرها ويشبعها الباقون كسرا، وقرأ حفص ( يتقه ) بسكون القاف واختلاس الهاء، وهذه اللغة إذا سميت الياء للجزم يسكنون ما قبلها يقولون لم أشتر طعاما بسكون الراء.","part":5,"page":392},{"id":2393,"text":"[53] قوله تعالى: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } ، جهد اليمين أن يحلف بالله ولا حلف فوق الحلف بالله، { لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ } ، وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا وإن أقمت أقمنا وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فقال تعالى: { قُلْ } , لهم, { لَا تُقْسِمُوا } لا تحلفوا، وقد تم الكلام، ثم قال: { طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ } ، يعني هذه طاعة بالقول وباللسان دون الاعتقاد، وهي معروفة يعني أمر عرف أنكم تكذبون وتقولون ما لا تفعلون، هذا معنى قول مجاهد رضي الله عنه. وقيل: معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل. وقال مقاتل بن سليمان : لكن منكم طاعة معروفة. { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }","part":5,"page":393},{"id":2394,"text":"[54] { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا } ، يعني تولوا عن طاعة الله ورسوله، { فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ } ، يعني على الرسول ما كلف وأمر به من تبليغ الرسالة، { وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ } ، من الإجابة والطاعة، { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } ، أي التبليغ البين.","part":5,"page":394},{"id":2395,"text":"[55] قوله تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ } ، قال أبو العالية : في هذه الآية مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد الوحي عشر سنين مع أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار، وكانوا يصبحون ويمسون خائفين ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة، وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم سلاحه فقال رجل منهم: أما يأتي علينا يوم نؤمن فيه ونضع السلاح، فأنزل الله هذه الآية: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ) أدخل اللام لجواب اليمين المضمرة، يعني والله ليستخلفنهم أي ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها، { كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، قرأ أبو بكر عن عاصم ( كما استخلف ) بضم التاء وكسر اللام على ما لم يسم فاعله، وقرأ الآخرون بفتح التاء واللام لقوله تعالى: ( وعد الله ) قال قتادة : ( كَمَا اسْتَخْلَفَ ) داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء. وقيل: كما استخلف الذين من قبلهم أي بني إسرائيل حيث أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم","part":5,"page":395},{"id":2396,"text":"أرضهم وديارهم، { وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ } ، أي اختار، قال ابن عباس : يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان، { وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ } ، قرأ ابن كثير وأبو بكر ويعقوب بالتخفيف من الإبدال، وقرأ الآخرون بالتشديد من التبديل، وهما لغتان، وقال بعضهم: التبديل تغير حال إلى حال، والإبدال رفع الشيء وجعل غيره مكانه، { مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي } ، آمنين، { لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } ، فأنجز الله وعده وأظهر دينه ونصر أولياءه وأبدلهم بعد الخوف أمنا وبسطا في الأرض. { وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ } ، أراد به كفران النعمة، ولم يرد الكفر بالله، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، العاصون لله، قال أهل التفسير: أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه، فلما قتلوه غير الله ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانا. 56,","part":5,"page":396},{"id":2397,"text":"[57] قوله تعالى: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، أي افعلوها على رجاء الرحمة. { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، قرأ عامر وحمزة ( لا يحسبن ) بالياء أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم، { مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ } ، وقرأ الآخرون بالتاء يقول: لا تحسبن يا محمد الذين كفروا معجزين فائتين عنا، { وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .","part":5,"page":397},{"id":2398,"text":"[58] قوله تعالى: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ } اللام لام الأمر { الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } يعني العبيد والإماء، { وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ } ، من الأحرار، ليس المراد منهم الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا أمر النساء ولكن لم يبلغوا. { ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } ، أي ليستأذنوا في ثلاث أوقات، { مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ } ، يريد المقيل، { وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ } ، وإنما خص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد، أمر العبيد والصبيان بالاستئذان في هذه الأوقات، وأما غيرهم فليستأذنوا في جميع الأوقات { ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ } ، قرأ حمزة والكسائي ( ثلاث ) بنصب التاء بدلا من قوله: ( ثلاث مرات ) ، وقرأ الآخرون بالرفع، أي هذه الأوقات ثلاث عورات لكم، سميت هذه الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته، { لَيْسَ عَلَيْكُمْ } ، جناح { وَلَا عَلَيْهِمْ } ، على العبيد والخدم والصبيان، { جُنَاحٌ } ، في الدخول","part":5,"page":398},{"id":2399,"text":"عليكم من غير استئذان، { بَعْدَهُنَّ } ، أي بعد هذه الأوقات الثلاثة، { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ } ، أي: العبيد والخدم يطوفون عليكم فيترددون ويدخلون ويخرجون في أشغالهم بغير إذن، { بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } ، أي يطوف بعضكم على بعض { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: منسوخ. قال ابن عباس رضي الله عنه: لم يكن للقوم ستور ولا حجاب، فكان الخدم والولائد يدخلون فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق واتخذ الناس الستور فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان، وذهب قوم إلى أنها غير منسوخة، روى سفيان عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت الشعبي عن هذه الآية ( لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) أمنسوخة هي؟ قال: لا والله ، قلت: إن الناس لا يعملون بها، قال: الله المستعان (1) . وقال سعيد بن جبير في هذه الآية. أن ناسا يقولون: نسخت والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون به الناس.\r_________\r(1) أخرجه الطبري 18 / 162, 163 ونسبه السيوطى 6 / 319 للفريابي .","part":5,"page":399},{"id":2400,"text":"[59] قوله تعالى: { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ } أي: الاحتلام يريد الأحرار الذين بلغوا، { فَلْيَسْتَأْذِنُوا } ، أي يستأذنون في جميع الأوقات في الدخول عليكم، { كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، من الأحرار والكبار. وقيل: يعني الذين كانوا مع إبراهيم وموسى وعيسى ، { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ } ، دلالاته. وقيل: أحكامه، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } ، بأمور خلقه، { حَكِيمٌ } ، بما دبر لهم. قال سعيد بن المسيب : يستأذن الرجل على أمه فإنما أنزلت هذه الآية في ذلك. وسئل حذيفة أيستأذن الرجل على والدته؟ قال: نعم إن لم يفعل رأى منها ما يكره.","part":5,"page":400},{"id":2401,"text":"[60] قوله تعالى: { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ } ، يعني اللاتي قعدن عن الولد والحيض من الكبر لا يلدن ولا يحضن، واحدتها قاعد بلا هاء. وقيل: قعدن عن الأزواج، وهذا معنى قوله: { اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا } أي لا يردن الرجال لكبرهن، قال ابن قتيبة : سميت المرأة قاعدا إذا كبرت لأنها تكثر القعود. وقال ربيعة الرأي : هن العجز اللائي إذا رأوهن الرجال استقذروهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال وهي محل الشهوة فلا تدخل في هذه الآية، { فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } ، عند الرجال، يعني يضعن بعض ثيابهن، وهي الجلباب والرداء الذي فوق الثياب، والقناع الذي فوق الخمار، فأما الخمار فلا يجوز وضعه، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وأبي ابن كعب ( أن يضعن من ثيابهن ) ، { غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ } ، أي من غير أن يردن بوضع الجلباب، والرداء إظهار زينتهن، والتبرج هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تتنزه عنه. { وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ } ، فلا يلقين الجلباب والرداء، { خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .","part":5,"page":401},{"id":2402,"text":"[61] قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } الآية، اختلف العلماء في هذه الآية فقيل: ( على ) بمعنى في أي ليس في الأعمى يعني ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض. وقال مجاهد : نزلت الآية ترخصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية. وقال سعيد بن المسيب : كان المسلمون إذا غزوا خلفوا زمناهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم. قال الحسن : نزلت هذه الآية رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد. قال: تم الكلام عند قوله: ( ولا على المريض حرج ) ، وقوله تعالى: { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } كلام منقطع عما قبله. وقيل: لما نزل قوله. { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله عز وجل { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ } ، أي لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم. قيل: أراد من أموال عيالكم وأزواجكم، وبيت المرأة كبيت الزوج.","part":5,"page":402},{"id":2403,"text":"وقال ابن قتيبة : أراد من بيوت أولادكم نسب الأولاد إلى الآباء، كما جاء في الحديث: « أنت ومالك لأبيك » (1) , { أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: عني بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخر. وقال الضحاك : يعني في بيوت عبيدكم ومماليككم، وذلك أن السيد يملك منزل عبده والمفاتيح الخزائن، لقوله تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } ويجوز أن يكون الذي يفتح به. قال عكرمة : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير. وقال السدي : الرجل يولي طعامه غيره يقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه. وقال قوم: وما ملكتم مفاتحه ما خزنتموه عندكم. قال مجاهد وقتادة : من بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم، { أَوْ صَدِيقِكُمْ } . الصديق الذي صدقك في المودة، والمعنى { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ\r_________\r(1) أخرجه ابن ماجه في التجارات برقم ( 2291 ) 2 / 769. قال في الزوائد: وإسناده صحيح ورجاله ثقات على شرط البخاري .","part":5,"page":403},{"id":2404,"text":"تَأْكُلُوا } ، من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا، من غير أن تتزودوا وتحملوا. قوله: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا } رخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا جميعا أو أشتاتا متفرقين، { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } ، أي يسلم بعضكم على بعض، هذا في دخول الرجل ببيت نفسه يسلم على أهله ومن في بيته. وقال قتادة : إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهو أحق من سلمت عليه، وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. { تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } ، نصب على المصدر أي تحيون تحية، { مُبَارَكَةً طَيِّبَةً } ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حسنة جميلة. وقيل: ذكر البركة والطيبة هاهنا لما فيه من الثواب والأجر. { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .","part":5,"page":404},{"id":2405,"text":"[62] { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ } ، أي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، { عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ } ، يجمعهم من حرب حضرت أو صلاة أو جمعة أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل، { لَمْ يَذْهَبُوا } ، لم يتفرقوا عنه لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر، { حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } ، قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يراه فيعرف أنه إنما قام يستأذن، فيأذن لمن شاء منهم. قال مجاهد : وإذن الإمام يوم يوم الجمعة أن يشير بيده. قال أهل العلم: وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وإذا استأذن فللإمام إن شاء أذن له وإن شاء لم يأذن، وهذا إذا لم يكن له سبب يمنعه من المقام، فإن حدث سبب يمنعه من المقام بأن يكون في المسجد فتحيض منهم امرأة أو يجنب رجل أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان. { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ","part":5,"page":405},{"id":2406,"text":"وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } ، أي أمرهم، { فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ } ، في الانصراف، معناه إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن، { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .","part":5,"page":406},{"id":2407,"text":"[63] { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يقول احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب لنزول البلاء بكم ليس كدعاء غيره. وقال مجاهد وقتادة : لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا يا محمد يا عبد الله ، ولكن فخموه وشرفوه، فقولوا: يا نبي الله يا رسول الله في لين وتواضع، { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ } ، أي: يخرجون { مِنْكُمْ لِوَاذًا } ، أي يستر بعضهم بعضا ويروغ في خيفة، فيذهب، واللواذ مصدر لاوذ يلاوذ ملاوذة، ولواذا، قيل: كان هذا في حفر الخندق فكان المنافقون ينصرفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لواذا أي يلوذ بعضهم ببعض، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار، ومعنى قوله: ( قد يعلم الله ) للتهديد بالمجازاة، { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } ، أي أمره، و ( عن ) صلة. وقيل: معناه يعرضون عن أمره وينصرفون عنه بغير إذنه. {","part":5,"page":407},{"id":2408,"text":"أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } أي لئلا تصيبهم فتنة، قال مجاهد : بلاء في الدنيا، { أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، وجيع في الآخرة. وقيل: عذاب أليم عاجل في الدنيا. ثم عظم نفسه.\r[64] فقال: { أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، ملكا وعبيدا، { قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ } ، من الإيمان والنفاق أي يعلم، و ( قد ) صلة { وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } ، يعني يوم البعث، { فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا } ، من الخير والشر، { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .","part":5,"page":408},{"id":2409,"text":"( 25 ) سورة الفرقان\r[1] { تَبَارَكَ } ، تفاعل، من البركة، عن ابن عباس : معناه جاء بكل بركة، دليله قوله الحسن: مجيء البركة من قبله. وقال الضحاك: تعظم، { الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ } ، أي القرآن، { عَلَى عَبْدِهِ } ، محمد صلى الله عليه وسلم { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } ، أي: للجن والإنس. قيل: النذير هو القرآن. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم.\r[2] { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ } ، مما يطلق عليه صفة المخلوق، { فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } ، فسواه وهيأه لما يصلح له لا خلل فيه ولا تفاوت، وقيل: قدر لكل شيء تقديرا من الأجل والرزق، فجرت المقادير على ما خلق.","part":5,"page":409},{"id":2410,"text":"[3] قوله عز وجل: { وَاتَّخَذُوا } ، يعني عبدة الأوثان، { مِنْ دُونِهِ آلِهَةً } ، يعني: الأصنام، { لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } ، أي دفع ضر ولا جلب نفع، { وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً } ، أي إماتة ولا إحياء، { وَلَا نُشُورًا } أي بعثا بعد الموت.\r[4] { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، يعني المشركين، يعني النضر بن الحارث وأصحابه، { إِنْ هَذَا } ، ما هذا القرآن، { إِلَّا إِفْكٌ } ، كذب، { افْتَرَاهُ } ، اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم { وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ } قال مجاهد : يعني اليهود. وقال الحسن : هو عبيد بن الخضر الحبشي الكاهن. وقيل: جبر ويسار وعداس بن عبيد ، كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمدا صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم، قال الله تعالى: { فَقَدْ جَاءُوا } ، يعني قائلي هذه المقالة، { ظُلْمًا وَزُورًا } أي بظلم وزور. فلما حذف الباء انتصب، يعني جاؤوا شركا وكذبا بنسبتهم كلام الله تعالى إلى الإفك والافتراء.","part":5,"page":410},{"id":2411,"text":"[5] { وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا } ، يعني النضر بن الحارث كان يقول : إن هذا القرآن ليس من الله وإنما هو مما سطره الأولون مثل حديث رستم واسفنديار، اكتتبها انتسخها محمد من جبر ويسار وعداس ، ومعنى اكتتب يعني طلب أن يكتب له لأنه كان لا يكتب، { فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ } ، يعني تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها، { بُكْرَةً وَأَصِيلًا } ، غدوة وعشيا. قال الله عز وجل ردا عليهم:\r[6] { قُلْ أَنْزَلَهُ } ، يعني القرآن، { الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ } ، يعني الغيب، { فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } .","part":5,"page":411},{"id":2412,"text":"[7] { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ } ، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، { يَأْكُلُ الطَّعَامَ } ، كما نأكل نحن، { وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } يلتمس المعاش كما نمشي فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة، وكانوا يقولون له لست أنت بملك ولا بملك، لأنك تأكل والملك لا يأكل، ولست بملك لأن الملك لا يتسوق، وأنت تتسوق وتتبذل. وما قالوه فاسد لأن أكله الطعام لكونه آدميا ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفة له وشيء من ذلك لا ينافي النبوة. { لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } ، فيصدقه، { فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا } ، داعيا.\r[8] { أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ } ، أي: ينزل عليه كنز من السماء ينفقه فلا يحتاج إلى التردد والتصرف في طلب المعاش، { أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ } ، بستان، { يَأْكُلُ مِنْهَا } ، قرأ حمزة والكسائي ( نأكل ) بالنون أي نأكل نحن منها، { وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا } ، مخدوعا. وقيل: مصروفا عن الحق.","part":5,"page":412},{"id":2413,"text":"[9] { انْظُرْ } ، يا محمد، { كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ } ، يعني الأشباه، فقال: مسحور محتاج وغيره، { فَضَلُّوا } ، عن الحق، { فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا } ، إلى الهدى ومخرجا عن الضلالة.\r[10] { تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ } الذي قالوا أو أفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني خيرا من المشي في الأسواق والتماس المعاش، ثم بين ذلك الخير فقال: { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا } ، بيوتا مشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرا.\r[11] قوله عز وجل: { بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ } ، بالقيامة، { وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا } ، نارا مستعرة.","part":5,"page":413},{"id":2414,"text":"[12] { إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا » . قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: « نعم ألم تستمعوا قول الله تعالى: { إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ }» وقيل: إذا رأتهم زبانيتها { سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا } غليانا كالغضبان إذا غلى صدره من الغضب. { وَزَفِيرًا } صوتا. فإن قيل: كيف يسمع التغيظ؟ قيل: معناه رأوا وعلموا أن لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا، وقيل: سمعوا لها تغيظا أي: صوت التغيظ مع التلهب والتوقد.\r[13] { وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا } ، قال ابن عباس : يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، { مُقَرَّنِينَ } ، مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل. مقرنين مع الشياطين في السلاسل، { دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا } قال ابن عباس : ويلا. وقال الضحاك : هلاكا، وفي الحديث: « إن أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من خلفه وهو يقول: يا ثبوراه ، وهم ينادون يا ثبورهم حتى يقفوا على النار فينادون يا ثبوراه وينادي يا ثبورهم، فيقال لهم:","part":5,"page":414},{"id":2415,"text":"[14] { لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا }» ، قيل: أي هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة فادعوا أدعية كثيرة.\r[15] قوله عز وجل. { قُلْ أَذَلِكَ } ، يعني الذي ذكرته من صفة النار وأهلها، { خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً } ، ثوابا { وَمَصِيرًا } مرجعا.\r[16] { لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا } ، مطلوبا وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا: ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، يقول: كان أعطى الله المؤمنين جنة خلد وعدا وعدهم على طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك. قال محمد بن كعب القرظي : الطلب من الملائكة للمؤمنين وذلك قولهم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم.","part":5,"page":415},{"id":2416,"text":"[17] { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } ، قرأ ابن كثير ويعقوب وحفص ( يحشرهم ) بالياء وقرأ الباقون بالنون، { وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، قال مجاهد : من الملائكة والجن والإنس وعيسى وعزير . وقال عكرمة والضحاك والكلبي : يعني الأصنام ثم يخاطبهم، { فَيَقُولُ } ، قرأ ابن عامر بالنون والآخرون بالياء { أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ } ، أخطئوا الطريق.","part":5,"page":416},{"id":2417,"text":"[18] { قَالُوا سُبْحَانَكَ } ، نزهوا الله من أن يكون معه إله { مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ } ، يعني ما كان ينبغي لنا أن نوالي أعداءك بل أنت ولينا من دونهم . وقيل: ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك. وقرأ أبو جعفر ( أن نتخذ ) بضم النون وفتح الخاء فتكون ( من ) الثاني صلة، { وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ } ، في الدنيا بطول العمر والصحة والنعمة، { حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ } ، تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن. وقيل: تركوا ذكركم وغفلوا عنه، { وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } ، يعني هلكى غلب عليهم الشقاء والخذلان، رجل يقال له بائر، وقوم بور، وأصله من البوار وهو الكساد والفساد، ومنه بوار السلعة وهو كسادها. وقيل هو اسم مصدر كالزور يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.","part":5,"page":417},{"id":2418,"text":"[19] { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ } ، هذا الخطاب مع المشركين , أي كذبكم المعبودون, { بِمَا تَقُولُونَ } إنهم آلهة، { فَمَا تَسْتَطِيعُونَ } ، قرأ حفص بالتاء يعني العابدين، وقرأ الآخرون بالياء يعني: الآلهة. { صَرْفًا } يعني صرف العذاب عن أنفسهم، { وَلَا نَصْرًا } يعني ولا نصر أنفسهم. قيل: ولا نصركم أيها العابدون من عذاب الله بدفع العذاب عنكم وقيل: الصرف الحيلة، ومنه قول العرب: إنه ليصرف أي يحتال، { وَمَنْ يَظْلِمْ } ، يشرك، { مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا } .","part":5,"page":418},{"id":2419,"text":"[20] قوله عز وجل: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } ، يا محمد ، { إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ } روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، أنزل الله عز وجل هذه الآية، يعني ما أنا إلا رسول وما كنت بدعا من الرسل، وهم كانوا بشرا يأكلون الطعام، { وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ } . وقيل: معناه وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال في موضع آخر: ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } أي بلية فالغني فتنة للفقير، يقول الفقير: ما لي لم أكن مثله، والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع. وقال ابن عباس : أي جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلاقهم، وتتبعوا الهدى. وقيل: نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم فرأى الوضيع قد أسلم قبله أنف، وقال: أسلم بعده فيكون له علي السابقة والفضل، فيقيم على كفره ويمتنع من الإسلام، فذلك افتتان بعضهم ببعض {","part":5,"page":419},{"id":2420,"text":"أَتَصْبِرُونَ } يعني على هذه الحالة من الفقر والشدة والأذى، { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا } ، بمن صبر وبمن جزع.","part":5,"page":420},{"id":2421,"text":"[21] { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } ، أي لا يخافون البعث، قال الفراء : الرجاء بمعنى الخوف لغة تهامة، ومنه قوله تعالى: { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } أي: لا تخافون لله عظمة. { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ } ، فتخبرنا أن محمدا صادق، { أَوْ نَرَى رَبَّنَا } ، فيخبرنا بذلك، { لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا } ، أي تعظموا. { فِي أَنْفُسِهِمْ } ، بهذه المقالة، { وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا } قال مجاهد : عتوا طغوا في القول والعتو أشد الكفر وأفحش الظلم. وعتوهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به.","part":5,"page":421},{"id":2422,"text":"[22] { يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ } عند الموت. وقيل: في القيامة. { لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ } ، للكافرين، وذلك أن الملائكة يبشرون المؤمنين يوم القيامة، ويقولون للكفار: لا بشرى لكم، هكذا قال عطية ، وقال بعضهم: معناه أنه لا بشرى يوم القيامة للمجرمين، أي لا بشارة لهم بالجنة، كما يبشر المؤمنون. { وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا } ، قال عطاء عن ابن عباس : تقول الملائكة: حراما محرما أن يدخل الجنة، إلا من قال لا إله إلا الله. وقال مقاتل : إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة: حراما محرما عليكم أن يكون لكم البشرى. وقال بعضهم : هذا قول الكفار للملائكة. قال ابن جريج : كانت العرب إذا نزلت بهم شدة رأوا ما يكرهون، قالوا: حجرا محجورا، فهم يقولونه إذا عاينوا الملائكة قال مجاهد : يعني عوذا معاذا يستعيذون به من الملائكة.","part":5,"page":422},{"id":2423,"text":"[23] { وَقَدِمْنَا } ، وعمدنا، { إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } ، أي باطلا لا ثواب له، فهم لم يعملوه لله عز وجل. واختلفوا في الهباء قال علي: هو ما يرى في الكوة إذا وقع ضوء الشمس فيها كالغبار يمس بالأيدي، ولا يرى في الظل، وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد ، والمنثور: المفرق، وقال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير : هو ما تسفيه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر. وقال مقاتل : هو ما يسطع من حوافر الدواب عند السير. وقيل: الهباء المنثور ما يرى في الكوة والهباء المنبث هو ما تطيره الرياح من سنابك الخيل.","part":5,"page":423},{"id":2424,"text":"[24] قوله عز وجل: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا } ، أي: من هؤلاء المشركين المتكبرين، { وَأَحْسَنُ مَقِيلًا } موضع قائلة يعني أهل الجنة لا يمر بهم يوم القيامة إلا قدر النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة، قال ابن مسعود : لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، قال الأزهري : القيلولة والمقيل الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن مع ذلك نوم، لأن الله تعالى قال: { وَأَحْسَنُ مَقِيلًا } والجنة لا نوم فيها.","part":5,"page":424},{"id":2425,"text":"[25] قوله عز وجل: { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ } ، أي عن الغمام الباء وعن يتعاقبان كما يقال: رميت عن القوس وبالقوس وتشقق بمعنى تتشقق، أدغموا إحدى التاءين في الأخرى، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين هاهنا، وفي سورة ( ق ) بحذف إحدى التاءين، وقرأ الآخرون بالتشديد، أي تنشق بالغمام وهو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. { وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا } ، قرأ ابن كثير ( وننزل ) بنونين خفيف ورفع اللام، ( الملائكة ) نصب، قال ابن عباس : تشقق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا، ومن الجن والإنس، ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكروبيون ثم حملة العرش.","part":5,"page":425},{"id":2426,"text":"[26] { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } أي الملك الذي هو الملك الحق حقا ملك الرحمن يوم القيامة قال ابن عباس : يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضي غيره. { وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } ، شديدا فهذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمن عسيرا، وجاء في الحديث: « إنه يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا » (1) .\r[27] { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ } أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط تحسرا على ما فعل { يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ } في الدنيا، { مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا } ، ليتني اتبعت محمدا صلى الله عليه وسلم واتخذت معه سبيلا إلى الهدى.\r[28] { يا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا } ، يعني أبي بن خلف .\r_________\r(1) رواه الإمام أحمد في المسند 3 / 75 وقال الهيثمي في المجمع 10 / 337: وإسناده حسن على ضعف في رواية.","part":5,"page":426},{"id":2427,"text":"[29] { لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ } ، عن الإيمان والقرآن, { بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي } يعني الذكر مع الرسول { وَكَانَ الشَّيْطَانُ } ، وهو كل متمرد عات من الإنس والجن وكل من صد عن سبيل الله فهو شيطان. { لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا } ، أي تاركا يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء والعذاب، وحكم هذه الآية عام في حق كل متحابين اجتمعا على معصية الله. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » (1) .\r[30] { وَقَالَ الرَّسُولُ } ، يعني: ويقول الرسول في ذلك اليوم: { يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } يعني متروكا فأعرضوا عنه، ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه. وقيل: جعلوه بمنزلة الهجر وهو الهذيان, والقول السيئ فزعموا أنه شعر وسحر , وهو النخعي ومجاهد . وقيل: قال الرسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى الله يا رب: إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا فعزاه الله تعالى فقال:\r_________\r(1) أخرجه أبو داود في الأدب 7 / 186 والترمذي في الزهد 7 / 49 وقال: هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم 4 / 171 والإمام أحمد 2 / 303 والمصنف في شرح السنة 13 / 70.","part":5,"page":427},{"id":2428,"text":"[31] { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا } ، يعني كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك كذلك جعلنا، { لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ } ، يعني المشركين. قال مقاتل : يقول: لا يكبرن عليك فإن الأنبياء قبلك قد لقوا هذا من قومهم فاصبر لأمري كما صبروا فإني ناصرك وهاديك، { وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا } .","part":5,"page":428},{"id":2429,"text":"[32] { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود، قال الله سبحانه وتعالى. { كَذَلِكَ } ، فعلنا، { لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } ، يعني أنزلناه متفرقا ليقوى به قلبك فتعيه وتحفظه فإن الكتب أنزلت على ا لأنبياء يكتبون ويقرؤون، وأنزل الله القرآن على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور ففرقناه ليكون أوعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأيسر على العامل به. { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } ، قال ابن عباس : بيناه بيانا، والترتيل التبيين في ترتل وتثبت. وقال السدي : فصلناه تفصيلا. وقال مجاهد : بعضه في إثر بعض. وقال النخعي والحسن : فرقناه تفريقا آية بعد آية.","part":5,"page":429},{"id":2430,"text":"[33] { وَلَا يَأْتُونَكَ } ، يا محمد يعني هؤلاء المشركين، { بِمَثَلٍ } ، يضربونه في إبطال أمرك { إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ } ، يعني بما ترد به ما جاؤوا به من المثل وتبطله، فسمى ما يردون من الشبه مثلا، وسمى ما يدفع به الشبه حقا، { وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } ، يعني بيانا وتفصيلا، والتفسير تفعيل من الفسر وهو كشف ما قد غطي، ثم ذكر ما لهؤلاء المشركين فقال:\r[34] { الَّذِينَ } ، أي: هم الذين، { يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ } ، فيساقون ويجرون، { إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا } ، يعني مكانة ومنزلة، ويقال: منزلا ومصيرا { وَأَضَلُّ سَبِيلًا } ، أخطأ طريقا.\r[35] { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا } ، معينا وظهيرا.\r[36] { فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } ، يعني القبط، { فَدَمَّرْنَاهُمْ } ، فيه إضمار، أي: فكذبوهما فدمرناهم، { تَدْمِيرًا } ، أهلكناهم إهلاكا. 37,","part":5,"page":430},{"id":2431,"text":"[38] { وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ } ، أي: الرسول، ومن كذب رسولا واحدا فقد كذب جميع الرسل، فلذلك ذكر بلفظ الجمع. { أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً } ، يعني لمن بعدهم عبرة، { وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ } ، في الآخرة { عَذَابًا أَلِيمًا } سوى ما حل به من عاجل العذاب. { وَعَادًا وَثَمُودَ } ، يعني وأهلكنا عادا وثمود، { وَأَصْحَابَ الرَّسِّ } ، اختلفوا فيهم، قال وهب بن منبه : كانوا أهل بئر قعودا عليها وأصحاب مواشي يعبدون الأصنام فوجه الله إليهم شعيبا يدعوهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم، وفي أذى شعيب عليه السلام فبينما هم حوالي البئر في منازلهم انهارت بهم البئر فخسف الله بهم وبديارهم ورباعهم، فهلكوا جميعا، والرس: البئر وكل ركية لم تطو بالحجارة والآجر فهو رس. وقال قتادة والكلبي : الرس بئر بأرض اليمامة قتلوا نبيهم فأهلكهم الله عز وجل، وقال بعضهم: هم بقية ثمود وقوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله: { وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } . وقال سعيد بن جبير : كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوه فأهلكهم الله تعالى. وقال كعب ومقاتل","part":5,"page":431},{"id":2432,"text":"والسدي : الرس بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، وهم الذين ذكرهم الله في سورة يس. وقيل: هم أصحاب الأخدود ، والرس هو الأخدود الذي حفروه. وقال عكرمة . هم قوم رسوا نبيهم في بئر. وقيل: الرس المعدن وجمعه رساس، { وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا } ، يعني وأهلكنا قرونا كثيرا بين عاد وأصحاب الرس.\r[39] { وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ } ، يعني الأشباه في إقامة الحجة عليهم، فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار، { وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا } ، يعني أهلكنا إهلاكا. وقال الأخفش : كسرنا تكسيرا. قال الزجاج : كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته.\r[40] { وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ } ، يعني الحجارة وهي قريات قوم لوط \"وكانت خمس قرى فأهلك الله أربعا منها وبقيت واحدة ، هي أصغرها وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث { أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا } ، إذا مروا بهم في أسفارهم فيعتبروا ويتفكروا لأن مدائن قوم لوط كانت على طريقهم عند ممرهم إلى الشام، { بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ } ، لا يخافون، { نُشُورًا } بعثا.","part":5,"page":432},{"id":2433,"text":"[41] قوله عز وجل: { وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ } ، يعني ما يتخذونك، { إِلَّا هُزُوًا } ، يعني مهزوءا به، نزلت في أبي جهل كان إذا مر بأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مستهزئا: { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } .\r[42] { إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا } ، يعني قد قارب أن يضلنا, { عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا } يعني لو لم نصبر عليها لصرفنا عنها، { وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا } ، من أخطأ طريقا.\r[43] { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } ، وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر فإذا رأى حجرا أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر، فعبدوه. وقال ابن عباس : أرأيت من ترك عبادة الله وخالقه ثم هوى حجرا فعبده ما حاله عندي، { أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا } ، يعني حافظا، يقول: أفأنت عليه كفيل تحفظه من اتباع هواه وعبادة من يهوى من دون الله، أي لست كذلك.","part":5,"page":433},{"id":2434,"text":"[44] { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ } ما تقول سماع طالب الأفهام، { أَوْ يَعْقِلُونَ } ، ما يعاينون من الحجة والإعلام، { إِنْ هُمْ } ، ما هم، { إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } ، لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعهدونها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم، ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح لله وهؤلاء الكفار لا يفعلون.","part":5,"page":434},{"id":2435,"text":"[45] قوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } ، معناه ألم تر إلى مد ربك الظل وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدودا لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة: { وَظِلٍّ مَمْدُودٍ } لم يكن معه شمس. { وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا } ، أي: دائما ثابتا لا يزول، ولا تذهبه الشمس. قال أبو عبيدة : الظل ما نسخته الشمس، وهو بالغداوة والفيء ما نسخ الشمس، وهو بعد الزوال، سمي فيئا لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب، { ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا } ، يعني على الظل. ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها.\r[46] { ثُمَّ قَبَضْنَاهُ } ، يعني الظل، { إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا } ، بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء معناه أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءا فجزءا قبضا يسيرا أي خفيا.","part":5,"page":435},{"id":2436,"text":"[47] { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا } ، أي سترا تستترون به، يريد أن ظلمته تغشى كل شيء، كاللباس الذي يشتمل على لابسه، { وَالنَّوْمَ سُبَاتًا } ، راحة لأبدانكم وقطعا لعملكم، وأصل السبت القطع، والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. { وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا } ، أي يقظة وزمانا تنتشرون فيه لابتغاء الرزق وتنتشرون لأشغالكم.","part":5,"page":436},{"id":2437,"text":"[48] { وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } ، يعني المطر { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } ، والطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم لما يتطهر به كالسحور اسم لما يتسحر به والفطور اسم لما يفطر به، والدليل عليه ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » (1) وأراد به المطهر فالماء مطهر لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرف: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } فثبت به أن التطهير يختص بالماء ، وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة، مثل الخل وماء الورد والمرق ونحوها، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها، وذهب بعضهم إلى أن الطهور ما يتكرر منه التطهير كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر، وهو قول مالك حتى جوز الوضوء بالماء الذي توضأ منه مرة.\r_________\r(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ 1 / 22 وأبو داود في الوضوء بماء البحر 1 / 80 والترمذي فيما جاء في ماء البحر 1 / 224 وقال: ( حديث حسن صحيح ) والنسائي في الطهارة 1 / 50 وابن ماجه في الوضوء بماء البحر 1 / 136 وصححه الحاكم 1 / 140.","part":5,"page":437},{"id":2438,"text":"[49] قوله عز وجل: { لِنُحْيِيَ بِهِ } ، أي: بالمطر، { بَلْدَةً مَيْتًا } ، ولم يقل ميتة لأنه رجع به إلى الموضع والمكان، { وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا } ، نسقي من ذلك الماء أنعاما { وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا } أي بشرا كثيرا، والأناسي جمع إنسي، وقيل: جمع إنسان، وأصله أناسين مثل بستان وبساتين، فجعل الياء عوضا عن النون.","part":5,"page":438},{"id":2439,"text":"[50] { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ } ، يعني المطر مرة ببلد ومرة ببلد آخر. قال ابن عباس : ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض. وقرأ هذه الآية. وقيل: المراد من تصريف المطر تصريفه وابلا وطلا ورذاذا ونحوها. وقيل: التصريف راجع إلى الريح. { لِيَذَّكَّرُوا } أي ليتذكروا ويتفكروا في قدرة الله تعالى، { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا } ، وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا وكذا. عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما أنصرف أقبل على الناس فقال: « هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم: قال: \"أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب » (1) .\r[51] قوله عز وجل: { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا } . رسولا ينذرهم، لكن بعثناك إلى القرى كلها وحملناك ثقل النذارة جميعها لتستوجب بصبرك على ما أعددنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة.\r_________\r(1) أخرجه مالك في الاستسقاء 1 / 192 والبخاري في الاستسقاء 2 / 522 ومسلم في الإيمان رقم ( 71 ) 1 / 83 والمصنف في شرح السنة 4 / 419.","part":5,"page":439},{"id":2440,"text":"[52] { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ } فيما يدعونك فيه من موافقتهم ومداهنتهم. { وَجَاهِدْهُمْ بِهِ } أي: بالقرآن، { جِهَادًا كَبِيرًا } شديدا.\r[53] { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ } ، أي: خلطهما وأفاض أحدهما في الآخر، وقيل: أرسلهما في مجاريهما وخلاهما كما يرسل الخيل في المرج، وأصل المرج الخلط والإرسال، يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء، { هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ } ، شديد العذوبة والفرات أعذب المياه، { وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } ، شديد الملوحة. وقيل: أجاج أي مر، { وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا } أي: حاجزا بقدرته لئلا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب، { وَحِجْرًا مَحْجُورًا } أي: سترا ممنوعا فلا يبغيان، فلا يفسد الملح العذب.","part":5,"page":440},{"id":2441,"text":"[54] { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ } ، من النطفة، { بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } ، أي: جعله ذا نسب وذا صهر، قيل. النسب ما لا يحل نكاحه والصهر ما يحل نكاحه، فالنسب ما يوجب الحرمة والصهر ما لا يوجبها، وقيل- وهو الصحيح- النسب من القرابة والصهر الخلطة التي تشبه القرابة، وهو السبب المحرم للنكاح، { وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا } .\r[55] { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، يعني هؤلاء المشركين، { مَا لَا يَنْفَعُهُمْ } ، إن عبدوه، { وَلَا يَضُرُّهُمْ } إن تركوه، { وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا } ، أي: معينا للشيطان على ربه بالمعاصي. وقال الزجاج : أي يعاون الشيطان على معصية الله لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. وقيل: معناه وكان الكافر على ربه ظهيرا أي هينا ذليلا كما يقال: الرجل جعلني بظهير أي جعلني هينا. ويقال: ظهر به إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه.","part":5,"page":441},{"id":2442,"text":"[56] { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } ، أي: منذرا.\r[57] { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } ، أي على تبليغ الوحي، { مِنْ أَجْرٍ } ، فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه، { إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا } ، هذا من الاستثناء المنقطع، مجازه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بالإنفاق من ماله في سبيله فعل ذلك، والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجرا ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته.\r[58] { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ } ، أي صل له شكرا على نعمه. وقيل: قل سبحان الله والحمد لله، { وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا } ، عالما بصغيرها وكبيرها فيجازيهم بها.","part":5,"page":442},{"id":2443,"text":"[59] { الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } ، أي بالرحمن، قال الكلبي : يقول فاسأل الخبير بذلك يعني بما ذكرنا من خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش: وقيل: الخطاب للرسول والمراد منه غيره لأنه كان مصدقا به، والمعنى: أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري. وقيل: الباء بمعنى عن أي: فاسأل عنه خبير وهو الله عز وجل. وقيل: جبريل عليه السلام.\r[60] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ } ، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب ، كانوا يسمونه رحمن اليمامة. { أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } ، قرأ حمزة والكسائي ( يأمرنا ) بالياء أي لما يأمرنا محمد بالسجود له، وقرأ الآخرون بالتاء أي لما تأمرنا أنت يا محمد ، { وَزَادَهُمْ } يعني زادهم قول القائل لهم: ( اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ) { نُفُورًا } عن الدين والإيمان.","part":5,"page":443},{"id":2444,"text":"[61] قوله عز وجل: { تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا } ، قال الحسن ومجاهد وقتادة : ( البروج ) هي النجوم الكبار سميت بروجا لظهورها، وقال عطية العوفي : بروجا أي: قصورا فيها الحرس، كما قال: { وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } ، وقال عطاء عن ابن عباس : هي البروج الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة، وهي الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل. وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. { وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا } ، يعني الشمس كما قال: { وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا } وقرأ حمزة والكسائي ( سرجا ) بالجمع يعني النجوم. { وَقَمَرًا مُنِيرًا } والقمر","part":5,"page":444},{"id":2445,"text":"قد دخل في السرج على قراءة من قرأ بالجمع، غير أنه خصه بالذكر لنوع فضيلة، كما قال: { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } ، خص النخل والرمان بالذكر مع دخولهما في الفاكهة.\r[62] { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً } ، اختلفوا فيها قال ابن عباس والحسن وقتادة : يعني خلفا وعوضا يقوم أحدهما مقام صاحبه، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. قال مجاهد : يعني جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض، وقال ابن زيد وغيره: يعني يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر فهما يتعاقبان في الضياء والظلمة والزيادة والنقصان، { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ } ، قرأ حمزة بتخفيف الدال والكاف وضمها من الذكر، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي يتذكر ويتعظ { أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } قال مجاهد : أي شكر نعمة ربه عليه فيهما.","part":5,"page":445},{"id":2446,"text":"[63] قوله عز وجل: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ } ، يعني أفاضل العباد. وقيل: هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله. { الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا } ، يعني بالسكينة والوقار متواضعين غير أشرين ولا مرحين، ولا متكبرين، وقال الحسن : علماء وحكماء. وقال محمد بن الحنفية : أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا، والهون في اللغة الرفق واللين، { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ } ، يعني السفهاء بما يكرهون { قَالُوا سَلَامًا } ، قال مجاهد : سدادا من القول. وقال مقاتل بن حيان : قولا يسلمون فيه من الإثم. وقال الحسن : إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا، وليس المراد منه السلام المعروف. وروي عن الحسن : معناه سلموا عليهم، دليله قوله عز وجل. { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } ، قال الكلبي وأبو العالية : هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسختها آية القتال: وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: هذا وصف نهارهم، ثم قرأ و { وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا }","part":5,"page":446},{"id":2447,"text":"قال: هذا وصف ليلهم.\r[64] قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ } ، يقال لمن أدرك الليل: بات نام أو لم ينم , يقال: بات فلان قلقا, والمعنى يبيتون لربهم بالليل في الصلاة، { سُجَّدًا } ، على وجوههم، { وَقِيَامًا } ، على أقدامهم. قال ابن عباس : من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدا وقائما.\r[65] قوله عز وجل: { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا } ، يعني ملحا دائما لازما غير مفارق من عذب به من الكفار، ومنه سمي الغريم لطلبه حقه والحاجة على صاحبه وملازمته إياه. وقيل: غراما هلاكا.\r[66] { إِنَّهَا } ، يعني جهنم، { سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } ، يعني بئس موضع قرار وإقامة.","part":5,"page":447},{"id":2448,"text":"[67] { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا } واختلفوا في معنى الإسراف والإقتار، فقال بعضهم: الإسراف النفقة في معصية الله وإن قلت، والإقتار منع حق الله تعالى. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج وقال الحسن في هذه الآية لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله. وقال قوم: الإسراف مجاوزة الحد في الإنفاق، حتى يدخل في حد التبذير، والإقتار التقصير عما لا بد منه، وهذا معنى قول إبراهيم لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف، { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } ، قصدا وسطا بين الإسراف والإقتار، حسنة بين السيئتين.","part":5,"page":448},{"id":2449,"text":"[68] قوله عز وجل: { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } ، الآية. « قال رجل: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: \"أن تدعو لله ندا وهو خلقك \" قال: ثم أي؟ قال. \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك \"، قال: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك » ، فأنزل الله تصديقها: { وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا } . قوله عز وجل ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) ، أي شيئا من هذه الأفعال، ( يَلْقَ أَثَامًا ) ، يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما يريد جزاء الإثم. وقال أبو عبيدة : الآثام العقوبة. وقال مجاهد : الآثام واد في جهنم.\r[69] { يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا } ، قرأ ابن عامر وأبو بكر ( يضاعف ) و ( يخلد ) برفع الفاء والدال على الابتداء وشداد بن عامر ( يضعف ) ، وقرأ الآخرون بجزم الفاء والدال على جواب الشرط.","part":5,"page":449},{"id":2450,"text":"[70] { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا } ، قال قتادة : إلا من تاب وآمن بربه وعمل عملا صالحا فيما بينه وبين ربه { فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } ، فذهب جماعة إلى أن هذا التبديل في الدنيا، قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والسدي والضحاك : يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانهم وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا. وقال قوم: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة، وهو قول سعيد بن المسيب ومكحول ، وقال بعضهم: إن الله عز وجل يمحو بالندم جميع السيئات، ثم يثبت مكان كل سيئة حسنة.","part":5,"page":450},{"id":2451,"text":"[71] قوله عز وجل: { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا } ، قال بعض أهل العلم هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، يعني من تاب من الشرك وعمل صالحا أي: أدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن، { فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ } ، أي يعود إليه بالموت { مَتَابًا } حسنا يفضل به على غيره ممن قتل وزنا فالتوبة الأولى وهو قوله: ( ومن تاب ) رجوع عن الشرك والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة. وقال بعضهم: هذه الآية أيضا في التوبة عن جميع السيئات. ومعناه: ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله. وقوله: ( يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ) خبر بمعنى الأمر، أي: ليتب إلى الله. وقيل: معناه فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله.","part":5,"page":451},{"id":2452,"text":"[72] { وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } ، قال الضحاك وأكثر المفسرين: يعني الشرك. وقال علي بن طلحة : يعني شهادة الزور. وقال ابن جريج : يعني الكذب. وقال مجاهد : يعني أعياد المشركين. وقيل: النوح، قال قتادة : لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم. وقال محمد ابن الحنفية : لا يشهدون اللهو والغناء، قال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع. وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } ، قال مقاتل : إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد ، نظيره قوله: { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ } ، قال السدي : وهي منسوخة بآية القتال. قال الحسن والكلبي : اللغو المعاصي كلها يعني إذا مروا بمجلس اللهو والباطل مروا كراما مسرعين معرضين. يقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكره نفسه عنه.","part":5,"page":452},{"id":2453,"text":"[73] { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا } ، لم يقعوا ولم يسقطوا، { عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } ، كأنهم صم عمي بل يسمعون ما يذكرون به فيفهمونه ويرون الحق فيه فيتبعونه. قال القتيبي : لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها.","part":5,"page":453},{"id":2454,"text":"[74] { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } ، يعني أولادا أبرارا أتقياء، يقولون: اجعلهم صالحين فتقر أعيننا بذلك. قال القرظي : ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله عز وجل. وقاله الحسن : ووحد القرة لأنها مصدر وأصلها من القر لأن العرب تتأذى من الحر وتستروح إلى البرد وتذكر قرة العين عند السرور وسخنة العين عند الحزن، ويقال: دمع العين عند السرور بارد، وعند الحزن حار. وقال الأزهري : معنى قرة الأعين أن يصادف قلبه من يرضاه فتقر عينه به عن النظر إلى غيره. { وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } يعني أئمة يقتدون في الخير بنا. قال الحسن : نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس : اجعلنا أئمة هداة، كما قال: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } ، ولا تجعلنا أئمة ضلالة كما قال: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ } ، وقيل: هذا من المقرب يعني واجعل المتقين لنا إماما واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم، وهو قول مجاهد .","part":5,"page":454},{"id":2455,"text":"[75] { أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ } يعني ينالون، { الْغُرْفَةَ } يعني الدرجة الرفيعة في الجنة والغرفة كل بناء مرتفع عال وقال عطاء : يريد غرف الدر والزبرجد في الجنة، { بِمَا صَبَرُوا } ، على أمر الله تعالى وطاعته. وقيل: على أذى المشركين. وقيل: عن الشهوات { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً } أي ملكا وقيل: بقاء دائما، { وَسَلَامًا } أي: يسلم بعضهم على بعض. وقال الكلبي : يحيي بعضهم بالسلام، ويرسل الرب إليهم بالسلام. وقيل: سلاما أي سلامة من الآفات .\r[76] { خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } .أي : موضع قرار وإقامة.","part":5,"page":455},{"id":2456,"text":"[77] { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي } ، قال مجاهد وابن زيد . أي ما يصنع وما يفعل بكم؟ قال أبو عبيدة يقال : ما عبأت به شيئا أي لم أعده، فوجوده وعدمه سواء، مجازه: أي وزن وأي مقدار لكم عنده، { لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ } ، إياه، وقيل: لولا إيمانكم، وقيل: لولا عبادتكم، وقيل: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، فإذا آمنتم ظهر لكم قدر. وقال قوم: معناها قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه يعني أنه خلقكم لعبادته، كما قال: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } . وهذا قول ابن عباس ومجاهد ، وقال قوم: قل ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه آلهة, أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم, كما قال الله تعالى: { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ } وقيل: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد, كما قال: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ } ، وقال: { فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } . وقيل: { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ } يقول ما خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني","part":5,"page":456},{"id":2457,"text":"فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم. { فَقَدْ كَذَّبْتُمْ } , أيها الكافرون يخاطب أهل مكة يعني إن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. { فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } , هذا تهذيبه لهم أي يكون تكذيبهم لزاما, قال ابن عباس : موتا . وقال أبو عبيدة : هلاكا. وقال ابن زيد : قتالا. والمعنى يكون التكذيب لازما لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله . وقال ابن جرير : عذابا دائما وهلاكا مقيما يلحق بعضكم ببعض واختلفوا فيه فقال قوم : هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون . وقيل: اللزام هو عذاب الآخرة.","part":5,"page":457},{"id":2458,"text":"( 26 ) سورة الشعراء\r[1] { طسم } روى علي بن طلحة الوالبي عن ابن عباس : أنه قسم وهو من أسماء الله تعالى: وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد : اسم للسورة. قال محمد بن كعب القرظي : أقسم الله بطوله وسنائه وملكه.\r[2] { تِلْكَ } ، أي هذه، { آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } .\r[3] { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ } ، قاتل، { نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } ، إن لم يؤمنوا ذلك حين كذبه أهل مكة فشق عليه وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية.","part":5,"page":458},{"id":2459,"text":"[4] { إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } ، قال قتادة : لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله. وقال ابن جريج : معناه لو شاء الله لأراهم أمرا من أمره لا يعمل أحد منهم بعده معصية. وقوله عز وجل: { خَاضِعِينَ } ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق، ففيه أقاويل: أحدها: أراد أصحاب الأعناق فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، جعل الفعل أولا للأعناق ثم جعل خاضعين للرجال. وقال الأخفش : رد الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه. وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر، وهو قوله على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر، وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى المؤنث. وقيل: أراد فظلوا خاضعين فعبروا بالعنق عن جميع البدن، كقوله: { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } و { أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ } . وقال مجاهد : أراد بالأعناق الرؤساء والكبراء، أي فظلت كبراؤهم خاضعين، وقيل: أراد بالأعناق الجماعات، يقال: جاء القوم عنقا عنقا أي جماعات وطوائف. وقيل: إنما قال خاضعين على","part":5,"page":459},{"id":2460,"text":"وفاق رؤوس الآي ليكون على نسق واحد.\r[5] { وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ } ، وعظ وتذكير، { مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ } ، أي محدث إنزاله، فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي : كلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول { إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ } ، أي عن الإيمان به.\r[6] { فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ } ، أي. فسوف يأتيهم، { أَنْبَاءُ } ، أخبار وعواقب، { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } .\r[7] { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ } ، صنف وضرب، { كَرِيمٍ } حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام، يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها، وناقة كريمة إذا كثر لبنها. قال الشعبي : الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.\r[8] { إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، الذي ذكرت، { لَآيَةً } ، دلالة على وجودي وتوحيدي وكمال قدرتي، { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } ، مصدقين أي سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون. وقال سيبويه : كان هاهنا صلة مجازه: وما أكثرهم مؤمنين.","part":5,"page":460},{"id":2461,"text":"[9] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ } ، العزيز بالنقمة من أعدائه، { الرَّحِيمُ } ، ذو الرحمة بأوليائه.\r[10] قوله عز وجل: { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى } ، واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى حين رأى الشجرة والنار، { أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ، يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب.\r[11] { قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ } ، ألا يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته.\r[12] { قَالَ } ، يعني موسى ، { رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } .\r[13] { وَيَضِيقُ صَدْرِي } بتكذيبهم إياي، و { وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي } ، قال: هذا للعقدة التي كانت على لسانه ، قرأ يعقوب ( ويضيق ) ، ( ولا ينطلق ) بنصب القافين على معنى وأن يضيق، وقرأ العامة برفعهما ردا على قوله: ( إني أخاف ) ، { فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ } ، ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة.\r[14] { وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ } ، أي دعوى ذنب، وهو قتله القبطي، { فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ } أي يقتلونني به.","part":5,"page":461},{"id":2462,"text":"[15] { قَالَ } ، الله تعالى { كَلَّا } ، أي لن يقتلوك { فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } ، سامعون ما يقولون ، ذكر معكم بلفظ الجمع، وهما اثنان أجراهما مجرى الجماعة. وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون .\r[16] { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، ولم يقل رسولا رب العالمين لأنه أراد الرسالة أنا ذو رسالة رب العالمين، وقال أبو عبيدة : يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي وهذان وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال الله تعالى: { وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } ، وقيل: معناه كل واحد منا رسول رب العالمين.\r[17] { أَنْ أَرْسِلْ } ، أي بأن أرسل، { مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، أي إلى فلسطين، ولا تستعبدهم، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا، فانطلق موسى إلى مصر وهارون بها فأخبره بذلك.\r[18] { قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا } ، صبيا، { وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } ، وهو ثلاثون سنة.","part":5,"page":462},{"id":2463,"text":"[19] { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ } ، يعني قتل القبطي، { وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } ، قال الحسن والسدي : يعني وأنت من الكافرين بإلهك الذي تدعيه، ومعناه: على ديننا هذا الذي تعيبه. وقال أكثر المفسرين: معنى قوله وأنت من الكافرين يعني من الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي، يقول ربيناك فينا فكافأتنا أن قتلت منا نفسا وكفرت بنعمتنا. وهذا رواية العوفي عن ابن عباس : إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية.","part":5,"page":463},{"id":2464,"text":"[20] { قَالَ } ، موسى { فَعَلْتُهَا إِذًا } ، أي فعلت ما فعلت حينئذ، { وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } ، أي من الجاهلين، لم يأت من الله شيئا. وقيل: من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله. وقيل: من الضالين عن طريق الصواب من غير تعمد. وقيل. من المخطئين.\r[21] { فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ } ، إلى مدين، { فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا } ، يعني النبوة، وقال مقاتل : يعني العلم والفهم، { وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ } .","part":5,"page":464},{"id":2465,"text":"[22] { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، اختلفوا في تأويلها فحملها بعضهم على الإٌقرار وبعضهم على الإنكار، فمن قال هو إقرار قال عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه، ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، مجازه: بلى وتلك نعمة لك علي أن عبدت بني إسرائيل، وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال : هو إنكار قال قوله: وتلك نعمة هو على طريق الاستفهام أي: أو تلك نعمة؟ حذف ألف الاستفهام، كقوله: { فَهُمُ الْخَالِدُونَ } ؟ يقول: تمن علي أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملات القبيحة؟ أو يريد: كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي، ومن أهين قومه ذل، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إلي، وقيل: معناه تمن علي بالتربية. وقوله: { أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي باستعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم، دفعت إليك حتى ربيتني وكفلتني ولو لم تستعبدهم وتقتلهم كان لي من أهل من يربيني ولم يلقوني في اليم، فأي نعمة لك علي؟ قوله : { عَبَّدْتَ } أي اتخذتهم عبيدا، يقال: عبدت فلانا وأعبدته وتعبدته واستعبدته، أي اتخذته عبدا.","part":5,"page":465},{"id":2466,"text":"[23] { قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } ، يقول: أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إلي يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه مما هو سؤال عن جنس الشيء، والله منزه عن الجنسية، فأجابه موسى عليه السلام يذكر أفعاله التي يعجز عن الإتيان بمثلها.\r[24] { قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } ، إنه خالقهما. قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها فأيقنوا أن إله الخلق هو الله عز وجل، فلما قال موسى ذلك تحير فرعون في جواب موسى .\r[25] { قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ } ، من أشراف قومه استبعادا لقول موسى ، { أَلَا تَسْتَمِعُونَ } ، وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى في البيان.\r[26] { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ } .\r[27] { قَالَ } ، يعني فرعون ، { إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } ، يتكلم بكلام لا نعقله ولا نعرف صحته، وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل، فزاد موسى في البيان.","part":5,"page":466},{"id":2467,"text":"[28] { قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } .\r[29] { قَالَ } ، فرعون حين لزمته الحجة وانقطع عن الجواب تكبرا عن الحق: { لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ } ، من المحبوسين.\r[30] { قَالَ } له موسى حين توعده بالسجن { أَوَلَوْ جِئْتُكَ } أي: وإن جئتك، { بِشَيْءٍ مُبِينٍ } ، بآية مبينة، ومعنى الآية أتفعل ذلك وإن أتيتك بحجة بينة؟ وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان.\r[31] { قَالَ } ، له فرعون , { فَأْتِ بِهِ } فإنا لن نسجنك حينئذ، { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } . 32,\r[33] { فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ } ، فقال وهل غيرها، { وَنَزَعَ } ، موسى ، { يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } .\r[34] { قَالَ } فرعون . { لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ } .\r[35] { يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } .\r[36] { قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } .","part":5,"page":467},{"id":2468,"text":"[37] { يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } .\r[38] { فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } ، وهو يوم الزينة. وروي عن ابن عباس قال: وافق ذلك اليوم يوم السبت في أول يوم من السنة وهو يوم النيروز.\r[39] { وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ } ، لتنظروا إلى ما يفعل الفريقان ولمن تكون الغلبة.","part":5,"page":468},{"id":2469,"text":"[40] { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } ، لموسى ، وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء، وأرادوا بالسحرة موسى وهارون وقومهما.\r[41] { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ } .\r[42] { قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } .\r[43] { قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ } .\r[44] { فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ } .\r[45] { فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } .\r[46] { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } .\r[47] { قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } .\r[48] { رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ }\r[49] { قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ }","part":5,"page":469},{"id":2470,"text":"[50] { قَالُوا لَا ضَيْرَ } لا ضرر, { إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ }\r[51] { إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } من أهل زماننا.\r[52] { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ } , يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج من مصر.\r[53] { فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } ، يحشرون الناس يعني الشرط ليجمعوا السحرة. وقيل: حتى يجمعوا له الجيش.\r[54] { إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } ، عصابة { قَلِيلُونَ } , والشرذمة القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها شراذم.\r[55] { وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ } ، يقال غاظه وأغاظه وغيظه إذا أغضبه، والغيظ والغضب واحد، يقول: أغضبونا لمخالفتهم ديننا، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا.","part":5,"page":470},{"id":2471,"text":"[56] { وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ } قال أهل التفسير: حاذرون أي مؤدون ومقوون، أي: ذوو أداة وقوة مستعدون شاكون في السلاح، ومعنى حذرون أي خائفون شرهم. وقال الزجاج : الحاذر المستعد، والحذر المستيقظ. وقال الفراء : الحاذر الذي يحذرك الآن، والحذر المخوف. وكذلك لا تلقاه إلا حذرا. والحذر اجتناب الشيء خوفا منه.\r[57] { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ } ، وفي القصة البساتين كانت ممتدة على حافتي النيل، { وَعُيُونٍ } ، أنهار جارية.\r[58] { وَكُنُوزٍ } ، يعني الأموال الظاهرة من الذهب والفضة، قال مجاهد : سماها كنوزا لأنه لم يعط حق الله منها وما لم يعط حق الله منها فهو كنز وإن كان ظاهرا { وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } ، أي مجلس حسن، قال المفسرون: أراد مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع. وقال مجاهد وسعيد بن جبير : هي المنابر.\r[59] { كَذَلِكَ } ، كما وصفنا، { وَأَوْرَثْنَاهَا } ، بهلاكهم، { بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق فرعون وقومه فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن.","part":5,"page":471},{"id":2472,"text":"[60] { فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ } ، يعني لحقوهم في وقت إشراق الشمس، وهو إضاءتها أي أدرك قوم فرعون موسى وأصحابه وقت شروق الشمس.","part":5,"page":472},{"id":2473,"text":"[61] { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ } ، يعني تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه { قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } , يعني سيدركنا قوم فرعون ولا طاقة لنا بهم.\r[62] { قَالَ } ، موسى ثقة بوعد الله إياه { كَلَّا } لن يدركونا ، { إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } ، يدلني على طريق النجاة.\r[63] { فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ } ، يعني فضربه فانفلق فانشق، { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ } ، قطعة من الماء، { كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } ، كالجبل الضخم.\r[64] { وَأَزْلَفْنَا } يعني وقربنا، { ثَمَّ الْآخَرِينَ } ، يعني قوم فرعون، يقول: قدمناهم إلى البحر وقربناهم إلى الهلاك، وقال أبو عبيدة : وأزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة أي ليلة الجمع.\r[65] { وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ } .\r[66] { ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ } ، فرعون وقومه. وقال سعيد بن جبير : كان البحر ساكنا قبل ذلك فلما ضربه موسى بالعصا اضطرب فجعل يمد ويجزر.","part":5,"page":473},{"id":2474,"text":"[67] { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } ، أي من أهل مصر، قيل. لم يكن آمن من أهل مصر إلا آسية امرأة فرعون وحزقيل المؤمن، ومريم بنت مأمويا التي دلت على عظام يوسف عليه السلام.\r[68] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } ، العزيز في الانتقام من أعدائه، الرحيم بالمؤمنين حين أنجاهم.\r[69] قوله: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ } .\r[70] { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ } ، أي شيء تعبدون.\r[71] { قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ } ، يعني نقيم على عبادتها. قال بعض أهل العلم: إنما قال: ( فنظل ) لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار، دون الليل، يقال: ظل يفعل كذا إذا فعل بالنهار.\r[72] { قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ } ، أي هل يسمعون دعاءكم، { إِذْ تَدْعُونَ } قال ابن عباس : يسمعون لكم؟\r[73] { أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ } ، قيل: بالرزق، { أَوْ يَضُرُّونَ } ، إن تركتم عبادتها.","part":5,"page":474},{"id":2475,"text":"[74] { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } ، معناه إنها لا تسمع قولا ولا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا لكن اقتدينا بآبائنا, فيه إبطال التقليد في الدين. 75,\r[76] { قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ }{ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ } ، الأولون .","part":5,"page":475},{"id":2476,"text":"[77] { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي } ، يعني أعدائي ووحده على معنى أن كل معبود لكم عدو لي، فإن قيل: كيف وصف الأصنام بالعداوة وهي جمادات؟ قيل: معناه فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم القيامة، كما قال تعالى: { سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } ، وقال الفراء هو من المقلوب أراد فإنهم عدو لهم لأن من عاديته فقد عاداك. وقيل: فإنهم عدو لي على معنى إني لا أتوهم ولا أطلب من جهتهم نفعا كما لا يتولى العدو ولا يطلب من جهته النفع، قوله: { إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ } ، اختلفوا في هذا الاستثناء، قيل: هو استثناء منقطع، كأنه قال: فإنهم عدو لي لكن رب العالمين وليي. وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله، فقال إبراهيم : كل من تعبدون أعدائي إلا رب العالمين. وقيل: إنهم غير معبود لي إلا رب العالمين، فإني أعبده. وقال الحسين بن الفضل : معناه إلا من عند رب العالمين، ثم وصف معبوده فقال:\r[78] { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } أي يرشدني إلى طريق النجاة.\r[79] { وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } أي يرزقني ويغذيني بالطعام والشراب، فهو رازقي ومن عنده رزقي.","part":5,"page":476},{"id":2477,"text":"[80] { وَإِذَا مَرِضْتُ } أضاف المرض إلى نفسه وإن كان المرض والشفا كله من الله، استعمالا لحسن الأدب كما قال الخضر : { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا } ، وقال: { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } ، { فَهُوَ يَشْفِينِ } ، أي يبرئني من المرض.\r[81] { وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } ، أدخل ( ثم ) هاهنا للتراخي أي يميتني في الدنيا ويحييني في الآخرة.\r[82] { وَالَّذِي أَطْمَعُ } ، أرجو، { أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } ، أي خطاياي يوم الحساب. قال مجاهد : هو قوله: { إِنِّي سَقِيمٌ } ، وقوله: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } ، وقوله لسارة : هذه أختي، وزاد الحسن وقوله للكواكب: { هَذَا رَبِّي } . وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه وأخبار أنه لا تصلح الإلهية إلا لمن يفعل هذه الأفعال.\r[83] { رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا } قال ابن عباس : معرفة حدود الله وأحكامه. وقال مقاتل : الفهم والعلم.\rوقال الكلبي : النبوة، { وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } ، بمن قبلي من النبيين في المنزلة والدرجة.","part":5,"page":477},{"id":2478,"text":"[84] { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ } ، أي ثناء حسنا وذكرا جميلا وقبولا عاما في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ذلك فجعل كل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه. قال القتيبي : وضع اللسان موضع القول على الاستعارة لأن القول يكون به.\r[85] { وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ } ، أي ممن تعطيه جنة النعيم.\r[86] { وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ } ، وقال هذا قبل أن يتبين له أنه عدو الله، كما سبق ذكره في سورة التوبة.\r[87] { وَلَا تُخْزِنِي } لا تفضحني { يَوْمَ يُبْعَثُونَ } . 88,\r[89] { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ }{ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } ، أي خالص من الشرك والشك فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، هذا قول أكثر المفسرين، قال سعيد بن المسيب : القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض. قال الله تعالى: { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال ابن عثمان النيسابوري : هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة. 90,","part":5,"page":478},{"id":2479,"text":"[91] { وَأُزْلِفَتِ } ، قربت { الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ }{ وَبُرِّزَتِ } أظهرت، { الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } ، للكافرين. 92,\r[93] { وَقِيلَ لَهُمْ } يوم القيامة، { أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ }{ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ } ، يمنعونكم من العذاب، { أَوْ يَنْتَصِرُونَ } لأنفسهم.\r[94] { فَكُبْكِبُوا فِيهَا } ، قال ابن عباس : جمعوا. وقال مجاهد : دهورا. وقال مقاتل : قذفوا. وقال الزجاج : طرح بعضهم على بعض. وقال القتيبي : ألقوا على رؤوسهم. { هُمْ وَالْغَاوُونَ } ، يعني الشياطين، قاله قتادة ومقاتل . وقال الكلبي : كفرة الجن.\r[95] { وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ } ، وهم أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس. ويقال: ذريته.\r[96] { قَالُوا } أي: قال الغاوون للشياطين والمعبودين، { وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ } ، مع المعبودين ويجادل بعضهم بعضا.\r[97] { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } .\r[98] { إِذْ نُسَوِّيكُمْ } ، نعدلكم, { بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } فنعبدكم.","part":5,"page":479},{"id":2480,"text":"[99] { وَمَا أَضَلَّنَا } أي: ما دعانا إلى الضلال، { إِلَّا الْمُجْرِمُونَ } . قال مقاتل : يعني الشياطين. وقال الكلبي : إلا ولونا الذين اقتدينا بهم. وقال أبو العالية وعكرمة : يعني إبليس وابن آدم الأول وهو قابيل لأنه أول من سن القتل، وأنواع المعاصي.\r[100] { فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ } ، أي: من يشفع لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين.\r[101] { وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } ، أي قريب يشفع لنا يقوله الكفار حين تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون والصديق هو الصادق في المودة بشرط الدين.\r[102] { فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } , أي: رجعة إلى الدنيا, { فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } .\r[103] { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } .\r[104] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } العزيز الذي لا يغالب, فالله عزير وهو في وصف عزته رحيم.","part":5,"page":480},{"id":2481,"text":"[105] قوله عز وجل: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } قيل للحسن البصري : يا أبا سعيد أرأيت قوله: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } و { كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ } و { كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ } ، وإنما أرسل إليهم رسول واحد؟ قال: إن الآخر جاء بما جاء به الأول، فإذا كذبوا واحدا فقد كذبوا الرسل أجمعين.\r[106] { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ } ، في النسب لا في الدين. { نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ } .\r[107] { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } ، على الوحي.\r[108] { فَاتَّقُوا اللَّهَ } ، بطاعته وعبادته، { وَأَطِيعُونِ } ، فيما آمركم به من الإيمان والتوحيد.\r[109] { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ } ، ثوابي { إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\r[110] { فَاتَّقُوا اللَّهَ } بطاعته وعبادته { وَأَطِيعُونِ } .\r[111] { قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ } السفلة. وعن ابن عباس قال: الصاغة. وقال عكرمة : الحاكة والأساكفة.","part":5,"page":481},{"id":2482,"text":"[112] { قَالَ } ، نوح ، { وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، وليس علي من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء إنما كلفت أن أدعوهم إلى الله ولي منهم ظاهر أمرهم.\r[113] { إِنْ حِسَابُهُمْ } ، ما حسابهم، { إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ } ، لو تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم. قال الزجاج : الصناعات لا تضر في الديانات. وقيل: معناه أي لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويوفقهم ويخذلكم.\r[114, 115] { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ }{ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ } .\r[116] { قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ } ، عما تقول، { لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ } ، قال مقاتل والكلبي : من المقتولين بالحجارة. وقال الضحاك : من المشتومين.\r[117, 118] { قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ }{ فَافْتَحْ } ، فاحكم، { بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا } ، حكما { وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } .\r[119] { فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } ، الموقر المملوء من الناس والطير والحيوان كلها.","part":5,"page":482},{"id":2483,"text":"[120] { ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ } ، أي أغرقنا بعد إنجاء نوح ، وأهله: من بقي من قومه.\r[121] { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } .\r[122] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .\r[123] قوله عز وجل: { كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ } .\r[124] { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ } ، يعني في النسب لا في الدين، { هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ } .\r[125] { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } ، على الرسالة، قال الكلبي : أمين فيكم قبل الرسالة فكيف تتهموني اليوم.\r[126] { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } .\r[127] { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\r[128] { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ } ، قال الوالبي عن ابن عباس : بكل شرف. وقال الضحاك ومقاتل والكلبي : بكل طريق، وهو رواية العوفي عن ابن عباس ، وعن مجاهد قال: هو الفج بين الجبلين. وعنه أيضا: أنه المنظرة (1) . { آيَةً } ، علامة { تَعْبَثُونَ } ، بمن مر بالطريق، والمعنى: أنهم كانوا يبنون المواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم.\r_________\r(1) بوزن المتربة وهي المرقبة انظر مختار الصحاح ص667 .","part":5,"page":483},{"id":2484,"text":"[129] { وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ } ، قال ابن عباس : أبنية. وقال مجاهد : قصورا مشيدة. وعن الكلبي : أنها الحصون. وقال قتادة : مآخذ الماء يعني الحياض، واحدتها مصنعة، { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } ، أي كأنكم تبقون فيها خالدين. والمعنى: أنهم كانوا يستوثقون المصانع كأنهم لا يموتون.\r[130] { وَإِذَا بَطَشْتُمْ } ، أخذتم وسطوتم، { بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } قتلا بالسيف وضربا بالسوط، والجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب.\r[131] { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } .\r[132] { وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ } ، أي أعطاكم من الخير ما تعلمون ثم ذكر ما أعطاهم فقال:\r[133, 134] { أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ }{ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } ، يعني بساتين وأنهار.\r[135] { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ } ، قال ابن عباس : إن عصيتموني، { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .\r[136] { قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا } يعني مستو عندنا، { أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ } ، الوعظ كلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. قال الكلبي : نهيتنا أم لم تكن من الناهين لنا.","part":5,"page":484},{"id":2485,"text":"[137] { إِنْ هَذَا } ، ما هذا، { إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ } ، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأبو عمرو والكسائي ويعقوب ( خلق ) بفتح الخاء وسكون اللام أي اختلاق الأولين وكذبهم، دليل هذه القراءة قوله تعالى: ( وتخلقون إفكا ) ، وقرأ الآخرون ( خلق ) بضم الخاء واللام، أي عادة الأولين من قبلنا، وأمرهم أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ولا حساب.\r[138] { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } .\r[139] { فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } .\r[140] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .\r[141- 146] قوله عز وجل: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ }{ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ }{ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ }{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ }{ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا } ، يعني في الدنيا { آمِنِينَ } ، من العذاب.","part":5,"page":485},{"id":2486,"text":"[147, 148] { فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ }{ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا } ثمرها يريد ما يطلع منها من الثمر، { هَضِيمٌ } قال ابن عباس : لطيف، ومنه هضيم الكشح إذا كان لطيفا. وروى عطية عنه: يا نع نضيج. وقال عكرمة : هو اللين. وقال الحسن : هو الرخو. وقال مجاهد : متهشم متفتت إذا مس، وذلك أنه ما دام رطبا فهو هضيم، فإذا يبس فهو هشيم. وقال الضحاك ومقاتل : قد ركب بعضه بعضا حتى هضم بعضه بعضا، أي كسره. وقال أهل اللغة: هو المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر. وقال الأزهري : الهضيم هو الداخل بعضه في بعض من النضج والنعومة. وقيل. هضيم أي هاضم يهضم الطعام. وكل هذا للطافته.\r[149] { وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ } ، وقرئ: ( فرهين ) ، قيل: معناهما واحد. وقيل: فارهين أي حاذقين بنحتها، من قولهم: فره الرجل فراهة فهو فاره، ومن قرأ ( فرهين ) قال ابن عباس : أشرين بطرين. وقال عكرمة : ناعمين. وقال مجاهد : شرهين. قال قتادة : معجبين بصنيعكم. قال السدي : متجبرين. وقال أبو عبيدة : مرحين. وقال الأخفش : فرحين. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء مثل مدحته ومدهته. قال الضحاك : كيسين.","part":5,"page":486},{"id":2487,"text":"[150،151] { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ }{ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ } ، قال ابن عباس : المشركين. وقال مقاتل : هم التسعة الذين عقروا الناقة وهم.\r[152] { الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ } بالمعاصي، { وَلَا يُصْلِحُونَ } ، لا يطيعون الله فيما أمرهم به.\r[153] { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } ، قال مجاهد وقتادة : من المسحورين المخدوعين، أي ممن يسحر مرة بعد مرة. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أي من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب، يقال: سحره أي علله بالطعام والشراب، يريد إنك تأكل الطعام والشراب ولست بملك، بل:\r[154] { مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ } ، على صحة ما تقول. { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } ، أنك رسول الله إلينا.\r[155] { قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ } ، حظ ونصيب من الماء، { وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } .\r[156] { وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } ، بعقر، { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .\r[157] { فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ } ، على عقرها حين رأوا العذاب.","part":5,"page":487},{"id":2488,"text":"[158] { فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } .\r[159] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .","part":5,"page":488},{"id":2489,"text":"[160- 165] قوله تعالى: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ }{ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ }{ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ }{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ }{ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ } ، قال مقاتل : يعني جماع الرجال. { مِنَ الْعَالَمِينَ } ، يعني من بني آدم.\r[166] { وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ } ، قال مجاهد : تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال، { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } ، معتدون مجاوزون الحلال إلى الحرام.\r[167] { قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ } من قريتنا.\r[168] { قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ } ، المبغضين، ثم دعا فقال:\r[169] { رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ } ، من العمل الخبيث.\r[170, 171] قال الله تعالى: { فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ }{ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ } ، وهي امرأة لوط بقيت في العذاب والهلاك.","part":5,"page":489},{"id":2490,"text":"[172] { ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ } أي: أهلكناهم.\r[173] { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ } ، قال وهب بن منبه : الكبريت والنار.\r[174] { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } .\r[175] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .\r[176] قوله عز وجل: { كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ } ، وهم قوم شعيب عليه السلام، قرأ العراقيون: ( الآيكة ) هاهنا وفي ص بالهمزة وسكون اللام وكسر التاء، وقرأ الآخرون: ( ليكة ) بفتح اللام والتاء غير مهموز، جعلوها اسم البلدة، وهو لا ينصرف، ولم يختلفوا في سورة الحجر وق أنهما مهموزان مكسوران، والأيكة: الغيضة من الشجر الملتف.\r[177] { إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ } ولم يقل أخوهم لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم، وكان الله تعالى بعثه إلى قومه أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة. { أَلَا تَتَّقُونَ } .","part":5,"page":490},{"id":2491,"text":"[178- 180] { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ }{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ }{ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، وإنما كانت دعوة هؤلاء الأنبياء كلهم فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة لاتفاقهم على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على الدعوة وتبليغ الرسالة.\r[181] { أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ } ، الناقصين لحقوق الناس بالكيل والوزن.","part":5,"page":491},{"id":2492,"text":"[182- 184] { وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ }{ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ }{ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ } الخليقة , { الْأَوَّلِينَ } يعني الأمم المتقدمين، والجبلة: الخلق، يقال: جبل أي خلق.\r[185- 188] { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ }{ وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ }{ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }{ قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } . أي من نقصان الكيل والوزن، وهو مجازيكم بأعمالكم، وليس العذاب إلي وما علي إلا الدعوة.\r[189] { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ } ، وذلك أنه أخذهم حر شديد، فكانوا يدخلون الأسراب فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا فخرجوا فأظلتهم سحابة وهي الظلة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا، ذكرناه في سورة هود (1) . { إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .\r[190] { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } .\r_________\r(1) من آية 84 إلى 95 .","part":5,"page":492},{"id":2493,"text":"[191] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .\r[192-193] قوله عز وجل: { وَإِنَّهُ } ، يعني القرآن، { لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } ، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو وحفص : ( نزل ) خفيف ( الروح الأمين ) برفع الحاء والنون، أي نزل جبريل بالقرآن. وقرأ الآخرون بتشديد الزاي وفتح الحاء والنون أي: نزل الله به جبريل لقوله عز وجل: { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\r[194] { عَلَى قَلْبِكَ } ، يا محمد حتى وعيته، { لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ } ، المخوفين.\r[195] { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } ، قال ابن عباس : بلسان قريش ليفهموا ما فيه.\r[196] { وَإِنَّهُ } ، أي ذكر إنزال القرآن، قاله أكثر المفسرين، وقال مقاتل : ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، { لَفِي زُبُرِ } ، كتب { الْأَوَّلِينَ } .","part":5,"page":493},{"id":2494,"text":"[197] { أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً } ، قرأ ابن عامر : ( تكن ) بالتاء آية بالرفع، جعل الآية اسما وخبره: { أَنْ يَعْلَمَهُ } ، وقرأ الآخرون بالياء، ( آية ) نصب، جعلوا الآية خبر يكن، معناه: أولم يكن لهؤلاء المتكبرين علم بني إسرائيل آية، أي علامة ودلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه. قال ابن عباس : بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن هذا لزمانه وإنا نجد في التوراة نعته وصفته، فكان ذلك آية على صدقه. قوله تعالى: { أَنْ يَعْلَمَهُ } ، يعني يعلم محمد صلى الله عليه وسلم، { عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، قال عطية : كانوا خمسة: عبد الله بن سلام وابن يا مين وثعلبة وأسد وأسيد .\r[198] { وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ } ، يعني القرآن، { عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ } جمع الأعجمي، وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية وإن كان عربيا في النسب، والعجمي: منسوب إلى العجم, وإن كان فصيحا. ومعنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس بعربي اللسان.","part":5,"page":494},{"id":2495,"text":"[199] { فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ } بغير لغة العرب، { مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } وقالوا: ما نفقه قولك، نظيره قوله عز وجل: { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ } ، وقيل: معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة من اتباعه.\r[200] { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ } ، قال ابن عباس والحسن ومجاهد أدخلنا الشرك والتكذيب { فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ } .\r[201] { لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ } ، أي بالقرآن، { حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } ، يعني عند الموت.\r[202] { فَيَأْتِيَهُمْ } ، يعني العذاب، { بَغْتَةً } ، فجأة, { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } به في الدنيا.\r[203] { فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ } ، أي لنؤمن ونصدق ، يتمنون الرجعة والنظرة. قال مقاتل : لما أوعد النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب، قالوا: إلى متى توعدنا بالعذاب متى هذا العذاب؟ قال الله تعالى:\r[204, 205] { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ }{ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ } ، كثيرة في الدنيا يعني كفار مكة ولم نهلكهم.","part":5,"page":495},{"id":2496,"text":"[206] { ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ } يعني بالعذاب.","part":5,"page":496},{"id":2497,"text":"[207] { مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } ، به في تلك السنين. والمعنى أنهم وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا فإذا أتاهم العذاب لم يغن عنهم طول التمتع شيئا، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط.\r[208] { وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ } رسل ينذرونهم.\r[209] { ذِكْرَى } محلها نصب أي ينذرونهم، تذكرة، وقيل: رفع أي تلك ذكرى، { وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ } في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم.\r[210] { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ } ، وذلك أن المشركين كانوا يقولون: إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال جل ذكره: { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ } أي بالقرآن، الشياطين.\r[211] { وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ } ، أن ينزلوا بالقرآن, { وَمَا يَسْتَطِيعُونَ } ذلك.\r[212] { إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ } أي عن استراق السمع من السماء، { لَمَعْزُولُونَ } ، أي محجوبون بالشهب مرجومون.","part":5,"page":497},{"id":2498,"text":"[213] { فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق علي ولو اتخذت إلها غيري لعذبتك.\r[214] { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « لما نزلت { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا، فهتف يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: \"أرأيتكم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي \"؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\" فقال أبو لهب: تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا ؟! ثم قال: فنزلت ( تبت يدا أبي لهب وتب ) » (1) .\r[215] قوله عز وجل: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ } يعني ألن جانبك { لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } .\r[216] { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } من الكفر وعبادة غير الله.\r[217] { وَتَوَكَّلْ } ، قرأ أهل المدينة والشام فتوكل بالفاء، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الباقون بالواو ( وتوكل ) ، { عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ } ليكفيك كيد الأعداء.\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 737 ومسلم في الإيمان رقم ( 208 ) 1 / 193 والمصنف في شرح السنة 13 / 327 .","part":5,"page":498},{"id":2499,"text":"[218] { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } إلى صلاتك، عن أكثر المفسرين. وقال مجاهد : الذي يراك أينما كنت وقيل : حين تقوم لدعائهم.\r[219] { وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } ، يعني يرى تقلبك في صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك. قال عكرمة وعطية عن ابن عباس : في الساجدين أي في المصلين. وقال مقاتل والكلبي : أي مع المصلين في الجماعة، يقول: يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين في الجماعة. وقال الحسن : وتقلبك في الساجدين أي تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين . وقال سعيد بن جبير : يعني وتصرفك في أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك والساجدون. هم الأنبياء. وقال عطاء عن ابن عباس . أراد تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة.\r[220] { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .\r[221] { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ } ، أخبركم، { عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ } ، هذا جواب قولهم: ( تتنزل عليه الشياطين ) . ثم بين فقال:","part":5,"page":499},{"id":2500,"text":"[222] { تَنَزَّلُ } أي تتنزل، { عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ } ، كذاب { أَثِيمٍ } فاجر، قال قتادة : هم الكهنة يسترق الجن السمع ثم يلقون إلى أوليائهم من الإنس. وهو قوله عز وجل.\r[223] { يُلْقُونَ السَّمْعَ } ، أي يستمعون من الملائكة مستقرين فيلقون إلى الكهنة، { وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } لأنهم يخلطون به كذبا كثيرا.\r[224] قوله عز وجل: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } ، قال أهل التفسير: أراد شعراء الكفار الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم و ( الغاوون ) ، هم الرواه الذين يروون هجاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. وقال قتادة ومجاهد : الغاوون هم الشياطين.\r[225] { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ } ، من أودية الكلام، { يَهِيمُونَ } ، حائرون وعن طريق الحق جائرون، والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له. قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: في كل لغو يخوضون. وقال مجاهد : في كل فن يفتنون. وقال قتادة : يمدحون بالباطل ويستمعون ويهجون بالباطل، فالوادي مثل لفنون الكلام، كما يقال: أنا في واد وأنت في واد. وقيل: في كل واد يهيمون أي على كل حرف من حروف الهجاء يصوغون القوافي.","part":5,"page":500},{"id":2501,"text":"[226] { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ } ، أي: يكذبون في شعرهم يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة، ثم استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الجاهلية، ويهجون شعراء الكفار، وينافحون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، منهم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك ، فقال:","part":6,"page":1},{"id":2502,"text":"[227] { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: « إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل » (1) . وعن عائشة قالت: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم » ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله يؤيد حسان بروح القدس، ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله » (2) . { وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } أي لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، { وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } ، قال مقاتل : انتصروا في المشركين لأنهم بدأوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال: { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم { أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } ، أي مرجع يرجعون بعد الموت. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى جهنم والسعير. والله أعلم.\r_________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في كتاب الجامع 11 / 263 وصححه ابن حبان ص 494 من موارد الظمآن والبيهقي في السنن 10 / 239 والإمام أحمد في المسند 3 / 456 والمصنف في شرح السنة 12 / 378 .\r(2) أخرجه الترمذي في الأدب 8 / 137 وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وصححه الحاكم 3 / 487 والمصنف في شرح السنة 12 / 377 .","part":6,"page":2},{"id":2503,"text":"( 27 ) سورة النمل\r[1] { طس } قال ابن عباس : هو اسم من أسماء الله تعالى، وقد سبق الكلام في حروف الهجاء. { تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ } ، أي هذه آيات القرآن، { وَكِتَابٍ مُبِينٍ } ، يعني وآيات كتاب مبين.\r[2] { هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } ، يعني هو هدى من الضلالة وبشرى للمؤمنين المصدقين به بالجنة.\r[3] { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } ، أي يؤدون الصلاة بأركانها وشروطها، { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } ، يعطون ما وجب عليهم من زكاة أموالهم لأربابها، { وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } .\r[4] { إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ } ، القبيحة حتى رأوها حسنة، { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } ، أي يترددون فيها متحيرين.\r[5] { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ } ، شدة العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ببدر، { وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ } لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار.\r[6] { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ } ، أي تؤتى القرآن، { مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } ، أي وحيا من عند الله الحكيم العليم.","part":6,"page":3},{"id":2504,"text":"[7] قوله عز وجل: { إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ } ، أي واذكر يا محمد إذا قال موسى لأهله في مسيره من مدين إلى مصر، { إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } ، أي أبصرت نارا، { سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } ، أي امكثوا مكانكم سآتيكم بخبر عن الطريق أو النار، وكان قد ترك الطريق، { أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ } ، قرأ أهل الكوفة بشهاب بالتنوين جعلوا القبس نعتا للشهاب، وقرأ الآخرون بلا تنوين على الإضافة، وهو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الشهاب والقبس متقاربان في المعنى، وهو العود الذي في أحد طرفيه فيه نار، وليس في الطرف الآخر نار. وقال بعضهم: الشهاب هو شيء ذو نور، مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيض ذي نور شهابا، والقبس: القطعة من النار، { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } ، تستدفئون من البرد وكان ذلك في شدة الشتاء.","part":6,"page":4},{"id":2505,"text":"[8] { فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } أي بورك على من في النار أو من في النار، والعرب تقول: باركه الله وبارك فيه وبارك عليه، بمعنى واحد. وقال قوم: البركة راجعة إلى موسى والملائكة، معناه: بورك في من طلب النار، وهو موسى عليه السلام، ومن حولها وهم الملائكة الذين حول النار، ومعناه: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار، وهذا تحية من عند الله عز وجل لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور، وذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا، ومن في النار هم الملائكة، وذلك أن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح، ومن حولها موسى لأنه كان بالقرب منها، ولم يكن فيها. وقيل: من في النار ومن حولها جميعا الملائكة وقيل: من في النار موسى ومن حولها الملائكة، وموسى وإن لم يكن في النار كان قريبا منها كما يقال: بلغ فلان المنزل إذا قرب منه، وإن لم يبلغه بعد، وذهب بعضهم إلى أن البركة راجعة إلى النار. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: معناه","part":6,"page":5},{"id":2506,"text":"بوركت النار. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت أبيا يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها، و ( من ) قد يأتي بمعنى ما و ( ما ) قد يكون صلة في الكلام، كقوله: { جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ } ، ومعناه: بورك في النار وفيمن حولها وهم الملائكة وموسى عليه السلام، وسمى النار مباركة كما سمى البقعة مباركة فقال: { فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ } ، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: { بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ } ، يعني قدس من في النار، وهو الله عنى به نفسه، على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها، ثم نزه الله نفسه وهو المنزه من كل سوء وعيب، فقال جل ذكره. { وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، ثم تعرف إلى موسى بصفاته، فقال:\r[9] { يا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، والهاء في قوله: ( إنه ) عماد وليس بكناية، وقيل: هي كناية عن الأمر والشأن، أي الأمر والشأن أي المعبود أنا، ثم أرى موسى آية على قدرته، فقال:","part":6,"page":6},{"id":2507,"text":"[10] { وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ } ، تتحرك , { كَأَنَّهَا جَانٌّ } وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، { وَلَّى مُدْبِرًا } ، وهرب من الخوف، { وَلَمْ يُعَقِّبْ } ، ولم يرجع، يقال: عقب فلان إذا رجع، وكل راجع معقب. وقال قتادة : ولم يلتفت، فقال الله عز وجل: { يا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } ، يريد إذا آمنهم لا يخافون أما الخوف الذي هو شرط الإيمان فلا يفارقهم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « أنا أخشاكم لله » (1) .\r_________\r(1) قطعة من حديث رواه البخاري في النكاح 9 / 104 ومسلم في الصيام رقم ( 1108 ) 2 / 779.","part":6,"page":7},{"id":2508,"text":"[11] وقوله: { إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، واختلف في هذا الاستثناء، قيل: هذا إشارة إلى أن موسى حين قتل القبطي خاف من ذلك، ثم تاب فقال: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له، قال ابن جريج : قال الله تعالى لموسى : إنما أخفتك لقتلك النفس. وقال: معنى الآية لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فعلى هذا التأويل يكون الاستثناء صحيحا وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله: { إِلَّا مَنْ ظَلَمَ } ثم ابتدأ الخبر عن حال من ظلم من الناس كافة، وفي الآية متروك استغنى عن ذكره بدلالة الكلام عليه، تقديره: فمن ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم. قال بعض العلماء: ليس هذا باستثناء من المرسلين لأنه لا يجوز عليهم الظلم، بل هو استثناء من المتروك في الكلام، معناه لا يخاف لدي المرسلون، إنما الخوف على غيرهم من الظالمين، إلا من ظلم ثم تاب، وهذا من الاستثناء المنقطع، معناه: لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف، فإن تاب وبدل حسنا بعد سوء فإن الله غفور رحيم، يعني يغفر الله له ويزيل الخوف عنه. وقال بعض النحويين: ( إلا هاهنا بمعنى ولا،","part":6,"page":8},{"id":2509,"text":"يعني: لا يخاف لدي المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء يقول: لا يخاف لدي المرسلون ولا المذنبون التائبون كقوله تعالى. { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } يعني ولا الذين ظلموا، ثم أراه الله آية أخرى فقال:\r[12] { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ } ، والجيب حيث جبب من القميص، أي قطع، قال أهل التفسير: كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار فأدخل يد، في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله: { تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } ، من غير برص، { فِي تِسْعِ آيَاتٍ } ، يقول هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن، { إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } .\r[13] { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً } ، بينة واضحة يبصر بها، { قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } ، ظاهر.","part":6,"page":9},{"id":2510,"text":"[14] { وَجَحَدُوا بِهَا } ، أي أنكروا الآيات ولم يقروا أنها من عند الله، { وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ } ، يعني علموا أنها من عند الله، قوله: { ظُلْمًا وَعُلُوًّا } ، يعني شركا وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى ، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } .\r[15] قوله عز وجل: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا } ، يعني علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسخير الشياطين وتسبيح الجبال، { وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا } ، بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين والجن والإنس { عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } .","part":6,"page":10},{"id":2511,"text":"[16] { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ } ، نبوته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود تسعة عشر ابنا، وأعطي سليمان ما أعطي داود من الملك، وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين. وقال مقاتل : كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدا من سليمان ، وكان سليمان شاكرا لنعم الله تعالى، { وَقَالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ } سمى صوت الطير منطقا لحصول الفهم منه، كما يفهم من كلام الناس { وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } ، يؤتى الأنبياء والملوك، قال ابن عباس : من أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل : يعني النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والرياح ، { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } ، الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا.\r[17] قوله عز وجل: { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ } ، وجمع لسليمان ، { جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ } في مسيره، { فَهُمْ يُوزَعُونَ } ، فهم يكفون. وقال مقاتل : يوزعون يساقون، وقال السدي : يوقفون. وقيل: يجمعون. وأصل الوزع الكف والمنع.","part":6,"page":11},{"id":2512,"text":"[18] قوله عز وجل: { حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ } قال كعب : إنه واد بالطائف، وقال قتادة ومقاتل . هو أرض بالشام. { قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ } ولم تقل: ادخلن لأنه لما جعل لهم قولا كالآدميين خوطبوا بخطاب الآدميين، { لَا يَحْطِمَنَّكُمْ } ، لا يكسرنكم، { سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ } ، والحطم الكسر، { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } ، فسمع سليمان قولها. ومعنى الآية: إنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطؤوكم ولم يشعروا بكم.","part":6,"page":12},{"id":2513,"text":"[19] قوله عز وجل: { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا } قال الزجاج : أكثر ضحك الأنبياء التبسم. وقوله: { ضَاحِكًا } أي متبسما. قيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك ثم حمد سليمان ربه على ما أنعم عليه، { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي } ، ألهمني ، { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } ، أي أدخلني في جملتهم ، وأثبت اسمي مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس : يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، ومن بعدهم، من النبيين. وقيل: أدخلني الجنة برحمتك من عبادك الصالحين.\r[20] قوله عز وجل: { وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ } أي: طلبها وبحث عنها، والتفقد طلب ما فقد، ومعنى الآية. طلب ما فقد من الطير، { فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ } ، أي ما للهدهد لا أراه، ثم أدركه الشك في غيبته، فقال: { أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ } ، يعني أكان من الغائبين، والميم صلة، وقيل: أم بمعنى بل، ثم أوعده على غيبته، فقال:","part":6,"page":13},{"id":2514,"text":"[21] { لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ } ، لأقطعن حلقه، { أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ، بحجة بينة في غيبته، وعذر ظاهر.\r[22] { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } ، أي غير طويل، { فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } ، والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمت ما لم تعلم وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك، { وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ } اسم البلد أو اسم رجل، { بِنَبَإٍ } ، بخبر { يَقِينٍ } ، فقال سليمان : وما ذاك؟ قال:","part":6,"page":14},{"id":2515,"text":"[23] { إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ } ، وكان اسمها بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان ، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن، { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدة، { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } سرير ضخم كان مضروبا من الذهب مكللا بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وقوله من الياقوت والزمرد عليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق.\r[24] { وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ } .","part":6,"page":15},{"id":2516,"text":"[25] { أَلَّا يَسْجُدُوا } ، قرأ أبو جعفر والكسائي ( ألا يسجدوا ) بالتخفيف وإذا وقفوا يقولون: ألا يأثم يبتدئون. اسجدوا، على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرا من عند الله مستأنفا، وحذفوا هؤلاء اكتفاء بدلالة يا عليها، وذكر بعضهم سماعا من العرب ألا يا ارحمونا، يريدون ألا يا قوم وعلى هذا يكون قوله ألا كلاما معترضا من غير القصة إما من الهدهد وإما من سليمان . قال أبو عبيدة : هذا أمر من الله مستأنف يعني يا أيها الناس اسجدوا. وقرأ الآخرون ألا يسجدوا بالتشديد بمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا، { لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ } ، أي الخفي المخبأ، { فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، أي ما خبأت. قال أكثر المفسرين. خبء السماء: المطر، وخبء الأرض: النبات. وفي قراءة عبد الله : ( يخرج الخبء من السماوات والأرض ) ، ومن وفي يتعاقبان تقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم يريد منكم. وقيل: معنى الخبء الغيب، يريد يعلم غيب السماوات والأرض، { وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } ، قرأ الكسائي وحفص عن عاصم بالتاء فيهما لأن أول الآية خطاب على قراءة الكسائي بتخفيف ألا وقرأ الآخرون بالياء.","part":6,"page":16},{"id":2517,"text":"[26] { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } ، أي هو المستحق للعبادة والسجود لا غيره. وعرش ملكة سبأ وإن كان عظيما فهو صغير وحقير في جنب عرشه عز وجل، تم هاهنا كلام الهدهد، فلما فرغ الهدهد من كلامه.\r[27] ( قَالَ ) ، سليمان للهدهد { سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ } , فيما أخبرت { أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من اتبع الهدى أما بعد فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين، قال ابن جريج : لم يزد سليمان على ما قص الله في كتابه. وقال قتادة : وكذلك كل الأنبياء كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه. فقال للهدهد:","part":6,"page":17},{"id":2518,"text":"[28] { اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } ، تنح عنهم فكن قريبا منهم، { فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } ، يردون من الجواب. وقال ابن زيد : في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم، أي انصرف إلي فأخذ الهدهد الكتاب فأتى به إلى بلقيس ، فقرأت الكتاب وتأخر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها.\r[29] { قَالَتْ } ، لهم بلقيس ، { يا أَيُّهَا الْمَلَأُ } ، وهم أشراف الناس وكبراؤهم { إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } ، قال عطاء والضحاك : سمته كريما لأنه كان مختوما، وقال قتادة ومقاتل : كتاب كريم أي حسن، وروي عن ابن عباس : كريم أي شريف لشرف صاحبه، وقيل: سمته كريما لأنه كان مصدرا ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم بينت الكتاب.\r[30] فقالت : { إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ } ، وبينت المكتوب فقالت { وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .","part":6,"page":18},{"id":2519,"text":"[31] { أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ } ، قال ابن عباس : أي لا تتكبروا علي. وقيل: لا تتعظموا ولا تترفعوا علي. وقيل: معناه لا تمتنعوا علي من الإجابة، فإن ترك الإجابة من العلو والتكبر، { وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } ، مؤمنين طائعين. قيل: هو من الإسلام، وقيل: هو من الاستسلام.\r[32] { قَالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي } ، أشيروا علي فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه، { مَا كُنْتُ قَاطِعَةً } ، قاضية وفاصلة، { أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ } أي تحضرون.\r[33] { قَالُوا } ، مجيبين لها، { نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ } ، في القتال, { وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ } عند الحرب، قال مقاتل : أرادوا بالقوة كثرة العدد وبالبأس الشديد الشجاعة، وهذا تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك ثم قالوا، { وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ } ، أيتها الملكة في القتال وتركه، { فَانْظُرِي } ، من الرأي، { مَاذَا تَأْمُرِينَ } ، تجدين لأمرك مطيعين.","part":6,"page":19},{"id":2520,"text":"[34] { قَالَتْ } ، بلقيس مجيبة لهم عن التعريض للقتال، { إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً } ، عنوة، { أَفْسَدُوهَا } خربوها، { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } ، أي أهانوا أشرافها وكبراءها، كي يستقيم لهم الأمر تحذرهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم، وتناهى الخبر عنها هاهنا، فصدق الله قولها فقال: { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } ، أي كما قالت هي يفعلون.\r[35] ثم قالت: { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } ، والهدية هي العطية على طريق الملاطفة، وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إني مرسلة إليهم أي إلى سليمان وقومه بهدية أصانعه بها عن ملكي وأختبره بها أملك هو أم نبي؟ فإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف، وإن كان نبيا لم يقبل الهدية ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه، فذلك قوله تعالى: { فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } ، فأهدت إليه، فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر كله، ثم رد سليمان الهدية.","part":6,"page":20},{"id":2521,"text":"[36] كما قال الله تعالى: { فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ } ، أعطاني الله من النبوة والدين والحكمة والملك، { خَيْرٌ } ، أفضل، { مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } ، لأنكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة بها تفرحون بإهداء بعضكم إلى بعض، فأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحدا، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ثم قال للمنذر بن عمرو وأمير الوفد.\r[37] { ارْجِعْ إِلَيْهِمْ } ، بالهدية { فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ } ، لا طاقة لهم، { بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا } ، أي من أرضهم وبلادهم وهي سبأ، { أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ } ، ذليلون إن لم يأتوني مسلمين، قال وهب وغيره من أهل الكتب: فلما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان قالت: قد عرفت والله ما هذا بملك وما لنا به طاقة، فبعثت إلى سليمان : إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك فأقبل سليمان حينئذ على جنوده.","part":6,"page":21},{"id":2522,"text":"[38] { قَالَ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } ، أي مؤمنين، وقال ابن عباس : طائعين، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها، فقال أكثرهم: لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها فأراد يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها، وقيل: ليريها قدرة الله وعظم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها، وقال قتادة : لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد فأحب أن يراه. قال ابن زيد : أراد أن يأمر بتنكره وتغييره ليختبر بذلك عقلها.\r[39] { قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ } ، وهو المارد القوي، قال ابن عباس : العفريت الداهية. وقال الضحاك - هو الخبيث. وقال الربيع : الغليظ، قال الفراء : القوي الشديد، وقيل. هو صخرة الجني وكان بمنزلة جبل يضع قدمه عند منتهى طرفه، { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ } ، أي من مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس : وكان له كل غداة مجلس يقضي فيه إلى متسع النهار، { وَإِنِّي عَلَيْهِ } أي على حمله { لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان : أريد أسرع من هذا.","part":6,"page":22},{"id":2523,"text":"[40] فـ { قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ } ، واختلفوا فيه فقال بعضهم: هو جبريل. وقيل: هو ملك من الملائكة أيد الله به نبيه سليمان . وقال أكثر المفسرين : هو آصف بن برخيا ، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، وقال محمد بن المنكدر : إنما هو سليمان ، قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفهما : { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } ، قال سليمان : هات، قال أنت النبي ابن النبي، وليس أحد أوجه عند الله منك فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك، فقال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت، وقوله تعالى: { قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } قال سعيد بن جبير . يعني من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى ، وهو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك. قال قتادة : قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وقال مجاهد : يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. قال وهب : تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه، حتى أمثله بين يديك { فَلَمَّا رَآهُ } ، يعني رأى سليمان العرش، { مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ } ، محمولا إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف، {","part":6,"page":23},{"id":2524,"text":"قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ } ، نعمه ، { أَمْ أَكْفُرُ } ، فلا أشكرها، { وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } ، أي يعود نفع شكره إليه وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها، لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة، { وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ } ، عن شكره { كَرِيمٌ } ، بأفضال على من يكفر نعمه.","part":6,"page":24},{"id":2525,"text":"[41] قوله تعالى: { قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا } ، يقول: غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته، قال قتادة ومقاتل : هو أن يزاد فيه وينقص منه، وروي أنه جعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله، وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر، { نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي } ، إلى عرشها فتعرفه، { أَمْ تَكُونُ مِنَ } ، الجاهلين، { الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ } ، إليه، إنما حمل سليمان على ذلك كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما: أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن وذلك أن أمها كانت جنية، وإذا ولدت له ولدا لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من بعده، فأساؤوا الثناء عليها ليزهدوه فيها وقالوا: إن في عقلها شيئا وإن رجلها كحافر الحمار وأنها شعراء الساقين فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر إلى قدميها ببناء الصرح.","part":6,"page":25},{"id":2526,"text":"[42] { فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ } , لها { أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ } قال مقاتل : عرفته لكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها. وقال عكرمة : كانت حكيمة لم تقل نعم خوفا من أن تكذب، ولم تقل لا خوفا من التكذيب، قالت: كأنه هو فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر وقيل: اشتبه عليها أمر العرش لأنها تركته في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها، قيل لها فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب، فقالت: { وَأُوتِينَا الْعِلْمَ } بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدية والرسل، { مِنْ قَبْلِهَا } ، من قبل الآية في العرش { وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } ، منقادين طائعين لأمر سليمان ، وقيل: قوله: { وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا } قاله سليمان ، يقول: وأوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، وكنا مسلمين، هذا قول مجاهد . وقيل: معناه وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين طائعين لله.","part":6,"page":26},{"id":2527,"text":"[43] قوله عز وجل: { وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي منعها ما كانت تعبد من دون الله وهو الشمس أن تعبد الله، أي صدها عبادة الشمس عن التوحيد وعبادة الله، فعلى هذا التأويل يكون ( ما ) في محل الرفع. وقيل: معناه ما صدها عن عبادة الله نقصان عقلها كما قالت الجن: إن في عقلها شيئا بل ما كانت تعبد من دون الله. وقيل: معناه وصدها سليمان ما كانت تعبد من دون الله أي منعها من ذلك وحال بينها وبينه فيكون محل ( ما ) نصبا، { إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ } ، هذا استئناف أخبر الله تعالى أنها كانت من قوم يعبدون الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف إلا عبادة الشمس.","part":6,"page":27},{"id":2528,"text":"[44] قوله : { قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ } الآية، وذلك أن سليمان أراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفها لما قالت الشياطين: إن رجليها كحافر الحمار وهي شعراء الساقين، أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج، وقيل: بيتا من زجاج كأنه الماء بياضا وقيل: الصرح صحن الدار وأجرى تحته الماء فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء. وقيل: إنما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، فلما جاءت قيل لها: ادخلي الصرح، { فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً } ، وهي معظم الماء, { وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا } لتخوضه إلى سليمان فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا إلا أنها كانت شعراء الساقين، فلما رأى سليمان ذلك { قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ } ، مملس مستو, { مِنْ قَوَارِيرَ } وليس بماء، ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت، { قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } ، بالكفر، وقال مقاتل : لما رأت السرير والصرح علمت أن ملك سليمان من الله فقالت: رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك، { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي أخلصت له التوحيد، وقيل: إنها","part":6,"page":28},{"id":2529,"text":"لما بلغت الصرح فظنته لجة، قالت في نفسها إن سليمان يريد أن يغرقني، وكان القتل علي أهون من هذا فقولها: { ظَلَمْتُ نَفْسِي } تعني بذلك الظن.","part":6,"page":29},{"id":2530,"text":"[45] قوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ } ، أي أن، { اعْبُدُوا اللَّهَ } ، وحده، { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ } ، مؤمن وكافر، { يَخْتَصِمُونَ } ، في الدين، قال مقاتل واختصامهم ما ذكر في سورة الأعراف: { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ } ، إلى قوله: { يا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } .\r[46] فـ { قَالَ } ، لهم صالح، { يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ } ، بالبلاء والعقوبة، { قَبْلَ الْحَسَنَةِ } ، العافية والرحمة، { لَوْلَا } ، هلا { تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ } بالتوبة من كفركم، { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .","part":6,"page":30},{"id":2531,"text":"[47] { قَالُوا اطَّيَّرْنَا } ، أي تشاءمنا، وأصله تطيرنا، { بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ } ، قيل: وإنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم. وقيل: لأنه أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك، { قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ } ، أي ما يصيبكم من الخير والشر عند الله بأمره وهو مكتوب عليكم، سمي طائرا لسرعة نزوله بالإنسان فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم، قال ابن عباس : الشؤم أتاكم من عند الله لكفركم. وقيل: طائركم أي عملكم عند الله، سمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء. { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } ، قال ابن عباس : تختبرون بالخير والشر، نظيره قوله تعالى: { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } ، وقال محمد بن كعب القرظي : تعذبون.\r[48] قوله تعالى: { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ } ، يعني مدينة ثمود وهي الحجر، { تِسْعَةُ رَهْطٍ } ، من أبناء أشرافهم، { يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ } ، وهم الذين اتفقوا على عقر الناقة وهم غواة قوم صالح ورأسهم قدار بن سالف ، وهو الذي تولى عقرها كانوا يعملون بالمعاصي.","part":6,"page":31},{"id":2532,"text":"[49] { قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ } ، تحالفوا، يقول بعضهم لبعض: احلفوا بالله أيها القوم، وموضع تقاسموا جزم على الأمر، وقال قوم: محله نصب على الفعل الماضي، يعني أنهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، { لَنُبَيِّتَنَّهُ } ، أي: لنقتلنه بياتا أي ليلا، { وَأَهْلَهُ } ، أي قومه الذين أسلموا معه، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي ( لتبيتنه ) و ( لتقولن ) بالتاء فيهما وضم لام الفعل على الخطاب، وقرأ الآخرون بالنون فيهما وفتح لام الفعل، { ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ } ، أي لولي دمه، { مَا شَهِدْنَا } ما حضرنا، { مَهْلِكَ أَهْلِهِ } ، أي إهلاكهم، ولا ندري من قتله، ومن فتح الميم فمعناه هلاك أهله، { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } ، في قولنا ما شهدنا ذلك.\r[50] { وَمَكَرُوا مَكْرًا } غدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به، { وَمَكَرْنَا مَكْرًا } ، جزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم، { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } .","part":6,"page":32},{"id":2533,"text":"[51] { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا } ، قرأ أهل الكوفة ( أنا ) بفتح الألف ردا على العاقبة، أي أنا دمرناهم، وقرأ الآخرون ( إنا ) بالكسر على الاستئناف، { دَمَّرْنَاهُمْ } ، أي أهلكناهم التسعة. واختلفوا في كيفية هلاكهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الملائكة، فقتلهم. قال مقاتل : نزل في سفح جبل ينظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم، { وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } ، أهلكهم الله بالصيحة.\r[52] { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } ، نصب على الحال أي خالية، { بِمَا ظَلَمُوا } ، أي بظلمهم وكفرهم، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً } ، لعبرة، { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ، قدرتنا.\r[53] { وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } ، يقال: كان الناجون منهم أربعة آلاف.","part":6,"page":33},{"id":2534,"text":"[54] قوله تعالى: { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ } وهي الفعلة القبيحة، { وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } ، أي تعلمون أنها فاحشة. وقيل: معناه يرى بعضكم بعضا وكانوا لا يستترون عتوا منهم.\r[55] { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } .","part":6,"page":34},{"id":2535,"text":"[56] { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } من أدبار الرجال.\r[57] { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا } ، قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا، { مِنَ الْغَابِرِينَ } ، أي الباقين في العذاب.\r[58] { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا } ، وهو الحجارة، { فَسَاءَ } فبئس، { مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ } .","part":6,"page":35},{"id":2536,"text":"[59] قوله تعالى: { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } ، هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية، وقيل: على جميع نعمه، { وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى } ، قال مقاتل : هم الأنبياء والمرسلون، دليله قوله عز وجل: { وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ } ، وقال ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وقال الكلبي . هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هم المؤمنين من السابقين واللاحقين، { آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ } ، قرأ أهل البصرة وعاصم : ( يشركون ) بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، يخاطب أهل مكة وفيه إلزام الحجة على المشركين بعد هلاك الكفار، يقول: آلله خير لمن عبده أم الأصنام خير لمن عبدها والمعنى: أن الله نجى من عبده من الهلاك، والأصنام لم تغن شيئا عن عابديها عند نزول العذاب بهم.","part":6,"page":36},{"id":2537,"text":"[60] { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } ، معناه آلهتكم خير أم الذي خلق السماوات والأرض، { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } ، يعني المطر، { فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ } ، بساتين جمع حديقة، قال الفراء : الحديقة البستان المحاط عليه، فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة، { ذَاتَ بَهْجَةٍ } ، أي منظر حسن والبهجة: الحسن يبتهج به من يراه، { مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا } ، أي ما ينبغي لكم، لأنكم لا تقدرون عليها. { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } ، استفهام على طريق الإنكار أي هل معه معبود سواه يعينه على صنعه بل ليس معه إله. { بَلْ هُمْ قَوْمٌ } ، يعني كفار مكة، { يَعْدِلُونَ } يشركون.\r[61] { أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا } ، لا تميد بأهلها، { وَجَعَلَ خِلَالَهَا } ، وسطها { أَنْهَارًا } تطرد بالمياه، { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } ، جبالا ثوابت، { وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ } ، العذب والمالح، { حَاجِزًا } مانعا لئلا يختلط أحدهما بالآخر، { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } ، توحيد ربهم وسلطانه.","part":6,"page":37},{"id":2538,"text":"[62] { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ } ، المكروب المجهود، { إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } ، الضر، { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ } ، سكانها يهلك قرنا وينشئ آخر. وقيل: يجعل أولادكم خلفاءكم . وقيل : جعلكم خلفاء الجن في الأرض. { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } ، قرأ أبو عمرو بالياء والآخرون بالتاء.\r[63] { أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } إذا سافرتم، { وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أي قدام المطر، { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .","part":6,"page":38},{"id":2539,"text":"[64] { أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } ، بعد الموت، { وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } ، أي من السماء المطر ومن الأرض النبات، { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } ، حجتكم على قولكم أن مع الله إلها آخر. { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .\r[65] { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } ، نزلت في المشركين حيث سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة، { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ } ، متى ، { يُبْعَثُونَ } .","part":6,"page":39},{"id":2540,"text":"[66] { بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ } ، قرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو : ( أدرك ) على وزن أفعل أي بلغ ولحق، كما يقال: أدركه علمي إذا لحقه وبلغه، يريد ما جهلوا في الدنيا وسقط علمه عنهم أعلموه في الآخرة. وقال مجاهد : يدرك علمهم، { فِي الْآخِرَةِ } ، ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم. قال مقاتل : بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوا وعموا عنه في الدنيا وهو قوله: { بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا } ، يعني هم اليوم في شك من الساعة وقرأ الآخرون بل ادارك موصولا مشددا مع الألف بعد الدال المشدد، يعني تدارك وتتابع علمهم في الآخرة وتلاحق، وقيل: معناه اجتمع علمهم حين عاينوها في الآخرة أنها كائنة، وهم في شك منها في وقتهم، فيكون بمعنى الأول، وقيل: هو على طريق الاستفهام، معناه: هل تدارك وتتابع علمهم بذلك في الآخرة؟ يعني: لم يتتابع وضل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه، لأن في الاستفهام ضربا من الجحد يدل عليه، قراءة ابن عباس ( بلى ) بإثبات الياء، ( أدارك ) بفتح الألف على الاستفهام، يعني: لم يدرك، وجملة القول فيه أن الله أخبر أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يستوي علمهم في الآخرة","part":6,"page":40},{"id":2541,"text":"وما وعدوا فيها من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا، وذكر علي بن عيسى أن معنى ( بل ) هاهنا لو ومعناه لو أدركوا في الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكوا بل هم في شك منها، بل هم اليوم في الدنيا في شك من الساعة. { بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ } ، جمع عم وهو الأعمى القلب. قال الكلبي : يقول هم جهلة بها.\r[67] { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، يعني مشركي مكة، { أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ } ، من قبورنا أحياء، قرأ أهل المدينة ( إذا ) غير مستفهم ( أئنا ) بالاستفهام، وقرأ ابن عامر والكسائي ( أئنا ) بهمزتين أننا بنونين، وقرأ الآخرون باستفهامها.\r[68] { لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا } ، أي هذا البعث، { نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ } ، أي من قبل محمد وليس ذلك بشيء { إِنْ هَذَا } ، ما هذا، { إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } ، أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها.\r[69] { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } .","part":6,"page":41},{"id":2542,"text":"[70] { وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } ، على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك، { وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } نزلت في المستهزئين الذين اقتسموا أعقاب مكة.\r[71] { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .\r[72] { قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ } ، أي دنا وقرب، { لَكُمْ } وقيل تبعكم والمعنى ردفكم أدخل فيه اللام كما أدخل في قوله: { لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } قال الفراء : اللام صلة زائدة كما تقول: نقدته مائة ونقدت له { بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } من العذاب فحل بهم ذلك يوم بدر.\r[73] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ } ، قال مقاتل : على أهل مكة حيث لم يعجل عليهم العذاب , { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ } ، ذلك.\r[74] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ } تخفي , { صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } .\r[75] { وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ } , أي جملة غائبة من مكتوم سر وخفي أمر وشيء غائب , { فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } , أي في اللوح المحفوظ.","part":6,"page":42},{"id":2543,"text":"[76] { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } , أي يبين لهم , { أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين , قال الكلبي : إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابا يطعن بعضهم على بعض ، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه .","part":6,"page":43},{"id":2544,"text":"[77] { وَإِنَّهُ } ، يعني القرآن { لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } .\r[78] { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي } , يفصل , { بَيْنَهُمْ } , أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة , { بِحُكْمِهِ } , الحق , { وَهُوَ الْعَزِيزُ } , المنيع فلا يرد له أمر, { الْعَلِيمُ } , بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء .\r[79] { فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ } البين.\r[80] { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } ، يعني الكفار، { وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ } ، معرضين، فإن قيل ما معنى قوله: { وَلَّوْا مُدْبِرِينَ } ، وإذا كانوا صما لا يسمعون سواء ولوا أو لم يولوا؟ قيل: ذكره على سبيل التأكيد والمبالغة. وقيل: الأصم إذا كان حاضرا فقد يسمع برفع الصوت ويفهم بالإشارة، فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم. قال قتادة : الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان، ومعنى الآية أنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت الذي لا سبيل إلى إسماعه، والأصم الذي لا يسمع.","part":6,"page":44},{"id":2545,"text":"[81] { وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ } ، قرأ الأعمش وحمزة ( تهدي ) بالتاء وفتحها على الفعل ( العمي ) بنصب الياء هاهنا وفي الروم، وقرأ الآخرون بهادي بالياء على الاسم، ( العمي ) بكسر الياء، { عَنْ ضَلَالَتِهِمْ } أي ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان، { إِنْ تُسْمِعُ } ، ما تسمع، { إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا } ، إلا من يصدق بالقرآن أنه من الله ، { فَهُمْ مُسْلِمُونَ } مخلصون.","part":6,"page":45},{"id":2546,"text":"[82] قوله تعالى: { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } ، وجب العذاب عليهم، وقال قتادة : إذا غضب الله عليهم، { أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ } ، واختلفوا في كلامها، فقال السدي : تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقال بعضهم: كلامها أن تقول لواحد هذا مؤمن، وتقول لآخر: هذا كافر. وقيل: كلامها ما قال الله تعالى: { أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ } ، قال مقاتل : تكلمهم بالعربية، فتقول: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون تخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن والبعث، قرأ أهل الكوفة ( أن الناس ) بفتح الألف أي بأن الناس، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف، أي إن الناس كانوا بآيتنا لا يوقنون قبل خروجها. قال ابن عمر : وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، وقرأ سعيد بن جبير وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي : ( تكلمهم ) وبفتح التاء وتخفيف اللام من الكلم وهو الجرح، وقال أبو الجوزاء : سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية ( تكلمهم ) أو ( تكلم ) قال: كل ذلك تفعل، تكلم المؤمن وتكلم الكافر.","part":6,"page":46},{"id":2547,"text":"[83] قوله تعالى: { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا } أي من كل قرن جماعة، { مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا } ، وليس من هاهنا للتبعيض لأن جميع المكذبين يحشرون، { فَهُمْ يُوزَعُونَ } ، يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ثم يساقوا إلى النار.\r[84] { حَتَّى إِذَا جَاءُوا } ، يوم القيامة، { قَالَ } ، الله لهم ، { أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا } ، ولم تعرفوها حق معرفتها، { أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، حين لم تفكروا فيها ومعنى الآية أكذبتم بآياتي غير عالمين بها ولم تفكروا في صحتها بل كذبتم بها جاهلين.\r[85] { وَوَقَعَ الْقَوْلُ } ، وجب العذاب ، { عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا } ، بما أشركوا، { فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ } ، قال قتادة : كيف ينطقون ولا حجة لهم، نظيره قوله تعالى: { هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ }{ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } ، وقيل: لا ينطقون لأن أفواههم مختومة.","part":6,"page":47},{"id":2548,"text":"[86] قوله عز وجل: { أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا } ، خلقنا، { اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا } ، مضيئا يبصر فيه، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ، يصدقون فيعتبرون.","part":6,"page":48},{"id":2549,"text":"[87] قوله تعالى: { وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } ، والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل وقال الحسن : الصور هي القرن، وأول بعضهم كلامه أن الأرواح تجمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى الأجساد فتحيا بالأجساد، قوله: { فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ } ، أي فصعق كما قال في آية أخرى: { فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ } ، أي ماتوا، والمعنى أنه يلقي عليهم الفزع إلى أن يموتوا وقيل: ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام لرب العالمين، قوله: { إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } ، اختلفوا في هذا الاستثناء، روي عن أبي هريرة « أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن قوله: { إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } ، قال: هم الشهداء المقلدون أسيافهم حول العرش » (1) وروى سعيد بن جبير وعطاء عن ابن عباس : هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل الفزع إليهم، وفي بعض الآثار: الشهداء ثنية الله أي الذين استثناهم الله تعالى. وقال الكلبي ومقاتل : يعني جبريل ومكائيل وإسرافيل وملك الموت، فلا يبقى بعد النفخة إلا هؤلاء الأربعة ثم يقبض الله روح ميكائيل ثم روح ملك\r_________\r(1) عزاه السيوطي في الدر ( 7 / 249 ) لأبي يعلى والدارقطني وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي.","part":6,"page":49},{"id":2550,"text":"الموت، ثم روح جبريل فيكون آخرهم موتا جبريل { وَكُلٌّ } أي كل الذين أحيوا بعد الموت، { أَتَوْهُ } ، قرأ الأعمش وحمزة وحفص { أَتَوْهُ } مقصورا بفتح التاء على الفعل أي جاءوه، وقرأ الآخرون بالمد وضم التاء كقوله تعالى. { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا }{ دَاخِرِينَ } ، صاغرين.\r[88] قال الله تعالى: { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } ، قائمة واقفة، { وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } ، أي تسير سير السحاب، { صُنْعَ اللَّهِ } ، نصب على المصدر، { الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } ، يعني أحكم، { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة بالياء والباقون بالتاء.","part":6,"page":50},{"id":2551,"text":"[89] { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ } ، بكلمة الإخلاص وهي الشهادة أن لا إله إلا الله، قال أبو معشر : كان إبراهيم يحلف ولا يستثني أن الحسنة لا إله إلا الله. وقال قتادة : بالإخلاص. وقيل: هي كل الطاعة , { فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا } , قال ابن عباس : فمنها يصل الخير إليه يعني له من تلك الحسنة خير يوم القيامة , وهو الثواب والأمن من العذاب, أما أن يكون له شيء خير من الإيمان فلا لأنه ليس شيء خيرا من قوله لا إله إلا الله. وقيل: { فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا } يعني رضوان الله , قال تعالى: { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ } , وقال محمد بن كعب : قال عبد الرحمن بن زيد : { فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا } يعني الأضعاف أعطاه الله تعالى بالواحدة عشرا فصاعدا , وهذا حسن لأن للأضعاف خصائص منها أن العبد يسأل عن عمله ولا يسأل عن الأضعاف, ومنها أن للشيطان سبيلا إلى عمله وليس له سبيل إلى الأضعاف ولا مطمع للخصوم في الأضعاف ولأن الحسنة على استحقاق العبد والتضعيف كما يليق بكرم الرب تبارك وتعالى، { وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ } ، قرأ أهل الكوفة من فزع بالتنوين يومئذ بفتح الميم، وقرأ الآخرون بالإضافة لأنه أعم فإنه يقتضي","part":6,"page":51},{"id":2552,"text":"الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وبالتنوين كأنه فزع دون فزع، ويفتح أهل المدينة الميم من يومئذ.\r[90] { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ } ، يعني الشرك، { فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ } ، يعني ألقوا على وجوههم، يقال: كبت الرجل إذا ألقيته على وجهه فانكب وأكب، وتقول لهم خزنة جهنم : { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، في الدنيا من الشرك.\r[91] قوله تعالى: { إِنَّمَا أُمِرْتُ } ، يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم قل إنما أمرت، { أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ } ، يعني مكة ، { الَّذِي حَرَّمَهَا } ، يعني جعلها الله حرما آمنا لا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلاها، { وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } ، خلقا وملكا، { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } ، لله .","part":6,"page":52},{"id":2553,"text":"[92] { وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ } ، يعني وأمرت أن أتلو القرآن، { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } ، أي نفع اهتدائه يرجع إليه، { وَمَنْ ضَلَّ } ، عن الإيمان وأخطأ عن طريق الهدى، { فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ } ، من المخوفين فليس علي إلا البلاغ ، نسختها آية القتال.\r[93] { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } ، على نعمه ، { سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ } ، يعني يوم بدر من القتل والسبي وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، نظيره قوله عز وجل { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ } ، وقال مجاهد : سيريكم آياته في السماء والأرض وفي أنفسكم، كما قال : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ } ، { فَتَعْرِفُونَهَا } ، يعني تعرفون الآيات والدلالات،","part":6,"page":53},{"id":2554,"text":"( 28 ) سورة القصص\r[1] { طسم } .\r[2] { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } .\r[3] { نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ } ، بالصدق، { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدقون بالقرآن.\r[4] { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا } ، استكبر وتجبر وتعظم، { فِي الْأَرْضِ } ، أرض مصر، { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } فرقا وأصنافا في الخدمة والتسخير، { يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ } ، أراد الطائفة بني إسرائيل، ثم فسر الاستضعاف فقال، { يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } . سمى هذا استضعافا لأنهم عجزوا أو ضعفوا عن دفعه عن أنفسهم ، { إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } .\r[5] { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ } يعني بني إسرائيل ، { وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } ، قادة في الخير يقتدى بهم . وقال قتادة : ولاة وملوكا دليله قوله عز وجل : { وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا } ، وقال مجاهد : دعاة إلى الخير . { وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } ، يعني أملاك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم .","part":6,"page":54},{"id":2555,"text":"[6] { وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ } ، أوطّن لهم في الأرض مصر والشام ، ونجعلها لهم مكانا يستقرون فيه ، { وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ } ، قرأ الأعمش وحمزة والكسائي ( يرى ) بالياء وفتحها ، { فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا } ، مرفوعات على أن الفعل لهم ، وقرأ الآخرون بالنون وضمها وكسر الراء ونصب الياء ونصب ما بعده يوقع الفعل عليه ، { مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } ، والحذر هو التوقي من الضرر ، وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل فكانوا على وجل منه ، فأراهم الله ما كانوا يحذرون .","part":6,"page":55},{"id":2556,"text":"[7] { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى } وهو وحي إلهام ولا وحي نبوة ، قال قتادة : قذفنا في قلبها ، وأم موسى يوحانذ بنت لاوى بن يعقوب ، { أَنْ أَرْضِعِيهِ } ، واختلفوا في مدة الرضاع ، قيل : ثمانية أشهر . وقيل - أربعة أشهر . وقيل : ثلاثة أشهر كانت ترضعه في حجرها ، وهو لا يبكي ولا يتحرك ، { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } ، يعني من الذبح ، { فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ } ، واليم البحر وأراد هاهنا النيل ، { وَلَا تَخَافِي } ، قيل : لا تخافي عليه من الغرق ، وقيل : من الضيعة ، { وَلَا تَحْزَنِي } ، على فراقه ، { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } ، روى عطاء عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال . إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس وعملوا بالمعاصي ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم الله على يد نبيه .","part":6,"page":56},{"id":2557,"text":"[8] { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ } ، والالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب ، { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } ، وهذه اللام تسمى لام العاقبة ولام الصيرورة لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك ، قرأ حمزة والكسائي ( حُزْنًا ) بضم الحاء وسكون الزاي ، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي وهما لغتان ، { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } ، عاصين آثمين .\r[9] قوله تعالى : { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ } دعه يكون قرة عين لي ولك ، { لَا تَقْتُلُوهُ } وروي أنها قالت له إنه أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيل ، { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } ، أن هلاكهم على يديه فاستحياه فرعون وألقى الله عليه محبته .","part":6,"page":57},{"id":2558,"text":"[10] وقوله تعالى : { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا } ، أي خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى وهمه ، هذا قول أكثر المفسرين . وقال الحسن : فارغا أي ناسيا للوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن ، والعهد الذي عهد أن يرده إليها ويجعله من المرسلين ، فجاءها الشيطان فقال : كرهت أن يقتله فرعون ورجاله فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله فألقيتيه في البحر ، وأغرقتيه ، فلما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل قالت : إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه ، فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها . وقال أبو عبيدة : فارغا أي فارغا من الحزن لعلمها بصدق وعد الله تعالى وأنكر القتيبي هذا وقال : كيف يكون هذا والله تعالى يقول : { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } ، والأول أصح قوله عز وجل : { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } ، قيل : الهاء في به راجعة إلى موسى أي كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة وجدها . وقال عكرمة عن ابن عباس : كادت تقول وابناه . وقال مقاتل : لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر خشيت عليه الغرق فكادت تصيح من شفقتها .","part":6,"page":58},{"id":2559,"text":"وقال الكلبي : كادت تظهر أنه ابنها وذلك حين سمعت الناس يقولون لموسى بعدما شب : موسى بن فرعون ، فشق عليها وكادت تقول : بلى هو ابني . وقال بعضهم : الهاء عائدة إلى الوحي أي كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أن يرده إليها ، { لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } ، بالعصمة والصبر والتثبيت ، { لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، المصدقين لوعد الله حين قال لها : { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } .\r[11] { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ } ، أي لمريم أخت موسى { قُصِّيهِ } اتبعي أثره حتى تعلمي خبره ، { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ } أي عن بعد ، وفي القصة أنها كانت تمشي جانبا وتنظر اختلاسا تُري أنها لا تنظره ، { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } أنها أخته وأنها ترقبه ، قال ابن عباس : إن امرأة فرعون كل همها من الدنيا أن تجد له مرضعة وكلما أتوا بمرضعة لم يأخذ ثديها ، فذلك قوله عز وجل :","part":6,"page":59},{"id":2560,"text":"[12] { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ } ، والمراد من التحريم المنع والمراضع جمع المرضع ، { مِنْ قَبْلُ } أي من قبل مجيء أم موسى فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلبه ذلك قالت لهم : هل أدلكم ؟ وفي القصة أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا ويصيح وهم في طلب مرضعة له ، { فَقَالَتْ } ، يعني أخت موسى ، { هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ } ، أي يضمونه { لَكُمْ } ، ويرضعونه ، وهي امرأة قد قتل ولدها فأحب شيء إليها أن تجد صغيرا ترضعه ، { وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } ، والنصح ضد الغش وهو تصفية العمل من شوائب الفساد ، قالوا : نعم فأتينا بها ، فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ابنها وجاءت بها إليهم ، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصه فذلك قوله تعالى :\r[13] { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا } ، برد موسى إليها ، { وَلَا تَحْزَنَ } ، أي لئلا تحزن ، { وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } ، برده إليها ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } ، أن الله وعدها رده إليها .","part":6,"page":60},{"id":2561,"text":"[14] { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } ، قال الكلبي : الأشد ما بين ثماني عشر سنة إلى ثلاثين سنة . وقال مجاهد وغيره : ثلاث وثلاثون سنة ، { وَاسْتَوَى } ، أي بلغ أربعين سنة ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وقيل : استوى انتهى شبابه { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } ، أي الفقه والعقل والعلم في الدين ، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا ، { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } .","part":6,"page":61},{"id":2562,"text":"[15] قوله تعالى : { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ } ، يعني دخل موسى المدينة ، قال السدي : هي مدينة منف من أرض مصر - وقال مقاتل : كانت قرية يقال لها حابين على رأس فرسخين من مصر . وقيل : مدينة عين الشمس ، { عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا } ، وهو وقت القائلة واشتغال الناس بالقيلولة . وقال محمد بن كعب القرظي : دخلها فيما بين المغرب والعشاء . واختلفوا في السبب الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت . قال السدي : وذلك أن موسى كان يسمى ابن فرعون ، فكان يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ملابسه فركب فرعون يوما وليس عنده موسى ، فلما جاء موسى قيل له : إن فرعون قد ركب فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض منف فدخلها نصف النهار وليس في طرفها أحد ، { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ } ، يختصمان ويتنازعان ، { هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ } ، من بني إسرائيل { وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ } ، من القبط وقيل : هذا من شيعته وهذا من عدوه أي هذا مؤمن وهذا كافر ، { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، والاستغاثة طلب الغوث فغضب موسى واشتد غضبه لأنه تناوله وهو","part":6,"page":62},{"id":2563,"text":"يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ، ولا يعلم الناس إلا أنه من قبل الرضاعة من أم موسى { فَوَكَزَهُ مُوسَى } ، وقرأ ابن مسعود ( فلكزه موسى ) ومعناهما واحد وهو الضرب بجميع الكف . وقيل : الوكز الضرب في الصدر واللكز في الظهر . وقال الفراء : معناهما واحد وهو الدفع ، قال أبو عبيدة : الوكز الدفع بأطراف الأصابع ؟ { فَقَضَى عَلَيْهِ } ، أي فقتله وفرغ من أمره ، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه ، فندم موسى عليه ولم يكن قصده القتل { قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ } ، أي بَيِّنُ الضلالة .\r[16] { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } ، بقتل القبطي من غير أمر ، { فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .\r[17] { قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } ، بالمغفرة ، { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا } ، عونا ، { لِلْمُجْرِمِينَ } ، قال ابن عباس : للكافرين وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا ، وهو قول مقاتل ، قال قتادة : لن أعين بعدها على خطيئة ، قال ابن عباس : لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني .","part":6,"page":63},{"id":2564,"text":"[18] { فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ } أي في المدينة التي قتل فيها القبطي { خَائِفًا } ، من قتله القبطي ، { يَتَرَقَّبُ } ، ينتظر سوءا ، والترقب : انتظار المكروه ، قال الكلبي : ينتظر متى يؤخذ به ، { فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } ، يستغيثه ويصيح به من بُعّدٍ { قَالَ لَهُ مُوسَى } ، للإسرائيلي { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ }\rظاهر الغواية قاتلت بالأمس رجلا فقتلته بسببك ، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه وقيل : إنما قال موسى للفرعوني : إنك لغوي مبين بظلمك . والأول أصوب وعليه الأكثرون أنه قال ذلك للإسرائيلي .","part":6,"page":64},{"id":2565,"text":"[19] { فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا } ، وذلك أن موسى أدركته الرقة بالإسرائيلي فعد يده ليبطش بالفرعوني فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش له لما رأى من غضبه ومع قوله إنك لغوي مبين ، { قَالَ يا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ } ما تريد ، { إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ } بالقتل ظلما ، { وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ } ، فلما سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أن موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني فانطلق إلى فرعون وأخبره بذلك ، وأمر فرعون بقتل موسى . قال ابن عباس : فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم .","part":6,"page":65},{"id":2566,"text":"[20] { وَجَاءَ رَجُلٌ } من شيعة موسى ، { مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ } ، أي من آخرها { يَسْعَى } ، أي يسرع في مشيه فأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى فأخبره وأنذره حتى أخذ طريقا آخر ، { قَالَ يا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ } ، يعني أشراف قوم فرعون يتشاورون فيك ، { لِيَقْتُلُوكَ } ، قال الزجاج : يأمر بعضهم بعضا بقتلك ، { فَاخْرُجْ } ، من المدينة ، { إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } ، في الأمر لك بالخروج .\r[21] { فَخَرَجَ مِنْهَا } ، موسى ، { خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } ، أي ينتظر الطلب ، { قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ، الكافرين .","part":6,"page":66},{"id":2567,"text":"[22] { وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ } أي قصد نحوها ماضيا يقال : داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها ، وأصله من اللقاء ، قال الزجاج : يعني سلك الطريق التي يلقى مدين فيها ، ومدين هو مدين بن إبراهيم سميت البلدة باسمه ، وكان موسى قد خرج خائفا بلا ظهر ولا حذاء ولا زاد ، وكانت مدين على مسيرة ثمانية أيام من مصر ، { قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } ، أي قصد الطريق إلى مدين ، قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها .","part":6,"page":67},{"id":2568,"text":"[23] { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ } ، وهو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم ، { وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً } ، جماعة ، { مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ } ، مواشيهم ، { وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ } ، يعني سوى الجماعة ، { امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ } ، يعني تحبسان وتمنعان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الناس وتخلو لهما البئر ، قال الحسن : تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس . وقال قتادة : تكفان الناس عن أغنامهما . وقيل : تمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب . والقول الأول أصوبهما لما بعده وهو قوله : { قَالَ } ، يعني موسى للمرأتين ، { مَا خَطْبُكُمَا } ، ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس ، { قَالَتَا لَا نَسْقِي } ، أغنامنا ، { حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ } ، قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر ( يَصْدُرَ ) بفتح الياء وضم الدال على اللزوم ، أي حتى يرجع الرعاء عن الماء ، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا هم مواشيهم عن الماء ، والرعاء جمع راع مثل تاجر وتجار ، ومعنى الآية : لا نسقي مواشينا حتى يصدر الرعاء لأنا امرأتان لا نطيق أن نستسقي ولا نستطيع أن نزاحم الرجال ، فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت","part":6,"page":68},{"id":2569,"text":"مواشيهم في الحوض ، { وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } ، لا يقدر أن يسقي مواشيه ، فلذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم . واختلفوا في اسم أبيهما ، فقال مجاهد والضحاك والسدى والحسن : شعيب النبي عليه السلام . وقال وهب بن منبه وسعيد بن جبير : هو بيرون بن أخي شعيب ، فلما سمع موسى قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس ، فسقى غنم المرأتين . فذلك قوله :\r[24] { فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ } ، ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع ، { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ } ، من طعام ، { فَقِيرٌ } ، قال أهل اللغة : اللام بمعنى إلى يقال : هو فقير له وفقير إليه يقول : إني لما أنزلت إلي من خير أي طعام فقير محتاج ، كان يطلب الطعام لجوعه فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما : ما أعجلكما ؟ قالتا : وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا أغنامنا ، فقال لإحداهما : أذهبي فادعيه لي .","part":6,"page":69},{"id":2570,"text":"[25] قال الله تعالى : { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة ، ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها استحياء { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } فمشت المرأة ومشى موسى خلفها ، فكانت الريح تضرب ثوبها فتصف ردفها فكره موسى أن يرى ذلك منها ، فقال لها امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت ففعلت ذلك ، { فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ } ، يعني أمره أجمع ، من قتله القبطي وقصد فرعون قتله ، { قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ، يعني فرعون وقومه ، وإنما قال هذا لأنه لم يكن لفرعون سلطان على أهل مدين .","part":6,"page":70},{"id":2571,"text":"[26] { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } ، اتخذه أجيرا ليرعى أغنامنا ، { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } ، يعني خير من استعملت من قوي على العمل وأداء الأمانة ، فقال لها أبوها : وما علمك بقوته وأمانته ؟ قالت : أما قوته فإنه رفع حجرا من رأس البر لا يرفعه إلا عشرة . وقيل : إلا أربعون رجلا . وأما أمانته فإنه قال لي : امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك .","part":6,"page":71},{"id":2572,"text":"[27] { قَالَ } شعيب عند ذلك , { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ } قيل : زوجه الكبرى وذهب أكثرهم إلى أنه زوجه الصغرى منهما واسمها صفورة وهي التي ذهبت لطلب موسى , { عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } , يعني أن تكون أجيرا لي ثمان سنين , قال الفراء : يعني اجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي , تقول العرب : أجرك الله بأجرك أي أثابك والحجج السنون واحدتها حجة , { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } , أي إن أتممت عشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع , وليس بواجب عليك , { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } , أن ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع , { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } , قال عمر : يعني في حسن الصحبة والوفاء بما قلت .","part":6,"page":72},{"id":2573,"text":"[28] { قَالَ } ، موسى { ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ } ، يعني هذا الشرط بيني وبينك ، فما شرطت علي فلك وما شرطت أن تزويج إحداهما فلي ، والأمر بيننا ، تم الكلام ثم قال : { أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ } ، يعني أي الأجلين ( وما ) صلة نصب بمعنى أتممت أو فرغت من الثمان أو العشر ، { فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ } لا ظلم لي بأن أطالب بأكثر منهم ، { وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } ، قال ابن عباس ومقاتل : شهيد فيما بيني وبينك .","part":6,"page":73},{"id":2574,"text":"[29] { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ } ، يعني أتمه وفرغ منه ، { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } ، فخرج بأهله إلى جانب مصر ، { آنَسَ } يعني أبصر ، { مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا } ، وكان في البرية في ليلة مظلمة شاتية شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق ، { قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } ، يعني عن الطريق لأنه كان قد أخطأ الطريق ، { أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ } ، يعني قطعة وشعلة من النار ، وفيها ثلاث لغات : قرأ عاصم ( جَذْوَةٍ ) بفتح الجيم ، وقرأ حمزة بضمها وقرأ الآخرون بكسرها ، قال قتادة ومقاتل : هي العود الذي قد احترق بعضه وجمعها أجذى ، { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } ، تستدفئون .\r[30] { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ } ، يعني من جانب الوادي الذي عن يمين موسى ، { فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ } ، لموسى جعلها الله مباركة لأن الله كلم موسى هناك وبعثه نبيا . وقال عطاء : يريد المقدسة ، { مِنَ الشَّجَرَةِ } ، من ناحية الشجرة { أَنْ يا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } .","part":6,"page":74},{"id":2575,"text":"[31] { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ } ، تتحرك ، { كَأَنَّهَا جَانٌّ } ، وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها ، { وَلَّى مُدْبِرًا } هاربا منها ، { وَلَمْ يُعَقِّبْ } ، لم يرجع فنودي , { يا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ } .","part":6,"page":75},{"id":2576,"text":"[32] { اسْلُكْ } ، أدخل { يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } . برص فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس , { وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ } , قرأ أهل الكوفة والشام بضم الواو وسكون الهاء وبفتح الراء حفص , وقرأ الآخرون بفتحها وكلها لغات بمعنى الخوف ومعنى الآية إذا هَالَكَ أمر يدك ما ترى من شعاعها فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى والجناح اليد كلها . وقيل : هو العضد . وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم : أمره الله بضم يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية . وقيل : المراد من ضم الجناح السكون يعني سكن روعك واخفض عليك جأشك لأن من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه , ومثله قوله : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } يريد الرفق , وقوله : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي ارفق بهم وألن جانبك لهم ، وقال الفراء : أراد بالجناح العصا ، معناه اضمم إليك عصاك ، وقيل : الرهب الكم بلغة حمير ، قال الأصمعي : سمعت بعض الأعراب يقول : أعطني ما في رهبك أي في كمك ، معناه اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم ، لأنه","part":6,"page":76},{"id":2577,"text":"تناول العصا ويده في كمه ، { فَذَانِكَ } ، يعني العصا واليد البيضاء ، { بُرْهَانَانِ } ، آيتان ، { مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } .\r[33] { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ } .\r[34] { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا } ، وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه ، { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا } ، عونا ، يقال : ردأته أي أعنته ، { يُصَدِّقُنِي } ، قرأ ابن عمر وعامر وحمزة برفع القاف على الحال ، أي ردًّا مصدقا ، وقرأ الآخرون بالجزم على جواب الدعاء والتصديق لهارون في قول الجميع ، قال مقاتل : لكي يصدقني فرعون ، { إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } ، يعني فرعون وقومه .","part":6,"page":77},{"id":2578,"text":"[35] { قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } ، أي نقويك بأخيك وكان هارون يومئذ بمصر ، { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } حجة وبرهانا ، { فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا } ، أي لا يصلون إليكما بقتل ولا سوء لمكان آياتنا ، وقيل : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : ونجعل لكما سلطانا بآياتنا بما نعطيكما من المعجزات فلا يصلون إليكما ، { أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } ، أي لكما ولأتباعكما الغلبة على فرعون وقومه .","part":6,"page":78},{"id":2579,"text":"[36] { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ } ، واضحات , { قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى } مختلف { وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا } بالذي تدعونا إليه ، { فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ } .\r[37] { وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ } بالمحق من المبطل ، { وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } ، يعني العقبى المحمودة في الدار الآخرة ، { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } يعني الكافرون .\r[38] { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ } ، يعني فاطبخ لي الآجر ، وقيل : إنه أول من اتخذ الآجر وبنى به ، { فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا } ، قصرا عاليا ، وقيل : منارة ، { لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى } ، أنظر إليه وأقف على حاله ، { وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ } ، يعني موسى ، { مِنَ الْكَاذِبِينَ } ، في زعمه أن للأرض وللخلق إلها غيري ، وأنه رسوله .","part":6,"page":79},{"id":2580,"text":"[39] { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ } ، قرأ نافع وحمزة والكسائي ويعقوب : ( يَرْجِعُونَ ) بفتح الياء وكسر الجيم ، والباقون بضم الياء وفتح الجيم .\r[40] { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } .\r[41] { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً } ، قادة ورؤساء ، { يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ } ، لا ينجون من العذاب .\r[42] { وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً } ، خزيا وعذابا ، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ } ، من المبعدين الملعونين ، وقال أبو عبيدة : من المهلكين . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : من المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون ، يقال : قبحه الله وقبحه إذا جعله قبيحا ، ويقال : قبحه قبحا وقبوحا إذا أبعد من كل خير .","part":6,"page":80},{"id":2581,"text":"[43] قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى } ، يعني قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم كانوا قبل موسى ، { بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } ، يعني ليبصروا بذلك الكتاب ويهتدوا به ، { وَهُدًى } ، من الضلال لمن عمل به ، { وَرَحْمَةً } ، لمن آمن به ، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } بما فيه من المواعظ والبصائر .","part":6,"page":81},{"id":2582,"text":"[44] { وَمَا كُنْتَ } يا محمد { بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ } ،\rيعني بجانب الجبل الغربي ، قاله قتادة والسدي ، وقال الكلبي : بجانب الوادي الغربي . قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد حيث ناجى موسى { إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ } ، يعني عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه ، { وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } الحاضرين ذلك المنام فتذكره من ذات نفسك .","part":6,"page":82},{"id":2583,"text":"[45] { وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا } ، خلقنا أمما من بعد موسى عليه السلام ، { فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } ، أي طالت عليهم المهلة فنسوا عهد الله وميثاقه وتركوا أمره ، وذلك أن الله تعالى قد عهد إلى موسى وقومه عهودا في محمد والإيمان به ، فلما طال عليهم العمر وخلفت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها ، { وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا } ، مقيما ، { فِي أَهْلِ مَدْيَنَ } ، كمقام موسى وشعيب فيهم ، { تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } ، تذكرهم بالوعد والوعيد ، قال مقاتل : يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ، { وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } ، أي أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار ، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولم تخبرهم بها .","part":6,"page":83},{"id":2584,"text":"[46] { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ } ، بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى ، { إِذْ نَادَيْنَا } ، قيل : إذ نادينا موسى خذ الكتاب بقوة ، { وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } أي ولكن رحمناك رحمة بإرسالك وبالوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك ، { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ } ، يعني أهل مكة ، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } .\r[47] { وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ } ، عقوبة ونقمة ، { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من الكفر والمعصية ، { فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا } ، هلا ، { أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، وجواب لولا محذوف أي لعاجلناهم بالعقوبة ، يعني لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم . وقيل : معناه لما بعثناك إليهم رسولا ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .","part":6,"page":84},{"id":2585,"text":"[48] { فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا } ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، { قَالُوا } ، يعني كفار مكة ، { لَوْلَا } ، هلا { أُوتِيَ } محمد , { مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى } ، من الآيات كاليد البيضاء والعصا ، وقيل : مثل ما أوتي موسى كتابا جملة واحدة . قال الله تعالى : { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } ، أي فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد ، { قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } ، قرأ أهل الكوفة : ( سحران ) أي التوراة والقرآن تظاهرا يعني كل سحر يقوي الآخر نسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع ، قال الكلبي : كانت مقالتهم تلك حين بعثوا في أمر رسول صلى الله عليه وسلم إلى رءوس اليهود بالمدينة ، فسألوهم عن محمد فأخبروهم أن نعته في كتابهم التوراة ، فرجعوا فأخبروهم بقول اليهود ، فقالوا : { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } ، وقرأ الآخرون : ( ساحران ) يعنون محمدا وموسى عليهما السلام ، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب ، { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } .","part":6,"page":85},{"id":2586,"text":"[49] { قُلْ } ، لهم يا محمد { فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا } ، يعني من التوراة والقرآن ، { أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .\r[50] { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ } أي لم يأتوا بما طلبت ، { فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .","part":6,"page":86},{"id":2587,"text":"[51] { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : بينا ، قال الفراء : أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضا قال قتادة : وصل لهم القول في هذا القرآن يعني كيف صنع بمن مضى . قال مقاتل : بينا لكفار مكة بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم ، وقال ابن زيد : وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا ، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } .","part":6,"page":87},{"id":2588,"text":"[52] { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ } ، من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل . من قبل القرآن ، { هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } ، نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه ، وقال مقاتل : بل هم أهل الإنجيل الذي قدموا من الحبشة وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال سعيد بن جبير : هم أربعون رجلا قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا : يا نبي الله ! إن لنا أموالا فإن أذنت لنا انصرفنا وجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين ، فنزل فيهم . { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } إلى قوله تعالى : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام ، ثم وصفهم الله فقال :","part":6,"page":88},{"id":2589,"text":"[53] { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ } ، يعني القرآن ، { قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا } ، وذلك أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } ، أي من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله بالتوحيد مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي حق .\r[54] { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ } ، لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ، { بِمَا صَبَرُوا } ، على دينهم ، قال مجاهد : نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك ، قال مقاتل . يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو والمغفرة ، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } ، في الطاعة .","part":6,"page":89},{"id":2590,"text":"[55] { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ } ، القبيح من القول ، { أَعْرَضُوا عَنْهُ } وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون : تبا لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم ، { وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } ، لنا ديننا ولكم دينكم ، { سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } ، ليس المراد منه سلام التحية ولكنه سلام المتاركة ، معناه سلمتم منا لا نعاوضكم بالشتم والقبح من القول ، { لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } ، أي دين الجاهلين ، يعني لا نحب دينكم الذي أنتم عليه . وقيل : لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسعة ، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال .\r[56] قوله تعالى : { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } ، أي أحببت هدايته . وقيل : أحببته لقرابته ، { وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } ، قال مجاهد ومقاتل : بمن قدر له الهدى ، نزلت في أبي طالب قال له النبي صلى الله عليه وسلم : « قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة ، قال : لولا أن تعيرني قريش يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك » ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان رقم ( 24 ) 1 / 55 والبخاري مطولا بلفظ آخر في التفسير 8 / 605 .","part":6,"page":90},{"id":2591,"text":"[57] { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } ، أرض مكة ، نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكنا إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة ، وهو معنى قوله : { نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } ، والاختطاف الانتزاع بسرعة , قال الله تعالى : { أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } , وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تغير بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون حيث كانوا , لحرمة الحرم , ومن المعروف أنه كان يأمن فيه الظباء من الذئاب والحمام من الحدأة , { يُجْبَى } , قرأ أهل المدينة ويعقوب : ( تجبى ) بالتاء لأجل الثمرات , والآخرون بالياء للحائل بين الاسم المؤنث والفعل , أي يجلب ويجمع , { إِلَيْهِ } , يقال : جبيت العامة في الحوض أي جمعته , قال مقاتل : يحمل إلى الحرم , { ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } , أن ما يقوله حق .","part":6,"page":91},{"id":2592,"text":"[58] قوله عز وجل : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ } ، أي من أهل قرية ، { بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } ، أي في معيشتها ، أي أشرت وطغت ، قال عطاء : عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام ، { فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يسكنها إلا المسافرون وما رأوا الطريق يوما أو ساعة ، معناه لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا . وقيل : معناه لم يعمر منها إلا أقلها وأكثرها خراب ، { وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } ، كقوله : { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } .","part":6,"page":92},{"id":2593,"text":"[59] { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى } ، أي القرى الكافر أهلها ، { حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا } ، يعني في أكبرها وأعظمها رسولا ينذرهم وخص الأعظم ببعثة الرسول فيها لأن الرسول يبعث إلى الأشراف والأشراف يسكنون المدائن ، والمواضع التي هي أم ما حولها ، { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } ، قال مقاتل : يخبرهم الرسول أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا ، { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } ، مشركون ، يريد أهلكهم بظلمهم .","part":6,"page":93},{"id":2594,"text":"[60] { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا } ، تتمتعون بها أيام حياتكم ثم هي إلى فناء وانقضاء ، { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، أن الباقي خير من الفاني ، قرأ عامة القراء : ( تعقلون ) بالتاء وأبو عمرو بالخيار بين التاء والياء .\r[61] { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا } ، أي الجنة ، { فَهُوَ لَاقِيهِ } ، مصيبه ومدركه وصائر إليه ، { كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، ويزول عن قريب { ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } النار ، قال قتادة : يعني المؤمن والكافر ، قال مجاهد : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل ، وقال محمد بن كعب : نزلت في حمزة وعلي وأبي جهل ، وقال السدي : نزلت في عمار والوليد بن المغيرة .\r[62] { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } ، في الدنيا أنهم شركائي .","part":6,"page":94},{"id":2595,"text":"[63] { قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } أوجب عليهم العذاب وهم رءوس الضلالة ، { رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا } ، أي دعونا إلى الغي وهم الأتباع ، { أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } ، أضللناهم كما ضللنا ، { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } ، منهم , { مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } برئ بعضهم من بعض وصاروا أعداء كما قال تعالى : { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } .\r[64] { وَقِيلَ } ، للكفار ، { ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } أي الأصنام لتخلصكم من العذاب ، { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } ، لم يجيبوهم ، { وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } ، وجواب لو محذوف على تقدير لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا العذاب .\r[65] { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } ، أي يسأل الله الكفار ، { فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ } .","part":6,"page":95},{"id":2596,"text":"[66] { فَعَمِيَتْ } ، خفيت واشتبهت ، { عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ } ، أي الأخبار والأعذار ، وقال مجاهد : الحجج ، { يَوْمئِذٍ } ، فلا يكون لهم عذر ولا حجة ، { فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ } لا يجيبون ، وقال قتادة : لا يحتجون ، وقيل : يسكتون لا يسأل بعضهم بعضا .\r[67] . { فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ } ، من السعداء الناجين .\r[68] قوله تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } ، نزلت هذه الآية جوابا للمشركين حين قالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم يعني الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي ، أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم . قوله عز وجل : { مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } ، قيل : ( ما ) للإثبات ، معناه : ويختار الله ما كان لهم الخيرة ، أي يختار ما هو الأصلح والخير . وقيل : هو للنفي أي ليس إليهم الاختيار أو ليس لهم أن يختاروا على الله كما قال تعالى :","part":6,"page":96},{"id":2597,"text":"{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } ، والخيرة اسم من الاختيار يقام مقام المصدر ، وهي اسم للمختار أيضا كما يقال : محمد خيرة الله من خلقه ، ثم نزه نفسه فقال : { سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } .\r[69] { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } ، يظهرون .\r[70] { وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ } يحمده أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الآخرة في الجنة ، { وَلَهُ الْحُكْمُ } ، فصل القضاء بين الخلق . قال ابن عباس رضي الله عنهما : حكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل معصيته بالشقاء ، { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .","part":6,"page":97},{"id":2598,"text":"[71] قوله : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ } ، أخبروني يا أهل مكة { إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا } ، دائما , { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } لا نهار معه ، { مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ } ، بنهار تطلبون فيه المعيشة ، { أَفَلَا تَسْمَعُونَ } ، سماع فهم وقبول .\r[72] { قُلْ أَرَأَيْتُمْ } أخبروني يا أهل مكة { إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، لا دليل فيه ، { مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } ، ما أنتم عليه من الخطأ .\r[73] { وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ } ، أي في الليل ، { وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، نعم الله عز وجل .\r[74] { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } ، كرر ذكر النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ .","part":6,"page":98},{"id":2599,"text":"[75] { وَنَزَعْنَا } ، أخرجنا ، { مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } ، يعني رسولهم الذي أرسل إليهم كما قال . فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ، { فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } , حجتكم بأن معي شريكا . { فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ } ، التوحيد ، { لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ، في الدنيا .","part":6,"page":99},{"id":2600,"text":"[76] قوله عز وجل : { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى } ، كان ابن عمه لأنه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب عليه السلام ، وموسى بن عمران بن قاهث ، وقال ابن إسحاق : كان قارون عم موسى كان أخا عمران ، وهما ابنا يصهر ، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون ، ولكنه نافق كما نافق السامري ، { فَبَغَى عَلَيْهِمْ } ، قيل : كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل ، فكان يبغي عليهم ويظلمهم ، وقال قتادة : بغى عليهم بكثرة المال ، وقال الضحاك : بغى عليهم بالشرك ، وقيل : بغى عليهم بالكبر والعلو { وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ } ، هي جمع مفتاح وهو الذي يفتح به الباب ، هذا قول قتادة ومجاهد وجماعة , وقيل : مفاتح خزائنه , كما قال : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } أي خزائنه { لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } ، لتثقلهم أي وتميل بهم إذا حملوها لثقلها ، قال أبو عبيدة : هذا من المقلوب تقديره : ما إن العصبة لتنوء بها , يقال : ناء فلان بكذا إذا نهض به مثقلا ، واختلفوا في عدد العصبة قال مجاهد : ما بين العشرة إلى خمسة عشر ، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما :","part":6,"page":100},{"id":2601,"text":"ما بين الثلاثة إلى العشرة . وقال قتادة : ما بين العشرة إلى الأربعين . وقيل : أربعون رجلا . وقيل : سبعون { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ } ، قال لقارون قومه من بني إسرائيل { لَا تَفْرَحْ } ، لا تبطر ولا تأشر ولا تمرح ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } ، الأشرين البطرين الذين لا يشكون الله على ما أعطاهم .","part":6,"page":101},{"id":2602,"text":"[77] { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ } اطلب فيما أعطاك الله من الأموال والنعمة الجنة وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم عليك وتنفقه في رضا الله , { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } ، قال مجاهد وابن زيد : لا تترك أن تعمل في الدنيا والآخرة حتى تنجو من العذاب لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة وقال السدي : بالصدقة وصلة الرحم ، وقال علي : لا تنس صحتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه : « اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك » الحديث صحيح مرسل (1) قال الحسن : أمر أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه ، قال منصور بن زاذان في قوله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } قال : قوتك وقوت أهلك ، { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } ، أي أحسن بطاعة الله كما أحسن الله إليك بنعمته وقيل : أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك ، { وَلَا تَبْغِ } ، لا تطلب ، { الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ }\r_________\r(1) أخرجه مرسلا كما ذكر المصنف أبو نعيم في الحلية 4 / 148 والخطيب البغدادي في اقتضاء العلم والعمل ص 218 وابن أبي شيبة في المصنف 13 / 223 ووصله الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي وأخرجه المصنف في شرح السنة 14 / 224 وابن المبارك في الزهد ص2 بسند صحيح . انظر فتح الباري 11 / 235 .","part":6,"page":102},{"id":2603,"text":"وكل من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض , { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } .","part":6,"page":103},{"id":2604,"text":"[78] { قال } , يعني قارون , { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } أي على فضل وخير علمه الله عندي فرآني أهلا لذلك ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره , قيل : هو علم الكيمياء قال سعيد بن المسيب : كان موسى يعلم الكيمياء فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقنا ثلثه وعلم قارون ثلثه , فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه وكان ذلك سبب أمواله . وقيل : { عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب . قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ } ، الكافرة ، { مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا } ، للأموال ، { وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } ، قال قتادة : يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال ، وقال مجاهد : يعني لا يسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم . قال الحسن : لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ .","part":6,"page":104},{"id":2605,"text":"[79] { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } ، من المال .\r[80] { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني الأحبار من بني إسرائيل . وقال مقاتل : أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة قالوا للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون في الدنيا . ؟ { وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ } ، يعني ما عند الله من الثواب والجزاء خير { لِمَنْ آمَنَ } ، وصدق بتوحيد الله ، { وَعَمِلَ صَالِحًا } ، مما أوتي قارون في الدنيا ، { وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ } ، قال مقاتل : لا يؤتاها يعني الأعمال الصالحة . وقال الكلبي : لا يعطاها في الآخرة . وقيل : لا يؤتى هذه الكلمة وهي قوله ويلكم ثواب الله خير إلا الصابرون على طاعة الله وعن زينة الدنيا .","part":6,"page":105},{"id":2606,"text":"[81] قوله عز وجل : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ } ، من جماعة ، { يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، يمنعونه من الله ، { وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ } ، الممتنعين مما نزل به من الخسف .\r[82] { وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ } ، صار أولئك الذين تمنوا ما رزقه الله من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني { يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ } ، اختلفوا في معنى هذه اللفظة ، قال مجاهد :","part":6,"page":106},{"id":2607,"text":"ألم تعلم ، وقال قتادة : ألم تر . قال الفراء : هي كلمة تقرير كقول الرجل أما ترى إلى صنع الله وإحسانه . وعن الحسن : أنه كلمة ابتداء تقديره أن الله يبسط الرزق . وقيل : هو تنبيه بمنزلة إلا وقال قطرب : ويك بمعنى ويلك حذفت اللام منه وقال الخليل : وي مفصولة من كأن ومعناها التعجب كما يقول : وي لم فعلت ذلك ، وذلك أن القوم تندموا فقالوا : وي متندمين على ما سلف منهم وكأن معناه أظن ذلك وأقدره ، كما تقول : كأن الفرح قد أتاك أي أظن ذلك وأقدره ، { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } ، أي يوسع ويضيق ، { لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا } ، قرأ حفص ويعقوب بفتح الخاء والسين وقرأ العامة بضم الخاء وكسر السين ، { وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } .\r[83] قوله تعالى : { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ }","part":6,"page":107},{"id":2608,"text":"قال الكلبي ومقاتل : استكبارا عن الإيمان ، وقال عطاء : علوا واستطالة على الناس وتهاونا بهم . وقال الحسن : لم تطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطانها . وعن علي رضي الله عنه : أنها نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل القدرة ، { وَلَا فَسَادًا } ، قال الكلبي : هو الدعاء إلى عبادة غير الله . وقال عكرمة : أخذ أموال الناس بغير حق . قال ابن جريج ومقاتل : العمل بالمعاصي ، { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } ، أي العاقبة المحمودة لمن اتقى عقاب الله بأداء أمره واجتناب معاصيه . قال قتادة : الجنة للمتقين .\r[84] { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }","part":6,"page":108},{"id":2609,"text":"[85] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ } أي أنزل عليك القرآن - على قول أكثر المفسرين - وقال عطاء : أوجب عليك العمل بالقرآن ، { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } ، إلى مكة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم « لما خرج مهاجرا إلى المدينة سار في غير الطريق مخافة الطلب فلما أمن ورجع إلى الطريق نزل الجحفة بين مكة والمدينة ، وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها ، فأتاه جبريل وقال : أتشتاق إلى بلدك ومولدك ؟ قال : نعم ، قال : فإن الله تعالى يقول : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ }» وهذه الآية نزلت بالجحفة ليست بمكية ولا مدنية . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } إلى الموت . وقال الزهري وعكرمة : إلى القيامة . وقيل : إلى الجنة . { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى } ، أي يعلم من جاء بالهدى وهذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إنك لفي ضلال ، فقال الله عز وجل : قل لهم ربي أعلم من جاء بالهدى أي يعلم من جاء بالهدى يعني نفسه ، { وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، يعني المشركين ومعناه","part":6,"page":109},{"id":2610,"text":"أعلم بالفريقين .\r[86] قوله تعالى : { وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ } , أي يوحي إليك القرآن , { إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } , قال الفراء : هذا من الاستثناء المنقطع معناه لكن ربك رحمك فأعطاك القرآن , { فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } , أي معينا لهم على دينهم .\rوقال مقاتل : وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكر الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه .\r[87] { وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ } , يعني القرآن , { بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ } إلى معرفته وتوحيده , { وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } , قال ابن عباس رضي الله عنهما : الخطاب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أهل دينه أي لا تظاهروا الكفار ولا توافقهم .\r[88] { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ } , أي فصل القضاء , { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } , تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم .","part":6,"page":110},{"id":2611,"text":"( 29 ) سورة العنكبوت 1 ,\r[2] { الم }{ أَحَسِبَ النَّاسُ } أظن الناس ، { أَنْ يُتْرَكُوا } ، بغير اختبار ولا ابتلاء , { أَنْ يَقُولُوا } أي بأن يقولوا ، { آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } ، لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم كلا لنختبرنهم ليبين المخلص من المنافق والصادق من الكاذب وقيل : ( وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ) بالأوامر والنواهي ، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق على بعضهم ، فأنزل الله هذه الآية ، ثم عزاهم فقال :\r[3] { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، يعني الأنبياء والمؤمنين فمنهم من نشر بالمنشار ومنهم من قتل ، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب ، { فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا } ، في قولهم آمنا ، { وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } ، والله أعلم بهم قبل الاختبار ، ومعنى الآية : وليظهرن الله الصادقين من الكاذبين حتى يوجد معلومه ، وقال مقاتل : فليرين الله . وقيل . ليميز الله كقوله : { لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } .","part":6,"page":111},{"id":2612,"text":"[4] { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } ، يعني الشرك ، { أَنْ يَسْبِقُونَا } ، يعجزونا ويفوتونا فلا نقدر على الانتقام منهم ، { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } ، أي بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك .\r[5] { مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ } ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومقاتل : من كان يخشى البعث والحساب ، والرجاء بمعنى الخوف ، وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : من كان يطمع في ثواب الله ، { فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ } . يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب . وقال مقاتل : يعني يوم القيامة لكائن ، ومعنى الآية أن من يخشى الله أو يأمله فليستعد له وليعمل لذلك اليوم ، كما قال : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا } الآية ، { وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .\r[6] { وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ } ، له ثوابه ، والجهاد هو الصبر على الشدة ويكون ذلك في الحرب وقد يكون على مخالفة النفس .\r{ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } ، عن أعمالهم وعباداتهم .","part":6,"page":112},{"id":2613,"text":"[7] { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } ، لنبطلنها يعني حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل ، فالتكفير إذهاب السيئة بالحسنة ، { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعة ، وقيل : نعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن ، كما قال : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } .","part":6,"page":113},{"id":2614,"text":"[8] قوله عز وجل : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } ، أي برا بهما عطفا عليهما ، معناه ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن ، نزلت هذه الآية والتي في سورة لقمان والأحزاب في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأمه : حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس لما أسلم وكان من السابقين الأولين وكان بارا بأمه قالت له أمه : ما هذا الدين الذي أحدثت ؟ ! والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر ، فجاء سعد إليها وقال : يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني فكلي وإن شئت فلا تأكلي ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وأمر بالبر بوالديه والإحسان إليهما وأن لا يطعمها في الشرك ، فذلك قوله عز وجل : { وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا } ، جاء في الحديث : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » (1) .\rثم أوعد بالمصير إليه فقال : { إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجزيكم عليها .\r_________\r(1) رواه الإمام أحمد 5 / 66 وصححه الحاكم 3 / 443 وأخرجه المصنف في شرح السنة 1 / 44 .","part":6,"page":114},{"id":2615,"text":"[9] { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ } , في زمرة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء , وقيل : في مدخل الصالحين , وهو الجنة .\r[10] قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ } , أصابه بلاء من الناس افتتن , { جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } , أي جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة , أي جزع من عذاب الناس ولم يصبر عليه , فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه , هذا قول السدي وابن زيد , قالا : هو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين وكفر , { وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ } , أي فتح ودولة للمؤمنين , { لَيَقُولُنَّ } , يعني هؤلاء المنافقين للمؤمنين , { إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } , على عدوكم وكنا مسلمين وإنما أكرهنا حتى قلنا فكذبهم الله وقال : { أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ } من الإيمان والنفاق .","part":6,"page":115},{"id":2616,"text":"[11] { وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } , صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء , { وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } بترك الإسلام عند نزول البلاء قال الشعبي : هذه الآيات العشر من أول السورة إلى هاهنا مدنية وباقي السورة مكية .\r[12] : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا } , قال مجاهد : هذا من قول كفار مكة لمن آمن منهم , وقال الكلبي ومقاتل : قاله أبو سفيان لمن آمن من قريش : اتبعوا سبيلنا ديننا وملة آبائنا ونحن الكفلاء بكل تبعة من الله تصيبكم , فذلك قوله : { وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } أوزاركم , قال الفراء : لفظه أمر معناه خبر , مجازه : إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم كقوله : { فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ } , وقيل : هو جزم على الأمر كأنهم أمروا أنفسهم بذلك فأكذبهم الله عز وجل فقال : { وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } , أي فيما قالوا من حمل خطاياهم .","part":6,"page":116},{"id":2617,"text":"[13] { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ } , أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم , { وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ } , أي أوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله مع أوزارهم , نظيره قوله عز وجل : { لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } , { وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } , سؤال توبيخ وتفريع .\r[14] قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ } , فغرقوا , { وَهُمْ ظَالِمُونَ } , قال ابن عباس : مشركون .","part":6,"page":117},{"id":2618,"text":"[15] { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ } ، يعني من الغرق ، { وَجَعَلْنَاهَا } ، يعني السفينة { آيَةً } ، أي عبرة ، { لِلْعَالَمِينَ } ، فإنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة . وقيل : جعلنا عقوبتهم للغرق عبرة .\r[16] قوله تعالى : { وَإِبْرَاهِيمَ } ، أي وأرسلنا إبراهيم , { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ } أطيعوه وخافوه { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .\r[17] { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا } أصناما ، { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } ، تقولون كذبا ، قال مقاتل : تصنعون أصناما بأيديكم فتسمونها آلهة ، { إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا } ، لا يقدرون أن يرزقوكم ، { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .\r[18] { وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } ، مثل عاد وثمود وغيرهم فأهلكوا ، { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } .","part":6,"page":118},{"id":2619,"text":"[19] { أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ } ، كيف يخلقهم ابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة { ثُمَّ يُعِيدُهُ } في الآخرة بعد البعث { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } .\r[20] { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } فانظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم ، { ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ } ، أي ثم الله الذي خلقها ينشئها نشأة ثانية بعد الموت ، فكما لم يتعذر عليه إحداثها مبتدئا لا يتعذر عليه إنشاؤها معيدا { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r[21] { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } .","part":6,"page":119},{"id":2620,"text":"[22] { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ } ، فإن قيل : ما وجه قوله : { وَلَا فِي السَّمَاءِ } والخطاب مع الآدميين وهم ليسوا في السماء ؟ قال الفراء : معناه ولا من في السماء بمعجز أي لا يعجزه أهل الأرض في الأرض ولا أهل السماء في السماء . وقال قطرب : معناه وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } ، أي من ولي يمنعكم مني ولا نصير ينصركم من عذابي .\r[23] { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ } ، بالقرآن وبالبعث , { أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فهذه الآيات في تذكير أهل مكة وتحذيرهم ، وهي معترضة في قصة إبراهيم ثم عاد إلى قصة إبراهيم ، فقال جل ذكره :","part":6,"page":120},{"id":2621,"text":"[24] { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ } ، وجعلها عليه بردا وسلاما ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدقون .","part":6,"page":121},{"id":2622,"text":"[25] { وَقَالَ } ، يعني إبراهيم لقومه ، { إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ } ، قرأ ابن كثير والكسائي وأبو عمرو ويعقوب : مَوَدَّةُ رفعا بلا تنوين ، { بَيْنِكُمْ } خفضا بالإضافة على معنى : إن الذين اتخذتم من دون الله أوثانا هي مودة بينكم ، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، ثم هي تنقطع ولا تنفع في الآخرة ، وقرأ حمزة وحفص ( مودة ) نصبا بغير تنوين على الإضافة بوقوع الاتخاذ عليها ، وقرأ الآخرون مَوَدَّةَ منصوبة منونة بينكم بالنصب ، معناه إنكم اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا تتواردون على عبادتها وتتواصلون عليها في الدنيا { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } ، تتبرأ الأوثان من عابديها وتتبرأ القادة من الأتباع وتلعن الأتباع القادة ، { وَمَأْوَاكُمُ } ، جميعا العابدون والمعبودون ، { النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } .","part":6,"page":122},{"id":2623,"text":"[26] { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } ، يعني صدقه وهو أول من صدق إبراهيم وكان ابن أخيه ، { وَقَالَ } يعني { إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } ، فهاجر من كوثى وهو من سواد الكوفة إلى حران ثم إلى الشام ومعه لوط وامرأته سارة وهو أول من هاجر ، قال مقاتل : هاجر إبراهيم عليه السلام وهو ابن خمس وسبعين سنة ، { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .\r[27] { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } ، يقال : إن الله لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من نسله ، { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا } ، وهو الثناء الحسن فكل أهل الأديان يتولونه ، وقال السدي : هو الولد الصالح ، وقيل : هو أنه رأى مكانه في الجنة ، { وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } أي في زمرة الصالحين . قال ابن عباس : مثل آدم ونوح .","part":6,"page":123},{"id":2624,"text":"[28] قوله تعالى : { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ } ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر : أَإِنَّكُمْ بالاستفهام ، وقرأ الباقون بلا استفهام ، واتفقوا على استفهام الثانية ، { لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ } ، وهي إتيان الرجال ، { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ } .\r[29] { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ } ، وذلك أنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين ، فترك الناس الممر بهم ، وقيل : تقطعون سبيل النسل بإيثار الرجال على النساء ، { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ } ، النادي والندى والمنتدى مجلس القوم ومتحدثهم { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } لما أنكر عليهم لوط ما يأتونه من القبائح ، { إِلَّا أَنْ قَالُوا } ، له استهزاء { ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } ، أن العذاب نازل بنا ، فعند ذلك .\r[30] { قَالَ } ، لوط ، { رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ } ، بتحقيق قولي في العذاب .","part":6,"page":124},{"id":2625,"text":"[31] { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى } ، من الله بإسحاق ويعقوب ، { قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ } ، يعني قوم لوط ، والقرية سدوم ، { إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ } .\r[32] { قال } إبراهيم للرسل ، { إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا } ، قالت الملائكة { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ } ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب : ( لَنُنْجِيَهُ ) بالتخفيف ، وقرأ الباقون بالتشديد ، { وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } ، أي الباقين في العذاب .\r[33] { وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا } ، ظن أنهم من الإنس ، { سِيءَ بِهِمْ } حزن بهم ، { وَضَاقَ بِهِمْ } بمجيئهم { ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ } ، من قومك علينا , { وَلَا تَحْزَنْ } ، بإهلاكنا إياهم ، { إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } ، قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب : مُنَجُّوكَ بالتخفيف ، وقرأ الآخرون بالتشديد .","part":6,"page":125},{"id":2626,"text":"[34] { إِنَّا مُنْزِلُونَ } ، قرأ ابن عامر بالتشديد ، وقرأ الآخرون بالتخفيف ، { عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا } ، عذابا ، { مِنَ السَّمَاءِ } ، قال مقاتل : الخسف والحصب ، { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } .\r[35] { وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا } من قريات لوط ، { آيَةً بَيِّنَةً } ، عبرة ظاهرة ، { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ، يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول ، قال ابن عباس : الآية البينة هي آثار منازلهم الخربة . وقال قتادة : هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله حتى أدركها أوائل هذه الأمة . وقال مجاهد : هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض .\r[36] { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا } ، أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا ، { فَقَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ } ، أي واخشوا اليوم الآخر ، { وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } .\r[37] { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } .","part":6,"page":126},{"id":2627,"text":"[38] { وَعَادًا وَثَمُودَ } ، أي وأهلكنا عادا وثمود ، { وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ } ، يا أهل مكة ، { مِنْ مَسَاكِنِهِمْ } ، منازلهم بالحجر واليمن ، { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } ، عن سبيل الحق { وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ } ، قال مقاتل والكلبي وقتادة : كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم يحسبون أنهم على هدى ، وهم على الباطل ، والمعنى أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين ، قال الفراء : كانوا عقلاء ذوي بصائر .","part":6,"page":127},{"id":2628,"text":"[39] { وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } ، أي وأهلكنا هؤلاء ، { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ } ، بالدلالات ، { فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ } أي فائتين من عذابنا .\r[40] { فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا } ، وهم قوم لوط ، والحاصب الريح التي تحمل الحصا وهي الحصا الصغار , { وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ } , يعني ثمود , { وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ } يعني قارون وأصحابه , { وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } , يعني قوم نوح وفرعون وقومه , { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } .\r[41] { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ } أي الأصنام يرجون نصرها ونفعها , { كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا } لنفسها تأوي إليه , وإن بيتها في غاية الضعف والوهن , لا يدفع عنها حرا ولا بردا فكذلك الأوثان لا تملك لعابديها نفعا ولا ضرا . { وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }","part":6,"page":128},{"id":2629,"text":"[42] { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، قرأ أهل البصرة وعاصم يدعون بالياء لذكر الأمم قبلها ، وقرأ الآخرون بالتاء .\r[43] { وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ } الأشباه والمثل كلام ساتر يتضمن تشبيه الآخر بالأول يريد أمثال القرآن التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة ، { نَضْرِبُهَا } ، نبينها ، { لِلنَّاسِ } ، قال عطاء ومقاتل : لكفار مكة ، { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله ، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقال : « العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه » .\r[44] قوله عز وجل : { خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ } ، أي للحق وإظهار الحق ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، في خلقها ، { لَآيَةً } ، لدلالة { لِلْمُؤْمِنِينَ } ، على قدرته وتوحيده .","part":6,"page":129},{"id":2630,"text":"[45] { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ } ، يعني القرآن ، { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } ، الفحشاء ما قبح من الأعمال والمنكر ما لا يعرف في الشرع , قال ابن مسعود وابن عباس : في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر يزدد بصلاته بالمعروف ولم تنهه عن منكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا .","part":6,"page":130},{"id":2631,"text":"وقال الحسن وقتادة : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه , وقال ابن عون : معنى الآية إن الصلاة تنهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها . وقيل : أراد بالصلاة القرآن , كما قال تعالى : { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ } أي بقراءتك . وقيل : أراد أن يقرأ القرآن في الصلاة فالقرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر قوله عز وجل : { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } , أي ذكر الله أفضل الطاعات , قال رسول والله صلى الله عليه وسلم : « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير \" لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم \" ؟ قالوا : بلى ، قال : \" ذكر الله » (1) وقال قوم : معنى قوله ولذكر الله أكبر أي ذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه وقال عطاء في قوله : ( إن الصلاد تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) ، قال : ولذكر الله أكبر من أن تبقى معه معصية . ؟ { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } ، قال عطاء : يريد لا يخفى عليه شيء .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في الدعوات 9 / 317 ، وابن ماجه في الأدب رقم ( 3790 ) 2 / 1245 وصححه الحاكم في المستدرك 1 / 496 ووافقه الذهبي ، وأخرجه مالك في الموطأ 1 / 211 والإمام أحمد في المسند 6 / 447 والمصنف في شرح السنة 5 / 16 وقال : حديث حسن .","part":6,"page":131},{"id":2632,"text":"[46] قوله تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ } ، لا تخاصموهم ، { إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ، أي بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه ، وأراد من قبل الجزية منهم ، { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } أي أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب ، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ، ومجاز الآية : إلا الذين ظلموكم لأن جميعهم ظالم بالكفر ، وقال سعيد بن جبير : هم أهل الحرب ومن لا عهد له . قال قتادة ومقاتل : صارت منسوخة بقوله : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } . { وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ } يريد إذا أخبركم واحد منهم مما قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عليه ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ، { وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } عن أبي هريرة قال . كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله وما أنزل إلينا","part":6,"page":132},{"id":2633,"text":"وما أنزل إليكم » (1) .\r[47] قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ } يعني كما أنزلنا إليهم الكتاب ، { أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } ، يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه ، { وَمِنْ هَؤُلَاءِ } ، يعني أهل مكة ، { مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ } ، وهم مؤمنو أهل مكة ، { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ } ، وذلك أن اليهود وأهل مكة عرفوا أن محمدا نبي والقرآن حق فجحدوا . وقال قتادة : الجحود إنما يكون بعد المعرفة .\r[48] { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو } ، يا محمد ، { مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ } ، يعني من قبل ما أنزل إليك الكتاب ، { وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } ، يعني ولا تكتبه يعني لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي ، { إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } ، يعني لو كنت تقرأ أو تكتب قبل الوحي لشك المبطلون المشركون من أهل مكة ، وقالوا : إنه يقرؤه من كتب الأولين وينسخه منها ، قاله قتادة . وقال مقاتل : المبطلون هم اليهود ، ومعناه إذا لشكوا فيك واتهموك ، وقالوا : إن الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد 13 / 516 والمصنف في شرح السنة 1 / 268 .","part":6,"page":133},{"id":2634,"text":"[49] { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ } ، قال الحسن : يعني القرآن آيات بينات ، { فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } ، يعني المؤمنين الذين حملوا القرآن ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة : بل هو - يعني محمدا صلى الله عليه وسلم - ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب ، لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم ، { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ } .\r[50] { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ } ، كما أنزل على الأنبياء من قبل ، قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر آية على التوحيد ، وقرأ الآخرون آيات من ربه . قوله عز وجل : { قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ } وهو القادر على إرسالها إذا شاء أرسلها ، { وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } ، أنذر أهل المعصية بالنار ، وليس إنزال الآيات بيدي .","part":6,"page":134},{"id":2635,"text":"[51] { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ } ، هذا الجواب لقولهم : { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ } قال : { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } ، يعني أولم يكفهم من الآيات القرآن يتلى عليهم ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، في إنزال القرآن ، { لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ، أي تذكيرا وعظة لمن آمن وعمل به .\r[52] { قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا } ، أني رسوله وهذا القرآن كتابه { يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ } ، قال ابن عباس : بغير الله . وقال قتادة : بعبادة الشيطان ، { وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .","part":6,"page":135},{"id":2636,"text":"[53] { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ } ، نزلت في النضر بن الحارث حين قال : فأمطر علينا حجارة من السماء { وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى } ، قال ابن عباس : ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم يعني لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب ، وقيل : يوم بدر ، { لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ } ، يعني العذاب وقيل : الأجل ، { بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } ، بإتيانه .\r[54] { يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ } ، أعاده تأكيدا ، { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } ، جامعة لهم لا يبقى أحد منهم إلا دخلها .\r[55] { يَوْمَ يَغْشَاهُمُ } ، يصيبهم { الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } ، يعني إذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم كما قال : { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } ، { وَيَقُولُ ذُوقُوا } ، قرأ نافع وأهل الكوفة : ثم يقول بالياء أي ويقول لهم الموكل بعذابهم : ذوقوا ، وقرأ الآخرون بالنون لأنه لما كان بأمره نسب إليه ، أي جزاء { مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .","part":6,"page":136},{"id":2637,"text":"[56] { يا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } ، قال مقاتل والكلبي : نزلت في ضعفاء مسلمي مكة يقول : إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة ، إن أرضي يعني المدينة واسعة آمنة ، قال مجاهد : إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها . وقال سعيد بن جبير : إذا عمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة . وقال عطاء : إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا فإن أرضي واسعة ، وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة . وقيل : نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة وقالوا : نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة ، فأنزل الله هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج . وقال مطرف بن عبد الله : أرضي واسعة أي رزقي لكم واسع فاخرجوا .\r[57] { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } ، خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة أي كل واحد ميت أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت ، { ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } ، فنجزيكم بأعمالكم ، وقرأ أبو بكر : تُرْجَعُونَ .","part":6,"page":137},{"id":2638,"text":"[58] { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } قرأ حمزة والكسائي بالثاء ساكنة من غير همز فقال : ثوى الرجل إذا أقام وأثوبته إذا أنزلته منزلا يقيما فيه ، وقرأ الآخرون بالباء وفتحها وتشديد الواو وهمزة بعدها أي لننزلهم ، { مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا } ، علالي ، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } .\r[59] { الَّذِينَ صَبَرُوا } ، على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم ، { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ، يعتمدون .","part":6,"page":138},{"id":2639,"text":"[60] { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا } ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وقد آذهم المشركون : « هاجروا إلى المدينة » ، فقالوا : كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ولا مال ، فمن يطعمنا بها ويسقينا ؟ فأنزل الله : { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ } ذات حاجة إلى غداء ، { لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا } أي لا ترفع معها ولا تدخر شيئا لغد مثل البهائم والطير ، { اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } ، حيث كنتم ، { وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ، السميع لأقوالكم لا نجد ما ننفق بالمدينة ، العليم بما في قلوبكم .\r[61] قوله تعالى : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ } ، يعني كفار مكة ، { مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } .\r[62] { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .","part":6,"page":139},{"id":2640,"text":"[63] { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } على أن الفاعل لهذه الأشياء هو الله ، { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } وقيل : قل الحمد لله على إقرارهم لزوم النعمة عليهم ، { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } ، ينكرون التوحيد مع إقرارهم أنه الخالق لهذه الأشياء .","part":6,"page":140},{"id":2641,"text":"[64] قوله تعالى : { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ } ، اللهو هو الاستماع بلذات الدنيا ، واللعب العبث سميت بهما لأنها فانية { وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ } أي الحياة الدائمة الباقية ، والحيوان بمعنى الحياة أي فيها الحياة الدائمة ، { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } ، فناء الدنيا وبقاء الآخرة .\r[65] قوله تعالى : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ } ، وخافوا الغرق ، { دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ، وتركوا الأصنام ، { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } ، هذا إخبار عن عنادهم وأنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله عز وجل وحده ، فإذا زالت عادوا إلى كفرهم ، قال عكرمة : كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر وقالوا : يا رب يا رب .","part":6,"page":141},{"id":2642,"text":"[66] { لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ } ، هذا لام الأمر ومعناه التهديد والوعيد ، كقوله : { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } ، أي ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم ، { وَلِيَتَمَتَّعُوا } ، قرأ حمزة والكسائي ساكنة اللام ، وقرأ الباقون بكسرها نسقا على قوله : ( لِيَكْفُرُوا ) ، { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } ، وقيل : من كسر اللام جعلها لام كي وكذلك في ليكفروا ، والمعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة .\r[67] { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } ، يسبي بعضهم بعضا ، وأهل مكة آمنون ، { أَفَبِالْبَاطِلِ } ، بالأصنام والشيطان ، { يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ } ، بمحمد والإسلام ، { يَكْفُرُونَ } .\r[68] { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ، فزعم أن لله شريكا وأنه أمر بالفواحش ، { أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ } ، بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، { لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } ، استفهام بمعنى التقرير ، معناه : أما لهذا الكافر مأوى في جهنم .","part":6,"page":142},{"id":2643,"text":"[69] { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } ، الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا ، { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } ، لنثبتهم على ما قاتلوا عليه ، وقيل : لنزيدنهم هدى كما قال : { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } ، وقيل : لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة هي التي توصل بها إلى رضا الله عز وجل وقيل : المجاهدة هي الصبر على الطاعات . قال الحسن : أفضل الجهاد مخالفة الهوى . وقال الفضيل بن عياض : والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل الجنة . وقال سهل بن عبد الله : والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة ، وروي عن ابن عباس : والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا ، { وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } بالنصر والمعونة في دنياهم وبالثواب والمغفرة في عقباهم .","part":6,"page":143},{"id":2644,"text":"( 30 ) سورة الروم\r[1 - 3] { الم }{ غُلِبَتِ الرُّومُ }{ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ } أي أقرب أرض الشام إلى أرض فارس ، قال عكرمة : هي أذرعات وكسكر ، وقال مجاهد : أرض الجزيرة . وقال مقاتل : الأردن وفلسطين . { وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ } ، أي الروم من بعد غلبة فارس إياهم ، والغلب والغلبة لغتان ، { سَيَغْلِبُونَ } ، فارس .","part":6,"page":144},{"id":2645,"text":"[4] { فِي بِضْعِ سِنِينَ } ، والبضع ما بين الثلاث إلى السبع ، وقيل : ما بين الثلاث إلى التسع : وقيل : ما دون العشرة . وقرأ عبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري والحسن وعيسى بن عمر : غَلَبَتِ بفتح الغين واللام ، ( سَيُغْلَبُونَ ) بضم الياء وبفتح اللام ، وقالوا : نزلت حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن غلبة الروم فارس ، ومعنى الآية : الم غلبت الروم فارس في أدنى الأرض إليكم وهم من بعد غلبهم سيغلبهم المسلمون في بضع سنين ، وعند انقضاء هذه المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم . والأول أصح وهو قول أكثر المفسرين . { لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ } ، من بعد دولة الروم على فارس ومن بعدها فأي الفريقين كان لهم الغلبة فهو بأمر الله وقضائه وقدره . \" ؟ { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ } .\r[5] { بِنَصْرِ اللَّهِ } ، الروم على فارس ، قال السدي : فرح النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ، بظهورهم على المشركين يوم بدر وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك ، { يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } بالمؤمنين .","part":6,"page":145},{"id":2646,"text":"[6] { وَعْدَ اللَّهِ } نصب على المصدر أي وعد الله وعدا بظهور الروم على فارس ، { لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } .\r[7] { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، يعني أمر معاشهم كيف يكتسبون ويتجرون ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون وكيف يبنون ويعيشون { وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } ، ساهون عنها جاهلون لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها .\r[8] { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ } أي للحق ، وقيل : لإقامة الحق ، { وَأَجَلٍ مُسَمًّى } ، أي لوقت معلوم إذا انتهت إليه فنيت وهو القيامة ، { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ } .","part":6,"page":146},{"id":2647,"text":"[9] { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، أولم يسافروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم فيعتبروا ، { كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ } حرثوها وقلبوها للزراعة ، { وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } ، أي أكثر مما عمرها أهل مكة ، قيل : قال ذلك لأنه لم يكن لأهل مكة حرث ، { وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } ، فلم يؤمنوا فأهلكهم الله ، { فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } ، ينقص حقوقهم ، { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ، ببخس حقوقهم .","part":6,"page":147},{"id":2648,"text":"[10] { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا } أي أساءوا العمل ، { السُّوأَى } ، يعني الخلة التي تسوؤهم وهي النار ، وقيل : السوء اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة ، { أَنْ كَذَّبُوا } أي لأن كذبوا ، وقيل : تفسير السوء ما بعده وهو قوله أن كذبوا يعني ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب حملهم تلك السيئات على أن كذبوا ، { بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ } ، قرأ أهل الحجاز والبصرة : ( عاقبة ) بالرفع أي ثم كان آخر أمرهم السوء ، وقرأ الآخرون بالنصب على خبر كان ، وتقديره : ثم كان السوء عاقبة الذين أساءوا .\r[11] قوله تعالى . { اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } ، أي يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء , ولم يقل يعيدهم , رده إلى الخلق , { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجزيهم بأعمالهم .\r[12] { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ } ، قال قتادة والكلبي : ييأس المشركون من كل خير . وقال الفراء : ينقطع كلامهم وحجتهم . وقال مجاهد : يفتضحون .","part":6,"page":148},{"id":2649,"text":"[13] { وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ } ، جاحدين متبرئين يتبرءون منها وتتبرأ منهم .\r[14] { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } ، أي يتميز أهل الجنة من أهل النار . وقال مقاتل : يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار فلا يجتمعون أبدا .\r[15] { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ } ، وهي البستان الذي في غاية النضارة ، { يُحْبَرُونَ } ، قال ابن عباس : يكرمون . وقال مجاهد وقتادة : ينعمون . وقال أبو عبيدة : يسرون ، والحبرة السرور ، وقيل : الحبرة في اللغة كل نعمة حسنة والتحبير التحسين ، وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير : تحبرون هو السماع في الجنة .","part":6,"page":149},{"id":2650,"text":"[16] { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ } أي البعث يوم القيامة ، { فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } .\r[17] قوله تعالى : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ } ، أي سبحوا الله ومعناه صلوا لله ، { حِينَ تُمْسُونَ } ، أي تدخلوا في الصباح وهو صلاة المغرب والعشاء ، { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } تدخلون في الصباح ، وهو صلاة الصبح .\r[18] { وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، قال ابن عباس : يحمده أهل السماوات والأرض ويصلون له , { وَعَشِيًّا } أي صلوا له عشيا يعني صلاة العصر , { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } , تدخلون في الظهيرة وهو الظهر ، قال نافع بن الأزرق لابن عباس : هل تجد صلاة الخمس في القرآن ؟ قال : نعم ، وقرأ هاتين الآيتين ، وقال : جمعت الآية صلاة الخمس ومواقيتها .\r[19] قوله تعالى : { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } ، قرأ حمزة والكسائي ( تَخْرُجُونَ ) بفتح التاء وضم الراء ، وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الراء .","part":6,"page":150},{"id":2651,"text":"[20] { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ } ، أي خلق أصلكم يعني آدم من تراب ، { ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ } ، تنبسطون في الأرض .\r[21] { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } ، قيل : من جنسكم من بني آدم ، وقيل : خلق حواء من ضلع آدم { لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً } ، جعل بين الزوجين المودة والرحمة فهما يتوادان ويتراحمان وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ، في عظمة الله وقدرته .\r[22] { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ } ، يعني اختلاف اللغات من العربية والعجمية وغيرهما ، { وَأَلْوَانِكُمْ } ، أبيض وأسود وأحمر وأنتم ولد رجل واحد وامرأة واحدة , { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ } ، قرأ حفص : ( لِلْعَالِمِينَ ) بكسر اللام .","part":6,"page":151},{"id":2652,"text":"[23] { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ } أي منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار أي تصرفكم في طلب المعيشة ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } ، سماع تدبر واعتبار .\r[24] { وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا } ، للمسافر من الصواعق ، { وَطَمَعًا } ، للمقيم في المطر . { وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ } ، يعني بالمطر , { الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } ، أي بعد يبسها { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .","part":6,"page":152},{"id":2653,"text":"[25] { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ } . قال ابن مسعود : قامتا على غير عمد بأمره . وقيل : يدوم قيامهما بأمره ، { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ } ، قال ابن عباس : من القبور ، { إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } ، منها وأكثر العلماء على أن معنى الآية ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض .\r[26] { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } ، مطيعون ، قال الكلبي : لهذا خاص لمن كان منهم مطيعا ، عن ابن عباس : كل له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة .","part":6,"page":153},{"id":2654,"text":"[27] { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } ، يخلقهم أولا ثم يعيدهم بعد الموت للبعث ، { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } ، قال الربيع بن خثيم وقتادة والكلبي : أي هو هين عليه وما شيء عليه بعزيز ، وهو رواية العوفي عن ابن عباس ، وقال مجاهد وعكرمة : وهو أهون عليه أي أيسر ووجهه أنه على طريق ضرب المثل أي هو أهون عليه على ما يقع في عقولكم ، فإن الذي يقع في عقول الناس أن الإعادة تكون أهون من الإنشاء ، أي الابتداء ، وقيل : هو أهون عليه عندكم . وقيل : هو أهون عليه أي على الخلق يقومون بصيحة واحدة فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ، ثم علقا ثم مضغا إلى أن يصيروا رجالا ونساء { وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى } ، أي الصفة العليا { فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } قال ابن عباس : هي أنه ليس كمثله شيء ، وقال قتادة : هي أنه لا إله إلا هو { وَهُوَ الْعَزِيزُ } ، في ملكه ، { الْحَكِيمُ } ، في خلقه .","part":6,"page":154},{"id":2655,"text":"[28] { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ } ، أي بين لكم شبها بحالكم , وذلك المثل من أنفسكم ثم بين المثل فقال : { هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } ، أي عبيدكم { مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ } ، من المال { فَأَنْتُمْ } ، وهم ، { فِيهِ سَوَاءٌ } ، أي شرع أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم ، { تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ } ، أي تخافون أن يشاركوكم في أموالكم ويقاسموكم كما يخاف الحر شريكه الحر في المال يكون بينهما أن ينفرد فيه بأمر دونه وكما يخاف الرجل شريكه في الميراث وهو يحب أن ينفرد به ، قال ابن عباس : تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا فإذا لم تخافوا هذا من مواليكم ولم ترضوا ذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها شركائي وهم عبيدي ، ومعنى قوله : { أَنْفُسِكُمْ } أي أمثالكم الأحرار كقوله : { ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا } أي بأمثالهم ، { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ، ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم .","part":6,"page":155},{"id":2656,"text":"[29] { بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، أشركوا بالله ، { أَهْوَاءَهُمْ } في الشرك ، { بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، جهلا بما يجب عليهم ، { فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ } ، أي أضل الله { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } ، مانعين يمنعونهم من عذاب الله عز وجل .","part":6,"page":156},{"id":2657,"text":"[30] قوله تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ } ، أي أخلص دينك لله قاله سعيد بن جبير ، وإقامة الوجه إقامة الدين ، وقال غيره : سدد عملك ، والوجه ما يتوجه إليه الإنسان ودينه وعمله , مما يتوجه إليه لتسديده { حَنِيفًا } ، \" مائلا مستقيما عليه ، { فِطْرَةَ اللَّهِ } ، دين الله وهو نصب على الإغراء أي الزم فطرة الله { الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } ، أي خلق الناس عليها ، هذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين أن المراد بالفطرة الدين وهو الإسلام ، وذهب قوم إلى أن الآية خاصة في المؤمنين هم الذين فطرهم الله على الإسلام { لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } فمن حمل الفطرة على الدين قال : معناه . لا تبديل لدين الله وهو خبر بمعنى النهي أي لا تبدلوا دين الله ، قال مجاهد وإبراهيم : معنى الآية الزموا فطرة الله أي دين الله واتبعوه ولا تبدلوا التوحيد بالشرك ، { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } ، المستقيم ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ، وقيل : لا تبديل لخلق الله أي ما جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاء لا يبدل فلا يصير السعيد شقيا ولا الشقي سعيدا .","part":6,"page":157},{"id":2658,"text":"[31] { مُنِيبِينَ } أي فأقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه لأن المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل معه فيها الأمة كما قال : { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } ، { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } أي راجعين إليه بالتوبة منيبين إليه بالطاعة { وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .\r[32] { مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } أي صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى . وقيل : هم أهل البدع من هذه الأمة ، { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } ، أي راضون بما عندهم .","part":6,"page":158},{"id":2659,"text":"[33] قوله تعالى : { وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ } ، قحط وشدة ، { دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } ، مقبلين إليه بالدعاء { ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً } ، خصبا ونعمة ، { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } .\r[34] { لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ } ، ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا ، هذا خطاب تهديد فقال : { فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ، حالكم في الآخرة .\r[35] { أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا } ، قال ابن عباس : حجة وعذرا ، وقال قتادة : كتابا ، { فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } ، ينطق ، { بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ } أي ينطق بشركهم ويأمرهم به .\r[36] { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً } ، أي الخصب وكثرة المطر ، { فَرِحُوا بِهَا } ، يعني فرح البطر ، { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } ، أي الجدب وقلة المطر ويقال الخوف والبلاء { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ، من السيئات ، { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ، ييأسون من رحمة الله ، وهذا خلاف وصف المؤمن فإنه يشكر الله عند النعمة ويرجو ربه عند الشدة .","part":6,"page":159},{"id":2660,"text":"[37] { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .\r[38] قوله تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } ، من البر والصلة ، { وَالْمِسْكِينَ } ، وحقه أن يتصدق عليه ، { وَابْنَ السَّبِيلِ } ، يعني المسافر ، وقيل : هو الضعيف ، { ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ } ، يطلبون ثواب الله بما يعملون ، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .","part":6,"page":160},{"id":2661,"text":"[39] قوله عز وجل : { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا } ، قرأ ابن كثير . ( أَتَيْتُم ) مقصورا وقرأ الآخرون بالمد أي أعطيتم ، ومن قصر فمعناه ما جئتم من ربا ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء كما يقول : أتيت خطئا وأتيت صوابا فهو يئول في معنى إلى قول مَنْ مَدَّ . { لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ } ، قرأ أهل المدينة ويعقوب : لتربوا بالتاء وضمها وسكون الواو على الخطاب أي لتربوا أنتم وتصيروا ذوي زيادة من أموال الناس ، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها ، ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا لقوله : { فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ } ، في أموال الناس أي في اختطاف أموال الناس واجتذابها ، واختلفوا في معنى الآية ، فقال سعيد بن جبير ومجاهد وطاوس وقتادة والضحاك وأكثر المفسرين : هو الرجل يعطي غيره العطية ليثيبه أكثر منها فهذا جائز حلال لكن لا ثواب عليها في القيامة ، وهو معنى قوله عز وجل : فلا يربو عند الله ، وكان هذا حراما على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لقوله تعالى . { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } أي لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت ، وقال النخعي : هو الرجل يعطي صديقه أو قريبه ليكثر ماله ولا يريد به وجه الله . وقال الشعبي :","part":6,"page":161},{"id":2662,"text":"هو الرجل يلتزق بالرجل فيخدمه ويسافر معه فيجعل له ربح ماله التماس عونه لوجه الله فلا يربو عند الله لأنه لم يرد به وجه الله تعالى ، { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ } ، أعطيتم من صدقة { تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } ، فيضاعف لهم الثواب فيعطون بالحسنة عشر أمثالها ، فالمضعف ذو الأضعاف من الحسنات ، تقول العرب : القوم مهزولون ومسمونون إذا هزلت أو سمنت إبلهم .\r[40] { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } .","part":6,"page":162},{"id":2663,"text":"[41] قوله عز وجل : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } ، يعني قحط المطر وقلة النبات وأراد بالبر البوادي والمفاوز وبالبحر المدائن والقرى التي هي على المياه الجارية . قال عكرمة : العرب تسمي المصر بحرا يقال : أجدب البر وانقطعت مادة البحر ، { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } ، أي بشؤم ذنوبهم { لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا } ، أي عقوبة بعض الذي عملوا من الذنوب ، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ، عن الكفر وأعمالهم الخبيثة .","part":6,"page":163},{"id":2664,"text":"[42] { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ } ، لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية ، { كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ } ، فأهلكوا بكفرهم .\r[43] { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ } ، المستقيم وهو دين الإسلام { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ } ، يعني يوم القيامة لا يقدر أحد على رده من الله { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } ، أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير .\r[44] { مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } ، أي وبال كفره ، { وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } ، يوطئون المضاجع ويسوونها في القبور .\r[45] . { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ } قال ابن عباس : ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم ، : { إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } .","part":6,"page":164},{"id":2665,"text":"[46] قوله عز وجل : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ } تبشر بالمطر ، { وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ } ، نعمة المطر وهي الخصب ، { وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } ، لتطلبوا من رزقه بالتجارة في البحر ، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، رب هذه النعم .\r[47] قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } ، بالدلالات الواضحات على صدقهم . { فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا } ، عذبنا الذين كذبوهم ، { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } ، إنجاؤهم من العذاب ففي هذا تبشير للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر في العاقبة والنصر على الأعداء ، قال الحسن : أنجاهم مع الرسول من عذاب الأمم .","part":6,"page":165},{"id":2666,"text":"[48] { اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا } ، أي ينشره , { فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ } ، مسيرة يوم أو يومين أو أكثر على من يشاء , { وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا } , قطعا متفرقة , { فَتَرَى الْوَدْقَ } ، المطر , { يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ } وسطه , { فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ } , أي بالودق , { مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يفرحون بالمطر .\r[49] { وَإِنْ كَانُوا } وقد كانوا { مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ } ، أي آيسين ، وقيل : الأولى ترجع إلى إنزال المطر والثانية إلى إنشاء السحاب .\r[50] { فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ } أراد برحمة الله المطر أي انظر إلى حسن تأثيره في الأرض ، قال مقاتل : أثر رحمة الله أي نعمته وهو النبت ، { كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى } ، يعني أن ذلك الذي يحيي الأرض لمحيي الموتى ، { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .","part":6,"page":166},{"id":2667,"text":"[51] { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا } باردة مضرة فأفسدت الزرع , { فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا } أي والنبت والزرع مصفرا بعد الخضرة ، { لَظَلُّوا } ، لصاروا ، { مِنْ بَعْدِهِ } أي من بعد اصفرار الزرع ، { يَكْفُرُونَ } ، يجحدون ما سلف من النعمة يعني أنهم يفرحون عند الخصب ولو أرسلت عذابا على زرعهم جحدوا سالف نعمتي .\r[52] { فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ }\r[53] { وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } .","part":6,"page":167},{"id":2668,"text":"[54] { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ } ، قرئ بضم الضاد وفتحها ، فالضم لغة قريش ، والفتح لغة تميم ، ومعنى من ضعف أي من نطفة يريد من ذي ضعف أي من ماء ذي ضعف كما قال تعالى : { أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ } ، { ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً } ، من بعد ضعف الطفولية شبابا وهو وقت القوة ، { ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } ، من الضعف والقوة والشباب والشيبة ، { وَهُوَ الْعَلِيمُ } ، بتدبير خلقه , { الْقَدِيرُ } على ما يشاء .","part":6,"page":168},{"id":2669,"text":"[55] { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ } ، يحلف المشركون ، { مَا لَبِثُوا } ، في الدنيا { غَيْرَ سَاعَةٍ } إلا ساعة استقلوا أجل الدنيا لَمَّا عاينوا الآخرة ، وقال مقاتل والكلبي : ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال : { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } . { كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ } ، يصرفون عن الحق في الدنيا ، قال الكلبي ومقاتل : كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث ، والمعنى أن الله أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء يتبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه ، وكان ذلك بقضاء الله وبقدره بدليل قوله : { يُؤْفَكُونَ } أي يصرفون عن الحق ، ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم فقال :","part":6,"page":169},{"id":2670,"text":"[56] { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ } أي فيما كتب الله لكم في سابق علمه من اللبث في القبور ، وقيل : في كتاب الله أي في حكم الله ، وقال قتادة ومقاتل : فيه تقديم وتأخير تقديره : وقال الذين في كتاب الله والإيمان لقد لبثتم إلى يوم البعث يعني الذين يعلمون كتاب الله ، وقرءوا قوله تعالى : { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } ، أي قالوا للمتكبرين لقد لبثتم ، { إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ، , وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن بدليل .\r[57] قوله تعالى : { فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ } ، يعني عذرهم { وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } لا يطلب منهم العتبى والرجوع إلى الدنيا .\r[58] قوله تعالى : { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ } ، ما أنتم إلا على باطل .","part":6,"page":170},{"id":2671,"text":"[59] { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } توحيد الله .\r[60] { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } ، في نصرتك وإظهارك على عدوك { وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ } ، لا يستجهلنك معناه لا يحملنك الذين لا يوقنون على الجهل واتباعهم في الغي وقيل : لا يستخفن رأيك وحلمك ، { الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ } ، بالبعث والحساب .","part":6,"page":171},{"id":2672,"text":"( 31 ) سورة لقمان\r[1 - 3] { الم }{ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ }{ هُدًى وَرَحْمَةً } ، قرأ حمزة ( ورحمة ) بالرفع على الابتداء أي هو هدى ورحمة ، وقرأ الآخرون بالنصب على الحال { لِلْمُحْسِنِينَ } . 4 ,\r[5] { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }{ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .","part":6,"page":172},{"id":2673,"text":"[6] { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } ، الآية . قال الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم فيحدث بها قريشا فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن ، فأنزل الله هذه الآية . وقال مجاهد : يعني شراء القيان والمغنيين ، ووجه الكلام على هذا التأويل من يشتري ذات لهو أو ذا لهو الحديث ، وعن عبد الله بن مسعود وابن عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير قالوا : لهو الحديث هو الغناء والآية نزلت فيه ، ومعنى قوله : { يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } أي يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن ، قال أبو الصباء البكري : سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال : هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو ، يرددها ثلاث مرات . وعن الضحاك قال : هو الشرك . وقال قتادة : هو كل لهو ولعب { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني يفعله عن جهل . قال قتادة : بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق . وقوله تعالى : { وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب . { وَيَتَّخِذَهَا } بنصب الدال عطفا على قوله : { لِيُضِلَّ","part":6,"page":173},{"id":2674,"text":"} وقرأ الآخرون بالرفع نسقا على قوله : { يَشْتَرِي } , { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } .\r[7] { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .\r[8] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ } . 9 ,\r[10] { خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }{ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } .\rحسن .\r[11] { هَذَا } ، يعني الذي ذكرت مما تعاينون ، { خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } ، من آلهتكم التي تعبدونها ، { بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } .","part":6,"page":174},{"id":2675,"text":"[12] قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } ، يعني العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور { أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } .\r[13] { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ } ، واسمه أنعم ويقال : مشكم ، { وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ، قرأ ابن كثير : { يا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ } بإسكان الياء ، وفتحها حفص ، والباقون بالكسر ، { يا بُنَيَّ إِنَّهَا } بفتح الياء حفص ، والباقون بالكسر ، { يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ } بفتح الياء البزي عن ابن كثير وحفص ، وبإسكانها القواس ، والباقون بكسرها .","part":6,"page":175},{"id":2676,"text":"[14] { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ } ، قال ابن عباس : شدة بعد شدة . وقال الضحاك : ضعفا على ضعف . قال مجاهد : مشقة على مشقة . وقال الزجاج : المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة . ويقال : الحمل ضعف والطلق ضعف والوضع ضعف ، { وَفِصَالُهُ } ، أي فطامه ، { فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } المرجع ، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية : من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله ، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر الوالدين .","part":6,"page":176},{"id":2677,"text":"[15] { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } ، أي بالمعروف ، وهو البر والصلة والعشرة الجميلة ، { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } ، أي دين من أقبل إلى طاعتي وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال عطاء عن ابن عباس : يريد أبا بكر وذلك أنه حين أسلم أتاه عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ، فقالوا له : قد صدقت هذا الرجل وآمنت به ؟ قال : نعم هو صادق فآمنوا به ثم حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا فهؤلاء لهم سابقة الإسلام أسلموا بإرشاد أبي بكر ، قال الله تعالى : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } ، يعني أبا بكر ، { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، وقيل : نزلت هاتان الآيتان في سعد بن أبي وقاص وأمه وقيل : الآية عامة في حق كافة الناس .","part":6,"page":177},{"id":2678,"text":"[16] { يا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ } ، الكناية في قوله : { إِنَّهَا } ، راجعة إلى الخطيئة ، وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه : يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله ؟ فقال : { يا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ }\rقال قتادة : تكن في جبل . وقال ابن عباس : في صخرة تحت الأرضين السبع { أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ } ، باستخراجها ، { خَبِيرٌ } ، عالم بمكانها ، قال الحسن : معنى الآية هي الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها .\r[17] { يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } ، يعني من الأذى ، { إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } ، يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى فيهما من الأمور الواجبة التي أمر الله بها أو من الأمور التي يعزم عليها لوجوبها .","part":6,"page":178},{"id":2679,"text":"[18] { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } ، قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب : { وَلَا تُصَعِّرْ } بتشديد العين من غير ألف وقرأ الآخرون تُصَاعِرْ بالألف يقال : صعر وجهه وصاعر إذا مال \"أعرض تكبرا ورجل أصعر أي مائل العنق . قال ابن عباس : يقول لا تتكبر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك . وقال مجاهد : هو الرجل يكون بينك وبينه إحنة فتلقاه فيعرض عنك بوجهه . وقال عكرمة : هو الذي إذا سُلِّمَ عليه لَوَى عنقه تقصيرا . وقال الربيع بن أنس وقتادة : ولا تحتقرن الفقراء ليكن الفقر والغنى عندك سواء ، { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا } . خيلاء تكبرا ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } ، في مشيه { فَخُورٍ } ، على الناس .","part":6,"page":179},{"id":2680,"text":"[19] { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } ، أي ليكن مشيك قصدا لا تخيلا ولا إسراعا . وقال عطاء : امش بالوقار والسكينة ، كقوله : { يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا } ، { وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ } ، وقال مقاتل : اخفض من صوتك , { إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ } ، أقبح الأصوات { لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } ، أوله زفير وآخره شهيق وهما صوتا أهل النار ، وقال موسى بن أعين : سمعت سفيان الثوري يقول في قوله : { إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } ، قال : صياح كل شيء تسبيح لله إلا الحمار . وقال جعفر الصادق في قوله : { إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } قال : هي العطسة القبيحة المنكرة .","part":6,"page":180},{"id":2681,"text":"[20] قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ } ، أتم وأكمل ، { نِعَمَهُ } قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وحفص { نِعَمَهُ } بفتح العين والهاء على الجمع ، وقرأ الآخرون منونة على الواحد ومعناها الجمع أيضا كقوله : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } ، { ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } ، قال عكرمة عن ابن عباس : النعمة الظاهرة الإسلام والقرآن والباطنة ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة . وقال الضحاك : الظاهرة حسن الصورة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة . وقال مقاتل . الظاهرة تسوية الخلق والرزق والإسلام ، والباطنة الإيمان . وقال الربيع : الظاهرة الجوارح والباطنة القلب ، وقيل : الظاهرة الإقرار باللسان والباطنة الاعتقاد بالقلب . وقيل : الظاهرة تمام الرزق والباطنة حسن الخلق . وقال عطاء : الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة الشفاعة . وقال مجاهد : الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة الإمداد بالملائكة . وقيل : الظاهرة الإمداد بالملائكة والباطنة إلقاء الرعب في قلوب الكفار . وقال سهل بن عبد الله :","part":6,"page":181},{"id":2682,"text":"الظاهرة اتباع الرسول والباطنة محبته ، { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } نزلت في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وأمية بن خلف وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في الله وفي صفاته بغير علم ، { وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ } .\r[21] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } ، قال الله عز وجل : { أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } ، وجواب لو محذوف ومجازه يدعوهم فيتبعونه ، يعني يتبعون الشيطان وإن كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير .\r[22] قوله تعالى : { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ } ، يعني لله أي يخلص دينه لله ويفوض أمره إلى الله ، { وَهُوَ مُحْسِنٌ } ، في عمله ، { فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } ، أي اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه ، { وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } .","part":6,"page":182},{"id":2683,"text":"[23] { وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .\r[24] { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا } ، أي نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا قليلا إلى انقضاء آجالهم , { ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ } ثم نلجئهم ونردهم في الآخرة ، { إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ } ، وهو عذاب النار .\r[25] { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }\r[26] { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } .","part":6,"page":183},{"id":2684,"text":"[27] قوله سبحانه وتعالى : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ } قال قتادة : إن المشركين قالوا : إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع فنزلت . { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ } أي بريت أقلاما ، { وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ } ، قرأ أبو عمرو ويعقوب : ( وَالْبَحْرَ ) بالنصب عطفا على ( مَا ) ، والباقون بالرفع على الاستئناف { يَمُدُّهُ } أي يزيده ، وينصبّ فيه { مِنْ بَعْدِهِ } من خلفه ، { سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } ، وفي الآية اختصار تقديره : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده مع بعده سبعة أبحر يكتب بها كلام الله ما نفدت كلمات الله . { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .\r[28] { مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } أي : كخلق نفس واحدة وبعثها لا يتعذر عليه شيء ، { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } .","part":6,"page":184},{"id":2685,"text":"[29] { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .\r[30] { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } ، أي ذلك الذي ذكرت لتعلموا أن الله هو الحق ، { وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } .\r[31] { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ } ، إن ذلك من نعمة الله عليكم ، { لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ } ، عجائبه ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ } على أمر الله { شَكُورٍ } ، لنعمه .","part":6,"page":185},{"id":2686,"text":"[32] { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ } ، قال مقاتل : كالجبال . وقال الكلبي : كالسحاب . والظل جمع الظلة شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها وجعل الموج وهو واحد كالظل وهي جمع ، لأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء ، { دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ } أي عدل موف في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له يعني ثبت على إيمانه قيل : نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب عام الفتح إلى البر فجاءتهم ريح عاصف ، فقال عكرمة : لئن أنجانا الله من هذا لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولأضعن يدي في يده فسكنت الريح ، فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه . وقال مجاهد : فمنهم مقتصد في القول مضمر للكفر وقال الكلبي : مقتصد في القول أي مكان الكفار لأن بعضهم كان أشد قولا وأغلى في الافتراء من بعض , { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } ، والختر أسوأ الغدر .","part":6,"page":186},{"id":2687,"text":"[33] { يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي } ، لا يقضي ولايغني ، { وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ } ، مغن ، { عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا } ، قال ابن عباس : كل امرئ تهمه نفسه ، { إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } ، يعني الشيطان . قال سعيد بن جبير : هو أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة .","part":6,"page":187},{"id":2688,"text":"[34] قوله : { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } الآية نزلت في الحارث بن عمرو من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الساعة ووقتها وقال : إن أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث وتركت امرأتي حبلى , فمتى تلد , وقد علمتُ أين ولدتُ فبأي أرض أموت ؟ فأنزل الله هذه الآية : { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } وقرأ أبي بن كعب ( بأية أرض ) لأن الأرض ليس فيها من علامات التأنيث شيء . وقيل أراد بالأرض المكان , عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « مفاتيح الغيب خمس : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت » . (1) { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الاستسقاء 2 / 524 والمصنف في شرح السنة 4 / 422 .","part":6,"page":188},{"id":2689,"text":"( 32 ) سورة السجدة 1 ,\r[2] { الم }{ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، قال مقاتل : لا شك فيه أنه تنزيل من رب العالمين .\r[3] { أَمْ يَقُولُونَ } بل يقولون { افْتَرَاهُ } ، وقيل : الميم صلة أي أيقولون افتراه ، استفهام توبيخ ، وقيل : أم بمعنى الواو أي ويقولون افتراه ، وقيل : فيه إضمار مجاز فهم يؤمنون ، أم يقولون افتراه ، ثم قال : { بَلْ هُوَ } ، يعني القرآن ، { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ } يعني لم يأتهم ، { مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ } ، قال قتادة : كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس ومقاتل : ذاك في الفترة التي كانت بين عيسى عليه السلام وبين محمد صلى الله عليه وسلم ، { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } .\r[4] { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ }","part":6,"page":189},{"id":2690,"text":"[5] { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } أي يحكم الأمر وينزل القضاء والقدر ، { مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ } ، وقيل : ينزل الوحي مع جبريل من السماء إلى الأرض ، { ثُمَّ يَعْرُجُ } ، يصعد { إِلَيْهِ } ، جبريل بالأمر ، { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } ، أي في يوم واحد من أيام الدنيا وقدره مسيرة ألف سنة خمسمائة نزوله وخمسمائة صعوده لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام ، يقول : لو سار فيه أحد من بني آدم لم يقطعه إلا في ألف سنة ، والملائكة يقطعون في يوم واحد ، هذا في وصف عروج الملك من الأرض إلى السماء ، وأما قوله : { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } ، أراد مدة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا ، هذا كله معنى قول مجاهد والضحاك . وقوله : إليه أي إلى الله . وقيل : على هذا التأويل إلى مكان الملك الذي أمره الله عز وجل أن يعرج إليه . وقال بعضهم : ألف سنة وخمسون ألف سنة كلها في القيامة يكون على بعضهم","part":6,"page":190},{"id":2691,"text":"أطول وعلى بعضهم أقصر ، معناه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا , ثم يعرج أي يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا , وانقطاع أمر الأمراء وحكم الحكام في يوم مقداره خمسين ألف سنة وهو يوم القيامة , وأما قوله : خمسين ألف سنة فإنه أراد على الكافر يجعل الله ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة وعلى المؤمن دون ذلك حتى جاء في الحديث : « أنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا » (1) وقال إبراهيم التيمي لا يكون على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر , ويجوز أن يكون هذا إخبار عن شدته وهوله ومشقته .\r[6] { ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } , معنى ذلك الذي صنع ما ذكره من خلق السماوات والأرض عالم ما غاب عن عيان الخلق وما حضر ، { الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .\r_________\r(1) أخرج نحوه الإمام أحمد في المسند 3 / 75 والمصنف في شرح السنة 15 / 129 قال الشيخ الأرناؤوط : وفيه ابن لهيعة سيئ الحفظ وحسنه الهيثمي في المجمع 10 / 337 .","part":6,"page":191},{"id":2692,"text":"[7] { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } ، قرأ نافع وأهل الكوفة { خَلَقَهُ } بفتح اللام على الفعل وقرأ الآخرون بسكونها ، أي أحسن خلق كل شيء ، قال ابن عباس : أتقنه وأحكمه . قال قتادة : حسن . وقال مقاتل : علم كيف يخلق كل شيء ، من قولك : فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه . وقيل : خلق كل حيوان على صورته لم يخلق البعض على صورة البعض ، فكل حيوان كامل في خلقه حسن ، وكل عضو من أعضائه مقدر بما يصلح به معاشه ، { وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ } ، يعني آدم .\r[8] { ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ } ، يعني ذريته ، { مِنْ سُلَالَةٍ } ، نطفة سميت سلالة لأنها تسل من الإنسان { مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ } ، أي ضعف وهو نطفة الرجل .\r[9] { ثُمَّ سَوَّاهُ } ، ثم سوى خلقه ، { وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ } ، ثم عاد إلى ذريته ، فقال : { وَجَعَلَ لَكُمُ } ، بعد أن كنتم نطفا ، { السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } ، يعني لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه .","part":6,"page":192},{"id":2693,"text":"[10] { وَقَالُوا } ، يعني منكري البعث ، { أَئِذَا ضَلَلْنَا } ، هلكنا { فِي الْأَرْضِ } وصرنا ترابا وأصله من قولهم : ضل الماء في اللبن إذا ذهب ، { أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } ، استفهام إنكار . قال الله عز وجل : { بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ } ، أي بالبعث بعد الموت .\r[11] { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ } ، يقبض أرواحكم ، { مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } ، أي وكل بقبض أرواحكم وهو عزرائيل ، والتوفي استيفاء المضروب للخلق في الأزل ، معناه أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليه الموت { ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } ، أي تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم .","part":6,"page":193},{"id":2694,"text":"[12] { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ } ، المشركون ، { نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ } ، مطأطئو رءوسهم ، { عِنْدَ رَبِّهِمْ } ، حياء منه وندما . { رَبَّنَا } ، أي يقولون : ربنا { أَبْصَرْنَا } ، ما كنا به مكذبين ، { وَسَمِعْنَا } ، منك تصديق ما أتتنا به رسلك . وقيل : أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فينا ، { فَارْجِعْنَا } ، فارددنا إلى الدنيا ، { نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ } ، وجواب لو مضمر مجازه لرأيت العجب .\r[13] { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } ، رشدها وتوفيقها للإيمان ، { وَلَكِنْ حَقَّ } ، وجب ، { الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } ، وهو قوله لإبليس : { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } ، ثم يقال لأهل النار ، وقال مقاتل : إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة .\r[14] { فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } ، أي تركتم الإيمان به في الدنيا ، { إِنَّا نَسِينَاكُمْ } ، تركناكم { وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، من الكفر والتكذيب .","part":6,"page":194},{"id":2695,"text":"[15] قوله عز وجل : { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا } ، وعظوا بها ، { خَرُّوا سُجَّدًا } ، سقطوا على وجوههم ساجدين ، { وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } ، قيل : صلوا بأمر ربهم ، وقيل : قالوا : سبحان الله وبحمده ، { وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } ، عن الإيمان والسجود له .","part":6,"page":195},{"id":2696,"text":"[16] { تَتَجَافَى } ، ترتفع وتنبوا ، { جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ } ، جمع مضجع وهو الموضع الذي يضطجع عليه يعني الفرش وهم المتهجدون بالليل ، الذين يقومون للصلاة ، واختلفوا في المراد بهذه الآية ، قال أنس : نزلت فينا معشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم . وعن أنس أيضا قال : نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء ، وهو قول أبي حازم ومحمد بن المنكدر ، وقالا : هي صلاة الأوابين . وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال : إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء ، وهي صلاة الأوابين . وقال عطاء : هم الذين لا يقومون حتى يصلوا العشاء الآخرة . وعن أبي الدرداء وأبي ذر وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم : هم الذين يصلون العشاء الآخرة والفجر في جماعة ، وأشهر الأقاويل أن المراد منه صلاة الليل ، وهو قول الحسن ومجاهد ومالك والأوزاعي وجماعة ، « عن معاذ بن جبل قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرنا فأصبحت يوما قريبا منه وهو يسير فقلت : يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار","part":6,"page":196},{"id":2697,"text":"، قال : \" لقد سألت عن أمر عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه ، تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت \" ، ثم قال : \" ألا أدلك على أبواب الخير : الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة ، وصلاة الرجل في جوف الليل \" ثم تلا { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ } حتى بلغ { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ثم قال : ألا أدلك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : \" رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد » (1) .\rقوله عز وجل : { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا } قال ابن عباس : خوفا من النار وطمعا في الجنة ، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } ، قيل : أراد به الصدقة المفروضة . وقيل : في الواجب والتطوع .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في الإيمان 7 / 362 وقال : ( هذا حديث حسن صحيح ) والنسائي في التفسير 2 / 156 وابن ماجه في الفتن رقم ( 3973 ) وعبد الرزاق في المصنف 11 / 194 وعبد بن حميد في المنتخب من المسند برقم ( 112 ) ص 68 وأخرجه الحاكم مطولا 2 / 412 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي .","part":6,"page":197},{"id":2698,"text":"[17] { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ } ، قرأ حمزة ويعقوب :( أُخْفِي لَهُمْ ) ساكنة الياء أي أنا أخفي لهم ، ومن حجته قراءة ابن مسعود ( نخفي ) بالنون ، وقرأ الآخرون بفتحها ، { مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } ، مما تقر به أعينهم ، { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"يقول « الله تبارك وتعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » (1) \" . قال ابن عباس : هذا مما لا تفسير له . وعن بعضهم قال : أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم .\r[18] قوله عز وجل : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ } ، ولم يقل لا يستويان لأنه لم يرد مؤمنا واحدا وفاسقا واحدا بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين .\r[19] { أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى } ، التي يأوي إليها المؤمنون ، { نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في بدء الخلق 6 / 318 ومسلم في الجنة برقم ( 2824 ) 4 / 2174 .","part":6,"page":198},{"id":2699,"text":"[20] { وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } .","part":6,"page":199},{"id":2700,"text":"[21] { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ } أي سوى العذاب الأكبر ، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } قال أبي بن كعب والضحاك والحسن وإبراهيم : العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وهو رواية الوالبي عن ابن عباس . وقال عكرمة عنه : الحدود . وقال مقاتل : الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب . وقال ابن مسعود : هو القتل بالسيف يوم بدر ، وهو قول قتادة والسدي ، { دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ } ، يعني عذاب الآخرة , { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى الإيمان ، يعني من بقي منهم بعد بدر وبعد القحط .\r[22] قوله عز وجل : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ } ، يعني المشركين ، { مُنْتَقِمُونَ } . 23 ,","part":6,"page":200},{"id":2701,"text":"[24] { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ } ، يعني فلا تكن في شك من لقاء موسى ليلة المعراج ، قاله ابن عباس وغيره عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة » (1) قال السدي : فلا تكن في مرية من لقائه أي من تلقي موسى كتاب الله بالرضا والقبول ، { وَجَعَلْنَاهُ } ، يعني الكتاب وهو التوراة ، وقال قتادة : موسى ، { هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ }{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ } ، يعني من بني إسرائيل ، { أَئِمَّةً } ، قادة في الخير يقتدى بهم ، يعني الأنبياء الذين كانوا فيهم . وقال قتادة : أتباع الأنبياء ، { يَهْدُونَ } يدعون ، { بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } ، قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام وتخفيف الميم أي لصبرهم وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم ، أي حين صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر ، { وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } .\r[25] { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ } ، يقضي ، { بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في بدء الخلق 6 / 314 ومسلم في الإيمان برقم ( 165 ) 1 / 151 .","part":6,"page":201},{"id":2702,"text":"[26] { أَوَلَمْ يَهْدِ } ، لم يتبين ، { لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ } ، آيات الله وعظاته فيتعظون بها .\r[27] { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ } ، أي اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها { فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ } ، من العشب والتبن ، { وَأَنْفُسُهُمْ } ، من الحبوب والأقوات ، { أَفَلَا يُبْصِرُونَ } .\r[28] { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، قيل : أراد بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الحكم بين العباد ، قال قتادة : قال أصحاب النبي للكفار : إن لنا يوما نتنعم فيه ونستريح ويحكم بيننا وبينكم ، فقالوا استهزاء : متى هذا الفتح ؟ أي القضاء والحكم ، وقال الكلبي : يعني فتح مكة . وقال السدي : يوم بدر لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون لهم : إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم ، فيقولون : متى هذا الفتح .","part":6,"page":202},{"id":2703,"text":"[29] { قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ } ، يوم القيامة ، { لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ } ، ومن حمل الفتح على فتح مكة والقتل يوم بدر قال : معناه لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا جاءهم العذاب وقتلوا ، { وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } ، لا يمهلون ليتوبوا ويعتذروا .\r[30] { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } قال ابن عباس : نسختها آية السيف ، { وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } ، قيل : انتظر موعدي لك بالنصر إنهم منتظرون بك حوادث الزمان . وقيل : انتظر عذابنا فيهم فإنهم منتظرون ذلك .","part":6,"page":203},{"id":2704,"text":"(33) سورة الأحزاب","part":6,"page":204},{"id":2705,"text":"[1] { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ } ، نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور وعمرو بن سفيان السلمي ، وذلك أنهم قدموا المدينة على عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين بعد قتال أحد ، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة ، وقل : إن لها شفاعة لمن عبدها ، وندعك وربك ، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر : يا رسول الله ائذن لنا في قتلهم ، فقال : إني قد أعطيتهم الأمان ، فقال عمر : اخرجوا في لعنة الله وغضبه ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم من المدينة فأنزل الله تعالى : { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ } أي دُمْ على التقوى ، كالرجل يقول لغيره وهو قائم : قم هاهنا أي اثبت قائما . وقيل : الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة . وقال الضحاك : معناه اتق الله ولا تنقض العهد الذي بينك وبينهم . { وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ } من أهل مكة يعني أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور ، { وَالْمُنَافِقِينَ } من أهل المدينة عبد الله بن أبي","part":6,"page":205},{"id":2706,"text":"وعبد الله بن سعد وطعمة { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا } ، لخلقه ، قبل أن يخلقهم ، { حَكِيمًا } فيما دبره لهم .\r[2] { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } ، قرأ أبو عمرو ( يعملون خبيرا ) و ( يعملون بصيرا ) بالياء فيهما وقرأ غيره بالتاء .\r[3] { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } ثق بالله ، { وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } حافظا لك ، وقيل : كفيلا برزقك .","part":6,"page":206},{"id":2707,"text":"[4] قوله عز وجل : { مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } نزلت في أبي معمر جميل بن معمر الفهري ، وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع ، فقالت قريش : ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان ، وكان يقول : إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ، وقال الزهري ومقاتل : هذا مثل ضربه الله عز وجل للمظاهر من امرأته وللمتبني ولد غيره ، يقول : فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون له أمان ، ولا يكون له ولد واحد ابن رجلين . { وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ } صورة الظهار أن يقول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، يقول الله تعالى : ما جعل نساءكم اللائي تقولون لهن هذا في التحريم كأمهاتكم ، ولكنه منكر وزور ، وفيه كفارة نذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المجادلة . { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ } ، يعني من تبنيتموه { أَبْنَاءَكُمْ } ، فيه نسخ التبني ، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن المولود له يدعوه الناس إليه ويرث ميراثه ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل","part":6,"page":207},{"id":2708,"text":"الكلبي ، وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب ، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة ، قال المنافقون : تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس من ذلك فأنزل الله هذه الآية ونسخ التبني ، { ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ } ، لا حقيقة له يعني قولهم زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم نسب لا حقيقة له ، { وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ } ، يعني قوله الحق ، { وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ } ، أي يرشدهم إلى سبيل الحق .","part":6,"page":208},{"id":2709,"text":"[5] { ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ } الذين ولدوهم ، { هُوَ أَقْسَطُ } أعدل { عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ } ، يعني فهم إخوانكم ، { فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } ، إن كانوا محررين وليسوا بنيكم ، أي سموهم بأسماء إخوانكم في الدين . وقيل : مواليكم أي أولياءكم في الدين ، { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } ، قبل النهي فنسبتموه إلى غير أبيه ، { وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } ، ومن دعائهم إلى غير آبائهم بعد النهي . وقال قتادة : فيما أخطأتم به أن تدعوه لغير أبيه وهو يظن أنه كذلك ومحل ( ما ) في قوله تعالى : { مَا تَعَمَّدَتْ } خفض ردا على { مَا } التي في قوله : { فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } مجازه ولكن فيما تعمدت قلوبكم ، { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه فالجنة عليه حرام » (1) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي 8 / 45 ومسلم في الإيمان رقم ( 63 ) 1 / 80 .","part":6,"page":209},{"id":2710,"text":"[6] قوله عز وجل : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } ، يعني من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم . وقال ابن عباس وعطاء : يعني إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم ، وقيل : هو أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذلك النفس دونه . وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الجهاد فيقول قوم : نذهب فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا ، فنزلت الآية ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة ، اقرءوا إن شئتم { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ، ومن ترك دَيْنًا أو ضِيَاعًا فليأتني فأنا مولاه » (1) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الاستقراض 5 / 61 ومسلم في الفرائض رقم ( 1619 ) 3 / 1238 .","part":6,"page":210},{"id":2711,"text":"قوله عز وجل : { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } ، وفي حرف أُبَيّ ( وأزواجه وأمهاتهم ) ، وهو لهم وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد ، لا في النظر إليهن والخلوة بهن ، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب ، قال الله تعالى : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ }{ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } ، يعني في الميراث ، قال قتادة : كان المسلمون يتوارثون بالهجرة . قال الكلبي : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس ، فكان يؤاخي بين رجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته ، حتى نزلت هذه الآية { فِي كِتَابِ اللَّهِ } في حكم الله و { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، الذين آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، { وَالْمُهَاجِرِينَ } ، يعني ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرث بالإيمان والهجرة ، نسخت هذه الآية الموارثة بالمآخاة والهجرة وصارت القرابة . قوله : { إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } ، أراد بالمعروف الوصية للذين يتولونه من المعاقدين ، وذلك أن الله لما نسخ","part":6,"page":211},{"id":2712,"text":"التوارث بالحلف والهجرة أباح أن يوصي الرجل لمن يتولاه بما أحب من ثلثه . وقال مجاهد : أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة لحق الإيمان بالهجرة . وقيل : أراد بالآية إثبات الميراث بالإيمان والهجرة ، يعني وأولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض ، أي لا توارث بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا يعني إلا أن توصوا لذوي قراباتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة ، وهذا قول قتادة وعطاء وعكرمة . { كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } ، أي كان الذي ذكر من أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مسطورا مكتوبا . وقال القرظي : في التوراة .","part":6,"page":212},{"id":2713,"text":"[7] { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ } ، على الوفاء بما حملوا وأن يصدق بعضهم بعضا ويبشر بعضهم ببعض . قال مقاتل : أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله ويصدق بعضهم بعضا وينصحوا لقومهم ، { وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } ، خص هؤلاء الخمسة بالذكر من النبيين لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولوا العزم من الرسل { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } ، عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا .\r[8] { لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ } ، يقول : أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون لتبكيت من أرسلوا إليهم . وقيل : ليسأل الصادقين عن علمهم لله عز وجل . وقيل : ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم . { وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا } .","part":6,"page":213},{"id":2714,"text":"[9] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } ، وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق ، { إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ } ، يعني الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير ، { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا } ، وهي الصَّبَا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » (1) .\rقوله تعالى : { وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا } ، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ ، فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحا باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطناب الفساطيط وأطفأت النيران وأكفأت القدور ، وجالت الخيل بعضها في بعض فانهزموا من غير قتال . { وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الاستسقاء 2 / 52 ومسلم في الاستسقاء رقم ( 900 ) 2 / 617 .","part":6,"page":214},{"id":2715,"text":"[10] { إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ } أي من فوق الوادي من قبل المشرق وهم أسد وغطفان وعليهم مالك بن عوف النصري وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد وحيي بن أخطب في يهود بني قريظة ، { وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ } ، يعني من بطن الوادي من قبل الغرب ، وهم قريش وكنانة عليهم أبو سفيان بن حرب في قريش ومن تبعه ، وأبو الأعور بن سفيان السلمي من قبل الخندق ، وكان السبب الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير من ديارهم , { وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ } ، مالت وشخصت من الرعب ، وقيل : مالت عن الشيء فلم تنظر إلى عدوها ، { وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ } ، فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق مات الفزع ، والحنجرة جوف الحلقوم وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف ، قال الفراء : معناه أنهم جبنوا وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ، ولهذا يقال للجبان انتفخ سحره ، { وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ } ، أي اختلفت الظنون فظن المنافقون استئصال محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله","part":6,"page":215},{"id":2716,"text":"عنهم ، وظن المؤمنون النصر والظفر لهم ، قرأ أهل المدينة والشام وأبو بكر : الظنونا والرسولا والسبيلا بإثبات الألف وصلا ووقفا لأنها مثبتة في المصاحف بالألف ، وقرأ أهل البصرة وحمزة بغير الألف في الحالين على الأصل ، وقرأ الآخرون بالألف في الوقف دون الوصل لموافقة رءوس الآي .\r[11] { هُنَالِكَ ابْتُلِيَ } ، أي عند ذلك اختبر ، { الْمُؤْمِنُونَ } ، بالحصر والقتال ليتبين المخلص من المنافق ، { وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا } ، حركوا حركة شديدة .\r[12] { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ } ، معتب بن قشير ، وقيل : عبد الله بن أبي وأصحابه ، { وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } شك وضعف اعتقاد ، { مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا } ، وهو قول أهل النفاق : يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله ، هذا والله الغرور .","part":6,"page":216},{"id":2717,"text":"[13] { وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ } ، أي من المنافقين وهم أوس بن قيظي وأصحابه ، { يا أَهْلَ يَثْرِبَ } ، يعني المدينة ، قال أبو عبيدة : يثرب ، وقال : هي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في ناحية منها ، وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تسمى المدينة يثرب ، وقال : \"هي طابة\" ، كأنه كره هذا اللفظ { لَا مُقَامَ لَكُمْ } ، قرأ العامة بفتح الميم أي لا مكان لكم تنزلون وتقيمون فيه ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وحفص بضم الميم أي لا إقامة لكم ، { فَارْجِعُوا } إلى منازلكم عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : عن القتال إلى مساكنكم ، { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ } وهم بنو حارثة وبنو سلمة ، { يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } ، أي خالية ضائعة ، وهو مما يلي العدو ونخشى عليها السراق ، وقرأ أبو رجاء العطاردي ( عَوِرَةٌ ) بكسر الواو ، أي قصيرة الجدران يسهل دخول السراق عليها ، فكذبهم الله فقال : { وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا } ، أي ما يريدون إلا الفرار .","part":6,"page":217},{"id":2718,"text":"[14] { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ } أي لو دخل عليهم المدينة هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحزاب { مِنْ أَقْطَارِهَا } ، جوانبها ونواحيها جمع قطر ، { ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ } ، أي الشرك ، { لَآتَوْهَا } ، لأعطوها ، وقرأ أهل الحجاز لأتوها مقصورا ، أي لجاءوها وفعلوها ورجعوا عن الإسلام ، { وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا } ، أي ما احتبسوا عن الفتنة ، { إِلَّا يَسِيرًا } ، ولأسرعوا الإجابة إلى الشرك طيبة به أنفسهم ، هذا قول أكثر المفسرين . وقال الحسن والفراء : وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا .","part":6,"page":218},{"id":2719,"text":"[15] { وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ } ، أي من قبل غزوة الخندق ، { لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ } ، من عدوهم أي لا ينهزمون ، قال يزيد بن رومان : هم بنو حارثة هَمُّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة ، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها . وقال قتادة : هم ناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة ، قالوا : لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن فساق الله إليهم ذلك { وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا } ، أي مسئولا عنه .","part":6,"page":219},{"id":2720,"text":"[16] { قُلْ } ، لهم { لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ } ، الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أو قتل ، { وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا } ، أي لا تمتعون بعد هذا الفرار إلا مدة آجالكم وهي قليل .\r[17] { قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ } أي يمنعكم من عذابه ، { إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا } ، هزيمة ، { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } ، نصرة ، { وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا } ، أي قريبا ينفعهم ، { وَلَا نَصِيرًا } ، أي ناصرا يمنعهم .\r[18] { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ } ، أي المثبطين للناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } ، أي ارجعوا إلينا ودعوا محمدا فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك ، قال قتادة : هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي صلى الله عليه وسلم { وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ } ، الحرب ، { إِلَّا قَلِيلًا } ، رياء وسمعة من غير احتساب ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا .","part":6,"page":220},{"id":2721,"text":"[19] { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } ، بخلاء بالنفقة في سبيل الله ، وقال قتادة : بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن ، فقال : { فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ } ، في الرءوس من الخوف والجبن ، { كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } ، أي كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت ، وذلك أن من قرب من الموت وغشيه أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره ، فلا يطرف ، { فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ } ، آذوكم ورموكم في حال الأمن ، { بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } ، ذربة ، جمع حديد ، يقال للخطيب الفصيح : الذرب اللسان مسلق ومصلق وسلاق وصلاق ، قال ابن عباس : سلقوكم أي عضدوكم وتناولوكم بالنقص والغيبة . وقال قتادة : بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة ، يقولون : أعطونا فإنا قد شهدنا معكم القتال ، فلستم أحق بالغنيمة منا ، فهم عند الغنيمة أشح قوم وعند البأس أجبن قوم ، { أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ } ، أي عند الغنيمة يشاحون المؤمنين ، { أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ } ، قال مقاتل : أبطل الله جهادهم ، { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا","part":6,"page":221},{"id":2722,"text":"} .\r[20] { يَحْسَبُونَ } ، يعني هؤلاء المنافقين ، { الْأَحْزَابَ } ، يعني قريشا وغطفان اليهود ، { لَمْ يَذْهَبُوا } ، لم ينصرفوا عن قتالهم جبنا وفرقا وقد انصرفوا ، { وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ } ، أي يرجعوا إليهم للقتال بعد الذهاب ، { يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ } ، أي يتمنوا لو كانوا في بادية مع الأعراب من الخوف والجبن ، يقال : بدا يبدو بداوة إذا خرج إلى البادية ، { يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ } ، أخباركم وما آل إليه أمركم ، وقرأ يعقوب : ( يَسَّاءَلُونَ ) مشددة ممدودة أي يتساءلون ، { وَلَوْ كَانُوا } ، يعني هؤلاء المنافقين ، { فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا } ، تعذيرا ، أي يقاتلون قليلا يقيمون به عذرهم ، فيقولون قد قاتلنا .","part":6,"page":222},{"id":2723,"text":"[21] { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } أي قدوة صالحة ، وهي فعلة من الائتساء ، كالقدوة من الاقتداء اسم وضع موضع المصدر ، أي به اقتداء حسن إن تنصروا دين الله وتوازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه ، وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذ كسرت رباعيته وجرح وجهه ، وقتل عمه وأوذي بضروب من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه ، فافعلوا أنتم كذلك أيضا واستنوا بسنته ، { لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ } ، بدل من قوله : لكم ، وهو تخصيص بعد تعميم للمؤمنين ، يعني أن الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان يرجو الله ، قال ابن عباس : يرجو ثواب الله . وقال مقاتل : يخشى الله { وَالْيَوْمَ الْآخِرَ } ، أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال ، { وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } في جميع المواطن على السراء والضراء .\rثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال :","part":6,"page":223},{"id":2724,"text":"[22] { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا } ، تسليما لأمر الله وتصديقا لوعده ، { هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } ، وعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ } ، إلى قوله : { أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } ، فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء ، فلما رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ، { وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } ، أي تصديقا لله وتسليما لأمر الله .","part":6,"page":224},{"id":2725,"text":"[23] { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } ، أي قاموا بما عاهدوا الله عليه ووفوا به ، { فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ } ، أي فرغ من نذره ووفى بعهده فصبر على الجهاد حتى استشهد ، والنحب : النذر ، والنحب : الموت أيضا ، قال مقاتل : قضى نحبه يعني أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه . وقيل : قضى نحبه أي بذل جهده في الوفاء بالعهد من قول العرب : نحب فلان في سَيْرِهِ يومه وليله أجمع إذا مد فلم ينزل ، { وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ } ، الشهادة ، وقال محمد بن إسحاق : فمنهم من قضى نحبه من استشهد يوم بدر وأحد ومنهم من ينتظر يعني من بقي بعد هؤلاء من المؤمنين ينتظرون أحد الأمرين إما الشهادة أو النصر ، { وَمَا بَدَّلُوا } عهدهم { تَبْدِيلًا } .\r[24] قوله عز وجل : { لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } ، أي جزاء صدقهم ، وصدقهم هو الوفاء بالعهد ، { وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } ، فيهديهم إلى الإيمان ، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } .","part":6,"page":225},{"id":2726,"text":"[25] { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، من قريش وغطفان ، { بِغَيْظِهِمْ } ، لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا ، { لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا } ، ظفرا ، { وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ } ، بالملائكة والريح ، { وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا } ، قويا في ملكه عزيزا في انتقامه .","part":6,"page":226},{"id":2727,"text":"[26] { وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } ، أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وهم بنو قريظة ، { مِنْ صَيَاصِيهِمْ } ، حصونهم ومعاقلهم , واحدها صيصية ، ومنه قيل : للقرن ولشوكة الديك والحاكة صيصية ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح من الليلة التي انصرف الأحزاب فيها راجعين إلى بلادهم وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة ووضعوا السلاح فلما كان الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فقال جبريل : عفا الله عنك ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم . فقال : إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا فأذن أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم ، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد صلاة العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يصلين أحد العصر","part":6,"page":227},{"id":2728,"text":"إلا في بني قريظة » فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله بذلك ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيكم رجل منكم ؟ \" قالوا : بلى قال : فذاك إلى سعد بن معاذ ، قال سعد : فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وَتُسْبَى الذراري والنساء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد : \" لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة » ، وكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة { فَرِيقًا تَقْتُلُونَ } ، وهم الرجال يقال : كانوا ستمائة ، { وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا } ، وهم النساء والذراري ، يقال : كانوا سبعمائة وخمسين ، ويقال : سبعمائة .","part":6,"page":228},{"id":2729,"text":"[27] { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا } ، بعد ، قال ابن زيد ومقاتل : يعني خيبر ، قال قتادة كنا نحدث أنها مكة . وقال الحسن : فارس والروم . وقال عكرمة : كل أرض تفتح إلى يوم القيامة { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا } .\r[28] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ } متعة الطلاق ، { وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } .","part":6,"page":229},{"id":2730,"text":"[29] { وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } ، سبب الآية أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة ، وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة ، فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعنها على ذلك (1) قال قتادة : فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فقال : { لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ } .\r_________\r(1) أي بقية نسائه ، انظر فتح الباري 8 / 519 مسلم ( 1475 ) 2 / 1105 - 1108 ، الطبري 21 / 156 شرح السنة 9 / 215 .","part":6,"page":230},{"id":2731,"text":"[30] { يا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } ، بمعصية ظاهرة وقال ابن عباس : المراد بالفاحشة النشوز وسوء الخلق ، { يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } ، قرأ ابن كثير وابن عامر : ( نُضَعِّفُ ) بالنون وكسر العين وتشديدها ، الْعَذَابَ نصب ، وقرأ الآخرون بالياء وفتح العين { الْعَذَابُ } رفع ويشددها أبو جعفر وأهل البصرة ، وشدد أبو عمرو هذه وحدها لقوله : { ضِعْفَيْنِ } ، وقرأ الآخرون : ( يُضَاعَفُ ) بالألف وفتح العين ، { الْعَذَابُ } رفع ، وهما لغتان مثل بَعَّدَ وَبَاعَدَ ، قال أبو عمرو وأبو عبيدة : ضَعَّفْت الشيء إذا جعلته مثليه وضاعفته جعلته أمثاله . { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } ، قال مقاتل : كان عذابها على الله هاهنا وتضعيف عقوبتهن على المعصية لشرفهن كتضعيف عقوبة الحرة على الأمة وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن ، وفيه إشارة إلى أنهن أشرف نساء العالمين .","part":6,"page":231},{"id":2732,"text":"[31] { وَمَنْ يَقْنُتْ } ، يطع ، { مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } ، أي مثل أجر غيرها ، قال مقاتل : مكان كل حسنة عشرين حسنة . { وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا } ، حسنا يعني الجنة .","part":6,"page":232},{"id":2733,"text":"[32] { يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ } ، قال ابن عباس : يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي ولم يقل كواحدة لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ، قال الله تعالى : { لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } وقال : { فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } ، { إِنِ اتَّقَيْتُنَّ } ، الله أَطِعْنَهُ ، { فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ } ، لا تَلِنَّ بالقول للرجال ولا تُرَقِّقْنَ الكلام ، { فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } ، أي فجور وشهوة ، وقيل : نفاق ، والمعنى لا تقلن قولا يجد منافق أو فاجر به سبيلا إلى الطمع فَيُكِنَّ ، والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المنالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع ، { وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا } ، ما يوجبه الدين والإسلام بتصريح وبيان من غير خضوع .","part":6,"page":233},{"id":2734,"text":"[33] { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } ، قرأ أهل المدينة وعاصم { وَقَرْنَ } بفتح القاف ، وقرأ الآخرون بكسرها فمن فتح القاف فمعناه : اقررن أي الزمن بيوتكن ، من قولهم : قررت بالمكان أقر قرا ، ويقال : قررت أقر وقررت أقر وهما لغتان ، فحذفت الراء الأولى التي هي عين الفعل لثقل التضعيف ونقلت حركتها إلى القاف كقولهم : في ظللت ظلت ومن كسر القاف فقد قيل : هو من قررت أقر معناه أقررن بكسر الراء فحذفت الأولى ونقلت حركتها إلى القاف كما ذكرنا ، وقيل : وهو الأصح أنه أمر من الوقار كقولهم من الوعد عدن ومن الوصل صلن أي كن أهل وقار وسكون ، من قولهم : وقر فلان يقر وقورا إذا سكن واطمأن ، { وَلَا تَبَرَّجْنَ } قال مجاهد وقتادة : التبرج هو التكسر والتغنج ، وقال ابن أبي نجيح : هو التبختر . وقيل : هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال ، { تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } ، اختلفوا في الجاهلية الأولى . قال الشعبي : هي ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وقال أبو العالية : هي في زمن داود وسليمان عليهما السلام . وقال الكلبي : كان ذلك في زمن نمرود الجبار ، وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الجاهلية الأولى بين","part":6,"page":234},{"id":2735,"text":"نوح وإدريس ، وكانت ألف سنة . وقال قتادة : هي ما قبل الإسلام . وقيل : الجاهلية الأولى ما ذكرنا والجاهلية الأخرى قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان . وقيل : قد تذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى ، كقوله تعالى : { وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى } ، ولم يكن لها أخرى . قوله تعالى : { وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ } ، أراد بالرجس الإثم الذي نهى الله النساء عنه ، قاله مقاتل ، وقال ابن عباس : يعني عمل الشيطان وما ليس لله فيه رِضًا ، وقال قتادة : يعني السوء . وقال مجاهد : الرجس الشك ، وأراد بأهل البيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته ، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وتلا قوله : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ } ، وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة وغيرهما إلى أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين ، قال زيد بن أرقم : أهل بيته مَنْ حَرُمَ الصَّدَقَةُ عليه بعده ، آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس .","part":6,"page":235},{"id":2736,"text":"[34] قوله تعالى : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ } ، أي القرآن ، { وَالْحِكْمَةِ } ، قال قتادة : يعني السنة . وقال مقاتل : أحكام القرآن ومواعظه . { إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } ، أي لطيفا بأوليائه خبيرا بجميع خلقه .","part":6,"page":236},{"id":2737,"text":"[35] قوله عز وجل : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } ، الآية . وذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن : يا رسول الله إن الله ذكر الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير ، فما فينا خير نذكر به ، إنا نخاف ألا يقبل الله منا طاعة فأنزل الله هذه الآية { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ } ، المطيعين { وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ } في إيمانهم وفيما ساءهم وسرهم ، { وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ } ، على ما أمر الله به ، { وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ } ، المتواضعين ، { وَالْخَاشِعَاتِ } ، وقيل : أراد به الخشوع في الصلاة ومن الخشوع ألا يلتفت ، { وَالْمُتَصَدِّقِينَ } ، مما رزقهم الله { وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ } عما لا يحل { وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ } ، قال مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } .","part":6,"page":237},{"id":2738,"text":"[36] قوله تعالى . { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ، الآية نزلت في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن جحش وأمهما أمية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب لمولاه زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى زيدا في الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه ، فلما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب وظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت وقالت : أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي ، وكانت بيضاء جميلة فيها حدة ، وكذلك كره أخوها ذلك ، فأنزل الله عز وجل : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } ، يعني عبد الله بن جحش ؟ { وَلَا مُؤْمِنَةٍ } يعني أخته زينب ، { إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا } ، أي إذا أراد الله ورسوله أمرا وهو نكاح زينب لزيد { أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } قرأ أهل الكوفة أن يكون بالياء للحائل بين التأنيث والفعل ، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الْخِيَرَةِ من أمرهم ، والخيرة الاختيار ، والمعنى أن","part":6,"page":238},{"id":2739,"text":"يريد غير ما أراد الله أو يمتنع مما أمر الله ورسوله به ، { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } ، أي أخطأ خطأ ظاهرا فلما سمعا ذلك رضيا بذلك وسلما ، وجعلت أمرها بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أخوها ، فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فدخل بها .","part":6,"page":239},{"id":2740,"text":"[37] { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } ، الآية نزلت في زينب وذلك « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوج زينب من زيد مكثت عنده حينا ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \"إني أريد أن أفارق صاحبتي \" ، قال : ما لك أَرَابَكَ منها شيء ؟ قال : لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرا ، ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني بلسانها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : \" أمسك عليك زوجك » ، { وَاتَّقِ اللَّهَ } ، في أمرها ، ثم طلقها زيد ، فذلك قوله عز وجل : { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ } ، بالإسلام { وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } بالتربية والإعتاق وهو زيد بن حارثة ، { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } ، يعني زينب بنت جحش ، { وَاتَّقِ اللَّهَ } فيها ولا تفارقها ، { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ } ، أي تُسِرُّ في نفسك ما الله مظهره ، أي كان في قلبه لو فارقها لتزوجها ، وقال ابن عباس : حبها . وقال قتادة : ود أنه طلقها ، { وَتَخْشَى النَّاسَ } ، قال ابن عباس والحسن : تستحييهم . وقيل : تخشى لائمة","part":6,"page":240},{"id":2741,"text":"الناس أن يقولوا أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها . { وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } ، قال ابن عمر وابن مسعود وعائشة : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية . وروي عن مسروق قال : قالت عائشة : لو كتم النبي صلى الله عليه وسلم شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ } . وروى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال : سألني علي بن الحسين زين العابدين ما يقول الحسن في قوله : { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } قلت : يقول لما جاء زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إني أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك ، فقال : أمسك عليك زوجك واتق الله ، فقال علي بن الحسين : ليس كذلك بل كان الله تعالى قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها ، فلما جاء زيد وقال : إني أريد أن أطلقها قال له : أمسك عليك زوجك ، فعاتبه الله وقال : لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك ، وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله علم أنه","part":6,"page":241},{"id":2742,"text":"يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال : { زَوَّجْنَاكَهَا } فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لأظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره ، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجة له وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد : التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي ، وهذا قول حسن مرض ، وإن كان القول الآخر وهو أنه أخفى محبتها ونكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء لأن العمد غير ملوم على ما يقع في قلبه في مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المآثم ، لأن الود وميل النفس من طبع البشر وقوله : { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ } أمر بالمعروف وهو حسن لا إثم فيه ، قوله تعالى . { وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } ، لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه السلام قد قال : « أنا أخشاكم لله وأتقاكم » ، ولكنه لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله تعالى أحق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء . قوله عز وجل : { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا } ، أي حاجة من نكاحها ، { زَوَّجْنَاكَهَا } ، وذكر قضاء","part":6,"page":242},{"id":2743,"text":"الوطر ليعلم أن زوجة المتبنى تحل بعد الدخول بها ، قال أنس : كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول : زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات . وقال الشعبي : كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لأدلُ عليك بثلاث : ما من نسائك امرأة تدلي بهن . جدي وجدك واحد ، إني أنكحنيك الله في السماء ، وإن السفير لجبريل عليه السلام . { لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ } ، إثم ، { فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا } ، والأدعياء جميع الدعي وهو المتبنى ، يقول : زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته لتعلم أن زوجة المتبنى حلال للمتبني ، وإن كان قد دخل بها المتبنى بخلاف امرأة ابن الصلب فإنها لا تحل للأب . { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } ، أي كان قضاء الله ماضيا وحكمه نافذا وقد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم .","part":6,"page":243},{"id":2744,"text":"[38] قوله تعالى : { مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ } ، أي فيما أحل الله له ، { سُنَّةَ اللَّهِ } ، أي كسنة الله ، نصب بنزع الخافض ، وقيل : نصب على الإغراء أي الزموا سنة الله ، { فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ } ، أي في الأنبياء الماضين أن لا يؤاخذهم بما أحل لهم وقيل : أشار بالسنة إلى النكاح فإنه من سنة الأنبياء عليهم السلام ، وقيل : إلى كثرة الأزواج مثل داود وسليمان عليهما السلام ، { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا } ، قضاء مقضيا كائنا ماضيا .\r[39] { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ } ، يعني سنة الله في الأنبياء الذين يبلغون رسالات الله ، { وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ } ، أي لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحل الله لهم وفرض عليهم ، { وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } ، حافظا لأعمال خلقه ومحاسبهم \" ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب قال الناس : إن محمدا تزوج امرأة ابنه .","part":6,"page":244},{"id":2745,"text":"[40] فأنزل الله عز وجل : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } ، يعني زيد بن حارثة ، أي ليس أبا أحد من رجالكم الذين لم يلدهم فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها ، فإن قيل : أليس أنه كان له أبناء القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم وكذلك الحسن والحسين ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن : « إن ابني هذا سيد » ؟ قيل : هؤلاء كانوا صغارا لم يكونوا رجالا . والصحيح ما قلنا : إنه أراد أبا أحد من رجالكم { وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } ، ختم الله به النبيين ، وقرأ ابن عامر وابن عاصم : { وَخَاتَمَ } بفتح التاء على الاسم ، أي آخرهم ، وقرأ الآخرون بكسر التاء على الفاعل لأنه ختم به النبيين فهو خاتمهم . قال ابن عباس : يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون بعده نبيا . وروي عن عطاء عن ابن عباس : أن الله تعالى لما حكم أن لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا , { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } عن أبي سلمة قال : كان أبو هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه ، ترك منه موضع لبنة فطاف به النظار","part":6,"page":245},{"id":2746,"text":"يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها فكنت أنا سددت موضع اللبنة ، ختم بي البنيان وختم بي الرسل » (1) .\r[41] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا } قال ابن عباس : لم يفرض الله تعالى فريضة على عباده إلا جعل لها حدا معلوما وعذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه لم يجعل له حدا ينتهي إليه ، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله فلذلك أمرهم به في كل الأحوال ، فقال : { فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } . وقال : { اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا } أي بالليل والنهار في البر والبحر وفي الصحة والسقم ، وفي السر والعلانية . وقال مجاهد : الذكر الكثير أن لا تنساه أبدا .\r_________\r(1) أخرجه المصنف في شرح السنة 13 / 201 وأخرج البخاري نحوه 6 / 558 وكذا مسلم 4 / 1791 .","part":6,"page":246},{"id":2747,"text":"[42] { وَسَبِّحُوهُ } ، أي صلوا له ، { بُكْرَةً } ، يعني صلاة الصبح ، { وَأَصِيلًا } ، يعني صلاة العصر . وقال الكلبي : وأصيلا صلاة الظهر والعصر والعشاءين . وقال مجاهد : يعني قوله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فعبر بالتسبيح عن أخواته . وقيل : المراد من قوله ذكرا كثيرا هذه الكلمات يقولها الطاهر والجنب والمحدث .\r[43] { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ } ، فالصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين . قال السدي : قالت بنو إسرائيل لموسى : أيصلي ربنا فَكَبُرَ هذا الكلام على موسى ، فأوحى الله إليه أن قل لهم إني أصلي وأن صلاتي رحمتي ، وقد وسعت رحمتي كل شيء ، وقيل : الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده . وقيل : الثناء عليه { لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } ، أي من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، يعني أنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى النور ؟ { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } .","part":6,"page":247},{"id":2748,"text":"[44] { تَحِيَّتُهُمْ } ، أي تحية المؤمنين ، { يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ } ، أي يرون الله ، { سَلَامٌ } ، أي يسلم الله عليهم ، ويسلمهم من جميع الآفات . وروي عن البراء بن عازب قال : { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ } يعني يلقون ملك الموت ، لا يقبض روح مؤمن إلا يسلم عليه . وعن ابن مسعود قال : إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال : إن ربك يقرئك السلام . وقيل : تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم حتى يخرجوا من قبورهم . { وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا } ، يعني الجنة .\r[45] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } ، أي شاهدا للرسل بالتبليغ ومبشرا لمن آمن بالجنة ونذيرا لمن كذب بآياتنا بالنار .\r[46] { وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ } ، إلى توحيده وطاعته ، { بِإِذْنِهِ } ، بأمره ، { وَسِرَاجًا مُنِيرًا } ، سماه سراجا لأنه يهتدي به كالسراج يستضاء به في الظلمة .\r[47] { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا } .","part":6,"page":248},{"id":2749,"text":"[48] { وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } ، ذكرنا تفسيره في أول السورة ، { وَدَعْ أَذَاهُمْ } ، قال ابن عباس وقتادة : اصبر على أذاهم . وقال الزجاج : لا تجازهم عليه وهذا منسوخ بآياته القتال . { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } ، حافظا .","part":6,"page":249},{"id":2750,"text":"[49] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } ، فيه دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح ، حتى لو قال لامرأة أجنبية : إذا نكحتك فأنت طالق ، وقال : كل امرأة أنكحها فهي طالق ، فنكح لا يقع الطلاق { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } ، تجامعوهن ، { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } ، تحصونها بالأقراء والأشهر ، { فَمَتِّعُوهُنَّ } ، أي أعطوهن ما يستمتعن به ، قال ابن عباس : هذا إذا لم يكن سمى لها صداقا فلها المتعة فإن كان قد فرض لها صداقا فلها نصف الصداق ولا متعة وقال قتادة : هذه الآية منسوخة بقوله : { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } , وقيل : هذا أمر ندب فالمتعة مستحبة ولها مع نصف المهر , وذهب بعضهم إلى أنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية , { وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } , خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار .","part":6,"page":250},{"id":2751,"text":"[50] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ } , أي مهورهن , { وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ } , رد عليك من الكفار بأن تسبي فتملك مثل صفية وجويرية , وقد كانت مارية مما ملكت يمينه فولدت له , { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ } , يعني نساء قريش , { وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ } , يعني نساء بني زهرة , { اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } , إلى المدينة فمن لم تهاجر منهن معه لم يجز له نكاحها . وروى أبو صالح عن أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة خطبني فأنزل الله هذه الآية فلم أحل له لأني لم أكن من المهاجرات وكنت من الطلقاء ، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل (1) { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } ، أي أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك من غير صداق ، فأما غير المؤمنة فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه ، وأول بعضهم الهجرة في قوله : { اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } على الإسلام\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير 9 / 74 وقال : ( حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه ) والطبري 22 / 20 وصححه الحاكم 2 / 420 .","part":6,"page":251},{"id":2752,"text":"أي أسلمن معك ، وكان النكاح ينعقد في حقه بمعنى الهبة من غير ولي ولا شهود ولا مهر ، وكان ذلك من خصائصة صلى الله عليه وسلم في النكاح لقوله تعالى : { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } كالزيادة على الأربع ووجوب تخيير النساء كان من خصائصه لا مشاركة لأحد معه فيه { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ } ، أي أوجبنا على المؤمنين ، { فِي أَزْوَاجِهِمْ } ، من الأحكام ألا يتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } ، أي ما أوجبنا من الأحكام في ملك اليمين ، { لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } ، وهذا يرجع إلى أول الآية أي أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لك لكي لا يكون عليك حرج وضيق ، { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .","part":6,"page":252},{"id":2753,"text":"[51] { تُرْجِي } , أي تؤخر , { مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي } , أي تضم , { إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ } , اختلف المفسرون في معنى الآية فأشهر الأقاويل أنه في الْقَسْمِ كانت واجبة عليه , فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن , قال أبو رزين وابن زيد : نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة النفقة فهجرهن النبي صلى الله عليه وسلم شهرا حتى نزلت آية التخيير فأمره الله عز وجل أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة , , أن يخلي سبيل من اختارت الدنيا ويمسك من اختارت الله ورسوله والدار الآخرة , على أنهن أمهات المؤمنين ولا ينكحن أبدا وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ويرجي من يشاء فيرضين به قسم لهن أو لم يقسم , أو قسم لبعضهن دون بعض أو فضل بعضهن في النفقة والقسمة ، فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء ، وكان ذلك من خصائصه ، فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط وقال مجاهد : ترجي من تشاء منهن يعني تعزل من تشاء منهن بغير طلاق وترد إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد . وقال ابن عباس : تطلق منهن وتمسك من تشاء . وقال الحسن : تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت","part":6,"page":253},{"id":2754,"text":"من نساء أمتك ، قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول صلى الله عليه وسلم وقيل : تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها { وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ } ، أي طلبت وأردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن عن الْقَسْمِ ، { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ } لا إثم عليك فأباح الله له ترك القسم لهن حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن في نوبتها ويطأ من يشاء منهن في غير نوبتها ، ويرد إلى فراشه من عزلها تفضيلا له على سائر الرجال ، { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ } ، أي التخيير الذي خيرتك في صحبتهن أقرب إلى رضاهن وأطيب لأنفسهن وأقل لحزنهم إذا علمن أن ذلك من الله عز وجل ، { وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ } ، أعطيتهن ، { كُلُّهُنَّ } ، من تقرير وإرجاء وعزل وإيواء ، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } ، من أمر النساء والميل إلى بعضهن ، { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا } .","part":6,"page":254},{"id":2755,"text":"[52] قوله تعالى : { لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } ، قرأ أبو عمرو ويعقوب ( لا تَحِلُّ ) بالتاء ، وقرأ الآخرون بالياء من بعد يعني من بعد هؤلاء التسع اللاتي خيرتهن فاخترنك ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيرهن فاخترن الله ورسوله شكر الله لهن وحرم عليه النساء سواهن ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن ، هذا قول ابن عباس وقتادة وقال مجاهد : معناه لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا أن تبدل بهن ، يقول ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى ، يقول : لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية ، إلا ما ملكت يمينك ، أحل له ما ملكت يمينه من الكتابيات أن يتسرى بهن وقال ابن زيد في قوله : { وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } ، كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم ، يقول الرجل للرجل . بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي ، فأنزل الله : { وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } ، يعني لا تبادل بأزواج غيرك بأن تعطيه زوجك وتأخذ زوجته ، إلا ما ملكت يمينك لا بأس أن تبدل","part":6,"page":255},{"id":2756,"text":"بجاريتك ما شئت ، فأما الحرائر فلا . قوله تعالى : { وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } ، يعني ليس لك أن تطلق أحدا من نسائك وتنكح بدلها أخرى ولو أعجبك جمالها . قال ابن عباس : يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب ، فلما استشهد جعفر أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها فنهي عن ذلك ، { إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : ملك بعد هؤلاء مارية ، { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا } ، حافظا .","part":6,"page":256},{"id":2757,"text":"[53] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ } يقول : إلا أن تُدْعَوْا ، { إِلَى طَعَامٍ } ، فيؤذن لكم فتأكلونه ، { غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ } ، غير منتظرين إدراكه ووقت نضجه ، يقال : أَنَى الحميم إذا انتهى حره ، وَإِنَى أن يفعل ذلك إذا حان ، إِنَى بكسر الهمزة مقصورة ، فإذا فتحتها مددت فقلت الإناء ، وفيه لغتان : إِنَى يَأْنَى وَآنَ يَئِينُ مثل حَان يَحِينُ ، { وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ } ، أكلتم الطعام ، { فَانْتَشِرُوا } تفرقوا واخرجوا من منزله ، { وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } ، ولا طالبين الأنس للحديث ، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلا فَنُهُوا عن ذلك ، { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ } ، أي لا يترك تأديبكم وبيان الحق حياء ، { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } ، أي من وراء ستر ، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم متنقبة كانت أو غير متنقبة ،","part":6,"page":257},{"id":2758,"text":"{ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } من الريب { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ } ، ليس لكم أذاه في شيء من الأشياء ، { وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا } ، نزلت في رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال لئن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنكحن عائشة ، قال مقاتل بن سليمان : هو طلحة بن عبيد الله فأخبره الله عز وجل أن ذلك محرم ، وقال : { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا } ، أي ذنبا عظيما .\r[54] { إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } ، نزلت فيمن أضمر نكاح عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : قال رجل من الصحابة : ما بالنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا ، فنزلت هذه الآية ، ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب : ونحن أيضا نكلمهن من وراء الحجاب ؟","part":6,"page":258},{"id":2759,"text":"[55] فأنزل الله : { لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ } أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء { وَلَا نِسَائِهِنَّ } ، قيل : أراد به النساء المسلمات حتى لا يجوز للكتابيات الدخول عليهن ، وقيل : هو عام في المسلمات والكتابيات ، وإنما قال : { وَلَا نِسَائِهِنَّ } ، لأنهن بين أجناسهن ، { وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } ، واختلفوا في أن عبد المرأة هل يكون محرما لها أم لا ؟ فقال قوم : يكون محرما لقوله عز وجل : { وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } ، وقال قوم : هو كالأجانب ، والمراد من الآية الإماء دون العبيد ، { وَاتَّقِينَ اللَّهَ } أن يراكن غير هؤلاء ، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ } ، من أعمال العباد { شَهِيدًا } .","part":6,"page":259},{"id":2760,"text":"[56] قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } ، قال ابن عباس : أراد إن الله يرحم النبي ، والملائكة يدعون له . وعن ابن عباس أيضا : يصلون يتبركون . وقيل : الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ، { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ } , أي ادعوا له بالرحمة , { وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } , أي حيوه بتحية الإسلام . وقال أبو العالية : صلاة الله : ثناؤه عليه عند الملائكة , وصلاة الملائكة الدعاء . عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا » (1) .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الصلاة برقم ( 408 ) 1 / 306 . والمصنف في شرح السنة 3 / 195 .","part":6,"page":260},{"id":2761,"text":"[57] قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } , قال ابن عباس : هم اليهود والنصارى والمشركون فأما اليهود فقالوا : عزير ابن الله وأما النصارى فقالوا : المسيح ابن الله وثالث ثلاثة وأما المشركون فقالوا : الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه وقيل : معنى يؤذون الله : أي يلحدون في أسمائه وصفاته , وقال عكرمة : هم أصحاب التصاوير , عن أبي زرعة سمع أبا هريرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « قال الله تعالى : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي , فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة » (1) وقال بعضهم : { يُؤْذُونَ اللَّهَ } أي يؤذون أولياء الله ، كقوله تعالى : { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ } ، أي أهل القرية . فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « قال الله تعالى : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب » (2) ، وقال : « من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة » ومعنى الأذى هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب معاصيه . . ذكره على ما يتعارفه الناس بينهم والله عز وجل منزه عن أن يلحقه أذى من أحد . وإيذاء الرسول قال ابن عباس :\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد 13 / 528 ومسلم في اللباس برقم ( 2111 ) 3 / 1671 .\r(2) أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 340 .","part":6,"page":261},{"id":2762,"text":"هو أنه شج في وجهه وكسرت رباعيته . وقيل : شاعر ساحر معلم مجنون .\r[58] { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا } ، من غير أن عملوا ما أوجب آذاهم ، وقال مجاهد : يقعون فيهم ويرمونهم بغير جرم ، { فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } ، وقال مقاتل : نزلت في علي بن أبي طالب كانوا يؤذونه ويشتمونه . وقيل : نزلت في شأن عائشة . وقال الضحاك والكلبي : نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن ، فيغمزون المرأة فإن سكتت اتبعوها وإن زجرتهم انتهوا عنها . ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ، ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان وَاحِدًا ، يخرجن في درع وخمارة الحرة والأمة كذلك فشكون ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } الآية ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء .","part":6,"page":262},{"id":2763,"text":"[59] فقال : جل ذكره : { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ } جمع الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار ، وقال ابن عباس وأبو عبيدة : أمر نساء المؤمنين أن يغطين رءوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر ، { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ } ، أنهن حرائر ، { فَلَا يُؤْذَيْنَ } ، فلا يتعرضن لهن ، { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } ، قال أنس : مرت بعمر بن الخطاب جارية متقنعة فعلاها بالدرة ، وقال : يا لكاع أتتشبهين بالحرائر ، ألقي القناع .","part":6,"page":263},{"id":2764,"text":"[60] قوله عز وجل : { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ } ، عن نفاقهم ، { وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } ، فجور ، يعني الزنا ، { وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ } ، بالكذب وذلك أن ناسا منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقعون في الناس الرعب وإذا التحم القتال ولوا وانهزموا ، ويقولون : قد أتاكم العدو ونحوها . وقال الكلبي : كانوا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويفشون الأخبار { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } ، لنحرشنك بهم ولنسلطنك عليهم ، { ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا } ، لا يساكنوك في المدينة { إِلَّا قَلِيلًا } ، حتى يخرجوا منها ، وقيل : لنسلطنك عليهم حتى تقتلهم وتخلي منهم المدينة .\r[61] { مَلْعُونِينَ } ، مطرودين ، نصب على الحال ، { أَيْنَمَا ثُقِفُوا } ، وجدوا وأدركوا ، { أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا } ، أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به .\r[62] { سُنَّةَ اللَّهِ } ، أي كسنة الله ، { فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ } ، من المنافقين والذين فعلوا مثل هؤلاء ، { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا } .","part":6,"page":264},{"id":2765,"text":"[63] قوله تعالى : { يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ } ، أَيْ أَيُّ شيء يعلمك أمر الساعة ، ومتى يكون قيامها أي أنت لا تعرفه ، { لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا } .\r[64 - 66] - { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا }{ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا }{ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ } ، ظهرا لبطن حين يسحبون عليها ، { يَقُولُونَ يا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا } ، في الدنيا .\r[67] { وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا } . قرأ ابن عامر ويعقوب . ساداتنا بكسر التاء وألف قبلها على جمع الجمع ، وقرأ الآخرون بفتح التاء بلا ألف قبلها ، { وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ } .","part":6,"page":265},{"id":2766,"text":"[68] { رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ } ، أي ضعفي عذاب غيرهم . قوله تعالى : { وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } ، قرأ عاصم كبيرا بالباء . قال الكلبي : أي عذابا كثيرا ، وقرأ الآخرون بالثاء كقوله تعالى : { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } ، وهذا يشهد للكثرة أي مرة بعد مرة .\r[69] قوله عز وجل : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا } ، فطهره الله مما قالوا ، { وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } ، أي كريما ذا جاه ، يقال : وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه ، إذا كان ذا جاه وقدر . قال ابن عباس : كان حَظِيًّا عند الله لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه . وقال الحسن : كان مستجاب الدعوة . وقيل : كان محببا مقبولا .\r[70] قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } ، قال ابن عباس : صوابا . وقال قتادة . عدلا . وقال الحسن : صدقا . وقيل : مستقيما . وقال عكرمة : هو قول لا إله إلا الله .","part":6,"page":266},{"id":2767,"text":"[71] { يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } ، قال ابن عباس : يتقبل حسناتكم . وقال مقاتل : يزك أعمالكم ، { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } ، أي ظفر بالخير كله .","part":6,"page":267},{"id":2768,"text":"[72] قوله تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ } , الآية , أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده , عرضها على السماوات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم , وهذا قول ابن عباس , وقال ابن مسعود : الأمانة أداء الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وصدق الحديث وقضاء الدين والعدل في المكيال والميزان , وأشد من هذا كله الودائع ، وقال مجاهد : الأمانة الفرائض وحدود الدين . وقال أبو العالية : ما أمروا به ونهوا عنه : وقال زيد بن أسلم : هو الصوم والغسل من الجنابة , وما يخفى من الشرائع . وقال بعضهم : هي أمانات الناس والوفاء بالعهد , فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا ولا معاهد في شيء قليل ولا كثير , وهي رواية الضحاك عن ابن عباس , فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السماوات والأرض والجبال ، هذا قول ابن عباس وجماعة من التابعين وأكثر السلف . وقال بعضهم : المراد من العرض على السماوات والأرض هو العرض على أهل السماوات والأرض ، عرضها على من فيها من الملائكة . وقيل : على أهلها كلها دون أعيانها ، كقوله تعالى : { وَاسْأَلِ","part":6,"page":268},{"id":2769,"text":"الْقَرْيَةَ } أي أهل القرية . والأول أصح , وهو قول العلماء { فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } ، أي خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب ، { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ } ، يعني آدم عليه السلام ، فقال الله لآدم : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها ؟ قال : يا رب وما فيها ؟ قال : إن أحسنت جوزيت ، وإن أسأت عوقبت ، فتحملها آدم { إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } ، قال ابن عباس : ظلوما لنفسه جهولا لأمر الله وما احتمل من الأمانة . وقال الكلبي : ظلوما حين عصى ربه ، جهولا لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة . وقال مقاتل : ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تحمَّل .","part":6,"page":269},{"id":2770,"text":"[73] قوله عز وجل : { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ } ، وقال مقاتل : ليعذبهم بما خانوا الأمانة ونقضوا الميثاق ، { وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } ، يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة . وقال ابن قتيبة : أي عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك فيعذبهما الله ، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه أي يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات .","part":6,"page":270},{"id":2771,"text":"( 34 ) سورة سبأ\r[1] { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ، ملكا وخلقا ، { وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ } ، كما هو له في الدنيا , لأن النعم في الدارين كلها منه ، وقيل : الحمد لله في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال الله تعالى : { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } ، و { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } ، { وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } .\r[2] { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ } ، أي يدخل فيها من الماء والأموات ، { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } ، من النبات والأموات إذا حشروا ، { وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ } ، من الأمطار ، { وَمَا يَعْرُجُ } ، يصعد ، { فِيهَا } ، من الملائكة وأعمال العباد ، { وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ } .","part":6,"page":271},{"id":2772,"text":"[3] { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ } ، الساعة { عَالِمِ الْغَيْبِ } قرأ أهل المدينة والشام : عَالِمُ بالرفع على الاستئناف وقرأ الآخرون بالجر على نعت الرب ، أي وربي عالم الغيب ، وقرأ حمزة والكسائي : ( عَلَّامِ ) على وزن فَعَّال ، وجر الميم ، { لَا يَعْزُبُ } ، لا يغيب ، { عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ } ، أي من الذرة ، { وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ }\r[4] { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ } يعني الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } ، حسن يعني في الجنة .\r[5] { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا } ، في إبطال أدلتنا ، { مُعَاجِزِينَ } ، يحسبون أنهم يفوتوننا ، { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ } ، قرأ ابن كثير وحفص ويعقوب . { أَلِيمٌ } بالرفع هاهنا وفي الجاثية على نعت العذاب ، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت الرجز ، وقال قتادة : الرجز سوء العذاب .","part":6,"page":272},{"id":2773,"text":"[6] { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } ، يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه . وقال قتادة : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، { الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } ، يعني القرآن ، { هُوَ الْحَقَّ } ، يعني أنه من عند الله ، { وَيَهْدِي } ، يعني القرآن ، { إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } ، وهو الإسلام .\r[7] { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، منكرين للبعث متعجبين منه ، { هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ } ، أي يخبركم يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم ، { إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } ، قُطِّعْتُم كُلَّ تقطيع وَفُرِّقْتُم كل تفريق وَصِرْتُم ترابا { إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } يقول لكم إنكم لفي خلق جديد .","part":6,"page":273},{"id":2774,"text":"[8] { أَفْتَرَى } ، ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ولذلك نصبت ، { عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ } يقولون : أزعم كذبا أم به جنون ، قال الله تعالى ردا عليهم : { بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ } ، من الحق في الدنيا .\r[9] قوله تعالى : { أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } ، فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها وأنا القادر عليهم ، { إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ } ، قرأ الكسائي { نَخْسِفْ بِهِمُ } بإدغام الفاء في الباء ، { أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ } ، قرأ حمزة والكسائي : إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ أَوْ يُسْقِطْ ، بالياء فيهن لذكر الله من قبل ، قرأ الآخرون بالنون فيهن ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، أي فيما ترون من السماء والأرض ، { لَآيَةً } ، تدل على قدرتنا على البعث { لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ } ، تائب راجع إلى الله بقلبه .","part":6,"page":274},{"id":2775,"text":"[10] قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا } ، يعني النبوة والكتاب ، وقيل : الملك . وقيل : جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به ، { يا جِبَالُ } ، أي وقلنا : يا جبال ، { أَوِّبِي } ، أي سبحي ، { مَعَهُ } إذا سبح ، وقال القتيبي : أصله من التأويب في السير وهو أن يسير النهار كله فينزل ليلا بالتسبيح معه . وقال وهب : نوحي معه ، { وَالطَّيْرَ } ، عطف على موضع الجبال ، لأن كل منادى في موضع النصب . وقيل : معناه وسخرنا وأمرنا الطير أن تسبح معه . وقرأ يعقوب : وَالطَّيْر بالرفع ردا على الجبال أي أوبي أنت والطير { وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ } ، حتى كان الحديد في يده كالشمع والعجين يعمل فيه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة .","part":6,"page":275},{"id":2776,"text":"[11] { أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ } ، دروعا كوامل واسعات طوالا تسحب في الأرض ، { وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } ، واسرد نسج الدروع ، يقال لصانعه : السراد والزراد ، يقول : قدر المسامير في حلق الدرع أي لا تجعل المسامير دقاقا فتفلت ولا غلاظا فتكسر الحلق ، ويقال : السرد المسمار في الحلقة ، يقال : درع مسرودة أي مسمورة الحلق ، وقدر في السرد اجعله على القصد وقدر الحاجة ، { وَاعْمَلُوا صَالِحًا } ، يريد داود وآله ، { إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .","part":6,"page":276},{"id":2777,"text":"[12] { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ } ، أي وسخرنا لسليمان الريح ، وقرأ أبو بكر عن عاصم الريحُ بالرفع أي سخر له الريحُ ، { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } ، أي سير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر وسير رواحها مسيرة شهر ، وكانت تسير في يوم واحد مسيرة شهرين { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ } ، أي أذبنا له عين النحاس ، والقطر النحاس { وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ } ، بأمر ربه ، قال ابن عباس : سخر الله الجن لسليمان وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به ، { وَمَنْ يَزِغْ } ، أي يعدل ، { مِنْهُمْ } ، من الجن ، { عَنْ أَمْرِنَا } الذي أمرنا به من طاعة سليمان ، { نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ } ، في الآخرة ، وقال بعضهم : في الدنيا وذلك أن الله عز وجل وكل بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته .","part":6,"page":277},{"id":2778,"text":"[13] { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ } ، أي مساجد والأبنية المرتفعة قوله : { وَتَمَاثِيلَ } أي كانوا يعملون له تماثيل أي صورا من نحاس وصفر وشبّة وزجاج ورخام . وقيل : كانوا يصورون السباع والطير . وقيل : كانوا يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المسجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة ، ولعلها كانت مباحة في شريعتهم ، كما أن عيسى كان يتخذ صورا من الطين فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله . { وَجِفَانٍ } ، أي قصاع واحدتها جفنة ، { كَالْجَوَابِ } ، كالحياض التي يجبى فيها الماء أي يجمع واحدتها جابية { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا } أي وقلنا : اعملوا آل داود شكرا ، مجازه : اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكرا له على نعمه ، { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } ، أي العامل بطاعتي شكرا لنعمتي قيل : المراد من آل داود هو داود نفسه . وقيل : داود وسليمان وأهل بيته .","part":6,"page":278},{"id":2779,"text":"[14] { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ } ، أي على سليمان ، قال أهل العلم : كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين ، والشهر والشهرين ، وأقل من ذلك وأكثر وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء ويعلمون ما في غد ، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه فمات قائما وكانت الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياته وينظرون إليه يحسبون أنه حي ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك ، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان ، فخر ميتا فعلموا بموته فذلك قوله : { مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ } ، وهي الأرضة التي ، { تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ } ، يعني عصاه { فَلَمَّا خَرَّ } ، أي سقط على الأرض ، { تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ } ، أي علمت الجن وأيقنت ، { أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ } ، أي في التعب والشقاء مسخرين لسليمان وهو ميت يظنونه حيا ، أراد بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب ، لأنهم كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب ، لغلبة الجهل عليهم ،","part":6,"page":279},{"id":2780,"text":"وذكر الأزهري أن معناه تبينت الجن ، أي ظهرت وانكشفت الجن للإنس ، أي ظهر أمرهم أنهم لا يعلمون لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك ، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس : تبينت الإنس أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ، أي علمت الإنس وأيقنت ذلك ، وقرأ يعقوب : { تَبَيَّنَتِ } بضم التاء وكسر الياء أي أعلمت الإنس والجن ، ذكر بلفظ ما لم يسم فاعله ، وَتَبَيَّنَ لازم ومتعد .","part":6,"page":280},{"id":2781,"text":"[15] قوله عز وجل : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ } ، روى أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك القطيعي ، قال : « قال رجل : يا رسول الله أخبرني عن سبأ كان رجلا أو امرأة أو أرضا ؟ قال : كان رجلا من العرب وله عشرة من الولد »{ فِي مَسْكَنِهِمْ } ، قرأ حمزة وحفص { مَسْكَنِهِمْ } بفتح الكاف على الواحد وقرأ الكسائي بكسر الكاف وقرأ الآخرون مَسَاكِنِهِمْ على الجمع وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن ، { آيَةٌ } ، دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، ثم فسر الآية فقال : { جَنَّتَانِ } ، أي هي جنتان بستانان ، { عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ } ، أي عن يمين الوادي وشماله . وقيل : عن يمين من أتاهما وشماله ، وكان لهما واد قد أحاطت الجنتان بذلك الوادي { كُلُوا } ، أي وقيل لهم : كلوا ، { مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ } ، يعني من ثمار الجنتين { وَاشْكُرُوا لَهُ } ، أي على ما رزقكم من النعمة والمعنى اعملوا بطاعته ، { بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ } ، أي أرض سبأ بلدة طيبة ليست بسبخة أي طيبة الهواء ، { وَرَبٌّ غَفُورٌ } ، قال مقاتل : وربكم إن شكرتموه فيما رزقكم رب غفور للذنوب .","part":6,"page":281},{"id":2782,"text":"[16] { فَأَعْرَضُوا } ، قال وهب : أرسل الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى الله وذكروهم نعمه عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم ، وقالوا : ما نعرف لله عز وجل علينا نعمة فقولوا لربكم فليحبس هذه النعم عنا إن استطاع ، فذلك قوله تعالى : { فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ } ، وَالْعَرِم جمع عرمة وهي السِّكر الذي يحبس به الماء ، وقال ابن الأعرابي : العرم السيل الذي لا يطاق وقيل : العرم الوادي وأصله من العرامة وهي الشدة والقوة { وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ } ، وقرأ العامة بالتنوين ، وقرأ أهل البصرة : ( أُكُلِ خَمْطٍ ) بالإضافة ، الأكل الثمر ، والخمط الأراك وثمره يقال له البرير ، هذا قول أكثر المفسرين ، وقال المبرد والزجاج : كل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله هو خمط . وقال ابن الأعرابي : الخمط ثمر شجرة يقال له فسوة الضبع ، على صورة الخشخاش يتفرك ولا ينتفع به ، فمن جعل الخمط اسما للمأكول فالتنوين في أُكُلٍ حسن ، ومن جعله أصلا وجعل الأكل ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة ، والتنوين سائغ تقول العرب : في بستان فلان أعناب كرم ، يترجم عن","part":6,"page":282},{"id":2783,"text":"الأعناب بالكرم لأنها منه ، { وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ } ، فالأثل هو الطرفاء ، وقيل : هو شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه ، والسدر شجر النبق ينتفع بورقه لغسل اليد ويغرس في البساتين ، ولم يكن هذا من ذلك ، بل كان سدرا بريا لا ينتفع به ولا يصلح ورقه لشيء ، قال قتادة : كان شجر القوم من خير الشجر فصيره الله من شر الشجر بأعمالهم .\r[17] { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا } ، أي ذلك الذي فعلنا بهم جزيناهم بكفرهم ، { وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ } أي وهل يجازى مثل هذا الجزاء إلا الكفور ، وقال مجاهد : يجازى أي يعاقب . ويقال في العقوبة : يُجَازَى ، وفي المثوبة يُجْزَى . قال مقاتل : هل يكافأ بعمله السيئ إلا الكفور لله في نعمه . قال الفراء : المؤمن يُجْزَى ولا يُجَازَى أي يجزى للثواب بعمله ولا يكافأ بسيئاته .","part":6,"page":283},{"id":2784,"text":"[18] { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } بالماء والشجر هي قرى الشام ، { قُرًى ظَاهِرَةً } ، متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها ، وكان متجرهم من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام . وقيل : كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام ، { وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ } ، أي قدرنا سيرهم بين هذه القرى وكان مسيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم ، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار { سِيرُوا فِيهَا } ، أي وقلنا لهم : سيروا فيها ، وقيل : هو أمر بمعنى الخبر أي مكناهم من السير فكانوا يسيرون فيها { لَيَالِيَ وَأَيَّامًا } ، أي بالليالي والأيام أي وقت شئتم ، { آمِنِينَ } ، لا تخافون عَدُوًّا ولا جوعا ولا عطشا ، فبطروا وطغوا ولم يصبروا على العافية ، وقالوا : لو كانت جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن تشتهيه .","part":6,"page":284},{"id":2785,"text":"[19] { فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } ، فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب فيها الرواحل ونتزود الأزواد ، فعجل الله لهم الإجابة . وقال مجاهد : بطروا النعمة وسئموا الراحة { وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } ، بالبطر والطغيان . قوله تعالى : { فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } ، عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم ، { وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } ، فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ } ، لعبرا ودلالات ، { لِكُلِّ صَبَّارٍ } ، عن معاصي الله ، { شَكُورٍ } ، لأنعمه ، قال مقاتل : يعني المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء شاكر للنعماء قال مطرف : هو المؤمن إذا أعطي شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ .","part":6,"page":285},{"id":2786,"text":"[20] قوله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } ، قرأ أهل الكوفة : ( صَدَّقَ ) بالتشديد أي ظن فيهم ظنا حيث قال : { فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }{ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه ، وقرأ الآخرون بالتخفيف أي صَدَقَ عليهم في ظنه بهم أي على أهل سبأ . وقال مجاهد : على الناس كلهم إلا من أطاع الله ، { فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، قال السدي عن ابن عباس : يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين ، وقد قال الله تعالى : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } ، يعني المؤمنين . وقيل : هو خاص بالمؤمنين الذين يطيعون الله ولا يعصونه .\r[21] قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ } ، أي ما كان تسليطنا إياه عليهم ، { إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ } ، أي إلا لنعلم أي لنرى ونميز المؤمن من الكافر ، وأراد علم الوقوع والظهور ، وقد كان معلوما عنده بالغيب ، { وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } رقيب .","part":6,"page":286},{"id":2787,"text":"[22] { قُلِ } ، يا محمد لكفار مكة ، { ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } ، أنهم آلهة ، { مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، وفي الآية حذف أي ادعوهم ليكشفوا الضر الذي نزل بكم في سني الجوع ، ثم وصفها فقال: { لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ } ، من خير وشر ونفع وضر { وَمَا لَهُمْ } ، أي للآلهة ، { فِيهِمَا } ، في السماوات والأرض ، { مِنْ شِرْكٍ } ، من شركة ، { وَمَا لَهُ } ، أي وما لله ، { مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } ، عون .","part":6,"page":287},{"id":2788,"text":"[23] { وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } الله في الشفاعة ، قاله تكذيبا لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن الله له أن يشفع له ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي : أُذِنَ بضم الهمزة ، { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } ، قرأ ابن عامر ويعقوب بفتح الفاء وكسر الزاي في { فُزِّعَ } أي كشف الفزع وأخرج عن قلوبهم ، فالتفزيع إزالة الفزع كالتمريض والتفريط واختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة ، فقال قوم: هم الملائكة ، ثم اختلفوا في ذلك السبب فقال بعضهم إنما يفزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله عز وجل ، وقال بعضهم: إنما يفزعون حذرا من قيام الساعة . وقال جماعة: الموصوفون بذلك المشركون قال الحسن وابن زيد : حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت بهم إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة ماذا قال ربكم في الدنيا قالوا: الحق ، فأقروا به حين لا ينفعهم الإقرار .","part":6,"page":288},{"id":2789,"text":"[24] قوله تعالى: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، فالرزق من السماوات ومن الأرض النبات ، { قُلِ اللَّهُ } ، أي إن لم يقولوا: رازقنا الله ، فقل أنت إن رازقكم هو الله ، { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } . ليس هذا على طريق الشك ولكن على جهة الإنصاف في الحجاج كما يقول القائل للآخر: أحدنا كاذب وهو يعلم أنه صادق وصاحبه كاذب ، والمعنى ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد الفريقين مهتد والآخر ضال ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه على الهدى ومن خالفه في ضلال ، فكذبهم من غير أن يصرح بالتكذيب . وقال بعضهم: أو بمعنى الواو والألف فيه صلة ، كأنه قال: وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين يعني نحن على الهدى وأنتم على الضلال .\r[25] { قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } .\r[26] { قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } ، يعني يوم القيامة .\r{ ثُمَّ يَفْتَحُ } ، يقضي ، { بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ } .","part":6,"page":289},{"id":2790,"text":"[27] { قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ } ، أي أعلموني الذين ألحقتموهم به أي بالله شركاء في العبادة معه هل يخلقون وهل يرزقون ، { كَلَّا } ، لا يخلقون ولا يرزقون ، { بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ } ، الغالب على أمره ، { الْحَكِيمُ } في تدبيره لخلقه فأنى يكون له شريك في ملكه .\r[28] قوله عز وجل: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ } ، يعني للناس أحمرهم وأسودهم ، { بَشِيرًا وَنَذِيرًا } ، أي مبشرا ومنذرا ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ، وروينا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » (1) وقيل: كافة أي كافا يكفهم عما هم عليه من الكفر ، والهاء للمبالغة .\r[29] { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، يعني القيامة .\r[30] { قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ } ، أي لا تتقدمون عليه يعني يوم القيامة ، وقال الضحاك : يوم الموت لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون بأن يزاد في أجلكم أو ينقص منه .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التيمم 1 / 435 ومسلم في المساجد رقم ( 521 ) 1 / 370 والمصنف في شرح السنة 13 / 196 .","part":6,"page":290},{"id":2791,"text":"[31] { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } ، يعنى التوراة والإنجيل ، { وَلَوْ تَرَى } ، يا محمد ، { إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ } ، محبوسون ، { عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ } ، يرد بعضهم إلى بعض القول في الجدال ، { يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا } ، استحقروا وهم الأتباع ، { لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } ، وهم القادة والأشراف ، { لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } ، أي أنتم منعتمونا عن الإيمان بالله ورسوله .","part":6,"page":291},{"id":2792,"text":"[32] { قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } ، أجابهم المتبوعون في الكفر ، { لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ } ، بترك الإيمان .\r[33] { وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } ، أي مكركم بنا في الليل والنهار ، والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع في الكلام . وقيل: مكر الليل والنهار وهو طول السلامة وطول الأمل فيهما ، كقوله تعالى: { فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } . { إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا } ، وأظهروا { النَّدَامَةَ } ، وقيل: أخفوا ، وهو من الأضداد ، { لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، في النار والأتباع والمتبوعين جميعا . { هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من الكفر والمعاصي في الدنيا .","part":6,"page":292},{"id":2793,"text":"[34] { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا } ، رؤساؤها وأغنياؤها ، { إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } .\r[35] { وَقَالُوا } ، يعني قال المترفون للفقراء الذين آمنوا ، { نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا } ، ولو لم يكن الله راضيا بما نحن عليه من الدين والعمل لم يخولنا الأموال والأولاد ، { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } ، أي إن الله أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا .\r[36] { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } ، يعني إن الله يبسط الرزق ويقدر ابتلاء وامتحانا لا يدل البسط على رضا الله عنه ولا التضييق على سخطه ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ، أنها كذلك .","part":6,"page":293},{"id":2794,"text":"[37] { وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى } ، أي قربى ، قال الأخفش : قربى اسم مصدر كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا تقريبا ، { إِلَّا مَنْ آمَنَ } ، يعني من آمن { وَعَمِلَ صَالِحًا } ، قال ابن عباس يريد إيمانه وعمله يقربه مني ، { فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا } ، أي يضعف الله لهم حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة إلى سبعمائة في { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } ، قرأ حمزة : ( في الغرفة ) على واحدة ، وقرأ الآخرون بالجمع لقوله: { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا } .\r[38] { وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ } ، يعملون ، { فِي آيَاتِنَا } ، في إبطال حجتنا ، { مُعَاجِزِينَ } ، معاندين يحسبون أنهم يعجزوننا ويفوتوننا ، { أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } .","part":6,"page":294},{"id":2795,"text":"[39] { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } ، يعطي خلفه قال سعيد بن جبير : ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه ، وقال الكلبي : ما تصدقتم من صدقه وأنفقتم في الخير من نفقة فهو يخلفه على المنفق ، إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخره له في الآخرة ، { وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } ، خير من يعطي ويرزق . وروينا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قال الله تعالى: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك » (1) وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا » (2) .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد 13 / 464 ومسلم في الزكاة برقم ( 993 ) 2 / 690 .\r(2) أخرجه البخاري في الزكاة 3 / 304 ومسلم في الزكاة برقم ( 1010 ) 2 / 700 .","part":6,"page":295},{"id":2796,"text":"[40] قوله تعالى: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } ، قرأ يعقوب وحفص { يَحْشُرُهُمْ } ، ويقول بالياء فيهما ، وقرأ الآخرون بالنون ، { جَمِيعًا } يعني هؤلاء الكفار ، { ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ } ، في الدنيا ، قال قتادة : هذا استفهام تقرير ، كقوله تعالى لعيسى : { أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، فتتبرأ منهم الملائكة .\r[41] { قَالُوا سُبْحَانَكَ } ، تنزيها لك ، { أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ } ، أي نحن نتولاك ولا نتولاهم ، { بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ } ، يعني الشياطين ، فإن قيل لهم: كانوا يعبدون الملائكة فكيف وجه قوله: { يَعْبُدُونَ الْجِنَّ } ، قيل: أراد الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة ، فهم كانوا يطيعون الشياطين في عبادة الملائكة ، فقوله { يَعْبُدُونَ } أي يطيعون الجن { أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } ، يعني مصدقون للشياطين .","part":6,"page":296},{"id":2797,"text":"[42] ثم يقول الله: { فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا } ، بالشفاعة ، { وَلَا ضَرًّا } بالعذاب ، يريد أنهم عاجزون لا نفع عندهم ولا ضر ، { وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } .\r[43] { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا } ، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم ، { إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى } ، يعنون القرآن ، { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } ، أي بين .\r[44] { وَمَا آتَيْنَاهُمْ } ، يعني هؤلاء المشركين ، { مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } ، يقرؤونها ، { وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ } ، أي لم يأت العرب قبلك نبي ولا نزل عليهم كتاب .","part":6,"page":297},{"id":2798,"text":"[45] { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، من الأمم رسلنا وهم عاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وغيرهم ، { وَمَا بَلَغُوا } يعني هؤلاء المشركين ، { مِعْشَارَ } ، أي عشر ، { مَا آتَيْنَاهُمْ } ، أي أعطينا الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر ، { فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } ، أي إنكاري وتغييري عليهم ، يحذر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية .","part":6,"page":298},{"id":2799,"text":"[46] { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ } أي بخصلة واحدة ، تم بين تلك الخصلة فقال: { أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ } ، أي لأجل الله ، { مَثْنَى } ، أي اثنين اثنين ، { وَفُرَادَى } ، أي واحدا واحدا ، { ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا } ، جميعا أي تجتمعون فتنظرون وتتحاورون وتنفردون ، فتفكرون في حال محمد صلى الله عليه وسلم فتعلموا ، { مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ } ، أي جنون ، وليس المراد من القيام القيام الذي هو ضد الجلوس وإنما هو قيام بالأمر الذي هو في طلب الحق ، كقوله: { وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } . { إِنْ هُوَ } ، ما هو ، { إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، قال مقاتل : تم الكلام عند قوله ( ثم تتفكروا ) أي في خلق السماوات والأرض فتعلموا أن خالقها واحد لا شريك له ثم ابتدأ فقال: ما بصاحبكم من جنة .","part":6,"page":299},{"id":2800,"text":"[47] { قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ } ، على تبليغ الرسالة ، { مِنْ أَجْرٍ } ، جعل { فَهُوَ لَكُمْ } ، يقول: قل لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا فتفهموني ، ومعنى قوله: { فَهُوَ لَكُمْ } أي لم أسألكم شيئا كقول القائل: ما لي من هذا فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء ، { إِنْ أَجْرِيَ } ، ما ثوابي ، { إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } .\r[48] { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ } ، والقذف الرمي بالسهم والحصى ، والكلام ، ومعناه أتى بالحق وبالوحي ينزله من السماء فيقذفه إلى الأنبياء ، { عَلَّامُ الْغُيُوبِ } ، رفع بخبر إن أي وهو علام الغيوب .","part":6,"page":300},{"id":2801,"text":"[49] { قُلْ جَاءَ الْحَقُّ } ، يعني القرآن والإسلام ، { وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } ، أي ذهب الباطل وزهق فلم يبق منه بقية يبدىء شيئا أو يعيد ، كما قال تعالى: { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ } ، وقال قتادة . الباطل هو إبليس ، وهو قول مقاتل والكلبي ، وقيل: الباطل الأصنام .\r[50] { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي } ، وذلك أن كفار مكة يقولون له : إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك ، وقال الله تعالى: { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي } أي إثم ضلالتي على نفسي ، { وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي } ، من القرآن والحكمة ، { إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } .","part":6,"page":301},{"id":2802,"text":"[51] { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا } ، قال قتادة : عند البعث حين يخرجون من قبورهم ، { فَلَا فَوْتَ } ، أي فلا يفوتونني كما قال: { وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ } ، وقيل: إذا فزعوا ، فوت ولا نجاة ، { وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } ، قال الكلبي : من تحت أقدامهم ، وقيل: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها ، وحيثما كانوا فهم من الله قريب ، لا يفوتونه . وقيل: من مكان قريب يعني عذاب الدنيا . وقال الضحاك : يوم بدر . وقال ابن أبزى : خسف بالبيداء ، وفي الآية حذف تقديره: ولو ترى إذ فزعوا لرأيت أمرا تعتبر به .","part":6,"page":302},{"id":2803,"text":"[52] { وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ } ، حين عاينوا العذاب ، قيل: عند اليأس وقيل: عند البعث . { وَأَنَّى } ، من أين ، { لَهُمُ التَّنَاوُشُ } التناوش بالمد والهمزة ، وبواو صافية من غير مد ولا همز ، ومعناه التناول أي كيف تناول ما بعد عنهم ، وهو الإيمان والتوبة ، وقد كان قريبا في الدنيا فضيعوه ، ومن همز قيل: معناه هذا أيضا . وقيل: التناوش بالهمزة من النبش وهو حركة في إبطاء ، يقال: جاء نبشا أي مبطئا متأخرا ، والمعنى من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه ، وعن ابن عباس قال: يسألون الرد إلى الدنيا فيقال: وأنى لهم الرد إلى الدنيا ، { مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } أي من الآخرة إلى الدنيا .","part":6,"page":303},{"id":2804,"text":"[53] { وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ } ، أي بالقرآن ، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم ، من قبل أن يعاينوا العذاب وأهوال القيامة ، { وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } ، قال مجاهد ، يرمون محمدا بالظن لا باليقين ، وهو قولهم ساحر وشاعر وكاهن ، ومعنى الغيب: هو الظن لأنه غاب علمه عنهم ، والمكان البعيد بعدهم عن علم ما يقولون ، والمعنى يرمون محمدا بما لا يعلمون من حيث لا يعلمون . وقال قتادة : يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار .\r[54] { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } , أي الإيمان والتوبة والرجوع إلى الدنيا . وقيل: نعيم الدنيا وزهرتها , { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ } , يعني بنظرائهم , ومن كان على مثل حالهم من الكفار , { مِنْ قَبْل } . أي لم يقبل منهم الإيمان والتوبة في وقت اليأس , { إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ } , من البعث ونزول العذاب بهم , { مُرِيبٍ } , موقع لهم الريبة والتهمة .","part":6,"page":304},{"id":2805,"text":"( 35 ) سورة فاطر\r[1] { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } , خالقهما ومبدعها على غير مثال سبق , { جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ } ذوي أجنحة { مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } ، قال قتادة ومقاتل : بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة أجنحة وبعضهم له أربعة أجنحة ، ويزيد فيها ما يشاء وهو قوله ، { يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ } ، وقال ابن مسعود في قوله عز وجل: { لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } ، قال: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح ، وقال ابن شهاب في قوله يزيد في الخلق ما يشاء قال: حسن الصوت . وعن قتادة قال: هو الملاحة في العينين . وقيل: هو العقل والتمييز . { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r[2] { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ } ، قيل: من مطر ورزق ، { فَلَا مُمْسِكَ لَهَا } ، لا يستطيع أحد حبسها ، { وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ } ، فيما أمسك { الْحَكِيمُ } ، فيما أرسل من مطر ورزق .","part":6,"page":305},{"id":2806,"text":"[3] { يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ } قرأ حمزة والكسائي غَيْرِ بجر الراء ، وقرأ الآخرون برفعها على معنى هل خالق غير الله ،لأن { مِنْ } زيادة ، وهذا استفهام على طريق التقرير كأنه قال لا خالق غير الله ، { يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } ، أي من السماء المطر ومن الأرض النبات ، { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } .","part":6,"page":306},{"id":2807,"text":"[4] { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ } ، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ، { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } .\r[5] { يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } ، يعني وعد القيامة ، { فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } ، وهو الشيطان .\r[6] { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } ، أي عادوه بطاعة الله ولا تطيعوه ، { إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ } ، أي أشياعه وأولياءه { لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } ، أي ليكونوا في السعير ، ثم بين حال مرافقيه ومخالفيه فقال:\r[7] { الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } .","part":6,"page":307},{"id":2808,"text":"[8] قوله تعالى: { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } ، قال ابن عباس : نزلت في أبي جهل ومشركي مكة ، وقال سعيد بن جبير : نزلت في أصحاب الأهواء والبدع . وقال قتادة : منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم فأما أهل الكبائر فليسوا منهم لأنهم لا يستحلون الكبائر ، { أَفَمَنْ زُيِّنَ } شبه وموه ( عليه ) وحسن { لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } أي قبيح عمله ، { فَرَآهُ حَسَنًا } ، زين له الشيطان ذلك بالوسواس ، وفي الآية حذف مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرأى الباطل حقا كمن هداه الله فرأى الحق حقا والباطل باطلا ، { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } ، وقيل: جوابه تحت قوله: { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } ، فيكون معناه أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة ، أي تتحسر عليه فلا تذهب نفسك عليهم حسرات . وقال الحسن بن الفضل : فيه تقديم وتأخير مجازه: أفمن زين له سوء عمله فراه حسنا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر ، ومعنى الآية: لا تهتم بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا ، قرأ أبو","part":6,"page":308},{"id":2809,"text":"جعفر فلا تذهب بضم التاء وكسر الهاء نفسك نصب ، { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } .\r[9] { وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ } من القبور .","part":6,"page":309},{"id":2810,"text":"[10] قوله عز وجل: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا } ، وقال الفراء : معنى الآية من كان يريد أن يعلم لمن العزة فلله العزة جميعا ، وقال قتادة : من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله ، معناه: الدعاء إلى طاعة من له العزة ، أي فليطلب العزة من عند الله بطاعته ، كما يقال: من كان يريد المال فالمال لفلان ، أي فليطلبه من عنده وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزز كما قال الله: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا }{ كَلَّا } ، وقال: { الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا } ، { إِلَيْهِ } ، أي إلى الله ، { يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } ، وهو قوله لا إله إلا الله ، وقيل: هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقيل: الكلم الطيب ذكر الله . وعن قتادة : إليه يصعد الكلم الطيب أي يقبل الله الكلم الطيب . قوله: { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } ، أي يرفع العمل الصالح الكلم الطيب ، فالهاء في قوله","part":6,"page":310},{"id":2811,"text":"يرفعه راجعة إلى الكلم الطيب ، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وعكرمة وأكثر المفسرين . وقال الحسن وقتادة : الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه ، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله ، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ، فمن قال حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله ، ومن قال حسنا وعمل صالحا يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } ، وجاء في الحديث: « لا يقبل الله قولا إلا بعمل ولا قولا ولا عملا إلا بنية » (1) وقال قوم: الهاء في قوله يرفعه راجعة إلى العمل الصالح أي الكلم الطيب يرفع العمل الصالح فلا يقبل عمل إلا أن يكون صادرا عن التوحيد ، وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل ، وقيل: الرفع من صفة الله عز وجل معناه: العمل الصالح يرفعه الله عز وجل . وقال سفيان بن عيينة : العمل الصالح الخالص يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال ، دليله قوله عز وجل: { فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } ، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء ، {\r_________\r(1) هكذا رواه البغوي بغير سنده ، وتبعه عليه الخازن في تفسيره ، وذكر الإمام الطبري في تفسيره ج 22 ص80 أوله وعزاه لقتادة .","part":6,"page":311},{"id":2812,"text":"وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ } ، قال الكلبي : أي الذين يعملون السيئات . وقال مقاتل : يعني الشرك . وقال أبو العالية : يعني الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة ، كما قال الله تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ } ، وقال مجاهد وشهر بن حوشب : هم أصحاب الرياء . { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } ، يبطل ويهلك في الآخرة .\r[11] قوله عز وجل: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ } ، أي آدم ، { ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } , يعني نسله ، { ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا } ذكرانا وإناثا { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ } ، لا يطول عمره ، { وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } ، يعني من عمر آخر ، كما يقال لفلان: عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر ، { إِلَّا فِي كِتَابٍ } ، وقيل: قوله ولا ينقص من عمره منصرف إلى الأول { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } ، أي كتابة الأجل والأعمار على الله هين .","part":6,"page":312},{"id":2813,"text":"[12] قوله تعالى: { وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ } ، يعني العذب والمالح ثم ذكرهما فقال ، { هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ } ، طيب ، { سَائِغٌ شَرَابُهُ } أي جائز في الخلق هنيء ، { وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } ، شديد الملوحة . وقال الضحاك : هو المر . { وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا } ، يعني الحيتان من العذب والمالح جميعا { وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً } ، أي من المالح دون العذب ، { تَلْبَسُونَهَا } ، يعني اللؤلؤ . وقيل: نسب اللؤلؤ إليهما ، عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ من ذلك ، { وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ } ، جواري مقبلة ومدبرة بريح واحدة ، { لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } ، بالتجارة ، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على نعمه .\r[13] { يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } ، يعني الأصنام ، { مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } ، وهو لفافة النواة ، وهي القشرة الرقيقة التي تكون على النواة .","part":6,"page":313},{"id":2814,"text":"[14] { إِنْ تَدْعُوهُمْ } ، يعني إن تدعوا الأصنام ، { لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } ، ما أجابوكم ، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } ، يتبرءون منكم ومن عبادتكم إياها ، يقولون: ما كنتم إيانا تعبدون . { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } ، يعني نفسه أي لا ينبئك أحد مثلي خيبر عالم بالأشياء .\r[15] { يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ } ، إلى فضل الله والفقير المحتاج ، { وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } ، الغني عن خلقه المحمود في إحسانه إليهم . 16 ,\r[17] { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ }{ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } ، شديد .","part":6,"page":314},{"id":2815,"text":"[18] { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } ، أي نفس مثقلة بذنوبها غيرها ، { إِلَى حِمْلِهَا } ، أي حمل ما عليها من الذنوب ، { لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } ، أي ولو كان المدعو ذا قرابة له ابنه أو أباه أو أمه أو أخاه . قال ابن عباس : يلقى الأب والأم ابنه فيقول: يا بني احمل عني بعض ذنوبي ، فيقول: لا أستطيع حسبي ما علي . { إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ } ، يخافون ، { رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } ، ولم يروه . وقال الأخفش : تأويله أي إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم بالغيب ، { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى } ، أصلح وعمل خيرا ، { فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } ، لها ثوابه ، { وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } .","part":6,"page":315},{"id":2816,"text":"[19] { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ } ، يعني الجاهل والعالم . وقيل: الأعمى عن الهدى والبصير بالهدى ، أي المؤمن والمشرك .\r[20] { وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ } ، يعني الكفر والإيمان .\r[21] { وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ } ، يعني الجنة والنار ، قال ابن عباس : الحرور الريح الحارة بالليل والسموم بالنهار . وقيل: الحرور يكون بالنهار مع الشمس .\r[22] { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ } ، يعني المؤمنين والكفار . وقيل: العلماء والجهال . { إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ } ، حتى يتعظ ويجيب ، { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } ، يعني الكفار شبههم بالأموات في القبور حين لم يجيبوا .\r[23] { إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ } ، ما أنت إلا منذر تخوفهم بالنار .\r[24] { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ } ، ما من أمة فيما مضى { إِلَّا خَلَا } ، سلف ، { فِيهَا نَذِيرٌ } ، نبي منذر .","part":6,"page":316},{"id":2817,"text":"[25] { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ } ، بالكتب { وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ } ، الواضح كرر ذكر الكتاب بعد ذكر الزبر على طريق التأكيد .\r[26] { ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } ، أي إنكاري .\r[27] { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ } طرق وخطط واحدتها جدة مثل مدة ومدد ، { بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } ، يعني سود غرابيب على التقديم والتأخير ، يقال: أسود غربيب أي شديد السواد تشبيها بلون الغراب ، أي طرائق سود .","part":6,"page":317},{"id":2818,"text":"[28] { وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } ، ذكر الكناية لأجل من ، وقيل: رد الكناية إلى ما في الإضمار ، مجازه: ومن الناس والدواب والأنعام ما هو مختلف ألوانه , { كَذَلِكَ } , يعني كما اختلف ألوان الثمار والجبال , وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } , قال ابن عباس : يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » (1) . وقال مسروق : كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } , أي عزيز في ملكه غفور لذنوب عباده .\r[29] قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ } , يعني قرأوا القرآن , { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } , لن تفسد ولن تهلك ، والمراد من التجارة ما وعد الله من الثواب ، قال الفراء : قوله يرجون جواب لقوله: { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ } .\r_________\r(1) قطعة من حديث رواه البخاري في التفسير 8 / 280 ومسلم في الفضائل برقم ( 2359 ) 4 / 1823 .","part":6,"page":318},{"id":2819,"text":"[30] { لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ } ، جزاء أعمالهم بالثواب ، { وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } ، قال ابن عباس : يعني سوى الثواب مما لم تر عين ولم تسمع أذن ، { إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } ، قال ابن عباس : يغفر العظيم من ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم .","part":6,"page":319},{"id":2820,"text":"[31] { وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ } ، يعني القرآن ، { هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، من الكتب ، { إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } .\r[32] { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ } ، يعني الكتاب الذي أنزلنا إليك الذي ذكر في الآية الأولى وهو القرآن جعلناه ينتهي إلى ، { الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } ، ويجوز أن يكون { ثُمَّ } بمعنى الواو ، أي وأورثنا ، كقوله: { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } ، أي وكان من الذين آمنوا ، ومعنى أورثنا أعطينا لأن الميراث عطاء ، قاله مجاهد .","part":6,"page":320},{"id":2821,"text":"وقيل: أورثنا أي أخرنا ، ومنه الميراث لأنه أخر عن الميت ، ومعناه أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناكموه ، وأهلنا له الذين اصطفينا من عبادنا ، قال ابن عباس : يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قسمهم ورتبهم فقال: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } اختلف المفسرون في معنى الظالم والمقتصد والسابق ، فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين قرأ هذه الآية: « أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ، ثم يدخل الجنة » (1) ثم قرأ هذه الآية: { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } . وقال عقبة بن صهبان : سألت عائشة عن قول الله عز وجل: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } الآية ، فقالت: يا بني كلهم في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من\r_________\r(1) قال الهيثمي في المجمع 7 / 95: رواه الطبراني وأحمد باختصار . وأخرجه الحاكم 2 / 426 والطبري 22 / 137 .","part":6,"page":321},{"id":2822,"text":"أصحابه حتى لحق به ، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم ، فجعلت نفسها معنا . وقال مجاهد والحسن وقتادة : فمنهم ظالم لنفسه وهم أصحاب المشأمة ، ومنهم مقتصد هم أصحاب الميمنة ، ومنهم سابق بالخيرات هم السابقون المقربون من الناس كلهم . وعن ابن عباس قال: السابق: المؤمن المخلص ، والمقتصد: المرائي ، والظالم: الكافر نعمة الله غير الجاحد لها ، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } ، وقال بعضهم: يذكر ذلك عن الحسن ، قال: السابق من رجحت حسناته على سيئاته ، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته ، والظالم من رجحت سيئاته على حسناته . وقيل: الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه ، والمقتصد الذي يستوي ظاهره وباطنه ، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره ، وقيل: الظالم من وحد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله ، والمقتصد من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه ، والسابق من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه وأخلص له عمله . وقيل: الظالم التالي للقرآن ، والمقتصد القارئ له العالم به ، والسابق القارئ له العالم به العامل بما فيه . وقيل: الظالم أصحاب الكبائر والمقتصد أصحاب الصغائر ، والسابق الذي لم يرتكب كبيرة","part":6,"page":322},{"id":2823,"text":"ولا صغيرة ، وقال سهل بن عبد الله : السابق العالم ، والمقتصد المتعلم ، والظالم الجاهل وقال بعضهم: المراد بالظالم الكافر ذكره الكلبي . وقيل: المراد منه المنافق ، فعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } وحمل هذا القائل الاصطفاء على الاصطفاء في الخلقة وإرسال الرسول إليهم وإنزال الكتب . والأول هو المشهور أن المراد من جميعهم المؤمنون ، وعليه عامة أهل العلم . قوله: { وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } أي: سابق إلى الجنة وإلى رحمة الله بالخيرات أي بالأعمال الصالحات ، { بِإِذْنِ اللَّهِ } ، أي أمر الله وإرادته ، { ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } ، يعني إيراثهم الكتاب .\r[33] ثم أخبر بثوابهم فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } ، يعني الأصناف الثلاثة ، قرأ أبو عمرو ( يدخلونها ) بضم الياء وفتح الخاء ، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء ، { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } .","part":6,"page":323},{"id":2824,"text":"[34] { وَقَالُوا } أي ويقولون إذا دخلوا الجنة ، { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } ، والحزن واحد كالبخل والبخل . قال ابن عباس : حزن النار . وقال قتادة : حزن الموت . وقال مقاتل : حزنوا لأنهما كانوا لا يدرون ما يصنع الله بهم . وقال عكرمة : حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات . وقال القاسم : حزن زوال النعم وتقليب القلب ، وخوف العاقبة ، وقيل: حزن أهوال يوم القيامة . وقال الكلبي : ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة وقال الزجاج : أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو لمعاد { إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } .\r[35] { الَّذِي أَحَلَّنَا } ، أنزلنا ، { دَارَ الْمُقَامَةِ } ، أي الإقامة ، { مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } ، أي لا يصيبنا فيها عياء ولا مشقة ، { وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } ، عياء من التعب .","part":6,"page":324},{"id":2825,"text":"[36] قوله تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا } ، أي لا يهلكون فيستريحوا كقوله عز وجل: { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } ، أي قتله . وقيل: لا يقضى عليهم الموت فيموتوا ، كقوله: { وَنَادَوْا يا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } أي ليقض علينا الموت فنستريح ، { وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا } ، من عذاب النار ، { كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } ، كافر ، قرأ أبو عمرو ( يجزى ) بالياء وضمها وفتح الزاي كُلُّ رفع على غير تسمية الفاعل ، وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الزاي { كُلَّ } نصب .","part":6,"page":325},{"id":2826,"text":"[37] { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ } ، يستغيثون ويصيحون ، { فِيهَا } وهو افتعال من الصراخ وهو الصياح يقولون ، { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا } ، منها من النار ، { نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } ، في الدنيا من الشرك والسيئات ، فيقول الله لهم توبيخا { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ } ، قيل: هو البلوغ . وقال عطاء وقتادة والكلبي : ثمان عشرة سنة . وقال الحسن : أربعون سنة . وقال ابن عباس : ستون سنة ، يروى ذلك عن علي وهو العمر الذي أعذر الله تعالى إلى ابن آدم ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أعذر الله تعالى إلى امرئ أخر أجله حتى بلَّغه ستين سنة » (1) { وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ } ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، هذا قول أكثر المفسرين . وقيل: القرآن . وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع : هو الشيب . معناه: أولم نعمركم حتى شبتم ، ويقال: الشيب نذير الموت . وفي الأثر: ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها: استعدي فقد قرب الموت . قوله: { فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 238","part":6,"page":326},{"id":2827,"text":"[38] { إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .","part":6,"page":327},{"id":2828,"text":"[39] { هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ } ، أي يخلف بعضكم بعضا ، وقيل: جعلكم أمة خلفت من قبلها . ورأت فيمن قبلها ، ما ينبغي أن تعتبر به ، { فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } ، أي عليه وبال كفره { وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا } ، غضبا { وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا } .","part":6,"page":328},{"id":2829,"text":"[40] { قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، أي جعلتموهم شركائي بزعمكم يعني الأصنام ، { أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا } ، قال مقاتل : هل أعطينا كفار مكة كتابا ، { فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص { بَيِّنَةٍ } على التوحيد ، وقرأ الآخرون بينات على الجمع ، يعني دلائل واضحة منه في ذلك الكتاب من ضروب البيان ، { بَلْ إِنْ يَعِدُ } ، أي ما يعد ، { الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا } ، الغرور ما يغر الإنسان مما لا أصل له ، قال مقاتل : يعني ما يعد الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة لهم في الآخرة غرور وباطل .","part":6,"page":329},{"id":2830,"text":"[41] قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا } ، أي: كيلا تزولا ، { وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ } ، أي ما يمسكهما أحد من بعده ، أي أحد سواه ، { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } ، فإن قيل: فما معنى ذكر الحلم ههنا؟ قيل: لأن السماوات والأرض همت بما همت به من عقوبة الكفار فأمسكهما الله تعالى عن الزوال لحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقوبة .","part":6,"page":330},{"id":2831,"text":"[42] { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } ، يعني كفار مكة لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم ، وأقسموا بالله وقالوا: لو أتى رسول الله لنكونن أهدى دينا منهم ، وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما بعث محمد كذبوه ، فأنزل الله عز وجل: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ } ، رسول ، { لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ } ، يعني من اليهود والنصارى ، { فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ } ، محمد صلى الله عليه وسلم ، { مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا } ، أي ما زادهم مجيئه إلا تباعدا عن الهدى .","part":6,"page":331},{"id":2832,"text":"[43] { اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ } ، نصب { اسْتِكْبَارًا } على البدل من النفور ، { وَمَكْرَ السَّيِّئِ } ، يعني العمل القبيح ، أضيف المكر إلى صفته ، قال الكلبي : هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقرأ حمزة ( ومكر السيئ ) ساكنة الهمزة تخفيفا وهي قراءة الأعمش ، { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ } ، أي لا يحل ولا يحيط المكر السيئ ، { إِلَّا بِأَهْلِهِ } ، فقتلوا يوم بدر ، وقال ابن عباس : عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك . والمعنى: إن وبال مكرهم راجع إليهم ، { فَهَلْ يَنْظُرُونَ } ، ينتظرون ، { إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ } ، إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار ، { فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } .\r[44] { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ } , يعني ليفوت عنه { مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا } .","part":6,"page":332},{"id":2833,"text":"[45] { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا } ، من الجرائم ، { مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا } ، يعني على ظهر الأرض كناية عن غير مذكور ، { مِنْ دَابَّةٍ } ، كما كان في زمان نوح أهلك الله ما على ظهر الأرض إلا من كان في سفينة نوح ، { وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل طاعته وأهل معصيته .","part":6,"page":333},{"id":2834,"text":"( 36 ) سورة يس\r[1] { يس } ، ون ، قرأ بإخفاء النون فيهما ابن عامر والكسائي وأبو بكر وورش بخلف عنه في: نون والقلم ، والباقون يظهرون فيهما ، واختلفوا في تأويل ( يس ) حسب اختلافهم في حروف التهجي ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قسم ، يروى عنه أن معناه: يا إنسان بلغة طيء ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير وجماعة . وقال أبو العالية : يا رجل . وقال أبو بكر الوراق : يا سيد البشر .\r[2] { وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ } .\r[3] { إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } ، أقسم الله بالقرآن بأن محمدا صلى الله عليه وسلم من المرسلين ، وهو رد على الكفار حيث قالوا: { لَسْتَ مُرْسَلًا } .\r[4] { عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، هو خبر بعد خبر ، أي إنك لمن المرسلين وإنك على صراط مستقيم . وقيل: معناه إنك لمن المرسلين الذين هم على صراط مستقيم .\r[5] { تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ } ، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ( تنزيل ) بنصب اللام كأنه قال نزل تنزيلا ، وقرأ الآخرون بالرفع ، أي هو تنزيل العزيز الرحيم .","part":6,"page":334},{"id":2835,"text":"[6] { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ } ، قيل: ( ما ) للنفي أي لم ينذر آباؤهم لأن قريشا لم يأتهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل ( ما ) بمعنى الذي أي لتنذر قوما بالذي أنذر آباؤهم ، { فَهُمْ غَافِلُونَ } ، عن الإيمان والرشد .\r[7] { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ } ، وجب العذاب ، { عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } ، هذا كقوله: { وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } .","part":6,"page":335},{"id":2836,"text":"[8] { إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا } قال أهل المعاني: هذا على طريق المثل ، ولم يكن هناك غل ، أراد: منعناهم عن الإيمان بموانع ، فجعل الأغلال مثلا لذلك ، قال الفراء : معناه إنا حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى: { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ } معناه لا تمسكها عن النفقة . { فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ } ، وهي كناية عن الأيدي وإن لم يجر لها ذكر لأن الغل يجمع اليد إلى العنق ، معناه: إنا جعلنا في أيديهم وأعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان ، { فَهُمْ مُقْمَحُونَ } المقمح الذي رفع رأسه وغض بصره ، يقال: بعير قامح إذا روى من الماء فأقمح إذا رفع رأسه وغض بصره . قال الأزهري : أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورءوسهم ، فهم مرفوعوا الرءوس برفع الأغلال إياها .\r[9] { وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص ( سدا ) بفتح السين ، وقرأ الآخرون بضمها ، { فَأَغْشَيْنَاهُمْ } ، فأعميناهم من التغشية وهي التغطية ، { فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } ، سبيل الهدى .","part":6,"page":336},{"id":2837,"text":"[10] { وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } .\r[11] { إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ } ، يعني إنما ينفع إنذارك من اتبع الذكر يعني القرآن فعمل بما فيه ، { وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } ، حسن وهو الجنة .\r[12] { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى } ، عند البعث ، { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا } , من الأعمال من خير وشر ، { وَآثَارَهُمْ } ، أي ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا » (1) .\rوقال قوم: قوله: ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) أي: خطاهم إلى المسجد . روي عن أبي سعيد الخدري قال: شكت بنو سلمة بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى: ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) (2) . قوله تعالى: { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ } حفظناه وعددناه وبيناه ، { فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } ، وهو اللوح المحفوظ .\r_________\r(1) أخرجه مسلم في الزكاة رقم ( 1017 ) 2 / 704 والمصنف في شرح السنة 6 / 159 .\r(2) أخرجه الترمذي في التفسير 9 / 94 وقال ( حديث حسن غريب ) وصححه الحاكم 2 / 428 .","part":6,"page":337},{"id":2838,"text":"[13] قوله عز وجل: { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ } ، يعني اذكر لهم شبها مثل حالهم من قصة أصحاب القرية وهي أنطاكية ، { إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ } ، يعني رسل عيسى عليه الصلاة والسلام .\r[14] فذلك قوله تعالى: { إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ } ، قال وهب : اسمهما يوحنا وبولس ، { فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا } ، يعني فقوينا { بِثَالِثٍ } ، برسول ثالث وهو شمعون ، وقرأ أبو بكر عن عاصم ( فعززنا ) بالتخفيف وهو بمعنى الأول كقولك: شددنا وشددنا ، بالتخفيف بالتثقيل ، وقيل: أي فغلبنا من قولهم: من عز بز . وقال كعب : الرسولان صادق وصدوق ، والثالث شلوم ، وإنما أضاف الله الإرسال إليه لأن عيسى إنما بعثهم بأمره تعالى ، { فَقَالُوا } ، جميعا لأهل أنطاكية ، { إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ } .\r[15] { قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ } ، ما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون .\r[16] { قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } .\r[17] { وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } .","part":6,"page":338},{"id":2839,"text":"[18] { قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } ، تشاءمنا بكم وذلك أن المطر حبس عنهم حين قدم الرسل عليهم ، فقالوا: أصابنا هذا بشؤمكم ، { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ } ، لنقتلنكم ، وقال قتادة : بالحجارة { وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\r[19] { قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ } ، يعني شؤمكم معكم بكفركم وتكذيبكم يعني أصابكم الشؤم من قبلكم . وقال ابن عباس والضحاك : حظكم من الخير والشر ، { أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ } ، يعني وعظتم بالله ، وهذا استفهام محذوف ، الجواب: إن ذكرتم ووعظتم بالله تطيرتم بنا ، وقرأ أبو جعفر ( أن ) بفتح الهمزة الملينة ذكرتم بالتخفيف ، { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ } ، مشركون مجاوزون الحد .","part":6,"page":339},{"id":2840,"text":"[20] قوله عز وجل: { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى } ، وهو حبيب النجار ، وقال السدي : كان قصارا . وقال وهب : كان رجلا يعمل الحرير وكان سقيما فد أسرع فيه الجذام ، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة ، وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين ، فيطعم نصفا لعياله ويتصدق بنصفه ، فلما بلغه أن قومه قد قصدوا قتل الرسل جاءهم ، { قَالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ } .\r[21] { اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ } ، قال قتادة : كان حبيب في غار يعبد الله ، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم فاظهر دينه ، فلما انتهى حبيب إلى الرسل قال لهم: تسألون عن هذا أجرا؟ قالوا: لا ، فأقبل على قومه فقال: ( يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ) ، فلما قال ذلك قالوا له: وأنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن بإلههم ؟","part":6,"page":340},{"id":2841,"text":"[22] فقال: { وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، قرأ حمزة ويعقوب ( ما لي ) بإسكان الياء ، والآخرون بفتحها . قيل . أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم ، لأن الفطرة أثر النعمة ، وكانت عليه أظهر , وفي الرجوع معنى الزجر وكان بهم أليق وقيل: إنهم - لما قال: اتبعوا المرسلين- أخذوه فرفعوه إلى الملك ، فقال له الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: ( وما لي لا أعبد الذي فطرني ) ، يعني وأي شيء في إذا لم أعبد الخالق ، ( وإليه ترجعون ) تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم .\r[23] { أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً } ، استفهام بمعنى الإنكار ، أي لا أتخذ من دونه آلهة ، { إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ } ، بسوء ومكروه ، { لَا تُغْنِ عَنِّي } ، لا تدفع عني ، { شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا } أي لا شفاعة لها أصلا فتغني { وَلَا يُنْقِذُونِ } ، من ذلك المكروه ، وقيل: لا ينقذون من العذاب لو عذبني الله إن فعلت ذلك .\r[24] { إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، خطأ ظاهر .\r[25] { إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ } ، يعني فاسمعوا مني ، فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه .","part":6,"page":341},{"id":2842,"text":"[26] فذلك قوله: { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ } ، فلما أفضى إلى الجنة ، { قَالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ } .\r[27] { بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي } ، يعني بغفران ربي لي ، { وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } ، تمنى أن يعلم قومه أن الله غفر له وأكرمه ، ليرغبوا في دين الرسل ، فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل لهم النقمة ، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم .","part":6,"page":342},{"id":2843,"text":"[28] فذلك قوله: { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ } ، يعني الملائكة ، { وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ } ، وما كنا نفعل هذا بل الأمر في إهلاكهم كان أيسر مما يظنون . وقيل: معناه ( وما أنزلنا على قومه من بعده ) أي على قوم حبيب من بعد قتله من جند وما كما منزلين ، ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم ، كالطوفان والصاعقة والريح ، ثم بين عقوبتهم .\r[29] فقال تعالى: { إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً } ، وقرأ أبو جعفر : صيحة واحدة , بالرفع جعل الكون بمعنى الوقوع . قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة واحدة ، { فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ } ، ميتون .","part":6,"page":343},{"id":2844,"text":"[30] { يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ } ، قال عكرمة : يعني يا حسرتهم على أنفسهم والحسرة شدة الندامة ، وفيه قولان: أحدهما يقول الله تعالى: ( يا حسرة ) وندامة وكآبة على العباد يوم القيامة حين لم يؤمنوا بالرسل ، والآخر أنه من قول الهالكين . قال أبو العالية : لما عاينوا العذاب قالوا: يا حسرة أي ندامة على العباد يعني على العباد يعني الرسل الثلاثة حيث لم يؤمنوا بهم ، فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم . قال الأزهري : الحسرة لا تدعى ودعاؤها تنبيه المخاطبين . وقيل العرب تقول . يا حسرتي ويا عجبا على طريق المبالغة والنداء عندهم بمعنى التنبيه ، فكأنه يقول : أيها العجب هذا وقتك؟ وأيتها الحسرة هذا أوانك؟ حقيقة المعنى أن هذا زمان الحسرة والتعجب ، ثم بين سبب الحسرة والندامة ، فقال: { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } .\r[31] { أَلَمْ يَرَوْا } ، ألم يخبروا يعني أهل مكة ، { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ } ، والقرن أهل كل عصر ، سموا بذلك لاقترانهم في الوجود ، { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ } ، أي لا يعودون إلى الدنيا فلا يعتبرون بهم .","part":6,"page":344},{"id":2845,"text":"[32] { وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ } ، قرأ عاصم وحمزة ( لما ) بالتشديد هاهنا وفي الزخرف والطارق ، وافق ابن عامر إلا في الزخرف ، ووافق أبو جعفر في الطارق ، وقرأ الآخرون بالتخفيف ، فمن شدد جعل ( إن ) بمعنى الجحد ، و ( لما ) بمعنى إلا ، تقديره: وما كل إلا جميع ، ومن خفف جعل ( إن ) للتحقيق و ( ما ) صلة ، مجازه: كل جميع ، { لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ } .\r[33] { وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا } ، بالمطر ، { وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا } ، يعني الحنطة والشعير وما أشبههما ، { فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } ، أي من الحب .\r[34] { وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ } بساتين ، { مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا } ، في الأرض ، { مِنَ الْعُيُونِ } .","part":6,"page":345},{"id":2846,"text":"[35] { لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ } ، أي من الثمر الحاصل بالماء ، { وَمَا عَمِلَتْهُ } ، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ( عملت ) بغير هاء ، وقرأ الآخرون ( عملته ) بالهاء أي يأكلون من الذي عملته ، { أَيْدِيهِمْ } ، من الزرع والغرس ، والهاء عائدة إلى ( ما ) التي هي بمعنى الذي . وقيل: ما للنفي في قوله ما عملته أيديهم أي وجدوها معمولة ولم تعمله أيديهم ، ولا صنع لهم فيها ، وهذا معنى قول الضحاك ومقاتل ، وقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد خلق مثل دجلة والفرات والنيل ونحوها ، { أَفَلَا يَشْكُرُونَ } ، نعمة الله .\r[36] { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا } ، أي الأصناف كلها ، { مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ } ، من الثمار والحبوب ، { وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ } ، يعني الذكور والإناث , { وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ } ، مما خلق من الأشياء مع دواب البر والبحر .","part":6,"page":346},{"id":2847,"text":"[37] { وَآيَةٌ لَهُمُ } ، تدل على قدرتنا ، { اللَّيْلُ نَسْلَخُ } ، ننزع ونكشط ، { مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ } ، داخلون في الظلمة ، ومعناه نذهب النهار ونجيء بالليل ، وذلك أن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليها ، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل ، فتظهر الظلمة .\r[38] { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا } ، أي إلى مستقر لها . قيل: إلى انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة . وقيل: إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ، ثم ترجع فذلك مستقرها لأنها لا تجاوزه . وقيل : مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف , ونهاية هبوطها في الشتاء , { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } , وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس : والشمس تجري لا مستقر لها , وهي قراءة ابن مسعود أي لا قرار لها ولا وقوف فهي جارية أبدا ذلك تقدير العزيز العليم .","part":6,"page":347},{"id":2848,"text":"[39] { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ } , أي قدرنا له , قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة ( القمر ) برفع الراء لقوله: { وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } , وقرأ الآخرون بالنصب لقوله: ( قدرناه ) أي قدرنا القمر , { مَنَازِلَ } , وقد ذكرنا عددها في سورة يونس (1) فإذا صار القمر إلى آخر المنازل دق فذلك قوله: { حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } , والعرجون عود العذق الذي عليه الشماريخ فإذا قدم عتق ويبس وتقوس واصفر ، فشبه القمر في دقته وصفرته في آخر المنازل به .\r_________\r(1) انظر هنا ( ص 390 ) من هذا المختصر","part":6,"page":348},{"id":2849,"text":"[40] { لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ } ، أي لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه ، ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه ، وهو قوله تعالى: { وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ } ، أي هما يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته . وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر ، لا يطلع الشمس بالليل ولا يطلع القمر بالنهار وله ضوء ، وإذا اجتمعا وأدرك كل واحد منهما صاحبه قامت القيامة . وقيل : ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ) أي تجتمع معه في فلك واحد ( ولا الليل سابق النهار ) أي لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما فاصل ، { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } ، يجرون .","part":6,"page":349},{"id":2850,"text":"[41] { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } ، والمراد بالذرية الآباء والأجداد ، واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد ، { فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } ، أي المملوء ، وأراد سفينة نوح ، وهؤلاء من نسل من حمل مع نوح ، وكانوا في أصلابهم .\r[42] { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } , قيل: أراد به السفن التي عملت بعد سفينة نوح على هيئتها . وقيل: أراد بالسفن التي تجري في الأنهار فهي في الأنهار كالفلك الكبار في البحار ، هذا قول قتادة والضحاك وغيرهما ، وروي عن ابن عباس : أنه قال: وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ، يعني الإبل؛ فالإبل في البر كالسفن في البحر .\r[43] { وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ } ، أي لا مغيث ، { لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ } ، ينجون من الغرق . قال ابن عباس : ولا أحد ينقذهم من عذابي .\r[44] { إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } ، إلى انقضاء آجالهم ، يعني إلا أن يرحمهم ويمتعهم إلى حين آجالهم .","part":6,"page":350},{"id":2851,"text":"[45] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } ، قال ابن عباس : ما بين أيديكم يعني الآخرة ، فاعملوا لها وما خلفكم يعني من الدنيا فاحذروها ، ولا تغتروا بها . وقيل: ما بين أيديكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم ، وما خلفكم عذاب الآخرة ، { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، والجواب محذوف تقديره : إذا قيل لهم هذا أعرضوا عنه ، دليله ما بعده .\r[46] { وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ } ، أي دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، { إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ } .","part":6,"page":351},{"id":2852,"text":"[47] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ } ، أعطاكم الله ، { قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ } ، أنرزق ، { مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ } ، وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله ، وهو ما جعلوه لله من حروثهم وأنعامهم ، قالوا: أنطعم أنرزق من لو يشاء الله أطعمه رزقه ، ثم لم يرزقه مع قدرته عليه ، فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله ، وهذا مما يتمسك به البخلاء ، يقولون: لا نعطي من حرمه الله ، وهذا الذي يزعمون باطل ، لأن الله أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء ، فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ، ولكن ليبلو الغني بالفقير فيما أمر وفرض له في مال الغني ، ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله وحكمه في خلقه ، { إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، يقول الكفار للمؤمنين: ما أنتم إلا في خطإ بين في اتباعكم محمدا وترك ما نحن عليه .\r[48] { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ } ، أي القيامة والبعث ، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .","part":6,"page":352},{"id":2853,"text":"[49] قال الله تعالى: { مَا يَنْظُرُونَ } ، أي ما ينتظرون ، { إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً } ، قال ابن عباس : يريد النفخة الأولى ، { تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } ، يعني يختصمون في أمر الدنيا من البيع والشراء ، ويتكلمون في المجالس والأسواق ، قرأ حمزة ( يخصمون ) بسكون الخاء وتخفيف الصاد ، أي يغلب بعضهم بعضا بالخصام ، وقرأ الآخرون بتشديد الصاد ، أي يختصمون ، أدغمت التاء في الصاد .\r[50] قوله عز وجل: { فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } ، أي لا يقدرون الإيصاء . قال مقاتل : عجلوا عن الوصية فماتوا ، { وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } ، ينقلبون ، والمعنى أن الساعة لا تمهلهم لشيء .\r[51] { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } ، وهي الأخيرة نفخة البعث ، وبين النفختين أربعون سنة ، { فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ } ، يعني القبور ، واحدها: جدث ، { إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ } ، يخرجون من القبور أحياء ، ومنه قيل للولد: نسل لخروجه من بطن أمه .","part":6,"page":353},{"id":2854,"text":"[52] { قَالُوا يا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا } قال أبي بن كعب وابن عباس وقتادة : إنما يقولون هذا لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين ، فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل . وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم ، فقالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ ثم قالوا: { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } ، أقروا حين لم ينفعهم الإقرار . وقيل: قالت الملائكة لهم: ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) . قال مجاهد : يقول الكفار: ( من بعثنا من مرقدنا ) فيقول المؤمنون: { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } .\r[53] { إِنْ كَانَتْ } ، ما كانت ، { إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً } ، يعني النفخة الأخيرة ، { فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ } .\r[54] { فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .","part":6,"page":354},{"id":2855,"text":"[55] { إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ } ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ( في شغل ) اختلفوا في معنى الشغل ، قال ابن عباس : في افتضاض الأبكار . وقال وكيع بن الجراح : في السماع . وقال الكلبي : في شغل عن أهل النار وعما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم . وقال الحسن : شغلوا بما في الجنة من النعيم عما فيه أهل النار من العذاب . وقال ابن كيسان : في زيارة بعضهم بعضا . وقيل: في ضيافة الله تعالى . { فَاكِهُونَ } ، قرأ أبو جعفر ( فكهون ) حيث كان ، وافقه حفص في المطففين وهما لغتان مثل الحاذر والحذر ، أي ناعمون . قال مجاهد والضحاك : معجبون بما هم فيه . وعن ابن عباس قال: فرحون .\r[56] { هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ } ، أي حلائلهم ، { فِي ظِلَالٍ } ، قرأ حمزة والكسائي ظلل بضم الظاء من غير ألف ، جمع ظله ، وقرأ العامة ( في ظلال ) بالألف وكسر الظاء على جمع ظل ، { عَلَى الْأَرَائِكِ } ، يعني السرر في الحجال واحدتها أريكة . قال ثعلب : لا تكون أريكة حتى يكون عليها حجلة . { مُتَّكِئُونَ } ، ذوو اتكاء .\r[57] { لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ } ، يتمنون ويشتهون .","part":6,"page":355},{"id":2856,"text":"[58] { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } ، أي يقول الله لهم قولا , وقيل: يسلم عليهم في ديارهم . وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم . وقال مقاتل : تدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب يقولون: سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم . وقيل: يعطيهم السلامة يقول: اسلموا السلامة الأبدية .\r[59] { وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ } ، قال مقاتل : اعتزلوا اليوم الصالحين . قال أبو العالية : تميزوا . وقال السدي : كونوا على حدة . وقال الزجاج : انفردوا عن المؤمنين . قال الضحاك : إن لكل كافر في النار بيتا يدخل ذلك البيت ويردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين ، لا يرى ولا يرى .\r[60] { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ } ألم آمركم يا بني آدم ، { أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ } ، أي لا تطيعوا الشيطان في معصية الله ، { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ، ظاهر العداوة .\r[61] { وَأَنِ اعْبُدُونِي } ، أطيعوني ووحدوني ، { هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } .","part":6,"page":356},{"id":2857,"text":"[62] { وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا } ، قرأ أهل المدينة وعاصم ( جبلا ) معناها: الخلق والجماعة أي خلقا كثيرا { أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ } ، ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس ، ويقال لهم لما دنوا من النار .\r[63] { هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } ، بها في الدنيا .\r[64] { اصْلَوْهَا } ادخلوها { الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } .\r[65] { الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ، هذا حين ينكر الكفار كفرهم وتكذيبهم الرسل بقولهم { مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم .","part":6,"page":357},{"id":2858,"text":"[66] { وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ } ، أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق ، وهو معنى الطمس كما قال الله: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } يقول: كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة ، { فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ } ، فتبادروا إلى الطريق ، { فَأَنَّى يُبْصِرُونَ } ، فكيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم؟ يعني: لو تشاء لأضللناهم عن الهدى ، وتركناهم عميا يترددون ، فكيف يبصرون الطريق حينئذ؟ هذا قول الحسن والسدي ، وقال ابن عباس وقتادة ومقاتل وعطاء : معناه لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم ، فأعميناهم عن غيهم ، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى ، فأبصروا رشدهم ، ( فأنى يبصرون ) ولم أفعل ذلك بهم ؟\r[67] { وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ } ، يعني مكانتهم ، يريد: لو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير في منازلهم ، وقيل: لو نشاء لجعلناهم حجارة ، وهم قعود في منازلهم لا أرواح لهم . { فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ } ، يعني إلى ما كانوا عليه على وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رجوع .","part":6,"page":358},{"id":2859,"text":"[68] { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ } أي نرده إلى أرذل العمر شبه الصبي في أول الخلق . وقيل: ننكسه في الخلق أي نضعف جوارحه بعد قوتها ونردها إلى نقصانها بعد زيادتها . { أَفَلَا يَعْقِلُونَ } ، فيعتبروا ويعلموا أن الذي قدر على تصريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت .\r[69] قوله تعالى: { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } ، قال الكلبي : إن كفار مكة قالوا: إن محمدا شاعر ، وما يقوله شعر ، فأنزل الله تكذيبا لهم: ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) أي ما يتسهل له ذلك وما كان يتزن له بيت من الشعر ، حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا ، { إِنْ هُوَ } ، يعني ما القرآن ، { إِلَّا ذِكْرٌ } ، موعظة ، { وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } ، فيه الفرائض والحدود والأحكام .","part":6,"page":359},{"id":2860,"text":"[70] { لِيُنْذِرَ } ، قرأ أهل المدينة والشام ويعقوب ( لتنذر ) بالتاء وكذلك في الأحقاف ، وافق ابن كثير في الأحقاف ، أي لتنذر يا محمد ، وقرأ الآخرون بالياء أي لينذر القرآن ، { مَنْ كَانَ حَيًّا } ، يعني مؤمنا حي القلب لأن الكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر ، { وَيَحِقَّ الْقَوْلُ } ، ويجب حجة العذاب { عَلَى الْكَافِرِينَ } .","part":6,"page":360},{"id":2861,"text":"[71] { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } ، تولينا خلقه بإبداعنا من غير إعانة أحد ، { أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } ، ضابطون قاهرون ، أي لم يخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل هي مسخرة لهم .\r[72] وهي قوله: { وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ } ، سخرناها لهم ، { فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ } ، أي ما يركبون وهي الإبل ، { وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } ، من لحمانها .\r[73] { وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ } ، أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها ونسلها ، { وَمَشَارِبُ } ، من ألبانها ، { أَفَلَا يَشْكُرُونَ } ، رب هذه النعم .\r[74] { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } ، يعني: لتمنعهم من عذاب الله ، ولا يكون ذلك قط .","part":6,"page":361},{"id":2862,"text":"[75] { لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ } ، قال ابن عباس : لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب . { وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ } ، أي الكفار جند للأصنام يغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرا ولا تستطيع لهم نصرا . وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه كأنهم جند محضرون في النار .\r[76] { فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ } ، يعني قول كفار مكة في تكذيبك ، { إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } ، في ضمائرهم من التكذيب ، { وَمَا يُعْلِنُونَ } ، من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى .\r[77] قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ } ، جدل بالباطل ، { مُبِينٌ } ، بين الخصومة ، يعني أنه مخلوق من نطفة ثم يخاصم ، فكيف لا يتفكر في بدء خلقه حتى يدع الخصومة ، « نزلت في أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار البعث ، وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده ، فقال: أترى يحيي الله هذا بعدما رم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"نعم ويبعثك ويدخلك النار » فأنزل الله هذه الآيات (1) .\r_________\r(1) أخرجه الطبري 23 / 30 والواحدي في أسباب النزول .","part":6,"page":362},{"id":2863,"text":"[78] { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ } ، بدء أمره ثم ، { قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } ، بالية ، ولم يقل رميمة لأنه معدول عن فاعله وكل ما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن أخواته ، كقوله: { وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا } ، أسقط الهاء لأنها كانت مصروفة عن باغية .\r[79] { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا } ، خلقها ، { أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } .\r[80] { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا } ، قال ابن عباس : هما شجرتان يقال لأحدهما: المرخ والأخرى: العفار ، فمن أراد منهم النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء ، فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله عز وجل ، تقول العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار ، وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العناب . { فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ } ، تقدحون وتوقدون النار من ذلك الشجر ، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان .","part":6,"page":363},{"id":2864,"text":"[81] فقال: { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ } ، قرأ يعقوب يقدر بالياء على الفعل ، { عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى } ، أي قل بلى هو قادر على ذلك ، { وَهُوَ الْخَلَّاقُ } ، يخلق خلقا بعد خلق ، { الْعَلِيمُ } بجميع ما خلق .\r[82] { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } .\r[83] { فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ } ، أي ملك ، { كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .","part":6,"page":364},{"id":2865,"text":"( 37 ) سورة الصافات\r[1] { وَالصَّافَّاتِ صَفًّا } ، قال ابن عباس ، رضي الله عنهما والحسن وقتادة : هم الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة ، وقيل: هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله تعالى بما يريده . وقيل: هي الطيور دليله قوله تعالى: { وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ } .\r[2] قوله تعالى: { فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا } ، يعني تزجر السحاب وتسوقه ، وقال قتادة : هي زواجر القرآن تنهي وتزجر عن القبائح .\r[3] { فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا } ، هم الملائكة يتلون ذكر الله عز وجل . وقيل: هم جماعة قراء القرآن وهذا كله قسم أقسم الله تعالى به ، وجواب القسم:\r[4] قوله: { إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ } ، وقيل: فيه إضمار ، أي ورب الصافات والزاجرات والتاليات ، وذلك أن كفار مكة قالوا: { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا } ؟ فأقسم الله بهؤلاء .","part":6,"page":365},{"id":2866,"text":"[5] { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ } ، أي مطالع الشمس ، فإن قيل: قد قال في موضع: ( رب المشارق والمغارب ) ، وقال في موضع: { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } وقال في موضع: { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } ، فكيف وجه التوفيق بين هذه الآيات؟ قيل: أما قوله: { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } ، أراد به جهة المشرق وجهة المغرب . وقوله: { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } أراد مشرق الشتاء ومشرق الصيف ، وأراد بالمغربين: مغرب الشتاء ومغرب الصيف . وقوله: { بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ } ، أراد الله تعالى أنه خلق للشمس ثلثمائة وستين كوة في المشرق وثلثمائة وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة ، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها ، وتغرب في كوة منها لا ترجع إلى الكوة التي تطلع الشمس منها من ذلك اليوم إلى العام المقبل ، فهي المشارق والمغارب ، وقيل: كل موضع شرقت عليه الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه الشمس فهو مغرب ، كأنه أراد رب جميع ما شرقت عليه الشمس وغربت .","part":6,"page":366},{"id":2867,"text":"[6] { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ } ، قرأ عاصم ، برواية أبي بكر ( بزينة ) منونة ، ( الكواكب ) نصب أي بتزييننا الكواكب وقرأ حمزة وحفص ( بزينة ) منونة ( الكواكب ) خفضا على البدل ، أي بزينة بالكواكب ، أي زيناها بالكواكب . وقرأ الآخرون ( بزينة الكواكب ) ، بلا تنوين على الإضافة . قال ابن عباس : بضوء الكواكب .\r[7] { وَحِفْظًا } . أي وحفظناها حفظا . { مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ } ، متمرد يرمون بها .\r[8] { لَا يَسَّمَّعُونَ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص ( يسمعون ) بتشديد السين والميم ، أي لا يتسمعون ، فأدغمت التاء في السين ، وقرأ الآخرون بسكون السين خفيف الميم ، { إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى } ، أي إلى الكتيبة من الملائكة ، والملأ الأعلى هم الملائكة لأنهم في السماء ومعناه أنهم لا يستطيعون الاستماع إلى الملأ الأعلى ، { وَيُقْذَفُونَ } ، يرمون ، { مِنْ كُلِّ جَانِبٍ } ، من كل آفاق السماء بالشهب .","part":6,"page":367},{"id":2868,"text":"[9] { دُحُورًا } ، يبعدونهم عن مجالس الملائكة ، يقال: دحره دحرا ودحورا إذ طرده وأبعده ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ } ، دائم ، قال مقاتل : دائم إلى النفخة الأولى لأنهم يحرقون ويتخبلون .\r[10] { إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ } ، اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقة ، { فَأَتْبَعَهُ } ، لحقه ، { شِهَابٌ ثَاقِبٌ } ، كوكب مضيء قوي لا يخطئه يقتله ، أو يحرقه أو يخبله ، وإنما يعودون إلى استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه طمعا في السلامة ونيل المراد ، كراكب السفينة ، قال عطاء : سمي النجم الذي يرمى به الشياطين ثاقبا لأنه يثقبهم .","part":6,"page":368},{"id":2869,"text":"[11] { فَاسْتَفْتِهِمْ } ، يعني سلهم يعني أهل مكة ، { أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا } ، يعني من السماوات والأرض والجبال ، وهذا استفهام بمعنى التقرير أي هذه الأشياء أشد خلقا كما قال: { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } ، وقال: { أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ } ، وقيل: ( أم من خلقنا ) يعني من الأمم الخالية ، لأن ( من ) يذكر فيمن يعقل ، يقول: إن هؤلاء ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم ، وقد أهلكناهم بذنوبهم فما الذي يؤمن هؤلاء من العذاب؟! ثم ذكر خلق الإنسان ، فقال: { إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ } ، يعني جيد حر لاصق يعلق باليد ، ومعناه اللازم إبدال الميم باء كأنه يلزم اليد . وقال مجاهد والضحاك : منتن .","part":6,"page":369},{"id":2870,"text":"[12] { بَلْ عَجِبْتَ } ، قرأ حمزة والكسائي بضم الباء ، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس ، والعجب من الله عز وجل ليس كالتعجب من الآدميين كما قال: { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ } أن قال عز وجل: { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } والعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه ، والعجب من الله تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذم ، وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا ، وقرأ الآخرون بفتح التاء على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم . أي عجبت من تكذيبهم إياك ، { وَيَسْخَرُونَ } يعني وهم يسخرون من تعجبك . قال قتادة : عجب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل وضلال بني آدم ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن كل من يسمع القرآن يؤمن به ، فلما سمع المشركون القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا به ، فعجب من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الله تعالى: ( بل عجبت ويسخرون ) .\r[13] { وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ } ، يعني إذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون .","part":6,"page":370},{"id":2871,"text":"[14] { وَإِذَا رَأَوْا آيَةً } ، قال ابن عباس ومقاتل يعني انشقاق القمر ، { يَسْتَسْخِرُونَ } ، يسخرون ويستهزئون ، وقيل: يستدعي بعضهم عن بعض السخرية .\r[15] { وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } ، يعني سحر بين .\r[16] { أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } .\r[17] { أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ } . أي وآباؤنا الأولون .\r[18] { قُلْ نَعَمْ } ، تبعثون ، { وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ } ، صاغرون ، والدخور أشد الصغار .\r[19] { فَإِنَّمَا هِيَ } أي قصة البعث أو القيامة ، { زَجْرَةٌ } ، أي صيحة ، { وَاحِدَةٌ } ، يعني نفخة البعث ، { فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ } ، أحياء .\r[20] { وَقَالُوا يا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ } ، أي يوم الحساب ويوم الجزاء .\r[21] { هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ } ، يوم القضاء ، وقيل: يوم الفصل بين المحسن والمسيء ، { الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } . 22 ,","part":6,"page":371},{"id":2872,"text":"[23] { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا } أي أشركوا ، اجمعوهم إلى الموقف للحساب والجزاء ، { وَأَزْوَاجَهُمْ } ، أشياعهم وأتباعهم وأمثالهم ، قال قتادة والكلبي : كل من عمل مثل عملهم فأهل الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا . وقال الضحاك ومقاتل : وقرناءهم من الشياطين كل كافر مع شيطانه في سلسلة . وقال الحسن : وأزواجهم المشركات . { وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ }{ مِنْ دُونِ اللَّهِ } في الدنيا ، يعني الأوثان والطواغيت . وقال مقاتل : يعني إبليس وجنوده ، واحتج بقوله: { أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ } ، { فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ } ، قال ابن عباس : دلوهم إلى طريق النار . وقال ابن كيسان : قدموهم . والعرب تسمي السابق هاديا .\r[24] { وَقِفُوهُمْ } ، واحبسوهم ، يقال: وقفته وقفا فوقف وقوفا . قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال عند الصراط ، فقيل: وقفوهم { إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } ، قال ابن عباس : عن جميع أقوالهم وأفعالهم .","part":6,"page":372},{"id":2873,"text":"[25] { مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ } ، أي لا تتناصرون ، يقال لهم توبيخا: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا ، يقول لهم خزنة النار هذا جواب لأبي جهل حيث قال يوم بدر: { نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ } .\r[26] فقال الله تعالى: { بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } ، قال ابن عباس : خاضعون . وقال الحسن : منقادون؟ يقال استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع له ، والمعنى: هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم .\r[27] { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } ، أي الرؤساء والأتباع { يَتَسَاءَلُونَ } ، يتخاصمون .\r[28] { قَالُوا } ، أي الأتباع للرؤساء ، { إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ } ، أي من قبل الدين فتضلوننا عنه وتروننا أن الدين ما تضلوننا به ، قاله الضحاك ، وقال مجاهد : عن الصراط الحق ، واليمين عبارة عن الدين والحق ، وقال بعضهم: كان الرؤساء يحلفون لهم أن ما يدعونهم إليه هو الحق ، فمعنى قوله . ( تأتوننا عن اليمين ) أي من ناحية الإيمان التي كنتم تحلفونها فوثقنا بها . وقيل: عن اليمين أي عن القوة والقدرة ، كقوله: { لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ } ، والمفسرون على القول الأول .","part":6,"page":373},{"id":2874,"text":"[29] { قَالُوا } ، يعني الرؤساء للأتباع ، { بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } ، لم تكونوا على الحق فنضلكم عنه ، أي إنما الكفر من قبلكم .\r[30] { وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ } ، من قوة وقدرة فنقهركم على متابعتنا ، { بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ } ، ضالين .\r[31] { فَحَقَّ } ، وجب ، { عَلَيْنَا } ، جميعا ، { قَوْلُ رَبِّنَا } ، يعني كلمة العذاب ، وهي قوله: { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } . { إِنَّا لَذَائِقُونَ } ، العذاب ، أي أن الضال والمضل جميعا في النار .\r[32] { فَأَغْوَيْنَاكُمْ } ، فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه ، { إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ } ، ضالين .\r[33] قال الله: { فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } ، الرؤساء والأتباع .\r[34] { إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ } ، قال ابن عباس : الذين جعلوا لله شركاء .\r[35] { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } ، يتكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها .","part":6,"page":374},{"id":2875,"text":"[36] { وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ } ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم .\r[37] قال الله عز وجل ردا عليهم: { بَلْ جَاءَ } محمد { بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ } ، أي أنه أتى بما أتى به الرسل قبله .\r[38 ، 39] { إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ }{ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، في الدنيا من الشرك .\r[40] { إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } ، الموحدين .\r[41] { أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ } ، يعني بكرة وعشيا كما قال: { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } .\r[42] { فَوَاكِهُ } جمع الفاكهة وهي الثمار كلها رطبها ويابسها ، وهي كل طعام يؤكل للتلذذ لا للقوت ، { وَهُمْ مُكْرَمُونَ } ، بثواب الله . 43 ,\r[44] { فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ }{ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ } ، لا يرى بعضهم قفا بعض .\r[45] { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ } ، إناء فيه شراب ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب ، وإلا فهو إناء ، { مِنْ مَعِينٍ } ، خمر جارية في الأنهار ظاهرة تراها العيون .","part":6,"page":375},{"id":2876,"text":"[46] { بَيْضَاءَ } ، قال الحسن : خمر الجنة أشد بياضا من اللبن ، { لَذَّةٍ } ، أي لذيذة ، { لِلشَّارِبِينَ } .\r[47] { لَا فِيهَا غَوْلٌ } ، قال الشعبي : لا تغتال عقولهم فتذهب بها . قال الكلبي : إثم . وقال قتادة : وجع البطن . وقال الحسن : صداع . وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق في خفاء ، يقال: اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية ، وخمرة الدنيا يحصل منها أنواع من الفساد ، منها السكر وذهاب العقل ووجع البطن والصداع والقيء والبول ، ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة . { وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ } ، قرأ حمزة والكسائي ( ينزفون ) بكسر الزاي وافقهما عاصم في الواقعة ، وقرأ الآخرون بفتح الزاي فيهما فمن فتح الزاي فمعناه: لا يغلبهم على عقولهم ولا يسكرون ، يقال: نزف الرجل فهو منزوف ونزيف إذا سكر ، ومن كسر الزاي فمعناه: لا ينزف شرابهم ، يقال أنزف الرجل فهو منزوف إذا فنيت خمره .\r[48] { وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ } ، حابسات الأعين غاضات الجفون ، قصرن أعينهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ، { عِينٌ } ، أي حسان الأعين ، يقال: رجل أعين وامرأة عيناء ونساء عين .","part":6,"page":376},{"id":2877,"text":"[49] { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ } ، جمع البيضة ، { مَكْنُونٌ } ، مضمون مستور ، وإنما ذكر المكنون والبيض جمع لأنه رده إلى اللفظ . قال الحسن : شبههن ببيض النعامة تكنها بالريش من الريح والغبار حين خروجها ، فلونها أبيض في صفرة . ويقال: هذا أحسن ألوان النساء أن تكون المرأة ( بيضاء ) مشربة صفرة ، والعرب تشبهها ببيضة النعامة .\r[50] { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } ، يعني أهل الجنة في الجنة يسأل بعضهم بعضا عن حاله في الدنيا .\r[51] { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ } ، يعني من أهل الجنة ، { إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ } ، في الدنيا ينكر البعث . قال مجاهد : كان شيطانا . وقال الآخرون: كان من الإنس . وقال مقاتل : كانا أخوين . وقال الباقون: كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا ، وهما اللذان قص الله تعالى خبرهما في سورة الكهف في قوله تعالى: { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ } .","part":6,"page":377},{"id":2878,"text":"[52] { يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ } ، بالبعث .\r[53] { أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ } ، مجزيون ومحاسبون وهذا استفهام إنكار .\r[54] { قَالَ } ، الله تعالى لأهل الجنة: { هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ } ، إلى النار . وقيل: يقول المؤمن لإخوانه أهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف منزلة أخي فيقول أهل الجنة: أنت أعرف به منا .\r[55] { فَاطَّلَعَ } ، قال ابن عباس : إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ، فاطلع هذا المؤمن ، { فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ } ، فرأى قرينه في وسط النار ، وإنما سمي وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه .\r[56] { قَالَ } له ، { تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ } والله لقد كدت أن تهلكني ، قال مقاتل : والله لقد كدت أن تغويني ، ومن أغوى إنسانا فقد أهلكه .\r[57] { وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي } ، رحمته وإنعامه علي بالإسلام ، { لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } ، معك في النار . 58 ,","part":6,"page":378},{"id":2879,"text":"[59] { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ }{ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى } ، في الدنيا ، { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } قال بعضهم: يقول هذا أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت: أفما نحن بميتين؟ فتقول لهم الملائكة: لا .\r[60] فيقولون: { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ، وقيل: إنما يقولونه على جهة الحديث بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون ولا يعذبون . وقيل: يقوله المؤمن لقرينه على جهة التوبيخ بما كان ينكره .\r[61] قال الله تعالى: { لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ } ، أي لمثل هذا المنزل ولمثل هذا النعيم الذي ذكره من قوله: ( أولئك لهم رزق معلوم ) ، إلى ( فليعمل العاملون ) .\r[62] { أَذَلِكَ } . أي ذلك الذي ذكر لأهل الجنة ، { خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ } ، التي هي نزل أهل النار . والزقوم: شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم ، يكره أهل النار على تناولها ، فهم يتزقمونه على أشد كراهية ، ومنه قولهم: تزقم الطعام إذا تناوله على كره ومشقة .\r[63] { إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ } ، للكافرين ، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر ؟ .","part":6,"page":379},{"id":2880,"text":"[64] فقال الله تعالى: { إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ } ، قعر النار ، وقال الحسن : أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها .\r[65] { طَلْعُهَا } ، ثمرها سمي طلعا لطلوعه ، { كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الشياطين بأعيانهم شبه بها لقبحها ، لأن الناس إذا وصفوا شيئا بغاية القبح قالوا: كأنه شيطان- وإن كانت الشياطين لا ترى- لأن قبح صورتها متصور في النفس ، وهذا معنى قول ابن عباس والقرظي ، وقال بعضهم . أراد بالشياطين الحيات ، والعرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانا . وقيل . هي شجرة قبيحة مرة منتنة تكون في البادية تسميها العرب رءوس الشياطين .\r[66] { فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ } ، والملء حشو الوعاء بما لا يحتمل الزيادة عليه .\r[67] { ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا } ، خلطا ومزاجا ، { مِنْ حَمِيمٍ } من ماء حار شديد الحرارة ، يقال: إنهم إذا أكلوا الزقوم شربوا عليه الحميم فيشوب الحميم في بطونهم الزقوم فيصير شوبا له .","part":6,"page":380},{"id":2881,"text":"[68] { ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ } ، بعد شرب الحميم ، { لَإِلَى الْجَحِيمِ } ، وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه وهو خارج من الجحيم كما يورد الإبل الماء ، ثم يردون إلى الجحيم ، دل عليه قوله تعالى: { يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } ، وقرأ ابن مسعود : ( ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم ) . 69 ,\r[70] { إِنَّهُمْ أَلْفَوْا } وجدوا ، { آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ } . { فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } ، يسرعون ، قال الكلبي : يعملون مثل أعمالهم .\r[71] { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ } ، من الأمم الخالية . 72 ,\r[73] { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ }{ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ } ، الكافرين أي كان عاقبتهم العذاب .\r[74] { إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } ، الموحدين نجوا من العذاب .\r[75] { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ } ، دعا ربه على قومه فقال: { أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ }{ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ } ، نحن يعني أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه .\r[76] { وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } ، الغم العظيم الذي لحق قومه وهو الغرق .","part":6,"page":381},{"id":2882,"text":"[77] { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ } ، وأراد أن الناس كلهم من نسل نوح ، روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم ، قال سعيد بن المسيب : كان ولد نوح ثلاث: سام وحام ويافث ، فسام أبو العرب وفارس والروم ، وحام أبو السودان ، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك .\r[78] { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ } ، أي أبقينا له ثناء حسنا وذكرا جميلا فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة .\r[79] { سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ } ، أي سلام عليه منا في العالمين . وقيل: أي تركنا عليه في الآخرين أن يصلى عليه إلى يوم القيامة .\r[80] { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } ، قال مقاتل : جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين . 81 ,\r[82] { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ }{ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ } ، يعني الكفار . 83 ,\r[84] قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ } ، أي من أهل دينه وملته وسنته ، { لإبراهيم } . { إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } ، مخلص من الشرك والشك .","part":6,"page":382},{"id":2883,"text":"[85] { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } ، استفهام توبيخ .\r[86] { أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ } ، يعني أتأفكون إفكا وهو أسوأ الكذب ، وتعبدون آلهة سوى الله .\r[87] { فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ، إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره أنه يصنع بكم . 88 ,\r[89] { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ }{ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ } ، قال ابن عباس : كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه ، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة ، وكان لهم من الغد عيد ومجمع وكانوا يدخلون على أصنامهم ويفرشون لهم الفراش ، ويصنعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم ، زعموا التبرك عليه فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه ، فقالوا لإبراهيم : ألا تخرج غدا معنا إلى عيدنا ، فنظر إلى النجوم فقال: إني سقيم ، قال ابن عباس : مطعون ، وكانوا يفرون من الطاعون فرارا عظيما . قال الحسن : مريض . وقال مقاتل : وجع . وقال الضحاك : سأسقم .\r[90] { فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ } ، إلى عيدهم فدخل إبراهيم على الأصنام فكسرها .","part":6,"page":383},{"id":2884,"text":"[91] كما قال الله تعالى: { فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ } ، ولا يقال راغ حتى يكون صاحبه مخفيا لذهابه ومجيئه ، { فَقَالَ } استهزاء بها . { أَلَا تَأْكُلُونَ } ، يعني الطعام الذي بين أيديكم . 92 ,\r[93] { مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ }{ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } ، أي كان يضربهم بيده اليمنى لأنها أقوى العمل من الشمال . وقيل: باليمين أي بالقوة . وقيل: أراد به القسم أي بالقسم الذي سبق منه وهو قوله: { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } .\r[94] { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ } ، يعني إلى إبراهيم ، { يَزِفُّونَ } ، يسرعون ، وذلك أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بآلهتهم فأسرعوا إليه ليأخذوه ، وقرأ الأعمش وحمزة ( يزفون ) بضم الياء وقرأ الآخرون بفتحها ، وهما لغتان . وقيل بضم الياء: أي يحملون دوابهم على الجد والإسراع .\r[95] { قَالَ } ، لهم إبراهيم على وجه الحجاج ، { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } ، يعني ما تنحتون بأيديكم .\r[96] { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ، بأيديكم من الأصنام .","part":6,"page":384},{"id":2885,"text":"[97] { قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ } ، معظم النار ، قال مقاتل : بنوا له حائطا من الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا ، وملئوه من الحطب وأوقدوا فيه النار فطرحوه فيها .\r[98] { فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا } ، شرا وهو أن يحرقوه ، { فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ } ، أي المقهورين حيث سلم الله تعالى إبراهيم ورد كيدهم .\r[99] { وَقَالَ } يعني إبراهيم ، { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي } , أي مهاجر إلى ربي ، والمعنى: أهجر دار الكفر وأذهب إلى مرضاة ربي ، قاله بعد الخروج من النار ، كما قال: { إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } ، { سَيَهْدِينِ } ، إلى حيث أمرني بالمصير إليه وهو الشام . قال مقاتل : فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد .\r[100] فقال: { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } ، يعني هب لي ولدا صالحا من الصالحين .\r[101] { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ } ، قيل بغلام في صغره حليم في كبره ، ففيه بشارة أنه نبي وأنه يعيش فينتهي في السن حتى يوصف بالحلم .","part":6,"page":385},{"id":2886,"text":"[102] { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ } ، قال ابن عباس وقتادة : يعني المشي معه إلى الجبل . وقال مجاهد عن ابن عباس : لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم ، والمعنى: بلغ أن يتصرف معه ويعينه في عمله . قال الكلبي : يعني العمل لله تعالى ، وهو قول الحسن ومقاتل بن حيان وابن زيد ، قالوا: هو العبادة لله تعالى ، واختلفوا في سنه ، قيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة . وقيل: كان ابن سبع سنين . قوله تعالى: { قَالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ } ، اختلف العلماء من المسلمين في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم بذبحه بعد اتفاق أهل الكتابين على أنه إسحاق ، فقال قوم: هو إسحاق واليه ذهب من الصحابة عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس . وقال آخرون: هو إسماعيل ، وإليه ذهب عبد الله بن عمر ، وكلا القولين يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذهب إلى أن الذبيح إسحاق احتج من القرآن بقوله: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ }{ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ } أمر بذبح من بشر به ، وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى إسحاق ، كما قال في سورة هود: { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ } ، ومن ذهب إلى أنه إسماعيل","part":6,"page":386},{"id":2887,"text":"احتج بأن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق بعد الفراغ من قصة المذبوح فقال: { وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } ، دل على أن المذبوح غيره ، { فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى } قرأ حمزة والكسائي ( تري ) بضم التاء وكسر الراء ماذا تشير ، وإنما أمره ليعلم صبره على أمر الله تعالى وعزيمته على طاعته ، وقرأ العامة بفتح التاء والراء إلا أبا عمرو فإنه يميل الراء ، قال له ابنه: { قَالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } ، وقال ابن إسحاق وغيره: فلما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني خذ الحبل والمدية ننطلق إلى هذا الشعب نحتطب ، فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما أمر ، { قَالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } .","part":6,"page":387},{"id":2888,"text":"[103] { فَلَمَّا أَسْلَمَا } ، انقادا وخضعا لأمر الله تعالى ، قال قتادة : أسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه ، { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } ، أي صرعه على الأرض . قال ابن عباس : أضجعه على الأرض والجبهة بين الجبينين .\r[104 , 105] { وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يا إِبْرَاهِيمُ }{ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا } ، تم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } ، والمعنى: إنا كما عفونا عن إبراهيم عند ذبح ولده نجزي من أحسن في طاعتنا ، قال مقاتل : جزاه الله بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه .\r[106] { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ } ، الاختبار الظاهر حيث اختبره بذبح ابنه . وقال مقاتل : البلاء هاهنا النعمة ، وهي أن فدي ابنه بالكبش ، فإن قيل: كيف قال صدقت الرؤيا وكان قد رأى الذبح ولم يذبح؟ قيل: جعله مصدقا لأنه قد أتى بما أمكنه ، والمطلوب إسلامهما لأمر الله تعالى وقد فعلا .","part":6,"page":388},{"id":2889,"text":"[107] قوله: { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } ، فنظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ومعه كبش أملح أقرن ، فقال: هذا فداء لابنك فاذبحه دونه ، فكبر جبريل وكبر الكبش وكبر إبراهيم وكبر ابنه ، فأخذ إبراهيم الكبش فأتى به المنحر من منى فذبحه ، قال مجاهد : سماه عظيما لأنه متقبل . وقال الحسين بن الفضل : لأنه كان من عند الله . وقيل: عظيم في الشخص . وقيل: في الثواب .\r[108] { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ } ، أي تركنا له في الآخرين ثناء حسنا .\r[109- 112] { سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ }{ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ }{ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ }{ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } ، فمن جعل الذبيح إسماعيل قال: بشره بعد هذه القصة بإسحاق نبيا جزاء لطاعته ، ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بشر إبراهيم بنبوة إسحاق . رواه عكرمة عن ابن عباس . قال: بشر به مرتين حين ولد وحين نبئ .","part":6,"page":389},{"id":2890,"text":"[113] { وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ } ، يعني على إبراهيم في أولاده ، { وَعَلَى إِسْحَاقَ } ، يكون أكثر الأنبياء من نسله ، { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ } ، أي مؤمن ، { وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } ، أي كافر ، { مُبِينٌ } ، أي ظاهر الكفر .\r[114] قوله تعالى: { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ } ، أنعمنا عليهم بالنبوة .\r[115] { وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا } ، بنى إسرائيل ، { مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } ، أي الغم العظيم وهو الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم . وقيل: من الغرق .\r[116] { وَنَصَرْنَاهُمْ } ، يعني موسى وهارون وقومهما ، { فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } ، على القبط .\r[117] { وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ } ، أي المستنير وهو التوراة .\r[118- 122] { وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ }{ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ }{ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ }{ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ } .","part":6,"page":390},{"id":2891,"text":"[123] قوله تعالى: { وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } ، روي عن عبد الله بن مسعود قال: إلياس هو إدريس . وفي مصحفه: وإن إدريس لمن المرسلين . وهذا قول عكرمة ، وقال الآخرون: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل . قال ابن عباس : هو ابن عم اليسع . قال محمد بن إسحاق : هو إلياس بن بشر بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران .\r[124 , 125] { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ }{ أَتَدْعُونَ } ، أتعبدون ، { بَعْلًا } ، وهو اسم صنم لهم كانوا يعبدونه ، ولذلك سميت مدينتهم بعلبك ، قال مجاهد وعكرمة وقتادة : البعل الرب بلغة أهل اليمن . { وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ } ، فلا تعبدونه .\r[126] { اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب ( الله ربكم ورب ) بنصب الهاء والباءين على البدل ، وقرأ الآخرون برفعهن على الاستئناف .","part":6,"page":391},{"id":2892,"text":"[127] { فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } ، في النار .\r[128] { إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } ، من قومه فإنهم نجوا من العذاب .\r[129 ، 130] { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ }{ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يا سِينَ } ، قرأ نافع وابن عامر ( آل يا سين ) بفتح الهمزة مشبعة وكسر اللام مقطوعة لأنها في المصحف مفصولة ، وقرأ الآخرون بكسر الهمزة وسكون اللام موصولة ، فمن قرأ ( آل يس ) مقطوعة قيل: أراد آل محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول بعيد لأنه لم يسبق له ذكر ، وقيل: أراد إلياس ، والقراءة المعروفة بالوصل ، واختلفوا فيه ، فقد قيل: إلياسين لغة في إلياس مثل إسماعيل واسماعين وميكائيل وميكائين ، وقال الفراء : هو جمع أراد إلياس وأصحابه وأتباعه من المؤمنين ، فيكون بمنزلة الأشعرين والأعجمين بالتخفيف ، وفي حرف عبد الله بن مسعود : سلام على إدراسين يعني إدريس وأتباعه ، لأنه يقرأ: وإن إدريس لمن المرسلين .","part":6,"page":392},{"id":2893,"text":"[131- 135] { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ }{ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ }{ وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ }{ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ }{ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ } ، أي الباقين في العذاب .\r[136] { ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ } ، والتدمير الإهلاك .\r[137] { وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ } ، على آثارهم ومنازلهم ، { مُصْبِحِينَ } ، وقت الصباح .\r[138] { وَبِاللَّيْلِ } ، يريد تمرون بالنهار وبالليل عليهم إذا ذهبتم إلى أسفاركم ورجعتم ، { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، فتعتبرون .\r[139] قوله تعالى: { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } ، أي من جملة رسل الله .\r[140] { إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } ، يعني هرب ، قال ابن عباس رضي الله عنهما ووهب: كان يونس وعد قومه العذاب فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور منهم ، فقصد البحر فركب السفينة ، فاحتبست السفينة فقال الملاحون: هاهنا عبد آبق من سيده ، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس ، فاقترعوا ثلاثا فوقعت على يونس ، فقال يونس : أنا الآبق ، وزج نفسه في الماء .","part":6,"page":393},{"id":2894,"text":"[141] فذلك قوله عز وجل: { فَسَاهَمَ } ، فقارع والمساهمة إلقاء السهام على جهة القرعة ، { فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ } ، أي المقروعين .\r[142] { فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ } ، ابتلعه ، { وَهُوَ مُلِيمٌ } ، آت بما يلام عليه .\r[143] { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ } ، من الذاكرين الله قبل ذلك وكان كثير الذكر ، وقال ابن عباس : من المصلين . وقال وهب : من العابدين . وقال الحسن : ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا . وقال الضحاك : شكر الله تعالى له طاعته القديمة . وقيل: { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ } في بطن الحوت . قال سعيد بن جبير : يعني قوله: { لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } .\r[144] { لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } ، لصار بطن الحوت له قبرا إلى يوم القيامة .\r[145] { فَنَبَذْنَاهُ } ، طرحناه ، { بِالْعَرَاءِ } ، يعني على وجه الأرض ، قال السدي : بالساحل ، والعراء: الأرض الخالية عن الشجر والنبات . { وَهُوَ سَقِيمٌ } ، عليل كالفرخ الممعط ، وقيل: كان قد بلي لحمه ورق عظمه ولم يبق له قوة .","part":6,"page":394},{"id":2895,"text":"[146] { وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ } ، أي له ، وقيل: عنده ، { شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ } ، يعني القرع على قول جميع المفسرين ، وقال الحسن ومقاتل : كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض ليس له ساق ولا يبقى على الشتاء نحو القرع والقثاء والبطيخ فهو يقطين ، قال مقاتل بن حيان : فكان يونس يستظل بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها بكرة وعشية حتى اشتد لحمه ونبت شعره وقوي ، فإن قيل: قال هاهنا: ( فنبذناه بالعراء ) ، وقال في موضع آخر: { لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ } ، فهل ما يدل على أنه لم ينبذ ، قيل: لولا هناك يرجع إلى الذم ، معناه: لولا نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ، ولكن تداركه النعمة فنبذ وهو غير مذموم .","part":6,"page":395},{"id":2896,"text":"[147] { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ } ، قال قتادة : أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل قبل أن يصيبه ما أصابه ، وقوله: ( وأرسلناه ) أي وقد أرسلناه ، وقيل . كان إرساله بعد خروجه من بعد بطن الحوت إليهم ، وقيل: إلى قوم آخرين . { أَوْ يَزِيدُونَ } ، قال مقاتل والكلبي : معناه بل يزيدون . وقال الزجاج : ( أو ) هاهنا على أصلها ، ومعناه أو يزيدون على تدبركم وظنكم ، كالرجل يرى قوما فيقول هؤلاء ألف أو يزيدون فالشك على تقدير المخلوقين ، والأكثرون على أن معناه ويزيدون ، واختلفوا في مبلغ تلك الزيادة ، فقال ابن عباس ومقاتل : « كانوا عشرين ألفا » ، ورواه أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ، وقال الحسن : بضعا وثلاثين ألفا . وقال سعيد بن جبير : سبعين ألفا .\r[148] { فَآمَنُوا } ، يعني الذين أرسل إليهم يونس بعد معاينة العذاب ، { فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } ، أي حين انقضاء آجالهم . وتقدم قبل ذلك في سورة يونس آية ( 98 ) .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير 9 / 97 وقال :( حديث غريب ) والطبري 23 / 104 .","part":6,"page":396},{"id":2897,"text":"[149] قوله تعالى: { فَاسْتَفْتِهِمْ } ، فاسأل يا محمد أهل مكة وهو سؤال توبيخ ، { أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ } ، وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، يقول: جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين .\r[150] { أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا } ، معناه: أخلقنا الملائكة إناثا ، { وَهُمْ شَاهِدُونَ } ، حاضرون خلقنا إياهم ، نظيره قوله: { أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ } .\r[151 , 152] { أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ } ، من كذبهم ، { لَيَقُولُونَ }{ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } .\r[153] { أَصْطَفَى } ، قرأ أبو جعفر ( لكاذبون ) ، ( اصطفى ) موصولا على الخبر عن قول المشركين ، وعند الوقف يبتديان: اصطفى بكسر الألف ، وقراءة العامة بقطع الألف لأنها ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ، فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة مقطوعة ، مثل أستكبرت ونحوها ، { الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ } .","part":6,"page":397},{"id":2898,"text":"[154] { مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } ، لله بالبنات ولكم بالبنين .\r[155] { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } ، أفلا تتعظون .\r[156] { أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ } ، برهان بين على أن لله ولدا .\r[157] { فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ } ، الذي لكم فيه حجة ، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } , في قولكم .\r[158] { وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا } . قال مجاهد وقتادة : وأراد بالجنة الملائكة سموا جنة لاجتنابهم عن الأبصار . وقال ابن عباس : حي من الملائكة يقال لهم الجن ، ومنهم إبليس ، قالوا: هم بنات الله . وقال الكلبي : قالوا -لعنهم الله-: بل تزوج من الجن فخرج منها الملائكة ، تعالى الله عن ذلك ، وقد كان زعم بعض قريش أن الملائكة بنات الله ، فقال أبو بكر الصديق : فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن . وقال الحسن : معنى النسب أنهم أشركوا الشياطين في عبادة الله ، { وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ } ، يعني قائلي هذا القول ، { لَمُحْضَرُونَ } ، في النار ثم نزه نفسه عما قالوا فقال:","part":6,"page":398},{"id":2899,"text":"[159 , 160] { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ }{ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } ، هذا استثناء من المحضرين يعني أنهم لا يحضرون .\r[161] قوله عز وجل: { فَإِنَّكُمْ } ، يقول لأهل مكة ، { وَمَا تَعْبُدُونَ } ، من الأصنام .\r[162] { مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ } ، على ما تعبدون ، { بِفَاتِنِينَ } ، بمضلين أحدا .\r[163] { إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ } ، إلا من قدر الله أنه سيدخل النار أي سبق له في علم الله الشقاوة .\r[164] قوله تعالى: { وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ } ، أي ما منا ملك إلا له مقام معلوم في السماوات يعبد الله فيه ، قال ابن عباس : ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح .\r[165] { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ } ، قال قتادة : هم الملائكة صفوا أقدامهم . وقال الكلبي : صفوف الملائكة في السماء للعبادة كصفوف الناس في الأرض .","part":6,"page":399},{"id":2900,"text":"[166] { وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ } ، أي المصلون المنزهون الله عن السوء ، يخبر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح وأنهم ليسوا بمعبودين ، كما زعمت الكفار ، ثم أعاد الكلام إلى الأخبار عن المشركين فقال:\r[167] { وَإِنْ كَانُوا } ، أي وقد كانوا يعنى أهل مكة ، { لَيَقُولُونَ } ، لام التأكيد .\r[168] { لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ } ، أي كتابا مثل كتاب الأولين .\r[169 , 170] { لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ }{ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } ، أي فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به ، { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } ، هذا تهديد لهم .\r[171] { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ } ، وهي قوله: { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي } .\r[172 , 173] { إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ }{ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } ، أي حزب الله لهم الغلبة بالحجة والنصرة في العاقبة .","part":6,"page":400},{"id":2901,"text":"[174] { فَتَوَلَّ } ، أعرض ، { عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ } ، قال ابن عباس : يعني الموت . وقال مجاهد : يوم بدر . وقال السدي : حتى يأمرك بالقتال . وقيل: إلى أن يأتيهم عذاب الله . قال مقاتل بن حيان : نسختها آية القتال .\r[175] { وَأَبْصِرْهُمْ } ، إذا نزل بهم العذاب ، { فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } ، ذلك . فقالوا متى هذا العذاب؟\r[176 , 177] فقال الله عز وجل: { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ }{ فَإِذَا نَزَلَ } ، يعني العذاب ، { بِسَاحَتِهِمْ } ، قال مقاتل : بحضرتهم . وقيل: بفنائهم . قال الفراء : العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم ، { فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ } ، فبئس صباح الكافرين الذين أنذروا بالعذاب ، ثم كرر ما ذكرنا تأكيدا لوعيد العذاب فقال:\r[178 , 179] { وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ }{ وَأَبْصِرْ } ، العذاب إذا نزل بهم ، { فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } ، ثم نزه نفسه:\r[180] فقال: { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ } ، الغلبة والقوة ، { عَمَّا يَصِفُونَ } ، من اتخاذ الصاحبة والأولاد .\r[181] { وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ } ، الذين بلغوا عن الله التوحيد والشرائع .","part":6,"page":401},{"id":2902,"text":"[182] { وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء عليهم السلام .","part":6,"page":402},{"id":2903,"text":"( 38 ) سورة ص\r[1] { ص } ، قيل: هو قسم ، وقيل: هو اسم للسورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في أوائل السور ، وقال محمد بن كعب القرظي : ص مفتاح اسم الصمد وصادق الوعد . وقال الضحاك : معناه صدق الله . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، { وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ } ، أي ذي البيان ، وقال الضحاك : ذي الشرف ، دليله قوله تعالى: { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ } ، وهو قسم ، واختلفوا في جواب القسم ، قيل جوابه قد تقدم ، وهو قوله { ص } أقسم الله بالقرآن أن محمدا قد صدق . وقال الفراء : ص معناه وجب وحق فهي جواب قوله: { وَالْقُرْآنِ } ، كما تقول: نزل والله ، وقيل . جواب القسم محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار ، ودل على هذا المحذوف .","part":6,"page":403},{"id":2904,"text":"[2] قوله تعالى: { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، قال قتادة : موضع القسم قوله: { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، كما قال { وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ }{ بَلْ عَجِبُوا } . وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: بل الذين كفروا { فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } والقرآن ذي الذكر ، وقال الأخفش : جوابه قوله تعالى: { إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ } ، كقوله: { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا } وقوله: { وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ } - { إِنْ كُلُّ نَفْسٍ } ، وقيل: جوابه قوله: { إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا } ، وقال الكسائي : قوله: { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ } ، وهذا ضعيف لأنه تخلل بين هذا القسم وهذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة ، وقال القتيبي : ( بل ) لتدارك كلام ونفي آخر ، ومجاز الآية: إن الله أقسم ب ص والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة حمية وجاهلية وتكبر عن الحق وشقاق خلاف وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقال مجاهد : { فِي عِزَّةٍ } : معازِّين (1) .\r_________\r(1) في نسخة أخرى: ( متعازِّين ) .","part":6,"page":404},{"id":2905,"text":"[3] { كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ } ، يعني من الأمم الخالية ، { فَنَادَوْا } ، استغاثوا عند نزول العذاب وهول النقمة ، { وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ } ، أي ليس حين نزول العذاب بهم حين فرار ، والمناص مصدر ناص ينوص ، هو الفرار والتأخر ، يقال: ناص ينوص إذا تأخر وباص يبوص إذا تقدم ، ولات بمعنى ليس بلغة أهل اليمن ، وقال النحويون: هي لا ، زيدت فيها التاء ، كقولهم: رب وربت وثم وثمت ، وأصلها هاء وصلت بلا ، فقالوا: لاه ، كما قالوا ثمة فجعلوها في الوصل تاء والوقف عليه بالتاء عند الزجاج ، وعند الكسائي بالهاء لاه ، وذهب إلى أن التاء زيدت في حين والوقف على ولا ، ثم يبتدئ: تحين ، وهو اختيار أبي عبيد ، وقال: كذلك وجدت في مصحف عثمان .\r[4] { وَعَجِبُوا } ، يعني الكفار الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله . { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، { أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ } ، يعني رسولا من أنفسهم ينذرهم ، { وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } .","part":6,"page":405},{"id":2906,"text":"[5] { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا } كيف يسع الخلق كلهم إله واحد ، { إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } ، أي عجيب ، والعجب والعجاب واحد ، كقولهم رجل كريم وكرام وكبير وكبار وطويل وطوال وعريض وعراض . [6] { وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ } ، أي انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم أي اثبتوا على عبادة آلهتكم ، { إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } ، أي الأمر يراد بنا , وذلك أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة لمكانه قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد لشيء يراد بنا ، وقيل: يراد بأهل الأرض ، وقيل: يراد بمحمد أن يملك علينا .\r[7] { مَا سَمِعْنَا بِهَذَا } ، أي بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد ، { فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ } ، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل : يعنون في النصرانية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون ، بل يقولون ثالث ثلاثة . وقال مجاهد وقتادة : يعنون ملة قريش ودينهما الذي هم عليه ، { إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ } ، كذب وافتعال .","part":6,"page":406},{"id":2907,"text":"[8] { أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ } ، القرآن ، { مِنْ بَيْنِنَا } ، وليس بأكبرنا ولا أشرفنا ، يقوله أهل مكة ، قال الله عز وجل: { بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي } ، أي وحيي وما أنزلت ، { بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } ، أي لم يذوقوا عذابي ، ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول .\r[9] { أَمْ عِنْدَهُمْ } ، أعندهم ، { خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ } ، يعني نعمة ربك مفاتيح النبوة يعطونها من شاءوا ، ونظيره { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ } أي نبوة ربك ، { الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ } ، العزيز في ملكه الوهاب وهب النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم .\r[10] { أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } ، أي ليس لهم ذلك ، { فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ } ، أي إن ادعوا شيئا من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون قال مجاهد وقتادة : أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء ، وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه ، وهذا أمر توبيخ وتعجيز .","part":6,"page":407},{"id":2908,"text":"[11] { جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ } ، أي هؤلاء الذين يقولون هذا القول جند ما هنالك ، و ( ما ) صلة ، { مَهْزُومٌ } ، مغلوب ، { مِنَ الْأَحْزَابِ } ، أي من جملة الأجناد يعني قريشا ، قال قتادة : أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين ، وقال سيهزم الجمع ويولون الدبر ، فجاء تأويلها يوم بدر ، وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم ، { مِنَ الْأَحْزَابِ } ، أي: من جملة الأحزاب ، أي: هم من القرون الماضية الذين تحزبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب ، فقهروا وأهلكوا .","part":6,"page":408},{"id":2909,"text":"[12] ثم قال معزيا لنبيه صلى الله عليه وسلم { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ } ، قال ابن عباس ومحمد بن كعب : ذو البناء المحكم ، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت ، وقال القتيبي : تقول العرب هم في عز ثابت الأوتاد ، يريدون أنه دائم شديد ، وأصل هذا أن بيوتهم كانت تثبت بالأوتاد ، وقال الضحاك : ذو القوة والبطش . وقال عطية : ذو الجنود والجموع الكثيرة ، يعني أنهم كانوا يقوون أمره ، ويشدون ملكه ، كما يقوي الوتد الشيء ، وسميت الأجناد أوتادا لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم ، وهو رواية عطية عن ابن عباس ، وقال الكلبي ومقاتل : ( الأوتاد ) جمع الوتد وكانت له أوتاد يعذب الناس عليها ، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد يشد كل يد ورجل منه إلى سارية ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت . وقال مجاهد ومقاتل بن حيان : كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد . وقال السدي : كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيات (1) . وقال قتادة وعطاء : كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب\r_________\r(1) سيأتي الكلام على ذلك في سورة الفجر آية ( 10 ) .","part":6,"page":409},{"id":2910,"text":"عليها بين يديه .\r[13] { وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ } , الذي تحزبوا على الأنبياء ، فاعلم أن مشركي قريش حزب من هؤلاء الأحزاب .\r[14] { إِنْ كُلٌّ } ، ما كل ، { إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ } ، وجب عليهم ونزل بهم عذابي .","part":6,"page":410},{"id":2911,"text":"[15] { وَمَا يَنْظُرُ } ، ينتظر ، { هَؤُلَاءِ } ، يعني: كفار مكة ، { إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً } ، وهي نفخة الصور ، { مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ } ، قرأ حمزة والكسائي ( فواق ) بضم الفاء ، وقرأ الآخرون بفتحها وهما لغتان ، فالفتح لغة قريش والضم لغة تميم ، قال ابن عباس وقتادة : من رجوع ، أي: ما يرد ذلك الصوت فيكون له رجوع . وقال مجاهد : نظرة . وقال الضحاك : مثنوية ، أي صرف ورد ، والمعنى أن تلك الصيحة التي هي ميعاد عذابهم إذا جاءت لم ترد ولم تصرف ، وفرق بعضهم بين الفتح والضم ، فقال الفراء وأبو عبيدة : الفتح بمعنى الراحة والإفاقة ، كالجواب من الإجابة ، وذهبا بها إلى إفاقة المريض من علته ، والفواق بالضم ما بين الحلبتين وهو أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق ، أي أن العذاب لا يمهلهم بذلك القدر ، وقيل: هما أيضا مستعارتان من الرجوع ، لأن اللبن يعود إلى الضرع بين الحلبتين ، وإفاقة المريض رجوعه إلى الصحة .","part":6,"page":411},{"id":2912,"text":"[16] { وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ } ، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : يعني كتابنا ، والقط الصحيفة التي أحصت كل شيء ، قال الكلبي : لما نزلت في الحاقة: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } ، { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ } ، قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قبل يوم الحساب . وقال سعيد بن جبير : يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول . وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي : يعني عقوبتنا ونصيبنا من العذاب . وقال عطاء : قال النضر بن الحارث ، هو قولهم: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء . وعن مجاهد قال: قطنا حسابنا ، ويقال لكتاب الحساب قط . وقال أبو عبيدة والكسائي : القط الكتاب بالجوائز .","part":6,"page":412},{"id":2913,"text":"[17] قال الله تعالى: { اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } ، أي على ما يقوله الكفار من تكذيبك ، { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ } ، قال ابن عباس : أي القوة في العبادة ، وقيل: ذو القوة في الملك . { إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، رجاع إلى الله عز وجل بالتوبة عن كل ما يكره ، قال ابن عباس : مطيع . قال سعيد بن جبير : مسبح بلغة الحبش .\r[18] { إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ } ، كما قال: { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ } ، { يُسَبِّحْنَ } بتسبيحه ، { بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ } ، قال الكلبي : غدوة وعشية والإشراق هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها . وفسره ابن عباس : بصلاة الضحي .\r[19] قوله عز وجل: { وَالطَّيْرَ } ، أي وسخرنا له الطير ، { مَحْشُورَةً } ، مجموعة إليه تسبح معه ، { كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ } ، مطيع رجاع إلى طاعته بالتسبيح ، وقيل: أواب معه أي مسبح .","part":6,"page":413},{"id":2914,"text":"[20] { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } ، أي قويناه بالحرس والجنود ، قال ابن عباس : كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل { وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ } ، يعني النبوة والإصابة في الأمور ، { وَفَصْلَ الْخِطَابِ } ، قال ابن عباس : بيان الكلام ، وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل : علم الحكم والتبصر في القضاء . وقال علي بن أبي طالب : هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ، لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به . ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والأيمان . وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح . وروي عن الشعبي : أن فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه أما بعد ، إذا أراد الشروع في كلام آخر ، وأول من قاله داود عليه السلام .","part":6,"page":414},{"id":2915,"text":"[21] قوله عز وجل: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين ، يقال: كانا جبريل وميكائيل ، فذلك قوله عز وحل: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ } ، خبر الخصم ، { إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } ، صعدوا وعلوا ، يقال: تسورت الحائط والسور إذا علوته ، وإنما جمع الفعل وهما اثنان لأن الخصم اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمؤنث ، ومعنى الجمع في الاثنين موجود ، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء هذا كما قال الله تعالى: { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } .","part":6,"page":415},{"id":2916,"text":"[22] { إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ } ، خاف منهما حين هجما عليه في محرابه بغير إذنه ، فقال: ما أدخلكما علي ، { قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ } ، أي نحن خصمان { بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } ، جئناك لتقضي بيننا ، فإن قيل: كيف قال: { بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } وهما ملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه رأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر ، وهذا من معاريض الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما . { فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ } ، أي لا تجر ، يقال: شط الرجل شططا وأشط إشطاطا إذا جار في حكمه ، ومعناه مجاوزة الحد ، وأصل الكلمة من شطت الدار وأشطت إذا بعدت . { وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ } ، أرشدنا إلى طريق الصواب والعدل ، فقال داود لهما: تكلما .","part":6,"page":416},{"id":2917,"text":"[23] فقال أحدهما: { إِنَّ هَذَا أَخِي } ، أي على ديني وطريقتي ، { لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } ، يعني امرأة ، { وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ } ، أي امرأة واحدة ، والعرب تكني بالنعجة من المرأة ، قال الحسين بن الفضل : هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي فهو كقولهم: ضرب زيد عمرا أو اشترى بكر دارا ، ولا ضرب هنالك ولا شراء { فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا } ، قال ابن عباس : أعطنيها . قال مجاهد : انزل لي عنها . وحقيقته ضمها إلي فاجعلني كافلها ، وهو الذي يعولها وينفق عليها والمعنى: طلقها لأتزوجها ، { وَعَزَّنِي } ، وغلبني ، { فِي الْخِطَابِ } ، أي في القول . وقيل: قهرني لقوة ملكه . وقال الضحاك : يقول إن تكلم كان أفصح مني وإن حارب كان أبطش مني ، وحقيقة المعني: أن الغلبة كانت له لضعفي في يده ، وإن كان الحق معي وهذا كله تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود حيث كان لداود تسع وتسعون امرأة ولأوريا امرأة واحدة فضمها إلى نسائه .","part":6,"page":417},{"id":2918,"text":"[24] { قَالَ } ، أي قال داود ، { لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ } أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه ، فإن قيل: كيف قال لقد ظلمك ولم يكن سمع قول صاحبه؟ قيل: معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك ، وقيل: قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما يقول . { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ } ، الشركاء { لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } ، يظلم بعضهم بعضا ، { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، فإنهم لا يظلمون أحدا . { وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } ، أي قليل هم ، و ( ما ) صلة ، يعني: الصالحين الذين لا يظلمون قليل ، قالوا: فلما قضى بينهما داود نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك وصعد إلى السماء ، فعلم داود أن الله تعالى ابتلاه ، وذلك قوله: { وَظَنَّ دَاوُدُ } ، أيقن وعلم ، { أَنَّمَا فَتَنَّاهُ } ، إنما ابتليناه ، وقال القائلون بتنزيه الأنبياء في هذه القصة: إن ذنب داود إنما كان أنه تمنى أن تكون امرأة أوريا حلالا له ، فاتفق غزو أوريا وتقدمه في الحرب وهلاكه ، فلما بلغ قتله داود لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده إذا هلك ، ثم تزوج امرأته فعاتبه الله على ذلك لأن ذنوب الأنبياء وإن","part":6,"page":418},{"id":2919,"text":"صغرت فهي عظيمة عند الله { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا } ، أي ساجدا ، عبر بالركوع عن السجود لأن كل واحد منهما فيه انحناء ، قال الحسين بن الفضل : سألني عبد الله بن طاهر عن قوله: { وَخَرَّ رَاكِعًا } هل يقال للراكع خر؟ قلت: لا ، ومعناه فخر بعدما كان راكعا أي [سجد] . { وَأَنَابَ } ، أي رجع وتاب .\r[25] { فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ } ، يعني ذلك الذنب ، { وَإِنَّ لَهُ } ، بعد المغفرة ، { عِنْدَنَا } ، يوم القيامة ، { لَزُلْفَى } لقربة ومكانة ، { وَحُسْنَ مَآبٍ } ، أي حسن مرجع ومنقلب .\r[26] قوله عز وجل: { يا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ } تدبر أمور العباد بأمرنا ، { فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } ، بالعدل ، { وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } ، أي بأن تركوا الإيمان بيوم الحساب . وقال الزجاج : بتركهم العمل لذلك اليوم . وقال عكرمة والسدي : في الآية تقديم وتأخير ، تقديره: لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا ، أي تركوا القضاء بالعدل .","part":6,"page":419},{"id":2920,"text":"[27] { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا } ، قال ابن عباس : لا لثواب ولا لعقاب . { ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، يعني أهل مكة هم الذين ظنوا أنهم خلقوا لغير شيء ، وأنه لا بعث ولا حساب . { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ } .\r[28] { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ } ، قال مقاتل : قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة من الخير ما يعطون ، فنزلت هذه الآية: { أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } ، أي المؤمنين كالكفار . وقيل: أراد بالمتقين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أي لا نجعل ذلك .\r[29] { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ } ، أي هذا الكتاب أنزلناه إليك ، { مُبَارَكٌ } ، كثير خيره ونفعه ، { لِيَدَّبَّرُوا } أي ليتدبروا ، { آيَاتِهِ } ، وليتفكروا فيها ، وقرأ أبو جعفر ( ليتدبروا ) بتاء واحدة وتخفيف الدال ، قال الحسن : تدبر آياته اتباعه ، { وَلِيَتَذَكَّرَ } ، ليتعظ ، { أُولُو الْأَلْبَابِ } . 30 ,","part":6,"page":420},{"id":2921,"text":"[31] قوله عز وجل: { وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }{ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ } ، والصافنات هي الخيل القائمة على ثلاث قوائم وأقامت واحدة على طرف الحافر من يد أو رجل ، يقال: صفن الفرس يصفن صفونا إذا قام على ثلاثة قوائم ، وقلب أحد حوافره . وقيل: الصافن في اللغة القائم . والجياد الخيار السراع ، وأحدها جواد . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يريد الخيل السوابق .\r[32] { فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ } ، أي آثرت حب الخير وأراد بالخير الخيل ، والعرب تعاقب بين الراء واللام ، فتقول: ختلت الرجل وخترته ، أي خدعته ، وسميت الخيل خيرا لأنه معقود بنواصيها الخير ، الأجر والمغنم ، قال مقاتل : يعني المال فهي الخيل التي عرضت عليه . { عَنْ ذِكْرِ رَبِّي } ، يعني عن الصلاة وهي صلاة العصر . { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } ، أي توارت الشمس بالحجاب أي استترت بما يحجبها عن الأبصار .","part":6,"page":421},{"id":2922,"text":"[33] { رُدُّوهَا عَلَيَّ } ، أي ردوا الخيل علي فردوها ، { فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ } ، قال أبو عبيدة : طفق يفعل مثل: ما زال يفعل ، والمراد بالمسح القطع ، فجعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف ، هذا قول ابن عباس والحسن وقتادة ومقاتل وأكثر المفسرين ، وكان ذلك مباحا له لأن نبي الله لم يكن يقدم على محرم ، ولم يكن يتوب عن ذنب بذنب آخر . وقال محمد بن إسحاق : لم يعنفه الله على عقر الخيل إذ كان ذلك أسفا على ما فاته من فريضة ربه عز وجل . وقال بعضهم: إنه ذبحها ذبحا وتصدق بلحومها ، وكان الذبح على ذلك الوجه مباحا في شريعته . وقال قوم: معناه أنه حبسها في سبيل الله وكوى سوقها وأعناقها بكي الصدقة . وقال الزهري وابن كيسان : إنه كان يمسح سوقها وأعناقها بيده يكشف الغبار عنها حبا لها وشفقة عليها ، وهذا قول ضعيف ، والمشهور هو الأول .\r[34] قوله عز وجل: { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ } ، اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه ، { وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ } ، أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما فلما رجع .","part":6,"page":422},{"id":2923,"text":"[35] { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي } ، قال مقاتل وابن كيسان : لا يكون لأحد من بعدي ، قال عطاء بن أبي رباح : يريد هب لي ملكا لا تسلبنيه في آخر عمري ، وتعطيه غيري كما استلبته فيما مضى من عمري . { إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } ، قيل: سأل ذلك ليكون آية لنبوته ودلالة على رسالته ، ومعجزة ، وقيل: سأل ذلك ليكون علما على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد إليه ملكه ، وزاده فيه . وقال مقاتل بن حيان : كان لسليمان ملكا ولكنه أراد بقول: { لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي } تسخير الرياح والطير والشياطين ، بدليل ما بعده .\r[36] قوله عز وجل: { فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً } ، لينة ليست بعاصفة ، { حَيْثُ أَصَابَ } ، حيث أراد ، تقول العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب تريد أراد الصواب .\r[37] { وَالشَّيَاطِينَ } ، أي سخرنا له الشياطين ، { كُلَّ بَنَّاءٍ } ، يبنون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ، { وَغَوَّاصٍ } ، يستخرجون له اللآلئ من البحر ، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر .","part":6,"page":423},{"id":2924,"text":"[38] { وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ } ، مشدودين في القيود ، أي وسخرنا له آخرين يعني مردة الشياطين سخروا له حتى قرنهم في الأصفاد .\r[39] { هَذَا عَطَاؤُنَا } ، أي قلنا له هذا عطاؤنا ، { فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ } ، المن هو الإحسان إلى من تشاؤه ومن لا تشاؤه ، معناه: أعط من شئت وأمسك عمن شئت ، { بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت . قال الحسن : ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة ، إلا سليمان فإن أعطى أُجر ، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة . وقال مقاتل : هذا في أمر الشياطين ، يعني: خل من شئت منهم وأمسك من شئت في وثاقك لا تبعة عليك فيما تتعاطاه .\r[40] { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } .","part":6,"page":424},{"id":2925,"text":"[41] قوله عز وجل: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ } ، بمشقة وضر ، قرأ أبو جعفر ( بنُصُب ) بضم النون والصاد ، وقرأ يعقوب بفتحهما ، وقرأ الآخرون بضم النون وسكون الصاد ، ومعنى الكل واحد . قال قتادة ومقاتل : بنصب في الجسد ، { وَعَذَابٍ } ، في المال وقد ذكرنا قصة أيوب في سورة الأنبياء عليهم السلام [آية 83] .\r[42] فلما انقضت مدة بلائه قيل له: { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ } ، اضرب برجلك الأرض ففعل فنبعت عين ماء ، { هَذَا مُغْتَسَلٌ } ، فأمره الله يغتسل منها ففعل فذهب كل داء كان بظاهره ، ثم مشى أربعين خطوة فركض الأرض برجله الأخرى فنبعت عين أخرى ماء عذب بارد ، فشرب منها فذهب كل داء كان بباطنه ، فقوله: { هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ } ، يعني الذي اغتسل منه بارد ، { وَشَرَابٌ } ، أراد الذي شرب منه .","part":6,"page":425},{"id":2926,"text":"[43 , 44] { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ }{ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا } ، وهو ملء الكف من الشجر أو الحشيش ، { فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } ، في يمينك وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط فأمره الله أن يأخذ ضغثا يشتمل على مائة عود صغار ويضربها ضربة واحدة ، { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } .\r[45] { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا } ، قرأ ابن كثير ( عبدنا ) على التوحيد ، وقرأ الآخرون ( عبادنا ) بالجمع ، { إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي } ، قال ابن عباس : أولي القوة في طاعة الله ، { وَالْأَبْصَارِ } ، في المعرفة بالله أي البصائر في الدين ، قال قتادة ومجاهد : أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين .","part":6,"page":426},{"id":2927,"text":"[46] { إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ } ، اصطفيناهم ، { بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ } ، قرأ أهل المدينة ( بخالصة ) مضافا وقرأ الآخرون بالتنوين ، فمن أضاف فمعناه: أخلصناهم بذكر الدار الآخرة وأن يعملوا لها ، والذكرى بمعنى الذكر ، قال مالك بن دينار : نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها ، وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها . وقال قتادة : كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله عز وجل . وقال السدي : أخلصوا بخوف الآخرة . وقيل: معناه أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة . قال ابن زيد : ومن قرأ بالتنوين: فمعناه بخلة خالصة ، وهي ذكرى الدار ، فيكون ذكرى الدار بدلا عن الخالصة . وقيل: أخلصناهم: جعلناهم مخلصين ، بما أخبرنا عنهم من ذكر الآخرة .\r[47- 49] { وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ }{ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ }{ هَذَا ذِكْرٌ } ، أي هذا الذي يتلى عليكم ذكر ، وقيل ذكر أي شرف وذكر جميل تذكرون به { وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ } .\r[50] { جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ } ، أي أبوابها مفتحة لهم . 51 ,","part":6,"page":427},{"id":2928,"text":"[52] { مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ }{ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ } ، مستويات الأسنان ، بنات ثلاث وثلاثين سنة ، واحدها ترب . وعن مجاهد قال: متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن .\r[53] { هَذَا مَا تُوعَدُونَ } ، قرأ ابن كثير ( يوعدون ) بالياء هاهنا وفي ( ق ) أي ما يوعد المتقون ، وافق أبو عمرو هاهنا وقرأ الباقون بالتاء فيهما ، أي قل للمؤمنين: هذا ما توعدون ، { لِيَوْمِ الْحِسَابِ } ، أي في يوم الحساب .\r[54] { إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ } ، فناء وانقطاع .\r[55] { هَذَا } ، أي الأمر هذا { وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ } ، للكافرين ، { لَشَرَّ مَآبٍ } ، مرجع .\r[56] { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا } ، يدخلونها { فَبِئْسَ الْمِهَادُ } .","part":6,"page":428},{"id":2929,"text":"[57] { هَذَا } أي هذا العذاب ، { فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } ، قال الفراء : أي هذا حميم وغساق فليذوقوه ، والحميم الماء الحار الذي انتهى حره وغساق ، قرأ حمزة والكسائي وحفص ( وغساق ) حيث كان بالتشديد ، وخففها الآخرون ، فمن شدد جعله اسما على فعال نحو الخباز والطباخ ، ومن خفف جعله اسما على فعال نحو العذاب ، واختلفوا في معنى الغساق ، قال ابن عباس : هو الزمهرير يحرقهم ببرده ، كما تحرقهم النار بحرها . قال مقاتل ومجاهد : هو الذي انتهى برده . وقيل: هو المنتن بلغة الترك . وقال قتادة : هو ما يغسق أي ما يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار ولحومهم وفروج الزناة ، من قولهم غسقت عينه إذا انصبت ، والغسقان الانصباب .\r[58] { وَآخَرُ } ، قرأ أهل البصرة ( وآخر ) بضم الألف على جمع أخرى ، مثل الكبرى والكبر ، واختاره أبو عبيدة لأنه نعته بالجمع ، فقال: أزواج ، وقرأ الآخرون بفتح الهمزة مشبعة على الواحد ، { مِنْ شَكْلِهِ } ، مثله أي مثل الحميم والغساق { أَزْوَاجٌ } ، أي أصناف أخر من العذاب .","part":6,"page":429},{"id":2930,"text":"[59] { هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ } ، قال ابن عباس : هذا هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للكفار: هذا يعني الأتباع فوج: جماعة مقتحم معكم النار ، أي داخلوها كما أنتم دخلتموها ، والفوج القطيع من الناس وجمعه أفواج ، والاقتحام الدخول في الشيء رميا بنفسه فيه ، قال الكلبي : إنهم يضربون بالمقامع حتى يوقعوا أنفسهم في النار خوفا من تلك المقامع ، فقالت القادة: { لَا مَرْحَبًا بِهِمْ } ، يعني بالأتباع ، { إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ } ، أي داخلوها كما صلينا .\r[60] { قَالُوا } ، فقال الأتباع للقادة ، { بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ } ، والمرحب والرحب: السعة ، تقول العرب: مرحبا وأهلا وسهلا أي أتيت رحبا وسعة ، وتقول: لا مرحبا بك أي لا رحبت عليك الأرض . { أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } ، يقول الأتباع للقادة: أنتم بدأتم بالكفر قبلنا وشرعتم وسننتموه لنا وقيل: أنتم قدمتم هذا العذاب لنا بدعائكم إيانا إلى الكفر ، { فَبِئْسَ الْقَرَارُ } ، أي فبئس دار القرار جهنم .","part":6,"page":430},{"id":2931,"text":"[61] { قَالُوا } ، يعني الأتباع ، { رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا } ، أي شرعه وسنه لنا ، { فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ } ، أي ضعف عليه العذاب في النار . قال ابن مسعود : يعني حيات وأفاعي .","part":6,"page":431},{"id":2932,"text":"[62] { وَقَالُوا } ، يعني صناديد قريش وهم في النار ، { مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ } ، في الدنيا ، { مِنَ الْأَشْرَارِ } ، يعنون فقراء المؤمنين: عمارا وخبابا وصهيبا وبلالا وسلمان رضى الله عنهم ، ثم ذكروا أنهم كانوا يسخرون من هؤلاء ، فقالوا:","part":6,"page":432},{"id":2933,"text":"[63] { أَأَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا } ، قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي : ( من الأشرار اتخذناهم ) وصل ، ويكسرون الألف عند الابتداء ، وقرأ الآخرون بقطع الألف وفتحها على الاستفهام ، قال أهل المعاني: القراءة الأولى أولى لأنهم علموا أنهم اتخذوهم سخريا فلا يستقيم الاستفهام ، وتكون أم على هذه القراءة بمعنى بل ، ومن فتح الألف قال هو على اللفظ لا على المعنى ليعادل ( أم ) في قوله: { أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ } ، قال الفراء : هذا من الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتعجب ، { أم زاغَت } أي مالت { عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ } ، ومجاز الآية: ما لنا لا نرى هؤلاء الذين اتخذناهم سخريا لم يدخلوا معنا النار؟ أم دخلوها فزاغت عنهم أبصارنا فلم نرهم حين دخلوا؟ وقيل: أم هم في النار ولكن احتجبوا عن أبصارنا؟ فقال ابن كيسان : يعني أم كانوا خيرا منا ولكن نحن لا نعلم ، وكانت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئا .\r[64] { إِنَّ ذَلِكَ } ، الذي ذكرت ، { لَحَقٌّ } ثم بين فقال ، { تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ } ، أي تخاصم أهل النار في النار لحق .","part":6,"page":433},{"id":2934,"text":"[65] { قُلْ } ، يا محمد لمشركي مكة ، { إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ } ، مخوف ، { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } .\r[66] { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ } .\r[67] قوله: { قُلْ } ، يا محمد ، { هُوَ } ، يعني القرآن ، { نَبَأٌ عَظِيمٌ } ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ، وقيل: هو يعني القيامة لقوله: { عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ }{ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ } .\r[68] { أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }{ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى } ، يعني الملائكة ، { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } ، يعني في شأن آدم عليه السلام ، حين قال الله تعالى: { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } .\r[70] { إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } ، قال الفراء . إن شئت جعلت { أَنَّمَا } في موضع رفع أي ما يوحي إلي إلا الإنذار ، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إلي إلا أني نذير مبين . وقرأ أبو جعفر : ( إنما ) بكسر الألف ، لأن الوحي قول .","part":6,"page":434},{"id":2935,"text":"[71] قوله عز وجل: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ } ، يعني آدم عليه السلام .\r[72- 75] { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } ، أتممت خلقه ، { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ }{ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ }{ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }{ قَالَ يا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ } ، ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ، { أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ } ، المتكبرين ، استفهام توبيخ وإنكار ، يقول: أستكبرت بنفسك حتى أبيت السجود؟ أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك منهم؟ . 76 ,\r[77] { قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }{ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا } ، أي من الجنة ، وقيل: من السماوات . وقال الحسن وأبو العالية : أي من الخلقة التي أنت فيها . قال الحسن بن الفضل : هذا تأويل صحيح لأن إبليس تجبر وافتخر بالخلقة ، فغير الله خلقته فاسود وقبح بعد حسنه ، { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } ، مطرود .","part":6,"page":435},{"id":2936,"text":"[78- 81] { وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ }{ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ }{ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } ، وهو النفخة الأولى .","part":6,"page":436},{"id":2937,"text":"[82 , 84] { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }{ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ }{ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ } ، قرأ عاصم وحمزة ويعقوب : ( فالحق ) برفع القاف على الابتداء وخبره محذوف تقديره: الحق مني ، ونصب الثانية أي: وأنا أقول الحق ، قاله مجاهد ، وقرأ الآخرون بنصبهما ، واختلفوا في وجههما ، قيل: نصب الأول على الإغراء كأنه قال: الزم الحق ، والثاني بإيقاع القول عليه أي أقول الحق . وقيل: الأول قسم أي فبالحق وهو الله عز وجل فانتصب بنزع الخافض ، وهو حرف الصفة ، وانتصاب الثاني بإيقاع القول عليه . وقيل: الثاني تكرار القسم ، أقسم الله بنفسه . 85 ,\r[86] { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }{ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } ، على تبليغ الرسالة ، { مِنْ أَجْرٍ } ، جعل , { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } ، المتقولين القرآن من تلقاء نفسي ، وكل من قال شيئا من تلقاء نفسه فقد تكلفه .\r[87] قوله: { إِنْ هُوَ } ، ما هو يعني القرآن ، { إِلَّا ذِكْرٌ } ، موعظة ، { لِلْعَالَمِينَ } ، للخلق أجمعين .","part":6,"page":437},{"id":2938,"text":"[88] { وَلَتَعْلَمُنَّ } ، أنتم يا كفار مكة ، { نَبَأَهُ } ، خبر صدقه ، { بَعْدَ حِينٍ } ، قال ابن عباس وقتادة : بعد الموت . وقال عكرمة : يعني يوم القيامة . وقال الكلبي : من بقي علم ذلك إذا ظهر أمره وعلا ، ومن مات علمه بعد موته . قال الحسن : ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين .","part":6,"page":438},{"id":2939,"text":"( 39 ) سورة الزمر\r[1] { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ } ، أي هذا تنزيل الكتاب . وقيل: تنزيل الكتاب مبتدأ وخبره ، { مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } ، أي تنزيل الكتاب من الله لا من غيره .\r[2] { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } ، قال مقاتل : لم ينزله باطلا لغير شيء ، { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } ، الطاعة .","part":6,"page":439},{"id":2940,"text":"[3] { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } ، قال قتادة : شهادة أن لا إله إلا الله . وقيل: لا يستحق الدين الخالص إلا الله . وقيل: الدين الخالص من الشرك هو لله . { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ } ، أي من دون الله ، { أَوْلِيَاءَ } ، يعني الأصنام ، { مَا نَعْبُدُهُمْ } ، أي قالوا ما نعبدهم ، { إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ، وكذلك قرأ ابن مسعود وابن عباس ، قال قتادة : وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم: من ربكم ومن خلقكم ومن خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله ، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى أي قربى ، وهو اسم أقيم في مقام المصدر ، كأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريبا ويشفعوا لنا عند الله ، { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } ، يوم القيامة ، { فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } ، من أمر الدين ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } ، لا يرشد لدينه من كذب فقال: إن الآلهة لتشفع . وكفى باتخاذ الآلهة دونه كذبا وكفرا .","part":6,"page":440},{"id":2941,"text":"[4] { لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى } ، لاختار ، { مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } ، يعني الملائكة ، كما قالوا: لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ، ثم نزه نفسه فقال: { سُبْحَانَهُ } ، تنزيها له عن ذلك وعما لا يليق بطهارته ، { هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } .\r[5] { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ } ، قال قتادة : يغشى هذا هذا ، كما قال: { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } ، وقيل: يدخل أحدهما على الآخر كما قال: { يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } ، وقال الحسن والكلبي : ينقص من الليل فيزيد في النهار ، وينقص من النهار فيزيد في الليل ، فما نقص من الليل دخل في النهار وما نقص من النهار دخل في الليل ، ومنتهى النقصان تسع ساعات ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة ، وأصل التكوير اللف والجمع ، ومنه: كور العمامة . { وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ } .","part":6,"page":441},{"id":2942,"text":"[6] { خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } ، يعني آدم ، { ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ، يعني حواء ، { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ } ، معنى الإنزال ههنا: الإحداث والإنشاء ، كقوله تعالى: { أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي } ، وقيل: إنه أنزل الماء الذي هو سبب نبات القطن الذي يكون منه اللباس ، وسبب النبات الذي تبقى به الأنعام . وقيل: { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ } جعلها لكم نزلا ورزقا ، { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } ، أصناف ، مر تفسيرها في سورة الأنعام آية ( 143 ) . { يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ } ، نطفة ثم علقة ثم مضغة ، كما قال الله تعالى: { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } ، { فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ } ، قال ابن عباس : ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ، { ذَلِكُمُ اللَّهُ } ، أي الذي خلق هذه الأشياء ، { رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } ، عن طريق الحق بعد هذا البيان .","part":6,"page":442},{"id":2943,"text":"[7] { إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } ، قال ابن عباس والسدي : لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر ، وهم الذين قال الله تعالى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } ، فيكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى ، كقوله تعالى: { عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ } ، يريد بعض العباد ، وأجراه قوم على العموم ، وقالوا: لا يرضى لأحد من عباده الكفر ، ومعنى الآية: لا يرضى لعباده الكفر أن يكفروا به ، ويروى ذلك عن قتادة ، وهو قول السلف ، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله عز وجل ، وإن كان بإرادته ، { وَإِنْ تَشْكُرُوا } ، تؤمنوا بربكم وتطيعوه ، { يَرْضَهُ لَكُمْ } ، فيثيبكم عليه ، قرأ أبو عمرو ( يرضه لكم ) ساكنة الهاء ، ويختلسها أهل المدينة وعاصم وحمزة ، والباقون بالإشباع ، { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .","part":6,"page":443},{"id":2944,"text":"[8] { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ } ، راجعا إليه مستغيثا به ، { ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ } ، أعطاه نعمة منه ، { نَسِيَ } ، ترك ، { مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ } ، أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه ، { وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا } ، يعني الأوثان ، { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ } ، ليزل عن دين الله ، { قُلْ } ، لهذا الكافر ، { تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا } ، في الدنيا إلى أجلك ، { إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } ، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة . وقال مقاتل : نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي . وقيل: عام في كل كافر .","part":6,"page":444},{"id":2945,"text":"[9] { أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ } ، قرأ ابن كثير ونافع وحمزة ( أمن ) بتخفيف الميم ، وقرأ الآخرون بتشديدها ، فمن شدد فله وجهان ، أحدهما: أن تكون الميم في ( أم ) صلة ، فيكون معنى الكلام استفهاما وجوابه محذوفا ، مجازه: أمن هو قانت كمن هو غير قانت؟ كقوله: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ } ، يعني كمن لم يشرح صدره . والوجه الآخر: أنه عطف على الاستفهام ، مجازه: الذي جعل لله أندادا خير أمن هو قانت؟ ومن قرأ بالتخفيف فهو ألف استفهام دخلت على معناه: أهذا كالذي جعل لله أندادا؟ وقيل: الألف في ( أمن ) بمعنى حرف النداء ، تقديره: يا من هو قانت ، والعرب تنادي بالألف كما تنادي بالياء ، فتقول: أبني فلان ويا بني فلان ، فيكون معنى الآية . قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ، ويا من هو قانت { آنَاءَ اللَّيْلِ } ، إنك من أهل الجنة ، قاله ابن عباس ، وفي رواية عطاء : نزلت في أبي بكر الصديق . وقال الضحاك : نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وعن ابن عمر أنها نزلت في عثمان ، وعن الكلبي أنها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان ، والقانت: المقيم على الطاعة . قال ابن عمر : القنوت قراءة القرآن وطول","part":6,"page":445},{"id":2946,"text":"القيام ، وآناء الليل: ساعاته ، { سَاجِدًا وَقَائِمًا } ، يعني في الصلاة ، { يَحْذَرُ الْآخِرَةَ } ، يخاف الآخرة ، { وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ } ، يعني كمن لا يفعل شيئا من ذلك ، { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ، قيل: الذين يعلمون عمار ، والذين لا يعلمون: أبو حذيفة المخزومي ، { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } .","part":6,"page":446},{"id":2947,"text":"[10] { قُلْ يا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ } ، بطاعته واجتناب معاصيه ، { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ } ، أي آمنوا وأحسنوا العمل ، حسنة يعني الجنة ، قاله مقاتل . وقال السدي : في هذه الدنيا حسنة يعني الصحة والعافية ، { وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ } ، قال ابن عباس : يعني ارتحلوا من مكة . وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي . وقيل: نزلت في مهاجري الحبشة . وقال سعيد بن جبير : من أمر بالمعاصي ببلد فليهرب منها إلى غيرها . { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، الذي صبروا على دينهم فلم يتركوه للأذى . وقيل: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد بهم البلاء , وصبروا وهاجروا قال علي رضي الله عنه: كل مطيع يكال له كيلا ويوزن له وزنا إلا الصابرين ، فإنه يحثى لهم حثيا ، قال الله تعالى: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } , حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل .","part":6,"page":447},{"id":2948,"text":"[11] { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } , مخلصا له التوحيد لا أشرك به شيئا .\r[12] { وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ } , من هذه الأمة .\r[13] { قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي } , وعبدت غيره , { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } , وهذا حين دعي إلى دين آبائه . 14 ,\r[15] { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي }{ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ } , أمر توبيخ وتهديده , { قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ } . أزواجهم وخدمهم ، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } ، قال ابن عباس : وذلك أن الله جعل لكل إنسان منزلا في الجنة وأهلا ، فمن عمل بطاعة الله كان ذلك المنزل والأهل له ، ومن عمل بمعصية الله دخل النار ، وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بطاعة الله . وقيل: خسران النفس بدخول النار ، وخسران الأهل بأن يفرق بينه وبين أهله ، وذلك هو الخسران المبين .","part":6,"page":448},{"id":2949,"text":"[16] { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ } ، أطباق سرادقات من النار ودخانها ، { وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } ، فراش ومهاد من نار إلى أن ينتهي إلى القعر ، سمي الأسفل ظللا لأنها ظلل لمن تحتهم نظيرها قوله عز وجل: { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } . { ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يا عِبَادِ فَاتَّقُونِ } . 17 ,","part":6,"page":449},{"id":2950,"text":"[18] { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ } ، الأوثان ، { أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ } ، رجعوا إلى عبادة الله ، { لَهُمُ الْبُشْرَى } ، في الدنيا بالجنة وفي العقبى بالمغفرة ، { فَبَشِّرْ عِبَادِي }{ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ } ، القرآن { فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } ، قال السدي : أحسن ما يؤمرون به فيعملونه . وقيل: هو أن الله ذكر في القرآن الانتصار من الظالم وذكر العفو ، والعفو أحسن الأمرين . وقيل: ذكر العزائم [والرخص فيتبعون الأحسن وهو العزائم] (1) وقيل: يستمعون القرآن وغير القرآن فيتبعون القرآن . وقال عطاء عن ابن عباس : آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ، فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا ، فنزلت فيهم: { فَبَشِّرْ عِبَادِي }{ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } ، وكله حسن . { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ } ، وقال ابن زيد : نزلت { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ } الآيتان في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا\r_________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 5 / 239 .","part":6,"page":450},{"id":2951,"text":"إله إلا الله ، زيد بن عمرو بن نفيل وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي . والأحسن: قول لا إله إلا الله .\r[19] { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: من سبق في علم الله أنه من أهل النار . وقيل: كلمة العذاب قوله: { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ } وقيل: كلمة العذاب قوله: \"هؤلاء في النار ولا أبالي \" (1) . { أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ } ، أي لا تقدر عليه . قال ابن عباس : يريد أبا لهب وولده .\r[20] { لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ } ، أي منازل في الجنة رفيعة وفوقها منازل أرفع منها ، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ } ، أي وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدا لا يخلفه .\r_________\r(1) ما بين المعكوفتين من نسخة محمد النمر وزملائه .","part":6,"page":451},{"id":2952,"text":"[21] قوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ } ، أدخل ذلك الماء ، { يَنَابِيعَ } ، عيونا وركايا ، { فِي الْأَرْضِ } ، قال الشعبي : كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ، { ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ } ، بالماء { زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } ، أحمر وأصفر وأخضر ، { ثُمَّ يَهِيجُ } ، ييبس , { فَتَرَاهُ } ، بعد خضرته ونضرته ، { مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا } ، فتاتا متكسرا ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } .","part":6,"page":452},{"id":2953,"text":"[22] قوله عز وجل: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ } ، وسعه لقبول الحق ، { فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ } ، كمن أقسى الله قلبه ؟ قوله عز وجل: { فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، قال مالك بن دينار . ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب ، وما غضب الله عز وجل على قوم إلا نزع منهم الرحمة .","part":6,"page":453},{"id":2954,"text":"[23] قوله عز وجل: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا } ، يشبه بعضه بعضا في الحسن ، ويصدق بعضه بعضا ليس فيه تناقض ولا اختلاف . { مَثَانِيَ } ، يثنى فيه ذكر الوعد والوعيد والأمر والنهي والأخبار والأحكام ، { تَقْشَعِرُّ } ، تضطرب وتشمئز ، { مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } ، والاقشعرار تغير في جلد الإنسان عند الوجل والخوف ، وقيل: المراد من الجلود القلوب أي قلوب الذين يخشون ربهم ، { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } ، أي لذكر الله ، أي إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله ، وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم ، كما قال الله تعالى: { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } ، وحقيقة المعنى: أن قلوبهم تقشعر من الخوف وتلين عند الرجاء . { ذَلِكَ } ، يعني أحسن الحديث ، { هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } .","part":6,"page":454},{"id":2955,"text":"[24] { أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ } ، أي شدته ، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، قال مجاهد : يجر على وجهه في النار . وقال عطاء : يرمى به في النار منكوسا فأول شيء تمسه النار وجهه . قال مقاتل : هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه , وفي عنقه صخرة مثل جبل عظيم من الكبريت فتشتعل النار في الحجر ، وهو معلق في عنقه فحرها ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه ، للأغلال التي في عنقه ويده . ومجاز الآية: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن من العذاب؟ { وَقِيلَ } ، يعني تقول الخزنة { لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } أي وباله .\r[25] { كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، من قبل كفار مكة كذبوا الرسل ، { فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ } ، يعني وهم آمنون غافلون من العذاب .\r[26] { فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ } ، العذاب والهوان ، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } .\r[27] { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } , يتعظون .","part":6,"page":455},{"id":2956,"text":"[28] { قُرْءَانًا عَرَبِيًّا } , نصب على الحال , { غَيْرَ ذِي عِوَجٍ } , قال ابن عباس : غير مختلف . قال مجاهد , غير ذي لبس . قال السدي : غير مخلوق . ويروى ذلك عن مالك بن أنس , وحكى عن سفيان ابن عيينة عن سبعين من التابعين أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق , { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } , الكفر والتكذيب .","part":6,"page":456},{"id":2957,"text":"[29] { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا } , قال الكسائي نصب رجلا لأنه تفسير للمثل , { فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ } , متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم , يقال رجل شكس شرس إذا كان سيئ الخلق مخالفا للناس لا يرضى بالإنصاف . { وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ } , قرأ أهل مكة والبصرة ( سالما ) بالألف أي خالصا له لا شريك ولا منازع له فيه ، وقرأ الآخرون ( سلما ) بفتح اللام من غير ألف ، وهو الذي لا ينازع فيه من قولهم: هو لك سلم ، أي مسلم لا منازع لك فيه . { هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا } ، هذا مثل ضربه الله عز وجل للكافر الذي يعبد آلهة شتى ، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد ، وهذا استفهام إنكار أي لا يستويان ، ثم قال: { الْحَمْدُ لِلَّهِ } ، أي لله الحمد كله دون غيره من المعبودين . { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } ، ما يصيرون إليه والمراد بالأكثر الكل .\r[30] { إِنَّكَ مَيِّتٌ } ، أي ستموت ، { وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } . أي سيموتون ، قال الفراء والكسائي : الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت ، الميت بالتخفيف من فارقه الروح ، ولذلك لم يخفف ههنا .","part":6,"page":457},{"id":2958,"text":"[31] { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } ، قال ابن عباس : يعني المحق والمبطل والظالم والمظلوم .","part":6,"page":458},{"id":2959,"text":"[32] قوله عز وجل: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ } ، فزعم أن له ولدا وشريكا ، { وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ } ، بالقرآن ، { إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى } ، منزل ومقام ، { لِلْكَافِرِينَ } ، استفهام بمعنى التقرير .","part":6,"page":459},{"id":2960,"text":"[33] { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } ، قال ابن عباس : { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ } يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله { وَصَدَّقَ بِهِ } الرسول أيضا بلغه إلى الخلق . وقال السدي : والذي جاء بالصدق جبريل جاء بالقرآن ، وصدق به محمد صلى الله عليه وسلم تلقاه بالقبول . وقال الكلبي وأبو العالية : والذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدق به أبو بكر رضي الله عنه . وقال قتادة ومقاتل : والذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدق به هم المؤمنون ، لقوله عز وجل: { أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } ، وقال عطاء : والذي جاء بالصدق الأنبياء وصدق به الأتباع ، وحينئذ يكون الذي بمعنى الذين ، وقال الحسن : هم المؤمنون صدقوا به في الدنيا وجاءوا به في الآخرة . وفي قراءة عبد الله بن مسعود : والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به . { أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } . 34 ,","part":6,"page":460},{"id":2961,"text":"[35] { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ }{ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا } ، يسترها عليهم بالمغفرة ، { وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، قال مقاتل : يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوئ .\r[36] قوله عز وجل: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } ، وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي : ( عباده ) بالجمع يعني الأنبياء عليهم السلام ، قصدهم قومهم بالسوء كما قال: { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } فكفاهم الله شر من عاداهم { وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة معاداة الأوثان . وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } .\r[37] { وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ } ، منيع في ملكه منتقم من أعدائه .","part":6,"page":461},{"id":2962,"text":"[38] { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ } ، بشدة وبلاء ، { هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ } ، بنعمة وبركة ، { هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ } ، قرأ أهل البصرة ( كاشفات ) و ( ممسكات ) بالتنوين ، ( ضره ) و ( رحمته ) بنصب الراء والتاء , وقرا الآخرون بلا تنوين وجر الراء والتاء على الإضافة ، قال مقاتل : فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا ، فقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ } ، ثقتي به واعتمادي عليه ، { عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } ، يثق به الواثقون .\r[39 ، 40] { قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }{ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ } ، أي ينزل عليه عذاب دائم .","part":6,"page":462},{"id":2963,"text":"[41] { إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } ، وبال ضلالته عليه ، { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } ، بحفيظ ورقيب لم توكل بهم ولا تؤخذ بهم .","part":6,"page":463},{"id":2964,"text":"[42] قوله عز وجل: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ } ، أي الأرواح ، { حِينَ مَوْتِهَا } ، فيقبضها عند فناء أكلها وانقضاء آجالها ، وقوله: { حِينَ مَوْتِهَا } يريد موت أجسادها . { وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ } ، يريد يتوفى الأنفس التي لم تمت ، { فِي مَنَامِهَا } ، والتي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز ، ولكل إنسان نفسان إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارقه عند الموت فتزول بزوالها النفس ، والأخرى نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام ، وهو بعد النوم يتنفس . { فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ } ، فلا يردها إلى الجسد ، قرأ حمزة والكسائي ( قضي ) بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء ، ( الموت ) رفع على ما لم يسم فاعله ، وقرأ الآخرون بفتح القاف والضاد ، ( الموت ) نصب لقوله عز وجل: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ ) . { وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى } ، ويرد الأخرى ، وهي التي لم يقض عليها الموت ، إلى الجسد ، { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } ، إلى أن يأتي وقت موته ، ويقال للإنسان نفس وروح ، فعند النوم يخرج النفس ويبقى الروح . وعن علي قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد ، فبذلك","part":6,"page":464},{"id":2965,"text":"يرى الرؤيا فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ، لدلالات على قدرته حيث لم يغلط في إمساك ما يمسك من الأرواح وإرسال ما يرسل منها . قال مقاتل : لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث ، يعني إن توفي نفس النائم وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث .\r[43] { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ } ، يا محمد ، { أَوَلَوْ كَانُوا } ، وإن كانوا يعني الآلهة ، { لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا } ، من الشفاعة ، { وَلَا يَعْقِلُونَ } أنكم تعبدونهم ، وجواب هذه محذوف تقديره: وإن كانوا بهذه الصفة تتخذونهم .\r[44] { قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } ، قال مجاهد : لا يشفع أحد إلا بإذنه ، { لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .","part":6,"page":465},{"id":2966,"text":"[45] { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ } ، نفرت . وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل : انقبضت عن التوحيد . وقال قتادة : استكبرت . وأصل الاشمئزاز النفور والاستكبار ، { قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } . { وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } ، يعني الأصنام ، { إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } ، يفرحون ، قال مجاهد ومقاتل . وذلك حين قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة والنجم فألقى الشيطان في أمنيته: تلك الغرانيق العلى ، ففرح به الكفار .\r[46] { قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .","part":6,"page":466},{"id":2967,"text":"[47] قوله عز وجل: { وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } ، قال مقاتل : ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة . قال السدي : ظنوا أنها حسنات فبدت لهم سيئات ، والمعنى أنهم كانوا يتقربون إلى الله بعبادة الأصنام فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا .","part":6,"page":467},{"id":2968,"text":"[48] { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا } ، أي مساوئ أعمالهم من الشرك والظلم بأولياء الله . { وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } .\r[49] { فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ } ، شدة ، { دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ } ، أعطيناه ، { نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ } ، أي على علم من الله أني له أهل . وقال مقاتل : على خير علمه الله عندي ، وذكر الكناية لأن المراد من النعمة الإنعام ، { بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ } ، يعني تلك النعمة فتنة استدراج من الله وامتحان وبلية . وقيل: بل الكلمة التي قالها فتنة . { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } ، أنه استدراج وامتحان .\r[50] { قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } قال مقاتل : يعني قارون فإنه قال: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } ، { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ، فما أغنى عنهم الكفر من العذاب شيئا .","part":6,"page":468},{"id":2969,"text":"[51] { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا } ، أي جزاؤها يعني العذاب ، ثم [أوعد] كفار مكة فقال: { وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } ، بفائتين لأن مرجعهم إلى الله عز وجل .\r[52] { أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ } ، أي يوسع الرزق لمن يشاء ، { وَيَقْدِرُ } ، أي يقتر على من يشاء ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .\r[53] قوله عز وجل: { قُلْ يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ } أراد بالإسراف ارتكاب الكبائر . { إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .\r[54] قوله عز وجل: { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ } ، أقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة ، { وَأَسْلِمُوا لَهُ } ، وأخلصوا له التوحيد ، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } .","part":6,"page":469},{"id":2970,"text":"[55] { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } ، يعني القرآن ، والقرآن كله حسن ، ومعنى الآية ما قاله الحسن : التزموا طاعته واجتنبوا معصيته فإن في القرآن ذكر القبيح لتجتنبه وذكر الأدون لئلا يرغب فيه ، وذكر الأحسن لتؤثره . قال السدي : الأحسن ما أمر الله به في الكتاب ، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ }","part":6,"page":470},{"id":2971,"text":"[56] { أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ } ، يعني لئلا تقول نفس ، قال المبرد : أي بادروا واحذروا أن تقول نفس . وقال الزجاج : خوف أن تصيروا إلى حال تقولون هذا القول ، { يا حَسْرَتَا } ، يا ندامتا ، والتحسر الاغتمام على ما فات ، وأراد يا حسرتي على الإضافة ، لكن العرب تحول يا ء الكناية ألفا في الاستغاثة ، فتقول: يا ويلتا ويا ندامتا ، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الاضافة ، وكذلك قرأ أبو جعفر يا حسرتاي ، وقيل: معنى قوله يا حسرتا يا أيتها الحسرة هذا وقتك ، { عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } ، قال الحسن : قصرت في طاعة الله . وقال مجاهد : في أمر الله . وقال سعيد بن جبير . في حق الله . وقيل: ضيعت في ذات الله . وقيل: معناه قصرت في الجانب الذي يردني إلى رضاء الله . والعرب تسمي الجنب جانبا ، { وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ } ، المستهزئين بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين ، قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعته .","part":6,"page":471},{"id":2972,"text":"[57 ، 58] { أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }{ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ } ، عيانا ، { لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً } ، رجعة إلى الدنيا ، { فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } ، الموحدين .\r[59] يقال لهذا القائل: { بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي } ، يعني القرآن ، { فَكَذَّبْتَ بِهَا } ، وقلت إنها ليست من الله ، { وَاسْتَكْبَرْتَ } ، تكبرت عن الإيمان بها ، { وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } .\r[60] { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ } فزعموا أن له ولدا وشريكا ، { وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ } ، عن الإيمان .","part":6,"page":472},{"id":2973,"text":"[61] { وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ } ، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ( بمفازاتهم ) بالألف على الجمع ، أي بالطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة ، وقرأ الآخرون { بِمَفَازَتِهِمْ } على الواحد لأن المفازة بمعنى الفوز ، أي ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة . قال المبرد : المفازة مفعلة من الفوز ، والجمع حسن كالسعادة والسعادات . { لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ } ، لا يصيبهم المكروه ، { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .\r[62] { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } ، أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها .\r[63] { لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، أي مفاتيح خزائن السماوات والأرض ، واحدها مقلاد ، مثل: مفتاح ، مفاتيح . وقال قتادة ومقاتل : مفاتيح السماوات والأرض بالرزق والرحمة . وقال الكلبي : خزائن المطر وخزائن النبات . { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .","part":6,"page":473},{"id":2974,"text":"[64] قوله عز وجل: { قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ } ؟ قال مقاتل : وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه . قرأ أهل الشام ( تأمرونني ) بنونين خفيفتين على الأصل ، وقرأ أهل المدينة بنون واحدة خفيفة على الحذف ، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام .\r[65] { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } ، أي الذي عملته قبل الشرك وهذا خطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد منه غيره . وقيل: هذا أدب من الله عز وجل لنبيه وتهديد لغيره ، لآن الله تعالى عصمه من الشرك . { وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .\r[66] { بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } ، لإنعامه عليك .","part":6,"page":474},{"id":2975,"text":"[67] قوله عز وجل: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ، ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به ، ثم أخبر عن عظمته فقال: { وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون » ، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (1) .\r_________\r(1) في صفات المنافقين برقم ( 2786 ) 4 / 2147 .","part":6,"page":475},{"id":2976,"text":"[68] قوله عز وجل: { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ } أي ماتوا من الفزع ، وهي النفخة الأولى ، { إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } ، اختلفوا في الذين استثناهم عز وجل ، وقد ذكرناهم في سورة النمل ، قال الحسن : إلا من شاء الله يعني الله وحده ، { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ } ، أي في الصور ، { أُخْرَى } ، أي مرة أخرى ، { فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ } ، من قبورهم ينتظرون أمر الله فيهم .","part":6,"page":476},{"id":2977,"text":"[69] قوله عز وجل: { وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ } ، أضاءت ، { بِنُورِ رَبِّهَا } ، بنور خالقها ، وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه فما يتضارون في نوره كما لا يتضارون في الشمس في اليوم الصحو . وقال الحسن والسدي : بعدل ربها ، وأراد بالأرض عرصات القيامة ، { وَوُضِعَ الْكِتَابُ } ، أي كتاب الأعمال ، { وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ } ، قال ابن عباس : يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة ، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وقال عطاء : يعني الحفظة يدل عليه قوله تعالى: { وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } ، { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ } ، أي بالعدل ، { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } ، أي لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم .\r[70] { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ } ، أي ثواب ما عملت ، { وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } ، قال عطاء : يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد .","part":6,"page":477},{"id":2978,"text":"[71] { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ } سوقا عنيفا ، { زُمَرًا } ، أفواجا بعضها على إثر بعض ، كل أمة على حدة . قال أبو عبيدة والأخفش : زمرا أي جماعات في تفرقة ، واحدتها زمرة . { حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } ، السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك ، قرأ أهل الكوفة ( فتحت ) بالتخفيف ، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } ، توبيخا وتقريعا لهم ، { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ } ، وجبت ، { كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } وهو قوله: { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .","part":6,"page":478},{"id":2979,"text":"[72 ، 73] { قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ }{ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليهم ويقولون طبتم . قال ابن عباس : طاب لكم المقام . قال قتادة : هم إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هذبوا وطيبوا أدخلوا الجنة .\r[74] { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ } ، أي أرض الجنة . وهو قوله عز وجل . { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } . { نَتَبَوَّأُ } ، ننزل ، { مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ } ، قال الله تعالى { فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } ، ثواب المطيعين .","part":6,"page":479},{"id":2980,"text":"[75] { وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ } ، أي محدقين محيطين بالعرش ، المحيطين بحوافه أي بجوانبه ، { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } ، قيل: هذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد لأن التكليف متروك في ذلك اليوم ، { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ } ، أي قضي بين أهل الجنة والنار بالعدل ، { وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، يقول أهل الجنة: شكرا حين تم وعد الله لهم .","part":6,"page":480},{"id":2981,"text":"( 40 ) سورة غافر\r[1] قوله عز وجل (حم) قد سبق الكلام في حروف التهجي. قال السدي عن ابن عباس : حم اسم الله الأعظم. وروى عكرمة عنه قال : الر وحم ، ونون ، حروف الرحمن مقطعة . وقال سعيد بن جبير وعطاء الخراساني : الحاء افتتاح أسمائه حكيم حميد حي حليم حنان ، والميم افتتاح أسمائه ملك مجيد منان . وقال الضحاك والكسائي : معناه قضى ما هو كائن كأنه أشار إلى أن معناه حم بضم الحاء وتشديد الميم ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر حم بكسر الحاء ، والباقون بفتحها .","part":6,"page":481},{"id":2982,"text":"[2 ، 3] { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }{ غَافِرِ الذَّنْبِ } ، ساتر الذنب و { وَقَابِلِ التَّوْبِ } ، يعني التوبة مصدر تاب يتوب توبا . وقيل: التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم . وقال ابن عباس . غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله ، وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله . { شَدِيدِ الْعِقَابِ } ، لمن لا يقول لا إله إلا الله ، { ذِي الطَّوْلِ } ، ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله . قال مجاهد . ذي الطول ذي السعة والغنى . وقال الحسن : ذو الفضل . قال قتادة : ذو النعم: ذو القدرة وأصل الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه . { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ } .","part":6,"page":482},{"id":2983,"text":"[4] { مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ } ، في دفع آيات الله بالتعذيب والإنكار ، { إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } ، قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: { مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } ، و { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } قوله تعالى: { فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ } ، تصرفهم في البلاد للتجارات وسلامتهم فيها مع كفرهم ، فإن عاقبة أمرهم العذاب ، نظيره قوله عز وجل: { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ } .","part":6,"page":483},{"id":2984,"text":"[5] { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ } ، وهم الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من [بعد] قوم نوح ، { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } ، قال ابن عباس : ليقتلوه ويهلكوه ، وقيل . ليأسروه . والعرب تسمي الأسير أخيذا { وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا } ، ليبطلوا ، { بِهِ الْحَقَّ } ، الذي جاء به الرسل ومجادلتهم مثل قولهم: { إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا } ، { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ } ونحو ذلك . { فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ }\r[6] { وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ } ، يعني كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت { عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } ، من قومك ، { أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ }","part":6,"page":484},{"id":2985,"text":"[7] قوله عز وجل: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ } ، حملة العرش والطائفون به وهم الكروبيون ، وهم سادة المائكة . قوله عز وجل: { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } ، يصدقون بأنه واحد لا شريك له { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا } ، يعني يقولون ربنا ، { وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا } ، قيل: نصب على التفسير ، وقيل: على النقل ، أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء ، { فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ } ، دينك . { وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } ، قال مطرف : أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين .","part":6,"page":485},{"id":2986,"text":"[8] { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ } ، آمن ، { مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، قال سعيد بن جبير : يدخل المؤمن الجنة فيقول: أين أبي أين أمي أين ولدي أين زوجتي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا مثل عملك ، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم ، فيقال: أدخلوهم (1) .\r[9] { وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ } ، العقوبات ، { وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ } ، أي ومن تقه السيئات يعني العقوبات ، وقيل: جزاء السيئات ، { يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .\r[10] { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ } ، يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرضت عليهم سيئاتهم ، وعاينوا العذاب ، فيقال لهم ،: { لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ } ، يعني لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم عند حلول العذاب بكم .\r_________\r(1) أخرجه الطبري 23 / 45 .","part":6,"page":486},{"id":2987,"text":"[11] { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة والضحاك : كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في الدنيا ، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ثم أحياهم للبعث يوم القيامة ، فهما موتتان وحياتان ، وهذا كقوله تعالى: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } ، وقال السدي : أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للسؤال ، ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا في الآخرة . { فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ } ، أي من خروج من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك ، نظيره: { هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ } .","part":6,"page":487},{"id":2988,"text":"[12] قال الله تعالى: { ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ } ، وفيه متروك استغني عنه لدلالة الظاهر عليه ، مجازه: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك ، وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعي الله وحده كفرتم أي إذا قيل لا إله إلا الله أنكرتم ، وقلتم: { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا } ، { وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ } ، غيره ، { تُؤْمِنُوا } ، تصدقوا ذلك الشرك ، { فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } . الذي لا أعلى منه ولا أكبر .\r[13] { هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا } ، يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق ، { وَمَا يَتَذَكَّرُ } ، وما يتعظ بهذه الآيات { إِلَّا مَنْ يُنِيبُ } ، يرجع إلى الله تعالى في جميع أموره .\r[14] { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ، الطاعة والعبادة . { وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } .","part":6,"page":488},{"id":2989,"text":"[15] { رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ } ، رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة { ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ } ، ينزل الوحي ، سماه روحا لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح ، { مِنْ أَمْرِهِ } ، قال ابن عباس : من قضائه . وقيل: من قوله . وقال مقاتل: بأمره . { عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ } ، أي لينذر النبي بالوحي ، { يَوْمَ التَّلَاقِ } ، وقرأ يعقوب بالتاء أي لتنذر أنت يا محمد يوم التلاق ، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض . وقال قتادة : ومقاتل : يلتقي فيه الخلق والخالق . قال ابن زيد : يتلاقى العباد . وقال ميمون بن مهران : يلتقي الظالم والمظلوم والخصوم . وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون . وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله .\r[16] { يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ } ، خارجون من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء ، { لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ } ، من أعمالهم وأحوالهم ، { شَيْءٌ } ، ويقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق ، { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } ، فلا أحد يجيبه فيجيب بنفسه فيقول ، { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } ، الذي قهر الخلق بالموت .","part":6,"page":489},{"id":2990,"text":"[17] { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } ، يجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ، { لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .\r[18] { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ } ، يعني يوم القيامة سميت بذلك لأنها قريبة إذ كل ما هو آت قريب ، نظيره قوله عز وجل: { أَزِفَتِ الْآزِفَةُ } ، أي قربت القيامة . { إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ } ، وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر ، فهي لا تعود إلى أماكنها وهي لا تخرج من أفواههم فيموتوا ويستريحوا ، { كَاظِمِينَ } ، مكروبين ممتلئين خوفا وحزنا ، والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن في القلب حتى يضيق به . { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ } ، قريب ينفعهم ، { وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } فيشفع فيهم .\r[19] { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ } أي خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل . قال مجاهد : نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه . { وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } .","part":6,"page":490},{"id":2991,"text":"[20] { وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } ، يعني الأوثان ، { لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ } ، لأنها لا تعلم شيئا ولا تقدر على شيء { إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } .\r[21] { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ } ، فلم ينفعهم ذلك . { فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ } ، يدفع عنهم العذاب .","part":6,"page":491},{"id":2992,"text":"[22- 25] { ذَلِكَ } أي ذلك العذاب الذي نزل بهم ، { بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ }{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ }{ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ }{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا } ، يعني فرعون وقومه ، { اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } ، قال قتادة : هذا غير القتل الأول لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان ، فلما بعث موسى عليه السلام أعاد القتل عليهم ، فمعناه أعيدوا عليهم القتل ، { وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ } ، ليصدوهم ببذلك عن متابعة موسى ومظاهرته ، { وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ } ، وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم ، { إِلَّا فِي ضَلَالٍ } ، أي يذهب كيدهم باطلا ، ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل .","part":6,"page":492},{"id":2993,"text":"[26] { وَقَالَ فِرْعَوْنُ } ، لملئه ، { ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى } ، وإنما قال هذا لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتله خوفا من الهلاك ، { وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } ، أي وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا ، { إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ } ، أن يغير ، { دِينَكُمْ } الذي أنتم عليه ، { أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ } أراد بالفساد تبديل الدين وعبادة غيره .","part":6,"page":493},{"id":2994,"text":"[27 ، 28] { وَقَالَ مُوسَى } ، لما توعده فرعون بالقتل ، { إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ }{ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ } ، واختلفوا في هذا المؤمن قال مقاتل والسدي : كان قبطيا ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله عنه فقال: { وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى } ، وقال قوم: كان إسرائيليا ، ومجاز الآية . وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون ، وكان اسمه حزبيل عند ابن عباس ، وأكثر العلماء . وقال ابن إسحاق : كان اسمه جبريل . وقيل: كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيبا . { أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ } ، لأن يقول ربي الله ، { وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ } ، أي بما يدل على صدقه ، { وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ } ، لا يضركم ذلك ، { وَإِنْ يَكُ صَادِقًا } ، فكذبتموه وهو صادق ، { يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ } ، قال أبو عبيد : المراد بالبعض الكل ، أي إن قتلتموه وهو صادق أصابكم ما وعدكم من العذاب . قال الليث : ( بعض ) ههنا صلة","part":6,"page":494},{"id":2995,"text":"، يريد: يصبكم الذي يعدكم . وقال أهل المعاني: هذا على الظاهر في الحجاج كأنه قال أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم ، فذكر البعض ليوجب الكل ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي } ، إلى دينه ، { مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } ، مشرك ، { كَذَّابٌ } ، على الله .\r[29] { يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ } ، غالبين في أرض مصر ، { فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ } ، من يمنعنا من عذاب الله ، { إِنْ جَاءَنَا } ، والمعنى لكم الملك اليوم فلا تعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي ، فإنه لا مانع من عذاب الله إن حل بكم ، { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ } ، من الرأي والنصيحة ، { إِلَّا مَا أَرَى } ، لنفسي . وقال الضحاك : ما أعلمكم إلا ما أعلم ، { وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } ، ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى .","part":6,"page":495},{"id":2996,"text":"[30] { وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ }{ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ } ، أي مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى أتاهم العذاب ، { وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ } ، أي لا يهلكهم قبل إيجاب الحجة عليهم .","part":6,"page":496},{"id":2997,"text":"[31] { وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ } ، يوم القيامة يدعى كل أناس بإمامهم وينادي بعضهم بعضا فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار ، وأصحاب النار أصحاب الجنة ، وينادي أصحاب الأعراف ، وينادي بالسعادة والشقاوة ، ألا إن فلان ابن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، وفلان ابن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا ، وينادي حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ، وقرأ ابن عباس والضحاك : يوم التناد بتشديد الدال أي يوم التنافر ، وذلك أنهم هربوا فندوا في الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن أربابها . وقال الضحاك : وكذلك إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا ، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه ، فذلك قوله تعالى: { وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا } ، وقوله: { يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا } .","part":6,"page":497},{"id":2998,"text":"[32-34] { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } ، منصرفين عن موقف الحساب إلى النار . وقال مجاهد : فارين غير معجزين ، { مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } ، يعصمكم من عذابه ، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }{ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ } ، يعني يوسف بن يعقوب من قبل ، أي من قبل موسى ، { بِالْبَيِّنَاتِ } ، يعني قوله { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } ، { فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ } ، قال ابن عباس : من عبادة الله وحده لا شريك له ، { حَتَّى إِذَا هَلَكَ } ، مات ، { قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا } ، أي أقمتم على كفركم وظننتم أن لا يجدد عليكم الحجة ، { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } ، مشرك { مُرْتَابٌ } ، شاك .","part":6,"page":498},{"id":2999,"text":"[35] { الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ } ، قال الزجاج . هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني الذين يجادلون في آيات الله آي في إبطالها بالتكذيب ، { بِغَيْرِ سُلْطَانٍ } ، حجة ، { أَتَاهُمْ } ، من الله ، { كَبُرَ مَقْتًا } ، أي كبر ذلك الجدال مقتا ، { عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } ، قرأ أبو عمرو وابن عامر ( قلب ) بالتنوين ، قرأ الآخرون بالإضافة ، دليله قراءة عبد الله بن مسعود ( على قلب كل متكبر جبار ) .","part":6,"page":499},{"id":3000,"text":"[36 ، 37] { وَقَالَ فِرْعَوْنُ } ، لوزيره ، { يا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا } ، والصرح البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد وأصله من التصريح وهو الإظهار ، { لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ }{ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ } ، يعني طرقها وأبوابها من سماء إلى سماء ، { فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى } ، قراءة العامة برفع العين نسقا على قوله . ( أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ) ، وقرأ حفص عن عاصم بنصب العين وهي قراءة حميد الأعرج ، على جواب لعل بالفاء ، { وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ } ، يعني موسى ، { كَاذِبًا } ، فيما يقولون إن له ربا غيري ، { وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ } ، قرأ أهل الكوفة ويعقوب ( وصد ) بضم الصاد نسقا على قوله: ( زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ ) قال ابن عباس : صده الله عن سبيل الهدى . وقرأ الآخرون بالفتح أي صد فرعون الناس عن السبيل . { وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ } ، يعني وما كيده في إبطال آيات الله وآيات موسى إلا في خسار وهلاك .\r[38] { وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ } ، طريق الهدى .","part":6,"page":500},{"id":3001,"text":"[39] { يا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ } ، متعة تنتفعون بها مدة ثم تنقطع ، { وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } التي لا تزول .\r[40] { مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، قال مقاتل : لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير .","part":7,"page":1},{"id":3002,"text":"[41] { وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ } ، يعني مالكم كما تقول العرب: مالي أراك حزينا؟ أي مالك؟ يقول: أخبروني عنكم كيف هذه الحال أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله ، { وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ } ، إلى الشرك الذي يوجب النار ، ثم فسر فقال:\r[42] { تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ } ، الغزيز في انتقامه ممن كفر ، الغفار لذنوب أهل التوحيد .\r[43] { لَا جَرَمَ } ، حقا ، { أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } ، أي إلى الوثن ، { لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ } ، فقال السدي : لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة ، يعني ليست له استجابة [دعوة] . وقيل: ليست به دعوة إلى عبادته في الدنيا لأن الأوثان لا تدعي الربوبية ، ولا تدعو إلى عبادتها ، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها . { وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ } ، مرجعنا إلى الله فيجازي كلا بما يستحق ، { وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ } ، المشركين ، { هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ } .","part":7,"page":2},{"id":3003,"text":"[44] { فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ } ، إذا عاينتم العذاب حين ألا ينفعكم الذكر ، { وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ } ، وذلك أنهم توعدوه لمخالفته دينهم ، { إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } ، يعلم المحق من المبطل ثم خرج المؤمن من بينهم ، فطلبوه فلم يقدروا عليه .\r[45] وذلك قوله عز وجل: { فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا } ، ما أرادوا به من الشر ، قال قتادة : نجا مع موسى وكان قبطيا ، { وَحَاقَ } نزل ، { بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ } ، الغرق في الدنيا والنار في الآخرة .","part":7,"page":3},{"id":3004,"text":"[46] وذلك قوله: { النَّارُ } ، هي رفع على البدل من السوء ، { يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا } ، صباحا ومساء ، قال ابن مسعود : أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو وتروح إلى النار ويقال: يا آل فرعون هذه مأواكم حتى تقوم الساعة . وقال قتادة ومقاتل والسدي والكلبي : تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشيا ما دامت الدنيا . ثم أخبر الله عن مستقرهم يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا } من الدخول ، أي يقال لهم ادخلوا يا { آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } ، وقيل من الإدخال ، أي يقال للملائكة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب . قال ابن عباس : يريد ألوان العذاب غير الذي كانوا يعذبون به منذ أغرقوا .","part":7,"page":4},{"id":3005,"text":"[47] { وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ } ، أي اذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون يعني أهل النار في النار { فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } ، في الدنيا ، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ } ، والتبع يكون واحدا وجمعا في قول أهل البصرة ، واحده تابع ، وقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع .\r[48 ،49] { قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ }{ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ } ، حين اشتد عليهم العذاب ، { لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ } .","part":7,"page":5},{"id":3006,"text":"[50] { قَالُوا } يعني خزنة جهنم لهم ، { أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا } ، أنتم إذا ربكم ، أي إنا لا ندعو لكم لأنهم علموا أنه لا يخفف عنهم العذاب . قال الله تعالى . { وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } ، أي يبطل ويضل ولا ينفعهم .\r[51] قوله عز وجل: { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، قال ابن عباس : بالغلبة والقهر . وقال الضحاك : بالحجة وفي الآخرة بالعذاب . وقيل: بالانتقام من الأعداء في الدنيا والآخرة ، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين فهم منصورون بالحجة على من خالفهم ، وقد نصرهم الله بالقهر على من ناوأهم وإهلاك أعدائهم ، ونصرهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم ، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل ، قتل به سبعون ألفا ، فهو منصورون بأحد هذه الوجوه ، { وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } ، يعني يوم القيامة يقوم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب .","part":7,"page":6},{"id":3007,"text":"[52] { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ } ، إن اعتذروا عن كفرهم لم يقبل منهم ، وإن تابوا لم ينفعهم ، { وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ } ، البعد من الرحمة ، { وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } ، يعني جهنم .\r[53] { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى } ، قال مقاتل : الهدى من الضلالة ، يعني التوراة ، { وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ } ، التوراة .\r[54] { هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } .\r[55] { فَاصْبِرْ } ، يا محمد على أذاهم ، { إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ } ، في إظهار دينك ، وإهلاك أعدائك { حَقٌّ } ، قال الكلبي : نسخت آية القتال آية الصبر ، { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } ، هذا تعبد من الله ليزيده به درجة وليصير سنة لمن بعده ، { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } ، صل شاكرا لربك ، { بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } ، قال الحسن : يعني صلاة العصر وصلاة الفجر . وقال ابن عباس . الصلوات الخمس .","part":7,"page":7},{"id":3008,"text":"[56] { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ } ، ما في قلوبهم والصدر موضع القلب ، فكنى به عن القلب لقرب الجوار ، { إِلَّا كِبْرٌ } ، قال ابن عباس : ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر والعظمة ، { مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ } ، قال مجاهد : ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر ، لأن الله عز وجل مذلهم . قال ابن قتيبة : إن في صدورهم إلا تكبر على محمد صلى الله عليه وسلم ، وطمع في أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك . قال أهل التفسير: نزلت في اليهود وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن صاحبنا المسيح بن داود يعنون الدجال يخرج في آخر الزمان ، فيبلغ سلطانه البر والبحر ، ويرد الملك إلينا ، قال الله تعالى: { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } ، من فتنة الدجال ، { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } .","part":7,"page":8},{"id":3009,"text":"[57] { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } مع عظمهما ، { أَكْبَرُ } ، أعظم في الصدور ، { مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } ، أي من إعادتهم بعد الموت ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ } ، يعني الكفار ، { لَا يَعْلَمُونَ } ، حيت لا يستدلون بذلك على توحيد خالقها . وقال قوم: أكبر أي أعظم من خلق الدجال ، ( ولكن أكثر الناس ) ، يعني اليهود الذين يخاصمون في أمر الدجال .\r[58] قوله تعالى: { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ } ، قرأ أهل الكوفة ( تتذكرون ) بالتاء ، وقرأ الآخرون بالياء لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم .","part":7,"page":9},{"id":3010,"text":"[59] { إِنَّ السَّاعَةَ } ، أي القيامة { لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا } . { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ } .\r[60] { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } أي اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم ، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة ، عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: « إن الدعاء هو العبادة » ، ثم قرأ: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } (1) عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من لم يدع الله غضب الله عليه » (2) ، وقيل: الدعاء: هو الذكر والسؤال ، { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } صاغرين ذليلين .\r_________\r(1) أخرجه أبو داود في الصلاة 2 / 141 والترمذي في التفسير 9 / 121 وقال ( حديث حسن صحيح ) والنسائي في التفسير 2 / 253 وابن ماجه في الدعاء برقم ( 3828 ) 2 / 1258 والحاكم 1 / 490 وصححه ووافقه الذهبي والمصنف في شرح السنة 5 / 188 .\r(2) أخرجه أحمد ( 2 / 442 ) ، والبخاري في الأدب المفرد ( 658 ) ، والترمذي ( 3373 ) وابن ماجه ( 3827 ) ، والحاكم ( 1 / 491 ) ، والمصنف في شرح السنة ( رقم 1389 )","part":7,"page":10},{"id":3011,"text":"[61- 63] { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ }{ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }{ كَذَلِكَ } ، يعني كما أفكتم عن الحق مع قيام الدلائل ، كذلك { يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } .","part":7,"page":11},{"id":3012,"text":"[64 ، 65] { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا } ، فراشا ، { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } سقفا كالقبة { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } قال مقاتل : خلقكم فأحسن خلقكم . قال ابن عباس : خلق ابن آدم قائما معتدلا يأكل ويتناول بيده ، وغير ابن آدم يتناول بفيه . { وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } ، قيل: هو من غير رزق الدواب { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }{ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، قال الفراء: هو خبر وفيه إضمار الأمر ، مجازه: فادعوه واحمدوه . وروي عن مجاهد عن ابن عباس قال: من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها الحمد لله رب العالمين ، فذلك قوله عز وجل: { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\r[66] { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ، وذلك حين دعي إلى الكفر .","part":7,"page":12},{"id":3013,"text":"[67] { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا } أي أطفالا ، { ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ } ، أي من قبل أن يصير شيخا . { وَلِتَبْلُغُوا } ، جميعا ، { أَجَلًا مُسَمًّى } ، وقتا معلوما محدودا لا تجاوزونه ، يريد أجل الحياة إلى الموت ، { وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ، أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته .\r[68 ، 69] { هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ } ، يعني القرآن يقولون ليس من عند الله، { أَنَّى يُصْرَفُونَ } ، كيف يصرفون عن دين الحق. قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سيرين وجماعة : إنها نزلت في القدرية. 70،\r[71] { الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }{ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ } ، يجرون.","part":7,"page":13},{"id":3014,"text":"[72] { فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ } ، قال مقاتل : توقد بهم النار. وقال مجاهد : يصيرون وقودا للنار. 73،\r[74] { ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ }{ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يعني الأصنام، { قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا } ، فقدناهم فلا نراهم، { بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا } ، قيل: أنكروا. وقيل: معناه بل لم نكن ندعو من قبل شيئا ينفع ويضر. وقال الحسين بن الفضل : أي لم نكن نصنع من قبل شيئا أي ضاعت عبادتنا لها، كما يقول من ضاع عمله: ما كنت أعمل شيئا. قال الله -عزّ وجلّ-: { كَذَلِكَ } أي كما أضل هؤلاء، { يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } .\r[75] { ذَلِكُمْ } العذاب الذي نزل بكم، { بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ } تبطرون وتأشرون، { فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ } تفرحون وتختالون. 76،","part":7,"page":14},{"id":3015,"text":"[77] { ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ }{ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ } ، بنصرك، { حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ } ، من العذاب في حياتك، { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } ، قبل أن يحل ذلك بهم، { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } .","part":7,"page":15},{"id":3016,"text":"[78] { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ } ، خبرهم في القرآن، { وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } ، بأمر الله وإرادته، { فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ } ، قضاؤه بين الأنبياء والأمم، { قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ } . 79،\r[80] { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا } ، بعضها، { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ }{ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ } ، في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها. { وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ } ، تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد ولتبلغوا عليها حاجاتكم، { وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } ، أي على الإبل في البر وعلى السفن في البحر، نظيره قوله تعالى: { وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } .\r[81] { وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ } ، دلائل قدرته، { فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ } .","part":7,"page":16},{"id":3017,"text":"[82] { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ } ، يعني مصانعهم وقصورهم، { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ } ، لم ينفعهم، { مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ، وقيل: هو بمعنى الاستفهام، ومجازه: أي شيء أغنى عنهم كسبهم؟\r[83،\r[84] { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا } ، رضوا، { بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } ، قال مجاهد هو قولهم: نحن أعلم لن نبعث ولن نعذب، سمي ذلك علما على ما يدعونه وهو في الحقيقة جهل. { وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }{ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } ، يعني تبرأنا مما كنا نعدل بالله.","part":7,"page":17},{"id":3018,"text":"[85] { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا } ، عذابنا، { سُنَّةَ اللَّهِ } ، قال نصبها بنزع الخافض، أي كسنة الله. وقيل: على المصدر. وقيل: على الإغراء أي احذروا سنة الله، { الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } ، وتلك السنة أنهم إذا عاينوا عذاب الله آمنوا، ولا ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب. { وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ } ، بذهاب نعيم الدارين، قال الزجاج : الكافر خاسر في كل وقت، ولكنهم يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب.","part":7,"page":18},{"id":3019,"text":"( 41 ) سورة فصلت\r[1، 2] { حم }{ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، قال الأخفش : تنزيل مبتدأ وخبره قوله عزّ وجلّ:\r[3] { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ } بينت آياته { قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ، اللسان العربي ولو كان بغير لسانهم ما علموه ونصب قرآنا بوقوع البيان عليه أي فصلناه قرآنا.\r[4] { بَشِيرًا وَنَذِيرًا } ، نعتان للقرآن أي بشيرا لأولياء الله ونذيرا لأعدائه، { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } ، أي لا يصغون إليه تكبرا.\r[5] { وَقَالُوا } ، يعني مشركي مكة { قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ } ، في أغطية، { مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } ، فلا نفقه ما تقول، { وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ } ، صمم فلا نسمع ما تقول، والمعنى: إنا في ترك القبول عندك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع، { وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } ،\rخلاف في الدين وحاجز في الملة فلا نوافقك على ما تقول، { فَاعْمَلْ } ، أنت على دينك، { إِنَّنَا عَامِلُونَ } ، على ديننا.","part":7,"page":19},{"id":3020,"text":"[6] { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } ، يعني كواحد منكم ولولا الوحي ما دعوتكم، وهو قوله: { يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } ، قال الحسن : علمه الله التواضع، { فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ } ، توجهوا إليه بالطاعة ولا تميلوا عن سبيله، { وَاسْتَغْفِرُوهُ } ، من ذنوبكم، { وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ } .\r[7] { الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } ، قال ابن عباس : الذين لا يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. وقال الحسن وقتادة : لا يقرون بالزكاة ولا يرون إيتاءها واجبا وكان يقول: الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك.\rوقال الضحاك ومقاتل : لا ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون. وقال مجاهد : لا يزكون أعمالهم { وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } .","part":7,"page":20},{"id":3021,"text":"[8] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } ، قال ابن عباس : غير مقطوع. وقال مقاتل : غير منقوص، ومنه المنون لأنه ينقص منة الإنسان وقوته، وقيل: غير ممنون عليهم به. وقال مجاهد : غير محسوب. وقال السدي : نزلت هذه الآيه في المرضى والزمنى والهرمى، إذا عجزوا عن الطاعة يكتب لهم كأصح ما كانوا يعملون فيه .\r[9] قوله -عزّ وجلّ-: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } ، يوم الأحد ويوم الاثنين، { وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } .","part":7,"page":21},{"id":3022,"text":"[10] { وَجَعَلَ فِيهَا } أي في الأرض، { رَوَاسِيَ } جبالا ثوابت، { مِنْ فَوْقِهَا } ، من فوق الأرض، { وَبَارَكَ فِيهَا } أي في الأرض بما خلق فيها من البحار والأنهار والأشجار والثمار، { وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا } ، قال الحسن ومقاتل : قسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم. وقال عكرمة والضحاك : قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد. قال الكلبي : قدر الخبز لأهل قطر والذرة لأهل قطر والسمك لأهل قطر وكذلك أقواتها. { فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } ، يريد خلق ما في الأرض وقدر الأقوات في يومين يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع الأحد والاثنين أربعة أيام، رد الآخر على الأول في الذكر { سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } قرأ أبو جعفر ( سَوَاءٌ ) رفع على الابتداء أي هي سواء، وقرأ يعقوب بالجر على نعت قوله: { فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } ، وقرأ الآخرون ( سواء ) نصب على المصدر استوت استواء، ومعناه: سواء للسائلين عن ذلك. قال قتادة والسدي : من سأل عنه فهكذا الأمر سواء لا زيادة ولا نقصان جوابا لمن سأل في كم خلقت الأرض والأقوات؟","part":7,"page":22},{"id":3023,"text":"[11] { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ } ، أي عمد إلى خلق السماء، { وَهِيَ دُخَانٌ } ، وكان ذلك الدخان بخار الماء، { فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } ، أي: ائتيا ما آمركما أي: افعلاه، كما يقال: ائت ما هذا الأحسن أي افعله. وقال طاوس عن ابن عباس : ائتيا أعطيا، يعني: أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد. قال ابن عباس : قال الله -عزّ وجلّ-: أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك، وقال لهما افعلا ما آمركما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه كرها فأجابتا بالطوع، { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } ، ولم يقل طائعتين لأنه ذهب به إلى السماوات والأرض ومن فيهن، مجازه: أتينا بما فينا طائعين، فلما وصفهما بالقول أجراهما في الجمع مجرى من يعقل.","part":7,"page":23},{"id":3024,"text":"[12] { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ } ، أي أتمهن وفرغ من خلقهن، { وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } ، قال عطاء عن ابن عباس : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله. وقال قتادة والسدي . يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها. وقال مقاتل : وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي، وذلك يوم الخميس والجمعة. { وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } ، وكواكب، { وَحِفْظًا } لها، ونصب حفظا على المصدر، أي حفظناها بالكواكب حفظا من الشياطين الذين يسترقون السمع، { ذَلِكَ } ، الذي ذكر من صنعه، { تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ } ، في ملكه، { الْعَلِيمِ } ، بخلقه.\r[13] قوله -عزّ وجلّ-: { فَإِنْ أَعْرَضُوا } ، يعني هؤلاء المشركين عن الإيمان بعد هذا البيان، { فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ } ، خوفتكم، { صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } أي هلاكا مثل هلاكهم، والصاعقة: المهلكة من كل شيء.","part":7,"page":24},{"id":3025,"text":"[14] { إِذْ جَاءَتْهُمُ } ، يعني عادا أو ثمودا، { الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } ، أراد بقوله: { مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم من قبلهم، { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } يعني من بعد الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم الذين أرسلوا إليهم هود وصالح ، فالكناية في قوله من بين أيديهم راجعة إلى عاد وثمود وفي قوله ( ومن خلفهم ) راجعة إلى الرسل، { أَلَّا } بأن لا، { تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ } بدل هؤلاء الرسل، { مَلَائِكَةً } ، أي لو شاء ربنا دعوة الخلق لأنزل ملائكة، { فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ }\r[15] قوله -عزّ وجلّ-: { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } ، وذلك أن هودا هددهم بالعذاب، فقالوا: من أشد منا قوة، ونحن نقدر على دفع العذاب عنا بفضل قوتنا، وكانوا ذوي أجسام طوال، قال الله تعالى ردا عليهم: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } .","part":7,"page":25},{"id":3026,"text":"[16] { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا } ، عاصفة شديدة الصوت، من الصرة وهي الصيحة. وقيل: هي الباردة من الصِّر وهو البرد، { فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ } ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب ( نَحْسات ) بسكون الحاء، وقرأ الآخرون بكسرها نكدات مشئومات ذات نحوس. وقال الضحاك : أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين ودامت الرياح عليهم من غير مطر، { لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ } ، أي عذاب الهون والذل، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى } ، أشد إهانة { وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ } .\r[17] { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ } ، دعوناهم، قاله مجاهد ، وقال ابن عباس : بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على الخير والشر، كقوله: { هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ } ، { فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } فاختاروا الكفر على الإيمان { فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ } ، أي هلكة العذاب { الْهُونِ } ، أي ذي الهون وهو الذي يهينهم ، ويجزيهم { بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } . 18،","part":7,"page":26},{"id":3027,"text":"[19] { وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ }{ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ } ، قرأ نافع ويعقوب : ( نحشر ) بالنون، ( أعداء ) نصب، وقرأ الآخرون بالياء ورفعها وفتح الشين ( أعداء ) رفع أي يجمع إلى النار { فَهُمْ يُوزَعُونَ } ، يساقون ويدفعون إلى النار، وقال قتادة والسدي : يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا.\r[20] { حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا } جاءوا النار { شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ } ، أي بشراتهم، { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، وقال السدي وجماعة: المراد بالجلد الفروج. وقال مقاتل : تنطق جوارحهم بما كتمت الألسن من عملهم.","part":7,"page":27},{"id":3028,"text":"[21] { وَقَالُوا } ، يعني الكفار الذين يحشرون إلى النار، { لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ } ، تم الكلام هاهنا. وقال الله تعالى، { وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } ، وليس هذا من جواب الجلود، { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .\r[22] { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } ، أي: تستخفون - عند أكثر أهل العلم. وقال مجاهد : تتقون. وقال قتادة : تظنون. { أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ } .\r[23] قوله تعالى: { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ } ، أهلككم، أي: ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، أرداكم. قال ابن عباس : طرحكم في النار، { فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ثم أخبر عن حالهم فقال:","part":7,"page":28},{"id":3029,"text":"[24] { فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ } ، مسكن لهم، { وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا } ، يسترضوا وطلبوا العتبى، { فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ } ، المرضين، والمعتب الذي قبل عتابه وأجيب إلى ما سأل، يقال: أعتبني فلان أي أرضاني بعد إسخاطه إياي، واستعتبه طلبت منه أن يعتب أي يرضى.\r[25] { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ } ، أي بعثنا ووكلنا، وقال مقاتل : هيأنا. وقال الزجاج : سببنا لهم. { قُرَنَاءَ } ، نظراء من الشياطين حتى أضلوهم، { فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ، من أمر الدنيا حتى آثروه على الآخرة، { وَمَا خَلْفَهُمْ } ، من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث، { وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ } مع أمم { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ }","part":7,"page":29},{"id":3030,"text":"[26] { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، من مشركي قريش، { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ } ، قال ابن عباس : يعني الغطوا فيه، وكان بعضهم يوصي إلى بعض. إذا رأيتم محمدا يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر واللغو. قال مجاهد : والغوا فيه بالْمُكاء والصفير. وقال الضحاك : أكثروا الكلام فيختلط عليه ما يقول. وقال السدي : صيحوا في وجهه. { لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } ، محمدا على قراءته.\r[27] { فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي } ، يعني بأسوأ الذي، أي بأقبح الذي، { كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، في الدنيا وهو الشرك بالله.\r[28] { ذَلِكَ } ، الذي ذكرت من العذاب الشديد، { جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ } ، ثم بين ذلك الجزاء فقال: { النَّارُ } ، أي هو النار، { لَهُمْ فِيهَا } ، أي في النار، { دَارُ الْخُلْدِ } ، دار الإقامة لا انتقال منها، { جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } .","part":7,"page":30},{"id":3031,"text":"[29] { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، أي في النار يقولون، { رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ } ، يعنون إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه لأنهما سنَّا المعصية، { نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } ، في النار { لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ } ، ليكونا في الدرك الأسفل من النار. قال ابن عباس : ليكونا أشد عذابا منا.","part":7,"page":31},{"id":3032,"text":"[30] قوله -عزّ وجلّ-: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } ، سئل أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئا. وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب. وقال عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: أخلصوا العمل لله. وقال علي -رضي الله عنه-: أدوا الفرائض. وقال ابن عباس : استقاموا على أداء الفرائض. وقال الحسن : استقاموا على أمر الله تعالى فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد وعكرمة : استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ } ، قال ابن عباس : عند الموت. وقال قتادة ومقاتل : إذ قاموا من قبورهم. قال وكيع بن الجراح : البشرى تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث. { أَلَّا تَخَافُوا } ، من الموت. وقال مجاهد : لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة. { وَلَا تَحْزَنُوا } ، على ما خلفتم من أهل وولد، فإنا نخلفكم في ذلك كله. وقال عطاء بن أبي رباح : لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم، { وَأَبْشِرُوا","part":7,"page":32},{"id":3033,"text":"بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } .\r[31] { نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ } ، تقول لهم الملائكة الذين تنزل عليهم بالبشارة: نحن أولياؤكم أنصاركم وأحباؤكم، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } ، أي في الدنيا والآخرة. قال السدي : تقول الملائكة نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة يقولون لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ } ، من الكرامات واللذات، { وَلَكُمْ فِيهَا } ، في الجنة { مَا تَدَّعُونَ } ، تتمنون. 32،","part":7,"page":33},{"id":3034,"text":"[33] { نُزُلًا } رزقا، { مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ }{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ } ، إلى طاعته، { وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } ، قال ابن سيرين . هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الحسن : هو المؤمن الذي أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني مع المسلمين. وقالت عائشة : أرى هذه الآية نزلت في المؤذنين. وقال عكرمة . هو المؤذن أبو إمامة الباهلي ، وعمل صالحا صلى ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال قيس بن أبي حازم : هو الصلاة بين الأذان الإقامة.","part":7,"page":34},{"id":3035,"text":"[34] قوله -عزّ وجلّ-: { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ } ، قال الفراء : ( لا ) هاهنا صلة، معناه: لا تستوي الحسنة والسيئة، يعني الصبر والغضب، والحلم والجهل، والعفو والإساءة. { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ، قال ابن عباس أمر بالصبر عند الغضب، وبالحلم عند الجهل، وبالعفو عند الإساءة. { فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ } ، يعني إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك وصار الذي بينك وبينه عداوة، { كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } ، كالصديق والقريب. قال مقاتل بن حيان : نزلت في أبي سفيان بن حرب ، وذلك أنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم أسلم فصار وليا بالإسلام، حميما بالقرابة.\r[35] { وَمَا يُلَقَّاهَا } ، ما يلقى هذه الخصلة وهي دفع السيئة بالحسنة، { إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا } ، على كظم الغيظ واحتمال المكروه، { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } ، في الخير والثواب، وقال قتادة : الحظ العظيم الجنة، أي ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة.","part":7,"page":35},{"id":3036,"text":"[36] { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } ، لاستعاذتك وأقوالك، { الْعَلِيمُ } ، بأفعالك وأحوالك.\r[37] قوله: { وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ } ، إنما قال { خَلَقَهُنَّ } بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع التكسير، ولم يجرها على طريق التغليب للمذكر على المؤنث، { إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } .\r[38] { فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا } ، عن السجود، { فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } ، يعني الملائكة { يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } لا يملون ولا يفترون.","part":7,"page":36},{"id":3037,"text":"[39] { وَمِنْ آيَاتِهِ } ، دلائل قدرته، { أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً } يا بسة غبراء لا نبات فيها،\r{ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r[40] { إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا } ، يميلون عن الحق في أدلتنا، قال مجاهد : يلحدون في آياتنا بالمكاء والتصدية واللغو واللغط. قال قتادة : يكذبون في آياتنا. قال السدي : يعاندون ويشاقون. قال مقاتل : نزلت في أبي جهل . { لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ } ، وهو أبو جهل ، { خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، قيل: هو حمزة . وقيل: عثمان . وقيل: عمار بن يا سر . { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } ، أمر تهديد ووعيد، { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ، عالم فيجازيكم به.","part":7,"page":37},{"id":3038,"text":"[41] { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ } ، بالقرآن، { لَمَّا جَاءَهُمْ } ، ثم أخذ في وصف الذكر وترك جواب: ( إن الذين كفروا ) ، على تقدير الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم. وقيل: خبره قوله من بعد: { أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } ، { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ } ، قال الكلبي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: كريم على الله: قال قتاده : أعزه الله -عزّ وجلّ- فلا يجد الباطل إليه سبيلا.\r[42] وهو قوله: { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } ، قال قتادة والسدي : الباطل هو الشيطان لا يستطيع أن يغيره أو يزيد فيه أو ينقص منه. قال الحجاج : معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى هذا معنى: الباطل الزيادة والنقصان. وقال مقاتل : لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله. { تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ، ثم عزّى نبيه -صلى الله عليه وسلم- على تكذيبهم.","part":7,"page":38},{"id":3039,"text":"[43] فقال: { مَا يُقَالُ لَكَ } ، من الأذى، { إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ } ، يقول إنه قد قيل للأنبياء والرسل قبلك ساحر كما يقال لك، وكُذِّبوا كما كذبت، { إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ } ، لمن تاب وآمن بك { وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } ، لمن أصر على التكذيب.\r[44] { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ } ، أي جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه على الناس، { قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا } ، بغير لغة العرب، { لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ } ، هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمها، { أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ } ، يعني أكتاب أعجمي ورسول عربي؟ وهذا استفهام على وجه الإنكار، أي أنهم كانوا يقولون: المنزل عليه عربي والمنزل أعجمي.\rقال مقاتل : وذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدخل على يسار غلام عامر بن الحضرمي ، وكان يهوديا أعجميا، يعني أبا فكيهة ، فقال المشركون: إنما يعلمه يسار فضربه سيده، وقال: إنك تعلم محمدا ، فقال يسار : هو يعلمني ، فأنزل الله تعالى هذه الآية: { قُلْ } ، يا محمد { هُوَ } ، يعني القرآن، { لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ }","part":7,"page":39},{"id":3040,"text":"لما في القلوب، وقيل: شفاء من الأوجاع، { وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } ، قال قتادة : عموا عن القرآن وصموا عنه فلا ينتفعون به، { أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } ، أي أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم، وهذا مثل لقلة انتفاعهم بما يوعظون به كأنهم ينادون من حيث لا يسمعون.\r[45] { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ } ، فمصدق ومكذب كما اختلف قومك في كتابك، { وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } ، في تأخير العذاب عن المكذبين بالقرآن، { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } ، لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم، { وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ } ، من صدقك، { مُرِيبٍ } ، موقع لهم الريبة.\r[46] { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } .","part":7,"page":40},{"id":3041,"text":"[47] { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ } ، أي علمها إذا سئل عنها مردود إليه لا يعلمه غيره، { وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا } أوعيتها واحدها: كِمٌّ { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ } ، إلا بإذنه، يقول: يرد إليه علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار والنتاج { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } ، ينادي الله المشركين، { أَيْنَ شُرَكَائِي } ، الذين كنتم تزعمون أنها آلهة، { قَالُوا } ، يعني المشركين، { آذَنَّاكَ } ، أعلمناك، { مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ } ، أي من شاهد بأن لك شريكا لما عاينوا العذاب تبرءوا من الأصنام.\r[48] { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ } ، يعبدون، { مِنْ قَبْلُ } في الدنيا، { وَظَنُّوا } ، أيقنوا، { مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ } ، مهرب.\r[49] { لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ } ، لا يمل الكافر، { مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ } لا يزال يسأل ربه الخير، يعني المال والغنى والصحة، { وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ } ، الشدة والفقر، { فَيَئُوسٌ } ، من روح الله، { قَنُوطٌ } ، من رحمته.","part":7,"page":41},{"id":3042,"text":"[50] { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا } ، آتيناه خيرا وعافية وغنى، { مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ } ، من بعد شدة وبلاء أصابته، { لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي } ، أي بعملي وأنا محبوب بهذا، { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى } ، يقول هذا الكافر لست على يقين من البعث، فإن كان الأمر على ذلك، ورددت إلى ربي إن لي عنده للحسنى، أي الجنة أي كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة. { فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا } ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: لنوقفنهم على مساوئ أعمالهم، { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } .\r[51] { وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ } ، كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة، يقال: أطال فلان الكلام والدعاء وأعرض، أي أكثر.","part":7,"page":42},{"id":3043,"text":"[52] { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ } ، هذا القرآن { مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } ، خلاف للحق بعيد عنه أي فلا أحد أضل منكم.","part":7,"page":43},{"id":3044,"text":"[53] { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ } ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: يعني منازل الأمم الخالية. { وَفِي أَنْفُسِهِمْ } ، بالبلاء والأمراض. وقال قتادة : في الآفاق يعني وقائع الله في الأمم، وفي أنفسهم يوم بدر. وقال مجاهد والحسن والسدي والكلبي : في الآفاق ما يفتح من القرى على محمد -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، وفي أنفسهم فتح مكة. { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } ، يعني دين الإسلام. وقيل: القرآن يتبين لهم أنه من عند الله. وقيل: محمد -صلى الله عليه وسلم- يتبين لهم أنه مؤيد من قبل الله تعالى. وقال عطاء وابن زيد : في الآفاق يعني أقطار السماء والأرض من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، حتى يتبين لهم أنه الحق. { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } ، قال مقاتل : أولم يكف بربك لأنه على كل شيء شهيد شاهد لا يغيب عنه شيء.\r[54] { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ } ، في شك من البعث، { أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } ، أحاط بكل شيء علما.","part":7,"page":44},{"id":3045,"text":"( 42 ) سورة الشورى\r[1، 2] { حم }{ عسق } ، سئل الحسين بن الفضل لِمَ يُقَطِّع حم عسق ولم يُقطِّع كهيعص؟ فقال: لأنها سور أوائلها حم فجرت مجرى نظائرها فكان حم مبتدأ وعسق خبره، ولأنهما عُدَّا آيتين، وأخواتها مثل كهيعص المص المر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في حم فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلا، وقال: معناها: حم أي قضي ما هو كائن، وروى عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: ح حلمه، م مجده، ع علمه، س سناؤه، ق قدرته، أقسم الله بها. وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح : ح حرب يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز من قريش، م ملك يتحول من قوم إلى قوم، ع عدو لقريش يقصدهم، س سيئ يكون فيهم، ق قدرة الله النافذة في خلقه، وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق.","part":7,"page":45},{"id":3046,"text":"[3] فلذلك قال: { كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ } ، وقرأ ابن كثير ( يوحى ) بفتح الحاء وحجته قوله: ( أوحينا إليك ) ، { وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ } ، وعلى هذه القراءة قوله: { اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، تبيين للفاعل كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله العزيز الحكيم، وقرأ الآخرون ( يوحي ) بكسر الحاء، إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم. قال عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: يريد أخبار الغيب.\r[4، 5] { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }{ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ } ، أي كل واحدة منها تتفطر فوق التي تليها من قول المشركين: { اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } نظيره في سورة مريم: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا }{ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا }{ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } . { وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ } ، من المؤمنين، { أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }","part":7,"page":46},{"id":3047,"text":"[6] { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } ، يحفظ أعمالهم ويحصيها عليهم ليجازيهم بها، { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } ، لم يوكلك الله عليهم حتى تؤخذ بهم .\r[7] { وَكَذَلِكَ } ، مثل ما ذكرنا، { أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى } ، مكة يعني أهلها، { وَمَنْ حَوْلَهَا } ، يعني قرى الأرض كلها، { وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ } أي تنذرهم بيوم الجمع وهو يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين وأهل السماوات والأرضين، { لَا رَيْبَ فِيهِ } ، لا شك في الجمع أنه كائن ثم بعد الجمع يتفرقون { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ } فضل من الله، { وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } عدل من الله -عزّ وجلّ.","part":7,"page":47},{"id":3048,"text":"[8] قوله تعالى: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: على دين واحد. وقال مقاتل : على ملة الإسلام كقوله تعالى: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى } ، { وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ } ، في دين الإسلام، { وَالظَّالِمُونَ } ، الكافرون، { مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ } ، يدفع عنهم العذاب، { وَلَا نَصِيرٍ } ، يمنعهم من النار.\r[9] { أَمِ اتَّخَذُوا } ، بل اتخذوا أي الكافرون، { مِنْ دُونِهِ } ، أي من دون الله، { أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ } ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وليك يا محمد وولي من اتبعك، { وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r[10] { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ } ، من أمر الدين، { فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } ، يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب، { ذَلِكُمُ اللَّهُ } ، الذي يحكم بين المختلفين هو { رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } .","part":7,"page":48},{"id":3049,"text":"[11] { فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } ، من مثل خلقكم حلائل، قيل: إنما قال من أنفسكم لأنه خلق حواء من ضلع آدم ، { وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا } ، أصنافا ذكورا وإناثا { يَذْرَؤُكُمْ } ، يخلقكم، { فِيهِ } ، أي في الرحم. وقيل: في البطن. وقيل: على هذا الوجه من الخلقة. قال مجاهد : نسلا بعد نسل من الناس والأنعام. وقيل: في بمعنى الباء أي يذرؤكم به. وقيل معناه يكثركم بالتزويج. { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، مثل صلة أي ليس هو كشيء فأدخل المثل للتوكيد، كقوله: { فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ } ، وقيل: الكاف صلة، مجازه: ليس مثله شيء. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ليس له نظير. { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } .\r[12] { لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، مفاتيح الرزق في السماوات والأرض. قال الكلبي : المطر والنبات. { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } لأن مفاتيح الرزق بيده، { إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .","part":7,"page":49},{"id":3050,"text":"[13] { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ } ، بين وسن لكم، { مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } ، وهو أول أنبياء الشريعة. قال مجاهد : أوصيناك وإياه يا محمد دينا واحدا. { وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } ، من القرآن وشرائع الإسلام، { وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى } ، واختلفوا في وجه الآية، فقال قتادة : تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقال الحكم : تحريم الأمهات والبنات والأخوات. وقال مجاهد : لم يبعث الله نبيا إلا أوصاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر من بعد وهو قوله: { أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } ، بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة، { كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } ، من التوحيد ورفض الأوثان ثم قال: { اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ } ، يصطفي لدينه من عباده من يشاء، { وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } ، يُقبِل إلى طاعته.","part":7,"page":50},{"id":3051,"text":"[14] { وَمَا تَفَرَّقُوا } ، يعني أهل الأديان المختلفة، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: يعني أهل الكتاب. { إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ } ، بأن الفرقة ضلالة ولكنهم فعلوا ذلك، { بَغْيًا بَيْنَهُمْ } ، أي للبغي، قال عطاء : يعني بغيا بينهم على محمد -صلى الله عليه وسلم- { وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } ، في تأخير العذاب عنهم، { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } ، وهو القيامة، { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } ، بين من آمن وكفر، يعني أنزل العذاب بالمكذبين في الدنيا، { وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ } يعني اليهود والنصارى، { مِنْ بَعْدِهِمْ } ، أي من بعد أنبيائهم، وقيل: من بعد الأمم الخالية. وقال قتادة : معناه من قبلهم أي من قبل مشركي مكة. { لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } ، أي من محمد -صلى الله عليه وسلم.","part":7,"page":51},{"id":3052,"text":"[15] { فَلِذَلِكَ فَادْعُ } ، أي فإلى ذلك كما يقال دعوت [إلى] فلان ولفلان، وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد، { وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } ، أي اثبت على الدين الذي أمرت به، { وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ } أي آمنت بكتب الله كلها، { وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } ، أن أعدل بينكم، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام. وقيل: لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء، { اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } ، يعني إلهنا واحد وإن اختلفت أعمالنا فكل يجازى بعمله، { لَا حُجَّةَ } ، لا خصومة، { بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } ، نسختها آية القتال، فإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة، { اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا } ، في المعاد لفصل القضاء، { وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } .","part":7,"page":52},{"id":3053,"text":"[16] { وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ } ، يخاصمون في دين الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- وقال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فهذه خصومتهم. { مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ } ، أي استجاب له الناس فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته، { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } ، خصومتهم باطلة، { عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } ، في الآخرة.\r[17] { اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ } ، قال قتادة ومجاهد ومقاتل : العدل، سمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: أمر الله تعالى بالوفاء، ونهى عن البخس. { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ } ، ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي، ومجازه: الوقت قريب. وقالي الكسائي : إتيانها قريب.\rقال مقاتل : ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الساعة ذات يوم وعنده قوم من المشركين، فقالوا تكذيبا: متى تكون الساعة؟","part":7,"page":53},{"id":3054,"text":"[18] فأنزل الله هذه الآية: { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا } ، ظنا منهم أنها غير آتية، { وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ } ، أي خائفون، { مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ } ، أنها آتية لا ريب فيها، { أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ } يخاصمون وقيل يدخلهم المرية والشك، { فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ } .\r[19] { اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: حفي بهم. قال عكرمة : بار بهم. قال السدي . رفيق. قال مقاتل : لطيف بالبَرِّ والفاجر حيث لا يهلكهم جوعا بمعاصيهم، يدل عليه قوله: { يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ } ، وكل من رزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله أن يرزقه. قال جعفر بن محمد الصادق . اللطف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات، والثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. { وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } .","part":7,"page":54},{"id":3055,"text":"[20] { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ } ، الحرث في اللغة: الكسب، يعني من كان يريد بعمله الآخرة، { نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } ، بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة، { وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا } ، يريد بعمله الدنيا، { نُؤْتِهِ مِنْهَا } ، قال قتادة : أي نؤته بقدر ما قسم الله له، كما قال: { عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ } . { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } : لأنه لم يعمل للآخرة.\r[21] قوله تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } ، يعني كفار مكة، يقول ألهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: شرعوا لهم دينا غير دين الإسلام، { وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ } ، لولا أن الله حكم في كلمة الفصل بين الخلق بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، حيث قال: { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ }{ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } ، لفرغ من عذاب الذين يكذبونك في الدنيا، { وَإِنَّ الظَّالِمِينَ } ،\rالمشركين، { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، في الآخرة.","part":7,"page":55},{"id":3056,"text":"[22] { تَرَى الظَّالِمِينَ } ، المشركين يوم القيامة، { مُشْفِقِينَ } ، وجلين، { مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } ، جزاء كسبهم وقع بهم، { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } .","part":7,"page":56},{"id":3057,"text":"[23] { ذَلِكَ الَّذِي } ، ذكرت من نعيم الجنة، { يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، فإنهم أهله، { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: يعني أن تحفظوا قرابتي وتودوني وتصلوا رحمي. وقال عكرمة : لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا إلا أن تحفظوني في قرابتي بيني وبينكم، وليس كما يقول الكذابون. وقال الحسن : هو القربى إلى الله، يقول: إلا التقرب إلى الله والتودد إليه بالطاعة والعمل الصالح. وقال بعضهم: معناه إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم. وقوله: { إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } ، ليس باستثناء متصل بالأول حتى يكون ذلك أجرا على مقابلة أداء الرسالة، بل هو منقطع، ومعناه: ولكني أذكركم المودة في القربى وأذكركم قرابتي منكم { وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } ، أي من يكتسب طاعة نزد له فيها حسنًا بالتضعيف، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } ، للذنوب، { شَكُورٌ } ، للقليل حتى يضاعفها.","part":7,"page":57},{"id":3058,"text":"[24] { أَمْ يَقُولُونَ } ، بل يقولون يعني كفار مكة، { افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ } ، قال مجاهد : نربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم، وقولهم إنه مفتر، قال قتادة : يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما أتاك، فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذبا لفعل به ما أخبر عنه في هذه الآية، ثم ابتدأ فقال: { وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ } ، قال الكسائي : فيه تقديم وتأخير مجازه: والله يمحو الباطل. فهو في محل رفع ولكنه حذفت منه الواو في المصحف على اللفظ كما حذفت من قوله: { وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ } و { سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ } أخبر أن ما يقولونه باطل يمحوه الله، { وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } ، أي الإسلام بما أنزل من كتابه، وقد فعل الله ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام، { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .","part":7,"page":58},{"id":3059,"text":"[25] { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } ، قال ابن عباس : يريد أولياءه وأهل طاعته، قيل: التوبة ترك المعاصي نية وفعلا، والإقبال على الطاعة نية وفعلا، قال سهل بن عبد الله : التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. { وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ } ، إذا تابوا فلا يؤاخذهم بها { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص { تَفْعَلُونَ } بالتاء، وقالوا: هو خطاب للمشركين، وقرأ الآخرون بالياء لأنه بين خبرين عن قوم، فقال: قبله يقبل التوبة عن عباده، وبعده: ويزيدهم من فضله.\r[26] { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا } ، أي ويجيب الذين آمنوا، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، إذا دعوه، وقال عطاء عن ابن عباس : ويثيب الذين آمنوا. { وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } ، سوى ثواب أعمالهم تفضلا منه. وقال أبو صالح عنه: يشفعهم في إخوانهم، ويزيدهم من فضله قال في إخوان إخوانهم. { وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } .","part":7,"page":59},{"id":3060,"text":"[27] { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ } ، قال خباب بن الأرت : فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها فأنزل الله -عزّ وجلّ- هذه الآية { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ } ، وسع الله الرزق { لِعِبَادِهِ } ، { لَبَغَوْا } ، لطغوا وعتوا، { فِي الْأَرْضِ } ، قال ابن عباس : بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس، { وَلَكِنْ يُنَزِّلُ } ، أرزاقهم، { بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ } ، كما يشاء نظرا منه لعباده ولحكمة اقتضتها قدرته، { إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } .\r[28] قوله -عزّ وجلّ-: { وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ } ، المطر، { مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا } ، يعني من بعد ما يئس الناس منه وذلك أدعى لهم إلى الشكر، قال مقاتل : حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمته، { وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ } ، يبسط مطره، كما قال: { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } . { وَهُوَ الْوَلِيُّ } ، لأهل طاعته، { الْحَمِيدُ } ، عند خلقه.","part":7,"page":60},{"id":3061,"text":"[29] { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ } ، يعني بوم القيامة.\r[30] { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } ، قرأ أهل المدينة والشام ( بما كسبت ) بغير فاء وكذلك هو في مصاحفهم، فمن حذف الفاء جعل ( ما ) في أول الآية بمعنى الذي أصابكم بما كسبت أيديكم. { وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } ، قال الحسن : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر » . (1) \".\r[31] { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } ، بفائتين، { فِي الْأَرْضِ } ، هربا يعني لا تعجزونني حيث ما كنتم ولا تسبقونني، { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } .\r_________\r(1) ضعيف: أخرجه هناد في الزهد ( رقم 431 ) ، وعزاه في الدر ( 6 / 9 ) لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر، وأخرج ابن جرير ( 25 / 21 ) والبيهقي في الشعب وعبد بن حميد نحوه عن قتادة مرسلا، وأخرج نحوه ابن عساكر وابن مردويه عن البراء، وفي الصحيحين عن عائشة بمعناه وقد صححه الألباني في الجامع الصغير بلفظ: «ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب وما يدفع الله عنه أكثر","part":7,"page":61},{"id":3062,"text":"[32] قوله -عزّ وجلّ-: { وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي } ، يعني السفن، واحدتها جارية وهي السائرة، { فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } ، أي الجبال، قال مجاهد : القصور ، أحدها علم، وقال الخليل بن أحمد : كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم.\r[33] { إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ } ، التي تجريها، { فَيَظْلَلْنَ } ، يعني الجواري، { رَوَاكِدَ } ثوابت { عَلَى ظَهْرِهِ } ، على ظهر البحر لا تجري، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } ، أي لكل مؤمن لأن صفة المؤمن الصبر في الشدة والشكر في الرخاء.\r[34] { أَوْ يُوبِقْهُنَّ } ، يهلكهن ويغرقهن، { بِمَا كَسَبُوا } ، أي بما كسبت ركبانها من الذنوب، { وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ } ، من ذنوبهم فلا يعاقب عليها.","part":7,"page":62},{"id":3063,"text":"[35] { وَيَعْلَمَ } ، قرأ أهل المدينة والشام: ( يعلم ) برفع الميم على الاستئناف كقوله -عزّ وجلّ- في سورة براءة: { وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } ، وقرأ الآخرون بالنصب على الصرف والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب، وهو كقوله تعالى: { وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، صرف من حال الجزم إلى النصب استخفافا وكراهية لتوالي الجزم. { الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ } ، أي يعلم الذين يكذبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله بعد البعث أن لا مهرب لهم من عذاب الله.\r[36] { فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ } ، من رياش الدنيا، { فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، ليس من زاد المعاد، { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ } ، من الثواب، { خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ، فيه بيان أن المؤمن والكافر يستويان في أن الدنيا متاع لهم يتمتعان بها فإذا صار إلى الآخرة كان ما عند الله خيرا للمؤمن.","part":7,"page":63},{"id":3064,"text":"[37] { وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ } قد ذكرنا معنى الكبائر في سورة النساء [آية: 31] { وَالْفَوَاحِشَ } ، قال السدي : يعني الزنا. وقال مجاهد ومقاتل : ما يوجب الحد. { وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } ، يحلمون ويكظمون الغيظ ويتجاوزون.\r[38] { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ } ، أجابوه إلى ما دعاهم إليه من طاعته، { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } ، يتشاورون فيما يبدو لهم ولا يعجلون { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .\r[39] { وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ } ، الظلم والعدوان، { هُمْ يَنْتَصِرُونَ } ، ينتقمون من ظالميهم من غير أن يعتدوا. قال ابن زيد : جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عن ظالميهم فبدأ بذكرهم، وهو قوله: { وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } ، وصنف ينتصرون من ظالميهم وهم الذين ذكروا في هذه الآية. قال إبراهيم : في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا. قال عطاء : هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم مكنهم الله في الأرض حتى انتصروا ممن ظلمهم، ثم ذكر الله الانتصار فقال:","part":7,"page":64},{"id":3065,"text":"[40] { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } ، سمي الجزاء سيئة وإن لم يكن سيئة لتشابههما في الصورة. قال مقاتل : يعني القصاصات في الجراحات والدماء. قال مجاهد والسدي : هو جواب القبيح إذا قال له أحد أخزاك الله يقول أخزاك الله، وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي. وقال هشام بن حجيرة : الجارح إذا جرح يقتص منه وليس هو أن يشتمك فتشتمه. ثم ذكر العفو فقال: { فَمَنْ عَفَا } ، [عمن] ظلمه، { وَأَصْلَحَ } ، بالعفو بينه وبين ظالمه، { فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } ، قال الحسن : إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم فلا يقوم إلا من عفا، ثم قرأ هذه الآية. { إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } ، قال ابن عباس : الذين يبدءون بالظلم.\r[41] { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } أي بعد ظلم الظالم إياه، { فَأُولَئِكَ } ، يعني المنتصرين، { مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } بعقوبة ومؤاخذة.\r[42] { إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ } ، يبدءون بالظلم، { وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } ، يعملون فيها بالمعاصي، { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .","part":7,"page":65},{"id":3066,"text":"[43] { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ } ، فلم ينتصر، { إِنَّ ذَلِكَ } ، الصبر والتجاوز، { لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } ، حقها وجزمها. قال مقاتل : من الأمور التي أمر الله بها. قال الزجاج : الصابر يؤتى بصبره الثواب، فالرغبة في الثواب أتم عزما.\r[44] { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ } ، فماله من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه أو يمنعه من عذاب الله، { وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ } ، يوم القيامة، { يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ } ، يسألون الرجعة في الدنيا.","part":7,"page":66},{"id":3067,"text":"[45] { وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } ، أي على النار، { خَاشِعِينَ } ، خاضعين متواضعين، { مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } ، خفي النظر لما عليهم من الذل يسارقون النظر إلى النار خوفا منها وذلةً في أنفسهم. وقيل: ( من ) بمعنى الباء أي بطرف خفي ضعيف مع الذل. وقيل: إنما قال: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } لأنه لا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها. وقيل: معناه ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا والنظر بالقلب خفي. { وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، قيل: خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار وأهليهم بأن صاروا لغيرهم في الجنة. { أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ } .\r[46] { وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ } ، طريق إلى الصواب وإلى الوصول إلى الحق في الدنيا والجنة في العقبى قد استدت عليهم طرق الخير.","part":7,"page":67},{"id":3068,"text":"[47] { اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ } ، أجيبوا داعي الله يعني محمدا -صلى الله عليه وسلم- { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ } ، لا يقدر أحد على دفعه وهو يوم القيامة { مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ } تلجئون إليه { يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ } من منكر يغير ما بكم.\r[48] { فَإِنْ أَعْرَضُوا } ، عن الإجابة، { فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ } ، ما عليك، { إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً } ، قال ابن عباس : يعني الغنى والصحة. { فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } ، قحط، { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ } ، أي لما تقدم من نعمة الله عليه ينسى ويجحد بأول شدة جميع ما سلف من النعم.","part":7,"page":68},{"id":3069,"text":"[49] { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، له التصرف فيهما بما يريد، { يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا } ، فلا يكون له ولد ذكر، قيل: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ بالإناث، { وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ } ، فلا يكون له أنثى.\r[50] { أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } ، يجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث، { وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا } ، فلا يلد ولا يولد له. قيل: هذا في الأنبياء عليهم السلام { يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا } يعني لوطا لم يولد له ذكر إنما ولد له ابنتان، { وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ } يعني إبراهيم عليه السلام لم يولد له أنثى، { أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } يعني محمدا -صلى الله عليه وسلم- ولد له بنون وبنات، { وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا } يحيى وعيسى عليهما السلام لم يولد لهما، وهذا على وجه التمثيل، والآية عامة في حق كافة الناس، { إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } .","part":7,"page":69},{"id":3070,"text":"[51] قوله -عزّ وجلّ-: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا } ، وذلك أن اليهود قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال: لم ينظر موسى إلى الله -عزّ وجلّ- فأنزل الله تعالى: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا } يوحي إليه في المنام أو بالإلهام، { أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } ، يسمعه كلامه ولا يراه كما كلمه موسى عليه الصلاة والسلام، { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا } ، إما جبريل أو غيره من الملائكة { فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ } ، أي يوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء، قرأ نافع : ( أو يرسل ) برفع اللام على الابتداء، ( فيوحي ) ساكنة الياء، وقرأ الآخرون بنصب اللام والياء عطفا على محل الوحي لأن معناه: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل رسولا { إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } .","part":7,"page":70},{"id":3071,"text":"[52] { وَكَذَلِكَ } ، أي كما أوحينا إلى سائر رسلنا، { أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا } ، قال ابن عباس : نبوة. وقال الحسن : رحمة. وقال السدي ومقاتل : وحيا. وقال الكلبي : كتابا. وقال الربيع : جبريل. وقال مالك بن دينار : يعني القرآن. { مَا كُنْتَ تَدْرِي } ، قبل الوحي، { مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ } ، يعني شرائع الإيمان ومعالمه، قال محمد بن إسحاق بن خزيمة : الإيمان في هذا الموضع الصلاة، ودليله قوله -عزّ وجلّ-: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } وأهل الأصول على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا مؤمنين قبل الوحي وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم ، ولم يتبين له شرائع دينه { وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا } ، قال ابن عباس : يعني الإيمان. وقال السدي : يعني القرآن. { نَهْدِي بِهِ } نرشد به، { مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي } ، أي لتدعو، { إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، يعني الإسلام.","part":7,"page":71},{"id":3072,"text":"[53] { صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ } ، أي أمور الخلائق كلها في الآخرة.","part":7,"page":72},{"id":3073,"text":"( 43 ) سورة الزُخْرُف\r[1، 2] { حم }{ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ } ، أقسم بالكتاب الذي أبان طرق الهدي من طرق الضلالة وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة.\r[3] { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ، قوله جعلناه أي: صيرنا هذا الكتاب عربيا. وقيل: بيناه. وقيل: سميناه. وقيل: وصفناه، يقال جعل فلان زيدا أعلم الناس، أي وصفه بهذا كقوله تعالى: { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا } وقوله: { جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } ، وقال { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ } ، كلها بمعنى الوصف والتسمية.","part":7,"page":73},{"id":3074,"text":"[4] { وَإِنَّهُ } ، يعني القرآن ، { فِي أُمِّ الْكِتَابِ } ، في اللوح المحفوظ ، قال قتادة : أم الكتاب أصل الكتاب ، وأم كل شيء أصله. قال ابن عباس : أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب بما يريد أن يخلق، فالكتاب عنده، ثم قرأ { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ } ، { لَدَيْنَا } ، فالقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال: { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ }{ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } . { لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } ، قال قتادة : يخبر عن منزلته وشرفه، أي إن كذبتم بالقرآن يا أهل مكة فإنه عندنا لعلي رفيع شريف محكم من الباطل.","part":7,"page":74},{"id":3075,"text":"[5] { أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا } ، يقال: ضربت عنه وأضربت عنه إذا تركته وأمسكت عنه، والصفح مصدر قولهم صفحت عنه إذا أعرضت عنه، وذلك بأن توليه صفحة وجهك وعنقك والمراد بالذكر القرآن، ومعناه: أفنترك عنكم الوحي ونمسك عن إنزال القرآن فلا نأمركم ولا ننهاكم من أجل أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم الإيمان ؟ استفهام بمعنى الإنكار، أي لا نفعل ذلك، وهذا قول قتادة وجماعة، قال قتادة : والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم عشرين سنة أو ما شاء الله . وقيل: معناه أفنضرب عنكم بذكرنا إياكم صافحين معرضين . قال الكسائي والسدي : أفنطوي عنكم الذكر طيا فلا تدعون ولا توعظون. وقال الكلبي : أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم . وقال مجاهد والسدي : أفنعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم. { أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ } ، قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على معنى إذ كنتم كقوله: { وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، وقرأ الآخرون بالفتح على معنى لأن كنتم مسرفين مشركين.","part":7,"page":75},{"id":3076,"text":"[6، 7] { وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ }{ وَمَا يَأْتِيهِمْ } ، أي وما كان يأتيهم، { مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } ، كاستهزاء قومك بك، يُعزِّي نبيه - صلى الله عليه وسلم - .\r[8] { فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا } ، أي أقوى من قومك يعني الأولين الذين أهلكوا بتكذيب الرسل ، { وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ } ، أي صفتهم وسنتهم وعقوبتهم ، فعاقبة هؤلاء كذلك في الإهلاك.\r[9] { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ } ، أي سألت قومك، { مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } ، وأقروا بأن الله خالقها، وأقروا بعزه وعلمه ثم عبدوا غيره وأنكروا قدرته على البعث لفرط جهلهم، إلى هاهنا تم الإخبار عنهم، ثم ابتدأ دالا على نفسه بصنعه فقال:\r[10] { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ، إلى مقاصدكم في أسفاركم.","part":7,"page":76},{"id":3077,"text":"[11] { وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ } ، أي بقدر حاجتكم إليه لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أهلكهم. { فَأَنْشَرْنَا } ، أحيينا، { بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ } ، أي كما أحيينا هذه البلدة الميتة بالمطر كذلك، { تُخْرَجُونَ } ، من قبوركم أحياء.\r[12] { وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا } ، أي الأصناف كلها. { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ } ، في البر والبحر.\r[13] { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ } ، ذكر الكناية لأنه ردها إلى ( ما ) ، { ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ } ، بتسخير المراكب في البر والبحر، { وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا } ، ذلل لنا هذا، { وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } ، مطيقين، وقيل: ضابطين.\r[14] { وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ } ، لمنصرفون في المعاد.","part":7,"page":77},{"id":3078,"text":"[15] قوله تعالى: { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } ، أي نصيبا وبعضا وهو قولهم: الملائكة بنات الله، ومعنى الجعل هاهنا الحكم بالشيء والقول كما تقول: جعلت زيدا أفضل الناس، أي وصفته وحكمت به { إِنَّ الْإِنْسَانَ } ، يعني الكافر، { لَكَفُورٌ } ، جحود لنعم الله، { مُبِينٌ } ، ظاهر الكفران.\r[16] { أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ } ، هذا استفهام توبيخ وإنكار، يقول: اتخذ ربكم لنفسه البنات، { وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ } ، كقوله: { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا } .\r[17] { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا } ، بما جعل الله شبها وذلك أن ولد كل شيء يشبهه، يعني إذا بشر أحدهم بالبنات كما ذكر في سورة النحل: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى }{ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ } ، من الغيظ والحزن.","part":7,"page":78},{"id":3079,"text":"[18] { أَوَمَنْ يُنَشَّأُ } ، قرأ حمزة والكسائي ينشأ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين، أي يربى، وقرأ الآخرون بفتح الياء وسكون النون وتخفيف الشين، أي ينبت ويكبر، { فِي الْحِلْيَةِ } ، في الزينة يعني النساء، { وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } ، في المخاصمة غير مبين للحجة من ضعفهن وسفههن، قال قتادة : في هذه الآية قلما تتكلم امرأة تريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها، ( أومن ) ، في محل من ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء، والنصب على الإضمار، مجازه: أومن ينشأ في الحلية يجعلونه بنات الله، والخفض ردا على قوله: ( مما يخلق ) ، وقوله: ( بِمَا ضَرَبَ ) .","part":7,"page":79},{"id":3080,"text":"[19] { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا } ، قرأ أهل الكوفة وأبو عمرو { عِبَادُ الرَّحْمَنِ } بالباء والألف بعدها ورفع الدال كقوله تعالى: { بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } ، وقرأ الآخرون: ( عند الرحمن ) بالنون ونصب الدال على الظرف وتصديقه كقوله -عزّ وجلّ-: { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } الآية، { أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ } قرأ أهل المدينة على ما لم يسم فاعله، ولينوا الهمزة الثانية بعد الاستفهام، أي أحضروا خلقهم، وقرأ الآخرون بفتح الشين أي أحضروا خلقهم حين خلقوا، وهذا كقوله: { أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ } ، { سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ } ، على الملائكة أنهم بنات الله، { وَيُسْأَلُونَ } ، عنها، قال الكلبي ومقاتل : لما قالوا هذا القول سألهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: « ما يدريكم أنهم بنات الله ؟ قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا \"، فقال الله تعالى: { سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ }» ، عنها في الآخرة.","part":7,"page":80},{"id":3081,"text":"[20] { وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ } ، يعني الملائكة، قاله قتادة ومقاتل والكلبي ، وقال مجاهد : يعني الأوثان وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضاه منها بعبادتها. قال الله تعالى: { مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } ، فيما يقولون { إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } ما هم إلا كاذبون في قولهم: إن الله تعالى رضي منا عبادتها، وقيل: إن هم إلا يخرصون، في قولهم: إن الملائكة إناث وإنهم بنات الله.\r[21] { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ } ، أي من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله، { فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } .\r[22] { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ } ، على دين وملة، قال مجاهد : على إمام. { وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ } ، جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم الأولين مهتدين.","part":7,"page":81},{"id":3082,"text":"[23] { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا } ، أغنياؤها ورؤساؤها، { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } ، بهم.\r[24] { قَالَ } ، قرأ ابن عامر وحفص : ( قال ) على الخبر، وقرأ آخرون ( قل ) على الأمر { أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ } ، قرأ أبو جعفر : ( جئناكم ) على الجمع، والآخرون ( جئتكم ) على الواحد، { بِأَهْدَى } ، بدين أصوب، { مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ } ، قال الزجاج : قال لهم: أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه \"؟ فأبوا أن يقبلوه، { قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } .\r[25] { فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } 26،\r[27] قوله -عزّ وجلّ-: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ } ، أي بريء، ولا يثنى البراء ولا يجمع ولا يؤنث لأنه مصدر وضع موضع النعت. { مِمَّا تَعْبُدُونَ }{ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } ، يرشدني لدينه.","part":7,"page":82},{"id":3083,"text":"[28] { وَجَعَلَهَا } ، يعني هذه الكلمة، { كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } ، قال مجاهد وقتادة : يعني كلمة التوحيد، وهي لا إله إلا الله كلمة باقية في عقبه أي في ذريته. قال قتادة : لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده. وقال القرظي : يعني جعل وصية إبراهيم التي أوصى بها بنيه باقية في نسله وذريته، وهو قوله -عزّ وجلّ-: { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } ، وقال ابن زيد : يعني قوله: { أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ، وقرأ: { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } ، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ، لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون عما هم عليه إلى دين إبراهيم . وقال السدي . لعلهم يتوبون ويرجعون إلى طاعة الله -عزّ وجلّ.\r[29] { بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ } ، يعني المشركين في الدنيا ولم أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم، { حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ } ، يعني القرآن، وقال الضحاك : الإسلام. { وَرَسُولٌ مُبِينٌ } ، يبين لهم الأحكام وهو محمد -صلى الله عليه وسلم- وكان من حق هذا الإنعام أن يطيعوه، فلم يفعلوا، وعصوا. 30،","part":7,"page":83},{"id":3084,"text":"[31] وهو قوله: { وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ } ، يعني القرآن، { قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ }{ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } ، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف، قاله قتادة ، وقال مجاهد : عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد يا ليل الثقفي من الطائف. وقيل: الوليد بن المغيرة من مكة، ومن الطائف حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي . ويروى هذا عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما.","part":7,"page":84},{"id":3085,"text":"[32] قال الله تعالى: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ } ، يعني النبوة، قال مقاتل : يقول بأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاءوا ؟ ثم قال: { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، فجعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا وهذا ملكا وهذا مملوكا فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا، كذلك اصطفينا بالرسالة من شئنا، { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } ، بالغنى والمال، { لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا } ، ليستخدم بعضهم بعضا فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش هذا بماله، وهذا بأعماله، فيلتئم قوام أمر العالم. وقال قتادة والضحاك : يملك بعضهم بمالهم بعضا بالعبودية والملك. { وَرَحْمَةُ رَبِّكَ } ، يعني الجنة، { خَيْرٌ } ، للمؤمنين، { مِمَّا يَجْمَعُونَ } ، مما يجمع الكفار من الأموال.","part":7,"page":85},{"id":3086,"text":"[33] { وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً } ، أي لولا أن يصيروا كلهم كفارا فيجتمعون على الكفر، { لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ } ، مصاعد ودرجا من فضة، { عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } ، يعلون ويرتقون، يقال: ظهرت على السطح إذا علوته.","part":7,"page":86},{"id":3087,"text":"[34] { وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا } ، من فضة، { وَسُرُرًا } أي وجعلنا لهم سررا من فضة، { عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ } .\r[35] { وَزُخْرُفًا } ، أي ولجعلنا مع ذلك لهم زخرفا وهو الذهب، نظيره: { أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ } ، { وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ، قرأ حمزة وعاصم \" لما \" بالتشديد على معنى: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، فكان: \"لما\" بمعنى إلا، وخففه الآخرون على معنى وكل ذلك متاع الحياة الدنيا، فيكون: ( إن ) للابتداء، و ( ما ) صلة، يريد أن هذا كله متاع الحياة الدنيا يزول ويذهب، { وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ } ، خاصة يعني الجنة.","part":7,"page":87},{"id":3088,"text":"[36] قوله -عزّ وجلّ-: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ } ، أي يعرض عن ذكر الرحمن فلم يخف عقابه، ولم يرج ثوابه، يقال: عشوت إلى النار أعشو عشوا، إذا قصدتها مهتديا بها، وعشوت عنها أعرضت عنها، كما يقول: عدلت إلى فلان وعدلت عنه وملت إليه وملت عنه. قال القرظي : يولي ظهره عن ذكر الرحمن وهو القرآن. قال أبو عبيدة والأخفش : يظلم بصرف بصره عنه. قال الخليل بن أحمد : أصل العشو النظر ببصر ضعيف. وقرأ ابن عباس : ( ومن يعش ) بفتح الشين أي يعم، يقال عشي يعشي عشيا إذا عمي فهو أعشى، وامرأة عشواء. { نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا } ، قرأ يعقوب : ( يقيض ) بالياء، والباقون بالنون، نسبب له شيطانا ونضمه إليه ونسلطه عليه، { فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } ، لا يفارقه يزين له العمى ويخيل إليه أنه على الهدى.\r[37] { وَإِنَّهُمْ } ، يعني الشياطين، { لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } ، أي ليمنعونهم عن الهدى { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } ، ويحسب كفار بني آدم أنهم على هدى.","part":7,"page":88},{"id":3089,"text":"[38] { حَتَّى إِذَا جَاءَنَا } ، قرأ أهل العراق غير أبي بكر : ( جاءنا ) على الواحد يعنون الكافر، وقرأ الآخرون: جاءانا، على التثنية يعنون الكافر وقرينه قد جعلا في سلسلة واحدة. { قَالَ } ، الكافر لقرينه الشيطان، { يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ } ، أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما على الآخر كما يقال للشمس والقمر: القمران، ولأبي بكر وعمر : العمران. وقيل: أراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول أصح، { فَبِئْسَ الْقَرِينُ } ، قال أبو سعيد الخدري : إذا بُعث الكافر زُوِّج بقرينه الشيطان فلا يفارقه حتى يصير إلى النار.\r[39] { وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ } ، في الآخرة، { إِذْ ظَلَمْتُمْ } ، أشركتم في الدنيا، { أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } ، يعني لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم العذاب، لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب. وقال مقاتل : لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب كما كنتم مشتركين في الكفر.","part":7,"page":89},{"id":3090,"text":"[40] { أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، يعني الكافرين الذين حقت عليهم كلمة العذاب لا يؤمنون.\r[41] { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } ، بأن نميتك قبل أن نعذبهم، { فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } ، بالقتل بعدك.\r[42] { أَوْ نُرِيَنَّكَ } ، في حياتك، { الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ } من العذاب، { فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ } ، قادرون متى شئنا عذبناهم، وأراد به مشركي مكة انتقم منهم يوم بدر، وهذا قول أكثر المفسرين، وقال الحسن وقتادة : عنى به أهل الإسلام من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وقد كان بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- نقمة شديدة في أمته، فأكرم الله نبيه وذهب به ولم يره في أمته إلا الذي يقر عينه، وأبقى النقمة بعده.\r[43] { فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } .","part":7,"page":90},{"id":3091,"text":"[44] { وَإِنَّهُ } ، يعني القرآن، { لَذِكْرٌ لَكَ } ، أي لشرف لك، { وَلِقَوْمِكَ } ، من قريش، نظيره: { لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ } ، أي شرفكم، { وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } ، عن حقه وأداء شكره. قال مجاهد : القوم هم العرب، فالقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم، ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب، حتى يكون الأكثر لقريش ولبني هاشم. وقيل: ذلك شرف لك بما أعطاك من الحكمة ولقومك المؤمنين بما هداهم الله به، وسوف تسألون عن القرآن وعما يلزمكم من القيام بحقه.","part":7,"page":91},{"id":3092,"text":"[45] { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } ، اختلفوا في هؤلاء المسئولين، قال عطاء عن ابن عباس : « لما أسري بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بعث الله له آدم وولده من المرسلين، فأذن جبريل ثم أقام، وقال يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل: سل يا محمد من أرسلنا قبلك من رسلنا، الآية، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: \" لا أسأل فقد اكتفيت » ، وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد ، قالوا: جمع الله له المرسلين ليلة أسري به وأمره أن يسألهم فلم يشك ولم يسأل. وقال أكثر المفسرين: سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد؟ يدل عليه قراءة عبد الله وأبي : ( واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا ) ، ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله -عزّ وجلّ.","part":7,"page":92},{"id":3093,"text":"[46 ،47] { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ } استهزاء.","part":7,"page":93},{"id":3094,"text":"[48] { وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } ، قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها، { وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ } ، بالسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، فكانت هذه دلالات لموسى ، وعذابا لهم، فكانت كل واحدة أكبر من التي قبلها، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ، عن كفرهم.\r[49] { وَقَالُوا } ، لموسى لما عاينوا العذاب، { يا أَيُّهَا السَّاحِرُ } ، يا أيها العالم الكامل الحاذق، إنما قالوا هذا توقيرا وتعظيما له لأن السحر عندهم كان علما عظيما وصفة ممدوحة، وقيل: معناه يا أيها الذي غلبنا بسحره. وقال الزجاج : خاطبوه به لما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر. { ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ } ، أي بما أخبرتنا من عهده إليك إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله يكشف عنا العذاب، { إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } ، مؤمنون فدعا موسى فكشف عنهم فلم يؤمنوا.\r[50] فذلك قوله -عزّ وجلّ-: { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ } ، ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم.","part":7,"page":94},{"id":3095,"text":"[51] { وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ } ، أنهار النيل، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } من تحت قصوري، وقال قتادة : تجري بين يدي في جناني وبساتيني. وقال الحسن : بأمري. { أَفَلَا تُبْصِرُونَ } ، عظمتي وشدة ملكي.\r[52] { أَمْ أَنَا خَيْرٌ } ، بل أنا خير، ( أم ) بمعنى بل وليس بحرف عطف على قول أكثر المفسرين، وقال الفراء : الوقف على قوله ( أم ) وفيه إضمار مجازه أفلا تبصرون أم تبصرون، ثم ابتدأ فقال أنا خير، { مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ } ، ضعيف حقير يعني موسى ، قوله: { وَلَا يَكَادُ يُبِينُ } يفصح بكلامه للثغته التي في لسانه.","part":7,"page":95},{"id":3096,"text":"[53] { فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ } ، إن كان صادقا، { أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ } ، قرأ حفص ويعقوب ( أَسْوِرَةٌ) جمع سوار، وقرأ الآخرون ( أساورة ) على جمع الأسورة، وهي جمع الجمع. قال مجاهد : كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته، فقال فرعون: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة من ذهب إن كان سيدًا تجب علينا طاعته. { أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } ، متتابعين يتابع بعضهم بعضا يشهدون له بصدقه ويعينونه على أمره.\r[54] قال الله تعالى: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ } ، أي استخف فرعون قومه القبط، أي وجدهم جهالا. وقيل حملهم على الخفة والجهل. يقال استخفه عن رأيه إذا حمله على الجهل وأزاله عن الصواب، { فَأَطَاعُوهُ } ، على تكذيب موسى ، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } 55،","part":7,"page":96},{"id":3097,"text":"[56] { فَلَمَّا آسَفُونَا } ، أغضبونا، { انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ }{ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا } ، هم الماضون المتقدمون من الأمم، يقال: سلف يسلف إذا تقدم، والسلف من تقدم من الآباء فجعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون، { وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ } ، عبرة وعظة لمن بقي بعدهم. وقيل: سلفا لكفار هذه الأمة إلى النار ومثلا لمن يجيء بعدهم.","part":7,"page":97},{"id":3098,"text":"[57] { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا } ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الآية نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعري مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن عيسى عليه السلام، لما نزل قوله تعالى: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } ، وقد ذكرناه في سورة الأنبياء عليهم السلام. { إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } ، قرأ أهل المدينة والشام والكسائي ( يصدون ) بضم الصاد، أي يعرضون، وقرأ الآخرون بكسر الصاد، واختلفوا في معناه، قال الكسائي : هما لغتان مثل يعرشون ويعرشون، وشد عليه يشد ويشد، ونم بالحديث ينم وينم، وقال ابن عباس : معناه يضجون. وقال سعيد بن المسيب : يصيحون. وقال الضحاك : يعجون. وقال قتادة : يجزعون. وقال القرظي : يضجرون. لما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون يقولون ما يريد منا محمد إلا أن نعبده ونتخذه إلها كما عبدت النصارى عيسى .","part":7,"page":98},{"id":3099,"text":"[58] { وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ } ، قال قتادة : أم هو يعنون محمدا فنعبده ونطيعه ونترك آلهتنا. وقال السدي وابن زيد أم هو يعنون عيسى ، قالوا: يزعم محمد أن كل ما عبد من دون الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في النار، وقال الله تعالى: { مَا ضَرَبُوهُ } ، يعني هذا المثل، { لَكَ إِلَّا جَدَلًا } ، خصومة بالباطل وقد علموا أن المراد من قوله: { وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } ، هؤلاء الأصنام. { بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } .\r[59] ثم ذكر عيسى فقال: { إِنْ هُوَ } ، ما هو يعني عيسى عليه السلام، { إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } ، بالنبوة، { وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا } آية وعبرة، { لِبَنِي إِسْرَائِيلَ } ، يعرفون به قدرة الله -عزّ وجلّ- على ما يشاء حيث خلقه من غير أب.\r[60] { وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً } ، أي ولو نشاء لأهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة، { فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ } ، يكونون خلفاء منكم يعمرون الأرض ويعبدونني ويطيعونني. وقيل: يخلف بعضهم بعضا.","part":7,"page":99},{"id":3100,"text":"[61] { وَإِنَّهُ } ، يعني عيسى عليه السلام { لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } ، يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة : ( إنه لَعَلَمٌ للساعة ) بفتح اللام والعين أي أمارة وعلامة، وقال الحسن وجماعة: وإنه يعني وإن القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها، ويخبركم بأحوالها وأهوالها، { فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا } ، فلا تشكنّ فيها، قال ابن عباس : لا تكذبوا بها، { وَاتَّبِعُونِ } ، على التوحيد، { هَذَا } ، الذي أنا عليه، { صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } .\r[62] { وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ } ، لا يصرفنكم، { الشَّيْطَانُ } ، عن دين الله، { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } .\r[63] { وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ } ، بالنبوة، { وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } ، من أحكام التوراة، قال قتادة : يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا على أمر عيسى . قال الزجاج : الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وبيّن لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } .","part":7,"page":100},{"id":3101,"text":"[64 - 66] { إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }{ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ }{ هَلْ يَنْظُرُونَ } ، هل ينتظرون، { إِلَّا السَّاعَةَ } ، يعني أنها تأتيهم لا محالة فكأنهم ينتظرونها، { أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } ، فجأة، { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } .\r[67] { الْأَخِلَّاءُ } ، على المعصية في الدنيا، { يَوْمَئِذٍ } ، يوم القيامة، { بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } ، إلا المتحابين في الله -عزّ وجلّ- على طاعة الله -عزّ وجلّ. 68،\r[69] { يا عِبَادِ } ، أي فيقال لهم يا عبادي، { لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ }{ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ } ، فييأس الناس منها غير المسلمين.\r[70] فيقال لهم: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ } ، تسرون وتنعمون.","part":7,"page":101},{"id":3102,"text":"[71] { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ } ، جمع صحفة وهي القصعة الواسعة، { مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ } ، جمع كوب وهو إناء مستدير مدور الرأس لا عرى لها، { وَفِيهَا } ، أي في الجنة، { مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . 72،\r[73] { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }{ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ }","part":7,"page":102},{"id":3103,"text":"[74 - 77] { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ } ، المشركين، { فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ }{ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ }{ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ }{ وَنَادَوْا يا مَالِكُ } ، يدعون خازن النار، { لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } ، ليمتنا ربك فنستريح فيجيبهم مالك بعد ألف سنة، { قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } ، مقيمون في العذاب.\r[78] { لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ } ، يقول أرسلنا إليكم يا معشر قريش رسولنا بالحق، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } .\r[79] { أَمْ أَبْرَمُوا } ، أحكموا { أَمْرًا } ، في المكر برسول الله -صلى الله عليه وسلم- { فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } ، محكمون أمرا في مجازاتهم، قال مجاهد : إن كادوا شرا كدتهم مثله. 80،","part":7,"page":103},{"id":3104,"text":"[81] { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } ، ما يسرونه من غيرهم ويتناجون به بينهم، { بَلَى } ، نسمع ذلك ونعلم، { وَرُسُلُنَا } ، أيضا من الملائكة يعني الحفظة، { لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ }{ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } ، يعني إن كان للرحمن ولد في قولكم وعلى زعمكم، فأنا أول من عبده بأنه واحد لا شريك له ولا ولد. قال ابن عباس : ( إن كان ) أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك، جعل ( إن ) بمعنى الجحد. قال السدي : معناه لو كان للرحمن ولد فأنا أول من أعبده بذلك، ولكن لا ولد له. وقيل: العابدين بمعنى الآنفين، يعنى أول الجاحدين والمنكرين لما قلتم. ويقال: معناه أنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد، يقال: عبد يعبد - إذا أنف أو غضب - عبدا. وقال قوم: قلّ ما يُقال: عَبَدَ فهو عابد، إنما يقال: عَبَدَ فهو عَبْدٌ.\r[82] ثم نزه نفسه فقال: { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } عما يقولون من الكذب.","part":7,"page":104},{"id":3105,"text":"[83] { فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا } ، في باطلهم، { وَيَلْعَبُوا } ، في دنياهم، { حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } ، يعني يوم القيامة.\r[84] { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ } ، قال قتادة : يُعْبَد في السماء وفي الأرض لا إله إلا هو { وَهُوَ الْحَكِيمُ } ، في تدبير خلقه، { الْعَلِيمُ } ، بمصالحهم.\r[85] { وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، قرأ ابن كثير والنسائي ( يرجعون ) بالياء، والآخرون بالتاء.\r[86] { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ } ، وهم عيسى وعزير والملائكة فإنهم عُبدوا من دون الله، ولهم الشفاعة، وعلى هذا يكون ( من ) في محل الرفع، وقيل: ( من ) في محل الخفض، وأراد بالذين يدعون عيسى وعزير والملائكة، بعني أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن شهد الحق والأولى أصح، وأراد بشهادة الحق قوله لا إله إلا الله كلمة التوحيد، { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم.","part":7,"page":105},{"id":3106,"text":"[87] { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } ، يصرفون عن عبادته.\r[88] { وَقِيلِهِ يا رَبِّ } ، يعني قول محمد -صلى الله عليه وسلم- شاكيا إلى ربه يا رب، { إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ } ، قرأ عاصم وحمزة ( وَقِيلِهِ) بجر اللام والهاء على معنى وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب، وقرأ الآخرون بالنصب، وله وجهان: أحدهما معناه: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، والثاني: وقال قيله.\r[89] { فَاصْفَحْ عَنْهُمْ } أعرض عنهم، { وَقُلْ سَلَامٌ } ، معناه المتاركة، كقوله تعالى: { سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } ، { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } ، قرأ أهل المدية والشام بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، وقال مقاتل : نسختها آية السيف.","part":7,"page":106},{"id":3107,"text":"( 44 ) سورة الدُخَانِ\r[1 - 3] { حم }{ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ }{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } ، قال قتادة وابن زيد : هي ليلة القدر أنزل الله القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم نزل جبريل على النبي -صلى الله عليه وسلم- نجوما في عشرين سنة. وقال آخرون هي ليلة النصف من شعبان { إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } .\r[4] { فِيهَا } ، أي في الليلة المباركة، { يُفْرَقُ } أي يفصل، { كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } ، محكم، وقال ابن عباس : يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الحجاج، يقال: يحج فلان ويحج فلان، قال الحسن ومجاهد وقتادة : يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل أجل وعمل وخلق ورزق، وما يكون في تلك السنة، وقال عكرمة . هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وتنسخ الأحياء من الأموات فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد.","part":7,"page":107},{"id":3108,"text":"[5] { أَمْرًا } ، أي أنزلنا أمرا، { مِنْ عِنْدِنَا } قال الفراء : نصب على معنى فيها يفرق كل أمر حكيم فرقا وأمرا، أي نأمر أمرا ببيان ذلك. { إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } ، محمدا -صلى الله عليه وسلم- ومن قبله من الأنبياء.\r[6، 7] { رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } ، قال ابن عباس رأفة مني بخلقي ونعمتي عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل. وقال الزجاج : أنزلناه في ليلة مباركة للرحمة { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }{ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } ، قرأ أهل الكوفة: ( رب ) جرا ردا على قوله: ( من ربك ) ، ورفعه الآخرون ردا على قوله: ( هو السميع العليم ) ، وقيل: على الابتداء، { إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } ، أن الله رب السماوات والأرض.\r[8، 9] { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ }{ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ } ، من هذا القرآن، { يَلْعَبُونَ } يهزءون به لاهون عنه. 10،","part":7,"page":108},{"id":3109,"text":"[11] { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ }{ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، تقديره: هو عذاب إلهي ويجوز: أن يكون حكاية لكلامهم بما بعده، أي يقولون هذا عذاب أليم. 12،\r[13] { رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ }{ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى } ، من أين لهم التذكر والاتعاظ؟ يقول: كيف يتذكرون ويتعظون؟ { وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ } ، ظاهر الصدق يعني محمدا -صلى الله عليه وسلم.\r[14] { ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ } ، أعرضوا عنه، { وَقَالُوا مُعَلَّمٌ } ، أي يعلمه بشر، { مَجْنُونٌ } .\r[15] قال الله تعالى: { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ } أي عذاب الجوع { قَلِيلًا } ، أي زمانا يسيرا، قال مقاتل : إلى يوم بدر. { إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } ، إلى كفركم.\r[16] { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى } ، وهو يوم بدر، { إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } ، وهذا قول ابن مسعود وأكثر العلماء وقال الحسن : يوم القيامة، وروى عكرمة ذلك عن ابن عباس .","part":7,"page":109},{"id":3110,"text":"[17] { وَلَقَدْ فَتَنَّا } ، بلونا، { قَبْلَهُمْ } ، قبل هؤلاء، { قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } ، على الله وهو موسى بن عمران .\r[18] { أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ } ، يعني بني إسرائيل أطلقهم ولا تعذبهم، { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } ، على الوحي.","part":7,"page":110},{"id":3111,"text":"[19] { وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ } ، أي لا تتجبروا عليه بترك طاعته { إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ، ببرهان بين على صدق قولي، فلما قال ذلك توعدوه بالقتل.\r[20] فقال { وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ } ، أن تقتلون، وقال ابن عباس : تشتمونِ وتقولوا هو ساحر. وقال قتادة : ترجموني بالحجارة.\r[21] { وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ } ، فاتركوني لا معي ولا علي. وقال ابن عباس : فاعتزلوا أذاي باليد واللسان، فلم يؤمنوا.\r[22] { فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ } ، مشركون فأجابه الله وأمره أن يسري.\r[23] فقال: { فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا } ، أي ببني إسرائيل، { إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ } ، يتبعكم فرعون وقومه.","part":7,"page":111},{"id":3112,"text":"[24] { وَاتْرُكِ الْبَحْرَ } ، إذا قطعته أنت وأصحابك، { رَهْوًا } ، ساكنا على حالته وهيئته، بعد أن ضربته ودخلته، معناه لا تأمره أن يرجع اتركه حتى يدخله آل فرعون، وأصل الرهو: السكون. وقال مقاتل : معناه اترك البحر راهيا أي ساكنا، فسمي بالمصدر، أي ذا رهو. وقال كعب : اتركه طريقا. قال قتادة : طريقا يا بسا. قال قتادة : لما قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اترك البحر رهوا كما هو، { إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ } ، أخبر موسى أنه يغرقهم ليطمئن قلبه في تركه كما جاوزه، ثم ذكر ما تركوا بمصر. 25،\r[26] فقال: { كَمْ تَرَكُوا } ، يعني بعد الغرق، { مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ }{ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } ، مجلس شريف، قال قتادة : الكريم الحسن .\r[27] { وَنَعْمَةٍ } ، ومتعة وعيش لين، { كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ } ، ناعمين وفاكهين أشرين بطرين.\r[28] { كَذَلِكَ } ، قال الكلبي : كذلك أفعل بمن عصاني، { وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ } ، يعني بني إسرائيل.","part":7,"page":112},{"id":3113,"text":"[29] { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ } ، وذلك أن المؤمن إذا مات تبكي عليه السماء والأرض أربعين صباحا، وهؤلاء لم يكن يصعد لهم عمل صالح فتبكي السماء على فقده، ولا لهم على الأرض عمل صالح فتبكي الأرض عليه. { وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } ، لم ينظروا حين أخذهم العذاب لتوبة ولا لغيرها.\r[30] { وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ } ، قتل الأبناء واستحياء النساء والتعب في العمل. 31،\r[32] { مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ }{ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ } يعني مؤمني بني إسرائيل، { عَلَى عِلْمٍ } بهم { عَلَى الْعَالَمِينَ } ، على عالمي زمانهم.\r[33] { وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ } قال قتادة : نعمة بينة من فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى، والنعم التي أنعمها عليهم. قال ابن زيد : ابتلاهم بالرخاء والشدة، وقرأ ( ويبلوكم بالشر والخير فتنة ) . 34،","part":7,"page":113},{"id":3114,"text":"[35] { إِنَّ هَؤُلَاءِ } ، يعني مشركي مكة { لَيَقُولُونَ }{ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى } ، أي لا موتة إلا هذه التي نموتها في الدنيا، ثم لا بعث بعدها. وهو قوله. { وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ } ، بمبعوثين بعد موتتنا. 36،\r[37] { فَأْتُوا بِآبَائِنَا } ، الذين ماتوا، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، أنَّا نبعث أحياء بعد الموت، ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية فقال: { أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } أي ليسوا خيرا منهم، يعني أقوى وأشد وأكثر من قوم تبع. قال قتادة : هو تبع الحميري، وكان سار بالجيوش حتى حيّر الحيرة، وبنى سمرقند وكان من ملوك اليمن، سُمّي تُبَّعا لكثرة أتباعه، وكل واحد منهم يسمى تبعا لأنه يتبع صاحبه، وكان هذا الملك يعبد النار فأسلم ودعا قومه إلى الإسلام وهم حِمْيَر، فكذبوه { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، من الأمم الكافرة { أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } . 38،","part":7,"page":114},{"id":3115,"text":"[39] { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ }{ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ } ، قيل: يعني للحق وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } .","part":7,"page":115},{"id":3116,"text":"[40] { إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ } ، يوم يفصل الرحمن بين العباد { مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ } ، يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون.\r[41] { يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا } ، لا ينفع قريب قريبه ولا يدفع عنه شيئا، { وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } ، لا يمنعون من عذاب الله.\r[42] { إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ } ، يريد المؤمنين فإنه يشفع بعضهم لبعض، { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ } ، في انتقامه من أعدائه، { الرَّحِيمُ } ، بالمؤمنين. 43،\r[44] { إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ }{ طَعَامُ الْأَثِيمِ } ذي الإثم، وهو أبو جهل . 45،\r[46] { كَالْمُهْلِ } ، وهو دردي الزيت الأسود، { يَغْلِي فِي الْبُطُونِ } ، قرأ ابن كثير وحفص ( يغلي ) بالياء، جعلا الفعل للمهل، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الشجرة، { فِي الْبُطُونِ } أي بطون الكفار { كَغَلْيِ الْحَمِيمِ } ، كالماء الحار إذا اشتد غليانه.","part":7,"page":116},{"id":3117,"text":"[47] قوله تعالى: { خُذُوهُ } ، أي يقال للزبانية خذوه يعني الأثيم، { فَاعْتِلُوهُ } ، قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر وأبو عمرو بكسر التاء، وقرأ الباقون بضمها، وهما لغتان، أي ادفعوه وسوقوه، يقال: عتله يعتله عتلا إذا ساقه بالعنف والدفع والجذب، { إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ } ، وسطه.\r[48] { ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ } ، قال مقاتل : إن خازن النار يضربه على رأسه فينقب رأسه عن دماغه ثم يصب فيه ماء حميما قد انتهى حره.\r[49] ثم يقال له: { ذُقْ } ، هذا العذاب، { إِنَّكَ } ، قرأ الكسائي ( أنك ) بفتح الألف، أي لأنك كنت تقول أنا العزيز الكريم، وقرأ الآخرون بكسرها على الابتداء، { أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } ، عند قومك بزعمك، وذلك أن أبا جهل كان يقول: أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم، فتقول له هذا اللفظ خزنة النار على طريق الاستهزاء والتوبيخ.\r[50] { إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } ، تشكُّون فيه ولا وتؤمنون به. ثم ذكر مستقر المتقين، فقال:","part":7,"page":117},{"id":3118,"text":"[51] { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ } ، قرأ أهل المدينة والشام: ( في مقام ) بضم الميم على المصدر، أي في إقامة، وقرأ الآخرون بفتح الميم، أي في مجلس أمين، أمنوا فيه من الغير، أي من الموت ومن الخروج منه.\r[52 - 54] { فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ }{ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ }{ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ } ، أي كما أكرمناهم بما وصفنا من الجنات والعيون واللباس كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم { بِحُورٍ عِينٍ } أي قرناهم بهن ليس من عقد التزويج لأنه لا يقال: زوجته بامرأة، قال أبو عبيدة : جعلناهم أزواجا لهم كأنما يزوج النعل بالنعل، أي جعلناهم اثنين اثنين، والحور هن النساء النقيات البياض. قال مجاهد : يحار فيهن الطرف من بياضهن وصفاء لونهن. وقال أبو عبيدة : الحور هن شديدات بياض الأعين الشديدات سوادها واحدها أحور، والمرأة حوراء، والعين جمع العيناء وهي عظيمة العينين.\r[55] { يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ } ، اشتهوها، { آمِنِينَ } ، من نفادها ومن مضرتها. وقال قتادة : آمنين من الموت والأوصاب والشياطين.","part":7,"page":118},{"id":3119,"text":"[56] { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى } ، أي سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا، وقيل: إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا من موت في الجنة لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف إلى أسباب الجنة، يلقون الروح والريحان ويرون منازلهم في الجنة، فكان موتهم في الدنيا كأنهم في الجنة لاتصالهم بأسبابها، ومشاهدتهم إياها. { وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } .\r[57] { فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ } ، أي فعل ذلك بهم فضلا منه، { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .\r[58] { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ } ، سهلنا القرآن كناية عن غير مذكور، { بِلِسَانِكَ } ، على لسانك، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ، يتعظون.\r[59] { فَارْتَقِبْ } ، فانتظر النصر من ربك. وقيل: فانتظر لهم العذاب، { إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ } ، منتظرون قهرك بزعمهم.","part":7,"page":119},{"id":3120,"text":"( 45 ) سورة الجَاثِيَة\r[1 - 4] { حم }{ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ }{ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ }{ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ } ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب ( آيات ) ( وتصريف الرياح آيات ) بكسر التاء فيهما ردا على قوله: ( لآيات ) وهو في موضع النصب، وقرأ الآخرون برفعهما على الاستئناف على أن العرب تقول إن لي عليك مالا وعلى أخيك مال، ينصبون الثاني ويرفعونه، { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } ، أنه لا إله غيره.\r[5] { وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ } ، يعني الغيث الذي هو سبب أرزاق العباد، { فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }","part":7,"page":120},{"id":3121,"text":"[6] { تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ } ، يريد هذا الذي قصصنا عليك من آيات الله نقصها عليك بالحق، { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ } ، بعد كتاب الله، { وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ } ، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب : ( تؤمنون ) بالتاء على معنى قل لهم يا محمد فبأي حديث تؤمنون، وقرأ الآخرون بالياء.\r[7] { وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } ، كذاب صاحب إثم يعني النضر بن الحارث.\r[8، 9] { يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا }{ كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا }{ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }{ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا } ، قال مقاتل : من القرآن { شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } ، وذكر بلفظ الجمع ردا إلى كل في قوله: { لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } .","part":7,"page":121},{"id":3122,"text":"[10] { مِنْ وَرَائِهِمْ } ، أمامهم، { جَهَنَّمُ } ، يعني أنهم في الدنيا ممتعون بأموالهم ولهم في الآخرة النار يدخلونها، { وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا } ، من الأموال، { شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ } ، ولا ما عبدوا من دون الله من الآلهة، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .\r[11] { هَذَا } ، يعني هذا القرآن، { هُدًى } ، بيان من الضلالة، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ } . 12،\r[13] { اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ، ومعنى تسخيرها أنه خلقها لمنافعنا، فهو مسخر لنا من حيث إنا ننتفع به، { جَمِيعًا مِنْهُ } ، فلا تجعلوا لله أندادا، قال ابن عباس : جميعا منه كل ذلك رحمة منه. قال الزجاج : كل ذلك تفضل منه وإحسان. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }","part":7,"page":122},{"id":3123,"text":"[14] { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ } ، أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمته، قال ابن عباس ومقاتل : نزلت في عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وذلك أن رجلا من بني غفار شتمه بمكة فهمَّ عمر رضي الله تعالى عنه أن يبطش به، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يعفو عنه. وقال القرظي والسدي : نزل في أناس من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله هذه الآية ثم نسختها آية القتال. { لِيَجْزِيَ قَوْمًا } ، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ( لنجزي ) بالنون، قرأ الآخرون بالياء، أي ليجزي الله، وقرأ أبو جعفر ( ليُجزى ) بضم الياء الأولى وسكون الثانية وفتح الزاي، قال أبو عمرو : وهو لحن. قال الكسائي : معناه ليجزي الجزاء قوما، { بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } . 15،","part":7,"page":123},{"id":3124,"text":"[16] { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }{ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ } التوراة، { وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } ، الحلالات يعني المن والسلوى، { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } أي عالمي زمانهم، قال ابن عباس : لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب إليه منهم.\r[17] { وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ } ، يعني العلم بمبعث محمد -صلى الله عليه وسلم- وما بين لهم من أمره، { فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .\r[18] { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ } ، يا محمد { عَلَى شَرِيعَةٍ } ، سنة وطريقة بعد موسى، { مِنَ الْأَمْرِ } من الدين، { فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ، يعني مراد الكافرين، وذلك أنهم كانوا يقولون له ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا أفضل منك.","part":7,"page":124},{"id":3125,"text":"[19] فقال جل ذكره: { إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } ، لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئا إن اتبعت أهواءهم، { وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } .\r[20] { هَذَا } ، يعني القرآن، { بَصَائِرُ } ، معالم، { لِلنَّاسِ } ، في الحدود والأحكام يبصرون بها، { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .","part":7,"page":125},{"id":3126,"text":"[21] { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ } بل حسب، { اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ } ، اكتسبوا المعاصي والكفر { أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، نزلت في نفر من مشركي مكة، قالوا للمؤمنين: لئن كان ما تقولون حقا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا، { سَوَاءً مَحْيَاهُمْ } قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب ( سواء ) بالنصب أي نجعلهم سواء، يعني أحسبوا أن حياة الكافرين { وَمَمَاتُهُمْ } كحياة المؤمنين وموتهم سواء كلا، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء والخبر أي محياهم ومماتهم سواء فالضمير فيهما يرجع إلى المؤمنين والكافرين جميعا، معناه المؤمن مؤمن محياه ومماته أي في الدنيا والآخرة والكافر كافر محياه ومماته في الدنيا والآخرة، { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } ، بئس ما يقضون.\r[22] { وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } .","part":7,"page":126},{"id":3127,"text":"[23] { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } ، قال ابن عباس والحسن وقتادة : معناه ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه؛ لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه، ولا يحرم ما حرم الله. وقال الآخرون: معناه اتخذ معبوده هواه فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير : كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة، فإذا وجدوا شيئا أحسن من الأول رموه وكسروه، وعبدوا الآخر. قال الشعبي : إنما سُمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه في النار، { وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ } ، منه بعاقبة أمره وقيل على ما سبق في عمله أنه ضال قبل أن يخلقه، { وَخَتَمَ } ، طبع، { عَلَى سَمْعِهِ } فلم يسمع الهدى، { وَقَلْبِهِ } ، فلم يعقل الهدى، { وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } ، قرأ حمزة والكسائي غشاوة بفتح الغين وسكون الشين، والباقون غشاوة ظلمة فهو لا يبصر الهدى، { فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ } ، أي فمن يهديه بعد أن أضله الله، { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } .","part":7,"page":127},{"id":3128,"text":"[24] { وَقَالُوا } ، يعني منكري البعث، { مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } ، أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، { نَمُوتُ وَنَحْيَا } ، أي يموت الآباء ويحيا الأبناء، وقال الزجاج : يعني نموت ونحيا، فالواو للاجتماع، { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ } ، أي وما يفنينا إلا مرُّ الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار. { وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ } ، أي الذي قالوه، { مِنْ عِلْمٍ } ، أي لم يقولوه عن علم، { إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ } .\r[25 - 27] { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }{ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، أي ليوم القيامة، { لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }{ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ } ، يعني الكافرين هم أصحاب الأباطيل، يظهر في ذلك اليوم خسرانهم بأن يصيروا إلى النار.","part":7,"page":128},{"id":3129,"text":"[28] { وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } ، باركة على الركب وهي جلسة المخاصم بين يدي الحاكم ينتظر القضاء من الله، قال سلمان الفارسي : إن في القيامة ساعة هي عشر سنين يخر الناس فيها جثاة على ركبهم حتى إبراهيم عليه السلام ينادي ربه لا أسألك إلا نفسي. { كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا } ، الذي فيه أعمالها، ويقال لهم، { الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .\r[29] { هَذَا كِتَابُنَا } ، يعني ديوان الحفظة. { يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ } ، يشهد عليكم ببيان شاف، فكأنه ينطق. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم، أي بكتبها وإثباتها عليكم. وقيل تستنسخ أي تأخذ نسخه، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان له فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو نحو قولهم هلم واذهب، وقيل: الاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون أعمال من بني آدم، والاستنساخ لا يكون إلا من أصل، فينسخ كتاب من كتاب. وقال الضحاك : تستنسخ أي يثبت. وقال السدي . تكتب. وقال الحسن : تحفظ.","part":7,"page":129},{"id":3130,"text":"[30] { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ } ، الظفر الظاهر.\r[31] { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } ، يقال لهم، { أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ } ، متكبرين كافرين.\r[32] { وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا } ، قرأ حمزة : ( والساعة ) نصب عطفها على الوعد وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء، { قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا } ، أي ما نعلم ذلك إلا حدسا وتوهما. { وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } ، أنها كائنة.\r[33] { وَبَدَا لَهُمْ } في الآخرة، { سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا } ، في الدنيا أي جزاؤها { وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } . 34،","part":7,"page":130},{"id":3131,"text":"[35] { وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ } ، نترككم في النار، { كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } ، تركتم الإيمان، والعمل للقاء هذا اليوم، { وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ }{ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } ، حتى قلتم: لا بعث ولا حساب، { فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا } ، قرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء، { وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } ، لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبل ذلك اليوم عذرا ولا توبة. 36،\r[37] { فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ } العظمة، { فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .","part":7,"page":131},{"id":3132,"text":"( 46 ) سورة الأحقاف\r[1 - 3] { حم }{ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ }{ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى } ، يعني يوم القيامة وهو الأجل الذي تنتهي إليه السماوات والأرض، وهو إشارة إلى فنائهما، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا } ، خوفوا به في القرآن من البعث الحساب، { مُعْرِضُونَ } .\r[4] { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا } ، أي بكتاب جاءكم من الله قبل القرآن فيه بيان ما تقولون، { أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ } ، قال الكلبي : أي بقية من علم يؤثر على الأولين، أي يسند إليهم. قال مجاهد وعكرمة ومقاتل : رواية عن الأنبياء. وقال قتادة : خاصة من علم. وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية، يقال: أثرت الحديث أثرا وأثارة، ومنه قيل للخبر. أثر. { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .","part":7,"page":132},{"id":3133,"text":"[5] { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ } ، يعني الأصنام لا تجيب عابديها إلى شيء يسألونها، { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، يعني أبدا ما دامت الدنيا؟ { وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } ، لأنها جماد لا تسمع ولا تفهم.","part":7,"page":133},{"id":3134,"text":"[6] { وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } ، جاحدين بيانه قوله: { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } .\r[7] { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } ، يسمون القرآن سحرا.\r[8] { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } ، محمد من قبل نفسه، فقال الله -عزّ وجلّ-: { قُلْ } ، يا محمد، { إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } ، لا تقدرون أن تردوا عني عذابه إن عذبني على افترائي، فكيفا أفتري على الله من أجلكم، { هُوَ أَعْلَمُ } ، الله أعلم، { بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } ، تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه إنه سحر. { كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } ، أن القرآن جاء من عنده، { وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } ، في تأخير العذاب عنكم، قال الزجاج : هذا دعاء لهم إلى التوبة، معناه: إن الله -عزّ وجلّ- غفور لمن تاب منكم رحيم به.","part":7,"page":134},{"id":3135,"text":"[9] { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ } ، أي لست بأول مرسل، قد بعث قبلي كثير من الأنبياء، فكيف تنكرون نبوتي. { وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ } ، اختلف العلماء في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: معناه ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة، فلما نزلت هذه الآية فرح المشركون، فقالوا: واللات والعزى ما أمرنا وأمر محمد عند الله إلا واحد، وما له علينا من مزية وفضل، ولولا أنه ابتدع ما يقوله من ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يُفعل به، فأنزل الله. { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } ، فقالت الصحابة: هنيئا لك يا نبي الله قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: { لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ } الآية، وأنزل: { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا } ، فبين الله تعالى ما يفعل به ربهم وقالت جماعة. قوله { وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ } في الدنيا، أما في الآخرة فقد علم أنه في الجنة، وأن من كذبه فهو في النار، ثم اختلفوا فيه، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: « لما أشتد","part":7,"page":135},{"id":3136,"text":"البلاء بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرى النائم وهو بمكة أرضا ذات سباخ ونخل رفعت له يهاجر إليها، فقال له أصحابه: متى تهاجر إلى الأرض التي أُرِيتَ فسكت، فأنزل الله تعالى هذه الآية: { وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ }» ، أأترك في مكاني أم أخرج أنا وأنتم إلى الأرض التي رفعت لي، وقال بعضهم: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إلى ماذا يصير عاقبة أمري وأمركم في الدنيا، بأن أقيم معكم في مكانكم أم أخرج كما خرجت الأنبياء من قبلي، أم أقتل كما قتل الأنبياء من قبلي، وأنتم أيها المصدقون لا أدري تخرجون معي أم تتركون، أم ماذا يفعل بكم أيها المكذبون، أترمون بالحجارة من السماء أم يخسف بكم، أي شيء يفعل بكم، كما فعل بالأمم المكذبة؟ ثم أخبر الله -عزّ وجلّ- أنه يظهر دينه على الأديان، فقال: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } ، وقال في أمته: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } فأخبر الله ما يصنع به وأمته { إِنْ","part":7,"page":136},{"id":3137,"text":"أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } أي ما أتبع إلا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا، { وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ }\r[10] { قُلْ أَرَأَيْتُمْ } معناه أخبروني ماذا تقولون { إِنْ كَانَ } يعني القرآن { مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ } أيها المشركون، { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ } المثل: صلة يعني عليه، أي على أنه من عند الله، { فَآمَنَ } ، يعني الشاهد، { وَاسْتَكْبَرْتُمْ } ، عن الإيمان به واختلفوا في هذا. الشاهد قال قتادة والضحاك : هو عبد الله بن سلام، شهد على نبوة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وآمن به، واستكبر اليهود فلم يؤمنوا. وقال الآخرون: الشاهد هو موسى بن عمران . وقال الشعبي قال مسروق في هذه الآية: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، لأن حم نزلت بمكة وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة، ونزلت هذه الآية في محاجة كانت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقومه، ومثل القرآن التوراة فشهد موسى على التوراة ومحمد -صلى الله عليه وسلم- على القرآن، وكل واحد يصدق الآخر. وقيل: هو نبي من بني إسرائيل فآمن واستكبرتم فلم تؤمنوا.","part":7,"page":137},{"id":3138,"text":"[11] { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، من اليهود، { لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ } ، دين محمد -صلى الله عليه وسلم- { خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } ، يعني عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال قتادة نزلت في مشركي مكة، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان. وقال الكلبي : الذين كفروا أسد وغطفان، قالوا للذين آمنوا يعني جهينة ومزينة: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا إليه رعاء البهم: قال الله تعالى: { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ } ، يعني بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان، { فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } ، كما قالوا أساطير الأولين.","part":7,"page":138},{"id":3139,"text":"[12] { وَمِنْ قَبْلِهِ } أي ومن قبل القرآن { كِتَابُ مُوسَى } يعني التوراة، { إِمَامًا } ، يقتدى به { وَرَحْمَةً } ، من الله لمن آمن به { وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ } أي القرآن مصدق للكتب التي قبله { لِسَانًا عَرَبِيًّا } ، نصب على الحال، وقيل: بلسان عربي، { لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } ، يعني مشركي مكة، قرأ أهل الحجاز والشام ويعقوب : لتنذر بالتاء على خطاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقرأ الآخرون بالياء يعني الكتاب، { وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ }{ وَبُشْرَى } في محل الرفع، أي هذا كتاب مصدق وبشرى .\r[13- 14] { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }{ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }","part":7,"page":139},{"id":3140,"text":"[15] قوله -عزّ وجلّ-: { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا } ، يريد شدة الطلق { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ } فطامه { ثَلَاثُونَ شَهْرًا } يريد أقل مدة الحمل وهي ستة أشهر وأكثر مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرا، { حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } ، نهاية قوته، وغاية شبابه واستوائه، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة، فذلك قوله: { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } وقال السدي والضحاك : نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد مضت القصة. وقال الآخرون: نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه قحافة عثمان بن عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو . قال علي بن أبي طالب : الآية نزلت في أبي بكر أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أسلم أبواه غيره، أوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده، وكان أبو بكر صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي -صلى الله عليه وسلم- ابن عشرين سنة في تجارة الشام، فلما بلغ أربعين سنة ونُبِّئ النبي -صلى الله عليه وسلم- آمن به ودعا ربه فـ { قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي } ألهمني، { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ","part":7,"page":140},{"id":3141,"text":"عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ } ، بالهداية والإيمان، { وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } ، قال ابن عباس : وأجابه الله -عزّ وجلّ- فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله، ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه، ودعا أيضا فقال: { وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي } ، فأجابه الله فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعا، فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا فأدرك أبو قحافة النبي -صلى الله عليه وسلم- وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة. قوله: { إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } .","part":7,"page":141},{"id":3142,"text":"[16] { أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا } ، يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا، وكلها حسن، والأحسن بمعنى الحسن، فيثيبهم عليها، { وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ } ، فلا نعاقبهم عليها { فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ } ، مع أصحاب الجنة، { وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } ، وهو قوله -عز وجل-: { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } .","part":7,"page":142},{"id":3143,"text":"[17] { وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ } ، إذ دعواه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث، { أُفٍّ لَكُمَا } ، وهي كلمة كراهية، { أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ } ، من قبري حيا، { وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي } ، فلم يبعث منهم أحد، { وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ } . يستصرخان ويستغيثان الله عليه ويقولان له، { وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا } ما هذا الذي تدعواني إليه، { إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } ، قال ابن عباس والسدي ومجاهد : نزلت في عبد الله. وقيل في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام وهو يأبى، ويقول: أحيوا لي عبد الله بن جدعان وعامر بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما تقولون، وأنكرت عائشة -رضي الله عنها- أن يكون هذا في عبد الرحمن بن أبي بكر، والصحيح أنها نزلت في كافر عاق لوالديه، قاله الحسن وقتادة، وقال الزجاج : قول من قال إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، يبطله قوله:","part":7,"page":143},{"id":3144,"text":"[18] { أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } الآية، أعلم الله تعالى أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المسلمين فلا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب، ومعنى أولئك الذين حق عليهم القول وجب عليهم العذاب، { فِي أُمَمٍ } ، مع أمم، { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ } .\r[19] { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا } ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: يريد من سبق إلى الإسلام، فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو بساعة. قال مقاتل : ولكل فضائل بأعمالهم فيوفيهم الله جزاء أعمالهم. وقيل: ولكل يعني ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين درجات، يعني منازل، ومراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم، فيجازيهم عليها. قال ابن زيد : في هذه الآية درج أهل النار تذهب سفالا، ودرج أهل الجنة تذهب علوًّا. { وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ } ، ليكتمل لهم ثواب أعمالهم، { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } .","part":7,"page":144},{"id":3145,"text":"[20] { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ } ، فيقال لهم { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا } ، قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب : ( أأذهبتم ) ، بالاستفهام، ويهمز ابن عامر همزتين، والآخرون بلا استفهام على الخبر وكلاهما فصيحان، لأن العرب تستفهم بالتوبيخ، وتترك الاستفهام فتقول: أذهبت ففعلت كذا؟ { وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } ، يقول: أذهبت طيباتكم يعني اللذات وتمتعتم بها { فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } ، أي العذاب الذي فيه ذل وخزي، { بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } ، تتكبرون، { فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ } ، فلما وبخ الله الكافرين بالتمتع بالطيبات في الدنيا آثر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الصالحون اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة.","part":7,"page":145},{"id":3146,"text":"[21] قوله -عزّ وجلّ-: { وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ } ، يعني هودا، { إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ } ، قال ابن عباس : الأحقاف: واد بين عمان ومهرة. وقال مقاتل : كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له: مهرة وإليها تنسب الإبل المهرية، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إرم. قال قتادة : ذكر لنا أن عادا كانوا أحياء باليمن وكانوا أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشِّحْر. والأحقاف جمع حقف وهي المستطيل المعوج من الرمال. قال ابن زيد : هي ما استطال من الرمل، كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلا، قال الكسائي : هي ما استدار من الرمال، { وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ } ، مضت الرسل، { مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ } ، أي من قبل هود، { وَمِنْ خَلْفِهِ } ، إلى قومهم، { أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .\r[22] { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا } ، لتصرفنا، { عَنْ آلِهَتِنَا } ، أي عن عبادتها، { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } ، من العذاب، { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } ، أن العذاب نازل بنا.","part":7,"page":146},{"id":3147,"text":"[23] { قَالَ } ، هود، { إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ } ، وهو يعلم متى يأتيكم العذاب { وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ } ، من الوحي { وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } .\r[24] { فَلَمَّا رَأَوْهُ } يعني ما يوعدون به من العذاب، { عَارِضًا } ، سحابا يعرض أي يبدو في ناحية من السماء ثم يطبق السماء، { مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } ، فخرجت عليهم سحابة سوداء من واد لهم يقال له: المغيث، وكانوا قد حبس عنهم المطر، فلما رأوها استبشروا، { قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا } ، يقول الله تعالى: { بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، فجعلت الريح تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها جرادة.","part":7,"page":147},{"id":3148,"text":"[25] { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ } ، مرت به من رجال عاد وأموالها، { بِأَمْرِ رَبِّهَا } ، فأول ما عرفوا أنها عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح فقلعت أبوابهم وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، وكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام، لهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال فاحتملتهم فرمت بهم في البحر { فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ } ، قرأ عاصم وحمزة ويعقوب ( يرى ) بضم الياء ( مساكنهم ) برفع النون يعني لا يرى شيء إلا مساكنهم، وقرأ الآخرون بالتاء وفتحها، ( مساكنهم ) نصب يعني لا ترى أنت يا محمد إلا مساكنهم لأن السكان والأنعام بادت بالريح، فليم يبق إلا هود ومن آمن معه. { كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ } .","part":7,"page":148},{"id":3149,"text":"[26] { وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ } ، يعني فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطول العمر وكثرة المال. قال المبرد : ( ما ) في قوله ( فيما ) بمنزلة الذي، ( إن ) بمنزلة ما، وتقديره: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه. { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }\r[27] { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ } ، يا أهل مكة، { مِنَ الْقُرَى } ، كحجر ثمود وأرض سدوم ونحوهما، { وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ } الحجج والبينات، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ، عن كفرهم فلم يرجعوا، فأهلكناهم، يخوّف مشركي مكة.","part":7,"page":149},{"id":3150,"text":"[28] { فَلَوْلَا } ، فهلا { نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً } ، يعني الأوثان التي اتخذوها آلهة يتقربون بها إلى الله -عزّ وجلّ- القربان كل ما يتقرب به إلى الله -عزّ وجلّ- وجمعه قرابين، كالرهبان والرهابين، { بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ } ، قال مقاتل بل ضلت الآلهة عنهم فلم تنفعهم عند نزول العذاب، { وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ } ، أي كذبهم الذي كانوا يقولون: إنها تقربهم إلى الله -عزّ وجلّ- وتشفع لهم، { وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ، يكذبون أنها آلهة.","part":7,"page":150},{"id":3151,"text":"[29] { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ } ، اختلفوا في عدد ذلك النفر، فقال ابن عباس : كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رسلا إلى قومهم. وقال آخرون: كانوا تسعة. وروى عاصم عن زر بن حبيش : كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. { فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا } ، قالوا: صه. قال بعضهم لبعض: أنصتوا واسكتوا لنستمع إلى قراءته، فلا يحول بيننا وبين الاستماع شيء، فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كاد يقع بعضهم على بعض من شدة حرصهم، { فَلَمَّا قُضِيَ } ، فرغ من تلاوته، { وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ } ، انصرفوا إليهم، { مُنْذِرِينَ } ، مخوفين داعين بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم.\r[30] { قَالُوا يا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } ، قال عطاء : كان دينهم اليهودية، لذلك قالوا: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى .","part":7,"page":151},{"id":3152,"text":"[31] { يا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ } ، يعني محمدا -صلى الله عليه وسلم- { وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } ، ( من ) صلة أي ذنوبكم، { وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } وفيه دليل علي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان مبعوثا إلى الجن والإنس جميعا. قال مقاتل : لم يبعث قبله نبي إلى الإنس والجن جميعا. واختلف العلماء في حكم مؤمني الجن، فقال: ليس لهم ثواب إلا نجاتهم من النار، وحكى سفيان عن ليث قال: الجن ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم كونوا ترابا، وهذا مثل البهائم. وقال الآخرون. يكون لهم الثواب في الإحسان كما يكون عليهم العقاب في الإساءة كالإنس. وقال جرير عن الضحاك : الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، وقال عمر بن عبد العزيز : إن مؤمني الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها.\r[32] { وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ } ، لا يعجز الله فيفوته، { وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ } أنصار يمنعونه من الله { أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } .","part":7,"page":152},{"id":3153,"text":"[33] { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ } لم يعجز عن إبداعهن، { بِقَادِرٍ } ، هكذا قراءة العامة، واختلفوا في وجه دخول الباء فيه، فقال أبو عبيدة والأخفش : الباء زائدة للتأكيد، كقوله: { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } ، وقال الكسائي والفراء : العرب تدخل الباء في الاستفهام مع الجحد فتقول: ما أظنك بقائم { عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r[34] { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ } ، فيقال لهم، { أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ } ، أي فيقال لهم، { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } .","part":7,"page":153},{"id":3154,"text":"[35] { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } ، قال ابن عباس . ذوو الحزم. وقال الضحاك : ذوو الجد والصبر. واختلفوا فيهم، فقال ابن زيد : كل الرسل كانوا أولي عزم لم يبعث الله نبيا إلا كان ذا عزم وحزم، ورأي وكمال عقل، وإنما أدخلت من للتجنيس لا للتبعيض كما يقال: اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز. وقال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو عزم إلا يونس بن متى لعجلة كانت منه، ألا ترى أنه قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: { وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ } ، وقال قوم: هم نجباء الرسل المذكورين في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر لقوله تعالى بعد ذكرهم: { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ } ، وقال الكلبي : هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين. وقيل: هم ستة: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى -عليهم السلام- وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء. وقال مقاتل : هم ستة: نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف صبر على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر. وقال ابن عباس وقتادة : هم نوح","part":7,"page":154},{"id":3155,"text":"وإبراهيم وموسى وعيسى أصحاب الشرائع، فهم مع محمد -صلى الله عليه وسلم- خمسة، قلت: ذكرهم الله على التخصيص في قوله: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } ، وفي قوله تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } الآية.","part":7,"page":155},{"id":3156,"text":"قوله تعالى: { وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ } ، أي ولا تستعجل العذاب لهم، فإنه نازل بهم لا محالة، كأنه ضجر بعض الضجر فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم، فأمر بالصبر وترك الاستعجال، ثم أخبر عن قرب العذاب فقال: { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ } ، من العذاب في الآخرة، { لَمْ يَلْبَثُوا } ، في الدنيا، { إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } ، أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من نهار، لأن ما مضى وإن كان طويلا كأن لم يكن، ثم قال: { بَلَاغٌ } ، أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم، والبلاغ بمعنى التبليغ، { فَهَلْ يُهْلَكُ } ، بالعذاب إذا نزل { إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ } ، الخارجون من أمر الله، قال الزجاج : تأويله لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية","part":7,"page":156},{"id":3157,"text":"( 47 ) سورة محمد\r[1] { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } ، أبطلها فلم يقبلها، وأراد بالأعمال ما فعلوا من إطعام الطعام وصلة الأرحام، قال الضحاك : أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وجعل الدائرة عليهم.\r[2] { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ } ، قال سفيان الثوري : يعني لم يخالفوه في شيء، { وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ( الذين كفروا وصدوا ) مشركو مكة، والذين آمنوا وعملوا الصالحات الأنصار. { كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } ، حالهم، قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: عصمهم أيام حياتهم، يعني أن هذا الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم حتى لا يعصوا.\r[3] { ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ } ، الشيطان، { وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ } ، يعني القرآن { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } ، أشكالهم، قال الزجاج : كذلك يبين الله أمثال حسنات المؤمنين، وإضلال أعمال الكافرين.","part":7,"page":157},{"id":3158,"text":"[4] { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ } ، نصب على الإغراء، أي: فاضربوا رقابهم يعني: أعناقهم { حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ } ، بالغتم في القتل وقهرتموهم، { فَشُدُّوا الْوَثَاقَ } ، يعني في الأسر حتى لا يفلتوا منكم، والأسر يكون بعد المبالغة في القتل، كما قال: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } ، { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } ، يعني بعد أن تأسروهم فإما أن تمنوا عليهم منًّا بإطلاقهم من غير عوض، وإما أن تفادوهم فداء، واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ } ، وبقوله: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } قالوا: لا يجوز المن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء، وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم أو يسترقهم أو يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين، قال ابن عباس : لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم","part":7,"page":158},{"id":3159,"text":"أنزل الله -عزّ وجلّ- في الأسارى ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) ، وهذا هو الأصح والاختيار، لأنه عمل به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء بعده.","part":7,"page":159},{"id":3160,"text":"قوله تعالى: { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } ، أي أثقالها وأحمالها، يعني حتى تضع أهل الحرب السلاح، فيمسكوا عن الحرب، وأصل الوزر ما يحتمل الإنسان، فسمى الأسلحة أوزارا لأنها تحمل، وقيل: الحرب هم المحاربون كالشرب والركب، وقيل: الأوزار الآثام، ومعناه حتى يضع المحاربون آثامها، بأن يتوبوا من كفرهم فيؤمنوا بالله ورسوله. وقيل: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا، ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند قدوم عيسى ابن مريم -عليهما السلام- وقال الكلبي : حتي يسلموا أو يسالموا، وقال الفراء : حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، { ذَلِكَ } ، الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار، { وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ } ، فأهلكهم وكفاكم أمرهم بغير قتال، { وَلَكِنْ } أمركم بالقتال، { لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } ، فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب ومن قتل من الكفار إلى العذاب، { وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، قرأ أهل البصرة وحفص : ( قتلوا ) بضم القاف وكسر","part":7,"page":160},{"id":3161,"text":"التاء خفيف، يعني الشهداء، وقرأ الآخرون، ( قاتلوا ) بالألف من المقاتلة، وهم المجاهدون، { فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ } ، قال قتادة : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد، وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل.\r[5] { سَيَهْدِيهِمْ } ، أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى الدرجات، { وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } يرضي خصماءَهم ويقبل أعمالهم.\r[6] { وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } ، أي بيّن لهم منازلهم في الجنة حتى يهتدوا إلى مساكنهم لا يخطئونها ولا يستدلون عليها أحدا، كأنهم سكانها منذ خلقوا فيكون المؤمن أهدى إلى درجته، وزوجته وخدمه إلى منزله وأهله في الدنيا، هذا قول أكثر المفسرين، وروى عطاء عن ابن عباس : ( عَرَّفَهَا لَهُمْ ) أي طيبها لهم من العرف، وهو الريح الطيبة وطعام معرَّف أي مطيَّب.\r[7] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ } ، أي دينه ورسوله، { يَنْصُرْكُمْ } ، على عدوكم، { وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ، عند القتال.","part":7,"page":161},{"id":3162,"text":"[8] { وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ } ، قال ابن عباس : بُعْدًا لهم. وقال أبو العالية : سقوطا لهم. وقال الضحاك : خيبة لهم. وقال ابن زيد : شقاء لهم. قال الفراء : هو نصب على المصدر، على سبيل الدعاء. وقيل: في الدنيا العثرة، وفي الآخرة التردي في النار. ويقال للعاثر: تعسًا إذا لم يريدوا قيامه، وضده لعًا إذا أرادوا قيامه، { وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } ، لأنها كانت في طاعة الشيطان.\r[9] { ذَلِكَ } التعس والإضلال، { بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } ، ثم خوف الكفار فقال:\r[10] { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } ، أي أهلكهم، { وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا } ، أي لم يؤمنوا، يتوعد مشركي مكة.\r[11] { ذَلِكَ } ، الذي ذكرت، { بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا } ، وليهم وناصرهم، { وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ } ، لا ناصر لهم، ثم ذكر مآل الفريقين فقال:","part":7,"page":162},{"id":3163,"text":"[12] { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ } ، في الدنيا، { وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ } ، ليس لهم همة إلّا بطونهم وفروجهم، وهم لاهون ساهون عما في غد، قيل: المؤمن في الدنيا يتزود، والمنافق يتزين والكافر يتمتع، { وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ }\r[13] { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ } أي: أشد قوة من أهل مكة، { الَّتِي أَخْرَجَتْكَ } ، أي أخرجك أهلها، قال ابن عباس : كم رجال هم أشد من أهل مكة؟ يدل عليه قوله: { أَهْلَكْنَاهُمْ } ، ولم يقل. أهلكناها، { فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ } .\r[14] { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ } ، يقين من دينه، محمد والمؤمنون، { كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } ، يعني عبادة الأوثان، وهم أبو جهل والمشركون.","part":7,"page":163},{"id":3164,"text":"[15] { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ } ، أي صفتها، { فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ } ، آسن متغير منتن، قرأ ابن كثير ( أسن ) بالقصر، والآخرون بالمد، وهما لغتان يقال: أَسَنَ الماء يأسنُ أسنًا، وآسَنَ يأسُنُ وياسن، وأجن يأجن وياجن، أسونا وأجونا إذا تغير، { وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ } ، لذيذة، { لِلشَّارِبِينَ } ، لم تدنسها الأرجل ولم تدنسها الأيدي، { وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ } ، أي من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار، { وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا } ، شديد الحر تسعر عليه جهنم منذ خلقت، إذا أدني منهم يشوي وجوههم ووقعت فروة رءوسهم فإذا شربوه، { فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } ، فخرجت من أدبارهم، والأمعاء جميع ما في البطن من الحوايا واحدها معي.","part":7,"page":164},{"id":3165,"text":"[16] { وَمِنْهُمْ } ، يعني من هؤلاء الكفار، { مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } ، وهم المنافقون يستمعون قولك فلا يعونه ولا يفهمونه تهاونا به وتغافلا، { حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ } ، يعني فإذا خرجوا من عندك، { قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } ، من الصحابة، { مَاذَا قَالَ } محمد، { آنِفًا } ، يعنى الآن، وهو من الائتناف ويقال: ائتنفت الأمر أي ابتدأته وأنف الشيء أوله، قال مقاتل : وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاءً ماذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال ابن عباس : وقد سئلت فيمن سئل، { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } ، فلم يؤمنوا، { وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } ، في الكفر والنفاق.\r[17] { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا } ، يعني المؤمنين، { زَادَهُمْ } ، ما قال الرسول، { هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } ، وفقهم للعمل بما أمرهم به، وهو التقوى، قال سعيد بن جبير : وآتاهم ثواب تقواهم.","part":7,"page":165},{"id":3166,"text":"[18] { فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } أماراتها وعلاماتها واحدها شرط، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- من أشراط الساعة { فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } ، فمن أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة، نظيره: { يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى } .","part":7,"page":166},{"id":3167,"text":"[19] { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } ، قيل: الخطاب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- والمراد به غيره، وقيل: معناه فاثبتْ عليه. وقال الحسين بن الفضل : فازدد علما على علمك. وقال أبو العالية وابن عيينة . هو متصل بما قبله معناه: إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا ملجأ ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله. وقيل: فاعلم أنه لا إله إلا الله أن الممالك تبطل عند قيامها فلا ملك ولا حكم لأحد إلا الله، { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } ، أُمر بالاستغفار مع أنه مغفور له لتستن به أمته { وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } ، هذا إكرام من الله تعالى لهذه الأمة حيث أمر نبيهم -صلى الله عليه وسلم- أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } ، قال ابن عباس والضحاك : متقلبكم متصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا، ومثواكم مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار. وقال مقاتل وابن جرير : متقلبكم منصرفكم لأشغالكم بالنهار ومثواكم مأواكم إلى مضاجعكم بالليل. وقال عكرمة : متقلبكم من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم مقامكم في الأرض. وقال ابن كيسان : متقلبكم من","part":7,"page":167},{"id":3168,"text":"ظهر إلى بطن، ومثواكم مقامكم في القبور، والمعنى: أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها.","part":7,"page":168},{"id":3169,"text":"[20] { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } حرصا منهم على الجهاد، { لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ } ، تأمرنا بالجهاد، { فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ } ، قال قتادة : كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين، { رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } ، يعني المنافقين، { يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ } ، شزرًا بتحديق شديد، كراهية منهم للجهاد وجبنًا عن لقاء العدو، { نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } ، نظر الشاخص بصره عند الموت، { فَأَوْلَى لَهُمْ } ، وعيد وتهديد، ومعنى قولهم في التهديد أولى لك أي وليك وقاربك ما تكره.","part":7,"page":169},{"id":3170,"text":"[21] ثم قال: { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ } ، وهذا ابتداء محذوف الخبر تقديره: طاعة وقول معروف أمثل، أي لو أطاعوا وقالوا قولا معروفا كان أمثل وأحسن. وقيل: مجازه يقول هؤلاء المنافقون قبل نزول السورة المحكمة: طاعة، رفع على الحكاية أي أمرنا طاعة أو منّا طاعة، وقول معروف حسن. وقيل: هو متصل بما قبله واللام في قولهم بمعنى الباء، مجازه: فأولى بهم طاعة الله ورسوله، وقول معروف بالإجابة، أي لو أطاعوا كانت الطاعة والإجابة أولى بهم، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء . { فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ } ، أي جد الأمر ولزم فرض القتال وصار الأمر معزومًا، { فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ } ، في إظهار الإيمان والطاعة، { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } ، وقيل: جواب إذا محذوف تقديره فإذا عزم الأمر نكلوا وكذبوا فيما وعدوا، ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم.","part":7,"page":170},{"id":3171,"text":"[22] { فَهَلْ عَسَيْتُمْ } ، فلعلكم، { إِنْ تَوَلَّيْتُمْ } ، أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه، { أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ } ، تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، فتفسدوا في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدماء، وترجعوا إلى الفرقة بعدما جمعكم الله بالإسلام. { وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } ، قرأ يعقوب : ( وتقطعوا ) بفتح التاء خفيف، والآخرون بالتشديد من التقطيع على التكثير لأجل الأرحام، قال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن؟ وقال بعضهم: هو من الولاية. وقال المسيب بن شريك والفراء : يقول فهل عسيتُم إن وُليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم، نزلت في بني أمية وبني هاشم، يدل عليه قراءة على بن أبي طالب ( تُوُليتم ) بضم التاء والواو وكسر اللام، يقول إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وعاونتوهم.\r[23] { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } عن الحق.","part":7,"page":171},{"id":3172,"text":"[24] { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } ، فلا تفهم مواعظ القرآن وأحكامه، و ( أم ) بمعنى ( بل ) .\r[25] { إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ } ، رجعوا كفارا، { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى } ، قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب كفروا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- بعد ما عرفوه ووجدوا نعته في كتابهم، وقال ابن عباس والضحاك والسدي : هم المنافقون، { الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ } ، زين لهم القبيح، { وَأَمْلَى لَهُمْ } ، قرأ أهل البصرة بضم الألف وكسر اللام وفتح الياء على ما لم يسم فاعله، وقرأ مجاهد : بإرسال الياء على وجه الخبر من الله عزّ وجلّ عن نفسه أنه يفعل ذلك، وتروى هذه القراءة عن يعقوب، وقرأ الآخرون ( وَأَملى لهم ) بفتح الألف أي وأملى الشيطان لهم مد لهم في الأمل.","part":7,"page":172},{"id":3173,"text":"[26] { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } ، يعني المنافقين أو اليهود، { قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ } ، وهم المشركون، { سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ } ، في التعاون على عداوة محمد -صلى الله عليه وسلم- والقعود عن الجهاد، وكانوا يقولونه سرا فأخبر الله تعالى عنهم { وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } ، قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر بكسر الهمزة على المصدر والباقون بفتحها على جمع السر.\r[27] { فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } .\r[28] { ذَلِكَ } ، أي الضرب، { بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ } ، قال ابن عباس : بما كتموا من التوراة وكفروا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- { وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ } ، كرهوا ما فيه رضوان الله، وهو الطاعة والإيمان، { فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } .\r[29] { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } ، يعني المنافقين، { أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ } ، أن لن يظهر أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى يعرفوا نفاقهم، واحدها ضغن، قال ابن عباس : حسدهم.","part":7,"page":173},{"id":3174,"text":"[30] { وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ } ، أي لأعلمناكهم وعرفناكهم، { فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } ، بعلامتهم، قال الزجاج : المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها. قال أنس : ما خفي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم. { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } ، في معناه ومقصده، واللحن: وجهان صواب وخطأ، فالفعل من الصواب لحن يلحن لحنا فهو لحن إذا فطن للشيء، ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض » ، والفعل من الخطأ لحن يلحن لحنا فهو لاحن، والأصل فيه إزالة الكلام عن جهته، والمعنى إنك تعرفهم فيما يعرضون له من تهجين أمرك وأمر المسلمين والاستهزاء بهم، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا عرفه بقوله، ويستدل بفحوى كلامه على فساد خلقه وعقيدته، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } .","part":7,"page":174},{"id":3175,"text":"[31] { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } ، ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالجهاد والقتال، { حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ } ، أي علم الوجود، يريد حتى يتبين المجاهد والصابر على دينه من غيره، { وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } ، أي نظهرها ونكشفها بإباء من يأبى القتال، ولا يصبر على الجهاد، وقرأ أبو بكر عن عاصم ( وليبلونكم حتى يعلم ) ، ويبلو بالياء فيهن، لقوله تعالى: { وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } ، وقرأ الآخرون بالنون فيهن، لقوله تعالى { وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ } وقرأ يعقوب ( ونبلوا ) ساكنة الواو ردا على قوله ( ولنبلونكم ) وقرأ الآخرون بالفتح ردا على قوله ( حَتَّى نَعْلَمَ ) .","part":7,"page":175},{"id":3176,"text":"[32] { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، أي: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- { وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا } ، إنما يضرون أنفسهم، { وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ } ، فلا يرون لها ثوابا في الآخرة، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: هم المطعمون يوم بدر، ونظيرها قوله -عزّ وجلّ-: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } .\r[33] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ، قال عطاء : بالشك والنفاق، وقال الكلبي : بالرياء والسمعة. وقال الحسن :\rبالمعاصي والكبائر. وقال أبو العالية : كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرون أنه لا يضر مع الإخلاص ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية فخافوا الكبائر بعد أن تحبط الأعمال، وقال مقاتل : لا تمنوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتبطلوا أعمالكم، نزلت في بني أسد وسنذكره في سورة الحجرات إن شاء الله تعالى. (1) .\r_________\r(1) آية ( 14 ) .","part":7,"page":176},{"id":3177,"text":"[34] { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } ، هم أصحاب القليب وحكمها عام.\r[35] { فَلَا تَهِنُوا } ، لا تضعفوا { وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ } ، أي لا تدعوا إلى الصلح، ابتداء منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، { وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ } ، الغالبون، قال الكلبي : آخر الأمم لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات، { وَاللَّهُ مَعَكُمْ } ، بالعون والنصرة { وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } ، لن ينقصكم شيئا من ثوب أعمالكم، يقال: وتره يتره وترا إذا نقص حقه، قال ابن عباس وقتادة ومقاتل والضحاك : لن يظلمكم أعمالكم الصالحة بل يؤتيكم أجورها.","part":7,"page":177},{"id":3178,"text":"[36] ثم حض على طلب الآخرة فقال: { إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } ، باطل وغرور، { وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا } ، الفواحش، { يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } ، جزاء أعمالكم في الآخرة { وَلَا يَسْأَلْكُمْ } ، ربكم { أَمْوَالَكُمْ } ، لإيتاء الأجر بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم عليها الجنة، نظيره قوله: { مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ } ، وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم، نظيره: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } ، وقيل معنى الآية: لا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلها في الصدقات، إنما يسألانكم غيضا من فيض، ربع العشر فطيبوا بها نفسا، وقروا بها عينا وإلى هذا القول ذهب ابن عُيينة، يدل عليه سياق الآية:\r[37] { إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ } ، أي يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال: أحفى فلان فلانا إذا جهده، وألحف عليه بالمسألة، { تَبْخَلُوا } ، بها فلا تعطوها، { وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ } ، بغضكم وعداوتكم، قال قتادة : علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأضغان.","part":7,"page":178},{"id":3179,"text":"[38] { هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، يعني إخراج ما فرض الله عليكم، { فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ } ، بما فرض عليه من الزكاة، { وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ } ، عن صدقاتكم وطاعتكم، { وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ } ، إليه وإلى ما عنده من الخير. { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } ، بل يكونوا أمثل منكم وأطوع لله منكم، قال الكلبي : هم كندة والنخع، وقال الحسن : هم العجم. وقال عكرمة : فارس والروم.","part":7,"page":179},{"id":3180,"text":"( 48 ) سورة الفتح\r[1] قوله -عزّ وجلّ-: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } ، أي قضينا لك قضاء بينًا. وقال الضحاك : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا بغير قتال، وكان الصلح من الفتح المبين، واختلفوا في هذا الفتح، عن أنس : أنه فتح مكة، وقال مجاهد : فتح خيبر، والأكثرون على أنه صلح الحديبية، ومعنى الفتح فتح المنغلق، والصلح مع المشركين بالحديبية كان متعذرا حتى فتحه الله -عزّ وجلّ.\r[2] { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ } في الجاهلية قبل الرسالة، { وَمَا تَأَخَّرَ } إلى وقت نزول هذه السورة. وقيل: ما تأخر مما يكون، وقال سفيان الثوري : ما تقدم مما عملت في الجاهلية وما تأخر كل شيء لم تعمله، ويذكر مثل ذلك على طريق التأكيد، وقال عطاء الخراساني : ما تقدم من ذنبك: يعني ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، وما تأخر ذنوب أمتك بدعوتك. { وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بالنبوة والحكمة { وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } ، أي يثبتك عليه، والمعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة والمغفرة والهداية إلى الصراط المستقيم وهو الإسلام. وقيل: ويهديك أي يهدي بك.","part":7,"page":180},{"id":3181,"text":"[3] { وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا } غالبا. وقيل: معزًّا.\r[4] { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ } ، الطمأنينة والوقار { فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ } ، لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم، قال ابن عباس : كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة، { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ } ، قال ابن عباس : بعث الله رسوله لشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الجهاد، حتى أكمل لهم دينهم، فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم. وقال الضحاك : يقينا مع يقينهم. قال الكلبي : هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، { وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } .","part":7,"page":181},{"id":3182,"text":"[5] { لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا } عن أنس أن الصحابة قالوا لما نزل { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ } هنيئا مريئا فما يفعل بنا فنزل: { لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ } الآية.\r[6] { وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ } ، يريد أهل النفاق بالمدينة وأهل الشرك بمكة، { الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ } ، أن لن ينصر محمدا والمؤمنين، { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ } بالعذاب والهلاك، { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } .","part":7,"page":182},{"id":3183,"text":"[7 - 9] { وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا }{ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ } ، أي تعينوه وتنصروه، { وَتُوَقِّرُوهُ } ، تعظموه وتفخموه هذه الكنايات راجعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهاهنا وقف، { وَتُسَبِّحُوهُ } ، أي تسبحوا الله يريد تصلّوا له، { بُكْرَةً وَأَصِيلًا } بالغداة والعشي.","part":7,"page":183},{"id":3184,"text":"[10] { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ } ، يا محمد بالحديبية على ألا يفروا، { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ } ، لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: يد الله بالوفاء لما وعدهم من الخير فوق أيديهم. وقال السدي : كانوا يأخذونه بيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويبايعونه، ويد الله فوق أيديهم في المبايعة، { فَمَنْ نَكَثَ } ، نقض البيعة، { فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ } ، عليه وباله، { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ } ، ثبت على البيعة، { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } ، وهو الجنة.","part":7,"page":184},{"id":3185,"text":"[11] { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ } ، قال ابن عباس ومجاهد : يعني أعراب بني غفار ومزينة وجهينة، وأشجع وأسلم، وذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأحرم بالعمرة وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب وتخلفوا واعتلوا بالشغل، فأنزل الله تعالى فيهم: { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ } يعني الذين خلفهم الله -عزّ وجلّ- عن صحبتك، فإذا انصرفت من سفرك إليهم فعاتبهم على التخلف عنك، { شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا } ، يعني النساء والذراري أي لم يكن لنا من يخلفنا فيهم { فَاسْتَغْفِرْ لَنَا } ، تخلفنا عنك، فكذبهم الله -عزّ وجلّ- في اعتذارهم فقال: { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } من أمر الاستغفار، فإنهم لا يبالون أستغفر لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أو لا، { قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا } ، سوءا،","part":7,"page":185},{"id":3186,"text":"{ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا } ، قرأ حمزة والكسائي : ( ضرا ) بضم الضاد، وقرأ الآخرون بفتحها لأنه قابله بالنفع والنفع ضد الضر، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم الله تعالى: إن أراد بهم شيئا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه. { بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا }\r[12] { بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا } ، أي ظننتم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون، { وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ } ، زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم، { وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ }\rوذلك أنهم قالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، فلا يرجعون، فأين تذهبون معه انتظروا ما يكون من أمرهم. { وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا } ، هلكى لا تصلحون لخير.","part":7,"page":186},{"id":3187,"text":"[13 - 15] { وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا }{ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }{ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ } ، يعني هؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية، { إِذَا انْطَلَقْتُمْ } ، سرتم وذهبتم أيها المؤمنون، { إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } ، يعني غنائم خيبر، { ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } ، إلى خيبر نشهد معكم قتال أهلها، وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضا عن غنائم أهل مكة إذ انصرفوا عنهم على صلح ولم يصيبوا منهم شيئا، قال الله تعالى: { يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ } ، يريدون أن يغيروا مواعيد الله تعالى لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة، وقال مقاتل : يعني أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- ألا يسير منهم أحد، قال ابن زيد : هو قول الله -عزّ وجلّ-: { فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا } ، والأول أصوب، وعليه عامة أهل التأويل، { قُلْ لَنْ","part":7,"page":187},{"id":3188,"text":"تَتَّبِعُونَا } ، إلى خيبر، { كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ } ، أي من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب، { فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا } ، أي يمنعكم الحسد أن نصيب معكم الغنائم، { بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ } ، لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين، { إِلَّا قَلِيلًا } ، منهم وهو من صدق الله والرسول.","part":7,"page":188},{"id":3189,"text":"[16] { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } ، قال ابن عباس ومجاهد وعطاء : هم أهل فارس. وقال كعب : هم الروم. وقال الحسن : فارس والروم. وقال سعيد بن جبير : هوازن وثقيف. وقال قتادة : هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهري ومقاتل وجماعة: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب . قال زافر بن خديج : كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم. وقال ابن جريش دعاهم عمر -رضي الله عنه- إلى قتال فارس. وقال أبو هريرة : لم يأت تأويل هذه الآية بعد. { تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا } ، يعني الجنة، { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا } ، تعرضوا { كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ } ، عام الحديبية، { يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ، وهو النار، فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: كيف بنا يا رسول الله؟","part":7,"page":189},{"id":3190,"text":"[17] فأنزل الله تعالى: { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ } ، يعني في التخلف عن الجهاد، { وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا } .\r[18] { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ } ، بالحديبية على أن يناجزوا قريشا ولا يفروا، { تَحْتَ الشَّجَرَةِ } ، وكانت سمرة، { فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } ، من الصدق والوفاء، { فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ } ، الطمأنينة والرضا، { عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } ، يعني فتح خيبر.\r[19] { وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } ، من أموال يهود خيبر، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، فاقتسمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينهم، { وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } .\r[20] { وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } ، وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة، { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } ، يعني خيبر، { وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ }","part":7,"page":190},{"id":3191,"text":"وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من بني أسد وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم، وقيل: كف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة بالصلح، { وَلِتَكُونَ } ، كفهم وسلامتكم، { آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } ، على صدقك ويعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم، { وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } ، يثبتكم على الإسلام ويزيدكم بصيرة ويقينا بصلح الحديبية، وفتح خيبر.","part":7,"page":191},{"id":3192,"text":"[21] قوله -عزّ وجلّ-: { وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا } وعدكم الله فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، { قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا } ، حتى يفتحها لكم كأنه حفظها ومنعها من غيركم حتى تأخذوها، قال ابن عباس : علم الله أنه يفتحها لكم، واختلفوا فيها، فقال ابن عباس ومقاتل : هي فارس والروم، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم، بل كانوا خولا لهم حتى قدروا عليها بالإسلام. وقال الضحاك وابن زيد : هي خيبر وعدها الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يرجونها. وقال قتادة : هي مكة. وقال عكرمة : حنين. وقال مجاهد : ما فتحوا حتى اليوم، { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا }\r[22] { وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، يعني أسد وغطفان وأهل خيبر، { لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ } ، لانهزموا، { ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } .\r[23] { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ } ، أي سنة الله في نصر أوليائه وقهر أعدائه، { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا }","part":7,"page":192},{"id":3193,"text":"[24] قوله -عزّ وجلّ-: { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا }","part":7,"page":193},{"id":3194,"text":"[25] قوله -عزّ وجلّ: { هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، يعني كفار مكة، { وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، أن تطوفوا به عام الحديبية، { وَالْهَدْيَ } ، أي وصدوا الهدي وهي البدن التي ساقها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكانت سبعين بدنة، { مَعْكُوفًا } ، محبوسا، يقال: عكفته عكفا إذا حبسته وعكوفا لازم، كما يقال: رجع رجعا ورجوعا، { أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } ، منحره وحيث يحل نحره يعني الحرم، { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ } ، يعني المستضعفين بمكة، { لَمْ تَعْلَمُوهُمْ } ، لم تعرفوهم، { أَنْ تَطَئُوهُمْ } ، بالقتال وتوقعوا بهم، { فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، قال ابن زيد : معرة إثم. وقال ابن إسحاق : غرم الدية. وقيل: الكفارة لأن الله أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب - إذا لم يعلم إيمانه - الكفارة دون الدية، فقال: { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } ، وقيل: هو أن المشركين يعيبونكم ويقولون قتلوا أهل دينهم، والمعرة المشقة، يقول: لولا أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم فيلزمكم","part":7,"page":194},{"id":3195,"text":"بهم كفارة أو يلحقكم سبة، وجواب لولا محذوف، تقديره: لأذن لكم في دخولها ولكنه حال بينكم وبين ذلك. { لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ } ، فاللام في ليدخل متعلق بمحذوف دلّ عليه معنى الكلام، يعني حال بينكم وبين ذلك ليدخل الله في رحمته في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة بعد الصلح قبل أن تدخلوها، { لَوْ تَزَيَّلُوا } ، لو تميزوا يعني المؤمنين من الكفار، { لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ، بالسبي والقتل بأيديكم، وقال بعض أهل العلم: لعذبنا جواب لكلامين أحدهما: ( لولا رجال ) ، والثاني: ( لو تزيلوا ) ، ثم قال: { لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ } ، يعني المؤمنين والمؤمنات، وقوله: ( في رحمته ) ، أي جنته. وقال قتادة في هذه الآية: إن الله يدفع بالمؤمن عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة.","part":7,"page":195},{"id":3196,"text":"[26] { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ } حين صدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه عن البيت عام الحديبية، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وأنكروا محمدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، والحمية: الأنفة، يقال: فلان ذو حمية إذا كان ذا غضب وأنفة. قال مقاتل : قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا، فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا، فهذه { حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } ، التي دخلت قلوبهم، { فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ } ، حتى لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية فيعصوا الله في قتالهم، { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى } ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: كلمة التقوى \"لا إله إلا الله\". وروي عن أبي بن كعب مرفوعا. وقال علي وابن عمر : كلمة التقوى لا إله إلا الله والله أكبر. وقال عطاء بن أبي رباح : هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال عطاء الخراساني : هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال الزهري : هي بسم الله الرحمن الرحيم.","part":7,"page":196},{"id":3197,"text":"{ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا } ، من كفار مكة، { وَأَهْلَهَا } ، أي وكانوا أهلها في علم الله لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل الخير { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }","part":7,"page":197},{"id":3198,"text":"[27] { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } ، وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أري في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين ويحلقون رءوسهم ويقصرون، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحبوا أنهم داخلو مكةَ عامهم ذلك فلما انصرفوا ولم يدخلوا شق عليهم ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وروي عن مجمع بن [جارية] الأنصاري . قال « شهدنا الحديبية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعضهم: ما بال الناس؟ فقالوا: أوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال فخرجنا نرجف، فوجدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- واقفا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع إليه الناس قرأ: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } ، فقال عمر : أوفتح هو يا رسول الله؟ قال: ( نعم والذي نفسي بيده ) » (1) . ففيه دليل على أن المراد بالفتح صلح الحديبية، وتحقق الرؤيا كان في العام المقبل، فقال جل ذكره: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } ، أخبر أن الرؤية التي\r_________\r(1) أخرجه أحمد ( 3 / 420 ) ، وأبو داود ( 2 / 52 ) ، والحاكم ( 2 / 131 ) وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ووفقه الذهبي.","part":7,"page":198},{"id":3199,"text":"أراه إياها في مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام صدق وحق. قوله: ( لَتَدْخُلُنَّ) يعني وقال: لتدخلن. وقال ابن كيسان : لتدخلن من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه حكاية عن رؤياه، فأخبر الله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال ذلك، وإنما استثنى مع علمه بدخولها بإخبار الله تعالى، تأدبا بآداب الله، حيث قال له: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا }{ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } . وقال أبو عبيدة : ( إن ) بمعنى إذ مجازه: إذ شاء الله، كقوله: { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، وقال الحسين بن الفضل : يجوز أن يكون الاستثناء من الدخول لأن بين الرؤيا وتصديقها سنة، ومات في تلك السنة ناس فمجاز الآية: ( لتدخلن المسجد الحرام كلكم إن شاء الله ) ، وقيل الاستثناء واقع على الأمر لا على الدخول، لأن الدخول لم يكن فيه شك، كقول النبي -صلى الله عليه وسلم- عند دخول المقبرة: « وإنا إن شاء الله بكم لاحقون » (1) . فالاستثناء راجع إلى اللحوق بأهل لا إله إلا الله لا إلى الموت. { مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ } ، كلها، { وَمُقَصِّرِينَ } ، بأخذ بعض شعورها، { لَا تَخَافُونَ\r_________\r(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الجنائز برقم ( 975 ) 2 / 671.","part":7,"page":199},{"id":3200,"text":"فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا } ، أن الصلاح كان في الصلح وتأخير الدخول، وهو قوله تعالى: { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ } الآية. { فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } ، أي من قبل دخولكم المسجد الحرام، { فَتْحًا قَرِيبًا } ، وهو صلح الحديبية عند الأكثرين، وقيل: فتح خيبر.\r[28] { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } ، على أنك نبي صادق صالح فيما تخبر.","part":7,"page":200},{"id":3201,"text":"[29] { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ } ، تم الكلام هاهنا، قال ابن عباس، شهد له بالرسالة، ثم قال مبتدئا { وَالَّذِينَ مَعَهُ } ، قالوا: وفيه واو الاستئناف أي والذين معه من المؤمنين، { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ } ، غلاظ عليهم كالأسد على فريسته لا تأخذهم فيهم رأفة، { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } ، متعاطفون متوادون بعضهم لبعض، كالولد مع الوالد، كما قال: { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } . { تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا } ، أخبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها، { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ } ، أن يدخلهم الجنة، { وَرِضْوَانًا } ، أن يرضى عنهم، { سِيمَاهُمْ } ، أي علامتهم، { فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } ، اختلفوا في هذا السيما، فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة يعرفون به أنهم سجدوا في الدنيا، وهو رواية عطية العوفي عن ابن عباس، قال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس : استنارت وجوههم من كثرة ما صلوا. وقال شهر بن حوشب : تكون. مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقال آخرون: هو السمت الحسن والخشوع والتواضع. وهو رواية الوالبي عن ابن عباس قال:","part":7,"page":201},{"id":3202,"text":"ليس بالذي ترون لكنه سيماء الإسلام وسجيته وسمته وخشوعه. وهو قول مجاهد : والمعنى أن السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به. وقال الضحاك : هو صفرة الوجه من السهر. وقال الحسن : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. قال عكرمة وسعيد بن جبير : هو أثر التراب على الجباه. قال أبو العالية لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال عطاء الخراساني : دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. { ذَلِكَ } ، الذي ذكرت، { مَثَلُهُمْ } ، صفتهم { فِي التَّوْرَاةِ } ، هاهنا تم الكلام ثم ذكر نعتهم في الإنجيل، فقال: { وَمَثَلُهُمْ } ، صفتهم، { فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } أراد فراخه، يقال أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا أفرخ، قال مقاتل : هو نبت واحد فإذا خرج ما بعده فهو شطؤه. وقال السدي . هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى. قوله: { فَآزَرَهُ } ، قرأ ابن عامر : ( فأزره ) بالقصر. والباقون بالمد، أي قواه وأعانه وشد أزره، { فَاسْتَغْلَظَ } ، ذلك الزرع، { فَاسْتَوَى } ، أي تم وتلاحق نباته وقام، { عَلَى سُوقِهِ } ، ،أصوله، { يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ } ، أعجب ذلك زراعه، هذا مثل ضربه الله -عزّ وجلّ-","part":7,"page":202},{"id":3203,"text":"لأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- في الإنجيل أنهم يكونون قليلا، ثم يزدادون ويكثرون. قال قتادة : مثل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وقيل: الزرع محمد والشطء أصحابه والمؤمنون، { لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } ، أي إنما كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين. قال مالك بن أنس : من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد أصابته هذه الآية. { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ } ، قال ابن جرير : يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة، ورد الهاء والميم على معنى الشطء لا على لفظه، ولذلك لم يقل: منه، { مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } يعني الجنة. والله أعلم.","part":7,"page":203},{"id":3204,"text":"( 49 ) سورة الحجرات","part":7,"page":204},{"id":3205,"text":"[1] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } قرأ يعقوب : ( لا تقدَّموا ) بفتح التاء والدال، من التقدم أي لا تتقدموا، وقرأ الآخرون بضم التاء وكسر الدال، من التقديم، وهو لازم بمعنى التقدم، مثل بين وتبين، وقيل: هو متعد على ظاهره والمفعول محذوف، أي: لا تقدموا القول بالفعل بين يدي الله ورسوله. قال أبو عبيدة تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي لا تعجل بالأمر والنهي دونه، ومعنى: بين اليدين الأمام والقدام: أي لا تقدموا بين يدي أمرهما ونهيهما. واختلفوا في معناه، روى الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى، وهو قول الحسين، أي لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وذلك أن ناسا ذبحوا قبل صلاة النبي، -صلى الله عليه وسلم- ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح، وروى مسروق عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك، أي لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. وقال قتادة : نزلت الآية في ناس كانوا يقولون لو أنزل في كذا، وصُنع في كذا وكذا، فكره الله ذلك. وقال مجاهد : لا تفتئوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. وقال الضحاك : يعني","part":7,"page":205},{"id":3206,"text":"في القتال وشرائع الدين لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله. { وَاتَّقُوا اللَّهَ } ، في تضييع حقه ومخالفة أمره، { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } ، لأقوالكم، { عَلِيمٌ } ، بأفعالكم.\r[2] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } ، أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ولا يرفعوا أصواتهم عنه ولا ينادونه كما ينادي بعضهم بعضا، { أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ } ، لئلا تحبط حسناتكم. وقيل: مخافة أن تحبط حسناتكم: { وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } .\r[3] { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ } ، يخفضون { أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ } إجلالا له، { أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى } ، اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصه، { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } .","part":7,"page":206},{"id":3207,"text":"[4] { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } ، قرأ العامة بضم الجيم، وقرأ أبو جعفر فتح الجيم، وهما لغتان، وهي جمع الحُجَر، والحُجَر جمع الحُجْرة فهي جمع الجمع. وقال ابن عباس : بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرية إلى بني العنبر وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علموا أنه توجه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة بن حصن وقدم بهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا، ويصيحون، فأنزل الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } ، وصفهم بالجهل وقلة العقل.","part":7,"page":207},{"id":3208,"text":"[5] { وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } ، قال مقاتل : لكان خيرا لهم لأنك كنت تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فداء، { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، وقال قتادة : نزلت في ناس من أعراب بني تميم جاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فنادوا على الباب: اخرج إلينا يا محمد .","part":7,"page":208},{"id":3209,"text":"[6] قوله -عزّ وجلّ-: «{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } ، الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقا وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهمّ أن يغزوهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار، ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير، فانصرف إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخبره الخبر » (1) ، فأنزل الله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ) يعني الوليد بن عقبة، ( بنبأ ) ، بخبر، { أَنْ تُصِيبُوا } ، كي\r_________\r(1) أخرجه الطبري 26 / 123 والإمام أحمد 4 / 279 وعبد الرزاق في التفسير 2 / 231.","part":7,"page":209},{"id":3210,"text":"لا تصيبوا بالقتل والقتال، { قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } ، من إصابتكم بالخطأ.\r[7] { وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ } ، فاتقوا الله أن تقولوا باطلا أو تكذبوه، فإن الله يخبره ويعرفه أحوالكم فتفتضحوا، { لَوْ يُطِيعُكُمْ } ، أي الرسول، { فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ } مما تخبرونه به فيحكم برأيكم، { لَعَنِتُّمْ } ، لأثمتم وهلكتم، والعنت: الإثم والهلاك. { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ } ، فجعله أحب الأديان إليكم، { وَزَيَّنَهُ } ، حسنه، { فِي قُلُوبِكُمْ } ، حتى اخترتموه وتطيعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ } ، قال ابن عباس : يريد الكذب، { وَالْعِصْيَانَ } ، جميع معاصي الله، ثم عاد من الخطاب إلى الخبر، وقال: { أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } ، المهتدون.\r[8] { فَضْلًا } ، أي كان هذا فضلا، { مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .","part":7,"page":210},{"id":3211,"text":"[9] قوله -عزّ وجلّ-: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } بالدعاء إلى حكم كتاب الله والرضا بما فيه لهما وعليهما، { فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا } ، تعدت إحداهما، { عَلَى الْأُخْرَى } ، وأبت الإجابة إلى حكم كتاب الله، { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ } ، ترجع { إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } ، في كتابه وحكمه، { فَإِنْ فَاءَتْ } ، رجعت إلى الحق، { فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } ، بحملهما على الإنصاف والرضا بحكم الله، { وَأَقْسِطُوا } اعدلوا { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } .\r[10] { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } ، في الدين والولاية، { فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } ، إذا اختلفا واقتتلا، { وَاتَّقُوا اللَّهَ } ، فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.","part":7,"page":211},{"id":3212,"text":"[11] وقوله -عزّ وجلّ-: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ } أي رجال من رجال، والقوم اسم يجمع الرجال والنساء، وقد يختص بجمع الرجال، { عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } ، أي لا يعب بعضكم بعضا، ولا يطعن بعضكم على بعض، { وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ } ، التنابز التفاعل من النبز وهو اللقب، وهو أن يدعى الإنسان بغير ما سُمّي به. قال عكرمة : وهو قول الرجل للرجل: يا فاسق يا منافق يا كافر. وقال الحسن : كان اليهودي والنصراني يسلم، فيقال له بعد إسلامه يا يهودي يا نصراني، فنهوا عنه ذلك. قال عطاء : هو أن تقول لأخيك: يا كلب يا حمار يا خنزير. وروي عن ابن عباس قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنُهي أن يعير بما سلف عن عمله، { بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ } ، أي بئس الاسم أن يقول: يا يهودي أو يا فاسق بعد ما آمن وتاب، وقيل معناه: إن من فعل ما نُهي عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق، وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك","part":7,"page":212},{"id":3213,"text":"فتستحقوا اسم الفسوق، { وَمَنْ لَمْ يَتُبْ } من ذلك { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .","part":7,"page":213},{"id":3214,"text":"[12] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ } وأراد أن يَظُنَّ بأهل الخير شرا، { إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } ، قال سفيان الثوري : الظن ظنان أحدهما إثم، وهو أن تظن وتتكلم به، والآخر ليس بإثم وهو أن تظن ولا تتكلم. { وَلَا تَجَسَّسُوا } ، التجسس هو البحث عن عيوب الناس، نهى الله تعالى عن البحث عن المستور من عيوب الناس وتتبع عوراتهم حتى لا يظهر على ما ستره الله منها، { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } ، يقول: لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوءه مما هو فيه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته » (1) . { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ }\r_________\r(1) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم ( 2589 ) 4 / 2001 والمصنف في شرح السنة 13 / 138 .","part":7,"page":214},{"id":3215,"text":"، قال مجاهد : لما قيل لهم { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا } ، قالوا: لا، قيل: { فَكَرِهْتُمُوهُ } أي فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا. وقال الزجاج : تأويله: إن ذكرك من لم يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحم أخيك، وهو ميت لا يحس بذلك، { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } .\r[13] { يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى } يعني آدم وحواء أي إنكم متساوون في النسب. { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا } ، جمع شعب بفتح الشين، وهي رءوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، سموا شعوبا لتشعبهم واجتماعهم، كشعب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعب أي جمع وشعب أي فرق.","part":7,"page":215},{"id":3216,"text":"{ وَقَبَائِلَ } ، هي دون الشعوب، واحدتها قبيلة وهي كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدتها عمارة، بفتح العين وهي كشيبان من بكر ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدتها بطن، وهي كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ واحدتها فخذ وهم كبني هاشم وأمية من بني لؤي، ثم الفصائل والعشائر واحدتها فصيلة وعشيرة، وليس بعد العشيرة حي يوصف به وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل. وقال أبو روق : الشعوب من الذين لا يعتزون إلى أحد، بل ينتسبون إلى المدائن والقرى، والقبائل العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. { لِتَعَارَفُوا } ، ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده، لا ليتفاخروا. ثم أخبر أن أرفعهم منزلة عند الله أتقاهم فقال { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } : قال قتادة في هذه الآية: إن أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور.","part":7,"page":216},{"id":3217,"text":"[14] قوله تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا } ، الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سنة جدبة فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، فأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنون على النبي -صلى الله عليه وسلم- ويريدون الصدقة، ويقولون أعطنا، فأنزل الله فيهم هذه الآية. وقال السدي : نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب من جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا يقولون: آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فأنزل الله -عزّ وجلّ- هذه الآية فيهم، { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا } صدقنا، { قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } ، انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي، { وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } ، فأخبر أن حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا","part":7,"page":217},{"id":3218,"text":"يكون إيمانا دون التصديق بالقلب والإخلاص، { وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ، ظاهرا وباطنا سرا وعلانية. قال ابن عباس . تخلصوا الإيمان، { لَا يَلِتْكُمْ } ، قرأ أبو عمر ( يألتكم ) بالألف كقوله تعالى: { وَمَا أَلَتْنَاهُمْ } ، والآخرون بغير ألف وهما لغتان معناهما لا ينقصكم، يقال: ألت يألت ألتا ولات يليت ليتا إذا نقص، { مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا } ، أي لا ينقص من ثواب أعمالكم شيئا، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، ثم بين حقيقة الإيمان.\r[15] فقال: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } ، لم يشكوا في دينهم، { وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } ، في إيمانهم. فلما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحلفون بالله إنهم مؤمنون صادقون، وعرف الله غير ذلك منهم.","part":7,"page":218},{"id":3219,"text":"[16] فأنزل الله -عزّ وجلّ-: { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ } والتعليم هاهنا بمعنى الإعلام، ولذلك قال بدينكم وأدخل الباء فيه، يقول أتخبرون الله بدينكم الذي أنتم عليه، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم } ، أي لا يحتاج إلى إخباركم.\r[17] { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ } أي بإسلامكم، { بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، إنكم مؤمنون.\r[18] { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ، قرأ ابن كثير بالياء وقرأ الآخرون بالتاء.","part":7,"page":219},{"id":3220,"text":"( 50 ) سورة ق\r[1] قال ابن عباس : هو قسم، وقيل: هو اسم للسورة، وقيل: هو اسم من أسماء القرآن. وقال القرظي : هو مفتاح اسمه القدير، والقادر والقاهر والقريب والقابض. { وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ } ، الشريف الكريم على الله الكثير الخير. واختلفوا في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: جوابه بل عجبوا وقيل: جوابه محذوف، مجازه: والقرآن المجيد لتبعثن. وقيل: جوابه قوله ما يلفظ من قول. وقيل: قد علمنا.\r[2] { بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ } ، مخوف، { مِنْهُمْ } ، يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، { فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ } ، غريب.\r[3] { أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا } ، نبعث، ترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه، { ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } ، وغير كائن أي يبعد أن نبعث بعد الموت.\r[4] قال الله -عزّ وجلّ-: { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ } ، أي ما تأكل من لحومهم ودمائهم وعظامهم لا يعزب عن علمه شيء. قال السدي : هو الموت، يقول: قد علمنا من يموت منهم ومن يبقى، { وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ } ، محفوظ من الشياطين ومن أن يدس ويتغير، وقيل: حفيظ أي حافظ لعدتهم وأسمائهم.","part":7,"page":220},{"id":3221,"text":"[5] { بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ } ، بالقرآن، { لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ } ، مختلط، قال سعيد بن جبير ومجاهد : ملتبس. قال قتادة : في هذه الآية من ترك الحق مرج عليه أمره والتبس عليه دينه. وقال الحسن : ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم. وذكر الزجاج معنى اختلاط أمرهم فقال: هو أنهم يقولون للنبي -صلى الله عليه وسلم- مرة شاعر، ومرة ساحر، ومرة معلم، ويقولون للقرآن مرة سحر، ومرة رجز، ومرة مفترى، فكان أمرهم مختلطا ملتبسا عليهم، ثم دلهم على قدرته.\r[6] فقال: { أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا } ، بغير عمد، { وَزَيَّنَّاهَا } ، بالكواكب، { وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ } ، شقوق وفتوق وصدوع واحدها فرج.\r[7] { وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا } ، بسطناها على وجه الماء { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } ، جبالا ثوابت، { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } ، حسن كريم يبهج به، أي يسر.\r[8] { تَبْصِرَةً } ، أي جعلنا ذلك تبصرة، { وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ } ، أي ليبصروا به ويتذكر به.","part":7,"page":221},{"id":3222,"text":"[9] { وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا } ، كثير الخير وفيه حياة كل شيء وهو المطر، { فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ } ، يعني البر والشعير وسائر الحبوب التي تحصد فأضاف الحب إلى الحصيد، وهما واحد لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع وربيع الأول. وقيل: حب الحصيد أي وحب النبت الحصيد.\r[10] { وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ } ، قال مجاهد وعكرمة وقتادة : طوالا. يقال: بسقت النخلة بسوقا إذا طالت. وقال سعيد بن جبير : مستويات. { لَهَا طَلْعٌ } ثمر وحمل، سمي بذلك لأنه يطلع، والطلع أول ما يظهر قبل أن ينشق، { نَضِيدٌ } ، متراكب متراكم منضود بعضه على بعض في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد.\r[11] { رِزْقًا لِلْعِبَادِ } ، أي جعلناها رزقا للعباد، { وَأَحْيَيْنَا بِهِ } ، بالمطر، { بَلْدَةً مَيْتًا } ، أنبتنا فيها الكلأ { كَذَلِكَ الْخُرُوجُ } ، من القبور.","part":7,"page":222},{"id":3223,"text":"[12 - 14] قوله -عزّ وجلّ- { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ }{ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ }{ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ } وهو تبع الحميري، واسمه أسعد أبو كرب، قال قتادة : ذم الله قومه ولم يذمه، ذكرنا قصته في سورة الدخان (1) { كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ } ، أي كل من هؤلاء المذكورين كذب الرسل، { فَحَقَّ وَعِيدِ } ، وجب لهما عذابي، ثم أنزل جوابا لقولهم ذلك رجع بعيد.\r[15] { أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ } يعني أعجزنا حين خلقناهم أولا فنعيا بالإعادة وهذا تقرير لهم لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث، ويقال لكل من عجز عن شيء عيي به. { بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ } ، أي في شك، { مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } ، وهو البعث.\r_________\r(1) آية ( 37 )","part":7,"page":223},{"id":3224,"text":"[16] { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } ، يحدث به قلبه فلا يخفى علينا سرائره وضمائره، { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } ، أعلم به، { مِنْ حَبْلِ }{ الْوَرِيدِ } لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضًا، ولا يحجب علم الله شيء، وحبل الوريد عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم والعلباوين، يتفرق في سائر البدن، والحبل هو الوريد، فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين.\r[17] { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ } ، إذ يتلقى ويأخذ الملكان الموكلان بالإنسان عمله ومنطقه يحفظانه ويكتبانه، { عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ } أي أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. { قَعِيدٌ } ، أي قاعد، ولم يقل قعيدان لأنه أراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، هذا قول أهل البصرة، وقال أهل الكوفة: أراد قعودا كالرسول يجعل للاثنين والجمع، كما قال الله تعالى في الاثنين: { فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، قيل: أراد بالقعيد الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم. قال مجاهد : القعيد الرصيد.","part":7,"page":224},{"id":3225,"text":"[18] { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ } ، ما يتكلم من كلام فيلفظه أي يرميه من فيه، { إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ } ، حافظ، { عَتِيدٌ } حاضر أينما كان. قال الحسن : إن الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين عند غائطه وعند جماعه.\r[19] { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ } ، غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، { بِالْحَقِّ } أي بحقيقة الموت، وقيل: بالحق من أمر الآخرة حتى يتبينه الإنسان ويراه بالعيان. وقيل: بما يئول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة. ويقال: لمن جاءته سكرة الموت، { ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ } ، تميل، قال الحسن : تهرب. قال ابن عباس : تكره، وأصل الحَيْد الْمَيْل، يقال: حدتُ عن الشيء أحيد حَيْدًا ومحيدًا إذا ملت عنه .\r[20] { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } ، يعني نفخة البعث، { ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ } ، أي ذلك اليوم يوم الوعيد الذي وعده الله للكفار أن يعذبهم فيه. قال مقاتل : يعني بالوعيد العذاب أي يوم وقوع الوعيد.","part":7,"page":225},{"id":3226,"text":"[21] { وَجَاءَتْ } ، ذلك اليوم، { كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ } ، يسوقها إلى المحشر، { وَشَهِيدٌ } ، يشهد عليها بما عملت، وهو عمله، قال الضحاك : السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل، وهى رواية العوفي عن ابن عباس . وقال الآخرون: هما جميعا من الملائكة.\r[22] فيقول الله لها: { لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا } ، اليوم في الدنيا، { فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ } ، الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك وبصرك، { فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } ، نافذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. وروي عن مجاهد قال: يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك.\r[23] { وَقَالَ قَرِينُهُ } ، الملك الموكل به، { هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } ، معد محضر، وقيل: ( ما ) بمعنى ( من ) ، وقال مجاهد : يقول هذا الذي وكلتني به من ابن آدم حاضر عندك قد أحضرته وأحضرت ديوان أعماله.","part":7,"page":226},{"id":3227,"text":"[24] فيقول الله -عزّ وجلّ- لقرينه: { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ } هذا خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب، يقولون: ويلك ارحلاها وازجراها وخذاها وأطلقاها، للواحد، قال الفراء : وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه وسفره اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم في الشعر للواحد خليليَّ. وقال الزجاج : هذا أمر للسائق والشهيد، وقيل: للمتلقيينِ. { كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } معرض عن الحق. قال عكرمة ومجاهد : مجانب للحق معاند لله .\r[25] { مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ } ، أي للزكاة المفروضة وكل حق وجب في ماله، { مُعْتَدٍ } ، ظالم لا يقر بتوحيد الله { مُرِيبٍ } ، شاكّ في التوحيد، ومعناه: داخل في الريب.\r{ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ } ، وهو النار.","part":7,"page":227},{"id":3228,"text":"[27] { قَالَ قَرِينُهُ } ، يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر، { رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } ، ما أضللته وما أغويته، { وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ } ، عن الحق فيتبرأ منه شيطانه، قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل : قال قرينه يعني الملك، قال سعيد بن جبير : يقول الكافر يا رب إن الملك زاد علي في الكتابة، فيقول الملك: ربنا ما أطغيته، يعني ما زدت عليه وما كتبتُ إلا ما قال وعمل، ولكن كان في ضلال بعيد طويل لا يرجع عنه إلى الحق.\r[28] { قَالَ } ، يعني يقول الله { لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ } ، في القرآن وأنذرتكم وحذرتكم على لسان الرسول، وقضيت عليكم ما أنا قاض.","part":7,"page":228},{"id":3229,"text":"[29] { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ } ، لا تبديل لقولي وهو قوله: { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } ، وقال قوم. معنى قوله: ( مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ) أي: لا يكذب القول عندي، ولا يغير القول عن وجهه لأني أعلم الغيب. وهذا قول الكلبي واختيار الفراء، لأنه قال: ( مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ) ولم يقل ما يبدل لي. { وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } ، فأعاقبهم بغير جرم.\r[30] { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ } ، قرأ نافع وأبو بكر بالياء، أي يقول الله لقوله: ( قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ) ، وقرأ الآخرون بالنون، { هَلِ امْتَلَأْتِ } ، وذلك لما سبق لها من وعده إيّاها أنه يملؤها من الجنة والناس، وهذا السؤال من الله -عزّ وجلّ- لتصديق خبره وتحقيق وعده، { وَتَقُولُ } ، جهنم، { هَلْ مِنْ مَزِيدٍ } . قيل: معناه قد امتلأت فلم يبق في موضع لم يمتلئ، فهو استفهام إنكار، هذا قول عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان، وقيل: هذا استفهام بمعنى الاستزادة، وهو قول ابن عباس في رواية أبي صالح وعلى هذا يكون السؤال بقوله:","part":7,"page":229},{"id":3230,"text":"( هَلِ امْتَلَأْتِ ) ، قيل دخول جميع أهلها فيها، وروي عن ابن عباس : أن الله تعالى سبقت كلمته { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } ، فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ولا يملؤها شيء.\r[31] { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ } ، قربت وأدنيت، { لِلْمُتَّقِينَ } ، الشرك، { غَيْرَ بَعِيدٍ } ، ينظرون إليها قبل أن يدخلوها.\r[32] { هَذَا مَا تُوعَدُونَ } ، قرأ ابن كثير بالياء والآخرون بالتاء، يقال لهم: هذا الذي ترونه ما توعدون على ألسنة الأنبياء عليهم السلام، { لِكُلِّ أَوَّابٍ } ، رجاع إلى الطاعة عن المعاصي، قال سعيد بن المسيب هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال الشعبي ومجاهد : الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقال الضحاك : هو التواب.","part":7,"page":230},{"id":3231,"text":"وقال ابن عباس وعطاء : هو المسبح، من قوله: { يا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } وقال قتادة : هو المصلي. { حَفِيظٍ } ، قال ابن عباس : الحافظ لأمر الله، وعنه أيضا: هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر منها. قال قتادة : حفيظ لما استودعه الله من حقه. قال الضحاك : المحافظ على نفسه المتعهد لها. قال الشعبي : المراقب. قال سهل بن عبد الله: هو المحافظ على الطاعات والأوامر.\r[33] { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ } ، محل ( من ) جر على نعت الأواب. وقيل: رفع على الاستئناف، ومعنى الآية: من خاف الرحمن وأطاعه بالغيب ولم يره. وقال الضحاك والسدي : يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال الحسن : إذا أرخى الستر وأغلق الباب. { وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } ، مخلص مقبل إلى طاعة الله.\r[34] { ادْخُلُوهَا } ، أي يقال لأهل هذه الصفة: ادخلوها، أي ادخلوا الجنة. { بِسَلَامٍ } ، بسلامة من العذاب والهموم. وقيل: بسلام من الله وملائكته عليهم. وقيل: بسلامة من زوال النعم، { ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ } .","part":7,"page":231},{"id":3232,"text":"[35] { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا } ، وذلك أنهم يسألون الله تعالى حتى تنتهي مسألتهم فيعطون ما شاءوا، ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه، وهو قوله: { وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } ، يعني الزيادة لهم في النعيم مما لم يخطر ببالهم. وقال جابر وأنس : هو النظر إلى وجه الله الكريم.","part":7,"page":232},{"id":3233,"text":"[36] قوله -عزّ وجلّ-: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ } ، ضربوا وساروا وتقلبوا وطافوا، وأصله من النقب وهو الطريق كأنهم سلكوا كل طريق، { هَلْ مِنْ مَحِيصٍ } ، فلم يجدوا محيصا من أمر الله. وقيل: هل من محيص: مفر من الموت؟ فلم يجدوا منه مفرًّا، وإنذار لأهل مكة وأنهم على مثل سبيلهم لا يجدون مفرًّا عن الموت، يموتون فيصيرون إلى عذاب الله.\r[37] { إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، فيما ذكرت من العبر والعذاب وإهلاك القرى، { لَذِكْرَى } ، تذكرة وعظة، { لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ } ، قال ابن عباس : أي عقل. قال الفراء : هذا جائز في العربية، تقول: مالك قلب وما قلبك معك، أي ما عقلك معك. وقيل: له قلب حاضر مع الله. { أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ } ، استمع القرآن، واستمع ما يقال له لا يحدث نفسه بغيره، تقول العرب: ألقِ إليَّ سمعكَ، يعني استمع، { وَهُوَ شَهِيدٌ } ويعني حاضر القلب ليس بغافل ولا ساه.\r[38] قوله -عزّ وجلّ-: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } ، إعياء وتعب.","part":7,"page":233},{"id":3234,"text":"[39] { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } ، من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد، وهذا قبل الأمر بقتالهم، { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } ، أي صلِّ حمدًا لله، { قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } ، يعني صلاة الصبح، { وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } ، يعني صلاة العصر. ورُوي عن ابن عباس قال: قبل الغروب الظهر والعصر.\r[40] { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } ، يعني صلاة المغرب والعشاء. وقال مجاهد : ومن الليل أي صلاة الليل أي وقت صلّي. { وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } ، قرأ أهل الحجاز وحمزة : ( وإدبار السجود ) بكسر الهمزة، مصدر أدبر إدبار، وقرأ الآخرون بفتحها على جمع الدبر. قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والحسن والشعبي والنخعي والأوزاعي : أدبار السجود الركعتان بعد صلاة المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر، وقال مجاهد : قوله: ( أدبار السجود ) هو التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات.","part":7,"page":234},{"id":3235,"text":"[41] قوله -عزّ وجلّ-: { وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } ، أي واستمع يا محمد صيحة القيامة والنشور يوم ينادي المنادي، قال مقاتل : يعني إسرافيل ينادي بالحشر يا أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.\r[42] { يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ } ، وهي الصيحة الأخيرة، { ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ } ، من القبور. 43،\r[44] { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ }{ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا } ، جمع سريع أي يخرجون سراعا، { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا } ، جمع علينا { يَسِيرٌ } .\r[45] { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } ، يعني كفار مكة في تكذيبك، { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } ، بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما بعثت مذكرا، { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } ، أي ما أوعدت به من عصاني من العذاب. قال ابن عباس : قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت: { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } .","part":7,"page":235},{"id":3236,"text":"( 51 ) سورة الذاريات\r[1] { وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا } ، يعني الرياح التي [تذرو] التراب ذروًا، يقال: ذرت الريح التراب وأذرت.\r[2] { فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا } ، يعني السحاب التي تحمل ثقلًا من الماء.\r[3] { فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا } ، هي السفن تجري في الماء جريا سهلًا.\r[4] { فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا } ، هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به، أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته.\r[5] ثم ذكر المقسم عليه فقال: { إِنَّمَا تُوعَدُونَ } ، من الثواب والعقاب، { لَصَادِقٌ }\r[6] { وَإِنَّ الدِّينَ } ، الحساب والجزاء، { لَوَاقِعٌ } ، لكائن.","part":7,"page":236},{"id":3237,"text":"[7] ثم ابتدأ قسما آخر فقال: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ } ، قال ابن عباس وقتادة وعكرمة : ذات الخلق الحسن المستوي، يقال للنساج إذا نسج [الثوب] فأجاد: ما أحسن [حَبْكَه] قال سعيد بن جبير : ذات الزينة. قال الحسن : حبكت بالنجوم. قال مجاهد : هي المتقنة البنيان. وقال مقاتل والكلبي والضحاك : ذات الطرائق كحبك الماء إذا ضربته الريح، وحبك الرمل والشعر الجعد، ولكنها لا ترى لبعدها من الناس، وهي جمع حباك وحبيكة، وجواب القسم قوله في الآية التالية:\r[8] { إِنَّكُمْ } ، يا أهل مكة، { لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ } ، في القرآن وفي محمد -صلى الله عليه وسلم- تقولون في القرآن سحر وكهانة وأساطير الأولين، وفي محمد -صلى الله عليه وسلم- ساحر وشاعر ومجنون. وقيل: لفي قول مختلف أي مصدّق ومكذّب.\r[9] { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } ، يصرف عن الإيمان به من صرف حتى يكذبه، يعني من حرمه الله الإيمان بمحمد صلي الله عليه وسلم وبالقرآن.\rوقيل ( عن ) بمعنى: من أجل، أي يصرف من أجل هذا القول المختلف أو بسببه عن الإيمان من يصرف.\rوذلك أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان فيقولون: إنه ساحر وكاهن ومجنون، فيصرفونه عن الإيمان.","part":7,"page":237},{"id":3238,"text":"[10] { قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ } ، لعن الكذابون، يقال: تخرص على فلان الباطل، وهم المقتسمون الذين اقتسموا القول في النبي صلي الله عليه وسلم ليصرفوا الناس عن دين الإسلام، وقال مجاهد : هم الكهنة.\r[11] { الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ } ، غفلة وعمى وجهالة، { سَاهُونَ } لاهون غافلون عن أمر الآخرة، والسهو: الغفلة عن الشيء، وهو ذهاب القلب عنه.\r[12] { يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ } ، يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء، يعني يوم القيامة تكذيبا واستهزاء.\r[13] قال الله عز وجل: { يَوْمَ هُمْ } ، أي يكون هذا الجزاء في يوم هم { عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ } ، أي: يعذبون ويحرقون بها كما يفتن الذهب بالنار.\rوقيل: على بمعنى الباء أي بالنار، وتقول لهم خزنة النار:\r[14] { ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ } ، عذابكم، { هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } ، في الدنيا تكذيبا به. 15،\r[16] { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ }{ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ } ، أعطاهم، { رَبُّهُمْ } ، من الخير والكرامة، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ } ، قبل دخولهم الجنة، { مُحْسِنِينَ } ، في الدنيا.","part":7,"page":238},{"id":3239,"text":"[17] { كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } ، والهجوع النوم بالليل دون النهار، وما صلة، والمعنى: كانوا يهجعون قليلا من الليل أي يصلون أكثر الليل، وقيل: معناه كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلا، هذا معنى قول سعيد بن جبير عن ابن عباس، يعني: كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئا إما من أولها أو من أوسطها، ووقف بعضهم على قوله: قليلا أي كانوا من الناس قليلا، ثم ابتدأ: { مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } وجعله جحدا، أي: لا ينامون بالليل ألبتة، بل يقومون للصلاة والعبادة.\r[18] { وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } ، قال الحسن : لا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فمدوا إلى السحر، ثم أخذوا في الأسحار بالاستغفار.\rوقال الكلبي ومجاهد ومقاتل : وبالأسحار يصلون، وذلك أن صلاتهم بالأسحار طلب المغفرة.\r[19] قوله عز وجل: { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } ، السائل الذي يسأل الناس، والمحروم الذي ليس له في الغنيمة سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء، هذا قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، قال: المحروم الذي ليس له في الإسلام سهم، ومعناه في اللغة: الذي منع الخير والعطاء.","part":7,"page":239},{"id":3240,"text":"وقال قتادة والزهري : المحروم المتعفف الذي لا يسأل.\rوقال زيد بن أسلم : هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته.\rوهو قول محمد بن كعب القرظي، قال: المحروم صاحب الحاجة، ثم قرأ: { إِنَّا لَمُغْرَمُونَ }{ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } . 20،\r[21] { وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ } ، عبر، { لِلْمُوقِنِينَ } ، إذا ساروا فيها، من الجبال والبحار والأشجار والثمار وأنواع النبات.\r{ وَفِي أَنْفُسِكُمْ } ، آيات إذا كانت نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما إلى أن نفخ فيها الروح. وقال عطاء عن ابن عباس : يريد اختلاف الألسنة والصور والألوان والطبائع.\r{ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } ، قال مقاتل : أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث.\r[22] { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ } ، قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل : يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق، { وَمَا تُوعَدُونَ } ، قال عطاء : من الثواب والعقاب.\rوقال مجاهد : من الخير والشر.\rوقال الضحاك : وما توعدون من الجنة والنار، ثم أقسم بنفسه فقال:\r[23] { فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ } ، أي: ما ذكرت من أمر الرزق لحق، { مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ } ، فتقولون: لا إله إلا الله.","part":7,"page":240},{"id":3241,"text":"وقيل: شبه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نطق الآدمي، كما تقول: إنه لحق كما أنت ههنا، وإنه لحق كما أنك تتكلم، والمعنى: إنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة.\rقال بعض الحكماء: يعني كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره كذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره.\r[24] قوله عز وجل: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } ، وهم الملائكة الذين جاءوه بالبشرى كما في سورة هود آية ( 69 ) ، { الْمُكْرَمِينَ } ، قيل: سماهم مكرمين لأنهم كانوا ملائكة كراما عند الله، وقد قال الله تعالى في وصفهم.\r{ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } ، وقيل: لأنهم كانوا ضيف إبراهيم وكان إبراهيم أكرم الخليقة، وضيف الكرام مكرمون.\rوقيل: لأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم بتعجيل قراهم، والقيام بنفسه عليهم بطلاقة الوجه.\rوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : خدمته بنفسه إياهم.\rوروي عن ابن عباس : سماهم مكرمين لأنهم جاءوا غير مدعوين.\r[25] { إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ } ، إبراهيم، { سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } ، أي: غرباء لا نعرفكم، قال ابن عباس : قال في نفسه هؤلاء قوم لا نعرفهم.","part":7,"page":241},{"id":3242,"text":"وقيل: إنما أنكر أمرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان.\rوقال أبو العالية : أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض.\r[26] { فَرَاغَ } ، فعدل ومال، { إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } ، مشوي.\r[27 - 29] { فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ } ، ليأكلوا فلم يأكلوا، { قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ }{ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ }{ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ } ، أي صيحة، قيل: لم يكن ذلك إقبالا من مكان إلى مكان، وإنما هو كقول القائل: أقبل يشتمني، بمعنى أخذ في شتمي، أي أخذت تولول كما قال الله تعالى: { قَالَتْ يا وَيْلَتَى } ، { فَصَكَّتْ وَجْهَهَا } ، قال ابن عباس : لطمت وجهها، وقال الآخرون: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا، كعادة النساء إذا أنكرن شيئا، وأصل الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض.\r{ وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ } ، مجازه: أتلد عجوز عقيم، وكانت سارة لم تلد قبل ذلك.\r[30] { قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ } ، أي: كما قلنا لك قال ربك: إنك ستلدين غلاما، { إِنَّهُ هُوَ }{ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ } .","part":7,"page":242},{"id":3243,"text":"[31 - 32] { قَالَ } ، إبراهيم، { فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ }{ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ } ، يعني قوم لوط. 33،\r[34] { لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ }{ مُسَوَّمَةً } معلمة، { عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ } ، قال ابن عباس : للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها.\r[35] { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا } ، أي: في قرى قوم لوط، { مَنْ كَانَ } ، وذلك قوله: { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ } .\r[36] { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ } ، أي غير أهل بيت { مِنَ الْمُسْلِمِينَ } يعني لوطا وابنتيه، وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعا لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم.\r[37] { وَتَرَكْنَا فِيهَا } ، أي في مدينة قوم لوط، { آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } ، أي علامة للخائفين تدلهم على أن الله تعالى أهلكهم فيخافون مثل عذابهم.\r[38] { وَفِي مُوسَى } ، أي وتركنا في إرسال موسى آية وعبرة.","part":7,"page":243},{"id":3244,"text":"وقيل: هو معطوف على قوله: { وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ } وفي موسى، { إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ، بحجة ظاهرة.\r[39] { فَتَوَلَّى } ، أي فأعرض وأدبر عن الإيمان، { بِرُكْنِهِ } ، أي بجمعه وجنوده الذين [كان] يتقوى بهم، كالركن الذي يقوى به البنيان، نظيره قوله.\r{ أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ } ، { وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } قال أبو عبيدة : أو بمعنى الواو.\r[40] { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } ، أغرقناهم فيه { وَهُوَ مُلِيمٌ } ، أي آت بما يلام عليه من دعوى الربوبية وتكذيب الرسل.\r[41] { وَفِي عَادٍ } ، أي وفي إهلاك عاد أيضا آية، { إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ } ، وهي التي لا خير فيها ولا بركة ولا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا.\r[42] { مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ } ، من أنفسهم وأنعامهم ومواشيهم وأموالهم، { إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ } ، كالشيء الهالك البالي، وهو نبات الأرض.","part":7,"page":244},{"id":3245,"text":"إذا يبس وديس. قال مجاهد : كالتبن اليابس. قال قتادة : كرميم الشجر. قال أبو العالية : كالتراب المدقوق. وقيل: أصله من العظم البالي.\r[43] { وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ } ، يعني وقت فناء آجالهم، وذلك أنهم لما عقروا الناقة قيل لهم: تمتعوا ثلاثة أيام.\r[44] { فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ } ، يعني بعد مضي الأيام الثلاثة، وهي الموت في قول ابن عباس، قال مقاتل : يعني العذاب \"والصاعقة. كل عذاب مهلك، وقرأ الكسائي ( الصعقة ) ، وهي الصوت الذي يكون من الصاعقة، { وَهُمْ يَنْظُرُونَ } ، يرون ذلك عيانا.\r[45] { فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ } ، فما قاموا بعد نزول العذاب بهم ولا قدروا على نهوض.\rقال قتادة : لم ينهضوا من تلك الصرعة، { وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ } ، منتقمين منا.\rقال قتادة : ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من الله.\r[46] { وَقَوْمَ نُوحٍ } ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ( وقومِ ) بجر الميم، أي وفي قوم نوح، وقرأ الآخرون بنصبها بالحمل على المعنى، وهو أن قوله: { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } ، معناه.","part":7,"page":245},{"id":3246,"text":"أغرقناهم، كأنه قال: أغرقناهم وأغرقنا قوم نوح.\r{ مِنْ قَبْلُ } ، أي من قبل هؤلاء، وهم عاد وثمود وقوم فرعون، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ }\r[47] { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لقادرون.\rوعنه أيضا لموسعون الرزق على خلقنا.\rوقيل: ذو سعة، وقال الضحاك : أغنياء، دليله قوله عز وجل: { عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ } ، قال الحسن : المطيقون.\r[48] { وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا } ، بسطناها ومهدناها لكم، { فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ } ، الباسطون نحن.\rقال ابن عباس نعم ما وطأت لعبادي.\r[49] { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } ، صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل والجبل والشتاء والصيف، والجن والإنس، والذكر والأنثى، والنور والظلمة، والإيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والجنة والنار، والحق والباطل، والحلو والمر.\r{ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ، فتعلمون أن خالق الأزواج فرد. 50،\r[51] { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ } ، فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة.","part":7,"page":246},{"id":3247,"text":"قال ابن عباس : فروا منه إليه واعملوا بطاعته.\rوقال سهل بن عبد الله : فروا مما سوى الله إلى الله.\r{ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ }{ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ }","part":7,"page":247},{"id":3248,"text":"[52] { كَذَلِكَ } ، أي كما كذبك قومك يا محمد وقالوا: ساحر أو مجنون، كذلك { مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، من قبل كفار مكة، { مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } . 53،\r[54] قال الله تعالى: { أَتَوَاصَوْا بِهِ } ، أي أوصى أولهم آخرهم وبعضهم بعضا بالتكذيب وتواطؤوا عليه؟ والألف فيه للتوبيخ، { بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } ، قال ابن عباس : حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك، { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } ، فأعرض عنهم، { فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ } ، لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وما قصرت فيما أمرت به.\rقال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله صلي الله عليه وسلم واشتد ذلك على أصحابه، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يتولى عنهم.\r[55] فأنزل الله تعالى { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } ، فطابت أنفسهم.\rقال مقاتل : معناه عظ بالقرآن كفار مكة، فإن الذكرى تنفع من في علم الله أن يؤمن منهما.\rوقال الكلبي : عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم.","part":7,"page":248},{"id":3249,"text":"[56] { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } ، قال الكلبي والضحاك وسفيان : هذا خاص لأهل طاعته من الفريقين، يدل عليه قراءة ابن عباس : ( وما خلقت الجن والإنس -من المؤمنين- إلا ليعبدون ) ، ثم قال في آية أخرى.\r{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ } ، وقال بعضهم: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي والأشقياء منهم إلا لمعصيتي، وهذا معنى قول زيد بن أسلم، قال: هم على ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة.\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إلا ليعبدون أي إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم لعبادتي، يؤيده قوله عز وجل: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا } ، وقال مجاهد : إلا ليعرفوني.\rوهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده، دليله قوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ، وقيل: معناه إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا.\rومعنى العبادة في اللغة، التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله ومتذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق عليه قدر ذرة من نفع أو ضرر.","part":7,"page":249},{"id":3250,"text":"وقيل إلا ليعبدون إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء.\r[57] { مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ } ، أي أن يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم، { وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } أي أن يطعموا أحدا من خلقي، وإنما أسند الطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه.\rثم بين أن الرزاق هو لا غيره فقال:\r[58] { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ } ، يعني لجميع خلقه، { ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } وهو القوي المقتدر المبالغ في القوة والقدرة.\r[59] { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا } ، كفروا من أهل مكة، { ذَنُوبًا } من العذاب، { مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ } ، مثل نصيب أصحابهم الذين أهلكوا من قوم نوح وعاد وثمود، وأصل الذنوب في اللغة: الدلو العظيمة المملوءة ماء، ثم استعمل في الحظ والنصيب { فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ } ، بالعذاب، يعني أنهم أخروا إلى يوم القيامة.\r[60] يدل عليه قوله عز وجل: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } ، يعني يوم القيامة، وقيل يوم بدر.","part":7,"page":250},{"id":3251,"text":"( 52 ) سورة الطور\r[1] { وَالطُّورِ } ، أراد به الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام بالأرض المقدسة، أقسم الله تعالى به.\r[2] { وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } مكتوب.\r[3] { فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ } ، الرق: ما يكتب فيه، وهو أديم المصحف، والمنشور المبسوط، واختلفوا في هذا الكتاب، قال الكلبي : هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة [ وموسى يسمع صرير القلم] .\rوقيل: هو اللوح المحفوظ.\rوقيل: هو دواوين الحفظة تخرج إليهم يوم القيامة منشورة، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله.\rدليله قوله عز وجل: { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا } .\r[4] { وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ } ، بكثرة الغاشية والأهل، وهو بيت في السماء السابعة حذاء العرش بحيال الكعبة يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون إليه أبدا.\r[5] { وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ } ، يعني السماء، نظيره قوله عز وجل: { وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا } .\r[6] { وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ } ، قال محمد بن كعب القرظي، والضحاك : يعني الموقد المحمى.","part":7,"page":251},{"id":3252,"text":"وقال مجاهد والكلبي : المسجور المملوء، يقال: سجرت الإناء إذا ملأته.\rوقال الحسن وقتادة وأبو العالية : هو اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب.\rوقال الربيع بن أنس : هو المختلط العذب بالملح.\rوروى الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي أنه قال في البحر المسجور.\rهو بحر تحت العرش، سعته كما بين سبع سماوات إلى سبع أرضين، فيه ماء غليظ يقال له بحر الحيوان.\rتمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحا فينبتون في قبورهم.\rهذا قول مقاتل.\rأقسم الله بهذه الأشياء.\r[7] { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ } ، نازل كائن.\r[8] { مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ } ، مانع، ثم بين أنه متى يقع فقال.\r[9] { يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا } ، أي تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة.\rقال قتادة : تتحرك.\rقال عطاء الخراساني : تختلف أجزاؤها بعضها في بعض.\rوقيل: تضطرب، والمور يجمع هذه المعاني فهو في اللغة: الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب.\r[10] { وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا } ، فتزول عن أماكنها وتصير هباء منثورا. 11،","part":7,"page":252},{"id":3253,"text":"[12] { فَوَيْلٌ } ، فشدة عذاب، { يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }{ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } ، يخوضون في الباطل يلعبون غافلين لاهين.\r[13] { يَوْمَ يُدَعُّونَ } ، يدفعون، { إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } ، دفعا بعنف وجفوة، وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم إلى النار دفعا على وجوههم، وزجا في أقفيتهم حتى يردوا النار، فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها:\r[14] { هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } ، في الدنيا.","part":7,"page":253},{"id":3254,"text":"[15] { أَفَسِحْرٌ هَذَا } ، وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا صلي الله عليه وسلم إلى السحر، وإلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر، فوبخوا به، وقيل لهم: { أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ } .\r[16] { اصْلَوْهَا } ، قاسوا شدتها، { فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ } ، الصبر والجزع، { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } . 17،\r[18] { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ }{ فَاكِهِينَ } ، معجبين بذلك ناعمين، { بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } ، ويقال لهم:\r[19] { كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا } ، مأمون العاقبة من التخمة والسقم، { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .\r[20] { مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ } ، موضوعة بعضها إلى جنب بعض، { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ } .","part":7,"page":254},{"id":3255,"text":"[21] { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ } ، اختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: معناها والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان يعني أولادهم الصغار والكبار، فالكبار بإيمانهم بأنفسهم، والصغار بإيمان آبائهم، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين.","part":7,"page":255},{"id":3256,"text":"{ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } ، المؤمنين في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم تكرمة لآبائهم لتقر بذلك أعينهم، وقال آخرون: معناه والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم البالغون بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم، أخبر الله عز وجل أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه، يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه، من غير أن ينقص الآباء من أعمالهم شيئا، فذلك قوله: { وَمَا أَلَتْنَاهُمْ } أى ما نقصناهم يعنى الآباء، { مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } قال مقاتل : كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار والمؤمن لا يكون مرتهنا، لقوله عز وجل: { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }{ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ } ثم ذكر ما يزيدهم من الخير والنعمة.\r[22] فقال: { وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ } ، زيادة على ما كان لهم، { وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ } ، من أنواع اللحمان.\r[23] { يَتَنَازَعُونَ } ، يتعاطون ويتناولون، { فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا } ، وهو الباطل.","part":7,"page":256},{"id":3257,"text":"وقال مقاتل بن حيان : لا فضول فيها.\rوقال سعيد بن المسيب : لا رفث فيها.\rوقال ابن زيد : لا سباب ولا تخاصم فيها وقال القتيبي : لا تذهب عقولهم فيلغوا ويرفثوا { وَلَا تَأْثِيمٌ } ، أي لا يكون منهم ما يؤثمهم.\rقال الزجاج : لا يجري بينهم ما يلغي ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا بشربة الخمر.\rوقيل: لا يأثمون في شربها.\r[24] { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ } ، بالخدمة، { غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ } ، في الحسن والبياض والصفاء، { لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ } ، مخزون مصون لم تمسه الأيدي.\rقال سعيد بن جبير : مكنون يعني في الصدف.\r[25] { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } ، يسأل بعضهم بعضا في الجنة.\rقال ابن عباس : يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا.\r[26] { قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا } ، في الدنيا، { مُشْفِقِينَ } ، خائفين من العذاب.\r[27] { فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } ، بالمغفرة، { وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ } ، قال الكلبي : عذاب النار.\rوقال الحسن : السموم اسم من أسماء جهنم.","part":7,"page":257},{"id":3258,"text":"[28] { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ } ، في الدنيا { نَدْعُوهُ } ، نخلص له العبادة، { إِنَّهُ } ، قرأ أهل المدينة والكسائي ( أنه ) بفتح الألف، أي لأنه أو بأنه.\rوقرأ الآخرون بالكسر على الاستئناف، { هُوَ الْبَرُّ } ، قال ابن عباس : اللطيف.\rوقال الضحاك : الصادق فيما وعد { الرَّحِيمُ } .\r[29] { فَذَكِّرْ } ، يا محمد بالقرآن أهل مكة { فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } ، برحمته وعصمته، { بِكَاهِنٍ } ، تبتدع القرآن وتخبر بما في غد من غير وحي، { وَلَا مَجْنُونٍ } ، نزلت في الذين اقتسموا عقاب مكة يرمون رسول الله صلي الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والجنون والشعر.\r[30] { أَمْ يَقُولُونَ } ، بل يقولون يعني هؤلاء المقتسمين الخراصين.\r{ شَاعِرٌ } ، أي هو شاعر، { نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ } ، حوادث الدهر وصروفه فيموت ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء، ويتفرق أصحابه وأَنَّ أَبَاهُ مات شابا ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه، والمنون يكون بمعنى الدهر ويكون بمعنى الموت، سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل.","part":7,"page":258},{"id":3259,"text":"[31] { قُلْ تَرَبَّصُوا } ، انتظروا بي الموت، { فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ } ، من المنتظرين حتى يأتي أمر الله فيكم فتعذبوا يوم بدر بالسيف.","part":7,"page":259},{"id":3260,"text":"[32] { أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ } ، عقولهم، { بِهَذَا } ، وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم تتم لهم معرفة الحق من الباطل، { أَمْ هُمْ } ، بل هم، { قَوْمٌ طَاغُونَ } .\r[33] { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ } ، أي تخلق القرآن من تلقاء نفسه، والتقول: تكلف القول، ولا يستعمل ذلك إلا في الكذب وليس الأمر كما زعموا، { بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ } ، بالقرآن استكبارا.\r[34] ثم ألزمهم الحجة فقال: { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ } ، أي مثل القرآن في نظمه وحسن بيانه، { إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } ، أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه.\r[35] { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ } ، قال ابن عباس : من غير رب، ومعناه: أخلقوا من غير شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق، وذلك مما لا يجوز أن يكون، لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم، فلا بد له من خالق، فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق، { أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } ، لأنفسهم ذلك في البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق.\rفإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به، ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي .","part":7,"page":260},{"id":3261,"text":"قال الزجاج : معناه أخلقوا باطلا لا يحاسبون ولا يؤمرون؟.\rوقال ابن كيسان : أخلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون، فهو كقول القائل فعلت كذا وكذا من غير شيء، أي لغير شيء، أم هم الخالقون لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر؟\r[36] { أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } ، فيكونوا هم الخالقين، ليس الأمر كذلك، { بَل لَا يُوقِنُونَ } .\r[37] { أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ } ، قال عكرمة : يعني النبوة.\rقال مقاتل : أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا؟\rقال الكلبي : خزائن المطر والرزق، { أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } ، المسلطون الجبارون، قال عطاء : أرباب قاهرون فلا يكونوا تحت أمر ونهي، ويفعلون ما شاءوا.\r[38] { أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ } ، مرقى ومصعد إلى السماء، { يَسْتَمِعُونَ فِيهِ } ، أي يستمعون عليه الوحي، كقوله: { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } أي عليها، أي ألهم سلم يرتقون به إلى السماء، فيستمعون الوحي ويعلمون أن ما هم عليه حق بالوحي، فهم متمسكون به كذلك؟ { فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ } ، إن ادعوا ذلك، { بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ، بحجة بينة.","part":7,"page":261},{"id":3262,"text":"[39] { أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ } ، هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله ما يكرهون، كقوله: { فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ } .\r[40] { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا } ، جعلا على ما جئتهم به ودعوتهم إليه من الدين، { فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ } ، أثقلهم ذلك الغرم الذي تسألهم، فمنعهم ذلك عن الإسلام.\r[41] { أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ } ، أي علم ما غاب عنهم حتى علموا أن ما يخبرهم الرسول من أمر القيامة والبعث باطل.\rوقال قتادة : هذا جواب لقولهم: { نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ } ، يقول: أعندهم علم الغيب حتى علموا أن محمدا صلي الله عليه وسلم يموت قبلهم؟ { فَهُمْ يَكْتُبُونَ } ، قال القتيبي : فهم يكتبون أي يحكمون، والكتاب الحكم، قال النبي صلي الله عليه وسلم للرجلين اللذين تخاصما إليه: « أقضى بينكما بكتاب الله » ، أي بحكم الله، وقال ابن عباس : معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به؟.","part":7,"page":262},{"id":3263,"text":"[42] { أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا } ، مكرا بك ليهلكوك، { فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ } ، أي هم المجزيون بكيدهم يريد أن ضرر ذلك يعود عليهم، ويحيق مكرهم بهم، وذلك أنهم مكروا به في دار الندوة فقتلوا ببدر .\r[43] { أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ } ، يرزقهم وينصرهم، { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، قال الخليل : ما في هذه السورة من ذكر أم كلمة استفهام وليس بعطف.\r[44] { وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا } ، قطعة، { مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا } ، هذا جواب لقولهم: { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ } يقول: لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم، { يَقُولُوا } ، لمعاندتهم هذا { سَحَابٌ مَرْكُومٌ } ، بعضه على بعض يسقينا.\r[45] { فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا } ، يعاينوا، { يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ } ، يموتون، أي حتى يعاينوا الموت.\r[46] { يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } ، أي لا ينفعهم كيدهم يوم الموت ولا يمنعهم من العذاب مانع.","part":7,"page":263},{"id":3264,"text":"[47] { وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا } ، كفروا، { عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ } ، أي عذابا في الدنيا قبل عذاب الآخرة.\rقال ابن عباس : يعني القتل يوم بدر.\rوقال مجاهد : هو الجوع والقحط سبع سنين.\rوقال البراء بن عازب : هو عذاب القبر.\r{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } ، أن العذاب نازل بهم.\r[48] { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } ، إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } ، أي بمرأى منا قال ابن عباس : نرى ما يعمل بك.\rوقال الزجاج : معناه أنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك.\r{ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } ، قال سعيد بن جبير وعطاء أي قل حين تقوم من مجلسك: سبحانك اللهم وبحمدك، فإن كان المجلس خيرا ازددت إحسانا، وإن كان غير ذلك كان كفارة له.\rوقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه صل لله حين تقوم من مقامك.\rوقال الضحاك والربيع، إذا قمت إلى الصلاة فقل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.\rوقال الكلبي : هو ذكر الله باللسان حين تقوم من الفراش إلى أن يدخل في صلاته.","part":7,"page":264},{"id":3265,"text":"[49] { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } ، أي صل له، قال مقاتل : يعني صلاة المغرب والعشاء.\r{ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } ، يعني ركعتين قبل صلاة الفجر، وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح، هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال الضحاك : هو فريضة صلاة الصبح.","part":7,"page":265},{"id":3266,"text":"( 53 ) سورة النجم\r[1] { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى } ، قال ابن عباس - في رواية الوالبي والعوفي -: يعني الثريا إذا سقطت وغابت، وهويه مغيبه، وقال مجاهد : هي نجوم السماء كلها حين تغرب، لفظه واحد ومعناه الجمع؟ سمي الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم يقال: نجم السن والقرن والنبت إذا طلع.\rعن ابن عباس : ما ترمى بها الشياطين عند استراقهم السمع، وقيل: المراد بالنجم القرآن سمي نجما؛ لأنه نزل نجوما متفرقة في عشرين سنة، وسمي التفريق: تنجيما، والمفرق: منجما، والهوى: النزول من أعلى إلى أسفل.\r[2، 3] وجواب القسم قوله: { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ } ، يعني محمدا صلي الله عليه وسلم ما ضل عن طريق الهدى، { وَمَا غَوَى }{ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } ، يعني بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدا صلي الله عليه وسلم يقول القرآن من تلقاء نفسه.\r[4] { إِنْ هُوَ } ، ما نطقه في الدين، وقيل: القرآن، { إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } ، يعني وحي من الله يوحى إليه.\r[5] { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } ، وهو جبريل، والقوى جمع القوة.\r[6] { ذُو مِرَّةٍ } ، قوة وشدة في خلقه، يعني جبريل.","part":7,"page":266},{"id":3267,"text":"قال ابن عباس : ذو مرة يعني ذو منظر حسن.\rوقال قتادة : ذو خلق طويل حسن.\r{ فَاسْتَوَى } ، يعني جبريل.\r[7] { وَهُوَ } ، يعني محمدا صلي الله عليه وسلم، ومعنى الآية: استوى جبريل ومحمد عليهما السلام ليلة المعراج، { بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى } ، وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس، وقيل: فاستوى يعني جبريل، وهو كناية عن جبريل أيضا، أي قام في صورته التي خلقه الله، وهو بالأفق الأعلى { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى } .\r[8، 9] قوله عز وجل: { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } ، اختلفوا في معناه، فقيل: جبريل فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، فتدلى فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان منه قاب قوسين أو أدنى، بل أدنى، وقال آخرون: ثم دنا الله عز وجل من محمد صلي الله عليه وسلم فتدلى، فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، وقال مجاهد : دنا جبريل من ربه.","part":7,"page":267},{"id":3268,"text":"وقال الضحاك : دنا محمد صلي الله عليه وسلم من ربه فتدلى فأهوى للسجود، فكان منه قاب قوسين أو أدنى، ومعنى قوله: قَابَ قَوْسَيْنِ أي قدر قوسين، والقاب والقيب، والقاد والقيد عبارة عن المقدار، والقوس: ما يرمى به، فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد صلي الله عليه وسلم مقدار قوسين.\r[10] { فَأَوْحَى } أي أوحى الله، { إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى } ، محمد صلي الله عليه وسلم ، قال ابن عباس، معناه أوحى جبريل إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه عز وجل.\rقال سعيد بن جبير : أوحى إليه: { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى } إلى قوله تعالى: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } ، وقيل: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.","part":7,"page":268},{"id":3269,"text":"[11] { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى } ، قرأ أبو جعفر : ما كذب بتشديد الذال، أي: ما كذب قلب محمد صلي الله عليه وسلم ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدقه وحققه، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي ما كذب فؤاد محمد صلي الله عليه وسلم الذي رأى، بل صدقه، يقال: كذبه إذا قال له الكذب، وصدقه إذا قال له الصدق، مجازه: ما كذب الفؤاد فيما رأى، واختلفوا في الذي رآه، فقال قوم: رأى جبريل، وقال آخرون: هو الله عز وجل.\rثم اختلفوا في معنى الرؤية فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرأى بفؤاده، وهو قول ابن عباس، وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه.\r[12] { أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى } ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب : ( أفتمرونه ) بفتح التاء بلا ألف، أي أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرجل حقه إذا جحدته، وقرأ الآخرون: ( أفتمارونه ) بالألف وضم التاء، على معنى أفتجادلونه على ما يرى، وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس.\r[13] { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى } ، يعني رأى جبريل في صورته التي خلق عليه نازلا من السماء نزلة أخرى.\rوذلك أنه رآه في صورته مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء.","part":7,"page":269},{"id":3270,"text":"[14] { عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى } ، وعلى قول ابن عباس معنى.\r{ نَزْلَةً أُخْرَى } هو أنه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسألته التخفيف من أعداد الصلوات، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه في بعضها، والسدرة شجرة النبق، وقيل لها: سدرة المنتهى لأنه إليها ينتهي علم الخلق.\r[15] { عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى } ، قال عطاء عن ابن عباس : جنة المأوى جنة يأوي إليها جبريل والملائكة.\rوقال مقاتل والكلبي : تأوي إليها أرواح الشهداء.\r[16] { إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى } ، قال ابن مسعود : فراش من ذهب، وقال مقاتل : تغشاها الملائكة وقال السدي : من الطيور، وعن الحسن قال: غشيها نور رب العزة فاستنارت.\r[17] { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى } ، أي ما مال بصر النبي صلي الله عليه وسلم يمينا ولا شمالا وما طغى، أي ما جاوز ما رأى.\rوقيل: ما جاوز ما أمر به وهذا وصف أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا.\r[18] { لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } ، يعني الآيات العظام.\rوقيل: أراد ما رأى تلك الليلة في مسيره وعوده.","part":7,"page":270},{"id":3271,"text":"[19] قوله: { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى } ، هذه أسماء أصنام اتخذوها آلهة يعبدونها.\r[20] { وَمَنَاةَ } قال قتادة : هي لخزاعة كانت بقديد، وقال ابن زيد : بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب.\rقال الضحاك : مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة.\rوقال بعضهم: اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها، وأما قوله: { الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى } ، فالثالثة نعت لمناة أي الثالثة للصنمين في الذكر، ومعنى الآية: أفرأيتم أخبرونا أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. 21،\r[22] فقال الله تعالى منكرا عليهم: { أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى }{ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } ، قال ابن عباس وقتادة : أي قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم.\rقال مجاهد ومقاتل : قسمة عوجاء.\rوقال الحسن : غير معتدلة.","part":7,"page":271},{"id":3272,"text":"[23] { إِنْ هِيَ } ، ما هذه الأصنام، { إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } ، حجة وبرهان بما تقولون إنها آلهة، ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال: { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ } ، في قولهم إنها آلهة، { وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ } ، وهو ما زين لهم الشيطان، { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } ، البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة، وأن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار.\r[24] { أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى } ، أيظن الكافر أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة الأصنام.\r[25] { فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى } ، ليس كما ظن الكافر وتمنى، بل لله الآخرة والأولى لا يملك أحد فيهما شيئا إلا بإذنه.\r[26] { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ } ، ممن يعبدهم هؤلاء الكفار ويرجون شفاعتهم عند الله، { لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ } ، في الشفاعة، { لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } ، أي من أهل التوحيد.","part":7,"page":272},{"id":3273,"text":"قال ابن عباس : يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه، وجمع الكناية في قوله: شفاعتهم والملك واحد لأن المراد من قوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ، الكثرة فهو كقوله: { فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } .","part":7,"page":273},{"id":3274,"text":"[27] { إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى } ، أي بتسمية الأنثى حين قالوا: إنهم بنات الله.\r[28] { وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } ، قال مقاتل : معناه ما يستيقنون أنهم إناث، { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } ، والحق بمعنى العلم أي لا يقوم الظن مقام العلم.\rوقيل: الحق بمعنى العذاب، أي أظنهم لا ينقذهم من العذاب.\r[29] { فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا } ، يعني القرآن.\rوقيل: الإيمان، { وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } .\r[30] ثم صغر رأيهم، فقال: { ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } ، أي ذلك نهاية علمهم وقدر عقولهم أن آثروا الدنيا على الآخرة.\rوقيل: لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع لهم فاعتمدوا على ذلك وأعرضوا عن القرآن.\r{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى } ، أي هو عالم بالفريقين فيجازيهم.","part":7,"page":274},{"id":3275,"text":"[31] { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ، وهذا معترض بين الآية الأولى وبين قوله: { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا } ، فاللام في قوله: ( ليجزي ) متعلق بمعنى الآية الأولى، لأنه إذا كان أعلم بهم جازى كلا بما يستحقه، الذين أساءوا أي أشركوا بما عملوا من الشرك، { وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } ، وحدّوا ربهم بالحسنى بالجنة، وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك، ولذلك قال: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } .\r[32] ثم وصفهم فقال: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ } ، اختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: هذا استثناء صحيح، واللمم: من الكبائر والفواحش، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي، وأصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون له إعادة ولا إقامة عليه.","part":7,"page":275},{"id":3276,"text":"وقال آخرون: هذا استثناء منقطع مجازه لكن اللمم، ولم يجعلوا اللمم من الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به، وقال بعضهم: هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا، وقال الكلبي : اللمم على وجهين كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة فلذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر والفواحش، والوجه الآخر هو: الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه.\rوقال سعيد بن المسيب : هو ما لم على القلب أي خطر.\rوقال الحسين بن الفضل : اللمم النظرة من غير تعمد فهو مغفور، فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب.\r{ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } ، قال ابن عباس : لمن فعل ذلك وتاب، تم الكلام ههنا، ثم قال: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ } ، أي: خلق أباكم آدم من التراب، { وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ } ، جمع جنين، سمي جنينا لاجتنانه في البطن، { فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } ، قال ابن عباس : لا تمدحوها.","part":7,"page":276},{"id":3277,"text":"قال الحسن : علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، فلا تبرؤها عن الآثام ولا تمدحوها بحسن أعمالها { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } ، أي بر وأطاع وأخلص العمل لله تعالى.\r[33] قوله عز وجل: { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى } ، نزلت في الوليد بن المغيرة، كان قد اتبع النبي صلي الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض المشركين، وقال: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله فضمن الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله عز وجل: ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ) أدبر عن الإيمان.\r[34] { وَأَعْطَى } ، صاحبه، { قَلِيلًا وَأَكْدَى } بخل بالباقي، ومعنى أكدى: يعني قطع، وأصله من الكدية وهي حجر يظهر في البئر يمنع من الحفر، تقول العرب: أكدى الحافر وأجبل إذا بلغ في الحفر الكدية والجبل.\r[35] { أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى } ، ما غاب عنه ويعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه.","part":7,"page":277},{"id":3278,"text":"[36] { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ } ، لم يخبر، { بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى } ، يعني: أسفار التوراة.\r[37] { وَإِبْرَاهِيمَ } ، وفي صحف إبراهيم عليه السلام، { الَّذِي وَفَّى } ، تمم وأكمل ما أمر به.\rقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة : عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه إلى خلقه.\rقال مجاهد : وفى بما فرض عليه.\rقال الربيع : وفى رؤياه وقام بذبح ابنه.\rوقال عطاء الخراساني : استكمل الطاعة.\rوقال أبو العالية : وفى سهام الإسلام، والتوفية الإتمام.\rوقال الضحاك : وفى ميثاق المناسك.\r[38] ثم بين ما في صحفهما فقال: { أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ، أي لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ومعناه: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها.\r[39] { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } ، أي عمل كقوله: { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } ، وهذا أيضا في صحف إبراهيم وموسى .\r[40] { وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى } ، في ميزانه يوم القيامة، مأخوذة من: من أريته الشيء.\r[41] { ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى } ، الأكمل والأتم أي يجزي الإنسان بسعيه، يقال: جزيت فلانا سعيه وبسعيه.","part":7,"page":278},{"id":3279,"text":"[42] { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } ، أي منتهى الخلق ومصيرهم إليه، وهو مجازيهم بأعمالهم.\rوقيل: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال.\r[43] { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى } ، فهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء، قال مجاهد والكلبي : أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار.\rوقال الضحاك : أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر.\rقال عطاء بن أبي مسلم : يعني فرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء.\r[44] { وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } ، أي أمات في الدنيا وأحيا للبعث.\rوقيل أمات الآباء وأحيا الأبناء.\rوقيل: أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة.","part":7,"page":279},{"id":3280,"text":"[45] { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } ، من كل حيوان.\r[46] { مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى } ، أي تصب في الرحم، يقال منى الرجل وأمنى وقيل: تقدر، يقال: منيت الشيء إذا قدرته.\r[47] { وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى } ، أي الخلق الثاني للبعث يوم القيامة.\r[48] { وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى } ، قال أبو صالح : أغنى الناس بالأموال، وأقنى أي: أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية.\rقال الضحاك : أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال وأقنى بالإبل والبقر والغنم.\rوقال قتادة والحسن : أقنى أخدم.\rوقال ابن عباس : أغنى وأقنى: أعطى فأرضى.\rقال مجاهد ومقاتل : أقنى أرضى بما أعطى وقنع.\rوقال ابن زيد : أغنى: أكثر، وأقنى: أقل، وقرأ: ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) ، وقال الأخفش : أقنى أفقر.\rوقال ابن كيسان : أولد.\r[49] { وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى } ، وهو كوكب خلف الجوزاء وكانت خزاعة تعبدها.\r[50] { وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى } ، وهم قوم هود أهلكوا بريح صرصر فكان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى.","part":7,"page":280},{"id":3281,"text":"[51] { وَثَمُودَ } ، وهم قوم صالح أهلكهم الله بالصيحة، { فَمَا أَبْقَى } منهم أحدا.\r[52] { وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ } ، أي أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود { إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى } ، لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله بالمعصية والتكذيب.\r[53] { وَالْمُؤْتَفِكَةَ } ، يعني: قرى قوم لوط، { أَهْوَى } ، أسقط أي أهواها جبريل بعد ما رفعها إلى السماء.\r[54] { فَغَشَّاهَا } ، ألبسها الله، { مَا غَشَّى } ، يعني الحجارة المنضودة المسومة.\r[55] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ } ، نعم ربك أيها الإنسان، وقيل: أراد الوليد بن المغيرة، { تَتَمَارَى } ، تشك وتجادل، قال ابن عباس : تكذب.\r[56] { هَذَا نَذِيرٌ } ، يعني محمدا، { مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى } ، أي رسول من الرسل أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم، وقال قتادة : يقول أنذر محمد كما أنذر الرسل من قبله.\r[57] { أَزِفَتِ الْآزِفَةُ } ، دنت القيامة واقتربت الساعة.","part":7,"page":281},{"id":3282,"text":"[58] { لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ } ، أي مظهرة مقيمة كقوله تعالى: { لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ } ، والهاء فيه للمبالغة أو على تقدير نفس كاشفة، ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرا كالخيالة والعافية، والمعنى: ليس لها من دون الله كاشف، أي لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره.\rوقيل: معناه ليس لها راد يعني إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم يكشفها ولم يردها عنهم أحد. 59،\r[60] { أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ } ، يعني القرآن، { تَعْجَبُونَ }{ وَتَضْحَكُونَ } ، الاستهزاء، { وَلَا تَبْكُونَ } ، لما فيه من الوعد والوعيد.\r[61] { وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ } ، لاهون غافلون.\rوالسمود الغفلة عن الشيء واللهو، يقال: دع عنا سمودك أي لهوك، هذا رواية الوالبي والعوفي عن ابن عباس، وقال عكرمة عنه: هو الغناء بلغة أهل اليمن وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا، وقال الضحاك : آشرون بطرون.\r[62] { فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا } ، أي واعبدوه.","part":7,"page":282},{"id":3283,"text":"( 54 ) سورة الْقَمَرُ\r[1] { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } ، دنت القيامة، { وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } ، عن أنس بن مالك : أن أهل مكة سألوا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما (1) .\r[2] { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } ، أي ذاهب وسوف يذهب ويبطل من قولهم مر الشيء واستمر إذا ذهب، مثل قولهم: قر واستقر، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال أبو العالية والضحاك : مستمر أي قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم: مر الحبل إذا صلب واشتد، وأمررته أنا إذا أحكمت فتله واستمر الشيء إذا قوي واستحكم.\r[3] { وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } ، أي كذبوا النبي صلي الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله عز وجل، واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل، { وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ } ، قال الكلبي : لكل أمر حقيقة، ما كان منه في الدنيا فسيظهر وما كان منه في الآخرة فسيعرف.\rوقال قتادة : كل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير، والشر مستقر بأهل الشر.\rوقيل كل أمر من خير أو شر مستقر قراره، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار.\r_________\r(1) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار 7 / 187.","part":7,"page":283},{"id":3284,"text":"وقيل: يستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب.\rوقال مقاتل : لكل حديث منتهى.\rوقيل: كل ما قدر كائن وواقع لا محالة.\r[4] { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ } ، يعني أهل مكة، { مِنَ الْأَنْبَاءِ } ، من أخبار الأمم المكذبة في القرآن، { مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } ، مصدر بمعنى الازدجار، أي نهي وعظة، يقال زجرته وازدجرته إذا نهيته عن السوء، وأصله مزتجر، قلبت التاء دالا.\r[5] { حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ } ، يعني: القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية في الزجر، { فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ } ، يجوز أن تكون ( ما ) نفيا على معنى فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون استفهاما، والمعنى: فأي شيء تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم، كقوله: { وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ } ، والنذر جمع نذير.\r[6] { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } ، أي أعرض عنهم، نسختها آية القتال.\rقيل: ههنا وقف تام.\rوقيل: فتول عنهم.\r{ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي } ، أي إلى يوم الداعي، قال مقاتل : هو إسرافيل ينفخ قائما على صخرة بيت المقدس، { إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ } ، منكر فظيع لم يروا مثله فينكروه استعظاما.","part":7,"page":284},{"id":3285,"text":"[7] { خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ } في قراءة عبد الله : ( خاشعة أبصارهم ) أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب.\r{ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ } ، من القبور، { كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ } ، منبث حيارى، وذكر المنتشر على لفظ الجراد، نظيرها: { كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ } ، وأراد أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها كالجراد لا جهة لها تكون مختلطة بعضها في بعض.\r[8] { مُهْطِعِينَ } ، مسرعين مقبلين، { إِلَى الدَّاعِي } ، إلى صوت إسرافيل، { يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } ، صعب شديد.\r[9] قوله عز وجل: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } ، أي قبل أهل مكة، { قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا } ، نوحا، { وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ } ، أي زجروه عن دعوته ومقالته بالشتم والوعيد، وقالوا: { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ } ، وقال مجاهد : معنى ازدجر أي استطير جنونا.\r[10] { فَدَعَا } نوح، { رَبَّهُ } ، وقال، { أَنِّي مَغْلُوبٌ } ، مقهور، { فَانْتَصِرْ } ، فانتقم لي منهم.","part":7,"page":285},{"id":3286,"text":"[11] { فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ } ، منصب انصبابا شديدا لم ينقطع أربعين يوما.\r[12] { وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ } ، يعني ماء السماء وماء الأرض، وإنما قال: التقى الماء والالتقاء لا يكون من واحد إنما يكون بين اثنين فصاعدا لأن الماء يكون جمعا وواحدا، { عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } ، أي قضي عليهم في أم الكتاب.\rوقال مقاتل : قدر الله أن يكون الماءان سواء فكانا على قدر.\r[13] { وَحَمَلْنَاهُ } ، يعني نوحا، { عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } ، أي سفينة ذات ألواح، ذكر النعت وترك الاسم، أراد بالألواح خشب السفينة العريضة، ( وَدُسُرٍ) أي المسامير التي تشد بها الألواح، واحدها دسار ودسير، يقال: دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير.\rوقال الحسن : الدسر صدر السفينة سميت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجئها، أي تدفع.\rوقال مجاهد : هي عوارض السفينة.\rوقيل: أضلاعها.\rوقال الضحاك : الألواح جانباها، والدسر أصلها وطرفاها.\r[14] { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } ، أي بمرأى منا.\rوقال مقاتل بن حيان : بحفظنا، ومنه قولهم للمودع: عين الله عليك.\rوقال سفيان : بأمرنا.","part":7,"page":286},{"id":3287,"text":"{ جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } ، يعني فعلنا به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابا لمن كان كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، وقيل: ( من ) بمعنى ( ما ) أي جزاء لما كان كفر من أيادي الله ونعمه عند الذين أغرقهم، أو جزاء لما صنع بنوح وأصحابه، وقرأ مجاهد ( جزاء لمن كان كفر ) بفتح الكاف والفاء، يعني كان الغرق جزاء لمن كان كفر بالله وكذب رسوله.\r[15] { وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا } ، يعني الفعلة التي فعلنا، { آيَةً } ، يعتبر بها.\rوقيل: أراد السفينة.\rقال قتادة : أبقاها الله بباقر دي من أرض الجزيرة، عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، { فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } ، أي متذكر متعظ معتبر خائف مثل عقوبتهم.\r[16] { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } ، أي إنذاري، قال الفراء : الإنذار والنذر مصدران، تقول العرب: أنذرت إنذارا ونذرا، كقولهم أنفقت إنفاقا ونفقة، وأيقنت إيقانا ويقينا، أقيم الاسم مقام المصدر.\r[17] { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا } ، سهلنا، { الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ } ، ليتذكر ويعتبر به، وقال سعيد بن جبير : يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن.","part":7,"page":287},{"id":3288,"text":"{ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } ، متعظ بمواعظه. 18،\r[19] { كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ }{ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا } ، شديدة الهبوب، { فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ } ، شديد دائم الشؤم، استمر عليهم بنحو سنة فلم يبق منهم أحد إلا أهلكه، قيل: كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر.\r[20] { تَنْزِعُ النَّاسَ } ، تقلعهم ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم.\rوروي أنها كانت تنزع الناس من قبورهم، { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ } ، قال ابن عباس : أصولها، وقال الضحاك : أوراك نخل.\r{ مُنْقَعِرٍ } ، منقلع من مكانه ساقط على الأرض وواحد الأعجاز عجز، مثل عضد وأعضاد، وإنما قال: ( أعجاز نخل ) وهي أصولها التي قطعت فروعها لأن الريح كانت تبين رؤوسهم من أجسادهم، فتبقى أجسادهم بلا رؤوس.\r[21 - 23] { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ }{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }{ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ } ، بالإنذار الذي جاءهم به صالح .","part":7,"page":288},{"id":3289,"text":"[24] { فَقَالُوا أَبَشَرًا } ، آدميا، { مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ } ، ونحن جماعة كثيرة وهو واحد، { إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ } خطأ وذهاب عن الصواب، { وَسُعُرٍ } ، قال ابن عباس : عذاب.\rوقال الحسن : شدة عذاب.\rوقال قتادة : عناء، يقولون: إنا إذا لفي عناء وعذاب مما يلزمنا من طاعته.\rقال سفيان بن عيينة : هو جمع سعير.\rوقال الفراء : جنون، يقال ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على وجهها.\rوقال وهب : وسعر: أبعد عن الحق.\r[25] { أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ } ، أأنزل، الذكر: الوحي، { عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } ، بطر متكبر يريد أن يتعظم علينا بادعائه النبوة، والأشر المرح والتجبر.\r[26] { سَيَعْلَمُونَ } ، قرأ ابن عامر وحمزة : ( ستعلمون ) ، بالتاء على معنى قال صالح لهم، وقرأ الآخرون بالياء، يقول الله تعالى: { سَيَعْلَمُونَ غَدًا } ، حين ينزل بهم العذاب.\rوقال الكلبي : يعني يوم القيامة وذكر الغد للتقريب على عادة الناس، يقولون: إن مع اليوم غدا، { مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ } .","part":7,"page":289},{"id":3290,"text":"[27] { إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ } ، أي باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا أن يخرجها منها، وذلك أنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، فقال الله تعالى: { فِتْنَةً لَهُمْ } ، محنة واختبارا لهم، { فَارْتَقِبْهُمْ } ، فانتظر ما هم صانعون، { وَاصْطَبِرْ } ، على ارتقابهم، وقيل: على ما يصيبك من الأذى.","part":7,"page":290},{"id":3291,"text":"[28] { وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } ، وبين الناقة، يوم لها ويوم لهم، وإنما قال: \"بينهم\" لأن العرب إذا أخبرت عن بني آدم وعن البهائم غلبت بني آدم.\rعلى البهائم، { كُلُّ شِرْبٍ } ، نصيب من الماء، { مُحْتَضَرٌ } ، يحضره من كانت نوبته، فإذا كان يوم الناقة حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربهم، وأحضر وحضر بمعنى واحد، قال مجاهد : يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، فإذا جاءت الناقة حضروا اللبن.\r[29] { فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ } ، وهو قدار بن سالف، { فَتَعَاطَى } ، فتناول الناقة بسيفه { فَعَقَرَ } ، أي فعقرها.\r[30] { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } ، ثم بين عذابهم.\r[31] فقال: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً } ، قال عطاء : يريد صيحة جبريل عليه السلام، { فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ } ، كيبس الشجر إذا تحطم والعرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس هشيما.\rوقال قتادة : كالعظام النخرة المحترقة.\rوقال سعيد بن جبير : هو التراب الذي يتناثر من الحائط.","part":7,"page":291},{"id":3292,"text":"[32 - 34] { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }{ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ }{ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا } ، ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصا، قال الضحاك : يعني صغار الحصى.\rوقيل: الحصباء هي الحجر الذي دون ملء الكف، وقد يكون الحاصب الرامي، فيكون المعنى على هذا: أرسلنا عليهم عذابا يحصبهم، يعني يرميهم بالحجارة، ثم استثنى فقال: { إِلَّا آلَ لُوطٍ } ، يعني لوطا وابنتيه، { نَجَّيْنَاهُمْ } ، من العذاب، { بِسَحَرٍ } .\r[35] { نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } يعني جعلناه نعمة منا عليهم حيث أنجيناهم، { كَذَلِكَ } ، يعني كما أنعمنا على آل لوط، { نَجْزِي مَنْ شَكَرَ } ، قال مقاتل : من وحد الله لم يعذبه مع المشركين.\r[36] { وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ } ، لوط، { بَطْشَتَنَا } ، أخذنا إياهم بالعقوبة، { فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ } ، شكوا بالإنذار وكذبوا ولم يصدقوا.","part":7,"page":292},{"id":3293,"text":"[37] { وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ } ، طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } ، وذلك أنهم لما قصدوا دار لوط وعالجوا الباب ليدخلوا، قالت الرسل للوط : خل بينهم وبين الدخول فإنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار فصفقهم جبريل بجناحه بإذن الله فتركهم عميا يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا لا يبصرون.\rقوله: ( فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ) يعني صيرناها كسائر الوجه لا يرى لها شق، هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال الضحاك : طمس الله أبصارهم فلم يروا الرسل، فقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا، فلم يروهم فرجعوا.\r{ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ } ، أي ما أنذركم به لوط من العذاب.\r[38] { وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً } ، جاءهم وقت الصبح، { عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ } ، دائم استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة، وقيل: عذاب حق.\r[39 - 41] { فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ }{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }{ وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ } ، يعني موسى وهارون عليهما السلام، وقيل: هي الآيات التي أنذرهم بها موسى .","part":7,"page":293},{"id":3294,"text":"[42] { كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا } ، وهي الآيات التسع، { فَأَخَذْنَاهُمْ } ، بالعذاب، { أَخْذَ عَزِيزٍ } ، غالب في انتقامه، { مُقْتَدِرٍ } ، قادر على إهلاكهم لا يعجزه ما أراد بهم، ثم خوف أهل مكة فقال:","part":7,"page":294},{"id":3295,"text":"[43] { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ } ، أشد وأقوى من الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقالا لوط وآل فرعون؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار، أي ليسوا بأقوى منهم، { أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ } ، من العذاب، { فِي الزُّبُرِ } ، في الكتب أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية.\r[44] { أَمْ يَقُولُونَ } ، يعني كفار مكة، { نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ } ، قال الكلبي : نحن جميع أمرنا منتصر من أعدائنا، والمعنى: نحن يد واحدة على من خالفنا، منتصر ممن عادانا، ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي.\r[45] قال الله تعالى: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ } ، يعني كفار مكة، { وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } ، يعني الأدبار فوحد لأجل رؤوس الآي، كما يقال: ضربنا منهم الرؤوس وضربنا منهم الرأس إذا كان الواحد يؤدي معنى الجمع.","part":7,"page":295},{"id":3296,"text":"[46] { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } ، قال سعيد بن المسيب : « سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما نزلت: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } كنت لا أدري أي جمع سيهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلي الله عليه وسلم يثب في درعه ويقول: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ }{ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ }» (1) أي أعظم داهية وبلية وأشد مرارة من الأسر والقتل يوم بدر.\r[47] { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ } ، المشركين، { فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ } ، قيل: في ضلال بعد عن الحق.\rقال الضحاك : وسعر أي نار تسعر عليهم.\rوقيل: في ضلال: ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، وسعر: نار مسعرة، قال الحسين بن فضل : إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة.\rوقال قتادة : في عناء وعذاب.\r[48] ثم بين عذابهم فقال: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ } ، يجرون، { فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ } ، ويقال لهم { ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ } .\r_________\r(1) أخرجه عبد الرزاق 2 / 259 والطبري 27 / 108 والإمام أحمد 1 / 329","part":7,"page":296},{"id":3297,"text":"[49] { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } ، أي ما خلقناه فمقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ، قال الحسن : قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له.\r[50] { وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } ، قوله: واحدة ترجع إلى المعنى دون اللفظ، أي: وما أمرنا إلا مرة واحدة، وقيل: معناه وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة: كن فيكون، لا مراجعة فيها كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ .\rقال عطاء عن ابن عباس : يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر.\rوقال الكلبي عنه: وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر.\r[51] { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ } ، أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السالفة، { فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } ، متعظ يعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر.\r[52] { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ } ، يعني فعله الأشياع من خير وشر، { فِي الزُّبُرِ } ، في كتاب الحفظة، وقيل: في اللوح المحفوظ.\r[53] { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ } ، من الخلق وأعمالهم وآجالهم، { مُسْتَطَرٌ } ، مكتوب، يقال: سطرت واستطرت وكتبت واكتتبت.","part":7,"page":297},{"id":3298,"text":"[54] { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ } ، بساتين، { وَنَهَرٍ } ، أي أنهار، ووحده لأجل رؤوس الآي، وأراد أنهار الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل.\rوقال الضحاك : يعني في ضياء وسعة، ومنه النهار.\rوقرأ الأعرج : ( ونهر ) بضمتين جمع النهار يعني لا دليل لهم.\r[55] { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } ، في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، { عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } ، ملك قادر لا يعجزه شيء.","part":7,"page":298},{"id":3299,"text":"( 55 ) سورة الرحمن\r[1] { الرَّحْمَنُ } نزلت حين قالوا: وما الرحمن؟ وقيل.\rهو جواب لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر.\r[2] { عَلَّمَ الْقُرْآنَ } ، قال الكلبي علم القرآن محمدا .\rوقيل: علم القرآن يسره للذكر.\r[3] { خَلَقَ الْإِنْسَانَ } ، يعني آدم عليه السلام.\r[4] { عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } ، أسماء كل شيء، وقيل: علمه اللغات كلها، وكان آدم يتكلم بسبعمائة لغة أفضلها العربية.\rوقال الآخرون: الإنسان اسم جنس، وأراد به جميع الناس، علمه البيان: النطق والكتابة والفهم والإفهام حتى عرف ما يقول وما يقال له، وقال السدي : علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به.\rوقال ابن كيسان : { خَلَقَ الْإِنْسَانَ } يعني محمدا صلي الله عليه وسلم { عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } يعني بيان ما كان وما يكون؛ لأنه كان يبين عن الأولين والآخرين وعن يوم الدين.\r[5] { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } ، قال مجاهد : كحسبان الرحى يدوران في مثل قطب الرحا، قال غيره: معناه أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدونها، قاله ابن عباس وقتادة، وقال ابن زيد وابن كيسان : يعني بهما تحسب الأوقات والآجال، وقال الضحاك : يجريان بقدر.","part":7,"page":299},{"id":3300,"text":"[6] { وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } ، النجم ما ليس له ساق من النبات، والشجر ما له ساق يبقى في الشتاء، وسجودهما سجود ظلهما كما قال: { يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ } وقال مجاهد : النجم هو الكوكب وسجوده طلوعه.\r[7] { وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا } ، فوق الأرض، { وَوَضَعَ }{ الْمِيزَانَ } ، قال مجاهد : أراد بالميزان العدل، المعنى أنه أمر بالعدل، يدل عليه قوله تعالى:\r[8] { أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ } ، أي لا تجاوزوا العدل.\rوقال الحسن وقتادة والضحاك : أراد به الذي يوزن به ليوصل به الإنصاف والانتصاف، وأصل الوزن التقدير.\rألا تطغوا: يعني لئلا تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق في الميزان.\r[9] { وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ } ، بالعدل، وقال أبو الدرداء وعطاء : معناه أقيموا لسان الميزان بالعدل.\rقال ابن عيينة : الإقامة باليد والقسط بالقلب، { وَلَا تُخْسِرُوا } ، ولا تنقصوا { الْمِيزَانَ } ، ولا تطففوا في الكيل والوزن.\r[10] { وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ } ، للخلق الذين بثهم فيها.","part":7,"page":300},{"id":3301,"text":"[11] { فِيهَا فَاكِهَةٌ } ، يعني أنواع الفواكه، قال ابن كيسان : ما يتفكهون به من النعم التي لا تحصى، { وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ } ، الأوعية التي يكون فيها التمر، لأن تمر النخل يكون في غلاف ما لم ينشق، واحدها كم، وكل ما ستر شيئا فهو كم، وكمة، ومنه كم القميص، ويقال للقلنسوة كمة، قال الضحاك : ذات الأكمام أي ذات الغلف.\rوقال الحسن : أكمامها ليفها.\rوقال ابن زيد : هو الطلع قبل أن ينفتق.\r[12] { وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ } ، أراد بالحب جميع الحبوب التي يقتات بها.\rقال مجاهد : هو ورق الزرع.\rوالعصف ورق كل شيء يخرج منه الحب، وقال ابن عباس : هو التبن.\rوعنه: هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس، نظيره: { كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ } .\r{ وَالرَّيْحَانُ } ، هو الرزق في قول الأكثرين، قال ابن عباس : كل ريحان في القرآن فهو رزق.\rقال الحسن وابن زيد : هو ريحانكم الذي يشم، قال الضحاك : العصف هو التبن والريحان ثمرته.","part":7,"page":301},{"id":3302,"text":"[13] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ، أيها الثقلان يريد من هذه الأشياء المذكورة وكرر هذه الآية في هذه السورة تقريرا للنعمة وتأكيدا في التذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع، يعدد على الخلق آلاءه ويفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها، كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها: ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا؟ ألم تك خاملا فعززتك أفتنكر هذا؟ ومثل هذا التكرار سائغ في كلام العرب حسن تقريرا.\r[14] { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } .\r[15] { وَخَلَقَ الْجَانَّ } ، وهو أبو الجن وقال الضحاك : هو إبليس، { مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ } ، وهو الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه.\rقال مجاهد : وهو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت، من قولهم مرج أمر القوم إذا اختلط.","part":7,"page":302},{"id":3303,"text":"[16 - 17] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ } ، مشرق الصيف ومشرق الشتاء.\r{ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } ، مغرب الصيف ومغرب الشتاء.\r[18] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r[19] { مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ } ، العذب والمالح أرسلهما وخلاهما { يَلْتَقِيَانِ } .\r[20] { بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ } ، حاجز من قدرة الله تعالى، { لَا يَبْغِيَانِ } ، لا يختلطان ولا يتغيران ولا يبغي أحدهما على صاحبه.\rوقال قتادة : لا يطغيان على الناس بالغرق.\r[21] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r[22] { يَخْرُجُ مِنْهُمَا } ، قرأ أهل المدينة والبصرة ( يخرج ) بضم الياء وفتح الراء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الراء، { اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ } ، وإنما يخرج من المالح دون العذب، وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئان ثم يخص أحدهما بفعل كما قال عز وجل: { يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } وكان الرسل من الإنس دون الجن وقال بعضهم: يخرج من ماء السماء وماء البحر.","part":7,"page":303},{"id":3304,"text":"قال ابن جريج : إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها فحيثما وقعت قطرة كانت لؤلؤة، واللؤلؤة ما عظم من الدر، والمرجان صغارها.\r[23 ،24] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ وَلَهُ الْجَوَارِي } ، السفن الكبار، { الْمُنْشَآتُ } ، وقرأ حمزة وأبو بكر : ( المنشآت ) بكسر الشين، أي المنشآت السير يعني اللاتي ابتدأن وأنشأن السير، وقرأ الآخرون بفتح الشين أي المرفوعات وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض.\rوقيل: هي ما رفع قلعه من السفن، وأما ما لم يرفع قلعه فليس من المنشآت.\rوقيل: المخلوقات المسخرات، { فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } ، كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل شبه السفن في البحر بالجبال في البر.\r[25] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r[26] { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا } ، أي على الأرض من حيوان فإنه، { فَانٍ } ، هالك.\r[27] { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } ، أي مكرم أنبيائه وأوليائه بلطفه مع جلاله وعظمته. 28،\r[29] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، من ملك وإنس وجن.","part":7,"page":304},{"id":3305,"text":"وقال قتادة : معناه لا يستغني عنه أهل السماء والأرض.\rقال ابن عباس : فأهل السماوات يسألونه المغفرة وأهل الأرض يسألونه الرزق والتوبة والمغفرة.\rوقال مقاتل : يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأله الملائكة أيضا لهم الرزق والمغفرة.\r{ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } ، قال مقاتل : نزلت في اليهود حين قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا.\rقال المفسرون: من شأنه أن يحصي ويميت ويرزق، ويعز قوما ويذل قوما ويشفي مريضا ويفك عانيا ويفرج مكروبا ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويغفر ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء. 30،\r[31] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ سَنَفْرُغُ لَكُمْ } ، وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، كقول القائل لأتفرغن لك، وما به شغل، وهذا قول ابن عباس والضحاك، وإنما حسن هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن.\rوقال آخرون: معناه سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم، كقول القائل الذي لا شغل له: قد تفرغت لك.","part":7,"page":305},{"id":3306,"text":"وقال بعضهم: إن الله وعد أهل التقوى وأوعد أهل الفجور، ثم قال: سنفرغ لكم مما وعدناكم، وأخبرناكم فنحاسبكم ونجازيكم وننجز لكم ما وعدناكم، وأخبرناكم فنحاسبكم ونجازيكم وننجز لكم ما وعدناكم، فنتم ذلك ونفرغ منه، والى هذا ذهب الحسن ومقاتل .\r{ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } ، أي الجن والإنس، سميا ثقلين لأنهما ثقلا على الأرض أحياء وأمواتا. 32،\r[33] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا } ، أي تجوزوا وتخرجوا، { مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، أي من جوانبهما وأطرافهما، { فَانْفُذُوا } ، معناه إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السماوات والأرض فاهربوا واخرجوا منها.","part":7,"page":306},{"id":3307,"text":"والمعنى حيثما كنتم أدرككم الموت، كما قال جل ذكره: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ } وقيل: يقال لهما هذا يوم القيامة إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا، { لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } ، أي: بملك، وقيل: بحجة، والسلطان: القوة التي يتسلط بها على الأمر، فالملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد حيثما توجهتم كنتم في ملكي وسلطاني.\rوروي عن ابن عباس قال: معناه: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله عز وجل.\r[34] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }\r[35] { يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ } ، وهو اللهيب الذي لا دخان فيه، هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال مجاهد : هو اللهب الأخضر المنقطع من النار، { وَنُحَاسٌ } قال سعيد بن جبير والكلبي : النحاس الدخان، وهو رواية عطاء عن ابن عباس، وقال مجاهد وقتادة : النحاس هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، وهو رواية العوفي عن ابن عباس .\rوقال عبد الله بن مسعود النحاس هو المهل.","part":7,"page":307},{"id":3308,"text":"{ فَلَا تَنْتَصِرَانِ } ، أي فلا تمتنعان من عذاب الله ولا يكون لكم ناصر منه. 36،\r[37] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ فَإِذَا انْشَقَّتِ } ، انفرجت، { السَّمَاءُ } ، فصارت أبوابا لنزول الملائكة { فَكَانَتْ وَرْدَةً } ، أي كلون الفرس الورد، وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة والصفرة، { كَالدِّهَانِ } ، جمع دهن، شبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه، وهو قول الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع، وقال عطاء بن أبي رباح : كالدهان كعصير الزيت يتلون في الساعة ألوانا.\rوقال مقاتل : كدهن الورد الصافي.\rوقال ابن جريج تصير السماء كالدهن الذائب وذلك حين يصيبها حر جهنم.\rوقال الكلبي : كالدهان أي كالأديم الأحمر وجمعه أدهنة ودهن.\r[38 - 39] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ } ، قال الحسن وقتادة : لا يسألون عن ذنوبهم لتعلم من جهتهم، لأن الله عز وجل علمها منهم، وكتبت الملائكة عليهم، وهي رواية العوفي عن ابن عباس .","part":7,"page":308},{"id":3309,"text":"وعنه أيضا: لا تسأل الملائكة المجرمين لأنهم يعرفونهم بسيماهم، دليله ما بعده، وهذا قول مجاهد .\rوعن ابن عباس في الجمع بين هذه الآية وبين قوله: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } ، قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يسألهم لم عملتم كذا وكذا؟ وعن عكرمة أنه قال: إنها مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها.\rوعن ابن عباس أيضا لا يسألون سؤال شفقة ورحمة وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ.\rوقال أبو العالية : لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.","part":7,"page":309},{"id":3310,"text":"[40 - 41] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ } ، وهو سواد الوجوه وزرقة العيون، كما قال جل ذكره: { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }{ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ } ، تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار.\r[42] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }\r[43] ثم يقال لهم { هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا }{ الْمُجْرِمُونَ } المشركون.\r[44] { يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } ، قد انتهى حره.\rقال الزجاج : أنى يأنى فهو آن إذا انتهى في النضج، والمعنى: أنهم يسعون بين الجحيم والحميم فإذا استغاثوا من حر النار جعل عذابهم الحميم الآني الذي صار كالمهل، وهو قوله: { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } ، وقال كعب الأحبار : آن واد من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون في ذلك الوادي حتى تنخلع أوصالهم ثم يخرجون منه وقد أحدث الله تعالى بهم خلقا جديدا فيلقون في النار، وذلك قوله: { يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } .","part":7,"page":310},{"id":3311,"text":"[45] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ، وكل ما ذكر الله تعالى من قوله: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } إلى ههنا مواعظ وزواجر وتخويف، وكل ذلك نعمة من الله تعالى لأنها تزجر عن المعاصي، ولذلك ختم كل آية بقول { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ثم ذكر ما أعده لمن اتقاه وخافه.\r[46] فقال: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ } ، أي مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية والشهوة.\rوقيل: قيام ربه عليه بيانه قوله: { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } وقال إبراهيم النخعي ومجاهد : هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من مخافة الله.\rوقوله: { جَنَّتَانِ } ، قال مقاتل : جنة عدن وجنة نعيم.\rقال محمد بن علي الترمذي : جنة لخوفه ربه وجنة لتركه شهوته.\rقال الضحاك : هذا لمن راقب الله في السر والعلانية بعلمه ما عرض له من محرم تركه من خشية الله وما عمل من خير أفضى به إلى الله لا يحب أن يطلع عليه أحد.\rوقال قتادة : إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله ودأبوا بالليل والنهار.\r[47] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ، ثم وصف الجنتين.","part":7,"page":311},{"id":3312,"text":"[48] فقال: { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } ، أغصان واحدها فنن، وهو الغصن المستقيم طولا.\rوهذا قول مجاهد وعكرمة والكلبي، وقال عكرمة : ظل الأغصان على الحيطان.\rقال الحسن : ذواتا ظلال.\rقال ابن عباس : ألوان، وقال قتادة : ذواتا فضل وسعة على ما سواهما.\r[49 - 50] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } ، قال ابن عباس : بالكرامة والزيادة على أهل الجنة.\rقال الحسن : تجريان بالماء الزلال إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل.\rوقال عطاء : إحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين.\r[51 - 52] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ } ، صنفان ونوعان، قيل: معناه إن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطبا ويابسا.\rقال ابن عباس : ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو.\r[53 - 54] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ } ، جمع فراش، { بَطَائِنُهَا } ، جمع بطانة وهي التي تحت الظهارة.\rوقال الزجاج : وهي مما يلي الأرض.\r{ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } ، وهو ما غلظ من الديباج.","part":7,"page":312},{"id":3313,"text":"قال ابن مسعود وأبو هريرة : هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر؟ وقال ابن عباس : وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظواهر.\r{ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } ، الجنى ما يجتنى من الثمار، يريد ثمرهما دان قريب يناله القائم والقاعد والنائم.\rقال ابن عباس : تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما وإن شاء قاعدا.\rقال قتادة : لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.\r[55 - 56] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ } غاضات الأعين ،قصرن طرفهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ولا يردن غيرهم، { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ } لم يجامعهن ولم يفترعهن، وأصله من الدم، ومنه قيل للحائض طامث، كأنه قال لم يدمهن بالجماع، { إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ } ، قال مقاتل : لأنهن خلقهن في الجنة.\rفعلى قوله هؤلاء من حور الجنة.\rوقال الشعبي : هن من نساء الدنيا لم يمسسن مند أنشئن، وهو قول الكلبي : يعني لما يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان.","part":7,"page":313},{"id":3314,"text":"[57 - 58] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ } ، قال قتادة : صفاء الياقوت في بياض المرجان.\r[59 - 60] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } ، أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة.\rوقال ابن عباس : هل جزاء من قال: لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلي الله عليه وسلم إلا الجنة.\r[61 - 62] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } ، أي من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان.\rقال ابن عباس : من دونهما في الدرج.\rوقال ابن زيد : من دونهما في الفضل.\rوقال أبو موسى الأشعري : جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة للتابعين.\rوقال ابن جريج : هن أربع جنان للمقربين السابقين فيهما من كل فاكهة زوجان، وجنتان لأصحاب اليمين والتابعين فيها فاكهة ونخل ورمان .\rوقال الكسائي : { وَمِنْ دُونِهِمَا } أي أمامهما وقبلهما، يدل عليه قول الضحاك : الجنتان الأوليان من ذهب وفضة والأخريان من يا قوت.","part":7,"page":314},{"id":3315,"text":"[63 - 64] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ مُدْهَامَّتَانِ } ، ناعمتان سوداوان من ريهما وشدة خضرتهما، لأن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، يقال: ادهامَّ الزرعُ إذا علاه السواد ريا ادهيماما فهو مدهام.\r[65 - 66] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } ، فوارتان بالماء لا تنقطعان، والنضخ فوران الماء من العين.","part":7,"page":315},{"id":3316,"text":"[67 - 68] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } ، قال بعضهم: ليس النخل والرمان من الفاكهة، والعامة على أنها من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان وهما من جملة الفواكه للتخصيص والتفصيل.\r[69 - 70] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ فِيهِنَّ } ، يعني في الجنات الأربع، { خَيْرَاتٌ حِسَانٌ } ، روى الحسن عن أبيه عن أم سلمة قالت: « قلت لرسول الله صلي الله عليه وسلم: أخبرني عن قوله: { خَيْرَاتٌ حِسَانٌ } ، قال: \"خيرات الأخلاق حسان الوجوه » (1) .\r[71 - 72] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ } ، محبوسات مستورات في الحجال، يقال: امرأة مقصورة وقصيرة إذا كانت مخدرة مستورة لا تخرج.\rوقال مجاهد : يعني قصرن طرفهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يبغين بهم بدلا، { فِي الْخِيَامِ } ، جمع خيمة.\r_________\r(1) رواه الإمام الطبري في تفسيره، بإسناده مرفوعا إلى النبي صلي الله عليه وسلم ، ج 27 / 92 .","part":7,"page":316},{"id":3317,"text":"[73 - 76] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ }{ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ } ، قال سعيد بن جبير : الرفرف رياض الجنة خضر مخضبة.\rويروى ذلك عن ابن عباس، واحدتها رفرفة، وقال: الرفارف جمع الجمع، وقيل: الرفرف البسط، وهو قول الحسن ومقاتل والقرظي .\rوروى العوفي عن ابن عباس : الرفيف فضول المجالس والبسط، وقال الضحاك وقتادة : هي مجالس خضر فوق الفرش.\rوقال ابن كيسان : هي المرافق.\rوقال ابن عيينة : الزرابي.\rوقال غيره: كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف.\r{ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ } ، هي الزرابي والطنافس الثخان، وهي جمع واحدتها عبقرية، وقال قتادة : العبقري عتاق الزرابي، وقال أبو العالية : هي الطنافس المخملة إلى الرقة.\rوقال القتيبي : كل ثوب موشى عند العرب عبقري.\rوقال أبو عبيدة هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي.\rقال الخليل : كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه قول النبي صلي الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه: « فلم أر عبقريا يفري فريه » . (1) .\r_________\r(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في فضائل الصحابة 7 / 41، ومسلم في فضائل الصحابة برقم ( 2393 ) 4 / 1862 .","part":7,"page":317},{"id":3318,"text":"[77، 78] { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }{ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } ، قرأ أهل الشام ( ذو الجلال ) بالواو وكذلك هو في مصاحفهم إجراء على الاسم.","part":7,"page":318},{"id":3319,"text":"( 56 ) سورة الواقعة\r[1] { إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ } ، إذا قامت القيامة.\rوقيل: إذا نزلت صيحة القيامة، وهي النفخة الأخيرة.\r[2] { لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا } ، لمجيئها { كَاذِبَةٌ } كذب، كقوله: { لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً } ، أي لغو، يعني أنها تقع صدقا وحقا.\rوالكاذبة اسم كالعافية والنازلة.\r[3] { خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ } ، تخفض أقواما إلى النار، وترفع آخرين إلى الجنة.\rوقال عطاء عن ابن عباس : تخفض أقواما كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواما كانوا في الدنيا مستضعفين.\r[4] { إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا } ، حركت وزلزلت زلزلة، قال الكلبي : إن الله إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.\rقال المفسرون: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى ينهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال وغيرها.\rوأصل الرج في اللغة التحريك، يقال: رججته فارتج.\r[5] { وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا } ، قال عطاء ومقاتل ومجاهد : فتتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول.\rقال سعيد بن المسيب والسدي : كسرت كسرا، وقال الكلبي : سيرت على وجه الأرض تسييرا.","part":7,"page":319},{"id":3320,"text":"قال الحسن : قلعت من أصلها فذهبت، نظيرها: { فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا } قال ابن كيسان : جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.\r[6] { فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا } غبارا متفرقا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء.\r[7] { وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا } ، أصنافا، { ثَلَاثَةً } .\r[8] ثم فسرها فقال: { فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } ، هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقال ابن عباس : هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه، وقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي.\rوقال الضحاك : هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.\rوقال الحسن والربيع : هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله وهم التابعون بإحسان، ثم عجب نبيه صلي الله عليه وسلم ، فقال: { مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } ، وهذا كما يقال: زيد ما زيد يراد زيد شديد.\r[9] { وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ } ، يعني أصحاب الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى الشؤمى، ومنه يسمى الشام واليمين، لأن اليمن عن يمين الكعبة، والشام عن شمالها، وهم الذين يؤخد بهم ذات الشمال إلى النار.","part":7,"page":320},{"id":3321,"text":"وقال ابن عباس : هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية وقال الله لهم: هؤلاء في النار ولا أبالي.\rوقال الضحاك : هم الذين يؤتون كتبهم بشمالهم.\rوقال الحسن : هم المشائيم على أنفسهم وكانت أعمارهم في المعاصي.\r[10] { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } ، قال ابن عباس : السابقون إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.\rوقال عكرمة : السابقون إلى الإسلام.\rقال ابن سيرين : هم الذين صلوا إلى القبلتين، دليله قوله: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ } ، قال الربيع بن أنس : السابقون إلى إجابة الرسول صلي الله عليه وسلم في الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى.\rوقال مقاتل : إلى إجابة الأنبياء صلوات الله عليهم بالإيمان.\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: إلى الصلوات الخمس.\rوقال الضحاك : إلى الجهاد.\rوقام سعيد بن جبير : هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر.\rقال الله تعالى: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } ثم أثنى عليهم فقال: { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } قال ابن كيسان : والسابقون إلى كل ما دعا الله إليه.","part":7,"page":321},{"id":3322,"text":"وروي عن كعب : هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة.\rوقيل: هم أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله.\rوقال القرظي : إلى كل خير.\r[11] { أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ } ، من الله. 12،\r[13] { فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ }{ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ } ، أي من الأمم الماضية من لدن آدم عليه السلام إلى زمان نبينا صلي الله عليه وسلم، والثلة: الجماعة غير محصورة العدد.\r[14] { وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ } ، يعني من هذه الأمة، قال الزجاج : الذين عاينوا جميع النبيين من لدن آدم عليه الصلاة والسلام وصدقوهم، أكثر ممن عاين النبي صلي الله عليه وسلم.\r[15] { عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ } ، منسوجة كما توضن حلق الدرع فيدخل بعضها في بعض.\rقال المفسرون: هي موصولة منسوجة بالذهب والجواهر.\rوقال الضحاك : موضونة مصفوفة.\r[16] { مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ } ، لا ينظر بعضهم في قفا بعض.","part":7,"page":322},{"id":3323,"text":"[17] { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ } للخدمة، { وِلْدَانٌ } غلمان، { مُخَلَّدُونَ } ، لا يموتون ولا يهرمون ولا يتغيرون.\rوقال الفراء : تقول العرب لمن كبر ولمن شمط إنه مخلد.\rقال ابن كيسان : يعني ولدانا لا يحولون من حالة إلى حالة.\rقال سعيد بن جبير : مقرطون يقال خلد جاريته إذا حلاها بالخلد، وهو القرط.\rقال الحسن : هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها لأن الجنة لا ولادة فيها فهم خدم أهل الجنة.\r[18] { بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ } ، فالأكواب جمع كوب وهي الأقداح المستديرة الأفواه لا آذان لها ولا عرف، والأباريق وهي ذوات الخراطيم سميت أباريق لبريق لونها من الصفاء.\r{ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ } ، خمر جارية.\r[19] { لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا } ، لا تصدع رؤوسهم من شربها، { وَلَا يُنْزِفُونَ } ، أي لا يسكرون، هذا إذا قرئ بفتح الزاي ومن كسر فمعناه لا ينفد شرابهم.\r[20] { وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ } ، يختارون ما يشتهون، يقال تخيرت الشيء إذا أخذت خيره.","part":7,"page":323},{"id":3324,"text":"[21] { وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ } ، قال ابن عباس : يخطر على قلبه لحم الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى، ويقال إنه يقع على صحفة الرجل فيأكل منه ما يشتهي ثم يطير فيذهب.\r[22] { وَحُورٌ عِينٌ } ، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي : بكسر الراء والنون، أي وبحور عين، وقيل: معناه ويكرمون بفاكهة ولحم طير وحور عين وقال الأخفش رفع على معنى لهم حور عين، وجاء في تفسيره في حور بيض ضخام العيون.\r[23] { كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ } ، المخزون في الصدف لم تمسه الأيدي.\r[24] { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\r[25،\r[26] { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا }{ إِلَّا قِيلًا } ، أي قولا: { سَلَامًا سَلَامًا } ، نصبهما اتباعا لقوله قيلا أي يسمعون قيلا سلاما سلاما.\rقال عطاء : يحيي بعضهم بعضا بالسلام، ثم ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال جل ذكره:\r[27،\r[28] { وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ }{ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ } ، لا شوك فيه كأنه خضد شوكه أي قطع ونزع منه، هذا قول ابن عباس وعكرمة .\rوقال الحسن : لا يعقر الأيدي.\rقال ابن كيسان : هو الذي لا أذى فيه.","part":7,"page":324},{"id":3325,"text":"قال الضحاك ومجاهد : هو الموقر حملا.\r[29] { وَطَلْحٍ } ، أي موز، واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.\rوقال الحسن : ليس هو بالموز ولكنه شجر لها ظل بارد طيب.\rقال الفراء وأبو عبيدة : الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.\rوروى مجاهد عن الحسن بن سعيد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه: { وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ } ، فقال.\rوما شأن الطلح إنما هو طلح منضود ثم قرأ { طَلْعُهَا هَضِيمٌ } قلت: يا أمير المؤمنين إنها في المصحف بالحاء أفلا تحولها؟ فقال: إن القرآن لا يهاج اليوم ولا يحول، والمنضود المتراكم الذي قد نضد بالحمل من أوله إلى آخره، ليس هو سوق بارزة، قال مسروق : أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها ثمر كله.\r[30] { وَظِلٍّ مَمْدُودٍ } ، دائم لا تنسخه الشمس والعرب تقول للشيء الذي لا ينقطع ممدود.\r[31] { وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ } ، مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع. 32،","part":7,"page":325},{"id":3326,"text":"[33] { وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ }{ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ } ، قال ابن عباس : لا تنقطع إذا جنيت ولا تمتنع من أحد أراد أخذها وقال بعضهم: لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان، كما ينقطع أثر ثمار الدنيا إذا جاء الشتاء، ولا يتوصل إليها إلا بالثمن.\rوقال القتيبي : يعني لا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا.\r[34] { وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ } ، قال علي رضي الله عنه: { وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ } على الأسرة.\rوقال جماعة من المفسرين.\rبعضها فوق بعض فهي مرفوعة عالية.\rوقيل: أراد بالفرش النساء والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا على الاستعارة، مرفوعة رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا دليل هذا التأويل قوله في عقبه:\r[35] { إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً } ، خلقناهن خلقا جديدا، قال ابن عباس : يعني الآدميات العجز الشمط، يقول خلقناهن بعد الهرم خلقا آخر.\r[36] { فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا } ، وقال المسيب ابن شريك : هن عجائز الدنيا أنشأهن الله تعالى خلقا جديدا كلما آتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا.\rوذكر المسيب عن غيره أنهن فضلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.","part":7,"page":326},{"id":3327,"text":"وقال مقاتل وغيره: هن الحور العين أنشأهن الله لم يقع عليهن ولادة فجعلناهن أبكارا عذارى وليس هناك وجع.\r[37] { عُرُبًا } جمع عروب أي عواشق محببات إلى أزواجهن.\rوقال أسامة بن زيد عن أبيه: عربا حسنات الكلام.\r{ أَتْرَابًا } ، مستويات في السن على سن واحد.\r[38] قوله عز وجل: { لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ } ، يريد أنشأهن لأصحاب اليمين.\r[39] { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ } ، من المؤمنين الذين كانوا قبل هذه الأمة.\r[40] { وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ } ، من مؤمني هذه الأمة، وذهب جماعة إلى أن الثلتين جميعا من هذه الأمة.\r[41 - 42] قوله تعالى: { وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ }{ فِي سَمُومٍ } ، ريح حارة، { وَحَمِيمٍ } ، ماء حار.\r[43] { وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ } ، دخان شديد السواد، تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد، وقال الضحاك : النار سوداء وأهلها سود، وكل شيء فيها أسود.\rوقال ابن كيسان : اليحموم اسم من أسماء النار.\r[44] { لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ } ، قال قتادة : لا بارد المنزل ولا كريم المنظر.\rوقال سعيد بن المسيب : ولا كريم: ولا حسن، نظيره { مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } .","part":7,"page":327},{"id":3328,"text":"وقال مقاتل : طيب.\r[45] { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ } ، يعني في الدنيا، { مُتْرَفِينَ } ، منعمين.\r[46] { وَكَانُوا يُصِرُّونَ } ، يقيمون { عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ } ، على الذنب الكبير وهو الشرك.\rوقال الشعبي : { الْحِنْثِ الْعَظِيمِ } اليمين الغموس.\rومعنى هذا: أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا في ذلك.\r[47] { وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } ، قرأ أبو جعفر ونافع والكسائي ويعقوب ( أئذا ) مستفهما، ( إنا ) بتركه، وقرأ الآخرون بالاستفهام فيهما.","part":7,"page":328},{"id":3329,"text":"[48 - 55] { أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ }{ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ }{ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ }{ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ }{ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ }{ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ }{ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ }{ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ } و ( الهيم ) الإبل العطاش، قال عكرمة وقتادة : الهيام داء يصيب الإبل لا تروى معه ولا تزال تشرب حتى تهلك.\rيقال: جمل أهيم، وناقة هيماء، والإبل هيم.\rوقال الضحاك وابن عيينة : ( الهيم ) الأرض السهلة ذات الرمل.\r[56] { هَذَا نُزُلُهُمْ } ، يعني ما ذكر من الزقوم والحميم، أي رزقهم وغذاؤهم وما أعد لهم، { يَوْمَ الدِّينِ } ، يوم يجازون بأعمالهم، ثم احتج عليهم في البعث:\r[57] فقال تعالى: { نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ } ، قال مقاتل : خلقناكم ولم تكونوا شيئا وأنتم تعلمون ذلك، { فَلَوْلَا } ، فهلا { تُصَدِّقُونَ } ، بالبعث.\r[58] { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ } ، تصبون في الأرحام من النطف. 59،","part":7,"page":329},{"id":3330,"text":"[60] { أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ } ، يعني أأنتم تخلقون ما تمنون بشرا، { أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ }{ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ } ، قال مقاتل : فمنكم من يبلغ الهرم ومنكم من يموت صبيا وشابا.\rوقال الضحاك : تقديره إنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء، فعلى هذا يكون معنى ( قدرنا ) : قضينا.\r{ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } ، بمغلومين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم فذلك قوله عز وجل:\r[61] { عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ } ، يعني نأتي بخلق مثلكم بدلا منكم، { وَنُنْشِئَكُمْ } ، نخلقكم { فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ } الصور، قال مجاهد: في أي خلق شئنا.\rوقال الحسن : أي نبدل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم، يعني: إن أردنا أن نفعل ذلك ما فاتنا ذلك.\rوقال سعيد بن المسيب : فيما لا تعلمون يعني في حواصل طير سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف.\rوبرهوت: واد باليمن.\r[62] { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى } ، الخلقة الأولى ولم تكونوا شيئا.\r{ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ } ، أني قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.","part":7,"page":330},{"id":3331,"text":"[63] { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ } ، يعني: تثيرون من الأرض وتلقون فيها من البذر.\r[64] { أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ } ، تنبتونه، { أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ } ، المنبتون.\r[65] { لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا } ، قال عطاء : نبتا لا قمح فيه، وقيل: هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء، { فَظَلْتُمْ } ، وأصله فظللتم، حذفت إحدى اللامين تخفيفا.\r{ تَفَكَّهُونَ } ، تتعجبون بما نزل بكم في زرعكم، وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل .\rوقيل: تندمون على نفقاتكم، وهو قول يمان، نظيره: { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } [الكهف: 42] وقال الحسن : تندمون على ما سلف منكم من المعصية التي أوجبت تلك العقوبة.\rوقال عكرمة : تتلاومون.\rوقال ابن كيسان : تحزنون.\rقال الكسائي : هو تلهف على ما فات وهو من الأضداد، تقول العرب: تفكهت أي: تنعمت، وتفكهت أي: حزنت.\r[66] { إِنَّا لَمُغْرَمُونَ } ، قرأ أبو بكر عن عاصم ( أئنا ) بهمزتين وقرأ الآخرون على الضم، ومجاز الآية فظلتم تفكهون وتقولون إنا لمغرمون.\rوقال مجاهد وعكرمة : لموقع (1) . بنا.\rوقال ابن عباس وقتادة : معذبون، والغرام: العذاب.\r_________\r(1) في نسخة : ( لمولع بنا ) .","part":7,"page":331},{"id":3332,"text":"وقال الضحاك وابن كيسان : غرمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرما علينا، والمغرم: الذي ذهب ماله بغير عوض وهو قوله:\r[67] { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } ، محدودون ممنوعون، أي حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع.\r[68 - 70] { أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ }{ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ } ، السحاب، واحدتها مزنة، { أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ } لَوْ { نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا } ، قال ابن عباس : شديد الملوحة، قال الحسن : مرا.\r{ فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ } .\r[71] { أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ } ، تقدحون وتستخرجون من زندكم. 72،\r[73] { أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا } ، التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار، { أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ } ، { نَحْنُ جَعَلْنَاهَا } خلقناها يعني نار الدنيا، { تَذْكِرَةً } ، للنار الكبرى إذا رآها الرائي ذكر جهنم، قاله عكرمة ومجاهد ومقاتل .\rوقال عطاء : موعظة يتعظ بها المؤمن، { وَمَتَاعًا } ، بلغة ومنفعة، { لِلْمُقْوِينَ } ، المسافرين.","part":7,"page":332},{"id":3333,"text":"والمقوي: النازل في الأرض، وَالْقِيُّ وَالْقَوُّ هو: القفر الخالية البعيدة من العمران، يقال أقوت الدار إذا خلت من سكانها، والمعنى أنه ينتفع بها أهل البوادي والأسفار، فإن منفعتهم بها أكثر من منفعة المقيم وذلك أنهم يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع ويهتدي بها الضلال وغير ذلك من المنافع، هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال مجاهد وعكرمة : { لِلْمُقْوِينَ } يعني: للمستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز.\rقال الحسن : بلغة للمسافرين يتبلغون بها إلى أسفارهم، وقال ابن زيد : للجائعين تقول العرب أقويت منذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.\rقال قطرب : ( المقوي ) من الأضداد يقال للفقير: مُقْوٍ لخلوه من المال، ويقال للغني مُقْوٍ لقوته على ما يريد، يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابه وكثر ماله، وصار إلى حالة القوة، والمعنى أن فيها متاعا للأغنياء والفقراء جميعا لا غنى لأحد عنها.\r[74] { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } .","part":7,"page":333},{"id":3334,"text":"[75] قوله عز وجل: { فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } ، قال أكثر المفسرين: معناه أقسم و ( لا ) صلة، وكان عيسى بن عمر يقرأ: ( فلأقسم ) على التحقيق.\rوقيل: قوله ( لا ) رد لما قاله الكفار في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة، معناه ليس الأمر كما يقولون ثم استأنف القسم، فقال ( أقسم بمواقع النجوم ) .\rقرأ حمزة والكسائي : ( بموقع ) على التوحيد، وقرأ الآخرون ( بمواقع ) على الجمع.\rقال ابن عباس : أراد نجوم القرآن فإنه كان نزل على رسول الله صلي الله عليه وسلم متفرقا نجوما.\rوقال جماعة من المفسرين: أراد مغارب النجوم ومساقطها.\rوقال عطاء بن أبي رباح : أراد منازلها.\rوقال الحسن : أراد انكدارها وانتثارها يوم القيامة.","part":7,"page":334},{"id":3335,"text":"[76 - 77] { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ }{ إِنَّهُ } ، يعني هذا الكتاب وهو موضع القسم، { لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } ، عزيز مكرم لأنه كلام الله.\rقال بعض أهل المعاني: الكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير.\r[78] { فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ } ، مصون عند الله في اللوح المحفوظ من الشياطين.\r[79] { لَا يَمَسُّهُ } ، أي ذلك الكتاب المكنون، { إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } ، وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة، وروى حسان عن الكلبي قال: هم السفرة الكرام البررة.\rوروى محمد بن الفضل عنه: لا يقرؤه إلا الموحدون.\rقال عكرمة : وكان ابن عباس ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءة القرآن.\rقال الفراء : لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به.\rوقال قوم: معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والجنابات.\rوظاهر الآية نفي ومعناها نهي، قالوا: لا يجوز للجنب ولا للحائض ولا المحدث حمل المصحف ولا مسه، وهو قول عطاء وطاوس وسالم والقاسم وأكثر أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي .\rوقال الحكم وحماد وأبو حنيفة : يجوز للمحدث والجنب حمل المصحف ومسه بغلاف، والأول قول أكثر الفقهاء.","part":7,"page":335},{"id":3336,"text":"[80] { تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، أي القرآن منزل من عند رب العالمين، سمي المنزل تنزيلا على اتساع اللغة؟ كما يقال للمقدور قدر وللمخلوق خلق.\r[81] { أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ } ، يعني القرآن، { أَنْتُمْ } ، يا أهل مكة، { مُدْهِنُونَ } ، قال ابن عباس : مكذبون.\rوقال مقاتل بن حيان : كافرون، نظيره: { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } ، والمدهن والمداهن الكذاب والمنافق، وهو من الإدهان وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر، هذا أصله ثم قيل للمكذب مدهن وإن صرح بالتكذيب والكفر.\r[82] { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ } ، حظكم ونصيبكم من القرآن، { أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } ، قال الحسن في هذه الآية: خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به.\rوقال جماعة من المفسرين: معناه وتجعلون شكركم أنكم تكذبون.\rوقال الهيثم بن عدي : إن من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان بمعنى ما شكر وهذا في الاستسقاء بالأنواء وذلك أنهم كانوا يقولون إذا مطروا: مطرنا بنوء كذا ولا يرون ذلك من فضل الله تعالى، فقيل لهم: أتجعلون رزقكم أي شكركم بما رزقتم يعني شكر رزقكم التكذيب، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.","part":7,"page":336},{"id":3337,"text":"[83] قوله عز وجل: { فَلَوْلَا } ، فهلا، { إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } , أي بلغت النفس الحلقوم عند الموت.\r[84] { وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ } , يريد وأنتم يا أهل الميت تنظرون إليه متى تخرج نفسه.\rوقيل: معنى قوله: ( تنظرون ) أي إلى أمري وسلطاني لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئا.\r[85] { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ } ، بالعلم والقدرة والرؤية.\rوقيل: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم، { وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } ، الذين حضروه.\r[86] { فَلَوْلَا } ، فهلا { إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ } ، مملوكين، وقال أكثرهم: محاسبين ومجزيين.","part":7,"page":337},{"id":3338,"text":"[87] { تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعدما بلغت الحلقوم فأجاب عن قوله: { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } وعن قوله { فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ } بجواب واحد، ومثله قوله عز وجل: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } أجيبا بجواب واحد، معناه: إن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث ولا حساب ولا إله يجازي فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم، وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز وجل فآمنوا به، ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم فقال:\r[88] { فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ } ، وهم السابقون.\r[89] { فَرَوْحٌ } ، قرأ يعقوب ( فروح ) بضم الراء والباقون بفتحها فمن قرأ بالضم، قال الحسن معناه: تخرج روحه في الريحان، وقال قتادة : الروح: الرحمة أي له الرحمة، وقيل: معناه فحياة وبقاء لهم، ومن قرأ بالفتح معناه: فله روح وهو الراحة، وهو قول مجاهد .\rوقال سعيد بن جبير : فرح.\rوقال الضحاك : مغفرة ورحمة.","part":7,"page":338},{"id":3339,"text":"{ وَرَيْحَانٌ } ، استراحة، وقال مجاهد وسعيد بن جبير : رزق.\rوقال مقاتل : هو الرزق بلسان حمير، يقال خرجت أطلب ريحان الله أي رزق الله.\rوقال آخرون: هو الريحان الذي يشم قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه.\r{ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ } ، قال أبو بكر الوراق : الروح النجاة من النار، والريحان دخول دار القرار.\r[90,91] { وَأَمَّا إِنْ كَانَ } المتوفى، { مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ }{ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ } أي سلامة لك يا محمد منهم فلا تهتم لهم فإنهم سلموا من عذاب الله، أو أنك ترى فيهم من تحب من السلامة.\rقال مقاتل : هو أن الله تعالى يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم.\rوقال الفراء وغيره: فسلام لك إنهم من أصحاب اليمين، أو يقال لصاحب اليمين: سلام لك إنك من أصحاب اليمين، فألقيت إن كان الرجل يقول إني مسافر عن قليل، فتقول له: أنت مصدق مسافر عن قليل، وقيل: فسلام لك أي عليك من أصحاب اليمين.\r[92] { وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ } ، بالبعث، { الضَّالِّينَ } ، عن الهدى وهم أصحاب المشأمة.","part":7,"page":339},{"id":3340,"text":"[93] { فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ } ، فالذي يعد لهم حميم جهنم.\r[94] { وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } ، وإدخال نار عظيمة.\r[95] { إِنَّ هَذَا } ، يعني ما ذكر من قصة المحتضرين، { لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } ، أي الحق اليقين أضافه إلى نفسه.\r[96] { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } ، قيل: فصل بذكر ربك وأمره، وقيل: الباء زائدة أي فسبح اسم ربك العظيم.","part":7,"page":340},{"id":3341,"text":"( 57 ) سورة الحديد\r[1] { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }\r[2] { لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r[3] { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } ، يعني هو الأول قبل كل شيء بلا ابتداء بل كان هو ولم يكن شيء موجودا، والآخر بعد فناء كل شيء بلا انتهاء، تفنى الأشياء ويبقى هو والظاهر الغالب العالي على كل شيء، والباطن العالم بكل شيء، هذا معنى قول ابن عباس .\rوقال يمان : هو الأول القديم والآخر الرحيم، والظاهر الحليم، والباطن العليم.\rوقال السدي : هو الأول ببره إذ عرفك توحيده، والآخر بجوده إذ عرفك التوبة على ما جنيت، والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له، والباطن بستره إذا عصيته فستر عليك.\rوقال الجنيد : هو الأول بشرح القلوب، والآخر بغفران الذنوب، والظاهر بكشف الكروب، والباطن بعلم الغيوب.\rوسأل عمر رضي الله تعالى عنه كعبا عن هذه الآية فقال: معناها إن علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن. { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }","part":7,"page":341},{"id":3342,"text":"[4] { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ } ، بالعلم، { أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }\r[5] { لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }\r[6, 7] { يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }{ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } ، يخاطب كفار مكة، { وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } ، مملكين فيه يعني المال الذي كان بيد غيرهم فأهلكهم وأعطاه قريشا فكانوا في ذلك المال خلفاء ممن مضوا، { فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ }","part":7,"page":342},{"id":3343,"text":"[8] { وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ } قرأ أبو عمرو ( أخذ ) بضم الهمزة وكسر الخاء ( ميثاقكم ) برفع القاف على ما لم يسم فاعله، وقرأ الآخرون بفتح الهمزة والخاء ونصب القاف، أي: أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم عليه السلام، بأن الله ربكم لا إله لكم سواه، قاله مجاهد .\rوقيل: أخذ ميثاقكم بإقامة الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } يوما فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والإعلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن.\r[9] { هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ } ، محمد صلى الله عليه وسلم، { آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } ، يعني بالقرآن، { لِيُخْرِجَكُمْ } ، الله بالقرآن، { مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } ، وقيل: ليخرجكم الرسول بالدعوة من الظلمات إلى النور أي من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، { وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }","part":7,"page":343},{"id":3344,"text":"[10] { وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله وأنتم ميتون تاركون أموالكم، ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله وبالجهاد فقال: { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ } ، يعني فتح مكة في قول أكثر المفسرين، وقال الشعبي : هو صلح الحديبية، { وَقَاتَلَ } : لا يستوي في الفضل من أنفق ماله وقاتل العدو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة مع من أنفق وقاتل بعده، { أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } ، أي كلا الفريقين وعدهم الله الجنة.\rقال عطاء : درجات الجنة تتفاضل فالذين أنفقوا قبل الفتح في أفضلها.\rوقرأ ابن عامر ( وكل ) بالرفع، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }","part":7,"page":344},{"id":3345,"text":"[11 - 12] { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ }{ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ } ، يعني على الصراط، { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } , يعني عن أيمانهم.\rقال بعضهم: أراد جميع جوانبهم فعبر بالبعض عن الكل وذلك دليلهم إلى الجنة، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتي نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتي نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره أعلى إبهامه فيطفأ مرة وَيَقِدُ مرة.\rوقال الضحاك ومقاتل : يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم كتبهم يريد أن كتبهم التي أعطوها بأيمانهم ونورهم بين أيديهم، وتقول لهم الملائكة.\r{ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }\r[13] { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا } ، قرأ الأعمش وحمزة : ( أنظرونا ) بفتح الهمزة وكسر الظاء يعني أمهلونا.\rوقيل: انتظرونا.","part":7,"page":345},{"id":3346,"text":"وقرأ الآخرون بحذف الألف في الوصل وضمها في الابتداء وضم الظاء، تقول العرب: انظرني وأنظرني يعني انتظرني.\r{ نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } نستضيء من نوركم، وذلك أن الله تعالى يعطي المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم، وهو قوله عز وجل: ( وهو خادعهم ) ، بينما هم يمشون إذا بعث الله عليهم ريحا وظلمة فأطفأت نور المنافقين، فذلك قوله: { يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين.","part":7,"page":346},{"id":3347,"text":"وقال الكلبي : بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا للمؤمنين: انظرونا نقتبس من نوركم، { قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ } ، قال ابن عباس : يقول لهم المؤمنون، وقال قتادة : تقول لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم، { فَالْتَمِسُوا نُورًا } ، فاطلبوا هناك لأنفسكم نورا فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم ليلقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: { فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ } ، أي سور، والباء صلة يعني بين المؤمنين والمنافقين، وهو حائط بين الجنة والنار، له أي لذلك السور، { لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } ، أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة { وَظَاهِرُهُ } ، أي خارج ذلك السور، { مِنْ قِبَلِهِ } ، أي من قبل ذلك الظاهر، { الْعَذَابُ } وهو النار.","part":7,"page":347},{"id":3348,"text":"[14] { يُنَادُونَهُمْ } يعني: ينادون المنافقون المؤمنين من وراء السور حين حجب بينهم بالسور وبقوا في الظلمة: { أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ } ، في الدنيا نصلي ونصوم: { قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ } ، أهلكتموها بالنفاق والكفر، واستعملتموها في المعاصي والشهوات، وكلها فتنة، { وَتَرَبَّصْتُمْ } ، بالإيمان والتوبة.\rوقال مقاتل : وتربصتم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقلتم يوشك أن يموت فنستريح منه، { وَارْتَبْتُمْ } , شككتم في نبوته وفيما أوعدكم به، { وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ } ، الأباطيل وما كنتم تتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين، { حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ } ، يعني الموت، { وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } ، يعني الشيطان، قال قتادة : ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار.\r[15] { فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ } بدل وعوض بأن تفدوا أنفسكم من العذاب، { وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، يعني المشركين، { مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } صاحبكم وأولى بكم لما أسلفتم من الذنوب { وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .","part":7,"page":348},{"id":3349,"text":"[16] قوله عز وجل: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ } ، قال الكلبي ومقاتل : نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة، وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب، فنزلت: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصا من غيره، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزل: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا } فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت هذه الآية.\rفعلى هذا تأويل قوله: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ } ، يعني في العلانية وباللسان.\rوقال الآخرون: نزلت في المؤمنين.\rقال عبد الله بن مسعود : \"ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ } إلا أربع سنين\".","part":7,"page":349},{"id":3350,"text":"وقال ابن عباس : إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشر من نزول القرآن، فقال: { أَلَمْ يَأْنِ } ألم يحن للذين آمنوا أن تخشع ترق وتلين وتخضع قلوبهم لذكر الله، { وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ } ، وهو القرآن، { وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ } ، وهم اليهود والنصارى، { فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ } ، الزمان بينهم وبين أنبيائهم، { فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } ، قال ابن عباس : مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله، والمعنى أن الله عز وجل ينهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر.\r{ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } ، يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.","part":7,"page":350},{"id":3351,"text":"[17 - 18] وقوله عز وجل: { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }{ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ } ، قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم : بتخفيف الصاد فيهما من التصديق أي المؤمنين والمؤمنات، وقرأ الآخرون بتشديدهما، أي المتصدقين والمتصدقات أدغمت التاء في الصاد، { وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } ، بالصدقة والنفقة في سبيل الله عز وجل، { يُضَاعَفُ لَهُمْ } ، ذلك القرض { وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } ، ثواب حسن وهو الجنة.","part":7,"page":351},{"id":3352,"text":"[19] { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ } ، والصديق الكثير الصدق، قال مجاهد : كل من آمن بالله ورسله فهو صديق وتلا هذه الآية.\rقال الضحاك : هم ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة، وتاسعهم عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته.\r{ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ } ، اختلفوا في نظم هذه الآية منهم من قال: هي متصلة بما قبلها والواو واو النسق، وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين.\rوقال الضحاك : هم الذين سميناهم.\rوقال مجاهد : كل مؤمن صديق شهيد، وتلا هذه الآية، وقال قوم: تم الكلام عند قوله: { هُمُ الصِّدِّيقُونَ } ثم ابتدأ فقال: والشهداء عند ربهم، والواو واو الاستئناف، وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة، ثم اختلفوا فيهم فقال قوم: هم الأنبياء الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول مقاتل بن حياد .","part":7,"page":352},{"id":3353,"text":"وقال مقاتل بن سليمان : هم الذين استشهدوا في سبيل الله، { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } ، بما عملوا من العمل الصالح، { وَنُورُهُمْ } ، على الصراط { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } .","part":7,"page":353},{"id":3354,"text":"[20] قوله عز وجل: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } , أي الحياة الدنيا، ( ما ) صلة أي إن الحياة في هذه الدار، { لَعِبٌ } ، باطل لا حاصل له، { وَلَهْوٌ } ، فرح ثم ينقضي، { وَزِينَةٌ } ، منظر تتزينون به { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } , يفخر به بعضكم على بعض، { وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ } , أي مباهاة بكثرة الأموال والأولاد، ثم ضرب لها مثلا فقال { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ } ، أي الزراع، { نَبَاتُهُ } ، ما نبت من ذلك الغيث، { ثُمَّ يَهِيجُ } ييبس، { فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا } ، بعد خضرته ونضرته، { ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا } ، يتحطم ويتكسر بعد يبسه ويفنى، { وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ } قال مقاتل : لأعداء الله، { وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ } لأوليائه وأهل طاعته، { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } ، قال سعيد بن جبير : متاع الغرور لمن لم يشتغل فيها بطلب الآخرة، ومن اشتغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه.","part":7,"page":354},{"id":3355,"text":"[21] { سَابِقُوا } ، سارعوا، { إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } ، لو وصل بعضها ببعض، { أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } فبين أن أحدا لا يدخل الجنة إلا بفضل الله.\r[22] قوله عز وجل: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ } ، يعني قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار، { وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ } ، يعني الأمراض وفقد الأولاد، { إِلَّا فِي كِتَابٍ } ، يعني اللوح المحفوظ، { مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا } , من قبل أن نخلق الأرض والأنفس.\rقال ابن عباس : من قبل أن نبرأ المصيبة.\rوقال أبو العالية : يعني النسمة، { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } ، أي إثبات ذلك على كثرته هين على الله عز وجل.\r[23] { لِكَيْ لَا تَأْسَوْا } ، تحزنوا، { عَلَى مَا فَاتَكُمْ } من الدنيا، { وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ } ، قرأ أبو عمرو بقصر الألف لقوله { فَاتَكُمْ } , فجعل الفعل له، وقرأ الآخرون ( آتاكم ) بمد الألف، أي: أعطاكم.","part":7,"page":355},{"id":3356,"text":"{ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } متكبر بما أوتي من الدنيا، { فَخُورٍ } يفخر به على الناس.\r[24] { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ } ، قيل: هو في محل الخفض على نعت المختال.\rوقيل: هو رفع بالابتداء وخبره فيما بعده.\r{ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ } ، أي يعرض عن الإيمان { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }","part":7,"page":356},{"id":3357,"text":"[25] قوله عز وجل: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ } ، بالآيات والحجج، { وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ } ، يعني العدل.\rوقال مقاتل بن سليمان : هو ما يوزن به أي ووضعنا الميزان كما قال: { وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا } بأن وضع الميزان { لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } ، ليتعاملوا بينهم بالعدل، { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ } ، قال أهل المعاني معنى قوله: ( أنزلنا الحديد ) ، أنشأنا وأحدثنا، أي أخرج لهم الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه.\rوقال قطرب : هذا من النزل كما يقال أنزل الأمير على فلان نزلا حسنا فمعنى الآية أنه جعل ذلك نزلا لهم.\rومثله قوله: { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } .\r{ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } ، قوة شديدة يعني السلاح للحرب.","part":7,"page":357},{"id":3358,"text":"قال مجاهد : فيه جنة وسلاح يعني آلة الدفع وآلة الضرب { وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } ، مما ينتفعون به في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحوها إذ هو آلة لكل صنعة، { وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ } ، أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليعلم الله وليرى الله، { مَنْ يَنْصُرُهُ } ، أي دينه، { وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } ، أي قام بنصرة الدين لم ير الله ولا الآخرة وإنما يحمد ويثاب من أطاع الله بالغيب.\r{ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } ، قوي في أمره عزيز في ملكه.","part":7,"page":358},{"id":3359,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }{ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ } على دينه { رَأْفَةً } ، وهي أشد الرقة، { وَرَحْمَةً } ، كانوا متوادين بعضهم لبعض، كما قال الله تعالى في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( رحماء بينهم ) ، { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا } ، من قبل أنفسهم وليس هذا بعطف على ما قبله وانتصابه بفعل مضمر كأنه قال: وابتدعوا رهبانية أي جاءوا بها من قبل أنفسهم، { مَا كَتَبْنَاهَا } ، أي ما فرضناها، { عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ } ، يعني ولكنهم ابتغوا رضوان الله بتلك الرهبانية، وتلك الرهبانية ما حملوا أنفسهم من المشاق في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال، { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } ، أي لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى فتهودوا وتنصروا ودخلوا في دين","part":7,"page":359},{"id":3360,"text":"ملوكهم وتركوا الترهيب، وأقام منهم أناس على دين عيسى عليه الصلاة والسلام حتى أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وذلك قوله تعالى: { فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ } ، وهم الذين ثبتوا عليها وهم أهل الرأفة والرحمة، { وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } ، وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى عليه الصلاة والسلام.","part":7,"page":360},{"id":3361,"text":"[28] فقال الله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ } الخطاب لأهل الكتابين من اليهود والنصارى، يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم { وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم، { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ } نصيبين، { مِنْ رَحْمَتِهِ } ، يعني يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى عليه الصلاة والسلام والإنجيل، وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقال قوم: انقطع الكلام عند قوله ( رحمة ) ثم قال: ورهبانية ابتدعوها وذلك أنهم تركوا الحق فأكلوا الخنزير وشربوا الخمر وتركوا الوضوء والغسل من الجنابة والختان، فما رعوها يعني الطاعة والملة حق رعايتها كناية عن غير مذكور، فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، وهم أهل الرأفة والرحمة وكثير منهم فاسقون، وهم الذين ابتدعوا الرهبانية، وإليه ذهب مجاهد .\rمعنى قوله: { إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ } على هذا التأويل: ما أمرناهم وما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وما أمرنا لهم بالترهب.","part":7,"page":361},{"id":3362,"text":"{ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ } ، قال ابن عباس ومقاتل : يعني على الصراط، كما قال: { نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النور هو القران.\rوقال مجاهد : هو الهدى والبيان، أي يجعل لكم سبيلا واضحا في الدين تهمدون به، { وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }\r[29] ثم قال: { لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } ، قال قتادة : حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم، فأنزل الله تعالى: { لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } ، قال مجاهد : قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا به، فأنزل الله تعالى: { لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } أي ليعلم و ( لا ) صلة، { أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } ، أي ليعلم الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم، ولا نصيب لهم في فضل الله، { وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }","part":7,"page":362},{"id":3363,"text":"( 58 ) سورة المجادلة\r[1] { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا } ، الآية نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت وكانت حسنة الجسم وكان به لمم فأرادها فأبت، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: « يا رسول الله إن زوجي ظاهر مني، وقد ندم فهل من شيء يجمعني وإياه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"حرمت عليه \" فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ }» الآيات (1) ومعنى قوله { قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ } وتخاصمك وتحاورك وتراجعك في زوجها، { وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا } ، مراجعتكما الكلام، { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } ، سميع لما تناجيه وتتضرع إليه، بصير بمن يشكو إليه.\r_________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في التفسير 2 / 277 وصححه الحاكم 2 / 481 وانظر تفسير ابن كثير 4 / 319.","part":7,"page":363},{"id":3364,"text":"[2] ثم ذم الظهار فقال: { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } ، أي ما اللواتي يجعلونهن مع زوجاتهم كالأمهات، المعنى ليس هن بأمهاتهم، { إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ } ، أي ما أمهاتهم، { إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ } ، لا يعرف في شرع { وَزُورًا } ، كذبا، { وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } ، عفا عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم.\r[3] { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } اختلف أهل العلم في العود فقال أهل الظاهر: هو إعادة لفظ الظهار، وهو قول أبي العالية، وقال: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } أي إلى ما قالوا، أي أعادوه مرة أخرى، فإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة عليه، وذهب قوم إلى أن الكفارة تجب بنفس الظهار والمراد من العود هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من نفس الظهار، وهو قول مجاهد والثوري .","part":7,"page":364},{"id":3365,"text":"وقال قوم: المراد من العود الوطء، وهو قول الحسن وقتادة وطاوس والزهري، وقالوا لا كفارة عليه ما لم يطأها، وقال قوم هو العزم على الوطء، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وفسر ابن عباس العود بالندم، فقال.\rيندمون فيرجعون إلى الألفة ومعناه هذا.\rقال الفراء : يقال عاد فلان لما قال أي فيما قال: وفي نقض ما قال، يعني رجع عما قال، قوله: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } والمراد بالتماس المجامعة فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر عنها ما لم يكفر سواء أراد التكفير بالإعتاق أو بالصيام أو بالإطعام، وعند مالك : إن أراد التكفير بالإطعام يجوز له الوطء قبله لأن الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل المسيس وقال في الإطعام: { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } ولم يقل: { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } وعند الآخرين الإطلاق في الطعام محمول على المقيد في العتق والصيام.\r{ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ } ، تؤمرون به، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .","part":7,"page":365},{"id":3366,"text":"[4] { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } يعني الرقبة، { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ }{ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } يعني المظاهر إذ لم يستطع الصوم لمرض أو كبر أو فرط شهوة لا يصبر عن الجماع يجب عليه إطعام ستين مسكينا، { ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } ، لتصدقوا ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم من الله عز جل، { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } ، يعني ما وصف من الكفارات في الظهار، { وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، قال ابن عباس : لمن جحده وكذب به.\r[5] { إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ، أي يعادون الله ورسوله ويشاقون ويخالفون أمرهما، { كُبِتُوا } ، أذلوا وأخزوا وأهلكوا، { كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا } ، إليك، { آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ } .","part":7,"page":366},{"id":3367,"text":"[6 - 7] { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ } ، حفظ الله أعمالهم، { وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ } ، أي من سرار ثلاثة يعني من المسارة، أي: ما من شيء يناجي به الرجل صاحبيه، { إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ } ، بالعلم، وقيل: معناه ما يكون من متناجين ثلاثة يسار بعضهم بعضا إلا هو رابعهم بالعلم يعلم نجواهم { وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .","part":7,"page":367},{"id":3368,"text":"[8] { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى } ، نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك عليهم وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم ألا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى } أي المناجاة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ } ، أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها { وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ } ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه، { وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ } ، وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم { وَيَقُولُونَ } السام عليك، والسام الموت وهم يوهمونه أنهم يقولون السلام عليك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم فيقول: \"عليكم \" فإذا خرجوا قالوا: { فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ }","part":7,"page":368},{"id":3369,"text":"يريدون لو كان نبيا حقا لعذبنا الله بما نقول، قال الله عز وجل: { حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .\r[9] فقال: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ } ، أي كفعل المنافقين واليهود، وقال مقاتل أراد بقوله: ( آمنوا ) المنافقين أي آمنوا بلسانهم.\rقال عطاء : يريد الذي آمنوا بزعمهم قال لهم لا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، { وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }\r[10] { إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ } ، أي من تزيين الشيطان، { لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا } ، أي إنما يزين لهم ذلك ليحزن المؤمنين، { وَلَيْسَ } ، التناجي، { بِضَارِّهِمْ شَيْئًا } ، وقيل: ليس الشيطان بضارهم شيئا، { إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه » .","part":7,"page":369},{"id":3370,"text":"[11] قوله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا } ، أي توسعوا في المجلس، قرأ الحسن وعاصم : في المجالس لأن الكل جالس مجلسا معناه ليتفسح كل رجل في مجلسه، وقرأ الآخرون ( في المجلس ) على التوحيد لأن المراد منه مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، { فَافْسَحُوا } : أوسعوا، يقول فسح يفسح فسحا إذا وسع في المجلس، { يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ } ، يوسع الله لكم الجنة، والمجالس فيها، { وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا } أي ارتفعوا، قيل: ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لإخوانكم، وقال مجاهد وأكثر المفسرين: معناه إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة وإلى الجهاد وإلى مجالس كل خير وحق فقوموا لها ولا تقصروا، { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ } ، بطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وقيامهم من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم، { وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } ، من المؤمنين بفضل علمهم وسابقتهم، { دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ، قال الحسن : قرأ ابن مسعود هذه الآية وقال: أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبنكم في العلم","part":7,"page":370},{"id":3371,"text":"فإن الله تعالى يقول: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات.","part":7,"page":371},{"id":3372,"text":"[12] قوله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ } ، أمام مناجاتكم، { صَدَقَةً } ، قال ابن عباس : وذلك أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثروا حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف على نبيه ويثبطهم ويردعهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقة على المناجاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم, { ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ } ، يعني تقديم الصدقة على المناجاة، { وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، يعني الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به معفو عنهم.\r[13] { أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا } ، قال ابن عباس : أبخلتم؟ والمعنى: أخفتم العيلة والفاقة إن قدمتم، { بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا } ، ما أمرتم به، { وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } ، تجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وقيل: الواو صلة مجازه فإن لم تفعلوا تاب الله عليكم تجاوز عنكم وخفف عنكم، ونسخ الصدقة.\rقال مقاتل بن حيان : كان ذلك عشر ليال ثم نسخ.\rوقال الكلبي : ما كانت إلا ساعة من نهار.","part":7,"page":372},{"id":3373,"text":"{ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } ، المفروضة، { وَآتُوا الزَّكَاةَ } ، الواجبة، { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }","part":7,"page":373},{"id":3374,"text":"[14] { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } ، نزلت في المنافقين تولوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم وأراد بقوله: { غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } اليهود، { مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ } ، يعني المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاية ولا من اليهود والكافرين، كما قال: { مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ }{ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، قال السدي ومقاتل : نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجراته إذ قال: « يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان \" فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق العينين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"علام تشتمني أنت وأصحابك؟!\" فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه، » فأنزل الله عز وجل هذه الآيات (1) ، فقال: ويحلفون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كذبة.\r_________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص761، وقال ابن حجر في الكافي: «لم أجده هكذا»، ثم ذكر نحوه من رواية سماك عن ابن جبير عن ابن عباس، وقد أخرجه أحمد والبزار والطبراني وابن أبي حاتم والحاكم.","part":7,"page":374},{"id":3375,"text":"[15 - 16] { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }{ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ } , الكاذبة, { جُنَّةً } يستجنون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم، { فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، صدوا المؤمنين عن جهادهم بالقتل وأخذ أموالهم، { فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ }\r[17 - 18] { لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ } ، يوم القيامة، { أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }{ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ } ، ما كانوا مشركين، { كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } ، في الدنيا { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ } من أيمانهم الكاذبة، { أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ } .","part":7,"page":375},{"id":3376,"text":"[19 - 20] { اسْتَحْوَذَ } ، غلب واستولى، { عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ }{ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ } ، الأسفلين أي هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة.","part":7,"page":376},{"id":3377,"text":"[21] { كَتَبَ اللَّهُ } ، قضى الله قضاء ثابتا، { لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } نظيره قوله: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ }{ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ } قال الزجاج : غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب فهو غالب بالحجة.\r[22] قوله عز وجل: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } ، الآية أخبر أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكفار وأن من كان مؤمنا لا يوالي من كفر، إن كان من عشيرته، { أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } ، أثبت التصديق في قلوبهم فهي موقنة مخلصة.\rوقيل: حكم لهم بالإيمان فذكر القلوب لأنها موضعه.\r{ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } ، قواهم بنصر منه، قال الحسن : سمى نصره إياهم روحا لأن أمرهم يحيا به.\rوقال السدي : يعني بالإيمان.","part":7,"page":377},{"id":3378,"text":"وقال الربيع : يعني بالقران وحججه، كما قال: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا } وقيل: برحمة منه.\rوقيل: أمدهم بجبريل عليه السلام.\r{ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا }{ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }","part":7,"page":378},{"id":3379,"text":"( 59 ) سورة الحشر\r[1 - 2] { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }{ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } ، يعني بني النضير، { مِنْ دِيَارِهِمْ } ، التي كانت بيثرب، قال ابن إسحاق : كان إجلاء بني النضير بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد، وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان.\r{ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } ، قال الزهري : كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا.\rقال ابن عباس : من شك أن الحشر بالشام فليقرأ هذه الآية فكان هذا أول حشر إلى الشام، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( اخرجوا ) قالوا: إلى أين؟ قال: \"إلى أرض المحشر\" ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام، وقال الكلبي: إنما قال لأول الحشر لأنهم كانوا أول مع أجلي من أهل الكتاب من جريرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\rقال مرة الهمداني : كان أول الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحاء من الشام في أيام عمر .","part":7,"page":379},{"id":3380,"text":"وقال قتادة : كان هذا أول الحشر، والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا { مَا ظَنَنْتُمْ } ، أيها المؤمنون، { أَنْ يَخْرُجُوا } ، من المدينة لعزتهم ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون وعقار ونخيل كثيرة، { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ } ، أي وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله، { فَأَتَاهُمُ اللَّهُ } ، أي أمر الله وعذابه، { مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا } ، وهو أنه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك، { وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ } ، بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ } ، قال الزهري : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالحهم على أن لهم ما أقلت الإبل كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم فيهدمونها وينزعون منها ما يستحسنونه فيحملونه على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها.\rقال ابن زيد : كانوا يقلعون العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدران ويقلعون الخشب حتى الأوتاد يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون حسدا منهم وبغضا.","part":7,"page":380},{"id":3381,"text":"قال قتادة : كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ويخربها اليهود من داخلها.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها لتتسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم في أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذلك قوله عز وجل: { فَاعْتَبِرُوا } ، فاتعظوا وانظروا فيما نزل بهم، { يا أُولِي الْأَبْصَارِ } ، يا ذوي العقول والبصائر.","part":7,"page":381},{"id":3382,"text":"[3 - 4] { وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ } ، الخروج من الوطن، { لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا } ، بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة، { وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ }{ ذَلِكَ } ، الذي لحقهم، { بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .\r[5] { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ } الآية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخليهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فسادا، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا.","part":7,"page":382},{"id":3383,"text":"وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها، فأنزل الله هذه الآية، بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم، أخبر الله في هذه الآية أن ما قطعتموه وما تركوه فبإذن الله، { أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } ، واختلفوا في اللينة فقال قوم: النخل كلها لينة ما خلا العجوة، وقال مجاهد وعطية : هي النخل كلها من غير استثناء، وقال سفيان : هي كرام النخل.\rوقال مقاتل : هي ضرب من النخل يقال لثمرها اللون، وهو شديد الصفرة يرى نواه من خارج يغيب فيها الضرس، وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة منها ثمنها ثمن وصيف، وأحب إليهم من وصيف، فلما رأوهم يقطعونها شق ذلك عليهم وقالوا للمؤمنين: إنكم تكرهون الفساد في الأرض وأنتم تفسدون، دعوا هذا النخل قائما هو لمن غلب عليه، فأخبر الله تعالى أن ذلك بإذنه.","part":7,"page":383},{"id":3384,"text":"[6] { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ } ، أي: رده على رسوله، يقال: فاء يفيء أي رجع وفاءها الله، { مِنْهُمْ } ، أي من يهود بني النضير، { فَمَا أَوْجَفْتُمْ } ، أوضعتم، { عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجيفا وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير، وأراد بالركاب الإبل التي تحمل القوم.\rوذلك أن بني النضير لما تركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسمها بينهم، كما فعل بغنائم خيبر، فبين الله تعالى في هذه الآية أنها فيء لم يوجف المسلمون عليها خيلا ولا ركابا ولم يقطعوا إليها شقة ولا نالوا مشقة ولم يلقوا حربا.\r{ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فجعل أموال بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء, فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة .","part":7,"page":384},{"id":3385,"text":"[7] قوله عز وجل: { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } ، يعني من أموال كفار أهل القرى، قال ابن عباس : هي قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة: { فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } , قد ذكرنا في سورة الأنفال حكم الغنيمة وحكم الفيء: أن مال الفيء كان لرسول الله في حياته يضعه حيث يشاء وكان ينفق منه على أهله نفقة سنتهم ويجعل ما بقى مجعل مال الله, { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً } , قرأ العامة بالياء { دُولَةً } نصب أي لكيلا يكون الفيء دولة, وقرأ أبو جعفر ( تكون ) بالتاء ( دولة ) بالرفع على اسم كان أي كيلا يكون الأمر إلى دولة, وجعل الكينونة بمعنى الوقوع وحينئذ لا خبر له والدولة اسم للشيء الذي يتداوله القوم بينهم, { بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } , يعني بين الرؤساء والأقوياء, معناه كيلا يكون الفيء دولة بين الأغنياء والأقوياء فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء, وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا اغتنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها لنفسه, وهو المرباع, ثم يصطفي منها بعد المرباع ما شاء, فجعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم يقسمه","part":7,"page":385},{"id":3386,"text":"فيما أمر به, ثم قال { وَمَا آتَاكُمُ } أعطاكم, { الرَّسُولُ } , من الفيء والغنيمة, { فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ } من الغلول وغيره, { فَانْتَهُوا } , وهذا نازل في أموال الفيء, وهو عام في كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنه, { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ثم بين من له الحق في الفيء فقال:\r[8] { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا } , رزقا { مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } أي أخرجوا إلى دار الهجرة طلبا لرضا الله عز وجل, { وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } في إيمانهم.\rقال قتادة : هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والعشائر وخرجوا حبا لله ولرسوله, واختاروا الإسلام على ما كانوا فيه من شدة.\r[9] { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ } وهم الأنصار تبوءوا الدار توطنوا الدار, أي المدينة اتخذوها دار الهجرة والإيمان, { مِنْ قَبْلِهِمْ } , أي أسلموا في ديارهم وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين.","part":7,"page":386},{"id":3387,"text":"ونظم الآية والذين تبوءوا الدار من قبلهم أي من قبل قدوم المهاجرين عليهم, وقد آمنوا لأن الإيمان ليس بمكان تبوأ, { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً } , حزازة وغيظا وحسدا, { مِمَّا أُوتُوا } , أي مما أعطى المهاجرين دونهم من الفيء, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين, ولم يعط منها الأنصار فطابت أنفس الأنصار بذلك, { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ } , أي يؤثرون على إخوانهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم, { وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } , فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون, وذلك أنهم قاسموا ديارهم وأموالهم, { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } , الشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل.\rوفرق العلماء بين الشح والبخل.\rقال ابن عمر : ليس الشح أن يمنع الرجل ماله إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له, وقال سعيد بن جبير : الشح هو أخذ الحرام ومنع الزكاة.\rوقيل: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم.","part":7,"page":387},{"id":3388,"text":"[10] { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } , يعني التابعين وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة, ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان والمغفرة, فقال: { يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا } غشا وحسدا وبغضا، { لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } , فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاثة منازل، المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من أقسام المؤمنين.","part":7,"page":388},{"id":3389,"text":"قال ابن أبي ليلى الناس على ثلاثة منازل: المهاجرين، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجا من هذه المنازل، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فسببتموهم! سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: « لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها » (1) ، وقال مالك بن مغول : قال عمر بن شراحيل الشعبي : يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ فقالت: أصحاب موسى عليه السلام، وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: حواري عيسى عليه السلام، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم! أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة لا تقوم لهم راية ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم، وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة (2) ، قال مالك بن أنس : من يبغض أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا: { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى\r_________\r(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 15 / 125، ويشهد له ما أخرجه في التفسير عن عروة قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم.\r(2) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 85 / 1461، وذكره ابن تيمية في منهاج السنة 1 / 23-26 وقال: هذا الأثر قد روي عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا.","part":7,"page":389},{"id":3390,"text":"رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } حتى أتى على هذه الآية.\r[11] قوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا } أي أظهروا خلاف ما أضمروا يعني عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه، { يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } ، وهم اليهود من بني قريظة والنضير جعل المنافقين إخوانهم في الدين؛ لأنهم كفار مثلهم.\r{ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ } ، من المدينة، { لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا } ، يسألنا خذلانكم وخلافكم، { أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ } ، يعني المنافقين، { لَكَاذِبُونَ }\r[12] { لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ } ، وكان الأمر كذلك، فإنهم أخرجوا من ديارهم فلم يخرج المنافقون معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم، قوله تعالى: { وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ } أي لو قدر وجود نصرهم.\rقال الزجاج : معناه لو قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار منهزمين، { ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ } ، يعني بني النضير لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصرهم.","part":7,"page":390},{"id":3391,"text":"[13] { لَأَنْتُمْ } ، يا معشر المسلمين، { أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ } ، أي يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله، { ذَلِكَ } ، أي ذلك الخوف منكم، { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ } ، عظمة الله.\r[14] { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ } ، يعنى اليهود، { جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ } ، أي لا يبرزون لقتالكم إنما يقاتلونكم متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: { أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ } , قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( جدار ) على الواحد، وقرأ الآخرون ( جدر ) بضم الجيم والدال على الجمع.\r{ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } ، أي بعضهم فظ على بعض وعداوة بعضهم بعضا شديدة.\rوقيل: بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن خلق الله { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } ، متفرقة مختلفة، قال قتادة : أهل الباطل مختلفة أهواؤهم مختلفة شهادتهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق.\rوقال مجاهد : أراد أن دين المنافقين يخالف دين اليهود { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ }","part":7,"page":391},{"id":3392,"text":"[15] { كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ، يعني مثل هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم، { قَرِيبًا } ، يعني مشركي مكة، { ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ } ، يعني القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير، قاله مجاهد .\rوقال ابن عباس : كمثل الذين من قبلهم يعني بني قينقاع.\rوقيل: مثل قريظة كمثل بني النضير وكان بينهما سنتان { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rثم ضرب مثلا للمنافقين واليهود جميعا في تخادعهم.","part":7,"page":392},{"id":3393,"text":"[16] فقال: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ } أي مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم كمثل الشيطان، { إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } .\r[17] { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا } ، يعني الشيطان وذلك الإنسان { أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ } ، قال ابن عباس ضرب الله هذا المثل ليهود بني النضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير عن المدينة فدس المنافقون إليهم، وقالوا: لا تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم فإن قاتلكم فإنا معكم وإن أخرجكم خرجنا معكم، فأجابوهم ودربوا على حصونهم وتحصنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين، حتى جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم فناصبوه الحرب يرجون نصر المنافقين، فخذلوهم وتبرؤوا منهم.","part":7,"page":393},{"id":3394,"text":"[18] قوله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } ، يعني ليوم القيامة، أي لينظر أحدكم أي شيء قدم لنفسه عملا صالحا ينجيه أم سيئا يوبقه، { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }\r[19] { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ } ، تركوا أمر الله، { فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ } ، أي حظوظ أنفسهم حتى لم يقدموا لها خيرا، { أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }\r[20] { لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ } .\r[21] قوله عز وجل: { لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } ، قيل: لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع وتشقق وتصدع من خشية الله مع صلابته ورزانته، حذرا من أن لا يؤدي حق الله عز وجل في تعظيم القرآن، والكافر يعرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها، يصفه بقساوة القلب، { وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } .","part":7,"page":394},{"id":3395,"text":"[22] { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } ، الغيب ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه ولم يعلموه, والشهادة ما شاهدوه وما علموه، { هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } .\r[23] { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ } ، الطاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به، { السَّلَامُ } ، الذي سلم من النقائص، { الْمُؤْمِنُ } ، قال ابن عباس : هو الذي أمن الناس من ظلمه وأمن من آمن به من عذابه، وهو من الأمان الذي هو ضد التخويف كما قال: { وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } وقيل: معناه المصدق لرسله بإظهار المعجزات, والمصدق للمؤمنين بما وعدهم من الثواب، والكافرين بما وعدهم من العقاب { الْمُهَيْمِنُ } ، الشهيد على عباده بأعمالهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي ومقاتل، يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبا على الشيء، وقيل: هو في الأصل مؤيمن قلبت الهمزة هاء، كقولهم أرقت وهرقت، ومعناه المؤمن، وقال الحسن : الأمين.\rوقال الخليل : هو الرقيب الحافظ وقال ابن زيد : المصدق.\rوقال سعيد بن المسيب والضحاك : القاضي.","part":7,"page":395},{"id":3396,"text":"وقال ابن كيسان : هو اسم من أسماء الله تعالى في الكتب والله أعلم بتأويله.\r{ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ } ، قال ابن عباس : الجبار هو العظيم، وجبروت الله عظمته، وهو على هذا القول صفة ذات الله، وقيل: هو من الجبر وهو الإصلاح، يقال: جبرت الكسر والأمر، وجبرت العظم إذا أصلحته بعد الكسر، فهو يغني الفقير ويصلح الكسير.\rوقال السدي ومقاتل : هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد.\rوسئل بعضهم عن معنى الجبار فقال: هو القهار الذي إذا أراد أمرا فعله لا يحجزه عنه حاجز.\r{ الْمُتَكَبِّرُ } ، الذي تكبر عن كل سوء.\rوقيل: المتعظم عما لا يليق به وأصل الكبر والكبرياء الامتناع.\rوقيل: ذو الكبرياء وهو الملك، { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .\r[24] { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ } ، المقدر والمقلب للشيء بالتدبير إلى غيره، كما قال { يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ }{ الْبَارِئُ } ، المنشىء للأعيان من العدم إلى الوجود { الْمُصَوِّرُ } ، الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعض.\rهذه صورة الأمر أي مثاله، فأولا يكون خلقا ثم برءا ثم تصويرا.","part":7,"page":396},{"id":3397,"text":"{ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .","part":7,"page":397},{"id":3398,"text":"( 60 ) سورة الممتحنة","part":7,"page":398},{"id":3399,"text":"[1] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ } قال المفسرون: نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا حاطب ما هذا؟\" قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أما إنه قد صدقكم\" فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: \"إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » فأنزل الله هذه السورة (1) { تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } ، قيل: أي المودة، والباء زائدة كقوله: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } وقال الزجاج : معناه كقوله إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، { وَقَدْ كَفَرُوا } ، الواو للحال أي وحالهم أنهم\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد 6 / 143 ومسلم في فضائل الصحابة برقم ( 2494 ) 4 / 1941.","part":7,"page":399},{"id":3400,"text":"كفروا، { بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ } ، يعني القرآن { يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ } ، من مكة، { أَنْ تُؤْمِنُوا } ، أي لأن آمنتم، كأنه قال يفعلون ذلك لإيمانكم، { بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ } ، هذا شرط جوابه متقدم وهو قوله: { لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ }{ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } ، قال مقاتل بالنصيحة، { وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ } ، من المودة للكفار { وَمَا أَعْلَنْتُمْ } ، أظهرتم بألسنتكم، { وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } ، أخطأ طريق الهدى.\r[2] { إِنْ يَثْقَفُوكُمْ } ، يظفروا بكم ويروكم، { يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } ، بالضرب والقتل، { وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ } ، بالشتم، { وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ } ، كما كفروا.\rيقول: لا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم ولا يوادونكم.","part":7,"page":400},{"id":3401,"text":"[3] { لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ } ، معناه لا يدعونكم ولا يحملنكم ذوو أرحامكم وقراباتكم وأولادكم التي بمكة إلى خيانة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم فلن تنفعكم أرحامكم، { وَلَا أَوْلَادُكُمْ } ، الذين عصيتم الله لأجلهم، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ } ، فيدخل أهل طاعته الجنة وأهل معصيته النار { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }\r[4] { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ } ، قدوة { حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ } ، من أهل الإيمان { إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ } ، من المشركين، { إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ } ، جمع بريء، { وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ } ، جحدنا وأنكرنا دينكم، { وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } ، يأمر حاطبا والمؤمنين بالاقتداء بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذين معه.","part":7,"page":401},{"id":3402,"text":"من المؤمنين في التبرؤ من المشركين، { إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } ، يعني لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره إلا في استغفاره لأبيه المشرك، فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان قد قال لأبيه: لأستغفرن لك، ثم تبرأ منه على ما ذكرناه في سورة التوبة { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } ، يقول إبراهيم لأبيه: ما أغني عنك ولا أدفع عنك عذاب الله إن عصيته وأشركت به، { رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } ، يقول إبراهيم ومن معه من المؤمنين، { وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } .\r[5] { رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } ، قال الزجاج : لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيفتتنوا.\rوقال مجاهد : لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم ذلك.\r{ وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .","part":7,"page":402},{"id":3403,"text":"[6] { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ } ، أي في إبراهيم ومن معه { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ } ، هذا بدل من قوله لكم، وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة، { وَمَنْ يَتَوَلَّ } ، يعرض عن الإيمان ويوال الكفار، { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ } ، عن خلقه، { الْحَمِيدُ } ، فوالى أولياءه وأهل طاعته.\rقال مقاتل : فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة، ويعلم الله شدة وجد المؤمنين بذلك فأنزل الله:\r[7] { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ } أي من كفار مكة، { مَوَدَّةً } ، ففعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم فصاروا لهم أولياء وإخوانا وخالطوهم وناكحوهم، { وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، ثم رخص الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم فقال:","part":7,"page":403},{"id":3404,"text":"[8] { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ } ، أي لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم، { وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } ، تعدلوا فيهم بالإحسان والبر، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } ، قال ابن عباس : نزلت في خزاعة كانوا قد صالحوا النبي صلي الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا، فرخص الله في برهم ثم ذكر الذين نهاهم عن صلتهم فقال:\r[9] { إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ } ، وهم مشركو مكة، { أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .","part":7,"page":404},{"id":3405,"text":"[10] قوله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ } قال ابن عباس : امتحانها أن تستحلف ما خرجت لبغض زوجها ولا عشقا لرجل من المسلمين، ولا رغبة عن أرض إلى أرض، ولا لحديث أحدثته، ولا لالتماس دنيا، وما خرجت إلا رغبة في الإسلام وحبا لله ورسوله.","part":7,"page":405},{"id":3406,"text":"{ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ } ، أي هذا الامتحان لكم والله أعلم بإيمانهن، { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } ، ما أحل الله مؤمنة لكافر، { وَآتُوهُمْ } ، يعني أزواجهم الكفار، مَا أَنْفَقُوا ، عليهن يعني المهر الذي دفعوا إليهن، { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي مهورهن، أباح الله نكاحهن للمسلمين، وإن كان لهن أزواج في دار الكفر لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار، { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } ، والعصم جمع العصمة وهي ما يعتصم به من العقد والنسب، والكوافر جمع الكافرة، ونهى الله المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، يقول من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها، فقد انقطعت عصمة الزوجية بينهما.","part":7,"page":406},{"id":3407,"text":"قال الزهري : فلما نزلت هذه الآية طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأتين كانتا له بمكة مشركتين { وَاسْأَلُوا } أيها المؤمنون، { مَا أَنْفَقْتُمْ } ، أي إن لحقت امرأة منكم بالمشركين مرتدة فاسألوا ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ممن تزوجها منهم، { وَلْيَسْأَلُوا } ، يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم { مَا أَنْفَقُوا } ، من المهر ممن تزوجها منكم، { ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، قال الزهري : لولا الهدنة والعهد الذي كان بين رسول الله صلي الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يرد الصداق، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد، فلما نزلت هذه الآية أقر المؤمنون بحكم الله عز وجل وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمروا من أداء نفقات المسلمين على نسائهم.","part":7,"page":407},{"id":3408,"text":"[11] فأنزل الله عز وجل: { وَإِنْ فَاتَكُمْ } ، أيها المؤمنون، { شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ } ، فلحقن بهم مرتدات، { فَعَاقَبْتُمْ } ، قال المفسرون: معناه غنمتم أي غزوتم فأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة، وقيل: ظهرتم وكانت العاقبة لكم، وقيل: أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم { فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ } ، إلى الكفار منكم، { مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا } ، عليهن من الغنائم التي صارت في أيديكم من أموال الكفار.\rوقيل: فعاقبتم المرتدة بالقتل { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } .","part":7,"page":408},{"id":3409,"text":"[12] قوله عز وجل: { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ } ، الآية، وذلك يوم فتح مكة لما فرغ رسول الله صلي الله عليه وسلم من بيعة الرجال، وهو على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه، وهو يبايع النساء بأمر رسول الله صلي الله عليه وسلم ويبايعهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يعرفها، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : « أبايعهن { عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا } ، فرفعت هند رأسها وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: { وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ }» ، وهي أن تقذف ولدا على زوجها ليس منه، قالت هند : والله إن البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: { وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ } ، قالت هند : ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء.","part":7,"page":409},{"id":3410,"text":"فأقر النسوة بما أخذ عليهن، قوله: { وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ } أراد وأد البنات الذي كان يفعل أهل الجاهلية، قوله: { وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } : ليس المراد منه نهيهن عن الزنا لأن النهي عن الزنا قد تقدم ذكره، بل المراد منه أن تلتقط مولودا وتقول لزوجها هذا ولدي منك، فهو البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، قوله { وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ } : أي في كل أمر وافق طاعة الله.\rقال بكر بن عبد الله المزني : في كل أمر فيه رشد.\rوقال مجاهد : لا تخلو المرأة بالرجال.\rوقال سعيد بن المسيب والكلبي وعبد الرحمن بن زيد : هو النهي عن النوح والدعاء بالويل وتمزيق الثوب وحلق الشعر ونتفه وخمش الوجه، ولا تحدث المرأة الرجال إلا ذا محرم، ولا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر إلا مع ذي محرم.\rقوله: { فَبَايِعْهُنَّ } ، يعني إذا بايعنك فبايعهن، { وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } عن عائشة رضي الله عنها قالت: « كان النبي صلي الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية.","part":7,"page":410},{"id":3411,"text":"{ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا } قالت: وما مست يد رسول الله صلي الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها » (1) .\r[13] قوله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } ، وهم اليهود وذلك أن أناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين، يتوصلون إليهم بذلك فيصيبون من ثمارهم، فنهاهم الله عن ذلك، { قَدْ يَئِسُوا } ، يعني هؤلاء اليهود، { مِنَ الْآخِرَةِ } ، بأن يكون لهم فيها ثواب وخير، { كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ } ، أي كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور من أن يكون لهم حظ وثواب في الآخرة.\r_________\r(1) أخرجه البخاري في الأحكام 13 / 203 ومسلم في الإمارة برقم ( 1866 ) 3 / 1489.","part":7,"page":411},{"id":3412,"text":"( 61 ) سورة الصف\r[1 - 2] { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } ، قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فأنزل الله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا } فابتلوا بذلك يوم أحد فولوا مدبرين، فأنزل الله تعالى { لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } وقال محمد بن كعب : لما أخبر الله تعالى رسوله صلي الله عليه وسلم بثواب الشهداء بدر، قالت الصحابة: لئن لقينا بعده قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد فعيرهم الله بهذه الآية.\rوقال قتادة والضحاك : نزلت في شأن القتال، كان الرجل يقول: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، فنزلت هذه الآية.\rقال ابن زيد : نزلت في المنافقين كانوا يعدون النصر للمؤمنين وهم كاذبون.","part":7,"page":412},{"id":3413,"text":"[3] { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا } ، قوله: { أَنْ تَقُولُوا } في موضع رفع، فهو كقولك بئس رجلا أخوك، ومعنى الآية أي عظم ذلك في المقت والبغض عند الله، أي إن الله يبغض بغضا شديدا أن تقولوا { مَا لَا تَفْعَلُونَ } ، أي تعدوا من أنفسكم شيئا ثم لم تفوا به.\r[4] { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا } ، أي يصفون أنفسهم عند القتال صفا ولا يزولون عن أماكنهم، { كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } ، قد رص بعضه ببعض أي ألزق بعضه ببعض وأحكم فليس فيه فرجة ولا خلل.\rوقيل: أحكم بالرصاص .\r[5] { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ } ، من بني إسرائيل، { يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي } ، وذلك حين رموه بالأدرة، { وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ } ، والرسول يعظم ويحترم، { فَلَمَّا زَاغُوا } ، عدلوا عن الحق، { أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } ، أمالها عن الحق، يعني أنهم لما تركوا الحق بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم عن الحق، { وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } قال الزجاج : يعني لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق.","part":7,"page":413},{"id":3414,"text":"[6] { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } ، والألف فيه للمبالغة في الحمد، وله وجهان أحدهما أنه مبالغة من الفاعل أي الأنبياء كلهم حمادون لله عز وجل وهو أكثر حمدا لله من غيره، والثاني أنه مبالغة من المفعول أي الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة وهو أكثر مناقبا وأجمع للفضائل والمحاسن التي يحمد بها { فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } .\r[7، 8] { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }{ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }\r[9] { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }","part":7,"page":414},{"id":3415,"text":"[10] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ } ، قرأ ابن عامر : تنجِّيكم بالتشديد والآخرون بالتخفيف، { مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } ، نزل هذا حين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه، وجعل ذلك بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيها رضا الله ونيل جنته والنجاة من النار، ثم بين تلك التجارة فقال:\r[11 - 12] { تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }{ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }\r[13] { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا } ، ولكم خصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الآخرة وتلك الخصلة { نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } ، قال الكلبي : هو النصر على قريش، وفتح مكة.\rوقال عطاء : يريد فتح فارس والروم.\r{ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } ، يا محمد بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة ثم حضهم على نصرة الدين وجهاد المخالفين.","part":7,"page":415},{"id":3416,"text":"[14] فقال: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ } ، أي انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى عليه السلام، { مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ } ، أي من ينصرني مع الله، { قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ } ، قال ابن عباس : يعني في زمن عيسى عليه السلام، وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق: فرقة قالوا: كان الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه الله إليه وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، فاقتتلوا فظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث الله محمدا صلي الله عليه وسلم فظهرت المؤمنة على الكافرة، فذلك قوله تعالى: { فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } ، غالبين، وروى مغيرة عن إبراهيم قال: فأصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلي الله عليه وسلم أن عيسى كلمة الله وروحه.","part":7,"page":416},{"id":3417,"text":"( 62 ) سورة الجمعة\r\r[1 - 2] { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ }{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ } يعني العرب كانت أمة أمية لا تكتب ولا تقرأ { رَسُولًا مِنْهُمْ } ، يعني محمدا صلي الله عليه وسلم نسبُه نسبُهم، { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، أي ما كانوا قبل بعثة الرسول إلا في ضلال مبين يعبدون الأوثان.\r[3] { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ } أي المؤمنين الذين يدينون بدينهم؛ لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، فإن المسلمين كلهم أمة واحدة، واختلف العلماء فيهم فقال قوم: هم العجم وقال عكرمة ومقاتل : هم التابعون.\rوقال ابن زيد : هم جميع من دخل في الإسلام بعد النبي صلي الله عليه وسلم { لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } ، أي لم يدركوهم ولكنهم يكونون بعدهم.\rوقيل: لما يلحقوا بهم أي في الفضل والسابقة لأن التابعين لا يدركون شأو الصحابة { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .","part":7,"page":417},{"id":3418,"text":"[4] { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } ، يعني الإسلام والهداية { وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } .\r[5] قوله عز وجل: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ } ، أي كلفوا القيام بها والعمل بما فيها، { ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } ، لم يعملوا بما فيها ولم يؤدوا حقها، { كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } ، أي كتبا من العلم واحدها سفر، قال الفراء : هي الكتب العظام يعني كما أن الحمار يحملها ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها، كذلك اليهود يقرؤون التوراة ولا ينتفعون بها لأنهم خالفوا ما فيها، { بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء يعني من سبق في علمه أنه لا يهديهم.\r[6] { قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ } ، محمد صلي الله عليه وسلم وأصحابه، { فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } ، فادعوا بالموت على أنفسكم، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، أنكم أبناء الله وأحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه.","part":7,"page":418},{"id":3419,"text":"[7 - 8] { وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }{ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }","part":7,"page":419},{"id":3420,"text":"[9] قوله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ } ، أي في يوم الجمعة وأراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } ، أي: فامضوا إليه واعملوا له، وليس المراد من السعي الإسراع إنما المراد منه العمل والفعل، كما قال: { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ } وقال: { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } وكان عمر بن الخطاب يقرأ: ( فامضوا إلى ذكر الله ) وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود .\rوقال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع.\rوعن قتادة في هذه الآية: فاسعوا إلى ذكر الله، قال: فالسعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها { إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } أي الصلاة، وقال سعيد بن المسيب : { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } قال هو موعظة الإمام، { وَذَرُوا الْبَيْعَ } ، يعني البيع والشراء لأن اسم البيع يتناولهما جميعا.\rوإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني، وقال الزهري : عند خروج الإمام.","part":7,"page":420},{"id":3421,"text":"وقال الضحاك : إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء، { ذَلِكُمْ } ، الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع { خَيْرٌ لَكُمْ } ، من المبايعة، { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } مصالح أنفسكم، واعلم أن صلاة الجمعة من فروض الأعيان فتجب على كل من جمع العقل والبلوغ والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر فمن تركها استحق الوعيد، أما الصبي والمجنون فلا جمعة عليهما، لأنهما ليسا من أهل أن يلزمهما فرض الأبدان لنقصان أبدانهما، ولا جمعة على النساء بالاتفاق.\r[10] قوله عز وجل: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } ، أي إذا فرغ من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم { وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } يعني الرزق وهذا أمر إباحة كقوله: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } ، قال ابن عباس : إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد وإن شئت فصل إلى العصر، وقيل: فانتشروا في الأرض ليس لطلب الدنيا ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله.\rوقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول : { وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } هو طلب العلم { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .","part":7,"page":421},{"id":3422,"text":"[11] قوله عز وجل: { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } الآية، عن جابر بن عبد الله قال: « أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي صلي الله عليه وسلم، فثار الناس إلا اثني عشر رجلا فأنزل الله: { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا }» (1) وأراد باللهو الطبل.\rوقيل: كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق.\rوقوله: { انْفَضُّوا إِلَيْهَا } رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم.\rوقال علقمة : « سئل عبد الله بن عمر : أكان النبي صلي الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا؟ قال: أما تقرأ: { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا }» وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة أن يحمد الله ويصلي على النبي صلي الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله، هذه الثلاثة فرض في الخطبتين جميعا، ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن ويدعو للمؤمنين في الثانية فلو ترك واحدة من هذه الخمس لا تصح جمعته عند الشافعي، وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه.\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير ( 8 / 643 ) ، ومسلم في الجمعة ( 2 / 590 رقم 863 ) .","part":7,"page":422},{"id":3423,"text":"وهذا القدر لا يقع عليه اسم الخطبة، وهو مأمور بالخطبة { قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ } ، أي ما عند الله من الثواب على الصلاة والثبات مع النبي صلي الله عليه وسلم خير من اللهو ومن التجارة { وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } ، لأنه موجد الأرزاق فإياه فاسألوا ومنه فاطلبوا.","part":7,"page":423},{"id":3424,"text":"( 63 ) سورة المنافقون\r[1] { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ } ، يعني عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه، { قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } ، لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا.\r[2] { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً } ، سترة { فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ، منعوا الناس عن الجهاد والإيمان بمحمد صلي الله عليه وسلم ، { إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .\r[3] { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا } ، أقروا باللسان إذا رأوا المؤمنين، { ثُمَّ كَفَرُوا } ، إذا خلوا إلى المشركين { فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ } ، بالكفر، { فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ } الإيمان.","part":7,"page":424},{"id":3425,"text":"[4] { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ } ، يعني أن لهم أجساما ومناظر، { وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } ، فتحسب أنه صدق، قال عبد الله بن عباس : كان عبد الله بن أبيّ جسيما فصيحا ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي صلي الله عليه وسلم قوله: { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ } أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام { مُسَنَّدَةٌ } ممالة إلى جدار من قولهم أسندت الشيء إذا أملته، وأراد أنها ليست بأشجار تثمر ولكنها خشب مسندة إلى حائط، { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } ، أي لا يسمعون صوتا في العسكر إن نادى مناد أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة إلا ظنوا من جبنهم وسوء ظنهم أنهم يرادون بذلك وظنوا أنهم قد أتوا، لما في قلوبهم من الرعب.\rوقيل: ذلك لكونهم على وجل من أن ينزل الله فيهم أمرا يهتك أستارهم ويبيح دماءهم ثم قال: { هُمُ الْعَدُوُّ } ، هذا ابتداء وخبره، { فَاحْذَرْهُمْ } ، ولا تأمنهم، { قَاتَلَهُمُ اللَّهُ } ، لعنهم الله { أَنَّى يُؤْفَكُونَ } ، يصرفون عن الحق.","part":7,"page":425},{"id":3426,"text":"[5] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ } ، أي عطفوا وأعرضوا بوجوههم رغبة عن الاستغفار { وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } ، يعرضون عما دعوا إليه، { وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } ، متكبرون عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم.\r[6] { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ } ، يا محمد، { أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } قيل لعبد الله بن أبي ابن سلول في مرض موته: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد صلى الله عليه وسلم! فأنزل الله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ } الآية.","part":7,"page":426},{"id":3427,"text":"[7] ونزل: { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا } ، يتفرقوا، { وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } فلا يعطي أحد أحدا شيئا إلا بإذنه ولا يمنعه إلا بمشيئته، { وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.\r[8] { يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ } ، عن غزوة بني المصطلق، { لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ، فعزة الله قهره من دونه، وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم.\r{ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ذلك، ولو علموا ما قالوا هذه المقالة.","part":7,"page":427},{"id":3428,"text":"[9] قوله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ } لا تشغلكم { أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ } قال المفسرون: يعني الصلوات الخمس نظيره قوله { لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ }{ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي من شغله ماله وولده عن ذكر الله { فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .\r[10] { وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ، قال ابن عباس : يريد زكاة الأموال، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } ، فيسأل الرجعة، { فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي } ، هلا أخرتني أمهلتني، وقيل: ( لا ) صلة فيكون الكلام بمعنى التمني أي لو أخرتني، { إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ } ، فأتصدق وأزكي مالي، { وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ } ، أي من المؤمنين، نظيره قوله تعالى: { وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ } هذا قول مقاتل وجماعة، وقالوا: نزلت الآية في المنافقين.\rوقيل: نزلت الآية في المؤمنين.","part":7,"page":428},{"id":3429,"text":"والمراد بالصلاح هنا الحج، وروى الضحاك وعطية عن ابن عباس أنه قال: ما من أحد يموت وكان له مال لم يؤد زكاته وأطاق الحج فلم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت، وقرأ هذه الآية.\r[11] { وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ، قرأ أبو بكر ( يعملون ) بالياء وقرأ الآخرون بالتاء.","part":7,"page":429},{"id":3430,"text":"( 64 ) سورة التغابن\r[1 - 2] { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ، قال ابن عباس : إن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا، وقال جماعة: معنى الآية إن الله خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا، لأن الله تعالى ذكر الخلق ثم وصفهم بفعلهم، فقال { فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ } ثم اختلفوا في تأويلها، فروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال.\rفمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته كافر في العاقبة.\rوقال عطاء بن أبي رباح : فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب.\rوقيل فمنكم كافر بأن الله تعالى خلقه وهو مذهب الدهرية، ومنكم مؤمن بأن الله خلقه.","part":7,"page":430},{"id":3431,"text":"وجملة القول فيه أن الله خلق الكافر، وكفره فعلا له وكسبا، وخلق المؤمن، وإيمانه فعلا له وكسبا، فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته، فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلم منه، والكافر بعد خلق الله تعالى إياه يختار الكفر لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلمه منه، وهذا طريق أهل السنة والجماعة من سلكه أصاب الحق وسلم من الجبر والقدر.\r[3] { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }\r[4 - 5] { يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ } ، يخاطب كفار مكة، { نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ } ، يعني الأمم الخالية، { فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ } ، يعني ما لحقهم من العذاب في الدنيا، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، في الآخرة.","part":7,"page":431},{"id":3432,"text":"[6] { ذَلِكَ } العذاب، { بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } ، ولم يقل: يهدينا لأن البشر وإن كان لفظه واحدا فإنه في معنى الجمع، وهو اسم الجنس لا واحد له من لفظه، وواحده إنسان، ومعناه ينكرون ويقولون آدمي مثلنا يهدينا، { فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ } ، عن إيمانهم، { وَاللَّهُ غَنِيٌّ } ، عن خلقه، { حَمِيدٌ } ، في أفعاله، ثم أخبر عن إنكارهم البعث.\r[7 - 8] فقال جل ذكره: { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ } ، يا محمد، { بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }{ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا } ، وهو القرآن، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .","part":7,"page":432},{"id":3433,"text":"[9] { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ } ، يعني يوم القيامة يجمع فيه أهل السماوات والأرض، { ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ } ، وهو تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ والمراد، فالمغبون من غبن عن أهله ومنازله في الجنه فيظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان، { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .","part":7,"page":433},{"id":3434,"text":"[10] { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }\r[11] { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } ، بإرادته وقضائه، { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ } ، فيصدق أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله { يَهْدِ قَلْبَهُ } ، يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم لقضائه، { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }\r[12] { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } .\r[13] { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }\r[14] قوله عز وجل: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ } ، قال ابن عباس .","part":7,"page":434},{"id":3435,"text":"هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يهاجروا إلى المدينة فمنعهم أزواجهم وأولادهم، وقالوا صبرنا على إسلامكم فلا نصبر على فراقكم فأطاعوهم، وتركوا الهجرة، فقال تعالى: { فَاحْذَرُوهُمْ } أن تطيعوهم وتدعو الهجرة، { وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، هذا فيمن أقام على الأهل والولد ولم يهاجر فإذا هاجر رأى الذين سبقوه بالهجرة وقد فقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته وولده الذين ثبطوه عن الهجرة، وإن لحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم ولم يصبهم بخير، فأمرهم الله عز وجل بالعفو عنهم والصفح.\r[15] { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } ، بلاء واختبار وشغل عن الآخرة، يقع بسببها الإنسان في العظائم ومنع الحق وتناول الحرام، { وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } ، قال بعضهم.\rلما ذكر الله العداوة أدخل فيه من للتبعيض، فقال.\r{ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ } لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر \"من\" في قول: { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } لأنها لا تخلو عن الفتنة واشتغال القلب.","part":7,"page":435},{"id":3436,"text":"[16] { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ، أي أطقتم، هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }{ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا } ، الله ورسوله، { وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ } ، أي أنفقوا من أموالكم خيرا لأنفسكم، { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } حتى يعطي حق الله من ماله { فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .\r[17 - 18] { إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ }{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }","part":7,"page":436},{"id":3437,"text":"( 65 ) سورة الطلاق\r[1] { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثم خاطب أمته لأنه السيد المقدم، فخطاب الجميع معه، وقيل: مجازه يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء، أي إذا أردتم تطليقهن، كقوله عز وجل: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } أي إذا أردت القراءة.\r{ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } ، أي لطهرهن بالذي يقضينه من عدتهن { وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ } ، أي عدد أقرائها فاحفظوها، قيل: أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثا.\rوقيل: للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى.","part":7,"page":437},{"id":3438,"text":"{ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } ، أراد به إذا كان المسكن الذي طلقها فيه للزوج لا يجوز أن يخرجها منه، { وَلَا يَخْرُجْنَ } ، ولا يجوز لها أن تخرج ما لم تنقض العدة، فإن خرجت لغير ضرورة أو حاجة أثمت { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } ، قال ابن عباس : الفاحشة المبينة أن تبذأ على أهل زوجها فيحل إخراجها، وقال جماعه: أراد بالفاحشة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها، ثم ترد إلى منزلها، ويروى ذلك عن ابن مسعود، وقال قتادة : معناه إلا أن يطلقها على نشوزها فلها أن تتحول من بيت زوجها، والفاحشة: النشوز.\rوقال ابن عمر والسدي : خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة.\r{ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } ، يعني ما ذكر من سنة الطلاق وما بعدها، { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } ، يوقع في قلب الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين، وهذا يدل على أن المستحب أن يفرق الطلقات، ولا يوقع الثلاث دفعة واحدة حتى إذا ندم أمكنته المراجعة.","part":7,"page":438},{"id":3439,"text":"[2] { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } ، أي قربن من انقضاء عدتهن، { فَأَمْسِكُوهُنَّ } ، أي راجعوهن، { بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } ، أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فتبين منكم، { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } ، على الرجعة أو الفراق أمر بالإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق، { وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ } ، أيها الشهود، { ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } ، قال عكرمة والشعبي والضحاك : ومن يتق الله فيطلق للسنة يجعل له مخرجا إلى الرجعة، وأكثر المفسرين قالوا: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يسمى مالكا فأتى النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أسر العدو ابني وشكا إليه أيضا الفاقة، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم: « اتق الله واصبر وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله » ففعل الرجل ذلك، فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو، فأصاب إبلا وجاء إلى أبيه (1) .\r[3] { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } ، ما ساق من الغنم.\r_________\r(1) أورد الواحدي بغير سند، وأورده السيوطي في الدر ( 6 / 233 ) من رواية ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس، وكذا أخرجه الثعلبي من هذا الوجه كما في الكافي الشافي لابن حجر، وأخرجه الطبري من طريق سالم بن أبي الجعد مرسلا، ووصله الحاكم عن جابر، وفي سنده عبيد الله بن كثير تركه الأزدي، ورواه الخطيب في تاريخه من طريق جويبر ( متروك ) عن الضحاك.","part":7,"page":439},{"id":3440,"text":"قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن مسعود : هو أن يعلم أنه من قبل الله وأن الله رازقه.\rوقال الرببع بن خثيم : { يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } من كل شيء ضاق على الناس.\rوقال أبو العالية : { يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } من كل شدة.\rوقال الحسن : { مَخْرَجًا } عما نهاه الله عنه.\r{ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } ، يتق الله فيما: نابه كفاه ما أهمه { إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ } أي منفذه أمره، ممض في خلقه قضاءه.\r{ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } ، أي جعل الله لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ينتهي إليه.","part":7,"page":440},{"id":3441,"text":"[4] قوله عز وجل: { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ } ، فلا يرجون أن يحضن، { إِنِ ارْتَبْتُمْ } ، أي شككتم فلم تدروا ما عدتهن، { فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } ، يعني الصغار اللائي لم يحضن فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر، وهذا كله في عدة الطلاق، أما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشر سواء كانت ممن تحيض أو لا تحيض، وأما الحامل فعدتها بوضع الحمل سواء طلقها زوجها أو مات عنها { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } أي يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة.\r[5] { ذَلِكَ } ، يعني ما ذكر من الأحكام، { أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا }","part":7,"page":441},{"id":3442,"text":"[6] { أَسْكِنُوهُنَّ } ، يعني مطلقات نسائكم { مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ } ، ( من ) صلة أي أسكنوهن حيث سكنتم { مِنْ وُجْدِكُمْ } ، سعتكم وطاقتكم يعني إن كان موسرا يوسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرا فعلى قدر الطاقة، { وَلَا تُضَارُّوهُنَّ } ، لا تؤذوهن، { لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ } ، مساكنهن فيخرجن، { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ، فيخرجن من عدتهن.\r{ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } ، أي أرضعن أولادكم، { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ، على إرضاعهن، { وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } ، ليقبل بعضكم من بعض إذا أمره بالمعروف، وقال الكسائي : شاوروا، قال مقاتل : بتراضي الأب والأم على أجر مسمى، والخطاب للزوجين جميعا، يأمرهم أن يأتوا بالمعروف وبما هو الأحسن، ولا يقصدوا الضرار، { وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ } ، في الرضاع والأجرة فأبى الزوج أن يعطي المرأة أجرتها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها على إرضاعه، ولكنه يستأجر للصبي مرضعا غير أمه وذلك قوله: { فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى } .","part":7,"page":442},{"id":3443,"text":"[7] { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ } ، على قدر غناه، { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } ، من المال، { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا } ، في النفقة، { إِلَّا مَا آتَاهَا } ، أعطاها من المال، { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } ، بعد ضيق وشدة غنى وسعة.\r[8] قوله عز وجل: { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ } ، عصت وطغت، { عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ } ، أي وأمر رسله، { فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا } ، بالمعاقبة والاستقصاء، قال مقاتل : حاسبها بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب، وهو قوله: { وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا } ، منكرا فظيعا وهو عذاب النار، لفظهما ماض ومعناهما الاستقبال، وقيل: في الآية تقديم وتأخير مجازها: فعذبناها في الدنيا بالجوع والقحط والسيف وسائر البلايا وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا.\r[9] { فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا } ، جزاء أمرها، وقيل: ثقل عاقبة كفرها، { وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا } ، خسرانا في الدنيا والآخرة.","part":7,"page":443},{"id":3444,"text":"[10] { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا } ، يعني القرآن.\r[11] { رَسُولًا } بدلا من الذكر، وقيل: أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا وقيل مع الرسول، وقيل: الذكر هو الرسول.\rوقيل: ذكرا أي شرفا، ثم بين ما هو فقال { يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا } ، يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها.\r[12] { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } ، في العدد، { يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ } ، بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى، قال أهل المعاني: هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء، ويخلق الحيوان على اختلاف هيئاتها وينقلها من حال إلى حال.","part":7,"page":444},{"id":3445,"text":"وقال قتادة : في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه وخلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه.\r{ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } ، فلا يخفى عليه شيء.","part":7,"page":445},{"id":3446,"text":"( 66 ) سورة التحريم\r[1] { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } يعني العسل ومارية { تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وأمر أن يكفر عن يمينه ويراجع أمته، فقال:","part":7,"page":446},{"id":3447,"text":"[2] { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } ، أي بين وأوجب أن تكفروها إذا حنثتم وهي ما ذكر في سورة المائدة، { وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ } ، وليكم وناصركم، { وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } ، واختلف أهل العلم في لفظ التحريم، فقال قوم: ليس هو بيمين فإن قال لزوجته: أنت علي حرام أو حرمتك، فإن نوى به طلاقا فهو طلاق، وإن نوى به ظهارا فظهار، وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين بنفس اللفظ، وإن قال ذلك لجاريته: فإن نوى عتقا عتقت، وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق، فعليه كفارة اليمين، فإن قال لطعام حرمته على نفسي فلا شيء عليه، وهذا قول ابن مسعود وإليه ذهب الشافعي، وذهب جماعة إلى أنه يمين، فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب عليه الكفارة ما لم يقربها، كما لو حلف أن لا يطأها، وإن حرم طعاما فهو كما لو حلف ألا يأكله فلا كفارة عليه ما لم يأكل، يروى ذلك عن أبي بكر وعائشة، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله عنه.\r[3] { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا } ، وهو تحريم فتاته على نفسه، وقوله لحفصة : « لا تخبري بذلك أحدا » .","part":7,"page":447},{"id":3448,"text":"وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : أسر أمر الخلافة بعده فحدثت به حفصة .\rقال.\rالكلبي : أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي.\rوقال ميمون بن مهران : أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي.\r{ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } ، أخبرت به حفصةُ عائشةَ، { وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ } ، أي أطلع الله تعالى نبيه على أنها أنبأت به، { عَرَّفَ بَعْضَهُ } ، قرأ عبد الرحمن السلمي والكسائي ( عرف ) بتخفيف الراء أي عرف بعض الفعل الذي فعلته من إفشاء سره، أي غضب من ذلك عليها وجازاها به، من قول القائل لمن أساء إليه لأعرفن لك ما فعلت، أي لأجازينك عليه، وجازاها به عليه بأن طلقها، فلما بلغ ذلك عمر قال: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك رسول الله صلي الله عليه وسلم، فجاء جبريل وأمره بمراجعتها، واعتزل رسول الله صلي الله عليه وسلم نساءه شهرا وقعد في مشربة أم إبراهيم مارية، حتى نزلت آية التخيير.\rوقال مقاتل بن حيان : لم يطلق رسول الله صلي الله عليه وسلم حفصة وإنما هم بطلاقها فأتاه جبريل عليه السلام، وقال: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة وإنها من جملة نسائك في الجنة، فلم يطلقها.","part":7,"page":448},{"id":3449,"text":"وقرأ الآخرون ( عرف ) بالتشديد أي عرف حفصة بعد ذلك الحديث، أي أخبرها ببعض القول الذي كان منها، { وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ } ، يعني لم يعرفها إياه، ولم يخبرها به.\rقال الحسن : ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى: { عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ } ، وذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم لما رأى الكراهية في وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها شيئين: تحريم الأمة على نفسه وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وفي أبيها عمر رضي الله عنها، وأطلع الله تعالى نبيه عليه، عرف حفصة وأخبرها ببعض مما أخبرت به عائشة وهو تحريم الأمة وأعرض عن بعض يعني ذكر الخلافة، كره رسول الله صلي الله عليه وسلم أن ينتشر ذلك في الناس، { فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ } ، أي أخبر النبي صلي الله عليه وسلم حفصة بما أظهره الله عليه، { قَالَتْ } ، حفصة، { مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا } ، أي من أخبرك بأني أفشيت السر؟ { قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ }\r[4] { إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ } ، أي من التعاون على النبي صلي الله عليه وسلم بالإيذاء يخاطب عائشة وحفصة { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } ، أي زاغت ومالت عن الحق واستوجبتما التوبة.","part":7,"page":449},{"id":3450,"text":"قال ابن زيد : مالت قلوبكما بأن سرهما ما ذكره رسول الله صلي الله عليه وسلم من اجتناب جاريته.\rقوله: { وَإِنْ تَظَاهَرَا } ، أي تتظاهرا وتتعاونا على أذى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قرأ أهل الكوفة بتخفيف الظاء ، والآخرون بتشديدها ، { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ } , أي وليه وناصره .\rقوله : { وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب : ( وصالح المؤمنين ) أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - ، وقال الكلبي : هم المخلصون الذي ليسوا بمنافقين .\rقوله : { وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } أي : أعوان للنبي - صلى الله عليه وسلم - , وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع ، كقوله { وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } .","part":7,"page":450},{"id":3451,"text":"[5] { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ } ، أي واجب من الله إن طلقكن رسوله ، { أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ } خاضعات لله بالطاعة ، { مُؤْمِنَاتٍ } ، مصدقات بتوحيد الله ، { قَانِتَاتٍ } ، طائعات ، وقيل : داعيات ، وقيل : مصليات ، { تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ } صائمات ، وقال زيد بن أسلم : مهاجرات . وقيل- يسحن معه حيثما ساح ، { ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا } ، وهذا في الإخبار عن القدرة لا عن الكون لأنه قال : { إِنْ طَلَّقَكُنَّ } وقد علم أنه لا يطلقهن وهذا كقوله : { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } ، وهذا إخبار عن القدرة ، لا في الوجود أمة هم خير من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - .","part":7,"page":451},{"id":3452,"text":"[6] قوله - عز وجل - : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ } ، قال عطاء عن ابن عباس : أي بالانتهاء عما نهاكم الله - تعالى - عنه والعمل بطاعته ، { وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } ، يعني مروهم بالخير وانهوهم عن الشر ، وعلموهم وأدبوهم تقوهم بذلك نارا ، { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ } يعني خزنة النار { غِلَاظٌ } , فظاظ على أهل النار { شِدَادٌ } ، أقوياء يدفع الواحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفا في النار وهم الزبانية لم يخلق الله فيهم الرحمة ، { لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } .","part":7,"page":452},{"id":3453,"text":"[7 - 8] { يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا } أي توبة ذات نصح تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه ، واختلفوا في معناه قال عمر وأُبي ومعاذ : التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب ، كما لا يعود اللبن إلى الضرع . قال الحسن : هي أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على ألا يعود فيه . قال الكلبي : أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن . قال سعيد بن المسيب : توبة تنصحون بها أنفسكم . قال القرظي : يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان ، والإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود بالجنان ، ومهاجرة سيئ الإخوان .","part":7,"page":453},{"id":3454,"text":"{ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } أي لا يعذبهم الله بدخول النار . { نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } ، على الصراط ، { يَقُولُونَ } ، إذ طفئ نور المنافقين { رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r[9] { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } ثم ضرب الله مثلا للصالحين والصالحات من النساء .","part":7,"page":454},{"id":3455,"text":"[10] فقال - جل ذكره - : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ } واسمها واعلة , { وَامْرَأَةَ لُوطٍ } , اسمها واهلة , وقال مقاتل : والعة ووالهة , { كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ } وهما نوح ولوط - عليهما السلام -, { فَخَانَتَاهُمَا } قال ابن عباس : ما بغت امرأة نبي قط ، وإنما كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما , فكانت امرأة نوح تقول للناس : إنه مجنون , وإذا آمن به أحد أخبرت به الجبابرة , وأما امرأة لوط فإنها كانت تدل قومه على أضيافه, إذا نزل به ضيف بالليل أوقدت النار, وإذا نزل بالنهار دخنت ليعلم قومه أنه نزل به ضيف , وقال الكلبي , أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان : { فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } لم يدفعا عنهما مع نبوتهما , عذاب الله , { وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ } . قطع الله بهذه الآية طمع كل من يركب المعصية أن ينفعه صلاح غيره, ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعا .","part":7,"page":455},{"id":3456,"text":"[11] فقال : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ } وهي آسية بنت مزاحم , قال المفسرون : لما غلب موسى السحرة آمنت امرأة فرعون , ولما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس , قال سلمان : كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس فإذا انصرفوا عنها ظلتها الملائكة : { إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } فكشف الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته : { وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ } , قال مقاتل : وعمله يعني الشرك . وقال أبو صالح عن ابن عباس : وعمله , قال : جماعة : { وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } الكافرين .\r[12] { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ } , أي في جيب درعها , ولذلك ذكر الكناية , { مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا } يعني الشرائع التي شرعها الله للعباد بكلماته المنزلة { وَكُتُبِهِ } أراد الكتب التي أنزلت على إبراهيم وموسى وداود وعيسى - عليهم السلام - .","part":7,"page":456},{"id":3457,"text":"{ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } , أي من القوم القانتين المطيعين لربها ولذلك لم يقل من القانتات, وقال عطاء : من القانتين أي من المصلين , ويجوز أن يريد بالقانتين رهطها وعشيرتها فإنهم كانوا أهل صلاح مطيعين لله .","part":7,"page":457},{"id":3458,"text":"( 67 ) سورة الملك\r\r[1 - 2] { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }{ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ }","part":7,"page":458},{"id":3459,"text":"قال عطاء عن ابن عباس : يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة, وقال قتادة : أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا وجعل الله الدنيا دار حياة وفناء, وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء : قيل : إنما قدم الموت لأنه إلى القهر أقرب . وقيل : قدمه لأنه أقدم, لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوهما , ثم طرأت عليها الحياة : { لِيَبْلُوَكُمْ } , فيما بين الحياة إلى الموت : { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } , روي عن ابن عمر مرفوعا ( أحسن عملا ) أحسن عقلا وأورع عن محارم الله, وأسرع في طاعة الله, وقال الفضيل بن عياض : أحسن عملا أخلصه وأصوبه, وقال : العمل لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا, فالخالص إذا كان لله, والصواب إذا كان على السنة, وقال الحسن : أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها وقال الفراء : لم تقع البلوى على أي إلا وبينهما إضمار ، كما تقول : بلوتكم لأنظر أيكم أطوع ، ومثله سلهم أيهم بذلك زعيم أي سلهم وانظر أيهم { وَهُوَ الْعَزِيزُ } , في انتقامه ممن عصاه ، { الْغَفُورُ } ، لمن تاب إليه .","part":7,"page":459},{"id":3460,"text":"[3] { الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا } , طبقا على طبق بعضها فوق بعض . { مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ } , . معناه . ما ترى يا بن آدم في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف وتناقض ، بل هي مستقيمة مستوية وأصله من الفوت وهو أن يفوت بعضها بعضا لقلة استوائها ، { فَارْجِعِ الْبَصَرَ } ، كرر النظر ، معناه : انظر ثم ارجع ، { هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ } ، شقوق وصدوع .\r[4] { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ } , قال ابن عباس : مرة بعد مرة ، { يَنْقَلِبْ } ينصرف ويرجع { إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا } صاغرا ذليلا مبعدا لم ير ما يهوى ، { وَهُوَ حَسِيرٌ } كليل منقطع لم يدرك ما طلب .\r[5] { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } , أراد الأدنى من الأرض وهي التي يراها الناس . وقوله : ( بمصابيح ) الكواكب ، واحدها مصباح ، وهو السراج سمي الكوكب مصباحا لإضاءته ، { وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا } مرامي, { لِلشَّيَاطِينِ } ، إذا استرقوا السمع ، { وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ } في الآخرة ، { عَذَابَ السَّعِيرِ } , النار الموقدة .","part":7,"page":460},{"id":3461,"text":"[6, 7] { وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }{ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا } ، وهو أول نهيق الحمار وذلك أقبح الأصوات ، { وَهِيَ تَفُورُ } تغلي كغلي المرجل ، وقال مجاهد : تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل .\r[8] { تَكَادُ تَمَيَّزُ } , تتقطع , { مِنَ الْغَيْظِ } , من تغيظها عليهم, قال ابن قتيبة , تكاد تنشق غيظا على الكفار { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ } , جماعة منهم, { سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا } , سؤال توبيخ , { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } , رسول ينذركم .\r[9] { قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا } للرسل { مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ }\r[10] { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } من الرسل ما جاءونا به ، { أَوْ نَعْقِلُ } منهم ، وقال ابن عباس : لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به ، { مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } ، قال الزجاج : لو كنا نسمع سمع من يعي ويتفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار .","part":7,"page":461},{"id":3462,"text":"[11] { فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا } بعدا ، { لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ } .","part":7,"page":462},{"id":3463,"text":"[12 - 13] { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ }{ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } قال ابن عباس : نزلت في المشركين ، كانوا ينالون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيخبره جبريل عليه السلام بما قالوا : فقال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كي لا يسمع إله محمد .\r[14] فقال الله - جل ذكره - : { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } ألا يعلم ما في الصدور من خلقها ، { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } , لطيف علمه في القلوب ، الخبير بما فيها من السر والوسوسة . وقيل : ( من ) يرجع إلى المخلوق ، أي ألا يعلم الله مخلوقه .","part":7,"page":463},{"id":3464,"text":"[15] { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا } ، سهلا لا يمتنع المشي فيها بالحزونة ، { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا } قال ابن عباس وقتادة : في جبالها . وقال الضحاك : في آكامها . وقال مجاهد : في طرقها وفجاجها . قال الحسن : في سبلها . وقال الكلبي : في أطرافها . وقال مقاتل : في نواحيها . قال الفراء : في جوانبها . والأصل في الكلمة الجانب { وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } ، مما خلقه رزقا لكم في الأرض ، { وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } أي : وإليه تبعثون من قبوركم .\r[16] ثم خوف الكفار فقال : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } قال ابن عباس : أي عذاب من في السماء إن عصيتموه ، { أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ } , قال الحسن : تتحرك بأهلها . وقيل : تهوي بهم ، والمعنى : أن الله - تعالى - يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تلقيهم إلى أسفل ، تعلو عليهم وتمر فوقهم . يقال : مار يمور إذا جاء وذهب .","part":7,"page":464},{"id":3465,"text":"[17] { أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } ريحا ذات حجارة كما فعل بقوم لوط . { فَسَتَعْلَمُونَ } , في الآخرة وعند الموت ، { كَيْفَ نَذِيرِ } أي إنذاري إذا عاينتم العذاب .\r[18] { وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } يعني كفار الأمم الماضية ، { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } ، أي إنكاري عليهم بالعذاب .\r[19] { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ } تصف أجنحتها في الهواء ، { وَيَقْبِضْنَ } ، أجنحتهن بعد البسط { مَا يُمْسِكُهُنَّ } ، في حال القبض والبسط أن يسقطن ، { إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ } .\r[20] { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ } استفهام إنكار . قال ابن عباس : أي منعة لكم ، { يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ } ، يمنعكم من عذابه ويدفع عنكم ما أراد بكم . { إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ } أي في غرور من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم .","part":7,"page":465},{"id":3466,"text":"[21] { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } ، أي من الذي يرزقكم المطر إن أمسك الله عنكم ، { بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ } ، تمادوا في الضلال ، { وَنُفُورٍ } ، تباعد من الحق .\r[22] ثم ضرب مثلا فقال : { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ } ، راكبا رأسه في الضلالة والجهالة أعمى العين والقلب لا يبصر يمينا ولا شمالا وهو الكافر . قال قتادة : راكبا على المعاصي في الدنيا فحشره الله على وجهه يوم القيامة ، { أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا } ، معتدلا يبصر الطريق وهو ، { عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وهو مؤمن . قال قتادة : يمشي يوم القيامة سويا .","part":7,"page":466},{"id":3467,"text":"[23] { قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } ، قال مقاتل : يعني أنهم لا يشكرون رب هذه النعم .\r[24 - 27] { قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }{ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ }{ فَلَمَّا رَأَوْهُ }\r، يعني العذاب في الآخرة على قول أكثر المفسرين . وقال مجاهد : يعني العذاب ببدر ، { زُلْفَةً } ، أي قريبا وهو اسم يوصف به المصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والاثنان والجمع ، { سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، اسودت وعلتها الكآبة ، فالمعنى قبحت وجوههم بالسواد ، يقال ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح ، وسيئ يساء إذا قبح ، { وَقِيلَ } لها أي قال لهم الخزنة ، { هَذَا } ، أي هذا العذاب ، { الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ } ، تفتعلون من الدعاء أي أن تدعوه وتتمنوه أنه يجعله لكم ، وقرأ يعقوب : تدعون بالتخفيف ، وهي قراءة قتادة ومعناهما واحد مثل تذكرون وتذكرون .","part":7,"page":467},{"id":3468,"text":"[28] { قُلْ } ، يا محمد لمشركي مكة الذين يتمنون هلاكك ، { أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ } ، من المؤمنين ، { أَوْ رَحِمَنَا } فأبقاها إلى منتهى آجالنا ، { فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } ، فإنه واقع بهم لا محالة . وقيل : معناه أرأيتم إن أهلكني الله فيعذبني ومن معي أو رحمنا فيغفر لنا ، فنحن مع إيماننا خائفون أن يهلكنا بذنوبنا ، لأن حكمه نافذ فينا ، فمن يجير الكافرين فمن يجيركم ويمنعكم مع عذابه وأنتم كافرون ، وهذا معنى قول ابن عباس .\r[29] { قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ } ، الذي نعبده ، { آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ } ، قرأ الكسائي بالياء ، وقرأ الباقون بالتاء . { مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ، أي ستعلمون عند معاينة العذاب من الضال منا أنحن أم أنتم ؟\r[30] { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا } , أي غائرا ذاهبا في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء ، قال الكلبي ومقاتل : يعني ماء زمزم ، { فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ } ، ظاهر تراه العيون وتناله الأيدي والدلاء . وقال عطاء عن ابن عباس : معين أي جار .","part":7,"page":468},{"id":3469,"text":"( 68 ) سورة القلم\r[1] { ن } اختلفوا فيه فقال بعضهم : إن نون آخر حروف الرحمن ، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس . وقال الحسن وقتادة والضحاك : النون الدواة . وقيل : هو قسم أقسم الله به . وقيل : فاتحة السورة { وَالْقَلَمِ } ، هو الذي كتب الله به الذكر { وَمَا يَسْطُرُونَ } ، يكتبون أي ما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم .\r[2] { مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ } ، بنبوة ، { رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } ، هذا جواب لقولهم { يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } فأقسم الله بالنون والقلم وما يكتب من الأعمال أي : إنك لا تكون مجنونا وقد أنعم الله عليك بالنبوة والحكمة . وقيل : بعصمة ربك . وقيل : هو كما يقال ما أنت بمجنون والحمد لله . وقيل : معناه ما أنت بمجنون والنعمة لربك ، كقولهم : سبحانك اللهم وبحمدك أي والحمد لك .\r[3] { وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ } ، أي منقوص ولا مقطوع بصبرك على افترائهم عليك .","part":7,"page":469},{"id":3470,"text":"[4] { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ، قال ابن عباس ومجاهد : دين عظيم لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه ، وهو دين الإسلام . وقال الحسن : هو آداب القرآن ، وقال قتادة : هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله ، والمعنى إنك لعلى الخلق الذي أمرك الله به في القرآن . وقيل : سمى الله خلقه عظيما لأنه امتثل تأديب الله إياه بقوله : { خُذِ الْعَفْوَ } [الأعراف : 199] الآية .\r[5] قوله - عز وجل - { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ } ، فسترى يا محمد ويرون يعني أهل مكة إذا نزل بهم العذاب .\r[6] { بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ } ، قيل معناه بأيكم المجنون . فالمفتون مفعول بمعنى المصدر ، وقيل : الباء بمعنى ( في ) مجازه : فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون في فريقك أم في فريقهم؟ وقيل : بأيكم المفتون وهو الشيطان الذي فتن بالجنون ، وهذا قول مجاهد . وقال آخرون : الباء فيه زائدة معناه : أيكم المفتون؟ أي المجنون الذي فتن بالجنون ، وهذا قول قتادة .","part":7,"page":470},{"id":3471,"text":"[7] { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }{ فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ } ، يعني مشركي مكة فإنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه أن يطيعهم .\r[9] { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } ، قال الضحاك : لو تكفرون فيكفرون . وقال الكلبي : لو تلين لهم فيلينون لك . قال الحسن : لو تصانعهم في دينك فيصانعون في دينهم . قال زيد بن أسلم : لو تنافق وترائي فينافقون .\r[10] { وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ } ، كثير الحلف بالباطل . قال مقاتل : يعني الوليد بن المغيرة . وقيل . الأسود بن عبد يغوث : وقال عطاء : الأخنس بن شريق . قوله : { مَهِينٍ } ، ضعيف حقير قيل : هو فعيل من المهانة وهي قلة الرأي والتمييز . وقال ابن عباس : كذاب ، وهو قريب من الأول لأن الإنسان إنما يكذب لمهانة نفسه عليه .\r[11] { هَمَّازٍ } ، مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والغيبة ، وقال الحسن : هو الذي يغمز بأخيه في المجلس ، كقوله ( همزة ) { مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } ، قتات يسعى بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم .","part":7,"page":471},{"id":3472,"text":"[12] { مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ } ، بخيل بالمال ، قال ابن عباس : مناع للخير أي للإسلام يمنع ولده وعشيرته عن الإسلام, يقول : لئن دخل واحد منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا . { مُعْتَدٍ } ، ظلوم يتعدي الحق, { أَثِيمٍ } ، فاجر .","part":7,"page":472},{"id":3473,"text":"[13] { عُتُلٍّ } ، العتل : الغليظ الجافي . وقال الحسن : هو الفاحش الخلق ، السيئ الخلق . قال الفراء : هو الشديد الخصومة في الباطل . وقال الكلبي : هو الشديد في كفره ، وكل شديد عند العرب عتل ، وأصله من العتل وهو الدفع بالعنف { بَعْدَ ذَلِكَ } ، أي مع ذلك يريد مع ما وصفناه به ، { زَنِيمٍ } ، وهو الدعي الملصق بالقوم ، وليس منهم ، قال عطاء كن ابن عباس : يريد مع هذا هو دعي في قريش وليس منهم . قال مرة الهمداني : إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة . وقيل : الزنيم الذي له زنمة كزنمة الشاة . وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : نعت من لا يعرف حتى قيل : زنيم فعرف ، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها . قال ابن قتيبة : لا نحلم أن الله وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة ، فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة .","part":7,"page":473},{"id":3474,"text":"[14] { أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } ، قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وأبو بكر ويعقوب ( أأن ) بالاستفهام وقرأ الآخرون : بلا استفهام على الخبر ، فمن قرأ بالاستفهام فمعناه : ألأن كان ذا مال وبنين .\r[15] { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } ، أي جعل مجازاة النعم التي خولها من البنين والمال الكفر بآياتنا . وقيل : معناه ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه . ومن قرأ على الخبر فمعناه : لا تطع كل حلاف مهين لأن كان ذا مال وبنين ، أي لا تطعه لماله وبنيه ، { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ }","part":7,"page":474},{"id":3475,"text":"[16] ثم أوعده فقال : { سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ } ، الخرطوم الأنف . قال أبو العالية ومجاهد : أي نسود وجهه فنجعل له علما في الآخرة يعرف به وهو سواد الوجه . قال الفراء : خص الخرطوم بالسمة وأنه في مذهب الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن كله . وقال ابن عباس : سنحطمه بالسيف ، وقد فعل ذلك يوم بدر . وقال قتادة : سنلحق به شيئا لا يفارقه ، وقد ألحق الله بما ذكر من عيوبه عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة ، كالوسم على الخرطوم . وقال الضحاك والكسائي : سنكويه على وجهه .\r[17 - 18] { إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ } ، يعني اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع ، { كَمَا بَلَوْنَا } ، ابتلينا ، { أَصْحَابَ الْجَنَّةِ } بستان باليمن { إِذْ أَقْسَمُوا } ، حلفوا ، { لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } ، ليقطعن ثمرها إذا أصبحوا قبل أن يعلم المساكين ، { وَلَا يَسْتَثْنُونَ } ، لا يقولون : إن شاء الله .\r[19] { فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ } , عذاب { مِنْ رَبِّكَ } , ليلا ولا يكون الطائف إلا بالليل ، وكان ذلك الطائف نارا نزلت من السماء فأحرقتها ، { وَهُمْ نَائِمُونَ } .","part":7,"page":475},{"id":3476,"text":"[20] { فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ } ، كالليل المظلم الأسود ، الأسود بلغة خزيمة .\r[21] { فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ } ، نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا .\r[22] { أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ } يعني الثمار والزروع والأعناب ، { إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ } ، قاطعين للنخل .\r[23] { فَانْطَلَقُوا } ، مشوا إليها ، { وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ } ، يتسارون يقول بعضهم لبعض سرا .\r[24] { أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ }{ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ } ، الحرد في اللغة يكون بمعنى القصد والمنع والغضب ، قال الحسن وقتادة وأبو العالية ، : على جد وجهد . وقال القرظي ومجاهد وعكرمة : على أمر مجتمع قد أسسوه بينهم ، وهذا على معنى القصد لأن القاصد إلى الشيء جاد مجمع على الأمر . وقال أبو عبيدة والقتيبي : غدوا من بيتهم على منع المساكين ، وقال الشعبي وسفيان : على حنق وغضب من المساكين . وعن ابن عباس : على قدرة ، { قَادِرِينَ } ، عند أنفسهم على جنتهم وثمارها لا يحول بينها وبينهم أحد .","part":7,"page":476},{"id":3477,"text":"[26] { فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ } ، أي لما رأوا الجنة محترقة قالوا : إنا لمخطئون الطريق أضللنا مكان جنتنا ليست هذه بجنتنا .\r[27] فقال بعضهم : { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } ، حرمنا خيرها ونفعها لمنعنا المساكين وتركنا الاستثناء .\r[28] { قَالَ أَوْسَطُهُمْ } ، أعدلهم أعقلهم وأفضلهم ، { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ } ، هلا تستثنون ، أنكر عليهم ترك الاستثناء في قولهم ليصرمنها مصبحين ، وسمي الاستثناء تسبيحا لأنه تعظيم لله وإقرار بأنه لا يقدر أحد على شيء إلا بمشيئته . وقيل : هلا تسبحون الله وتقولوا . سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم . وقيل : هلا تستغفرونه من فعلكم .\r[29] { قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا } ، نزهوه عن أن يكون ظالما فيما فعل وأقروا على أنفسهم بالظلم فقالوا : { إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } ، بمنعنا المساكين .\r[30] { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ } ، يلوم بعضهم بعضا في منع المساكين حقوقهم ونادوا على أنفسهم بالويل .","part":7,"page":477},{"id":3478,"text":"[31] { قَالُوا يا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ } ، في منعنا حق الفقراء . وقال ابن كيسان : طغينا نعم الله فلم نشكرها ولم نصنع ما صنع آباؤنا من قبل .\r[32] ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا : { عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ } ، قال عبد الله بن مسعود : بلغني أن القوم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان .\r[33] { كَذَلِكَ الْعَذَابُ } ، أي كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا وخالف أمرنا ، { وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } .\r[34] ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال : { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } ، فقال المشركون : إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون . فقال الله تكذيبا لهم .\r[35- 37] { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ }{ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }{ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ } ، نزل من عند الله ، { فِيهِ } ، في هذا الكتاب ، { تَدْرُسُونَ } ، تقرءون .\r[38] { إِنَّ لَكُمْ فِيهِ } ، في ذلك الكتاب ، { لَمَا تَخَيَّرُونَ } ، تختارون وتشتهون .","part":7,"page":478},{"id":3479,"text":"[39] { أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ } ، عهود ومواثيق ، { عَلَيْنَا بَالِغَةٌ } ، مؤكدة عاهدناكم عليها ، فاستوثقتم بها منا فلا تنقطع ، { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ } الخير والكرامة عند الله .\r[40] ثم قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : { سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ } ، كفيل أي أيهم يكفل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين .\r[41] { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ } ، أي عندهم شركاء لله أرباب تفعل هذا . وقيل : شهداء يشهدون لهم بصدق ما يدعونه . { فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } .\r[42] { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } ، قيل : عن أمر فظيع شديد ، قال ابن عباس : هو أشد ساعة في القيامة . قال سعيد بن جبير : يوم يكشف عن ساق : عن شدة الأمر . وقال ابن قتيبة : تقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج فيه إلى الجد ومقاساة الشدة شمر عن ساقه ، ويقال إذا اشتد الأمر في الحرب : كشفت الحرب عن ساق . قوله - عز وجل - : { وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ } ، يعني الكفار والمنافقون ، تصير أصلابهم كصياصي البقر فلا يستطيعون السجود .","part":7,"page":479},{"id":3480,"text":"[43] { خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ } ، وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم من السجود ووجوههم أشد بياضا من الثلج, وتسود وجوه الكافرين والمنافقين : { تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } ، يغشاهم ذل الندامة والحسرة ، { وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ } ، قال إبراهيم التيمي : يعني إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة . وقال سعيد بن جبير : كانوا يسمعون حي على الصلاة حي على الفلاح فلا يجيبون ، { وَهُمْ سَالِمُونَ } ، أصحاء فلا يأتونه ، قال كعب الأحبار : والله ما نزلت هذه الآية إلا عن الذين يتخلفون عن الجماعات .\r[44] { فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ } ، أي فدعني والمكذبين بالقرآن ، وخل بيني وبينهم . قال الزجاج : معناه لا تشغل قلبك به وكله إلي فإني أكفيك أمره ، { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ } ، سنأخذهم بالعذاب ، { مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } ، فعذبوا يوم بدر .","part":7,"page":480},{"id":3481,"text":"[45 - 48] { وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ }{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ }{ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }{ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } ، أصبر على أذاهم لقضاء ربك ، { وَلَا تَكُنْ } ، في الضجر والعجلة ، { كَصَاحِبِ الْحُوتِ } ، وهو يونس بن متى ، { إِذْ نَادَى } ، ربه وهو في بطن الحوت ، { وَهُوَ مَكْظُومٌ } ، مملوء غما .\r[49] { لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ } ، أدركه { نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ } ، حين رحمه وتاب عليه ، { لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ } ، لطرح بالفضاء من بطن الحوت ، { وَهُوَ مَذْمُومٌ } ، يذم ويلام بالذنب .","part":7,"page":481},{"id":3482,"text":"[50 - 51] { فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ } ، اصطفاه ، { فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ }{ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } ، وذلك أن الكفار أرادوا أن يصيبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعين فنظروا إليه قوم من قريش ، وقالوا : ما رأينا مثله ولا مثل حججه ، قال ابن عباس : معناه ينفذونك ، يقال : زلق السهم إذا أنفذ ، قال السدي : يصيبونك بعيونهم . قال النضر بن شميل : يعينونك . وقيل : يزيلونك . وقال الكلبي : يصرعونك . وقيل : يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة . قال ابن قتيبة : ليس يريد أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه ، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء ، يكاد يسقطك . وقال الزجاج : يعني من شدة عداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن لصرعوك ، وهذا مستعمل في الكلام يقول القائل : نظر إلي نظرا يكاد يصرعني ، ونظرا يكاد يأكلني ، يدل على صحة هذا المعنى أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن . وهو قوله : { لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ } ، وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهية فيحدون إليه النظر بالبغضاء ، { وَيَقُولُونَ","part":7,"page":482},{"id":3483,"text":"إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } ، أي ينسبونه لجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن .\r[52] فقال الله - تعالى - : { وَمَا هُوَ } ، يعني القرآن ، { إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } ، قال ابن عباس : موعظة للمؤمنين . قال الحسن : دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية .","part":7,"page":483},{"id":3484,"text":"( 69 ) سورة الحاقة\r[1] { الْحَاقَّةُ } يعني القيامة سميت حاقة لأنها حقت فلا كاذبة لها . وقيل : لأن فيها حواق الأمور وحقائقها ، ولأن فيها يحق الجزاء على الأعمال ، أي يجب ، يقال : حق عليه الشيء إذا وجب يحق حقوقا .\r[2] { مَا الْحَاقَّةُ } هذا استفهام معناه التفخيم لشأنها ، كما يقال : زيد ما زيد ، على التعظيم لشأنه .\r[3] { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ } ، أي أنك لا تعلمها إذ لم تعاينها ولم تر ما فيها من الأهوال .\r[4] { كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ } ، قال ابن عباس وقتادة : بالقيامة ، سميت قارعة لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة . وقيل : كذبت بالعذاب الذي أوعدهم نبيهم حتى نزل بهم فقرع قلوبهم .\r[5] { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ } ، أي بطغيانهم وكفرهم . قيل : هي مصدر ، وقيل : نعت ، أي بأفعالهم الطاغية ، وهذا معنى قول مجاهد ، كما قال : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا } وقال قتادة : بالصيحة الطاغية ، وهي التي جاوزت مقادير الصياح فأهلكتهم .","part":7,"page":484},{"id":3485,"text":"[6] { وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } ، عتت على خزانها فلم تطعهم ولم يكن لهم عليها سبيل ، وجاوزت المقدار فلم يعرفوا كم خرج منها .\r[7] { سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ } ، أرسلها عليهم . وقال مقاتل : سلطها عليهم . { سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ } ، قال وهب : هي الأيام التي تسميها العرب أيام العجوز ذات برد ورياح شديدة . قيل : سميت عجوزا لأنها عجز الشتاء . وقيل : سميت بذلك لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فتبعتها الريح ، فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب .\r{ حُسُومًا } ، قال مجاهد وقتادة : متتابعة ليس فيها فترة ، فعلى هذا هو حسم الكي ، وهو أن يتابع على موضع الداء بالمكوة حتى يبرأ ، ثم قيل لكل شيء توبع : حاسم ، وجمعه حسوم ، مثل شاهد وشهود ، وقال الكلبي ومقاتل : حسوما دائمة . وقال النضر بن شميل : حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم ، والحسم : القطع والمنع ومنه حسم الداء . قال الزجاج : أي تحسمهم حسوما تفنيهم وتذهبهم . وقال عطية : شؤما كأنها حسمت الخير عن أهلها .","part":7,"page":485},{"id":3486,"text":"{ فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا } ، أي في تلك الليالي والأيام ، { صَرْعَى } ، هلكى جمع صريع ، { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } ، ساقطة ، وقيل : خالية الأجواف .\r[8] { فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ } ، أي من نفس باقية يعني لم يبق منهم أحد .","part":7,"page":486},{"id":3487,"text":"[9] { وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ } ، قرأ أهل البصرة والكسائي : بكسر القاف وفتح الباء أي ومن معه من جنوده وأتباعه ، وقرأ الآخرون : بفتح القاف وسكون الباء . أي ومن قبله من الأمم الكافرة ، { وَالْمُؤْتَفِكَاتُ } ، يعني أي قرى قوم لوط يريد أهل المؤتفكات . وقيل : يريد الأمم الذين ائتفكوا بخطيئتهم ، { بِالْخَاطِئَةِ } ، أي بالخطيئة والمعصية وهي الشرك .\r[10] { فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ } ، يعني لوطا وموسى ، { فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً } ، نامية ، قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - : شديدة . وقيل : زائدة على عذاب الأمم .\r[11] { إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ } ، أي عتا وجاوز حده حتى علا على كل شيء وارتفع فوقه يعني زمن نوح عليه السلام ، { حَمَلْنَاكُمْ } ، أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ، { فِي الْجَارِيَةِ } ، في السفينة التي تجري في الماء .","part":7,"page":487},{"id":3488,"text":"[12] { لِنَجْعَلَهَا } ، أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا من إغراق قوم نوح ونجاة من حملنا معه ، { لَكُمْ تَذْكِرَةً } ، عبرة وعظة { وَتَعِيَهَا } أي تحفظها ، { أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } ، أي حافظة لما جاء من عند الله . قال قتادة : أذن سمعت وعقلت ما سمعت . قال الفراء : لتحفظها كل أذن فتكون عبرة وموعظة لمن يأتي بعد .\r[13] { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ } ، وهي النفخة الأولى .\r[14] { وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ } ، رفعت أماكنها ، { فَدُكَّتَا } ، كسرتا ، { دَكَّةً } كسرة ، { وَاحِدَةً } ، فصارتا هباء منثورا .\r[15] { فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ } ، قامت القيامة .\r[16] { وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } ، ضعيفة قال الفراء . وهيها تشققها .","part":7,"page":488},{"id":3489,"text":"[17] { وَالْمَلَكُ } ، يعني الملائكة ، { عَلَى أَرْجَائِهَا } ، نواحيها ، وأقطارها ما لم ينشق منها ، وأحدها رجا وتثنيته رجوان . قال الضحاك : تكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها . { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ } ، أي فوق رءوسهم يعني الحملة ، { يَوْمَئِذٍ } ، يوم القيامة ، { ثَمَانِيَةٌ } ، أي ثمانية أملاك . وروي عن ابن عباس أنه قال : فوقهم يومئذ ثمانية أي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله .\r[18] { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } ، على الله ، { لَا تَخْفَى } ، قرأ بالياء, وقرأ الآخرون بالتاء ، { مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } ، أي فعلة خافية . قال الكلبي : لا يخفي على الله منكم شيء . قال أبو موسى : يعرض الناس ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، وأما العرضة الثالثة فعندها تطاير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله .\r[19] وذلك قوله - عز وجل - : { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ } ، الهاء في { كِتَابِيَهْ } هاء الوقف .","part":7,"page":489},{"id":3490,"text":"[20] { إِنِّي ظَنَنْتُ } ، علمت وأيقنت ، { أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ } أي أحاسب في الآخرة .\r[21] { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ } ، يعني حالة من العيش ، { رَاضِيَةٍ } ، مرضية .\r[22] { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } ، رفيعة .\r[23] { قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ } ، ثمارها قريبة لمن يتناولها ينالها قائما وقاعدا ومضطجعا يقطعون كيف شاءوا .\r[24] ويقال لهم : { كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ } ، قدمتم لآخرتكم من الأعمال الصالحة ، { فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ } ، الماضية يريد أيام الدنيا .\r[25] { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ } ، قال ابن السائب : تلوى يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى كتابه . وقيل : تنزع يده اليسرى من صدره إلى خلف ظهره ثم يعطى كتابه . { فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ } ، يتمنى أنه لم يؤت كتابه لما يرى فيه من قبائح أعماله .","part":7,"page":490},{"id":3491,"text":"[26 - 27] { وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ }{ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ } ، يقول : يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت القاضية من كل ما بعدها ، والقاطعة للحياة ، فلم أحي بعدها . والقاضية موت لا حياة بعدها ، يتمنى أنه لم يبعث للحساب . قال قتادة : يتمنى الموت وإن لم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت .\r[28] { مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ } ، لم يدفع عني من عذاب الله شيئا .\r[29] { هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } ، ضلت عني حجتي ، عن أكثر المفسرين ، وقال ابن زيد : زال عني ملكي وقوتي . قال مقاتل : يعني حين شهدت عليه الجوارح بالشرك . يقول الله لخزنة جهنم :\r[30] { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ } ، اجمعوا يده إلى عنقه .\r[31] { ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ } ، أي أدخلوه الجحيم .\r[32] { ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ } ، فأدخلوه فيها . قال ابن عباس : سبعون ذراعا بذراع الملك ، فيدخل في دبره ويخرج من منخره . وقيل : يدخل في فيه ويخرج من دبره .","part":7,"page":491},{"id":3492,"text":"[33 - 34] { إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ }{ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } ، لا يطعم المسكين في الدنيا ولا يأمر أهله بذلك .","part":7,"page":492},{"id":3493,"text":"[35] { فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ } ، قريب ينفعه ويشفع له .\r[36] { وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ } ، وهو صديد أهل النار مأخوذ من الغسل كأنه غسالة جروحهم وقروحهم . قال الضحاك والربيع : هو شجر يأكله أهل النار .\r[37] { لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ } ، أي الكافرون . 38,\r[39] { فَلَا أُقْسِمُ } ، ( لا ) رد لكلام المشركين كأنه قال : ليس كما يقول المشركون أقسم ، { بِمَا تُبْصِرُونَ }{ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ } ، أي بما ترون وبما لا ترون . قال قتادة : أقسم بالأشياء كلها فيدخل فيه جميع المكونات والموجودات . وقال : أقسم بالدنيا والآخرة . وقيل : ما تبصرون ما على وجه الأرض وما لا تبصرون ما في بطنها . وقيل : ما تبصرون من الأرواح . وقيل : ما تبصرون : الإنس وما لا تبصرون : الملائكة والجن . وقيل : النعم الظاهرة والباطنة . وقيل : ما تبصرون : ما أظهر الله للملائكة واللوح والقلم ، وما لا تبصرون ما استأثر بعلمه فلم يطلع عليه أحدا .\r[40] { إِنَّهُ } ، يعني القرآن ، { لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } ، أي تلاوة رسول كريم يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - . 41,","part":7,"page":493},{"id":3494,"text":"[42] { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ }{ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } ، قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب ( يؤمنون ، ويذكرون ) بالياء فيهما ، وقرأ الآخرون : بالتاء ، وأراد بالقليل نفي إيمانهم أصلا كقولك لمن لا يزور : قلما تأتينا ، وأنت تريد لا تأتينا أصلا . 43,\r[44] { تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ وَلَوْ تَقَوَّلَ } تخرص واختلق ، { عَلَيْنَا } ، محمد ، { بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ } ، وأتى بشيء من عند نفسه .\r[45] { لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ } ، قيل ( من ) صلة ، مجازه : لأخذناه وانتقمنا منه باليمين أي بالحق ، كقوله : ( كنتم تأتوننا عن اليمين ) ، أي من قبل الحق . وقال ابن عباس : لأخذناه بالقوة والقدرة ، وقيل : معناه لأخذنا بيده اليمنى ، وهو مثل معناه . لأذللناه ، وأهناه كالسلطان ، إذا أراد الاستخفاف ببعض من بين يديه ، يقول لبعض أعوانه : خذ بيده فأقمه .","part":7,"page":494},{"id":3495,"text":"[46] { ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } ، قال ابن عباس : أي نياط القلب ، وهو قول أكثر المفسرين . وقال مجاهد : الحبل الذي في الظهر . وقيل : هو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب ، فإذا انقطع مات صاحبه .\r[47] { فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } ، مانعين يحجزوننا عن عقوبته ، والمعنى : أن محمدا لا يتكلف الكذب لأجلكم ، مع علمه بأنه لو تكلمه لعاقبناه ، ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه ، وإنما قال : { حَاجِزِينَ } بالجمع وهو فعل واحد ردا على معناه كقوله : { لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } .\r[48] { وَإِنَّهُ } ، يعني القرآن ، { لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } ، أي لعظة لمن اتقى عقاب الله . 49,\r[50] { وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ }{ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ } ، يوم القيامة يندمون على ترك الإيمان به .\r[51] { وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ } ، أضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين .\r[52] { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } .","part":7,"page":495},{"id":3496,"text":"( 70 ) سورة المعارج\r[1] { سَأَلَ سَائِلٌ } ، قرأ أهل المدينة والشام ( سال ) بغير همز وقرأ الآخرون : بالهمز ، فمن همز فهو من السؤال ، ومن قرأ بغير همز قيل : هو لغة في السؤال ، يقال : سال يسال مثل خاف يخاف ، وقيل : هو من السيل ، وسال واد من أودية جهنم ، يروى ذلك عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والأول أصح . واختلفوا في الباء في قوله : { بِعَذَابٍ } ، قيل : هي بمعنى ( عن ) كقوله : { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } أي عنه خبيرا ، ومعنى الآية سأل سائل عن عذاب ، { وَاقِعٍ } ، نازل كائن على من ينزل ، ولمن ذلك العذاب .","part":7,"page":496},{"id":3497,"text":"[2] فقال الله مبينا مجيبا لذلك السائل : { لِلْكَافِرينَ } ، وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعذاب قال بعضهم لبعض : من أهل العذاب؟ ولمن هو؟ سلوا عنه محمدا فسألوه فأنزل الله : { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ }{ لِلْكَافِرينَ } أي هو للكافرين ، هذا قول الحسن وقتادة . وقيل : التاء صلة ومعنى الآية : دعا داع وسأل سائل عذابا واقعا للكافرين أي على الكافرين ، اللام بمعنى على ، وهو النضر بن الحارث حيث دعا على نفسه وسأل العذاب ، فقال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ، الآية ، فنزل به ما سأل يوم بدر فقتل صبرا . وهذا قول ابن عباس ومجاهد . { لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ } .\r[3] { مِنَ اللَّهِ } ، أي بعذاب من الله ، { ذِي الْمَعَارِجِ } ، قال ابن عباس : أي ذي السماوات ، سماها معارج لأن الملائكة تعرج فيها . وقال سعيد بن جبير : ذي الدرجات . وقال قتادة : ذي الفواضل والنعم ، ومعارج الملائكة .","part":7,"page":497},{"id":3498,"text":"[4] { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ } ، يعني جبريل عليه السلام ، { إِلَيْهِ } أي إلى الله - عز وجل - ، { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } ، من سني الدنيا . قال عكرمة وقتادة : هو يوم القيامة . وقال الحسن أيضا : هو يوم القيامة . وأراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا . وقيل : معناه لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة . وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس ومقاتل .\r[5] { فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا } ، يا محمد على تكذيبهم ، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال .\r[6, 7] { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا } ، يعني العذاب ، { وَنَرَاهُ قَرِيبًا } ، لأن ما هو آت قريب وهو يوم القيامة .\r[8] { يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ } ، كعكر الزيت . وقال الحسن . كالفضة إذا أذيبت .\r[9] { وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ } ، كالصوف المصبوغ . ولا يقال عهن إلا للمصبوغ . وقال مقاتل : كالصوف المنفوش .","part":7,"page":498},{"id":3499,"text":"[10] { وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا } ، قرأ البزي عن ابن كثير ( لا يسأل ) بضم الياء أي لا يسأل حميم عن حميم ، أي لا يقال له : أين حميمك؟ وقرأ الآخرون : بفتح الياء ، أي لا يسأل قريب قريبا لشغله بشأن نفسه .","part":7,"page":499},{"id":3500,"text":"[11] { يُبَصَّرُونَهُمْ } ، يرونهم وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته فلا يسأله ، ويبصر حميمه فلا يكلمه لاشتغاله بنفسه . قال ابن عباس : يتعارفون ساعة من النهار ثم لا يتعارفون بعده . وقيل : يبصرونهم يعرفونهم أي يعرف الحميم حميمه حتى يعرفه ، ومع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه .\r{ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ } ، يتمنى المشرك ، { لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ } .\r[12 - 13] { وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ }{ وَفَصِيلَتِهِ } ، عشيرته التي فصل منهم . وقال مجاهد : قبيلته . وقال غيره : أقربائه الأقربين . { الَّتِي تُؤْوِيهِ } ، أي تضمه ويأوي إليها .\r[14] { وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ } ، يود لو يفتدي بهم جميعا ، { ثُمَّ يُنْجِيهِ } ، ذلك الفداء من عذاب الله .\r[15] { كَلَّا } ، لا ينجيه من عذاب الله شيء ، ثم ابتدأ فقال : { إِنَّهَا لَظَى } ، وهي اسم من أسماء جهنم . وقيل : هي الدركة الثانية ، سميت بذلك لأنها تتلظى أي تتلهب .","part":7,"page":500},{"id":3501,"text":"[16] { نَزَّاعَةً لِلشَّوَى } وهي الأطراف : اليدان ، والرجلان ، والأطراف . وقال مجاهد : لجلود الرأس . وروى إبراهيم بن المهاجر عنه : اللحم دون العظام . قال مقاتل : تنزع النار الأطراف فلا تترك لحما ولا جلدا . وقال الضحاك : تنزع الجلد واللحم عن العظام .\r[17] { تَدْعُو } ، النار إلى نفسها ، { مَنْ أَدْبَرَ } ، على الإيمان ، { وَتَوَلَّى } ، عن الحق فتقول إلي يا مشرك ، إلي يا منافق ، إلي إلي . قال ابن عباس : تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب .\r[18] { وَجَمَعَ } ، أي جمع المال ، { فَأَوْعَى } ، أمسكه في الوعاء ولم يؤد حق الله منه .\r[19] { إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا } ، روى السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : الهلوع الحريص على ما لا يحل له . وقال سعيد بن جبير : شحيحا . وقال عكرمة : ضجورا . وقال الضحاك والحسن : بخيلا . وقال قتادة : جزوعا . وقال مقاتل : ضيق القلب . والهلع . شدة الحرص ، وقلة الصبر . وقال عطية عن ابن عباس : تفسيره ما بعده . 20,","part":8,"page":1},{"id":3502,"text":"[21] وهو قوله : { إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا }{ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا } ، يعني إذا أصابه الفقر لم يصبر ، وإذا أصابه المال لم ينفق .\r[22] ثم استثنى فقال : { إِلَّا الْمُصَلِّينَ } ، استثنى الجمع من الواحد لأن الإنسان في معنى الجمع .\r[23] { الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ } . يقيمونها في أوقاتها يعني الفرائض .","part":8,"page":2},{"id":3503,"text":"[24- 33] { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ }{ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ }{ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ }{ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ }{ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ }{ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ }{ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ }{ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ }{ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ }{ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ } أي يقومون فيها بالحق ولا يكتمونها ولا يغيرونها .\r[34 - 35] { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ }{ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ } .","part":8,"page":3},{"id":3504,"text":"[36] { فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، أي فما بال الذين كفروا ، كقوله : { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } ، { قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ } ، مسرعين مقبلين إليك مادي أعناقهم ومديمي النظر إليك متطلعين نحوك ، نزلت في جماعة من الكفار كانوا يجتمعون حول النبي - صلى الله عليه وسلم - يستمعون كلامه ويستهزئون به ويكذبونه ، فقال الله - تعالى - : ما لهم ينظرون إليك ويجلسون عندك وهم لا ينتفعون بما يستمعون .\r[37] { عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ } ، حلقا وفرقا .\r[38] { أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ } ، قال ابن عباس : معناه أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنتي كما يدخلها المسلمون ويتنعم فيها وقد كذب نبي؟\r[39] { كَلَّا } ، لا يدخلها ، ثم ابتدأ فقال : { إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ } ، أي من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ، نبه الناس على أنهم خلقوا من أصل واحد وإنما يتفاضلون ويستوجبون الجنة بالإيمان والطاعة .","part":8,"page":4},{"id":3505,"text":"[40 - 41] { فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ } ، يعني مشرق كل يوم من السنة ومغربه ، { إِنَّا لَقَادِرُونَ }{ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ } ، على أن نخلق أمثل منهم وأطوع لله ، { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } .\r[42] { فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا } ، في باطلهم ، { وَيَلْعَبُوا } ، في دنياهم ، { حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } ، نسختها آية القتال .\r[43] { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ } ، أي القبور ، { سِرَاعًا } ، إلى إجابة الداعي ، { كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ } قرأ ابن عامر وحفص ( نصب ) بضم النون والصاد ، وقرأ الآخرون : بفتح النون وسكون الصاد ، يعنون إلى شيء منصوب ، يقال : فلان نصب عيني . وقال الكلبي : إلى علم ودراية . ومن قرأ بالضم قال مقاتل والكسائي : يعني إلى أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله . قال الحسن : يسرعون إليها أيهم يستلمها أولا { يُوفِضُونَ } ، أي يسرعون .\r[44] { خَاشِعَةً } ، ذليلة خاصعة { أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } ، يغشاهم هوان ، { ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } ، يعني يوم القيامة .","part":8,"page":5},{"id":3506,"text":"( 71 ) سورة نوح\r[1] { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ } ، بأن أنذر قومك ، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، المعنى : إنا أرسلناه لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا .\r[2] { قَالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } ، أنذركم وأبين لكم .\r\r[3 - 4] { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ }{ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } ، ( من ) صلة أي يغفر لكم دنوبكم . وقيل : يعني ما سلف من ذنوبكم إلى وقت الإيمان ، وذلك بعض ذنوبهم ، { وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } ، أن يعافيكم إلى منتهى آجالهم فلا يعاقبكم ، { إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ، يقول آمنوا قبل الموت ، تسلموا من العذاب ، فإن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ولا يمكنكم الإيمان .\r[5 - 6] { قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا }{ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا } ، نفارا وإدبارا عن الإيمان والحق .","part":8,"page":6},{"id":3507,"text":"[7] { وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ } ، إلى الإيمان بك ، { لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ } ، لئلا يسمعوا دعوتي ، { وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ } ، غطوا بها وجوههم لئلا يروني ، { وَأَصَرُّوا } ، على كفرهم ، { وَاسْتَكْبَرُوا } , عن الإيمان بك ، { اسْتِكْبَارًا } .\r[8] { ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا } ، معلنا : بالدعاء . قال ابن عباس : بأعلى صوتي .\r[9] { ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ } ، أي كررت الدعاء معلنا ، { وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا } ، قال ابن عباس : يريد الرجل بعد الرجل ، أكلمه سرا بيني وبينه ، أدعوه إلى عبادتك وتوحيدك .","part":8,"page":7},{"id":3508,"text":"[10 - 11] { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا }{ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } ، وذلك أن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة ، فهلكت أولادهم وأموالهم ومواشيهم ، فقال لهم نوح : استغفروا ربكم من الشرك ، أي استدعوا المغفرة بالتوحيد ، يرسل السماء عليكم مدرارا . 12,\r[13] { وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } ، قال عطاء : يكثر أموالكم وأولادكم { وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا }{ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } ، قال ابن عباس ومجاهد : لا ترون لله عظمة . وقال سعيد بن جبير : ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته . وقال الكلبي : لا تخافون الله حق عظمته . والرجاء : بمعنى الخوف ، والوقار . العفة ، اسم من التوقير وهو التعظيم . قال : الحسن : لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة . قال ابن كيسان : ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توقيركم إياه خيرا .\r[14] { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } ، تارات ، حال بعد حال نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى تمام الخلق .","part":8,"page":8},{"id":3509,"text":"[15] { أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا }{ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا } قال الحسن : يعني في السماء الدنيا ، كما يقال : أتيت بني تميم وإنما أتى بعضهم ، وفلان متوار في دور بني فلان وهو في دار واحدة .\r[16] { وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا } ، مصباحا مضيئا .\r[17] { وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا } أراد مبدأ خلق أبي البشر آدم خلقه من الأرض ، والناس ولده ، قوله : ( نباتا ) اسم جعل في موضع المصدر أي نباتا قال الخليل : مجازه : أنبتكم فنبتم نباتا .\r[18] { ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا } ، بعد الموت ، { وَيُخْرِجُكُمْ } منها يوم البعث أحياء { إِخْرَاجًا } .\r[19] { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا } ، فرشها وبسطها لكم .\r[20] { لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا } ، طرقا واسعة .\r[21] { قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي } ، يعني لم يجيبوا دعوتي ، { وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا } يعني اتبع السفلة والفقراء القادة والرؤساء الذين هم لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالا في الدنيا وعقوبة في الآخرة .","part":8,"page":9},{"id":3510,"text":"[22] { وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا } ، أي كبيرا عظيما ، يقال : كبير وكبار ، بالتخفيف ، وكبار بالتشديد ، شدد المبالغة ، كلها بمعنى واحد كما يقال : أمر عجيب وعجاب بالتشديد أشد في المبالغة ، واختلفوا في مكرهم . قال ابن عباس : قالوا قولا عظيما . قال الضحاك : افتروا على الله وكذبوا رسله . وقيل . منع الرؤساء أتباعهم عن الإيمان بنوح وحرشوهم على قتله .\r[23] { وَقَالُوا } لهم ، { لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ } أي عبادتها { وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا } قرأ أهل المدينة بضم الواو والباقون بفتحها ، { وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } هذه أسماء آلهتهم . قال محمد بن كعب : هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح ، فلما ماتوا كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم مأخذهم في العبادة فجاءهم إبليس وقال لهم : لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ، ففعلوا ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس : إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم ، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم من المسلمين .","part":8,"page":10},{"id":3511,"text":"[24] { وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا } ، أي ضل بسبب الأصنام كثير من الناس كقوله - عز وجل - : { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ } ، وقال مقاتل : أضل كبراؤهم كثيرا من الناس . { وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا } ، هذا دعاء عليهم بعدما أعلم الله نوحا أنهم لا يؤمنون ، وهو قوله : { أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ } .\r[25] { مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ } ، أي من خطيئاتهم ، ( وما ) صلة ، وقرأ أبو عمرو ( خطاياهم ) وكلاهما جمع خطيئة ، { أُغْرِقُوا } ، بالطوفان ، { فَأُدْخِلُوا نَارًا } ، قال الضحاك : هي في حالة واحدة في الدنيا يغرقون من جانب ويحترقون من جانب ، وقال مقاتل : فأدخلوا نارا في الآخرة ، { فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا } ، لم يجدوا أحدا يمنعهم من عذاب الله الواحد القهار .\r[26] { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } ، أحدا يدور في الأرض فيذهب ويجيء من الدوران ، وقال القتيبي : إن أصله من الدار أي نازل دار .","part":8,"page":11},{"id":3512,"text":"[27] { إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ } قال ابن عباس والكلبي ومقاتل : كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول : احذر هذا فإنه كذاب وإن أبي حذرنيه فيموت الكبير وينشأ الصغير عليه ، { وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا } ، قال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وغيرهم : إنما قال نوح هذا حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم ، وأعقم أرحام نسائهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة . وقيل : سبعين سنة ، وأخبر الله نوحا أنهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمنا فحينئذ دعا عليهم فأجاب الله دعاءه ، وأهلكهم كلهم .\r[28] { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ } ، واسم أبيه لمك بن متوشلخ واسم أمه سمحاء بنت أنوش وكانا مؤمنين ، { وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ } ، داري { مُؤْمِنًا } ، وقال الضحاك والكلبي : مسجدي . وقيل : سفينتي . { وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } ، هذا عام في كل من آمن بالله وملائكته وصدق الرسل ، { وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا } ، هلاكا ودمارا فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم .","part":8,"page":12},{"id":3513,"text":"( 72 ) سورة الجن\r[1] { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ } وكانوا تسعة من جن نصيبين . وقيل : سبعة ، استمعوا قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكرنا خبرهم في سورة الأحقاف . { فَقَالُوا } ، لما رجعوا إلى قومهم ، { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } قال ابن عباس : بليغا أي قرآنا ذا عجب يعجب منه لبلاغته .\r[2] { يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ } يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان ، { فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا }\r[3] { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } جلال ربنا وعظمته ، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة ، يقال : جد الرجل أي عظم ، ومنه قول أنس : إذا كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا ، أي عظم قدره ، وقال السدي : { جَدُّ رَبِّنَا } أي أمر ربنا . وقال الحسن : غنى ربنا . ومنه قيل للجد : حظ ، ورجل مجدود . وقال ابن عباس : قدرة ربنا . قال الضحاك : فعله . وقال القرظي : آلاؤه ونعماؤه على خلقه . وقال الأخفش : علا ملك ربنا . { مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا } . قيل : تعالى جلاله وعظمته عن أن يتخذ صاحبة وولدا .","part":8,"page":13},{"id":3514,"text":"[4] { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } ، هو إبليس ، { عَلَى اللَّهِ شَطَطًا } ، كذبا وعدوانا وهو وصفه بالشريك والولد .\r[5] { وَأَنَّا ظَنَنَّا } حسبنا { أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ } قرأ يعقوب ( تقول ) بفتح الواو وتشديدها { عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ، أي كنا نظنهم صادقين في قولهم : إن لله صاحبة وولدا حتى سمعنا القرآن .\r[6] قال الله { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ } وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في الوادي قال : أعوذ بسيد سفهاء قومه ، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح { فَزَادُوهُمْ } يعني زاد الإنسان الجن باستعاذتهم بقادتهم { رَهَقًا } ، قال ابن عباس : إثما . وقال مجاهد : طغيانا . وقال مقاتل : غيا . وقال الحسن : شرا . وقال إبراهيم : عظمة وذلك أنهم كانوا يزدادون بهذا التعوذ طغيانا ، يقولون : سدنا الجن والإنس ، والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم .","part":8,"page":14},{"id":3515,"text":"[7] { وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا } ، يقول الله - تعالى - : إن الجن ظنوا ، { كَمَا ظَنَنْتُمْ } ، يا معشر الكفار من الإنس { أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا } ، بعد موته .\r[8] { وَأَنَّا } ، يقول الجن ، { لَمَسْنَا السَّمَاءَ } ، قال الكلبي : السماء الدنيا ، { فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا } من الملائكة { وَشُهُبًا } ، من النجوم .\r[9] { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا } من السماء ، { مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ } أي كنا نستمع ، { فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } أرصد له ليرمي به ، قال ابن قتيبة : إن الرجم كان قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة ، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال ، فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - منعوا من ذلك أصلا . ثم قالوا :\r[10] { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ } ، برمي الشهب ، { أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } .","part":8,"page":15},{"id":3516,"text":"[11] { وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } دون الصالحين . { كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا } ، أي جماعات متفرقين وأصنافا مختلفة ، والقدة : القطعة من الشيء ، يقال : صار القوم قددا إذا اختلفت حالاتهم ، وأصلها من القد وهو القطع ، قال مجاهد : يعنون مسلمين وكافرين ، وقيل : أهواء مختلفة وقال ابن كيسان : شيعا وفرقا لكل فرقة هوى كأهواء الناس . وقال سعيد بن جبير : ألوانا شتى . وقال أبو عبيدة : أصنافا .\r[12] { وَأَنَّا ظَنَنَّا } ، علمنا وأيقنا ، { نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ } ، أي لن نفوته إن أراد بنا أمرا ، { وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا } ، إن طلبنا .\r[13] { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى } ، القرآن وما أتى به محمد ، { آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا } ، نقصانا من عمله وثوابه ، { وَلَا رَهَقًا } ، ظلما . وقيل : مكروها يغشاه .","part":8,"page":16},{"id":3517,"text":"[14] { وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ } ، وهم الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - { وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ } الجائرون العادلون عن الحق . قال ابن عباس : الذين جعلوا لله ندا ، يقال : أقسط الرجل إذا عدل فهو مقسط ، وقسط إذا جار فهو قاسط . { فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا } أي قصدوا طريق الحق وتوخوه .\r[15] { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ } ، الذين كفروا ، { فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } كانوا وقود النار يوم القيامة .","part":8,"page":17},{"id":3518,"text":"[16] ثم رجع إلى كفار مكة فقال : { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ } ، اختلفوا في تأويلها ، فقال قوم . لو استقاموا على طريق الحق والإيمان والهدى فكانوا مؤمنين مطيعين ، { لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا } ، كثيرا ، قال مقاتل : وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين . وقالوا : معناه لو آمنوا لوسعنا عليهم في الدنيا وأعطيناهم مالا كثيرا وعيشا رغدا ، وضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير والرزق كله في المطر ، كما قال : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ } الآية . وقال : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ } الآية .","part":8,"page":18},{"id":3519,"text":"[17] وقوله - تعالى - : { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } أي لنختبرهم كيف شكرهم فيما خولوا . وقال آخرون : معناها وأن لو أستقاموا على طريقة الكفر والضلالة لأعطيناهم مالا كثيرا ولوسعنا عليهم لنفتنهم فيه عقوبة لهم واستدراجا حتى يفتتنوا بها فنعذبهم كما قال الله : { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } الآية .\r{ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا } قال ابن عباس : شاقا ، والمعنى ذا صعيد أي ذا مشقة . قال قتادة . لا راحة فيه . وقال مقاتل : لا فرح فيه . قال الحسن : لا يزداد إلا شدة . والأصل فيه أن الصعود يشق على الإنسان .","part":8,"page":19},{"id":3520,"text":"[18] { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } ، يعني المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله ، { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } قال قتادة . كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله ، فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد وأراد بها المساجد كلها . وقال الحسن : أراد بها البقاع كلها لأن الأرض جعلت كلها مسجدا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال سعيد بن جبير : قالت الجن للنبي - صلى الله عليه وسلم - كيف لنا أن نشهد معك الصلاة ونحن ناءون؟ فنزلت : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ }\rوروي عن سعيد بن جبير أيضا : أن المراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان وهي سبعة : الجبهة واليدان والركبتان والقدمان ، يقول : هذه الأعضاء التي تقع عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره . فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة فواحدها مسجد بكسر الجيم ، وإن جعلتها الأعضاء فواحدها مسجد بفتح الجيم .","part":8,"page":20},{"id":3521,"text":"[19] { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ } يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - { يَدْعُوهُ } يعني يعبده ويقرأ القرآن وذلك حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن ، { كَادُوا } يعني الجن ، { يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا } أي يركب بعضهم بعضا ، ويزدحمون حرصا على استماع القرآن ، هذا قول الضحاك ورواية عطية عن ابن عباس . وقال سعيد بن جبير عنه : هذا من قول النفر الذين رجعوا إلى قومهم من الجن أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - واقتدائهم به في الصلاة . وقال الحسن وقتادة وابن زيد : يعني لما قام عبد الله بالدعوة تلبدت الإنس والجن ، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءهم به ، ويطفئوا نور الله فأبى الله ألا أن يتم نوره ، ويتم هذا الأمر وينصره على سق ناوأه ، وأصل اللبد الجماعات بعضها فوق بعض ، ومنه سمي اللبد الذي يفرش لتراكمه وتلبد الشعر إذا تراكم .","part":8,"page":21},{"id":3522,"text":"[20] { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي } ، قرأ أبو جعفر وعاصم وحمزة ( قل ) على الأمر ، قرأ الآخرون ( قال ) يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما أدعو ربي ، قال مقاتل : وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - لقد جئت بأمر عظيم فارجع عنه فنحن نجيرك ، فقال لهم : إنما أدعو ربي ، { وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } .\r[21] { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا } ، لا أقدر أن أدفع عنكم ضررا , { وَلَا رَشَدًا } أي لا أسوق لكم أو إليكم رشدا ، أي خيرا ، يعني أن الله يملكه .\r[22] { قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ } لن يمنعني منه أحد عصيته . { وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا } ملجأ أميل إليه . ومعنى الملتحد أي المائل ، قال السدي : حرزا . وقال الكلبي : مدخلا في الأرض مثل السرب .","part":8,"page":22},{"id":3523,"text":"[23] { إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ } ففيه الجوار والأمن والنجاة ، قاله الحسن . قال مقاتل : ذلك الذي يجيرني من عذاب الله ، يعني التبليغ . وقال قتادة : إلا بلاغا من الله فذلك الذي أملكه بعون الله وتوفيقه . وقيل : لا أملك لكم ضرا ولا رشدا لكن أبلغ بلاغا من الله فإنما أنا مرسل به لا أملك إلا ما ملكت . { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ولم يؤمن ، { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } .\r[24] { حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ } ، يعني العذاب يوم القيامة ، { فَسَيَعْلَمُونَ } عند نزول العذاب ، { مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا } أهم أم المؤمنين .\r[25] { قُلْ إِنْ أَدْرِي } ، أي ما أدري ، { أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ } من العذاب وقيل . يوم القيامة ، { أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا } .","part":8,"page":23},{"id":3524,"text":"[26 - 27] { عَالِمُ الْغَيْبِ } رفع على نعت أجلا وغاية تطول مدتها يعني : أن علم وقت العذاب غيب لا يعلمه إلا الله . قوله ( ربي ) ، وقيل : هو عالم الغيب ، { فَلَا يُظْهِرُ } لا يطلع ، { عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا }{ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } إلا من يصطفيه لرسالته فيظهره على ما يشاء من الغيب لأنه يستدل على نبوته بالآية المعجزة التي تخبر عن الغيب ، { فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا } ذكر بعض الجهات دلالة على جميعها رصدا أي يجعل بين يديه وخلفه من الملائكة يحفظونه من الشياطين أن يسترقوا السمع ، ومن الجن أن يستمعوا الوحي فيلقوا إلى الكهنة . قال مقاتل وغيره : كان الله إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة ملك يخبره فيبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة يحرسونه ويطردون الشياطين ، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان فاحذره ، وإذا جاءه ملك قالوا له : هذا رسول ربك .","part":8,"page":24},{"id":3525,"text":"[28] { لِيَعْلَمَ } قرأ يعقوب ليعلم بضم الياء أي ليعلم الناس ، { أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا } وقرأ الآخرون : بفتح الياء أي ليعلم الرسول أن الملائكة قد أبلغوا ، { رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } أي علم الله ما عند الرسل فلم يخف عليه شيء ، { وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا } قال ابن عباس : أحصى ما خلق وعرف عدد ما خلق فلم يفته علم شيء حتى مثاقيل الذر والخردل ، ونصب ( عددا ) على الحال ، وإن شتت على المصدر ، أي عد عددا .","part":8,"page":25},{"id":3526,"text":"( 73 ) سورة المزمل\r[1] { يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } ، أي الملتفف بثوبه ، وأصله ( المتزمل ) أدغمت التاء في الزاي ، ومثله ( المدثر ) أدغمت التاء في الدال ، يقال : تزمل وتدثر بثوبه إذا تغطى به . وقال السدي : أراد يا أيها النائم قم فصل قال الحكماء : كان هذا الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة ، ثم خوطب بعد بالنبي والرسول .\r[2] { قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا } أي للصلاة ، ( إلا قليلا ) ، وكان قيام الليل فريضة في الابتداء ثم بين قدره فقال :\r[3] { نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا } إلى الثلث .","part":8,"page":26},{"id":3527,"text":"[4] { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } على النصف إلى الثلثين ، وخيره بين هذه المنازل ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يقومون على هذه المقادير ، وكان الرجل لا يدري متى ثلث الليل ومتى النصف ومتى الثلثان ، فكان يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب ، واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم فرحمهم الله وخفف عنهم ونسخها بقوله : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى } الآية ، فكان بين أول السورة وآخرها سنة ، وقال مقاتل وابن كيسان : كان هذا بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس ، { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } ، قال ابن عباس : بينه بيانا . قال الحسن : اقرأه قراءة بينة . قال مجاهد : ترسل فيه ترسلا . قال قتادة : تثبت فيه تثبتا . وعن ابن عباس أيضا : اقرأه على هينتك ثلاث آيات أو أربعا أو خمسا .","part":8,"page":27},{"id":3528,"text":"[5] { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا } ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : شديدا . قال الحسن : إن الرجل ليهذ السورة ولكن العمل بها ثقيل . قال قتادة : ثقيلا هو والله فرائضه وحدوده . قال مقاتل : ثقيل لما فيه من الأمر والنهي والحدود . قال أبو العالية : ثقيل بالوعد والوعيد والحلال والحرام . وقال محمد بن كعب : ثقيل على المنافقين . قال الحسين بن الفضل : قولا خفيفا على اللسان ثقيلا في الميزان . قال الفراء : ثقيلا ليس بالخفيف السفساف لأنه كلام ربنا . قال ابن زيد : هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة .","part":8,"page":28},{"id":3529,"text":"[6] قوله - عز وجل - : { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ } أي ساعاته كلها ، وكل ساعة منه ناشئة ، سميت بذلك لأنها تنشأ أي تبدو ، ومنه نشأت السحابة إذا بدت ، وكل ما حدث بالليل وبدأ فقد نشأ فهو ناشئ ، والجمع ناشئة . وقال ابن أبي مليكة : سألت ابن عباس وابن الزبير عنها فقالا : الليل كله ناشئة . وقال سعيد بن جبير وابن زيد : أي ساعة قام من الليل فقد نشأ ، وهو بلسان الحبش القيام ، يقال : نشأ فلان أي قام . وقالت عائشة : الناشئة القيام بعد النوم . وقال ابن كيسان : هي القيام من آخر الليل . وقال عكرمة . هي القيام من أول الليل . وقال الحسن : كل صلاة بعد العشاء الآخرة فهي ناشئة من الليل . وقال الأزهري : ناشئة الليل قيام الليل ، مصدر جاء على فاعلة كالعافية بمعنى العفو . { هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا } ، قرأ ابن عامر وأبو عمر : وطاء بكسر الواو ممدودا بمعنى المواطأة والموافقة ، يقال وطأت فلانا مواطأة القلب والسمع والبصر واللسان ، بالليل تكون أكثر مما يكون بالنهار . وقرأ والآخرون : بفتح الواو وسكون الطاء أي أشد على المصلي وأثقل من صلاة النهار ، لأن الليل للنوم والراحة . وقال قتادة : أثبت في الخير وأحفظ للقراءة .","part":8,"page":29},{"id":3530,"text":"وقال الفراء : أثبت قياما أي أوطأ للقيام وأسهل للمصلي من ساعات النهار ، لأن النهار خلق لتصرف العبادة ، والليل للخلوة فالعبادة فيه أسهل . وقيل : أشد نشاطا . وقال ابن زيد : أفرغ له قلبا من النهار لأنه لا تعرض فيه حوائج . وقال الحسن : أشد وطأ في الخير وأمنع من الشيطان . { وَأَقْوَمُ قِيلًا } وأصوب قراءة وأصح قولا لهدأة الناس وسكون الأصوات . وقال الكلبي : أبين قولا بالقرآن ، وفي الجملة عبادة الليل أشد نشاطا وأتم إخلاصا وأكثر بركة وأبلغ في الثواب .\r[7] { إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا } ، أي تصرفا وتقلبا وإقبالا وإدبارا في حوائجك وأشغالك ، وأصل السبح سرعة الذهاب ، ومنه السباحة في الماء . وقيل : سبحا طويلا أي فراغا وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك فصل من الليل ، وقرأ يحيى بن يعمر ( سبخا ) بالخاء المعجمة أي استراحة وتخفيفا للبدن .","part":8,"page":30},{"id":3531,"text":"[8] { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ } ، بالتوحيد والتعظيم ، { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا } ، قال ابن عباس وغيره : أخلص إليه إخلاصا . قال الحسن : اجتهد . وقال ابن زيد : تفرغ لعبادته . وقال سفيان : توكل عليه توكلا . وقيل . انقطع إليه في العبادة انقطاعا ، وهو الأصل في الباب ، يقال : تبتلت الشيء أي قطعته ، والتبتيل : تفعيل ، منه يقال : بتلته فتبتل ، المعنى : بتل إليه نفسك ، ولذلك قال : تبتيلا . قال ابن زيد : التبتل رفض الدنيا وما فيها ، والتماس ما عند الله - تعالى - .\r[9] { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } أهل الحجاز وأبو عمرو وحفص ( رب ) برفع الباء على الابتداء ، وقرأ الآخرون بالجر على نعت الرب في قوله : { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ } ، { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا } ، قيما بأمورك ففوضها إليه .\r[10] { وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا } نسختها آية القتال .\r[11] { وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا } ، نزلت في صناديد قريش المستهزئين . وقال مقاتل بن حيان : نزلت في المطعمين ببدر فلم يكن إلا يسير حتى قتلوا ببدر .","part":8,"page":31},{"id":3532,"text":"[12] { إِنَّ لَدَيْنَا } عندنا في الآخرة ، { أَنْكَالًا } ، قيودا عظاما لا تنفك أبدا ، واحدها نكل . قال الكلبي : أغلالا من حديد ، { وَجَحِيمًا } .\r[13] { وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ } غير سائغة يأخذ بالحق لا ينزل ولا يخرج وهو الزقوم { وَعَذَابًا أَلِيمًا } .\r[14] { يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ } ، أي تتزلزل وتتحرك ، { وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا } ، رملا سائلا ، قال الكلبي : هو الرمل الذي أخذت منه شيئا تبعك ما بعده ، يقال : أهلت الرمل أهيله هيلا إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه .\r[15] { إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا }\r[16] { فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا } شديدا ثقيلا ، يعني عاقبناه عقوبة غليظة يخوف كفار مكة .","part":8,"page":32},{"id":3533,"text":"[17] { فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ } ، أي كيف لكم بالتقوى يوم القيامة إذ كفرتم في الدنيا يعني لا سبيل لكم إلى التقوى إذا وافيتم يوم القيامة ، وقيل : معناه كيف تتقون العذاب يوم القيامة ، وبأي شيء تتحصنون منه إذا كفرتم ؟ { يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا } شمطا من هوله وشدته ، وذلك حين يقال لآدم قم فابعث بعث النار من ذريتك .\r[18] ثم وصف هول ذلك اليوم فقال : { السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ } ، متشقق لنزول الملائكة به أي : بذلك المكان . وقيل : الهاء ترجع إلى الرب أي بأمره وهيبته ، { كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا } ، كائنا .\r[19] { إِنَّ هَذِهِ } ، أي آيات القرآن { تَذْكِرَةٌ } تذكير وموعظة { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا } بالإيمان والطاعة .","part":8,"page":33},{"id":3534,"text":"[20] { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى } أقل { مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ } يعني المؤمنين وكانوا يقومون معه ، { وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } قال عطاء : يريد لا يفوته علم ما تفعلون ، أي أنه يعلم مقادير الليل والنهار فيعلم القدر الذي تقومون من الليل ، { عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ } قال الحسن : قاموا حتى انتفخت أقدامهم ، فنزل : ( علم أن لن تحصوه ) ، لن تطيقوه . وقال مقاتل : كان الرجل يصلي الليل كله ، مخافة ألا يصيب ما أمر به من القيام ، فقال : علم أن لن تحصوه : لن تطيقوا معرفة ذلك . { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } فعاد عليكم بالعفو والتخفيف ، { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } يعني في الصلاة ، قال الحسن : يعني في صلاة المغرب والعشاء . قال قيس بن حازم : صليت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة بالحمد وأول آية من البقرة ، ثم قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية من البقرة ، ثم ركع ، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال : إن الله - عز وجل - يقول . فاقرءوا ما تيسر منه .","part":8,"page":34},{"id":3535,"text":"قوله - عز وجل - : { عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } ، يعني المسافرين للتجارة يطلبون من رزق الله ، { وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } لا يطيقون قيام الليل ، روى إبراهيم عن ابن مسعود قال : أيما رجل جلب شيئا ما إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ، ثم قرأ عبد الله : { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } . { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } أي ما تيسر عليكم من القرآن . قال أهل التفسير كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بالصلوات الخمس ، وذلك قوله { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } ، قال ابن عباس : يريد ما سوى الزكاة من صلة الرحم ، وقري الضيف . { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا } ، تجدوا ثوابه في الآخرة أفضل مما أعطيتم ، { وَأَعْظَمَ أَجْرًا } ، من الذي أخرتم ، ولم تقدموه {","part":8,"page":35},{"id":3536,"text":"وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ } لذنوبكم ، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .","part":8,"page":36},{"id":3537,"text":"( 74 ) سورة المدثر\r\r[1 - 2] قوله - عز وجل - : { يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ }{ قُمْ فَأَنْذِرْ } أي أنذر كفار مكة .\r[3] { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } أي عظمه عما يقوله عبدة الأوثان .\r[4] { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } ، قال قتادة ومجاهد : نفسك فطهر من الذنب ، فكنى عن النفس بالثوب ، وهو قول إبراهيم والضحاك والشعبي والزهري . وقال عكرمة : سئل ابن عباس عن قوله : { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } فقال : لا تلبسها على معصية ولا على غدر . وروى أبو روق عن الضحاك معناه : وعملك فأصلح . قال السدي : يقال للرجل إذا كان صالحا إنه لطاهر الثياب ، وإذا كان فاجرا إنه لخبيث الثياب . وقال سعيد بن جبير : وقلبك ونيتك فطهر . وقال الحسن والقرظي : وخلقك فحسن . وقال ابن سيرين وابن زيد : أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها ، وذلك أن المشركين كانوا لا يتطهرون ولا يطهرون ثيابهم . وقال طاوس : وثيابك فقصر لأن تقصير الثياب طهرة لها .","part":8,"page":37},{"id":3538,"text":"[5] { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المراد بالرجز الأوثان ، قال : فاهجرها ولا تقربها . وقيل : الزاي فيه منقلبة عن السين ، والعرب تعاقب بين السين والزاي لقرب مخرجهما ، ودليل هذا التأويل قوله : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ } ، وروي عن ابن عباس أن معناه . اترك المآثم . وقال أبو العالية والربيع : الرجز بضم الراء الصنم ، وبالكسر النجاسة والمعصية . قال الضحاك : يعني الشرك . وقال الكلبي : يعني العذاب ، ومجاز الآية : اهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال .\r[6] { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } ، أي لا تعط مالك مصانعة لتعطى أكثر منه ، وهذا قول أكثر المفسرين . وقال قتادة : لا تعط شيئا طمعا لمجازاة الدنيا ، يعني أعط لربك وأرد به الله . وقال الحسن : معناه لا تمنن على الله بعملك فتستكثره ، قال الربيع : لا يكثرن عملك في عينك فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل . وروى خصيف عن مجاهد : ولا تضعف أن تستكثر من الخير ، من قولهم : حبل منين إذا كان ضعيفا ، دليله قراءة ابن مسعود ( ولا تمنن أن تستكثر من الخير ) ، وقال ابن زيد معناه : لا تمنن بالنبوة على الناس فتأخذ عليها أجرا أو عرضا من الدنيا .","part":8,"page":38},{"id":3539,"text":"[7] { وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } قيل : فاصبر على طاعته وأوامره ونواهيه لأجل ثواب الله . وقال مجاهد : فاصبر لله على ما أوذيت فيه . وقال ابن زيد . معناه حملت أمرا عظيما فيه محاربة العرب والعجم فاصبر عليه لله - عز وجل - . وقيل : فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله .\r[8] { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ } أي نفخ في الصور ، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل يعني النفخة الثانية .\r[9] { فَذَلِكَ } أي النفخ في الصور ، { يَوْمَئِذٍ } يعني يوم القيامة ، { يَوْمٌ عَسِيرٌ } شديد . 10 ) { عَلَى الْكَافِرِينَ } يعسر فيه الأمر عليهم ، { غَيْرُ يَسِيرٍ } ، غير هين .\r[11] قوله - عز وجل - : { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا } أي خلقته في بطن أمه وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد ، نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان يسمى الوحيد في قومه .\r[12] { وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا } أي كثيرا . قيل : هو ما يمد بالنماء كالزرع والضرع والتجارة .","part":8,"page":39},{"id":3540,"text":"[13] { وَبَنِينَ شُهُودًا } حضورا بمكة لا يغيبون عنه وكانوا عشرة ، قاله مجاهد وقتادة . وقال مقاتل : كانوا سبعة وهم الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس ، أسلم منهم ثلاثة خالد وهشام وعمارة .\r[14] { وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا } ، أي بسطت له في العيش وطول العمر بسطا . وقال الكلبي : يعني المال بعضه على بعض كما يمهد الفرش .\r[15] { ثُمَّ يَطْمَعُ } يرجو ، { أَنْ أَزِيدَ } ، أي أن أزيده مالا ، وولدا ، وتمهيدا .\r[16] { كَلَّا } لا أفعل ولا أزيده ، قالوا : فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك { إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا } ، معاندا .\r[17] { سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا } سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيها .","part":8,"page":40},{"id":3541,"text":"[18] { إِنَّهُ فَكَّرَ } في محمد والقرآن { وَقَدَّرَ } في نفسه ماذا يمكنه أن يقول في محمد والقرآن .\r[19] { فَقُتِلَ } ، لعن ، وقال الزهري : عذب ، { كَيْفَ قَدَّرَ } على طريق التعجب والإنكار والتوبيخ . 20 ) { ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } ، كرره للتأكيد ، وقيل : معناه لعن على أي حال قدر من الكلام ، كما يقال لأضربنه كيف صنع أي على أي حال صنع .\r[21] { ثُمَّ نَظَرَ } ، في طلب ما يدفع به القرآن ويرده .\r[22] { ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ } ، كلح وقطب وجهه ونظر بكراهية شديدة كالمهتم المتفكر في شيء .\r[23] { ثُمَّ أَدْبَرَ } ، عن الإيمان { وَاسْتَكْبَرَ } تكبر حين دعي إليه .\r[24] { فَقَالَ إِنْ هَذَا } ما هذا الذي يقرأه محمد ، { إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ } ، يروى ويحكى عن السحرة .\r[25] { إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } يعني يسارا وجبرا فهو يأثره عنهما . وقيل : يرويه عن مسلمة صاحب اليمامة .\r[26] قال الله - تعالى - : { سَأُصْلِيهِ } سأدخله { سَقَرَ } ، وسقر اسم من أسماء جهنم . 27,","part":8,"page":41},{"id":3542,"text":"[28] { وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ }{ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ } أي لا تبقي ولا تذر فيها شيئا إلا أكلته وأهلكته . وقال مجاهد : لا تميت ولا تحيي يعني لا تبقي من فيها حيا ولا تذر من فيها ميتا ، كلما احترقوا جددوا . وقال السدي : لا تبقي لهم لحما ولا تذر لهم عظما . وقال الضحاك : إذا أخذت فيهم لم تبق منهم شيئا وإذا أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم ، ولكل شيء ملالة وفترة إلا جهنم .\r[29] { لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ } ، مغيرة للجلد حتى تجعله أسود ، يقال : لاحة السقم والحزن إذ غيره ، قال مجاهد : تلفح الجلد حتى تدعه أشد سوادا من الليل . وقال ابن عباس وزيد بن أسلم : محرقة للجلد . وقال الحسن وابن كيسان : تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا .\r[30] { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } ، أي على النار تسعة عشر من الملائكة ، وهم خزنتها مالك ومعه ثمانية عشر .","part":8,"page":42},{"id":3543,"text":"[31] { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً } ، لا رجالا آدميين فمن ذا يغلب الملائكة؟ { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ } أي عددهم في القلة ، { إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } ، أي ضلالة لهم { لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } ، لأنه مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر ، { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } ، يعني من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - إذا وجدوا ما قاله موافقا لما في كتبهم ، { وَلَا يَرْتَابَ } لا يشك , { الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ } في عددهم ، { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } ، شك ونفاق ، { وَالْكَافِرُونَ } مشركو مكة { مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا } أي شيء أراد بهذا الحديث . \" وأراد بالمثل الحديث نفسه { كَذَلِكَ } . أي كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة وهدى من صدق , كذلك { يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ } , قال مقاتل : هذا جواب أبي جهل حين قال : أما لمحمد أعوان إلا تسعة؟ قال عطاء : وما يعلم","part":8,"page":43},{"id":3544,"text":"جنود ربك إلا هو يعني من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار ، لا يعلم عدتهم إلا الله والمعنى أن تسعة عشر هم خزنة النار ، ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمهم إلا الله - عز وجل - ، ثم رجع إلى ذكر سقر فقال : { وَمَا هِيَ } , يعني النار ، { إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } , إلا تذكرة وموعظة للناس .\r[32] { كَلَّا وَالْقَمَرِ } ، هذا قسم يقول حقا .\r[33] { وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } دبر الليل وأدبر إذا ولى ذاهبا .\r[34] { وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } ، أضاء وتبين .\r[35] { إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ } , يعني أن سقر لإحدى الأمور العظام , وواحد الكبر كبرى ، قال مقاتل والكلبي : أراد بالكبر كانت جهنم وهي سبعة : جهنم ولظى والحطمة والسعير وسقر والجحيم والهاوية .\r[36] { نَذِيرًا لِلْبَشَرِ } يعني النار نذيرا للبشر . قال الحسن : والله ما أنذر الله بشي أدهى منها .\r[37] { لِمَنْ شَاءَ } ، بدل من قوله للبشر { مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ } , في الخير والطاعة, , { أَوْ يَتَأَخَّرَ } , عنها في الشر والمعصية , المعنى : أن الإنذار قد حصل لكل واحد ممن آمن أو كفر .","part":8,"page":44},{"id":3545,"text":"[38] { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } مرتهنة في النار بكسبها مأخوذة بعملها .\r[39] { إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ } فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم في النار ولكن يغفرها الله لهم . قال قتادة علق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين . واختلفوا فيهم روي عن علي رضي الله عنه أنهم أطفال المسلمين وروى أبو ظبيان عن ابن عباس : هم الملائكة . وقال مقاتل : هم أصحاب الجنة الذين كانوا على يمين أدم يوم الميثاق ، حين قال الله لهم : ( هؤلاء في الجنة ولا أبالي ) وعنه أيضا : هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم ، وعنه أيضا : هم الذين كانوا ميامين على أنفسهم . وقال الحسن : هم المسلمون المخلصون . وقال القاسم : كل نفس مأخوذة بكسبها من خير أو شر إلا من اعتمد على الفضل ، وكل من اعتمد على الكسب فهو رهين به ، ومن اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ به .\r[40,\r[41] { فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ }{ عَنِ الْمُجْرِمِينَ } المشركين .\r[42] { مَا سَلَكَكُمْ } أدخلكم ، { فِي سَقَرَ } ، فأجابوا .\r[43] { قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } ، لله .","part":8,"page":45},{"id":3546,"text":"[44-47] { وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ }{ وَكُنَّا نَخُوضُ } , في الباطل , { مَعَ الْخَائِضِينَ }{ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ }{ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ } وهو الموت .\r[48] قال الله - عز وجل - : { فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } قال ابن مسعود : تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين ، فلا يبقى في النار إلا أربعة ، ثم تلا : { قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } إلى قوله : { بِيَوْمِ الدِّينِ } ، قال عمران بن الحصين : الشفاعة نافعة لكل واحد دون هؤلاء الذين تسمعون .\r[49] { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } , عن مواعظ القرآن معرضين نصب على الحال ، وقيل صاروا معرضين .\r[50] { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ } , جمع حمار ، { مُسْتَنْفِرَةٌ } ، قرأ أهل المدينة والشام بفتح الفاء ، وقرأ الباقون بكسرها ، فمن قرأ بالفتح فمعناها منفرة مذعورة ، ومن قرأ بالكسر فمعناها نافرة ، يقال : نفر واستنفر بمعنى واحد ، كما يقال عجب واستعجب .","part":8,"page":46},{"id":3547,"text":"[51] { فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ } , قال مجاهد وقتادة والضحاك : القسورة جماعة الرماة لا واحد لها من لفظها ، وهي رواية عطاء عن ابن عباس . وقال سعيد بن جبير : هم القناص وهي رواية عطية عن ابن عباس . وقال زيد بن أسلم : من رجال أقوياء وكل ضخم شديد عند العرب قسور وقسورة . وعن أبي المتوكل قال : هي لغط القوم وأصواتهم . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : هي حبال الصيادين . وقال أبو هريرة : هي الأسد ، وهو قول عطاء والكلبي وذلك أن الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت ، كذلك هؤلاء المشركين إذا سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ القرآن هربوا منه . قال عكرمة : هي ظلمة الليل ، ويقال لسواد أول الليل قسورة .\r[52] { بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً } قال المفسرون : إن كفار قريش قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك لرسوله نؤمر فيه باتباعك . قال الكلبي : إن المشركين قالوا : يا محمد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبا عند رأسه ذنبه وكفارته ، فأتنا بمثل ذلك ، والصحف الكتب وهي جمع الصحيفة ومنشرة منشورة .","part":8,"page":47},{"id":3548,"text":"[53] فقال الله - تعالى - : { كَلَّا } , لا يؤتون الصحف . وقيل : حقا وكل ما ورد عليك منه فهذا وجهه { بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ } ، أي لا يخافون عذاب الآخرة ، والمعنى أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا هذه الآيات بعد قيام الأدلة .\r[54] { كَلَّا } حقا { إِنَّهُ } يعني القرآن { تَذْكِرَةٌ } موعظة .\r[55] { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ } اتعظ به .\r[56] { وَمَا يَذْكُرُونَ } قرأ نافع ويعقوب : تذكرون بالتاء والآخرون بالياء ، { إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } , قال مقاتل : إلا أن يشاء الله لهم الهدى . { هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ } , أي أهل أن تتقى محارمه وأهل أن يغفر لمن اتقاه .","part":8,"page":48},{"id":3549,"text":"( 75 ) سورة القيامة\r[1] { لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ } قرأ القواس عن ابن كثير ( لأقسم ) الحرف الأول بلا ألف قبل الهمزة .","part":8,"page":49},{"id":3550,"text":"[2] { وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } بالألف ، وكذلك قرأ عبد الرحمن الأعرج ، على معنى أنه أقسم بيوم القيامة ، ولم يقسم بالنفس اللوامة ، والصحيح أنه أقسم بهما جميعا و ( لا ) صلة فيهما أي أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة . وقال أبو بكر بن عياش : هو تأكيد كقولك لا والله . وقال الفراء : ( لا ) رد لكلام المشركين المنكرين ، ثم ابتدأ فقال : أقسم بيوم القيامة وأقسم بالنفس اللوامة { وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } قال سعيد بن جبير وعكرمة : تلوم على الخير والشر ولا تصبر على السراء والضراء . قال قتادة : اللوامة : الفاجرة . قال مجاهد : تندم على ما فات وتقول : لو فعلت ولم أفعل . قال الفراء : ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها ، إن صانت عملت خيرا قالت : هلا ازددت ، وإن عملت شرا قالت : ليتني لم أفعل . قال الحسن : هي النفس المؤمنة قال : إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلامي ما أردت بكلامي . وإن الفاجر يمضي قدما ، يحاسب نفسه ولا يعاتبها . قال مقاتل : هي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله في الدنيا .","part":8,"page":50},{"id":3551,"text":"[3] { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ } يعني الكافر { أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ } , بعد التفرق والبلى فنحييه ، قيل : ذكر العظام ، وأراد نفسه لأن العظام قالب النفس لا يستوي الخلق إلا باستوائها . وقيل : هو خارج على قول المنكر أو يجمع الله العظام كقوله : { قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } .\r[4] { بَلَى قَادِرِينَ } أي نقدر يريد بل قادرين على أكثر من ذا ، مجاز الآية : بلى نقدر على جمع عظامه وعلى ما هو أعظم من ذلك , وهو : { عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } أنامله فنجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار ، فلا يرتفق بها بالقبض والبسط والأعمال اللطيفة ، كالكتابة والخياطة وغيرها ، هذا قول أكثر المفسرين . وقال الزجاج وابن قتيبة : معناه ظن الكافر أنا لا نقدر على جمع عظامه بلى نقدر على أن نعيد السلاميات على صغرها فنؤلف بينها حتى نسوي البنان ، فمن قدر على جمع صغار العظام فهو على جمع كبارها أقدر .","part":8,"page":51},{"id":3552,"text":"[5] { بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } ، يقول : لا جهل ابن آدم أن ربه قادر على جمع عظامه لكنه يريد أن يفجر أمامه أي يمضي قدما في معاصي الله ما عاش راكبا رأسه لا ينزع عنها ولا يتوب ، هذا قول مجاهد والحسن وعكرمة والسدي . وقال سعيد بن جبير : ليفجر أمامه يقدم على الذنب ويؤخر التوبة فيقول : سوف أتوب سوف أعمل حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله . وقال الضحاك : هو الأمل يقول : أعيش فأصيب من الدنيا كذا وكذا ولا يذكر الموت . وقال ابن عباس وابن زيد : يكذب بما أمامه من البعث والحساب . وأصل الفجور الميل وسمي الفاسق والكافر فاجرا لميله عن الحق .\r[6] { يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ } أي متى يكون ذلك ، تكذيبا به .\r[7] قال الله - تعالى - : { فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ } , قال قتادة ومقاتل : شخص البصر فلا يطرف مما يرى من العجائب التي كان يكذب بها في الدنيا . قيل : ذلك عند الموت . وقال الكلبي : عند رؤية جهنم تبرق أبصار الكفار . وقال الفراء والخليل : برق بالكسر أي فزع وتحير لما يرى من العجائب ، وبرق بالفتح أي شق عينه وفتحها من البريق وهو التلألؤ .","part":8,"page":52},{"id":3553,"text":"[8] { وَخَسَفَ الْقَمَرُ } ، أظلم وذهب نوره وضوءه .\r[9] { وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } صارا أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران . وقيل : يجمع بينهما في ذهاب الضياء . وقال كعطاء بن يسار : يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى . وقيل : يجمعان ثم يقذفان في النار . وقيل : يجمعان فيطلعان من المغرب .\r[10] { يَقُولُ الْإِنْسَانُ } أي الكافر المكذب { يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ } أي المهرب وهو موضع الفرار . وقيل : هو مصدر أي أين الفرار .\r[11] قال الله - تعالى - : { كَلَّا لَا وَزَرَ } , لا حصن ولا حرز ولا ملجأ . وقال السدي : لا جبل وكانوا إذا فزعوا لجئوا إلى الجبل فتحصنوا به . وقال - تعالى - : لا جبل يومئذ يمنعهم .\r[12] { إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ } أي مستقر الخلق . وقال عبد الله بن مسعود : المصير والمرجع نظيره قوله - تعالى - . { إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى }{ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } وقال السدى : المنتهى نظيره : { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } .","part":8,"page":53},{"id":3554,"text":"[13] { يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } قال ابن مسعود وابن عباس : بما قدم قبل الموت من عمل صالح وسيئ ، وما أخر بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها . وقال عطية عن ابن عباس : بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة . وقال قتادة : بما قدم من طاعة الله وأخر من حق الله فضيعه . وقال مجاهد : بأول عمله وآخره . وقال عطاء : قدم في أول عمره وما أخر في آخر عمره . وقال زيد بن أسلم بما قدم من أمواله لنفسه وما أخر خلفه للورثة .","part":8,"page":54},{"id":3555,"text":"[14] { بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } قال عكرمة ومقاتل والكلبى : معناه بل الإنسان على نفسه من نفسه رقباء يرقبونه ويشهدون عليه بعمله ، وهي سمعه وبصره وجوارحه ، ودخل الهاء في البصيرة لأن المراد بالإنسان هنا جوارحه ، ويحتمل أن يكون معناه بل الإنسان على نفسه بصيرة ، يعني لجوارحه ، فحذف حرف الجر كقوله : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ } أي لأولادكم ، ويجوز أن يكون نعتا لاسم مؤنث ، أي بل الإنسان على نفسه عين بصيرة . وقال أبو العالية وعطاء : بل الإنسان على نفسه شاهد وهي رواية العوفي عن ابن عباس . والهاء في بصيرة للمبالغة ، دليل هذا التأويل قوله - عز وجل - : { كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } .","part":8,"page":55},{"id":3556,"text":"[15] { وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } يعني يشهد عليه الشاهد ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ، كما قال { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ } . وهذا قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد وعطاء . قال الفراء : ولو اعتذر فعليه من نفسه من يكذب عذره ، ومعنى الإلقاء : القول كما قال : { فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } . وقال الضحاك والسدي : { وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } يعني ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب ، وأهل اليمن يسمون الستر معذارا وجمعه معاذير ، ومعناه على هذا القول : وإن أسبل الستر ليخفي ما كان يعمل فإن نفسه شاهدة عليه .\r[16] وقوله - عز وجل - : { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ }« كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ نزل جبريل بالوحي كان يحرك لسانه وشفتيه فيشتد عليه ، وكان يعرف منه » فأنزل الله -عز وجل- هذه الآية (1)\r[17] { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } ، قال : علينا أن نجمعه في صدرك ، وقرآنه .\r[18] { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } ، فإذا أنزلناه فاستمع .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير ( 8 / 682 ) , ومسلم في الصلاة رقم ( 448 ) ( 1 / 230 ) .","part":8,"page":56},{"id":3557,"text":"[19] { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } ، علينا أن نبينه بلسانك ، « وكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله - عز وجل - . »","part":8,"page":57},{"id":3558,"text":"[20 - 21] { كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ }{ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ } أي يختارون الدنيا على العقبى ويعملون لها يعني كفار مكة .\r[22 - 23] { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ } ، يوم القيامة { نَاضِرَةٌ } قال ابن عباس : حسنة ، وقال مجاهد : مسرورة . وقال ابن زيد : ناعمة . وقال مقاتل : بيض يعلوها النور . وقال السدي : مضيئة . وقال يمان : مسفرة . وقال الفراء : مشرقة بالنعيم . يقال : نضر الله وجهه ينضر نضرا ، ونضره الله ، وأنضره ، ونضر وجهه ، ينضر ، نضرة ، ونضارة . قال الله - تعالى - : { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ } ، { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } ، قال ابن عباس وأكثر الناس : تنظر إلى ربها عيانا بلا حجاب . قال الحسن : تنظر إلى الخالق وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق .\r[24] { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } ، عابسة كالحة مغبرة مسودة .","part":8,"page":58},{"id":3559,"text":"[25] { تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } ، تستيقن أن يعمل بها عظيمة من العذاب ، والفاقرة : الداهية العظيمة ، والأمر الشديد يكسر فقار الظهر . قال سعيد بن المسيب : قاصمة الظهر . قال ابن زيد : هي دخول النار . وقال الكلبي : هي أن يحتجب عن رؤية الرب - عز وجل - .\r[26] { كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ } ، يعني النفس كناية عن غير مذكور ، { التَّرَاقِيَ } ، فحشرج بها عند الموت ، والتراقي جمع الترقوة ، وهي العظام بين ثغرة النحر والعاتق ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشراف على الموت .\r[27] { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } ، أي قال من حضره الموت : هل من طبيب يرقيه ويداويه فيشفيه برقيته أو دوائه ، وقال قتادة : التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئا . وقال سليمان التيمي ومقاتل بن سليمان : هذا من قول الملائكة يقول بعضهم لبعض : من يرقى بروحه فتصعد بها ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب .\r[28] { وَظَنَّ } ، أيقن الذين بلغت روحه التراقي ، { أَنَّهُ الْفِرَاقُ } ، من الدنيا .","part":8,"page":59},{"id":3560,"text":"[29] { وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ } ، قال قتادة : الشدة بالشدة . قال عطاء : شدة الموت بشدة الآخرة . قال سعيد بن جبير : تتابعت عليه الشدائد . قال السدي : لا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه . قال ابن عباس : أمر الدنيا بأمر الآخرة فكان في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ، وقال مجاهد : اجتمع فيه الحياة والموت ، وقال الضحاك : الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه . وقال الحسن : هما ساقاه إذا التفا في الكفن . وقال الشعبي : هما ساقاه إذا التفا عند الموت .\r[30] { إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } ، أي مرجع العباد إلى الله يساقون إليه .\r[31] { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى } ، يعني أبا جهل لم يصدق بالقرآن ولا صلى لله .\r[32] { وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } ، عن الإيمان .\r[33] { ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ } ، رجع إليهم ، { يَتَمَطَّى } ، يتبختر ويختال في مشيه ، قيل : أصله يتمطط أي يتمدد ، والمط هو المد .","part":8,"page":60},{"id":3561,"text":"[34 - 35] { أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى }{ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى } هذا وعيد على وعيد من الله - عز وجل - لأبي جهل ، وهي كلمة موضوعة للتهديد والوعيد . وقال بعض العلماء : معناه إنك أجدر بهذا العذاب وأحق وأولى به ، تقال للرجل حيث يصيبه مكروه يستوجبه . وقيل : هي كلمة تقولها العرب لمن قاربه المكروه . وأصلها من الولي وهو القرب ، قال الله - تعالى - : { قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ } .\r[36] { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } هملا لا يؤمر ولا ينهى ، قال السدي : معناه المهمل وإبل سدى إذا كانت ترعى حيث شاءت بلا راع .\r[37] { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى } تصب في الرحم ، قرأ حفص عن عاصم : ( يمنى ) بالياء وهي قراءة الحسن ، وقرأ الآخرون : بالتاء لأجل النطفة .\r[38] { ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى } ، فجعل فيه الروح وسوف خلقه .\r[39] { فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } ، وخلق من مائة أولادا ذكورا وإناثا .\r[40] { أَلَيْسَ ذَلِكَ } ، الذي فعل هذا ، { بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } .","part":8,"page":61},{"id":3562,"text":"( 76 ) سورة الإنسان\r[1] { هَلْ أَتَى } ، قد أتى ، { عَلَى الْإِنْسَانِ } ، يعني آدم عليه السلام ، { حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ } قبل أن ينفخ فيه الروح ، { لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } لا يذكر ولا يعرف ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به ، يريد : كان شيئا ولم يكن مذكورا ، وذلك من حين خلقه من طين إلى أن نفخ فيه الروح .","part":8,"page":62},{"id":3563,"text":"[2] { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ } يعني ولد آدم ، { مِنْ نُطْفَةٍ } يعني مني الرجل ومني المرأة . { أَمْشَاجٍ } ، أخلاط واحدها مشج ومشيج ، مثل خدن وخدين ، قال ابن عباس والحسن ومجاهد والربيع : يعني ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد ، وقال الضحاك : أراد بالأمشاج اختلاف ألوان النطفة فنطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وحمراء وصفراء ، وقال يمان : كل لونين اختلطا فهو أمشاج ، وقال قتادة : هي أطوار الخلق : نطفة ، ثم علقة ثم مضغة ، ثم عظما ثم يكسوه لحما ثم ينشئه خلقا آخر . { نَبْتَلِيهِ } نختبره بالأمر والنهي ، { فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } ، قال بعض أهل العربية : وفيه تقديم وتأخير ، مجازه : فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه ، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة .\r[3] { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ } أي بينا له سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة ، وعرفناه طريق الخير والشر . { إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } ، إما مؤمنا سعيدا وإما كافرا شقيا . وقيل : معنى الكلام الجزاء يعني بينا له الطريق إن شكر أو كفر .","part":8,"page":63},{"id":3564,"text":"[4] ثم بين ما للفريقين فقال : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ } يعني في جهنم ، { وَأَغْلَالًا } يعني في أيديهم تغل في أعناقهم ، { وَسَعِيرًا } ، وقودا شديدا .\r[5] { إِنَّ الْأَبْرَارَ } يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم المطيعين لربهم ، { يَشْرَبُونَ } ، في الآخرة ، { مِنْ كَأْسٍ } فيه شراب { كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا } ، قال قتادة : يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك ، قال عكرمة : مزاجها طعمها ، وقال أهل المعاني : أراد كالكافور في بياضه وطيب ريحه وبرده ، لأن الكافور لا يشرب ، وهو كقوله { حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا } أي كنار ، وهذا معنى قول مجاهد ومقاتل ومجاهد : يمازجه ريح الكافور . وقال ابن كيسان : طيبت بالكافور والمسك والزنجبيل . قال عطاء والكلبي : الكافور اسم لعين ماء في الجنة .","part":8,"page":64},{"id":3565,"text":"[6] { عَيْنًا } نصب تبعا للكافور وقيل : نصب على المدح . وقيل : أعني عينا . وقال الزجاج : الأجود أن يكون المعنى من عين ، { يَشْرَبُ بِهَا } قيل : يشربها والباء صلة . وقيل : بها أي منها ، { عِبَادُ اللَّهِ } قال ابن عباس : أولياء الله ، { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } أي يقودونها حيث شاءوا من منازلهم ، وقصورهم ، كمن يكون له نهر يفجره ههنا إلى حيث يريد .\r[7] { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } ، هذا من صفاتهم في الدنيا : أي كانوا في الدنيا كذلك ، قال قتادة : أراد يوفون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة ، وغيره من الواجبات ، ومعنى النذر الإيجاب . وقال مجاهد وعكرمة : إذا نذروا في طاعة الله وفوا به ، { وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا } فاشيا ممتدا ، يقال : استطار الصبح إذا امتد وانتشر . قال مقاتل : كان شره فاشيا في السموات ، فانشقت وتناثرت الكواكب ، وكورت الشمس والقمر وفزعت الملائكة ، وفي الأرض : فنسفت الجبال وغارت المياه وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء .","part":8,"page":65},{"id":3566,"text":"[8] { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ } أي على حب الطعام وقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه ، وقيل على حب الله ، { مِسْكِينًا } ، فقيرا لا مال له ، { وَيَتِيمًا } ، صغيرا لا أب له { وَأَسِيرًا } ، قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء : هو المسجون من أهل القبلة . وقال قتادة : أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك . وقيل : الأسير المملوك . وقيل المرأة ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - « اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان » (1) أي أسراء .\r[9] { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } والشكور مصدر كالعقود والدخول والخروج . قال مجاهد وسعيد بن جبير : إنهم لم يتكلموا به ولكن علم الله ذلك من قلوبهم ، فأثنى عليهم .\r_________\r(1) قطعة من حديث أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار ( 3 / 212 ) والترمذي في أبواب الرضاع ( 4 / 326 ) قال : « حسن صحيح » وابن ماجه في النكاح برقم ( 1851 ) 1 / 594 .","part":8,"page":66},{"id":3567,"text":"[10] { إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا } تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته ، ونسب العبوس إلى اليوم ، كما يقال : يوم صائم وليل نائم . وقيل : وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدة ، { قَمْطَرِيرًا } ، قال قتادة ومجاهد ومقاتل : القمطرير الذي يقبض الوجوه والجباه بالتعبيس . وقال الكلبي : العبوس الذي لا انبساط فيه ، والقمطرير : الشديد ، قال الأخفش : القمطرير : أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء ، يقال : يوم قمطرير وقماطر إذا كان شديدا كريها .\r[11] { فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ } الذي ، يخافون ، { وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً } ، حسنا في وجوههم ، { وَسُرُورًا } ، في قلوبهم .\r[12] { وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا } على طاعة الله واجتناب معصيته ، وقال الضحاك : على الفقر . وقال عطاء : على الجوع { جَنَّةً وَحَرِيرًا } ، قال الحسن : أدخلهم الله الجنة وألبسهم الحرير .","part":8,"page":67},{"id":3568,"text":"[13] { مُتَّكِئِينَ } نصب على الحال ، { فِيهَا } في الجنة { عَلَى الْأَرَائِكِ } , السرر في الحجال ، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا ، { لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا } , أي صيفا ولا شتاء . قال مقاتل : يعني شمسا يؤذيهم حرها ولا زمهريرا يؤذيهم برده ، لأنهما يؤذيان في الدنيا . والزمهرير : البرد الشديد .\r[14] { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا } ، أي قريبة منهم ظلال أشجارها ، ونصب ( دانية ) بالعطف على قوله : ( متكئين ) ، وقيل : على موضع قوله : { لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا } ويرون ( دانية ) ، وقيل : على المدح . { وَذُلِّلَتْ } سخرت وقربت ، { قُطُوفُهَا } ثمارها { تَذْلِيلًا } يأكلون من ثمارها قياما وقعودا ومضطجعين ، ويتناولونها كيف شاءوا على أي حال كانوا .","part":8,"page":68},{"id":3569,"text":"[15 - 16] { وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ }{ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ } ، قال المفسرون : أراد بياض الفضة في صفاء القوارير ، فهي من فضة في صفاء الزجاج ، يرى ما في داخلها من خارجها ، { قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا } الكأس على قدر ريهم لا يزيد ولا ينقص ، أي قدرها لهم السقاة والخدم الذين يطوفون عليهم يقدرونها ثم يسقون .\r[17] { وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا } ، يشوق ويطرب , والزنجبيل : مما كانت العرب تستطيبه جدا ، فوعدهم الله - تعالى - أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة . قال مقاتل : لا يشبه زنجبيل الدنيا . قال ابن عباس : كل ما ذكره الله في القرآن مما في الجنة وسماه ليس له في الدنيا مثل . وقيل : هو عين في الجنة يوجد منها طعم الزنجبيل . قال قتادة : يشربها المقربون صرفا ، ويمزج لسائر أهل الجنة .","part":8,"page":69},{"id":3570,"text":"[18] { عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا } ، قال قتادة : سلسة منقادة لهم يصرفونها حيث شاءوا ، قال مجاهد : حديدة الجرية . قال أبو العالية ومقاتل بن حيان : سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم ، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان ، وشراب الجنة على برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك . قال الزجاج : سميت سلسبيلا لأنها في غاية السلاسة تتسلسل في الحلق ، ومعنى قوله : ( تسمى ) أي توصف لأن أكثر العلماء على أن سلسبيلا صفة لا اسم .\r[19] { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا } قال عطاء : يريد في بياض اللؤلؤ وحسنه ، واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط ، كان أحسن منه منظوما . وقال أهل المعاني : إنما شبهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة ، فلو كانوا صفا لشبهوا بالمنظوم .","part":8,"page":70},{"id":3571,"text":"[20] { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ } ، أي إذا رأيت ببصرك ونظرت به ثم يعني في الجنة ، { رَأَيْتَ نَعِيمًا } ، لا يوصف ، { وَمُلْكًا كَبِيرًا } ، وهو أن أدناهم منزلة ينظر إلى ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه . قال مقاتل والكلبي : هو أن رسول رب العزة من الملائكة لا يدخل عليه إلا بإذنه . وقيل : ملكا لا زوال له .","part":8,"page":71},{"id":3572,"text":"[21] { عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ } ، قرأ أهل المدينة . وحمزة ( عاليهم ) ساكنة الياء مكسورة الهاء ، فيكون في موضع رفع بالابتداء ، وخبره ثياب سندس ، وقرأ الآخرون بنصب الياء وضم الهاء على الصفة ، أي فوقهم ، وهو نصب على الظرف ، ثياب سندس { خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } ، قيل : طاهرا من الأقذار والإقذاء لم تدنسه الأيدي والأرجل كخمر الدنيا . وقال أبو قلابة وإبراهيم : إنه لا يصير بولا نجسا ولكنه يصير رشحا في أبدانهم ، كريح المسك ، وذلك أنهم يؤتون بالطعام فيأكلون ، فإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور ، فيشربون فتطهر بطونهم ويصير ما أكلوا رشحا يخرج من جلودهم أطيب من المسك الأذفر ، وتضمر بطونهم وتعود شهوتهم . وقال مقاتل : هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد .\r[22] { إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا } ، أي ما وصف من نعيم الجنة كان لكم جزاء بأعمالكم ، وكان سعيكم عملكم في الدنيا بطاعة الله مشكورا ، قال عطاء : شكرتكم عليه وأثبتكم أفضل الثواب .","part":8,"page":72},{"id":3573,"text":"[23] قوله - عز وجل - : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا } ، قال ابن عباس : متفرقا آية بعد آية ، ولم ينزل جملة واحدة .\r[24] { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ } ، يعني من مشركي مكة ، { آثِمًا أَوْ كَفُورًا } ، يعني وكفورا ، والألف صلة .","part":8,"page":73},{"id":3574,"text":"[25 - 26] قوله - عز وجل - : { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا }{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ } ، يعني صلاة المغرب والعشاء ، { وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا } ، يعني التطوع بعد المكتوبة .\r[27] { إِنَّ هَؤُلَاءِ } ، يعني كفار مكة { يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ } ، أي الدار العاجلة وهي الدنيا . { وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ } ، يعني أمامهم ، { يَوْمًا ثَقِيلًا } ، شديدا وهو يوم القيامة . أي يتركون فلا يؤمنون به ولا يعملون له .\r[28] { نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا } ، قوينا وأحكمنا ، { أَسْرَهُمْ } قال مجاهد وقتادة ومقاتل : أسرهم أي خلقهم ، يقال رجل حسن الأسر أي الخلق ، وقال الحسن : يعني أوصالهم شددنا بعضها إلى بعض بالعروق والعصب . وروي عن مجاهد في تفسير الأسر قال : الفرج يعني موضع مصرفي البول والغائط إذا خرج الأذى انقبضا . { وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا } أي إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم .\r[29] { إِنَّ هَذِهِ } ، يعني هذه السورة ، { تَذْكِرَةٌ } ، تذكير وعظة ، { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا } ، وسيلة للطاعة . 30 ,","part":8,"page":74},{"id":3575,"text":"[31] { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } أي لستم تشاءون إلا بمشيئة الله - عز وجل - ، لأن الأمر إليه { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا }{ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ } ، أي المشركين . { أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } .","part":8,"page":75},{"id":3576,"text":"( 77 ) سورة المرسلات\r[1] { وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا } ، يعني الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس . وقيل : عرفا أي كثيرا ، تقول العرب : الناس إلى فلان عرف واحد ، إذا توجهوا إليه فأكثروا ، هذا معنى قول مجاهد وقتادة ، قال مقاتل : يعني الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه ، وهي رواية مسروق عن ابن مسعود .\r[2] { فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا } ، يعني الرياح الشديدة الهبوب .\r[3] { وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا } ، يعني الرياح اللينة . وقال الحسن : هي الرياح اللينة . وقال الحسن : هي الرياح التي يرسلها الله بشرا بين يدي رحمته . وقيل : هي الرياح التي تنشر السحاب وتأتي بالمطر . وقال مقاتل : هم الملائكة ينشرون الكتب .\r[4] { فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا } ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : يعني الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل . وقال قتادة والحسن : هي آي القرآن تفرق بين الحلال والحرام . وروي عن مجاهد قال : هي الرياح تفرق السحاب وتبدده .\r[5] { فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا } ، يعني الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء ، نظيرها : { يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ } .","part":8,"page":76},{"id":3577,"text":"[6] { عُذْرًا أَوْ نُذْرًا } . أي للإعذار والإنذار .\r[7] { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ } ، من أمر الساعة والبعث ، { لَوَاقِعٌ } ، لكائن ثم ذكر متى يقع .\r[8] فقال : { فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ } ، محي نورها .\r[9] { وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ } ، شقت .\r[10] فقال : { وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ } ، قلعت من أماكنها .\r[11] { وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ } جمعت لميقات يوم معلوم ، وهو يوم القيامة ليشهدوا على الأمم .\r[12] { لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ } ، أي أخرت ، وضرب الأجل لجمعهم فعجب العباد من ذلك اليوم .\r[13] ثم بين فقال : { لِيَوْمِ الْفَصْلِ } ، قال ابن عباس : يوم فصل الرحمن بين الخلائق .\r[14- 16] { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ }{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }{ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ } ، يعني الأمم الماضية بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم .\r[17] { ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ } ، السالكين سبيلهم في الكفر والتكذيب ، يعني كفار مكة بتكذيبهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - .","part":8,"page":77},{"id":3578,"text":"[18- 20] { كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ }{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }{ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ } ، يعني النطفة .\r[21] { فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } ، يعني الرحم .\r[22] { إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ } ، وهو وقت الولادة .\r[23] { فَقَدَرْنَا } ، قرأ أهل المدينة والكسائي ( فقدرنا ) بالتشديد من التقدير ، وقرأ الآخرون : بالتخفيف من القدرة ، لقوله : { فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ } ، وقيل : معناهما واحد ، وقوله : ( فنعم القادرون ) أي المقدرون . 24,\r[25] { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }{ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا } ، وعاء ، ومعنى الكفت : الضم والجمع ، يقال : كفت الشيء إذا ضمه وجمعه . وقال الفراء : يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم وتكفتهم أمواتا في بطنها ، أي تحوزهم . 26,\r[27] وهو قوله : { أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا }{ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } ، جبالا . { شَامِخَاتٍ } ، عاليات ، { وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا } ، عذبا .","part":8,"page":78},{"id":3579,"text":"[28] { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } ، قال مقاتل : وهذا كله أعجب من البعث الذي تكذبون به ، ثم أخبر أنه يقال لهم يوم القيامة :\r[29] { انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } ، في الدنيا .\r[30] { انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ } ، يعني دخان جهنم إذا ارتفع انشعب وافترق ثلاث فرق . وقيل : يخرج عنق من النار فيتشعب ثلاث : نور ودخان ولهب ، فأما النور فيقف على رءوس المؤمنين ، والدخان يقف على رءوس المنافقين ، واللهب الصافي يقف على رءوس الكافرين .\r[31] ثم وصف ذلك الظل فقال : { لَا ظَلِيلٍ } ، يظل من الحر { وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ } ، قال الكلبي : لا يرد لهب جهنم عنكم ، والمعنى أنهم إذا استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم حر اللهب .\r[32] { إِنَّهَا } ، يعني جهنم ، { تَرْمِي بِشَرَرٍ } ، وهو ما تطاير من النار ، واحدها شررة . { كَالْقَصْرِ } ، وهو البناء العظيم ، قال ابن مسعود : يعني الحصون . وقال عبد الرحمن بن عباس عن قوله : ( إنها ترمي بشرر كالقصر ) قال : هي الخشب العظام المقطعة .","part":8,"page":79},{"id":3580,"text":"[33] { كَأَنَّهُ } رد الكناية إلى اللفظ ، { جِمَالَةٌ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص ( جمالة ) على جمع الجمل مثل حجر وحجارة ، وقرأ يعقوب بضم الجيم بلا ألف ، أراد الأشياء العظام المجموعة ، وقرأ الآخرون ( جمالات ) بالألف وكسر الجيم على جمع الجمال ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - وسعيد بن جبير : هي حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض ، حتى يكون كأوساط الرجال ، { صُفْرٌ } ، جمع الأصفر ، يعني لون النار ، وقيل : الصفر معناه السود لأنه جاء في الحديث : « إن شرر نار جهنم أسود كالقير » ، والعرب تسمي سود الابل صفرا لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة كما يقال لبيض الظباء : أدم ، لأن بياضها يعلوه كدرة . 34,\r[35] { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }{ هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ } ، أي في القيامة لأن فيها مواقف ، ففي بعضها يختصمون ويتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا ينطقون .\r[36] { وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } ، قال الجنيد : أي لا عذر لمن أعرض عن منعمه وكفر بأياديه ونعمه . 37,","part":8,"page":80},{"id":3581,"text":"[38] { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }{ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ } ، بين أهل الجنة والنار ، { جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ } ، يعني مكذبي هذه الأمة والأولين الذين كانوا أنبياءهم .\r[39] { فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ } , قال مقاتل : إن كانت لكم حيلة فاحتلوا لأنفسكم . 40,\r[41] { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ } ، جمع ظل أي في ظلال الشجر, { وَعُيُونٍ } الماء .\r[42] { وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ } .\r[43] ويقال لهم : { كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } , في الدنيا بطاعتي . 44,\r[45] { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ }{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } .\r[46] ثم قال لكفار مكة : { كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا } , في الدنيا , { إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ } , مشركون بالله - عز وجل - مستحقون للعذاب . 47,","part":8,"page":81},{"id":3582,"text":"[48] { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا } , يعني صلوا , { لَا يَرْكَعُونَ } لا يصلون , وقال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- : إنما يقال لهم هذا يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون . 49,\r[50] { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }{ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ } , أي بعد القرآن, { يُؤْمِنُونَ } , إذا لم يؤمنوا به .","part":8,"page":82},{"id":3583,"text":"( 78 ) سورة النبأ\r[1] { عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ } , أي عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون , وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت, وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون : ماذا حاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - .\r[2] ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا فقال : { عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ } , قال مجاهد والأكثرون : هو القرآن , ودليله قوله : { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ } , وقال قتادة : هو البعث .\r[3 - 4] { الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } , فمصدق ومكذب, { كَلَّا سَيَعْلَمُونَ } , كلا نفي يقول : هم سيعلمون عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور .\r[5] { ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ } , وعيد لهم على إثر وعيد .\rثم ذكر صنائعه ليعلموا توحيده .\r[6] فقال : { أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا } , فراشا .\r[7] { وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا } , للأرض حتى تميد .\r[8] { وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا } أصنافا ذكورا وإناثا .\r[9] { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } , أي راحة لأبدانكم .\r[10] { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا } , غطاء وغشاء يستر كل شيء بظلمته .","part":8,"page":83},{"id":3584,"text":"[11] { وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا } , المعاش : العيش وكل ما يعاش فيه فهو معاش , أي جعلنا منها سببا للمعاش والتصرف في المصالح .\r[12] { وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا } , يريد سبع سموات .\r[13] { وَجَعَلْنَا سِرَاجًا } يعني الشمس , { وَهَّاجًا } , مضيئا منيرا .\r[14] { وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ } يعني الرياح التي تعصر السحاب ، وقال أبو العالية : المعصرات هي السحاب ، { مَاءً ثَجَّاجًا } ، أي صبابا . وقال قتادة : متتابعا يتلو بعضه بعضا .\r[15] { لِنُخْرِجَ بِهِ } ، أي بذلك الماء ، { حَبًّا } ، وهو ما يأكله الناس ، { وَنَبَاتًا } ، ما تنبته الأرض مما تأكله الأنعام .\r[16] { وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا } ، ملتفة بالشجر .\r[17] { إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ } ، يوم القضاء بين الخلق ، { كَانَ مِيقَاتًا } ، لما وعد الله من الثواب والعقاب .\r[18] { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا } ، زمرا زمرا من كل مكان للحساب .\r[19] { وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ } ، أي شقت لنزول الملائكة ، { فَكَانَتْ أَبْوَابًا } ، أي ذات أبواب . وقيل : تنحل وتتناثر حتى تصير فيها أبوابا وطرقا .","part":8,"page":84},{"id":3585,"text":"[20] { وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ } ، عن وجه الأرض ، { فَكَانَتْ سَرَابًا } ، أي هباء منبثا لعين الناظر كالسراب .\r[21] : { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا } ، طريقا وممرا فلا سبيل لأحد إلى الجنة حتى يقطع النار . وقيل : كانت مرصادا أي معدة لهم ، وقيل : هو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته ، والمرصاد فيه العدو . وقوله : ( إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ) ، أي ترصد الكفار .\r[22] { لِلطَّاغِينَ } ، للكافرين ، { مَآبًا } ، مرجعا يرجعون إليه .\r[23] { لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا } ، جمع حقب ، والحقب الواحد : ثمانون سنة ، كل سنة اثنا عشر شهرا ، كل شهر ثلاثون يوما ، كل يوم ألف سنة . قال الحسن : إن الله لم يجعل لأهل النار مدة ، بل قال : ( لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ) فوالله ما هو إلا إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر إلى الأبد ، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود .\r[24] { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا } ، قال الحسن وعطاء : لا يذوقون فيها بردا أي روحا وراحة . قال مقاتل : لا يذوقون فيها بردا ينفعهم من حر ولا شرابا ينفعهم من عطش .","part":8,"page":85},{"id":3586,"text":"[25] { إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا } ، الغساق : الزمهرير يحرقهم ببرده . وقيل : صديد أهل النار .\r[26] { جَزَاءً وِفَاقًا } ، أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم .\r[27] { إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا } ، لا يخافون أن يحاسبوا ، والمعنى : أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنهم يحاسبون .\r[28] { وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } ، أي بما جاء به الأنبياء ، { كِذَّابًا } ، يعني تكذيبا .\r[29] { وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا } ، أي وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ .\r[30] { فَذُوقُوا } ، أي يقال لهم فذوقوا ، { فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا } .","part":8,"page":86},{"id":3587,"text":"[31] قوله - عز وجل - : ، { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا } ، فوز ونجاة من النار ، وقال الضحاك : متنزها .\r[32] { حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا } ، يريد أشجار الجنة وثمارها .\r[33] { وَكَوَاعِبَ } ، جواري نواهد قد تكعبت ثديهن ، واحدتها كاعب ، { أَتْرَابًا } ، مستويات في السن .\r[34] { وَكَأْسًا دِهَاقًا } ، قال ابن عباس والحسن : مترعة مملوءة . وقال سعيد بن جبير ومجاهد : متتابعة . قال عكرمة : صافية .\r[35] { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا } ، باطلا من الكلام ، { وَلَا كِذَّابًا } ، تكذيبا ، لا يكذب بعضهم بعضا .\r[36] { جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا } ، أي جازاهم جزاء وأعطاهم عطاء حسابا أي كافيا وافيا ، يقال : أحسبت فلانا أي أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي .\r[37] { رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } ، قال مقاتل : لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه . وقال الكلبي : لا يملكون شفاعة إلا بإذنه .","part":8,"page":87},{"id":3588,"text":"[38] { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ } ، أي في ذلك اليوم ، { وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا } ، واختلفوا في هذا الروح ، قال الشعبي والضحاك : هو جبريل . وقال عطاء عن ابن عباس : الروح ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا أعظم منه ، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا ، وقال مجاهد وقتادة وأبو صالح : الروح خلق على صورة بني آدم وليسوا بناس يقومون صفا والملائكة صفا ، وقال الحسن : هم بنو آدم ، { لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } ، في الدنيا ، أي حقا وقيل : قال : لا إله إلا الله .\r[39] { ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ } ، الكائن الواقع يعني يوم القيامة ، { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا } ، مرجعا وسبيلا بطاعته ، أي فمن شاء رجع إلى الله بطاعته .\r[40] { إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا } ، يحني العذاب في الآخرة ، وكل ما هو آت قريب . { يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } ، أي كل امرئ يرى في ذلك اليوم ما قدم من العمل مثبتا في صحيفته ، { وَيَقُولُ الْكَافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا } ، يتمنى ذلك .","part":8,"page":88},{"id":3589,"text":"( 79 ) سورة النازعات\r[1] { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا } ، يعني الملائكة تنزع أرواح الكفار من أجسادهم ، كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد ، والمراد بالإغراق : المبالغة في المد .\r[2] { وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا } هي الملائكة تنشط نفس المؤمن ، أي تحل حلا رفيقا فتقبضها ، كما ينشط العقال من يد البعير ، أي يحل برفق .\r[3] { وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا } ، هم الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلا رفيقا ، ثم يدعونها حتى تستريح كالسابح بالشيء في الماء يرفق به . وقال قتادة : هي النجوم والشمس والقمر ، قال الله - تعالى - : { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } ، وقال عطاء : هي السفن .\r[4] { فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا } ، قال مجاهد : هى الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح . وقال مقاتل : هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة . وقال قتادة : هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير . وقال عطاء : هي الخيل .\r[5] { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا } ، قال ابن عباس : هم الملائكة وكلوا بأمور عرفهم الله - عز وجل - العمل بها .","part":8,"page":89},{"id":3590,"text":"وجواب هذه الأقسام محذوف على تقديره : لتبعثن ولتحاسبن . وقيل : جوابه قوله : إن في ذلك لعبرة لمن يخشى . وقيل : فيه تقديم وتأخير تقديره : يوم ترتجف الراجفة تتبعها الرادفة والنازعات غرقا .\r[6] قوله - عز وجل - : { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ } ، يعني النفخة الأولى يتزلزل ويتحرك لها كل شيء ويموت منها جميع الخلق .\r[7] { تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ } ، وهي النفخة الثانية ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة . قال قتادة : هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله - عز وجل - . وقال مجاهد : وأصل الرجفة : الصوت والحركة .\r[8] { قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } ، خائفة قلقة مضطربة .\r[9] { أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ } ، ذليلة كقوله : { خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ } الآية .\r[10] . { يَقُولُونَ } ، يعني المنكرين للبعث إذا قيل لهم : إنكم مبعوثون من بعد الموت : { أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ } أي إلى أول الحال وابتداء الأمر فنصير أحياء بعد الموت كما كنا .\r[11] { أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً } بالية .","part":8,"page":90},{"id":3591,"text":"[12] { قَالُوا } ، يعني المنكرين ، { تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ } ، رجعة خائبة ، يعني إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت .\r[13] قال الله - عز وجل - : { فَإِنَّمَا هِيَ } ، يعني النفخة الأخيرة ، { زَجْرَةٌ } ، صيحة ، { وَاحِدَةٌ } ، يسمعونها .\r[14] { فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ } ، يعني وجه الأرض أي صاروا على وجه الأرض بعد ما كانوا في جوفها .","part":8,"page":91},{"id":3592,"text":"[15] قوله - عز وجل - : { هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } ، يقول قد جاءك يا محمد حديث موسى .\r[16] { إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى } .\r[17] فقال يا موسى : { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } ، علا وتكبر وكفر بالله .\r[18] { فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى } قرأ أهل الحجاز ويعقوب بتشديد الزاي : أي تتزكى وتتطهر من الشرك ، وقرأ الآخرون بالتخفيف أي تسلم وتصلح ، قال ابن عباس : تشهد أن لا إله إلا الله .\r[19] { وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } ، أي أدعوك إلى عبادة ربك وتوحيده فتخشى عقابه .\r[20] { فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى } ، وهي العصا واليد البيضاء .\r[21] { فَكَذَّبَ } ، بأنهما من الله { وَعَصَى } .\r[22] { ثُمَّ أَدْبَرَ } ، تولى وأعرض عن الإيمان { يَسْعَى } ، يعمل بالفساد في الأرض .\r[23] { فَحَشَرَ } ، فجمع قومه وجنوده ، { فَنَادَى } ، لما اجتمعوا .\r[24] { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } ، فلا رب فوقي . وقيل : أراد أن الأصنام أرباب وأنا ربكم وربها .","part":8,"page":92},{"id":3593,"text":"[25] { فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى } ، أي في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالنار .\r[26] { إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، الذي فعل بفرعون حين كذب وعصى ، { لَعِبْرَةً } ، عظة ، { لِمَنْ يَخْشَى } ، الله - عز وجل - .\r[27] ثم خاطب منكري البعث فقال : { أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ } ، يعني أخلقكم بعد الموت أشد عندكم وفي تقديركم أم السماء؟ وهما في قدرة الله واحد ، ثم وصف من خلق السماء فقال : { بَنَاهَا } .\r[28] { رَفَعَ سَمْكَهَا } ، سقفها { فَسَوَّاهَا } ، بلا شقوق ولا فطور .\r[29] { وَأَغْطَشَ } ، أظلم ، { لَيْلَهَا } ، والغطش والغبش الظلمة ، { وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا } ، أبرز وأظهر نهارها ونورها ، وأضافهما إلى السماء لأن الظلمة والنور كلاهما ينزل من السماء .\r[30] { وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ } ، بعد خلق السماء ، { دَحَاهَا } ، بسطها ، والدحو : البسط .","part":8,"page":93},{"id":3594,"text":"[31-34] { أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا }{ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا }{ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ }{ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى } ، يعني النفخة الثانية التي فيها البعث وقامت القيامة ، وسميت القيامة طامة لأنها تطم على كل هائلة من الأمور فتعلو فوقها وتغمر ما سواها ، والطامة عند العرب : الداهية التي لا تستطاع .\r[35] { يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى } ، ما عمل في الدنيا من خير وشر .\r[36] { وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى } ، قال مقاتل : يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق .\r[37] { فَأَمَّا مَنْ طَغَى } ، في كفره .\r[38] { وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } ، على الآخرة . 39,\r[40] { فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى }{ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } عن المحارم التي تشتهيها .\r[41-42] { فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى }{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } ، متى ظهورها وثبوتها .\r[43] { فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا } ، لست في شيء من علمها وذكرها ، أي لا تعلمها .","part":8,"page":94},{"id":3595,"text":"[44] { إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا } ، أي منتهى علمها عند الله .\r[45] { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا } ، أي إنما ينفع إنذارك من يخافها .\r[46] { كَأَنَّهُمْ } ، يعني كفار قريش ، { يَوْمَ يَرَوْنَهَا } ، يعاينون يوم القيامة ، { لَمْ يَلْبَثُوا } ، في الدنيا وقيل : في قبورهم ، { إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } ، معناه آخر يوم أو أوله .","part":8,"page":95},{"id":3596,"text":"( 80 ) سورة عبس\r[1] { عَبَسَ } كلح ، { وَتَوَلَّى } ، أعرض بوجهه .\r[2] { أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى } وهو ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريح الفهري ، « وذلك أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب وأبي بن خلف ، وأخاه أمية يدعوهم إلى الله ، يرجو إسلامهم ، فقال ابن أم مكتوم : يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله ، فجعل يناديه ويكرر النداء ولا يدري أنه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقطعه كلامه ، وأقبل على القوم الذين يكلمهم فأنزل الله هذه الآية ، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك يكرمه ، وإذا رآه قال : \"مرحبا بمن عاتبني فيه ربي » (1)\r[3] { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى } , يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح وما يتعلمه منك .\r[4] { أَوْ يَذَّكَّرُ } , يتعظ, { فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى } , الموعظة .\r[5] { أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى } , قال ابن عباس : عن الله وعن الإيمان بما له من المال .\r[6] { فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى } , تتعرض له وتقبل عليه وتصغي إلى كلامه .\r_________\r(1) انظر أسباب النزول للواحدي ( ص 517 ) ، وقال ابن حجر في الكافي الشافي ( ص181 ) : «ذكره الثعلبي بلا إسناد ، وأخرج ابن أبي حاتم من رواية العوفي عن ابن عباس نحوه ، وذكره الطبري من رواية سعيد عن قتادة .","part":8,"page":96},{"id":3597,"text":"[7] { وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى } , ألا يؤمن ولا يهتدي, إن عليك إلا البلاغ .\r[8] { وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى } , يمشي يعني ابن أم مكتوم .\r[9] { وَهُوَ يَخْشَى } , الله - عز وجل - .\r[10] { فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى } , تتشاغل وتعرض عنه .\r[11] { كَلَّا } , زجر أي لا تفعل بعدها مثلها, { إِنَّهَا } , يعني هذه الموعظة { تَذْكِرَةٌ } , موعظة وتذكير للخلق .\r[12] { فَمَنْ شَاءَ } , من عباد الله { ذَكَرَهُ } , أي اتعظ به .\rثم أخبر عن جلالته عنده فقال :\r[13] { فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ } , يعني اللوح المحفوظ . وقيل : كتب الأنبياء , دليله قوله - تعالى - : : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) .\r[14] { مَرْفُوعَةٍ } , رفيعة القدر عند الله - عز وجل - . وقيل : مرفوعة يعني في السماء السابعة . { مُطَهَّرَةٍ } لا يمسها إلا المطهرون, وهم الملائكة .\r[15] { بِأَيْدِي سَفَرَةٍ } , قال ابن عباس ومجاهد : كتبة, وهم الملائكة الكرام الكاتبون , وقال الآخرون : هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير, وهو الرسول, وسفير القوم الذي يسعى بينهم بالصلح .","part":8,"page":97},{"id":3598,"text":"[16] ثم أثنى عليهم فقال : { كِرَامٍ بَرَرَةٍ } , أي كرام على الله بررة مطيعين جمع بار .\r[17] قوله - عز وجل - : { قُتِلَ الْإِنْسَانُ } , أي لعن الكافر { مَا أَكْفَرَهُ } , ما أشد كفره مع كثرة إحسانه إليه وأياديه عنده, على طريق التعجب .\rثم تبين من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه .\r[18] فقال : { مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } , لفظة استفهام ومعناه التقرير .\r[19] ثم فسره فقال : { مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } , أطوار : نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه .\r[20] { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } , أي طريق خروجه من بطن أمه, وقال الحسن ومجاهد : يعني طريق الحق والباطل سهل له العلم به : وقيل : يسر على كل أحد ما خلقه له وقدر عليه .\r[21] { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } , جعل له قبرا يوارى فيه .\r[22] { ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ } أحياه بعد موته .\r[23] { كَلَّا } رد عليه أي ليس كما يقول ويظن هذا الكافر ، { لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ } ، أي لم يفعل ما أمره به ربه ولم يؤد ما فرض عليه ، ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر .","part":8,"page":98},{"id":3599,"text":"[24] فقال : { فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ } ، كيف قدره ربه ودبره له وجعله سببا لحياته .\r[25] ثم بين فقال : { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا } ، يعني المطر .\r[26] { ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا } ، بالنبات .\r[27] { فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا } ، يعني الحبوب التي يتغذى بها .\r[28] { وَعِنَبًا وَقَضْبًا } ، وهو القت الرطب ، سمي بذلك لأنه يقضب في كل الأيام أي يقطع .\r[29] { وَزَيْتُونًا } ، وهو ما يعصر منه الزيت ، { وَنَخْلًا } ، جمع نخلة .\r[30] { وَحَدَائِقَ غُلْبًا } ، غلاظا ، وقال مجاهد ومقاتل : الغلب الشجر الملتفة بعضها في بعض .\r[31] { وَفَاكِهَةً } ، يريد ألوان الفواكه ، { وَأَبًّا } ، يعني الكلأ والمرعى الذي لم يزرعه الناس ، مما يأكله الأنعام والدواب . قال عكرمة : الفاكهة ما يأكل الناس ، والأب ما يأكله الدواب .\r[32] { مَتَاعًا لَكُمْ } ، منفعة لكم يعني الفاكهة ، { وَلِأَنْعَامِكُمْ } ، يعني العشب .\r[33] ثم ذكر القيامة فقال : { فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ } ، يعني صيحة القيامة سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع أي تبالغ في أسماعها حتى تكاد تصمها .","part":8,"page":99},{"id":3600,"text":"[34-36] { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ }{ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ }{ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ } ، لا يلتفت إلى واحد منهم لشغله بنفسه .\r[37] { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } ، يشغله عن شأن غيره .\r[38] { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ } ، مشرقة مضيئة .\r[39] { ضَاحِكَةٌ } ، بالسرور ، { مُسْتَبْشِرَةٌ } ، فرحة بما نالت من كرامة الله - عز وجل - .\r[40] { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ } ، سواد وكآبة مما يشاهدونه من الغم والهم .\r[41] { تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } ، تعلوها وتغشاها ظلمة وكسوف .\r[42] { أُولَئِكَ } ، الذين يصنع بهم هذا ، { هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ } ، جمع الكافر والفاجر .","part":8,"page":100},{"id":3601,"text":"( 81 ) سورة التكوير\r[1] { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } أصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض ، فمعناه أن الشمس يجمع بعضها إلى بعض ثم تلف ، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها .\r[2] { وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ } ، أي تناثرت من السماء وتساقطت .\r[3] { وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ } ، على وجه الأرض فصارت هباء منبثا .\r[4] { وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ } ، وهي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر ، واحدتها عشراء لما جاءهم من أهوال يوم القيامة .\r[5] { وَإِذَا الْوُحُوشُ } ، يعني دواب البر ، { حُشِرَتْ } ، جمعت بعد البعث ليقتص لبعضها من بعض .","part":8,"page":101},{"id":3602,"text":"[6-7] { وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ } ، قال ابن عباس : أوقدت فصارت نارا تضطرم . وقال مجاهد ومقاتل : يعني فجر بعضها في بعض العذب والملح ، فصارت البحور كلها بحرا واحدا . وقيل : صارت مياهها بحرا واحدا من الحميم لأهل النار . وقال الحسن : يبست . { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } ، يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة ، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار ، وهذا قول عكرمة . وقال الحسن وقتادة : ألحق كل امرئ بشيعته ، اليهودي باليهودي والنصراني بالنصراني ، وقال عطاء ومقاتل : زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين ، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين . وروي عن عكرمة قال : وإذا النفوس زوجت ردت الأرواح في الأجساد .\r[8] { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ } ، وهي الجارية المدفونة حية .\r[9] { بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ } ، ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها لأنها تقول : قتلت بغير ذنب .\r[10] { وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ } ، يعني صحائف الأعمال تنتشر للحساب .","part":8,"page":102},{"id":3603,"text":"[11] { وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ } ، قال الفراء : نزعت فطويت . وقال الزجاج : قلعت كما يقلع السقف . وقال مقاتل : تكشف عمن فيها . ومعنى الكشط رفعك شيئا عن شيء قد غطاه كما يكشط الجلد عن السنام .\r[12] { وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ } ، قرأ أهل المدينة والشام وحفص عن عاصم ( سعرت) بالتشديد ، وقرأ الباقون بالتخفيف أي أوقدت لأعداء الله .\r[13] { وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ } ، قربت لأولياء الله .\r[14] { عَلِمَتْ } عند ذلك كل { نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ } ، من خير أو شر ، وهذا جواب لقوله : { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } وما بعدها .\r[15 - 16] قوله - عز وجل - : { فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ }{ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ } ، معناه أقسم بالخنس ، قال قتادة : هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار ، فتخفى فلا ترى ، وقال ابن زيد : معنى الخنس أنها تخنس أي تتأخر عن مطالعها في كل عام تأخيرا تتأخره عن تعجيل ذلك الطلوع ، تخنس عنه بتأخرها . والكنس أي تكنس بالنهار فلا ترى .","part":8,"page":103},{"id":3604,"text":"[17] { وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } ، قال الحسن : أقبل بظلامه . وقال الآخرون : أدبر : تقول العرب : عسعس الليل وسعسع إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير .\r[18] { وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } ، أقبل وبدا أوله وقيل امتد ضوؤه وارتفع .\r[19] { إِنَّهُ } ، يعني القرآن ، { لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } ، يعني جبريل أي نزل به جبريل عن الله - تعالى - .\r[20] { ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } ، في المنزلة .\r[21] { مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } ، أي في السماوات تطيعه الملائكة ومن طاعة الملائكة إياه أنهم فتحوا أبواب السماوات ليلة المعراج بقوله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفتح خزنة الجنة أبوابها بقوله ، ( أمين ) على وحي الله ورسالته إلى أنبيائه .\r[22] { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } ، يقول لأهل مكة وما صاحبكم يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - بمجنون . وهذا أيضا من جواب القسم أقسم على أن القرآن نزل به جبريل ، وأن محمدا ليس كما يقوله أهل مكة ، وذلك أنهم قالوا إنه مجنون ، وما يقول من عند نفسه .","part":8,"page":104},{"id":3605,"text":"[23] { وَلَقَدْ رَآهُ } ، يعني رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل عليه السلام على صورته ، { بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ } ، وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق .\r[24] { وَمَا هُوَ } يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - , { عَلَى الْغَيْبِ } ، أي الوحي ، وخبر السماء وما أطلع عليه مما كان غائبا عنه من الأنباء والقصص ، { بِضَنِينٍ } إنه يأتيه علم الغيب فلا يبخل به عليهم بل يعلمكم ويخبركم به ، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا .\r[25] { وَمَا هُوَ } يعني القرآن ، { بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } ، قال الكلبي : يقول إن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش .\r[26] { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } ، أي أين تعدلون عن هذا القرآن ، وفيه الشفاء والبيان ، قال الزجاج : أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم .\r[27] ثم بين فقال : { إِنْ هُوَ } ، أي ما القرآن ، { إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } ، موعظة للخلق أجمعين .\r[28] { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ } ، أي يتبع الحق ويقيم عليه .","part":8,"page":105},{"id":3606,"text":"[29] { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } ، أي أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وفيه إعلام أن أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله ولا شرا إلا بخذلانه .","part":8,"page":106},{"id":3607,"text":"( 82 ) سورة الانفطار\r[1] { إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ } انشقت .\r[2] { وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ } , تساقطت .\r[3] { وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ } ، فجر بعضها في بعض ، واختلط العذب بالملح فصارت بحرا واحدا .\r[4] { وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } ، بحثت وقلب ترابها وبعث من فيها من الموتى أحياء .\r[5] { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } ، قيل : ما قدمت من عمل صالح أو سيئ ، وما أخرت من سنة حسنة أو سيئة . وقيل : ما قدمت من الصدقات وأخرت من التركات .\r[6] { يا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } ، ما خدعك وسول لك الباطل حتى أضعت ما وجب عليك ، والمعنى : ماذا أمنك من عقابه؟\r[7] { الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ } قرأ أهل الكوفة بالتخفيف فصرفك وأمالك إلى أي صورة شاء حسنا وقبيحا وطويلا وقصيرا . وقرأ الآخرون : بالتشديد أي قومك وجعلك معتدل الخلق والأعضاء .\r[8] { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } , قال مجاهد : في أي شبه من أب أو أم أو عم, وذكر الفراء قولا آخر, إما طويلا أو قصيرا أو حسنا أو غير ذلك .","part":8,"page":107},{"id":3608,"text":"[9] { كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ } ، بالجزاء والحساب .\r[10] { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } ، رقباء من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم .\r[11] { كِرَامًا } على الله ، { كَاتِبِينَ } ، يكتبون أقوالكم وأعمالكم .\r[12] { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } ، من خير أو شر .\r[13] قوله - عز وجل - : { إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } ، الأبرار الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله - عز وجل - واجتناب معاصيه . 14,\r[15] { وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ }{ يَصْلَوْنَهَا } ، يخلونها, { يَوْمَ الدِّينِ } يوم القيامة .\r[16] { وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } .\r[17] ثم عظم ذلك اليوم ، فقال : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ } ، كرر تفخيما لشأنه . 18,\r[19] فقال : { ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ }{ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا } ، قال مقاتل : يعني لنفس كافرة شيئا من المنفعة ، { وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } ، أي يوم لا يملك الله في ذلك اليوم أحدا شيئا كما ملكهم في الدنيا .","part":8,"page":108},{"id":3609,"text":"( 83 ) سورة المطففين\r[1] { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } ، يعني الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون حقوق الناس .\r[2] ثم بين المطففين من هم فقال { الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } ، وأراد إذا اكتالوا من الناس أي أخذوا منهم ، و ( من ) ، و ( على ) يتعاقبان .\r[3] { وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } ، أي كالوا لهم أو وزنوا لهم أي للناس ، وقوله : ( يُخْسِرُونَ) أي ينقصون .\r[4, 5] { أَلَا يَظُنُّ } ، يستيقن ، { أُولَئِكَ } ، الذين يفعلون ذلك ، { أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ }{ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } ، يعني يوم القيامة .\r[6] { يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ } من قبورهم ، { لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ، أي لأمره ولجزائه ولحسابه .","part":8,"page":109},{"id":3610,"text":"[7] قوله - عز وجل - : { كَلَّا } ، ردع أي ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا ، وتمام الكلام هاهنا ، وقال الحسن : كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقا ، { إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ } ، الذي كتبت فيه أعمالهم ، { لَفِي سِجِّينٍ } ، قال عبد الله بن عمرو : ( سجين ) هي الأرض السابعة السفلي فيها أرواح الكفار . وقال عطاء الخراساني : هي الأرض السفلي ، وفيها إبليس وذريته ، وقال وهب : هي آخر سلطان إبليس ، وقال عكرمة : { لَفِي سِجِّينٍ } أي لفي خسار وضلال . وقال الأخفش . هو فعيل من السجن ، كما يقال : فسيق وشريب ، معناه لفي حبس وضيق شديد .\r[8] { وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ } ، قال الزجاج : أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك .\r[9] { كِتَابٌ مَرْقُومٌ } ، ليس هذا تفسير السجين بل هو بيان الكتاب المذكور في قوله : { إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ } أي هو كتاب الفجار مرقوم ، أي مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم كالرقم في الثوب ، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به .","part":8,"page":110},{"id":3611,"text":"[10 - 13] { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }{ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ }{ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ }{ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } .\r[14] { كَلَّا } ، قال مقاتل : أي لا يؤمنون ، ثم استأنف فقال : { بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .\rقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه ، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه » (1) .\rوأصل الرين الغلبة ، يقال : رانت الخمر على عقله ترين رينا وريونا إذا غلبت عليه حتى سكر ، ومعنى الآية : غلبت على قلوبهم المعاصي وأحاطت بها . قال الحسن : هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب . قال ابن عباس : { رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ } : طبع عليها .\r_________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير ( 9 / 253 ) وقال : ( حديث حسن صحيح ) ، والنسائي في التفسير ( 2 / 505 ) وفي عمل اليوم والليلة ( ص 317 ) ، وابن ماجه في الزهد برقم ( 4244 ) ( 2 / 1418 ) ، والإمام أحمد في المسند ( 2 / 297 ) ، والطبري ( 30 / 98 ) , وصححه الحاكم ( 2 / 517 ) ، وابن حبان برقم ( 1771 ) والمصنف في شرح السنة ( 5 / 89 ) .","part":8,"page":111},{"id":3612,"text":"[15] { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } ، قال ابن عباس : كلا : يريد لا يصدقون ، ثم استأنف فقال . ( إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) ، قال بعضهم : عن كرامته ورحمته ممنوعون . وقال قتادة : هو ألا ينظر إليهم ولا يزكيهم . وقال أكثر المفسرين : عن رؤيته .\rثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبين عن الله يدخلون النار فقال :\r[16] { ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ } ، لداخلو النار .\r[17] { ثُمَّ يُقَالُ } ، أي تقول لهم الخزنة ، { هَذَا } ، أي هذا العذاب ، { الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } .","part":8,"page":112},{"id":3613,"text":"[18] { كَلَّا } قال مقاتل : لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه .\rثم بين محل كتاب الأبرار فقال : { إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ } ، { عِلِّيِّينَ } في السماء السابعة تحت العرش ، وقال ابن عباس : هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه ، وقال كعب وقتادة : هو قائمة العرش اليمنى . وقال عطاء عن ابن عباس : هو الجنة . وقال الضحاك : سدرة المنتهى ، وقال بعض أهل المعاني : علو بعد علو وشرف بعد شرف ، ولذلك جمعت بالياء والنون . 19,\r[20] { وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ }{ كِتَابٌ مَرْقُومٌ } ، ليس هذا بتفسير عليين بل هو بيان الكتاب المذكور في قوله : { إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ } ، أي مكتوب أعمالهم كما ذكرنا في كتاب الفجار .\r[21] { يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ } ، يعني الملائكة الذين هم في عليين يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب ، أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين . 22,\r[23] { إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ }{ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ } ، إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعمة ، وقال مقاتل : ينظرون إلى عدوهم كيف يعذبون .","part":8,"page":113},{"id":3614,"text":"[24] { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ } ، إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض .\r[25] { يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ } ، خمر صافية طيبة ، { مَخْتُومٍ } ، ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار . وقال مجاهد : ( مَخْتُومٍ) أي مطين .\r[26] { خِتَامُهُ } ، أي طينه ، { مِسْكٌ } ، كأنه ذهب إلى هذا المعنى ، قال ابن زيد : ختامه عند الله مسك وختام خمر الدنيا طين { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } ، فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله - عز وجل - .\r[27] { وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ } ، شراب ينصب عليهم من علو في غرفهم ومنازلهم ، وأصل كلمة السنام من العلو ، يقال للشيء المرتفع : سنام ، ومنه سنام البعير .\r[28] { عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ } ، ( عينا ) نصب على الحال ، ( يشرب بها ) أي منها ، وقيل : يشرب بها المقربون صرفا .\r[29] قوله - عز وجل - : { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا } ، أشركوا يعني كفار قريش ، { كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } من فقراء المؤمنين { يَضْحَكُونَ } ، وبهم يستهزءون .","part":8,"page":114},{"id":3615,"text":"[30] { وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ } ، يعني مر المؤمنون بالكفار ، { يَتَغَامَزُونَ } ، والغمز الإشارة بالجفن والحاجب ، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاء .\r[31] { وَإِذَا انْقَلَبُوا } ، يعني الكفار ، { إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ } ، معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم .\r[32] { وَإِذَا رَأَوْهُمْ } ، رأوا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، { قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ } ، يأتون محمدا - صلى الله عليه وسلم - يرون أنهم على شيء .\r[33] { وَمَا أُرْسِلُوا } ، يعني المشركين ، { عَلَيْهِمْ } ، يعني على المؤمنين ، { حَافِظِينَ } أعمالهم ، أي لم يوكلوا بحفظ أعمالهم .\r[34] { فَالْيَوْمَ } ، يعني في الآخرة ، { الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } ، إذا اطلعوا من الجنة إلى أعدائهم وهم يعذبون في النار ضحكوا .\r[35] { عَلَى الْأَرَائِكِ } ، من الدر والياقوت ، { يَنْظُرُونَ } ، إليهم في النار .\r[36] { هَلْ ثُوِّبَ } ، هل جوزي ، { الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } ، أي جزاء استهزائهم بالمؤمنين ومعنى الاستفهام هاهنا : التقرير . وثوب وأثيب وأثاب بمعنى واحد .","part":8,"page":115},{"id":3616,"text":"( 84 ) سورة الانشقاق\r[1] { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } ، انشقاقها من علامات القيامة .\r[2] { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا } ، أي سمعت أمر ربها بالانشقاق وأطاعته ، من الأذن وهو الاستماع ، { وَحُقَّتْ } ، أي وحق لها أن تطيع ربها .\r[3] { وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ } ، مد الأديم العكاظي ، وزيد في سعتها .\r[4] { وَأَلْقَتْ } ، أخرجت ، { مَا فِيهَا } ، من الموتى والكنوز ، { وَتَخَلَّتْ } ، خلت منها .\r[5] { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } ، واختلفوا في جواب ( إذا ) قيل : جوابه محذوف تقديره : إذا كانت هذه الأشياء يرى الإنسان الثواب والعقاب .","part":8,"page":116},{"id":3617,"text":"[6] وقيل جوابه : { يا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا } ، ومجازه { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } لقي كل كادح ما عمله . وقيل : جوابه وأذنت ، وحينئذ تكون الواو زائدة ومعنى قوله : ( كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا ) ، أي ساع إليه في عملك ، والكدح : سعي الانسان وجهده في الأمر من الخير والشر حتى يكدح ذلك فيه ، أي يؤثر { فَمُلَاقِيهِ } ، أي ملاقي جزاء عملك خيرا كان أو شرا . [7 ، 8] { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ } ، ديوان أعماله ، { بِيَمِينِهِ }{ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا } قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « من حوسب عذب \" قالت عائشة - رضي الله عنها - : يا رسول الله أوليس يقول الله - عز وجل - : ( فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ) ؟ فقال : \"إنما ذلك العرض ، ولكن من نوقش في الحساب يهلك » (1) .\r[9] { وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ } ، يعني في الجنة من الحور العين والآدميات ، { مَسْرُورًا } ، بما أوتي من الخير والكرامة .\r_________\r(1) أخرجه البخاري في العلم ( 1 / 196 ) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها رقم ( 2876 ) ( 4 / 2204 ) .","part":8,"page":117},{"id":3618,"text":"[10] { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ } ، فتغل يده اليمنى إلى عنقه وتجعل يده الشمال وراء ظهره ، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره .\r[11] { فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا } ، ينادي بالويل والهلاك إذا قرأ كتابه يقول : يا ويلاه يا ثبوراه .\r[12 ، 13] { وَيَصْلَى سَعِيرًا }{ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا } ، يعني في الدنيا باتباع هواه وركوب شهوته .\r[14] { إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ } ، أن لن يرجع إلينا ولن يبعث .\r[15] ثم قال : { بَلَى } ، أي ليس كما ظن بل يحور إلينا ويبعث { إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا } ، خلقه إلى أن بعثه .\r[16] قوله - عز وجل - : { فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ } ، قال مجاهد : هو النهار كله . وقال عكرمة : ما بقي من النهار ، وقال ابن عباس وأكثر المفسرين : هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس . وقال قوم : هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة .","part":8,"page":118},{"id":3619,"text":"[17] { وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } ، أي جمع وضم يقال : وسقته أسقه وسقا أي جمعته ، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت ، والمعنى : والليل وما جمع وضم ما كان بالنهار منتشرا من الدواب ، وذلك أن الليل إذا أقبل آوى كل شيء إلى مأواه .\r[18] { وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ } ، اجتمع واستوى وتم نوره وهو في الأيام البيض .\r[19 - 20] { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ } ، قرأ أهل مكة وحمزة والكسائي ( لَتَرْكَبُنَّ) بفتح الباء ، يعني لتركبن يا محمد . قال الشعبي ومجاهد : سماء بعد سماء ، قال الكلبي : يعني تصعد فيها . ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله - تعالى - والرفعة ، قال ابن عباس : ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) حالا بعد حال ، قال : هذا نبيكم - صلى الله عليه وسلم - . وقيل : أراد به السماء تتغير لونا بعد لون ، فتصير تارة كالدهان وتارة كالمهل ، فتنشق بالغمام مرة وتطوى أخرى .","part":8,"page":119},{"id":3620,"text":"وقرأ الآخرون : بضم الباء لأن المعنى بالناس أشبه لأنه ذكر من قبل : فأما من أوتي كتابه بيمينه ، وشماله وذكر من بعده { فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } ، وأراد لتركبن حالا بعد حال وأمرا بعد أمر في موقف القيامة ، يعني الأحوال تنقلب بهم فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا . و ( عن ) بمعنى بعد ، وقال مقاتل : يعني الموت ثم الحياة ثم الموت ثم الحياة . وقال عطاء : مرة فقيرا ومرة غنيا . وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس : يعني الشدائد والأهوال والموت ، ثم البعث ثم العرض . وقال عكرمة : حالا بعد حال رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ { فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } استفهام إنكار .\r[21] { وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ } ، لا يصلون .\r[22] { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ } ، بالقرآن والبعث .\r[23] { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } ، في صدورهم من التكذيب . قال مجاهد : يكتمون .\r[24 ، 25] { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }{ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } ، غير مقطوع ولا منقوص .","part":8,"page":120},{"id":3621,"text":"( 85 ) سورة البروج\r[1 - 2] { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ }{ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ } ، هو يوم القيامة .","part":8,"page":121},{"id":3622,"text":"[3] { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } الأكثرون : أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة . وروي عن ابن عمر : الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر . قال سعيد بن المسيب : الشاهد يوم التروية ، والمشهود يوم عرفة . وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : الشاهد محمد - صلى الله عليه وسلم - والمشهود يوم القيامة ، ثم تلا : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } وقال : { ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ } . وقال عبد العزيز بن يحيى : الشاهد محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والمشهود الله - عز وجل - ، بيانه قوله : { وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } . وعن مجاهد قال : الشاهد آدم والمشهود يوم القيامة . وقال عكرمة : الشاهد الإنسان والمشهود يوم القيامة ، وعن ابن عباس : الشاهد هو الله - عز وجل - والمشهود يوم القيامة . وقال الحسين بن الفضل : الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم ، وقيل : الشاهد أعضاء بني آدم ، بيانه : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ } .","part":8,"page":122},{"id":3623,"text":"[4] { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ } ، أي لعن ، والأخدود : الشق المستطيل في الأرض كالنهر ، وجمعه أخاديد .\r[5] { النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ } ، بدل من الأخدود ، قال الربيع بن أنس : نجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم .\r[6] { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } ، أي عند النار جلوس يعذبون المؤمنين . قال مجاهد : كانوا قعودا على الكراسي عند الأخدود .\r[7] { وَهُمْ } ، يعني الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود ، { عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ } ، من عرضهم على النار وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم ، { شُهُودٌ } ، حضور .\r[8] { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ } ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ما كرهوا منهم ، { إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ } ، قال مقاتل : ما عابوا منهم . وقيل : ما علموا فيهم عيبا . قال الزجاج : ما أنكروا عليهم ذنبا إلا إيمانهم بالله { الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } .\r[9] { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ } ، من أفعالههم ، { شَهِيدٌ } .","part":8,"page":123},{"id":3624,"text":"[10] { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا } ، عذبوا وأحرقوا ، { الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } ، يقال : فتنت الشيء إذ أحرقته ، نظيره : { يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ } ، { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } ، بكفرهم ، { وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } ، بما أحرقوا المؤمنين . وقيل : ولهم عذاب الحريق في الدنيا ، وذلك أن الله أحرقهم بالنار التي أحرقوا بها المؤمنين ، وارتفعت إليهم من الأخدود ، قاله الربيع بن أنس والكلبي .\r[11] ثم ذكر ما أعد للمؤمنين فقال : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ } واختلفوا في جواب القسم فقال بعضهم . جوابه { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ } ، يعني لقد قتل . وقيل : فيه تقديم وتأخير تقديره : قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج . وقال قتادة : جوابه :\r[12] { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } ، قال ابن عباس : إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة لشديد ، كقوله : { إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } .","part":8,"page":124},{"id":3625,"text":"[13] { إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ } ، أي يخلقهم أولا في الدنيا ثم يعيدهم أحياء بعد الموت .\r[14] { وَهُوَ الْغَفُورُ } ، لذنوب المؤمنين ، { الْوَدُودُ } المحب لهم .\r[15] { ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ } ، قرأ حمزة والكسائي ( المجيد ) بالجر على صفة العرش أي السرير العظيم . وقيل : أراد حسنه فوصفه بالمجد كما وصفه بالكرم ، فقال : { رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } ، ومعناه الكمال ، والعرش : أحسن الآشياء وأكملها ، وقرأ الآخرون بالرفع على صفة ذو العرش .\r[16] { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } ، لا يحجزه شيء يريده وللايمتنع منه شيء طلبه .\r[17] قوله - عز وجل - : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ } ، قد أتاك خبر الجموع الكافرة الذين تجندوا على الأنبياء ، ثم بين من هم؟\r[18 ، 19] فقال : { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }{ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، من قومك يا محمد ، { فِي تَكْذِيبٍ } ، لك وللقرآن كدأب من قبلهم ، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار .\r[20] { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } ، عالم بهم لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ، يقدر أن ينزل بهم ما أنزل بمن كان قبلهم .","part":8,"page":125},{"id":3626,"text":"[21] { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ } ، كريم شريف كثير الخير ، ليس كما زعم المشركون أنه شعر وكهانة .\r[22] { فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } ، قرأ نافع محفوظ بالرفع على نعت القرآن محفوظ من التبديل والتغيير والتحريف ، قال الله - تعالى - : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ، وقرأ الآخرون بالجر على نعت اللوح وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ ، وهو أم الكتاب ، ومنه تنسخ الكتب ، محفوظ من الشياطين ، ومن الزيادة فيه والنقصان .","part":8,"page":126},{"id":3627,"text":"( 86 ) سورة الطارق\r[1] { وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ } ، وهذا قسم ، والطارق النجم يظهر بالليل ، وما أتاك ليلا فهو طارق .\r[2] { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ } .\r[3] ثم فسره فقال : { النَّجْمُ الثَّاقِبُ } ، أي المضيء . المنير ، قال مجاهد : المتوهج .\r[4] { إِنْ كُلُّ نَفْسٍ } ، جواب القسم ، { لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } ، كل نفس عليها حافظ من ربها يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكتسب من خير وشر . قال ابن عباس : هم الحفظة من الملائكة .\r[5] { فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ } ، أي فليتفكر من أي شيء خلقه ربه ، أي فلينظر نظر المتفكر .\r[6] ثم بين فقال : { خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ } ، مدفوق أي مصبوب في الرحم ، وهو المني ، فاعل بمعنى مفعول كقوله : { عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } ، والدفق الصب وأراد ماء الرجل وماء المرأة لأن الولد مخلوق منهما ، وجعله واحدا لامتزاجهما .\r[7] { يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ } ، يعني صلب الرجل وترائب المرأة والترائب جمع التريبة وهي عظام الصدر والنحر .","part":8,"page":127},{"id":3628,"text":"[8] { إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } ، قال مجاهد : على رد النطفة في الإحليل . وقال عكرمة : على رد الماء في الصلب الذي خرج منه . وقال الضحاك : إنه على رد الإنسان ماء كما كان من قبل لقادر ، وقال قتادة : إن الله - تعالى - على بعث الانسان وإعادته بعد الموت قادر . وهذا أولى الأقاويل .\r[9] لقوله : { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } ، وذلك يوم القيامة ، تبلى السرائر تظهر الخفايا . قال عطاء بن أبي رباح : السرائر فرائض الأعمال ، كالصوم والصلاة والوضوء والاغتسال من الجنابة ، فإنها سرائر بين الله - تعالى - وبين العبد ، فلو شاء العبد لقال : صمت ولم يصم ، وصليت ولم يصل .\r[10] { فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ } ، أي ما لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة يمتنع بها من عذاب الله ولا ناصر ينصره من الله .\r[11] ثم ذكر قسما آخر فقال : { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } ، أي ذات المطر لأنه يرجع كل عام ويتكرر . وقال ابن عباس : هو السحاب يرجع المطر .\r[12] { وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } ، أي تصدع وتنشق عن النبات والأشجار والأنهار .","part":8,"page":128},{"id":3629,"text":"[13] وجواب القسم قوله : { إِنَّهُ } ، يعني القرآن ، { لَقَوْلٌ فَصْلٌ } ، حق وجد يفصل بين الحق والباطل .\r[14] { وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ } ، باللعب والباطل .\r[15] ثم أخبر عن مشركي مكة فقال : { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا } ، يخافون النبي -صلى الله عليه وسلم- ويظهرون ما هم على خلافه .\r[16] { وَأَكِيدُ كَيْدًا } ، وكيد الله استدراجهم إياهم من حيث لا يعلمون .\r[17] { فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ } ، قال ابن عباس : هذا وعيد من الله - عز وجل - لهم ، { أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا } ، قليلا ومعنى مهل وأمهل انظر ولا تعجل فأخذهم الله يوم بدر ، ونسخ الإمهال بآية السيف .","part":8,"page":129},{"id":3630,"text":"( 87 ) سورة الأعلى\r[1] { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } ، يعني قل سبحان ربي الأعلى ، وقال قوم : معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون ، وقال آخرون : نزه تسمية ربك بأن تذكره وأنت معظم ولذكره محترم .\r[2] { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى } ، قال الكلبي : خلق كل ذي روح فسوى اليدين والرجلين والعينين . قال الزجاج : خلق الإنسان مستويا ، ومعنى سوى : عدل قامته .\r[3] { وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } قال مجاهد : هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة ، وهدى الأنعام لمراتعها . وقال مقاتل والكلبي : قدر لكل شيء مسلكه فهدى ، عرفها كيف يأتي الذكر الأنثى . وقيل : قدر الأرزاق فهدى لاكتساب الأرزاق والمعاش . وقيل : خلق المنافع في الأشياء وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها .\r[4] { وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى } ، أنبت العشب وما ترعاه النعم . من بين أخضر وأصفر وأحمر وأبيض .\r[5] { فَجَعَلَهُ } ، بعد الخضرة ، { غُثَاءً } ، هشيما باليا ، كالغثاء الذي تراه فوق السيل . { أَحْوَى } ، أسود بعد الخضرة ، وذلك أن الكلأ إذا جف ويبس اسود .","part":8,"page":130},{"id":3631,"text":"[6 ، 7] { سَنُقْرِئُكَ } ، سنعلمك بقراءة جبريل عليك ، { فَلَا تَنْسَى }{ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } ، أن تنساه وما نسخ الله تلاوته من القرآن ، { إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ } ، من القول والفعل ، { وَمَا يَخْفَى } ، منهما ، والمعنى : أنه يعلم السر والعلانية .\r[8] { وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى } ، قال مقاتل : نهون عليك عمل الجنة ، وهو معنى قول ابن عباس : نيسرك لأن تعمل خيرا ، واليسرى عمل الخير . وقيل : نوفقك للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السمحة .\r[9] { فَذَكِّرْ } ، عظ بالقرآن ، { إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى } ، الموعظة والتذكير ، والمعنى : نفعت أو لم تنفع .\r[10] { سَيَذَّكَّرُ } ، سيتعظ ، { مَنْ يَخْشَى } ، الله - عز وجل - .\r[11] { وَيَتَجَنَّبُهَا } ، أي يتجنب الذكرى ويتباعد عنها ، { الْأَشْقَى } ، الشقي في علم الله .\r[12] { الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى } ، العظيمة والفظيعة لأنها أعظم وأشد حرا من نار الدنيا .\r[13] { ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا } ، فيستريح ، { وَلَا يَحْيَا } ، حياة تنفعه .","part":8,"page":131},{"id":3632,"text":"[14] { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } ، تطهر من الشرك وقال : لا إله إلا الله ، وقال الحسن : من كان عمله زاكيا . وقال آخرون : هو صدقة الفطر .\r[15] { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } ، قال : خرج إلى العيد فصلى صلاته ، وقيل : الصلاة هاهنا الدعاء .\r[16] { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } .\r[17] { وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } ، قال عرفجة الأشجعي : كنا عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية فقال لنا : أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قلنا : لا ، قال : لأن الدنيا أحضرت وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها ، وأن الآخرة نعتت لنا وزويت عنا فأحببنا العاجل وتركنا الآجل .\r[18] { إِنَّ هَذَا } ، يعني ما ذكر من قوله : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } ، إلى أربع آيات ، { لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى } ، أي الكتب الأولى التي أنزلت قبل القرآن ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلي وإيثار الخلق الحياة الدنيا على الآخرة ، وأن الآخرة خير وأبقى .\r[19] ثم بين الصحف فقال : { صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } ، قال عكرمة والسدي : هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى .","part":8,"page":132},{"id":3633,"text":"( 88 ) سورة الغاشية\r[1] { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } ، قد أتاك حديث القيامة تغشى كل شيء بالأهوال .\r[2] { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ } ، يعني يوم القيامة ، { خَاشِعَةٌ } ، ذليلة .\r[3] { عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ } ، قال عطاء عن ابن عباس : يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم لا يقبل الله منهم اجتهادا في ضلالة ، يدخلون النار يوم القيامة ، ومعنى النصب الدأب في العمل بالتعب ، وقال عكرمة والسدي : عامدة في الدنيا بالمعاصي ، ناصبة في الآخرة في النار ، وقال الحسن : لم تعمل لله في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار .\r[4] { تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً } ، قال ابن عباس : قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله .\r[5] { تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ } ، متناهية في الحرارة قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت ، فدفعوا إليها وردا عطاشا . قال المفسرون : لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت ، هذا شرابهم ، ثم ذكر طعامهم فقال :","part":8,"page":133},{"id":3634,"text":"[6 - 7] { لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ } ، قال مجاهد : هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض ، تسميه قريش الشبرق فإذا هاج سموها الضريع ، وهو أخبث طعام وأبشعه ، قال ابن زيد : أما في الدنيا فإن الضريع الشوك اليابس الذي ليس له ورق ، وهو في الآخرة شوك من نار { لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ } .\r[8] ثم وصف أهل الجنة فقال : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ } ، قال مقاتل : في نعمة وكرامة .\r[9] { لِسَعْيِهَا } في الدنيا ، { رَاضِيَةٌ } ، في الآخرة حين أعطيت الجنة بعملها .\r[10 - 11] { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ }{ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً } ، لغوا وباطلا .\r[12- 14] { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ }{ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ }{ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ } ، عندهم .\r[15] { وَنَمَارِقُ } ، وسائد ومرافق ، { مَصْفُوفَةٌ } ، بعضها بجنب بعض واحدتها نمرقة بضم النون .\r[16] { وَزَرَابِيُّ } ، يعني البسط العريضة { مَبْثُوثَةٌ } ، مبسوطة ، وقيل : متفرقة في المجالس .","part":8,"page":134},{"id":3635,"text":"[17] { أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } ، قال أهل التفسير : لما نعت الله - تعالى - في هذه السورة ما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه ، فذكر لهم الله - تعالى - صنعه فقال : { أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } وكانت الإبل أعظم عيش العرب ، لهم فيها منافع كثيرة فكما صنع لهم ذلك في الدنيا صنع لأهل الجنة فيها ما صنع .\r[18] { وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ } ، عن الأرض حتى لا ينالها شيء يغيرها .\r[19] { وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ } ، على وجه الأرض مرساة لا تزول .\r[20] { وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ } ، بسطت ، قال عطاء عن ابن عباس : هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل أو يرفع مثل السماء أو ينصب مثل الجبال أو يسطح مثل الأرض غيري؟\r[21 - 22] { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ }{ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ } ، بمسلط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان ، نسختها آية القتال .\r[23] { إِلَّا مَنْ تَوَلَّى } ، استثناء منقطع عما قبله معناه لكن من تولى ، { وَكَفَرَ } ، بعد التذكير .","part":8,"page":135},{"id":3636,"text":"[24] { فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ } ، وهو أن بدخله النار . وإنما قالط الأكبر لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر .\r[25] { إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } ، رجوعهم بعد الموت ، يقال : آب يئوت أوبا وإيابا .\r[26] { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } ، يعني جزاءهم بعد المرجع إلى الله - عز وجل - .","part":8,"page":136},{"id":3637,"text":"( 89 ) سورة الفجر\r[1] { وَالْفَجْرِ } أقسم الله - عز وجل - بالفجر ، روى أبو صالح عن ابن عباس قال : هو انفجار الصبح كل يوم . وهو قول عكرمة ، وقال عطية عنه : صلاة لصبح ، وقال قتادة : هو فجر أول يوم من المحرم تنفجر منه السنة . وقال الضحاك : فجر ذي الحجة لأنه قرن به الليالي العشر .\r[2] { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } ، روي عن ابن عباس : أنها العشر الأول من ذي الحجة ، وقال أبو روق عن الضحاك : هي العشر الأول من شهر رمضان . وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال : هي العشر الأواخر من شهر رمضان . وقال يمن بن رباب : هي العشر الأول من المحرم التي عاشرها يوم عاشوراء .\r[3] { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } اختلفوا في الشفع والوتر ، قيل : الشفع الخلق ، قال الله - تعالى - : { وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا } والوتر : هو الله - عز وجل - ، وقال مجاهد ومسروق : الشفع الخلق كله ، والوتر هو الله ، قال الله - تعالى - : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ، قال الحسن وابن زيد : الشفع والوتر الخلق كله منه شفع ومنه وتر . وروى قتادة عن الحسن قال : هو العدد منه شفع ومنه وتر . وقال قتادة : هما الصلوات منها شفع ومنها وتر .","part":8,"page":137},{"id":3638,"text":"[4] { وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي } ، أي إذا سار وذهب كما قال : { وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } ، وقال قتادة : إذا جاء وأقبل وأراد كل ليلة .\r[5] { هَلْ فِي ذَلِكَ } ، أي فيما ذكرت ، { قَسَمٌ } ، أي مقنع ومكتفى في القسم ، { لِذِي حِجْرٍ } ، للذي عقل سمي بذلك لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل ولا ينبغي ، وأصل الحجر المنع وجواب القسم قوله : { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } ، واعترض بين القسم وجوابه قوله - عز وجل - :\r[6 - 7] { أَلَمْ تَرَ } ، قال الفراء : ألم تخبر . وقال الزجاج : ألم تعلم ومعناه التعجب . { كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ }{ إِرَمَ } ، يخوف أهل مكة يعني كيف أهلكهم ، وهم كانوا أطول أعمارا وأشد قوة من هؤلاء ، واختلفوا في إرم فقال سعيد بن المسيب : { إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ } دمشق ، وبه قال عكرمة ، وقال القرظي : هي الإسكندرية ، وقال مجاهد : هي أمة .\rوقيل : معناه القديمة . وقال قتادة ومقاتل : هم قبيلة من عاد .","part":8,"page":138},{"id":3639,"text":"[8] { الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ } ، وسموا ذات العماد لهذا لأنهم كانوا أهل عمد وخيام وماشية سيارة ، وقال بعضهم : سموا ذات العماد لطول قامتهم . قال ابن عباس : يعني طولهم مثل العماد . وقوله : ( لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ) ، أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة ، وهم الذين قالوا : { مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } ، وقيل : سموا ذات العماد لبناء بناه بعضهم .\r[9] { وَثَمُودَ } ، أي وبثمود ، { الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ } ، قطعوا الحجر ، { بِالْوَادِي } ، يعني وادي القرى كانوا يقطعون الجبال فيجعلون فيها بيوتا .\r[10] { وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ } ، سمي بذلك لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد ، وقد ذكرناه في سورة ص (1) .\r[11] { الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ } ، يعني عادا وثمود وفرعون عملوا في الأرض بالمعاصي وتجبروا .\r_________\r(1) آية (12) .","part":8,"page":139},{"id":3640,"text":"[12 - 13] { فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ }{ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } ، قال قتادة : يعني لونا من العذاب صبه عليهم ، قال أهل المعاني : هذا على الاستعارة لأن السوط عندهم غاية العذاب ، فجرى ذلك لكل نوع من العذاب . قال الزجاج : جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب .\r[14] { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } ، قال ابن عباس : يعني بحيث يرى ويسمع ويبصر ما تقول وتفعل وتهجس به العباد . قال الكلبي : عليه طريق العباد لا يفوته أحد . قال مقاتل : ممر الناس عليه ، والمرصاد والمرصد : الطريق . وقيل : مرجع الخلق إلى حكمه وأمره وإليه مصيرهم . وقال الحسن وعكرمة : يرصد أعمال بني آدم . والمعنى : أنه لا يفوته شيء من أعمال العباد كما لا يفوت من هو بالمرصاد .\r[15] { فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ } ، امتحنه ، { رَبُّهُ } ، بالنعمة ، { فَأَكْرَمَهُ } ، بالمال ، { وَنَعَّمَهُ } ، بما وسع عليه ، { فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي } ، بما أعطاني .","part":8,"page":140},{"id":3641,"text":"[16] { وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ } ، بالفقر ، { فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } ، أي ضيق عليه رزقه . وقيل : قدر بمعنى قتر وأعطاه قدر ما يكفيه . { فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي } ، أذلني بالفقر ، وهذا يعني به الكافر تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة المال والحظ في الدنيا وقلته .","part":8,"page":141},{"id":3642,"text":"[17] فقال : { كَلَّا } ، لم أبتله بالمغنى لكرامته ولم أبتله بالفقر لهوانه ، فأخبر أن الإكرام والإهانة لا تدور على المال وسعة الرزق ، ولكن الفقر والغنى بتقديره فيوسع على الكافر لا لكرامته ، وبقدر على المؤمن لا لهوانه ، إنما يكرم المرء بطاعته ويهينه بمعصيته ، { بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } ، لا تحسنوا إليه . وقيل : لا تعطونه حقه .\r[18] { وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } ، أي لا تأمرون بإطعامه ، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة ( تَحَاضُّونَ) بفتح الحاء وألف بعدها أي لا يحض بعضكم بعضا عليه .\r[19] { وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ } ، أي الميراث ، { أَكْلًا لَمًّا } ، شديدا يأكل نصيبه ونصيب غيره ، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ، ويأكلون نصيبهم . قال ابن زيد : الأكل اللم الذي يأكل كل شيء يجده لا يسأل عنه أحلال هو أم حرام ، ويأكل الذي له ولغيره .\r[20] { وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا } ، أي كثيرا يعني يحبون جمع المال ويولعون به ، يقال : جم المال في الحوض إذا كثر واجتمع .","part":8,"page":142},{"id":3643,"text":"[21] { كَلَّا } ، ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر . وقال مقاتل : أي لا يفعلون ما أمروا به من إكرام اليتيم وإطعام المسكين ، ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم ، فقال عز من قائل : { إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا } ، مرة بعد مرة وكسر كل شيء على ظهرها من جبل وبناء وشجر فلم يبق على ظهرها شيء .\r[22] { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } ، قال عطاء : يريد صفوف الملائكة ، وأهل كل سماء صف على حدة . قال الضحاك : أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفا مختلطين بالأرض ومن فيها فيكون سبع صفوف .\r[23] { وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ } ، يعني يوم يجاء بجهنم ، { يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ } ، يتعظ ويتوب الكافر ، { وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى } ، قال الزجاج : يظهر التوبة ومن أين له التوبة .\r[24] { يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } ، أي قدمت الخير والعمل الصالح لحياتي في الآخرة ، أي لآخرتي التي لا موت فيها .","part":8,"page":143},{"id":3644,"text":"[25 ، 26] { فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ }{ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } ، بفتح الذال والثاء على معنى لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ، ولا يوثق كوثاقه يومئذ ، وقيل : هو رجل بعينه ، وهو أمية بن خلف ، يعني لا يعذب كعذاب هذا الكافر أحد ، ولا يوثق كوثاقه أحد ، بكسر الذال والثاء ، أي لا يعذب أحد من الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ ، ولا يوثق كوثاقه أحد ، يعني لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب ، والوثاق وهو الإسار في السلاسل والأغلال .\r[27] قوله - عز وجل - : { يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } ، إلى ما وعد الله المصدقة بما قال الله .\r[28] { ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ } ، إلى الله ، { رَاضِيَةً } ، بالثواب ، { مَرْضِيَّةً } ، عنك .\r[29] { فَادْخُلِي فِي عِبَادِي } ، أي مع عبادي في جنتي . وقيل : في جملة عبادي الصالحين المطيعين المصطفين .\r[30] { وَادْخُلِي جَنَّتِي } .","part":8,"page":144},{"id":3645,"text":"( 90 ) سورة البلد\r[1] { لَا أُقْسِمُ } ، يعني أقسم ، { بِهَذَا الْبَلَدِ } ، يعني مكة .\r[2] { وَأَنْتَ حِلٌّ } ، أي حلال ، { بِهَذَا الْبَلَدِ } ، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم ، أحل الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - مكة يوم الفتح ، حتى قاتل وقتل وأمر بقتل ابن خطل ، وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، فأحل دماء قوم وحرم دماء قوم ، والمعنى : أن الله - تعالى - لما أقسم بمكة دل ذلك على عظيم قدرها من حرمتها فوعد نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه يحلها له حتى يقاتل فيها ، وأن يفتحها على يده فهذا وعد من الله - عز وجل - بأن يحلها له .\r[3] { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } ، يعني آدم عليه السلام وذريته .\r[4] { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ } ، روى الوالبي عن ابن عباس : في نصب . قال الحسن : يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة . وقال قتادة : في مشقة فلا تلقاه إلا يكابد أمر الدنيا . وقال سعيد بن جبير : في شدة . وقال عطاء عن ابن عباس : في شدة خلق حمله وولادته ورضاعه ، وفطامه وفصاله ومعاشه وحياته وموته .","part":8,"page":145},{"id":3646,"text":"[5] { أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } ، أي يظن من شدته أن لن يقدر عليه الله - تعالى - .\r[6] { يَقُولُ أَهْلَكْتُ } ، يعني أنفقت ، { مَالًا لُبَدًا } ، أي كثيرا بعضه على بعض من التلبيد في عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم - .\r[7] { أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ } ، قال سعيد بن جبير وقتادة : أيظن أن الله لم يره ، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه؟\r[8 ، 9] فقال : { أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ }{ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ } ، قال قتادة : نعم الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر .\r[10] { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } ، قال أكثر المفسرين : طريق الخير والشر ، والحق والباطل ، والهدى والضلالة ، وقال محمد بن كعب عن ابن عباس : وهديناه النجدين قال : الثديين ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك ، والنجد : طريق ارتفاع .","part":8,"page":146},{"id":3647,"text":"[11] { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ } ، يقول : فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة من فك الرقاب وإطعام السغبان ، فيكون خيرا له من إنفاقه على عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، هذا قول ابن زيد وجماعة ، وقيل : فلا اقتحم العقبة أي لم يقتحمها ولا جاوزها . والاقتحام : الدخول في الأمر الشديد ، وذكر العقبة هاهنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر ، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة ، تقول لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة ولا طعام ، وهذا معنى قول قتادة . وقيل : إنه شبه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة فإذا أعتق رقبة وأطعم كان كمن اقتحم العقبة وجاوزها ، وروي عن ابن عمر : أن هذه العقبة جبل في جهنم ، وقال الحسن وقتادة : عقبة شديدة في النار دون الجسر ، فاقتحموها بطاعة الله - تعالى - . وقال ابن زيد : يقول فهلا سلك الطريق التي فيها النجاة ثم بين ما هي فقال : [12- 14] { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ }{ فَكُّ رَقَبَةٍ }{ أَوْ إِطْعَامٌ } أراد بفك الرقبة إعتاقها وإطلاقها ، ومن أعتق رقبة كانت الرقبة فداءه من النار ، وقال عكرمة قوله : ( فك رقبة ) يعني فك رقبة من الذنوب بالتوبة . {","part":8,"page":147},{"id":3648,"text":"أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } ، مجاعة ، يقال : سغب يسغب سغبا إذا جاع .\r[15] { يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } ، أي ذا قرابة يريد يتيما بينك وبينه قرابة .\r[16] { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } ، قد لصق بالتراب من فقره وضره . وقال مجاهد عن ابن عباس : هو المطروح في التراب لا يقيه شيء . والمتربة مصدر ترب يترب تربا ومتربة إذا افتقر .\r[17] { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } ، ثم بين أن هذا القرب إنما تنفع مع الإيمان ، وقيل : ( ثم ) بمعنى الواو ، { وَتَوَاصَوْا } ، أوصى بعضهم بعضا ، { بِالصَّبْرِ } ، على فرائض الله وأوامره ، { وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } ، برحمة الناس .\r[18- 20] { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ }{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ }{ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ } ، مطبقة عليهم أبوابها لا يدخل فيها روح ولا يخرج منها غم ، يقال : أصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته وأطبقته .","part":8,"page":148},{"id":3649,"text":"( 91 ) سورة الشمس\r[1] { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } ، قال مجاهد والكلبي : ضوؤها ، والضحى : حين تطلع الشمس ، فيصفو ضوؤها . قال قتادة : هو النهار كله . وقال مقاتل : حرها ، كقوله في طه : { وَلَا تَضْحَى } ، يعني لا يؤذيك الحر .\r[2] { وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا } تبعها وذلك في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس ، تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور . وقال الزجاج : وذلك حين استدار يعني كمل ضوؤه فصار تابعا للشمس في الإنارة وذلك في الليالي البيض .\r[3] { وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا } ، يعني إذا جلى الظلمة كناية عن غير مذكور لكونه معروفا .\r[4] { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا } ، يعني يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق .\r[5] { وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا } ، قال الكلبي : ومن بناها وخلقها ، وقال عطاء : يريد والذي بناها . وقال الفراء والزجاج : ( ما ) بمعنى المصدر ، أي وبنائها كقوله : { بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي } .\r[6] { وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا } ، بسطها .\r[7] { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } ، عدل خلقها وسوى أعضاءها ، قال عطاء : يريد جميع ما خلق من الجن والإنس .","part":8,"page":149},{"id":3650,"text":"[8] { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } ، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة : بين لها الخير والشر . وقال في رواية عطية : علمها الطاعة والمعصية . وروى الكلبي عن أبي صالح عنه : عرفها ما تأتي وما تتقي . وقال سعيد بن جبير : ألزمها فجورها وتقواها . قال ابن زيد : جعل فيها ذلك يعني بتوفيقه إياها للتقوى ، وخذلانه إياها للفجور . واختار الزجاج هذا ، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان ، وهذا يبين أن الله - عز وجل - خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر الفجور .\r[9] { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } ، وهذا موضع القسم أي فازت وسعدت نفس زكاها الله ، أي أصلحها وطهرها من الذنوب ووفقها للطاعة .\r[10] { وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } ، أي خانت وخسرت نفس أضلها الله فأفسدها . وقال الحسن : معناه قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله - عز وجل - ، ( وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) أهلكها وأضلها وحملها على المعصية ، فجعل الفعل للنفس ، ودساها أصله : دسسها من التدسيس ، وهو إخفاء الشيء ، فأبدلت السين الثانية يا ء ، والمعنى هاهنا : أخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية .","part":8,"page":150},{"id":3651,"text":"[11] قوله - عز وجل - : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا } ، بطغيانها وعدوانها أي الطغيان حملهم على التكذيب .\r[12] { إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا } ، أي قام ، والانبعاث : هو الإسراع في الطاعة للباعث ، أي كذبوا بالعذاب وكذبوا صالحا لما انبعث أشقاها وهو قدار بن سالف ، وكان أشقر أزرق قصيرا قام لعقر الناقة .","part":8,"page":151},{"id":3652,"text":"[13] { فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ } ، صالح ، { نَاقَةَ اللَّهِ } ، أي احذروا عقر ناقة الله . وقال الزجاج : منصوب على معنى ذروا ناقة الله ، { وَسُقْيَاهَا } ، شربها أي ذروا ناقة الله وذروا شربها من الماء ، فلا تعرضوا للماء يوم شربها . [14 - 15] { فَكَذَّبُوهُ } ، يعني صالحا ، { فَعَقَرُوهَا } ، يعني الناقة . { فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ } ، قال عطاء ومقاتل : فدمر عليهم ربهم فأهلكهم . قال المدرج : الدمدمة الهلاك باستئصال . { بِذَنْبِهِمْ } ، بتكذيبهم الرسول وعقرها الناقة ، { فَسَوَّاهَا } ، فسوى الدمدمة عليهم جميعا ، وعمهم بها فلم يفلت منهم أحد . وقال الفراء : سوى الأمة وأنزل العذاب بصغيرها وكبيرها ، يعني سوى بينهم ، { وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا } ، عاقبتها . قال الحسن : معناه لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم . وهي رواية عن ابن عباس ، وقال الضحاك والسدي والكلبي : هو راجع إلى العاقر في الكلام تقديم وتأخير تقديره : إذا انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها .","part":8,"page":152},{"id":3653,"text":"( 92 ) سورة الليل\r[1] { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى } ، أي يغشى النهار بظلمة فيذهب بضوئه .\r[2] { وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى } ، بأن وظهر من بين الظلمة .\r[3] { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } ، يعني ومن خلق ، وقيل : هي ( ما ) المصدرية أي خلق الذكر والأنثى . قال مقاتل والكلبي : يعني آدم وحواء .\r[4] قوله { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } ، إن أعمالكم لمختلفة فساع في فكاك نفسه وساع في عطبها .\r[5] { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } ، ( أعطى ) ماله في سبيل الله ، ( واتقى ) ربه .\r[6] { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } ، قال أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك : وصدق بلا إله إلا الله ، وهي رواية عطية عن ابن عباس : وقال مجاهد : بالجنة . دليله قوله - تعالى - : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى } يعني الجنة . وقيل : صدق بالحسنى أي بالخلف ، أي أيقن أن الله - تعالى - سيخلفه . وهي رواية عكرمة عن ابن عباس . وقال قتادة ومقاتل والكلبي : بموعود الله - عز وجل - الذي وعده أي يفي به .\r[7] { فَسَنُيَسِّرُهُ } ، فسنهيئه في الدنيا ، { لِلْيُسْرَى } ، أي للخلة اليسرى وهي العمل بما يرضاه الله - عز وجل - .","part":8,"page":153},{"id":3654,"text":"[8] { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ } بالنفقة في الخير ، { وَاسْتَغْنَى } ، عن ثواب الله فلم يرغب فيه .\r[9 ، 10] { وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى }{ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } ، سنهينه للشر بأن نجريه على يديه حتى يعمل بما لا يرضي الله ، فيستوجب به النار . قال مقاتل : نعسر عليه أن يأتي خيرا .\r[11] { وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ } الذي بخل به ، { إِذَا تَرَدَّى } قال مجاهد : إذا مات . وقال قتادة وأبو صالح : هوى في جهنم .\r[12] { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى } ، يعني البيان . قال الزجاج : علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال ، وهو قول قتادة ، قال : على الله بيان حلاله وحرامه . قال الفراء : يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله ، كقوله - تعالى - : { وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ } ، يقول : من أراد الله فهو على السبيل القاصد .\r[13] { وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى } ، فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق .\r[14] { فَأَنْذَرْتُكُمْ } ، يا أهل مكة { نَارًا تَلَظَّى } ، أي تتلظى يعني تتوقد وتتوهج .","part":8,"page":154},{"id":3655,"text":"[15 - 16] { لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى }{ الَّذِي كَذَّبَ } ، الرسول ، { وَتَوَلَّى } ، عن الإيمان .\r[17] { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى } ، يريد بالأشقى الشقي ، وبالأتقى التقي .\r[18] { الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ } ، يعطي ماله ، { يَتَزَكَّى } ، يطلب أن يكون عند الله زاكيا لا رياء ولا سمعة ، يعني أبا بكر الصديق ، في قول الجميع ، قال ابن الزبير : كان أبو بكر يبتاع الضعفة فيعتقهم ، فقال أبوه : أي بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك؟ قال : منع ظهري أريد ، فنزل : { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى } إلى آخر السورة .\r[19] { وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى } ، يد يكافئه عليها .\r[20] { إِلَّا } ، لكن { ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى } ، يعني لا يفعل ذلك مجازاة لأحد بيد له عنده ، ولكنه يفعله ابتغاء وجه ربه الأعلى في الدار الآخرة .\r[21] { وَلَسَوْفَ يَرْضَى } بما يعطيه الله - عز وجل - في الآخرة من الجنة والكرامة جزاء على ما فعل .","part":8,"page":155},{"id":3656,"text":"( 93 ) سورة الضحى\r[1] قوله - عز وجل - : { وَالضُّحَى } ، أقسم بالضحى وأراد به النهار كله بدليل أنه قابله بالليل إذا سجى ، نظيره قوله : { أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى } ، أي نهارا . وقال قتادة ومقاتل : يعني وقت الضحى ، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس ، واعتدال النهار في الحر والبرد والصيف والشتاء ،\r[2] { وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى } ، قال الحسن : أقبل بظلامه ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ، وقال الوالبي عنه : إذا ذهب ، قال عطاء والضحاك : غطى كل شيء بالظلمة . وقال مجاهد : استوى . وقال قتادة وابن زيد : سكن واستقر ظلامه فلا يزداد بعد ذلك . يقال : ليل ساج وبحر ساج إذا كان ساكنا .\r[3] { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } هذا جواب القسم : أي ما تركك منذ اختارك ولا أبغضك منذ أحبك .\r[4 - 5] { وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى }{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } ، قال عطاء عن ابن عباس : هو الشفاعة في أمته حتى يرضى ، وهو قول علي والحسن ، قيل : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ ) من الثواب . وقيل : من النصر والتمكين وكثرة المؤمنين ، ( فَتَرْضَى) .","part":8,"page":156},{"id":3657,"text":"ثم أخبره الله - عز وجل - عن حالته التي كان عليها قبل الوحي ، وذكره نعمه فقال - جل ذكره - :\r[6] { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى } ، ألم يجدك يتيما صغيرا فقيرا حين مات أبواك ولم يخلفا لك مالا ولا مأوى ، فجعل لك مأوى تأوي إليه ، وضمك إلى عمك أبي طالب حتى أحسن تربيتك وكفاك المؤنة .\r[7] { وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى } ، يعني ضالا عما أنت عليه فهداك للتوحيد والنبوة : قال الحسن والضحاك وابن كيسان : ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا ) عن معالم النبوة وأحكام الشريعة غافلا عنها ، فهداك إليها ، وقيل : ضالا في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبد المطلب .\r[8] { وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى } أي فقيرا فأغناك بمال خديجة ثم بالغنائم ، وقال مقاتل : فرضاك بما أعطاك من الرزق واختاره الفراء . وقال : لم يكن غنيا عن كثرة المال ولكن الله رضاه بما آتاه وذلك حقيقة الغنى . ثم أوصاه باليتامى والفقراء .\r[9] فقال : { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ } ، قال مجاهد : لا تحتقر اليتيم فقد كنت يتيما . وقال الفراء والزجاج : لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه ، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى ، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم .","part":8,"page":157},{"id":3658,"text":"[10] { وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ } ، قال المفسرون : يريد السائل على الباب ، يقول : لا تنهره لا تزجره إذا سألك ، فقد كنت فقيرا فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردا لينا ، يقال : نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره . قال قتادة : رد السائل برحمة ولين ، وروي عن الحسن في قوله : ( أما السائل فلا تنهر ) ، قال : طالب العلم .\r[11] { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } ، قال مجاهد : يعني النبوة ، وقال الليث عن مجاهد : يعني القرآن وهو قول الكلبي ، أمره أن يقرأه ، وقال مقاتل : أشكر لما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من جبر اليتيم والهدي بعض الضلالة والإغناء بعد العيلة ، والتحدث بنعمة الله شكرا .","part":8,"page":158},{"id":3659,"text":"( 94 ) سورة الشرح\r[1] { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } ألم نفتح ونوسع ونلين لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة؟\r{ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ } ، قال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك : حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية ، وقال الحسين بن الفضل : يعني الخطأ والسهو . وقيل : ذنوب أمتك فأضافها إليه لاشتغال قلبه بهم .\r[3] { الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ } ، أثقل ظهرك فأوهنه حتى سمع له نقيض أي صوت . وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة : يعني خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها .\r\r[4] { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - « أنه سأل جبريل عليه السلام عن هذه الآية ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) ، قال : قال الله - تعالى - : \"إذا ذكرت ذكرت معي » (1) وعن الحسن قال : ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) إذا ذكرت ذكرت . وقال عطاء عن ابن عباس : يريد الأذان والإقامة والتشهد والخطبة على المنابر ولو أن عبدا عبد الله وصدقه في كل شيء ، ولم يشهد أن محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء ، وكان كافرا . ثم وعده اليسر والرخاء بعد الشدة ، وذلك أنه كان بمكة في شدة .\r_________\r(1) أخرجه الطبري ( 30 / 235 ) وأبو يعلى في المسند ( 2 / 131 ) وابن حبان برقم ( 1772 ) ص 439 من موارد الظمآن وفيه ابن لهيعة وقد اختلط ، وروايات دراج عن أبي الهيثم فيها ضعف .","part":8,"page":159},{"id":3660,"text":"[5 - 6] فقال . { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا }{ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } أي مع الشدة التي أنت فيها من جهاد المشركين يسرا ورخاء بأن يظهرك عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به ، إن مع العسر يسرا كرره لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء . وقال الحسن لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « أبشروا قد جاءكم اليسر ، لن يغلب عسر يسرين » .\r[7] { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ } ، أي فاتعب والنصب : التعب ، قال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والكلبي : فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء ، وارغب إليه في المسألة يعطك . وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه قال : إذا صليت فاجتهد في الدعاء والمسألة . وقال ابن مسعود : إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل . وقال الشعبي : إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك . وقال الحسن وزيد بن أسلم : إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ربك . وقال منصور عن مجاهد : إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب في عبادة ربك وصل . وقال حيان عن الكلبي : إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب ، أي : استغفر لذنبك وللمؤمنين .","part":8,"page":160},{"id":3661,"text":"[8] { وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } ، قال عطاء : تضرع إليه راهبا من النار راغبا في الجنة . وقيل : فارغب إليه في جميع أحوالك . قال الزجاج : أي اجعل رغبتك إلى الله وحده .","part":8,"page":161},{"id":3662,"text":"( 95 ) سورة التين\r[1] { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } ، قال ابن عباس : هو تينكم الذي تأكلونه وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت . وقيل : خص التين بالقسم لأنها فاكهة مختصة لا عجم فيها ، شبيهة بفواكه الجنة . والزيتون شجرة مباركة جاء بها الحديث وهو تمر ودهن يصلح للاصطباغ والاصطباح . وقال عكرمة : هما جبلان . قال قتادة : التين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس لأنهما ينبتان التين والزيتون . وقال الضحاك : هما مسجدان بالشام . قال ابن زيد : التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس . وقال محمد بن كعب : التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيليا .\r[2] { وَطُورِ سِينِينَ } ، يعني الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وذكرنا معناه عند قوله : { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ } .\r[3] { وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ } ، أي الآمن ، يعني مكة يأمن فيه الناس في الجاهلية والإسلام ، هذه أقسام والمقسم عليه قوله :","part":8,"page":162},{"id":3663,"text":"[4] { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } ، أعدل قامة وأحسن صورة ، وذلك أنه خلق كل حيوان منكبا على وجهه إلا الانسان خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده مزينا بالعقل والتمييز .\r[5] { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } ، يريد إلى الهرم وأرذل العمر ، فينقص عقله ويضعف بدنه ، والسافلون هم الضعفاء والزمني والأطفال ، فالشيخ الكبير من هؤلاء جميعا ، وأسفل سافلين نكرة تعم الجنس وفي مصحف عبد الله ( أسفل السافلين ) . وقال الحسن وقتادة ومجاهد : يعني ثم رددناه إلى النار ، يعني إلى أسفل السافلين ، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض .\r[6] ثم استثنى فقال : { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا } ، فإنهم لا يردون إلى النار . ومن قال بالقول الأول قال : رددناه أسفل سافلين ، فزالت عقولهم وانقطعت أعمالهم ، فلا يكتب لهم حسنة إلا الذين آمنوا . { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، فإنه يكتب لهم بعد الهرم ، والخرف ، مثل الذي كانوا يعملون في حال الشباب والصحة { فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } ، غير مقطوع لأنه يكتب له كصالح ما كان يعمل . قال الضحاك : أجر بغير عمل ثم قال : إلزاما للحجة .","part":8,"page":163},{"id":3664,"text":"[7] { فَمَا يُكَذِّبُكَ } ، أيها الإنسان { بَعْدُ } ، أي بعد هذه الحجة والبرهان ، { بِالدِّينِ } ، بالحساب والجزاء والمعنى ، ألا تتفكر في صورتك وشبابك وهرمك فتعتبر وتقول إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني ، فما الذي يكذبك بالمجازاة بعد هذه الحجج .\r[8] { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ } ، بأقضى القاضين ، قال مقاتل : يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد .","part":8,"page":164},{"id":3665,"text":"( 96 ) سورة العلق\r[1] { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } ، أكثر المفسرين : على أن هذه أول سورة نزلت من القرآن ، وأول ما نزل خمس آيات من أولها إلى قوله : { مَا لَمْ يَعْلَمْ } والمعنى : اذكر اسمه ، أمر أن يبتدئ القراءة باسم الله تأديبا ، { الَّذِي خَلَقَ } قال الكلبي : يعني الخلائق ثم فسره فقال :\r[2] { خَلَقَ }{ خَلَقَ } يعني ابن آدم ، { مِنْ عَلَقٍ } ، جمع علقة .\r[3] { اقْرَأْ } ، كرره تأكيدا ، ثم استأنف فقال : { وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } ، فقال الكلبي : الحليم عن جهل العباد لا يعجل عليهم بالعقوبة .\r[4] { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } ، يعني الخط والكتابة .\r[5] { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ، من أنواع الهدى والبيان . وقيل : علم آدم الأسماء كلها . وقيل : الإنسان هاهنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، بيانه : { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } .\r[6] { كَلَّا } ، حقا { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى } ، ليتجاوز حده ويستكبر على ربه .\r[7] { أَنْ } ، لأن ، { رَآهُ اسْتَغْنَى } ، أن رأى نفسه غنيا ، قال الكلبي : يرتفع عن منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام وغيرهما .","part":8,"page":165},{"id":3666,"text":"[8] { إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى } ، أي المرجع في الآخرة .\r[9 ، 10] { أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى }{ عَبْدًا إِذَا صَلَّى } ، نزلت في أبي جهل نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة ، ومعنى أرأيت هاهنا تعجيب للمخاطب ، وكرر هذه اللفظة للتأكيد .\r[11] { أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى } ، يعني العبد المنهي ، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - .\r[12] { أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى } ، يعني بالإخلاص والتوحيد .\r[13] { أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ } ، يعني أبا جهل ، { وَتَوَلَّى } ، عن الإيمان ، وتقدير نظم الآية : { أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى }{ عَبْدًا إِذَا صَلَّى } وهو على الهدى ، وأمر بالتقوى ، والناهي مكذب متول عن الإيمان ، فما أعجب من هذا !\r[14] { أَلَمْ يَعْلَمْ } ، يعني أبا جهل ، { بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } ، ذلك فيجازيه به .","part":8,"page":166},{"id":3667,"text":"[15] { كَلَّا } ، لا يعلم ذلك ، { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ } ، عن إيذاء محمد - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبه ، { لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ } ، لنأخذن بناصيته فلنجرنه من النار ، كما قال : { فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ } ، يقال : سفعت بالشيء إذا أخذته وجذبته جذبا شديدا ، والناصية : شعر مقدم الرأس .\r[16] ثم قال على البدل : { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } ، أي صاحبها كاذب خاطئ ، قال ابن عباس : لما نهى أبو جهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة انتهره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال أبو جهل : أتنتهرني؟ فوالله لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا .\r[17] قال الله - عز وجل - : { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } ، أي قومه وعشيرته ، أي فليستنصر بهم .\r[18] { سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ } ، جمع زبنى مأخوذ من الزبن ، وهو الدفع ، قال ابن عباس : يريد زبانية جهنم سموا بها لأنهم يدفعون أهل النار إليها ، قال الزجاج : هم الملائكة الغلاظ الشداد ، قال ابن عباس : لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله .","part":8,"page":167},{"id":3668,"text":"[19] ثم قال : { كَلَّا } ، ليس الأمر على ما عليه أبو جهل ، { لَا تُطِعْهُ } ، في ترك الصلاة ، { وَاسْجُدْ } ، صل لله ، { وَاقْتَرِبْ } ، من الله .","part":8,"page":168},{"id":3669,"text":"( 97 ) سورة القدر\r[1] { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } ، يعني القرآن كناية عن غير مذكور ، أنه أنزله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، فوضعه في بيت العزة ، ثم كان ينزل به جبريل عليه السلام نجوما في عشرين سنة .","part":8,"page":169},{"id":3670,"text":"[2] ثم عجب نبيه فقال : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } ، سميت ليلة القدر لأنها ليلة تقدير الأمور والأحكام ، يقدر الله فيها أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة ، كقوله - تعالى - : { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } واختلفوا في وقتها فقال بعضهم : إنها كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رفعت ، وعامة الصحابة والعلماء على أنها باقية إلى يوم القيامة . وقال بعضهم : هي ليلة من ليالي السنة ، والجمهور من أهل العلم : على أنها في شهر رمضان ، واختلفوا في تلك الليلة ، قال أبو رزين العقيلي : هي أول ليلة من شهر رمضان . وقال الحسن : ليلة سبع عشرة ، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر . والصحيح والذي عليه الأكثرون : أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان ، أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي رمضان طمعا في إدراكها ، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس ، واسمه الأعظم في الأسماء ، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها ، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها ، وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرا من قيامها","part":8,"page":170},{"id":3671,"text":".\r[3] { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } : معناه عمل صالح في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر .\r[4] قوله - عز وجل - : { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ } ، يعني جبريل عليه السلام معهم ، { فِيهَا } ، أي في ليلة القدر ، { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ } ، أي بكل أمر من الخير والبركة ، كقوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } أي بأمر الله .","part":8,"page":171},{"id":3672,"text":"[5] { سَلَامٌ } ، قال عطاء : يريد سلام على أولياء الله وأهل طاعته . قال الشعبي : هو تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر . قال الكلبي : الملائكة ينزلون فيها كلما لقوا مؤمنا أو مؤمنة سلموا عليه من ربه حتى يطلع الفجر . وقيل : تم الكلام عند قوله : { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ } ثم ابتدأ فقال : { سَلَامٌ هِيَ } أي ليلة القدر سلام وخير كلها ، ليس فيها شر . قال الضحاك : لا يقدر الله في تلك الليلة ولا يقضي إلا السلامة . وقال مجاهد : يعني أن ليلة القدر سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ، ولا أن يحدث فيها أذى ، { حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } ، أي إلى مطلع الفجر .","part":8,"page":172},{"id":3673,"text":"( 98 ) سورة البينة\r[1] { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } ، وهم اليهود والنصارى ، { وَالْمُشْرِكِينَ } ، وهم عبدة الأوثان ، { مُنْفَكِّينَ } ، زائلين منفصلين ، يقال : فككت الشيء فانفك أي انفصل ، { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } ، لفظه مستقبل ومعناه الماضي أي حتى أتتهم الحجة الواضحة ، يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - أتاهم بالقرآن فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإسلام والإيمان ، فهذه الآية فيمن آمن من الفريقين ، أخبر أنهم لم ينتهوا عن الكفر حتى أتاهم الرسول فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا فأنقذهم الله من الجهل والضلالة .\r[2] ثم فسر البينة فقال : { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو } ، يقرأ ، { صُحُفًا } ، كتابا ، يريد ما يتضمنه الصحف من المكتوب فيها ، وهو القرآن لأنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب ، قوله : { مُطَهَّرَةً } ، من الباطل والكذب والزور .\r[3] { فِيهَا } ، أي في الصحف ، { كُتُبٌ } ، يعني الآيات والأحكام المكتوبة فيها ، { قَيِّمَةٌ } ، عادلة مستقيمة غير ذات عوج .","part":8,"page":173},{"id":3674,"text":"[4] ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال : { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } ، في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ، { إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } ، أي البيان في كتبهم أنه نبي مرسل . قال المفسرون : لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى بعثه الله ، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا ، فآمن به بعضهم ، وكفر آخرون . ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال :\r[5] { وَمَا أُمِرُوا } ، يعني هؤلاء الكفار ، { إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ } يعني إلا أن يعبدوا الله ، { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ، قال ابن عباس : ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بإخلاص العبادة لله موحدين { حُنَفَاءَ } ، مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام ، { وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ } ، المكتوبة في أوقاتها { وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ } ، عند محلها ، { وَذَلِكَ } ، الذي أمروا به ، { دِينُ الْقَيِّمَةِ } ، أي الملة والشريعة المستقيمة . وقيل : القيمة هي الكتب التي جرى ذكرها ، أي وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به .","part":8,"page":174},{"id":3675,"text":"[6] ثم ذكر ما للفريقين فقال : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } .\r[7 - 8] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ }{ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } ، وتناهى عن المعاصي ، وقيل : الرضا ينقسم إلى قسمين رضا به ورضا عنه ، فالرضا به : ربا ومدبرا ، والرضا عنه : فيما يقضي ويقدر .","part":8,"page":175},{"id":3676,"text":"( 99 ) سورة الزلزلة\r[1] { إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ } ، حركت الأرض حركة شديدة لقيام الساعة ، { زِلْزَالَهَا } ، تحريكها .\r[2] { وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا } ، موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها .\r[3] { وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا } ؟ قيل : في الآية تقديم وتأخير تقديره :\r[4] { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } ، فيقول الإنسان ما لها ، أي تخبر الأرض بما عمل عليها .\r[5] { بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا } أي أمرها بالكلام وأذن لها بأن تخبر بما عمل عليها .\r[6] قوله - تعالى - : { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ } ، يرجع الناس عن موقف الحساب بعد العرض ، { أَشْتَاتًا } ، متفرقين فأخذ ذات اليمين إلى الجنة وأخذ ذات الشمال إلى النار { لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ } ، قال ابن عباس : ليروا جزاء أعمالهم ، والمعنى أنهم يرجعون عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من الجنة والنار .\r[7] { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } ، وزن نملة صغيرة أصغر ما يكون من النمل . { خَيْرًا يَرَهُ }","part":8,"page":176},{"id":3677,"text":"[8] { وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } ، قال ابن عباس : ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرا أو شرا في الدنيا إلا أراه الله له يوم القيامة ، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته ، وأما الكافر فيرد حسناته ويعذب بسيئاته .","part":8,"page":177},{"id":3678,"text":"( 100 ) سورة العاديات\r[1] { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } هي الخيل العادية في سبيل الله تضبح ، والضبح صوت أجوافها إذا عدت ، \"قوله : ( ضَبْحًا) نصب على المصدر ، مجازه : والعاديات تضبح ضبحا . وقال علي : هي الإبل في الحج تعدو من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى .\r[2] { فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا } هي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة ، يعني والقادحات قدحا يقدحن بحوافرهن ، وقال مجاهد وزيد بن أسلم : هي مكر الرجال ، يعني رجال الحرب ، والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه : أما والله لأقدحن لك ثم لأورين لك .\r[3] { فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا } ، هي الخيل تغير بفرسانها على العدو عند الصباح ، هذا قول أكثر المفسرين . وقال القرظي : هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى ، والسنة ألا تدفع حتى تصبح والإغارة سرعة السير .\r[4] { فَأَثَرْنَ بِهِ } ، أي هيجن بمكان سيرها كناية عن غير مذكور لأن المعنى مفهوم ، { نَقْعًا } ، غبارا والنقع الغبار .\r[5] { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا } ، أي دخلن به وسط العدو ، قال القرظي : يعني جمع منى أقسم الله بهذه الأشياء .","part":8,"page":178},{"id":3679,"text":"[6] { إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : لكنود لكفور جحود لنعم الله - تعالى - . قال الكلبي : هو بلسان مضر وربيعة : الكفور ، وبلسان كندة وحضرموت : العاصي . وقال الحسن : هو الذي يعد المصائب وينسى النعم . وقال عطاء : هو الذي لا يعطي في النائبة مع قومه . وقال أبو عبيدة : هو قليل الخير ، والأرض الكنود التي لا تنبت شيئا .\r[7] { وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } ، قال أكثر المفسرين : وإن الله على كونه كنودا لشاهد . وقال ابن كيسان : الهاء راجعة إلى الإنسان أي إنه شاهد على نفسه بما يصنع .\r[8] { وَإِنَّهُ } ، يعني الانسان { لِحُبِّ الْخَيْرِ } ، أي لحب المال ، { لَشَدِيدٌ } أي لبخيل ، أي إنه من أجل حب المال لبخيل . يقال للبخيل : شديد ومتشدد . وقيل : معناه وإنه لحب الخير لقوي أى شديد الحب للخير ، أي المال .\r[9] { أَفَلَا يَعْلَمُ } ، هذا الإنسان ، { إِذَا بُعْثِرَ } ، أثير وأخرج ، { مَا فِي الْقُبُورِ } .\r[10] { وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ } ، أي ميز وأبرز ما فيها من خير أو شر .","part":8,"page":179},{"id":3680,"text":"[11] { إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ } ، جمع الكناية لأن الإنسان اسم الجنس ، { يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ } ، عالم ، قال الزجاج : الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره ولكن المعنى أنه يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم .","part":8,"page":180},{"id":3681,"text":"( 101 ) سورة القارعة\r[1] { الْقَارِعَةُ } ، اسم من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بالفزع .\r[2] { مَا الْقَارِعَةُ } ، تهويل وتعظيم .\r[3 - 4] { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ }{ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ } ، الفراش الطير التي تراها تتهافت في النار والمبثوث المفرق . وقال الفراء : كغوغاء الجراد شبه الناس عند البعث بها يموج بعضهم في بعض ويركب بعضهم بعضا من الهول كما قال : { كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ } .\r[5] { وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ } ، كالصوف المندوف .\r[6 - 7] { فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } ، رجحت حسناته ، { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } ، مرضية في الجنة . قال الزجاج : ذات رضا يرضاها صاحبها .\r[8] { وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } ، رجحت سيئاته على حسناته .","part":8,"page":181},{"id":3682,"text":"[9] { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } ، مسكنه النار سمي المسكن أما لأن الأصل في السكون إلى الأمهات ، والهاوية اسم من أسماء جهنم ، وهو الهواة لا يدرك قعرها ، وقال قتادة : وهي كلمة عربية كان الرجل إذا وقع في أمر شديد ، يقال : هوت أمه . وقيل : أراد أم رأسه يعني أنهم يهوون في النار على رءوسهم ، وإلى هذا التأويل ذهب قتادة وأبو صالح .\r[10] { وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ } يعني الهاوية وأصلها ما هي أدخل الهاء فيها للوقف ثم فسرها .\r[11] فقال : { نَارٌ حَامِيَةٌ } ، أي حارة قد انتهى حرها .","part":8,"page":182},{"id":3683,"text":"( 102 ) سورة التكاثر\r[1] { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } ، شغلتكم المباهات والمفاخرة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وما ينجيكم من سخطه .\r[2] { حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } ، حتى متم ودفنتم في المقابر ، ثم رد الله عليهم فقال :\r[3] { كَلَّا } ، ليس الأمر بالتكاثر ، { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ، وعيد لهم ، ثم تكرره تأكيدا فقال :\r[4] { ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ، قال الحسن ومقاتل : هو وعيد بعد وعيد والمعنى سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نزل بكم الموت . وقال الضحاك : ( كلا سوف تعلمون ) يعني الكفار ، ( ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) يعني المؤمنين وكان يقرأ الأولى بالتاء والثانية بالياء .\r[5] { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } ، أي علما يقينا فأضاف العلم إلى اليقين كقوله : { لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } ، وجواب ( لو ) محذوف أي لو تعلمون علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر . قال قتادة : كنا نتحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت .","part":8,"page":183},{"id":3684,"text":"[6] { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ } ، قرأ ابن عامر والكسائي ( لَتَرَوُنَّ) بضم التاء من أريته الشيء ، وقرأ الآخرون : بفتح التاء أي ترونها بأبصاركم من بعد .\r[7] { ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا } ، مشاهدة { عَيْنَ الْيَقِينِ } .\r[8] { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } عن ابن مسعود رفعه قال : { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } قال : \"الأمن والصحة\" . وقال قتادة : إن الله يسأل كل ذي نعمة عما أنعم عليه . وروي عن ابن عباس قال : النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العبيد فيم استعملوها ، وهو بذلك منهم ، قال عكرمة : عن الصحة والفراغ والمال ، قال محمد بن كعب : يعني عما أنعم عليكم بمحمد -صلى الله عليه وسلم- . وقال أبو العالية : عن الإسلام والسنن . وقال الحسين بن الفضل : تخفيف الشرائع وتيسير القرآن .","part":8,"page":184},{"id":3685,"text":"( 103 ) سورة العصر\r[1] { وَالْعَصْرِ } ، قال ابن عباس : والدهر . قيل : أقسم به لأن فيه عبرة للناظر . وقيل : معناه ورب العصر ، وكذلك في أمثاله . وقال ابن كيسان : أراد بالعصر الليل والنهار ، يقال لهما العصران . وقال الحسن : من بعد زوال الشمس إلى غروبها . وقال قتادة : آخر ساعة من ساعات النهار . وقال مقاتل : أقسم بصلاة العصر وهي الصلاة الوسطى .\r[2] { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } ، أي خسران ونقصان ، قيل : أراد به الكافر بدليل أنه استثنى المؤمنين ، والخسران ذهاب رأس مال الإنسان في هلاك نفسه وعمره بالمعاصي ، وهما أكبر رأس ماله .\r[3] { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، فإنهم ليسوا في خسران ، { وَتَوَاصَوْا } ، أوصى بعضهم بعضا ، { بِالْحَقِّ } ، بالقرآن قاله الحسن وقتادة ، وقال مقاتل : بالإيمان والتوحيد ، { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } ، على أداء الفرائض وإقامة أمر الله . وروى ابن عون عن إبراهيم قال : أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم لفي نقص وتراجع إلا المؤمنين فإنهم يكتب لهم أجورهم ومحاسن أعمالهم التي كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم .","part":8,"page":185},{"id":3686,"text":"( 104 ) سورة الهمزة\r[1] { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } ، قال ابن عباس : هم المشاءون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الباغون للبرآء العنت ، ومعناهما واحد وهو العياب . وقال مقاتل : الهمزة الذي يعيبك في الغيب ، واللمزة الذي يعيبك في الوجه . وقال أبو العالية والحسن : بضده ، وقال سعيد بن جبير وقتادة : الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم ، واللمزة الطعان عليهم . وقال ابن زيد : الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم ، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم . وقال سفيان الثوري : ويهمز بلسانه ويلمز بعينيه . ومثله قال ابن كيسان : الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ ، واللمزة الذي يومض بعينه ويشير برأسه ، ويرمز بحاجبه . وهما لغتان للفاعل نحو سخرة وضحكة للذي يسخر ويضحك من الناس ، وأصل الهمز : الكسر والعض على الشيء بالعنف .\r[2] ثم وصفه فقال : { الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ } ، أحصاه ، وقال مقاتل : استعده وادخره وجعله عتادا له ، يقال : أعددت الشيء وعددته إذا أمسكته .\r[3] { يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } ، في الدنيا يظن أنه لا يموت مع يساره .","part":8,"page":186},{"id":3687,"text":"[4] { كَلَّا } رد عليه أن لا يخلده ماله ، { لَيُنْبَذَنَّ } ، ليطرحن ، { فِي الْحُطَمَةِ } ، في جهنم ، والحطمة من أسماء النار مثل سقر ولظى سميت حطمة لأنها تحطم العظام وتكسرها .\r[5- 7] { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ }{ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ }{ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ } ، أي التي بلغ ألمها ووجعها إلى القلوب ، والاطلاع والبلوغ التطلع بمعنى واحد ، يحكى عن العرب متى طلعت أرضنا أي بلغت ، ومعنى الآية : أنها تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤاده ، قاله القرظي والكلبي .\r[8] { إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ } ، مطبقة مغلقة .","part":8,"page":187},{"id":3688,"text":"[9] { فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } ، قال ابن عباس : أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد ، وفي أعناقهم السلاسل سدت عليهم بها الأبواب ، وقال قتادة : بلغنا أنها عمد يعذبون بها في النار . وقيل : هي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار ، أي أنها مطبقة عليهم بأوتاد ممددة وهي في قراءة عبد الله ( بعمد ) بالباء ، قال مقاتل : أطبقت الأبواب عليهم ثم سدت بأوتاد من حديد من نار حتى يرجع عليهم غمها وحرها فلا يفتف عليهم باب ولا يدخل عليهم ريح ، والممددة من صفة العمد ، أي مطولة فتكون أرسخ من القصيرة .","part":8,"page":188},{"id":3689,"text":"( 105 ) سورة الفيل\r[1] { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } أبرهة بالعننص بن الصياح وأتباعه الذين قصدوا هدم الكعبة\" .\r[2] { أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ } ، كيدهم يعني مكرهم وسعيم في تخريب الكعبة . وقوله : في تضليل عما أرادوإ ، ضلل كيدهم حتى لم يصلوا إلى الكعبة ، وإلى ما أرادوه بكيدهم . وقال مقاتل : في خسارة وقيل : في بطلان .\r[3] { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ } ، كثيرة متفرقة يتبع بعضها بعضا . وقيل : أقاطيع كالإبل المؤبلة . قال أبو عبيدة : أبابيل جماعات في تفرقة ، يقال . جاءت الخيل أبابيل من ههنا وههنا . قال ابن عباس : كانت طيرا لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب . وقال عكرمة : لها رؤوس كرؤوس السباع . قال الربيع : لها أنياب كأنياب السباع . وقال سعيد بن جبير : خضر لها مناقير صفر . وقال قتادة : طير سود جاءت من قبل البحر فوجا فوجا مع كل طائر ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره لا تصيب شيثا إلا هشمته .","part":8,"page":189},{"id":3690,"text":"[4] { تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ } ، قال ابن مسعود صاحت الطير ورمتهم بالحجارة فبعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدة فما وقع منها حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر ، وإن وقع على رأسه خرج من دبره .\r[5] { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ } ، كزرع وتين أكلته الدواب فراثته فيبس وتفرقت أجزاؤه ، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث . قال مجاهد : العصف ورق الحنطة . وقال قتادة : هو التبن . وقال عكرمة : كالحب إذا أكل فصار أجوف . وقال ابن عباس : هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف له .","part":8,"page":190},{"id":3691,"text":"[106] سورة قريش\r[1] { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ } عد بعضهم سورة الفيل . \" وهذه السورة واحدة لا فصل بينهما وقالوا : اللام في { لِإِيلَافِ } تتعلق بالسورة التي قبلها ، وذلك أن الله - تعالى - ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة ، وقال : { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ } وقال الزجاج : المعنى جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش ، أي هلك أصحاب الفيل لتبقى قريش ، وما ألفوا من رحلة الشتاء والصيف . وقال مجاهد : ألفوا ذلك فلا يشق عليهم في الشتاء والصيف . والعامة على أنهما سورتان ، واختلفوا في العلة الجالبة للام في قوله : ( لإيلاف ) قال الكسائي والأخفش : هي لام التعجب ، يقول : اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف ، وتركهم عبادة رب البيت . وقال الزجاج : هي مردودة إلى ما بعدها تقديره : فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف . وقال ابن عيينة : لنعمتي على قريش ، وقريش هم ولد النضر بن كنانة ، وكل من ولده النضر فهو قرشي ، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي .","part":8,"page":191},{"id":3692,"text":"[2] قوله - تعالى - : { إِيلَافِهِمْ } ، بدل من الإيلاف الأول ، { رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ } , { رِحْلَةَ } نصب على المصدر ، أي ارتحالهم رحلة الشتاء والصيف ، كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة إحداهما في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفأ ، والأخرى في الصيف إلى الشام . وكان الحرم واديا جدبا لا زرع فيه ولا ضرع ، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم ، وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء ، كانوا يقولون : قريش سكان حرم الله وولاة بيته ، فلولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة وأمرهم الله بعبادة رب البيت فقال :\r[3] { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ } ، أي الكعبة .\r[4] { الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ } أي من بعد جوع بحمل الميرة إلى مكة ، { وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } ، بالحرم وكونهم من أهل مكة حتى لم يتعرض لهم في رحلتهم .","part":8,"page":192},{"id":3693,"text":"( 107 ) سورة الماعون\r[1] { أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } ، أي بالجزاء والحساب .\r[2] { فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ } ، يقهره ويدفعه عن حقه ، والدع : الدفع بالعنف والجفوة .\r[3] { وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } ، لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه لأنه يكذب بالجزاء .\r[4 - 5] { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ }{ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } ، سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) ، قال : \"إضاعة الوقت \" (1) ، قال ابن عباس : هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس ، ويصلونها في العلانية إذا حضروا .\r_________\r(1) أخرجه البيهقي في السنن ( 2 / 214 ) مرفوعا وموقوفا ، وأبو يعلى في المسند موقوفا ( 1 / 336 ) والطبري ( 30 / 311 ) والمصنف في شرح السنة ( 2 / 246 ) .","part":8,"page":193},{"id":3694,"text":"[6] لقوله - تعالى - : { الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ } ، وقال في وصف المنافقين : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ } ، وقال قتادة : ساه عنها لا يبالي صلى أم لم يصل . قيل : لا يرجون لها ثوابا إن صلوا ولا يخافون عقابا إن تركوا . وقال مجاهد : غافلون عنها يتهاونون بها . وقال الحسن : هو الذي إن صلاها صلاها رياء ، وإن فاتته لم يندم . وقال أبو العالية : لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون ركوعها وسجودها .\r[7] { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } ، روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : هي الزكاة . وقال عبد الله بن مسعود : الماعون الفأس والدلو والقدر وأشباه ذلك . وقال مجاهد : الماعون العارية . وقال عكرمة : أعلاها الزكاة المعروفة ، وأدناها عارية المتاع . وقيل : الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار .","part":8,"page":194},{"id":3695,"text":"( 108 ) سورة الكوثر\r[1] { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } عن ابن عباس قال : الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه . قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير : إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد : النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه . قال الحسن : هو القرآن . قال عكرمة : النبوة والكتاب . والمعروف : أنه نهر في الجنة أعطاه الله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الحديث .\r[2] قوله - عز وجل - : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } ، قال محمد بن كعب : إن أناسا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله ، فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي وينحر لله - عز وجل - . وقال عكرمة وعطاء وقتادة : فصل لربك صلاة العيد يوم النحر وانحر نسكك . وقال سعيد بن جبير ومجاهد : فصل الصلوات المفروضة بجمع ، وانحر البدن بمنى .\r[3] قوله - تعالى - : { إِنَّ شَانِئَكَ } ، عدوك ومبغضك ، { هُوَ الْأَبْتَرُ } ، هو الأقل الأذل المنقطع دابره .","part":8,"page":195},{"id":3696,"text":"( 109 ) سورة الكافرون\r[1 - 2] { قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ }{ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } ، في الحال .\r[3 - 5] { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } ، في الحال ، { وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ } ، في الاستقبال { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } ، في الاستقبال ، وهذا خطاب لمن سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون ، وذلك أنهم قالوا : إن سرك أن ندخل في دينك عاما فادخل في ديننا عاما ، فنزلت هذه السورة .\r[6] { لَكُمْ دِينُكُمْ } ، في الشرك, { وَلِيَ دِينِ } الإسلام .","part":8,"page":196},{"id":3697,"text":"[110] سورة النصر\r\r[1] { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } يا محمد على من عاداك وهم قريش, والفتح فتح مكة .\r[2] { وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا } , زمرا وأرسالا القبيلة بأسرها والقوم بأجمعهم من غير قتال . قال الحسن : لما فتح الله - عز وجل - مكة على رسوله قالت العرب بعضها البعض : إذا ظفر محمد بأهل الحرم, وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل, فليس لكم به يدان, فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا بعد أن كانوا يدخلون واحدا واحدا, واثنين اثنين .\r[3] { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } , فإنك حينئذ لاحق به, قال ابن عباس : لما نزلت هذه السورة علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نعيت إليه نفسه . قال الحسن : أعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والتوبة ليختم له بالزيادة في العمل الصالح . قال قتادة ومقاتل : عاش النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه السورة سبعين يوما .","part":8,"page":197},{"id":3698,"text":"[111] سورة المسد\r[1] { تَبَّتْ } أي خابت وخسرت { يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } أي هو, أخبر عن يديه والمراد به نفسه على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله . وقيل : اليد صلة, كما يقال : يد الدهر ويد الرزايا والبلايا . وقيل : المراد به ماله وملكه, يقال : فلان قليل ذات اليد, يعنون به المال والثياب والخسار والهلاك . وأبو لهب هو ابن عبد المطلب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - واسمه عبد العزى وتب أبو لهب , وقرأ عبد الله : وقد تب . قال الفراء : الأول دعاء, والثاني خبر, كما يقال : أهلكه الله, وقد فعل .\r[2] { مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ } أي ما يغني, وقيل : أي شيء عنه ماله, أي ما يدفع عنه عذاب الله ما جمع من المال؟ وكان صاحب مواش { وَمَا كَسَبَ } قيل : يعني ولده لأن ولد الإنسان من كسبه كما جاء في الحديث : « أطيب ما يأكل أحدكم من كسبه, وأن ولده من كسبه » .\r(1) .\r[3] ثم وعده بالنار فقال : { سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ } , أي نارا تلتهب عليه .\r_________\r(1) حديث صحيح روي من طرق بألفاظ متقاربة أخرجه أبو داود في الإجارات ( 5 / 182 ) , والترمذي في الأحكام ( 4 / 592 ) , وقال : حديث حسن, والنسائي في البيوع ( 7 / 241 ) , وابن ماجه في التجارات برقم ( 2290- 2 / 768 ) , والدارمي في البيوع ( 2 / 247 ) , وصححه ابن حبان ص 268 من موارد الظمآن .","part":8,"page":198},{"id":3699,"text":"[4] { وَامْرَأَتُهُ } , أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان { حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } ، قال زيد والضحاك : كانت تحمل الشوك والعضاه فتطرحه في طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه لتعقرهم ، وهي رواية عطية عن ابن عباس . وقال قتادة ومجاهد والسدي . كانت تمشي بالنميمة وتنقل الحديث فتلقي العداوة بين الناس ، وتوقد نارها كما توقد النار الحطب ، يقال : فلان يحطب على فلان إذا كان يغري به .\r[5] { فِي جِيدِهَا } ، في عنقها ، وجمعه أجياد ، { حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ } ، واختلفوا فيه قال ابن عباس وعروة بن الزبير : سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا تدخل في فيها وتخرج من دبرها ، ويكون سائرها في عنقها وأصله من المسد وهو الفتل, والمسد ما فتل وأحكم من أي شيء كان ، يعني السلسلة التي في عنقها ففتلت من الحديد فتلا محكما . وروى الأعمش عن مجاهد : من مسد أي من حديد . قال ابن زيد : حبل من شجر ينبت باليمن يقال له مسد ، قال قتادة : قلادة من ودع . وقال الحسن : كانت خرزات في عنقها .","part":8,"page":199},{"id":3700,"text":"[112] سورة الإخلاص\r[1] { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ، روى أبو العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : انسب لنا ربك فأنزل الله - تعالى - هذه السورة ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) أي واحد ، ولا فرق بين الواحد والأحد .\r[2] { اللَّهُ الصَّمَدُ } ، قال ابن عباس ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير : الصمد الذي لا جوف له . قال الشعبي : الذي لا يأكل ولا يشرب . وقيل تفسيره ما بعده . روى أبو العالية عن أبي بن كعب ، قال : الصمد الذي لم يلد ولم يولد ، لأن من يولد سيموت ومن يرث يورث منه . قال أبو وائل شقيق بن سلمة : هو السيد الذي قد انتهى سؤدده . وعن ابن عباس قال : هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد . وعن سعيد بن جبير أيضا : هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله . وقيل : هو السيد المقصود في الحوائج . وقال قتادة : الصمد الباقي بعد فناء خلقه . وقال عكرمة : الصمد الذي ليس فوقه أحد . وقال الربيع : الذي لا تعتريه الآفات . قال مقاتل بن حيان : الذي لا عيب فيه .","part":8,"page":200},{"id":3701,"text":"[3 - 4] { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، قرأ حمزة وإسماعيل ( كُفُوًا) ساكنة الفاء مهموزا ، وقرأ حفص عن عاصم بضم الفاء من غير همز ، وقرأ الآخرون بضم الفاء مهموزا ، وكلها لغات صحيحة ، ومعناه : المثل أي هو أحد ، وقيل : هو على التقديم والتأخير مجازه : لم يكن له أحد كفوا أي مثلا . قال مقاتل : قال مشركو العرب : الملائكة بنات الله ، وقالت اليهود : عزيز ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله ، فأكذبهم الله ونفى عن ذاته الولادة والمثل .","part":8,"page":201},{"id":3702,"text":"( 113 ) سورة الفلق\r[1] { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } , أراد بالفلق الصبح ، وهو قول أكثر المفسرين ، وروي عن ابن عباس : أنه سجن في جهنم . وقال الكلبي : واد في جهنم . وقال الضحاك : يعني الخلق ، والأول هو المعروف .\r[2 - 3] { مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ }{ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } المراد به القمر إذا خسف واسود : وقب أي دخل في الخسوف أو أخذ في الغيبوبة وأظلم . وقال ابن عباس : الغاسق الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق ودخل في كل شيء وأظلم ، والغسق الظلمة ، يقال غسق الليل وأغسق إذا أظلم ، وهو قول الحسن ومجاهد ، يعني : الليل إذا أقبل ودخل ، والوقوب : الدخول ، وهو دخول الليل بغروب الشمس قال مقاتل : يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار . وقيل : سمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار ، والغسق البرد .\r[4] { وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } ، يعني السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها . قال أبو عبيدة : هن بنات لبيد بن الأعصم سحرن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\r[5] { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } ، يعني اليهود فإنهم كانوا يحسدون النبي - صلى الله عليه وسلم - .","part":8,"page":202}],"titles":[{"id":1,"title":"مقدمة ","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":" كلمة الناشر","lvl":2,"sub":1},{"id":3,"title":" تقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان","lvl":2,"sub":0},{"id":4,"title":" مقدمة د عبدالله بن أحمد بن علي الزيد","lvl":2,"sub":0},{"id":12,"title":" ترجمة الإمام البغوي","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"سورة الفاتحة ","lvl":1,"sub":0},{"id":14,"title":" أسماء سورة الفاتحة","lvl":2,"sub":1},{"id":15,"title":" قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":" قوله تعالى الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":" قوله تعالى مالك يوم الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":" قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":" قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":" قوله تعالى صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":" فصل في فضل فاتحة الكتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":27,"title":"سورة البقرة ","lvl":1,"sub":0},{"id":27,"title":" قوله تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين","lvl":2,"sub":1},{"id":33,"title":" قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":" قوله تعالى وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون","lvl":2,"sub":0},{"id":41,"title":" قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين","lvl":2,"sub":0},{"id":47,"title":" قوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون","lvl":2,"sub":0},{"id":53,"title":" قوله تعالى إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها","lvl":2,"sub":0},{"id":58,"title":" قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة","lvl":2,"sub":0},{"id":64,"title":" قوله تعالى فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":68,"title":" قوله تعالى وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به","lvl":2,"sub":0},{"id":73,"title":" قوله تعالى الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون","lvl":2,"sub":0},{"id":78,"title":" قوله تعالى وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون","lvl":2,"sub":0},{"id":85,"title":" قوله تعالى وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى","lvl":2,"sub":0},{"id":88,"title":" قوله تعالى وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا","lvl":2,"sub":0},{"id":99,"title":" قوله تعالى فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين","lvl":2,"sub":0},{"id":103,"title":" قوله تعالى قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث","lvl":2,"sub":0},{"id":108,"title":" قوله تعالى وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا","lvl":2,"sub":0},{"id":114,"title":" قوله تعالى بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":" قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة","lvl":2,"sub":0},{"id":125,"title":" قوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه","lvl":2,"sub":0},{"id":129,"title":" قوله تعالى ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":" قوله تعالى واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان","lvl":2,"sub":0},{"id":138,"title":" قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها","lvl":2,"sub":0},{"id":143,"title":" قوله تعالى وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم","lvl":2,"sub":0},{"id":147,"title":" قوله تعالى وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون","lvl":2,"sub":0},{"id":153,"title":" قوله تعالى يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":157,"title":" قوله تعالى وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات","lvl":2,"sub":0},{"id":161,"title":" قوله تعالى إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":164,"title":" قوله تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم","lvl":2,"sub":0},{"id":169,"title":" قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":176,"title":" قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم","lvl":2,"sub":0},{"id":181,"title":" قوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم","lvl":2,"sub":0},{"id":185,"title":" قوله تعالى الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون","lvl":2,"sub":0},{"id":189,"title":" قوله تعالى إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين","lvl":2,"sub":0},{"id":196,"title":" قوله تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب","lvl":2,"sub":0},{"id":201,"title":" قوله تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون","lvl":2,"sub":0},{"id":207,"title":" قوله تعالى ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد","lvl":2,"sub":0},{"id":215,"title":" قوله تعالى فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم","lvl":2,"sub":0},{"id":226,"title":" قوله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان","lvl":2,"sub":0},{"id":236,"title":" قوله تعالى واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم","lvl":2,"sub":0},{"id":244,"title":" قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله","lvl":2,"sub":0},{"id":251,"title":" قوله تعالى الحج أشهر معلومات","lvl":2,"sub":0},{"id":260,"title":" قوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات","lvl":2,"sub":0},{"id":265,"title":" قوله تعالى وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم","lvl":2,"sub":0},{"id":270,"title":" قوله تعالى سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة","lvl":2,"sub":0},{"id":279,"title":" قوله تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم","lvl":2,"sub":0},{"id":288,"title":" قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن","lvl":2,"sub":0},{"id":296,"title":" قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر","lvl":2,"sub":0},{"id":305,"title":" قوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":" قوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة","lvl":2,"sub":0},{"id":325,"title":" قوله تعالى وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين","lvl":2,"sub":0},{"id":330,"title":" قوله تعالى ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا","lvl":2,"sub":0},{"id":339,"title":" قوله تعالى فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت","lvl":2,"sub":0},{"id":344,"title":" قوله تعالى لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي","lvl":2,"sub":0},{"id":354,"title":" قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل","lvl":2,"sub":0},{"id":361,"title":" قوله تعالى أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات","lvl":2,"sub":0},{"id":365,"title":" قوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي","lvl":2,"sub":0},{"id":373,"title":" قوله تعالى يمحق الله الربا ويربي الصدقات","lvl":2,"sub":0},{"id":376,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه","lvl":2,"sub":0},{"id":391,"title":"سورة آل عمران ","lvl":1,"sub":0},{"id":391,"title":" قوله تعالى الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم","lvl":2,"sub":1},{"id":402,"title":" قوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد","lvl":2,"sub":0},{"id":415,"title":" قوله تعالى إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق","lvl":2,"sub":0},{"id":426,"title":" قوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":442,"title":" قوله تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم","lvl":2,"sub":0},{"id":452,"title":" قوله تعالى إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا","lvl":2,"sub":0},{"id":459,"title":" قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم","lvl":2,"sub":0},{"id":464,"title":" قوله تعالى وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار","lvl":2,"sub":0},{"id":474,"title":" قوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله","lvl":2,"sub":0},{"id":483,"title":" قوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين","lvl":2,"sub":0},{"id":488,"title":" قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":494,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين","lvl":2,"sub":0},{"id":500,"title":" قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس","lvl":2,"sub":0},{"id":506,"title":" قوله تعالى إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":512,"title":" قوله تعالى وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم","lvl":2,"sub":0},{"id":521,"title":" قوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين","lvl":2,"sub":0},{"id":528,"title":" قوله تعالى وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين","lvl":2,"sub":0},{"id":534,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين","lvl":2,"sub":0},{"id":541,"title":" قوله تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم","lvl":2,"sub":0},{"id":546,"title":" قوله تعالى ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون","lvl":2,"sub":0},{"id":552,"title":" قوله تعالى وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين","lvl":2,"sub":0},{"id":557,"title":" قوله تعالى فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء","lvl":2,"sub":0},{"id":564,"title":" قوله تعالى لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء","lvl":2,"sub":0},{"id":569,"title":" قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه","lvl":2,"sub":0},{"id":576,"title":" قوله تعالى فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض","lvl":2,"sub":0},{"id":582,"title":"سورة النساء ","lvl":1,"sub":0},{"id":582,"title":" قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها","lvl":2,"sub":1},{"id":594,"title":" قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون","lvl":2,"sub":0},{"id":602,"title":" قوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد","lvl":2,"sub":0},{"id":605,"title":" قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم","lvl":2,"sub":0},{"id":612,"title":" قوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":619,"title":" قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم","lvl":2,"sub":0},{"id":626,"title":" قوله تعالى والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما","lvl":2,"sub":0},{"id":636,"title":" قوله تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم","lvl":2,"sub":0},{"id":644,"title":" قوله تعالى والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":655,"title":" قوله تعالى والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":666,"title":" قوله تعالى أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":674,"title":" قوله تعالى ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك","lvl":2,"sub":0},{"id":678,"title":" قوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم","lvl":2,"sub":0},{"id":685,"title":" قوله تعالى وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان","lvl":2,"sub":0},{"id":694,"title":" قوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا","lvl":2,"sub":0},{"id":702,"title":" قوله تعالى الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا","lvl":2,"sub":0},{"id":712,"title":" قوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله","lvl":2,"sub":0},{"id":718,"title":" قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم","lvl":2,"sub":0},{"id":723,"title":" قوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم","lvl":2,"sub":0},{"id":729,"title":" قوله تعالى واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما","lvl":2,"sub":0},{"id":734,"title":" قوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس","lvl":2,"sub":0},{"id":741,"title":" قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":747,"title":" قوله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا","lvl":2,"sub":0},{"id":754,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله","lvl":2,"sub":0},{"id":762,"title":" قوله تعالى الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم","lvl":2,"sub":0},{"id":767,"title":" قوله تعالى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما","lvl":2,"sub":0},{"id":772,"title":" قوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف","lvl":2,"sub":0},{"id":779,"title":" قوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده","lvl":2,"sub":0},{"id":783,"title":" قوله تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":791,"title":"سورة المائدة ","lvl":1,"sub":0},{"id":791,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم","lvl":2,"sub":1},{"id":798,"title":" قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به","lvl":2,"sub":0},{"id":808,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق","lvl":2,"sub":0},{"id":813,"title":" قوله تعالى والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم","lvl":2,"sub":0},{"id":817,"title":" قوله تعالى ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به","lvl":2,"sub":0},{"id":820,"title":" قوله تعالى وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":826,"title":" قوله تعالى قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون","lvl":2,"sub":0},{"id":833,"title":" قوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا","lvl":2,"sub":0},{"id":836,"title":" قوله تعالى يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم","lvl":2,"sub":0},{"id":841,"title":" قوله تعالى سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم","lvl":2,"sub":0},{"id":848,"title":" قوله تعالى وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة","lvl":2,"sub":0},{"id":854,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض","lvl":2,"sub":0},{"id":862,"title":" قوله تعالى وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون","lvl":2,"sub":0},{"id":869,"title":" قوله تعالى ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم","lvl":2,"sub":0},{"id":875,"title":" قوله تعالى وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم","lvl":2,"sub":0},{"id":878,"title":" قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":882,"title":" قوله تعالى وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":887,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان","lvl":2,"sub":0},{"id":894,"title":" قوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما","lvl":2,"sub":0},{"id":900,"title":" قوله تعالى وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا","lvl":2,"sub":0},{"id":909,"title":" قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب","lvl":2,"sub":0},{"id":915,"title":" قوله تعالى قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا","lvl":2,"sub":0},{"id":923,"title":"سورة الأنعام ","lvl":1,"sub":0},{"id":923,"title":" قوله تعالى الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور","lvl":2,"sub":1},{"id":931,"title":" قوله تعالى ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون","lvl":2,"sub":0},{"id":938,"title":" قوله تعالى قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم","lvl":2,"sub":0},{"id":946,"title":" قوله تعالى بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون","lvl":2,"sub":0},{"id":954,"title":" قوله تعالى إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون","lvl":2,"sub":0},{"id":959,"title":" قوله تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":965,"title":" قوله تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا","lvl":2,"sub":0},{"id":972,"title":" قوله تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى","lvl":2,"sub":0},{"id":979,"title":" قوله تعالى وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون","lvl":2,"sub":0},{"id":986,"title":" قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين","lvl":2,"sub":0},{"id":992,"title":" قوله تعالى وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء","lvl":2,"sub":0},{"id":997,"title":" قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":1002,"title":" قوله تعالى إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي","lvl":2,"sub":0},{"id":1010,"title":" قوله تعالى ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل","lvl":2,"sub":0},{"id":1016,"title":" قوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم","lvl":2,"sub":0},{"id":1021,"title":" قوله تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1028,"title":" قوله تعالى وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":1035,"title":" قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":1043,"title":" قوله تعالى ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون","lvl":2,"sub":0},{"id":1049,"title":" قوله تعالى وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1055,"title":" قوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان","lvl":2,"sub":0},{"id":1061,"title":" قوله تعالى فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين","lvl":2,"sub":0},{"id":1068,"title":" قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده","lvl":2,"sub":0},{"id":1074,"title":" قوله تعالى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك","lvl":2,"sub":0},{"id":1082,"title":"سورة الأعراف ","lvl":1,"sub":0},{"id":1082,"title":" قوله تعالى المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين","lvl":2,"sub":1},{"id":1090,"title":" قوله تعالى قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين","lvl":2,"sub":0},{"id":1099,"title":" قوله تعالى قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين","lvl":2,"sub":0},{"id":1106,"title":" قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا","lvl":2,"sub":0},{"id":1112,"title":" قوله تعالى قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار","lvl":2,"sub":0},{"id":1118,"title":" قوله تعالى ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا","lvl":2,"sub":0},{"id":1125,"title":" قوله تعالى ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون","lvl":2,"sub":0},{"id":1134,"title":" قوله تعالى والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا","lvl":2,"sub":0},{"id":1139,"title":" قوله تعالى أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين","lvl":2,"sub":0},{"id":1142,"title":" قوله تعالى واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا","lvl":2,"sub":0},{"id":1147,"title":" قوله تعالى وإلى مدين أخاهم شعيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":1149,"title":" قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا","lvl":2,"sub":0},{"id":1154,"title":" قوله تعالى ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض","lvl":2,"sub":0},{"id":1158,"title":" قوله تعالى وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":1165,"title":" قوله تعالى وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":1171,"title":" قوله تعالى فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه","lvl":2,"sub":0},{"id":1179,"title":" قوله تعالى وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1187,"title":" قوله تعالى قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي","lvl":2,"sub":0},{"id":1194,"title":" قوله تعالى ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي","lvl":2,"sub":0},{"id":1201,"title":" قوله تعالى واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك","lvl":2,"sub":0},{"id":1206,"title":" قوله تعالى وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما","lvl":2,"sub":0},{"id":1210,"title":" قوله تعالى وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا","lvl":2,"sub":0},{"id":1217,"title":" قوله تعالى وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1226,"title":" قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها","lvl":2,"sub":0},{"id":1234,"title":" قوله تعالى قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1241,"title":" قوله تعالى إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين","lvl":2,"sub":0},{"id":1249,"title":"سورة الأنفال ","lvl":1,"sub":0},{"id":1249,"title":" قوله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم","lvl":2,"sub":1},{"id":1257,"title":" قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين","lvl":2,"sub":0},{"id":1265,"title":" قوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى","lvl":2,"sub":0},{"id":1274,"title":" قوله تعالى واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس","lvl":2,"sub":0},{"id":1284,"title":" قوله تعالى وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه","lvl":2,"sub":0},{"id":1289,"title":" قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول","lvl":2,"sub":0},{"id":1299,"title":" قوله تعالى وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم","lvl":2,"sub":0},{"id":1306,"title":" قوله تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1312,"title":" قوله تعالى وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين","lvl":2,"sub":0},{"id":1319,"title":" قوله تعالى يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم","lvl":2,"sub":0},{"id":1325,"title":"سورة التوبة ","lvl":1,"sub":0},{"id":1325,"title":" قوله تعالى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين","lvl":2,"sub":1},{"id":1333,"title":" قوله تعالى كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":1339,"title":" قوله تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين","lvl":2,"sub":0},{"id":1348,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا","lvl":2,"sub":0},{"id":1355,"title":" قوله تعالى يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون","lvl":2,"sub":0},{"id":1363,"title":" قوله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا","lvl":2,"sub":0},{"id":1369,"title":" قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1375,"title":" قوله تعالى لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون","lvl":2,"sub":0},{"id":1380,"title":" قوله تعالى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا","lvl":2,"sub":0},{"id":1391,"title":" قوله تعالى يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين","lvl":2,"sub":0},{"id":1396,"title":" قوله تعالى كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا","lvl":2,"sub":0},{"id":1400,"title":" قوله تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير","lvl":2,"sub":0},{"id":1408,"title":" قوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1413,"title":" قوله تعالى رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون","lvl":2,"sub":0},{"id":1418,"title":" قوله تعالى يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم","lvl":2,"sub":0},{"id":1423,"title":" قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1433,"title":" قوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله","lvl":2,"sub":0},{"id":1440,"title":" قوله تعالى التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف","lvl":2,"sub":0},{"id":1450,"title":" قوله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت","lvl":2,"sub":0},{"id":1456,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة","lvl":2,"sub":0},{"id":1462,"title":"سورة يونس ","lvl":1,"sub":0},{"id":1462,"title":" قوله تعالى الر تلك آيات الكتاب الحكيم","lvl":2,"sub":1},{"id":1468,"title":" قوله تعالى إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها","lvl":2,"sub":0},{"id":1474,"title":" قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله","lvl":2,"sub":0},{"id":1483,"title":" قوله تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم","lvl":2,"sub":0},{"id":1489,"title":" قوله تعالى قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده","lvl":2,"sub":0},{"id":1495,"title":" قوله تعالى ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون","lvl":2,"sub":0},{"id":1501,"title":" قوله تعالى ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب","lvl":2,"sub":0},{"id":1506,"title":" قوله تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون","lvl":2,"sub":0},{"id":1511,"title":" قوله تعالى واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1515,"title":" قوله تعالى وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم","lvl":2,"sub":0},{"id":1521,"title":" قوله تعالى قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":1527,"title":" قوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس","lvl":2,"sub":0},{"id":1532,"title":" قوله تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو","lvl":2,"sub":0},{"id":1533,"title":"سورة هود ","lvl":1,"sub":0},{"id":1533,"title":" قوله تعالى الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير","lvl":2,"sub":1},{"id":1537,"title":" قوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها","lvl":2,"sub":0},{"id":1541,"title":" قوله تعالى أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات","lvl":2,"sub":0},{"id":1547,"title":" قوله تعالى أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب","lvl":2,"sub":0},{"id":1551,"title":" قوله تعالى ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1555,"title":" قوله تعالى ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه","lvl":2,"sub":0},{"id":1563,"title":" قوله تعالى قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم","lvl":2,"sub":0},{"id":1566,"title":" قوله تعالى إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون","lvl":2,"sub":0},{"id":1572,"title":" قوله تعالى قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة","lvl":2,"sub":0},{"id":1579,"title":" قوله تعالى قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب","lvl":2,"sub":0},{"id":1588,"title":" قوله تعالى فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود","lvl":2,"sub":0},{"id":1593,"title":" قوله تعالى ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود","lvl":2,"sub":0},{"id":1597,"title":" قوله تعالى ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":1602,"title":" قوله تعالى فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1610,"title":" قوله تعالى فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب","lvl":2,"sub":0},{"id":1613,"title":"سورة يوسف ","lvl":1,"sub":0},{"id":1613,"title":" قوله تعالى الر تلك آيات الكتاب المبين","lvl":2,"sub":1},{"id":1617,"title":" قوله تعالى قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا","lvl":2,"sub":0},{"id":1627,"title":" قوله تعالى وجاءوا أباهم عشاء يبكون","lvl":2,"sub":0},{"id":1634,"title":" قوله تعالى وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1644,"title":" قوله تعالى فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا","lvl":2,"sub":0},{"id":1653,"title":" قوله تعالى واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":1657,"title":" قوله تعالى قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":1663,"title":" قوله تعالى وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم","lvl":2,"sub":0},{"id":1671,"title":" قوله تعالى قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا","lvl":2,"sub":0},{"id":1678,"title":" قوله تعالى فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه","lvl":2,"sub":0},{"id":1685,"title":" قوله تعالى قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون","lvl":2,"sub":0},{"id":1693,"title":" قوله تعالى يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1699,"title":" قوله تعالى فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":1706,"title":" قوله تعالى وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":1714,"title":"سورة الرعد ","lvl":1,"sub":0},{"id":1714,"title":" قوله تعالى المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون","lvl":2,"sub":1},{"id":1727,"title":" قوله تعالى له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء","lvl":2,"sub":0},{"id":1734,"title":" قوله تعالى أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب","lvl":2,"sub":0},{"id":1739,"title":" قوله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب","lvl":2,"sub":0},{"id":1745,"title":" قوله تعالى مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها","lvl":2,"sub":0},{"id":1755,"title":"سورة إبراهيم ","lvl":1,"sub":0},{"id":1755,"title":" قوله تعالى الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم","lvl":2,"sub":1},{"id":1758,"title":" قوله تعالى وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون","lvl":2,"sub":0},{"id":1761,"title":" قوله تعالى قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده","lvl":2,"sub":0},{"id":1767,"title":" قوله تعالى ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق","lvl":2,"sub":0},{"id":1771,"title":" قوله تعالى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون","lvl":2,"sub":0},{"id":1775,"title":" قوله تعالى وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها","lvl":2,"sub":0},{"id":1781,"title":" قوله تعالى مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء","lvl":2,"sub":0},{"id":1787,"title":"سورة الحجر ","lvl":1,"sub":0},{"id":1787,"title":" قوله تعالى الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين","lvl":2,"sub":1},{"id":1792,"title":" قوله تعالى ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين","lvl":2,"sub":0},{"id":1800,"title":" قوله تعالى قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين","lvl":2,"sub":0},{"id":1805,"title":" قوله تعالى إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون","lvl":2,"sub":0},{"id":1809,"title":" قوله تعالى قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون","lvl":2,"sub":0},{"id":1812,"title":" قوله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم","lvl":2,"sub":0},{"id":1820,"title":"سورة النحل ","lvl":1,"sub":0},{"id":1820,"title":" قوله تعالى أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون","lvl":2,"sub":1},{"id":1824,"title":" قوله تعالى وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس","lvl":2,"sub":0},{"id":1828,"title":" قوله تعالى وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون","lvl":2,"sub":0},{"id":1833,"title":" قوله تعالى ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1837,"title":" قوله تعالى وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا","lvl":2,"sub":0},{"id":1840,"title":" قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":1846,"title":" قوله تعالى ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":1852,"title":" قوله تعالى والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها","lvl":2,"sub":0},{"id":1858,"title":" قوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون","lvl":2,"sub":0},{"id":1863,"title":" قوله تعالى والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا","lvl":2,"sub":0},{"id":1867,"title":" قوله تعالى الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون","lvl":2,"sub":0},{"id":1872,"title":" ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها","lvl":2,"sub":0},{"id":1875,"title":" قوله تعالى ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر","lvl":2,"sub":0},{"id":1879,"title":" قوله تعالى يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":1883,"title":" قوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين","lvl":2,"sub":0},{"id":1886,"title":" قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة","lvl":2,"sub":0},{"id":1889,"title":"سورة الإسراء ","lvl":1,"sub":0},{"id":1889,"title":" قوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله","lvl":2,"sub":1},{"id":1896,"title":" قوله تعالى إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم","lvl":2,"sub":0},{"id":1902,"title":" قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد","lvl":2,"sub":0},{"id":1909,"title":" قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا","lvl":2,"sub":0},{"id":1916,"title":" قوله تعالى ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة","lvl":2,"sub":0},{"id":1922,"title":" قوله تعالى قل كونوا حجارة أو حديدا","lvl":2,"sub":0},{"id":1929,"title":" قوله تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون","lvl":2,"sub":0},{"id":1937,"title":" قوله تعالى وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه","lvl":2,"sub":0},{"id":1945,"title":" قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا","lvl":2,"sub":0},{"id":1956,"title":" قوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله","lvl":2,"sub":0},{"id":1960,"title":" قوله تعالى ومن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه","lvl":2,"sub":0},{"id":1966,"title":" قوله تعالى وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":1970,"title":"سورة الكهف ","lvl":1,"sub":0},{"id":1970,"title":" قوله تعالى الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا","lvl":2,"sub":1},{"id":1972,"title":" قوله تعالى ما لهم به من علم ولا لآبائهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1977,"title":" قوله تعالى وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1984,"title":" قوله تعالى وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":1993,"title":" قوله تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه","lvl":2,"sub":0},{"id":2001,"title":" قوله تعالى ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":2007,"title":" قوله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا","lvl":2,"sub":0},{"id":2014,"title":" قوله تعالى ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا","lvl":2,"sub":0},{"id":2019,"title":" قوله تعالى فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا","lvl":2,"sub":0},{"id":2027,"title":" قوله تعالى فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما","lvl":2,"sub":0},{"id":2033,"title":" قوله تعالى إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا","lvl":2,"sub":0},{"id":2042,"title":" قوله تعالى قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا","lvl":2,"sub":0},{"id":2051,"title":"سورة مريم ","lvl":1,"sub":0},{"id":2051,"title":" قوله تعالى كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا","lvl":2,"sub":1},{"id":2057,"title":" قوله تعالى يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا","lvl":2,"sub":0},{"id":2065,"title":" قوله تعالى فكلي واشربي وقري عينا","lvl":2,"sub":0},{"id":2073,"title":" قوله تعالى وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون","lvl":2,"sub":0},{"id":2078,"title":" قوله تعالى واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا","lvl":2,"sub":0},{"id":2087,"title":" قوله تعالى ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا","lvl":2,"sub":0},{"id":2094,"title":" قوله تعالى أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا","lvl":2,"sub":0},{"id":2098,"title":" قوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا","lvl":2,"sub":0},{"id":2102,"title":"سورة طه ","lvl":1,"sub":0},{"id":2102,"title":" قوله تعالى طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى","lvl":2,"sub":1},{"id":2107,"title":" قوله تعالى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى","lvl":2,"sub":0},{"id":2111,"title":" قوله تعالى واضمم يدك إلى جناحك","lvl":2,"sub":0},{"id":2113,"title":" قوله تعالى قال قد أوتيت سؤلك يا موسى","lvl":2,"sub":0},{"id":2121,"title":" قوله تعالى قال فما بال القرون الأولى","lvl":2,"sub":0},{"id":2129,"title":" قوله تعالى قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى","lvl":2,"sub":0},{"id":2134,"title":" قوله تعالى ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا","lvl":2,"sub":0},{"id":2140,"title":" قوله تعالى فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي","lvl":2,"sub":0},{"id":2146,"title":" قوله تعالى كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا","lvl":2,"sub":0},{"id":2151,"title":" قوله تعالى فتعالى الله الملك الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":2157,"title":" قوله تعالى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":2165,"title":"سورة الأنبياء ","lvl":1,"sub":0},{"id":2165,"title":" قوله تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون","lvl":2,"sub":1},{"id":2170,"title":" قوله تعالى وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين","lvl":2,"sub":0},{"id":2175,"title":" قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون","lvl":2,"sub":0},{"id":2182,"title":" قوله تعالى خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون","lvl":2,"sub":0},{"id":2186,"title":" قوله تعالى قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون","lvl":2,"sub":0},{"id":2191,"title":" قوله تعالى فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون","lvl":2,"sub":0},{"id":2196,"title":" قوله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات","lvl":2,"sub":0},{"id":2203,"title":" قوله تعالى وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2208,"title":" قوله تعالى وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2212,"title":" قوله تعالى والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2220,"title":" قوله تعالى يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب","lvl":2,"sub":0},{"id":2225,"title":"سورة الحج ","lvl":1,"sub":0},{"id":2225,"title":" قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم","lvl":2,"sub":1},{"id":2232,"title":" قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير","lvl":2,"sub":0},{"id":2239,"title":" قوله تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2249,"title":" قوله تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":2258,"title":" قوله تعالى حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء","lvl":2,"sub":0},{"id":2268,"title":" قوله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير","lvl":2,"sub":0},{"id":2273,"title":" قوله تعالى ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون","lvl":2,"sub":0},{"id":2279,"title":" قوله تعالى الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم","lvl":2,"sub":0},{"id":2282,"title":" قوله تعالى ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره","lvl":2,"sub":0},{"id":2286,"title":" قوله تعالى يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له","lvl":2,"sub":0},{"id":2292,"title":"سورة المؤمنون ","lvl":1,"sub":0},{"id":2292,"title":" قوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون","lvl":2,"sub":1},{"id":2298,"title":" قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين","lvl":2,"sub":0},{"id":2301,"title":" قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون","lvl":2,"sub":0},{"id":2306,"title":" قوله تعالى فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2310,"title":" قوله تعالى ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين","lvl":2,"sub":0},{"id":2316,"title":" قوله تعالى ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":2323,"title":" قوله تعالى ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون","lvl":2,"sub":0},{"id":2327,"title":" قوله تعالى بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون","lvl":2,"sub":0},{"id":2333,"title":" قوله تعالى ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون","lvl":2,"sub":0},{"id":2338,"title":"سورة النور ","lvl":1,"sub":0},{"id":2338,"title":" قوله تعالى سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون","lvl":2,"sub":1},{"id":2347,"title":" قوله تعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم","lvl":2,"sub":0},{"id":2352,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر","lvl":2,"sub":0},{"id":2359,"title":" قوله تعالى فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم","lvl":2,"sub":0},{"id":2366,"title":" قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله","lvl":2,"sub":0},{"id":2380,"title":" قوله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2388,"title":" قوله تعالى يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار","lvl":2,"sub":0},{"id":2394,"title":" قوله تعالى قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم","lvl":2,"sub":0},{"id":2400,"title":" قوله تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2405,"title":" قوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه","lvl":2,"sub":0},{"id":2409,"title":"سورة الفرقان ","lvl":1,"sub":0},{"id":2409,"title":" قوله تعالى تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا","lvl":2,"sub":1},{"id":2410,"title":" قوله تعالى واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون","lvl":2,"sub":0},{"id":2414,"title":" قوله تعالى إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":2421,"title":" قوله تعالى وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا","lvl":2,"sub":0},{"id":2430,"title":" قوله تعالى ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":2434,"title":" قوله تعالى أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا","lvl":2,"sub":0},{"id":2442,"title":" قوله تعالى وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":2449,"title":" قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون","lvl":2,"sub":0},{"id":2458,"title":"سورة الشعراء ","lvl":1,"sub":0},{"id":2458,"title":" قوله تعالى طسم تلك آيات الكتاب المبين","lvl":2,"sub":1},{"id":2464,"title":" قوله تعالى قال فعلتها إذا وأنا من الضالين","lvl":2,"sub":0},{"id":2469,"title":" قوله تعالى لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين","lvl":2,"sub":0},{"id":2473,"title":" قوله تعالى فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون","lvl":2,"sub":0},{"id":2478,"title":" قوله تعالى واجعل لي لسان صدق في الآخرين","lvl":2,"sub":0},{"id":2482,"title":" قوله تعالى قال وما علمي بما كانوا يعملون","lvl":2,"sub":0},{"id":2485,"title":" قوله تعالى إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين","lvl":2,"sub":0},{"id":2489,"title":" قوله تعالى كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون","lvl":2,"sub":0},{"id":2492,"title":" قوله تعالى واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين","lvl":2,"sub":0},{"id":2497,"title":" قوله تعالى ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون","lvl":2,"sub":0},{"id":2503,"title":"سورة النمل ","lvl":1,"sub":0},{"id":2503,"title":" قوله تعالى طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين","lvl":2,"sub":1},{"id":2510,"title":" قوله تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين","lvl":2,"sub":0},{"id":2515,"title":" قوله تعالى إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم","lvl":2,"sub":0},{"id":2521,"title":" قوله تعالى فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون","lvl":2,"sub":0},{"id":2530,"title":" قوله تعالى ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون","lvl":2,"sub":0},{"id":2535,"title":" قوله تعالى فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون","lvl":2,"sub":0},{"id":2539,"title":" قوله تعالى أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2544,"title":" قوله تعالى وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين","lvl":2,"sub":0},{"id":2551,"title":" قوله تعالى من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون","lvl":2,"sub":0},{"id":2554,"title":"سورة القصص ","lvl":1,"sub":0},{"id":2554,"title":" قوله تعالى طسم تلك آيات الكتاب المبين","lvl":2,"sub":1},{"id":2555,"title":" قوله تعالى ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون","lvl":2,"sub":0},{"id":2561,"title":" قوله تعالى ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين","lvl":2,"sub":0},{"id":2567,"title":" قوله تعالى ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل","lvl":2,"sub":0},{"id":2574,"title":" قوله تعالى فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا","lvl":2,"sub":0},{"id":2579,"title":" قوله تعالى فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين","lvl":2,"sub":0},{"id":2582,"title":" قوله تعالى وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين","lvl":2,"sub":0},{"id":2587,"title":" قوله تعالى ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون","lvl":2,"sub":0},{"id":2594,"title":" قوله تعالى وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون","lvl":2,"sub":0},{"id":2598,"title":" قوله تعالى قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء","lvl":2,"sub":0},{"id":2604,"title":" قوله تعالى قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا","lvl":2,"sub":0},{"id":2609,"title":" قوله تعالى إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد","lvl":2,"sub":0},{"id":2611,"title":"سورة العنكبوت ","lvl":1,"sub":0},{"id":2611,"title":" قوله تعالى الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون","lvl":2,"sub":1},{"id":2613,"title":" قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون","lvl":2,"sub":0},{"id":2618,"title":" قوله تعالى فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2621,"title":" قوله تعالى فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار","lvl":2,"sub":0},{"id":2625,"title":" قوله تعالى ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2628,"title":" قوله تعالى وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين","lvl":2,"sub":0},{"id":2632,"title":" قوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2636,"title":" قوله تعالى ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون","lvl":2,"sub":0},{"id":2641,"title":" قوله تعالى وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":2644,"title":"سورة الروم ","lvl":1,"sub":0},{"id":2644,"title":" قوله تعالى الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون","lvl":2,"sub":1},{"id":2646,"title":" قوله تعالى وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":2650,"title":" قوله تعالى وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون","lvl":2,"sub":0},{"id":2653,"title":" قوله تعالى ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون","lvl":2,"sub":0},{"id":2659,"title":" قوله تعالى وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون","lvl":2,"sub":0},{"id":2664,"title":" قوله تعالى قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين","lvl":2,"sub":0},{"id":2667,"title":" قوله تعالى ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون","lvl":2,"sub":0},{"id":2672,"title":"سورة لقمان ","lvl":1,"sub":0},{"id":2672,"title":" قوله تعالى الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين","lvl":2,"sub":1},{"id":2675,"title":" قوله تعالى ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد","lvl":2,"sub":0},{"id":2681,"title":" قوله تعالى ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة","lvl":2,"sub":0},{"id":2685,"title":" قوله تعالى ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى","lvl":2,"sub":0},{"id":2689,"title":"سورة السجدة ","lvl":1,"sub":0},{"id":2689,"title":" قوله تعالى الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين","lvl":2,"sub":1},{"id":2694,"title":" قوله تعالى ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون","lvl":2,"sub":0},{"id":2700,"title":" قوله تعالى ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون","lvl":2,"sub":0},{"id":2704,"title":"سورة الأحزاب ","lvl":1,"sub":0},{"id":2704,"title":" قوله تعالى يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما","lvl":2,"sub":1},{"id":2713,"title":" قوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا","lvl":2,"sub":0},{"id":2720,"title":" قوله تعالى قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا","lvl":2,"sub":0},{"id":2725,"title":" قوله تعالى من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا","lvl":2,"sub":0},{"id":2732,"title":" قوله تعالى ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما","lvl":2,"sub":0},{"id":2738,"title":" قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2748,"title":" قوله تعالى تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما","lvl":2,"sub":0},{"id":2753,"title":" قوله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء","lvl":2,"sub":0},{"id":2759,"title":" قوله تعالى لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن","lvl":2,"sub":0},{"id":2765,"title":" قوله تعالى يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا","lvl":2,"sub":0},{"id":2771,"title":"سورة سبأ ","lvl":1,"sub":0},{"id":2771,"title":" قوله تعالى الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير","lvl":2,"sub":1},{"id":2774,"title":" قوله تعالى أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2781,"title":" قوله تعالى لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له","lvl":2,"sub":0},{"id":2788,"title":" قوله تعالى ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له","lvl":2,"sub":0},{"id":2792,"title":" قوله تعالى قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2796,"title":" قوله تعالى ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون","lvl":2,"sub":0},{"id":2801,"title":" قوله تعالى قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2805,"title":"سورة فاطر ","lvl":1,"sub":0},{"id":2805,"title":" قوله تعالى الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع","lvl":2,"sub":1},{"id":2807,"title":" قوله تعالى وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور","lvl":2,"sub":0},{"id":2813,"title":" قوله تعالى وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج","lvl":2,"sub":0},{"id":2816,"title":" قوله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور","lvl":2,"sub":0},{"id":2820,"title":" قوله تعالى والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه","lvl":2,"sub":0},{"id":2828,"title":" قوله تعالى هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره","lvl":2,"sub":0},{"id":2833,"title":" قوله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة","lvl":2,"sub":0},{"id":2834,"title":"سورة يس ","lvl":1,"sub":0},{"id":2834,"title":" قوله تعالى يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين","lvl":2,"sub":1},{"id":2838,"title":" قوله تعالى واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون","lvl":2,"sub":0},{"id":2843,"title":" قوله تعالى وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين","lvl":2,"sub":0},{"id":2850,"title":" قوله تعالى وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون","lvl":2,"sub":0},{"id":2855,"title":" قوله تعالى إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون","lvl":2,"sub":0},{"id":2861,"title":" قوله تعالى أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون","lvl":2,"sub":0},{"id":2865,"title":"سورة الصافات ","lvl":1,"sub":0},{"id":2865,"title":" قوله تعالى والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا","lvl":2,"sub":1},{"id":2873,"title":" قوله تعالى ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":2878,"title":" قوله تعالى يقول أئنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون","lvl":2,"sub":0},{"id":2882,"title":" قوله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الآخرين","lvl":2,"sub":0},{"id":2888,"title":" قوله تعالى فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا","lvl":2,"sub":0},{"id":2892,"title":" قوله تعالى فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين","lvl":2,"sub":0},{"id":2898,"title":" قوله تعالى ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون","lvl":2,"sub":0},{"id":2903,"title":"سورة ص ","lvl":1,"sub":0},{"id":2903,"title":" قوله تعالى ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق","lvl":2,"sub":1},{"id":2913,"title":" قوله تعالى اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب","lvl":2,"sub":0},{"id":2920,"title":" قوله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا","lvl":2,"sub":0},{"id":2926,"title":" قوله تعالى ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب","lvl":2,"sub":0},{"id":2932,"title":" قوله تعالى وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار","lvl":2,"sub":0},{"id":2937,"title":" قوله تعالى قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2939,"title":"سورة الزمر ","lvl":1,"sub":0},{"id":2939,"title":" قوله تعالى تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم","lvl":2,"sub":1},{"id":2942,"title":" قوله تعالى خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج","lvl":2,"sub":0},{"id":2948,"title":" قوله تعالى قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2953,"title":" قوله تعالى أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه","lvl":2,"sub":0},{"id":2959,"title":" قوله تعالى فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه","lvl":2,"sub":0},{"id":2963,"title":" قوله تعالى إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":2968,"title":" قوله تعالى وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون","lvl":2,"sub":0},{"id":2972,"title":" قوله تعالى أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين","lvl":2,"sub":0},{"id":2976,"title":" قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2978,"title":" قوله تعالى وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا","lvl":2,"sub":0},{"id":2981,"title":"سورة غافر ","lvl":1,"sub":0},{"id":2981,"title":" قوله تعالى حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول","lvl":2,"sub":1},{"id":2986,"title":" قوله تعالى ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2990,"title":" قوله تعالى اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب","lvl":2,"sub":0},{"id":2993,"title":" قوله تعالى وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم","lvl":2,"sub":0},{"id":2998,"title":" قوله تعالى ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به","lvl":2,"sub":0},{"id":3002,"title":" قوله تعالى ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار","lvl":2,"sub":0},{"id":3006,"title":" قوله تعالى قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى","lvl":2,"sub":0},{"id":3010,"title":" قوله تعالى إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون","lvl":2,"sub":0},{"id":3013,"title":" قوله تعالى هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم","lvl":2,"sub":0},{"id":3016,"title":" قوله تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك","lvl":2,"sub":0},{"id":3019,"title":"سورة فصلت ","lvl":1,"sub":0},{"id":3019,"title":" قوله تعالى حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون","lvl":2,"sub":1},{"id":3024,"title":" قوله تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها","lvl":2,"sub":0},{"id":3028,"title":" قوله تعالى وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":3032,"title":" قوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا","lvl":2,"sub":0},{"id":3037,"title":" قوله تعالى ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت","lvl":2,"sub":0},{"id":3041,"title":" قوله تعالى إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها","lvl":2,"sub":0},{"id":3045,"title":"سورة الشورى ","lvl":1,"sub":0},{"id":3045,"title":" قوله تعالى حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم","lvl":2,"sub":1},{"id":3049,"title":" قوله تعالى فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3053,"title":" قوله تعالى والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب","lvl":2,"sub":0},{"id":3057,"title":" قوله تعالى ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى","lvl":2,"sub":0},{"id":3062,"title":" قوله تعالى ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره","lvl":2,"sub":0},{"id":3067,"title":" قوله تعالى وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي","lvl":2,"sub":0},{"id":3069,"title":" قوله تعالى لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا","lvl":2,"sub":0},{"id":3073,"title":"سورة الزخرف ","lvl":1,"sub":0},{"id":3073,"title":" قوله تعالى حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون","lvl":2,"sub":1},{"id":3077,"title":" قوله تعالى والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون","lvl":2,"sub":0},{"id":3082,"title":" قوله تعالى وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون","lvl":2,"sub":0},{"id":3087,"title":" قوله تعالى ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا","lvl":2,"sub":0},{"id":3094,"title":" قوله تعالى وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون","lvl":2,"sub":0},{"id":3100,"title":" قوله تعالى وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم","lvl":2,"sub":0},{"id":3103,"title":" قوله تعالى إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون","lvl":2,"sub":0},{"id":3107,"title":"سورة الدخان ","lvl":1,"sub":0},{"id":3107,"title":" قوله تعالى حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين","lvl":2,"sub":1},{"id":3111,"title":" قوله تعالى وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين","lvl":2,"sub":0},{"id":3116,"title":" قوله تعالى إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين","lvl":2,"sub":0},{"id":3120,"title":"سورة الجاثية ","lvl":1,"sub":0},{"id":3120,"title":" قوله تعالى حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين","lvl":2,"sub":1},{"id":3123,"title":" قوله تعالى قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون","lvl":2,"sub":0},{"id":3127,"title":" قوله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه","lvl":2,"sub":0},{"id":3129,"title":" قوله تعالى وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها","lvl":2,"sub":0},{"id":3132,"title":"سورة الأحقاف ","lvl":1,"sub":0},{"id":3132,"title":" قوله تعالى حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى","lvl":2,"sub":1},{"id":3134,"title":" قوله تعالى وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين","lvl":2,"sub":0},{"id":3140,"title":" قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها","lvl":2,"sub":0},{"id":3146,"title":" قوله تعالى واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه","lvl":2,"sub":0},{"id":3151,"title":" قوله تعالى وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا","lvl":2,"sub":0},{"id":3157,"title":"سورة محمد ","lvl":1,"sub":0},{"id":3157,"title":" قوله تعالى الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم","lvl":2,"sub":1},{"id":3163,"title":" قوله تعالى إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار","lvl":2,"sub":0},{"id":3169,"title":" قوله تعالى ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة","lvl":2,"sub":0},{"id":3174,"title":" قوله تعالى ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول","lvl":2,"sub":0},{"id":3180,"title":"سورة الفتح ","lvl":1,"sub":0},{"id":3180,"title":" قوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر","lvl":2,"sub":1},{"id":3184,"title":" قوله تعالى إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":3189,"title":" قوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":3193,"title":" قوله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3198,"title":" قوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين","lvl":2,"sub":0},{"id":3204,"title":"سورة الحجرات ","lvl":1,"sub":0},{"id":3204,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله","lvl":2,"sub":1},{"id":3208,"title":" قوله تعالى ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3214,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم","lvl":2,"sub":0},{"id":3220,"title":"سورة ق ","lvl":1,"sub":0},{"id":3220,"title":" قوله تعالى ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب","lvl":2,"sub":1},{"id":3224,"title":" قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد","lvl":2,"sub":0},{"id":3233,"title":" قوله تعالى وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص","lvl":2,"sub":0},{"id":3236,"title":"سورة الذاريات ","lvl":1,"sub":0},{"id":3236,"title":" قوله تعالى والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا","lvl":2,"sub":1},{"id":3238,"title":" قوله تعالى قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون","lvl":2,"sub":0},{"id":3243,"title":" قوله تعالى قال فما خطبكم أيها المرسلون","lvl":2,"sub":0},{"id":3248,"title":" قوله تعالى كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":3251,"title":"سورة الطور ","lvl":1,"sub":0},{"id":3251,"title":" قوله تعالى والطور وكتاب مسطور في رق منشور","lvl":2,"sub":1},{"id":3254,"title":" قوله تعالى أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون","lvl":2,"sub":0},{"id":3260,"title":" قوله تعالى أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون","lvl":2,"sub":0},{"id":3266,"title":"سورة النجم ","lvl":1,"sub":0},{"id":3266,"title":" قوله تعالى والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى","lvl":2,"sub":1},{"id":3274,"title":" قوله تعالى إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى","lvl":2,"sub":0},{"id":3280,"title":" قوله تعالى وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى","lvl":2,"sub":0},{"id":3283,"title":"سورة القمر ","lvl":1,"sub":0},{"id":3283,"title":" قوله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر","lvl":2,"sub":1},{"id":3285,"title":" قوله تعالى خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر","lvl":2,"sub":0},{"id":3291,"title":" قوله تعالى ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر","lvl":2,"sub":0},{"id":3295,"title":" قوله تعالى أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر","lvl":2,"sub":0},{"id":3299,"title":"سورة الرحمن ","lvl":1,"sub":0},{"id":3299,"title":" قوله تعالى الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان","lvl":2,"sub":1},{"id":3303,"title":" قوله تعالى رب المشرقين ورب المغربين","lvl":2,"sub":0},{"id":3310,"title":" قوله تعالى يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام","lvl":2,"sub":0},{"id":3316,"title":" قوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3319,"title":"سورة الواقعة ","lvl":1,"sub":0},{"id":3319,"title":" قوله تعالى إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة","lvl":2,"sub":1},{"id":3323,"title":" قوله تعالى يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين","lvl":2,"sub":0},{"id":3329,"title":" قوله تعالى ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم","lvl":2,"sub":0},{"id":3335,"title":" قوله تعالى إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":3341,"title":"سورة الحديد ","lvl":1,"sub":0},{"id":3341,"title":" قوله تعالى سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم","lvl":2,"sub":1},{"id":3345,"title":" قوله تعالى يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار","lvl":2,"sub":0},{"id":3352,"title":" قوله تعالى والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3357,"title":" قوله تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط","lvl":2,"sub":0},{"id":3363,"title":"سورة المجادلة ","lvl":1,"sub":0},{"id":3363,"title":" قوله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير","lvl":2,"sub":1},{"id":3367,"title":" قوله تعالى ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3372,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":3377,"title":" قوله تعالى كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز","lvl":2,"sub":0},{"id":3379,"title":"سورة الحشر ","lvl":1,"sub":0},{"id":3379,"title":" قوله تعالى سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم","lvl":2,"sub":1},{"id":3382,"title":" قوله تعالى ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار","lvl":2,"sub":0},{"id":3388,"title":" قوله تعالى والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3393,"title":" قوله تعالى كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين","lvl":2,"sub":0},{"id":3398,"title":"سورة الممتحنة ","lvl":1,"sub":0},{"id":3398,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق","lvl":2,"sub":1},{"id":3403,"title":" قوله تعالى لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":3405,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن","lvl":2,"sub":0},{"id":3412,"title":"سورة الصف ","lvl":1,"sub":0},{"id":3412,"title":" قوله تعالى سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم","lvl":2,"sub":1},{"id":3414,"title":" قوله تعالى وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة","lvl":2,"sub":0},{"id":3417,"title":"سورة الجمعة ","lvl":1,"sub":0},{"id":3417,"title":" قوله تعالى يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم","lvl":2,"sub":1},{"id":3420,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3424,"title":"سورة المنافقون ","lvl":1,"sub":0},{"id":3424,"title":" قوله تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله","lvl":2,"sub":1},{"id":3426,"title":" قوله تعالى وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون","lvl":2,"sub":0},{"id":3430,"title":"سورة التغابن ","lvl":1,"sub":0},{"id":3430,"title":" قوله تعالى يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير","lvl":2,"sub":1},{"id":3434,"title":" قوله تعالى والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير","lvl":2,"sub":0},{"id":3437,"title":"سورة الطلاق ","lvl":1,"sub":0},{"id":3437,"title":" قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة","lvl":2,"sub":1},{"id":3442,"title":" قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن","lvl":2,"sub":0},{"id":3446,"title":"سورة التحريم ","lvl":1,"sub":0},{"id":3446,"title":" قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم","lvl":2,"sub":1},{"id":3453,"title":" قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا","lvl":2,"sub":0},{"id":3458,"title":"سورة الملك ","lvl":1,"sub":0},{"id":3458,"title":" قوله تعالى تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير","lvl":2,"sub":1},{"id":3463,"title":" قوله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور","lvl":2,"sub":0},{"id":3467,"title":" قوله تعالى قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون","lvl":2,"sub":0},{"id":3469,"title":"سورة القلم ","lvl":1,"sub":0},{"id":3469,"title":" قوله تعالى ن والقلم وما يسطرون","lvl":2,"sub":1},{"id":3475,"title":" قوله تعالى سنسمه على الخرطوم","lvl":2,"sub":0},{"id":3480,"title":" قوله تعالى خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون","lvl":2,"sub":0},{"id":3484,"title":"سورة الحاقة ","lvl":1,"sub":0},{"id":3484,"title":" قوله تعالى الحاقة ما الحاقة","lvl":2,"sub":1},{"id":3487,"title":" قوله تعالى وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة","lvl":2,"sub":0},{"id":3493,"title":" قوله تعالى فليس له اليوم هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين","lvl":2,"sub":0},{"id":3496,"title":"سورة المعارج ","lvl":1,"sub":0},{"id":3496,"title":" قوله تعالى سأل سائل بعذاب واقع","lvl":2,"sub":1},{"id":3500,"title":" قوله تعالى يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3503,"title":" قوله تعالى والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم","lvl":2,"sub":0},{"id":3506,"title":"سورة نوح ","lvl":1,"sub":0},{"id":3506,"title":" قوله تعالى إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك","lvl":2,"sub":1},{"id":3508,"title":" قوله تعالى يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا","lvl":2,"sub":0},{"id":3513,"title":"سورة الجن ","lvl":1,"sub":0},{"id":3513,"title":" قوله تعالى قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا","lvl":2,"sub":1},{"id":3517,"title":" قوله تعالى وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا","lvl":2,"sub":0},{"id":3526,"title":"سورة المزمل ","lvl":1,"sub":0},{"id":3526,"title":" قوله تعالى يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا","lvl":2,"sub":1},{"id":3534,"title":" قوله تعالى إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك","lvl":2,"sub":0},{"id":3537,"title":"سورة المدثر ","lvl":1,"sub":0},{"id":3537,"title":" قوله تعالى يا أيها المدثر قم فأنذر","lvl":2,"sub":1},{"id":3541,"title":" قوله تعالى إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر","lvl":2,"sub":0},{"id":3545,"title":" قوله تعالى كل نفس بما كسبت رهينة","lvl":2,"sub":0},{"id":3549,"title":"سورة القيامة ","lvl":1,"sub":0},{"id":3549,"title":" قوله تعالى لا أقسم بيوم القيامة","lvl":2,"sub":1},{"id":3558,"title":" قوله تعالى كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3562,"title":"سورة الإنسان ","lvl":1,"sub":0},{"id":3562,"title":" قوله تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا","lvl":2,"sub":1},{"id":3565,"title":" قوله تعالى عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":3574,"title":" قوله تعالى ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا","lvl":2,"sub":0},{"id":3576,"title":"سورة المرسلات ","lvl":1,"sub":0},{"id":3576,"title":" قوله تعالى والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا","lvl":2,"sub":1},{"id":3578,"title":" قوله تعالى ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين","lvl":2,"sub":0},{"id":3583,"title":"سورة النبأ ","lvl":1,"sub":0},{"id":3583,"title":" قوله تعالى عم يتساءلون عن النبأ العظيم","lvl":2,"sub":1},{"id":3587,"title":" قوله تعالى إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا","lvl":2,"sub":0},{"id":3589,"title":"سورة النازعات ","lvl":1,"sub":0},{"id":3589,"title":" قوله تعالى والنازعات غرقا والناشطات نشطا","lvl":2,"sub":1},{"id":3592,"title":" قوله تعالى هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى","lvl":2,"sub":0},{"id":3596,"title":"سورة عبس ","lvl":1,"sub":0},{"id":3596,"title":" قوله تعالى عبس وتولى أن جاءه الأعمى","lvl":2,"sub":1},{"id":3601,"title":"سورة التكوير ","lvl":1,"sub":0},{"id":3601,"title":" قوله تعالى إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت","lvl":2,"sub":1},{"id":3607,"title":"سورة الانفطار ","lvl":1,"sub":0},{"id":3607,"title":" قوله تعالى إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت","lvl":2,"sub":1},{"id":3609,"title":"سورة المطففين ","lvl":1,"sub":0},{"id":3609,"title":" قوله تعالى ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون","lvl":2,"sub":1},{"id":3613,"title":" قوله تعالى كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين","lvl":2,"sub":0},{"id":3616,"title":"سورة الانشقاق ","lvl":1,"sub":0},{"id":3616,"title":" قوله تعالى إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت","lvl":2,"sub":1},{"id":3621,"title":"سورة البروج ","lvl":1,"sub":0},{"id":3621,"title":" قوله تعالى والسماء ذات البروج واليوم الموعود","lvl":2,"sub":1},{"id":3627,"title":"سورة الطارق ","lvl":1,"sub":0},{"id":3627,"title":" قوله تعالى والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق","lvl":2,"sub":1},{"id":3630,"title":"سورة الأعلى ","lvl":1,"sub":0},{"id":3630,"title":" قوله تعالى سبح اسم ربك الأعلى","lvl":2,"sub":1},{"id":3633,"title":"سورة الغاشية ","lvl":1,"sub":0},{"id":3633,"title":" قوله تعالى هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة","lvl":2,"sub":1},{"id":3637,"title":"سورة الفجر ","lvl":1,"sub":0},{"id":3637,"title":" قوله تعالى والفجر وليال عشر والشفع والوتر","lvl":2,"sub":1},{"id":3642,"title":" قوله تعالى كلا بل لا تكرمون اليتيم","lvl":2,"sub":0},{"id":3645,"title":"سورة البلد ","lvl":1,"sub":0},{"id":3645,"title":" قوله تعالى لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد","lvl":2,"sub":1},{"id":3649,"title":"سورة الشمس ","lvl":1,"sub":0},{"id":3649,"title":" قوله تعالى والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها","lvl":2,"sub":1},{"id":3653,"title":"سورة الليل ","lvl":1,"sub":0},{"id":3653,"title":" قوله تعالى والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى","lvl":2,"sub":1},{"id":3656,"title":"سورة الضحى ","lvl":1,"sub":0},{"id":3656,"title":" قوله تعالى والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى","lvl":2,"sub":1},{"id":3659,"title":"سورة الشرح ","lvl":1,"sub":0},{"id":3659,"title":" قوله تعالى ألم نشرح لك صدرك","lvl":2,"sub":1},{"id":3662,"title":"سورة التين ","lvl":1,"sub":0},{"id":3662,"title":" قوله تعالى والتين والزيتون وطور سينين","lvl":2,"sub":1},{"id":3665,"title":"سورة العلق ","lvl":1,"sub":0},{"id":3665,"title":" قوله تعالى اقرأ باسم ربك الذي خلق","lvl":2,"sub":1},{"id":3669,"title":"سورة القدر ","lvl":1,"sub":0},{"id":3669,"title":" قوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر","lvl":2,"sub":1},{"id":3673,"title":"سورة البينة ","lvl":1,"sub":0},{"id":3673,"title":" قوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة","lvl":2,"sub":1},{"id":3676,"title":"سورة الزلزلة ","lvl":1,"sub":0},{"id":3676,"title":" قوله تعالى إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها","lvl":2,"sub":1},{"id":3678,"title":"سورة العاديات ","lvl":1,"sub":0},{"id":3678,"title":" قوله تعالى والعاديات ضبحا فالموريات قدحا","lvl":2,"sub":1},{"id":3681,"title":"سورة القارعة ","lvl":1,"sub":0},{"id":3681,"title":" قوله تعالى القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة","lvl":2,"sub":1},{"id":3683,"title":"سورة التكاثر ","lvl":1,"sub":0},{"id":3683,"title":" قوله تعالى ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر","lvl":2,"sub":1},{"id":3685,"title":"سورة العصر ","lvl":1,"sub":0},{"id":3685,"title":" قوله تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر","lvl":2,"sub":1},{"id":3686,"title":"سورة الهمزة ","lvl":1,"sub":0},{"id":3686,"title":" قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده","lvl":2,"sub":1},{"id":3689,"title":"سورة الفيل ","lvl":1,"sub":0},{"id":3689,"title":" قوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل","lvl":2,"sub":1},{"id":3691,"title":"سورة قريش ","lvl":1,"sub":0},{"id":3691,"title":" قوله تعالى لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف","lvl":2,"sub":1},{"id":3693,"title":"سورة الماعون ","lvl":1,"sub":0},{"id":3693,"title":" قوله تعالى أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم","lvl":2,"sub":1},{"id":3695,"title":"سورة الكوثر ","lvl":1,"sub":0},{"id":3695,"title":" قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر","lvl":2,"sub":1},{"id":3696,"title":"سورة الكافرون ","lvl":1,"sub":0},{"id":3696,"title":" قوله تعالى قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون","lvl":2,"sub":1},{"id":3697,"title":"سورة النصر ","lvl":1,"sub":0},{"id":3697,"title":" قوله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح","lvl":2,"sub":1},{"id":3698,"title":"سورة المسد ","lvl":1,"sub":0},{"id":3698,"title":" قوله تعالى تبت يدا أبي لهب وتب","lvl":2,"sub":1},{"id":3700,"title":"سورة الإخلاص ","lvl":1,"sub":0},{"id":3700,"title":" قوله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد","lvl":2,"sub":1},{"id":3702,"title":"سورة الفلق ","lvl":1,"sub":0},{"id":3702,"title":" قوله تعالى قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق","lvl":2,"sub":1}]}