{"pages":[{"id":1,"text":"الاحكام - ابن حزم ج 1\rالاحكام\rابن حزم ج 1","part":1,"page":0},{"id":2,"text":"الاحكام في أصول الاحكام للحافظ ابى محمد على بن حزم الاندلسي الظاهرى هذا الكتاب النفيس، الذى لم تر العين مثيله في علم الاصول أحمد شاكر الجزء الاول قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الاستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله الناشر زكريا على يوسف مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"وعد..ووعد ظهرت الطبعة الاول من هذا الكتاب القيم سنة 1345 ه بإشراف المر حوم الشيخ أحمد شاكر في ثمانية أجزاء صغيرد حسب تجزئة المؤلف.\rوقد وعدوا القراء بكتابة ترجمة وافية للمؤلف، وفهارس تحليلية للكتاب، ولكت يبدو أن الظروف لم تساعد على إنجاز هذا الوعد.\rأما هذه الطبعة فستكون إن شاء الله في مجلدين، كل مجلد 4 أجزاء في غلاف واحد، وسنحاول بعون الله أن نقوم ببعض ما فات القراء في الطبعة الاولى من الترجمة والفهرس التفصيلي، وما لا يدرك كله لا يترك كله، وسيكون ذلك ختام الكتاب إن شاء الله\rوقد نفدت الطبعة الاولى من سنين كثيرة، وارتفع ثمنها إلى عشرة أمثال، ولما صح عزمنا على نشر بحشنا طويلا عن نسخة منها للمفالة عليها عند الطبع، وساعدنا في البحث كثير من إخواننا، فلم نعثر لها على أثر، ولما علم بذلك فضيلة الاستاذ الشيخ على المحيمو على محفوظ تفضل علينا بنسخة الخاصة فشكر الله له","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم كلمة الناشر مما أحفظه عن السيد رشيد رضا رحمه الله أنه كان يقول: لو وفق الله الطبع المغنى في الفقه أو المحلى لابن حزم على ما فيه من شدة على الائمة فإنى أموت وأنا مطمئن على الفقه الاسلامي حفظت ذلك عن صاحب المنار منذأ كثر من ثلاثين سنة، ومن يومها وأنا أقدر ابن حزم وأحترمه وأحبه وأتمنى أن أنشر له بعض آثاره القيمة التى تضئ للمسلم طريقه في دينه وديناه، وتجعله يسير بالنقد والشدة - أحيانا - لمن سبقه من الفقهاء والائمة إذا وجدهم عد علموا بأحاديث لم تصح عنده، أو عملوا بآراء تخالف ماصح عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rولعل مرد ذلك النقد وتلك الشدة إلى مال الحظه ابن حزم رحمه الله من إقبال على التقليد لهؤلاء اللفقهاء والائمة، وإدبار عن طب الهدى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فأراد رحمه الله أن يخفف الناس من هذا الاقبال، ومن هذا الادبار، وأن يكسب للكتاب والسنة فريقا من الانصار يعلنون صوتهما إقامة لحجة الله على خلقه.\rولا نتصور أبدا أن ابن حزم كان لا يحترم هؤلاء الائمة أو لا يحبهم، أو\rينكر عليهم فضلهم في علماء الاسلام، فما من أحد من هؤلاء الائمة إلا كان ينهى عن تقليده ويدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله لعيه وسلم.\rوقد يكون مرد تلك الشدة في ابن حزم هو نشأته وبيئته وبيته ومنصبه، فقد تولى هو الزارة كا تو لاها والده وهذا الجو له تأثيره في النفس، الا ترى إلى موسى عليه السلام وقد تربى في بيت فرعون - كيف كان شديد البطش قوى البأس، وهو من أنبياء الله المرسلين ؟ وسيأتى تفصيل ذلك في ترجمة المؤلف في آخر الكتاب إن شاء الله.\rزكريا على يوسف","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم قال الفقيه الامام أبو محمد، على بن أحمد، رحمة الله عليه ورضوانه: الحمد لله الذى امتن علينا بنعم عامة وخاصة، فعم النوع الة ممى بأن أرسل إليهم مقدمة المؤلف قال الفقيه الامام أبو محمد، علي بن أحمد، رحمة الله عليه ورضوانه: الحمد لله الذي امتن علينا بنعم عامة وخاصة، فعم النوع الآدمي بأن أرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وخص من شاء منهم بأن وفقه للحق وهداه له، ويسره لفهمه، وسدده لاختياره، وسهل عليه سبيله، وخذل منهم من شاء، فطبع على قلبه، ووعر عليه طريق الحق، ووفق قوما في سبيل ما، ومنعهم التوفيق في سبيل أخرى، كما قال عز وجل: من يشأ لله يضلله ومن يشأ يجعله على طراط مستقيم.\rولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون دون * (والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) * و * (وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون) * أن يجبر مريد حق على إرادته، أو يقسر قاصد باطل على قصده، أو يحول بين أحد وبين ما دعاه تعالى إليه، أو ندبه إليه، لكن كما قال عز وجل: * (وآعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ولكن الله حبب إليكم\rالايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ئ فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم) * وكما قال تعالى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، وقال تعالى (وكذلك زينا لكل أمة عملهم) وكما قال النبيان الفاضلان صلى الله عليهما إبراهيم ويوسف إذ يقول إبراهيم * (فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين) * ويقول يوسف * (قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) * وصلى الله على محمد عبده ورسوله إلى جميع الجن والانس بالدين القيم بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.\rوبعد: فإن الله عز وجل ركب في النفس الانسانية قوة مختلفة، فمنها عدل يزين لها الانصاف، ويحبب إليها موافقة الحق.\rقال تعالى: * (إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) * وقال تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين) * ومنها غضب وشهوة يزينان لها الجور ويعميانها عن طريق الرشد، قال تعالى: * (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) * وقال تعالى: * (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) * فالفاضل يسر لمعرفته بمقدار ما منحه الله تعالى، والجاهل يسر لما لا يدري حقيقة وجهه ولما فيه وباله","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"في أخراه وهلاكه في معاده.\rومنها فهم يليح لها الحق من قريب، وينير لها في ظلمات المشكلات فترى به الصواب ظاهرا جليا.\rومنها جهل يطمس عليها الطرق، ويساوي عندها بين السبل، فتبقى النفس في حيرة تتردد، وفي ريب تتلدد، ويهجم بها على أحد الطرق المجانبة للحق المنكبة عن الصواب تهورا وإقداما أو جبنا أو إحجاما، أو إلفا وسوء اختيار، قال تعالى: * (ل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * وقال تعالى: * (انما يخشى الله من عباده العلماء) *.\rومنها قوة التمييز التي سماها الاوائل المنطق، فجعل لها خالقها بهذه القوة سبيلا إلى فهم خطابه عز وجل، وإلى معرفة الاشياء ما هي عليه، وإلى إمكان التفهم الذي به ترتقي درجة الفهم ويتخلص من ظلمة الجهل، فيها تكون معرفة الحق من الباطل.\rقال تعالى: فبشر عبادي الذين يستعمون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هدا هم الله وألئك هم أولوا الالباب ومنها قوة العقل التي تعين النفس المميزة على نصر العدل، وعلى إيثار ما دلت عليه صحة الفهم، وعلى اعتقاد ذلك علما، وعلى إظهار باللسان وحركات الجسم فعلا، وبهذه القوة التي هي العقل تتأيد النفس الموفقة لطاعته على كراهية الحود عن الحق، وعلى رفض ما قاد إليه الجهل والشهوة، والغضب المولد للعصبية، وحمية الجاهلية، فمن اتبع ما أناره له العقل الصحيح نجا وفاز، ومن عاج عنه هلك وربما أهلك قال تعالى: * (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) *.\rقال أبو محمد علي: أراد بذلك العقل، وأما المضغة المسماة قلبا فهي لكل أحد متذكر، وغير متذكر، ولكن لما لم ينتفع غير العاقل بقلبه صار كمن لا قلب له، قال تعالى، شاهدا لما قلنا: * (أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها وقال بعض السلف الصالح: ترى الرجل لبيبا داهيا فطنا ولا عقل له فالعاقل من أطاع الله عز وجل.\rقال أبو محمد علي: هذه كلمة جامعة كافية، لان طاعة الله عز وجل، هي جماع","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"الفضائل واجتناب الرذائل، وهي السيرة الفاضلة على الحقيقة التي تخيرها لنا واهب النعم، لا إله إلا هو، فلا فضيلة إلا اتباع ما أمر الله عز وجل به، أو حض عليه، ولا رذيلة إلا ارتكاب ما نهى الله تعالى عنه أو نزه منه، وأما الكيس في أمور الدنيا لا يبالي المرء ما وفق في استجلاب حظه فيها، من علو صوت، أو عرض\rجاه، أو نمو مال، أو نيل لذة من طاعة أو معصية، فليس ذلك عقلا، بل هو سخف وحمق ونقص شديد وسوء اختيار، وقائد إلى الهلاك في دار الخلود.\rوقد شهد ربنا تعالى أن متاع الدنيا غرور، وقد علمنا أن تارك الحق ومتبع الغرور سخيف الاختيار، ضعيف العقل، فاسد التمييز وبرهان ذلك أن كل تمييز في إنسان بان به عن البهائم، فهو يشهد أن اختيار الشئ القليل في عدده، الضعيف في منفعته، المشوب بالآلام والمكاره، الفاني بسرعة، على الكثير في عدده العظيم في منفعته، الخالص من الكدر والمضار، الخالد أبدا، حمق شديد وعدم للعقل البتة.\rولو أن أمرأ خير في دنياه بين سكناه مائة عام في قصر أنيق، واسع ذي بساتين وأنهار ورياض وأشجار، ونواوير وأزهار، وخدم وعبيد وأمن فاش وملك ظاهر، ومال عريض، إلا أن في طريقه إلى ذلك مشي يوم كامل في طريق فيها بعض الحزونة لا كلها، وبين أن يمشي ذلك اليوم في طريق فيها مروج حسنة، وفي خلالها مهالك ومخاوف وظلال طيبة، وفي أثنائها أهوال ومتالف، ثم يفضي عند تمام ذلك اليوم إلى دار ضيقة، ومجلس ضنك ذي نكد وشقاء وخوف وفقر وإقلال، فيسكنها مائة عام، فاختار هذه الدار الحرجة لسرور يوم ممزوج بشوائب البلاء، يلقاه في طريقه نحوها لكان عند كل من سمع خبره ذا آفة شديدة في تمييزه، وفاسد العقل جدا، ظاهر الحمق ردئ الاختيار، مذموما مدحورا ملوما.\rوهذه حال من آثر عاجل دنياه على آجل أخراه.\rفكيف بمن اختار فانيا عن قريب على ما لا يتناهى أبدا.\rاللهم إلا أن يكون شاكا في منقلبه، متحيرا في مصيره، فتلك أسوأ بل هي التي لا شوى لها، نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة بمنه آمين.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"وكل ما قلنا فلم نقله جزافا، بل لم نقل كلمة في ذلك كله إلا مما قاله الله تعالى\rشاهدا بصحته، وميزه العقل، عالما بحقيقته، والحمد لله رب العالمين.\rوإن الله عز وجل ابتلى الامم السالفة بأنبياء ابتعثهم إلى قومهم خاصة، فمؤمن وكافر، فريق في الجنة وفريق في السعير.\rثم إنه تعالى بعث نبيه المختار، وعبده المنتخب من جميع ولد آدم، محمدا (ص) الهاشمي المكي، إلى جميع خلقه من الجن والانس، فنسخ بملته جميع الملل، وختم به الرسل، وخصه بهذه الكرامة وسوده على جميع أنبيائه، واتخذ صفيا ونجيا وخليلا ورسولا فلا نبي بعده، ولا شريعة بعد شريعته إلى انقضاء الدنيا.\rوإذ قد تيقنا أن الدنيا ليست دار قرار، ولكنها دار ابتلاء واختبار ومجاز إلى دار الخلود، وصح بذلك أنه لا فائدة في الدنيا وفي الكون فيها إلا العلم بما امر به عز وجل وتعليمه أهل الجهل والعمل بموجب ذلك، وإن ما عدا هذا مما يتنافس فيه الناس من بعد الصوت، غرور، وأن كل ما تشره إليه النفوس الجاهلة من غرض خسيس، خطأ، إلا ما قصد به إظهار العدل وقمع الزور، والحكم بأمر الله تعالى وبأمر رسوله (ص)، وإحياء سنن الحق، وإماتة طوالع الجور.\rوإن ما تميل إليه النفوس الخسيسة من اللذات بمناظر مألوفة متغيرة عما قليل، وأصوات مستحسنة، متقضية بهبوب الرياح، ومشام مستطرفة، منحلة بعيد ساعات، ومذاوق مستعذبة، مستحلية في أقرب مدة أقبح استحالة، وملابس معجبة، متبدلة في أيسر زمان تبدلا موحشا، باطلا.\rوإن كل ما يشغل به أهل فساد التمييز من كسب المال المنتقل عما قريب فضول، إلا ما أقام القوت وأمسك الرمق، وأنفق في وجوه البر الموصلة إلى الفوز في دار البقاء، كان أفضل ما عاناه المرء العاقل بيان ما يرجو به هدى أهل نوعه، وإنقاذهم من حيرة الشك وظلمة الباطل، وإخراجهم إلى بيان الحق ونور","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"اليقين.\rفقد أخبر رسول الله (ص) أن من هدى الله به رجلا واحدا فهو خير له من حمر النعم.\rوأخبر عليه السلام أن من سن سنة خير في الاسلام، كان له مثل أجر كل عمل بها، لا ينتقص ذلك من أجورهم شيئا.\rوغبط من تعلم الحكمة وعلمها.\rفنظرنا بعون الله خالقنا تعالى لنا في هذه الطريق الفاضلة التي هي ثمرة بقائنا في هذه الدنيا فوجدناها على وجوه كثيرة: فمن أوكدها وأحسنها مغبة، بيان الدين واعتقاده والعمل به الذي ألزمنا إياه خالقنا عز وجل على لسان رسوله (ص)، وشرح الجمل التي تجمع أصناف أحكامه، والعبارات الواردة فيه، فإن بمعرفة العقدة من عقد تلك الجمل يلوح الحق في ألوف من المسائل غلط فيها ألوف من الناس.\rفإثم من قلدهم إثمين: إثم التقليد، وإثم الخطأ.\rونقصت أجور من اتبعهم مجتهدا من كفلين إلى كفل واحد.\rومن وفقه الله تعالى لبيان ما يتضاعف فيه أجر المعتقد والعامل بما عضده البرهان فقد عرضه لخير كثير، وامتن عليه بتزايد الاجر، وهو في التراب رميم.\rوذلك حظ لا يزهد فيه إلا محروم، فكتبنا كتابنا المرسوم بكتاب التقريب، وتكلمنا فيه على كيفية الاستدلال جملة، وأنواع البرهان الذي به يستبين الحق من الباطل في كل مطلوب، وخلصناها مما يظن أنه برهان وليس ببرهان، وبينا كل ذلك بيانا سهلا لا إشكال فيه، ورجونا بذلك الاجر من الله عز وجل، فكان ذلك الكتاب أصلا لمعرفة علامات الحق من الباطل، وكتبنا أيضا كتابنا المرسوم بالفصل، فبينا فيه صواب ما اختلف الناس فيه من الملل والنحل بالبراهين التي أثبتنا جملها في كتاب التقريب.\rولم ندع بتوفيق الله عز وجل لنا للشك في شئ من ذلك مساغا، والحمد لله كثيرا.\rثم جمعنا كتابنا هذا وقصدنا فيه بيان الجمل في مراد الله عز وجل منا فيما كلفناه من العبادات، والحكم بين الناس بالبراهين التي أحكمناها في الكتاب المذكور آنفا.\rوجعلنا هذا الكتاب بتأييد خالقنا عز وجل لنا، موعبا للحكم فيما اختلف فيه الناس من أصول الاحكام في الديانة مستوفى، مستقصى، محذوف","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"الفضول، محكم الفصول، راجين أن ينفعنا الله عز وجل به يوم فقرنا إلى ما يثقل به ميزاننا من الحسنات، وأن ينفع به تعالى من يشاء من خلقه، فيضرب لنا في ذلك بقسط، ويتفضل علينا منه بحظ، فهو الذي لا يخيب رجاء من قصده بأمله وهو القادر على كل شئ: لا إله إلا هو.\rوهذا حين نبدأ في ذلك بحول الله وقوته فنقول وبالله تعالى التوفيق: إنه لما صح أن العالم مخلوق، وأن له خالقا لم يزل عز وجل، وصح أنه ابتعث رسوله محمدا (ص) إلى جميع الناس، ليتخلص من أطاعه من أطباق النيران المحيطة بنا إلى الجنة المعدة لاوليائه عز وجل، وليكب من عصاه في النار الحامية، وصح أنه ألزمنا على لسان نبيه (ص) شرائع من أوامر ونواه وإباحات باستعمال تلك الشرائع، يوصل إلى الفوز، وينجي من الهلاك، وصح أنه أودع تلك الشرائع في الكلام الذي أمره به رسوله الله (ص) بتبليغه إلينا، وسماه قرآنا، وفي الكلام الذي أنطق به رسوله (ص) وسماه وحيا غير قرآن، وألزمنا في كل ذلك طاعة نبيه عليه السلام، لزمنا تتبع تلك الشرائع في هذين الكلامين لنتخلص بذلك من العذاب، ونحصل على السلامة والحظوة في دار الخلود، ووجدناه تعالى قد ألزمنا ذلك بقوله في كتابه المنزل: * (وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) *\rفوجب علينا أن ننفر لما استنفرنا له خالقنا عز وجل، فوجدناه قد قال في القرآن الذي قد ثبت أنه من قبله عز وجل، والذي أودعه عهوده إلينا اللازمة لنا: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.\rقال أبو محمد: فنظرنا في هذه الآية فوجدناها جامعة لكل ما تكلم الناس فيه أولهم عن آخرهم، مما أجمعوا عليه واختلفوا فيه الاحكام والعبادات التي شرعها الله عز وجل، لا يشذ عنها شئ من ذلك، فكان كتابنا هذا كله في بيان العمل بهذه الآية وكيفيته وبيان الطاعتين المأمور بهما لله تعالى ولرسوله عليه السلام","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"وطاعة أولي الامر، ومن هم أولو الامر، وبيان التنازع الواقع منا، وبيان ما يقع فيه التنازع بيننا، وبيان رد ما تنوزع فيه إلى الله تعالى ورسوله عليه السلام، وهذا هو جماع الديانة كلها.\rووجدناه قد قال تعالى * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) * فأيقنا أن الدين قد كمل وتناهى، وكل ما كمل فليس لاحد أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه ولا أن يبدله.\rفصح بهذه الآية يقينا أن الدين كله لا يؤخذ إلا عن الله عز وجل، ثم على لسان رسول الله (ص) فهو الذي يبلغ إلينا أمر ربنا عز وجل ونهيه وإباحته، لا مبلغ إلينا شيئا عن الله تعالى أحد غيره.\rوهو عليه السلام لا يقول شيئا من عند نفسه لكن عن ربه تعالى، ثم على ألسنة أولي الامر منا، فهم الذين يبلغون إلينا جيلا بعد جيل ما أتى به رسول الله (ص) عن الله تعالى، وليس لهم أن يقولوا من عند أنفسهم شيئا أصلا، لكن عن النبي عليه السلام، هذه صفة الدين الحق الذي كل ما عداه فباطل، وليس من الدين، إذ ما لم يكن من عند الله تعالى، فليس من دين الله أصلا، وما لم يبينه رسول الله (ص)،\rفليس من الدين أصلا، وما لم يبلغه إلينا أولو الامر منا عن رسول الله (ص) فليس من الدين أصلا.\rفبينا بحول الله تعالى وقوته غلط من غلط في هذا الباب، بأن ترك ما هو من الدين مخطئا غير عامد للمعصية، أو عامدا لها، أو أدخل فيه ما ليس منه كذلك، فلا يخرج البتة الخطأ في أحكام الديانة عن هذين الوجهين: إما ترك، وإما زيادة، ولخصنا الحق تلخيصا لا يشكل على نصح نفسه.\rوقصد الله عز وجل بنيته وما توفيقنا إلا بالله عز وجل.\rوجعلنا كتابنا هذا أبوابا لنقرب على من أراد النظر فيه، ويسهل عليه البحث عما أراد الوقوف عليه منه، رغبة منا في إيصال العلم إلى من طلبه، ورجاء ثواب الله عز وجل في ذلك، وبالله تعالى نتأيد.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"باب ترتيب الابواب، وهو الباب الثاني - إذ الباب الاول في صدر هذا الكتاب، وذكر الغرض فيه وهو الذي تم قبل هذا الابتداء.\rالباب الثاني: هذا الذي نحن فيه وهو ترتيب أبواب هذا الكتاب الباب الثالث: في إثبات حجج العقل وبيان ما يدركه على الحقيقة، وبيان غلط من ظن في العقل ما ليس فيه.\rالباب الرابع: في كيفية ظهور اللغات التي يعبر بها عن جميع الاشياء ويتخاطب بها الناس.\rالباب الخامس: في الالفاظ الدائرة بين أهل النظر.\rالباب السادس: هل الاشياء في العقل على الحظر أو الاباحة.\rأو لا على واحد منها لكن على ترقب ما يرد فيها من خالقها عز وجل.\rالباب السابع: في أصول أحكام الديانة وأقسام المعارف وهل على النافي\rدليل أو لا.\rالباب الثامن: في معنى البيان.\rالباب التاسع: في تأخير البيان.\rالباب العاشر: في القول بموجب القرآن.\rالباب الحادي عشر: في الاخبار التي هي السنن - وفي بعض فصول هذا الباب - سبب الاختلاف الواقع بين الائمة.\rالباب الثاني عشر: في الاوامر والنواهي الواردة في القرآن والسنة والاخذ بالظاهر منهما وحمل كل ذلك على الوجوب والفور.\rأو الندب أو التراخي.\rالباب الثالث عشر: في حملها على العموم أو الخصوص.\rالباب الرابع عشر: في أقل الجمع الوارد فيها.\rالباب الخامس عشر: في الاستثناء منها.\rالباب السادس عشر: في الكتابة بالضمير.\rالباب السابع عشر: في الكتابة بالاشارة.\rالباب الثامن عشر: في المجاز والتشبيه.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"الباب التاسع عشر: في أفعال رسول الله (ص) وفي الشئ يراه أو يبلغه فيقره صامتا عن الامر به أو النهي عنه.\rالباب الموفي عشرين: في النسخ.\rالباب الحادي والعشرون: في المتشابه من القرآن والمحكم، والفرق بينه وبين المتشابه المذكور في الحديث بين الحلال والحرام.\rالباب الثاني والعشرون: في الاجماع.\rالباب الثالث والعشرون: في استصحاب الحال وبطلان العقود والشروط\rإلا ما نص عليه منها أو أجمع على صحته، وهو باب من الدليل الاجماعي.\rالباب الرابع والعشرون: في أقل ما قيل وهو أيضا نوع من أنواع الدليل الاجماعي.\rالباب الخامس والعشرون: في ذم الاختلاف والنهي عنه.\rالباب السادس والعشرون: في أن الحق في واحد وسائر الاقوال كلها خطأ.\rالباب السابع والعشرون: في الشذوذ، ومعنى هذه اللفظة وإبطال التمويه بذكرها.\rالباب الثامن والعشرون: في تسمية الفقهاء المعتد بهم في الخلاف بعد الصحابة رضي الله عنهم.\rالباب التاسع والعشرون: في الدليل النظري والفرق بينه وبين القياس.\rالباب الموفي ثلاثين: في لزوم الشريعة الاسلامية لكل مؤمن وكافر ووقت لزوم الشرائع للانسان.\rالباب الحادي والثلاثون: في صفة طلب الفقه، وصفة المفتي، وصفة الاجتهاد وما يلزم لكل واحد طلبه من دينه.\rالباب الثاني والثلاثون: في وجوب النيات في الاعمال والفرق بين الخطأ المقصود بلا نية الخطأ غير المقصود، والعمد المقصود بالفعل والنية جميعا وحيث يلحق عمل المرء غيره من إثم وبر وحيث لا يلحق.\rالباب الثالث والثلاثون: في شرائع الانبياء قبل نبينا (ص) أتلزمنا أم لا.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"الباب الرابع والثلاثون: في الاحتياط وقطع الذرائع.\rالباب الخامس والثلاثون: في إبطال الاستحسان والاستنباط والرأي.\rالباب السادس والثلاثون: في إبطال التقليد.\rالباب السابع والثلاثون: في دليل الخطاب.\rالباب الثامن والثلاثون: في إبطال القياس.\rالباب التاسع والثلاثون: في إبطال العلل التي يدعيها أهل القياس والفرق بينها وبين العلل الطبيعية التي هي العلل على الحقيقة والكلام في الاسباب والاغراض والمعاني والعلامات والامارات.\rالباب الموفي أربعين: في الاجتهاد ما هو وبيانه ومن هو معذور باجتهاده ومن ليس معذورا به، ومن يقطع عليه أنه أخطأ عند الله عز وجل فيما أداه إليه اجتهاده ومن لا يقطع عليه أنه مخطئ عند الله عز وجل وإن خالفناه.\rالباب الثالث في إثبات حجج العقول قال أبو محمد: قال قوم: لا يعلم شئ إلا بالالهام، وقال آخرون: لا يعلم شئ إلا بقول الامام، وهو عندهم رجل بعينه إلا أنه الآن منذ مائة عام وسبعين عاما معدوم المكان، متلف العين، ضالة من الضوال.\rوقال آخرون: لا يعلم شئ إلا بالخبر.\rوقال آخرون: لا يعلم شئ إلا بالتقليد، واحتجوا في إبطال حجة العقل بأن قالوا: قد يرى الانسان يعتقد بشئ ويجادل عنه، ولا يشك في أنه حق.\rثم يلوح له غير ذلك، فلو كانت حجج العقول صادقة لما تغيرت أدلتها.\rقال أبو محمد: هذا تمويه فاسد، ولا حجة لهم على مثبتي حجج العقول في رجوع من رجع عن مذهب كان يعتقده، ويناضل عنه، لاننا لم نقل: إن كان معتقد لمذهب ما فهو محق فيه، ولا قلنا: إن كل ما استدل به مستدل ما على مذهبه فهو حق.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"ولو قلنا ذلك لفارقنا حكم العقول.\rلكن قلنا: إن من الاستدلال ما يؤدي إلى مذهب صحيح إذا كان الاستدلال صحيحا مرتبا ترتيبا قويما على ما قد بيناه وأحكمناه غاية الاحكام في كتاب التقريب.\rوقد يوقع الاستدلال إذا كان فاسدا\rعلى مذهب فاسد، وذلك إذا خولف به طريق الاستدلال الصحيح، وقد نبهنا على الشعاب والعوارض المعترضة في طريق الاستدلال وبيناها وحذرنا منها في الكتاب المذكور، ولم ندع هنالك في تبيين كل ما ذكرناه علقة وأوضحناه غاية الايضاح.\rفالراجع عن مذهب إلى مذهب لا بد له ضرورة من أن يكون أحد استدلالية فاسدا، إما الاول، وإما الثاني، وقد يكونان معا فاسدين، فيتنقل من مذهب فاسد إلى مذهبه فاسد.\rأو من مذهب صحيح إلى مذهب فاسد، أو من مذهب فاسد إلى مذهب صحيح.\rلا بد من أحد هذه الوجوه، ولا يجوز أن يكونا صحيحين معا البتة.\rلان الشئ لا يكون حقا بإطلاق في وقت واحد من وجه واحد.\rوقد يكون أقساما كثيرة كلها باطل إلا واحدا فينتقل المرء من قسم فاسد منها إلى آخر فاسد، وهذا إنما يعرض لمن غبن عقله ولم ينعم النظر، فمال بهوى أو تهور بشهوة، أو أحجم لفرط جبنه، أو لمن كان جاهلا بوجوه طرق الاستدلال الصحيحة لم يطالعها ولا تعلمها.\rوأكثر ما يقع ذلك فيما يأخذ من مقدمات بعيدة، فكان الطريق المؤدي من أوائل المعارف إلى صحة المذهب المطلوب طريقا بعيدا كثير الشعب، فيكل فيها الذهن الكليل، ويدخل مع طول الامر وكثرة العمل ودقته السآمة، فيتولد فيها الشك والخبال والسهو، كما يدخله ذلك على الحاسب في حسابه، على أن الحساب علم ضروري لا يتناقض فيجد أعدادا متفرقة في قرطاس، فإذا أراد الحاسب جمعها فإن كثرت جدا فربما غفل وغلط، حتى إذا حقق وتثبت ولم يشغل خاطره بشئ وقف على اليقين بلا شك.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"هذا شئ يوجد حسا كما ترى، وقد يدخل أيضا على الحواس، فيرى المرء بعينه شخصا، فربما ظنه زيدا وكابر عليه، حتى إذا تثبت فيه علم أنه عمرو، وهكذا\rيعرض في الصوت المسموع وفي المشموم وفي الملموس وفي المذوق، وقد يعرض ذلك الشئ، يطلبه المرء وهو بين يديه في جملة أشياء كثيرة فيطول عناؤه في طلبه ويتعذر عليه وجوده، ثم يجده بعد ذلك، فلا يكون عدم وجوده إياه مبطلا لكونه بين يديه حقيقة، فكذلك يعرض في الاستدلال، وليس شئ من ذلك بموجب بطلان صحة إدراك الحواس، ولا صحة إدراك العقل الذي به علمت صحة ما أدركته الحواس، ولولاه لم نعلم أصلا، كما أن حواس المجنون المطب والمغشي عليه لا يكاد ينتفع بها، وقل ما يعرض هذا في أعداد يسيرة ولا فيما أخذ بمقدمات قريبة من أوائل المعارف، ولا سبيل إلى أن يعرض ذلك فيما أوجبته أوائل المعارف إلا لسوفسطائي رقيع، يعلم يقينا بقلبه أنه كاذب، وأنه مبطل وقاح، أو لمرور ممسوس ينبغي أن يعالج دماغه، فهذا معذور، وإنما نكلم الانفس لسنا نقصد بكلامنا الالسنة.\rولا علينا قصر الالسنة بالحجة إلى الاذعان بالحق، وإنما علينا قسر الانفس إلى تيقن معرفته فقط.\rفهذا الذي ظنوه من رجوع من كان على مذهب ما إلى مذهب آخر أن ذلك كله حجج عقل تفاسدت، إنما هو خطأ صريح، فمن هنا دخلت عليهم الشبهة، وإنما بيان ذلك أن ما كان من الدلائل صحيحا مسبورا محققا، فهو حجة العقل، وما كان منها بخلاف ذلك فليست حجة عقل، بل العقل يبطلها، فسقط ما ظنوا والحمد لله رب العالمين.\rوقد أحكمنا هذا غاية الاحكام والحمد لله رب العالمين، في باب أفردناه لهذا المعنى في آخر كتابنا الموسوم بالفصل، ترجمته (باب الكلام على من قال بتكافؤ الادلة).\rوقد سألوا أيضا فقالوا: بأي شئ عرفتم صحة حجة العقل ؟ أبحجة عقل أم بغير ذلك ؟ فإن قلتم: عرفناها بحجة العقل ففي ذلك نازعناكم، وإن قلتم بغير ذلك فهاتوه.\rقال أبو محمد، وهذا سؤال مبطل الحقائق كلها، والجواب على ذلك وبالله تعالى","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"چالتوفيق: أن صحة ما أوجبه العقل عرفناه بلا واسطة وبلا زمان، ولم يكن بين أول أوقات فهمنا، وبين معرفتنا بذلك مهلة البتة، ففي أول أوقات فهمنا علمنا أن الكل أكثر من الجزء، وأن كل شخص فهو غير الشخص الآخر، وأن الشئ لا يكون قائما قاعدا في حال واحدة، وأن الطويل أمد من القصير وبهذه القوة عرفنا صحة ما توجبه الحواس، وكلما لم يكن بين أول أوقات معرفة المرء وبين معرفته به مهلة ولا زمان، فلا وقت للاستدلال فيه، ولا يدري أحد كيف وقع له ذلك، إلا أنه فعل الله عز وجل في النفوس فقط.\rثم من هذه المعرفة أنتجنا جميع الدلائل.\rثم نقول له إن كنت مسلما بالقرآن يوجب صحة حجج العقول على ما سنورده في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى، فإن كلامنا في هذا الديوان إنما هو مع أهل ملتنا.\rوأما إن كان المكلم به لنا غير مسلم فقد أجبناه عن هذا السؤال في كتابنا الموسوم بالفصل، وكتابنا الموسوم بالتقريب، وتقصينا هذا الشك وبينا خطأه بعون الله تعالى، وليس كتابنا هذا مكان الكلام مع هؤلاء.\rقال أبو محمد: ويقال لمن قال بإلهام: ما الفرق بينك وبين من ادعى أنه ألهم بطلان قولك فلا سبيل له إلى الانفصال عنه.\rوالفرق بين هذه الدعوى ودعوى من ادعى أنه يدرك بعقله خلاف ما يدركه ببديهة العقل، وبين ما لا يدركه بأوائل العقل أن كل من في المشرق والمغرب إذا سئل عما ذكرناه أننا عرفناه بأوائل العقل أخبر بمثل ما نخبر سواء، وأن المدعين للالهام، ولادراك ما يدركه غيرهم بأول عقله، لا يتفق اثنان منهم على ما يدعيه كل واحد منهم، إلهاما أو إدراكا، فصح بلا شك أنهم كذبة.\rوأن الذي بهم وسواس.\rوأيضا فإن الالهام دعوى مجردة من الدليل، ولو أعطي كل امرئ بدعواه المعراة لما ثبت حق، ولا بطل باطل،\rولا استقر ملك أحد على مال ولا انتصف من ظالم، ولا صحت ديانة أحد أبدا، لانه لا يعجز أحد عن أن يقول: ألهمت أن دم فلان حلال، وأن ماله مباح لي أخذه، وأن زوجه مباح لي وطؤها، وهذا لا ينفك منه، وقد يقع في النفس وساوس كثيرة لا يجوز أن تكون حقا، وأشياء متضادة يكذب بعضها بعضا، فلا بد من حاكم","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"يميز الحق منها من الباطل، وليس ذلك إلا العقل الذي لا تتعارض دلائله.\rوقد بينا ذلك في كتاب التقريب.\rوقال أبو محمد: ويقال لمن قال بالامام: بأي شئ عرفت صحة قول الامام، أببرهان أم بمعجزة أم بإلهام ؟ أم بقوله مجردا ؟.\rفإن قال ببرهان كلف بأن يأتي به، ولا سبيل له إليه، وإن قال بمعجزة ادعى البهتان لاسيما الآن وهم يقرون أنه قد خفي عنهم موضعه منذ مائة وسبعين عاما، وإن قالوا بالالهام سئلوا بما ذكرنا في إبطال الالهام، وإن قالوا بقوله مجردا سئلوا عن الفرق بين قوله وقول خصومهم في إبطال مذاهبهم دون دليل، ولا سبيل إلى وجه خامس أصلا.\rقال أبو محمد: ويقال لمن قال بالتقليد: ما الفرق بينك وبين من قلد غير الذي قلدت أنت، بل كفر من قلدته أنت أو جهله.\rفإن أخذ يستدل في فضل من قلده كان قد ترك التقليد، وسلك في طريق الاستدلال من غير التقليد، وقد أفردنا في إبطال التقليد بابا ضخما قرب آخر كتابنا هذا استوعبنا فيه إبطاله وبالله التوفيق.\rقال أبو محمد علي: ويقال لمن قال لا يدرك شئ إلا من طريق الخبر، أخبرنا الخبر كله حق ؟ أم كله باطل ؟ أم منه حق وباطل ؟ فإن قال هو باطل كله كان قد أبطل ما ذكر أنه لا يعلم شئ إلا به، وفي هذا إبطال قوله وإبطال جميع العلم، وإن قال حق كله، عورض بأخبار مبطلة لمذهبه، فلزمه ترك مذهبه لذلك أو اعتقاد الشئ وضده في وقت واحد، وذلك ما لا سبيل إليه، وكل مذهب أدى إلى المحال وإلى\rالباطل فهو باطل ضرورة، فلم يبق إلا أن من الخبر حقا وباطلا، فإذا كان كذلك بطل أن يعلم صحة الخبر بنفسه، إذ لا فرق بين صورة الحق منه وصورة الباطل فلا بد من دليل يفرق بينهما، وليس ذلك إلا لحجة العقل المفرقة بين الحق والباطل.\rقال أبو محمد علي: ثم يقال لجميعهم: بأي شئ عرفتم صحة ما تدعون إليه، وصحة","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"التوحيد والنبوة، ودينك الذي أنت عليه، أبعقل ذلك على صحة كل ذلك أم بغير عقل ؟ وبأي شئ عرفت فضل من قلدت، أو صحة ما ادعيت أنك ألهمته بعد أن لم تكن ملهما إليه ولا مقلدا له برهة من دهرك ؟ وبأي شئ عرفت صحة ما بلغك من الاخبار بعد أن لم تكن بلغتك ؟ وهل لك من عقل أم لا عقل لك ؟ فإن قال: عرفت كل ذلك بلا عقل ولا عقل لي فقد كفينا مؤنته، وبلغنا في نفسه أكثر مما رغبنا منه، فإننا إنما رغبنا منه الاعتراف بالخطأ، فقد زادنا في نفسه منزلة لم نرغبها منه، وسقط الكلام معه ولزمنا السكوت عنه، وإلا كنا في نصاب من يكلم السكارى الطافحين والمجانين المتعرين على الطرق.\rفإن قال: لي عقل وبعقلي عرفت ما عرفت فقد أثبت العقل وترك مذهبه الفاسد ضرورة.\rقال أبو محمد: واحتجوا في إبطال الجدال والمناظرة بآيات ذكروها وهي قوله تعالى * (لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير) * والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد) *.\rقال أبو محمد: وهذه الآية مبينة وجه الجدال المذموم، وهو قوله تعالى: فيمن يحاج بعد ظهور الحق، وهذه صفة المعاند للحق، الآبي من قبول الحجة بعد ظهورها، وهذا مذموم عند كل ذي عقل.\rومنها قوله تعالى: * (وقالوا أآلهتنا خير\rأم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) *.\rقال أبو محمد: وإنما ذم تعالى في هذه الآية من خاصم وجادل في الباطل، وعارض الآلهة التي كانوا يعبدون من حجارة لا تعقل بعيسى النبي العبد المؤيد بالمعجزات، من إحياء الموتى وغير ذلك.\rومنها قوله تعالى: * (ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص) *، ومنها قوله تعالى: * (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني قال أبو محمد قال تعالى: * ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا) * فصح بهذه الآية أن كلام الله تعالى لا يتعارض ولا يختلف، فوجدناه تعالى أثنى على الجدال بالحق وأمر به، فعلمنا يقينا أن الذي أمر به تعالى هو غير الذي نهى عنه بلا شك، فنظرنا في ذلك لنعلم وجه الجدال المنهي عنه المذموم، ووجه","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"الجدال المأمور به المحمود، لانا قد وجدناه تعالى قد قال: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) * ووجدناه تعالى قد قال: * (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) * فكان تعالى قد أوجب الجدال في هذه الآية، وعلم فيها تعالى جميع آداب الجدال كلها من الرفق والبيان، والتزام الحق والرجوع إلى ما أوجبته الحجة القاطعة.\rوقال تعالى: * (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين ئ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) *.\rولم يأمر الله عز وجل رسوله (ص) أن يقول هذا شكا في صدق ما يدعو إليه، ولكن قطعا لحجتهم وحسما لدعواهم وإلزاما لهم، مثل ما التزم لهم من رجوعه إلى الاهدى واتباعه الامر الاصوب، وإعلاما لنا أن من لم يأت بحجة على قوله يصير بها أهدى من قول خصمه، ويبين أن الذي يأتي به هو من عند الله عز وجل، فليس صادقا وإنما هو متبع لهواه.\rوقال تعالى: * (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني\rله ما في السماوات وما في الارض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون ئ قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) *.\rقال أبو محمد: ففي هذه الآية بيان أنه لا يقبل قول أحد إلا بحجة، والسلطان ههنا بلا اختلاف من أهل العلم واللغة هو الحجة، وإن من لم يأت على قوله بحجة فهو مبطل بنص حكم الله عز وجل، وأنه مفتر على الله تعالى، وكاذب عليه عز وجل بنص الآية لا تأويل ولا تبديل، وأنه لا يفلح إذا قال قولة لا يقيم على صحتها حجة قاطعة، ووجدناه تعالى قد علمنا في هذه الآيات وجوه الانصاف الذي هو غاية العدل في المناظرة، وهو أنه من أتى ببرهان ظاهر وجب الانصراف إلى قوله.\rوهكذا نقول نحن اتباعا لربنا عز وجل بعد صحة مذاهبنا لا شكا فيها ولا خوفا منه أن يأتينا أحد بما يفسدها، ولكن ثقة منا بأنه لا يأتي أحد بما يعارضها به أبدا، لاننا ولله الحمد أهل التخليص والبحث، وقطع العمر في طلب تصحيح الحجة واعتقاد الادلة، قبل اعتقاد مدلولاتها، حتى وفقنا، ولله تعالى الحمد على ما ثلج اليقين، وتركنا أهل الجهل والتقليد في ريبهم يترددون.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"وكذلك نقول فيما لم يصح عندنا حتى الآن فنقول مجدين مقرين إن وجدنا ما هو أهدى منه اتبعناه وتركنا ما نحن عليه.\rوإنما هذا في مسائل تعارضت فيها الاحاديث والآي في ظاهر اللفظ، ولم يقم لنا بيان الناسخ من المنسوخ فيها فقط أو في مسائل وردت فيها أحاديث لم تثبت عندنا، ولعلها ثابتة في نقلها، فإن بلغنا ثباتها صرنا إلى القول بها، إلا أن هذا في أقوالنا قليل جدا والحمد لله رب العالمين.\rوأما سائر مذاهبنا فنحن منها على غاية اليقين وقال تعالى: * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) * فأمر عز وجل كما ترى\rبإيجاب المناظرة في رفق، وبالانصاف في الجدال، وترك التعسف والبذاء والاستطالة إلا على من بدأ بشئ من ذلك، فيعارض حينئذ بما ينبغي.\rوقال تعالى: * (فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) * والسلطان الحجة كما ذكرنا وقال تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه) فذكر عز وجل تقرير ابراهيم عليه السلام قومه على نقله الكواكب والشمس والقمر التي كانوا يعبدون من دون الله، وأن ذلك لدليل على خلقها، وبرهان على حدوثها فقال عز وجل: * (وتلك حجتنا آتيناهآ إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم) *.\rوقد أمرنا تعالى في نص القرآن باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، وخبرنا تعالى أن من ملة إبراهيم المحاجة والمناظرة، فمرة للملك ومرة لقومه، والاستدلال كما أخبرنا تعالى عنه، ففرض علينا اتباع المناظرة لنصرف أهل الباطل إلى الحق وأن نطلب الصواب بالاستدلال فيما اختلف فيه المختلفون.\rقال الله عز وجل: * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) * فنحن المتبعون لابراهيم عليه السلام في المحاجة والمناظرة، فنحن أولى الناس به، وسائر الناس مأمورون بذلك.\rقال الله تعالى: * (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) * ومن ملته المناظرة كما ذكرنا، فمن نهى عن المناظرة والحجة فليعلم أنه عاص لله عز وجل ومخالف لملة إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما.\rقال الله عز وجل، وقد أثنى على أصحاب","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"الكهف: * (نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلو بهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعو من دونه إليها لقد قلنا أذا شططا.\rهؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بساهان بين، فمن أظلم ممن افترى * فأثنى الله عز وجل عليهم في إنكارهم قول قومهم إذ لم يقم قومهم على قولهم حجة بينه وصدقهم تعالى في قولهم أن من ادعى قولا بلا دليل فهو مفتر على الله عز وجل الكذب.\rوقال تعالى: * (ومن أظلم ممن ذكر بآيات\rربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون) * فلا أظلم ممن قامت عليه الحجة من كتاب الله تعالى، ومن كلام نبيه (ص) فأعرض عنه، وهو الحجة القاطعة والبرهان الصادع وقال الله تعالى: * (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) * وقال تعالى: * (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين) * فأخبر تعالى كما تسمع أن ما اتبع قولا وافقه بلا علم بصحته فهو ظالم، وإن من لم يرجع إلى ما يسمع من الحق فهو من أهل النار، وقال تعالى: * (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) * أنكر الله تعالى أن يكذب المرء بما لا يعلم.\rفقال تعالى: * (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله فصح بكل ماذ كرنا الوقوف عما لا نعلم والرجوع إلى ما أوجبته الحجة بعد قيامها وقال تعالى: * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه قال أبو محمد: في هذه الآية كفاية في إيجاب ألا يصدق أحد بما لم تقم عليه حجة، وألا يأتي ما قامت عليه الحجة، فمن أظلم ممن عرف ما ذكرنا وأخذ بوسواس يقوم في نفسه، أو بخبر لم يقم على وجوب تصديقه برهان، أو قلد إنسانا مثله لعله عند الله تعالى على خلاف ما يظن، وعلى كل حال فهو معصوم لكن يخطئ ويصيب.\rوقال تعالى: * (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) فأوجب تعالى أن من كان صادقا في دعواه فعليه أن يأتي بالبرهان وإن لم يأت بالبرهان فهو كاذب مبطل، أو جاهل.\rوقال تعالى: * (هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) * فلم يوجب تعالى المحاجة إلا بعلم، ومنع منها بغير علم.\rوقال تعالى: * (فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا)","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"قال أبو محمد: فلما وجدنا الله تعالى قد أمر في الآيات التي ذكرنا بالحجاج والمناظرة، ولم يوجب قبول شئ إلا ببرهان، وجب علينا تطلب الحجاج المذموم\rعلى ما قدمناه فوجدناه قد قال: * (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق فذم تعالى الباطل، وأبطل تعالى بذلك قول المجانين كل مفتون ملقن حجة، وبين تعالى أن المفتون هو الذي لا يلقن حجة، وأن المحق هو الملقن حجة على الحقيقة وهم أهل الحق.\rوقال تعالى: * (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) *.\rفقد جمعت هذه الآيات بيان الجدال المذموم، والجدال المحمود الواجب، فالواجب هو الذي يجادل متوليه في إظهار الحق، والمذموم وجهان بنص الآيات التي ذكرنا: أحدهما من جادل بغير علم والثاني من جادل ناصرا للباطل بشغب وتمويه بعد ظهور الحق إليه، وفي هذا بيان أن الحق في واحد، وأنه لا شئ إلا ما قامت عليه حجة العقل، وهؤلاء المذمومون الذين قال الله تعالى فيهم: * (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون) * وقوله تعالى: * (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد) * وقوله تعالى: * (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ئ ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) * وبقوله تعالى: * (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد ئ كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب) * فبين تعالى كما ترى أن الجدال ا لمحرم هو الجدال الذي يجادل به لينصر الباطل ويبطل الحق بغير علم.\rقال أبو محمد: ويقال لمن أبى عن مطالبته الجدال ومعاناة طلب البرهان أن فرعون قال: * (مآ أريكم إلا مآ أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) * * (وقال الذي آمن يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد) *، فبأي شئ يعرف المحق منهما من\rالمبطل: هل يجوز أن يعرف ذلك إلا بدلائل غير كلامها ؟.","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"فهذا كلام العزيز الجبار الخالق البارئ قد نصصناه في اتباع البرهان، وتكذيب قول من لا حجة في يديه، وهو الذي لا يسع مسلما خلافه.\rلا قول من قال اذهب إلى شاك مثلك فناظره، فيقال له: أترى رسول الله (ص) كان شاكا إذ علمه ربه تعالى مجادلة أهل الكتاب وأهل الكفر، وأمره بطلب البرهان، وإقامة الحجة على كل من خالفه، ولا قول من قال: أو كلما جاء رجل هو أجدل من رجل تركنا ما نحن عليه، أو كلاما هذا معناه.\rقال أبو محمد: وهذا كلام يستوي فيه مع قائله كل ملحد على ظهر الارض، فلئن وسع هذا القائل ألا يدع ما وجد عليه سلفه بلا حجة لحجة ظاهرة واردة عليه، ليسعن اليهودي والنصراني ألا يدعا ما وجدا عليه سلفهما تقليدا بلا برهان، وألا يقبلا برهان الاسلام الواردة عليهما وحجته القاطعة.\rقال الله عز وجل ألا لعنة الله على الظلالمين الذين يصدوق عن سبيل الله ويبغونها عوجا.\rقال أبو محمد: فإذا قد حض الله تعالى على المجادلة بالحق وأمر بطلب البرهان فقد صح أن طلب الحجة هي سبيل الله عز وجل، بالنص الذي ذكرنا أن من نهى عن ذلك وصد عنه، فهو صاد عن سبيل الله تعالى، ظالم ملعون بلا تأويل إلا الا عين النص الوارد من قبل الله تعالى وبالله نعتصم.\rوقال تعالى: * (ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح.\rولا غيظ أغيظ على الكفار والمبطلين من هتك أقوالهم بالحجة الصادعة، وقد تهزم العساكر الكبار، والحجة الصحيحة لا تغلب أبدا، فهي أدعى إلى الحق، وأنصر للدين من السلاح الشاكي، والاعداد الجمة، وأفاضل الصحابة الذين لا نظير\rلهم، إنما أسلموا بقيام البراهين على صحة نبوة محمد (ص) عندهم، فكانوا أفضل ممن أسلم بالغلبة بلا خلاف من أحد من المسلمين.\rوأول ما أمر الله عز وجل نبيه محمدا (ص) أن يدعو له الناس بالحجة البالغة بلا قتال، فلما قامت الحجة وعاندوا الحق، أطلق الله تعالى السيف حينئذ وقال تعالى: * (قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين) *.\rوقال تعالى: * (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولا شك في أن هذا إنما هو بالحجة لان السيف مرة لنا ومرة علينا، وليس كذلك","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"البرهان، بل هو لنا أبدا، ودامغ لقول مخالفينا، ومزهق له أبدا.\rورب قوة باليد قد دمغت بالباطل حقا كثيرا فأزهقته، منها يوم الحرة ويوم قتل عثمان رضي الله عنه، ويوم قتل الحسين وابن الزبير رضي الله عنهم، ولعن قتلتهم، وقد قتل أنبياء كثير وما غلبت حجتهم قط.\rقال أبو محمد: وقد علمنا عز وجل الحجة على الدهرية في قوله تعالى: * (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار) *.\rوقوله تعالى: * (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شئ عددا) * وعلمنا الحجة على الثنوية بقوله تعالى: * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون) * وعلى النصارى وعلى جميع الملل، وقد بينا ذلك في كتابنا المرسوم بكتاب الفصل ورأينا فيه عظيم ما أفادنا الله تعالى في ذلك من الحكمة والعلم بالمحاجة وإظهار البرهان بغاية الايجاز والاختصار.\rوقد أمر الله بالجدال على لسان رسوله (ص)، كما اخبرنا عبد الله بن الربيع قال: أنبأنا محمد بن إسحاق بن السليم، حدثنا ابن الاعرابي، أنبأنا أبو داود، أبو موسى بن إسماعيل، ثنا حماد هو ابن سلمة عن حميد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله (ص): جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم.\rقال أبو محمد: وهذا حديث في غاية الصحة، وفيه الامر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله.\rقال أبو محمد: وقد علمنا رسول الله (ص) وضع السؤال موضعه وكيفية المحاجة في الحديث الذي ذكر محاجة آدم موسى صلى الله عليهما وسلم حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، عن ابن أبي عمر المكي ومحمد بن حاتم وغيرهما، واللفظ لابن حاتم كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، هو ابن دينار، عن طاوس قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله (ص): احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدر الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة.\rفحج آدم موسى.","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"قال أبو محمد: فموسى (ص) وضع الملامة في غير موضعها، فصار محجوجا، وذلك لانه لام آدم (ص) على أمر لم يفعله، وهو خروج الناس من الجنة، وإنما هو فعل الله عز وجل، ولو أن موسى لام آدم على خطيئته الموجبة لذلك لكان واضعا للملامة موضعها، ولكان آدم محجوجا وليس أحد ملوما إلا على ما يفعله لا على ما تولد من فعله، ولا مما فعله غيره.\rوالكافر إنما يلام على الفعل، لا على دخول النار، والقاتل إنما يلام على فعله، لاعلى موت مقتوله ولا على أخذ القصاص منه.\rفعلمنا رسول الله (ص) في هذا الحديث كما ترى كيف نسأل عند المحاجة، وبين لنا (ص) أن المحاجة جائزة، وأن من أخطأ موضع السؤال كان محجوجا، وظهر بذلك قول الله عز وجل: * (كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) *.\rوالذي ذكرنا هو نص الحديث لا ما ظنه من يتعسف الكلام ويحرفه عن\rمواضعه، ويطلب فيه ما ليس فيه، وليس هذا الحديث من باب إثبات القدر في شئ، وإثبات القدر إنما يصح من أحاديث أخر وآيات أخر.\rقال أبو محمد: وقد تحاج المهاجرون والانصار وسائر الصحابة رضوان الله عليهم، وحاج ابن عباس الخوارج بأمر علي رضى الله عنه، وما أنكر قط أحد من الصحابة الجدال في طلب الحق.\rفلا معنى لقول لمن جاء بعدهم.\rوبالجملة فلا أضعف ممن يروم إبطال الجدال بالجدال.\rويريد هدم جميع الاحتجاج بالاحتجاج، ويتكلف فساد المناظرة بالمناظرة، لانه مقر على نفسه أنه يأتي بالباطل، لان حجته هي بعض الحجج التي يريد إبطال جملتها.\rوهذه طريق لا يركبها إلا جاهل ضعيف، أو معاند سخيف.\rوالجدال الذي ندعو إليه هو طلب الحق ونصره.\rوإزهاق الباطل وتبينه.\rفمن ذم طلب الحق وأنكر هدم الباطل فقد ألحد.\rوهو من أهل الباطل حقا.\rوالخصام بالباطل هو اللدد الذي قال فيه عليه السلام: أبغض الرجال إلى الله الالد الخصم أو كما قال (ص).\rفإذا قد بطلت كل طريق ادعاها خصومنا في الوصول إلى الحقائق من الالهام","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"والتقليد، وثبت أن الخبر لا يعلم صحته بنفسه، ولا يتميز حقه من كذبه، وواجبه من غير واجبه، إلا بدليل من غيره، فقد صح أن المرجوع إليه حجج العقول وموجباتها، وصح أن العقل إنما هو مميز بين صفات الاشياء الموجودات، وموقف للمستدل به على حقائق كيفيات الامور الكائنات، وتمييز المحال منها.\rوأما من ادعى أن العقل يحلل أو يحرم، أو أن العقل يوجد عللا موجبة لكون ما أظهر الله الخالق تعالى في هذا العالم من جميع أفاعيله الموجود فيه من الشرائع وغير الشرائع، فهو بمنزلة من أبطل موجب العقل جملة.\rوهما طرفان\rأحدهما أفرط فخرج عن حكم العقل، والثاني قصر فخرج عن حكم العقل، ومن ادعى في العقل ما ليس فيه كمن أخرج منه ما فيه، ولا فرق.\rولا نعلم فرقة أبعد من طريق العقل من هاتين الفرقتين معا، إحداهما: التي تبطل حجج العقل جملة.\rوالثانية: التي تستدرك بعقولها على خالقها عز وجل أشياء لم يحكم فيها ربهم بزعمهم، فثقفوها هم ورتبوها رتبا أوجبوا أن لا محيد لربهم تعالى عنها، وأنه لا تجري أفعاله عز وجل إلا تحت قوانينها.\rلقد افترى كلا الفريقين على الله عز وجل إفكا عظيما، وأتوا بما تقشعر منه جلود أهل العقول.\rوقد بينا أن حقيقة العقل إنما هي تمييز الاشياء المدركة بالحواس وبالفهم ومعرفة صفاتها التي هي عليها جارية على ما هي عليه فقط من إيجاب حدوث العالم، وأن الخالق واحد لم يزل، وصحة نبوة من قامت الدلائل على نبوته، ووجوب طاعة من توعدنا بالنار على معصيته، والعمل بما صححه العقل من ذلك كله، وسائر ما هو في العالم موجود، مما عدا الشرائع، وأن يوقف على كيفيات كل ذلك فقط.\rفأما أن يكون العقل يوجب أن يكون الخنزير حراما أو حلالا، أو يكون التيس حراما أو حلالا، أو أن تكون صلاة الظهر أربعا وصلاة المغرب ثلاثا أو أن يمسح على الرأس في الوضوء دون العنق، أو أن يحدث المرء من أسفله فيغسل أعلاه، أو أن يتزوج أربعا ولا يتزوج خمسا، أو أن يقتل من زنى وهو محصن وإن عفي عنه زوج المرأة وأبوها ولا يقتل قاتل النفس المحرمة عمدا إذا عفا عنه أولياء المقتول.\rأو أن يكون الانسان ذا عينين دون أن يكون ذا ثلاثة أعين أو أربع، أو أن تخص","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"صورة الانسان بالتمييز دون صورة الفرس، أو أن تكون الكواكب المتحيرة سبعا دون أن تكون تسعا، وكذلك سائر رتب العالم كلها.\rفهذا ما لا مجال للعقل\rفيه لا في إيجابه ولا في المنع منه، وإنما في العقل الفهم عن الله تعالى لاوامره، ووجوب ترك التعدي إلى ما يخاف العذاب على تعديه، والاقرار بأن الله تعالى يفعل ما يشاء، ولو شاء أن يحرم ما أحل أو يحل ما حرم لكان ذلك له تعالى، ولو فعله لكان فرضا علينا الانقياد لكل ذلك ولا مزيد.\rومعرفة صفات كل ما أدركنا معرفته مما في العالم وأنه على صفة كذا وهيئة كذا كما أحكمه ربه تعالى ولا زيادة فيه وبالله تعالى التوفيق، وإليه الرغبة في دفع ما لا نطيق.\rالباب الرابع في كيفية ظهور اللغات أعن توقيف أم عن اصطلاح قال أبو محمد: أكثر الناس في هذا، والصحيح من ذلك أصل الكلام توقيف من الله عز وجل بحجة سمع وبرهان ضروري.\rفأما السمع فقول الله عز وجل: * (وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين) *.\rوأما الضروري بالبرهان: فهو أن الكلام لو كان اصطلاحا لما جاز أن يصطلح عليه إلا قوم قد كملت أذهانهم، وتدربت عقولهم، وتمت علومهم، ووقفوا على الاشياء كلها الموجودة في العالم وعرفوا حدودها واتفاقها، واختلافها وطبائعها وبالضرورة نعلم أن بين أول وجود الانسان وبين بلوغه هذه الصفة سنين كثيرة جدا يقتضي في ذلك تربية وحياطة وكفالة من غيره.\rإذ المرء لا يقوم بنفسه إلا بعد سنين من ولادته.\rولا سبيل إلى تعايش الوالدين والمتكفلين والحضان إلا بكلام يتفاهمون به مراداتهم فيما لا بد لهم منه، فيما يقوم معايشهم من حرث أو ماشية أو غراس، ومن معاناة ما يطرد به الحر والبرد والسباع، ويعاني به الامراض، ولا بد لكل هذا من أسماء يتعارفون بها ما يعانونه من ذلك.\rوكل إنسان فقد كان في حالة الصغر التي ذكرنا من امتناع الفهم والاحتياج إلى كافل، والاصطلاح يقتضي وقتا لم يكن موجودا قبله، لانه عمل المصطلحين، وكل عمل لا بد من أن يكون\rله أو فكيف كانت حال المصطلحين على وضع اللغة قبل اصطلاحهم عليه، فهذا من الممتنع المحال ضرورة.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"قال علي: وهذا دليل برهاني ضروري من أدلة حدوث النوع الانساني، ومن أدلة وجود الواحد الخالق الاول تبارك وتعالى، ومن أدلة وجود النبوة والرسالة لانه لا سبيل إلى بقاء أحد من الناس ووجوده دون كلام، والكلام حروف مؤلفة، والتأليف فعل فاعل ضرورة لا بد له من ذلك، وكل فعل فعله فله زمان ابتدئ فيه، لان الفعل حركة تعدها المدد، فصح أن لهذا التأليف أولا، والانسان لا يوجد دونه.\rوما لم يوجد قبل ما له أول فله أول ضرورة، فصح أن للمحدث محدثا بخلافة، وصح أن ما علم من ذلك مما هو مبتدأ من عند الخالق تعالى مما ليس في الطبيعة معرفته دون تعليم فلا يمكن البتة معرفته إلا بمعلم علمه الباري إياه.\rثم علم هو أهل نوعه ما علمه ربه تعالى.\rقال علي: وأيضا فإن الاصطلاح على وضع لغة لا يكون ضرورة إلا بكلام متقدم بين المصطلحين على وضعها.\rأو بإشارات قد اتفقوا على فهمها.\rوذلك الاتفاق على فهم تلك الاشارات لا يكون إلا بكلام ضرورة ومعرفة حدود الاشياء وطبائعها التي عبر عنها بألفاظ اللغات لا يكون إلا بكلام وتفهيم.\rلابد من ذلك.\rفقد بطل الاصطلاح على ابتداء الكلام.\rولم يبق إلا أن يقول قائل: إن الكلام فعل الطبيعة.\rقال علي: وهذا يبطل ببرهان ضروري.\rوهو أن الطبيعة لا تفعل إلا فعلا واحدا لا أفعالا مختلفة، وتأليف الكلام فعل اختياري متصرف في وجوه شتى.\rوقد لجأ بعضهم إلى نوع من الاختلاط، وهو أن قال: إن الاماكن أوجبت بالطبع على ساكنيها النطق بكل لغة نطقوا بها.\rقال علي: وهذا محال ممتنع، لانه لو كانت اللغات على ما توجبه طبائع الامكنة لما أمكن وجود كل مكان إلا بلغته التي يوجبها طبعه.\rوهذا يرى بالعيان بطلانه لان كل مكان في الاغلب قد دخلت فيه لغات شتى على قدر تداخل أهل اللغات ومجاورتهم.\rفبطل ما قالوا: وأيضا فليس في طبع المكان أن يوجب تسمية الماء ماء دون أن يسمى باسم آخر مركب من حروف الهجاء.\rومن كابر في هذا، فإما مجاهر بالباطل وإما عديم عقل، لا بد له من أحد هذين الوجهين.\rفصح أنه توقيف من أمر الله عز وجل وتعليم منه تعالى.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"إلا أننا لا ننكر اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها، بها علموا ماهية الاشياء وكيفياتها وحدودها، ولا ندري أي لغة هي التي وقف آدم عليه السلام عليها أولا، إلا أننا نقطع على أنها أتم اللغات كلها، وأبينها عبارة، وأقلها إشكالا، وأشدها اختصارا وأكثرها وقوع أسماء مختلفة على المسميات كلها المختلفة من كل ما في العالم من جوهر أو عرض لقول الله عز وجل: * (وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين) * فهذا التأكيد يرفع الاشكال ويقطع الشغب فيما قلنا.\rوقد قال قوم: هي السريانية وقال قوم: هي اليونانية: وقال قوم: هي العبرانية.\rوقال قوم هي العربية.\rوالله أعلم.\rإلا أن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرانية والعربية هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير، لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الاندلسي، وإذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الاندلسي، ومن الخراساني إذا رام نغمتها.\rونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط وهي على ليلة واحدة من قرطبة كاد أن يقول إنها لغة أخرى غير لغة أهل\rقرطبة.\rوهكذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلا لا يخفى على من تأمله.\rونحن نجد العامة قد بدلت الالفاظ في اللغة العربية تبديلا وهو في البعد عن أصل تلك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق.\rفنجدهم يقولون في العنب: العينب وفي السوط أسطوط.\rوفي ثلاثة دنانير ثلثدا.\rوإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال السجرة.\rوإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاء فيقول مهمدا إذا أراد أن يقول محمدا.\rومثل هذا كثير.\rفممن تدبر العربية والعبرانية السريانية أيقن أن اختلافهما إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الازمان واختلاف البلدان ومجاورة الامم.\rوأنها لغة واحدة في الاصل.\rوإذ تيقنا ذلك فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معا، والمستفيض أن","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل عليه السلام فهي لغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق ولغة ولده.\rوالسريانية بلا شك هي لغة إبراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم بنقل الاستفاضة الموجبة لصحة العلم.\rفالسريانية أصل لهما وقد قال قوم: إن اليونانية أبسط اللغات.\rولعل هذا إنما هو الآن فإن اللغة يسقط أكثرها.\rويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنما يقيد لغة الامة وعلومها وأما من تلفت دولتهم، وغلب عليهم وأخبارها قوة دولتها، ونشاط أهلها وفراغهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمون منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سببا لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيود علومهم، هذا موجود بالمشاهدة، ومعلوم بالعقل ضرورة.\rولدولة السريانيين مذ ذهبت وبادت آلاف من الاعوام في أقل منها ينسى جميع اللغة.\rفكيف تفلت أكثرها، والله تعالى اعلم.\rولسنا نقطع على أنها اللغة التي وقف الله تعالى عليها أولا، ولا ندري لعل قائلا يقول: لعل تلك اللغة قد درست البتة وذهبت بالجملة أو لعلها إحدى اللغات الباقية لا نعلمها بعينها، وهذا هو الذي توجبه الضرورة ولا بد مما لا يمكن سواه أصلا، وقد يمكن أن يكون الله تعالى وقف آدم عليه السلام على جميع اللغات التي ينطق بها الناس كلهم الآن.\rولعلها كانت حينئذ لغة واحدة مترادفة الاسماء على المسميات ثم صارت لغات كثيرة، إذ توزعها بنوه بعد ذلك، وهذا هو الاظهر عندنا والاقرب، إلا أننا لا نقطع على هذا كما نقطع على أنه لا بد من لغة واحدة وقف الله تعالى عليها، ولكن هذا هو الاغلب عندنا، نعني أن الله تعالى وقف على جميع هذه اللغات المنطوق بها، وإنما ظننا هذا لاننا لا ندري أي سبب دعا الناس ولهم لغة يتكلمون بها ويتفاهمون بها إلى إحداث لغة أخرى، وعظيم التعب في ذلك لغير معنى، ومثل هذا من الفضول لا يتفرع له عاقل بوجه من الوجوه، فإن وجد ذلك فمن فارع فضولي سيئ الاختيار، مشتغل بما لا فائدة فيه عما يعينه، وعما هو آكد عليه من أمور معاده، ومصالح دنياه ولذاته وسائر العلوم النافعة.\rثم من له بطاعة أهل بلده له في ترك لغتهم والكلام باللغة التي عمل لهم،","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"ولكنا لسنا نجعل ذلك محالا ممتنعا بل نقول: إنه ممكن بعيد جدا، فإن قالوا: لعل ملكا كانت في مملكته لغات شتى فجمع لهم لغة يتفاهمون بها كلهم، قلنا لهم: هذا ضد وضع اللغات الكثيرة، بل هو جمع اللغات على لغة واحدة، ثم نقول: وما الذي كان يدعو هذا الملك إلى هذه الكلفة الباردة الصعبة الثقيلة التي لا تفيد شيئا ؟ وكان أسهل له أن يجمعهم على لغة ما من تلك اللغات التي كانوا يتكلمون بها أو على لغته نفسه فكان أخف وأمكن من إحداث لغة مستأنفة، وعلم ذلك عند الله عز وجل.\rوقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات.\rوهذا لا معنى له لان وجوه الفضل معروفة، وإنما هي بعمل أو اختصاص ولا عمل للغة، ولا جاء نص في تفضيل لغة على لغة، وقد قال تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء وهو العزيز الحكيم) * وقال تعالى: * (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) *.\rفأخبر تعالى أنه لم ينزل القرآن بلغة العرب إلا ليفهم ذلك قومه عليه السلام لا لغير ذلك، وقد غلط في ذلك جالينوس فقال: إن لغة اليونانيين أفضل اللغات لان سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب أو نقيق الضفادع.\rقال علي: وهذا جهل شديد لان كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها، فهي عنده في النصاب الذي ذكره جالينوس ولا فرق.\rوقد قال قوم: العربية أفضل اللغات لانه بها كلام الله تعالى.\rقال علي: وهذا لا معنى له، لان الله عز وجل قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولا إلا بلسان قومه.\rوقال تعالى: * (إني إذا لفي ضلال مبين) * وقال تعالى: * (وإنه لفي زبر الاولين) * فبكل لغة قد نزل كلام الله تعالى ووحيه.\rوقد أنزل التوراة والانجيل والزبور، وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية، وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية، فتساوت اللغات في هذا تساويا واحدا.\rوأما لغة أهل الجنة وأهل النار فلا علم عندنا إلا ما جاء في النص والاجماع، ولا نص ولا إجماع في ذلك، إلا أنه لا بد لهم من لغة يتكلمون بها ولا يخلو ذلك من أحد ثلاثة أوجه ولا رابع لها: إما أن تكون لهم لغة واحدة من اللغات","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"القائمة بيننا الآن، وإما أن تكون لهم لغة غير جميع هذا اللغات، وإما أن تكون لهم لغات شتى: لكن هذه المحاورة التي وصفها الله تعالى توجب القطع بأنه يتفاهمون بلغة إما بالعربية المختلفة في القرآن عنهم، أو بغيرها مما الله\rتعالى أعلم به.\rوقد ادعى بعضهم أن اللغة العربية هي لغتهم، واحتج بقول الله عز وجل: * (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) * فقلت له: فقل إنها لغة أهل النار لقوله تعالى عنهم أنهم قالوا: * (وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على مآ آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون) * ولانهم قالوا: * (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) * ولانهم قالوا: * (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) * فقال لي: نعم، فقلت له: فاقض أن موسى وجميع الانبياء عليهم السلام كانت لغتهم العربية، لان كلامهم محكي في القرآن عنهم بالعربية، فإن قلت هذا كذبت ربك، وكذبك ربك في قوله: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء وهو العزيز الحكيم) * فصح أن الله تعالى إنما يحكي لنا معاني كلام كل قائل في لغته باللغة التي بها نتفاهم، ليبين لنا عز وجل فقط، وحروف الهجاء واحدة لا تفاضل بينها ولا قبح، ولا حسن في بعضها دون بعض، وهي تلك بأعيانها في كل لغة، فبطلت هذه الدعاوى الزائغة الهجينة، وبالله تعالى التوفيق.\rوقد أدى هذا الوسواس العامي، اليهود إلى أن استجازوا الكذب والحلف على الباطل بغير العبرانية، وادعوا أن الملائكة الذين يرفعون الاعمال لا يفهمون إلا العبرانية فلا يكتبون عليهم غيرها، وفي هذا من السخف ما ترى وعالم الخفيات وما في الضمائر عالم بكل لسان ومعانيه عز وجل لا إله إلا هو وهو حسبنا ونعم الوكيل.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"الباب الخامس في الالفاظ الدائرة بين أهل النظر قال أبو محمد: هذا باب خلط فيه كثير ممن تكلم في معانيه، وشبك بين\rالمعاني وأوقع الاسماء على غير مسمياتها، ومزج بين الحق والباطل، فكثر لذلك الشغب والالتباس، وعظمت المضرة وخفيت الحقائق، ونحن إن شاء الله تعالى بحوله وقوته مميزون معنى كل لفظة على حقيقتها، فنقول وبالله تعالى نتأيد: الحد: هو لفظ وجيز يدل على طبيعة الشئ المخبر عنه كقولك: الجسم هو كل طويل عريض عميق، فإن الطول والعرض والعمق هي طبائع الجسم لو ارتفعت عنه ارتفعت عن الجسمية ضرورة ولم يكن جسما، فكانت هذه العبارة مخبرة عن طبيعة الجسم ومميزة له مما ليس بجسم.\rوالرسم: هو لفظ وجيز يميز المخبر عنه مما سواه فقط دون أن ينبئ عن طبيعته كقولك: الانسان هو الضحاك، فإنك ميزت الانسان بهذا اللفظ تمييزا صحيحا مما سواه، إلا أنك لم تخبر بطبيعته لانك لو توهمت الضحك مرتفعا عن الانسان لم تبطل بذلك عنه الانسانية ولامتنع بذلك من الكلام في المعلوم والتصرف في الصناعات ولبقيت سائر طبائعه بحسبها.\rقال أبو محمد علي: ولما كان هذان المعنيان متغايرين، كل واحد منهما غير صاحبه، وجب ضرورة أن يعبر عن كل واحد منهما بعبارة غير عبارتنا عن الآخر، ولو عبرنا عنهما عبارة واحدة لكنا قد أوقعنا من يقبل منا في الاشكال ولكنا ظالمين لهم جدا وغير ناصحين لهم، وهذا خلاف ما أخذه الله تعالى على العلماء، إذ يقول الله تعالى على لسان نبيه (ص): ليبينه للناس ولا يكتمونه، ومن لبس الحقائق فقد كتمها.\rوالعلم: هو تيقن الشئ على ما هو عليه، إما عن برهان ضروري موصل إلى تيقنه كذلك، وإما أول بالحس أو ببديهة العقل، وإما حادث عن أول على ما بينا في كتاب التقريب من أخذ المقدمات الراجعة إلى أول العمل أو الحس، إما من","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"قرب وإما من بعد، وإما عن اتباع لمن أمر الله تعالى باتباعه، فوافق فيه الحق، وإن لم يكن عن ضرورة ولا عن استدلال، برهان ذلك أن جميع الناس مأمورون بقول الحق واعتقاده، وأن رسول الله (ص) دعا الناس كلهم إلى الايمان بالله تعالى، وبما جاء به والنطق بذلك، ولم يشترط عليه السلام عليهم ان ألا يكون ذلك منهم إلا عن استدلال، بل قنع بهذا من العالم والجاهل، والحر والعبد، والمسبي والمستعرب، واجتمعت الامة على ذلك بعده عليه إلى اليوم.\rوقنعوا بذلك ممن أجابهم إليه، ولم يشترط عليهم استدلالا في ذلك، فإذا ذاك كذلك فقد صح أن من اعتقد ما ذكرنا وقال به فهو عالم بذلك بيقين عارف به، إذ لو كان غير عالم بذلك لحرم القول عليه بذلك، ولحرم عليه اعتقاده لان الله تعالى يقول: * (ولا تقف ما ليس لك به علم * وقال تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * فصح إذ هو مأمور باعتقاده الحق والقول به، ومنهي عن القول بما لا يعلم، وعن أن يقفوا ما لا يعلم أن عقده في الحق وقوله به علم صحيح ومعرفة حقيقية وإن لم يكن ذلك عن استدلال، ومن ادعى تخصيص نهي الله تعالى عن القول بما لا علم لنا به، وعن قفو ما لا نعلم، كان مدعيا بلا دليل، ومبطلا في قوله لانه يقول: * (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) * إلا في الايمان، فاقف فيه ما لا علم لك به، وهذا كذب على الله تعالى مجرد.\rفإن قال قائل: فإن الله يقول: * (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * قلنا: نعم إنما خاطب الله بهذا من قال بالباطل، ولا برهان لصاحب الباطل، وأما المعتقد للحق فبرهان الحق قائم، سواء علمه المعتقد له أو جهله، وإنما يكف البرهان أهل الباطل لادحاض باطلهم، ولا يجوز أن يكلف المحق برهانا، لانه لا يخلو مكلفه البرهان من أن يكون محقا مثله أو مبطلا، فإن كان محقا مثله فهو معنت له، والتعنيت لا يجوز وإن كان مبطلا فحرام عليه الجدال في الحق، قال\rتعالى: * (يجادلونك في الحق بعد ما تبين) * وقال تعالى: * (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب) * فلا يجوز تكليف المحق برهانا إلا على أن يعلمه فقط لا على سبيل معارضة، لان من فعل ذلك يكون معارضا للحق، ومعارضته الحق بالباطل لا تجوز، قال تعالى ذاما لقوم: * (كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"فأخذتهم فكيف كان عقاب) وقد تحذلق قوم فأداهم ذلك إلى الهلكة، فقالوا: الحدود لا تختلف في قديم ولا محدث، وهذا كلام موجب الكفر، لانهم يوقعون بذلك الباري تعالى تحت الحدوث، لان كل محدود متناه ومركب، وكل مركب فمخلوق، لانه مركب من جنسه وفصله المميز له مما جامعه تحت جنسه، فقد جعلوا ربهم محدثا تعالى الله عن ذلك وقالوا: حد العلم أنه صفة لا يتعذر بوجودها على الحي القادر إحكام الفعل.\rقال علي: وهذا حد فاسد لان النحل لا يتعذر عليها أحكام بناء الشمع ووضع العسل، ولا تسمى عالمة، وقد يعرض للعالم الناقد خدر يبطل يديه ورجليه فيعتذر عليه كل فعل حكمة أو غير حكمة وعلمه وعقله باقيان.\rوقالت طائفة منهم: حد العلم منا ومن الله تعالى أنه صفة يتبين بها المعلوم على ما هو عليه من أحواله.\rقال علي: وكلا الحدين فاسد، ونحن نسألهم: أهذه الصفة التي ذكرتم ؟ أهي والموصوف بها شئ واحد ؟ أم هي والموصوف بها شيئان متغايران ؟ فإن قالوا شئ واحد أبطلوا قولهم في الباري تعالى، ووافقوا خصومهم إلا في العبارة فقط، وأيضا فإن كون الصفة والموصوف شيئا واحدا غير موجود في العالم لان الصفات تتعاقب على الموصوفات فتفتي، والموصوف باق بحسبه، ولا شك في أن\rالفاني غير الباقي، والصفة عرض ونحن لم نقر بعلم الباري تعالى على معنى أنه صفة كصفاتنا، ولكن اتباعا منا للنص الوارد في أن له علما فقط، إلا أننا نقطع على أنه ليس غيره تعالى وأنه ليس عرضا، ونحن لم نسم الباري تعالى عالما، وإنما قلنا: إنه عليم كما قال تعالى.\rفإن قالوا: فأي فرق بين عالم وعليم.\rقيل لهم: وأي فرق بين الجبار والمتجبر، فسموا ربكم متجبرا، وأي فرق بين أن نسميه تعالى خير الماكرين، وأن له مكرا، ولا نسميه ماكرا، وكذلك نسميه حكيما ولا نسميه عاقلا ونسميه الواحد ولا نسميه الفرد ولا الفذ.\rوقد بينا في كتاب الفصل أن أسماءه تعالى أعلام وليست مشتقة أصلا","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"وبالله التوفيق.\rفإن قالوا: إن الصفة والموصوف شيئان متغايران صدقوا وأخرجوا بذلك صفات الباري تعالى عن هذا الحكم.\rوالاعتقاد: هو استقرار حكم بشئ ما في النفس.\rإما عن برهان، أو اتباع من صح برهان قوله فيكون علما يقينا ولابد، وإما عن إقناع فلا يكن علما متيقنا ويكون إما حقا أو باطلا، وإما لا عن إقناع لا عن برهان فيكون إما حقا بالبخت وإما باطلا بسوء الجد.\rوالبرهان: كل قضية أو قضايا دلت على حقيقة حكم الشئ.\rوالدليل: قد يكون برهانا وقد يكون اسما يعرف به المسمى، وعبارة يتبين بها المراد كرجل ذلك على طريق تريد قصده، فذلك اللفظ الذي خاطبك به هو دليل على ما طلبت، وقد يسمى المرء الدال دليلا أيضا.\rوالحجة: هي الدليل نفسه إذا كان برهانا أو إقناعا أو شغبا.\rوالدال: هو المعرف بحقيقة الشئ وقد يكون إنسانا معلما، وقد يعبر به\rعن الباري تعالى الذي علمنا كل ما نعلم، وقد يسمى الدليل دالا على المجاز، ويسمى الدال دليلا أيضا كذلك في اللغة العربية.\rوالاستدلال: طلب الدليل من قبل معارف العقل ونتائجه أو من قبل إنسان يعلم.\rوالدلالة: فعل الدال، وقد تضاف إلى الدليل على المجاز والاقناع: قضية أو قضايا أنست النفس بحكم شئ ما دون أن توقفها على تحقيق حجة ولم يقم عندها برهان بإبطاله.\rوالشغب: تمويه بحجة باطلة بقضية أو قضايا فاسدة تقود إلى الباطل وهي السفسطة.\rوالتقليد: هو اعتقاد الشئ لان فلانا قاله ممن لم يقم على صحة قوله برهان، وأما اتباع من أمر الله باتباعه فليس تقليدا، بل هو طاعة حق لله تعالى.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"والالهام: علم يقع في النفوس بلا دليل ولا استدلال ولا إقناع ولا تقليد، وهو لا يكون إلا: إما فعل الطبيعة من الحي غير الناطق ومن بعض الناطقين أيضا كنسج العنكبوت وبناء النحل وما أشبه ذلك، وأخذ الصبي الثدي وما أشبه ذلك: أو أول معرفة النفس قبل أوان استدلالها لنا كعلمنا أن الكل أكثر من الجزء، وهو فيما عدا هذين الوجهين باطل.\rوالنبوة: اختصاص الله عز وجل رجلا أو امرأة من الناس بإعلامه بأشياء لم يتعلمها، إما بواسطة ملك، أو بقوة يضعها في نفسه خارجة عن قوى المخلوقين تعضدها خرق العادات وهو المعجزات، وقد انقطعت بعد محمد (ص).\rوالرسالة: أن يأمر الله تعالى نبيا بإنذار قوم وقبول عهده، وكل رسول نبي\rوليس كل نبي رسولا.\rوالبيان: كون الشئ في ذاته ممكنا أن تعرف حقيقته لمن أراد علمه.\rوالابانة والتبيين: فعل المبين وهو إخراجه للمعنى من الاشكال إلى إمكان الفهم له بحقيقة، وقد يسمى أيضا على المجاز ما فهم منه الحق وإن لم يكن للمفهوم منه فعل ولا قصد إلى الافهام مبينا كما تقول بين لي الموت أن الناس لا يخلدون، والتبيين فعل نفس المبين للشئ في فهمه إياه وهو الاستبانة أيضا والمبين هو الدال نفسه.\rوالصدق: هو الاخبار عن الشئ بما هو عليه.\rوالحق: هو كون الشئ صحيح الوجود، ولا يغلط من لا سعة لفهمه فيظن أن هذا الحد فاسد بأن يقول الكفر والجور صحيح وجودهما فينبغي أن يكون حقا.\rفليعلم أن هذا شغب فاسد، لان وجود الكفر والجور صحيحين في رضاء الله تعالى ليس هو صحيحا، بل هو معدوم، فرضا الله تعالى بهما باطل، وأما كونهما موجودين من الكافر والجائز فحق صحيح ثابت لا شك فيه، فمثل هذا من الفروق ينبغي مراعاته وتحقيق الكلام فيه، وإلا وقع الاشكال وتحير الناظر.\rوقد رأينا من يفرق بين الحق والحقيقة وهذا خطأ لا يخفى على ذي فهم ينصف نفسه، لان","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"الفرق بين هاتين اللفظتين لم تأت به لغة ولا أوجبته شريعة أصلا إلا في تسمية الباري تعالى التي لا تؤخذ إلا بالنص، ولا يحل فيها التصريف، فظهر فساد هذا الفرق بيقين، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا فإن الله تعالى قال: * (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل) * ولا فرق عند أحد بين قول القائل حقيق على كذا وبين قوله حق على كذا.\rفظهر فساد هذا الفرق.\rوالباطل: ما ليس حقا.\rوالكذب: هو الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه.\rوالاصل: هو ما أدرك بأول العقل وبالحس وقد ذكرناه قبل.\rوالفرع: كل ما عرف بمقدمة راجعة إلى ما ذكرنا من قرب أو من بعد وقد يكون ذلك الفرع أصلا لما أنتج منه أيضا.\rوالمعلوم: قسمان: معلوم بالاصل المذكور، ومعلوم بالمقدمات الراجعة إلى الاصل كما بينا.\rوكل ما نقل بتواتر على النبي (ص) أو أجمع عليه نقل جميع علماء الامة عنه عليه السلام أو نقله الثقة عن الثقة حتى يبلغ إليه عليه السلام، فداخل في باب ما تيقن ضرورة بالمقدمات المذكورة.\rوالنص: هو اللفظ الوارد في القرآن أو السنة المستدل به على حكم الاشياء وهو الظاهر نفسه.\rوقد يسمى كل كلام يورد كما قاله المتكلم به نصا.\rوالتأويل: نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره وعما وضع له في اللغة إلى معنى آخر، فإن كان نقله قد صح ببرهان وكان ناقله واجب الطاعة فهو حق، وإن كان نقله بخلاف ذلك اطرح ولم يلتفت إليه وحكم لذلك النقل بأنه باطل.\rوالعموم: حمل اللفظ على كل ما اقتضاه في اللغة، وكل عموم ظاهر، وليس كل ظاهر عموما، إذ قد يكون الظاهر خبرا عن شخص واحد ولا يكون العموم إلا على أكثر من واحد.\rوالخصوص: محل اللفظ على بعض ما يقتضيه في اللغة دون بعض والقول فيه كما قلنا في التأويل آنفا ولا فرق.\rوالالفاظ إما دالة على واحد، وإما على أكثر من واحد، فإن كانت ناقصة غير دالة كانت هدرا.\rوالمجمل: لفظ يقتضي تفسيرا فيؤخذ من لفظ آخر.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"والمفسر: لفظ يفهم منه معنى المجمل المذكور.\rوالامر: إلزام الآمر المأمور عملا ما، فإن كان الخالق تعالى أو رسوله (ص) فالطاعة لهما فرض، وإن كان ممن دونهما فلا طاعة له.\rوالنهي: إلزام الناهي المنهي ترك عمل ما، والقول فيه كالقول في الامر فلا فرق وطاعة الائمة فيما ليس معصية طاعة لله تعالى لتقدم أمر الله عز وجل بذلك.\rوالفرض: ما استحق تاركه اللوم واسم المعصية لله تعالى وهو: الواحب، واللازم، والحتم.\rوالحرام: وهو ما استحق فاعله اللوم واسم المعصية لله تعالى إلا أن يسقط ذلك عنه من الله تعالى عفو أو توبة وهو المحظور، والذي لا يجوز، والممنوع.\rوالطاعة: تنفيذ الامر من المأمور فيما أمر به والتوقف عن إتيان المنهي عنه، وقد يسمى كل بر طاعة.\rوالمعصية: ضد ذلك.\rوالندب: أمر بتخيير في الترك إلا أن فاعله مأجور، وتاركه لا آثم ولا مأجور وهو: الائتساء، والمستحسن، والمستحب، وهو الاختيار وهو كل تطوع ونافلة كالركوع غير الفرض والصدقة كذلك والصوم كذلك وسائر أعمال البر.\rوالكراهة: نهي بتخيير في الفعل إلا أن على تركه ثوابا وليس في فعله أجر ولا إثم، وذلك نحو ترك كل تطوع، ونحو اتخاذ المحاريب في المساجد، والتنشف بعد الغسل من الجنابة بثوب معد لذلك غير الذي يلبسه المرء، وبيع السلاح ممن لا يؤمن منه أن يستعمله فيما لا يحل، وابتياع الخصيان إذا أدى ذلك إلى خصائهم بطلب الغلاء في أثمانهم، والحلق في غير علة أو حج أو عمرة، والاكل متكئا.\rوالاباحة: تسوية بين الفعل والترك لا ثواب على شئ منهما ولا عقاب، كمن جلس متربعا أو رافعا إحدى ركبتيه، أو كمن صبغ ثوبه أخضر، أو لازوديا، وسائر الامور كذلك وهو الحلال.\rوالقياس: عند القائلين به والمبطلين له أن يحكم بشئ ما بحكم لم يأت به نص","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"لشبهه شئ آخر ورد فيه ذلك الحكم، وهو باطل كله.\rوالعلة: طبيعة في الشئ يقتضي صفة تصحيحها، ولا توجد الصفة دونها ككون النار علة للاحراق والاحراق هو معلولها، والعلة أيضا المرض ولا علة في شئ من الدين أصلا، والقول بها في الدين بدعة وباطل.\rوالسبب: أمر وقع فاختار الفاعل أن يوقع فعلا آخر من أجله، ولو شاء ألا يوقعه لم يوقعه ككون الذنب سببا لعقوبة المذنب.\rوالغرض: نتيجة يقصدها الفاعل بفعله، كالشبع الذي هو غرض الآكل في أكله.\rوقد يكون الغرض اختيارا، كمراد الله تعالى بشرع الشرائع تعذيب من عصاه وتنعيم من أطاعه.\rوالامارة: علامة بين المصطلحين على شئ ما إذا وجدت علم الواجد لها ما وافقه عليه الآخر، وقد يجعلها المرء لنفسه ليستذكر بها ما يخاف نسيانه.\rوالنية: قصد العمل بإرادة النفس له دون غيره واعتقاد النفس ما استقر فيها.\rوالشرط: تعليق حكم ما بوجوب آخر، ورفعه برفعه وهو باطل ما لم يأت به نص، وذلك نحو قول القائل: إن خدمتني شهرا أعطيتك درهما.\rوالتفسير والشرح: هما التبيين.\rوالنسخ: ورود أمر بخلاف أمر كان قبله ينقض به أمر الاول.\rوالاستثناء: ورود لفظ أو بيان بفعل بإخراج بعض ما اقتضاه لفظ آخر وكان المراد في اللفظ الاول ما بقي بعد المستثنى منه، وهذا هو الفرق بين النسخ والاستثناء، لان النسخ كان فيه اللفظ الاول مرادا كله طول مدته، وأما المستثنى منه فلم يكن اللفظ الاول مرادا كله قط.\rوالجدل والجدال: إخبار كل واحد من المختلفين بحجته، أو بما يقدر أنه حجته وقد يكون كلاهما مبطلا، وقد يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا، إما في لفظه وإما في مراده أو في كليهما، ولا سبيل أن يكونا معا محقين في ألفاظهما ومعانيهما.\rوالاجتهاد: بلوغ الغاية واستنفاذ الجهد في المواضع التي يرجى وجوده فيها في طلب الحق، فمصيب موقف أو محروم والرأي: ما تخيلته النفس صوابا دون برهان، ولا يجوز الحكم به أصلا.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"والاستحسان: هو ما اشتهته النفس ووافقها كان خطأ أو صوابا.\rوالصواب: إصابة الحق.\rوالخطأ: العدول عنه بغير قصد إلى ذلك.\rوالعناد: العدول عنه بالقصد إلى ذلك.\rوالاحتياط: طلب السلامة.\rوالورع: تجنب ما لا يظهر فيه ما يوجب اجتنابه خوفا أن يكون ذلك فيه.\rوالجهل: مغيب حقيقة العلم عن النفس.\rوالطبيعة: صفات موجودة في الشئ يوجد بها على ما هو عليه، ولا يعدم منه إلا بفساده وسقوط ذلك الاسم عنه.\rودليل الخطاب: هو ضد القياس، وهو أن يحكم للمسكوت عنه بخلاف حكم المنصوص عليه.\rوالشريعة: هي ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه (ص) في الديانة وعلى ألسنة الانبياء عليهم السلام قبله، والحكم منها للناسخ، وأصلها في اللغة الموضع الذي يتمكن فيه ورود الماء للراكب والشارب من النهر، قال تعالى: * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم\rوموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب) * وقال امرؤ القيس: ولما رأت أن الشريعة همها وأن البياض من فرائصها دامي تيممت العين التي عند ضارج يفئ عليها الظل عرمضها طامي واللغة: ألفاظ يعبر بها عن المسميات وعن المعاني المراد إفهامها، ولكل أمة لغتهم.\rقال الله عز وجل: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء وهو العزيز الحكيم) *) * ولا خلاف في أنه تعالى أراد اللغات.\rواللفظ: هو كل ما حرك به اللسان.\rقال تعالى ما يلفظ من قول إلا لدية: * (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد) * وحده على الحقيقة أنه هواء مندفع من الشفتين والاضراس والحنك والحلق والرئة على تأليف محدود، وهذا أيضا هو الكلام نفسه.\rوالخلاف: هو التنازع في أي شئ كان، وهو أن يأخذ الانسان في مسالك من القول أو العقل، ويأخذ غيره في مسلك آخر وهو حرام في الديانة، إذ لا يحل","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"خلاف ما أثبته الله تعالى فيها، وقال تعالى: * (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) * وقال تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * وهو التفريق أيضا، قال تعالى: * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا والاجماع: هو في اللغة ما اتفق عليه اثنان فصاعدا وهو الاتفاق، وهو حينئذ مضاف إلى ما أجمع عليه، وأما الاجماع الذي تقوم به الحجة في الشريعة فهو ما اتفق أن جميع الصحابة رضي الله عنهم قالوه ودانوا به عن نبيهم (ص)، وليس الاجماع في الدين شيئا غير هذا، وأما ما لم يكن إجماعا في الشريعة فهو ما اختلفوا فيه باجتهادهم أو سكت بعضهم، ولو واحد منهم عن في الكلام فيه.\rوالسنة: هي الشريعة نفسها، وهي في أصل اللغة وجه الشئ وظاهره، قال الشاعر: تريك سنة وجه غير مقرفة ما ساء ليس بها خال ولا ندب وأقسام السنة في الشريعة: فرض، أو ندب، أو إباحة، أو كراهة، أو تحريم كل ذلك قد سنه رسول الله (ص) عن الله عز وجل والبدعة: كل ما قيل أو فعل مما ليس له أصل فيما نسب إليه (ص)، وهو في الدين كل ما لم يأت في القرآن، ولا عن رسول الله (ص) إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه، ويغدر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ويكون حسنا، وهو ما كان أصله الاباحة كما روي عن عمر رضي الله عنه، نعمت البدعة هذه وهو ما كان فعل خير جاء النص بعموم استحبابه وإن لم يقرر عمله في النص.\rومنها ما يكون مذموما ولا يعذر صاحبه وهو ما قامت به الحجة على فساده فتمادى عليه القائل به.\rوالكتابة: لفظ يقام مقام الاسم كالضمائر المعهودة في اللغات، وكالتعريض بما يفهم منه المراد وإن لم يصرح بالاسم ومنه قيل للكنية كنية.\rوالاشارة: تكون باللفظ وتكون ببعض الجوارح وهي تنبيه المشار إليه أو تنبيه عليه.","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"والمجاز: هو في اللغة ما سلك عليه من مكان إلى مكان وهو الطريق الموصل بين الاماكن، ثم استعمل فيما نقل عن موضعه في اللغة إلى معنى آخر، ولا يعلم ذلك إلامن دليل من اتفاق أو مشاهدة.\rوهو في الدين كل ما نقله الله تعالى أو رسوله (ص) عن موضعه في اللغة إلى مسمى آخر ومعنى ثان، ولا يقبل من أحد في شئ من النصوص أنه مجاز إلا ببرهان يأتي به من نص آخر، أو جماع متيقن، أو ضرورة حس وهو حينئذ حقيقيا، لان التسمية لله عز وجل\rفإذا سمى تعالى شيئا ما باسم ما فهو اسم ذلك الشئ على الحقيقة في ذلك المكان، وليس ذلك في الدين لغير الله تعالى، قال عز وجل: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) *.\rوالتشبيه: هو أن يشبه شئ بشئ في بعض صفاته، وهذا لا يوجب في الدين حكما أصلا وهو أصل القياس، وهو باطل لان كل ما في العالم فمشبه بعضه لبعض ولا بد من وجه أو من وجوه، ومخالف أيضا بعضه لبعض ولا بد من وجه أو من وجوه، وهو أيضا التمثيل.\rوالمتشابه: لا يوجد في شئ من الشرائع إلا بالاضافة إلى من جهل دون من علم، وهو في القرآن، وهو الذي نهينا عن اتباع تأويله وعن طلبه، وأمرنا بالايمان به جملة، وليس هو في القرآن إلا للاقسام التي في السورة كقوله تعالى: * (والضحى والليل إذا سجى) * والحروف المقطعة التي في أوائل السور وكل ما عدا هذا من القرآن فهو محكم.\rوالمفصل: هو ما بينت أقسامه وهو في أصل اللغة ما فرق بعضه عن بعض، تقول فصلت الثوب واللحم وغير ذلك.\rوالاستنباط: إخراج الشئ المعيب من شئ آخر كان فيه، وهو في الدين إن كان منصوصا على جملة معناه فهو حق، وإن كان غير","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"منصوص على جملة معناه فهو باطل لا يحل القول به.\rوالحكم: هو إمضاء قضية في شئ ما، وهو في الدين تحريم أو إيجاب أو إباحة مطلقة، أو بكراهة، أو باختيار.\rوالايمان: أصله في اللغة التصديق باللسان والقلب معا، لا بأحدهما دون الثاني، وهو في الدين التصديق بالقلب بكل ما أمر الله تعالى به على لسان رسوله\r(ص) والنطق بذلك باللسان، ولا بد من استعمال الجوارح في جميع الطاعات: واجبها، وندبها، واجتناب محرمها ومكروهها، برهان ذلك أن جميع أهل الايمان مكذوب بأشياء منها أن يكون لله تعالى ولد، وأن يكون مسيلمة نبيا، وغير ذلك كثير ومصدقون بأشياء كثيرة، وقد أطلق الله تعالى وأطلق جميعهم بعضهم على بعض اسم الايمان مطلقا دون إضافة، ولا خلاف بين أحد من الامة في أنه لا يجوز أن يطلق اسم التكذيب عليهم إلا بإضافة، والكفار مؤمنون بأشياء كثيرة، ولا خلاف بين أحد من الامة في أنه لا يجوز أن يطلق عليهم اسم الايمان مطلقا إلا بالاضافة، فصح أن اسم الايمان منقول عن موضوعه في اللغة إلى ما ذكرناه.\rوالكفر: أصله في اللغة التغطية، قال عز وجل: * (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته قال لبيد بن أبي ربيعة: ألقت ذكاء يمينها في كافر يريد الليل لانه يغطي على كل شئ، وهو في الدين: صفة من جحد شيئا مما افترض الله تعالى الايمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معا، أو عمل جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الايمان على ما بينا في غير هذا الكتاب برهان ذلك، أن جميع من يطلق عليه اسم الكفر فإنه مصدق بأشياء، مكذب بأشياء ولا خلاف في أنه لا يجوز أن يطلق عليهم اسم الايمان بلا إضافة وأهل الايمان كفار بأشياء كثيرة منها التثليث وغير ذلك ولا خلاف في أنه لا يجوز أن يطلق عليهم اسم الكفر بلا إضافة.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"والشرك: هو في اللغة أن يجمع شيئا إلى شئ فيشرك بينهما فيما جمعا فيه وهو في الدين معنى الكفر سواء لما قد بيناه في غير هذا المكان\rوالتسمية لله تعالى لا لغيره.\rوالالزام: هو أن نحكم على الانسان بحكم ما فإما واجب أو غير واجب.\rوالعقل: هو استعمال الطاعات والفضائل، وهو غير التمييز لانه استعمال ما ميز الانسان فضله، فكل عاقل مميز وليس كل مميز عاقلا، وهو في اللغة: المنع، تقول: عقلت البعير أعقله عقلا.\rوأهل الزمان يستعملونه فيما وافق أهواءهم في سيرهم وزيهم، والحق هو في قول الله تعالى: * (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) * يريد الذين يعصونه، وأما فقد التمييز فهو الجهل أو الجنون على حسب ما قابل اللفظ من ذلك.\rوالفور: هو استعمال الشئ بلا مهلة ولكن على أثر ورود الامر به.\rوالتراخي: تأخير إنفاذ الواجب، وحكم أوامر الله عز وجل ورسوله (ص) كلها على الفور إلا أن يأتي نص بإباحة التراخي في شئ ما فيوقف عنده.\rوالاحتياط: هو التورع نفسه وهو اجتناب ما يتقي المرء أن يكون غير جائز، وإن لم يصح تحريمه عنده، أو اتقاء ما غيره خسر منه عند ذلك المحتاط، وليس الاحتياط واجبا في الدين ولكنه حسن، ولا يحل أن يقضى به على أحد ولا أن يلزم أحدا لكن يندب إليه لان الله تعالى لم يوجب الحكم به.\rوالورع: هو الاحتياط نفسه.\rفصل: في معاني حروف تتكرر في النصوص واو العطف: لاشتراك الثاني مع الاول: إما في حكمه، وإما في الخبر عنه على حسب رتبة الكلام، فإن كان الثاني جملة فهو اشتراك في الخبر فقط، وإن كان اسما مفردا فهو مشترك في حكم الاول، وهي لا تعطي رتبة أي أنها لا توجب أن الاول قبل الثاني، ولا أنه بعده بل ممكن فيهما أن يكونا معا، أو أن يكون أحدهما قبل\rالآخر بمهلة بلا مهلة كقولك: جاءني زيد وعمرو، فجائز أن يأتيا معا، وجائز أن يأتي","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"زيد قبل عمرو، وعمرو قبل زيد بساعة وبعام وبأقل وبأكثر.\rوالفاء: تعطي رتبة الثاني بعد الاول بلا مهلة كقولك: جاءني زيد فعمرو، فزيد جاء قبل عمرو ولا بد، وأتى عمرو أثره بلا مهلة.\rوثم: توجب أن الثاني بعد الاول بمهلة.\rوواو القسم: ليست واو عطف لانها قد يبدأ بها أول الكلام ولا يبتدأ بواو العطف.\rوأو: للشك وللتخيير: مثل قولك خذ هذا أو هذا، فإنما ملكت أخذ أحدهما، وفي الشك قولك: جاءني زيد أو عمرو فلم تقطع بمجئ أحدهما بعينه لكن حققت أن أحدهما أتاك ولم تعينه.\rومعنى الباء: الاتصال مثل قولك: مررت بزيد، تريد اتصال مرورك به ولا توجب تبعيضا ولا استيفاء.\rومن: معناها ابتداء أو تبعيض.\rوإلى: معناها الانتهاء أو مع، وهذا يكثر جدا ولهذا قلنا: إنه لا بد للفقيه أن يكون نحويا لغويا وإلا فهو ناقص، ولا يحل له أن يفتي لجهله بمعاني الاسماء وبعده عن فهم الاخبار.\rالباب السادس هل الاشياء في العقل قبل ورود الشرع على الحظر أو على الاباحة قال أبو محمد: قال قوم: الاشياء كلها في العقل قبل ورود الشرع على الحظر.\rوقال آخرون: بل هي على الاباحة، وقال آخرون: بل هي على الحظر حاشا الحركة النقلية من مكان إلى مكان وشكر المنعم فقط.\rوقال آخرون: بل هي\rعلى الاباحة حاشا الكفر والظلم وجحد المنعم، وقال آخرون - وهم جميع أهل الظاهر وطوائف من أهل أصحاب القياس -: ليس لها حكم في العقل أصلا لا بحظر ولا بإباحة، وإن كل ذلك موقوف على ما ترد به الشريعة.\rقال أبو محمد: وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره واحتج من قال بحظرها بأن قال: الاشياء كلها ملك لله عز وجل، ولا يجوز أن يقدم على ملك مالك إلا بإذنه.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"قال أبو محمد: وهذا تمويه ساقط، لانه لم يحرم الاقدام على مالك غيرنا بنفس العقل، وإنما حرم ما حرم من ذلك ورود الشرع بتحريمه، ولو كان تحريم الاقدام على ملك المالك مركبا في ضرورة العقل، لما جاز أن يأتي شرع بخلافه كما لا يجوز أن يأتي بشرع، فإن الكل أقل من الجزء، وأن القصير أطول مما هو أطول منه، لان كل شئ رتب الله تعالى في العقل إدراكه على صفة ما بخلاف ما قد رتبه تعالى ممتنعا ومحالا، ورتب الاخبار به كذبا وإفكا، وأخبرنا تعالى أن قوله الحق، ولا سبيل أن يرد الشرع بمحال ولا بكذب.\rومن أجاز ذلك خرج عن الاسلام.\rوقد وجدنا المالك فيما بيننا لملكه قد أمرنا تعالى بأخذه منه كرها فيما لزمه من نفقة زوجه التي هي لعلها أغنى منه وأقدر على المال، وفي أشياء كثيرة من أروش ما أتلف بخطأ أو بغير قصد وبقصد.\rووجدناه تعالى قد أجاز ما أنفذه أهل دار الحرب في أموالهم وملكهم إياها بقوله تعالى: * (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شئ قديرا) * وأجاز كل ما أنفذوه فيها من هبة وبيع، ثم أطلقنا على أخذها منهم اختلاسا وغلبة وعلى كل وجه.\rفإن قالوا: كفرهم أباح أموالهم، قيل لهم: نحن نوجدكم الذمي كافرا لا يحل أخذ شئ من ماله حاشا الجزية التي لا تكاد تتجزأ من ماله، وكلاهما كفره واحد، فأين ما ادعته هذه الطائفة المغفلة من أن الاقدام على ملك مالك بغير إذنه حرام\rمحرم في العقل.\rفإن قال قائل منهم: تلك الاموال هي ملك الله عز وجل، قيل له: إنما حرمت أنت ملك الله تعالى قياسا على الشاهد بيننا من قبح التعدي على ملك مالك بزعمك فلا تعد إلى ما جعلته أصلا فتبطله.\rويقال له أيضا: وأنفسنا ملك لله عز وجل، وفي منعها الاقوات والتناسل إبطال للنوع الانساني، وفي ذلك إبطال ملك لله عز وجل كثير، وإتلاف مملوكات له كثيرة، وهذا فسخ لاصلك، فيكون الاتلاف على قولك حاظرا مبيحا في حالة واحدة، وهذا لا يعقل.","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"ويقال لمن قال بإباحتها واحتج بأن في مدخل الطعام ومخرجه عبرة ودليلا على قدرة الله عز وجل، اطرد علتك وقل: وفي فسقك بالذكور وبالنساء عبرة ودليل على قدرة الله عز وجل في مداخلة الاعضاء بعضها في بعض، وفي تخلق الولد وولادته أعظم عبرة، وأدل دليلا على قدرة الله عز وجل، وكذلك في قتل النفس وسيلان الدم بعد منع الجلد له من السيلان، وفي خروج النفس وانقطاع الحركة والحس أعظم عبرة وأدل دليلا على القدرة، فأبح قتل النفس على هذا وقل: إنه حسن في العقول بل واجب، ومن قرأ كتب التشريح للاطباء علم أن في ذلك أعظم عبرة، فليقل إن قتل الانفس مباح في العقل.\rواحتج المبيحون أيضا بأن قالوا: لابد من فعل، أو ترك، أو حركة أو سكون فإن منعتموه الكل أوجبتم المحال والممتنع.\rقال أبو محمد: وهذا إنما يخاطب به من قال بالحظر، وأما نحن فلسنا نقول: إن في العقل إباحة شئ ولا حظره، وإنما فيه تمييز الموجودات على ما هي عليه وفهم الخطاب فقط.\rوبالجملة فكل شئ يعارض به القائلون بالاباحة أو الحظر فهي دعاوى مجردة، واحتج بعض القائلين بالاباحة بقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا قال أبو محمد: ولا حجة لهم في هذا، لاننا لم نقل إنه تعالى يعذب من لم يبعث إليه رسولا فيعارضون بهذا، وليست هذه الآية من مسألتنا في الاباحة والحظر في ورد ولا صدر، لان الاشياء لو ورد الحظر فيها بنص جلي إلا أنه لم يأت وعيد على مرتكبها لم يجز لاحد أن يقول: إن الله تعالى يعذب من خالف أمره، وليس في كون المرء عاصيا أو كافرا ما يوجب أنه يعذب ولا بد، وإنما علمنا وجوب العذاب من طريق القرآن والخبر عن النبي (ص) فقط، ولولا ذلك ما علمناه.\rبرهان ذلك، أن الكفار الطغاة قد وجدناهم في هذا العالم يعمرون مدة أعمارهم غير معذبين، لا بل في نعمة وملك وغلبة وكرامة، ولا فرق بين جواز ذلك خمسين عاما وستين وسبعين وثمانين، وبين تماديه هكذا أبدا وقتا بعد وقت، ولا فرق بين جواز ذلك في الوقت الاول، وبين جوازه في الوقت الثاني، وليست","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"هنا حال حدثت لهم، إلا أن الله تعالى أراد أن يعذبهم في الآخرة، ولو شاء أن يستمر نعيمهم لفعل، ولكن ورد النص بالتعذيب قلنا به، وقال بعض القائلين بالاباحة: محال أن يخلق الله تعالى فينا الشهوات المقتضية لما تقتضيه ثم يحظر علينا ما خلق لنا.\rقال علي: هذه مكابرة العيان، وليست هذه هي حجة مسلم، لان الله عز وجل وقد فعل ما أنكروا، وخلق فينا شهوات تقتضي إتيان الفواحش في كل امرأة جميلة نراها أو في حسان الغلمان، وشرب الخمور في البساتين، وأخذ كل شئ استحسنته النفوس والراحة، وترك التعرض لسيوف أهل الشرك، والنوم عن الصلوات في الهواجر الحارة والغدوات القارة، ثم حرم علينا ذلك كله.\rفإن قال قائل: فإن الله تعالى قد عوض من ذلك أشياء أباحها، وعوض على ترك ما حرم ما هو خير وهو الجنة، قلنا له وبالله تعالى التوفيق: لقد كان تعالى قادرا أن يجمع الامرين لنا معا، ولقد كان يكون ذلك أقل لتعبنا وألذ لنفوسنا وأروح لاجسامنا وأتم لسرورنا، ولكنه تعالى لم يرد إلا ما ترى لا معقب لحكمه.\rوبيان ذلك: أنه قد نعم قوما في الدنيا والآخرة، كداود وسليمان عليهما السلام وأعطاهما اللذات العظيمة والملك السنيع والنبوة مع ذلك.\rوسلط على أيوب وهو نبي مثلهما من البلايا ما لا قبل لاحد به دون ذنب سلف منه، ولا إحسان سلف من سليمان وداود على جميعهم الصلاة والسلام، وسلط محمدا (ص) على جميع أعدائه، وعصمه منهم، ومنحه النصر عليهم، وسلط على أنبياء أخر أعداءهم فقتلوهم بأنواع المثل، وكلهم مع ذلك من مسعود مسلط على عدوه في الدنيا ومحروم مسلط عليه عدوه فيها، وكلهم مجتمعون في الجنة متنعمون فيها وفعل بنا ذلك أيضا، فمن محسن منعم، ومن محسن مشقي، وقد نعم أيضا عز وجل ملوكا من الكفار في الدنيا، وأصحبهم النصر والتأييد إلى أن قبض أرواحهم إلى النار، وهم أطغى خلق الله وأكفره، وأشد تسلطا على الفواحش.\rوحرم آخرين من الكفار، فقتلهم بالفاقة والجوع والعري والقمل والمسألة من باب إلى باب مع","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"العاهات العظيمة والبلايا الشنيعة والامراض المؤلمة، ثم جعل مجتمعهم في جهنم مع منعهم في الدنيا، ومنحوس فيها، فأي عقل ترتبت فيه هذه الرتبة أو المنع منها ما يحس شيئا من ذلك في عقله إلا ناقص العقل، ينبغي له أن يتهم حسه في ذلك.\rونسأل من جعل العقل مرتبا في حظر أو إباحة قبل ورود الشرع فنقول له: ما تقول في راهب في صومعة، مريد لله عز وجل بقلبه كله، موحد لله تعالى لا يدع خيرا إلا فعلولا شرا إلا اجتنبه، إلا أنه كان في جزائر الشاشيين في أقصى\rالدنيا يسمع قط ذكر محمد (ص) من جميع أهل ناحيته إلا متبعا بالكذب وبأقبح الصفات، ومات على ذلك وهو شاك في نبوته (ص) أو مكذب لها، أليس مصيره إلى النار خالدا، مخلدا أبدا بلا نهاية ؟ فإن شك أحد في ذلك فهو كافر بإجماع الامة.\rثم نقول: ما تقول في يهودي أو نصراني لم يدع قتل مسلم قدر عليه إلا قتله أو أنفذه ولم يبق شيئا من الفواحش إلا ارتكبه، من الزنى وفعل قوم لوط عليه السلام، وفعل كل بلية، ثم إنه أيقن بنبوة محمد (ص)، وآمن وبرئ من كل دين إلا دين الاسلام، وأقر بذلك بلسانه ومات أثر ذلك، أليس من أهل الجنة ؟ بلا خلاف من أحد من الامة، فإن شك في ذلك فقد كفر.\rففي أي موجب للعقل وجد إثبات هذا أو وجد إبطاله، وما الذي أوجب في العقل أن يخص محمدا (ص) وسائر الانبياء بهذه الفضائل، وقد كان عليه السلام بين أظهر الناس أربعين سنة لم يحبه تعالى بهذه الفضيلة، فأي عقل أوجب منعه من ذلك قبل أن يؤتاها أو أوجب أن يحبى بها إذ حبي بها، هل هي إلا أفعال الله تعالى واختياره، وكل هذا يبطل أن يكون للعقل محال في حظر أو إباحة، أو تحسين أو تقبيح، وأن كل ذلك منتظر فيه ما ورد من الله تعالى في وحيه فقط، نسأل الله الهدى والعافية في الدنيا والآخرة بمنه آمين.\rوقال بعض المتكلفين من القائلين بالاباحة: كل من اضطره الله إلى شئ فقد أباحه له.\rقال أبو محمد علي: وهذا قول امرئ لم يتدرب في العلم، وقد أخطأ في هذه القضية لان الضرورة فعل الله تعالى، والجائع مضطر إلى الجوع، والمريض مضطر إلى المرض، وقد قال تعالى في أهل النار: ثم ضطره إلى عذاب النار أفيسوغ","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"لذي عقل أن يقول: إن الله تعالى أباح للجائع الجوع، وللمريض المرض،\rولاهل جهنم الكون في جهنم، وإنما يقول هذا من لا يعرف الاسماء ولا المسميات ولا حقيقة عبارة الالفاظ عن المعاني.\rفإن قال قائل: فإن الشريعة تبطل حكم ما في العقول، واحتج بأنه قد حسن في العقول الانقياد للامر المنسوخ قبل أن ينسخ، ثم أتى النسخ فقبح في العقل ما كان فيه حسنا.\rقيل له: هذا شغب فاسد، ولم نكرر أن الشريعة لا تحسن إلا ما حسنت العقول ولا تقبح ما قبحت، بل هو قولنا نفسه، وإنما أنكرنا أن يكون العقل رتبة في تحريم شئ أو تحليله أو تحسينه أو تقبيحه، وأما إذا وردت الشريعة بالنهي عن شئ أو إباحته، فواجب في العقول الانقياد لذلك، والانقياد لمنع ما أبيح، أو إباحة ما منع إن جاء أمر بخلاف الامر المتقدم، فلم يحدث في العقول شئ لم يكن ولا غير النسخ شيئا مما كان فيها من وجوب الانقياد لما وردت به الشريعة، وقد قال بعض القائلين بالحظر: إن معنى قوله عز وجل: خلق لكم ما في الارض جميعا إنما معنى هذا ليعتبر به.\rقال أبو محمد: وهذا تحكم لا يشبه إلا تحكم الصبيان.\rومن استجاز مثل هذا من نقل الالفاظ عن مراتبها في اللغة، فلا ينكر على غلاة الروافض قولهم: إن معنى الصلاة الدعاء لا الركوع والسجود، معنى الزكاة طهارة الانفس، ومعنى الحج القصد إلى الامام، ومن سلك هذه الطريقة أبطل الديانة، وأدى إلى إبطال جميع التفاهم، ولم يكن في الدنيا كلام إلا واحتمل أن يقول فيه قائل إنه مقصود به غير ما يقتضيه لفظه، وهذا هو إبطال الحقائق، وساغ للعيسوية من اليهود أن يقولوا: إن معنى قول رسول الله (ص): لا نبي بعدي، أي من العرب فقط، وساغ للمعتزلة أن تقول: وخلق كل شئ، أي الاجسام وأعراضها حاشا الحركات، وساغ للحشوية أي تقول: بل خلق كل شئ حاشا الروح والايمان\rوالكلام المسموع من القراء، وساغ للمنانية أن يقولوا خلق كل شئ من الخير","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"فقط، وهذا كلام ومذهب يفسد الدين، ويبطل حقيقة العقل.\rوقد علمنا ضرورة أن الالفاظ إنما وضعت ليعبر بها عما تقتضيه في اللغة، وليعبر بكل لفظة عن المعنى الذي علقت عليه، فمن أحالها فقد قصد إبطال الحقائق جملة، وهذا غاية الافساد وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: ثم نبطل كلا المذهبين معا بحول الله وقوته.\rقال الله تعالى: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب وقال تعالى قل أرأيتم ما نزل الله لكم من زذرق فجلتم منه حراما وحلالاقل آلله أذن لكم أم على الله تفترون) *.\rقال علي: ففي هاتين الآيتين نص واضح على تحريم القول في شئ من كل ما في العالم أنه حرام أو أنه حلال، فبطل بذلك قول من قال: إن الاشياء قبل ورود الشرع على الحظر أو على الاباحة، وصح أن من قال شيئا من من ذلك بغير إذن من الله تعالى فهو مفتر على الله عز وجل، وأما إذا ورد الشرع بأي شئ ورد من إباحة الكل، أو حظر الكل، أو حظر البعض، أو إباحة البعض فواجب القوم بكل ما ورد من ذلك، وقال تعالى أيحسب الانسان أن يترك سدى والسدى المهمل الذى لا يأمر ولا ينهى فصح بهذه الآية أن الناس لم بيقو القط هملا دون ورود شروع فبطل قول من قال: ان العقول تعرت وقتا من الدهر من شرع وإذ قد بطل هذا القول، فقد بطل أن يكون الشئ في العقل قبل ورود الشرع له حكم في العقل بحظر أو إباحة.\rقصار قولهم محالا ممتنعا، مع كونه حراما أيضا لو كان ممكنا وقال تعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير فبطل هذا أن تكون أمة وقتا من الدهر لم يتقدم فيهم نذير وقد كان آدم عليه السلام رسولا فح الارض\rوقال تعالى له إذ أنزله إلى الارض ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين فأباح تعالى الاشياء بقوله أنها متاع لنا ثم حظر ما شاء وكل ذلك بشرع وكذلك إذ خلقه في الجنة لم يتركه وقتا من الدهر دون شرع بل قد قال تعالى وكلا منها رغدا حيث شئنما ولا تقربا هذه الشجرة: فلم يخل فط يخل فط وقت من الزمان عن أمر أو نهى قال على: ويقال لهم أيضا: لو جاز أن نبقى دون شرع لكان حكمنا كحكمنا","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"قبل أن نحتلم، فإن الامور حينئذ لا حكم لها علينا لا بحظر ولا إباحة، ولا فرق بين كونهما كذلك قبل البلوغ بنصف ساعة وبين كونهما كذلك بعد البلوغ وكلا الامرين في العقول سواء.\rوما في العقل إيجاب الشرع على من احتلم وسقوطه عمن لم يحتلم.\rوليس بين الامرين إلا نومة لطيفة، فبطل بهذا ما ادعوه من أن العقول فيها حظر شئ أو إباحته قبل ورود الشرع وموافاة الخطاب من الله عز وجل، ولو كان كذلك للزم غير المحتلم كلزومه المحتلم إذ موجب العقل لا يختلف.\rقال علي: ويقال لمن قال: لكل شئ مباح في العقل، إلا الفكر، أليس إقرار المرء بلسانه بالتثليث غير متبع له إنكارا.\rكفرا من قائله، فإن قال: لا.\rكفر، وإن قال: نعم.\rقيل له صدقت، وقد أباح الله تعالى الاعلان به دون اتباع أفكار لمن اضطر وخاف الاذى.\rوقد أباح الله تعالى عند خوف القتل الكفر الصحيح الذي هو كفر في غير تلك الحال، ولسنا نسألهم عن الكفر الذي هو العقد، إنما نسألهم عن الكفر الذي هو النطق به فقط، لان بعضهم قال: لم يبح الله تعالى قط الكفر، لان الكفر الذي هو العقد، ولا خلاف بين من يعتد به في النطق بالكفر دون اتباع بإنكار ولا حكاية، كفر صحيح، فعن هذا الكفر سألناهم وهم يقرون\rبأن امرأ لو قال بلسانه: أنا كافر بالاسلام، مقر بالتثليث، إن هذا كفر، وإنه مرتد، وهذا بعينه الذي أبيح عند الاكراه، فقد جاءت إباحة الكفر نصا، وحسن ذلك في عقولهم، وبطل قولهم، والذي نقول به إن الله تعالى لو أباح الكفر الذي هو العقد لكان حسنا مباحا، وأنه إنما حظر بالشرع فقط وبالله تعالى التوفيق، ويقال لمن قال: إن كفر المنعم محظور بالعقل.\rما تقول في كافر ربى إنسانا وأحسن إليه، ثم لقيه في حرب أيقتله أم لا ؟ فإن قالوا: لا.\rخالفوا الاجماع، وإن قالوا: نعم.\rنقضوا قولهم في أن كفر المنعم محظور بالعقل، فإن قالوا: إن قتله شكر له، كابر، وإن أقروا بأن قتله الذي هو سبب مصيره إلى الخلود في النار شكر له وإحسان إليه، وهذا ضد ما ميزه العقل، وبالله تعالى التوفيق.","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"فصل: فيمن لم يبلغه الامر من الشريعة قال علي بن أحمد: اختلف الناس فيمن لم يبلغه الحكم الوارد من الله تعالى في الشريعة في خاص منها أو في جميعها، فقالت طائفة: كل أحد مأمور منهي ساعة ورود الامر والنهي، إلا أنه معفوعنه غير مؤاخذ بما لم يبلغه من الامر والنهي، وقالت طائفة: إن الله تعالى ليأمر قط بشئ من الدين إلا بعد بلوغ الامر إلى المأمور، وكذلك النهي ولا فرق، وأما قبل انتهاء الامر أو النهي إليه فإنه غير مأمور ولا منهي.\rقال علي: وبهذا نقول لقول الله عز وجل: لانذر كم به ومن بلغ ولقوله لا يكلف الله نفسا الا وسعها ولاخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يسمع به يهودى أو نصراني فلم يؤمن به الا وجبت له النار، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي، ثنا ابن مفرج، ثنا محمد بن أيوب الرقي، أنبا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، ثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ بن هشام الدستوائي، ثنا أبو علي\rقتادة عن الاسود بن سريع، عن النبي (ص) قال: يعرض على الله تبارك وتعالى الاصم الذي لا يسمع شيئا، والاحمق والهرم، ورجل مات في الفترة، فيقول الاصم: رب جاء الاسلام وما أسمع شيئا، ويقول الاحمق: رب جاء الاسلام وما أعقل شيئا، ويقول الذي مات في الفترة: رب ما أتاني لك من رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل الله تعالى إليهم: ادخلوا النار، فو الذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما.\rوبه إلى قتادة عن الحسن البصري، عن أبي رافع عن أبي هريرة بمثله وزاد في آخره: ومن لم يدخلها دخل النار.\rفصح كما أوردنا أنه لا نذارة إلا بعد بلوغ الشريعة إلى المنذر، وأنه لا يكلف أحد ما ليس في وسعه، وليس في وسع أحد علم الغيب في أن يعرف شريعة قبل أن تبلغ إليه، فصح يقينا أن من لم تبلغه الشريعة لم يكلفها.\rواحتجت الطائفة الاخرى بقول رسول الله (ص): إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر فسماه عليه السلام مخطئا ولا يكون المخطئ إلا من خالف ما أمر به.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"قال أبو محمد: وهذا الخبر لا حجة لهم فيه، بل هو حجة لنا وبه نقول، لانه قد يكون مخطئا من لا يوافق الحق، وإن لم يكن مأمورا بالعمل به كإنسان سمى آخر بغير اسمه غير عامد، فهذا مخطئ ولا أمر يلزمه ها هنا، وكمن أنشد بيت شعر فوهم فيه، فهو مخطئ بلا شك، وهذا المجتهد مخطئ بلا شك إذا حكم بخلاف ما ورد به الحكم من عند الله عز وجل، وأدخل في الدين ما ليس منه، وإن كان غير مأمور بالحكم بما لم يبلغه فإنه منهي عن الحكم بما ظن أنه حق، وهو غير حق، وأما إذا بلغه فإنه مأمور به وإن نسيه لانه قد بلغه ولزمه.\rفإن قال قائل: لو كان ما قلتم لكان الدين لازما لبعض الناس لا لكلهم، قلنا\rوبالله التوفيق: ليس كذلك بل الدين لازم للجن والانس إذا بلغهم، نعم ولكل من لم يخلق بعد إذا خلق وبلغه وبلغ حد التكليف لا قبل ذلك، وأنتم لا تخالفوننا في الشريعة أنها لا تلزم من لم يخلق قبل أن يخلق، ولا من لم يبلغ قبل أن يبلغ.\rفإن قالوا: فكيف حال من لم يبلغه الامر، أهو مأمور بما هو عليه من خلاف ما أمره الله تعالى به مما لم يبلغه أم هو مأخور بما أمر ه الله تعلى به مما لم يبلغه، ولا سبيل إلى قسم ثالث ؟ فإن قلتم: هو مأمور بما أمره الله تعالى به، وإن لم يبلغه فهو قولنا، وإن قلت هو غير مأمور بما أمره الله تعالى به، أو أنه مأمور بما هو عليه من خلاف ما أمر الله تعالى به كان ذلك شغبا بشيعا.\rقلنا وبالله التوفيق: لسنا نقول بواحد من هذين الجوابين لكنا نقول: هو غير مأمور في ذلك بشئ أصلا حتى يبلغه، وحاله في ذلك كحال من لم يبلغ حد التكليف حتى يبلغ، فإن قالوا: فكيف حكمه إن خالف ما يرى أنه الحق عامدا فوافق بذلك ما أمر الله تعالى به، قلنا لهم: هذا السؤال لازم لكم ولنا.\rفأما نحن فنقول وبالله التوفيق، إنه ليس في ذلك مطيعا ولا عاصيا، لكنه مستسهل لمخافة الحق، هام بترك الحق، إلا أنه لم يفعل ذلك بعد.\rهذه صفته على الحقيقة إلا أنه لم يخالف بفعله ذلك حقا ولا واقع باطلا.\rقال علي: أهل هذه الصفة ينقسمون ثلاثة أقسام: فقسم شهدوا ورود الامر من الله تعالى ثم نسخ ولم يشهدوا الناسخ، وليس أحد من هؤلاء موجودا بعد موت رسول الله (ص)، لان النسخ بطل بعد موته عليه السلام","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"واستقرت الشرائع.\rوقسم ثان: علموا المنسوخ ولم يبلغهم الناسخ، أو بلغهم المجمل ولم يبلغهم المخصص، وقسم ثالث: بلغهم الناسخ والمنسوخ والمجمل والخاص ثم نسوا الخاص والناسخ، أو تأولوا فيهما تأويلا قاصدين إلى الحق.\rفإما من كان في عصر رسول الله (ص) فبلغه المنسوخ ولم يبلغه الناسخ، فهؤلاء خاصة لا يسقط عنهم الامر بالمنسوخ حتى يبلغ إليهم الناسخ، لانه قد لزمهم الذي بلغهم بيقين لا شك فيه، ولا يسقط اليقين إلا بيقين.\rبرهان هذا: أنه قد صح وثبت عند جميع أهل العلم أن المسلمين كانوا بأرض الحبشة، وبأقصى جزيرة العرب، فنزل الامر من الله تعالى على رسوله (ص) ما لم يكن فيه قبل ذلك أمر كالصوم والزكاة، وتحريم بعض ما لم يكن حراما كالحق، وإمساك المشركات وغير ذلك.\rفلا شك في أنه لم يأثم أحد منهم بتماديه على ما لم يعلم نزول الحكم فيه.\rوكذلك كان ينزل الامر مما تقدم فيه حكم بخلاف هذا النازل كتحويل القبلة عن بيت المقدس وغير ذلك، فلا شك أيضا في أنهم لم يأثموا ببقائهم على العمل بالمنسوخ، بل كان فرضا عليهم الصلاة كما أمروا وعرفوا حتى يبلغهم نسخه هذا ما لا يختلف فيه اثنان فصح قولنا، والحمد لله يقينا لا مجال للشك فيه.\rوهكذا بقي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أزيد من عشرة أعوام مقرين لليهود والنصارى والمجوس بجزيرة العرب، إذ لم يبلغهما نهي النبي عليه السلام عن إقرارهم فيها، فلم يختلف أحد في أنهما لم يعصيا بذلك، بل فعلا ما أمرا به ولو قال قائل: إن هذا إجماع صحيح متيقن لما بعد عن الصدق، لانه لم ينكر ذلك عليهما أحد من الصحابة، وليس منهم أحد خفي عليه إقرارهما لهم قبل بلوغ النهي إليهما، وبالله تعالى التوفيق.\rفإن قيل: فهلا قلتم إنه سقط عنهم استقبال بيت المقدس، ولم يؤمروا باستقبال الكعبة بقول الله تعالى: * (ومن حيث ما كنتم فولوا وجود هكم شطه) قلنا: لا لما قد ذكرنا من أن الحكم لا يلزم حتى يبلغ، وإنما خاطب الله بهذا الامر من بلغه ومن لم يخلق إذا خلق وبلغه، ولا دليل على سقوط ما قد ثبت عليهم من استقبال بيت المقدس إلا ببلوغ الامر إليهم بتركه.","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"قال علي: ولو كانوا مأمورين باستقبال الكعبة حين نزول الامر من قبل أن يبلغهم لكان من أقدم منهم فصلى إلى الكعبة عامدا قبل أن يبلغهم الامر جائز الصلاة، وهذا باطل، وأما لو أن إنسانا اليوم خفيت عليه دلائل القبلة، فاستدل فأداه استدلاله إلى جهة ما، وقطع بذلك ثم تعمد الصلاة إلى خلاف تلك الجهة، فلما سلم إذا به إلى القبلة فإن صلاته باطلة، وهو بذلك فاسق، لانه تعمد العمل في صلاته بما ليس عالما أنه أمر به فيها، فقصد العمل بما يرى أنه ليس من صلاته، فقد قصد إفساد صلاته فبطلت بذلك.\rقال أبو محمد: وأما من كان بعد رسول الله (ص) فلم يبلغه الناسخ ولا الخالص، فإنه أيضا مأمور بما يعتقد من المنسوخ ومن عموم المخصوص، لان الله تعالى لم يكلفه قط خلاف ذلك، بل افترض عليه خلافا لذلك طاعة أمره تعالى جملة، والمنسوخ من أمره فلا شك، فهو لازم لكل من بلغه بعموم الامر المذكور حتى يبلغه نسخه وبالله تعالى التوفيق.\rومن المحال الممتنع أن يكون الله تعالى يورد على عبده أمرا يأمره به ثم ينهاه عنه ولا يعلمه بنهيه عنه، وهو تعالى قد تكفل لنا بالبيان، قال عز وجل قد تبين الرشد من الغى) فلو ورد أمر الله تعالى ثم نهاه عنه ولم يبلغه نهيه لكان ذلك إضلالا والتباسا، ولكان الرشد غى مبين من الغى: وحاشا لله من هذا بيقينا.\rوأما من بلغه الناسخ والخاص ثم نسيهما أو تأول فيهما بمبغ طاقته فهو مأمور بما بلغه من ذلك، لانه مذ بلغه منهى عما هو عليه، لانه قد بلغه النهى إلا أنه معذور مأجور مرة، مأجور بقصده الخير، ومعذور ونسيانه، فهذا حكم هذا الباب البرهان الصحيح، وبالله تعالى التوفيق.\rفإن احتج بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فرضت الصلاة ليلة الاسراء:\rوفيه قول موسى عليه السلام: كم فرض الله على أمتك ؟ قال خمسين صلاة أو نحوه فأخبر النبيان عليهما السلام أن الله تعالى فرض علينا قبل أن يبلغنا خمسين صلاة، قلنا: إنما معنى هذا أنه متى بلغنا الامر لزمنا، وبرهان ذلك: أن ذلك لا يلزم من لم يخلق حتى يخلق، ولا من لم يبلغ حتى يبلغ، ولا من لم يأت عليه وقت الصلاة","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"حتى يأتي وقتها.\rهذا ما لا خلاف فيه.\rفصح أن الفرض المذكور إنما هو بعد الخلق وبعد البلوغ، وبعد انتهاء الشرع إليه، وبعد دخول الوقت: وبهذا تتألف الاخبار كلها، وبالله تعالى التوفيق.\rبرهان ذلك: أنه لم يعص قط أحد من المسلمين بتركه الخمسين صلاة، ولو وجبت وتركها تارك لكان عاصيا لله تعالى، فصح أنه يلزمنا إلا ما بلغنا من الدين، وأما من بلغ إليه خبر غير صحيح عن النبي (ص) وصححه له متأول أو جاهل أو فاسق لم يعلم هو بفسقه، فهذا هو مبلغ، اجتهاد هذا الانسان، ولم يكلفه الله تعالى أكثر مما في وسعه ولا ما لم يبلغه فهو طن علم بما بلغه من ذلك الباطل فمعذور بجهله لا إثم عليه، لانه لم يتجانف لاثم، والاعمال بالنيات، فهو مجتهد مأجور مرة في قصده بنيته إلى الخير، وإلى طاعة الله ورسوله (ص)، فلو خالف ما بلغه من ذلك فإنما عليه إثم المستسهل، بخلاف الرسول (ص)، إما بعلمه فقط فهو فاسق، وإما بنيته فهو كافر، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب السابع في أصول الاحكام في الديانة وأقسام المعارف وهل على النافي دليل أو لا ؟ قال علي: قد ذكرنا فيما خلا من هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا: أنه لا طريق إلى العلم أصلا إلا من وجهين: أحدهما ما أوجبته بديهة العقل، وأوائل الحس، والثاني مقدمات راجعة إلى بديهة العقل وأوائل الحس.\rوقد بينا كل ذلك في غير\rهذا المكان، فأغنى عن ترداده، وقد بينا أيضا أن بالمقدمات الصحاح الضرورية المذكورة علمنا صحة التوحيد، وصحة نبوة محمد (ص) وصدقه في كل ما قال، وأن القرآن الذي أتى به هو عهد الله تعالى إلينا، فلما كان فيما ذكر لنا عن ربه تعالى، وجوب أشياء ألزمناها والانتهاء عن أشياء منعنا منها ووعد بالنعيم الابدي من أطاعه، وبالعذاب الشديد من عصاه، وتيقنا وجوب صدقه في ذلك لزمنا الانقياد لما أمرنا له بالانقياد له، وتيقنا صحة كل ما ذكر لنا ضرورة ولا محيد للنفس عنها بما نقلته الكواف مما أظهر من المعجزات التي لا يقدر عليها إلا","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"الخالق الاول تعالى، والشاهد لنبيه (ص) بها على صحة ما أتى به عنه تعالى، فوجب علينا تفهم القرآن والاخذ بما فيه، فوجدنا فيه التنبيه على صحة ما كنا متوصلين به إلى معرفة الاشياء على ما هي عليه من مدارك العقل والحواس، ولسنا نعني بذلك أننا نصحح بالقرآن شيئا كنا نشك فيه من صحة ما أدركه العقل والحواس، ولو فعلنا ذلك لكنا مبطلين للحقائق، ولسلكنا برهان الدور الذي لا يثبت به شئ أصلا.\rوذلك أننا كنا نسأل فيقال لنا: بم عرفتم أن القرآن حق ؟ فلا بد أن نقول بمقدمات صحاح يشهد لها العقل والحس، ثم يقال لنا: بماذا عرفتم صحة العقل والحس المصححين لتلك المقدمات ؟ فكنا نقول بالقرآن، فهذا استدلال فاسد مبطل للحقائق، ولكنا قلنا: إن في القرآن التنبيه لاهل الجهل والغفلة وحسم شغب أهل العناد، وذلك أن قوما من أهل ملتنا يبطلون حجج العقول ويصححون حجج القرآن فأريناهم أن في القرآن إبطال قولهم، وإفساد مذاهبهم، وأن الله تعالى قد علم أن سيكون في العالم أمثالهم، فأخبرنا بما يبطل به شغبهم، ويزيل شكوكهم، كما قال تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شئ فما أمر نا فيه تعالى\rباستعمال دلائل العقل والحواس قوله تعالى: * (ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون) * وصدق الله تعالى ما شكره من إبطال دلائل سمعه وبصره وعقله وقال تعالى: * (ألم نجعل له عينين ئ ولسانا وشفتين ئ وهديناه النجدين) *.\rوذم تعالى من لم يستعمل دلائلها، فقال حاكيا عن قوم معذبين، ولاعراضهم عن الاستدلال المؤدي إلى معرفة الحقائق، قال الله تعالى: * (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) إلى قوله (سيجزون ما كانوا يعملون) وقا تعالى حاكيا عن مثلهم (وقالو لو كنا نسمع ونعقل ما كنا في أصحاب السعير) * فصدقهم الله عز وجل في قولهم ذلك فقال تعالى: (فاعتر فوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير) وقال تعالى (فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصار هم ولا أفئد تهم من شئ) فذم تعالى من لم ينتفع بما أعطاه من الحواس والعقل","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"قال أبو محمد: أترى هؤلاء المقرين على أنفسهم أنهم كانوا لا يسمعون ولا يعقلون، ولو سمعوا أو عقلوا ما دخلوا النار، أكانت صمخ آذانهم ذات آفات مانعة من تأدية الاصوات ؟ أو كانوا جاهلين بأمور دنياهم وأحكام حرثهم وغراستهم ؟ والقيام على مواشيهم ونفقات أموالهم وإنمائها، وبنيان منازلهم وعمارة بساتينهم، وتدبير متاجرهم وصناعاتهم، وحفظ أموالهم، وطلب الجاه والرياسة ؟ كلا والذي عذبهم وأخزاهم وذمهم ؟ بل كانوا أعلم بذلك كله، وأشد اهتبالا به، وأشغل نفوسا فيه، وأبصر لنموه وتكثيره وحياطته - من أهل الفضل، المقتصرين من ذلك مما يضيع العيال والجسم بتركه أو ما جاءهم من ذلك على ما لابد منه عفوا، وكان غير شاغل لهم عما هو آكد عليهم، المقبلين\rعلى طلب معرفة الحقائق، والوقوف على العلم والعمل، الموصلين إلى معرفة الآخرة والسعادة في دار البقاء في الجنة التي وعدها الله تعالى أولياءه والمبعدين من الهلاك والقرار في دار العذاب في النار التي وعدها الله عز وجل لاعدائه المشتغلين بذلك عما تهافت عليه أهل الجهل والنقصان.\rكما ثنا عبد الله بن يوسف بن نامي، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، وكلاهما عن أسود بن عامر قال: ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة وثابت البناني: هشام عن أبيه عن عائشة، وثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص) قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم في حديث قوله عليه السلام في تلقيح النخل فتركوه فخرج شيصا، ولكن هؤلاء المعذبون أضربوا عن استعمال السمع والبصر، واللمس والذوق الشم، والعقل في الاستدلال على الخالق تعالى، ولم يقرب منه من عقد وقول وعمل وصرفوا كل ذلك في حطام فان، لا يجدي ولا يغني، بل يثقل ويندم، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: ووجدنا في القرآن إلزامنا الطاعة لما أمرنا به ربنا تعالى فيه، ولما","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"أمرنا نبيه (ص)، مما نقله عنه الثقات، أو جاء عنه بتواتر أجمع عليه جميع علماء المسلمين على نقله عنه عليه السلام، فوجدناه تعالى قد ساوى بين هذه الجمل الثلاث في وجوب طاعتها علينا، فنظرنا فيها فوجدنا منها جملا إذا اجتمعت قام منها حكم منصوص على معناه، فكان ذلك كأنه وجه رابع، إلا أنه غير خارج عن الاصول الثلاثة التي ذكرنا وذلك نحو قوله عليه السلام: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام فأنتج ذلك كل مسكر حرام فهذا منصوص على معناه نصا جليا ضروريا.\rلان المسكر هو الخمر، والخمر هي المسكر، والخمر\rحرام، فالمسكر الذي هو هي حرام.\rومثل قوله تعالى وورثه أبواه فلامه الثلث وقد تيقنا بالفعل الذي به علمنا الاشياء على ما هي عليه أن كل معدود فهو ثلث وثلثان، فإذا كان للام الثلث فقط وهي والاب وارثان فقط فالثلثان للاب، وهذا علم ضروري لا محيد عنه للعقل، ووجدنا ذلك منصوصا على المعنى وإن لم ينص على اللفظ.\rومثل إجماع المسلمين على أن الله تعالى حكم بأن دم زيد حرام لاسلامه ثم قال قائل: قد حل دمه فقلنا: قد تيقنا بالنص وجوب الطاعة للاجماع، وقد صح نقل الاجماع على أن دمه حرام، فلا يجوز لنا خلاف ذلك إلا بنص منقول بالثقات أو بتواتر أو بإجماع ناقل لنا.\rفهذا منصوص على معناه.\rومثل أن يدعي زيد على عمرو بمال فنقول: إن الله تعالى نص على إيجاب اليمين على عمرو، لان النص قد جاء بإيجاب اليمين على من ادعي عليه، وعمرو مدعى عليه فقد أوجب النص اليمين على عمرو، فلا سبيل إلى معرفة شئ من أحكام الديانة أصلا إلا من أحد هذه الوجوه الاربعة، وهي كلها راجعة إلى النص، والنص معلوم وجوبه، ومفهوم معناه بالعقل على التدريج الذي ذكرناه وقد ادعى قوم: أن من الشرائع ما لا سبيل في القدرة إلى تغييره، فأتوا بأمر عظيم، وأدى قولهم هذا الفاسد إلى أن ربهم تعالى مضطر إلى الامر بما أمر من ذلك: فمن التزم منهم ما توجبه مقدمته الفاسدة كفر، ومن جبن عن التزامه تناقض وقضى بفساد معتقده الذي هو ثابت عليه، إلا أنهم استعظموا أن يطلقوا ما يوجبه مذهبهم فحسنوه بعبارة كنوا بها عنه فقالوا: لا سبيل في العقل إلى تغييره.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"قال علي: والعقل لا يوجب على الباري تعالى حكما، بل الباري تعالى خالق العقل بعد أن لم يكن، ومرتب له وفيه ما قد رتب مما لو شاء أن يخترعه ويرتبه\rعلى خلاف ذلك لفعل.\rوإنما العقل مفهم عن الله تعالى مراده، ومميز للاشياء التي قد رتبها الباري تعالى على ما هي عليه فقط.\rفقال هؤلاء: إن الكفر والظلم لا يتوهم جواز استباحته.\rقال علي: ولا دليل على ما ذكروا، بل قد كان ممكنا أن يأمرنا تعالى بالكفر به وبجحده وبعبادة الاوثان وبالظلم، ولكنه تعالى قد أخبرنا أنه لا يفعل ذلك فعلمنا أن ذلك لا يكون أبدا، ليس لانه ممتنع منه عز وجل لو شاءه، ولا أنه تعالى عاجز عن ذلك لو أراده، ولكن لانه لا يقول إلا الصدق، وقد أخبرنا أن ذلك لا يكون، وأنه لا يرضى لنا الكفر، ولا يأمر أن نتخذ إلهين اثنين، فلما أخبرنا بذلك منعنا من كونه، كما منعنا أن يأتي رسول بعد محمد (ص) وكما منعنا من عمارة مكان قفر قد رأيناه غير معمور إلى وقتنا هذا، ومن خلاء مدينة قد عهدناها معمورة إلى وقتنا هذا، وقد كان في الممكن خلاء تلك المدائن، وعمران هذا القفر: ولكن الله تعالى لم يرد ذلك إلى الآن.\rفعلى هذا الوجه منعنا أن يأمر بالكفر به لا على أن العقل مانع من جواز ذلك لو شاءه عز وجل.\rقال علي: وبرهان ذلك أننا واجدون بالمشاهدة أكثر أنواع الحيوان لم تتعبد بالايمان بالله عز وجل، ولا ركب فيها التمييز الذي لا يعرف الله عز وجل إلا به فلو شاء تعالى أن يجعل الانسان غير مأمور لفعل.\rولما كان هنالك شئ يمنعه من ذلك تعالى وجهه، ولا يوجب عليه فعل ما فعل ولا بد، وهؤلاء الصبيان الذين بلغوا الاربعة عشر عاما ولم يشعروا ولم يحتلموا بإجماع أكثر الامة بالايمان أمر إلزام، ولا منهيين عن الكفر نهي تحريم، فإذا احتلموا لزمهم الايمان فرضا، وحرم عليهم الكفر حتما، ولم يكن بين تعريهم من الاوامر والنواهي، وبين حلولها عليهم إلا نومة لعلها أقل من مقدار شي بيضة، ولم يزد التمييز الذي كان فيهم في تلك النومة شيئا.\rبل هو على حسبه الذي كان عليه قبل\rأن ينامها، ولا فرق.\rهذا شئ يعلم بالحس والمشاهدة، يعني تساوي التمييز فيهم في ذينك الوقتين.\rوهذا شئ قد يشهد النص به ولا خلاف فيه بين جمهور أهل","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"الملة التي وضعنا كتابنا هذا في أحكامهم وعبادتهم، اختلافهم في معنى براءة من لم يشعر ولم يحتلم، ولا حاض إن كان امرأة، ولا بلغ خمسة عشر عاما من جميع الاوامر الواردة من الله تعالى ولزومها لمن احتلم وبلغ خمسة عشر عاما مع الاحتلام، أو حاض إن كان امرأة في هذه السن، ولا فرق في العقل بين جواز عدم الامر بالايمان في كلتا الحالتين المذكورتين، وبين جواز وجود الامر به في كلتيهما.\rفإن شغب مشغب بتعلم الصبيان الصلاة وضربهم عليها، وأراد بذلك غرور الضعفاء المقلدين، فليعلم أنه لا خلاف عند الحاضرين من خصومنا في أن ذلك على سبيل التدريب وتعليم الخير، لا على سبيل الايجاب لذلك عليهم، وكذلك دعاؤنا إياهم إلى الاسلام.\rوبرهان ذلك: أننا لا نقتلهم إن ارتدوا حتى يحتلموا، ولا نقتلهم إن قتلوا، ولا نحدهم إن زنوا، ولا يحرم الميراث وإن ارتد قبل بلوغه من موروثه المسلم.\rفإن ادعى مدع: أن البهائم متعبدة، واختار اللحاق بأحمد بن حابط والخروج عن إجماع المسلمين، فحسبه مفارقة الاسلام واللحاق بالكفر، وليس هذا مكان محاجة أهل هذا المذهب، وقد بينا ذلك في كتاب الفصل.\rوإنما قصدنا في كتابنا هذا بيان جمل الاحكام فقط فمن أراد أن يقف على هدم ما ذكرنا من الشغب فليقرأ كتابنا المرسوم بكتاب الفصل إن شاء الله تعالى.\rقال أبو محمد: فإذ قد بينا أقسام المعارف جملة، ثم بينا أقسام الاصول التي لا يعرف شئ من الشرائع إلا منها، وأنها أربعة وهي: نص القرآن، ونص كلام رسول الله (ص)، الذي إنما هو عن الله تعالى مما صح عنه\rعليه السلام نقل الثقات أو التواتر، وإجماع جميع علماء الامة، أو دليل منها لا يحتمل إلا وجها واحدا، فلنصف بحول الله وقوته كيف ستعمل المناظران","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"أو المتعلم أو العالم السبيل إلى معرفة الحقائق مما ذكره.\rفنقول وبالله تعالى التوفيق: أول ذلك سؤال السائل مسؤوله عن مذهبه في مسألة كذا، إما مستفهما أو مناظرا، فإذا أجابه سأله: ما دليلك على كذا ؟ فإذا أجابه فقد وصلا إلى ميدان المعارضة، فإن لم يكن هنالك إلا أن يصف كل واحد منهما مذهبه، ولم يزد المسؤول على ذكر مذهبه فقط، ولم يأت بدليل فقد سقط وبطل واكتفى بذلك عن تكلف إبطاله، إذ قد بينا فيما تقدم من كتابنا هذا إبطال كل قول لم يقم عليه دليل، فإن عارض المسؤول السائل بدليل، مثل أن يستدل أحدهما على صحة مذهبه بآية، فيحتج عليه الآخر بآية أخرى، هي في ظاهرها مخالفة الحكم للتي احتج بها خصمه أو بحديث كذلك.\rأو احتج أحدهما بحديث فعارضه الآخر بآية هي ظاهرها مخالفة الحكم لذلك الحديث أو بحديث كذلك.\rفسنفرد لذلك بابا موعبا في كتابنا هذا إن شاء الله عز جل عند كلامنا في الاخبار، وإن أمدنا الله بمده وقوته فسنفرد لكل هذه الوجوه كتبا مفردة في أشخاص الاحاديث والآي التي ظاهرها التعارض، ونحن نبين بحول الله وقوته نفي الاختلاف عن كل ذلك وبالله تعالى نعتصم ونتأيد.\rوقد ذكر مخالفونا تعارض العلل.\rقال علي: وسنبين في آخر كتابنا هذا إن شاء الله تعالى بطلان العلل في الشرائع بالجملة، وإن أمدنا الله تعالى بمده وعون من قبله عز وجل فسنفرد في المسائل النظرية، وهي التي دلائلها نتائج مأخوذة من مقدمات نصية أو إجماعية ديوانا موعبا نتقصى فيه إن شاء الله تعالى الادلة الصحيحة، وبطلان علل أصحاب القياس\rومفاسدها بالجملة، وبالله تعالى التوفيق.\rثم رأينا كتابنا المعروف بالايصال جامع لكل ذلك مغن عن إفراد كتب لكل صنف منها.\rقال علي: وكل من قال بقبول خبر الواحد، ثم صح عنده خبر عن النبي (ص) متكامل الشروط التي بوجودها يصح عنده الخبر جملة.\rفإن تركه لحديث آخر فهو مجتهد، إما مخطئ، وإما مصيب، وكذلك إن تركه لنص قرآن، وكذلك إن ترك نص قرآن لحديث آخر، أو نص قرآن، إلا أنه إن كان قد ترك في مكان آخر","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"مثل تلك الآية التي أخذ بها الآن أو الحديث الذي أخذ به أو أخذ بمثل الحديث أو الآية اللذين ترك ههنا، وخالف ترتيب أخذه في المسائل، فإن كان لم يتنبه لذلك فهو غافل معذور بالجهل، فإن نبه على ذلك فتمادى على خطأه فهو فاسق لاقراره في مكان ما بأن مثل ذلك العمل الذي استعمل ههنا باطل، فهو مقدم على الاخذ بما يدري أنه باطل.\rوذلك مثل من أخذ بقول رسول الله (ص): لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وترك ظاهر قول الله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ثم إنه ترك قول رسول الله (ص): لا تحرم الرضعة والرضعتان وأخذ بظاهر قوله عز وجل (وأمها اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) فهذا ادا وقف على تناقض فعله واتمادى عليه فهو فاسق، لانه في أحد الموضعين مفر بأن ترك ظاهر القرآن للحديث خطا لا يحل، وفي الموضع الثاني استعمل ما أقر أنه لا يحل، فهو مقدم على ما لا يجوز له بإقراره فإن علل حديث الرضعتين أريناه في حديث السارق مثل تلك العلل بعينها، فإن تمادى على الاخذ بأحد هما وترك الآخر فهو فاسق أيضا وان ترك نصا لقياس بعد قيام الحجة عليه بإبطال القياس فهو فاسق أيضا.\rوان ترك نصا لقول صاحب فمن دونه فإن كاتن يعتقد أن عند ذلك الصاحب\rعلما عن النبي صلى الله عليه وسلم وقامت عليه الحجة ببطلاتن ذلك فتمادى ولم يتب فهو فاسق.\rفإن كان يعتقد أن لاحد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرم شيئا كان حلالا إلى حين موته عليه السلام، أو يحل شيئا كان حراما إلى حين موته عليه السلام أو يوجب حدا لم يكن واجبا حدا لم يكن واحبا إلى حين موته عليه السلام.\rأو يشرع شريعة لم تكن في حياته عليه السلام فهو كافر مشرك حلال الدم والمال حكمة حكم المرتد ولا فرق.\rوقد ظن قوم مثل هذا في المنع من بيع أمهات الاولاد، وفي حمل الخمر، وفي اسقاط ست قرا آت كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مباحه، فمن لم تقم عليه الحجة في بطلان هذا المعتقد فهو معذور بالجهل وأما من قامت عليه وتمادى على مذهبه في ذلك فهو كافر مشرك مرتد حلال الدم والمال كما ذكرنا.\rوسنبين","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"بحول الله وقوته وجوه هذه المسائل الثلاث في كلامنا في الاجمال من كتابنا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rقال علي: وكل ما قلنا فيه إنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة عليه، فهو ما لم تقم عليه الحجة معذور مأجور وإن كان مخطئا، وصفة قيام الحجة عليه هو أن تبلغه فلا يكون عنده شئ يقاومها، وبالله تعال التوفيق.\rقال علي: والوجه الذي ذكرنا آنفا، وهو الذي فيه ظاهر تعارض بين آي وآي، وبين حديث وحديث، وبين حديث وآي، فلسنا نقطع فيه على أننا مصيبون للحق، ولا أننا علمناه يقينا، ولا كنا نقول فيه هذا هو الحق عندنا.\rونبين كل مسألة من ذلك في موضعها إن شاء الله تعالى، وهذه هي المتشابهات التي أخبر بها النبي (ص) في قوله: الحلال بين والحرام بين وبينهما متشابهات لا يعلمها كثيمن الناس وليس هذا من المتشابه الذي ذكر الله عز وجل\rفي قوله: منه آيات محكمات هن أم والكتاب وأخر متشابهات) وسنبين ذلك كله في باب مفرد في آخر كتابنا هذا إن شاء الله تعالى عزو جل إلا أننا قاطعون باتون على أن علم الحقيقة فيما أشكل علينا موجود عند غيرنا ولا بد لقول الله تعالى: قد تبين الرشد من الغي ولقول رسول الله (ص): اللهم هل بلغت.\rقالوا: اللهم نعم، قال اللهم اشهد.\rوأما كل حديث صح عندنا أنه ناسخ ولم يأت له معارض، وكل آية وردت كذلك لا معارض لها.\rأو كل نص من حديث صحيح أو آية عارضهما نص آخر منهما.\rفإن الزائد في حكمه على الآخر هو الحق المتيقن.\rلانه شرع وارد من عند الله تعالى لا يحل تركه إلا بنص يبين أنه منسوخ أو مخصوص، فما كان هكذا من النصوص كلها فنحن موقنون بأننا في اعتقاد موجبها محقون عند الله عز وجل وأن مخالفنا فيها مخطئ عند الله عز وجل.\rوكل إجماع صح وتيقن على نقله عن النبي (ص) فنحن قاطعون أيضا على أننا فيه محقون عند الله عز وجل.\rوإن حدث بعد الاجماع اختلاف في فرع من فروع المسألة.\rوإن استدل المخالف بحديث مرسل أو نقل ضعيف، لم نتبعه ولم نقطع على أنه مبطل عند الله عز وجل، بل نقول: هذا الحق عندنا إلا أن نتيقن أن ذلك","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"الخبر لم يأت قط مسندا من طريق يصح، فنقطع حينئذ على أنه باطل عند الله تعالى على ما نبين بعد هذا في باب الكلام في الاخبار إن شاء الله تعالى.\rفإن لم يحتج في ذلك بشئ من نص، لكن بتقليد أو قياس، فنحن قاطعون بأنه مخطئ عند الله تعالى، وأننا محقون عنده تعالى، ولكل استدلال ما عدا ما ذكرناه من تقليد صاحب فمن دونه، أو قياس أو استحسان، فهو باطل بيقين عند الله عز وجل وبالله تعالى التوفيق.\rفصل: في هل على النافي دليل أو لا ؟ قال علي بن أحمد: اختلف الناس\rفي هذا على قسمين، فطائفة قالت: الدليل على من أوجب شيئا، أو ثبت حكما أو قضية.\rوليس على النافي دليل.\rوقالت طائفة: الدليل يلزم إقامته النافي والموجب معا.\rقال علي: والصحيح من ذلك أنا وجدنا الله تعالى أنكر على من حقق شيئا بغير علم وأنكر على من كذب بغير علم، فقال تعالى: * (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * فقد حرم الله تعالى بنص هذه الآية أن يقول أحد على الله عز وجل شيئا لا يعلم صحته، وعلم صحة كل شئ مما دون أوائل العقل وبداءة الحس لا يعلم إلا بدليل.\rفلزم بهذه الآية من ادعى إثبات شئ أن يأتي عليه بدليل وإلا فقد أتى محرما عليه.\rوقال تعالى: * بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأويله فأنكر تعالى تكذيب المرء ما لا يعلم أنه كذب، وقال تعالى: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * فأوجب تعالى على كل مدع المصدق أن يأتي ببرهان، وإلا فقوله ساقط، ووجدنا كل ناف مدعيا للصدق في نفيه ما نفى، ووجدنا كل مثبت مدعيا للصدق في إثباته ما أثبت، فلزم كلتا الطائفتين أن تأتي بالبرهان على دعواها إن كانت صادقة.\rقال علي: وأما من احتج من أصحابنا في إسقاط الدليل عن النافي بإيجاب رسول الله (ص) البينة على المدعي واليمين على من أنكر، فإنما في الاحكام فإنه لا خلاف بين أهل الملة في أنه لا يمين على من أنكر شيئا في المناظرة في غير الاحكام.\rقال علي: فإذا اختلف المختلفان، فأثبت أحدهما شيئا ونفاه الآخر، فعلى كل واحد منهما أن يأتي بالدليل على صحة دعواه كما بيناه آنفا بحكم كلام الله عز وجل، فأيهما أقام البرهان صح قوله، ولا يجوز أن يقيماه معا لان الحق لا يكون في ضدين، ومن الممتنع أن يكون الشئ باطلا صحيحا في حال واحدة من وجه واحد، فإن عجز كلاهما عن إقامة الدليل، وهذا ممكن، فحكم ذلك الشئ أن يتوقف فيه فلا يوجب ولا ينفي، لكن يترك","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"في حد الامكان لانه لو أقام الدليل موجبه، لكان الشئ موجبا حقا، ولو أقام الدليل نافيه لكان الشئ باطلا منفيا.\rفإن لم يقمه واحد منهما قيل في ذلك الشئ هذا ممكن أن يكون حقا، وممكن أن يكون باطلا إلا أننا لا نقول به ولا نحكم به ولا نقطع على أنه باطل، وهكذا نص قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم وقد روي عن النبي (ص) في حديث أهل الكتاب: لا نصدق ولا نكذب، ولكن نقول الله أعلم.\rقال علي: وإنما أوقع أصحابنا في الكلام في هذه المسألة اختلافهم في القياس، ولا معنى للتطول فيها والشغب، لان البراهين على صحة قولنا في إبطال القياس كثيرة جدا واضحة، فلا معنى لمدافعة القائلين به بمثل هذا، بل نقول لهم علينا البرهان في صحة قولنا بإبطاله، فإذا أثبتناه سألناكم عن أدلتكم على إثباته، ولا نقنع بأن نقول إن الشئ أنه باطل فلا معنى لتكلف إقامة الحجة على ضد ما تيقنت صحته، وإن كان هذا قولا صحيحا، ولكنا نقول لهم: هاتوا كل ما تحتجون به في إثباته، ثم علينا نقضه كله بحول الله تعالى وقوته، ثقة منا بوضوح الامر في إبطاله، وسهولة المأخذ في ذلك، وأنه ليس من الغامض الخفي لكن من الواضح الجلي، وقد استوعبنا ذلك ولله الحمد، في باب الكلام في القياس والعلل من كتابنا هذا، وفي كتابنا المرسوم بكتاب التقريب أيضا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإحجاجنا لهم بكل ما شغبوا به وزدناهم احتجاجا بما لم يحتجوا به لانفسهم، وبينا بطلان كل ما يمكن أن يموه به ذلك مموه، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: كل أمر ثبت بيقين إما بحس، وإما ببديهة عقل، وإما بمقدمات راجعة إليهما مما وجد في نص قرآن أو نص سنة أو إجماع، ثم ادعى مدع أن ذلك الحكم قد بطل وانتقل، فعليه الدليل ههنا وليس هذا على الثابت على ما قد صح، لان الدليل قد ثبت بصحة قوله، وما ثبت دليله فالقائل به غير مكلف تحديده\rفي كل وقت، وهذا شئ يقضي العقل بفساده كمن ادعى أن في الدنيا بلادا فيها ناس يمشون على أربع لا على رجلين، ورؤوسهم على أسافلهم.\rأو ادعى أن في الناس قوما لهم حاسة سادسة غير حواسنا، أو ادعى أن فلانا الذي عهدناه حيا مات، فأراد قسم ميراثه ونكاح نسائه، أو أن فلانا طلق امرأته التي عهدنا صحة زوجيته","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"معها، أو أن هذا الرجل الذي عهدنا عدالته قد فسق، أو أن فلانا الذي عهدنا فسقه قد تعدل، أو أن فلانا الذي عهدناه غير وال قد ولي الحكم في بلد كذا، أو أن فلانا الذي عهدناه واليا قد عزل، وأن الله تعالى قد ألزمكم أمر كذا، أو حرم عليكم أمر كذا، أو أحل لكم أمرا عهدناه حراما، أو أسقط عنكم أمرا عهدناه لازما، فكما ذكرنا من دعوى انتقال حال معلومة فعلى مدعي انتقالها الدليل، ولا تكلف مبطل هذا القول دليلا على بطلان قول خصمه، إذا قام الدليل على صحة قوله، ولا يلزم التكرار للدليل بلا خلاف ما كل ما ذكرنا حاشا مسائل الالزام والتحريم والاحلال والاسقاط، فخصومنا موافقون لنا على القول بقولنا فيها بلا خلاف، ومستخفون بمن خالفنا.\rوأما هذه المسائل الاربعة المذكورة، فدليلنا على صحة قولنا هو قوله تعالى: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ئ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) * فصح بنص الآية أن ما لم ينزل بنص القرآن وجوبه أو تحريمه فهو ساقط معفو عنه.\rوأما بطلان قول من ادعى سقوط شئ قد ثبت بنص أو إجماع أو إحلال ما قد حرم بنص أو إجماع، فقد أبطل ذلك ربنا تعالى بقوله: * (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) *، وقال تعالى: تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) * وقال تعالى: * (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا\rلاتخذوك خليلا) قال علي: فبين الله تعالى بيانا جليا لا إشكال فيه، أنه لا يحل تحريف كلام الله تعالى ولا تعدي حدوده، ولا أن نترك ما أوحي إلينا، وأن من خرج عن شئ من ذلك فهو ظالم مفتر على الله تعالى، فوجدنا الله عز وجل قد ألزمنا طاعة ما جاء في القرآن وطاعة ما جاء عن نبيه (ص)، لانه إنما ينطق عنه عز وجل، وطاعة ما أجمع عليه جميع المسلمين عن نبيهم عليه السلام، وأن هذه حدود الله تعالى.\rفمن أراد إخراجنا عما ثبت بشئ منها، وأن يعدى بنا عنها فقد حرف","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"كلام الله تعالى وظلم، وأراد الفتنة عن الوحي وتكلف القربة إلا أن يأتي بنص أو إجماع على دعواه، وإلا فنحن باقون على تلك الحدود، غير متعدين لها ولا مفترين غيرها ولا محرفين لما قد ثبت بها، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا فإن من طرد هذا الاصل لزمه أن: إن ادعى مدع على آخر أنه قتل وأنكر ذلك المدعى عليه أن يكلف المدعي عليه الدليل على براءته وإلا قتله، ومن ادعى وجوب صيام مفترض غير رمضان وغير ما جاء في النص من الكفارات والنسك والنذر والقضاء، أن يكلف المانع من ذلك الدليل، وهذا خروج عن الاسلام مع ما فيه من مخالفة العقول.\rوكذلك القول فيمن قال بصحة الالهام قول الرافضة في الامام، ومن ادعى الغول والعنقاء والنسناس وجميع الخرافات، فإن كل ذلك لا يحل القول بشئ منه، ولا الاقرار به، وهو كله على الدفع والرد والابطال بلا دليل يكلفه مبطله، وإنما البرهان على من حقق شيئا من ذلك أو أوجبه.\rوهكذا كل دعوى أراد مدعيها إثبات شئ لم يثبت، أو إبطال شئ قد ثبت لا تحاشي شيئا فإنه لا برهان على من امتنع من القول بشئ من ذلك، لانه فعل ما يلزمه من ذلك،\rوإنما البرهان على من أراد إلزام شئ من ذلك فقط، فإن أتى به صحت دعواه، وإلا فواجب تركها وردها، وإن كانت ممكنة غير ممتنعة، وفيما ذكرنا من نص كلام الله تعالى كفاية توجب ضرورة العلم بما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب الثامن في البيان ومعناه قال علي: قد بينا في باب تفسير الالفاظ الدائرة بين أهل النظر حد البيان وتفسيره ونحن نقول: إن التخصيص أو الاستثناء نوعان من أنواع البيان، لان بيان الجملة قد يكون بتفسير كيفياتها وكمياتها دون أو يخرج من لفظها شئ يقتضيه","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"في اللغة، كقوله تعالى: فبين رسول الله (ص) ماهية هذه الزكاة المأمور بإيتائها، دون أن يخرج من لفظ الزكاة شيئا، وكذلك فسر عليه السلام من صفات النكاح والحج وغير ذلك، وقد يكون باستثناء مثل ما روي عن نهيه عليه السلام عن بيع الرطب بالتمر، ثم استثنى العرايا فيما دون خمسة أوسق، فكان هذا مخرجا بحكم العرايا من جملة النهي المتقدم، وقد يكون الاستثناء بألفاظ الاستثناء مثل: إلا وخلا وحاشا وما لم، وما أشبه ذلك.\rوقد يكون حكما واردا بلفظ الامر، أو بلفظ الخبر، مستثنى من جملة أخرى، وهذا يسمى التخصيص، كتحريمه تعالى نكاح المشركات جملة، ثم جاءت إباحة نكاح نساء أهل الكتاب والزواج، فكان هذا تخصيصا من الجملة المذكورة.\rوأما النسخ، فهو رفع الحكم أو بعضه جملة، والفرق بينه وبين الاستثناء والتخصيص أن الجملة الواردة التي جاء التخصيص أو الاستثناء منها لم يرد الله تعالى قط إلزامها لنا على عمومها وقتا من الدهر، كالذي ذكرنا من تحريم المشركات، فإنه لم يرد قط بذلك نكاح نساء الكتابيين بالزواج، وكذلك القول في العرايا\rوأما النسخ فإننا مكلفون الجملة الاولى على عمومها مدة ما لم يأت أمر بإبطالها عنا، أو إبطال بعضها على ما تبين في باب النسخ إذا بلغنا إليه إن شاء الله تعالى.\rفإما وجوه البيان التي ذكرنا من التفسير والاستثناء والتخصيص، فقد يكون بالقرآن للقرآن، وبالحديث للقرآن، وبالاجماع للقرآن، وقد يكون بالقرآن للحديث، وبالحديث للحديث، وبالاجماع المنقول للحديث.\rوقولنا: الحديث، إنما نعني به الامر والفعل والاقرار والاشارة، فكل ذلك يكون بيانا للقرآن، ويكون القرآن بيانا له، وإنما فرقنا آنفا بين التخصيص والاستثناء وبين النسخ لانه قد تيقنا وجوب طاعة الله عز وجل ورسوله عليه السلام علينا، فحرام علينا الخروج عن طاعتهما في شئ مما أمرا به، أو أن نقول في شئ مما ألزمنا إنه منسوخ ساقط بعد وجوبه إلا بيان جلي لا شك فيه، وإذا وجدنا الحكم سقط بعضه بالاستثناء أو التخصيص فنحن على يقين من أنه لا يلزمنا فلا يحل لاحد أن يقول إنه لزم ثم سقط، فيكون قد قفا ما ليس له به علم، وقال بشك لا بيقين، وذلك حرام.\rولا يجوز بأن نقول","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"بأن حكم كذا لزمنا إلا بيقين، ولا يسقط بعد لزومه إلا بيقين، فلهذا قلنا بالفرق المذكور بين النسخ وبين الاستثناء والتخصيص، لاننا إذا قلنا في ذلك إنه نسخ فقد أقررنا أنه لزم ثم سقط، وهذا لا يحل قوله إلا بيقين.\rوبالله تعالى التوفيق.\rومما خص من القرآن بالقرآن قوله تعالى: إلا على أز واجهم أو ماملك فاستثنى تعالى الازواج وملك اليمين من جملة ما حظر من إطلاق الفروج، ثم خص تعالى الجمع بين الاختين وبين الام والابنة، والربيبة والزانية، والحريمة بالقرابة، والشركة بالقرآن، وخص الحريمة بالرضاع بالسنة، والذكور والبهائم، والامة المشركة بالاجماع المأخوذ من معنى دليل النص الثابت لا يحتمل\rإلا وجها واحدا بالحظر من جملة المباح بملك اليمين فإن قال قائل: لا يجوز أن يبين القرآن إلا بالسنة، لان الله تعالى يقول وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) * قيل له، وبالله تعالى التوفيق: ليس في الآية التي ذكرت أنه عليه الصلاة والسلام لا يبين إلا بوحي لا يتلى، بل فيها بيان جلي، ونص ظاهر أنه أنزل تعالى عليه الذكر ليبينه للناس، والبيان هو بالكلام، فإذا تلاه النبي (ص) فقد بينه، ثم إن كان مجملا لا يفهم معناه من لفظه بينه حينئذ بوحي يوحى إليه، إما متلو أو غير متلو، كما قال تعالى: * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ئ ثم إن علينا بيانه) * فأخبر تعالى أن بيان القرآن عليه عز وجل، وإذا كان عليه فبيانه من عنده تعالى، والوحي كله، متلوه وغير متلوه، فهو من عند الله عز وجل: وقد قال عز وجل (يبين الله لكم أن تضلوا) وقال تعالى مخبرا عن القرآن (تبيانا لكل شي) فصح بهذه الآية أنه تكون آية متلوه بيانا لاخرى، ولا معنى لانكار هذا وقد وجد، فقد ذكر تعالى الطلاق مجملا، ثم فسره في سورة الطلاق وبينه.\rومما أجمل في السنة وبينه القرآن ما حدثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي عن مسلم، ثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن علية، ثنا أبو حيان، ثنا يزيد بن حيان أنه سمع زيد بن أرقم يقول: خطبنا رسول الله (ص) بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا يا أيها الناس","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله عز وجل واستمسكوا به ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.\rقال علي: وفسر زيد بن أرقم - أنهم بنو هاشم.\rقال علي: والتقليد باطل، فوجب طلب من هم أهل بيته عليه السلام في الكتاب والسنة، فوجدنا الله تعالى قال: * (ينسآء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا ئ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا) * قال علي: فرفعت هذه الآية الشك، وبينت أن أهل بيته عليه السلام هن نساؤه فقط، وأما بنو هاشم فإنهم آل محمد وذوو القربى بنص القرآن والسنة، فهم في قسمه الخمس، وتحريم الصدقة.\rوقد أجمل عليه السلام قوله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ثم فسر الله تعالى ذلك وبينه بقوله في سورة براءة فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فحلوا سبيلهم فإن قال قائل: ما بين هذا الحديث إلا حديث ابن عمر وأبي هريرة: إني أمرت أن أقاتل المشركين حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بما أرسلت به.\rقيل له، وبالله تعالى التوفيق: هذا الخبر الذي ذكرت هو موافق لما في براءة، فصح أن الله تعالى أنزل ذلك عليه في القرآن، ثم أخبر به عليه السلام أصحابه بلفظ فكان بيانا مرددا تفسيرا مؤكدا، فخبر أبي هريرة وابن عمر إنما هو حكاية لما في براءة.\rيعلم ذلك ببديهة العقل عند قراءة الآية والحديث المذكور.\rقال علي: وقد يرد البيان بالاشارة على ما في حديث كعب بن مالك مع أبي حدرد إذ أشار إليه عليه السلام بيده: أن ضع النصف.","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"الباب التاسع في تأخير البيان قال علي: واختلفوا في نوع من أنواع البيان فقالت طائفة: إنما يرد المجمل ثم يرد المفسر، وقال آخرون: لا يردان إلا معا، وقال آخرون: جائز ورود المجمل قبل المفسر، والمفسر قبل المجمل، وورودهما معا، كل ذلك جائز.\rقال علي: وبهذا نقول: إلا أنه لا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت إيجاب العمل البتة، ولا يجوز أن يؤخره النبي (ص) بعد وروده عليه طرفة عين، ولسنا نقول بهذا لان العقل يمنع ذلك، لكن لان النص قد ورد بذلك، وإنما منعنا من تأخير الله البيان عن وقت وجوب العمل لقول الله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقد علمنا أنه ليس في وسع لاخد لان يعمل بما لايعرف به، وإنما منعنا من تأخير النبي (ص) البيان عن ساعة وروده عليه السلام لقول الله تعالى: * (يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) * فلو أخر عليه السلام البيان عن ساعة وروده عليه لكان عليه السلام في تلك المدة، وإن قلت مستحقا لاسم أنه لم يبلغ، ولو أنه لم يبلغ لكان عاصيا، ولا ينسب هذا إلى النبي (ص) إلا جاهل، ومن تمادى على نسبة المعصية إليه في طي الشريعة وترك تبليغها فهو كافر بإجماع الامة.\rقال علي: وقد نزلت الصلوات الخمس مفسرة بمكة، ثم جاءت آيات كثيرة مدنيات فيها: أقيموا الصلاة - فقط، فصح بذلك ما ذكرنا من أنه قد ينزل المفسر قبل المجمل، وأما نزول المجمل قبل المفسر فقد نزل ذلك في الصيام وتحريم حشيش مكة ثم جاء تخصيص الاذخر.\rقال علي: وأما قولنا بتأخير الله عز وجل البيان ما لم يأت وقت إيجابه تعالى\rالعمل به، فهو منصوص في قوله تعالى: * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * وقد أنزل الله عز وجل آيات كثيرة فيها: قصة موسى، وقصة عيسى عليهما السلام، وقصة عاد وثمود وإبراهيم عليهم السلام، بعضها قبل بعض، وبعضها بمكة،","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"وبعضها بالمدينة، وبعضها أكمل من بعض، فهلا اعترض المانعون ربهم تعالى من أن يفعل ما يشاء بغير نص منه تعالى أنه لا يفعله - على ربهم فيما ذكرنا فيقولون: هلا نزلت هذه القصص كاملة في مكان واحد، فتكون أتم للوعظ، وأشفى للخبر، ثم يؤكدها كذلك إن شاء.\rوليت شعري إذ أقر هؤلاء بأن التأكيد حكمة، فماذا يقولون في قصص كثيرة ومواعظ لم يذكرها عز وجل في القرآن إلا مرة واحدة ؟ أتراها عريت عن الحكمة إذ لم تكرر ولا وكدت ؟ وأيضا فإن أكد تعالى تكرار مسألة موسى عليه السلام عشرين مرة مثلا ما الفرق بين عشرين مرة، وبين إحدى وعشرين مرة أو تسع عشر مرة ؟ فإن ادعى أن هذا العدد أبلغ في الحكمة ادعى القحة وبانت قلة الحياء في وجهه، وقال ما يعلم أنه بخلاف ما يقول، وسألناه أيضا عن قصص أخر كررت أقل من تكرار قصة موسى عليه السلام.\rفإن قال اكتفى بتكرار قصة موسى، قيل له: ما الفرق أن يكتفي بتكرار قصة موسى عن تكرار قصة إبراهيم.\rولا يكتفي بتكرار قصة إبراهيم عن تكرار قصة موسى ؟ وما الفرق بين ذكره تعالى ما ذكر من قصص الانبياء عليهم السلام، وبين ما أمسك عنه تعالى من ذكره لبعضهم ؟ وما الفرق بين ذلك وبين أن لو ذكر من أمسك عنه وأمسك عمن ذكر، وقد ذكر من لا شريعة له غير شريعة من قبله كثيرا، كإلياس واليسع وذي الكفل، وغيرهم، ولعل من أمسك عنه تعالى ولم يذكره من الرسل أعظم\rآية، وأبلغ في الوعظ ممن ذكر.\rقال علي: وأنا أقطع ولا أمتري أن ملقي هذه النكتة إلى ضعفاء المسلمين مغمور في دينه، ضعيف في عقله، كائد للشريعة، ولا شك في ذلك، ثم تهافت بالتقليد مع من تهافت، وبالله تعالى التوفيق.\rومما سأل عنه المانعون من تأخير البيان جملة أن قالوا: ما تقولوا فيمن سمع آية قطع السارق، ولم يسمع الحديث المبين للتوقيت في ذلك، أيقطع كل سارق لفلس من ذهب ؟ وفيمن سمع آية الزنى ولم يسمع حكم الرجم، وفيمن سمع آية الرضاع ولم يسمع الحديث في التوقيت في ذلك، أيجلد المحصن ولا يرجمه ؟ ويجلد","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"الامة مائة ويحرم برضعة واحدة أم كيف يفعل ؟ فإن قلتم: ينفذ ما سمع على جملته، كنتم قد أمرتموه بالباطل، وإن قلتم: لا يفعل، أمرتموه بمعصية ما سمع من القرآن.\rفالجواب: أننا لم نجد قط تأخير ورود البيان عن وقت وجوب العمل، وأما قبل وجوبه فليس يلزمه إلا الاقرار بالجملة، وأن يقول: سمعت وأطعت، ولا مزيد إذا لم تكن مبينة مفهومة مثل قوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) * فهذا ليس عليه إلا الاقرار بتصديق ذلك كما قلنا فقط.\rإذ لم يأته بيان ما كلف من ذلك، وأما إن كان النص مفهوما بينا فعليه العمل به حتى يبلغه نسخه، أو تخصيصه ولا بد، إذا من قال: لا يلزمه العمل بما بلغه من ذلك فقد قال له: لا تطع ربك، ولا تعمل بما أمرك فلعل ههنا نصا ناسخا لهذا النص، أو نصا مخصصا له، وهذا خلاف أمر الله تعالى في القرآن بطاعته.\rومن طرد هذا القول السخيف لزمه ألا يعمل بشئ من القرآن، ولا السنن أبدا.\rحتى يستوعب معرفة جميع أحكام القرآن، وضبط جميع السنن، وفي هذا الخروج عن الاسلام وإبطال الشريعة قال علي: ونسألهم في رد هذا السؤال عليهم فنقول: ما الذي يلزم من سمع\rأمرا ما، والرسول عليه السلام حي مما جاء النسخ بعد ذلك فيه، أيعتقد في ذلك الامر التأييد فيكون معتقدا للباطل.\rأو يعتقد فيه السقوط بعد حين فيعتقد المعصية لما سمع ؟ فجوابهم ها هنا جوابنا آنفا فيما سألونا عنه، وأنه يلزم من سمع ذلك الاقرار والطاعة والاعتقاد أن ه حق لازم ما لم يأت ما ينسخه فهو على التأييد، وإن جاء ما ينسخه فهو متروك للناسخ.\rقال علي: وتأخير الاستثناء والتخصيص عندنا جائز كتأخير البيان جملة ولا فرق، وهو جائز ما لم يأت وقت إيجاب العمل، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: ومما يبين صحة قولنا قوله تعالى: * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ئ ثم إن علينا بيانه) * وثم توجب مهلة وقوله تعالى في قصة الملائكة القائلين لابراهيم عليه السلام: إنا منهلكوا أهل هذه القرية ژن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوصا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجية وأهله امرأته كانت من الغابرين فعموا في أول الامر وأخروا البيان حتى وقع السؤال عن لوط فأجابوا بأنهم لم يعنوه بالهلال يعنوه بالهلال وأهله حاشا أمرأته فقط.","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"وقد اعترض في هذا بعض من منع من تأخير البيان جملة بأن قال: قد كان يجب أن يعلم إبراهيم عليه السلام أن لوطا خارج عن العذاب لقولهم إن أهلها كانوا ظالمين ولوط ليس ظالما قيل لهم وبالله تعالى التوفيق.\rيمكن أن يحدث من لوط ما يستحق به الظلم فأشفق إبراهيم عليه السلام من ذلك فسأل عنه وقد أجعل لنوح عليه السلام خلاص أهله، فظن أن الاهل هم القرابة حتى بين له بعد ذلك أن المراد بأهله أهل دينه فإن قال قائل: فما المراد من المجمل الوارد قبل ورود بيانه ؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق.\rالمراد منا فيه هو المراد منا في المتشابه الذي أمرنا بأن نبحث عنه، ولا نبتغي تأويله، وأن يقول كل من عند ربنا، وأما المراد فيه فالذي يأتي به البيان إذا أتى ويبين قولنا قول الله تعالى يبين الله لكم ان تضلوا فإنما يبين لنا لئلا نضل ولا ضلال في ورود الامر ما لم يأت وقت وجوب العمل به، فأما إذا جاء وقت وجوب العمل به فلو تركنا نعمل بغير ما أريد منا لكنا قد ضللنا، وقد أخبرنا تعالى بأن ذلك لا يكون، وقوله تعالى صدق وحق بالله تعالى التوفيق.\rفعلى هذا الوجه منعنا من تأخير البيان عند وجوب العمل، وإلا فليس في العقل ما يمنع من ذلك لو شاء تعالى، ولو فعل الله تعالى ذلك لكان تعنيتا لنا، وقد أخبرنا تعالى فقال: * (ولو شاء الله لاعنتكم) * فأخبر تعالى أنه لو أراد أن يكلفنا العنت فعل، وهذا نفس قولنا وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: يختلف في الوضوح، فيكون بعضه جليا، وبعضه خفيا، فيختلف الناس في فهمه فيفهمه بعضهم ويتأخر بعضهم عن فهمه، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إلا أن يؤتي الله رجلا فهما في دينه، وكما تعذر على عمر رضي الله عنه، وهو الغاية في العلم بنص النبي (ص) على ذلك فيه - فهم آية الكلالة فمات وهو يقر أنه لم يفهمها وفهمها غيره من الصحابة رضي الله عنهم،","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"وانتهره عليه السلام وأخبره بأنها بينة يكفي من فهمها الآية التي نزلت في الصيف، وكما عرض لعدي في توهمه أن الخيط الابيض والاسود من خيوط الناس حتى زاده الل تعالى بيانا في أن ذلك من الفجر، وقد اكتفى غير عدي بالآية نفسها، وعلم أن المراد الفجر.\rوكما توهم ابن أم مكتوم أنه ملوم في تأخره عن الغزو، فزاده الله بيانا باستثناء أولي الضرر، وقد اكتفى غير ابن أم مكتوم بسائر النصوص الواردة في رفع الحرج، وأن لا حرج على مريض\rولا أعمى، وأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها.\rقال علي: فهذه حقائق الكلام في البيان وتأخيره مجموعة باستيعاب وإيجاز وبالله تعالى التوفيق.\rوالتأكيد نوع من أنواع البيان، قال الله عز وجل: * (تلك عشرة كالمة وقال تعالى: فتم ميقات ربه لاربعين ليلة بعد أن ذكر تعالى ثلاثين ليلة وعشرا، فإن قال قائل: إن الله تعالى علمنا الحساب بذلك فقد افترى، لاننا كنا نعلم الحساب قبل نزول القرآن، نعني النوع الانسان جملة، وبالله تعالى التوفيق، وقد أتى بعض أهل القياس المتحذلقين المتنطعين في قوله تعالى: تلك عشرة كاملة) آبدة فقال معنى قوله تعالى: تلك عشرة كاملة دليل على أن الهدي الذي عوض منه الصوم في التمتع لا يكون إلا كاملا.\rقال علي: وأول ما في هذا القول الدعوى بلا دليل، وهذا حرام لا سيما على الله عز وجل، وأيضا فإنه قد جل الله تعالى عن أن يريد أن يكون الهدي كاملا فيترك أن يصفه بذلك، ويقتصر على أن يقول: فما استيسر من الهدى ثم ينبه على كمال الهدي بذكر أن تكون العشرة الايام في الصوم كاملة، فبان كذب هذا القائل، وصح أن قوله تعالى: عشرة كاملة، كقول رسول الله (ص) في حديث الزكاة، فابن لبون ذكر، وكقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الفرائض: فما أبقت الفرائض فلاولى رجل ذكر وإنما هذا توكيد وبيان زائد فقط.","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"قال علي: ومما يبين أن الله تعالى يؤخر البيان قبل أن يريد منا تعالى العمل بالحديث الوارد عن النبي (ص) بأن الله تعالى يعرض في الخمر، فمن كان عنده منها شئ فليبعها، فما أتى الوقت الذي أراد الله تعالى أن يوجب علينا اجتنابها أنزل الآيات في تحريمها، وتلا ذلك رسول الله (ص)\rعلى الناس من وقته وقد يزيد عليه السلام بيانا بعد تقدم البيان قبله، فيكون تأكيدا وإخبارا لمن يبلغه الخبر الاول، كما نزلت الصلوات الخمس بمكة مبينة بأوقاتها، ثم سأل السائل بالمدينة عن أوقاتها وأوائلها وأواخرها فأراه عليه السلام ذلك بالعمل، وقد بينها أيضا بكلامه عليه السلام لغير ذلك السائل.\rوكما أخر الله تعالى عن النبي (ص) بيان المناسك قبل أن يأتي وقت وجوب عملها، فلما أتى وقت وجوبها بينها له عليه السلام، فبينها عليه السلام بفعله غير مؤخر لها، ومن ادعى أنه عليه السلام كان عنده بيان المناسك وكتمها عن أصحابه، ومنعهم الاجر بالعلم بها وبالاقرار بجملتها، فقد افترى وكذب نبيه (ص) إذ يقول: إن حقا على كل نبي أن يدل أمته على أحسن ما يعلمه لهم ومن قال بهذا فقد أكذب ربه تعالى إذ يقول عز وجل واصفا لنبيه (ص): * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) * وإذا كتمهم ما يستعجلون الاجر بالاقرار به ويزدادون علما بفهمه، فقد خالف الصفة التي ذكرها الله تعالى، ومن قال ذلك فقد فارق الاسلام.\rفإن قال قائل: فأنت تصف الآن محمدا (ص) بأنه يريد أن يزداد أهل الارض خيرا، وهذا خلاف قولك إن الله عز وجل لم يرد هذا بكل الناس، فقد وصفت محمدا (ص) بأفضل مما وصفت به الله عز وجل، وبأنه أرأف بنا من الله تعالى.\rقال علي: فنقول وبالله التوفيق: هذه شغبية ضعيفة، وإنما يماثل بين الشيئين أو يفاضل بينهما، إذا كانا واقعين تحت نوع واحد، أو تحت جنس واحد، وليس صفتنا لله تعالى من نوع صفتنا للمخلوقين، ورحمة محمد (ص) بالناس هي من جنس تراحمنا بعضنا لبعض، إلا أنها أعلى من كل رحمة لانسي، وأكمل وأتم وأدوم، وليس الله تعالى واقعا معنا تحت نوع البشرية كوقوع محمد","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"(ص) معنا تحتها، وإن كان أفضل من كل من دونه، ولا يثنى على الله عز وجل بما يثني به على خلقه، ألا ترى أننا نصف الله عز وجل مثنين عليه بأنه جبار متكبر ؟ وهذا في كل مخلوق دونه تعالى ذم شديد، واستنقاص عظيم، ونصفه تعالى بأنه ذو غضب شديد، أنه يفعل ما يريد، وأنه ذو مكر لا يؤمن.\rوكل هذا لو وصفنا به مخلوقا لكان ذما ونقصا.\rونمدح المخلوقين بالعقل والكيس، والنبل والنجدة والعفة وكل هذا لا يجوز أن يوصف به الله عز وجل، فمن أراد أن يقيس رحمة الله تعالى لخلقه برحمة نبيه (ص) لهم فقد ألحد في وصفه لربه تعالى، وقد علمنا يقينا أن الله عز وجل لم يرد قط أن يهدي أبا طالب ولو شاء أن يؤمن لشرح صدره للاسلام، بل أراد أن يعذبه في نار جهنم أبدا، وعلمنا يقينا أن محمدا (ص) كان من أبعد آماله أن يؤمن أبو طالب، وقد كفانا الله تعالى ذلك بقوله: * (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء وهو أعلم بالمهتدين) *.\rفأما من آمن بالله فالله أرأف به من نفسه بنفسه، ومن محمد (ص) ومن أبيه وأمه اللذين ولداه.\rلانه جازاه على ذلك بما لو ملك الاختيار لم يبلغ مقدار ما أعطاه الله تعالى في الجنة، ولا سمح له أبواه بذلك، ولانه تعالى غفر له ما لو فعله عاصيا لابيه ما غفر له ذلك، فإن الرجل يزني بأمة الله تعالى فيغفر له بالتوبة، وبموازنة حسناته لسيئاته، ولو زنى بأمة أبيه لقطعه.\rوأما من لم يؤمن فما أراد الله به خيرا قط، ولو أراد به خيرا لاماته سقطا، فمن قال: إن الله تعالى لم يقدر على ذلك فقد ألحد ووصف ربه تعالى بغاية النقص، ومن قال: إن الله تعالى أراد الخير بفرعون فنحن نباهله ونقول: اللهم لا ترد بنا من الخير ما أردته بفرعون، فليدع ربه تعالى أن يريد به من الخير ما أراده بفرعون.\rفإن شغب مشغب فقال: إنك الآن تصف محمدا (ص) بأنه أراد غير ما أراد الله عز وجل، وبالله تعالى التوفيق: وهذه شغبية ضعيفة كالتي قبلها.","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"نعم كذلك نقول في هذا المكان مقرين بما قال ربنا عز وجل من أن محمدا (ص) أحب أن يهتدي قوم لم يحب الله تعالى أن يهديهم، وليس في اختلاف ما أراد الله تعالى ههنا وما أراد نبيه عليه السلام، عيب على نبيه عليه السلام لانه إنما يمدح النبي فمن دونه من المخلوقين بالائتمار لربه تعالى فقط، لا بأن يوافق ربه فيما لم يكلفه، ألا ترى أننا نمدح أنفسنا بالنكاح والاولاد وهما منفيان عن الله عز وجل لم يردهما لنفسه قط، ونمدح بالصدقة على المحتاج الذي لم يرد الله أن يغنيه، ولو أراد أن يغنيه لكان قادرا عز وجل على ذلك فلم نؤمن نحن قط أن تريد ما أراده الله عز وجل في كل وقت، بل نهينا عن ذلك فقد أراد الله عز وجل قتل من سلط عليه الكفار من المؤمنين، ولو أردنا نحن ذلك لفسقنا، وإنما أريد منا الائتمار لما أمرنا به والانتهاء عما نهينا عنه، وقول خصومنا يؤول إلى قول بعض أهل الالحاد: أن الواجب علينا التشبه بالله عز وجل، وهذا كفر عندنا، لان الله تعالى لا يشبهه شئ، فلا يروم التشبه به إلا كافر ملحد.\rوهذا بين، وبالله تعالى التوفيق.\rثم نرجع إلى بقية الكلام في تأخير البيان، فإن احتج بعض من يجيز تأخير البيان عن وقت وجوب الامر بقصة موسى والخضر عليهما السلام فلا سواء، فموسى عليه السلام لم يلزمه قط أمر في تلك القصة يلزمه التقصير إن لم يأته، وإنما سأله ناسيا والنسيان مرفوع، وكذلك كان سؤال نوح عليه السلام في ابنه ناسيا، لان الله تعالى قد كان بين له أن يحمل أهله إلا من سبق عليه القول منهم، فنسي نوح عليه السلام هذا الاستثناء، وقد كان كافيه لان ابنه كان كافرا قد سبق عليه القول في جملة من كفر.\rواحتجوا أيضا بأمر بقرة بني إسرائيل، وأنه تعالى أخر عنهم بيان الصفات التي زادهم بعد ذلك.\rقال علي: وهذا لا حجة لهم فيه، لان تلك الصفات إنما هي زيادات شرائع لو لم يسألوا عنها لم يزادوهم، ولو ذبحوا في أول ما أمروا بقرة بيضاء أو حمراء أو بلقاء لاجزت عنهم، لكنهم لما زادوا سؤالا زيدوا شرعا، ودخلوا بذلك في جملة من ذم الله تعالى على لسان نبيه (ص)، إذ يقول: إن من أعظم الناس","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"جرما في الاسلام من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته.\rوفي قوله عليه السلام: إنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.\rويبين صحة قولنا هذا قوله عز وجل: * (يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ئ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) *) * فأخبر تعالى بنص ما قلنا وله الحمد، وبين لنا أن الاشياء معفوة ساقطة عنا قبل أن نسأل عنها، فإذا سألنا عنها لزمتنا، ولعلنا نعصي حينئذ فنهلك، وكل ذلك قد سبق في علمه عز وجل.\rوأما تأخر نزول: * (يأيها الذين سبقب لهم منا أولئك عنها مبعدون في قصة ابن الزبعرى إذ اعترض على النبي (ص) في تلاوة إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) فقال: نحن نعبد الملائكة والنصارى يعبدون عيسى، فهم في جهنم معنا، فإن ابن الزبعرى كان مغفلا عن تدبر الآية الاولى وقد كان له فيها كفاية له عقل، ولكن الثانية أتت مؤكدة لها فقط وهي إخباره تعالى عن سؤاله الملائكة فقال تعالى: ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) * فأخبر تعالى عن الملائكة الصادقين المقدسين أنهم قالوا: * (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم\rمؤمنون) * فليس قول القائل: أنا أعبد الملائكة، ولا قول النصارى: نحن نعبد المسيح موجب لصدقهم، لان العبادة إنما هي الاتباع والانقياد مأخوذة من العبودية، وإنما يعبد المرء من ينقاد له، ومن يتبع أمره، وأما من يعصي ويخالف فليس عابدا له وهو كاذب في ادعائه أنه يعبده.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"فالقائلون نحن نعبد الملائكة والمسيح كذبة في دعواهم لذلك ما عبدوهم قط، وإنما عبدوا الشياطين لانقيادهم لامرهم واتباعهم إغواءهم، ولو اتبعوا الملائكة والمسيح عليه السلام ما أمروهم إلا بعبادة الله عز وجل، وبأن يقولوا: إننا لا نعبد شيئا من دون الله عز وجل، بل كانوا ينهونهم عن الكذب وهذا عين الكذب، وقد بين عليه السلام معنى قول ربه تعالى: * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم فقال قائل: يا رسول الله ما كنا نعبدهم، فأخبرهم عليه السلام أنهم إذا أطاعوهم في تحريم ما حرموا، وتحليل ما أحلوا، فقد اتخذوهم أربابا، ونحن إنما أطعنا أمر نبينا عليه السلام لعلمنا أنه كله من عند الله عز وجل، وأنه لا يقول من تلقاء نفسه شيئا.\rقال الله عز وجل: * (وما ينطق عن ا لهوى ئ إن هو إلا وحي يوحى) *.\rفإن قال قائل: فعلى قولك فمن عصى منا لم يعبد الله عز وجل ؟ قيل له: نعم، لم يعبد الله تعالى لتلك المعصية ولا فيها، ولكن عبده في سائر طاعته وإقراره بالتوحيد.\rفإن قال قائل: فعلى قولك إننا إذا أطعنا الرسول (ص) لقد عبدناه.\rقيل له وبالله تعالى التوفيق: إن طاعة الرسول (ص) توجب ألا يطلق لفظ العبادة ولا معناها إلا لله عز وجل وحده لا شريك له، وتوجب أن من أطاع الشيطان في الكفر فقد عبده، وهذه معان شرعية لا يتجاوز فيها ما أتت به الشريعة فقط، وأما من ادعى بيان كون أن السلب للقاتل نزل بعد آية قسم الغنائم،\rفدعوى لا يقوم عليها دليل ولا روي ذلك قط من وجه يصح، وكذلك القول في بيان سهم ذي القربى وأن بيان كون بني هاشم وبني عبد المطلب هم ذو القربى، دون بني عبد شمس وبني نوفل، نزل متأخرا عن الآية دعوى لا تصح أصلا.\rفإن قال قائل: فإن عثمان رضي الله عنه، وجبير بن مطعم جهلا هذا، قيل له: نعم، وما في هذا علينا من الحجة، ومتى منعنا أن يخفى على الصاحب والصاحبين والعشرة والاكثر منهم فهم آية أو آيات من القرآن.\rوقد كان في قسمة رسول الله (ص) لبني المطلب دونهما ما يكفي، لانهما كانا يوقنان بلا شك أن رسول الله (ص) لا يمنع ذا حق حقه، ولا يعطي أحدا غير حقه، فكان","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"في هذا كفاية، لانه لو كان لبني عبد شمس، وبني نوفل حق في سهم ذوي القربى ما منعهم إياه رسول الله (ص)، ولو كان بنو عبد المطلب خارجين من ذوي القربى ما أعطاهم النبي (ص) حقا ليس لهم، ولكن عثمان وجبير رضي الله عنهما أرادا علم السبب الذي من أجله استحق بنو المطلب الدخول فيما خرج قومهما منه، والخصلة التي بان بها بنو عبد المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، وقد قال عثمان رضي الله عنه في الجمع بين الاختين بملك اليمين: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فأخبر رضي الله عنه أنه خفيت عليه رتبة هاتين الآيتين، ولم يدر أيهما يغلب ويستثني من الاخرى، ولا يجوز عند ذي فهم ولب أن يعتقد الشئ حراما حلالا في وقت واحد، على شخص واحد، فيكون يحل له أن يفعله ولا يحل له أن يفعله، فيفعل ولا يفعل، وهذا محال ظاهر الامتناع، ومن بلغ ههنا كفانا نفسه، وأما العرايا فقد جاء الحديث موصولا في استثنائها من التمر بالرطب، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب العاشر في الاخذ بموجب القرآن\rقال علي: ولما تبين بالبراهين والمعجزات، أن القرآن هو عهد الله إلينا والذي ألزمنا الاقرار به، والعمل بما فيه، وصح بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه، أن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف، المشهورة في الآفاق كلها، وجب الانقياد لما فيه فكان هو الاصل المرجوع إليه، لاننا وجدنا فيه ما رطنا في الكتاب من شئ فما في القرآن من أمر أو نهي فواجب الوقوف عنده، وسنذكر إن شاء الله تعالى في باب الاخبار التالي لهذا الباب كيف العمل في بناء آي القرآن خاصها مع عامها، وبناء السنن عليها، وسنذكر إن شاء الله تعالى في باب الاوامر والنواهي، كيف العمل في حمل أوامر القرآن ونواهيه على الظاهر، والوجوب، والفور، ونذكر إن شاء تعالى في باب العموم والخصوص، ما يقتضيه ذلك","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"الباب من أخذ آي القرآن على عمومها، ونوعب الرد على كل من خالف الحق في ذلك إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق.\rقال علي: ولا خلاف بين أحد من الفرق المنتمية إلى المسلمين من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والمرجئة والزيدية في وجوب الاخذ بما في القرآن، وأنه هو المتلو عندنا نفسه، وإنما خالف في ذلك قوم من غلاة الروافض هم كفار بذلك مشركون عند جميع أهل الاسلام، وليس كلامنا مع هؤلاء، وإنما كلامنا في هذا الكتاب مع أهل ملتنا، إذا قد أحكمنا بطلان سائر الملل في كتاب الفصل وبالله تعالى التوفيق.\rونذكر إن شاء الله تعالى في باب الاجماع من هذا الكتاب","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"بالبرهان الصحيح أن القراءات السبع التي نزل بها القرآن باقية عندنا كلها، وبطلان قول من ظن أن عثمان رضي الله عنه جمع الناس على قراءة واحدة منها أو على بعض الاحرف السبعة دون بعض وبالله تعالى التوفيق.\rالباب الحادي عشر في الكلام في الاخبار وهي السنن المنقولة عن رسول الله (ص) وفي بعض فصول هذا الباب ذكر السبب في الاختلاف الواقع بين الائمة في صدر هذه الامة.\rقال علي: لما بينا أن القرآن هو الاصل المرجوع إليه في الشرائع نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله (ص)، ووجدناه عز وجل يقول فيه واصفا لرسوله (ص): * (وما ينطق عن الهوى ئ إن هو إلا وحي يوحى) * فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله (ص) على قسمين: أحدهما وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن، والثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله (ص) وهو المبين عن الله عز وجل مراده منا.\rقال الله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني كما أوجب طاعة القسم الاول الذي هو القرآن ولا فرق فقال تعالى: * أطيعوا الله وأطيعوا الرسول كانت الاخبار التي ذكرنا أحد الاصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع أولها عن أخرها، وهي قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا اللله * فهذا أصل، وهو القرآن.\rثم قال تعالى: وأطيعوا الرسول) فهذا ثان وهو الخبر عن رسول الله (ص)، ثم قال تعالى: وأولى الامر منكم فهذا ثالث وهو الاجماع المنقول إلى رسول الله (ص) حكمه، وصح لنا بنص القرآن، أن الاخبار هي أحد الاصلين المرجوع إليهما عند التنازع، قال تعالى: فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"قال علي: والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله (ص) لان الامة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا وإلى كل من يخلق ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنة والناس، كتوجهه إلى من كان على عهد رسول الله (ص)، وكل من أتى بعده عليه السلام وقبلنا ولا فرق، وقد علمنا علم ضرورة أنه لا سبيل لنا إلى رسول الله (ص)، وحتى لو شغب مشغب بأن هذا الخطاب إنما هو متوجه إلى من يمكن لقاء رسول الله (ص) لما أمكنه هذا الشغب في الله عز وجل، إذ لا سبيل لاحد إلى مكالمته تعالى، فبطل هذا الظن، وصح أن المراد بالرد المذكور في الآية التي نصصنا إنما هو إلى كلام الله تعالى، وهو القرآن وإلى كلام نبيه (ص) المنقول على مرور الدهر إلينا جيل بعد جيل.\rقال علي: وأيضا فليس في الآية المذكورة ذكر للقاء ولا مشافهة أصلا، ولا دليل عليه، وإنما فيه الامر بالرد فقط، ومعلوم بالضرورة أن هذا الرد إنما هو تحكيم، وأوامر الله تعالى وأوامر رسوله (ص) موجودة عندنا، منقول كل ذلك إلينا، فهي التي جاء نص الآية بالرد إليها دون تكلف تأويل ولا مخالفة ظاهر.\rقال علي: والقرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض.\rوهما شئ واحد في أنهما من عند الله تعالى، وحكمها حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما لما قد مناه آنفا في صدر هذا الباب قال تعالى: * (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ئ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) * فبين تعالى بهذه الآية أنه لم يرد منا الاقرار بالطاعة لرسول الله (ص)، بلا عمل بأوامره واجتناب نواهيه، وهذه صفة المقلدين فإنهم يقولون طاعة رسول الله (ص) واجبة، فإذا أتاهم أمر من أوامره يقروه\rبصحته، لم يصعب عليهم التولي عنه وهم يسمعون، نعوذ بالله من ذلك.\rوقال تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * وقال تعالى * (قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون) * فأخبر تعالى كما قدمنا أن كلام نبيه (ص) كله وحي، والوحي بلا خوف ذكر، والذكر محفوظ بنص القرآن.","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"فصح بذلك أن كلامه (ص) كله محفوظ بحفظ الله عز وجل مضمون لنا أنه لا يضيع منه شئ، إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شئ فهو منقول إلينا كله.\rفلله الحجة علينا أبدا، وقال تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب) * فوجدنا الله تعالى يردنا إلى كلام نبيه (ص) على ما قدمنا آنفا، فلم يسمع مسلما يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر على رسول الله (ص) ولا أن يأتي عما وجد فيهما فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلا للخروج عن أمرهما وموجبا لطاعة أحد دونهما، فهو كافر شك عندنا في ذلك.\rوقد ذكرنا محمد بن نصر المروزي أن إسحاق بن راهويه كان يقول: من بلغه عن رسول الله (ص) خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر، ولم نحتج في هذا بإسحاق، وإنما أوردناه لئلا يظن جاهل أننا منفردون بهذا القول، وإنما احتججنا في تكفيرنا من استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله (ص) بقول الله تعالى مخاطبا لنبيه (ص): * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) *.\rقال علي: هذه كافية لمن عقل وحذر وآمن بالله واليوم الآخر، وأيقن أن هذا العهد عهد ربه تعالى إليه، ووصيته عز وجل الواردة عليه، فليفتش الانسان نفسه، فإن وجد في نفسه مما قضاه رسول الله (ص) في كل خبر\rيصححه مما قد بلغه، أو وجد نفسه غير مسلمة لما جاءه عن رسول الله (ص)، ووجد نفسه مائلة إلى قول فلان وفلان، أو قياسه واستحسانه، وأوجد نفسه تحكم فيما نازعت فيه أحدا دون رسول الله (ص) متى صاحت فمن دونه، فليعلم أن الله تعالى قد أقسم، وقوله الحق إنه ليس مؤمنا وصدق الله تعالى، وإذا لم يكن مؤمنا فهو كافر، ولا سبيل إلى قسم ثالث.\rوليعلم أن كل من قلد، من صاحب أو تابع أو مالكا أو أبو حنيفة والشافعي وسفيان والاوزاعي وأحمد وداود رضي الله عنهم متبرئون منه في الدنيا","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"والآخرة، ويوم يقوم الاشهاد، اللهم إنك تعلم أنا لا نحكم أحدا إلا كلامك وكلام نبيك - الذي صليت عليه وسلمت - في كل شئ مما شجر بيننا، وفي كل ما تنازعنا فيه، واختلفنا في حكمه، وأننا لا نجد في أنفسنا حرجا مما قضى به نبيك، ولو أسخطنا بذلك جميع من في الارض وخالفناهم، وصرنا دونهم حزبا وعليهم حربا، وإننا مسلمون لذلك طيبة أنفسنا عليه، مبادرون نحوه لا نتردد ولا نتلكأ، عاصون لكل من خالف ذلك، موقنون أنه على خطأ عندك، وأنا على صواب لديك.\rاللهم فثبتنا على ذلك ولا تخالف بنا عنه، وأسألك اللهم بأبنائنا وإخواننا المسلمين هذه الطريقة حتى ننقل جميعا ونحن مستمسكون بها إلى دار الجزاء، آمين...بمنك يا أرحم الراحمين.\rقال علي: وإذ قد بين الله لنا أن كلام نبيه إنما هو كله وحي من عنده، وأن القرآن وحي من عنده، وأيضا فقد قال فيه عز وجل: * (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * فصح بهذه الآية صحة ضرورية أن القرآن والحديث الصحيح متفقان، هما شئ واحد لا تعارض بينهما ولا اختلاف، يوفق الله تعالى لفهم ذلك من شاء من عباده، ويحرمه من شاء لا إله إلا هو، كما يؤتي\rالفهم والذكاء والصبر على الطلب للخير من شاء ويؤتي البلدة وبعد الفهم والكسل من شاء، نسأل الله من هبته ما يقرب منه ويزلف لديه آمين.\rوصح بما ذكرنا بطلان قول من ضرب القرآن بعضه ببعض، أو ضرب الحديث الصحيح بعضه ببعض، أو ضرب القرآن بالحديث بعضهما ببعض وإن أمدنا الله بانفساخ مدة وأيدنا بعون من قبله، فسنجمع في كل ذلك دواوين نبين فيها أشخاص السؤال والجواب، والتأليف في كل ما ظنه أهل الجهل من ذلك متعارضا مختلف الحكم، ونبين بحول الله وقوته أن كل ذلك شئ واحد لا اختلاف فيه، وأن يختر منا قبل ذلك، فحسبنا ما اطلع عليه من نيتنا في ذلك، لا إله إلا هو،","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"وقال تعالى: * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) * وقال تعالى: * (وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) *.\rقال علي بن أحمد: فليتق الله - الذي إليه المعاد - امرؤ على نفسه، ولتوجل نفسه عند قراءة هذه الآية، وليشتد إشفاقه من أن يكون مختارا للدخول تحت هذه الصفة المذكورة المذمومة الموبقة الموجبة للنار، فإن من ناظر خصمه في مسألة من مسألة الديانة وأحكامها التي أمرنا بالتفقه فيها، فدعاه خصمه إلى ما أنزل الله تعالى، وإلى كلام الرسول، فصده عنهما ودعاه إلى قياس، أو إلى قول فلان وفلان، فليعلم أن الله عز وجل قد سماه منافقا.\rنعوذ بالله من هذه المنزلة المهلكة.\rفالتوبة التوبة عباد الله قبل حلول الاجل وانقطاع المهل، قال تعالى: من يطتع الرسول فقد أطاع الله، وقال تعالى: * (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) * فصح أن البيان كله موقوف على كلام الله تعالى وكلام نبيه (ص)، وقال عز وجل: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون\rلهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) *.\rقال علي: هذه الآية كافية من عند رب العالمين في أنه ليس لنا اختيار عند ورود أمر الله تعالى وأمر رسوله (ص)، وأنه من خير نفسه في التزام أو ترك، أو في الرجوع إلى قول قائل دون رسول الله (ص) فقد عصى الله بنص هذه الآية، فقد ضل ضلالا مبينا، وأن المقيم على أمر سماه الله ضلالا لمخذول، وقال تعالى: * (وما أرسلنا من رسول ألا ليطاع بإذن الله وقال تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصبيهم عذاب إليهم قال علي: ومن جاءه خبر عن رسول الله (ص) يقر أنه صحيح، وأن الحجة تقوم بمثله، أو قد صحح مثل ذلك الخبر في مكان آخر ثم ترك مثله في هذا المكان لقياس، أو لقول فلان وفلان، فقد خالف أمر الله وأمر رسوله واستحق الفتنة والعذاب الاليم.","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"قال علي: أما الفتنة فقد عجلت له ولا فتنة أعظم من تماديه على ما هو فيه وارتطامه في هذه العظيمة أعظم فتنة، ووالله ليصحن القسم الآخر إن لم يتدارك نفسه بالتوبة والاقلاع، والطاعة لما أتاه من نبيه (ص) ورفض قبول قول من دونه كائنا من كان، وبالله تعالى التوفيق.\rوقال تعالى: * (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ئ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ئ وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ئ أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون ئ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا\rوأولئك هم المفلحون ئ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ئ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون ئ قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) * قال علي: هذه الآيات محكمات لم تدع لاحد علقة يشغب بها، قد بين الله فيها صفة فعل أهل زماننا فإنهم يقولون: نحن المؤمنون بالله وبالرسول، ونحن طائعون لهما، ثم يتولى طائفة منهم بعد هذا الاقرار، فيخالفون ما وردهم عن الله عز وجل ورسوله (ص)، أولئك بنص حكم الله تعالى عليهم ليسوا مؤمنين، وإذا دعوا إلى آيات من قرآن أو حديث عن الرسول (ص) يخالف كل ذلك تقليدهم الملعون أعرضوا عن ذلك، فمن قائل: ليس عليه العمل، ومن قائل: هذا خصوص، ومن قائل: هذا متروك، ومن قائل: أبى هذا فلان، ومن قائل: القياس غير هذا، حتى إذا وجدوا في الحديث أو القرآن شيئا يوافق ما قلدوا فيه طاروا به كل مطار، وأتوا إليه مذعنين كما وصف الله حرفا حرفا، فيا ويلهم ما بالهم، أفي قلوبهم مرض وريب ؟ أم يخافون جور الله تعالى وجور رسوله (ص) ؟ ألا إنهم هم الظالمون كما ثم بين تعالى أن قول المؤمنين سماهم الله رب العالمين فبعدا للقوم الظالمين إذا دعوا إلى كتاب الله تعالى، وكلام نبيه (ص)،","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وهذا جواب أصحاب الحديث الذين شهد لهم الله تعالى - وقوله الحق - أنهم مؤمنون، وأنهم مفلحون، وأنهم هم الفائزون، اللهم فثبتنا فيهم، ولا تخالف بنا عنهم، واكتبنا في عدادهم، واحشرنا في سوادهم، آمين رب العالمين.\rثم أخبرنا تعالى بما شهدناه من اكثر أهل زماننا، وبما يميزونه من أنفسهم\rبظاهر أحوالهم وباطنها، من أنهم يقولون: نسمع لله ولرسوله (ص) ويقسمون على ذلك، فقال لهم تعالى: لا تقسموا، ولكن أطيعوا، أن حققوا ما تقولون بإقراركم وفعلكم واتركوا حكم كل حاكم، وقول كل قائل دون قول الله تعالى وقول رسول الله (ص).\rثم أخبرنا تعالى أنه ليس على رسول الله (ص) غير ما حمله ربه وهو التبليغ والتبيين، وقد فعل (ص) ذلك، وأخبرنا تعالى أن علينا ما حملنا وهو الطاعة والانقياد لما أمر به رسول الله (ص) والعمل بذلك، لا لما أمرنا به من دونه، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: لقد كان في آية واحدة مما تلونا كفاية لمن عقل وفهم، فكيف وقد أبدأ ربنا تعالى في ذلك وأعاد وكرر وأكد، ولم يدع لاحد متعلقا، وقد أنذرنا كما أمرنا وألزمنا في القرآن، وما توفيقنا إلا بالله عز وجل، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rفصل: فيه أقسام الاخبار عن الله تعالى قال أبو محمد: جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان - في أن ما صح عن رسول الله (ص) أنه قال، ففرض اتباعه، وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن، وبيان لمجمله، ثم اختلف المسلمون في الطريق المؤدية إلى صحة الخبر عنه عليه السلام بعد الاجماع المتيقن المقطوع به على ما ذكرنا، وعلى الطاعة من كل مسلم لقوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فنظرنا في ذلك فوجدنا الاخبار تنقسم قسمين: خبر تواتر، وهو ما نقلته كافة بعد كافة حتى تبلغ به النبي (ص) وهذا خبر لم يختلف مسلمان في وجوب الاخذ به، وفي أنه حق مقطوع على غيبه، لان بمثله","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"عرفنا أن القرآن هو الذي أتى به محمد (ص) وبه علمنا صحة مبعث النبي\r(ص) وبه علمنا عدد ركوع كل صلاة وعدد الصلوات، وأشياء كثيرة من أحكام الزكاة وغير ذلك مما لم يبين في القرآن تفسيره، وقد تكلمنا في كتاب الفصل على ذلك وبينا أن البرهان قائم على صحته، وبينا كيفيته وأن الضرورة والطبيعة توجبان قبوله، وأن به عرفنا ما لم نشاهد من البلاد، ومن كان قبلنا من الانبياء والعلماء والفلاسفة والملوك والوقائع والتوالف.\rومن أنكر ذلك كان بمنزلة من أنكر ما يدرك بالحواس الاول ولا فرق.\rولزمه أن يصدق بأنه كان قبله زمان ولا أن أباه وأمه كانا قبله، ولا أنه مولود من امرأة.\rقال علي: وقد اختلف الناس في مقدار عدد النقلة للخبر الذي ذكرنا، فطائفة قالت: لا يقبل الخبر إلا من جميع أهل المشرق والمغرب، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من عدد لا نحصيه نحن.\rوقالت طائفة: لا يقبل أقل من ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، عدد أهل بدر، وقالت طائفة لا يقبل إلا من سبعين.\rوقالت طائفة: لا يقبل إلا من خمسين، عدد القسامة، وقالت طائفة لا يقبل إلا من أربعين لانه العدد الذي لما بلغه المسلمون أظهروا الدين، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من عشرين، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من اثني عشر، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من خمسة، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من أربعة وقالت طائفة: لا يقبل إلا من ثلاثة، لقول رسول الله (ص) حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه إنه قد نزل به جائحة، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من اثنين.\rقال علي: وهذه كلها أقوال بلا برهان، وما كان هكذا فقد سقط.\rويكفي في إبطال ذلك أن ننبه كل من يقول بشئ من هذه الحدود على أن يقيس كل ما يعتقد صحته من أخبار دينه ودنياه، فإنه لا سبيل له البتة إلى أن يكون شئ منها صح عنده بالعدد الذي شرط كل واحد من ذلك العدد عن مثل ذلك العدد كله.\rوهكذا متزايدا حتى يبلغ إلى تحقيق ذلك الخبر من دينه أو دنياه، فحصل من كل قول\rمنها بطلان كل خبر جملة، ولا نحاشي شيئا لانه وإن سمع هو بعض الاخبار من العدد الذي شرط، فلا بد أن يبطل تلك المرتبة فيما فوق ذلك.\rوكل قول أدى","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"إلى الباطل فهو باطل بلا شك، وبالله تعالى التوفيق، فلم يبق إلا قول من قال بالتواتر ولم يحد عددا.\rقال علي: ونقول ههنا إن شاء الله تعالى قولا باختصار، فنقول وبالله تعالى التوفيق: لكل من حد في عدد نقلة خبر التواتر حدا لا يكون أقل منه يوجب تيقن صدقه ضرورة من سبعين أو عشرين، أو عدد لا نحصيهم، وإن كان في ذاته محصي ذاعدد محدود، أو أهل المشرق والمغرب، ولا سبيل إلى لقائه ولا لقاء أحد لهم كلهم ولا بد له من الاقتصار على بعضهم دون بعض بالضرورة، ولا بد من أن يكون لذلك التواتر الذي يدعونه في ذاته عدد إن نقص منه واحد لم يكن متواترا، وإلا فقد ادعوا ما لا يعرف أبدا ولا يعقل.\rفإذن لا بد من تحديد عدد ضرورة، فنقول لهم: ما تقولون إن سقط من هذا الحد الذي حددتم واحد، أيبطل سقوط ذلك الواحد قبول ذلك الخبر أم لا يبطله ؟ فإن قال: يبطله، تحكم بلا برهان، وكل قول بمجرد الدعوى بلا برهان فهو مطروح ساقط، فإن قال بقبوله أسقطنا له آخر ثم آخر، حتى يبلغ إلى واحد فقط، وإن حد عددا سئل عن الدليل على ذلك فلا سبيل له إليه البتة.\rوأيضا فإنه ما في القول فرق بين ما نقله عشرون وبين ما نقله تسعة عشر، ولا بين ما نقله سبعون ولا ما نقله تسعة وستون، وليس ذكر هذه الاعداد في القرآن وفي القسامة وفي بعض الاحوال وفي بعض الاخبار بموجب ألا يقبل أقل منها في الاخبار، وقد ذكر تعالى في القرآن أعدادا غير هذه، فذكر تعالى الواحد والاثنين والثلاثة والاربعة والمائة ألف وغير ذلك، ولا فرق بين ما تعلق\rبعدد منها وبين ما تعلق بعدد آخر منها، ولم يأت من هذه الاعداد في القرآن شئ في باب قبول الاخبار ولا في قيام حجة بهم، فصارف ذكرها إلى ما لم يقصد بها مجرم وقاح محرف للكلم عن مواضعه، وإن قال: لا يبطل قبول الخبر بسقوط واحد من العدد الذي حد - كان قد ترك مذهبه الفاسد، ثم سألناه عن إسقاط آخر أيضا مما بقي من ذلك العدد، وهكذا حتى يبعد عما حد بعدا شديدا، فإن نظروا هذا بما يمكن حده من الاشياء كانوا مدعين بلا دليل، ومشبهين بلا برهان، وحكم كل شئ يجعله المرء دينا له أن ينظر في حدوده ويطلبها، إلا ما أصبح إجماع أو نص","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"أو أوجبت طبيعة ترك طلب حده، وقد قال بعضهم: لا يقبل من الاخبار إلا ما نقلته جماعة لا يحصرها العدد.\rقال أبو محمد: وهذا قول من غمره الجهل، لانه ليس هذا موجدا في العالم أصلا، وكل ما فيه فقد حصره العدد وإن لم نعلمه نحن، وإحصاؤه ممكن لمن تكلف ذلك، فعلى هذا القول الفاسد قد سقط قبول جميع الاخبار جملة وسقط كون النبي (ص) في العالم وهذا كفر.\rوأيضا فيلزم هؤلاء وكل من حد في عدد من لا تصح الاخبار بأقل من نقل ذلك العدد أمر فظيع يدفعه العقل ببديهته، وهو أن لا يصح عندهم كل أمر يشهده أقل من العدد الذي حدوا، وألا يصح عندهم كل أمر حصره عدد من الناس، وكل أمر لم يحصره أهل المشرق والمغرب، فتبطل الاخبار كلها ضرورة على حكم هذه الاقوال الفاسدة، وهم يعرفون بضرورة حسهم صدق أخبار كثيرة من موت وولادة ونكاح وعزل وولاية واغتفال منزل، وخروج عدو شر واقع، وسائر عوارض العالم مما لا يشهده الا النفر اليسير، ومن خالف هذا فقد كابر عقله ولم يصح عنده شئ مما ذكرنا أبدا، لا سيما إن كان ساكنا في قرية ليس فيها إلا عدد يسير، مع أنه لا سبيل له إلى لقاء أهل المشرق والمغرب.\rقال علي: فإن سألنا سائل، فقال: ما حد الخبر الذي يوجب الضرورة ؟ فالجواب وبالله تعالى التوفيق أننا نقول: إن الواحد من غير الانبياء المعصومين بالبراهين عليهم السلام - قد يجوز عليه تعمد الكذب، يعلم ذلك بضرورة الحس، وقد يجوز على جماعة كثيرة أن يتواطؤوا على كذبة إذا اجتمعوا ورغبوا أو رهبوا.\rولكن ذلك لا يخفى من قبلهم، بل يعلم اتفاقهم على ذلك الكذب بخبرهم إذا تفرقوا لا بد من ذلك.\rولكنا نقول إذا جاء اثنان فأكثر من ذلك، وقد تيقنا أنهما لم يلتقيا، ولا دسسا، ولا كانت لهما رغبة فيما أخبر به، ولا رهبة منه، ولم يعلم أحدهما","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"بالآخر، فحدث كل واحد منهما مفترقا عن صاحبه بحديث طويل لا يمكن أن يتفق خاطر اثنين على توليد مثله، وذكر كل واحد منهما مشاهدة أو لقاء لجماعة شاهدت أو أخبرت عن مثلها بأنها شاهدت، فهو خبر صدق يضطر بلا شك من سمعه إلى تصديقه ويقطع على غيبه.\rوهذا الذي قلنا يعلمه حسا من تدبره ورعاه فيما يرده كل يوم من أخبار زمانه من موت أو ولادة أو نكاح أو عزل أو ولاية أو وقعة وغير ذلك، وإنما خفي ما ذكرنا على من خفي عليه لقلة مراعاته يمر به، ولو أنك تكلف إنسانا واحدا اختراع حديث طويل كاذب لقدر عليه، يعلم ذلك بضرورة المشاهدة، فلو أدخلت اثنين في بيتين لا يلتقيان، وكلفت كل واحد منهما توليد حديث كاذب لما جاز بوجه من الوجوه أن يتفقا فيه من أوله إلى آخره.\rهذا ما لا سبيل إليه بوجه من الوجوه أصلا، وقد يقع في الندرة التي لم نكد نشاهدها اتفاق الخواطر على الكلمات اليسيرة، والكلمتين نحو ذلك.\rوالذي شاهدنا اتفاق شاعرين في نصف بيت، شاهدنا ذلك مرتين من عمرنا فقط.\rوأخبرني من لا أثق به: أن خاطره وافق خاطر شاعر آخر في بيت كامل واحد،\rولست أعلم ذلك صحيحا.\rوأما الذي لا أشك فيه وهو ممتنع في العقل، فاتفاقهما في قصيدة بل في بيتين فصاعدا.\rوالشعر نوع من أنواع الكلام، ولكل كلام تأليف ما، والذي ذكره المتكلمون في الاشعار من الفصل الذي سموه المواردة، وذكروا أن خواطر شعراء اتفقت في عدة أبيات، فأحاديث مفتعلة لا تصح أصلا ولا تتصل.\rوما هي إلا سراقات وغارات من بعض الشعراء على بعض.\rقال علي: وقد يضطر خبر الواحد إلى العلم بصحته إلا أن اضطراره ليس بمطرد، ولا في وقت ولكن على قدر ما يتهيأ.\rوقد بينا ذلك في كتاب الفضل.\rقال علي: فهذا قسم.\rقال علي: القسم الثاني من الاخبار ما نقله الواحد عن الواحد، فهذا إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله (ص) وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضا، وبين هذا وبين شهادة العدول فرق نذكره إن شاء الله تعالى، وهو قول الحارث بن أسد المحاسبي، والحسين بن علي الكرابيسي.\rوقد قال به أبو سليمان، وذكره ابن خويز","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"منداد عن مالك بن أنس، والبرهان على صحة وجوب قبوله قول الله عز وجل: الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * فأوجب الله تعالى على كل فرقة نذارة النافر منها بأمره بالنفقة وبالنذارة، ومن أمره الله تعالى بالتفقه في الدين وإنذار قومه، فقد انطوى في هذا الامر إيجاب قبول نذارته على من أمره بإنذارهم.\rوالطائفة في لغة العرب التي بها خوطبنا يقع على الواحد فصاعدا، وطائفة من الشئ بمعنى بعضه هذا ما لا خلاف بين أهل اللغة فيه، وإنما حد من حد في قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) أنهم أربعة لدليل ادعاه، وكان بذلك ناقضا لمعهود اللغة، ولم يدع قط قائل ذلك القول أن الطائفة في اللغة لا تقع\rإلا على أربعة.\rوأما نحن فاللازم عندنا أن يشهد عذاب الزنى واحد على ما نعرف من معنى الطائفة، فإن شهد اكثر فذلك مباح والواحد يجزي.\rوبرهان آخر، وهو أن رسول الله (ص) بعث رسولا إلى كل ملك من ملوك الارض المجاورين لبلاد العرب، وقد اعترض بعض من يخالفنا في ذلك بأن قال: إن الرفاق والتجار، وردوا بأمر النبي (ص) فلم يقتصر بذلك على الرسول وحده.\rقال أبو محمد: وهذا شغب وتمويه لا يجوز إلا على ضعيف، ونحن لا نشك أن النبي (ص) لم يقتصر بالرسل المذكورين على الاخبار بظهوره ومعجزاته المنقولة بخير الرفاق والسفار، بل أمرهم بتعليم من أسلم شرائع الاسلام ومسائل العبادات والاحكام، ليس من شئ من ذلك منقولا على ألسنة الرفاق والسفار، وبعثه هؤلاء الرسل مشهورة بلا خوف، منقولة نقل الكواف.\rفقد ألزم النبي (ص) كل ملك.\rورعيته قبول ما أخبرهم به الرسول الموجه نحوهم من شرائع دينهم.\rقال علي: وكذلك بعث رسول الله (ص) معاذا إلى الجند","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"وجهات من اليمن.\rوأبا موسى إلى جهة أخرى، وهي زبيد وغيرها، وأبا بكر على الموسم مقيما للناس حجهم، وأبا عبيدة إلى نجران، وعليا قاضيا إلى اليمن، وكل من هؤلاء مضى إلى جهة ما، معلما لهم شرائع الاسلام، وكذلك بعث أميرا إلى كل جهة أسلمت، بعدت منه أو قربت، كأقصى اليمن والبحرين وسائر الجهات والاحياء والقبائل التي أسلمت، بعث إلى كل طائفة رجلا معلما لهم دينهم، ومعلما لهم القرآن، ومفتيا لهم في أحكام دينهم، وقاضيا فيما وقع بينهم، وناقلا إليهم ما يلزمهم عن الله تعالى ورسوله (ص) وهم مأمورون بقبول ما يخبرونهم به على نبيهم (ص).\rوبعثه هؤلاء المذكورين مشهورة بنقل التواتر من كافر ومؤمن، لا يشك فيها أحد من العلماء ولا من المسلمين، ولا في أن بعثهم إنما كانت لما ذكرنا من المحال الباطل الممتنع أن يبعث إليهم رسول الله (ص) من لا تقوم عليهم الحجة بتبليغه، ومن لا يلزمهم قبول ما علموهم من القرآن وأحكام الدين وما أفتوهم به في الشريعة، ومن لا يجب عليهم الانقياد لما أخبروهم به من كل ذلك عن رسول الله (ص)، إذ لو كان ذلك لكانت بعثته لهم فضولا، ولكان عليه السلام قائلا للمسلمين: بعثت إليكم من لا يجب عليكم أن تقبلوا منه ما بلغكم عني، ومن حكمكم ألا تلتفتوا إلى ما نقل إليكم عني وألا تسمعوا منه ما أخبركم به عني، ومن قال بهذا فقد فارق الاسلام.\rوكذلك من نشأ في قرية أو مدينة ليس بها إلا مقرئ واحد، أو محدث واحد، أو مفت واحد، فنقول لمن خالفنا: ماذا تقولون ؟ أيلزمه إذا قرأ القرآن على ذلك المقرئ أن يؤمن بما أقرأه، وأن يصدق بأنه كلام الله تعالى، ويثبت على ذلك أم عليه أن يشك، ولا يصدق بأنه كلام الله عز وجل ؟ فإن قالوا: يلزمه الاقرار بأنه كلام الله تعالى.\rقلنا: صدقتم، فأي فرق بين نقلهم للقرآن وبين نقلهم لسائر السنن، وكلاهما من عند الله تعالى، وكلاهما فرض قبوله ؟ وإن قالوا: عليه أن يشك فيه حتى يلقى الكواف، أتوا بعظيمة في الدين ونسألهم حينئذ فيمن لقي من ذلك اثنين أو ثلاثة أو أربعة، فلابد لهم من حد يقفون عنده من العدد، فيكون قولهم سخريا وباطلا، ودعوى بلا برهان،","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"أو يحيلوا على معدوم فيما لا يصح على قولهم قبول القرآن والدين إلا به، وفي هذا إبطال للدين والقرآن جملة، والمنع من اعتمادهما، ونعوذ بالله من هذا، وهكذا القول في وجوب طاعة من أخذ عن أولئك الرسل قرآنا أو سنة وبلغ\rذلك إلى غيره، ولانها بلاد واسعة لا سبيل لكل واحد من أولئك الرسل إلى لقاء جميعهم من رجل وامرأة، لكن يبلغ ويبلغ من بلغه هو وهكذا أبدا لئلا يقول جاهل هذا خصوص لاولئك الرسل.\rوقال تعالى: * (يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة الآية.\rقال أبو محمد: لا يخلو النافر للتفقه في الدين من أن يكون عدلا أو فاسقا ولا سبيل إلى قسم ثالث، فإن كان فاسقا فقد أمرنا بالتبين في أمره وخبره من غير جهته فأوجب ذلك سقوط قبوله، فلم يبق إلا العدل.\rفكان هو المأمور بقبول نذارته.\rقال أبو محمد: وهذا برهان ضروري لا محيد عنه رافع للاشكال والشك جملة.\rوقد بينا هذا النوع من البرهان في كتابنا في حدود الكلام المعروف بالتقريب قال علي: وقد توهم من لا يعلم أنا إنما أوجبنا قبول خبر العدل من قوله تعالى: ا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا فقط.\rقال أبو محمد: وقد أغفل من تأول علينا ذلك، ولو لم تكن إلا هذه الآية وحدها لما كان فيها ما يدل على قبول خبر العدل ولا على المنع من قبوله، بل إنما منع فيها من قبول خبر الفاسق فقط وكان يبقى خبر العدل موقوفا على دليله، ولكن لما استفاضت هذه الآية التي فيها المنع من قبول خبر الفاسق إلى الآية التي فيها قبول نذارة النافر للتفقه، صارتا مقدمتين أنتجتا قبول خبر الواحد العدل دون الفاسق بضرورة البرهان وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وقد أوجب الله تعالى على كل طائفة إنذار قومها، وأوجب على قومها قبول نذارتهم بقوله تعالى: * (وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"فقد حذر تعالى من مخالفة نذارة الطائفة - والطائفة في اللغة تقع على بعض الشئ\rكما قدمنا - ولا يختلف اثنان من المسلمين في أن مسلما ثقة لو دخل أرض الكفر فدعا قوما إلى الاسلام وتلا عليهم القرآن وعلمهم الشرائع لكان لازما لهم قبوله، ولكانت الحجة عليهم بذلك قائمة.\rوكذلك لو بعث الخليفة أو الامير رسولا إلى ملك من ملوك الكفر، أو إلى أمة من أمم الكفر، ويدعوهم إلى الاسلام ويعلمهم القرآن وشرائع الدين، ولا فرق.\rوما قال قط مسلم إنه كان حكم أهل اليمن أن يقولوا لمعاذ ولمن بعثه عليه السلام إلى كل ناحية معلما ومفتيا ومقرئا.\rنعم أنت رسول رسول الله (ص) وعقد الايمان حق عندنا.\rولكن ما أفتيتنا به وعلمتنا من أحكام الصلاة ونوازل الزكاة وسائر الديانة عن النبي (ص) وما أقرأتنا من القرآن عنه عليه السلام، فلا نقبله منك ولا نأخذه عنك، لان الكذب جائز عليك، ومتوهم منك، حتى يأتينا لكل ذلك كواف وتواتر.\rبل لو قالوا ذلك لكانوا غير مسلمين.\rوكذلك لا يختلف اثنان في أن رسول الله (ص) إنما بعث من بعث من رسله إلى الآفاق لينقلوا إليهم عنه القرآن، والسنن وشرائع الدين، وأنه عليه السلام لم يبعثهم إليه ليشرعوا لهم دينا لم يأت هو به عن الله تعالى، فصح بهذا كله أن كل ما نقله الثقة عن الثقة مبلغا إلى رسول الله (ص) من قرآن أو سنة ففرض قبوله، والاقرار به والتصديق به، واعتقاده والتدين به، وأن كل ما صح عن صاحب أو تابع أو من دونهم من قراءة لم تستند إلى النبي (ص) أو من فتيا لم تسند إليه (ص)، فلا يحل قبول شئ من ذلك لانه لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله (ص)، وكل ذلك قد صح عن الواحد بعد الواحد من الصحابة والتابعين، وليس فضلهم بموجب قبول آرائهم، ولا بمانع أن يهموا فيما قالوه بظنهم، لكن فضلهم معف على كل خطأ كان منهم، وراجح به، وموجب تعظيمهم وحبهم وبالله تعالى التوفيق.\rوبرهان آخر: وهو أنه قد صح يقينا وعلم ضرورة أن جميع الصحابة أولهم عن آخرهم قد اتفقوا دون اختلاف من أحد منهم، ولا من أحد من التابعين الذين كانوا في عصرهم، على أن كل أحد منهم كان إذا نزلت به النازلة سأل الصاحب عنها","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"وأخذ بقوله فيها، وإنما كانوا يسألونه عما أوجبه النبي (ص) عن الله تعالى في الدين في هذه القصة، ولم يسأل قط أحد منهم إحداث شرع في الدين لم يأذن به الله تعالى، وهكذا كل من بعدهم جيلا فجيلا لا نحاشي أحدا، ولا خلاف بين مؤمن ولا كافر قطعا في أن كل صاحب وكل تابع سأله مستفت عن نازلة في الدين، فإنه لم يقل له قط: لا يجوز لك أن تعمل بما أخبرتك به عن رسول الله (ص) حتى يخبرك بذلك الكواف كما قالوا لهم فيما أخبروا به: أنه رأى منهم فلم يلزموهم قبوله.\rفإن قيل: فاجعل هذه الحجة نفسها حجة في قبول المرسل، قلنا: ليس كذلك لانه لم يصح الاجماع قط، لا قديما ولا حديثا على قبول المرسل، بل في التابعين من لم يقبله كالزهري وغيره، يسألون من أخبرهم عمن أخبرهم حتى يبلغوه إلى النبي (ص)، وإنما سقط ذلك عمن ليس في قوته فهم الاسناد ومعرفته فقط، وقد قال الزهري لاهل الشام: ما لي أرى أحاديثكم لا خطم لها ولا أزمة، فصاروا حينئذ إلى قوله، وغير الزهري أيضا كثير.\rفصح بهذا إجماع الامة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي (ص)، وأيضا فإن جميع أهل الاسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي (ص)، يجزي على ذلك كل فرقة في علمها كأهل السنة والخوارج والشيعة والقدرية حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الاجماع في ذلك، ولقد كان عمرو بن عبيد يتدين بما يروي عن الحسن ويفتي به هذا أمر لا يجهله من له أقل علم.\rوبرهان آخر: وهو أنه عدد محصور فالتواطؤ جائز عليهم وممكن منهم،\rولا خلاف بين كل ذي علم بشئ من أخبار الدنيا، مؤمنهم وكافرهم، أن النبي (ص) كان بالمدينة وأصحابه رضي الله عنهم مشاغيل في المعاش، وتعذر القوت عليهم لجهد العيش بالحجاز، وأنه عليه السلام كان يفتي بالفتيا، ويحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط، وإن الحجة إنما قامت على سائر من لم يحضره عليه السلام بنقل من حضره وهم واحد واثنان، وفي الجملة عدد لا يمتنع من مثلهم بالتواطؤ عند","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"خصومنا، فإذ جميع الشرائع إلا الاقل منها راجعة إلى هذه الصفة من النقل، وقد صح الاجماع من الصدر الاول كلهم، نعم وممن بعدهم على قبول خبر الواحد، لانها كلها راجعة إليه وإلى ما كان في معناه، وهذا برهان ضروري، وبالله تعالى التوفيق.\rوبالضرورة نعلم أن النبي (ص) لم يكن إذا أفتى بالفتيا أو إذا حكم بالحكم يجمع لذلك جميع من بالمدينة، هذا ما لا شك فيه، لكنه عليه السلام كان يقتصر على من بحضرته، ويرى أن الحجة بمن يحضره قائما على من غاب، هذا ما لا يقدر على دفعه ذو حس سليم، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وأقوى ما شغب به من أنكر قبول خبر الواحد أن نزع بقول الله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم قال أبو محمد: وهذه الآية حجة لنا عليهم في هذه المسألة، لانا لم نقف ما ليس لنا به علم، بل ما قد صح لنا به العلم، وقام البرهان على وجوب قبوله، وصح العلم بلزوم اتباعه والعمل به، فسقط اعتراضهم بهذه الآية، والحمد لله رب العالمين.\rوقال بعضهم: أنتم لا تقبلون الواحد في فلس فكيف تقبلونه في إثبات الشرائع ؟ قال أبو محمد: هذا السؤال لا يلزمنا، لاننا لا نقيس شريعة على شريعة، ولا نتعدى ما جاءت به النصوص وثبت في القرآن والسنن، فصح البرهان كما ذكرنا بقبول خبر الواحد في العبادات والشرائع وقبول القرآن فقلنا به، وصح\rالخبر بقبول المرأة الواحدة في أوضاع فقلنا به، وصح الخبر بقبول الواحد مع اليمين فيما عدا الحدود فقلنا به، وصح الخبر والنص بقبول الرجلين أو الرجل والمرأتين فيما عدا الزنى فقلنا به، وصح النص بقبول أربعة في الزنى فقلنا به، ولم نعارض شريعة بشريعة ولا تعقبنا على ربنا عز وجل، ونحن وهم نقبل في إباحة الدم الحرام من المسلم الفاضل، والفرج الحرام من المسلمة الفاضلة، والبشرة المحرمة في جلد ثمانين في القذف، وفي قطع اليد والرجل رجلين، ولا نقبلهما فيما يوجب إلا خمسين جلدة من زنى الامة، لا على مؤمنة ولا على كافر، فأين هم عن هذا الاعتراض الفاسد لو عقلوا وهم يقعوا تحت إنكار ربهم تعالى عليهم إذ يقول: * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) *.\rوقد قال بعض المتحكمين في الدين بقلة الورع ممن يدعي أنه من أهل القول،","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"بقبول السنن من طرق الآحاد: إن الخبر إذا كان مما يعظم به البلوى لم يقبل فيه خبر الواحد، ومثل ذلك بعضهم بالآثار المروية في الاذان والاقامة، وقال: إن الاذان والاقامة كانا بالمدينة بحضرة الائمة من الصحابة رضي الله عنهم خمس مرات كل يوم، فهذا مما تعظم به البلوى، فمحال أن يعرف حكمه الواحد، ويجهله الجماعة، ومثل ذلك بعضهم أيضا بخبر الوضوء من مس الذكر.\rقال أبو محمد: وهذا كلام فاسد متناقض، أول ذلك أن الدين كله تعظم به البلوى، ويلزم للناس معرفته، وليس هذا ما وقع في الدهر مرة من أمر الطهارة والحج أوجب في أنه فرض أو حرام مما يقع في كل يوم، ولا يفرق بين ذلك إلا جاهل أو من لا يبالي بما تكلم، ويقال له في الاذان الذي ذكر: لا فرق بين أذان المؤذن بالمدينة بحضرة عمر وعثمان رضي الله عنهما خمس مرات كل يوم، وبين أذان المؤذن بالكوفة بحضرة ابن مسعود وعلي خمس مرات كل يوم، وليست نسبة\rالرضا بتبديل الاذان إلى علي وابن مسعود بأخف من نسبة ذلك إلى عمر وعثمان فبطل تمويه هذا الجاهل وبان تخليطه.\rوكذلك الوضوء من مس الذكر ليست البلوى به بأعظم من البلوى بإيجاب الوضوء من الرعاف والقلس، وقد أوجبه الحنفيون بخبر ساقط ولم يعرفه المالكيون ولا الشافعيون، ولا البلوى أيضا بذلك أعظم من البلوى بإيجاب الوضوء من المسة والقبلة للذة، ومن إيجاب التدلك في الغسل وقد أوجبها المالكيون، ولا يعرف ذلك الحنفيون، ومثل هذا كثير جدا، فإن قالوا: أوجبنا ذلك بالقرآن.\rقيل لهم: قد عرف القرآن غيركم كما عرفتموه، فما رأوا فيه ما ذكرتم مع عظيم البلوى به، وقد بينا في كتابنا هذا أن مغيب السنة عمن غاب عنه من صاحب أو غيره ليس حجة على من بلغته وإنما الحجة في السنة.\rوقد غاب نسخ التطبق في الركوع عن ابن مسعود وهو مما تعظم به البلوى به،","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"ويتكرر على المسلم أكثر من بضع عشرة مرة في كل يوم وليلة، وخفي على عمر رضي الله عنه أمر جزية المجوس، والامر في قبض رسول الله (ص) لها من مجوس هجر عاما بعد عام، وأبي بكر بعده عاما بعد عام أشهر من الشمس، ولم تكن فضلة قليلة، بل قد ثبت أنه لم يقدم على رسول الله (ص) مال أكثر منه على قلة المال هناك حينئذ، وخفي على عمر وابن عمر أيضا الوضوء من المذي، وهو مما تعظم البلوى به، وهذا كثير جدا، ويكفي من هذا أن قول هذا القائل دعوى مجردة بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل مطرح قال عز وجل: * قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ولا يجوز أن يعارض ما قد صح البرهان به من وجوب قبول السنن من طريق الآحاد بدعوى ساقطة فاسدة، وبالله تعالى التوفيق.\rوقال أيضا بعض الحنفيين: ما كان من الاخبار زائدا على ما في القرآن\rأو ناسخا له أو مخالفا له لم يجز أخذه بخبر الواحد إلا حتى يأتي به التواتر.\rقال أبو محمد: وهذا تقسيم باطل ودعوى كاذبة وحكم بلا برهان، وما كان هكذا فهو ضلال لا يحل القول به، ونقول لهم: أيجوز الاخذ بشئ من أخبار الآحاد في شئ من الشريعة أم لا ؟ فإن قالوا: لا، كلمناهم بما قد فرغنا منه آنفا وكانوا خارجين عن مذهبهم أيضا، وإن قالوا: نعم، وهو قولهم.\rقلنا لهم: من أين جوزتم أن يخبر عن النبي (ص) به، وأن يشرع به في دين الله عز وجل شريعة تضاف إليه في الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك في الموضع الذي أجزيتموه فيه، ثم منعتم من قوله حيث هو بزعمك زائد على ما في القرآن أو ناسخ له، فلا سبيل إلى فرق أصلا، وأما قولهم: مخالف الاصول، فكلام فاسد فارغ من المعنى واقع على ما لا يعقل، لان خبر الواحد الثقة المسند أصل من أصول الدين، وليس سائر الاصول أولى بالقبول منه ولا يجوز أن تتنافى أصول الدين، حاشا لله من هذا.\rثم نقول: اعلموا أن كل خبر روي عن رسول الله (ص) رواية صحيحة مسندة فإنه ولا بد زائد حكم على ما في القرآن، أو أتي بما في نص القرآن لا بد من أحد الوجهين فيه.\rوالزائد حكما على ما في القرآن ينقسم قسمين: إما جاء","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"بما لم يذكر في القرآن كغسل الرجلين في الوضوء، وكرجم المحصن، ونحو ما أخذوا به من إباحة صوم رمضان للمسافر، ومن إيجاب الوضوء من القهقهة في الصلاة، ومن الوضوء بالنبيذ، ومن القلس والقئ والرعاف، وكتخصيص ظاهر القرآن، كعدد ما لا يقطع السارق في أقل منه، وما لا يحرم من الرضاع أقل منه فهذا أيضا زائد حكم على ما في القرآن، ومثله ما بين مجمل القرآن كصفة الصلاة وصفة الزكاة وسائر ما جاءت به السنن فهو زائد حكم على ما في القرآن.\rفمن أين جوزتم أخذ الزائد على ما في القرآن كما ذكرنا حيث اشتهيتم، ومنعتم منه حيث اشتهيتم، وهذا ضلال لا خفاء به وكل ما وجب العمل به في الشريعة فهو واجب أبدا في كل حال، وفي كل موضع إلا أن يأتي نص قرآني أو سنة بالمنع من بعض ذلك فيوقف عنده، وأما بالآراء المضلة والاهواء السخيفة فلا، على أنهم آخذ الناس بخلاف القرآن برأي فاسد أو قياس سخيف أو خبر ساقط كالوضوء من القهقهة وسائر تلك الاخبار الفاسدة، وتأملوا ما نقول لكم: قد أجمعوا معنا على قبول ما جاء به رسول الله (ص) من نسخ للقرآن أو زيادة عليه، واتفقوا معنا على أن خبر الواحد الثقة عن مثله مسندا حجة في الدين، ثم تناقضوا كما ذكرنا بلا برهان ونعوذ بالله من الخذلان، وقد ثبت عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وداود رضي الله عنهم وجوب القول بخبر الواحد، وهذا حجة على من قلد أحدهم في وجوب القول بخبر الواحد، وإن خالف من قلده من بعض من ذكرنا خطأ وتناقضا لا يعزى منه بشر بعد رسول الله (ص) وبالله تعالى التوفيق.\rومن البرهان في قبول خبر الواحد: خبر الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال له رجل: إن الملا يأ تمرون بك ليقتلوك فصدقه وخرج فارا وتصديقه المرأة في قولها: إن أبى يدعوك ليجز يك أجر ما سيقت لنا) فمضى معها وصدقها، وبالله تعالى التوفيق.","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"فصل هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم ؟ قال أبو محمد: قال أبو سليمان والحسين، عن أبي علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهم، أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله (ص)\rيوجب العلم والعمل معا، وبهذا نقول: وقد ذكر هذا القول أحمد بن إسحاق المعروف بابن خويز منداد، عن مالك بن أنس.\rوقال الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين وجميع المعتزلة والخوارج: إن خبر الواحد لا يوجب العلم، ومعنى هذا عند جميعهم أنه قد يمكن أن يكون كذبا أو موهوما فيه، واتفقوا كلهم في هذا، وسوى بعضهم بين المسند والمرسل.\rوقال بعضهم: لمرسل لا يوجب علما ولا عملا، وقد يمكن أن يكون حقا وجعلت المعتزلة والخوارج هذا حجة لهم في ترك العمل به، قالوا: ما جاز أن يكون كذبا أو خطأ فلا يحل الحكم به في دين الله عز وجل، ولا أن يضاف إلى الله تعالى ولا إلى رسول الله (ص)، ولا يسع أحدا أن يدين به، وقال سائر من ذكرنا: إنه يوجب العمل، واحتج كل من ذكرنا بأن هذه صفة كل خبر واحد في جواز الكذب وتعمده وإمكان السهو فيه، وإن لم يتعمد الكذب.\rوقال أبو بكر بن كيسان الاصم البصري: لو أن مائة خبر مجموعة قد ثبت أنها كلها صحاح إلا واحدا منها لا يعرف بعينه أيها هو - قال: فإن الواجب التوقف عن جميعها، فكيف وكل خبر منها لا يقطع على أنه حق متيقن، ولا يؤمن فيه الكذب والنسخ والغلط.\rقال أبو محمد: أما احتجاج من احتج بأن صفة كل خبر واحد هي أنه يجوز عليه الكذب والوهم فهو كما قالوا، إلا أن يأتي برهان حسي ضروري أو برهان منقول نقلا يوجب العلم من نص ضروري على أن الله تعالى قد برأ بعض الاخبار من ذلك، فيخرج بدليله عن أن يجوز فيه الكذب والوهم، وقد وافقنا المعتزلة - وكل من يخالفنا في هذا المكان - على أن خبر النبي (ص) في الشريعة لا يجوز فيه الكذب ولا الوهم لقيام الدليل على ذلك.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"وقال أصحاب القياس: إن إجماع الامة على القياس معصوم من الخطأ بخلاف\rإجماع سائر الملل لقيام دليل ادعوه في ذلك، وكما أجمعتم معنا على القطع ببراءة عائشة رضي الله عنها، وخروج ما قذفت به عن الامكان لقيام البرهان بذلك عند جميعكم وعندنا، وقد ادعى الروافد منكم هذا في خبر الامام، فإن وجدنا نحن برهانا على أن خبر الواحد المتصل إلى رسول الله (ص) في أحكام الشريعة لا يجوز عليه الكذب ولا الوهم، فقد صح قولنا وقولهم في أن خبر النبي (ص) في الشريعة لا يجوز عليه الكذب والوهم، وإن لم نجد برهانا على ذلك فهو قولهم، وقد صح البرهان بذلك، ولله الحمد على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوأما قول ابن كيسان فباطل لانه دعوى بلا دليل، بل الواجب حينئذ البحث عن الخبر الواهي والمنسوخ حتى يعرف فيجتنب، وإلا فالعمل واجب، لان الاصل وجوب العمل بالسنن حتى يصح فيها بطلان أو نسخ، وإلا فهي على البراءة من النسخ ومن الكذب والوهم حتى يصح في الخبر شئ من ذلك فيترك لقول الله تعالى: أطيعوا الله الرسول ولقوله تعالى (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) ولقوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) وقد علمنا أن في القرآن آيات منسوخة بلا شك لقوله تعالى (ما نننسخ من آية أو ننساها نات بخير منها أو مثلها وقد اختلف العلماء فيها، فطائفة قالت في آية إنها منسوخة وطاقة قالت: ليست منسوخة بل هي محكمة فما قال مسلم فط لا ابلن كيسان والا غيره إن الواجب التوقف عن العمل بشئ من القرآن من أجل ذلك، وخوفا أن يعمل بمنسوخ لا يحل العمل به، بل الواجب العمل بكل آية منه حتى يصح النسخ فيها فيترك العمل بها.\rوقول ابن كيسان يوجب ترك الحق يقينا ولا فرق بين ترك الحق يقينا وبين العمل بالباطل يقينا، وكلاهما لا يحل، فقد تعجل ابن كيسان لنفسه الذي فر عنه وأشد منه، لانه ترك الحق يقينا خوف أن يقع في خطأ\rلعله لا يقع فيه، وهذا كما ترى.","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"قال علي: وهذا حين نأخذ إن شاء الله تعالى في إيراد البراهين على أن خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله (ص) في أحكام الشريعة يوجب العلم، ولا يجوز فيه البتة الكذب ولا الوهم، فنقول وبالله تعالى التوفيق: قال الله عز وجل عن نبيه (ص): * (وما ينطق عن الهوى ئ إن هو إلا وحي يوحى) * وقال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * وقال تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم فصح أن كلام رسول الله (ص) كله في الدين وحي من عند الله عز وجل، لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شئ أبدا تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه، إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبا وضمانه خائسا، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل، فوجب أن الدين الذي أتانا به محمد (ص) محفوظ بتولي الله تعالى حفظه، مبلغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبدا إلى انقضاء الدنيا قال تعالى ومن بلغ فإذ ذلك كذلك فبا لضروري ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شئ قاله رسول الله (ص) في الدين، ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين، إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ، ولكان قول الله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * كذبا ووعدا مخلفا وهذا لا يقوله مسلم.\rفإن قال قائل: إنما عنى تعالى بذلك القرآن وحده، فهو الذي ضمن تعالى حفظه\rلسائر الوحي الذي ليس قرآنا.\rقلنا له وبالله تعالى التوفيق: هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * فصح أن لا برهان له على دعواه،","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه (ص) من قرآن أو من سنة وحي يبين بها القرآن، وأيضا فإن الله تعالى يقول: * (بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) * فصح أنه عليه السلام مأمور ببيان القرآن للناس.\rوفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن بيان رسول الله (ص) فإذا كان بيانه عليه السلام لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها، فما أخطأ فيه المخطئ أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من هذا، وأيضا نقول لمن قال: إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى النبي (ص) لا يوجب العلم، وإنما يجوز فيه الكذب والوهم، وأنه غير مضمون الحفظ: أخبرونا هل يمكن عندكم أن تكون شريعة فرض أو تحريم أتى بها رسول الله (ص) ومات وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة، فجهلت حتى لا يعملها علم يقين أحد من أهل الاسلام في العالم أبدا، وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطا لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الاسلام في العالم أبدا، أم لا يمكن عندكم شئ من هذين الوجهين ؟.\rفإن قالوا: لا يمكنان أبدا، بل قد أمنا ذلك، صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبر رواه الثقة عن الثقة مسندا إلى رسول الله (ص) في الديانة، فإنه حق قد قاله عليه السلام كما هو، وأنه يوجب العلم ونقطع بصحته، ولا يجوز أن\rيختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله رسول الله (ص) قط اختلاطا لا يتميز فيه الباطل من الحق أبدا وإن قالوا: بل كل ذلك ممكن كانوا قد حكموا بأن الدين دين الاسلام قد فسد وبطل أكثره، واختلط ما أمر الله تعالى به مع ما لم يأمر به اختلاطا لا يميزه أحد أبدا، وأنهم لا يدرون أبدا ما أمرهم به الله تعالى مما لم يأمرهم به، ولا ما وضعه الكاذبون والمستخفون مما جاء به رسول الله (ص) إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث، والذي لا يغني من الحق شيئا وهذا انسلاخ من الاسلام، وهدم","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"للدين، وتشكيك في الشرائع.\rثم نقول لهم: أخبرونا إن كان ذلك كله ممكنا عندكم، فهل أمركم الله تعالى بالعمل بما رواه الثقات مسندا إلى رسول الله (ص) أو لم يأمركم بالعمل به ؟ ولا بد من أحدهما.\rفإن قالوا: لم يأمرنا الله تعالى بذلك لحقوا بالمعتزلة، وسيأتي جوابهم على هذا القول إن شاء الله تعالى، وإن قالوا: بل أمرنا الله تعالى بالعمل بذلك قلنا لهم: فقد قلتم إن الله تعالى أمركم بالعمل في دينه بما لم يأمركم به مما وضعه الكذابون، وأخطأ فيه الواهمون، وأمركم بأن تنسبوا إليه تعالى وإلى نبيه (ص) ما لم يأتكم به قط، وما لم يقله الله تعالى قط ولا رسوله (ص).\rوهذا قطع بأنه عز وجل أمر بالكذب عليه، وافترض العمل بالباطل، وبما ليس من الدين، وبما شرع الكذابون مما لم يأذن به الله تعالى وهذا عظيم جدا لا يستجيز القول به مسلم.\rثم نسألهم عما قالوا: إنه ممكن من سقوط بعض ما قاله رسول الله (ص) من الحكم في الدين بإيجاب أو تحريم حتى لا يوجد عند أحد، هل بقي علينا العمل به أم سقط عنا ؟ ولا بد من أحدهما، فإن قالوا: بل هو باق علينا.\rقلنا لهم: كيف يلزمنا العمل بما لا ندري وبما لم يبلغنا ولا يبلغنا أبدا.\rوهذا هو تحميل الاصر والحرج والعسر الذي قد آمننا الله تعالى منه.\rوإن قالوا: بل سقط عنا العمل به، قلنا لهم: فقد أجزتم نسخ شرائع من شرائع الاسلام مات رسول الله (ص) وهي محكمة ثابتة لازمة، فأخبرونا من الذي نسخها وأبطلها، وقد مات (ص) وهي لازمة لنا غير منسوخة ؟ وهذا خلاف الاسلام والخروج منه جملة.\rفإن قالوا: لا يجوز أن يسقط حكم شريعة مات رسول الله (ص) وهو لازم لنا ولم ينسخ.\rقلنا لهم: فمن أين أجزتم هذا النوع من الحفظ في الشريعة ؟ ولم تجيزوا تمام الحفظ للشريعة في ألا يختلط بها باطل لم يأمر الله تعالى به قط، اختلاطا لا يتميز معه الحق الذي أمر الله تعالى به من الباطل الذي لم يأمر به تعالى قط ؟ وهذا لا مخلص لهم منه، ولا فرق بين من منع من سقوط شريعة حق وأجاز اختلاطها بالباطل، وبين من منع من اختلاط الحق في الشريعة بالباطل، وأجاز سقوط شريعة حق، وكل هذا باطل لا يجوز البتة وممتنع","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"قد أمنا كونه ولله الحمد، وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد العدل عن قد أمنا كونه ولله الحمد وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى رسول الله (ص) حق مقطوع به موجب للعمل والعلم معا.\rوأيضا قال الله تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم) * وقد قال تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس نسألهم هل بين رسول الله (ص) ما أنزل الله إليه أو لم يبين ؟ وهل بلغ ما أنزل الله إليه أو لم يبلغ ؟ ولا بد من أحدهما، فمن قولهم إنه عليه السلام قد بلغ ما أنزل الله إليه وبينه للناس، وأقام به الحجة على من بلغه، فنسألهم عن ذلك التبليغ وذلك البيان: أهما باقيان عندنا وإلى يوم القيامة ؟ أم هما\rغير باقيين ؟ فإن قالوا: بل هما باقيان وإلى يوم القيامة رجعوا إلى قولنا، وأقروا أن الحق من كل ما أنزل الله تعالى في الدين مبين مما لم ينزله، مبلغ إلينا وإلى يوم القيامة، وهذا هو نص قولنا في أن خبر الواحد العدل عن مثله مسندا إلى رسول الله (ص) حق مقطوع على مبينه موجب للعلم والعمل.\rوإن قالوا: بل هما غير باقين، دخلوا في عظيمة وقطعوا بأن كثيرا من الدين قد بطل، وإن التبليغ قد سقط في كثير من الشرائع، وأن تبيين رسول الله (ص) لكثير من الدين قد ذهب ذهابا لا يوجد معه أبدا، وهذا هو قول الروافض بل شر منه، لان الروافض ادعت أن حقيقة الدين موجودة عند إنسان مضمون كونه في العالم، وهؤلاء أبطلوه من جميع العالم، ونعوذ بالله من كلا القولين.\rوأيضا فإن الله تعالى قال: قل انما حرم ربى الفواحش ما طهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحقى وان تشر كوا بالله ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * وقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاء هم من ربهم الهدى) * وقال تعالى: إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * وقال تعالى ذاما لقوم قا لوا إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) * وقال تعالى: قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) *.\rوقد صح أن الله تعالى افترض علينا العمل بخبر الواحد الثقة عن مثله مبلغا إلى رسول الله (ص)، وأن نقول أمر رسول الله (ص) بكذا، وقال عليه السلام كذا، وفعل عليه السلام كذا، وحرم القول في دينه","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"بالظن، وحرم تعالى أن نقول عليه إلا بعلم.\rفلو كان الخبر المذكور يجوز فيه الكذب، أو الوهم لكنا قد أمرنا الله تعالى بأن نقول عليه ما لا نعلم، ولكان تعالى قد أوجب علينا الحكم في الدين بالظن الذي لا نتيقنه، والذي هو الباطل\rالذي لا يغني من الحق شيئا، والذي هو غير الهدى الذي جاءنا من عند الله تعالى، وهذا هو الكذب والافك والباطل الذي لا يحل القول به، والذي حرم الله تعالى علينا أن نقول به، وبالتخرص المحرم فصح يقينا أن الخبر المذكور حق مقطوع على غيبه، موجب للعلم والعمل معا، وبالله تعالى التوفيق.\rوصار كل من يقول بإيجاب العمل بخبر الواحد، وأنه مع ذلك ظن لا يقطع بصحة غيبه، ولا يوجب العلم - قائلا بأن الله تعالى تعبدنا أن نقول عليه تعالى ما ليس لنا به علم، وأن نحكم في ديننا بالظن الذي قد حرم تعالى علينا أن نحكم به في الدين، وهذا عظيم جدا.\rوأيضا فإن الله تعالى يقول: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا وقال تعالى ومن بينع غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وقال تعالى ان الدين عند الله الاسلام وما اختلف الدين أو تو الكتاب الا من بعد ما جاء هم العلم بغيا بينهم وقال تعالى كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه قال أبو محمد فنقول لمن جوز ان يكون ما امر الله تعالى به نبيه عليه عليه السلام من بيان شريعة الاسلام لنا غير محفوظ، وإنه يجوز فيه التبديل، وأن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطا لا يتميز أبدا: أخبرونا عن إكمال الله دينا ورضاه الاسلام لنا دينا، ومنعه تعالى من قبول كل دين حاشا الاسلام، أكل ذلك باق علينا ولنا إلى يوم القيامة ؟ أم إنما كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم فقط ؟ أم لا للصحابة ولا لنا ؟ ولا بد من أحد هذه الوجوه.","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"فإن قالوا: لا للصحابة ولا لنا، كان قائل هذا القول كافرا لتكذيبه الله تعالى جهارا وهذا لا يقوله مسلم، وأن قالوا: بل كان كل ذلك باق لنا وعلينا إلى يوم القيامة صاروا إلى قولنا ضرورة، وصح أن شرائع الاسلام كلها كاملة، والنعمة بذلك علينا تامة، وأن دين الاسلام الذي ألزمنا الله تعالى اتباعه لانه هو الدين عنده عز وجل متميز عن غيره الذي لا يقبله الله تعالى من أحد، وأننا ولله الحمد قد هدانا الله تعالى له، وأننا على يقين من أنه الحق وما عداه هو الباطل، وهذا برهان ضروري قاطع على أنه كل ما قاله رسول الله (ص) في الدين، وفي بيان ما يلزمنا محفوظ لا يختلط به أبدا ما لم يكن منه وإن قالوا: بل كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم، وليس ذلك لنا ولا علينا كانوا قد قالوا الباطل وخصصوا خطاب الله تعالى بدعوى كاذبة، إذ خطابه تعالى بالآيات التي ذكرنا عموم لكل مسلم في الابد، ولزمهم مع هذه العظيمة أن دين الاسلام غير كامل عندنا، وأنه تعالى رضي لنا منه ما لم ينبته علينا، وألزمنا ما لا ندري أين نجده، أو ألزمنا ما لم ينزله، وافترض علينا اتباع ما كذبه الزنادقة والمستخفون، ووضعوه على لسان رسوله (ص)، أو وهم فيه الواهمون مما لم يقله نبيه (ص) وهذا بيقين ليس هو دين الاسلام، بل هو إبطال الاسلام جهارا، ولو كان هذا - وقد أمنا ولله الحمد أن يكون - لكان ديننا كدين اليهود والنصارى الذي أخبرنا الله تعالى أنهم كتبوا الكتاب وقالوا هو من عند الله.\rقال أبو محمد: حاشا لله من هذا، بل قد وثقنا بأن الله تعالى صدق في قوله فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه وأنه تعالى قد هذا نا للحق فصح يقينا أن كل ما قاله عليه السلام فقد هدانا الله تعالى له وأنه الحق المقطوع عليه، والعلم المتيقن الذى لا يمكن امتزاجه بالباطل أبدا.\rقال على: وقال بعضهم إذا انقطعت به الاسباب خبر الواحد يوجب علما ظاهرا قال أبو محمد: وهذا كلام لا يعقل، وما علمنا علما ظاهرا غير باطن، ولا علما باطنا، غير ظاهر، بل كل علم تيقن فهو ظاهر إلى من علمه وباطن في قلبه","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"معا.\rوكل ظن يتيقن فليس علما أصلا، لا ظاهرا ولا باطنا، بل هو ضلال وشك وظن محرم القول به في دين الله تعالى ونقول لهم: إذا جاز عندكم أن يكون كثير من دين الاسلام قد اختلط بالباطل، فما يؤمنكم إذ ليس محفوظا من أنه لعل كثيرا من الشرائع قد بطلت، لانها لم ينقلها أحد أصلا ؟ فإن منعوا من ذلك لزمهم المنع من اختلاطها بما ليس منها، لان ضمان حفظ الله تعالى يقتضي الامان من كل ذلك.\rوأيضا فإنه لا يشك أحد من المسلمين قطعا في أن كل ما علمه رسول الله (ص) أمته من شرائع الدين واجبها وحرامها ومباحها، فإنها سنة الله تعالى، وقد قال عز وجل ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا هذا نص كلامه تعالى.\rوقد قال تعالى لا تبديل لكلمات الله فلو جاز أن يكون ما نقله الثقات الذين افترض الله تعالى علينا قبول نقلهم والعمل به القول بأنه سنة الله تعالى وبيان نبيه عليه السلام يمكن في شئ منه التحويل أو التبديل، لكان إخبار الله تعالى بأنه لا يوجد لهما تبديل ولا تحويل كذبا، ولكانت كلماته كذبا، وهذا ما لا يجيزه مسلم أصلا، فصح يقينا لا شك فيه أن كل سنة سنها الله تعالى من الدين لرسوله (ص).\rوسنها رسوله عليه السلام لامته، فإنها لا يمكن في شئ منها تبديل ولا تحويل أبدا وهذا يوجب أن نقل الثقات في الدين يوجب العلم بأنه حق كما هو عند الله تعالى، وقولنا ولله الحمد.\rوأيضا: فإنهم مجمعون معنا على أن رسول الله (ص) معصوم من الله تعالى في البلاغ في الشريعة، وعلى تكفير من قال ليس معصوما في تبليغه الشريعة إلينا.\rفنقول لهم: اخبرونا عن الفضيلة بالعصمة التي جعلها الله تعالى لرسوله (ص) في تبليغه الشريعة التي بعث بها ؟ أهي له عليه السلام في إخباره الصحابة بذلك فقط ؟ أم هي باقية لما أتى به عليه السلام في بلوغه إلينا وإلى يوم القيامة ؟ فإن قالوا: بل هي له عليه السلام مع من شاهده خاصة لا في بلوغ الدين إلى من بعدهم.","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"قلنا لهم: إذا جوزتم بطلان العصمة في تبليغ الدين بعد موته عليه السلام، وجوزتم وجود الداخلة والفساد والبطلان والزيادة والنقصان والتحريف في الدين، فمن أين وقع لكم الفرق بين ما جوزتم من ذلك بعده عليه السلام ؟ وبين ما منعتم من ذلك في حياته منه عليه السلام ؟ فإن قالوا: لانه كان يكون عليه السلام غير مبلغ ما أمر به، ولا معصوم، والله تعالى يقول: * (يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) * قيل لهم: نعم وهذا التبليغ المعترض عليه - والذي هو فيه عليه السلام معصوم بإجماعكم معنا من الكذب والوهم - هو إلينا كما هو إلى الصحابة رضي الله عنهم ولا فرق، والدين لازم لنا كما هو لازم لهم سواء بسواء فالعصمة واجبة في التبليغ للديانة باقية مضمونة ولابد إلى يوم القيامة كما كانت قائمة عن الصحابة رضي الله عنهم سواء بسواء.\rومن أنكر هذا فقد قطع بأن الحجة علينا في الدين غير قائمة والحجة لا تقوم بما لا يدرى أحق هو أم باطل كذب ؟.\rثم نقول لهم وكذلك قال تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا فمن يقبل منه قد تبين الرشد\rمن الغى فإن اعوا إجماعا قلنا لهم من الكرامية من يقول انه عليه السلام غير معصوم في تبليغ الشريعة.\rفإن قالوا: ليس هؤلاء ممن يعد في الاجماع، قلنا: صدقتم، ولا يعد في الاجماع من قال: إن الدين غير محفوظ، وإن كثيرا من الشرائع ا لتي أنزل الله تعالى قد بطلت واختلطت بالباطل الموضوع والموهوم فيه اختلاطا لا يتميز معه الرشد من الغي ولا الحق من الباطل ولا دين الله تعالى من دين إبليس أبدا.\rفإن قالوا: بل الفضيلة بعصمة ما أتى النبي (ص) به من الدين باقية إلى يوم القيامة صاروا إلى الحق الذي هو قولنا ولله تعالى الحمد.\rفإن قالوا: فإنه صفة كل مخبر وطبيعته أن خبره يجوز فيه الصدق والكذب والخطأ، وقولكم بأن خبر الواحد العدل في الشريعة موجب للعلم إحالة لطبيعة الخبر وطبيعة المخبرين، وخرق لصفات كل ذلك وللعادة فيه.\rقلنا لهم: لا ينكر من الله تعالى إحالة ما شاء من الطبائع إذا صح البرهان بأنه فعل الله تعالى، والعجب من إنكاركم هذا مع","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"قولكم به بعينه في إيجابكم عصمة النبي (ص) من الكذب والوهم في تبليغه الشريعة، وهذا هو الذي أنكرتم بعينه، بل لم تقنعوا بالتناقض إذا أصبتم في ذلك وأخطأتم في منعكم من ذلك في خبر الواحد العدل، حتى أتيتم بالباطل المحض إذ جوزتم على جميع الامم موافقة الخطأ في إجماعها في رأيها، وذلك طبيعة في الكل وصفة لهم، ومنعتم من جواز الخطأ والوهم على ما ادعيتموه من إجماع الامة من المسلمين خاصة في اجتهادها في القياس، وحاشا لله أن تجمع الامة على الباطل - والقياس عين الباطل - فخرقتم بذلك العادة وأحلتم الطبائع بلا برهان لا سيما إن كان المخالف لنا من المرجئة القاطعين بأنه لا يمكن أن يكون يهودي ولا نصراني يعرف بقلبه أن الله تعالى حق.\rفإن هؤلاء أحالوا الطبائع بلا برهان ومنعوا من إحالتها إذا قام البرهان بإحالتها.\rفإن قالوا: فإنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الاخبار الشرعية التي قالها رسول الله (ص) معصومون في نقلها، وإن كل واحد منهم معصوم في نقله من تعمد الكذب ووقوع الوهم منه.\rقلنا لهم: نعم هكذا نقول، وبهذا نقطع ونبت.\rوكل عدل روى خبرا عن رسول الله (ص) في الدين أو فعله عليه السلام، فذلك الراوي معصوم من تعمد الكذب - مقطوع بذلك عند الله تعالى - ومن جواز الوهم فيه عليه إلا ببيان وارد - ولا بد - من الله تعالى ببيان ما وهم فيه، كما فعل تعالى بنبيه عليه السلام، إذ سلم من ركعتين ومن ثلاث واهما، لقيام البراهين التي قدمنا من حفظ جميع الشريعة وبيانها مما ليس منها، وقد علمنا ضرورة أن كل من صدق في خبر ما فإنه معصوم في ذلك الخبر من الكذب والوهم بلا شك فأي نكرة في هذا ؟.\rفإن قالوا: تعبدنا الله تعالى بحسن الظن به، وقال رسول الله (ص) إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي قلنا: ليس هذا من الحكم في الدين بالظن في شئ بل كله باب واحد لانه تعالى حرم علينا أن نقول عليه ما لا نعلم ونحن لا نعلم أيغفر لنا أم يعذبنا فوجب علينا الوقوف في ذلك والرجاء والخوف، وحرم علينا أن نقول عليه في الدين والتحريم والاباحة والايجاب ما لا نعلم، وبين لنا كل ما ألزمنا من ذلك فوجب القطع بكل ذلك كما وجب","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"القطع بتخليد الكفار في النار أو تخليد المؤمنين في الجنة، ولا فرق ولم يجز القول بالظن في شئ من ذلك كله.\rفإن قالوا: أنتم تقولون: إن الله تعالى أمرنا بالحكم بما شهد به العدل مع يمين الطالب وبما شهد به العدلان فصاعدا، وبما حلف عليه المدعى عليه، إذا لم يقم المدعي بينة في إباحة الدماء المحرمة، والفروج المحرمة، والابشار المحرمة،\rوالاموال المحرمة، وكل ذلك بإقراركم ممكن أن يكون في باطن الامر بخلاف ما شهد به الشاهد، وما حلف عليه الحالف، وهذا هو الحكم بالظن الذي أنكرتم علينا في قولنا في خبر الواحد ولا فرق.\rقلنا لهم وبالله التوفيق: بين الامرين فروق واضحة كوضوح الشمس.\rأحدهما: أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين وإكماله، وتبينه من الغي ومما ليس منه.\rولم يتكفل تعالى قط بحفظ دمائنا، ولا بحفظ فروجنا، ولا بحفظ أبشارنا ولا بحفظ أموالنا في الدنيا.\rبل قدر تعالى بأن كثيرا من كل ذلك يؤخذ بغير حق في الدنيا.\rوقد نص على ذلك رسول الله (ص) إذ يقول: إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار وبقوله عليه السلام للمتلاعنين: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب أو كما قال عليه السلام في كل ذلك.\rوالفرق الثاني: أن حكمنا بشهادة الشاهد وبيمين الحالف، ليس حكما بالظن كما زعموا، بل نحن نقطع ونبت بأن الله عز وجل افترض علينا الحكم بيمين الطالب مع شهادة العدل، وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم بينة، وبشهادة العدل والعدلين والعدول عندنا، وإن كانوا في باطن أمرهم كذابين أو واهمين والحكم بكل ذلك حق عند الله تعالى، وعندنا مقطوع على غيبه، برهان ذلك: أن حاكما لو تحاكم إليه اثنان ولا بينة للمدعي، فلم يحكم للمدعى عليه باليمين، أو شهد عنده عدلان فلم يحكم بشهادتهما.\rفإن ذلك الحاكم فاسق عاص لله عز وجل، مجرح الشهادة ظالم، سواء كان المدعى عليه مبطلا في إنكاره أو محقا، أو كان","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"الشهود كذبة أو واهمين أو صادقين، إذا لم يعلم باطن أمرهم.\rونحن مأمورون يقينا بأمر الله عز وجل لنا بأن نقتل هذا البرئ المشهود عليه بالباطل، وأن نبيح هذ البشرة المحرمة، وهذا المال الحرام المشهود فيه بالباطل، وحرم على المبطل أن يأخذ شيئا من ذلك.\rوقضى ربنا بأننا إن لم نحكم بذلك فإننا في الدين فساق عصاة له تعالى ظلمه متوعدون بالنار على ذلك وما أمرنا تعالى قط بأن نحكم في الدين بخبر وضعه فاسق أو وهم فيه واهم.\rوقال تعالى: فهذا فرق في غاية البيان.\rوفرق ثالث، وهو أن نقول: إن الله تعالى افترض علينا أن نقول في جميع الشريعة: قال رسول الله (ص).\rوأمرنا الله تعالى بكذا، لانه تعالى يقول: * وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وما آتاكم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا ففرض علينا أن نقول: نهانا الله تعالى ورسول (ص) عن كذا، وأمرنا بكذا، ولم يأمرنا تعالى قط أن نقول: شهد هذا بحق، ولا حلف هذا الجانب على حق، ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق له يقينا، ولا قال تعالى ما قال هذا الشاهد، لكن الله تعالى قال لنا: احكموا بشهادة العدول، وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم عليه بينة، وهذا فرق لا خفاء به فلم نحكم بالظن في شئ من كل ذلك أصلا ولله الحمد، بل بعلم قاطع، ويقين ثابت أن كل ما حكمنا به مما نقله العدل عن العدل إلى رسول الله (ص) فحق من عند الله تعالى أوحى به ربنا تعالى، مضاف إلى رسول الله (ص) محكي عنه أنه قال وكل ما حكمنا فيه بشهادة العدول عندنا فحق مقطوع به من عند الله تعالى لانه أمرنا بالحكم به، ولم يأمرنا بأن نقول فيما شهدوا به، وما حلف به الحالف أنه من عند الله تعالى، ولا أنه حق مقطوع به، فإن قالوا: إنما قال تعالى: إن بعض الظن إثم ولم ولم يقل كل الظن إثم.\rقلنا: قد بين الله تعالى الاثم من البر وهو أن القول عليه تعالى بما لا نعلم حرام، فهذا من الظن الذي هو إثم بلا شك.\rقال علي: فلجأت المعتزلة إلى الامتناع من الحكم بخبر الواحد، للدلائل التي ذكرنا، وظنوا أنهم تخلصوا بذلك ولم يتخلصوا، بل كل ما لزم غيرهم مما ذكرنا هو ملازم لهم، وذلك أننا نقول لهم أخبرونا عن الاخبار التي رواها الآحاد أهي كلها","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"حق إذا كانت من روا ية الثقات خاصة ؟ أم كلها باطل ؟ أم فيها حق وباطل ؟ فإن قالوا: فيها حق وباطل وهو قولهم.\rقلنا لهم: هل يجوز أن تبطل شريعة أوحى الله تعالى بها إلى نبيه (ص) ليبينها لعباده حتى يختلط بكذب وضعه فاسق ونسبه إلى النبي (ص)، أو وهم فيها واهم فيختلط الحق المأمور به مع الباطل المختلق اختلاطا لا يتميز به الحق من الباطل أبدا لاحد من الناس، وهل الشرائع الاسلامية كلها محفوظة لازمة لنا أو هي غير محفوظة، ولا كلها لازم لنا، بل قد سقط منها بعد رسول الله (ص) كثير، وهل قامت الحجة علينا لله تعالى فيما افترض من الشرائع بأنها بينة لنا متميزة مما لم يأمرنا به، أو لم تقم لله تعالى علينا حجة في الدين لان كثيرا منه مختلط بالكذب غير متميز منها أبدا ؟.\rفإن أجازوا اختلاط شرائع الدين التي أوحى الله تعالى إلى نبيه (ص) بما ليس في الدين، وقالوا: لم تقم لله تعالى علينا حجة فيما أمرنا به.\rدخل عليهم في القول بفساد الشريعة، وذهاب الاسلام، وبطلان ضمان الله تعالى بحفظ الذكر كالذي دخل على غيرهم حرفا بحرف، سواء بسواء، ولزمهم أنهم تركوا كثيرا من الدين الصحيح كما لزم غيرهم سواء بسواء، أنهم يعملون بما ليس من الدين، وأن النبي (ص) قد بطل بيانه، وأنه حجة الله تعالى بذلك لم تقم علينا سواء بسواء، وفي هذا ما فيه.\rفإن لجأوا إلى الاقتصار على خبر التواتر، لم ينفكوا بذلك من أن كثيرا من الدين قد بطل لاختلاطه بالكذب الموضوع، وبالموهوم فيه، ومن جواز أن يكون\rكثير من شرائع الاسلام لم ينقل إلينا، إذ قد بطل ضمان حفظ الله تعالى فيها، وأيضا فإنه لا يعجز أحد أن يدعي في أي خبر شاء أنه منقول نقل التواتر، بل أصحاب الاسناد أصح دعوى في ذلك، لشهادة كثرة الرواة وتغير الاسانيد لهم بصحة قولهم في نقل التواتر وبالله تعالى التوفيق.\rفإن لجأ لاجئ إلى أن يقول بأن كل خبر جاء من طريق الآحاد الثقات، فإنه كذب موضوع ليس منه شئ قاله قط رسول الله (ص)، وقلنا وبالله تعالى التوفيق: هذه مجاهرة ظاهرة، ومدافعة لما نعلم بالضرورة خلافه، وتكذيب لجميع الصحابة أولهم عن آخرهم، ولجميع فضلاء التابعين، ولكل إنسان","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"من العلماء جيلا بعد جيل، لان كل ما ذكرنا رووا الاخبار عن النبي (ص) بلا شك من أحد، واحتج بها بعضهم على بعض، وعملوا بها، وأفتوا بها في دين الله تعالى وهذا اطراح للاجماع المتيقن، وباطل لا تختلف النفوس فيه أصلا، لانا بالضرورة ندري أنه لا يمكن البتة في البنية أن يكون كل من ذكرنا لم يصدق قط في كلمة رواها، بل كلهم وضعوا كل ما رووا.\rوأيضا ففيه إبطال الشرائع التي لا يشك مسلم ولا غير مسلم في أنها ليست في القرآن مبينة كالصلاة، والزكاة، والحج، وغير ذلك، وأنه إنما أخذ بيانها من كلام رسول الله (ص)، وفي هذا القطع بأن كل صاحب من الصحابة، روى عن رسول الله (ص) فإنه هو الواضع، والمخترع للكذب عن رسول الله (ص) فيه، ولا يشك أحد على وجه الارض في أن كل صاحب من الصحابة قد حدث عن النبي (ص) أهله وجيرانه، وفي هذا إثبات وضع الشرائع على جميعهم، أولهم عن آخرهم، وما بلغت الروافض والخوارج قط هذا المبلغ، مع أنها دعوى بلا برهان،\rوما كان كذلك فهو باطل بيقين، في ثلاثة أقوال كما ترى لا رابع لها.\rإما أن يكون كل خبر نقله العدل عن العدل مبلغا إلى رسول الله (ص) كذبا كلها أولها عن آخرها موضوعة بأسرها، وهذا باطل بيقين كما بينا، وإيجاب أن كل صاحب وتابع وعالم - لا نحاشي أحدا - قد اتفقوا على وضع الشرائع والكذب فيها على رسول الله (ص)، وهذا انسلاخ عن الاسلام، أو يكون فيها حق وفيها باطل إلا أنه لا سبيل إلى تمييز الحق منها من الباطل لاحد أبدا، وهذا تكذيب لله تعالى في إخباره بحفظ الذكر المنزل، وبإكماله الدين لنا، وبأنه لا يقبل منا إلا دين الاسلام لا شيئا سواه.\rوفيه أيضا فساد الدين واختلاطه بما لم يأمر به تعالى قط به، وأنه لا سبيل لاحد في العالم إلى أن يعرف ما أمره الله تعالى به في دينه مما لم يأمره به أبدا، وأن حقيقة الاسلام وشرائعه قد بطلت بيقين، وهذا انسلاخ عن الاسلام.\rأو أنها كلها حق مقطوع على غيبها عند الله تعالى، موجبة كلها للعلم، لاخبار الله","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"تعالى بأنه حافظ لما أنزل من الذكر، ولتحريمه تعالى الحكم في الدين بالظن والقول عليه بما لا علم لنا به، ولاخباره تعالى بأنه قد بين الرشد من الغي، وليس الرشد إلا ما أنزله الله تعالى على لسان نبيه (ص)، وفي فعله، وليس الغي إلا ما لم ينزله الله تعالى على لسان نبيه (ص)، وهذا قولنا والحمد لله رب العالمين قال علي: فإذا قد صح هذا القول بيقين، وبطل كل ما سواه، فلنتكلم بعون الله تعالى على تقسيمه فنقول وبالله تعالى نتأيد: إننا قد أمنا ولله الحمد أن تكون شريعة أمر بها رسول الله (ص)، أو ندب إليها أو فعلها عليه السلام، فتضيع ولم تبلغ إلى أحد من أمته إما بتواتر أو بنقل الثقة عن الثقة، حتى تبلغ إليه (ص)، وأمنا أيضا قطعا أن يكون الله تعالى يفرد بنقلها من لا تقوم الحجة بنقله من العدول،\rوأمنا أيضا قطعا أن تكون شريعة يخطئ فيها راويها الثقة، ولا يأتي بيان جلي واضح بصحة خطئه فيه وأمنا أيضا قطعا أو يطلق الله عز وجل من قد وجبت الحجة علينا بنقله على وضع حديث فيه شرع يسنده إلى من تجب الحجة بنقله، حتى يبلغ به إلى رسول الله (ص)، وكذلك نقطع ونثبت بأن كل خبر لم يأت قط إلا مرسلا، أو لم يروه قط إلا مجهول أو مجرح ثابت الجرحة، فإنه خبر باطل بلا شك موضوع لم يقله رسول الله (ص) إذ لو جاز أن يكون حقا لكان ذلك شرعا صحيحا غير لازم لنا، لعدم قيام الحجة علينا فيها.\rقال علي: وهذا الحكم الذي قدمنا إنما هو فيما نقله من اتفق على عدالته كالصحابة وثقات التابعين ثم كشعبة وسفيان وسفيان ومالك وغيرهم، من الائمة في عصرهم وبعدهم إلينا وإلى يوم القيامة، وفي كل من ثبتت جرحته كالحسن بن عمارة وجابر الجعفي وسائر المجرحين الثابتة جرحتهم، وأما من اختلف فيه فعدله قوم وجرحه آخرون، فإن ثبتت عندنا عدالته قطعنا على صحة خبره، وإن ثبتت عندنا جرحته قطعنا على بطلان خبره، وإن لم يثبت عندنا شئ من ذلك وقفنا في ذلك، وقطعنا ولا بد حتما على أن غيرنا لا بد أن يثبت عنده أحد","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"الامرين فيه، وليس خطؤنا نحن إن أخطأنا، وجهلنا إن جهلنا، حجة على وجوب ضياع دين الله تعالى، بل الحق ثابت معروف عند طائفة وإن جهلته أخرى، والباطل كذلك أيضا، كما يجهل قوم ما نعلمه نحن أيضا، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ولا يصح الخطأ في خبر الثقة إلا بأحد ثلاثة أوجه: إما تثبت الراوي واعترافه بأنه أخطأ فيه، وإما شهادة عدل على أنه سمع الخبر مع راويه فوهم فيه فلان، وإما بأن توجب المشاهدة بأنه أخطأ.\rقال علي: وكذلك نقطع ونبت في كل خبرين صحيحين متعارضين، وكل\rآيتين متعارضتين، وكل آية وخبر صحيح متعارضين، وكل اثنين متعارضين، لم يأت نص بين بالتناسخ منهما، فإن الحكم الزائد على الحكم المتقدم من معهود الاصل هو الناسخ، وأن الموافق لمعهود الاصل المتقدم، وهو المنسوخ قطعا يقينا للبراهين التي قدمنا من أن الدين محفوظ، فلو جاز أن يخفى فيه ناسخ من منسوخ، أو أن يوجد عموم لا يأتي نص صحيح بتخصيصه، ويكون المراد به الخصوص، لكان الدين غير محفوظ، ولكانت الحجة غير قائمة على أحد في الشريعة، ولكنا متعبدين بالظن الكاذب المحرم، بل بالعمل بما لم يأمر الله تعالى قط به، وهذا باطل مقطوع على بطلانه قال علي: فإن وجد لنا يوما غير هذا فنحن تائبون إلى الله تعالى منه، وهي وهلة نستغفر الله عز وجل منها، وإنا لنرجو ألا يوجد لنا ذلك بمن الله تعالى ولطفه.\rصفة من يلزم قبوله نقل الاخبار قال أبو محمد: واستدركنا برهانا في وجوب قبول الخبر الواحد قاطعا، وهو خبر الله تعالى عن موسى عليه السلام إذ جاءه: * (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يموسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) فخرج منها خائقا يترقب (إلى قوله تعالى إن يدعوك ليجزيك أجر ما سبقت لنا (إلى قوله تعالى إنى أريد أن أنكحك إحدى ابتنى هالتين على أن تأحرنى ثمانى حجج","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"إلى آخر القصة، فصدق موسى عليه السلام قول المنذر له، وخرج عن وطنه بقوله، وصوب الله تعالى ذلك من فعله، وصدق قول المرأة التي أباها يدعوه فمضى معها، وصدق أباها في قوله إنها ابنته، واستحل نكاحها وجماعها بقوله وحده، وصوب الله ذلك كله، فصح يقينا ما قلنا بأن خبر الواحد ما يضطر إلى تصديقه\rيقينا.\rوالحمد لله رب العالمين.\rقال علي: وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا وجوب قبول نذارة العدل النافر للتفقه في الدين، فإذا كان الراوي عدلا حافظا لما تفقه فيه، أو ضابطا له بكتابه وجب قبول نذارته، فإن كان كثير الغلط والغفلة غير ضابط بكتابه، فلم يتفقه فيما نفر للتفقه فيه، وإذا لم يتفقه فليس ممن أمرنا بقبول نذارته، ومن جهلنا حاله فلم ندر أفاسق هو أم عدل، وأغافل هو أم حافظ أو ضابط ؟ ففرض علينا التوقف عن قبول خبره حتى يصح عندنا فقهه وعدالته وضبطه أو حفظه فيلزمنا حينئذ قبول نذارته، أو تثبت عندنا جرحته، أو قلة حفظه وضبطه فيلزمنا اطراح خبره حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا أبو عامر الاشعري، ثنا أبو أسامة هو حماد بن أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي (ص) أنه قال: إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلا والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلا.\r(فذلك مثل) من فقه في دين الله بما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به.\rوحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا محمد بن العلاء، ثنا حماد بن أسامة عن يزيد، فذكره","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"بإسناده ولفظه، إلا أنه قال مكان طيبة: نقية، ومكان غيث: الغيث الكثير،\rومكان ورعوا: وزرعوا، ومكان فقه: تفقه، ومكان قيعان: قيعة، واتفقا في كل ما عدا ذلك.\rقال علي: وليس اختلاف الروايات عيبا في الحديث إذا كان المعنى واحدا، لان النبي (ص) صح عنه أنه إذا كان يحدث بحديث كرره ثلاث مرات، فنقل كل إنسان بحسب ما سمع فليس هذا الاختلاف في الروايات مما يوهن الحديث إذا كان المعنى واحدا.\rقال علي: فقد جمع رسول الله (ص) في هذا الحديث مراتب أهل العلم دون أن يشذ منها شئ، فالارض الطيبة النقية هي مثل الفقيه الضابط لما روى، الفهم للمعاني التي يقتضيها لفظ النص، المتنبه على رد ما اختلف فيه الناس إلى نص حكم القرآن وسنة رسول الله (ص)، وأما الاجادب، الممسكة للماء التي يستقي منها الناس، فهي مثل الطائفة التي حفظت ما سمعت أو ضبطته بالكتاب وأمسكته، حتى أدته إلى غيرها غير مغير، ولم يكن لها تنبه على معاني ألفاظ ما روت، ولا معرفة بكيفية رد ما اختلف الناس فيه إلى نص القرآن والسنن التي روت، لكن نفع الله تعالى بهم في التبليغ فبلغوه إلى من هو أفهم بذلك فقد أنذر رسول الله (ص) بهذا إذ يقول: فرب مبلغ أوعى من سامع، وكما روي عنه عليه السلام أنه قال: فرب حامل فقه ليس بفقيه.\rقال أبو محمد: فمن لم يحفظ ما سمع ولا ضبطه، فليس مثل الارض الطيبة ولا مثل الاجادب الممسكة للماء بل هو محروم معذور أو مسخوط بمنزلة القيعان التي لا تنبت الكلا ولا تمسك الماء وفي هذا كفاية بيان، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: فمن استطاع منكم فليكن من أمثال الارض الطيبة، فإن حرم ذلك فمن الاجادب وليس بعد ذلك درجة في الفضل والبسوق، ونعوذ بالله من أن نكون من القيعان، لكن من استقى من الاجادب ورعى من الطيبة فقد نجا، وبالله التوفيق.\rقال علي: فإذا روى العدل عن مثله كذلك خبرا حتى يبلغ به النبي (ص) فقد وجب الاخذ به، ولزمت طاعته والقطع به، سواء أرسله غيره أو أوقفه سواه، أو رواه كذاب من الناس، وسواء روي من طريق أخرى أو لم","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"يرو إلا من تلك الطريق، وسواء كان ناقله عبدا أو امرأة أو لم يكن، وإنما الشرط العدالة والتفقه فقط، وإن العجب ليكثر من قوم من المدعين أنهم قائلون بخبر الواحد، ثم يعللون ما خالف مذاهبهم من الاحاديث الصحاح بأن يقولوا: هذا مما لم يروه إلا فلان، ولم يعرف له مخرج من غير هذا الطريق.\rقال أبو محمد: وهذا جهل شديد وسقوط مفرط، لانهم قد اتفقوا معنا على وجوب قبول خبر الواحد والاخذ به، ثم هم دأبا يتعللون في ترك السنة بأنه خبر واحد، والعجب أنهم يأخذون بذلك إذا اشتهوا، فهذا محمد بن مسلم الزهري له نحو تسعين حديثا انفرد بها عن النبي (ص)، لم يروها أحد من الناس سواه، ليس أحد من الائمة إلا وله أخبار انفرد بها، ما تعلل أحد من هؤلاء المحرمون في رد شئ منها بذلك، فليت شعري ما الفرق بين من قبلوا خبره ولم يروه أحد معه، وبين من ردوا خبره لانه لم يروه أحد معه، وهل في الاستخفاف بالسنن أكثر من هذا ؟.\rوأيضا فإن الخبر وإن روي من طرق ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك فهو كله خبر واحد، من أثبت شيئا من ذلك أثبت خبر الواحد، ومن نفى خبر الواحد نفى كل ذلك، لان العلة عندهم في كل ذلك واحدة، وهي أن كل ما لا يضطر إلى التصديق عندهم ولم يوجب القطع على صحة مغيبة لديهم، فهو خبر واحد، وهذه عندهم صفة كل ما لم ينقل بالتواتر، فقد تركوا مذهبهم وهم لا يشعرون، أو يشعرون ويتعمدون، وهذه أسوأ وأقبح، ونعوذ بالله من الخذلان.\rقال علي: وأما المدلس فينقسم إلى قسمين: أحدهما: حافظ عدل ربما أرسل حديثه، وربما أسنده، وربما حدث به على سبيل المذاكرة أو الفتيا أو المناظرة، فلم يذكر له سندا، وربما اقتصر على ذكر بعض رواته دون بعض، فهذا لا يضر ذلك سائر رواياته شيئا، لان هذا ليس جرحة ولا غفلة، لكنا نترك من حديثه ما علمنا يقينا أنه أرسله وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه ما لم نوقن فيه شيئا من ذلك.\rوسواء قال: أخبرنا فلان، أو قال: عن فلان، أو قال: فلان عن فلان كل ذلك واجب قبوله، ما لم يتيقن أنه أورد حديثا بعينه إيرادا غير مسند، فإن أيقنا","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط وأخذنا سائر رواياته.\rوقد روينا عن عبد الرزاق بن همام قال: كان معمر يرسل لنا أحاديث، فلما قدم عليه عبد الله بن المبارك أسندها له وهذا النوع منهم كان جلة أصحاب الحديث وأئمة المسلمين كالحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة بن دعامة، وعمرو بن دينار، وسليمان الاعمش، وأبي الزبير، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وقد أدخل علي بن عمر الدار قطني فيهم مالك بن أنس، ولم يكن كذلك ولا يوجد له هذا إلا في قليل من حديثه أرسله مرة وأسنده أخرى.\rوقسم آخر: قد صح عنهم إسقاط من لا خير فيه من أسانيدهم عمدا، وضم القوي إلى القوي تلبيسا على من يحدث، وغرورا لم يأخذ عنه، ونصرا لما يريد تأييده من الاقوال، مما لو سمى من سكت عن ذكره لكان ذلك علة ومرضا في الحديث، فهذا رجل مجرح، وهذا فسق ظاهر واجب اطراح جميع حديثه، صح أنه دلس فيه أو لم يصح أنه دلس فيه، وسواء قال سمعت أو أخبرنا أو لم يقل، كل ذلك مردود غير مقبول لانه ساقط العدالة، غاش لاهل الاسلام\rباستجازته ما ذكرناه، ومن هذا النوع كان الحسين بن عمارة وشريك بن عبد الله القاضي، وغيرهما.\rقال علي: ومن صح أنه قبل التلقين ولو مرة سقط حديثه كله لانه لم يتفقه في دين الله عز وجل، ولا حفظ ما سمع، وقد قال عليه السلام: نضر الله امرأ سمع منا حديثا حفظه حتى بلغه غيره فإنما أمر عليه السلام بقبول تبليغ الحافظ، والتلقين هو أن يقول له القائل: حدثك فلان بكذا، ويسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه، فيقول نعم، فهذا لا يخلو من أحد وجهين ولا بد من أحدهما ضرور، إما أن يكون فاسقا يحدث بما لم يسمع، أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهن العقل المدخول الذهن، ومثل هذا لا يلتفت له لانه ليس من ذوي الالباب، ومن هذا النوع كان سماك بن حرب، أخبر بأنه شاهد ذلك منه شعبة الامام الرئيس ابن الحجاج.\rقال علي: ومما غلط فيه بعض أصحاب الحديث أنه قال: فلان يحتمل في الرقائق ولا يحتمل في الاحكام.","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"قال أبو محمد: وهذا باطل لانه تقسيم فاسد لا برهان عليه، بل البرهان يبطله وذلك أنه لا يخلو كل أحد في الارض من أن يكون فاسقا أو غير فاسق، فإن كان غير فاسق كان عدلا، ولا سبيل إلى مرتبة ثالثة، فالعدل ينقسم إلى قسمين: فقيه وغير فقيه، فالفقيه العدل مقبول في كل شئ، والفاسق لا يحتمل في شئ، والعدل غير الحافظ لا تقبل نذارته خاصة في شئ من الاشياء، لان شرط القبول الذي نص الله تعالى عليه ليس موجودا فيه، ومن كان عدلا في بعض نقله، فهو عدل في سائره، ومن المحال أن يجوز قبول بعض خبره، ولا يجوز قبول سائره إلا بنص من الله تعالى أو إجماع في التفريق بين ذلك، وإلا فهو تحكم\rبلا برهان، وقول بلا علم، وذلك لا يحل.\rقال علي: وقد غلط أيضا قوم آخرون منهم، فقالوا: فلان أعدل من فلان وراموا بذلك ترجيح خبر الاعدل على من هو دونه في العدالة.\rقال علي: وهذا خطأ شديد، وكان يكفي من الرد عليهم أن نقول لهم: إنهم أبرك الناس لذلك، وفي أكثر أمرهم يأخذون بما روى الاول عدالة ويتركون ما روى الاعدل، ولعلنا سنورد من ذلك طرفا صالحا إن شاء الله تعالى، ولكن لا بد لنا بمشيئة الله تعالى من إبطال هذا القول بالبرهان الظاهر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rفأول ذلك: أن الله عز وجل لم يفرق بين خبر عدل، وخبر عدل آخر أعدل من ذلك، ومن حكم في الدين بغير أمر من الله عز وجل، أو من رسوله عليه السلام، أو إجماع متيقن مقطوع به منقول عن رسول الله (ص) فقد قفا ما ليس له به علم، وفاعل ذلك عاص لله عز وجل، لانه قد نهاه تعالى عن ذلك، وإنما أمر تعالى بقبول نذارة النافر الفقيه العدل فقط، وبقبول شهادة العدول فقط، فمن زاد حكما فقد أتى بما لا يجوز له، وترك ما لم يأمره الله تعالى بتركه، وغلب ما لم يأمره الله عز وجل بتغليبه.\rقال علي: وأيضا فقد يعلم الاقل عدالة ما لا يعلمه من هو أتم منه عدالة، وقد جهل أبو بكر وعمر ميراث الجدة، وعلمه المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة وبينهما وبين أبي بكر وعمر بون بعيد إلا أنهم كلهم عدول، وقد رجع أبو بكر إلى","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"خبر المغيرة في ذلك، ورجع عمر إلى خبر مخبر أخبره عن أملاص المرأة، ولم يكن ذلك عند عمر، وذلك المخبر بينه وبين عمر في العدالة درج، وأيضا فإن كل ما يتخوفمن العدل فإنه متخوف من أعدل من في الارض بعد رسول الله\r(ص)، وأيضا فلو شهد أبو بكر وحده، ما قبل قبولا لا يوجب الحكم بشهادته، ولو شهد عدلان من عرض الناس قبلا، فلا معنى للاعدل.\rوأيضا فإن العدالة إنما هي التزام العدل، والعدل هو القيام بالفرائض واجتناب المحارم والضبط لما روى وأخبر به فقط، ومعنى قولنا فلان أعدل من فلان أي أنه أكثر نوافل في الخبر فقط، وهذه صفة لا مدخل لها في العدالة، إذ لو انفردت من صفة العدالة التي ذكرنا لم يكن فضلا ولا خيرا.\rفاسم العدالة مستحق دونهما كما هو مستحق معها سواء بسواء ولا فرق، فصح أنه لا يجوز ترجيح رواية على أخرى، ولا ترجيح شهادة على أخرى، بأن أحد الراوين أو أحد الشاهدين أعدل من الآخر، وهذا الذي تحكموا به إنما هو من باب طيب النفس، وطيب النفس باطل لا معنى له، وشهوة لم يأذن بها الله تعالى ولا رسوله (ص)، وإنما هو حق - فسواء طابت النفس عليه أو كرهته - فهو حرام عليها، وهذا من باب اتباع الهوى، وقد حرم الله تعالى ذلك، قال عز وجل: * (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى) *، وقال تعالى: * (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله فمن حكم في دين الله عز وجل بما استحسن وطابت نفسه عليه دون برهان من نص ثابت أو إجماع، فلا أحد أضل منه وبالله تعالى نعوذ من الخذلان.\rإلا من جهل ولم تقم عليه ججة، فلخطأ لا ينكر، وهو مخذور مأجور ولكن من بلغه البيان وقامت عليه الحجة فتماد على هواه فهو فاسق عاص لله عز وجل.\rقال علي: ووجدنا الله تعالى لم يرض في القبول في الشهادة بزنى الامة إلا أربعة","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"عدول لا أقل، وإنما في ذلك خمسون جلدة وتغريب نصف عام، ووجدنا كما قد وافقتمونا على القبول في إباحة دم المسلم ودماء الجماعة باثنين، وكذلك في القذف والقطع، فأين طيب النفس ههنا.\rفبهذا وغيره يجب قبول ما قام الدليل عليه،\rوسواء طابت عليه النفس أو لم تطب.\rقال علي: والمرأة والرجل والعبد في كل ما ذكرنا سواء، ولا فرق ولم يخص تعالى عدلا من عدل، ولا رجلا من امرأة ولا حرا من عبد.\rقال علي: وبما ذكرنا ههنا يبطل قول من قال: هذا الحديث لم يرو من غير هذا الوجه ثم قال: إنما طلبنا كثرة الرواة على استطابة النفس، فإن اعترضوا بقول إبراهيم عليه السلام إذ يقول: رب أرنى كيف تحيى الموتى الآية قيل لهم: أفترون يقين الخليل عليه السلام كان مدخولا قبل أن يرى إحياء الطير فإن قلتم هذا كفرتم ولو لم يره الله تعالى ذلك - كما لم ير موسى ما سأل - ما تخالج إبراهيم شك في صحة إحياء الله تعالى الموتى، وكذلك نحن إن وجدنا الحديث مرويا من طرق كان ذلك أبلغ أن الحجة عند المخالف فقط وإن عدمناه فقد لزمنا القبول لنقل الواحد بالحجاج التي قدمنا، وبينا على أي وجه طلب إبراهيم ما طلب في كتابنا في الملل والنحل.\rقال علي: ومن عدله عدل وجرحه عدل فهو ساقط الخبر، والتجريح يغلب التعديل، لانه علم زائد عند المجرح لم يكن عند المعدل، وليس هذا تكذيبا للذي عدل بل هو تصديق لهما معا، فإن قال قائل: فهلا قلتم بل عند المعدل علم لم يكن عند المجرح ؟ قيل له: كذلك نقول ونصدق كل واحد منهما، فإذا صح خبرهما معا عليه فلا خلاف في أن كل من جمع عدالة ومعصية فأطاع في قصة وصلى وصام، وزكى وفسق في أخرى وزنى أو شرب الخمر أو أتى كبيرة أو جاهر بصغيرة، فإنه فاسق عند جميع الامة بلا خلاف، ولا يقع عليه اسم عدل، ولو لم يفسق إلا من تمحص الشر ولا يعمل شيئا من الخير لما فسق مسلم أبدا، لان توحيده خير وفضل وإحسان وبر، وفي صحة القول بأن فينا عدولا وفساقا بنص القرآن، ورضا وغير رضا، بيان ما قلنا، ولو أخذنا بالتعديل وأسقطنا التجريح لكنا قد\rكذبنا المجرح وذلك غير جائز، وهكذا القول في الشهادة ولا فرق.","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"قال علي: ولا يقبل في التجريح قول أحد إلا حتى يبين وجه تحريمه، فإن قوما جرحوا آخرين بشرب الخمر، وإنما كانوا يشربون النبيذ المختلف فيه بتأويل منهم أخطؤوا فيه، ولم يعلموه حراما ولو علموه مكروها فضلا عن حرام ما أقدموا عليه ورعا وفضلا، منهم الاعمش وإبراهيم وغيرهما من الائمة رضي الله عنهم، وهذا ليس جرحة لانهم مجتهدون طلبوا الحق فأخطؤوه.\rولا يكون الجرح في نقلة الاخبار إلا بأحد أربعة أوجه لا خامس لها: الاقدام على كبيرة قد صح عند المقدم عليها بالنص الثابت أنها كبيرة.\rالثاني: الاقدام على ما يعتقد المرء حراما وإن كان مخطئا فيه قبل أن تقوم الحجة عليه بأنه مخطئ.\rوالثالث: المجاهرة بالصغائر التي صح عند المجاهر بها بالنص أنها حرام، وهذه الاوجه الثلاثة هي جرحه في نقلة الاخبار وفي الشهود، وفي جميع الشهادات في الاحكام وهذه صفات الفاسق بالنص وبإجماع من المخالفين لنا، وإنما أسقطنا المستتر بالصغائر للحديث الصحيح في الذي قبل امرأة فأخبره عليه السلام أن صلاته كفرت ذلك عنه ولقوله عز وجل: * (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) *) فمن غفر الله له فحرام علينا أن نثبت عليه ما قد غفر الله تعالى له.\rوكذلك التائب من الكبائر ومن الكفر أيضا فهو عدل وليس هذا من باب ثبات الحد عليه في شئ لان الملامة ساقطة عن التائب، والحد عنه غير ساقط على حديث ماعز، فإن النبي (ص) رجمه بعد توبته وأمر بالاستغفار له ونهى عن سبه وإنما قلنا: إن المجاهرة بالصغائر جرحة للاجماع المتيقن على ذلك، والنص الوارد من الامر بإنكار المنكر، والصغائر من المنكر\rلان الله تعالى أنكرها وحرمها ونهى عنها، فمن أعلن بها فهو من أهل المنكر فقد استحق التغيير عليه بقول رسول الله (ص): من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان ومن كان من أهل المنكر في الدين فهو فاسق لان المنكر فسق والفاسق لا يقبل خبره.\rوصح بما قدمنا أن المستتر بالصغائر ليس صاحبه فاسقا ولا يجب التغيير","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"عليه، ولا الانكار عليه، لانه لم ير منه ما يلزمنا فيه تغيير ولا إنكار ولا تعزير، ولو أن امرأ شهد على آخر بأنه يتستر بالصغائر لكانت شهادة الشاهد عليه بذلك مردودة وكان ملوما، ولم يجز أن يقدح ذلك في شهادة المستتر بها لوجهين: أحدهما أنه لا ينجو أحد من ذنب صغير.\rوالثاني أنه معفو عنه، ولو شهد على أحد أنه يستتر بكبيرة لقبلت شهادته عليه، ولردت شهادة المستتر بها لانها ليست مغفورة إلا بالتوبة، أو برجوح الميزان عند الموازنة يوم القيامة.\rقال علي: والوجه الرابع ينفرد به نقلة الاخبار دون الشهود في الاحكام وهو ألا يكون المحدث إلا فقيها فيما روى أي حافظا، لان النص الوارد في قبول نذارة النافر للتفقه إنما هو بشرط أن يتفقه في العلم، ومن لم يحفظ ما روى فلم يتفقه، وإذا لم يتفقه فليس ممن أمرنا بقبول نذارته، وليس ذلك في الشهادة، لان الشرط في الشهادة إنما هي العدالة فقط بنص القرآن، فلا يضر الشاهد أن يكون معروفا بالغفلة والغلط، ولا يسقط ذلك شهادته إلا أن تقوم بينة بأنه غلط في شهادة ما، فتسقط تلك التي غلط فيها فقط، ولا يضر ذلك شهادته في غيرها، لا قبل الشهادة ولا بعدها، بل هو مقبول أبدا، ولا يحل لاحد أن يزيشرطا لم يأت به الله تعالى، فقد قال عليه السلام: كل شرط ليس\rفي كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط.\rفمن شرط في العدل في الشهادة خاصة أن يكون غير معروف بالغلط، فقد زاد شرطا ليس في كتاب الله عز وجل، فهو مبطل فيه والتدليس الذي ذكرنا أنه يسقط العدالة هو إحدى الكبائر، لقول رسول الله (ص): من غشنا فليس منا ولا غش في الاسلام أكبر من إسقاط الضعفاء من سند حديث ليوقع الناس في العمل به وهو غير صحيح، ولقوله عليه السلام: الدين النصيحة وواجب ذلك لله تعالى ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم، ومن دلس التدليس الذي ذممنا، فلم ينصح لله تعالى ولا لرسوله عليه السلام في تبليغه عنهما، ولا نصح للمسلمين في التلبيس عليهم حتى يوقعهم فيما لا يجوز العمل به.\rقال علي: وأما من قدم على ما يعتقده حلالا مما لم يقم عليه في تحريمه حجة،","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"فهو معذور مأجور وإن كان مخطئا، وأهل الاهواء معتزليهم ومرجئيهم، وزيدييهم وأبا ضييهم بهذه الصفة إلا من أخرجه هواه عن الاسلام إلى كفر متفق على أنه كفر، وقد بينا ذلك في كتاب الفصل، أو من قامت عليه حجة من نص أو إجماع فتمادى ولم يرجع فهو فاسق.\rوكذلك القول فيمن خالف حديث النبي (ص) لتقليد أو قياس ولا فرق - أو من سب أحد الصحابة رضي الله عنهم، فإن ذلك عصبية - والعصبية فسق وصدق أبو يوسف القاضي إذ سئل عن شهادة من يسب السلف الصالح فقال: لو ثبت عندي على رجل أنه يسب جيرانه ما قبلت شهادته، فكيف من يسب أفاضل الامة ؟ إلا أن يكون من الجهل بحيث لم تقم عليه حجة النص بفضلهم والنهي عن سبهم فهذا لا يقدح سبهم في دينه أصلا، ولا ما هو أعظم من سبهم\rلكن حكمه أن يعلم ويعرف، فإن تمادى فهو فاسق، وإن عاند في ذلك الله تعالى أو رسوله (ص) فهو كافر مشرك، ولو أن امرأ بدل القرآن مخطئا جاهلا، أو صلى لغير القبلة كذلك، ما قدح ذلك في دينه عند أحد من أهل الاسلام، حتى تقوم عليه الحجة بذلك، فإن تمادى فهو فاسق، وإن عاند الله تعالى ورسوله (ص) فهو كافر مشرك.\rقال علي: وقد علل قوم أحاديث بأن رواها ناقلها عن رجل مرة، وعن رجل مرة أخرى.\rقال علي: وهذا قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته، ودليل على جهل من جرح الحديث بذلك، وذلك نحو أن يروي الاعمش الحديث عن سهل عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، ويرويه غير الاعمش عن سهيل عن أبيه عن أبي سعيد.\rقال علي: وهذا لا مدخل للاعتراض به، لان في الممكن أن يكون أبو صالح سمع الحديث من أبي هريرة ومن أبي سعيد، فيرويه مرة عن هذا ومرة عن هذا.","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"ومثل هذا لا يتعلل به في الحديث إلا جاهل أو معاند، ونحن نفعل هذا كثيرا، لاننا نرى الحديث من طرق شتى، فنرويه من بعض المواضع من أحد طرقه، ونرويه مرة أخرى من طريق ثانية، وهذا قوة للحديث لا ضعف وكل ما تعللوا به من مثل هذا وشبهه فهي دعاوى لا برهان عليها، وكل دعوى بلا برهان فهي ساقطة، وكذلك ما رواه العدل عن أحد العدلين شك في أحدهما أيهما حدثه إلا أنه موقن أن أحدهما حدثه بلا شك، فهذا صحيح يجب الاخذ به مثل أن يقول الثقة: حدثنا أبو سلمة أو سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فهذا ليس علة في الحديث البتة، لانه أيهما كان فهو عدل رضا معلوم الثقة مشهور العدال.\rوأيضا فإن قالوا: إن الغفلة والخطأ من الاثنين أبعد منه من الواحد.\rقيل\rومثل هذا لا يتعلل به في الحديث إلا جاهل أو معاند، ونحن نفعل هذا كثيرا، لاننا نرى الحديث من طرق شتى، فنرويه من بعض المواضع من أحد طرقه، ونرويه مرة أخرى من طريق ثانية، وهذا قوة للحديث لا ضعف وكل ما تعللوا به من مثل هذا وشبهه فهي دعاوى لا برهان عليها، وكل دعوى بلا برهان فهي ساقطة، وكذلك ما رواه العدل عن أحد العدلين شك في أحدهما أيهما حدثه إلا أنه موقن أن أحدهما حدثه بلا شك، فهذا صحيح يجب الاخذ به مثل أن يقول الثقة: حدثنا أبو سلمة أو سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فهذا ليس علة في الحديث البتة، لانه أيهما كان فهو عدل رضا معلوم الثقة مشهور العدال.\rوأيضا فإن قالوا: إن الغفلة والخطأ من الاثنين أبعد منه من الواحد.\rقيل لهم: وهو من الاربعة أبعد منه من الثلاثة، فلا يقبلوا إلا ما رواه أربعة وهكذا فيما زاد حتى يلحقوا بالقائلين بالتواتر.\rتم الجزء الاول ويليه الجزء الثاني استدراك جاء في أول (ص 107) ذكر للعلامة الكر ابيسى، ولما كان ذلك الامام غير مشهور اليوم بيننا، فقد رأينا أن نكتب عنه كلمة موجزة.\rالكرابيسى هو أبو على الحسين بن على بن يزيد الكرابيسى البغدادي، وهو صاحب الامام الشافعي وأشهر تلاميذه بخضور مجلسه وأحفظهم لمذهبه.\rله تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه عارفا بالحديث توفي سنة 245 تقريبا.\rوالكرابيسي نسبة إلى الكرابيس وهى الثياب الغليظة واحدها (كرباس) وهو الفظ فارسي معرب وكان بييعها فنسب إليها.\rهذا ما قلته دائرة المعارف للاستاذ محمد فريد وجدى.\rونحن نلاحظ أن هذا العلامة لم يكن يستغل عله للدينا بل كان يأكل من التجارة في الثياب ؟","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"الاحكام - ابن حزم ج 2\rالاحكام\rابن حزم ج 2","part":2,"page":0},{"id":136,"text":"الاحكام في أصول الاحكام للحافظ ابى محمد على بن حزم الاندلسي الظاهرى هذا الكتاب النفيس، الذى لم ترالعين مثيله في علم الاصول أحمد شاكر قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الاستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله الناشر زكريا على يوسف مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680 الجزء الثاني فصل في المرسل قال أبو محمد: المرسل من الحديث هو الذى سقط بين أحد رواته وبين النبي صلى الله عليه وسلم ناقل واحد فصاعدا.\rوهو المنطقع أيضا.\rهو غير مقبول ولا تقوم به حجة لانه عن مجهول، وقد قدمنا أن جهلنا حاله وسواء قال الراوي العدل حدثنا الثقة أو لم يقل، لا يجب أن يلتفت إلى ذلك.\rإذ قد يكون عنده ثقة من لا يعلم من جرحته ما يعلم غيره، وقد قدمنا أن الجرح أولى من التعديل، وقد وثق سفيان جابرا الجعفي، وجابر من الكذب والفسق والشر والخروج عن الاسلام بحيث قد عرف، ولكن خفي أمره على سفيان فقال بما ظهر منه إليه، ومرسل سعيد بن المسيب، ومرسل الحسن البصري، وغير هما سواء، لا يؤخذ منه بشئ، وقد ادعى بعض من لا يحصل ما يقول، أن الحسن البصري كان إذا حدثه\rبالحديث أربعة من الصحابة أرسله.\rقال: فهو أقوى من المسند.\rقال أبو محمد: وقائل هذا القول اترك خلق الله لمرسل الحسن، وحسبك بالمرء سقوطا أن يضعف قولا يعتقده ويعمل به، ويقوي قولا يتركه ويرفضه، وقد توجه عن رسول الله (ص) رجل إلى قوم ممن يجاور المدينة فأخبرهم أن رسول الله (ص) أمره أن يعرس بامرأة منهم، فأرسلوا إلى النبي (ص) من أخبره بذلك فوجه رسول الله (ص) إليه رسولا وأمر بقتله إن وجده حيا، فوجده قد مات.\rفهذا كما ترى قد كذب على النبي (ص) وهو حي، وقد كان في عصر الصحابة رضي الله عنهم منافقون ومرتدون.\rفلا يقبل حديث قال راويه فيه عن رجل من الصحابة، أو حدثني من صحب رسول الله (ص) إلا حتى يسميه، ويكون معلوما بالصحبة الفاضلة ممن شهد الله تعالى لهم بالفضل والحسنى.\rقال الله عز وجل: * (وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل","part":2,"page":135},{"id":137,"text":"المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) * وقد ارتد قوم ممن صحب النبي (ص) عن الاسلام كعيينة بن حصن، والاشعث بن قيس، والرجال، وعبد الله بن أبي سرح.\rقال علي: ولقاء التابع لرجل من أصاغر الصحابة شرف وفخر عظيم، فلاي معنى يسكت عن تسميته لو كان ممن حمدت صحبته، ولا يخلو سكوته عنه من أحد وجهين: إما أنه لا يعرف من هو، ولا عرف صحة دعواه الصحبة، أو لانه كان من بعض ما ذكرنا.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، ثنا يحيى بن يحيى، حدثنا خالد\rبن عبد الله، عن عبد الملك، عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وكان خالد ولد عطاء قال: أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر فقالت: بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب، وميثرة الارجوان، وصوم رجب كله، فأنكر ابن عمر أن يكون حرم شيئا من ذلك.\rفهذه أسماء وهي صحابية، من قدماء الصحابة وذوات الفضل منهم، قد حدثها بالكذب من شغل بالها حديثه عن ابن عمر حتى استبرأت ذلك، فصح كذب ذلك المخبر، وقد ذكر عن ابن سيرين في أمر طلاق ابن عمر امرأته على عهد رسول الله (ص) نحو ذلك، فواجب على كل أحد ألا يقبل إلا من عرف اسمه، وعرفت عدالته وحفظه.\rقال علي: والمخالفون لنا في قبول المرسل هم أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب مالك، وهم أترك خلق الله للمرسل إذا خالف مذهب صاحبهم ورأيه، وقد ترك مالك حديث أبي العالية في الوضوء من الضحك في الصلاة، ولم يعيبوه إلا بالارسال وأبو العالية قد أدرك الصحابة رضي الله عنهم، وقد رواه أيضا الحسن وإبراهيم","part":2,"page":136},{"id":138,"text":"النخعي والزهري مرسلا، وتركوا حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي (ص) صلى في مرضه الذي مات فيه بالناس جالسا والناس قيام، وترك مالك وأصحابه الحديث المروي من طريق الليث، عن عقيل بن خالد، عن الزهري، عن سعيبن المسيب والقاسم وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن النبي (ص) فرض زكاة الفطر مدين من بر على كل إنسان، مكان صاع من شعير، وذكر سعيد بن المسيب أن ذلك كان من عمل الناس أيام أبي بكر وعمر، وذكر غيره أنه حكم عثمان أيضا وابن عباس، وذكر ابن عمر أنه عمل الناس، فهؤلاء فقهاء المدينة رووا هذا الحديث مرسلا، وأنه صحبه العمل\rعندهم، فترك ذلك أصحاب مالك.\rفأين اتباعهم المرسل وتصحيحهم إياه ؟ وأين اتباعهم رواية أهل المدينة وعمل الائمة بها ؟.\rوترك الحنفيون حديث سعيد بن المسيب، عن النبي (ص) في أن لا يباع الحيوان باللحم، وهو أيضا فعل أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، ومثل هذا كثير جدا، ولو تتبعنا ما تركت كلتا الطائفتين لبلغت أزيد من ألفي حديث بلا شك، وسنجمع من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى في كتاب مفرد لذلك إن أعان الله تعالى بقوة من عنده، وأمد بفسحة من العمر.\rفإنما أوقعهم في الاخذ بالمرسل، أنهم تعلقوا بأحاديث مرسلات في بعض مسائلهم فقالوا فيها بالاخذ بالمرسل، ثم تركوه في غير تلك المسائل، وإنما غرض القوم نصر المسألة الحاضرة بما أمكن من باطل أو حق، ولا يبالون بأن يهدموا بذلك ألف مسألة لهم، ثم لا يبالون بعد ذلك بإبطال ما صححوه في هذه المسألة إذا أخذوا في الكلام في أخرى، وسنبين من ذلك كثيرا إن شاء الله تعالى.\rونحن ذاكرون من عيب المرسل ما فيه كفاية لمن نصح نفسه إن شاء الله تعالى.\rأخبرني أحمد بن عمر العذري، حدثنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي، ثنا زاهر بن أحمد أبو علي السرخسي الفقيه، ثنا زنجويه بن محمد النيسابوري، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري - هو مؤلف الصحيح - ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد عن النعمان بن راشد، عن زيد بن أبي أنيسة: أن رجلا أجنب فغسل فمات، فقال النبي (ص): لو يمموه، قتلوه قتلهم الله.","part":2,"page":137},{"id":139,"text":"قال النعمان: فحدثت به الزهري فرأيته بعد يروي عن النبي (ص) فقلت: من حدثك ؟ قال: أنت حدثتني، عمن تحدثه ؟ قلت: عن رجل من أهل الكوفة، قال: أفسدته، في حديث أهل الكوفة دغل كثير.\rوبالاستناد المتقدم\rإلى البخاري قال: قال معاذ، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة كان النبي (ص) لا يصلي في شعرنا.\rقال البخاري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن سعيد بن أبي صدقة، قلت لمحمد بن سيرين: ممن سمعت هذا الحديث ؟ قال سمعته من زمان لا أدري ممن سمعته، ولا أدري أثبت أم لا، فسلوا عنه.\rوفيما كتب إلي به يوسف بن عبد الله النمري قال: قال يحيى بن سعيد القطان: مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من الثوري عن إبراهيم.\rلو كان شيخ الثوري فيه رمق لبرح به وصاح وقال مرة أخرى: كلاهما عندي شبه الريح قال أبو محمد: فإذا كان الزهري، ومحمد بن سيرين، وسفيان ومالك وهم من هم في التحفظ والحفظ والثقة، في مراسليهم ما ترى، فما أحد ينصح نفسه يثق بمرسل أصلا، ولو جمعنا بلايا المراسيل لاجتمع من ذلك جزء ضخم وفي هذا دليل على ما سواه، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في أقسام السنن قال أبو محمد: السنن تنقسم ثلاثة أقسام: قول من النبي (ص) أو فعل منه عليه السلام، أو شئ رآه وعلمه فأقر عليه ولم ينكره.\rفحكم أوامره عليه السلام الفرض والوجوب - على ما نبينه إن شاء الله عز وجل في باب الاوامر من هذا الكتاب - ما لم يقم دليل على خروجه من باب الوجوب إلى باب الندب، أو سائر وجوه الاوامر وحكم فعله عليه السلام الائتساء به فيه، وليس واجبا إلا أن يكون تنفيذا لحكم، أو بيانا لامر على ما يقع في باب الكلام في أفعاله عليه السلام من هذا الكتاب، وأما إقراره عليه السلام على ما علم وترك إنكاره إياه،","part":2,"page":138},{"id":140,"text":"فإنما هو مبيح لذلك الشئ فقط، وغير موجب له، ولا نادب إليه، لان الله عز وجل افترض عليه التبليغ وأخبره أنه يعصمه من الناس وأوجب عليه أن يبين\rللناس ما نزل إليهم فمن ادعى أنه عليه السلام علم منكرا فلم ينكره، فقد كفر لانه جحد أن يكون عليه السلام بلغ كما أمر، ووصفه بغير ما وصفه به ربه تعالى، وكذبه في قوله عليه السلام: اللهم هل بلغت فقال الناس: نعم، فقال: اللهم اشهد قال ذلك في حجة الوداع.\rفإن اعترض معترض بحديث جابر أنه سمع عمر رضوان الله عليهما يحلف بحضرة النبي (ص) على أن ابن صياد هو الدجال فلم ينكر ذلك رسول الله (ص) فلا حجة علينا في هذا، لان ابن صياد في أول أمره كان رسول الله (ص) شاكا في أمره، أهو الدجال أم لا ؟ بذلك جاءت الاحاديث الصحاح ويبين ذلك قول عمر فيه: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال عليه السلام: إن يكن هو فلن تسلط عليه أو نحو ذلك من الكلام، فحلف عمر على تقديره ومن حلف على ما لا يعلم ولا يوقن أنه باطل ولا حق فليس هو عندنا حانثا ولا آثما، إذا كان تقديره أنه كما حلف عليه، فهذا الحديث حجة لنا، وليس فيه أيضا أن النبي (ص) صدق يمينه فإنا في الحديث أن أمر ابن صياد كان حينئذ ممكنا، والحالف على الممكن كما ذكرنا لم يأت منكرا، فيلزم رسول الله (ص) تغييره.\rقال علي: وأما من قال: إن أفعاله (ص) على الوجوب، فقوله ساقط، لان الله تعالى لم يوجب علينا قط في شئ من القرآن والسنن أن نفعل مثل فعله عليه السلام، بل قال تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وانما أنكر عليه السلام على من تنزه أن يفعل مثل فعله عليه السلام، وهذا هو غاية المنكر كمن تنزه عن التقبيل في رمضان نهارا وهو صائم، أتنزه أن يمشي حافيا حاسرا زاريا على من فعل ذلك، وأما من ترك أن يفعل مثل فعله عليه السلام لا عن رغبة عنه فما أنكر ذلك رسول الله (ص) قط، وهذا التارك للائتساء به (ص) غير راغب عن ذلك لا محسن ولا مسئ ولا مأجور ولا آثم، والمؤتسي به\rعليه السلام محسن مأجور والراغب عن الائتساء به بعد قيام الحجة عليه إن كان زاريا على محمد (ص) فهو كافر، وما نعلم لمن صحح عنه فعلا ثم رغب عنه","part":2,"page":139},{"id":141,"text":"وجها ينجو به من الشرك، إلا أن يتعلق بفعل له عليه السلام آخر، أو بأمر له آخر أو يكون لم يصح عنده ذلك الامر الذي رغب عنه، فإن تعلق بأنه خصوص له (ص)، فهو أحد الكاذبين الفساق، ما لم يأت على دعواه بدليل من نص أو إجماع قال علي: وأما من ادعى أن أفعال رسول الله (ص) فرض علينا أن نفعل مثلها فقد أغفل جدا، وأتى بما لا برهان له على صحته، وما كان هكذا فهو دعوى كاذبة، لان الاصل ألا يلزمنا حكم حتى يأتي نص قرآن أو نص سنة بإيجابه، وأيضا فإنه قول يؤدي إلى ما لا يفعل، ولزمه أن يوجب على كل مسلم أن يسكن حيث سكن رسول الله (ص)، وأن يجعل رجليه حيث جعلهما عليه السلام، وأن يصلي حيث صلى عليه السلام، وأن يصوم فرضا الايام التي كان يصومها عليه السلام، وأن يجلس حيث جلس، وأن يتحرك مثل كل حركة تحركها عليه السلام، وأن يحرم الاكل متكئا وعلى خوان والشبع من خبز البر مأدوما ثلاثا تباعا، وأن يوجب فرضا أكل الدباء ويتتبعها وهذا ما لا يوجبه مسلم، مع أن هذا يخرج إلى المحال، وإلى إرجاع ما لا سبيل إلى إرجاعه مما قد فات وبطل بالاكل والشرب منه عليه السلام.\rفبطل بما ذكرنا أن تكون أفعاله عليه السلام واجبة علينا، إذ لم يأت على ذلك دليل، بل قد قام الدليل والبرهان على أن ذلك غير واجب بالآية التي ذكرنا، وكل من له أقل علم باللغة العربية فإنه يعلم أن ما قيل فيه: هذا لك أنه غير واجب قبوله، بل مباح له تركه إن أحب كالمواريث وكل ما خيرنا فيه، وأن ما جاء بلفظ: عليك كذا فهذا هو الملزم لنا، ولا بد فلما قال تعالى: * (لقد كان لكم\rفي رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) * كنا مندوبين إلى ذلك، وكنا مباحا لنا ألا نأتسي غير راغبين عن الائتساء به، لكن عالمين أن الذي تركنا أفضل والذي فعلنا مباح كجلوس الانسان وتركه أن يصلي تطوعا، فليس آثما بذلك ولو صلى تطوعا لكان أفضل إلا أن يكون ترك التطوع راغبا عنها في الوقت المباح فيه التطوع، فهذا خارج عن الاسلام بلا خلاف، لانه شارع شريعة لم يأت بها إذن.","part":2,"page":140},{"id":142,"text":"قال علي: وإنما نازعنا في وجوب الافعال بعض أصحاب مالك، على أنهم أترك خلق الله تعالى لافعال رسول الله (ص)، فمن ذلك أنه عليه السلام جلد في الخمر أربعين، وهم يجلدون ثمانين وودى حضريا - وهو عبد الله بن سهل ادعى قتله على حضريين وهم يهود خيبر - بالابل، فقالوا هم: لا يجوز ذلك ولا يودى إلا بالذهب أو الفضة.\rوصلى على قبر، فقالوا هم: لا نفعل ذلك، وصلى على غائب، فقالوا هم: لا نرى ذلك، وقبل وهو صائم.\rفقالوا هم: نكره ذلك، وصلى عليه السلام حاملا أمامة، فقالوا نكره ذلك، وصلى جالسا والناس وراءه وأبو بكر إلى جنبه قائم.\rفقالوا: لا يجوز ذلك، ومن صلى كذلك بطلت صلاته، في كثير جدا اقتصرنا منه على ما ذكرنا.\rوبعضهم تعلق في هذه الافعال بأنها خصوص له عليه السلام، ومن فعل ذلك فقد تعرض لغضب رسول الله (ص)، ومن تعرض لغضبه عليه السلام فقد تعرض لغضب الله عز وجل، فقد غضب عليه السلام غضبا شديدا حين سأله الانصاري عن قبلة الصائم: فأخبر عليه السلام أنه يفعل ذلك، فقال القائل: لست مثلنا يا رسول الله، أنت قد غفر لك ذنبك، فغضب رسول الله (ص) حينئذ غضبا شديدا وأنكر هذا القول، فمن أضل ممن تعرض لغضب الله عز وجل، وغضب رسوله عليه السلام في تقليد\rإنسان لا ينفعه ولا يضره، ولا يغني عنه من الله تعالى شيئا.\rقال علي: واحتجوا في تخصيص القبلة للصائم بقول عائشة رضي الله عنها: وأيكم أملك لاربه من رسول الله (ص) قال أبو محمد: وهذا القول منها، رضي الله عنها، أعظم الحجة عليهم، لانها لم تقل ذلك على ما توهموا، وإنما قالته إنكارا على من استعظم القبلة للصائم.\rفأخبرهم أنه عليه السلام كان أورع منهم، وأملك لاربه، ولكنه مع ذلك لم يمتنع من التقبيل وهو صائم، فكيف أنتم.\rويدل على صحة هذا التأويل دليلان بينان: أحدهما: أنها رضي الله عنها هكذا قالت في مباشرة الحائض أنه عليه السلام كان يأمرها فتتزر ثم يباشرها، وأيكم أملك لاربه من رسول الله (ص)، فيلزمهم","part":2,"page":141},{"id":143,"text":"أن يتركوا إباحة مباشرة الحائض، لقول عائشة، وأيكم أملك لاربه كما قالت في قبلة الصائم سواء بسواء.\rوالثاني: أنهم رووا عنها أنها قالت لابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن وهو أشب ما كان: ألا تقبل زوجتك وتلاعبها ؟ تعني عائشة بنت طلحة وهي بنت أختها وأجمل جواري أهل زمانها قاطبة، فقال: إني صائم.\rفقالت لقد كان رسول الله (ص) يقبل وهو صائم، فهي دأبا تحض الصائم الشاب على التقبيل للجارية الحسناء، اقتداء برسول الله (ص) وائتساء به.\rوهذا هو قولنا لا قولهم، ففعلوا ما ترى فيما أخبر عليه السلام أنه عموم، وغضب على من ادعى أنه خصوص، ثم أتوا إلى ما أخبر عليه السلام أنه خصوص له دون سائر الناس، وهو قتله بمكة من قتل الكفار، وخطب عليه السلام الناس فنهاهم عن أن يسفك فيها أحد دما، ثم لم يقنع عليه السلام بذلك، حتى قال في خطبته تلك: وإن أحد ترخص لقتال رسول الله (ص) فيها فقولوا: إن الله أحلها لنبيه (ص) ولم يحلها لكم، وإنما أحلت لي ساعة من نهار\rثم عادت كحرمتها بالامس إلى يوم القيامة أو كلاما هذا معناه، فقالوا: هذا عموم وليس خصوصا.\rقال أبو محمد: فلو قيل لهؤلاء القوم اعكسوا الحقائق، ما زادوا على ما فعلوا، وأن هذا لعظائم لا ندري كيف استجاز من له أدنى ورع التقليد في مثل هذا، لمن قد أداه اجتهاده إلى الخطأ في ذلك، ممن قد بلغتهم الآثار، وقامت عليهم الحجة، وسقطت عنهم المعذرة، وإن الظن ليسوء جدا بمن هذا معتقده، ونعوذ بالله من كل حب رياسة تقود إلى مثل هذا، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وإذا مدح الله تعالى أو رسوله (ص) أحدا على فعل ما كان ذلك الفعل مندوبا إليه، مستحبا يؤجر فاعله ولا يؤجر تاركه ولا يأثم، وليس ذلك الشئ فرضا لما قد أوردنا في الحجاج في أن الفرض ليس إلا ما جاء به الامر فقط، وإن لم نؤمر به فمعفوا عنه، وأما ما ذمه الله تعالى فهو مكروه، وليس حراما إلا بدليل، لما ذكرناه في المدح ولا فرق، وقد ذم الله تعالى الشح، وليس حراما إذا أدى المرء فرائضه، ولكنه مذموم مكروه، وقد مدح الله","part":2,"page":142},{"id":144,"text":"تعالى المغتسلين بالماء للاستنجاء، وليس فرضا، ومدح النبي (ص) من لم يكتوا ولا استرقى، وليس كل ذلك حراما، لكن إن قام دليل من أمر أو نهي على الشئ المذموم أو الممدوح صير فيه إلى دليل الامر والنهي، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في خلاف الصاحب للرواية وتعلل أهل الباطل بذلك وفيما زعموا أن البلوى تكثر به فلا يقبل فيه إلا التواتر قال أبو محمد: ووجدنا الصاحب من الصحابة رضي الله عنهم يبلغه الحديث فيتناول فيه تأويلا يخرجه به عن ظاهره، ووجدناهم رضي الله عنهم يقرون\rويعترفون بأنهم لم يبلغهم كثير من السنن، وهكذا الحديث المشهور عن أبي هريرة إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاسواق، وإن إخواني من الانصار كان يشغلهم القيام على أموالهم، وهكذا قال البراء: حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، ثنا أحمد بن عون، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن المثنى العنزي، ثنا أبو أحمد الزبيري وسفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب قال: أما كل ما تحدثتموه سمعناه من رسول الله (ص)، ولكن حدثنا أصحابنا وكانت تشغلنا رعية الابل.\rوهذا أبو بكر رضي الله عنه لم يعرف فرض ميراث الجدة، وعرفه محمد بن مسلمة، والمغيرة بن شعبة، وقد سأل أبو بكر رضي الله عنه عائشة في كم كفن رسول الله (ص).\rوهذا عمر رضي الله عنه يقول في حديث الاستئذان: أخفي علي هذا من أمر رسول الله (ص)، ألهاني الصفق في الاسواق.\rوقد جهل أيضا أمر إملاص المرأة وعرفه غيره، وغضب على عيينة بن حصن حتى ذكره الحر بن قيس بن حصن بقوله تعالى: * (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) * وخفي عليه أمر رسول الله (ص) بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب إلى آخر خلافته،","part":2,"page":143},{"id":145,"text":"وخفي على أبي بكر رضي الله عنه قبله أيضا طول مدة خلافته، فلما بلغ ذلك عمر أمر بإجلائهم فلم يترك بها منهم أحدا.\rوخفي على عمر أيضا أمره عليه السلام بترك الاقدام على الوباء، وعرف ذلك عبد الرحمن بن عوف.\rوسأل عمر أبا واقد الليثي عما كان يقرأ به رسول الله (ص) في صلاتي الفطر والاضحى.\rوهذا وقد صلاهما رسول الله (ص) أعواما كثيرة، ولم يدر ما يصنع بالمجوس، حتى ذكره عبد الرحمن بأمر رسول الله (ص) فيهم،\rونسي قبوله عليه السلام الجزية من مجوس البحرين، وهو أمر مشهور، ولعله رضي الله عنه قد أخذ من ذلك المال حظا كما أخذ غيره منه.\rونسي أمره عليه السلام بأن يتيمم الجنب فقال: لا يتيمم أبدا ولا يصلي ما لم يجد الماء، وذكره بذلك عمار، وأراد قسمة مال الكعبة حتى احتج عليه أبي بن كعب بأن النبي (ص) لم يفعل ذلك فأمسك، وكان يرد النساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يودعن البيت، حتى أخبر بأن رسول الله (ص) أذن في ذلك، فأمسك عن ردهن، وكان يفاضل بين ديات الاصابع، حتى بلغه عن النبي (ص) أمره بالمساواة بينها، فترك قوله وأخذ بالمساواة، وكان يرى الدية للعصبة فقط، حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن النبي (ص) ورث المرأة من الدية فانصرف عمر إلى ذلك، ونهى عن المغالاة في مهور النساء استدلالا بمهور النبي (ص) حتى ذكرته امرأة بقول الله عز وجل: * (للل (النساء: 20) فرجع عن نهيه، وأراد رجم مجنونة حتى أعلم بقول رسول الله (ص): رفع القلم عن ثلاثة فأمر ألا ترجم، وأمر برجم مولاة حاطب حتى ذكره عثمان بأن الجاهل لا حد عليه، فأمسك عن رجمها، وأنكر على حسان الانشاد في المسجد، فأخبره هو وأبو هريرة أنه قد أنشد فيه بحضرة رسول الله (ص) فسكت عمر.\rوقد خفي على الانصار وعلى المهاجرين كعثمان وعلي وطلحة والزبير وحفصة أم المؤمنين وجوب الغسل من الايلاج إلا أن يكون أنزل، وهذا مما تكثر فيه البلوى، وخفي على عائشة، وأم حبيبة، أمي المؤمنين: وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي موسى.\rوزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسائر الجلة من فقهاء المدينة","part":2,"page":144},{"id":146,"text":"وغيرهم - نسخ الوضوء مما مست النار وكل هذا تعظم البلوى به وتعم، وهذا كله وما بعد هذا يبطل ما قاله من لا يبالي بكلامه من الحنفيين والمالكيين.\rإن\rالامر إذا كان مما تعم البلوى به لم يقبل خبر الواحد.\rوالعجب أن كلتا الطائفتين قد قبلت أخبارا خالفها غيرهم تعم البلوى، كقبول الحنفيين الوضوء من الضحك، وجهله غيرهم وكقبول المالكيين اليمين مع الشاهد، وجهله غيرهم، ومثل هذا كثير جدا.\rحدثنا محمد بن سعيد، ثنا أحمد به عبد النصير، حدثنا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا صخر بن جويرية، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، أن عبد الرحمن بن الاسود أخبره قال: كنت جالسا مع أبي بعرفة وابن الزبير يخطب الناس، فقال ابن الزبير: إن هذا يوم تكبير وتحميد وتهليل، فكبروا الله واحمدوه وهللوا، فقام أبي يجوس حتى انتهى إليه فأصغى إليه فقال: أشهد لسمعت عمر بن الخطاب على هذا المنبر يلبي، فقال ابن الزبير: لبيك اللهم لبيك - وكان صيتا.\rقال أبو محمد: فقد خفي هذا كما ترى على ابن الزبير وغيره، وهو مشهور عن النبي (ص).\rوقد نهى عمر أن يسمى بأسماء الانبياء، وهو يرى محمد بن مسلمة يغدو عليه ويروح وهو أحد الصحابة الجلة منهم، ويرى أبا أيوب الانصاري، وأبا موسى الاشعري، وهما لا يعرفان إلا بكناهما من الصحابة، ويرى محمد بن أبي بكر الصديق، وقد ولد بحضرة رسول الله (ص) وفي حجة الوداع، واستفتته أمه إذ ولدته ماذا تصنع في إحرامها وهي نفساء، وقد علم يقينا أن النبي (ص) علم بأسماء من ذكرنا وبكناهم بلا شك، وأقرهم عليها ودعاهم بها، ولم يغير شيئا من ذلك عليه السلام.\rفلما أخبره طلحة وصهيب عن النبي (ص) بإباحة ذلك، أمسك عن النهي عنه، وهم بترك الرمل في الحج، ثم ذكر أن النبي (ص) فعله.\rفقال: لا يجب لنا أن نتركه.","part":2,"page":145},{"id":147,"text":"وهذا عثمان رضي الله عنه، فقد رووا عنه أنه بعث إلى الفريعة أخت أبي سعيد الخدري يسألها عما أفتاها به رسول الله (ص) في أمر عدتها، وأنه أخذ بذلك، وأمر برجم امرأة قد ولدت لستة أشهر، فذكره علي بالقرآن وأن الحمل قد يكون ستة أشهر، فرجع عن الامر برجمها.\rوهذا علي رضوان الله عليه: يعترف بأن كثيرا من الصحابة كانوا يحدثونه بما ليس عنده عن النبي (ص)، وأنه كان يستحلفهم على ذلك حاشا أبا بكر فإنه كان لا يستحلفه، وأن الله تعالى كان ينفعه بما شاء أن ينفعه مما سمع من ذلك مما لم يكن عنده قبل ذلك.\rوهذا طلحة: يبيح الذهب بالفضة نسيئة، حتى ذكره عمر.\rوهذا ابن عمر وابن عباس: يبيعان الدرهم بالدرهمين، حتى ذكرا فأمسكا، ثم رواه ابن عمر عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص)، ذكره مسلم، فرجع ابن عمر إلى ذلك وترك رأيه ثم رواه ابن عمر فقال: هذا عهد نبينا إلينا.\rذكره مالك عن حميد عن مجاهد عن ابن عمر، وصدق ابن عمر، ونحن نقول في حديث النبي (ص) إذا بلغنا: هذا عهد نبينا إلينا فهكذا نحمل أمر جميع ما روي من رواية الصاحب للحديث، ثم روي عنه مخالفته إياه أنه إنما أفتى بخلاف الحديث قبل أن يبلغه، فلما حدث بما بلغه، لا يحل أن يظن بالصاحب غير هذا، وهذا نص ما ذكرنا عن ابن عمر ببيان لا يخفى، وأنهم تأولوا فيما سمعوا من الحديث.\rومن حمل ذلك على غير ما قلنا فإنه يوقع الصاحب ولا محالة تحت أمرين، وقد أعاذهم الله تعالى منهما، كلاهما ضلال وفسق، وهما إما المجاهرة بخلاف النبي (ص) وهذا لا يحل لاحد، ولا يحل أن يظن بهم، وإما أن يكون عندهم علم أوجب عليهن مخالفة ما رووا فما هم في حل أن يكتموه عنا ويحدثوا بالمنسوخ، ويكتموا عنا الناسخ.\rوهذه الصفة كفر من فاعلها وتلبيس في الدين، ولا ينسب هذا إليهم\rإلا زائغ القلب أو جاهل أعمى القلب، فبطل ظنهم الفاسد، وصح قولنا والحمد لله رب العالمين.\rولا سبيل إلى وجه ثالث أصلا إلا أن يكونوا نسوا حينئذ بعض ما قد رووه قبل ذلك فهذا ممكن أيضا.\rفإن كانوا تأولوا فالتأويل منهم","part":2,"page":146},{"id":148,"text":"رضي الله عنهم ظن، وروايتهم على النبي (ص) يقين، ولا يحل لمسلم أن يترك اليقين للظن، فارتفع الاشكال جملة هذا الباب، والحمد لله رب العالمين.\rوأما هم رضوان الله عليهم فمعذورون، لانه اجتهاد منهم، مع أن ذلك منهم أيضا قليل جدا، وليس كذلك من يقلدهم بعد أن نبه على ما ذكرناه وهذه عائشة وأبو هريرة رضي الله عنهما خفي عليهما المسح على الخفين، وعلى ابن عمر معهما، وعلمه جرير ولم يسلم إلا قبل موت النبي (ص) بأشهر، وأقرت عائشة أنها لا علم لها به، وأمرت بسؤال من يرجى عنده علم ذلك وهو علي رضي الله عنه، وهذه حفصة أم المؤمنين سئلت عن الوطئ يجنب فيه الواطئ، أفيه غسل أم لا ؟ فقالت لا علم لي.\rوهذا ابن عمر توقع أن يكون حدث نهي من النبي (ص) عن كراء الارض بعد أزيد من أربعين سنة من موت النبي (ص)، فأمسك عنها وأقر أنهم كانوا يكرونها على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يقل إنه لا يمكن أن يخفى على هؤلاء ما يعرف رافع وجابر وأبو هريرة.\rوهؤلاء إخواننا يقولون - فيما اشتهوا -: لو كان هذا حقا ما خفي على عمر.\rوقد خفي على زيد بن ثابت، وابن عمر، وجمهور أهل المدينة إباحة النبي (ص) للحائض أن تنفر، حتى أعلمهم بذلك ابن عباس وأم سليم، فرجعوا عن قولهم: وخفي على ابن عمر الاقامة حتى يدفن الميت، حتى أخبره بذلك أبو هريرة وعائشة فقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة، وقيل لابن عمر\rفي اختياره متعة الحج على الافراد: إنك تخالف أباك.\rفقال: أكتاب الله أحق أن يتبع أم عمر ؟ روينا ذلك عنه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.\rوخفي على عبد الله بن عمر الوضوء من مس الذكر، حتى أمرته بذلك - عن النبي (ص) - بسرة بنت صفوان، فأخذ بذلك.\rوخفي على ابن عباس النهي عن المتعة، وعن تحريم الحمر الاهلية، حتى أعلمه بذلك علي رضي الله عنه","part":2,"page":147},{"id":149,"text":"وقال ابن عباس: ألا تخافون أن يخسف الله بكم الارض، أقول لكم قال رسول الله (ص) وتقولون قال أبو بكر وعمر، وهؤلاء الانصار نسوا قوله عليه السلام: الائمة من قريش، وقد رواه أنس.\rوقد روى عبادة بن الصامت ما يدل على ذلك وما كانوا يتركون اجتهادهم إلا لامر بلغهم عن النبي (ص)، وهذا أبو هريرة يذكر أنهم كانوا رضوان الله عليهم تشغلهم أموالهم ومتاجرهم، وأنه هو كان يلازم رسول الله (ص) ويحضر ما لا يحضرون، وقد ذكرنا هذا الحديث في باب الاجماع - في ديواننا هذا - في فصل ترجمته: إبطال قول من قال إن الجمهور إذا أجمعوا على قول وخالفهم واحد فإنه لا يلتفت إلى قوله فأغنى ذكرنا إياه هنالك عن ترداده ههنا.\rوإذا وجدنا الصاحب تخفى عليه السنة، أو تبلغه فيتأول فيها التأويلات كما فعلوا في تحريم الخمر، فإن البخاري روى أنهم اختلفوا فمن قائل: حرمت لانها كانت تأكل العذرة، ومن قائل: لانها لم تخمس.\rومن قائل: إنه خشي فناء الظهر، وقال بعضهم: بل حينئذ حرمت البتة.\rقال علي: وكل ذلك باطل إلا قول من قال: حرمت البتة، وقد جاء النص بتحريمها لعينها، ولانها رجس، روى ذلك أنس.\rفلما صح كل ما ذكرنا وبطل\rالتقليد جملة، وجب أن يؤخذ برأي صاحب، وإن تعرى من مخالفة الخبر - فكيف إذا استضاف إلى مخالفة الخبر.\rوقد كتبنا في باب إبطال التقليد من هذا الكتاب ما أفتوا به رضوان الله عليهم، فأخبر عليه السلام: أنه ليس كذلك.\rقال علي: وكل ما تعلق به أهل اللواذ عن الحقائق - عند غلبة الحيرة عليهم من مثل هذا وشبهه - فهم أترك خلق الله تعالى له، وإنما تعلق بهذا أصحاب أبي حنيفة في خلافهم أمر النبي (ص): بغسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا فقالوا: قد روي أن أبا هريرة أفتى من رأيه بأن يغسل منه ثلاثا، ثم تركوا قول أبي هريرة، وقول رسول الله (ص) فخالفوا روايته التي لا يحل خلافها، ورأيه الذي احتجوا به، وأحدثوا دينا حديثا، فقالوا: لا يغسل إلا مرة واحدة، ونقدها هنا المالكيون أصولهم ووفقوا في ذلك فقالوا: يغسل سبعا فأخذوا برواية أبي هريرة وتركوا رأيه، وتعلقوا كلهم بذلك أيضا في حديث ابن عباس","part":2,"page":148},{"id":150,"text":"وعائشة في الصوم عن الميت فقالوا: قد أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ذلك، فتناقض المالكيون والحنفيون ههنا، فأخذوا بقول ابن عباس وعائشة وتركوا روايتهما.\rوأخذ المالكيون آنفا برواية أبي هريرة، وتركوا قوله، ولا حجة للحنفيين في خلاف عائشة وابن عباس هذا الحديث، لانه إن كان تركته عائشة، فقد رواه أيضا بريدة الاسلمي، ولم يخالفه، وأما ابن عباس فالاصح عنه أنه أفتى بما رواه عنه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وليس بالقوي، وروى سعيد بن جبير خلاف ذلك وهو أصح.\rوأما تعلقهم بأن عائشة رضي الله عنها خالفت في فتياها ما روت من الامر بالصيام عن الميت، فأين هم عن طرد هذا الاصل الفاسد ؟ إذ روت عائشة رضي الله عنها أن الصلاة فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة\rالحضر، وكانت هي تتم في السفر، فأخذوا بروايتها وتركوا رأيها وعملها، وإذ روت التحريم بلبن العجل، ثم كانت لا تأخذ بذلك، ولا يدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها، ويدخل عليها من أرضعته بنات أخواتها فتركوا رأيها، وأخذوا بروايتها، وإذ روت أن كل امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فخالفت ذلك وأنكحت بنت أخيها عبد الرحمن - المنذر - ابن الزبير - وعبد الرحمن حي غائب غيبة قريبة بالشام بغير علمه ولا أمره، فأخذ المالكيون بروايتها وتركوا رأيها وعملها.\rفإن قالوا: تأولت في كل هذا قلنا لهم: وهكذا تأولت في فتياها بألا يصام عن الميت، ولعل المرأة التي أفتت ألا يصام عنها كانت لا ولي لها، فلم تر عائشة رضي الله عنها أن تخرج من ظاهر الحديث الذي روت في ذلك لان نصه من مات وعليه صيام صام عنه وليه.\rوهكذا فعل المالكيون فيما روي عن عمر أنه رأى للمبتوتة السكنى والنفقة،","part":2,"page":149},{"id":151,"text":"وبلغه حديث فاطمة بنت قيس فلم يأخذ به، فخالف المالكيون رأي عمر، وأخذوا بنصف حديث فاطمة فلم يروا للمبتوتة نفقة، فخالفوا الحديث وعمر في النصف الثاني فرأوا لها السكنى.\rوعمر قد قرأ الآية كما قرؤوها.\rوهكذا فعلوا في رواية ابن عباس في حديث: حد المكاتب وميراثه ودينه بمقدار ما أدى فقالوا: خالفه ابن عباس فأفتى بغير ذلك، ولا حجة لهم في هذا لان هذا الحديث قد رواه أيضا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخذوا به وأفتي به.\rفلم كان ترك ابن عباس للحديث حجة على عمل علي به ؟ وقد يحتمل ترك ابن عباس وغيره لما روي وجوها منها أن يتأول فيه تأويلا كما ذكرنا آنفا، أو يكون نسيه جملة، أو يكون نسيه حين أفتى بهذه الفتيا المخالفة له كما ذكرنا آنفا فيمن أفتى منهم بخلاف القرآن وهو ناس لما في حفظه من ذلك، أو يكون لم يكن يبلغه حين أفتى بما أفتى به ثم بلغه\rالحديث بعد ذلك، فإن هذه الوجوه كلها موجودة فيما روي عنهم، فلا يحل لاحد ترك كلامه عليه السلام الفتيا جاءت عن صاحب فمن دونه مخالفة لما صح عنه عليه السلام، ولو تتبعنا ما تركوا فيه روايات الصحابة وأخذوا بفتياهم، وما تركوا فيه فتيا الصحابة وأخذوا برواياتهم، لكثر ذلك جدا، لان القوم إنما حسبهم ما نصروا به المسألة التي بين أيديهم فقط، وإن هدموا بذلك سائر مسائلهم.\rوفيما ذكرنا كفاية.\rوبالجملة فصرف الداخلة التي يعترضون بها على رواية الصاحب لما ترك برأيه أولى أن يكون إلى النقل - لمخالفته لذلك - منه إلى الرواية التي يلزم اتباعها.\rوهذا باب قد عظم تناقضهم فيه، فهذا ابن عمر وأبو برزة هما رويا حديث: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فحملاه على تفرق الابدان، فخالفهما المالكيون والحنفيون فقالوا: التفرق بالكلام ولم يلتفوا إلى ما حمل عليه الحديث الصاحبان اللذان روياه.\rوهذا علي رضي الله عنه روى: الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ثم روي عنه تركه وأنه أفتى بأنه إذ وقع رأسه من السجود فقد تمت صلاته فخالفه المالكيون، ورأوا التسليم فرضا لا بد منه.\rوتناقضهم في الباب عظيم جدا.","part":2,"page":150},{"id":152,"text":"فصل في حكم العدل قال علي: وإذ علمنا أن الراوي العدل قد أدرك من روى عنه من العدول فهو على اللقاء والسماع، لان شرط العدل القبول، والقبول يضاد تكذيبه في أن يسند إلى غيره ما لم يسمعه منه، إلا أن يقوم دليل على ذلك من فعله، وسواء قال حدثنا أو أنبأنا، أو قال عن فلان، أو قال: قال فلان، كل ذلك محمول على السماع منه ولو علمنا أن أحدا منهم يستجير التلبيس بذلك كان ساقط العدالة\rفي حكم الناس، وحكم العدل الذي قد تبنت عدالته فهن على الورع والصدق لا على الفسق والتهمة وسوء الظن المحرم بالنص حتى يصح خلاف ذلك، ولا خلاف في هذه الجملة بين أحد من المسلمين، وإنما تناقض من تناقض في تفريع المسائل، وبالله التوفيق.\rفصل فيما ادعاه قوم من تعارض النصوص قال علي: إذا تعارض الحديثان، أو الآيتان، أو الآية والحديث، فيما يظن من لا يعلم، ففرض على كل مسلم استعمال كل ذلك، لانه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله، ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها، وكل من عند الله عز وجل، وكل سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق.\rحدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال أنبأنا محمد بن إسحاق بن السليم، وأحمد بن عون الله، قال: حدثنا ابن الاعرابي، قال حدثنا سليمان بن الاشعث السجستاني، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أشعث بن شعبة، أنبأنا أرطاة بن المنذر، سمعت أبا الاحوص حكيم بن عمير يحدث عن العرباض بن سارية، أنه حضر رسول الله (ص) يخطب الناس وهو يقول: أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله تعالى لم يحرم شيئا إلا ما في القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن.\rقال علي: صدق النبي (ص) هي مثل القرآن، ولا فرق في وجوب","part":2,"page":151},{"id":153,"text":"طاعة كل ذلك علينا.\rوقد صدق الله تعالى هذا القول إذ يقول: * (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) * وهي أيضا مثل القرآن في أن كل ذلك من عند الله تعالى قال الله عز وجل: * (وما ينطق عن الهوى ئ إن هو إلا وحي يوحى)\rقال علي: ولا خلاف بين المسلمين في أنه لا فرق بين وجوب طاعة قول الله عز وجل: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) * وبين وجوب طاعة رسوله (ص) في أمره: أن يصلي المقيم الظهر أربعا، والمسافر ركعتين، وأنه ليس ما في القرآن من ذلك بأوجب ولا أثبت مما جاء من ذلك منقولا نقلا صحيحا عن النبي (ص)، وإن كانوا قد اختلفوا في كيفية الطريق التي بها يصح النقل فقط.\rقال علي: وقد روينا في هذا الحديث من بعض الطرق: إنها لمثل القرآن وأكثر.\rقال علي: ولا نكرة في هذا اللفظ لانه (ص) إنما أراد بذلك أنها أكثر عددا مما ذكر في القرآن، وهذا أمر تعلم صحته بالمشاهدة، لان الفرائض الواردة في كلامه (ص) بيانا لامر ربه تعالى أكثر من الفرائض الواردة في القرآن.\rقال علي: فإذا ورد النصان كما ذكرنا، فلا يخلو ما يظن به التعارض منهما، وليس تعارضا - من أحد أربعة أوجه لا خامس لها، إما أن يكون أحدهما أقل معاني من الآخر، أو يكون أحدهما حاظرا والآخر مبيحا، أو يكون أحدهما موجبا والثاني نافيا، فواجب ههنا أن يستثنى الاقل معاني من الاكثر معاني، وذلك مثل أمره عليه السلام ألا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، وأذن للحائض أن تنفر قبل أن تودع فوجب استثناء الحائض من جملة النافرين، وكذلك حديث نهي النبي (ص) عن الرطب بالتمر مع إباحة ذلك في العرايا فيها دون خمسة أوسق، ومثل أمر الله عز وجل بقطع (يد) السارق والسارقة جملة مع قوله عليه السلام: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا فوجب استثناء سارق أقل من ربع دينار من القطع، وبقي سارق ما عدا ذلك على وجوب القطع عليه، وكذلك تحريمه تعالى أمهات الرضاعة، مع قوله (ص): لا تحرم الرضعة والرضعتان ونسخ العشر المحرمات بالخمس المحرمات،\rفوجب استثناء ما دون الخمس رضعات من التحريم، ويبقى الخمس فصاعدا على","part":2,"page":152},{"id":154,"text":"التحريم، ومثل قوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مع إباحته المحصنات من نساء أهل الكتاب بالزواج، فكن بذلك مستثنيات من جملة المشركات، وبقي سائر المشركات على التحريم، ومثل قوله عليه السلام: دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مع قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وأمر على لسان نبيه (ص) بقتل من ارتد بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا، أو شرب خمرا بعد أن حد فيها ثلاثا، وأباح قتل من سعى في الارض فسادا، وأمر بأخذ أموال معروفة في الزكوات والنفقات والكفارات، وأمر بتغيير المنكر باليد، فكان كل ذلك مستثنى من جملة تحريم الدماء والاموال والاعراض، وبقي سائرها على التحريم.\rفقد أرينا في هذه المسائل استثناء الاقل معاني من الاكثر معاني، وأرينا في ذلك إباحة من حظر، وحظرا من إباحة، وحديثا من آية، وآية من حديث، وآية من آية، وحديثا من حديث، ولا نبالي في هذا الوجه كما نعلم أي النصين ورد أولا أو لم نعلم ذلك، وسواء كان الاكثر معاني ورد أولا، أو ورد آخرا كل ذلك سواء، ولا يترك واحد منهما للآخر، لكن يستعملان معا كما ذكرنا - فهذا وجه.\rوالوجه الثاني أن يكون أحد النصين موجبا بعض ما أوجبه النص الآخر، أو حاظرا بعض ما حظره النص الآخر، فهذا يظنه قوم تعارضا، وتحيروا في ذلك فأكثروا وخبطوا العشواء، وليس في شئ من ذلك تعارض.\rوقد بينا غلطهم في هذا الكتاب في كلامنا في باب دليل الخطاب، وذلك قوله عز وجل: وبالوالدين إحسانا وقال في موضع آخر إن الله يأمر بالعدل والاحسان وقال عليه السلام إن الله كتب الاحسان على كل شئ فكان أمره\rتعالى بالاحسان إلى الوالدين غيره معارض للاحسان إلى سائر الناس وإلى البهائم المتملكة والمقتولة بل هو بعضه وداخل في جملته.\rومثل نهيه عليه السلام أن يزني أحدنا بحليلة جاره مع عموم قوله تعالى: * (ولا تقربوا الزنا فليس ذكره عليه السلام امرأ ة الجار معارضا لعموم النهي عن الزنى، بل هو بعضه.\rفغلط قوم في هذا الباب فظنوا قوله عليه السلام في سائمة الغنم كذا، معارضا","part":2,"page":153},{"id":155,"text":"لقوله في مكان آخر: في كل أربعين شاة شاة وليس كما ظنوا، بل الحديث الذي فيه ذكر السائمة هو بعض الحديث الآخر وداخل في عمومه، والزكاة واجبة في السائمة بالحديث الذي فيه ذكر السائمة وبالحديث الآخر معا والزكاة واجبة في غير السائمة بالحديث الآخر خاصة.\rوكذلك غلط قوم أيضا فظنوا قوله تعالى: * (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين) * معارضا لقوله تعالى: * (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين) * والآية الاولى بعض هذه وداخلة في جملتها كما قلنا في حديث السائمة ولا فرق.\rوكذلك غلط قوم آخرون فظنوا قوله تعالى: * (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وزينة معارضا لقوله تعالى: فكلوا مما في الارض حلالا طيبا ولقوله تعالى معارضا لقوله عز وجل حرمت عليكم الميتة والدم وليس كذلك على ما قدمنا قبل لانه ليس في شئ من النصوص التى ذكرنا نهى عمافى الاخر ليس في حديث السائمة نهى عن أن يزكى غير السائمة ولا أمر بها فحكمها مطلوب من غير حديث السائمة.\rولا في الامر بتمتيع المطلقة غير الممسوسة نهى عن تمتيع الممسوسة السائمة نهي عن أن يزكي غير السائمة، ولا أمر بها فحكمها مطلوب من غير حديث السائمة، ولا في الامر بتمتيع المطلقة غير المحسوسة نهي عن تمتيع الممسوسة،\rولا أمر به فحكمها مطلوب من موضع آخر، ولا في إخباره تعالى بأن خلق الخيل لتركب وزينة نهي عن أكلها وبيعها، ولا إباحة لهما فحكمها مطلوب من مكان آخر، ولا في تحريمه تعالى الدم المسفوح إخبارا بأن ما عدا المسفوح حلال، بل هو كله حرام بالآية الاخرى، كما قلنا إنه ليس في أمره تعالى بالاحسان إلى الآباء نهي عن الاحسان إلى غيرهم، ولا أمر به، فحكم الاحسان إلى غير الآباء مطلوب من مكان آخر، ومن فرق بين شئ من هذا الباب فقد تحكم بلا دليل وتكلم بالباطل من غير علم ولا هدى من الله تعالى.\rقال علي: فهذا وجه ثان.\rوالوجه الثالث: أن يكون أحد النصين فيه أمر بعمل ما، معلق بكيفية ما، أو بزمان ما، أو على شخص ما، أو في مكان ما، ويكون في النص الآخر نهي عن عمل ما، بكيفية ما، أو في زمان ما، أو مكان ما، أو عدد ما،","part":2,"page":154},{"id":156,"text":"أو عذر ما، ويكون في كل واحد من العملين المذكورين اللذين أمر بأحدهما ونهى عن الآخر شئ ما - يمكن أن يستثنى من الآخر، وذلك بأن يكون على ما وصفنا في كل نص من النصين المذكورين حكمان فصاعدا، فيكون بعض ما ذكر في أحد النصين عاما لبعض ما ذكر في النص الآخر، ولا شئ آخر معه، ويكون الحكم الثاني الذي في النص الثاني عاما أيضا لبعض ما ذكر في هذا النص الآخر، ولا شيئا آخر معه.\rقال علي: وهذا من أدق ما يمكن أن يعترض أهل العلم من تأليف النصوص وأغمضه وأصعبه، ونحن نمثل من ذلك أمثلة تعين بحول الله وقوته على فهم هذا المكان اللطيف.\rوليعلم طالب العلم والحريص عليه وجه العمل في ذلك إن شاء الله عز وجل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما وجدنا أحدا\rقبلنا شغل باله في هذا المكان بالشغل الذي يستحقه هذا الباب، فإن الغلط والتناقض فيه يكثر جدا إلا من سدده الله بمنه ولطفه، لا إله إلا هو.\rقال علي: فمن ذلك قول الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقال عليه السلام: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم منها ففي الآية عموم الناس وإيجاب عمل خاص عليهم وهو السفر إلى مكان واحد نفسه بعينه من سائر الاماكن، وهو مكة أعزها الله، فاضبط هذا، وفي الحديث المذكور تخصيص بعض الناس وهم النساء، ونهيهن عن عمل عام وهو السفر جملة، لم يخص بذلك مكان دون مكان.\rفاختلف الناس في كيفية استعمال هذين النصين.\rفقالت طوائف منهم: معنى ذلك ولله على الناس حج البيت حاشا النساء اللواتي لا أزواج لهن ولا ذا محرم، فليس عليهم حج إذا سافرت إليه سفرا قدره كذا، فاستثنوا كما ترى النساء من الناس.\rوقالت طوائف أخر: معنى ذلك لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم، إلا أن يكون سفرا أمرت به كالحج أو ندبت إليه كالنظر في مالها، أو ألزمته كالتغريب، فإنها تسافر إليه دون زوج ودون","part":2,"page":155},{"id":157,"text":"ذي محرم، فاستثنوا كما ترى الاسفار الواجبة والمندوب إليها من جملة الاسفار المباحة كلها، وأبقوا على كل سفر مباح غير واجب ولا مندوب إليه على عموم التحريم على النساء إلا مع زوج أو ذي محرم.\rقال علي: لم يكن بيد كل طائفة من الطائفتين اللتين ذكرنا، إلا وصفها ترتيب مذهبها في استعمال النصين المذكورين فليس أحدهما أولى من الثاني فلا بد من طلب الدليل على صحة أحد الاستثناءين، وابتغاء البرهان على الواجب\rمنهما من مكان غيرهما.\rقال علي: وأما نحن فإنما ملنا إلى استثناء الاسفار الواجبة والمندوب إليها من سائر الاسفار المباحة، وأوجبنا على المرأة السفر إلى الحج والعمرة الواجبتين، والتغريب، وأبحنا لها التطوع بالعمرة والحج، ومطالعة ما لها دون زوج ودون ذي محرم لقول رسول الله (ص): البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة ولقوله عليه السلام: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله فجاء النص كما ترى في النساء بأنه لا يحل منعهن عن المساجد، ومكة من المساجد فكان هذا النص أقل معاني من حديث النهي عن سفر النساء جملة فوجب أن يكون مستثنى منه ضرورة، وخرجنا إلى القسم الذي ذكرنا أولا، وإلا صار المانع لهن عاصيا لهذا الحديث، تاركا له بلا دليل.\rقال علي: وقد احتج للاستثناء الثاني بعض القائلين به بحديث فيه أنه عليه السلام لما نهى عن أن تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم قال له رجل من الانصار: يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا، قال علي: وهذا وإن امرأتي خرجت حاجة فقال عليه السلام: حج مع امرأتك قال على لا لحديث حجة عليهم لانه عليه السلام لم يلزمها الرجوع، ولا أوقع عليها النهي عن الحج، ولكنه عليه السلام أمر زوجها بالحج معها، فكل زوج أبى من الحج مع امرأته فهو عاص، ولا يسقط عنها لاجل معصيته فرض الحج، هذا نص الحديث الذي احتجوا به، وليس يفهم منه غير ذلك أصلا، لان الامر في هذا الحديث متوجه إلى الزوج لا إلى المرأة.\rقال علي: ومن هذا النوع أمره عليه السلام بالانصات للخطبة، وفي الصلاة،","part":2,"page":156},{"id":158,"text":"مع قوله تعالى: * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوها إن الله كان على كل شئ حسيبا) * الآية: فنظرنا في النصين المذكورين فوجدنا الانصات عاما لكل كلام، سلاما كان أو غيره، ووجدنا ذلك في وقت خاص وهو وقت الخطبة والصلاة، ووجدنا في النص الثاني إيجاب رد السلام وهو بعض الكلام في كل حالة على العموم.\rفقال بعض العلماء: معنى ذلك أنصت إلا عن السلام الذي أمرت بإفشائه ورده في الخطبة، وقال بعضهم: رد السلام وسلم إلا أن تكون منصتا للخطبة أو في الصلاة.\rقال علي: فليس أحد الاستثناءين أولى من الثاني، فلا بد من طلب الدليل من غير هذه الرتبة.\rقال علي: وإنما صرنا إلى إيجاب السلام رد السلام وابتدائه في الخطبة دون الصلاة لان الصلاة قد ورد فيها نص بين بأنه عليه السلام، سلم عليه فيها فلم يرد بعد أن كان يرد، وأنه سئل عن ذلك فقال عليه السلام: إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإنه أحدث ألا تكلموا في الصلاة أو كلاما هذا معناه.\rقال علي: وليس امتناع رد السلام في الصلاة موجبا ألا يرد أيضا في الخطبة، لان الخطبة ليست صلاة، ولم يلزم فيها استقبال القبلة ولا شئ مما يلزم في الصلاة، وأما الخطبة فإنا نظرنا في أمرها فوجدنا المعهود، والاصل إباحة الكلام جملة، ثم جاء النهي عن الكلام في الخطبة، وجاء الامر برد السلام واجبا وإفشائه، فكان النهي عن الكلام زيادة على معهود الاصل، وشريعة واردة قد تيقنا لزومها، وكان رد السلام وإفشاؤه أقل معاني من النهي عن الكلام فوجب استثناؤه، فصرنا بهذا الترتيب الذي ذكرناه في القسم الاول آنفا.\rقال علي: ومن ذلك أمره عليه السلام: من نام عن الصلاة أو نسيها أن يصليها إذا ذكرها، ونهيه عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، وحين استواء الشمس، فقال بعض العلماء: معناه فليصلها إذا ذكرها إلا أن يكون وقتا\rمنهيا عن الصلاة فيها.\rوقال آخرون: معناه لا تصلوا بعد العصر، ولا بعد الصبح ولا حين استواء الشمس، إلا أن تكون صلاة نمتم عنها أو نسيتموها أو أمرتم بها ندبا أو فرضا أو تعودتموها.","part":2,"page":157},{"id":159,"text":"قال علي: فليس أحد الاستثناءين أولى من الثاني إلا ببرهان من غيرهما، ولكن العمل في ذلك أن يطلب البرهان على أصح العملين المذكورين من نص آخر غيرهما، فإن لم يوجد صبر إلى الاخذ بالزيادة، وبالله التوفيق.\rقال علي: ومن هذا قول الله تعالى: * (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) * ومع قوله تعالى لنا: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس فليس أحد النصين أولى بالاستثناء من الآخر، إلا بنص أو إجماع، لانه جائز أن يقول قائل: معناه: كنتم خير أمة أخرجت للناس إلا بني إسرائيل الذين فضلهم الله على العالمين، وجائز أن يقول قائل معناه: أني فضلتكم على العالمين إلا أمة محمد (ص) الذين هم خير أمة أخرجت للناس، فلابد من ترجيح أحد الاستثناءين على الآخر ببرهان آخر وإلا فليس أحدهما أولى من الثاني.\rقال علي: فنظرنا فوجدنا قوله تعالى: وقد قام البرهان على أنه ليس على عمومه، لان الملائكة أفضل نهم بيقين، فوقفنا على هذا، ثم نظرنا قوله تعالى كنتم خير أمة أخر للناس لم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس على ظاهره، لان الملائكة يدخلون في العالمين، وقد خرج من عموم ذلك الجن بالنصوص في ذلك، ولا يدخلون في الامم المخرجة للناس، فلما كان هذا النص لم يأت نص آخر ولا إجماع بأنه ليس على عمومه لم يجز لاحد بأن يخصه، فإذا لم يجز تخصيصه فالفرض الحمل له على عمومه، فإذا ذلك فرض، ولابد من أن نخص\rأحد ذينك النصين من الآخر، ولم يجز تخصيص هذا، فقد وجب تخصيص الآخر ولابد، إذ لا بد من تخصيص أحدهما، وهذا برهان ضروري صحيح من الخبر الثابت: بأن مثلنا مع من قبلنا كمن أجر أجراء فعملوا إلى نصف النهار بقيراط قيراط، ثم أجر آخرين فعملوا إلى العصر بقيراط قيراط، ثم أجر آخرين فعملوا إلى الليل بقيراطين قيراطين قال عليه السلام: فأنتم أقل عملا وأكثر أجرا وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: ونقول قطعا إنه لا بد ضرورة في كل ما كان هكذا، من دليل قائم بين البرهان على الصحيح من الاستثناءين والحق من الاستعمالين، لان الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه فلو لم يكن ههنا دليل لائح، وبرهان واضح لكان ضمان الله","part":2,"page":158},{"id":160,"text":"تعالى خائسا، وهذا كفر ممن أجازه، فصح أنه لا بد من وجوده لمن يسره الله تعالى لفهمه، وبالله تعالى التوفيق.\rوالوجه الرابع: أن يكون أحد النصين حاظرا لما أبيح في النص الآخر بأسره أي يكون أحدهما موجبا والآخر مسقطا لما وجب في هذا النص بأسره.\rقال علي: فالواجب في هذا النوع أن ننظر إلى النص الموافق لما كنا عليه لو لم يرد واحد منهما فنتركه ونأخذ بالآخر، لا يجوز غير هذا أصلا وبرهان ذلك أننا على يقين من أننا قد كنا على ما في ذلك الحديث الموافق لمعهود الاصل، ثم لزمنا يقينا للعمل بالامر الوارد بخلاف ما كنا عليه بلا شك فقد صح عندنا يقينا إخراجنا عما كنا عليه، ثم لم يصح عندنا نسخ ذلك الامر الزائد الوارد بخلاف معهود الاصل، ولا يجوز لنا أن نترك يقينا بشك، ولا أن نخالف الحقيقة للظن، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: * (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * وقال: * (وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون) * وقال تعالى ذاما لقوم قالوا حاكمين بظنهم: * (وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) * وقال رسول الله\r(ص): فإن الظن أكذب الحديث.\rولا يحل أن يقال فيما صح وورد الامر به هذا منسوخ إلا بيقين، ولا يحل أن يترك أمر قد تيقن وروده خوفا أن يكون منسوخا، ولا أن يقول قائل: لعله منسوخ، وكيف ونحن على يقين مقطوع به من أن المخالف لمعهود الاصل هو الناسخ بلا شك ولا مرية عند الله تعالى، برهان ذلك ما قد ذكرناه آنفا من ضمان الله تعالى حفظ الشريعة والذكر المنزل، فلو جاز أن يكون ناسخ من الدين مشكلا بمنسوخ، حتى لا يدرى الناسخ من المنسوخ أصلا، لكان الدين غير محفوظ، والذكر مضيعا قد تلفت الحامق فيه، وحاش لله من هذا وقد صح بيقين لا إشكال فيه، نسخ الموافق لمعهود الاصل من النصين الناقل عن تلك الحال إذ ورد ذلك النص، فهذا يقين الذي أمر الله تعالى به وأقره، وأقام الحجة به وأثبت البرهان وجوبه، ومدعي خلاف هذا كاذب مقطوع بكذبه إذ لا برهان له على دعواه، إلا الظن، والله تعالى يقول قل هاتوا برهانكم إن: كنتم صادقين فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس صادقا فيه أصلا،","part":2,"page":159},{"id":161,"text":"وصح النص أن جميع دين الله تعالى، فإن البرهان قائم ظاهر فيه، وحرم القول بما عدا هذا، لانه ظن من قائله بإقراره على نفسه، وقد حرم الله تعالى القول بالظن، وأخبر أنه خلاف الحق، وأنه أكذب الحديث، فوجب القطع على كذب الظن في الدين كله.\rوهذا أيضا برهان واضح في إبطال القول بالقياس، والتعليل والاستحسان فجميع المسائل الجزئيات إلى الشريعة، وفي جملة القول بكل ذلك، لان القول بكل ذلك ظن من قائله بلا شك، وبالله تعالى التوفيق.\rومن ذلك الحديث الوارد: في ألا يغتسل من الاكسال والحديث\rالوارد في الغسل منه، فإن ترك الغسل منه موافق لمعهود الاصل، إذ الاصل أن لا غسل على أحد إلا أن يأمره الله تعالى بذلك، فلما جاء الامر بالغسل وإن لم ينزل، علمنا يقينا أن هذا الامر قد لزمنا، وأنه للحكم الاول بلا شك، ثم لا ندري، أنسخ بالحديث الذي فيه أن لا غسل على من أكسل أم لا، فلم يسعنا ترك ما أيقنا أننا أمرنا به إلا بيقين، ومن ذلك أمره عليه السلام ألا يشرب أحد قائما، وجاء حديث بأنه عليه السلام شرب قائما، فقلنا نحن على يقين من أنه كان الاصل أن يشرب كل أحد كما شاء من قيام أو قعود أو اضطجاع، ثم جاء النهي عن الشرب قائما، بلا شك، فكان مانعا مما كنا عليه من الاباحة السالفة.\rثم لا ندري أنسخ ذلك بالحديث الذي فيه إباحة الشرب قائما أم لا ؟ فلم يحل لاحد ترك ما قد تيقن أنه أمر به خوفا أن يكون منسوخا.\rقال علي: فإن صح النسخ بيقين صرنا إليه، ولم نبال زائدا كان على معهود الاصل أم موافقا له، كما فعلنا في الوضوء مما مست النار، فإنه لولا أنه روى جابر: أنه كان آخر الامرين من رسول الله (ص) ترك الوضوء مما مست النار لاوجبنا الوضوء من كل ما مست النار، ولكن لما صح أنه منسوخ تركناه، وكذلك فعلنا في حديث أبي هريرة: من أدركه الصبح جنبا فقد أفطر لانه علمنا أنه موافق للحكم المنسوخ من ألا يأكل أحد ولا يشرب، ولا يطأ بعد أن ينام","part":2,"page":160},{"id":162,"text":"فنسخ ذلك بالاباحة بيقين، فصرنا إلى الناسخ.\rوكذلك أخذنا بالحديث الذي فيه إيجاب الوضوء من مس الفرج، لانه زائد على ما في حديث طلق من إسقاط الوضوء منه، لان حديث طلق موافق لمعهود الاصل.\rوأما من تناقض فأخذ مرة بحديث قد ترك مثله في مكان آخر، وأخذ بضده فذو بنيان هار يوشك أن ينهار به في مخالفة ربه عز وجل في قوله تعالى يحلونه\rعاما ويحرمو نه عاما قال علي: وإن أمدنا الله بعمر، وأيدنا بعون من عنده فسنجمع في النصوص التي ظاهرها التعارض كتبا كافية من غيرها إن شاء الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا به، فهذه الوجوه التي فيها بعض الغموض قد بيناها بتوفيق الله عز وجل، لا إله إلا هو.\rقال علي: وها هنا وجه خامس، ظنه أهل الجهل تعارضا ولا تعارض فيه أصلا ولا إشكال، وذلك ورود حديث بحكم ما، في وجه ما وورود حديث آخر بحكم آخر في ذلك الوجه بعينه، فظنه قوم تعارضا وليس كذلك، ولكنهما جميعا مقبولان ومأخوذ بهما، ونحو ذلك ما روي عن النبي (ص) من طريق ابن مسعود: بالتطبيق في الركوع، وروي من طريق أبي حميد الاكف على الركب فهذا لا تعارض فيه، وكلا الامرين جائز، أي ذلك فعله المرء حسن.\rقال علي: إلا أن يأتي أمر بأحد الوجهين فيكون حينئذ مانعا من الوجه الآخر، وقد جاء الامر بوضع الاكف على الركب، فصار مانعا من التطبيق على ما بينا من أخذ الزائد المتيقن في حال وروده، ومنعه ما كان مباحا قبل ذلك، وقد وجدنا أمرا ثابتا عن رسول الله (ص) بالاخذ بالركب، فخرج عن هذا الباب، وصح أن التطبيق منسوخ بيقين على ما جاء عن سعد إنا كنا نفعله ثم نهينا عنه، وأمرنا بالركب لكن من هذا الباب اغتساله (ص) بين وطئه المرأتين من نسائه رضي الله عنهن، وتركه الاغتسال بينهما حتى يغتسل من آخرهن غسلا واحدا.\rفهذا كله مباح، وهذا إنما هو في الافعال منه عليه السلام لا في الاوامر المتدافعة، ومثل ذلك ما روي عن نهيه عليه السلام عن الجمع بين المرأة وعمتها","part":2,"page":161},{"id":163,"text":"، والمرأة وخالتها، مع قوله تعالى، وقد ذكر ما حرم من النساء.\rثم قال تعالى\rوأجل لكم ما وراء ذلكم فكان نهي النبي (ص) مضافا إلى ما نهى الله عنه في هذه الآية المذكورة، ومثل ما حرم الله تعالى على لسان نبيه (ص) من لحوم الحمر والسباع وذوات المخالب من الطير، مع قوله تعالى: * (قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) * الآية.\rفكان ما حرمه الله تعالى على لسان نبيه (ص) مضافا إلى ما في هذه الآية ومضموما معه، وكذلك ما روي عن مسحه عليه السلام برأسه ثلاثا واثنتين وواحدة، وعلى ناصيته وعمامته، وعلى عمامته فقط كل ذلك مضموم بعضه إلى بعض، وشرائع لازمة كلها، وقد سقط ههنا قوم أساؤوا النظر جدا، فقالوا: إن ذكر بعض ما قلنا في نص ما، وعدمه في نص آخر، دليل على سقوطه.\rقال علي: وهذا إقدام عظيم، وإسقاط لجميع الشرائع، ويجب عليهم من هذا أن كل شريعة لم تذكر في كل آية وفي كل حديث هي ساقطة وهذا كفر مجرد، لانه لا فرق بين من قال لما قال الله تعالى: وأشهدوا إذا تبايعتم ولم يذكر الافتراق وقال عليه السلام: إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يترادان فلم يذكر الافتراق، دل ذلك على سقوط حكم الافتراق، وعلى تمام البيع دونه، فلا فرق بين هذا الكلام وبين من قال لما لم يذكر الله تعالى ورسوله عليه السلام في الآية المذكورة النهي عن بيع الغرر، وعن الملامسة والمنابذة، وعن بيع الخمر والخنازير، وجب أن يكون كل ذلك مباحا، ولما لم يذكر الله تعالى في قوله: قل لا أجد فيما أو حى إلى محرما على طاعم يطعمه الآية.\rإن العذرة حرام، وإن الخمر حرام، وجب أن يكون حلالا، وهذا الكلام مع أنه كفر فهو ساقط جدا، لانه لا يلزم تكرير كل شريعة في كل حديث، ولو لزم ذلك لبطلت جميع شرائع الدين أولها عن آخرها، لانها غير مذكورة في كل آية ولا في كل حديث.\rقال علي: ويبين صحة ما قلنا - من أنه لا تعارض بين شئ من نصوص القرآن\rونصوص كلام النبي (ص) وما نقل من أفعاله - قول الله عز وجل مخبرا عن رسوله عليه السلام: * (وما ينطق عن الهوى ئ إن هو إلا وحي يوحى) * وقوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقال تعالى ولو كان من عند غير الله","part":2,"page":162},{"id":164,"text":"لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * فأخبر عز وجل أن كلام نبيه (ص) وحي من عنده، كالقرآن في أنه وحي، وفي أنه كل من عند الله عز وجل، وأخبرنا تعالى أنه راض عن أفعال نبيه (ص)، وأنه موفق لمراد ربه تعالى فيها لترغيبه عز وجل في الائتساء به عليه السلام، فلما صح أن كل ذلك من عند الله تعالى، ووجدناه تعالى قد أخبرنا أنه لا اختلاف فيما كان من عنده تعالى - صح أنه لا تعارض ولا اختلاف في شئ من القرآن والحديث الصحيح، وأنه كله متفق كما قلنا ضرورة، وبطل مذهب من أراد ضرب الحديث بعضه ببعض، أو ضرب الحديث بالقرآن، وصح أن ليس شئ من كل ذلك مخالفا لسائره، علمه من علمه، وجهله من جهله، إلا أن الذي ذكرنا من العمل هو القائم في بديهة العقل الذي يقود إليه مفهوم اللغة التي خوطبنا بها في القرآن والحديث، وبالله تعالى التوفيق، وكل ذلك كلفظة واحدة وخبر واحد موصول بعضه ببعض، ومضاف بعضه إلى بعض، ومبني بعضه على بعض، إما بعطف وإما باستثناء، وهذان الوجهان - نعني العطف والاستثناء - يوجبان الاخذ بالزائد أبدا.\rوقد بين ذلك رسول الله (ص) - في حلة عطارد - إذ قال لعمر رضي الله عنه: إنما يلبس هذه من لا خلاق له ثم بعث إلى عمر حلة سيراء فأتاه عمر فقال: يا رسول الله أبعثت إلي هذه، وقد قلت في حلة عطارد ما قلت ؟ فقال عليه السلام: إني لم أبعثها إليك لتلبسها وفي بعض الاحاديث: إنما بعثتها إليك لتصيب بها حاجتك أو كلاما هذا معناه.\rففي هذا الحديث تعليم عظيم لاستعمال الاحاديث والنصوص والاخذ بها كلها، لانه (ص) أباح ملك الحلة من الحرير وبيعها وهبتها وكسوتها النساء، وأمر عمر أن يستثني من ذلك اللباس المذكور في حديث النهي فقط، وأن لا يتعدى ما أمر إلى غيره، وألا تعارض بين أحكامه عليه السلام قال علي: وفي هذا الحديث إبطال القياس، لان عمر رضي بين أحكامه عليه السلام الله عنه أراد أن يحمل الحكم الوارد في النهي عن اللباس على سائر وجوه الانتفاع به، فأخبره","part":2,"page":163},{"id":165,"text":"رسول الله (ص) أن ذلك باطل، وفيه أيضا أن حكمه عليه السلام في عين ما حكم على جميع نوع تلك العين، لانه إنما وقع الكلام على حلة سيراء كان يبيعها عطارد، ثم أخبر عليه السلام أن ذلك حكم جار في كل حلة حرير.\rوأخبر أن ذلك الحكم لا يتعدى إلى غير نوع اللباس، وهذا هو نص قولنا في عموم الحكم وإبطال القياس.\rقال علي: وقد استعمل قوم بعض الوجوه الذي ذكرنا في غير موضعه، ونحن نوقف على ذلك ونرى منه طرفا ليتنبه الطالب للعلم على سائره إذا ما ورد عليه إن شاء الله عز وجل، وما توفيقي إلا بالله.\rوذلك أننا قد قلنا باستعمال الحديثين إذا كان أحدهما أقل معاني من الآخر، بأن يستثنى الاقل من الاكثر، فيستعمل الاقل معاني على عمومه، ويستعمل الاكثر معاني - حاشا ما أخرجنا منه بالاستثناء المذكور - على ما بينا قبل - فورد حديث النبي (ص) فيه النهي عن استقبال القبلة واستدبارها لبول أو غائط، وورد حديث عن ابن عمر أنه أشرف على سطح فنظر إلى رسول الله (ص) قاعدا لحاجته على لبنتين وهو مستدبر القبلة.\rقال علي: فقال قوم: نستبيح استدبار القبلة واستقبالها في البنيان، ونمنع\rمنه في الصحارى.\rقال علي: وأخطؤوا من وجهين: أحدهما، تحكمهم في الفرق بين البنيان وغيره وليس في شئ من الحديثين نص ولا دليل على ذلك، بل وجدنا أبا أيوب الانصاري - وهو بعض رواة حديث النهي - قد أنكر ذلك في البيوت، فلو عكس عاكس فقال: بل يستباح ذلك في الصحارى ولا يستباح في البنيان، هل كان يكون بينهم وبينه فرق ؟ ومثل هذا في دين الله تعالى لا يستسله ولا يتمادى عليه - بعد أن يوقف عليه - ذو ورع، لقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) * مع آيات كثيرة تزجر عن ذلك وليس في حديث ابن عمر أن النبي (ص) كان في بنيان، بل قد وصفت عائشة","part":2,"page":164},{"id":166,"text":"رضي الله عنها أنهم كانوا يأنفون من اتخاذ الكنف في البيوت، وأنهم كانوا يتبرزون خارج المنازل، والرواية الصحيحة أنه عليه السلام كان إذا أراد أن يتبرز أبعد، وليس لاحد أن يقول: إن ابن عمر إذا أشرف من السطح رآه في بنيان إلا كان متكهنا فهذا وجه.\rوالوجه الثاني: أنه حتى لو صح أنه عليه السلام كان في بنيان فليس في ذلك الحديث إلا الاستدبار وحده، فبأي شئ استحلوا استقبال القبلة بالغائط، ولا نص عندهم فيه ؟ وليس إذا نسخ أو خص بعض ما ذكر في الحديث وجب أن ينسخ أو يترك سائره، فإن قالوا: بل يترك سائره كانوا متحكمين في الدين، ومسقطين لشرائع الله تعالى بلا دليل، وسنستوعب الكلام في هذا الفصل في باب الخصوص أو النسخ من كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل.\rولزمهم أيضا أن يقولوا: إن النبي (ص) لما نهى عن مهر البغي وحلوان الكاهن وثمن الكلب وكسب الحجام، ثم أباح كسب الحجام، أن يستباح حلوان الكاهن ومهر البغي وثمن الكلب،\rلان كل ذلك مذكور في حديث واحد، وإلا كانوا متناقضين.\rقال علي: ووجه العمل في هذين الحديثين، هو الاخذ بالزائد، وقد كان الاصل بلا شك أن يجلس كل أحد لحاجته كما يشاء، فحديث ابن عمر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود النهي، ثم صار ذلك النهي رافعا لتلك الاباحة بيقين، ولا يقين عندنا أنسخ شئ من ذلك النهي أم لا ؟ فحرام أن نترك يقينا لشك، وأن نخالف حقيقة لظن، وليس لاحد أن يقول: إن حديث ابن عمر متأخر، إلا لكان لغيره، أن يقول بل حديث النهي هو المتأخر، لانه قد رواه سليمان، وإسلامه في سنة الخندق، وأبو هريرة وإسلامه بعد انقضاء فتح خيبر، إلا أن النهي شريعة واردة رافعة لما كان الناس عليه من إباحة ذلك بيقين، ولا يقين عندنا في أن الاباحة عادت بعد ارتفاعها، ولو صح أن حديث ابن عمر كان متأخرا ما كان فيه إلا رفع النهي عن استدبار القبلة فقط، وليبق استقبالها على التحريم.","part":2,"page":165},{"id":167,"text":"فصل في تمام الكلام في تعارض النصوص قال علي: وذهب بعض أصحابنا إلى ترك الحديثين إذا كان أحدهما حاظرا والآخر مبيحا، أو كان أحدهما موجبا والآخر مسقطا.\rقال: فيرجع حينئذ إلى ما كنا نكون عليه لو لم يرد ذانك الحديثان.\rقال علي: وهذا خطأ من جهات، أحدها: أننا قد أيقنا أن الاحاديث لا تتعارض لما قد قدمنا من قوله تعالى: * (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * مع إخباره تعالى أن كل ما قال نبيه (ص) فإنه وحي فبطل أن يكون في شئ من النصوص تعارض أصلا، وإذا بطل التعارض فقد بطل الحكم الذي يوجبه التعارض، إذ كل شئ بطل سببه فالمسبب من السبب\rالباطل باطل بضرورة الحس والمشاهدة.\rوالثاني: أنهم يتركون كلا الخبرين والحق في أحدهما بلا شك، فإذا تركوهما جميعا فقد تركوا الحق يقينا في أحدهما، ولا يحل لاحد أن يترك الحق اليقين أصلا.\rوالثالث: أنهم لا يفعلون ذلك في الآيتين اللتين إحداهما حاظرة والاخرى مبيحة، أو إحداهما موجبة والثانية نافية، بل يأخذون بالحكم الزائد ويستثنون الاقل من الاكثر، وقد بينا فيما سلف أنه لا فرق بين وجوب ما جاء في القرآن، وبين وجوب ما جاء في كلام النبي (ص).\rقال علي: كان حجتهم في ذلك أن قالوا إن أحد الخبرين ناسخ بلا شك، ولسنا نعلمه بعينه، فلما نعلمه لم يجز لنا أن نقدم عليه بغير علم فيدخل في قوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم الآية.\rقال علي: وهذه الحجة فاسدة من وجهين، أحدهما: أنه يلزمهم مثل ذلك الآيتين وهم لا يفعلون ذلك.\rوالوجه الثاني: أنه لا يجوز أن يقال في خبر ولا آية: إن هذا منسوخ إلا بيقين.\rقال علي: ويكفي من بطلان هذا الذي احتجوا به أننا على يقين من أن الحكم الزائد على معهود الاصل رافع لما كان الناس عليه قبل وروده، فهو الناسخ بلا شك، ونحن على شك من هل نسخ ذلك الحكم بحكم آخر يردنا إلى ما كنا عليه أو لا ؟","part":2,"page":166},{"id":168,"text":"فحرام ترك اليقين للشكوك.\rوبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وقد اضطرب خاطر أبي بكر محمد بن داود رحمه الله إلى ما ذهبنا إليه إلا أنه رحمه الله اخترم قبل إنعام النظر في ذلك، وذلك أنه قال في كتاب الوصول والعمل في الخبرين المتعارضين كالعمل في الآيتين ولا فرق.\rقال علي: وقال بعض أهل القياس: نأخذ بأشبه الخبرين بالكتاب والسنة.\rقال علي: وهذا باطل، لانه ليس الذي ردوا إليه حكم هذين الخبرين أولى بأن يأخذ به من الخبرين المردودين إليه، بل النصوص كلها سواء في وجوب الاخذ بها، والطاعة لها، فإذ قد صح ذلك بيقين، فما الذي جعل بعضها مردودا وبعضها مردودا إليه، وما الذي أوجب أن يكون بعضها أصلا وبعضها فرعا، وبعضها حاكما وبعضها محكوما فيه ؟ فإن قال: الاختلاف الواقع في هذين هو الذي حط درجتهما إلى أن يعرضا على غيرهما.\rقال علي: وهذه دعوى مفتقرة إلى برهان، لانه ليس الاختلاف موجبا لكونهما معروضين على غيرهما، لان الاختلاف باطل، فظنهم أنه اختلاف ظن فاسد يكذبه قول الله عز وجل: * (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * فإذ قد أبطل الله تعالى الاختلاف الذي جعلوه سببا لعرض الحديثين على سنة أخرى أو آية أخرى، فقد وجب ضرورة أن يبطل مسببه الذي هو العرض، وهذا برهان ضروري، وبالله تعالى التوفيق قال علي: وإذا كانت النصوص كلها سواء في باب وجوب الاخذ بها، فلا يجوز تقوية أحدها بالآخر، وإنما ذلك من باب طيب النفس، وهذا هو الاستحسان الباطل وقد أنكره بعضهم على بعض.\rقال علي: وقد رجح بعض أصحاب القياس أحد الخبرين على الآخر بترجيحات فاسدة، نذكرها إن شاء الله تعالى، ونبين غلطهم فيها بحول الله تعالى وقوته.\rفمن ذلك أن قالوا: إن كان أحد الخبرين معمولا به قال علي: وهذا غير باطل لما نذكره إن شاء الله تعالى بعد هذا - في فصل فيه إبطال قوم من احتج بعمل أهل المدينة - إلا أننا نقول ها هنا جملة: لا يخلو الخبر","part":2,"page":167},{"id":169,"text":"قبل أن يعمل به من أن يكون حقا واجبا أو باطلا، فإن كان حقا واجبا\rلم يزده العمل به قوة، لانه لا يمكن أن يكون حق أحق من حق آخر في أنه حق، وإن كان باطلا فالباطل لا يحققه أن يعمل به.\rقال علي: واحتج بعضهم في وجوب ترجيح أحد الخبرين على الآخر.\rفقال: كما نرجح إحدى البينتين على الاخرى إذا تعارضتا مرة بالقرعة ومرة باليد.\rقال علي: وهذا هو عكس الخطأ على الخطأ ولسنا نساعدهم على ترجيح بينة على أخرى لا بيد ولا بقرعة، لان ذلك لم يوجبه نص ولا إجماع.\rوأيضا: فحتى لو صح ترجيح إحدى البينتين على الاخرى لما جاز ذلك في الحديثين، لان هذا قياس والقياس باطل، وأيضا فحتى لو صح ترجيح إحدى البينتين على الاخرى وكان القياس حقا، لكان ترجيح الحديثين أحدهما على الآخر لا يجوز لان الاختلاف في الحديثين باطل، والتعارض عنهما منفي بما ذكرنا من قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لو جدوا فيه اختلافا كثيرا وبإخبار تعالى أن كلام نبيه (ص) وحي كله، وأما البينتان فالتعارض فيهما موجود، والاختلاف فيهما ممكن قال علي: وقالوا إن كان أحد الخبرين حاظرا والآخر مبيحا فإنما نأخذ بالحاظر وندع المبيح.\rقال علي: وهذا خطأ لانه تحكم بلا برهان، ولو عكس عاكس فقال: بل نأخذ بالمبيح لقوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج ولقوله تعالى يديد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولقوله تعالى: يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا) * أما كان يكون قوله أقوى من قولهم ؟ ولكنا لا نقول ذلك، بل نقول: إن كل أمر من الله تعالى لنا فهو يسر، وهو رفع الحرج، وهو التخفيف، ولا يسر ولا تخفيف ولا رفع حرج أعظم من شئ أدى إلى الجنة ونجى من جهنم، وسواء كان حظرا أو إباحة، ولو أنه قتل الانفس والابناء والآباء قال علي: ويبطل ما قالوا أيضا بقوله عليه السلام: إذا نهيتكم عن شئ\rفاجتنبوه وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم.\rقال علي: فأوجب عليه السلام من الفعل ما انتهت إليه الطاقة، ولم يفسح في","part":2,"page":168},{"id":170,"text":"ترك شئ منه إلا ما خرج عن الاستطاعة، ووقع العجز عنه فقط، وقد ظن قوم أن هذا الحديث مؤكد للنهي عن الامر.\rقال علي: وهذا ظن فاسد لان الاجتناب ترك، والترك لا يعجز عنه أحد، وأما العمل فهو حركة لهكلفة أو إمساك عما تقتضيه الطبيعة من الاكل والشرب، وفي ذلك تكلف، وربما يعجز المرء عن كثير منه، فكلفنا من ذلك كل ما انتهى إليه الوسع، ولم يسقط عنا منه شئ إلا لم يكن بنا طاقة على فعله، هذا نص الحديث لمن تأمله ولم يحله عن مفهوم لفظه، فصح بذلك التسوية بين الامر والنهي، وإيجاب الطاعة للحظر والاباحة على السواء، فليس الحاظر بأوكد من المبيح، ولا المبيح بأوكد من الحاظر.\rقال علي: وقالوا: نرجح أيضا بأن يكون راوي أحد الخبرين أضبط وأتقن.\rقال علي: هذا أيضا خطأ بما قد أبطلنا - فيما سلف من هذا الباب - قول من رام ترجيح الخبر بأن فلانا أعدل من فلان، فأغنى ذلك عن إعادته، ولكنا نقول ههنا: إن هذا الذي الذي قالوا دعوى لا برهان عليها من نص ولا إجماع وما كان كذلك فهو ساقط.\rقال علي: وقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون رواه جماعة، وروى الآخر واحد.\rقال علي: وقد أبطلنا هذا - فيما سلف من هذا الباب - بأن القائلين بذلك قد تركوا ظاهر القرآن الذي نقله أهل الارض كلهم لخبر نقله واحد، ومثلنا ذلك بتحريمهم الجمع بين المرأة وعمتها، وقطعهم السارق في ربع دينار ولا يقطعونه\rفي أقل، ويرجمون المحصن ومثل هذا كثير، وبينا فيما خلا أن خبر الواحد وخبر الجماعة سواء في باب وجوب العمل بهما، وفي القطع بأنهما حق ولا فرق.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قصد به بيان الحكم، والآخر لم يقصد به الحكم، ومثلوا ذلك بالنهي عن جلود السباع مع قوله عليه السلام: إذا دبغ الاهاب فقد طهر.\rقال علي: أما هذا الترجيح فصحيح، لان الحديث إذا لم يقصد به بيان الحكم فلا إشكال فيه في أنه خلاف الذي قصد به بيان الحكم، وأما الحديثان","part":2,"page":169},{"id":171,"text":"اللذان ذكروا فليسا واقعين تحت هذه الجملة التي ذكروا، بل كل واحد من الحديثين المذكورين فهو مقصود به بيان الحكم والتنظير الصحيح ههنا هو مثل أمره (ص)، بأن يكفن المحرم إذا مات في ثوبيه، وألا يمس طيبا ولا يغطي وجهه ولا رأسه، فهذا قصد به بيان حكم العمل في تكفين المحرم، فهو أولى من منع من ذلك بما روي من قوله (ص): إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاث لان هذا الحديث لم يقصد به بيان حكم عملنا نحن فيمن مات من محرم أو غيره، وأيضا فحديث النهي عن جلود السباع لا يصح، ولو صح لكانت إذ دبغت جلودها يجب أن تستثنى من سائر الجلود السبعية التي لم تدبغ، لان المدبوغة منها أقل من غير المدبوغة.\rوقالوا: ونرجح أحد الخبرين بأن يكون راوي أحدهما باشر الامر الذي حدث به بنفسه وراوي الآخر لم يباشره، فتكون رواية من باشر أولى، ومثلوا ذلك بالرواية عن ميمونة: نكحني رسول الله (ص) ونحن حلالان.\rوبالرواية عن ابن عباس: نكح رسول الله (ص) ميمونة وهو محرم.\rقال علي: وهذا ترجيح صحيح، لانا قد تيقنا أن من لم يحضر الخبر إنما نقله\rغيره، ولا ندري عمن نقله، ولا تقوم الحجة بمجهول، ولا شك في أن كل أحد أعلم بما شاهد من أمر نفسه.\rقال علي: إلا أن قائل هذا قد نسي نفسه فتناقض، وهدم ما بنى في قوله نرجح الخبر بأن يكون راويه أضبط وأتقن، وتركوا ذلك في هذا المكان، وقد قال الاكابر من أصحاب ابن عباس رحمة الله عليه - إذ حدثوا بحديث ميمونة المذكور وإنما رواه عنها يزيد بن الاصم - فقالوا: كلا لا نترك حديثا حدثناه البحر عبد الله بن العباس لحديث رواه أعرابي بوال على عقبيه.\rقال علي: فإن كان كون أحد الرواة أعدل واجبا أن نترك له رواية من دونه في العدالة، فليتركوا ها هنا رواية يزيد بن الاصم لرواية ابن عباس، فلا خلاف عند من له أدنى مسكة عقل أن البون بين ابن عباس وبين يزيد بن الاصم، كما بين","part":2,"page":170},{"id":172,"text":"السماء والارض، وإن كان لا معنى لذلك، فلا ترجحوا بكون أحد الراويين أعدل.\rقال أبو محمد: ونسوا أنفسهم أيضا، فتركوا ما رجحوا به ها هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر، في قول أنس: أنا سمعت رسول الله (ص) وركبتي تمس ركبته وأنا إلى جنبه رديف لابي طلحة، وهو عليه السلام يقول: لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا وفي قول البراء بن عازب إذ يقول: سألت رسول الله (ص) عن كيفية حجه فقال له رسول الله (ص): إني سقت الهدي وقرنت.\rوفي قول حفصة أم المؤمنين له: لم تحل من عمرتك، فصدقها النبي (ص) في ذلك وبين عليها لم فعل ذلك، فتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله (ص)، وما أخبر به رسول الله (ص) عن نفسه، لكلام عن عائشة لم تدع أنها سمعته، وقد اضطرب عنها أيضا فيه، فروي عنها مثل ما قال أنس والبراء وحفصة رضي الله عن جميعهم، ولكلام عن جابر\rلم يدع أنه سمعه، وهو مع ذلك أيضا يحتمل التأويل، وقد اضطرب عنه أيضا في ذلك ولا شك عند ذي عقل أنه عليه السلام أعلم بأمر نفسه من جابر وعائشة، وأن أنسا والبراء وحفصة - الذين ذكروا أنهم سمعوا من لفظه (ص) ذلك، وباشروه يقول ذلك - أيقن من جابر فيما لم يدع أنه سمعه، ولكن هكذا يكون من اعتقد قولا قبل أن يعتقد برهانه: * (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) *.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قولا لم يختلف فيه، والآخر فعلا مختلفا فيه، ومثلوا ذلك برواية عثمان رضي الله عنه: لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب، وبالرواية في نكاح ميمونة مرة بأنه عليه السلام كان حلالا، ومرة بأنه عليه السلام كان محرما.\rقال علي: وهذا لا معنى له، لان العدل إذا روى شيئا قد بينا أنه لا يبطله خلاف من خالفه، ولا كثرة من خالفه، وليس العمل في الاخبار كدراهم قمار تلقى درهم بدرهم ويبقى الفضل للغالب، لكن خبر واحد يستثنى منه أخبار كثيرة،","part":2,"page":171},{"id":173,"text":"ويستثنى هو من أخبار كثيرة، أو يؤخذ به إذا كان زائدا عليها، أو يؤخذ بها إن كانت زائدة عليه.\rلان قائلها كلها وقائل ذلك واحد، أو فاعلها وفاعله، أو قائلها وفاعله، أو فاعلها وقائله واحد - وهو رسول الله (ص) - عن واحد هو الله عز وجل، وليس تكرار قوله بموجب منه ما لم يكن يجب لولا تكراره، وتركه تكرار ما لم يكرر لا يخرج ما لم يكرر عن وجوب الطاعة له، وإذا قال القول مرة واحدة فقد لزم فرضا كما لو كرره ألف مرة ولا مزيد، وإذا فعل الفعل مرة واحدة فالفضل في الائتساء به عليه السلام فيه، كما لو فعله ألف مرة ولا مزيد ولا فرق.\rولم يخص الله تعالى إذا أمرنا بطاعة رسوله (ص) فيما كرر دون ما لم يكرر، بل ألزمنا الطاعة لامره، وأمره مرة يسمى أمرا كما لو كرره ألف مرة، كل ذلك يقع عليه اسم أمر، ولا خص لنا تعالى إذا حضنا على الائتساء بنبيه (ص) ما فعله مرات دون ما فعله مرة، ولا ما فعله مرة دون ما فعله مرات، بل إذا فعل عليه السلام الفعل مرة فقد وقع عليه اسم أنه فعله ألف ألف مرة، كل ذلك يقع عليه اسم فعل، ومن قال غير هذا فقد تعدى حدود الله عز وجل، وشرع ما لم يأذن به الله عز وجل، وقفا ما لا علم له به، واستحق اسم الظلم والوعيد وبالله تعالى نعتصم.\rونسأل أيضا من أتى بهذا الهوس فنقول له: إذا سقط عندك ما صح أن رسول الله (ص) فعله مرة ثم لم يفعله بعدها، ولا نهى عنه بأنه لم يعد إليه، فما تقول فيما صح أنه عليه السلام فعله مرتين، ثم لم يعد إليه ولا نهى عنه ؟ فإن تركه من أجل ترك العود، سألناه عما فعله ثلاث مرات ثم لم يعد إليه ولا نزال نزيده مرة بعد مرة حتى يبدو سخف قوله إلى قول إلى كل ذي فهم، أو يترك قوله الفاسد ويرجع إلى الحق.\rقال علي: وإنما أخذنا بالمنع من نكاح المحرم برواية عثمان رضي الله عنه لانها زائدة على معهود الاصل، لان الاصل إباحة النكاح على كل حال بقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء فجا النهي من طريق عثمان من أن ينكح المحرم فتيقنا ارتفاع الحالة الاولى بلا شك، واستثنينا النهي حالة الاحرام عن النكاح من جملة العموم بإباحة النكاح، وشككنا هل نسخ هذا النهي بعد وجوبه أو لا ؟ فلم يجز لاحد","part":2,"page":172},{"id":174,"text":"ترك ما أيقن وجوبه بظن لم يصح، فصح يقينا لا مرية فيه أن حكم حديث ابن عباس في نكاح ميمونة قد نسخ وبطل بلا شك، ومن ادعى عود المنسوخ وبطلان الناسخ فقد كذب وأفك.\rثم حتى لو شككنا هل نسخ هذا النهي بعد وجوبه أو لا ؟ لم يجز لاحد ترك ما أيقن وجوبه بظن ولم يصح، وحتى ولو صح قول ابن عباس أنه نكحها وهو محرم - دون أن تخبر ميمونة رضوان الله عليها بخلاف ذلك، بل لو وافقته ميمونة على أنه عليه السلام نكحها وهو محرم - لما وجب بذلك ترك ما قد تيقناه من النهي عن نكاح المحرم الناسخ للاباحة المتقدمة لامر لا ندري أقبله كان أم بعده، وترك اليقين للشك وتغليب الظن على الحقيقة باطل وحرام لا يحل وهذا ما لا يخيل على ذي لب، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا فحتى لو صح أن نكاحه عليه السلام ميمونة رضي الله عنها كان حرما وأنه كان بعد نهيه عن نكاح المحرم - لما كان ذلك مبيحا لانكاح المحرم غيره، ولا لخطبته على نفسه، وعلى غيره، ولكان نكاح المحرم حينئذ منسوخا مستثنى من النهي الوارد عن نكاحه وإنكاحه وخطبته، ولكان باقي الحديث واجبا لازما لا يحل مخالفته، وهذه كلها وجوه لائحة واضحة، والحمد لله رب العالمين.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين، بأن يكون أحدهما اختلف على راويه فيه، والآخر لم يختلفوا على راويه فيه، ومثلوا ذلك بحديث ابن عمر، فإن زادت الابل على عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، وبحديث علي فإن زادت الابل على عشرين ومائة واحدة، ففي كل أربعين بنت لبون وفي خمسين حقة.\rقال علي: وهذا بين ليس من أجل الاختلاف - فقد أبطلنا ذلك في الفصل الذي قبل هذا - ولكن لان حديث ابن عمر هو الزائد حكما على حديث علي رضي الله عنهما.\rوقالوا أيضا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قد قيل فيه إنه من كلام الراوي، ولم يقل ذلك في الآخر، فأخذ بالذي لم يقل ذلك فيه، ومثلوا بحديث عتق الشقص الذي أحدهما من طريق ابن عمر دون أن يكون فيه ذكر الاستسعاء.\rوالآخر من طريق أبي هريرة وفيه ذكر الاستسعاء.\rقالوا وقد قيل: إن","part":2,"page":173},{"id":175,"text":"الاستسعاء من لفظ سعيد بن أبي عروبة، لان شعبة وهماما روياه عن قتادة ولم يذكر ذلك فيه، وقد قيل إنه من لفظ قتادة.\rقال علي: وهذا خطأ قد تابع سعيدا - على ذكر الاستسعاء - جرين بن حازم الازدي، وأبان بن يزيد العطار، ويزيد بن زريع، وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف كلهم لم يذكر فيه الاستسعاء عن قتادة مسندا إلى النبي (ص)، فالاخذ بالاستسعاء واجب لا يجوز تركه، لانه حكم زائد ثابت، وليس في حديث ابن عمر ما يضاده ولا ينافيه، وإنما فيه: فقد عتق منه ما عتق ولا يصح ما زاد فيه بعضهم من قوله: وقد رق ما رق ولا أتى ذلك من طرق تصح أصلا.\rقال علي: وتناقض في هذا الخبر أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة تناقضا فاحشا، فجعل أصحاب أبي حنيفة ذكره عليه السلام السائمة مسقطا للزكاة عما في حديث الآخر من عموم الزكاة في جميع الغنم، ولم يجعلوا قوله عليه السلام في حديث ابن عمر: فقد عتق منه ما عتق موجبا لا رقاق سائره، وقد كان يجب أن يطلبوا لقوله عليه السلام: فقد عتق منه ما عتق فائدة تنبئ أن ما لم يعتق منه لم يعتق كما قالوا في السائمة، ولم يجعل أصحاب مالك ذكر السائمة مسقطا للزكاة في غير السائمة بالعموم الذي في حديث ابن عمر في ذكره الغنم، وجعلوا قوله عليه السلام: فقد عتقوا منه ما عتق مسقطا لعتق باقيه المذكور في حديث أبي هريرة بالاستسعاء.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين، بأن يكون أحدهما اجتمع فيه الامر والفعل، وانفرد الآخر بأحدهما، فيكون الذي اجتمعا فيه أولى، ومثلوا ذلك بما روي من أنه عليه السلام سعى وأمر بالسعي بين الصفا والمروة، وبما روي من قوله عليه السلام: الحج عرفة.\rقال علي: وهذا لا معنى له، لان الحديث الذي فيه إيجاب السعي إنما صح من طريق أبي موسى، وهو زائد على ما روي من أن الحج عرفة، فوجب الاخذ بالشريعة الزائدة، وليس في حديث: الحج عرفة ما يمنع من وجوب الاحرام والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بمزدلفة.\rقال علي: وقد تناقضوا ههنا فأوجبوا السعي فرضا، ولم يسقطوا وجوبه، لما روي من أن الحج عرفة ولم يوجبوا الوقوف بمزدلفة، وذكر الله عز وجل فيها، وقد","part":2,"page":174},{"id":176,"text":"جاء النص الصحيح من القرآن والسنة بإيجاب ذلك فرضا، فأما القرآن فقوله تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكر والله عند المشعر الحرام وأما السنة فقوله عليه السلام لعروة بن مضرس: من أدرك الصلاة ههنا - يعني بمزدلفة - مع الناس والامام فقد أدرك، وإلا فلم يدرك أو كما قال عليه السلام، وتحكم أصحاب التقليد وأهل القياس أكثر من أن يحصيه إلا خالقهم الذي أحصى عدد القطر وورق الشجر ومكايل البحار، لا إله إلا وقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يوافقه عمل أهل المدينة.\rقال علي: وهذا هو باطل، وقد أفردنا له فصلا بعد كلامنا هذا في هذا الباب وبالله تعالى التوفيق، ومثلوا ذلك بأخبار رويت في الاذان والاقامة.\rقال علي: ولا يصح في ذلك خبر مسند إلا حديث أنس بن مالك رضوان الله عليه: أمر بلال أن يشفع الاذان ويوتر الاقامة وبه نأخذ.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قد علق الحكم فيه بالاسم، ويكون الآخر قد علق الحكم فيه بالمعنى، فيكون الذي علق الحكم فيه بالمعنى أولى.\rقال علي: وهذا لا معنى له، لانها دعوى بلا برهان، وإذ لو عارضهم معارض فقال: بل الذي علق فيه الحكم بالاسم أولى، لما انفصلوا منه، ومثلوا ذلك\rبقوله عليه السلام: من بدل دينه فاقتلوه مع نهيه عليه السلام عن قتل النساء.\rقال علي: وإنما أخذنا بقتل النساء المرتدات، لان النهي عن قتل النساء عموم، والامر بقتل من غير دينه مخصوص من ذلك العموم، على ما قدمنا قبل من استثناء الاقل معاني من الاكثر معاني، وأيضا فقد اتفقت الامة على أن نهيه عليه السلام عن قتل النساء ليس على ظاهره، واتفقوا أنها إن زنت وهي محصنة أنها تقتل، وإن قتلت مسلما أنها تقتل، وأيضا فإن نهيه عليه السلام عن قتل النساء، إنما هو داخل في جملة قوله: دماؤكم عليكم حرام فهو بعض تلك الجملة واستثنى كل من ورد أمر بإيجاب قتله أو إباحته من باغ أو شارب خمر بعد أن حد فيها ثلاثا، أو زان محصن، أو قاتل عمدا أو مرتد، وصح أن النهي عن قتل النساء إنما هو من الاسارى من أهل دار الحرب.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما منصوصا بنسبته إلى","part":2,"page":175},{"id":177,"text":"النبي (ص)، والآخر إنما ينسب إلى النبي (ص) استدلالا.\rقال علي: وهذا لا إشكال فيه، ولا يجوز أن يؤخد بشئ لم ينص عليه أنه عن النبي (ص) - أو يوقن بأنه عنه ببرهان لا يحتمل إلا وجها واحدا، ولا يجوز أن يكون عن غيره - إلا أن يكون إجماع في شئ ما، فيؤخذ به، والاجماع أيضا راجع إلى التوقف منه عليه السلام، لا بد من ذلك.\rقال علي: ومثلوا ذلك بالتشهد المروي عن عمر رضي الله عنه، أنه كان يعلمه الناس وهو على المنبر، وبالتشهد المروي عن ابن عباس وعائشة وأبي موسى وابن مسعود مسندا إلى النبي (ص).\rقال علي: وليس في تعليم عمر - رضي الله عنه - الناس التشهد على المنبر ما يدل على أنه عن النبي (ص)، وقد نهى عمر رضوان الله عليه وهو على المنبر\rعن المغالاة في مهور النساء، وعلم الناس ذلك، ولا شك عند أحد في أن نهيه عن ذلك ليس عن النبي (ص)، وأن ذلك من اجتهاد عمر فقط، وقد أقر رحمه الله بذلك في ذلك الوقت، ورجع عن النهي عنه، إذ ذكر أن نهيه مخالف لما في القرآن، وأما التشهدات المروية عن ابن عباس، وعائشة وابن مسعود، وأبي موسى رضوان الله عليهم، فهي التي لا يحل تعديها لصحة سندها إلى النبي (ص)، وقد خالف تشهد عمر - الذي علمه الناس على المنبر - ابنه عبد الله، وابن مسعود وابن عباس وعائشة، وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، وقد شهدوه يخطب به، وغاب عنهم من أنه حجة إجماعية ما ادعى هؤلاء لانفسهم من فهمه، ومن أنه يغيب عنهم، وهذا كما نرى.\rوقالوا: ونرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قد ثبت فيه الخصوص، والآخر لم يثبت فيه الخصوص، فغلب الذي لم يثبت فيه الخصوص، على الذي ثبت فيه، ومثلوا ذلك بآية النهي عن الجمع بين الاختين مع الآية التي فيها إباحة ذلك بملك اليمين.\rقال علي: الآية التي فيها إباحة ملك اليمين، أكثر معاني من الآيات التي فيها النهي عن وطئ الحريمة بنسب أو صهر، ومن التي فيها النهي عن الجمع بين الاختين، والام وابنتها، والمرأة المشتركة، ووطئ الحائض والصائمة والمحرمة","part":2,"page":176},{"id":178,"text":"والزانية، ووطئ الذكور المماليك، والبهائم المملوكة والمشتركة، فوجب استثناء كل ذلك، لانه أقل معاني مما أبيح بملك اليمين، فخرج كل ما ذكرنا بالتحريم، وتبقى الآية المسلمة التي ليس فيها شئ من الصفات التي ذكرنا على الاباحة، وكذلك الآية التي فيها: فانكحوا ما طاب لكم من النساء أكثر معاني من الآيات التي ذكرنا، فوجب استثناء كل ذلك بالتحريم، لانه أقل معاني مما أبيح بالنكاح،\rفنكون على يقين من استعمالنا جميع النصوص الواردة، وأننا لم نخالف منها شيئا ولا تناقضنا في تخصيص ما خصصنا، واستثنائنا ما استثنينا، وبالله تعالى التوفيق.\rوقالوا: ونرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما ورد جوابا، والآخر ورد ابتداء، فنغلب الذي ورد جوابا على الذي ورد ابتداء.\rقال علي: هذا خطأ، لانه قبل كل شئ تحكم بلا برهان، والبرهان أيضا على بطلان هذا الحكم قائم، وذلك أن رسول الله (ص) بعث معلما، وقد سئل عن شئ فأجاب عن أشياء كثيرة، وقد سئل عن شحوم الميتة فأجاب عليه السلام عنها ولعن اليهود، ونهى أيضا في ذلك الحديث عن بيع ما حرم من الميتات، ولم يكن سئل عن كل ذلك، ومثل هذا كثير، ولا فرق بين ما ورد من قوله عليه السلام جوابا، وبين ما ورد ابتداء، وكل ذلك محمول على عمومه، وعلى ما فهم من لفظه لا يحل أن يقتصر به على بعض ما يقع عليه ذلك اللفظ دون بعض، إلا بنص أو إجماع، وكذلك القول فيما ورد من القرآن جوابا عن سؤال متقدم، وقد سئل عن اليتامى فأجاب تعالى فيهم، ثم قال عز وجل وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء فأخبرهم عن النساء زائدا على ما سألوا عنه.\rقالوا: ونرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما من رواية من يختص بذلك المعنى، والآخر برواية من لا يختص به، ومثلوا ذلك برواية عائشة رضي الله عنها في الغسل من الاكسال على خبر من روى أن لا غسل منه.\rقال علي: وهذا باطل، لان الراوين أن لا غسل منه مختصون بالوطئ لنسائهم كاختصاص النساء ولا فرق - ولان كل عالم نفر للتفقه فهو مختص بالسؤال عن","part":2,"page":177},{"id":179,"text":"الحيض كسؤال المرأة عنه ولا فرق، وحرص العالم على أن يتعلم كحرص الممتحن\rبالنازلة التي يسأل عنها ولا فرق، وإنما أوجبنا الغسل من الاكسال لحديث أبي هريرة لانه زائد على سائر الاحاديث، لان الاصل أن لا غسل على أحد، وجاء حديث أبي هريرة بإيجاب الغسل، فكان شريعة واردة زائدة بيقين، ثم لم يصح أنها نسخت، ولو لم يكن في ذلك إلا حديث عائشة رضي الله عنها لما وجب به الغسل، لانه ليس فيه إلا: فعلت أنا ورسول الله (ص) فاغتسلنا.\rوليس في هذا الحديث إيجاب الغسل، وإنما فيه أن الغسل فضل فقط.\rوقد روي وصح أنه عليه السلام كان ربما اغتسل بين كل وطأتين وليس ذلك واجبا، فلو لم يكن هنا إلا قول عائشة رضي الله عنها لكان اغتساله عليه السلام من الاكسال كاغتساله بين كل وطأتين ولا فرق، وإنما هو عمل يؤجر من ائتسى به عليه السلام، ولا يأثم من لم يفعله غير راغب عنه، وبالله تعالى التوفيق.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين على الآخر، بأن يكون أحد المختلفين استعمل كل واحد من الخبرين في موضع الخلاف، فيكون أولى ممن لا يستعملها، ومثلوا ذلك بقوله (ص): كل امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل مع قوله عليه السلام: الايم أحق بنفسها من وليها.\rقال علي: وهذا الذي ذكروا لا معنى له، بوجه من الوجوه هو كلام ساقط زائف، لانه ليس عمل أحد الخصمين حجة على الآخر، إلا أن يأتي ببرهان يصحح عمله، وأما الحديثان اللذان ذكروا فإنما حملناهما على ظاهرهما فأبطلنا نكاح كل امرأة نكحت بغير إذن مواليها ثيبا كانت أو بكرا، على عموم الحديث.\rوظاهر لفظه المفهوم منه في بطلان نكاحها بغير إذنهم، وهو الذي لا يحل لاحد تعديه، وقلنا الايم أحق بنفسها من وليها في اختيار نكاح من شاءت، والاذن فيه أورده فلا اعتراض لوليها في ذلك عليها، ولا على كل بالغ من بكر - ذات أب أو يتيمة - بأحاديث أخر وآي مضافة بعضها إلى بعض، فاستثنينا الانكاح\rوحده وهو المنصوص عليه من سائر أحوالها، لانه الاخص فاستثني من الاعم، وكانت أحق بنفسها في سائر أمورها كلها من وليها حاشا عقد الانكاح وحده، وهذا هو لفظ الحديثين نصا بلا مزيد.","part":2,"page":178},{"id":180,"text":"وقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما يعضده قول الائمة، والآخر يعضده قول غيرهم، فيكون الذي أيده قول الائمة أولى، ومثلوا لذلك بالتكبير في العيدين سبعا في الاولى، وخمسا في الثانية، وبما روي من طريق حذيفة من تكبير ثلاث في الاولى قبل القراءة، وأربع في الثانية بعد القراءة.\rقال علي: وهذا لا معنى له، لما قد أبطلناه في باب إبطال الاحتجاج بعمل أهل المدينة من هذا الباب، وبما قد أبطلناه من القول بالتقليد في باب التقليد من هذا الكتاب، وإنما أخذنا بتكبير سبع وخمس، لانه فعل في الخير زائد وذكر لله تعالى ولان الخبر المروي في ذلك لا بأس به.\rوأما خبر حذيفة فليس يقوم بسنده حجة لما سنبينه في أمر موضعه من الكلام في أشخاص الاحاديث إن شاء الله.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون يميل إليه الاكثر من الناس.\rقال علي: وهذا لا معنى له، لما سنبينه في باب الاجماع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، ولان كثرة القائلين بالقول لا تصحح ما لم يكن صحيحا قبل أن يقولوا به، وقلة القائلين بالقول لا تبطل ما كان حقا قبل أن يقول به أحد، وقد بينا هذا جدا في باب إبطال قول من رجح الخبر بعمل أهل المدينة في آخر هذا الباب، وأيضا فإن القول قد يكثر القائلون به بعد أن كانوا قليلا، ويقلون بعد أن كانوا كثيرا، فقد كان جميع أهل الاندلس على مذهب الاوزاعي رحمه الله، ثم رجعوا إلى مذهب مالك، وقد كان جمهور أهل إفريقية ومصر على مذهب\rأبي حنيفة، وكذلك أهل العراق، ثم غلب على إفريقية مذهب مالك، وعلى مصر والعراق مذهب الشافعي، فيلزم على هذا أن القول إذا كثر قائلوه صار حقا، وإذا قلوا - كما ذكرنا - عاد باطلا، وهذا هو الهذيان نفسه.\rوقد احتج نصراني على مسلم بكثرة أهل القسطنطينية، وأنهم لم يكونوا لتجتمع تلك الاعداد على باطل، وهذا لا يلزم لمن رجح الاقوال بالكثرة، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول، بل الحق حق وإن لم يقل به أحد، والباطل باطل ولو اتفق عليه جميع أهل الارض.\rقال علي: ويكفي من كشف غمة من اغتر بالكثرة من أن نقول له: لا تغتر بكثرة من","part":2,"page":179},{"id":181,"text":"ترى من أصحاب المذاهب، فإنما هم ثلاثة رجال فقط: مالك والشافعي وأبو حنيفة، ولا مزيد فقد حصلنا من كل ما نرى على ثلاثة رجال فقط، وبالله تعالى التوفيق.\rوهم يخالفون هذا كثيرا، لانهم أخذوا بقول زيد في إبطال الرد على ذوي الارحام، وتركوا قول عمر، وعثمان، وعائشة، وابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين في ذلك.\rوأخذوا بقول من قال: إن القرء هو الطهر، وإنما قال به نحو ثلاثة من الصحابة، والجمهور على أنه الحيض، وقد ترك أيضا، أصحاب أبي حنيفة قول الجمهور في أشياء كثيرة.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يعضد أحدهما خبر مرسل قال علي: وهذا لا معنى له، لان المرسل في نفسه لا تجب به حجة، فكيف يؤيد غيره ما لا يقوم بنفسه ؟.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين، بأن يكون راوي أحدهما أشد تقصيا للحديث، ومثلوا ذلك بحديث جابر، يعني الحديث الطويل في الحج.\rقال علي: هذا لا معنى له، لان من حفظ أشياء كثيرة فليس ذلك بمانع أن\rيحفظ غيره بعض ما غاب عنه، مما جرى في تلك الاشياء التي حفظ أكثرها، وقد سمع أنس، والبراء، وحفصة من فم النبي (ص) في تلك الحجة ما لم يسمع جابر، وثقفوا ما لم يثقفه جابر، فالواجب قبول الزيادة التي عند هؤلاء على ما عند جابر، وقبول الزيادة التي عند جابر على ما عند هؤلاء، فنأخذ بروايتهم كلها ولا نترك منها شيئا، وكلهم عدل صادق، وهذا الذي لا يجوز غيره.\rوقالوا: نرجح أحد النصين، بأن يكون أحدهما مكشوفا، ويكون الآخر فيه حذف، فنأخذ بالمكشوف، ومثلوا ذلك بقوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله مع قوله تعالى: فإن أحصر تم فما استيسر من الهدى.\rقالوا: لان هذه الاخيرة فيها حذف، كأنه قال تعالى: فإن أحصرتم فأحللتم.\rقال علي: وهذا الذي ذكروا خطأ، لان آية الاحصار أخص من آية الاتمام، لان المحصرين هم بعض المعتمرين والحجاج، فواجب ضرورة أن يستثنوا","part":2,"page":180},{"id":182,"text":"منهم، مع ما روي عن النبي (ص) في ذلك من قوله عليه السلام: من كسر أو عرج فقد حل والحذف الذي ذكروا لا يعتد به إلا جاهل لان ما تيقن فقد يحذف في كلام العرب كثيرا، عن ذلك قوله تعالى: وإن كنتم من مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائظ أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء مسافرا لا يوجب عليه وضوءا إلا أن يحدث ومن ذلك قوله تعالى (ذلك كقارة لايمانكم إذا حلفتم) لا يختلف مسلمان في لان في هذه الآية خذفا وأن معناه ذا حلفتم فحنثتم، أو أردتم الحنث، كلا المعنيين قد قال به قوم، لان الحلف لا يوجب كفارة إلا بالحنث أو بإرادته.\rومن ذلك قوله عز وجل: أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه) وأن اضرب بعصاك البحر فانفلق لا خلاف عند ذي عقل في أن في كلتا الآيتين حذفا، وأنه كأنه تعالى قال: فضرب فانفلق، وضربت فانبسجت، فمثل هذا الحذف\rلا يتعلل به - في كلام الله تعالى، وفي كلام رسوله (ص)، وفي كلام كل متكلم - إلا جاهل مظلم الجهل لا علم له بمواقع اللغة وهو كالمذكور الذي لم يحذف سواء بسواء.\rومن ذلك أيضا قوله: * (كل من عليها فان) *، ونحن نقول في كل وقت قال تعالى، وقال عليه السلام، ولا يذكر اسم الله تعالى في ذلك، ولا اسم نبيه (ص)، اكتفاء منا بفهم السامع، وأن ذلك لا يخيل عليه البتة وكذلك قال تعالى حتى توارت الحجاب: ولم يذكر الشمس اكتفاء بأن السامع قد علم المراد ضرورة.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما ورد في لفظه حكمه، والآخر لم يرد في لفظه حكمه، ومثلوا ذلك بقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة وقوله عليه السلام: أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وقوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم: والمجنون حتى يفيق.\rقال علي: ليس في قوله عليه السلام: ورفع القلم عن ثلاث ما يوجب سقوط","part":2,"page":181},{"id":183,"text":"الحقوق عن أموالهم، وإنما فيه سقوط العبادات عن أبدانهم، وقد قالوا بإخراج الديات والاروش وزكاة ما خرج من الارض من مال الصبي والمجنون، وهو داخل في جملة الاغنياء وأسقطوا عنه زكاة الناض تحكما بلا برهان، فهلا قاسوا وجوب زكاة الناض عليه بوجوب زكاة ما أخرجت ثماره، عليه وبوجوب زكاة الفطر عليه ؟ وهم يدينون الله تعالى بالقياس، ويعصون له أوامر الله تعالى وأوامر رسوله (ص)، ولكن هكذا يتناقض من اتبع السبل فتفرقت بهم عن سبيل الله.\rوقالوا: نرجح أحد النصين بأن يكون مؤثرا في الحكم، والآخر غير مؤثر، ومثلوا ذلك بالاختلاف في زوج بريرة أحرا كان أم عبدا.\rقال علي: وهذا لا يعقل، لان التأثير الذي ذكروا تحكم بلا دليل، وليس في كونه عبدا ما يمنع من تخييرها تحت الحر، وحتى لو اتفق النقلة كلهم على أنه كان عبدا لما أوجب ذلك ألا تخيير تحت حر إذا جاء ما يوجب ذلك.\rوإنما نص النبي (ص) على تخيير الامة المتزوجة إذا أعتقت، ولم يقل عليه السلام - إنما خيرتها لانها تحت عبد، فوجب بالنص تخيير كل أمة متزوجة إذا أعتقت، ولا نبالي تحت من كانت، وليس من قال: إنها خيرت لانها كانت تحت عبد، بأولى ممن قال: بل لانها كانت أسود، وكل هذا لا معنى له، فكيف ولا اختلاف في الروايات، وكلها صحيح، فالذي روى - أنه كان عبدا - أخبر عن حاله في أول أمره، والذي روى - أنه كان حرا - أخبر بما صار إليه، وكان ذلك أولى لانه كان عنده علم من تحريره زائدا على من لم يكن عنده علم ذلك.\rوقالوا نرجح أحد الخبرين بأن يكون منقولا من طرق بألفاظ شتى، والآخر لم ينقل إلا من طريق واحد.\rومثلوا ذلك بحديث وابصة بن معبد الاسدي في إعادة المنفرد خلف الصف، وبحديث أبي بكرة في تكبيره دون الصف، وحديث ابن عباس في رده عليه السلام إياه عن شماله إلى يمينه، وحديث صلاة جدة أنس منفردة خلف النبي (ص).","part":2,"page":182},{"id":184,"text":"قال علي: أما كثرة الرواة فقد قدمنا إبطال الاحتجاج بها، لانهم يتركون أكثر ما نقله أهل الارض - برهم وفاجرهم - وهو ظاهر القرآن لما نقله واحد، فكيف يجوز لمن فعل ذلك أن يغلب ما نقله ثلاثة على ما نقله واحد ؟ وليس في التناقض وقلب المعقول أكثر من هذا، وأما الاحاديث التي ذكروا فلا حجة لهم فيها، وبعضها حجة عليهم.\rأما حديث أبي بكرة فقد نهاه النبي (ص) عن ذلك نصا وقال له:\rزادك الله حرصا ولا تعد فنهاه عن العودة إلى التكبير خلف الصف وحده، ولم يأمره عليه السلام بإعادة الصلاة.\rقال قوم: لان أبا بكرة جهل الحكم في ذلك قبل أن يعلمه النبي (ص) أن فعله ذلك لا يجوز، فأعلمه بنهيه إياه عن أن يعود لذلك كما أمر النبي (ص) الذي أساء الصلاة في حديث رافع بالاعادة مرة بعد مرة، فلما قال له: يا رسول الله، والله ما أدري غير هذا فعلمني، فعلمه، ولم يأمره حينئذ الاعادة، ولو أن أبا بكرة يعود لما نهاه عنه رسول الله (ص) لبطلت صلاته بلا شك، لانه كان يكون مؤديا لصلاة لم يؤمر بها غير الصلاة التي أمر بها بحكم ضرورة العقل، وقد قال عليه السلام: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.\rوالذي نقول به، وبالله تعالى التوفيق: أن خبر أبي بكرة موافق لمعهود الاصل في إباحة الصلاة حيث شاء وأنه حينئذ ثبت الامر بالمنع من الصلاة خلف الصف، فجازت صلاته الكائنة قبل ورود الامر، ولزم النهي عنه في المستأنف، ولان النهي عن الصلاة خلف الصف أمر وارد، وحكم زائد، وشرع حادث بلا شك، فهو ناسخ للاباحة المتقدمة بيقين، وأما الذي علمه النبي (ص) الصلاة بعد قوله: ارجع فصل فإنك لم تصل فإن الامر بالصلاة ثابت عليه ولا بد، ولازم حتى يؤديه كما أمره عليه السلام، وليس في ذلك الخبر أنه عليه السلام أسقط عنه لجهله ما كان أمره به من الصلاة ما دام وقتها قائما.\rفلا يجوز أن يسقط أمر متيقن بظن كاذب، وبالله تعالى التوفيق.\rوأما حديث جدة أنس بن مالك، فإنما ذلك حكم النساء، وهكذا نقول: إن حكم النساء في ذلك مخالف لحكم الرجال، وإن حكم المرأة والنساء ألا يصلين","part":2,"page":183},{"id":185,"text":"مع رجل في صفه، وهذا ما لا خلاف فيه، فأخذنا بحديث جدة أنس بن مالك\rفي النساء، وبحديث وابصة في الرجال، لانه جاء منصوصا في رجل صلى خلف الصف، فأخذنا بكلا الحديثين، وأطعنا أمره عليه السلام في جميع الوجهين، ولم نعص شيئا من أحكامه عليه السلام، ولا ضربنا بعضها ببعض، ولا أبطلنا بعضها ببعض، ولم نجعل فيها اختلافا وليس من ترك حديث وابصة لحديث جدة أنس بأولى من أن يكون مصيبا ممن ترك حديث جدة أنس لحديث وابصة، فأبطل ذلك على المرأة كإبطاله على الرجل، وكل ذلك لا يجوز، وليس أحد الحديثين أولى بالطاعة من الآخر، والغرض أن يستعملا جميعا فيما ورد فيه، فيؤمر الرجل الذي يصلي خلف الصف وحده بالاعادة، ولا تؤمر المرأة.\rوأما حديث ابن عباس: فإنه كبر مع النبي (ص) منفردا في مكان لا يصلح له الوقوف فيه، وهو جاهل بذلك غير عالم بالسنة فيه، فرده رسول الله (ص) إلى المكان الذي حقه أن يقف فيه، ولم يبطل ما عمل متأولا بغير علم، وكذلك نقول في الرجل المأمور بالاعادة، إنه لولا أن النهي من رسول الله (ص) كان قد تقدم عن ذلك لما أمر بالاعادة.\rوقد اعترض بعضهم باعتراضين غثين فقالوا: لعل أمر النبي (ص) لابي بكر ألا يعود، إنما كا من سعيه بالكد إلى الصلاة، فقيل لهم: نعم كذلك نقول: إنه عليه السلام نهاه بقوله: لا تعد عن كل عمل عمله على غير الواجب، وكان من أبي بكرة رضي الله عنه في ذلك الوقت أعمال منهي عنها، أحدها سعيه إلى الصلاة، والثاني تكبيره دون الصف، والثالث مشيه في الصلاة فعن كل ذلك نهاه عليه السلام بقوله: ولا تعد لا سيما وقد روينا نص قولنا بلا إشكال.\rكما حدثنا عبد الله بن ربيع قال: ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان الاسدي، ثنا أحمد بن جعفر، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الحجاج بن المنهال السلمي، حدثنا ملازم بن عمرو الحنفي، عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه\rعلي بن شيبان قال: صلينا مع رسول الله (ص) فقضى الصلاة، ورجل فرد يصلي خلف الصف.\rفوقف عليه رسول الله (ص) حتى قضى الرجل صلاته ثم قال له","part":2,"page":184},{"id":186,"text":"رسول الله (ص): استقبل صلاتك فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف.\rوالاعتراض الثاني أن قالوا: لعل المأمور بالاعادة إنما أمره عليه السلام بذلك لعمل ما، غير انفراده في الصف.\rفقيل لهم: هذا تكهن لا دليل عليه، والراوي الذي نقل ذلك من الصحابة رضي الله عنهم إنما أخبر أن سبب أمره بالاعادة كان انفراده، ولم يذكر غير ذلك، وقد قال تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) رسول الله (ص) من وشم في الوجه، ومن غير منار الارض، إنما لعنه لامر ما غير هذين الفعلين، ولعله عليه السلام جلد الامة التي زنت، ورجم ماعزا، ورجم الغامدية - لغير الزنى، ولشئ ما لم يذكر لنا.\rومثل هذا من الاعتراض فإنما هو عناد ظاهر وجهل شديد وإن العجب ليطول من أصحاب أبي حنيفة الذين يأمرون المرأة إذا صلت مع الرجل إلى جنبه - أن يعيد الرجل، ومن أصحاب مالك الذين يأمرون الامام - إذا صلى في مكان مرتفع والناس تحته - أن يعيد، فإن سئلوا عن الحجة في ذلك قالوا: لانهما صليا حيث لم يبح لهما، ولا يأمرون المنفرد خلف الصف والمصلي في مكان مغصوب بالاعادة، وكلاهما قد صلى على الحقيقة في مكان لم يبح له بلا شك، وأما الامام المصلي في المكان المرتفع، والرجل الذي صلت المرأة إلى جنبه بصلاته - وهو غير راض بذلك - فما صليا إلا كما أمر، وكما أبيح لهما، فلو عكس هؤلاء القوم أكثر مذاهبهم لاصابوا فكيف وقد صح نص قولنا عن النبي (ص)، كما حدثنا عبد الله بن ربيع قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن السليم،\rحدثنا ابن الاعرابي، ثنا أبو داود السجستاني، ثنا حميد بن مسعدة: أن يزيد بن زريع حدثهم قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن زياد الاعلم، قال: أنبأنا الحسن - وهو البصري - أن أبا بكرة حدثه قال: إنه دخل المسجد ونبي الله (ص) راكع فركعت دون الصف، فقال النبي (ص): زادك الله حرصا ولا تعد.\rقال علي: وحتى لو صح هذا الترجيح الفاسد الذي ذكرنا في أول كلامنا هذا،","part":2,"page":185},{"id":187,"text":"لكان حديث وابصة هو الذي يجب أن يؤخذ به، لان الاحاديث الواردة من طرق جمة وألفاظ شتى في تسوية الصفوف وإيجاب ذلك، والوعيد الشديد على خلافه - مؤيدة كلها لحديث وابصة وموافقة له، ومبطلة لصلاة من لم يقم الصف من الرجال، وكل من صلى وحده منفردا خلف الصف فلم يقم الصف، وتلك الاحاديث التي ذكرناها رواها جابر بن سلمة، وأبو مسعود البدري، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وأبو هريرة من طرق في غاية الصحة.\rوروي ذلك أيضا من طريق ابن عمرو، وأبي مالك الاشعري، والعرباض بن سارية، والبراء بن عازب، كلهم عن النبي (ص)، وقد ذكرنا أن حديث أبي بكر موافق لحديث وابصة، فثبت حديث وابصة لا معارض له، وصار بكثرة من ذكرنا من رواة معناه، والحكم الواجب فيه منقولا نقل التواتر، موجبا للعلم الضروري، لانه رواه اثنا عشر صاحبا، منهم الكوفي والبصري والرقي والشامي والمدني من طرق شتى، وهذه صفة نقل الكافة، وبالله تعالى التوفيق.\rوقالوا: نرجح أحد النصين بأن يكون أحدهما أبعد من الشناعة، ومثلوا ذلك بقوله تعالى: إن جاء كم بنبا فتبينوا الآية مع قوله عز وجل أو آخران من غير كم قال علي: وهذا لا معنى له، ولا شناعة إلا المخالفة لله ولرسول الله (ص)،\rوالتحكم بالآراء الفاسدة على ما أمرنا به، فهذه هي الشنعة التي لا شنعة غيرها.\rوقوله تعالى أو آخران من غير كم مستثنى من آية النهي عن قبول خبر الواحد الفاسق فلا يقبل فاسق أصلا إلا في الوصية في السفر فقط، فإنه يقبل فيها كافران خاصة دون سائر الفساق، ولا شنعة أعظم ولا أفحش ولا أقبح ولا أظهر من بطلان قول من قال وآخران من غير كم أي من غير قبيلتكم، تعالى الله عن هذا الهذر علوا كبيرا، وليت شعري أي قبيلة خاطب الله عز وجل بهذا الخطاب خاصة دون سائر القبائل، وقد قال تعالى في أول الآية: يا ايها الذين امنوا وما علمنا الذين أمنوا قبيلة بعينها.\rبل في الذين آمنوا: عرب، وفرس، وقبط، ونبط، وروم، وصقلب، وخزر، وسودان حبشة، وزنج، ونوبة، وبجاة، وبربر، وهند، وسند، وترك، وديلم، وكرد، فثبت بضرورة لا مجال للشك فيها، أن غير الذين آمنوا: هم الذين كفروا، ولا ينكر","part":2,"page":186},{"id":188,"text":"ذلك إلا من سفه نفسه، وأنكر عقله، وقال على ربه تعالى بغير علم ولا برهان، ولعمري لقد كان ينبغي أن يستحي قائلمن غيركم من غير قبيلتكم، من هذا التأويل الساقط الظاهر عواره، الذي ليس عليه من نور الحق أثر.\rوالعجب يكثر من أصحاب أبي حنيفة الذين يقبلون اليهود والنصارى في جميع الحقوق بعضهم على بعض، وقد نهاهم الله تعالى عن قبول الفاسقين، ثم لا يقبلونهم في الوصية في السفر، وقد جاء نص القرآن بقبولهم فيها، وحسبنا الله وما عسى أن يقال في هذا المكان أكثر من وصف هذا القول البشيع الشنيع الفظيع، فإن ذكره كاف من تكلف الرد عليه، وبالله تعالى التوفيق.\rوقالوا: ونرجع بأن يكون الاشتقاق يؤيد أحد النصين، ومثلوا ذلك بالشفق، وادعوا أن اشتقاقه يؤيد أنه الحمرة.\rقال علي: ما سمعنا هذا في علم اللغة ولا علمناه، ولا سمع لغوي قط أن الشفق\rمشتق من الحمرة، وإنما عهدنا الشعراء يسمون الحمرة والبياض - المختلطين في الجدود - بالشفق على سبيل التشبيه فقط، وإنما قلنا: إن وقت العشاء الآخرة يدخل بمغيب الحمرة، لان الحمرة تسمى شفقا والبياض يسمى شفقا، فمتى غاب ما يقع عليه اسم شفق من حمرة أو بياض فقد غاب الشفق ودخل وقتها بيقين الخبر في ذلك عن النبي (ص).\rوهذا هو القول بالعموم والظاهر.\rوأما من قال: حتى يغيب كل ما يسمى شفقا فقد خصص الحديث بلا معنى ولا برهان، وادعى أن المراد بذلك بعض ما يسمى شفقا وهو البياض، وأنه قد يغيب الشفق ولا يكون ذلك وقتا للعتمة، وذلك مغيب الحمرة.\rوهذا تخصيص للحديث بلا دليل، وإنما بينا هذا لئلا يموه مموه فيقول لنا: أنتم خصصتم الظاهر في هذا المكان، ولئلا يدعوا أنهم قالوا بعمومه في هذا المكان.\rوقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما يضيف إلى السلف نقصا والآخر لا يضف إليهم ذلك، فيكون الذي لا يضيف إليهم ذلك النقص أولى، ومثلوا ذلك بمثال لا يصح، فذكروا حديثين وردا في إعادة الوضوء من القهقهة في الصلاة، وفي إسقاط الوضوء منها وكلا الحديثين ساقط لا يصح.\rأحدهما رواه الحسن بن دينار وهو ضعيف، وروي مرسلا من طريق أبي العالية وقد","part":2,"page":187},{"id":189,"text":"بينا أن المرسل لا تقوم به حجة، والآخر رواه أبو سفيان عن جابر، وأبو سفيان طلحة بن نافع ضعيف.\rولكنا نمثل في ذلك مثالا يصح، وذلك الحديث المروي أن امرأة مخزومية سرقت، فشفع فيها أسامة ألا تقطع يدها، فأنكر عليه السلام على أسامة رضي الله عنه وقال له: يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله تعالى.\rوروي أيضا: أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر رسول الله\r(ص) بقطع يدها، فشفع فيها أسامة، فقال من رجح إحدى الروايتين بما ذكرنا، محال أن يزجر النبي (ص) أسامة عن أن يشفع في حد ثم يعود لمثل ذلك، فراموا أن يثبتوا بذلك أنها قصة واحدة وامرأة واحدة، وأنها قطعت للسرقة لا لجحد العارية.\rقال علي: هذا لا معنى له ولا حجة فيه، لاننا لم نقل إن أسامة رضي الله عنه أقدم على ذلك وهو يعلمه حدا، وليس في الحديث زجر، وإنما فيه تعليم ولسنا ننكر على أسامة وغير أسامة جهل شريعة ما حتى يعلمه إياها رسول الله (ص)، ومن قال في خبر ورد في سارقة، وخبر ورد في مستعيرة إنها قصة واحدة، فقد كان كابر وقال بغير برهان، وقفا ما ليس له به علم.\rوأما نحن فنقول يقينا بغير شك: إن حال المستعيرة غير حال السارقة، وإن العارية والجحود غير السرقة، وإنهما قضيتان متغايرتان بلا شك، ثم لسنا نقطع على أنهما امرأتان، ولا على أنها امرأة واحدة، لان كل ذلك ممكن، وقد يمكن ولو كانت امرأة واحدة أن تكون سرقت مرة فقطعت يدها، ثم استعارت فجحدت فقطعت يدها الثانية، والله تعالى أعلم، وإنما نقول ما روينا وصحح عندنا، ولا نزيد من رأينا ما لم نسمع، ولا قام به برهان، فنحصل في حد الكذب، ونعوذ بالله من ذلك، إلا أننا نقول: إنا قد روينا بالسند الصحيح أن رسول الله (ص) أمر بقطع يد امرأة استعارت المتاع وجحدته، فنحن نقطع يد كل مستعير جاحد إذا قامت عليه بذلك بينة، أو علم بذلك الحاكم، أو أقر هو بذلك.\rونقول قد روينا أنه عليه السلام قطع يد من سرق، فنحن نقطع يد من سرق إذا ثبت عليه شئ مما ذكرنا.\rهذا على أن حديث قطع المستعيرة قد روي من","part":2,"page":188},{"id":190,"text":"غير طريق عائشة رضي الله عنها بسند صحيح، ليس فيه ذكر شفاعة أسامة ولا شئ مما\rفي حديث السارقة، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: ولهم ترجيحات فاسدة جدا، والتي ذكرنا تستوعبها كلها، وقد بينا سقوطها بالبراهين الواضحة وبتعري دعاويهم من الادلة، وعلى ذلك فكل ما رجحوا به في مكان ما فقد تركوه في أمكنة كثيرة، وقد بينا الوجوه التي بها يرفع التعارض المظنون عن النصوص من القرآن والحديث، بيانا لائحا والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rفصل قال علي: قد بينا فيما قبل هذا بحول الله تعالى وقوته كيف يستثنى ما جاء في الحديث مما جاء في القرآن، وما جاء في القرآن مما جاء في الحديث، وما جاء في كل واحد منهما من خاص مما جاء فيهما من عام، ووجه الاخذ بالزائد في كل ذلك، وذكر تخبط من خالف تلك الطريقة في حيرة التناقض وغلبة الشكوك على أقوالهم، وبقي من خبال قولهم شئ نذكره ههنا إن شاء الله تعالى، وهو أن بعضهم رأى أن يرد بعض ما بلغه عن النبي (ص) مما قد أخذ بمثله فيما بين من المواضع، فقال: لا يجوز تخصيص القرآن بالخبر عن النبي (ص)، وقد بينا فيما خلا أن القوم إنما حسبهم نصر المسألة التي بين أيديهم فقط، بأي شئ أمكنهم، وإن هدموا على أنفسهم ألف مسألة مما يحتجون به في هذه، ثم لا يبالون إذا تناولوا مسألة أخرى أن يحققوا ما أبطلوا في هذه ويبطلوا ما حققوا فيها، فهم أبدا كما ترى يحلونه عاما ويحرمونه عاما.\rولقد كان ينبغي لمن ترك قول الله تعالى: فلمخ تجدوا ماء فتيموا صعيدا طيبا لحديث الو ضوء بالنبيذ المسكر الحرام، وهو لا يصح أبدا، ولمن ترك قول الله تعالى: فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان فقال بل يتبعه بالضرب بالسياط والنفي في البلاد، ومثل هذا كثير - أن يستحي\rمن أن يقول: لا أخصص القرآن بالحديث الصحيح الذي نقله الثقات.\rوإن العجب ليطول ممن أبى قبول خبر الواحد في الحكم باليمين مع الشاهد","part":2,"page":189},{"id":191,"text":"وفي تمام صيام الآكل ناسيا، وفي التحريم بخمس رضعات، وفي قضاء الصيام عمن مات وعليه صوم، وفي ألا يحنط المحرم الميت، وفي مئين من الاحكام، ثم لا يستحي من أن يقول: لا أجلد الزاني المحصن.\rوقد جاء القرآن بجلد كل زان ولم يخص محصنا من غيره، فقال تعالى: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولم يخص تعالى من ذلك إلا الاماء والعبيد فقط.\rفتركوا القرآن كما ترى والسنة الصحيحة من طريق عبادة في إيجاب الجلد على الزاني محصنا كان أو غير محصن، لظن ظنوه في أن ماعزا رجم ولم يجلد، وقد علمنا وجه قول المعتزلة لا نأخذ بالحديث إلا حتى نجد حكمه في القرآن، وما علمنا وجها لقول من قال لا نأخذ بالقرآن حتى يأتي حكمه في الحديث.\rوهذا هو نفس قول إخواننا، وفقهم الله في هذا المسألة، وإنما روي أن رسول الله (ص) لم يجلد ماعزا، من طريق ساقطة لا يقوم به حجة.\rوقد فعل مثل ذلك أيضا بعضهم، فسمع القرآن قد نزل بقوله تعالى: * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) * فقالوا: لا نستعيذ إذا قرأنا في الصلاة، لانه لم يأت خبر بإيجاب الاستعاذة، فمرة يتركون الاخبار الصحاح لانها لم تذكر أحكامها في القرآن، ومرة يتركون القرآن لان حكمه لم يأت به خبر، فأين تطلب مذاهب هؤلاء القوم، وكيف يستجيزون هذه العظائم الشنيعة التي لا تطرد مع خطئها، وعدم الحجة عليها وقيام البرهان على بطلانها.\rوقد اعترض بعضهم في ترك الاستعاذة بما روي عن النبي (ص): كان يفتتح القرآن بالحمد لله رب العالمين.\rقال علي: وهذا من غريب احتجاجهم، وليت شعري متى قلنا لهم إن الاستعاذة قراءة يحتجون علينا بها، وإنما قلنا لهم: إن الاستعاذة قبل القراءة، وبعد ما روي من التوجيه والدعاء أثر التكبير، وأما استفتاح القراءة فبالحمد لله رب العالمين بلا شك، ولا نقول غير ذلك.\rقال علي: فإن قالوا لنا: أتقولون إن ماعزا جلده النبي (ص)، وأنه عليه السلام كان يستعيذ قبل القراءة في الصلاة ؟ قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق: إنا نقول ونقطع","part":2,"page":190},{"id":192,"text":"أن الله عز وجل قد أمر بجلد كل زان على كل حال، وأن رسول الله (ص) قد حكم على الزاني المحصن بالجلد مع الرجم، وأنه عليه السلام لم يخالف ربه قط، ولا شك عندنا في أن ماعزا جلد مع الرجم، ولا ندري إن كان أمره بعد ورود النص بالجلد مع الرجم وقد يمكن أن يكون رجمه قبل نزول آية الجلد، فقد روينا بأصح طريق أنه قيل لبعض الصحابة رضوان الله عليهم في رجم رسول الله (ص) المحصن والمحصنة أكان ذلك قبل نزول سورة النور أم بعد نزولها ؟ فقال: لا أدري، فصح قولنا، وكذلك فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد النبي (ص) فإنه جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها.\rوكذلك نقول أيضا إن الله عز وجل قد أمر كل قارئ بالاستعاذة، وأن رسول الله (ص) لم يخالف أمر ربه قط، ولا شك عندنا في وجوب الاستعاذة في الصلاة وقد استعاذ قبل القراءة جماعة من الصحابة.\rروينا ذلك عنهم بالسند الصحيح، وما روي إنكار ذلك عن أحد منهم، ولا يبطل ما صح بقول القائل لعله نسخ، ولا بأن يروى أنه عليه السلام كرره وكذلك إن كان أمرا فلا يبطل بألا يروى أنه عليه السلام فعله، وقد بينا أن الامر ساعة وروده يلزم ما لم يتيقن نسخه، ولو كان الامر لا يصح إلا بأن يكرر للزم مثل ذلك في التكرار،\rوفي تكرار التكرار إلى ما لا نهاية له، وللزم مثل ذلك في الافعال، فكان لا تصح شريعة أبدا.\rوهذا قول يؤدي إلى إبطال جميع الشرائع وإلى الكفر، وليس الامر الثاني بأوكد من الاول أصلا.\rقال علي: ثم نعكس عليهم هذا السؤال الفاسد فنقول لمن كان منهم مالكيا أتقول: إن رسول الله (ص) أخذ الزكاة من زيت الفجل، ومن الفول والعلس ومن عروض التجارة، وقد كان ذلك موجودا بالمدينة، وكانت التجارة هي الغالبة على المهاجرين، ومعاش جميع أهل مكة لا نحاشي منهم أحدا في أيامه عليه السلام وهل حكم رسول الله (ص) بالشفعة في الثمار، وقد كانت تتبايع على عهده بالمدينة بلا شك ؟.","part":2,"page":191},{"id":193,"text":"ونقول له إن كان حنفيا: أتقول إنه عليه السلام أخذ الزكاة من القثاء والرمان والخضروات والقطن.\rونقول لمن كان منهم شافعيا: هل تقول إنه عليه السلام بسمل ولا بد في كل ركعة قبل أم القرآن ؟.\rفإن قالوا: قد قام الدليل على كل ما ذكرنا ولا ينسب إلى رسول الله (ص) خلاف ما أوجبه القرآن، وخلاف ما جاء به أمره، قلنا لهم: هذا قولنا نفسه في جلد ماعز، وفي الاستعاذة.\rفإن قالوا: نعم، قد فعل ذلك كله رسول الله (ص) قالوا: ما لم يأت في شئ من الروايات أنه فعله عليه السلام فلا ينكروا هذا على من قاله فيما جاء به نص كلام الله عز وجل، وإن قالوا: لم يفعله عليه السلام، ولكنا أوجبناه بالدلائل، أقروا على أنفسهم بالكفر وبإحداث شريعة لم يأذن بها الله تعالى، ولا علمها الرسول (ص) وصرحوا بأن النبي عليه السلام خالف أمر ربه جاهرا وضيع الواجب، وأنهم استدركوا ذلك وعملوا بأمر ربهم، وهذا\rلا يقوله مسلم، والله الموفق للصواب.\rفصل قال علي: وقد يرد خبر مر سل إلا أن الاجماع قد صح بما فيه متيقنا منقولا جيلا فجيلا، فإن كان هذا علمنا أنه منقول نقل كافة كنقل القرآن، فاستغني عن ذكر السند فيه، وكان ورود ذلك المرسل، وعدم وروده سواء ولا فرق، وذلك نحو: لا وصية لوارث وكثير من أعلام نبوته (ص)، وإن كان قوم قد رووها بأسانيد صحاح فهي منقوله نقل الكافة كشق القمر مع أنه مذكور في القرآن، وكإطعامه النفر الكثير من الطعام اليسير، وكسقيه الجيش من ماء يسير في قدح وكصبه وضوءه في البئر فانثالت بماء عظيم بتبوك، وكرميه التراب في عيون أهل حنين، فأصابت جميعهم وهي مذكورة في القرآن.\rوأما المرسل الذي لا إجماع عليه فهو مطروح على ما ذكرنا، لانه لا دليل عن قبوله البتة، فهو داخل في جملة الاقوال التي إذا جمع عليها قبلت، وإذا اختلفت فيها سقطت، وهي كل قولة لم يأت بتفصيلها باسمها نص.\rومن قال بذلك دون","part":2,"page":192},{"id":194,"text":"برهان كان عاصيا لقول الله تعالى: قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن ووالبغى الحق وأن تشر كون بالله ما لم ينزل به مسلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعملون قال علي: وإن العجب ليكثر من الحنفيين، والمالكيين، فإنهم يأبون قبول خبر الواحد في عدة مواضع، ويقولون: قد جاء القرآن بخلافها، نعم ويتركونها والقرآن موافق لها على ما قد ذكرنا، ثم يتركون القرآن لنقل لا أحد، فإن قال قائل: وكيف ذلك ؟ قلنا له وبالله تعالى التوفيق: إنهم يقولون كثيرا بالمرسل، وهو نقل لا أحد لان المسكوت عن ذكره المجهول حاله هو ومن هو\rمعدوم سواء.\rوبالله تعالى التوفيق.\rفصل أجاز بعض أصحابنا أن يرد الحديث الصحيح قال علي: وقد أجاز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح عن النبي (ص)، ويكون الاجماع على خلافه، قال وذلك دليل على أنه منسوخ.\rقال علي: وهذا عندنا خطأ فاحش متيقن، لوجهين برهانيين ضروريين: أحدهما: أن ورود حديث صحيح يكون الاجماع على خلافه معدوم، لم يكن قط ولا هو في العالم فمن ادعى أنه موجود فليذكره لنا، ولا سبيل له والله إلى وجوده أبدا.\rوالثاني: أن الله تعالى قد قال: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فمضمون عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن ما تكفل الله عز وجل بحفظه فهو غير ضائع أبدا، لا يشك في ذلك مسلم، وكلام النبي (ص) كله وحي بقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى ئ إن هو إلا وحي يوحى) * والوحي ذكر بإجماع الامة كلها، والذكر محفوظ بالنص، فكلامه عليه السلام محفوظ بحفظ الله عز وجل ضرورة، منقول كله إلينا لا بد من ذلك.\rفلو كان هذا الحديث الذي ادعى هذا القائل أنه مجمع على تركه، وأنه منسوخ كما ذكر لكان ناسخه الذي اتفقوا عليه قد ضاع ولم يحفظ، وهذا تكذيب لله عز وجل في أنه حافظ للذكر كله، ولو كان ذلك لسقط كثير مما بلغ عليه السلام عن ربه، وقد أبطل ذلك رسول الله (ص) في قوله في حجة الوداع: اللهم هل بلغت.","part":2,"page":193},{"id":195,"text":"قال علي: ولسنا ننكر أن يكون حديث صحيح وآية صحيحة التلاوة منسوخين بحديث آخر صحيح، وإما بآية متلوة، ويكون الاتفاق على النسخ المذكور قد ثبت، بل هو موجود عندنا، إلا أننا نقول: لا بد أن يكون الناسخ لهما موجودا أيضا عندنا، منقولا إلينا محفوظا عندنا، مبلغا نحونا بلفظه، قائم النص\rلدينا، لا بد من ذلك، وإنما الذي منعنا منه - فهو أن يكون المنسوخ محفوظا منقولا مبلغا إلينا، ويكون الناسخ له قد سقط ولم ينقل إلينا لفظه، فهذا باطل عندنا، لا سبيل إلى وجوده في العالم أبد الابد، لانه معدوم البتة، قد دخل - بأنه غير كائن - في باب المحال والممتنع عندنا، وبالله تعالى التوفيق فصل قال علي: وإذا قال الصحابي: السنة كذا، وأمرنا بكذا، فليس هذا إسنادا، ولا يقطع على أنه عن النبي (ص)، ولا ينسب إلى أحد قول لم يرو أنه قاله ولم يقم برهان على أنه قاله، وقد جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: كنا نبيع أمهات الاولاد على عهد رسول الله (ص)، حتى نهانا عمر فانتهينا.\rوقد قال بعضهم: السنة كذا، وإنما يعني أن ذلك هو السنة عنده على ما أداه إليه اجتهاده، فمن ذلك ما حدثناه حمام، ثنا الاصيلي، ثنا أبو زيد المروزي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا أحمد بن محمد، ثنا عبد الله، أنبأ يونس، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله، قال: كان ابن عميقول: أليس حسبكم سنة نبيكم (ص) إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا وبالمروة، ثم حل من كل شئ حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا.\rقال أبو محمد: ولا خلاف بين أحد من الامة كلها أن النبي (ص) إذ صد عن البيت لم يطف به، ولا بالصفا والمروة، بل أحل حيث كان بالحديبية ولا مزيد، وهذا الذي ذكره ابن عمر لم يقع قط لرسوله (ص).\rحدثنا حمام بن أحمد قال: ثنا عياش بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن قال: ثنا محمد بن إسماعيل الصايغ، ثنا عبد الله بن بكر السهمي، ثنا سعيد بن أبي عروبة عن مطر هو - الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبصه بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص.","part":2,"page":194},{"id":196,"text":"قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا (ص) عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية، ثنا أحمد بن شعيب، ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا يحيى هو ابن سعيد القطان، ثنا عبد المجيد بن جعفر، ثنا وهب بن كيسان قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير، فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال الخطبة، ثم نزل فصل ركعتين، ولم يصل للناس يومئذ الجمعة، فذكر ذلك لابن عباس، فقال: أصاب السنة.\rقال أبو محمد: وقد صح عن ابن عباس أنه قرأ أم القرآن على الجنازة في الصلاة وجهر، وقال: إنها سنة، كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، ثنا أبو إسحاق البلخي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن سعد، عن طلحة، قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب قال: لتعلموا أنها سنة - سعد هذا هو - ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - وطلحة - هو ابن عبد الله بن عوف، وروي عن أنس: أنه أفطر في منزله في رمضان إذا أراد السفر قبل أن يخرج قال: إنها سنة.\rوخصومنا في هذا الموضع لا يقولون بشئ من هذا، فقد نقضوا أصلهم ومن أضل ممن لا يجعل قول هؤلاء: هي السنة سنة، ويجعل قول سعيد بن المسيب في دية أصابع المرأة: هي السنة سنة.\rقال أبو محمد: فلما وجدنا ذلك منصوصا عنهم، لم يحل لنا أن ننسب إلى النبي (ص) شيئا لا نعمله، فنكون قد دخلنا في نهي الله عز وجل إذ يقول: * (ولا تقف ما ليس لك به علم فمن أقدم على هذا فهو قليل الورع حاكم بالظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، وهذا مذهب أهل الصدر الاول، كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي، عن عبد الملك بن عمر الخولاني، عن محمد بن بكر المصري، عن سليمان بن الاشعث، ثنا\rعبد الله بن معاذ، أخبرني أبي، ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: استحيضت امرأة على عهد رسول الله (ص) فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر، وتغتسل لهما غسلا، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلا، وتغتسل لصلاة","part":2,"page":195},{"id":197,"text":"الصبح غسلا، فقلت لعبد الرحمن: أعن النبي (ص) ؟ قال: لا أحدثك عن النبي (ص) شئ.\rقال علي: فهذا عبد الرحمن يحكي أنها أمرت في عهد النبي (ص) ولم يستجز أن يقول: ومن يأمر بهذا إلا النبي (ص)، لا سيما في حياته عليه السلام، وإنما أقدم على القطع في هذا، من قل فهمه، ورق ورعه، واشتغل بالقياسات الفاسدة، عن مراعاة حديث النبي (ص) وألفاظ القرآن.\rوقد قال بعضهم: إذا جاء عن صاحب فتيا من قوله، إلا أن فيها شرع شريعة أو حدا محدودا، أو وعيدا، فإن هذا مما لا يقال بقياس، ولا يقال إلا بتوقيف فاستدل بذلك على أنه من رسول الله (ص).\rقال علي: وقائل هذا القول الساقط يقر أنهم رتبوا في الخمر ثمانين برأيهم، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك، ونحن نجد أنهم رضي الله عنهم قالوا بكل ما ذكرنا بآرائهم، ورسول الله (ص) حي وبعد موته، فقد قال طائفة من الصحابة: حبط عمل عامر بن الاكوع، إذ ضرب نفسه بسيفه في الحرب، فأكذب النبي (ص) ذلك، وعمر قد قال: دعني أضرب عنق حاطب فقد نافق، فأبطل رسول الله (ص) قوله ذلك، وفي قول عمر الذي ذكرنا إيجاب شرع في ضرب عنق امرئ مسلم، وإخبار بغيب في أنه منافق، ومثل هذا كثير مما سنذكره في باب إبطال التقليد إن شاء الله تعالى.\rوكل هذا فقد يقوله\rالمرء مجتهدا متأولا ومستعظما لما يرى فمخطئ ومصيب.\rوإن العجب ليكثر ممن ينسب إلى النبي (ص) كل ما ذكرنا بظنه الفاسد، وينكر أن يكون عليه السلام جلد ماعزا، وقد صح عنه عليه السلام الحكم بالجلد على المحصن مع الرجم، ونزل القرآن بجلد الزناة كلهم، وقد ذكر أبو هريرة حديث النفقة على الزوجة والولد والعبد، فقال في آخره: تقول امرأتك أنفق علي أو طلقني، فقيل له: أهذا عن رسول الله (ص) ؟ فقال: لا ولكن هذا من كيس أبي هريرة.\rوالعجب من القائل: إن مثل هذا لا يقال بالقياس، نعني في مثل قول عائشة","part":2,"page":196},{"id":198,"text":"رضي الله عنها لام ولد زيد بن أرقم: أبلغني زيدا أنه إن لم يتب فقد أبطل جهاده مع رسول الله (ص)، وهو يقول بالقياس ما هو أشنع من هذا، فبعضهم يفرق بين الفأرة والعصفورة الواقعين في البئر يموتان فيها، وبين الدجاجة والسنور يموتان في البئر فيوجب من أحدهما عشرين دلوا ومن الآخر أربعين دلوا، ويجيز بيع ثوب من ثوبين أو ثلاثة يختاره المشتري بغير عينه، ولا يجيز بيع ثوب من أربعة أثواب فصاعدا يختاره المشتري، ويرى القطع في الساج والقنا ولا يراه في سائر الخشب وبعضهم يفرق بين سلم بغل في بغلين، وبين سلم بغلين في بغلين، فيحل أحد الوجهين ويحرم الآخر، وتحكمهم في الدين لو جمع لقامت منه أسفار ونحن لا ننسب إلى النبي (ص) إلا ما صح عنه بالنقل، أو صح أن ربه تعالى أمره به ولم ينسخه عنه، فقد قال عليه السلام: إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.\rقال علي: وليس في تعمد الكذب أكثر من أن تسمع كلاما لم يخبرك أحد تثق به أن رسول الله (ص) قاله، ولا سمعته يقوله، ولا علمت أن الله تعالى أمره\rبه فتنسبه أنت برأيك، وطنك إلى أن رسول الله (ص) قاله، نعوذ بالله العظيم من ذلك.\rفصل قال علي: وقد ذكر قوم لا يتقون الله عز وجل أحاديث في بعضها إبطال شرائع الاسلام، وفي بعضها نسبة الكذب إلى رسول الله (ص) وإباحة الكذب عليه، وهو ما حدثنا المهلب بن أبي صفرة، حدثنا ابن مناس، ثنا محمد بن مسرور القيرواني، ثنا يونس بن عبد الاعلى، عن ابن وهب، أخبرني شمر بن نمير، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب أن رسول الله (ص) قال: سيأتي ناس يحدثون عني حديثا، فمن","part":2,"page":197},{"id":199,"text":"حدثكم حديثا يضارع القرآن فأنا قلته، ومن حدثكم بحديث لا يضارع القرآن فلم أقله، فإنما هو حسوة من النار.\rقال أبو محمد: الحسين بن عبد الله ساقط منهم بالزندقة، وبه إلى ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن الاصبغ بن محمد أبي منصور أنه بلغه أن رسول الله (ص) قال: الحديث عني على ثلاث، فأيما حديث بلغكم عني تعرفونه بكتاب الله تعالى فاقبلوه، وأيما حديث بلغكم عني لا تجدون في القرآن ما تنكرونه به ولا تعرفون موضعه فيه فاقبلوه، وأيما حديث بلغكم عني تقشعر منه جلودكم وتشمئز منه قلوبكم وتجدون في القرآن خلافه فردوه.\rقال أبو محمد: هذا حديث مرسل، والاصبغ مجهول.\rحدثنا أحمد بن عمر، ثنا ابن يعقوب، ثنا ابن محلون، ثنا المغامي ثنا عبد الملك بن حبيب عن مطرف بن عبد الله، عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن رسول الله (ص) قال في مرضه: لا يمسك الناس علي شيئا لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه وهذا مرسل إلا أن معناه صحيح، لانه عليه\rالسلام إنما أخبر في هذا الخبر بأنه لم يقل شيئا من عند نفسه بغير وحي من الله تعالى به إليه، وأحال بذلك على قول الله تعالى في كتابه: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * فنص كتاب الله تعالى يقضي بأن كل ما قاله عليه السلام فهو عن الله تعالى.\rوأخبرني المهلب بالسند الاول إلى ابن وهب، حدثني سليمان بن بلال، عن عمرو ابن أبي عمرو، عمن لا يتهم، عن الحسن أن رسول الله (ص) قال: وإني لا أدري لعلكم أن تقولوا عني بعدي ما لم أقل، ما حدثتم عني مما يوافق القرآن فصدقوا به، وما حدثتم عني مما لا يوافق القرآن فلا تصدقوا به وما لرسول الله (ص) حتى يقول ما لا يوافق القرآن، وبالقرآن هداه الله.\rقال أبو محمد: وهذا مرسل وفيه: عمرو بن أبي عمرو - وهو ضعيف، وفيه أيضا مجهول، حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان، ثنا أحمد بن خالد، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، ثنا عبد الوهاب - هو الثقفي - سمعت يحيى بن سعيد قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أن ابن عمير حدثه أن رسول الله","part":2,"page":198},{"id":200,"text":"(ص) جلس في مرضه الذي مات فيه إلى جنب الحجر، فحذر الفتن، وقال: إني والله لا يمسك الناس علي بشئ، إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه.\rقال علي: وهذا مرسل لا يصح، وفيما أخذناه عن بعض أصحابنا عن القاضي عبد الله بن محمد بن يوسف، عن ابن الدخيل، عن محمد بن عمرو العقيلي، حدثنا محمد بن أيوب، ثنا أبو عون محمد بن عون الزيادي، ثنا أشعث بن بزار، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به حدثت به أو لم أحدث.\rقال علي: وأشعث بن بزار كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه، وحدثنا المهلب بن أبي صفرة، ثنا ابن مناس، ثنا محمد بن مسرور، ثنا يونس بن عبد الاعلى، عن ابن وهب، أخبرني الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبد الله العرزمي، عن عبد الله بن سعيد آآبن أبي سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: ما بلغكم عني من قول حسن لم أقله فأنا قلته.\rقال علي: الحارث ضعيف، والعرزمي ضعيف، وعبد الله بن سعيد كذاب مشهور، وهذا هو نسبة الكذب إلى رسول الله (ص)، لانه حكي عنه أنه قال: لم أقله فأنا قلته فكيف يقول ما لم يقله هل يستجيز هذا إلا كذاب زنديق كافر أحمق ؟ إنا لله وإنا إليه راجعون على عظم المصيبة، بشدة مطالبة الكفار لهذه الملة الزهراء، وعلى ضعف بصائر كثير من أهل الفضل، يجوز عليهم مثل هذه البلايا لشدة غفلتهم، وحسن ظنهم لمن أظهر لهم الخير.\rقال علي: فإحدى الطائفتين أبطلت الشرائع، والاخرى أباحت الكذب على رسول الله (ص)، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من كلتا هاتين الطائفتين وهاتين المسألتين.\rونقول للاولى: أول ما نعرض على القرآن الحديث الذي ذكرتموه، فلما","part":2,"page":199},{"id":201,"text":"عرضناه وجدنا القرآن يخالفه، قال الله تعالى وما آتا كم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فاتنهوا وقال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله وقال تعالى لتحكم بين الناس بما أراك الله ونسأل قائل هذا القول الفاسد: في أي قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات، وأن المغرب ثلاث ركعات، وأن الركوع على صفة كذا، والسجود على صفة كذا، وصفة القراءة فيها والسلام، وبيان ما يجتنب في الصوم، وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة، والغنم والابل والبقر، ومقدار الاعداد المأخوذ منها\rالزكاة، ومقدار الزكاة المأخوذة، وبيان أعمال الحج من وقت الوقوف بعرفة، وصفة الصلاة بها وبمزدلفة ورمي الجمار، وصفة الاحرام، وما يجتنب فيه، وقطع يد السارق، وصفة الرضاع المحرم، وما يحرم من المآكل، وصفة الذبائح والضحايا وأحكام الحدود، وصفة وقوع الطلاق، وأحكام البيوع، وبيان الربا، والاقضية والتداعي والايمان والاحباس، والعمرى، والصدقات، وسائر أنواع الفقه ؟ وإنما في القرآن جمل لو تركنا وإياها، لم ندر كيف نعمل فيها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي (ص).\rوكذلك الاجماع إنما هو على مسائل يسيرة قد جمعناها كلها في كتاب واحد وهو المرسوم بكتاب المراتب فمن أراد الوقوف عليها فليطلبها هنالك فلا بد من الرجوع إلى الحديث ضرورة ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرا بإجماع الامة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، لان ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للاكثر في ذلك.\rوقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الامة على كفرهم وبالله تعالى التوفيق ولو أن امرأ لا يأخذ إلا بما اجتمعت عليه الامة فقط، ويترك كل ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص لكان فاسقا بإجماع الامة، فهاتان المقدمتان توجب بالضرورة الاخذ بالنقل.\rوأما من تعلق بحديث التقسيم فقال: ما كان في القرآن أخذناه، وما لم يكن في القرآن لا ما يوافقه ولا ما يخالفه أخذناه، وما كان خلافا للقرآن تركناه،","part":2,"page":200},{"id":202,"text":"فيقال لهم: ليس في الحديث الذي صح شئ يخالف القرآن، فإن عد الزيادة خلافا لزمه أن يقطع في فلس من الذهب، لان القرآن جاء بعموم القطع.\rولزمه أن يحل\rالعذرة، لان في نص القرآن: * (قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) * والعذرة ليست شيئا مما ذكر، فإن قال: هي رجس، قيل له: كل محرم فهو رجس، لا سيما إن كان مخاطبنا ممن يستحل أبوال الابل وبعرها، فأي فرق بين أنواع المعذرات لولا التحكم، ولزمه أيضا، أن يحل الجمع بين العمة وبنت أخيها، لان القرآن نص على المحرمات، ثم قال: وأحل لكم ما وراء ذلكم فإن عد الزيادة خلافا لزمه كما ذكر ناه.\rوأما لطائفة الاخرى المبيحة للقول بما لم يأت نصا خلافا، لزمه كما ذكرناه عن النبي (ص) وإباحة أن ينسب ذلك إليه، فحسبنا أنهم مقرون على أنفسهم بأنهم كاذبون، وقد صح عن رسول الله (ص) أنه قال: من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين.\rحدثنا أحمد بن محمد الجسوري قال: ثنا وهب بن مسرة، ثنا ابن وضاح، عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع عن شعبة وسفيان، عن حبيب، عن ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي (ص) وقال عليه السلام: لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار وروينا هذا المعنى مسندا صحيحا من طريق علي، وأبي هريرة، وسمرة وأنس عن رسول الله (ص).\rقال علي: وقال محمد بن عبد الله بن مسرة: الحديث ثلاثة أقسام: فحديث موافق لما في القرآن، فالاخذ به فرض، وحديث زائد على ما في القرآن، فهو مضاف إلى ما في القرآن، والاخذ به فرض، وحديث مخالف لما في القرآن فهو مطرح.\rقال علي بن أحمد: لا سبيل إلى وجود خبر صحيح مخالف لما في القرآن أصلا، وكل خبر شريعة، فهو إما مضاف إلى ما في القرآن ومعطوف عليه ومفسر لجملته، وإما مستثنى منه لجملته، ولا سبيل إلى وجه ثالث.\rفإن احتجوا بأحاديث محرمة أشياء ليست في القرآن قلنا لهم: قد قال الله","part":2,"page":201},{"id":203,"text":"عز وجل يحل لهم الطيبان ويحرم عليهم الخبائث فكل ما حرمه رسول الله (ص) مثل الحمار الاهلي وسباع الطير، وذوات الانياب، وغير ذلك فهو من الخبائث، وهو مذكور في الجملة المتلوة في القرآن ومفسر لها، والمعترض بها يسأل: أيحرم أكل عذرته أم يحلها، فإن أحلها خرج عن إجماع الامة وكفر، وإن حرمها فقد حرم ما لم ينص الله تعالى على اسمه في القرآن، فإن قال: هي من الخبائث قيل له: وكل ما حرم عليه السلام فهو كالخنزير، وكل ذلك من الخبائث.\rقال علي: فإن قال: قد صح الاجماع على تحريمها، قيل له: قد أقررت بأن الامة مجمعة على إضافة ما جاء عن النبي (ص) من السنن إلى القرآن، مع ما صح على النبي (ص) من النهي عن ذلك، كما حدثنا عبد الرحمن بن سلمة - صاحب لنا - قال: ثنا أحمد بن خليل قال: ثنا خالد بن سعيد، ثنا أحمد بن خالد، ثنا أحمد بن عمرو المكي - وكان ثقة - ثنا محمد بن أبي عمر العدني، ثنا سفيان - هو ابن عيينة - عن سالم أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الامر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله تعالى اتبعناه فهذا حديث صحيح بالنهي عما تعلل به هؤلاء الجهال، وبالله تعالى التوفيق، مع ما قدمنا من أنه لا يختلف مسلمان في أن ما صح عن النبي (ص) فهو مضاف إلى ما في القرآن، وأنهم إنما اختلفوا في الطرق التي بها يصح ما جاء عنه عليه السلام فقط.\rوقد سألت بعض من يذهب هذا المذهب عن قول الله تعالى وقد ذكر النساء المحرمات في القرآن، ثم قال تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم ثم روى أبو هريرة وأبو سعيد أنه عليه السلام حرم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها،\rوليس هذا إجماعا، فعثمان البتي وغيره يرون الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها حلالا.\rفقال لي: ليس هذا الحديث خلافا للآية لكنه مضاف إليها، فقلت له: فعلى هذا لا سبيل إلى وجود حديث مخالف لما في القرآن أصلا، وكل حديث أتى فهو مضاف إلى ما في القرآن ولا فرق، وبالله تعالى التوفيق","part":2,"page":202},{"id":204,"text":"فصل قال على وليس كل من أدرك النبي (ص) ورآه صحابيا، ولو كان ذلك لكان أبو جهل من الصحابة، لانه قد رأى النبي (ص) وحادثه وجالسه وسمع منه، وليس كل من أدركه عليه السلام ولم يلقه، ثم أسلم بعد موته عليه السلام، أو في حياته - إلا أنه لم يره - معدودا في الصحابة، ولو كان ذلك لكان كل من كان في عصره عليه السلام صحابيا، ولا خلاف بين أحد في أن علقمة والاسود ليسا صحابيين، وهما من الفضل والعلم والبر بحيث هما، وقد كانا عالمين جليلين أيام عمر، وأسلما في أيام النبي (ص) وإنما الصحابة الذين قال الله تعالى فيهم: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماه بينهم الآية ومن سمع النبي (ص) يحدث بشئ - والسامع كافر ثم أسلم فحدث به وهو عدل - فهو مسند صحيح واجب الاخذ به، ولا خلاف بين أحد من العلماء في ذلك، وإنما شرط العدالة في حين النذارة والمجئ بالخير، لا في حين مشاهدة ما أخبر به، وقد كان في المدينة في عصره عليه السلام منافقون بنص القرآن، وكان بها أيضا من لا ترضي حاله كهيت المخنث الذي أمر عليه السلام بنفيه، والحكم الطريد وغيرهما، فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحابة.\rحدثني أحمد بن قاسم قال: حدثني أبي قاسم بن محمد بن قاسم قال: حدثني جدي قاسم بن أصبغ قال: حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، ثنا زكريا بن عدي، ثنا علي\rبن مسهر عن صالح بن حيان عن أبي بريدة عن أبيه قال: كان حي من بني ليث على ميلين من المدينة، قال فجاءهم رجل وعليه حلة، فقال إن رسول الله (ص) كساني هذه الحلة، وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم بما أرى قال: وقد كان خطب منهم امرأة في الجاهلية فلم يزوجوه، فانطلق حتى نزل على تلك المرأة، فأرسلوا إلى النبي (ص) فقال: كذب عدو الله ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا - ولا أراك تجده - فاضرب عنقه، وإن وجدته ميتا فاحرقه بالنار.\rقال علي: فهذا من كان في عصره (ص) يكذب عليه كما ترى فلا يقبل إلا من سمي وعرف فضله، وأما قدامة بن مظعون، وسمرة بن جندب،","part":2,"page":203},{"id":205,"text":"والمغيرة بن شعبة، وأبو بكرة، رضوان الله عليهم، فأفاضل أئمة عدول.\rأما قدامة فبدري مغفور له بيقين مرضي عنه، وكل من تيقنا أن الله عز وجل رضي عنه، وأسقط عنه الملامة، ففرض علينا أن نرضى عنه، وأن لا نعدد عليه شيئا، فهو عدل بضرورة البرهان القائم على عدالته من عند الله عز وجل وعندنا، وبقوله عليه السلام: إن الله اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.\rوأما المغيرة بن شعبة، فمن أهل بيعة الرضوان وقد أخبر عليه السلام أ لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة فالقول فيه كالقول في قدامة.\rوأما سمرة بن جندب فأحدي وشهد المشاهد بعد أحد وهلم جرا، والامر فيه كالامر في المغيرة بن شعبة.\rوأما أبو بكرة، فيحتمل أن يكون شبه عليه، وقد قال ذلك المغيرة، فلا يأثم هو ولا المغيرة، وبهذا نقول: وكل ما احتمل ولم يكن ظاهره يقينا فغير منقول عن متيقن حاله بالامس، فهما على ما ثبت من عدالتهما.\rولا يسقط اليقين بالشك وهذا هو استصحاب الحال الذي أباه خصومنا، وهم راجعون إليه\rفي هذا المكان بالصغر منهم.\rفما منهم أحد امتنع من الرواية عن المغيرة وأبي بكرة معا، وأبي بكرة وهو متأول وأما سمرة فمتأول أيضا، والمتأول مأجور وإن كان مخطئا، وكذلك قدامة تأول أن لا جناح عليه - وصدق - لا جناح عليه عند الله تعالى في الآخرة بلا شك، وأما في أحكام الدنيا فلا، ولنا في الدنيا أحكام غير أحكام الآخرة.\rوكذلك كل من قاتل عليا رضوان الله عليه يوم صفين، وأما أهل الجمل فما قصدوا قط قتال علي رضوان الله عليه، ولا قصد علي رضوان الله عليه قتالهم، وإنما اجتمعوا بالبصرة للنظر في قتلة عثمان رضوان الله عليه، وإقامة حق الله تعالى فيهم، فأسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم - وكانوا أعدادا عظيمة يقربون من الالوف - فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين إلى الدفاع عن أنفسهم، إذ رأوا السيف قد خالطهم، وقد جاء ذلك نصا مرويا.\rوإن العجب ليكثر ممن يبيح لابي حنيفة ومالك والشافعي والاوزاعي، والليث وسفيان وأحمد وداود رحمهم الله أن يجتهدوا في الدماء، وفي الفروج وفي العبادات","part":2,"page":204},{"id":206,"text":"فيسفك هذا دما يحله باجتهاده، ويحرمه سائد من ذكرنا فرجا ويحرمه الآخر ويحل أحدهم مالا ويحرمه الآخر، ويوجب أحدهم حدا ويسقطه الآخر، ويوجب أحدهم فرضا وينقضه الآخر، ويحرم أحدهما عملا ويحله الآخر، ولم يختلفوا قط إلا فيما ذكرنا، فيجيز لهؤلاء الحكم فيما ذكرنا، ويعذرهم في اختلافهم في استباحة الدماء فما دونها، وليس عندنا من أمرهم إلا أنهم فيما بدا لنا مسلمون فاضلون، يلزمنا توقيرهم والاستغفار لهم، إلا أننا لا نقطع لهم بالجنة ولا بمغيب عقودهم، ولا برضى الله عز وجل عنهم، لكن نرجو لهم ذلك ونخاف عليهم كسائر أفاضل المسلمين ولا فرق، ثم لا نجيز ذلك لعلي وأم المؤمنين وطلحة والزبير\rوعمار وهشام بن حكيم ومعاوية وعمرو والنعمان وسمرة وأبي الغادية وغيرهم، وهم أئمة الاسلام حقا والمقطوع على فضلهم، وعلى أكثرهم، بأنهم في الجنة، وهذا لا يخيل إلا على مخذول وكل من ذكرنا من مصيب أو مخطئ - فمأجور على اجتهاده إما أجرين وإما أجرا، وكل ذلك غير مسقط عدالتهم.\rوبالله تعالى التوفيق.\rفصل قال علي: وحكم الخبر عن النبي (ص) أن يورد بنص لفظه لا يبدل ولا يغير، إلا في حال واحدة، وهي أن يكون المرء قد تثبت فيه، وعرف معناه يقينا فيسأل فيفتي بمعناه وموجبه، أو يناطر فيحتج بمعناه وموجبه، فيقول: حكم رسول الله (ص) بكذا، وأمر عليه السلام بكذا، وأباح عليه السلام كذا، ونهى عن كذا، وحرم كذا، والواجب في هذه القضية ما صح عن النبي (ص) وهو كذا.\rوكذلك القول فيما جاء من الحكم في القرآن ولا فرق، وجائز أن يخبر المرء بموجب الآية وبحكمها بغير لفظها وهذا ما لا خلاف فيه من أحد - في أن ذلك مباح كما ذكرنا.\rوأما من حدث وأسند القول إلى النبي (ص)، وقصد التبليغ لما بلغه عن النبي (ص) فلا يحل له إلا أن يتحرى الالفاظ كما سمعها لا يبدل حرفا مكان آخر، وإن كان معناهما واحدا، ولا يقدم حرفا ولا يؤخر آخر، وكذلك من قصد تلاوة آية أو تعلمها وتعليمها ولا فرق، وبرهان ذلك أن النبي (ص)","part":2,"page":205},{"id":207,"text":"علم البراء بن عازب دعاء وفيه: ونبيك الذي أرسلت فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على النبي (ص) قال: وبرسولك الذي أرسلت: فقال النبي عليه السلام: لا، ونبيك الذي أرسلت فأمره عليه السلام كما تسمع ألا يضع لفظة رسول في موضع لفظة نبي وذلك حق لا يحيل معنى، وهو عليه السلام\rرسول ونبي، فكيف يسوغ للجهال المغفلين أو الفساق المبطلين، أن يقولوا: إنه عليه السلام كان يجيز أن توضع في القرآن مكان عزيز حكيم غفور رحيم أو سميع عليم وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا والله تعالى يقول مخبرا عن نبيه (ص) ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسي) ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى، أم كيف يسوغ لاهل الجهل والعمى إباحة القراءة المفروضة في الصلاة بالاعجمية مما ذكرنا، ومع إجماع الامة على أن إنسانا لو قرأ أم القرآن فقدم آية على أخرى، أو قال: الشكر للصمد مولى الخلائق، وقال هذا هو القرآن المنزل لكان كافرا بإجماع ومع قوله تعالى لسان الذى يلحدن إليه أعجمى وهذا لسان عربي مبين ففرق تعالى بينهما، وأخبر أن القرآن إنما هو باللفظ العربي لا بالعجمي، وأمر بقراءة القرآن في الصلاة، فمن قرأ بالاعجمية فلم يقرأ القرآن بلا شك.\rوالعجب أن قائل هذا الهجر لا يجيز الدعاء في الصلاة إلا بما يشبه ما في القرآن لا بتسمية المدعو لهم، ولا بغير ذلك، وقد جاء النص بإباحة الدعاء فيها جملة ويقول: إن من عطس في الصلاة فقال: الحمد لله رب العالمين، فحرك بها لسانه فقد بطلت صلاته، فسبحان من وفقهم لخلاف الحق في كلا الوجهين، فيجيزون القراءة في الصلاة بخلاف القرآن، ويبطلون الصلاة بذكر آية من القرآن، ويمنعون من الدعاء فيها إلا بما في القرآن أو ما يشبهه، ولا شبه للقرآن في شئ من الكلام بإجماع الامة.\rواحتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى: وانه لفي زبر الاولين) * وبخطابه تعالى لنا بالعربية حاكيا كلام موسى عليه السلام قال علي: وهذا لا حجة لهم فيه، لان الذي في زبر الاولين إنما هو معنى القرآن لا القرآن، ولو كان القرآن في زبر الاولين لما كان محمد (ص) مخصوصا به،","part":2,"page":206},{"id":208,"text":"ولا كانت فيه آية، وهذا خلاف النصوص والخروج عن الاسلام، لانه لو أنزل على غيره قبله لما كان محمد (ص) مخصوصا به، وأما حكايته تعالى لنا كلام موسى وغيره بلغتنا فلم يلزمنا تعالى قراءة ألفاظهم بنصها، ولا نمنع نحن من تلاوته في الصلاة، وإنما نمنع من تلاوته في القرآن، أو على سبيل التقريب بتلاوته إلى الله تعالى بغير اللفظ الذي أنزل به، لا بكلام أعجمي، ولا بغير تلك الالفاظ، وإن وافقتها في العربية، ولا بتقديم تلك الالفاظ بعينها ولا بتأخيرها، وإنما نجيز الترجمة التي أجازها النص على سبيل التعليم والافهام فقط، لا على سبيل التلاوة التي نقصد بها القربة، وبالله تعالى التوفيق.\rوبلا خلاف من أحد من الامة أن القرآن معجزة وبيقين ندري أنه إذا ترجم بلغة أعجمية أو بألفاظ عربية غير ألفاظه، فإن تلك الترجمة غير معجزة، وإذ هي غير معجزة فليست قرآنا.\rومن قال فيما ليس قرآنا إنه قرآن فقد فارق الاجماع وكذب الله تعالى، وخرج عن الاسلام إلا أن يكون جاهلا، ومن أجاز هذا وقامت عليه الحجة، ولم يرجع فهو كافر مشرك مرتد حلال الدم والمال، لا نشك في ذلك أصلا.\rوأيضا فقد قال تعالى مخبرا عن نبيه (ص): * (ومينطق عن الهوى ئ إن هو إلا وحي يوحى) * فلما صح بنص القرآن أن كلامه عليه السلام وحي كله حرم بلا شك تحريف الوحي وإحالته كما حرم ذلك في الوحي المتلو الذي هو القرآن ولا فرق.\rومن حدث بحديث فبلغه إلى غيره كما بلغه إياه غيره، وأخذ عنه فليس عليه أن يكرره أبدا حتى يحصل في حد الهذيان، وقد أدى ما عليه بتبليغه.\rقال أبو محمد: وبهذا يبطل قول من رام توهين الحديث المسند، بأن فلانا أرسله إذ لو كان سكوت المرء - في بعض الاحيان - عن تأدية ما سمع مسقطا\rللاحتجاج به، إذ أداه في وقت آخر أو لم يؤده هو وأداه غيره، لكان إذا نام أو أكل أو وطئ أو اشتغل بصلاة أو مصلحة دنياه أو بشئ من أمر دينه، أو بتبليغ حديث آخر - قد بطل الاحتجاج بما سكت عنه في الاحوال التي ذكرنا، وهذا جنون فادح ممن قاله، وكفى سقوطه بكل قول أخرج إلى الجنون، وأدى إلى المحال والممتنع، وبالله تعالى التوفيق.","part":2,"page":207},{"id":209,"text":"وأما اللحن في الحديث فإن كان شيئا له وجه في لغة بعض العرب، فليروه كما سمعه ولا يبدله ولا يرده إلى أفصح منه ولا إلى غيره، وإن كان شيئا لا وجه له في لغة العرب البتة فحرام على كل مسلم أن يحدث باللحن عن النبي (ص)، فإن فعل فهو كاذب مستحق للنار في الآخرة، لانا قد أيقنا أنه عليه السلام لم يلحن قط كتيقننا أن السماء محيطة بالارض، وأن الشمس تطلع من المشرق وتغرب من المغرب، فمن نقل عن النبي (ص) اللحن فقد نقل عنه الكذب بيقين، وفرض عليه أن يصلحه ويبشره من كتابه، ويكتبه معربا، ولا يحدث به إلا معربا.\rولا يلتفت إلى ما وجد في كتابه من لحن ولا إلى ما حدث شيوخه ملحونا.\rولهذا لزم لمن طلب الفقه أن يتعلم النحو واللغة، وإلا فهو ناقص منحط لا تجوز له الفتية في دين الله عز وجل.\rثنا يونس بن عبد الله، ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، ثنا أحمد بن خالد، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن بشار - بندار - ثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين، ثنا سفيان الثوري، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يضرب ولده على اللحن.\rقال علي: اللحن المحكي عن الله تعالى ورسوله عليه السلام كذب، والكذب واجب أن يضرب آتيه وقد روي عن شعبة أو عن حماد بن سلمة - الشك مني - أنه قال: من حدث عني بلحن فقد كذب علي، ونحن نقول ذلك وكان شعبة\rوحماد وخالد بن الحارث وبشر بن المفضل والحسن البصري لا يلحنون البتة وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في زيادة العدل قال علي: وإذا روى العدل زيادة على ما روى غيره فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره مثله أو دونه أو فوقه، فالاخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض، فيأخذ بحديث رواه واحد ويضيفه إلى ظاهر القرآن - الذي نقله أهل الدنيا كلهم، أو يخصه به وهم بلا شك أكثر من","part":2,"page":208},{"id":210,"text":"رواة الخبر الذي زاد عليهم آخر حكما لم يروه غيره، وفي هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذوقهم وذو ورع، وذلك كتركهم قول الله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا عائشة رضي الله عنها ولم يشاركها فيه أحد.\rوهو: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا، ويترك قوله تعالى في الآيات التي ذكر فيها المحرمات من النساء.\rثم قال تعالى بعد ذكر من ذكر: * (وأحل لكم ما وراء ذلك فحرموا الجمع بين المرأة وعمتها، وليس ذلك مذكورا في آية التحريم، بل فيها إحلال كل ما لم يذكر في الآية، فتركوا ذلك لحديث انفرد به أبو هريرة وأبو سعيد وحدهما.\rوليس ذلك إجماعا، فإن عثمان البتي يبيح الجمع بين المرأة وعمتها، ثم يعترضون على حكم رواه عدل بأن عدلا آخر لم يرو تلك الزيادة، وأن فلانا انفرد بها.\rقال علي: وهذا جهل شديد، وقد ترك أصحاب أبي حنيفة الزيادة التي روى مالك في حديث زكاة الفطر وهي: من المسلمين فقالوا: انفرد بها مالك.\rوترك أصحاب مالك الاستسعاء الذي رواه سعيد بن أبي عروبة، وقالوا: انفرد بها سعيد فكلا الطائفتين عابت ما فعلت، وأنكرت ما أتت به، مع أنه قد شورك\rمن ذكرنا هاتين الزيادتين ولو انفردا بها ما ضر ذلك شيئا.\rولا فرق بين أن يروي العدل الراوي العدل حديثا، فلا يرويه أحد غيره، أو يرويه غيره مرسلا، أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث، وكل ذلك سواء واجب قبوله بالبرهان الذي قدمناه في وجوب قبول خبر الواحد العدل الحافظ، وهذه الزيادة وهذا الاسناد هما خبر واحد عدل حافظ، ففرض قبولهما، ولا نبالي روى مثل ذلك غيرهما أو لم يروه سواهما، ومن خالفنا فقد دخل في باب ترك قبول الخبر الواحد ولحق بمن أتى ذلك من المعتزلة وتناقض في مذهبه، وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله، ولا فرق.\rقال علي: فإن كانت اللفظة الزائدة ناقصة من المعنى، فالحكم للمعنى الزائد لا للفظة الزيادة، لان زيادة المعنى هو العموم، وهو الزيادة حينئذ على الحقيقة وهو الحكم الزائد والشرع الوارد والامر الحادث، ولان النبي (ص)","part":2,"page":209},{"id":211,"text":"إنما بعث شارعا ومحلالا ومحرما، وهكذا قال ابن عباس إذ ذكر عنده الضب.\rفإذا روى العدل لفظة لها حكم زائد لم يروها غيره، أو رواها غيره، أو روى العدل عموما فيه حكم زائد، وروى آخرون لفظة فيها إسقاط ذلك الحكم، فالفرض أن يؤخذ بالحكم الزائد أبدا، لانه شريعة واردة قد تيقنا لزومها لنا، وأننا مأمورون بها ولم نتيقن نسخها ولا سقوطها، ولا يجوز ترك يقين لظن.\rفمن ادعى تلك الشريعة - التي قد صح أمر الله عز وجل لنا بها - قد سقطت عنا، وأن الحكم قد رجع إلى ما كنا عليه قبل ورود تلك الشريعة، فهو مفتر على الله عز وجل إلا أن يأتي ببرهان من نص أو إجماع على دعواه، ولا يحل لمسلم يخاف الله عز وجل - أن يترك يقينا لما لعله ليس كما يظن.\rقال علي: ونمثل من ذلك مثالا فنقول: روى بعض العدول عن رسول الله\r(ص) النهي عن آنية الفضة هكذا مجملا، وروى بعضهم النهي عن الشرب في آنية الفضة، فكانت هذه اللفظة يعني - الشرب - ناقصة عن معنى الحديث الآخر الذي فيه إجمال النهي عن آنية الفضة نقصانا عظيما، ومبيحة لعظائم في عموم ذلك الحديث إيجاب تحريمها من الاكل فيها، والاغتسال فيها، والوضوء فيها، فهذه اللفظة وإن كانت زائدة في الصوت والخط فهي ناقصة من المعنى، والحديث الآخر وإن كان ناقص اللفظ فهو زائد في الحكم والمعاني، فهو الذي لا يجب الاخذ به، لان الحديث المذكور فيه الشرب هو بعض ما في الحديث الآخر.\rوهذا نحو ما قلنا في الحديثين في زكاة الغنم اللذين ذكر في أحدهما السائمة ولم يذكر في الآخر، فوجب الاخذ بالعام للسائمة وغيرها لان من أخذ بالحديث العام كان آخذا بالخاص أيضا، لانه إذا اجتنب آنية الفضة جملة كان قد اجتنب الشرب في جملة ما اجتنب أيضا، وإذا زكى الغنم كلها كان زكى السائمة أيضا.\rفكان آخذا بكلا الامرين، وغير عاص لشئ من النصين، وكان من آخذ بالحديث الاخص وحده عاصيا للحديث الآخر، تاركا له بلا دليل، إلا التحكم والدعوى بغير علم، لانه إذا زكى السائمة وحدها، فقد ترك زكاة غير السائمة، وخالف ما أوجبه الحديث الآخر، وكان إذا اجتنب الشرب في آنية الفضة وحدها كان قد عصى ما في النص الآخر والاستباح ما حرم الله تعالى فيه، وذلك","part":2,"page":210},{"id":212,"text":"لا يحل، لانه ليس أحد النصين أولى بالطاعة من الآخر، وليس أحدهما نافيا للآخر ولا مبطلا له.\rومن ذلك أيضا ما روي أن رسول الله (ص) عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج منها، فكان هذا عاما لكل ما يخرج منها زرعا أو خضرا أو ثمارا، وروى بعضهم هذا الحديث بعينه فقال: من ثمر النخل، فمن أخذ\rبالمساقاة في ثمر النخل خاصة وحظر ما سوى ذلك كان مخالفا لفعل رسول الله (ص) المنقول في لفظ العموم، وليس قول من قال في ثمر النخل بمبطل أن يكون ساقاهم وعاملهم وزارعهم أيضا في غير ثمر النخل، ولكن هذا الراوي ذكر بعض ما عوملوا عليه وسكت عن بعض، وعم غيره كل ما وقعت فيه المعاملة، وكان هذا الحديث ناسخا لحديث النهي عن المزارعة بيقين.\rلانه آخر فعله عليه السلام بلا شك الذي ثبت عليه إلى أن مات، وحديث النهي عن المزارعة كان قبله بلا شك، فلذلك قطعنا أنه منسوخ ولولا هذا البيان ما استجزنا ذلك.\rقال علي: ومن هذا الباب أن يشهد عدلان أن زيدا طلق امرأته، وقال سائر من حضر المجلس وهم عدول.\rلم يطلقها البتة، فلا نعلم خلافا في وجوب الحكم عليه بالطلاق.\rوإنفاذ شهادة من شهد به، لان عندهما علما زائدا شهدا به لم يكن عند سائر من حضر المجلس، وهذا نفسه هو قبول زيادة العدل ولا فرق، وإن انفرد بها، وإنها كسائر نقله، وليس جهل من جهل حجة على علم من علم، ولا سكوت عدل مبطلا لكلام عدل آخر، ولا فرق بين أن ينفرد بالحديث كله وبين أن ينفرد بلفظة منه أو بحكم زائد فيه.\rوقد وافقنا من يخاصم في هذا المعنى على قبول ما انفرد به العدل من الاخبار، وخالفونا في قبول الزيادة بلا دليل إلا التحكم بالدعوى فقط، إلا أن بعضهم رام أن يحتج فأضحك من نفسه، وذلك أنه قال: قد وافقناكم على قبول الخبر إذا سلم من الزيادة انفرد بها بعض الرواة، ومن إرسال غير هذا الراوي له، ومن مخالفة من هو أعدل منه وأحفظ في لفظه، وخالفناكم في قبوله إذا كان فيه شئ من هذه المعاني.","part":2,"page":211},{"id":213,"text":"قال علي: فيقال له وبالله تعالى التوفيق: هذا يشبه تمويه اليهود، إذ يقولون\rقد وافقناكم على قبول نبوة موسى (ص)، ووجوب شريعته، وترك العمل في السبت، وأن ذلك كله قد أمر به الله تعالى، وخالفناكم في قبول نبوة محمد (ص)، ووجوب شريعته.\rقال علي: وهذا احتجاج من لا حجة له، وتمويه ضعيف، وذلك أننا لم نقبل نبوة موسى (ص) لاجل موافقتهم لنا عليهم، ولا نبالي وافقونا عليها أم خالفونا، كما لم نبال بتكذيب المجوس والمنانية والصابئين لنبوة موسى عليه السلام وإنما أخذنا بقبول نبوته عليه السلام لقيام البراهين على صحتها، وبمثل تلك البراهين نفسها وجب قبول نبوة محمد (ص) ولا فرق، والحق إذا ثبت برهانه فلا معنى لقبول من قبله، ولا يزيده ذلك صحة، ولا معنى لمخالفة من خالفه، ولا يضره ذلك شيئا ونفسه ضر المخالف ولم يضر الحق.\rوكذلك الشئ إذا لم يقم على صحته برهان، فلا معنى لقبول من قبله ولا يصححه ذلك، وكذلك قبول خبر الواحد لم نأخذ به، لان الحنفيين والمالكيين وافقونا على قبوله، وما نبالي وافقونا أم خالفونا، كما لم نبال بخلافهم لنا في القياس والتقليد، وكما لم نبال بخلاف من خالفنا - من المعتزلة وغيرهم - في قبول خبر الواحد، وإنما أخذنا بقبول خبر الواحد لقيام البرهان على وجوب القول به.\rوبتلك الدلائل والبراهين بأعيانها، وجب اطراح العلل التي راموا بها إبطال الاخذ بالزيادة، وبما أرسله عدل وأسنده عدل، وما خولف فيه راويه، وبذلك البرهان نفسه وجب قبول الزيادة - وإن انفرد بها العدل - وتصحيح ما أسنده العدل - وإن أرسله غيره، وسواء كان أعدل منه أو أحفظ أو مثله أو دونه، وصح أن ما خالف هذا الحكم هذيان لا معنى له، وإنما يلزم الاحتجاج بما موهوا به غير موضعه، ففي حكم لم نراع فيه غير الاجماع المتيقن به إذا ثبت، وفيما لولا الاجماع المذكور لم نقل به، مما قد أمرنا باتباع الاجماع المتيقن المقطوع به\rفيه مما لم يأت فيه نص محفوظ اللفظ، وإن كان أصل ذلك الاجماع لا يمكن البتة أن يكون إلا عن نص، وذلك مثل المسائل التي وجدنا فيها خلافا من واحد فما فوقه لم نقل بها ولا برهان","part":2,"page":212},{"id":214,"text":"عندنا فيها إلا الاجماع وحده، وذلك مثل القراض الذي لولا الاجماع على جوازه لاتصال نقل الاعصار به عصرا بعد عصر بأنه كان القراض في الجاهلية مشهورا، وأن النبي (ص) أقره ولم ينه عنه، وهو يعلمه فاشيا في قريش، وكانوا أهل تجارة ولا عيش لهم إلا منها - لم نجزه، ولو وجدنا واحدا من العلماء يقول بإبطاله لوافقناه ولقلنا بقوله، إذ لا نص في إباحته، ولانه شرط لم يأت به نص، وكل شرط هذه صفته فإن لم يتفق على صحته فهو باطل بقوله عليه السلام: كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل فما كان من هذا النوع فإنا نراعي في مسائله الاجماع، فما أجمعوا عليه منها قلنا به.\rوما اختلف فيه أسقطناه بالبتة، لانه قد بطل الاجماع فيه، والاجماع هو برهان صحته الذي لا برهان لصحته سواه، وما بطل برهان صحته فقد بطل القول به، وأما ما قام برهان ع لى صحته من غير الاجماع.\rفلا ينبغي أن يلتفت من وافق عليه، ولا من خالف، ولا يتكثر بمن وافق فيه كائنا من كان، ولا يستوحش ممن خالف فيه كائنا من كان ولو كان ما ذكر هذا المغفل حجة لساغ للحنيفي أن يقول: قد وافقتموني على وجوب قطع يد من سرق ما يساوي عشرة دراهم، وخالفتكم في قطع من سرق أقل من ذلك، فلا يلزمني إلا ما اتفقنا عليه، لا ما اختلفنا فيه.\rولساغ له أن يقول: قد وافقتموني على أن القصر يكون من ثلاثة أيام فصاعدا، واختلفنا في أقل، فلا يجب إلا ما اتفقنا عليه.\rولساغ له أن يقول: قد وافقتموني على أن الصداق يكون عشرة دراهم، وخالفتكم في أقل من ذلك، فلا يصح إلا ما اتفقنا عليه، لا ما اختلفنا فيه.\rولساغ للمالكي أن يقول: قد وافقتموني على أن المغتسل إذا تدلك تم غسله، وخالفتكم فيه إذا لم يتدلك، فلا يجب إلا ما اتفقنا عليه دون مما اختلفنا فيه ووافقتموني على أن من وقف بعرفة ليلا أن وقوفه صحيح، وخالفتكم فيمن وقف نهارا ودفع قبل غروب الشمس، فلا يصح إلا ما اتفقنا عليه دون ما اختلفنا فيه.\rولساغ له أن يقول: قد وافقتكم على أن الصوم إذا سلم من الاكل بالنسيان","part":2,"page":213},{"id":215,"text":"تام، وخالفتكم في تمامه إذا وقع فيه أكل بنسيان، فلا يتم إلا ما اتفقنا عليه دون ما اختلفنا فيه.\rولساغ للشافعي أن يقول لهما: قد وافقتماني على أن من قرأ، بسم الله الرحمن الرحيم في تمام صلاته أنها تامة، وخالفتكم في تمام صلاة من لم يقرأها، ووافقتماني على تمام صلاة من صلى على رسول الله (ص) في آخر تشهده، وخالفتكم في تمام صلاة من لم يصل عليه (ص)، ووافقتماني في جواز صيام من بيته كل ليلة، وخالفتكم في صيام من لم يبيته، فلا يصح إلا ما اتفقنا عليه دون ما اختلفنا فيه.\rوللزمهم أن يكتفوا منا بأن نقول لهم: قد وافقتمونا على قبول النصوص والاجماع، وخالفناكم في القول بالقياس فلا يلزم إلا ما اتفقنا عليه دون ما اختلفنا فيه، ومثل هذا كثير جدا، يقوم منه عشرات ألوف من المسائل، فلما لم يكن كل ما ذكرنا حجة، لانه كلام موضوع في غير موضعه، سقط شغب من قال: قد اتفقنا عن قبول الخبر إذا عري من زيادة أو مخالفة، واختلفا في قبول الزيادة وبحكم العقل ندري أن كل من رضي لنفسه على خصمه بما لا يرضى على نفسه لخصمه، فجاهل أو مجنون أو وقاح لا بد له من أحد هذه الوجوه، وهي كلها خطط خسف، ونعوذ بالله العظيم منها، اللهم إلا أن يكون خصمه رضي بحكم ما فله أن يلزمه حينئذ إياه، وإن لم يلزمه هو، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في إبطال ترجيح الحديث بعمل أهل المدينة وإبطال الاحتجاج بعملهم أيضا وبيان السبب في الاختلاف الواقع بين سلفنا من الائمة في صدر هذه الامة والرد على من ذم الاكثار من رواية الحديث ذهب أصحاب مالك: إلى أنه لا يجوز العمل بالخبر حتى يصحبه العمل.\rقال علي: وهذا من أفسد قول وأشده سقوطا، فأول ذلك أن هذا العمل الذي يذكرون، قسألهم من سلف من الحنفيين، والشافعيين، وأصحاب الحديث من أصحابنا، منذ مائتي عام ونيف وأربعين عاما، عمل من هو هذا العمل الذي يذكرون ؟ فما عرفوا عمل من يريدون، ولا عجب أعجب من جهل قوم","part":2,"page":214},{"id":216,"text":"بمعنى قولهم، وشرح كلامهم.\rوسنبين هذا بعد صدر من كلامنا في هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.\rويقال لمن قال: لا أقبل الخبر حتى يصحبه العمل، أللعمل أول أم لا أول له ؟ فإن قال: لا أول له، جاهر بالكذب ولحق بالدهرية، وإن قال: له أول، قيل له، وبالله تعالى التوفيق: يجب على قولك أن ذلك العمل الاول باطل لا يجوز اتباعه، لانه ابتدئ فيه بعمل بخبر لم يعمل به قبل ذلك، والخبر لا يجوز اتباعه حتى يعمل به، فهذا العمل قد وقع قبل أن يعمل بالخبر فهو باطل على حكمكم الفاسد المؤدي إلى الهذيان، وإلى ألا يصح عمل بخبر أبدا، وكفى سقوطا بقول أدى إلى ما لا يعقل، وكثير مما يقتحمون مثل هذا، كقولهم في معنى قول رسول الله (ص): البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكقولهم في أن الركعة الثانية من صلاة من يقضي صلاة أدرك منها ركعة مع الامام، هي قبل الاولى، والثالثة قبل الثانية، وهذا كما ترى لا يعقل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوإذا كان ما ذكروا من أنه لا يجوز أن يعمل بخبر حتى يعمل به قبل هذا العمل، وكان الخبر قد وجد وقتا من الدهر قبل أن يعمل له، فلا يجوز أن يصح العمل بخبر أبدا، وإذا كان ذلك فكل عمل بخبر من الاخبار فهو باطل، والباطل لا يصحح الحق، ولا يحقق الباطل، ولا يثبت به شئ.\rويقال لهم أيضا: أرأيتم الخبر المسند الصحيح قبل أن يعمل به، أحق هو أم باطل ؟ ولا بد من أحد هذين، فإن قالوا: حق، فسواء عمل به أو لم يعمل به، ولو لا يزيد الحق درجة في أنه حق أن يعمل به،، ولا يبطله أن يترك العمل به، أن أهل الارض كلهم أصفقوا على معصية محمد (ص) ما كان ذلك مسقطا لوجوب طاعته، وقد فعلوا ذلك في أول مبعثه (ص)، فما كان ذلك مبطلا لصحة قوله، ولو آمن به جميع أهل الارض وأطاعوه، ما زاد قوله عليه السلام منزلة في الصحة على ما كان عليه قبل أن يقبله أو يعمل به أحد من الناس، ونفسه ضر تارك العمل بالحق، ولم يضر الحق شيئا، وكذلك لو أصفق","part":2,"page":215},{"id":217,"text":"أهل الارض كلهم على نبوة مسيلمة - لعنه الله - ما حققها ذلك، وإذا أجمعوا على الكفر به ما زاد ذلك في قوله في البطلان على ما كان عليه حين نطقه به.\rوإن قالوا: الخبر باطل قبل العمل به، فالباطل لا يحققه العمل له، ولا يزيد الله بالعمل بالباطل إلا ضلالا وخزيا، فثبت بالبرهان الضروري أن لا معنى للعمل، ولا ينبغي أن يلتفت إليه ولا يعبأ به، وقد أصفق أهل الارض كلهم على العمل بشرائع الكفر قبل مبعث محمد (ص) فما صححها ذلك.\rقال علي: وهذه لفظة قذفها الشيطان في قلوبهم، وطرحها على ألسنتهم، وأيد ذلك الجهل والعصبية المردية، وبالله نستعيذ من البلاء وإياه نستعين على إدراك الصواب، وبالله تعالى التوفيق.\rثم نقول لهم: متى أثبت الله العمل بالخبر الصحيح، أقبل أن يعمل به، أم بعد أن يعمل به ؟ فإن قالوا: قبل أن يعمل به، فهو قولنا، وإن قالوا: بعد أن يعمل به، لزمهم أن العاملين به هم الذين شرعوا تلك الشريعة، وهذا كفر من قائله، ولم يبق لهم إلا أن يقولوا: لما ترك العمل بالخبر علمنا أنه منسوخ وهذا هو باب الالهام الذي ادعته الروافض لانفسها لانه قول بلا برهان.\rقال علي: وإنما هذا كله بعد أن يعرفوا عمل من يريدون، وأما وهم لا يدرون عمل من يعنون، فلسنا نحتاج أن نبلغ معهم ههنا، وقد حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان، ثنا أحمد بن خالد، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الحجاج بن المنهال، عن يزيد بن إبراهيم التستري، ثنا زريق - وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز على أيلة - قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في عبد آبق سرق، وذكرت أن أهل الحجاز لا يقطعون العبد الآبق إذا سرق - قال: فكتب إلي: كتبت إلي في عبد آبق سرق، وذكرت أن أهل الحجاز لا يقطعون الآبق إذا سرق، وإن الله تعالى يقول: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا الآية، فإن كان قد سرق قدر ما يبلغ ربع دينار فاقطعه به.\rوبه إلى حجاج بن المنهال، ثنا الربيع بن صبيح قال: سألت نافعا مولى ابن عمر، أو سأله رجل وأنا شاهد على الرهن والقبيل في السلف","part":2,"page":216},{"id":218,"text":"والورق والطعام إلى أجل مسمى ؟ قال: لا أرى بذلك بأسا.\rفقلت له: إن الحسن يكرهه، قال: لولا أنكم تزعمون أن الحسن يكرهه ما رأيت به بأسا، فأما إذا كرهه الحسن فهو أعلم به، فهذا عمر بن عبد العزيز لم يبال بعمل أهل الحجاز إذ وجد القرآن بخلاف، وهذا نافع مولى ابن عمر - من كبار فقهاء أهل المدينة - توقف في فتياه إذ خالفه الحسن وهو عراقي.\rثم نسألهم فنقول لهم: عمل من تريدون ؟ أعمل أمة محمد (ص) كلهم، أم عمل عصر دون عصر ؟ أم عمل محمد (ص) ؟ أم عمل أبي بكر ؟ أم عمل عمر ؟ أم عمل\rعثمان ؟ ولم يكن في المدينة إمام غير هؤلاء - أم عمل صاحب من سكان المدينة بعينه ؟ أم عمل جميع فقهاء المدينة ؟ أم عمل بعضهم ؟ ولا سبيل إلى وجه غير ما ذكرنا.\rفإن قالوا: عمل أمة محمد (ص) كلها بان كذبهم، لان الخلاف بين الامة أشهر من ذلك، وهم دأبا إنما يتكلمون على من يخالفهم، فإن كانت الامة مجمعة على قولهم فمع من يتكلمون إذا، وإن قالوا عصرا ما دون سائر الاعصار، بان كذبهم أيضا إذ كل عصر فالاختلاف بين فقهائه موجود منقول مشهور، ولا سبيل إلى وجود مسألة اتفق عليها أهل عصر ما، ولم يكن تقدم فيها خلاف قبلهم، ثم اختلف فيها الناس.\rهذا ما لا يوجد أبدا.\rفإن قالوا: عمل رسول الله (ص) أريناهم أنهم أترك الناس لعمله عليه السلام، بل لآخر عمله، فإنهم رووا: أن آخر عمله كان الافطار في رمضان في السفر، والنهي عن صيامه، فقالوا هم: الصوم أفضل، وكان آخر عمله عليه السلام الصلاة بالناس جالسا وهم أصحاء، وراءه، إما جلوس على قولنا، وإما قيام على قول غيرنا.\rفقالوا هم: صلاة من صلى كذلك باطل، ورووا في الموطأ أنه (ص): كان إذا اغتسل من الجنابة أفاض الماء على جسده، فقالوا هم: طهور من تطهر كذلك باطل حتى يتدلك.\rورووا أنه (ص) كان يرفع يديه في الصلاة إذا ركع وإذا رفع، فقالوا: ليس عليه العمل، ورووا أنه (ص) صلى فقرأ بالطور في المغرب، وبالمرسلات، وكان ذلك في آخر عمره (ص) فقالوا: ليس عليه العمل، ورووا أنه (ص) كان إذا أم الناس فأتم أم القرآن قال آمين","part":2,"page":217},{"id":219,"text":"قالوا: ليس عليه العمل.\rورووا أنه عليه السلام سجد في: * (إذا السماء انشقت) * فقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا أنه (ص): صلى بالناس جالسا وهم جلوس وراءه فقالوا: صلاة من صلى كذلك باطل، وليس عليه العمل، ورووا أن\rأبا بكر الصديق، رضي الله عنه ابتدأ بالصلاة بالناس فأتى النبي (ص) فدخل فجلس إلى جنب أبي بكر رضي الله عنه فأتم عليه الصلاة بالناس، فقالوا: ليس عليه العمل، ومن صلى هكذا بطلت صلاته، ومن البديع أن بعضهم قال: صلاته عليه السلام في غزوة تبوك خلف عبد الرحمن بن عوف ناسخة لهذا العمل.\rقال علي: وهذا كلام لو قيل لقائله أسف ما شئت واجتهد ما قدر بأن يأتي بأكثر مما أتى به لوجهين: أحدهما: أن صلاته عليه السلام خلف عبد الرحمن بن عوف - التي ادعوا أنها ناسخة - كانت في تبوك، وصلاته عليه السلام إلى جنب أبي بكر - التي ادعوا أنها منسوخة - كانت قبل موته عليه السلام بخمس ليال فقط، وهي آخر صلاة صلاها رسول الله (ص) بالناس فكيف ينسخ أمر كان قبل موته عليه السلام بأشهر، أمرا كان قبل موته عليه السلام بخمس ليال ؟ أيفوه بهذا من له مسكة عقل، أو يحل لمن هذا مقدار علمه وعقله أن يتكلم في دين الله عز وجل ؟ وصدق رسول الله (ص) إذا يقول: إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاهموه انتزاعا، ولكن ينزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون.\rقال علي: والوجه الثاني من سقوط كلام هذا الجاهل: أنه حتى لو كانت صلاته عليه السلام خلف عبد الرحمن بعد صلاته خلف أبي بكر، ما كان فيها نسخ لها، لانه ليس في صلاته خلف عبد الرحمن نهي عما في صلاته خلف أبي بكر ولا مخالفة، بل هو حكم آخر، وعلم آخر، وفي الاحتجاج المذكور عبرة لمن اعتبر، ولهم مثله كثير.\rورووا أنه عليه السلام: جمع بين الظهر والعصر في غير خوف ولا سفر، فقال مالك: أرى ذلك كان من مطر.\rفقالوا: ليس عليه العمل لا في مطر ولا في غيره، ورووا أنه عليه السلام أتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ونضحه ولم يغسله.\rفقالوا: ليس عليه العمل، وهذا لا يطهر الثوب، ومن صلى بثوب هذا","part":2,"page":218},{"id":220,"text":"صفته صلى بنجس، فعلموا نبيهم (ص) ما لم يكن في علمه، وجعلوه مصليا بثوب نجس، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ورووا أنه عليه السلام صلى بالناس وهو يحمل أمامة بنت أبي العاص على عنقه، فقالوا: ليس عليه العمل، وهذا إسقاط للخشوع.\rقال علي: هذا كلام من قاله منهم ناسبا لسقوط الخشوع إلى رسول الله (ص) فقد كفر، وارتد وحل دمه وماله، ولحق باليهود والنصارى، ومن نسب ذلك إلى المقتدي بالنبي (ص) ولم ينسبه إلى المقتدي به، فقد توقح ما شاء وسخف، وهما خطتا خسف لا بد من إحداهما.\rوأظرف من كل ظريف، أنهم احتجوا بهذا الحديث نفسه في أن الصلاة لا تبطل على من صلاها وهو حامل نجاسة، فعصوا الحديث فيما ورد فيه، وجاهروا بالكذب في أن يستبيحوا به ما ليس فيه، ولهم مثله كثير، ورووا أنه عليه السلام كان يقرأ في صلاة العيد بسورة * (ق والقرآن المجيد) لشاب، وليس عليه العمل، ورووا أنه عليه السلام.\rصلى على كان يقبل في رمضان نهارا فقالوا نكره ذلك لشاب وليس عليه العمل ورووا أنه عليه السلام صلى عليه سهيل بن بيضاء في المسجد فقالوا ليس عليه العمل وقال شيخ منهم كبير عندهم صغير في الحقيقة هذا ادخال الجيف في المسجد فتعقب عاقبه اللله على نبيه صلى الله عليه وسلم ورووا أنه صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي وهو غائب وأصحاب رضى اللله عنهم خلفه صفوف فقالوا ليس عليه العمل ورووا أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر فقالوا ليس عليه العمل ثم احتجوا بهذا الحديث في إباحة الصلاة إلى القبور فعصوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في نهيهم عما جاء به العمل الصحيح وافتر وا في الحديث ما ليس فيه\rورموار بذلك إبطلال نهى صحيح قد ثبت لا يحل خلافه، ورووا أنه عليه السلام أعطى القاتل السلب وقضى بذلك فقالوا ليس عليه العمل إلا أن يرى الامام ذلك ورووا أنه عليه السلام أباح النكاح بخاتم حديد فقالوا: ليس عليه العمل وهذا نكاح لا يجوز ولابد من ربع دينار تحكما من آرائهم الفاسدة وقياسا على ما تقطع فيه اليد عندهم فهلا قاسوه على ما يستباح به الظهر من جرعه خمر لاتساوى فلسا","part":2,"page":219},{"id":221,"text":"على أن إيلام الظهر أشبه باستياحة الفرح من قطع اليد باستباحة الفرج لان الفرح والظهر عضوان مستوران والظهر والفرج والظهر عضوان مستوران والظهر والفرج لا بقطان وليد تقطع وتبان فأحاط الخطأ بهم من كل وجه ورووا أنه عليه السلام أنكح رجلا امرأة بسورة من القرآن فقالوا: ليس عليه العمل وهذا لا يجوز ورورا أنه صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة، فقالوا: ليس عليه العمل، ولكن إن كان جنين حرة ففيه خمسون دينارا، وإن كان جنين أمة ففيه عشر قيمة أمة، قياسا على بيضة النعامة يكسرها المحرم فأخطؤوا في خلافهم حكم الله تعالى ورسوله عليه السلام، وأخطؤوا في شرعهم ما لم يأذن به الله تعالى، وتحكموا في القيمة بلا برهان ولا هدى من الله تعالى، وأخطؤوا في تفريقهم بين جنين الحرة وجنين الامة بلا دليل، في قياس جنين الامة على بيضة النعامة خطأ يضحك، في إيجابهم في بيضة النعامة عشر البدنة، وهم لا يرون الاشتراك في الهدي، وكل ذلك بلا دليل وبالله تعالى التوفيق وروي أن رسول الله (ص) ودى عبد الله بن سهل - وهو حضري مدني - مائة من الابل فقالوا: ليس عليه العمل، ولا يودي بالابل إلا أهل البادية، وأما أهل الحاضرة فلا يودون إلا بالدنانير والدراهم، وتعلقوا في ذلك بعمر، وهم قد خالفوا عمر في هذا المكان نفسه، لان عمر كما جعل على أهل الذهب الذهب وعلى أهل الفضة الفضة، وكذلك جعل على أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الغنم\rألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة فقالوا: ليس على فعل عمر العمل في البقر والغنم والحلل.\rوإنما نفعل فعله في الذهب والورق والابل خاصة.\rورووا أن رسول الله (ص) جعل القسامة في قتيل وجد بخيبر، فقالوا: ليس عليه العمل، ولا يعجز أحد عن أن يلقي قتيلا قتله في دور قوم آخرين، فخالفوا رسول الله (ص)، وخالفوا عمل عمر في القسامة أيضا واحتج إسماعيل في ذلك ببقرة بني إسرائيل، فأتى بحديث لم يأت به قرآن ولا خبر عن النبي، وإنما هي خرافة في خرافات أهل الكتاب، ولو صح قولهم لكانت آية معجزة عظيمة، لا يقدرون على مثلها أبدا، وتلك الآية لم يكن فيها قسامة، فقد خالفوا عمل بني إسرائيل أيضا وقالوا: إنما القسامة في دعوى المريض أن فلانا","part":2,"page":220},{"id":222,"text":"قتله، وقد أبطل النبي (ص) أن يقبل قول أحد في ادعائه دم أحد أو ماله فقبلوا دعواه في الدم ولم يتهموه، وأبطلوا دعاواه في المال واتهموه، وكفى بذكر هذا عن تكلف رد عليه، ورووا أنه عليه السلام رجم يهوديين زنيا.\rفقالوا: ليس عليه العمل ولا يجوز رجمهم، وأتى بعضهم في ذلك بعظيمة تخرج عن الاسلام.\rوذلك أن قال: إنما رجمهما رسول الله (ص) تنفيذا لما في التوراة.\rفجعلوه عليه السلام منفذا لاحكام اليهود، وصانوا أنفسهم الدنية الساقطة عن ذلك، ويعيذ الله تعالى نبيه وخيرته من الانس أن يحكم بغير ما أمره الله به، وقد أمره الله تعالى أن يقول: إن أتبع إلا ما يوحى إلى وروو ا أنه عليه السلام قضى بالتغريب على الزاني غير المحصن فقالوا: لا نغرب العبد لانه ضرر بسيده، ولم يراعوا في تغريب الحر الضرر بزوجته وولده وماله وأبويه، إن كان له أبوان.\rورووا أنه عليه السلام: احتجم وهو محرم.\rفقالوا: ليس عليه العمل، ورووا أنه عليه السلام تطيب لاحرامه قبل أن يحرم فقالوا: ليس عليه العمل،\rورووا أنه عليه السلام تطيب لحله قبل أن يطوف بالبيت فقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا أنه عليه السلام قضى بإبطال كل شرط ليس في كتاب الله عز وجل، فأجازوا أزيد من ألف شرط ليس منها واحد في كتاب الله.\rمنها من شرط لاهل دار الحرب النزول في دار الاسلام بأسرى المسلمين وسبايا المسلمات يطؤونهن ويردونهن إلى بلاد الكفر، ويستخدمونهم ويهبونهم ويبيعونهم، وهذا شرط لا يجيزه إلا إبليس ومن اتبعه ورووا أنه السلام قسم خيبر.\rفقالوا: ليس عليه إلا إبليس ومن اتبعه العمل، وتركوا ذلك لايقاف عمر الارض مع إقرارهم بأنهم لا يعرفون كيف عمل عمر في ذلك، أفيكون أعجب من ترك عمل مشهور متيقن على النبي (ص) مع جميع أصحابه لعمل مجهول لا يدرون كيف وقع بإقرارهم من عمل عمر ؟ وقد خالفه في ذلك الزبير وبلال وغيرهما، ورووا أنه عليه السلام قضى بإيجاب الولاء لمن أعتق فقالوا: من أعتق سائبة فلا ولاء له.\rقال علي: فهذا ما تركوا فيه عمل رسول الله (ص) من روايتهم في الموطأ خاصة، ولو تتبعنا ذلك من رواية غيرهم لبلغ أضعاف ما ذكرنا،","part":2,"page":221},{"id":223,"text":"وما خالفوا فيه أوامره عليه السلام من روايتهم ورواية غيرهم أضعاف ذلك، ولعل ذلك يتجاوز الالوف، فقد بطل كما ترى ما ادعوه من اتباع عمل النبي (ص)، وثبت أنهم أترك خلق الله لعمل نبي الله (ص)، ثم لآخر عمله ولعمل الائمة بعده.\rفإن قالوا: عمل أبي بكر.\rقلنا لهم وبالله التوفيق: لم ترووا في الموطأ عن أبي بكر رضي الله عنه إلا عشر قضايا، خالفتموه منها في ثمان.\rورووا عنه أنه صلى بالبقرة ركعتين ووراءه المهاجرون والانصار من أهل المدينة،\rفقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا عنه أن قرأ في الثالثة من المغرب بعد أم القرآن: ربنا لا تزغ قلو بنا بعد إذا هديتنا الآية.\rفقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا عنه أنه أمر أميرا له وجهه إلى الشام ألا يقطع شجرا مثمرا، فقالوا: ليس عليه العمل وجائز قطع الشجرة المثمر في دار الحرب.\rورووا أنه أمره ألا يعقر شاة ولا بعيرا إلا لمأكله.\rفقالوا: ليس عليه العمل، وجائز عقرها في دار الحرب لغير مأكله، وهذا مما خالفوا فيه قضاء النبي (ص) وأبي بكر معا - لآرائهم.\rورووا أنه نهاه عن تخريب العامر فقالوا: ليس عليه العمل ولا بأس بتخريبه.\rورووا عنه أنه ابتدأ الصلاة بالناس فكبر، ثم أتى النبي (ص) فتخلل الصفوف فصفق الناس، فتأخر أبو بكر وتقدم النبي (ص) فأتم الصلاة بالناس.\rفقالوا: هذه صلاة لا تجوز، وليس عليه العمل فخالفوا، كما ترى، عمل النبي (ص) وعمل أبي بكر وعمل جميع من حضر ذلك من المهاجرين والانصار، وهم أهل العلم من أهل المدينة، برأي من آرائهم الفاسدة.\rورووا أنه أمر يهودية أن ترقي عائشة رضي الله عنها.\rفقالوا: ليس عليه العمل، ونكره رقى أهل الكتاب.\rهذا من روايتهم في الموطأ، وأما من رواية غيرهم فكثير.\rومما خالفوه أيضا: سبيه نساء أهل الردة وصبيانهم، وعمله بذلك في المدينة مع المهاجرين والانصار إلا من خالفه في ذلك منهم فقالوا: ليس عليه العمل.\rفإن قالوا: عمل عمر، قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: رويتم عن عمر رضوان الله عليه أنه قرأ في صلاة الصبح بسورة الحج وسورة يوسف ووراءه أهل المدينة من","part":2,"page":222},{"id":224,"text":"الانصار والمهاجرين.\rفقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا أنه سجد في الحج سجدتين فقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا أنه سجد في سورة النجم سجدة.\rفقالوا ليس عليه العمل، وهذا مما خالفوا فيه عمل النبي (ص) وعمر وجميع الصحابة، وادعوا في ذلك علما خفي عنهم.\rورووا أنه نزل عن المنبر يوم الجمعة وهو يخطب، فسجد وسجد معه المهاجرون والانصار، ثم رجع إلى خطبته.\rفقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا أمر أبيا وتميما أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة في ليالي رمضان، فقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا أن الناس كانوا يقومون أيام عمر بثلاث وعشرين ركعة في ليالي رمضان، فقالوا: ليس عليه العمل، فخالفوا قضاء عمر، وعمل أبي بن كعب، وتميم الداري، والمهاجرين والانصار بالمدينة لدعوى زائغة وعمل مجهول، وقالوا: العمل في القيام على تسعة وثلاثين ركعة.\rورووا أنه صلى المغرب بالناس ومعه أهل المدينة والمهاجرون والانصار فلم يقرأ فيها شيئا، فأخبر بذلك فلم يعد الصلاة، ولا أمر بإعادتها، فقالوا: يس عليه العمل، وقد بطلت صلاة من صلى هكذا.\rورووا أنه كتب إلى عماله أن يأخذوا من سائمة الغنم الزكاة، فقالوا: السائمة وغير السائمة سواء.\rورووا أنه شرب لبنا فأعجبه.\rفأخبر أنه من نعم الصدقة فتقيأه، فقالوا: ليس عليه العمل، ورووا أنه كان يقرد بعيره في طين بالسقيا وهو محرم، فقالوا: ليس عليه العمل، فلا ندري أجعلوا القردان صيدا منهيا عنه في الاحرام، أم جعلوا على البعران إحراما أم كيف وقع لهم هذا ؟.\rورووا عنه أنه قضى في الارنب بعناق قالوا: ليس عليه العمل.\rوقد وافقه على ذلك غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وافترض تعالى في جزاء الصيد ما حكم به ذوا عدل، ولا عدول أعدل من الصحابة، فقد خالفوا ههنا القرآن،","part":2,"page":223},{"id":225,"text":"وفعل الصحابة، وتركوا الحق بيقين.\rورووا أنه حكم في اليربوع بجفرة، فقالوا ليس عليه العمل، وهذا كالذي قبله.\rوروي أنه حلف لئن أتي بمسلم أمن مشركا ثم قتله ليقتلن ذلك المسلم، فقالوا: ليس عليه العمل، ولا يقتل مؤمن بكافر، فمرة يتركون الحديث لقول عمر، ويقولون عمر كان أعلم منا، ومرة يتركون قول عمر: ويقولون الحديث أحق أن يتبع، وفي هذا من التناقض ما فيه.\rثم رأوا من رأيهم أن يخالفوا الحديث المذكور الذي له تركوا قول عمر، فقال يقتل المؤمن بالكافر إذا قتله قتل غيلة.\rورووا عنه أنه جعل القراض مضمونا على عبد الله ابنه.\rفقالوا: لا يجوز وليس عليه العمل، فتركوا عمل عمر وعبد الله بن عمر وقضاءه بحضرة المهاجرين والانصار.\rورووا عنه أنه قضى فيمن تزوج امرأة فوجد بها جنونا أو جذاما أو برصا فمسها، فلها صداقها كاملا، ويرجع به الزوج على وليها، فقالوا: لا يغرم الولي شيئا إلا أن يكون أبا أو أخا، فأما إن كان من العشيرة فلا غرم عليه، لكن تغرم هي الصداق إلى ربع دينار.\rورووا عنه: أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، فقالوا: إن طال نعم وإلا فلا.\rورووا عنه: أنه قضى بأنه لو تقدم في نكاح السر لرجم فيه، فقالوا ليس عليه العمل ولا رجم فيه، هذا مع فسخهم نكاح السر وإبطالهم إياه وتحريمهم له.\rورووا عنه: أنه قضى في المتعة لو تقدم فيها لرجم، فقالوا: ليس عليه العمل ولا رجم فيها.\rوقد قال بعضهم: إنما هذا من عمر وعيد لا حقيقة، فنسبوا إليه الكذب الذي قد نزهه الله عنه - ولا غرو - فقد قال ذلك بعضهم في قوله عليه السلام إذ هم بحرق بيوت المتخلفين عن الصلاة مثل ذلك.\rوتلك التي تستك منها المسامع ورووا عنه أنه أشخص رجلا قال لامرأته: حبلك على غاربك من العراق\rإلى مكة، واستحلفه عن نيته في ذلك.\rقالوا: ليس عليه العمل، ولا يستجلب أحد من العراق إلى مكة لليمين، ولا ينوي أحد في ذلك، وهي ثلاث أبدا، فخالفوا قضاء عمر في موضعين من هذا الحديث خاصة.","part":2,"page":224},{"id":226,"text":"ورووا عنه أنه قال: لا حكرة في سوقنا، فقالوا: لا بأس بالحكرة في السوق.\rورووا عنه أنه قضى بالمدينة - بحضرة المهاجرين والانصار - على محمد بن مسلمة بأن يمر الضحاك بن خليفة في أرضه بخليج جلبه، ومحمد كاره لذلك.\rفقالوا: ليس عليه العمل.\rورروا عنه أنه قضى على جد عمرو بن يحيى المازني بأن يحول عبد الرحمن بن عوف خليجا له في أرض ذلك المازني من مكان إلى مكان والمازني كاره، فخالفوا قضاء عمر وعبد الرحمن بن عوف بحضرة المهاجرين والانصار بالمدينة وقالوا: ليس عليه العمل، وقال ابن نافع صاحب مالك - وقد ذكر ذلك الخبر - فقال عليه العمل، فليت شعري عمل من هو هذا العمل المتجاذب الذي يدعيه قوم منهم، وينكره آخرون.\rورووا عنه: أنه أغرم حاطبا في ناقة لرجل من مزينة نحرها عبيد لحاطب فقطع أيديهم، وسأل عن ثمن الناقة فكان أربعمائة فأضعف القيمة على حاطب وأغرمه بمائتي درهم، وذلك بحضرة المهاجرين والانصار من أهل المدينة فقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا عنه أو عن عثمان أنه قضى في أمة غرت من نفسها.\rفادعت أنها حرة فتزوجها رجل فولدت، فقضى عليه أن يفدي أولاده بمثلهم.\rفقالوا: ليس عليه العمل، ولا يقضى عليه بعبيد، لكن بالقيمة.\rورووا عنه: أنه حكم في منبوذ وجده رجل، أن ولاءه للذي وجده، فقالوا: ليس عليه العمل، ولا ولاء للملتقط على اللقيط.\rورووا عنه: أنه قضى في هبة الثواب، أنه على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها فقال: ليس عليه العمل، وإن تغيرت الهبة عند الموهوب له بزيادة أو نقصان\rفلا رجوع للواهب فيها، وليس له إلا القيمة.\rورووا عنه: أنه كانت الابل الضوال مهملات لا يعرض لها أحد في أيامه فقالوا: ليس عليه العمل، فخالفوا عمل عمر بحضرة المهاجرين والانصار مع موافقة ذلك لامر رسول الله (ص).\rفإن قالوا: عثمان رأى غير ذلك، أريناهم ما يخالفوا فيه عمل عثمان، وأيضا فما الذي جعل عثمان أولى بأن يتبع من عمر ؟ لولا التخليط وفساد الرأي.\rورووا عنه: أن رجلا من بني سعد بن ليث أجرى فرسا فوطأ أصبع رجل","part":2,"page":225},{"id":227,"text":"من جهينة فنزف الجهني فمات، فقال عمر للسعديين: أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات منها، فتحرجوا وأبوا، فقال للجهنيين: احلفوا أنتم لمات منها فأبوا، فقضى على السعديين بنصف الدية، فقالوا: ليس عليه العمل، ولكن يبدأ المدعون وقالوا: ليس العمل على إغرامه أولياء القاتل نصف الدية.\rومن العجب العجيب أن مالكا الذي خالف هذا الحديث في ثلاثة مواضع أحدها تبدئة المدعى عليهم في اليمين، وثانيها إغرام المدعى عليهم بلا يمين من المدعين، وثالثها إغرامهم نصف الدية لا كلها، ثم احتج به بعد أوراق من كتابه في إغرام الراكب والقائد والسائق وجعل أصله في ذلك فعل عمر بالسعديين، وهو قد خالفه في الحديث نفسه كما ترى، فليت شعري ما الذي جعل ربع حكم عمر في هذا الحديث حجة يوقف عندها، وثلاثة أرباعه مطرحا لا يعمل له ؟ فلولا البلاء لما كان يقلد هؤلاء القوم هذه الاقوال، ويتركون لها القرآن وكلام رسول الله (ص).\rورووا عنه: أنه قضى في الترقوة بجمل.\rفقالوا ليس عليه العمل، ورووا عنه أنه قضى في الضرس بجمل.\rفقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا عنه: أنه قضى في الضلع بجمل، فقالوا: ليس عليه العمل، ورووا عنه: أنه جلد عبدا زنى وغربه.\rفقالوا: ليس عليه العمل ولا يغرب العبد، فخالفوا قضاء عمر وعمله بحضرة\rالمهاجرين والانصار بالمدينة، ومعه سنة النبي (ص) لآرائهم الفاسدة.\rورووا عنه: أنه أمر ثابت بن الضحاك - وكان قد التقط بعيرا، بأنه يعرفه ثلاثا، ثم أمره بإرساله حيث وجده، فخالفوا قضاء عمر وعمل ثابت.\rفهذا ما خالفوا فيه عمر من روايتهم في الموطأ خاصة، وأما من رواية غيرهم فأضعاف ذلك.\rفإن قالوا: عمل عثمان قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: إنهم رووا عن عثمان أنه كان يصلي الجمعة ثم ينصرف وما للجدران ظل.\rفقالوا: ليس عليه العمل ولا تجوز الصلاة إلا بعد الخطبة، ولا يبتدأ بالخطبة إلا بعد الاذان، ولا يبتدأ بالاذان إلا بعد الزوال، فإن زالت الشمس فقد حدث للجدران ظل.\rورووا عنه: أنه أذن على المنبر لاهل العالية في يوم عيد وافق يوم جمعة في أن يرجع منهم من أحب.","part":2,"page":226},{"id":228,"text":"فقالوا: ليس عليه العمل، ولا نأخذ بإذن عثمان في ذلك، وهو قد قضى ذلك بحضرة المهاجرين والانصار بالمدينة.\rورووا عنه: أنه كان يغطي وجهه وهو محرم.\rفقالوا: ليس عليه العمل، ولا يغطي المحرم وجهه.\rورووا عنه: أنه كان يخاطب أصحاب الديون من الذهب والفضة فيقول على المنبر: هذا شهر زكاتكم.\rفقالوا: ليس عليه العمل وليس للدنانير والدراهم شهر زكاة معروف.\rورووا عنه: أنه نهى عن القران والمتعة ورووا عن عمر مثل ذلك.\rفقالوا: ليس عليه العمل ولا ينهى عن ذلك، فهلا فعلوا مثل ذلك في توريثه المطلقة ثلاثا من زوجها إذا طلقها وهو مريض، وهلا تركوا تقليده هنالك بلا دليل كما تركوه ههنا، فكانوا يوقفون في ذلك.\rورووا عنه: أنه صلى بمنى أربع ركعات، فقالوا: ليس عليه العمل، وقالوا: القصر حق تلك الصلاة، واحتجوا في ذلك بفعل النبي (ص) وأبي بكر وعمر، وقد ذكرنا ما خالفوا فيه عمل كل من ذكرنا آنفا، وما تركوا فيه عمر لعثمان، ورووا: أنه\rكان يكثر من قراءة يوسف في صلاة الصبح.\rورووا أيضا نعني قراءتها عن عمر فقالوا: ليس عليه العمل.\rورووا عنه: من أصح طريق وأجلها، وهي رواية مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان - فذكر أنه رآه بالعرج وهو محرم - ثم أتي بلحم صيد فقال لاصحابه: كلوا، فقالوا: ولا تأكل أنت، فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي، فقالوا: ليس عليه العمل ولا يجوز أن يأكل محرم ما صيد من أجل محرم غيره، ومحا مالك قول عثمان هذا وكرهه كراهة شديدة، هذا نص الموطأ، فأين العمل إن لم يكن عمل النبي (ص) وأبي بكر وعمر وعثمان بحضرة المهاجرين والانصار.\rورووا عنه، وعن عمر: النهي عن الحكرة.\rفقالوا: ليس عليه العمل ولا بأس بها.\rقال علي: وكذلك خالفوا عمل عائشة رضي الله عنها، وابن عمر وسائر الصحابة بالمدينة، لا نحاشي منهم أحدا، وكذلك خالفوا سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وسائر فقهاء المدينة، وأقرب ذلك خلافهم للزهري وربيعة في أشياء كثيرة جدا، منها أن الزهري كان يرى الزكاة في الخضر والتيمم إلى الآباط وغير ذلك وقد حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا عبد الله بن عثمان الاسدي، ثنا أحمد بن خالد،","part":2,"page":227},{"id":229,"text":"ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الحجاج بن المنهال، ثنا عبد الله بن عمر النميري، ثنا يونس بن يزيد الابلي، سمعت الزهري قال: هذه نسخة كتاب رسول الله (ص) الذي كتب في الصدقة - وهي عند آل عمر بن الخطاب، قال الزهري: اقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله بن عبد الله بن عمر وسالم بن عبد الله بن عمر، حين أمر على المدينة، فأمر عماله بالعمل بها، وكتب بها إلى الوليد بن عبد الملك، فأمر الوليد عماله بالعمل بها، ثم لم يزل الخلفاء يأمرون بذلك، ثم أمر هشام بن محمد بن هانئ عامله فنسخها إلى كل عامل\rمن عمال المسلمين، وأمرهم بالعمل بما فيها، ولا يتعدونه، وذكر باقي الحديث.\rقال علي: فهذا عمل فاش كما ترى، وأصله صحيفة مرسلة غير مسندة كما ترى، ثم لم يفش العمل بها إلا بعد نحو ثمانين عاما من موت النبي (ص) وقد عمل عمال عثمان قبل ذلك بغير ذلك، وعمال علي رضوان الله عليه بما جاءت به الرواية عن علي، وعمال ابن الزبير بغير ذلك، وعمال أبي بكر الصديق بغير ذلك، وعند آل حزم صحيفة أخرى فما الذي جعل عمل الوليد الظالم ومن بعده - من لا يعتد به حاش عمر بن عبد العزيز وحده - أولى من عمل ابن الزبير وعمل علي، وعمل عثمان، وعمل أبي بكر الصديق، وهذا تنازع يوجب الرد إلى القرآن، وما صح عن النبي (ص) بالاسانيد الصحيحة، وليس ذلك إلا في حديث أنس عن أبي بكر وحده، فقد صح تركهم لعمل كل من له عمل يمكن أن يراعى أو يقتدى به، وصح ما قلنا من أنهم لا يدرون عمل من يعنون بقولهم: ليس عليه العمل.\rفإن قالوا عمل الاكثر، فقد أريناهم أنه لا أكثر من أهل عصر عمر وعثمان، ومن صلى معهم، ووافقهم على ما ترك هؤلاء من أعمال أولئك وأنهم قد تركوا عمل الاكثر.\rوثبت بهذا ما ذكره بعض الرواة، ومن أنهم إنما يعنون عمل صاحب السوق في المدينة في عصر مالك، وهذا كما ترى، وقد جمع عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما اتفق عليه فقهاء المدينة السبعة خاصة، فلم يبلغ ذلك إلا أوراقا يسيرة، هذا وعبد الرحمن من هو في الضعف والسقوط، ألا يحتج بروايته، وما جعل الله أولئك أولى بالقبول منهم من نظرائهم من أهل الكوفة، الذين هم أفضل منهم في ظاهر الامر كعلقمة بن قيس، والاسود بن يزيد، وشريح القاضي، وعمرو بن ميمون، ومسروق، وأبي عبد الرحمن","part":2,"page":228},{"id":230,"text":"السلمي، وعبيدة السلماني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وعبد الرحمن بن يزيد الليثي، وسعيد بن جبير، ولا من نظرائهم من أهل البصرة كالحسن\rالبصري، ومحمد بن سيرين، وجابر بن زيد، ومسلم بن يسار، وأبي قلابة، وبكر بن عبد الله المزني، وزرارة بن أوفى، وحميد بن عبد الرحمن، وأيوب، وابن عون، ويونس بن عبيد، وسليمان التيمي، ولا من نظرائهم من أهل الشام كعمر بن عبد العزيز، وأبي إدريس الخولاني، وقبيصة بن ذؤيب، وجبير بن نفير، ورجاء بن حيوة، ولا من نظرائهم من أهل مكة، كطاوس، وعطاء، ومجاهد، وعمر بن دينار، وعبيد بن عمير، وابنه عبد الله، وعبد الله بن طاووس، ومذ مضى الصحابة الخلفاء رضوان الله عليهم فما ولي قضاء المدينة مثل شريح، ولا مثل محارب بن دثار، ولا مثل زرارة بن أوفى، ولا مثل الشعبي، ولا مثل أبي عبيدة بن عبد الله، ولا مثل عبد الله بن عتبة، أصلا.\rويقال لهم أيضا هل اختلف عمل أهل المدينة أو لم يختلف ؟ فإن قالوا: لم يختلف أكذبهم الموطأ وجميع الروايات، وإن قالوا: اختلف، قيل لهم: فما الذي جعل اتباع عمل بعضهم أولى بالاتباع من عمل سائرهم ؟ وقد أبطل الله كل عمل عند الاختلاف حاشى الرد إلى كتاب الله، وكلام نبيه (ص) بقوله تعالى: فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول فمن رد إلى غيرهما فقد عصى الله ورسوله، وضل ضلالا مبينا لقوله تعالى: ومن يعص الله ورسول فقد ضل ورسوله وضل ضلالا مبينا لقوله تعالى صلا لا مبينا وهم ينسبون إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضوان الله عليهم - بهذا الاصل الملعون أعظم الفرية، وأشد التضييع للاسلام، وقلة المبالاة به، وهذا لا يحل لمسلم أصلا أن يظنه، فكيف أن يعتقده، ويدعو إليه، وذلك لان عمر رضي الله عنه مصر البصرة والكوفة ومصر والشام، وأسكنها المسلمين، وولى عليهم الصحابة كسعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وأبي موسى الاشعري، وعتبة بن غزوان، وغيرهم وولى عثمان عليهم، ولاته أيضا كذلك، كمعاوية وعمرو بن العاص، وقد وليا لعمر أيضا مع عمار، وابن مسعود، وغيرهم ثم ولى علي البصرة عثمان بن حنيف، وعبد الله بن\rعباس، وولى مصر قيس بن سعد، أفترى عمر وعثمان وعليا وعمالهم المذكورين كتموا رعيتهم من أهل هذه الامصار دين الله تعالى، والحكم في الاسلام والعمل بشرائعه ؟ وما يفعل هذا مسلم، بل الذي لا شك فيه أنهم كلهم علموا رعيتهم كل ما يلزمهم كأهل المدينة ولا فرق.\rثم سكن علي الكوفة أفتراه - رضي الله عنه - كتم أهلها شرائع الاسلام وواجبات","part":2,"page":229},{"id":231,"text":"الاحكام ؟ والله ما يظن هذا مسلم ولا ذمي مميز بالسير، فإذ لا شك في هذا فما بالمدينة سنة إلا وهي في سائر الامصار كلها ولا فرق، وأما مذ مضى هذا الصدر الكريم - رضي الله عنهم - فوالله ما ولي المدينة ولا حكم فيها إلا فساق الناس، كعمرو بن سعيد، والحجاج بن يوسف، وطارق، وخالد بن عبد الله القسري، و عبد الرحمن بن الضحاك، وعثمان بن حيان المري، وكل عدو لله حاشى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، فإنه كان كل واحد منهم فاضلا، وليها أبو بكر أربعة أعوام، عامين قاضيا وعامين أميرا لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.\rفأي مزية لاهل المدينة على غيرهم في علم أو فضل أو رواية ؟ لو نصحوا أنفسهم وتركوا هذا التخليط الذي لا يسلم معه دين من غلبة الهوى ونصر الباطل، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان.\rوما أدرك مالك بالمدينة أعلى من نافع، وهو قليل الفتيا جدا، وربيعة وكان كثير الرأي قليل العلم بالحديث، وأبي الزناد وزيد بن أسلم، وكانا قليلي الفتيا، وأما الزهري فإنما كان بالشام، وما كتب عنه مالك إلا بمكة، وأما من القضاة فأبو بكر بن عمرو بن حزم، وابنه محمد، ويحيى بن سعيد الانصاري، على أن أهل العراق يجاذبونه إياه، لانه مات وهو قاض ببغداد، وأما سعد بن إبراهيم فكان ثقة إلا أن مالكا لم يأخذ عنه.\rثم يقال لهم لا خلاف بين أحد من أهل العلم بالاخبار أن مالكا ولد سنة\rثلاث وتسعين من الهجرة بعد موت رسول الله (ص) بثلاث وثمانين سنة، وأنه بقي أزيد من ثلاثين سنة، وما اشتهر علمه، فأخبروني على أي مذهب كان الناس قبل مالك، وطول المدة التي ذكرنا، وهي نحو مائة عام وعشرين عاما ؟ كان فيها خيار أهل الارض من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين رحمة الله عليهم، فإن قالوا: على مذهب مالك أكذبهم مالك في موطئه بما أورد فيه من الاختلاف القديم بين الصحابة والتابعين، وقد ذكرنا آنفا من ذلك طرفا صالحا.\rويقال لهم أيضا: إن كان الامر كما تقولون فما الذي جعل نسبة هذا المذهب إلى مالك أولى من نسبته إلى أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو عائشة، أو ابن عمر، أو سعيد بن المسيب، أو سليمان بن يسار، أو عروة بن الزبير، أو ربيعة ؟ ولم خصصتم مالكا وحده بأن تنسبوه إليه دون أن تنسبوه إلى من ذكرنا، وهم كانوا","part":2,"page":230},{"id":232,"text":"أفضل منه وأهيب في الصدور ؟ فإن قالوا: لان مالكا ثبت واختلف الناس، بان كذبهم بما أورده مالك في موطئه مما خالف فيه من كان قبلهم، وقيل لهم انفصلوا ممن عكس قولكم، فقال: بل الناس ثبتوا وانفرد مالك بمذهب أوجب أن ينسب إليه، وإنما تنسب المذاهب إلى محدثيها، لا إلى من اتبع غيره فيها.\rوإن قالوا: كان الناس على اختلاف في مذاهبهم وتحير، قيل لهم: فلا ترغبوا عما كان عليه السلف الصالح، فليس والله فيما حدث بعدهم شئ من الخير، يعني مما يكونوا عليه، ولا علمه ذلك الصدر - فإن تكن الامور بالدلائل، فالدلائل توضح أن ذلك الصدر كانوا على صواب في الاختيار والنظر، مختلفين في مذاهبهم متفقين على إبطال التقليد، متفقين على الاخذ بحديث النبي (ص) إذا بلغهم وصح طريقه.\rوإن لم يكن الامر بالتقليد - ونعوذ بالله من ذلك - فتقليد عمر وعثمان وسائر\rمن تقدم أولى من تقليد من أتى بعدهم، اللهم إلا إذا كان العمل الذي يشيرون إليه من جنس ما حدثناه عبد الله بن يوسف بن نامي، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد الفقيه الاشقر، ثنا أحمد بن علي القلانسي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا محمد بن حاتم، ثنا بهز، ثنا وهيب، ثنا موسى بن عقبة، عن عبد الواحد بن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير يحدث عن عائشة أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص، أرسل أزواج النبي (ص) أن يمروا بجنازته فيصلين عليه، ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه، وأخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك.\rوقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد.\rفبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد.\rوما صلى رسول الله (ص) على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد.\rوبالسند المذكور إلى مسلم: ثنا محمد بن حاتم بن ميمون، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إلي فأخبرني فقلت: هذا الامر لا يصلح قال: قد بعته في السوق، فلم ينكر ذلك علي أحد، فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال: قدم النبي (ص)","part":2,"page":231},{"id":233,"text":"المدينة ونحن نبيع هذا البيع فقال: ما كان يدا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا وائت زيد بن أرقم فإنه كان أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك.\rوبالسند المذكور إلى مسلم: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا أبو أسامة، ثنا محمد بن عمرو، ثنا عمر بن مسلم بن عمار الليثي قال: كنا في الحمام قبيل الاضحى فأطلي فيه ناس، فقال بعض أهل الحمام: إن سعيد بن المسيب يكره هذا وينهى عنه، فلقيت سعيد بن المسيب، فذكرت ذلك له، فقال: يا ابن أخي هذا حديث قد\rنسي وترك، حدثتني أم سلمة زوج النبي (ص) قالت: قال رسول الله (ص)...فذكرت من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي، أو كلاما هذا معناه.\rقال علي: عمرو بن مسلم هذا هو ابن أكيمة الذي يروي عنه مالك وغيره.\rقال علي: فإن كان عمل أهل المدينة - الذين يحتجون به ويتركون له كلام رسول الله (ص) من هذا الباب الذي ذكرنا فنحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا العمل، ونحن متقربون إلى الله تعالى بعصيان هذا العمل ومضادته، ولا شك أنهم يريدون عمل الجمهور الذي وصفنا، من نحو إنكار عامة أهل المدينة على أزواج النبي (ص) المرور في المسجد، وبيع أهل سوق المدينة الورق بالورق، أو بالذهب نسيئة، ولا ينكر ذلك أحد منهم.\rومثل تركهم ونسيانهم أمر النبي (ص) في ألا يمس الشعر والظفر من أراد أن يضحي إذا أهل ذو الحجة بشهادة سعيد بن المسيب - فقيه أهل المدينة - عليهم بذلك، فإذا ما قد بينا أنهم لا يتعلقون بعمل النبي (ص) ولا بعمل أبي بكر وعمر وعثمان، ولا بعمل أحد بعينه من الصحابة رضوان الله عليهم، فلم يبق بأيديهم شئ إلا العمل الذي وصفنا، ونعوذ بالله من التعلق بمثل هذا العمل فهو الضلال المبين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوقد فشا الشكوى بالعمال، وتعديهم في المدينة في أيام الصحابة رضوان الله عليهم، كما حدثنا حمام بن أحمد قال: ثنا عبد الله بن إبراهيم الاصيلي، ثنا أبو زيد المروزي، حدثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا قتيبة بن سعيد ثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن سوقة، عن منذر الثوري، عن محمد بن علي - هو ابن الحنفية - قال: جاء عليا ناس","part":2,"page":232},{"id":234,"text":"فشكوا سعاة عثمان، فقال لي علي: اذهب بهذه الصحيفة إلى عثمان، فأخبره أنها\rصدقة رسول الله (ص)، فمر سعاتك يعملون بها، فأتيته بها، فقال أغنها عنا.\rفأتيت بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأخبرته، فقال: ضعها حيث أخذتها.\rفقد صح كما ترى في بطلان قول من يدعي حجة بعمل أهل المدينة أو غيرهم، ووجب أن لاحجة إلا فيما صح عن النبي (ص)، وقد أنكر عمر رضي الله عنه على حسان إنشاده الشعر في المسجد، فلما قال له: قد أنشدت فيه وفيه من هو خير منك، وذكر له رسول الله (ص) سكت عمر ومضى، فهذا كله يبين أن لا حجة في قول أحد ولا في علمه بعد النبي (ص)، فإن قالوا: مالك أتى متأخرا فتعقب.\rقيل لهم: فتقليد من أتى بعد مالك فتعقب عليه أولى، كالشافعي وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم، إلى أن يبلغ الامر إلينا، ثم إلى من بعدنا.\rقال علي: والصحيح من ذلك أن أبا حنيفة ومالكا - رحمهما الله - اجتهدا وكانا مما أمرا بالاجتهاد، إذ كل مسلم ففرض عليه أن يجتهد في دينه، وجريا على طريق من سلف في ترك التقليد، فأجرا فيما أصابا فيه أجرين، وأجرا فيما أخطأ فيه أجرا واحدا، وسلما من الوزر في ذلك على كل حال.\rوهكذا حال كل عالم ومتعلم غيرهما، ممن كان قبلهما، وممن كان معهما، وممن أتى بعدهما أو يأتي، ولا فرق، فقلدهما من شاء الله عز وجل، ممن أخطأ وابتدع، وخالف أمر الله عز وجل، وسنة النبي (ص) وإجماع المسلمين وما كان عليه القرون الصالحة وما توجبه دلائل العقل، واتبع هواه بغير آإعالى فضل وأضل.\rوكذلك المقلدون للشافعي رحمه الله، إلا أن الشافعي رضي الله عنه أصل أصولا الصواب فيها أكثر من الخطأ، فالمقلدون له أعذر في اتباعه فيما أصاب فيه، وهم ألوم وأقل عذرا في تقليدهم إياه فيما أخطأ فيه.\rوأما أصحاب الظاهر فهم أبعد الناس من التقليد، فمن قلد أحدا مما يدعي أنه\rمنهم فليس منهم، ولم يعصم أحد من الخطأ، وإنما يلام من اتبع قولا لا حجة عنده به،","part":2,"page":233},{"id":235,"text":"به وألوم من هذا من اتبع قولا وضح البرهان على بطلانه فتمادى ولج في غيه، وبالله تعالى التوفيق.\rوألوم من هذين وأعظم جرما من يقيم على قول يقر أنه حرام، وهم المقلدون الذين يقلدون ويقرون أن التقليد حرام، ويتركون أوامر النبي (ص) ويقرون أنها صحاح وأنها حق، فمن أضل من هؤلاء ؟ نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله الهدى والعصمة، فكل شئ بيده لا إله إلا هو.\rقال أبو محمد: وقد قال بعضهم: قد صح ترك جماعات من الصحابة والتابعين لكثير مما بلغهم من حديث النبي (ص)، فلا يخلو من أن يكونوا تركوه مستخفين به، وهذا كفر من فاعله.\rأو يكونوا تركوه لفضل علم كان عندهم فهذا أولى أن يظن بهم.\rقال علي: وهذا يبطل من وجوه، أحدها أنه قال قائل: لعل الحديث الذي تركه متركه منهم فيه داخلة.\rقيل له: ولعل الرواية التي رويت بأن فلانا الصاحب ترك حديثا كذا هي المدخولة، وما الذي جعل أن تكون الداخلة في رواة الحديث عن النبي (ص) أولى من أن تكون في النقلة الذين رووا ترك من تركها، وأيضا فإن قوما منهم تركوا بعض الحديث، وقوما منهم أخذوا بذلك الحديث الذي ترك هؤلاء فلان فرق بين من قال: لا بد من أنه كان عند من تركه علم من أجله ركه، وبين من قال: لا بد من أنه كان عند من عمل به علم من أجله عمل به، وكل دعوى عريت من برهان فهي ساقطة.\rوقد قدمنا أنه لا يستوحش لمن ترك العمل بالحق، سواء تركه مخطئا معذورا أو تركه عاصيا موزورا، ولا يتكثر بمن عمل به كائنا من كان، وسواء عمل به أو تركه\rوفرض على كل من سمعه أن يعمل به على كل حال.\rوأيضا فإن الاحاديث التي روي أنه تركها بعض من سلف، ليست في أكثر الامر التي ترك هؤلاء المحتجون بترك من سلف لما تركوا منها، بل ترك هؤلاء ما أخذ به أولئك، وأخذ هؤلاء، بما تركه أولئك، فلا حجة لهم في ترك بعض ما سلف لما ترك من الحديث.\rلانهم أول مخالف لهم في ذلك، وأول مبطل لذلك","part":2,"page":234},{"id":236,"text":"الترك.\rولا أسوأ من احتجاج امرئ بما يبطل على من لا يحقق ذلك الاحتجاج بل يبطله كإبطال المحتج به له أو أشد.\rوأيضا فلو صح ما افتروه - من أنه كان عند الصاحب التارك لبعض الحديث علم من أجله ترك ما ترك من الحديث، ونعوذ بالله العظيم من ذلك، ونعيذ كل من يظن به خيرا من مثل ما نسبوا إلى أفاضل هذه الامة المقدسة - لوجب أن يكون من فعل ذلك ملعونا بلعنة الله عز وجل.\rقال الله تعالى: * (إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) * فنحن نقول: لعن الله كل من كان عنده علم من الله تعالى ورسوله (ص) وكتمه عن الناس كائنا من كان.\rومن نسب هذا إلى الصحابة رضوان الله عليهم، فقد نسبهم إلى الادخال في الدين وكيد الشريعة وهذا أشد ما يكون من الكفر.\rوقد عارضت بنحو من هذا الكلام الليث بن حرفش العبدي في مجلس القاضي عبد الرحمن بن أحمد ببشر رحمه الله، وفي حفل عظيم من فقهاء المالكيين، فما أحد منهم أجاب بكلمة معارضة، بل صمتوا كلهم، إلا قليل منهم أجابوني بالتصديق لقولي: وذلك أني قلت له: لقد نسبت إلى مالك رضي الله عنه ما لو صح عنه لكان أفسق الناس، وذلك أنك تصفه بأنه أبدى إلى الناس، المعلول\rوالمتروك والمنسوخ من روايته، وكتمهم المستعمل والسالم والناسخ حتى مات ولم يبده إلى أحد، وهذه صفة من يقصد إفساد الاسلام والتدليس على أهله، وقد أعاذه الله من ذلك، بل كان عندنا أحد الائمة الناصحين لهذه الملة، ولكنه أصاب وأخطأ، واجتهد فوفق وحرم، كسائر العلماء ولا فرق، أو كلاما هذا معناه، وقد افترض الله تعالى التبليغ على كل عالم، وقد قال عليه السلام مخبرا: إن من كتم علما عنده فسئل عنه ألجم يوم القيام بلجام من نار.\rفإن قالوا: بل ما كان عنده عن النبي (ص) خبر يصح إلا وقد أبداه ورواه للناس، وبلغه كما يحق في علمه وروعه قلنا: صدقتم، وهذه صفته عندنا، ونحن على اتباع روايته ورواية غيره من العدول لانه عدل، وقد أمرنا بقبول خبر العدل.\rونحن على رفض رأيه ورأي غيره لقيام البرهان على تحريم التقليد،","part":2,"page":235},{"id":237,"text":"وهو أول الناس ينهى عن تقليده، والعجب من دعواهم أنهم أخذوا بالآخر من فعله (ص)، وأخذوا بالاول المنسوخ لذلك فما حضرنا ذكره - مما تركوا فيه آخر فعله (ص) وأخذوا بالاول المنسوخ.\rفإنهم لم يجيزوا أن يأتي الامام المعهود، وقد بدأ خليفته على الصلاة بالصلاة، فدخل الامام المعهود فيتم الصلاة ويبني سائر من خلفه على من كبروا في أول صلاتهم.\rويصير الامام الذي ابتدأ الصلاة مأموما، وهذه آخر صلاة صلاها رسول الله (ص) بالناس في مرضه الذي مات فيه، فأبطلوا هذه الصلاة وأجازوا أن يخرج الامام من الصلاة لعذر أصابه ويستخلف من يتم بالناس صلاتهم، وهذا ما لم يأت فيه نص ولا إجماع، ولم يروا الصلاة خلف الامام القاعد، والاصحاء وراءه قعود أو قيام، وهذه صفة آخر صلاة صلاها رسول الله (ص)، وتعلقوا بحديث رواه الجعفي - وهو كذاب - عن الشعبي مرسلا:\rلا يؤمن أحد بعدي جالسا وهي رواية كوفية.\rوهم يردون الصحيح من رواية أهل الكوفة، ويتعلقون بهذه الرواية التي لا شك في كذبها من روايات أهل الكوفة.\rوكرهوا التكبير بتكبير الامام، وأبطلوا في نص روايتهم صلاة المذكور، وهذه صفة آخر صلاة صلاها أبو بكر خلف رسول الله (ص) بحضرة جميع المهاجرين والانصار، إلا الاقل منهم، وتركوا إباحة الشرب لكل ما لا يسكر من المباحات في جميع الظروف - وهو الناسخ، وأخذوا بالنهي عن الدباء والمزفت وهو منسوخ بالنص الجلي، وكان ذلك في أول الاسلام.\rوتركوا ما في سورة براءة - وهي آخر سورة نزلت على رسول الله (ص) من أنه لا تؤخذ جزية إلا من كتابي، وتركوا أيضا ما فيها من قوله تعالى ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله وتعلقوا بحديث تخيير من أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، لانه لا يجوز أن يوجد أحد نكح أكثر من أربع نكاحا جائزا، لان نكاح من نكح خامسة اليوم باطل حين عقده إياه، مفسوخ لا يجوز - وإن جوزه الكفار - لان الله تعالى قد حرمه، وتحريم الله تعالى لاحق بهم لازم لهم.","part":2,"page":236},{"id":238,"text":"وتركوا النهي عن الصوم في السفر في رمضان، وهو الناسخ، وأخذوا بإباحة ذلك وهي منسوخة، وتركوا النهي عن الكلام مع الامام في إصلاح الصلاة، وهو الناسخ، وتعلقو بالمخصوص المنسوخ، وتركوا قراءة والمرسلات في المغرب، وهو من آخر فعله (ص) وتركوا تطيبه (ص) لحله ولاحرامه قبل أن يطوف بالبيت، وهو آخر فعله عليه السلام، وتعلقوا بالمنسوخ المخصوص الذي كان في الحديبية قبل حجة الوداع.\rوتركوا إيجابه عليه السلام السلب للقاتل - وكان في غزوة حنين - وهو الناسخ وتعلقوا بما كان في غزوة مؤتة وهو منسوخ - قبل حنين - وتركوا ما في سورة\rبراءة من ألا يهادن مشرك إلا على الاسلام ولا كتابي إلا على الصغار والجزية، وأخذوا بحديث أبي جندل، وهو منسوخ قبل براءة، ومثل هذا كثير.\rفصل فيه بيان سبب الاختلاف الواقع بين الائمة في صدر هذه الامة فإن قيل: فعلى أي وجه ترك هو ومن قبله كثيرا من الاحاديث ؟ قيل له وبالله التوفيق: وقد بينا هذا فيما خلا، ولكن نأتي بفصول تقتضي تكرار ما قد ذكر فلا بد من تكراره، وذلك أن مالكا وغيره بشر ينسى كما ينسى سائر الناس، وقد تجد الرجل يحفظ الحديث ولا يحضره ذكره حتى يفتي بخلافه، وقد يعرض هذا في آي القرآن، وقد أمر عمر على المنبر بألا يزاد في مهور النساء على عدد ذكره، فذكرته امرأة بقول الله تعالى: وآتيتم احداهن قنطارا فترك قوله وقال: كل أحد أفقه منك يا عمر، وقال: امرأة أصابت وأمير المؤمنين أخطأ، وأمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فذكره علي بقول الله تعالى وحمهله وقصاله ثلاثون شهرا مع قوله تعالى: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين فرجع عن الامر برجمها.\rوهم أن يسطو بعيينة بن حصن، إذ قال له: يا عمر ما تعطينا الجزل، ولا تحكم","part":2,"page":237},{"id":239,"text":"فينا بالعدل.\rفذكره الحر بن قيس بن حصن بن حذيفة بقول الله تعالى: واعرض عن الجاهلين وقال له: يا أمير المؤمنين هذا من الجاهلين فأمسك عمر.\rوقال يوم مات رسول الله (ص): والله ما مات رسول الله (ص) ولا يموت حتى يكون آخرنا، أو كلاما هذا معناه، حتى قرئت عليه: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * فسقط السيف من يده وخر إلى الارض.\rوقال: كأني والله لم أكن قرأتها قط.\rفإذا أمكن هذا في القرآن، فهو في الحديث أمكن، وقد ينساه البتة، وقد\rلا ينساه بل يذكره، ولكن يتأول فيه تأويلا فيظن فيه خصوما أو نسخا أو معنى ما، وكل هذا لا يجوز اتباعه إلا بنص أو إجماع، لانه رأي من رأى ذلك، ولا يحل تقليد أحد ولا قبول رأيه.\rوقد علم كل أحد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا حوالي رسول الله (ص) بالمدينة مجتمعين، وكانوا ذوي معايش يطلبونها، وفي ضنك من القوت شديد - قد جاء ذلك منصوصا - وأن النبي (ص) وأبا بكر وعمر أخرجهم الجوع من بيوتهم، فكانوا من متحرف في الاسواق، ومن قائم على نخلة، ويحضر رسول الله (ص) في كل وقت منهم الطائفة إذا وجدوا أدنى فراغ مما هم بسبيله، هذما لا يستطيع أحد أن ينكره وقد ذكر ذلك أبو هريرة فقال: إن إخواني من المهاجر كان يشغلهم الصفق بالاسواق، وإن إخواني من الانصار كان يشغلهم القيام على نخلهم، وكنت امرأ مسكينا أصحب رسول الله (ص) على مل ء بطني، وقد أقر بذلك عمر فقال: فاتني مثل هذا من حديث رسول الله (ص)، ألهاني الصفق في الاسواق، ذكر ذلك في حديث استئذان أبي موسى فكان رسول الله (ص) يسأل عن المسألة، ويحكم بالحكم، ويأمر بالشئ ويفعل الشئ، فيعيه من حضره ويغيب بمن غاب عنه.\rفلما مات النبي (ص) وولي أبو بكر رضي الله عنه، فمن حينئذ تفرق الصحابة للجهاد، إلى مسيلمة وإلى أهل الردة، وإلى الشام والعراق، وبقي بعضهم بالمدينة مع أبي بكر رضي الله عنه.\rفكان إذا جاءت القضية ليس عنده فيها عن النبي (ص) أمر، سأل من بحضرته من الصحابة عن ذلك فإن وجد","part":2,"page":238},{"id":240,"text":"عندهم رجع إليه وإلا اجتهد في الحكم، ليس عليه غير ذلك، فلما ولي عمر رضي الله عنه فتحت الامصار، وزاد تفرق الصحابة في الاقطار، فكانت الحكومة\rتنزل في المدينة أو في غيرها من البلاد، فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها في ذلك عن النبي (ص) أثر، حكم به، وإلا اجتهد أمير تلك المدينة في ذلك، وقد يكون في تلك القضية حكم عن النبي (ص) موجود عند صاحب آخر، في بلد آخر.\rوقد حضر المديني ما لم يحضر المصري، وحضر المصري ما لم يحضر الشامي، وحضر الشامي ما لم يحضر البصري، وحضر البصري ما لم يحضر الكوفي، وحضر الكوفي ما لم يحضر المديني، كل هذا موجود في الآثار وفي ضرورة العلم بما قدمنا من مغيب بعضهم عن مجلس النبي (ص) في بعض الاوقات وحضور غيره، ثم مغيب الذي حضر أمس وحضور الذي غاب فيدري كل واحد منهم ما حضر، ويفوته ما غاب عنه.\rوهذا معلوم ببديهة العقل.\rوقد كان علم التيمم عند عمار وغيره.\rوجهله عمر وابن مسعود فقالا: لا يتيمم الجنب، ولو لم يجد الماء شهرين وكان حكم المسح عند علي وحذيفة رضي الله عنهما وغيرهم، وجهلته عائشة وابن عمر وأبو هريرة، وهم مدنيون.\rوكان توريث بنت الابن مع البنت عند ابن مسعود، وجهله أبو موسى، وكان حكم الاستئذان عند أبي موسى، وعند أبي سعيد وجهله عمر.\rوكان حكم الاذن للحائض في أن تنفر قبل أن تطوف، عند ابن عباس وأم سليم، وجهله عمر وزيد بن ثابت، وكان حكم تحريم المتعة والحمر الاهلية عند علي وغيره، وجهله ابن عباس.\rوكان حكم الصرف عند عمر وأبي سعيد وغيرهما وجهله طلحة وابن عباس وابن عمر، وكان حكم إجلاء أهل الذمة من بلاد العرب، عند ابن عباس وعمر فنسيه عمر سنين فتركهم حتى ذكر فذكر، فأجلاهم.\rوكان علم الكلالة عند بعضهم، ولم يعلمه عمر، وكان النهي عن بيع الخمر عند عمر وجهله سمرة.\rوكان حكم الجدة عند المغيرة ومحمد بن مسلمة وجهله أبو بكر وعمر.\rوكان حكم أخذ الجزية من","part":2,"page":239},{"id":241,"text":"المجوس، وألا يقدم على بلد فيه الطاعون، عند عبد الرحمن بن عوف، وجهله عمر وأبو عبيدة وجمهور الصحابة رضوان الله عنهم وكان حكم ميراث الجد عند معقل بن سنان، وجهله عمر.\rومثل هذا كثير جدا، فمضى الصحابة على ما ذكرنا، ثم خلف بعدهم التابعون الآخذون عنهم، وكل طبقة من التابعين في البلاد التي ذكرنا فإذا تفقهوا مع من كان عندهم من الصحابة، وكانوا لا يتعدون فتاويهم، لا تقليدا لهم، ولكن لانهم إنما أخذوا ورووا عنهم، إلا اليسير مما بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصحابة رضي الله عنهم، كاتباع أهل المدينة في الاكثر فتاوى ابن عمر، واتباع أهل الكوفة في الاكثر فتاوى ابن مسعود واتباع أهل مكة في الاكثر فتاوى ابن عباس.\rثم أتى بعد التابعين فقهاء الامصار: كأبي حنيفة، وسفيان، وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جريج بمكة، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، وعثمان البتي وسوار بالبصرة، والاوزاعي بالشام، والليث بمصر، فجروا على تلك الطريقة من أخذ كل واحد منهم عن التابعين من أهل بلده فيما كان عندهم، واجتهادهم فيما لم يجدوا عندهم، وهو موجود عند غيرهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.\rوكل ما ذكرنا مأجور على ما أصاب فيه حكم النبي (ص) أجرين ومأجور فيما خفي عنه منه أجرا واحدا، وقد يبلغ الرجل مما ذكرنا حديثان ظاهرهما التعارض، فيميل إلى أحدهما دون الثاني بضرب من الترجيحات التي صححنا أو أبطلنا قبل هذا في هذا الباب ويميل غيره إلى الحديث الذي ترك هذا بضرب من تلك الترجيحات كما روي عن عثمان في الجمع بين الاختين، حرمتهما آية، وأحلتهما آية، وكما مال ابن عمر إلى تحريم نساء أهل الكتاب جملة بقوله: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن قال ولا أعلم شركا أعظم من قول المرأة: إ ن عيسى ربها.\rوغلب ذلك على الاباحة المنصوصة في الآية الاخرى، وكما جعل ابن عباس عدة ا لحامل آخر الاجلين من وضع الحمل، أو تمام أربعة أشهر وعشر، وكما تأول بعض الصحابة في الحمر الاهلية أنها إنما حرمت لانها لم تخمس، وتأول آخر منهم أنها حرمت لانها حمولة الناس، وتأول آخر منهم أنها حرمت لانها كانت تأكل","part":2,"page":240},{"id":242,"text":"العذرة، وقال بعضهم: بل حرمت لعينها، وكما تأول قدامة في شرب الخمر، قول الله تعالى: * (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا فعلى هذه الوجوه ترك مالك ومن كان قبله ما تركوا من الاحاديث والآيات، وعلى هذه الوجوه خالفهم نظراؤهم، فأخذ هؤلاء ما ترك أولئك، وأخذ أولئك ما ترك هؤلاء، فهي وجوه عشرة كما ذكرنا: أحدها: ألا يبلغ العالم الخبر فيفتي فيه بنص آخر بلغه، كما قال عمر في خبر الاستئذان: خفي علي هذا من رسول الله (ص) ألهاني الصفق بالاسواق.\rوقد أوردناه بإسناده من طريق البخاري في غير هذا المكان.\rوثانيها: أن يقع في نفسه أن راوي الخبر لم يحفظ، وأنه وهم كفعل عمر في خبر فاطمة بنت قيس، وكفعل عائشة في خبر الميت يعذب ببكاء أهله، وهذا ظن لا معنى له، إن أطلق بطلت الاخبار كلها وإن خص به مكان دون مكان كان تحكما بالباطل.\rوثالثها: أن يقع في نفسه أنه منسوخ كما ظن ابن عمر في آية نكاح الكتابيات.\rورابعها: أن يغلب نصا على نص بأنه أحوط وهذا لا معنى له، إذ لا يوجبه قرآن ولا سنة.\rوخامسها: أن يغلب نصا على نص لكثرة العاملين به أو لجلالتهم، وهذا لا معنى له لما قد أفدناه قبلا في ترجيح الاخبار.\rوسادسها: أن يغلب نصا لم يصح على نص صحيح، وهو لا يعلم بفساد الذي غلب.\rوسابعها: أن يخصص عموما بظنه.\rوثامنها: أن يأخذ بعموم لم يجب\rالاخذ به، ويترك الذي يثبت تخصيصه.\rوتاسعها: أن يتأول في الخبر غير ظاهره بغير برهان لعله ظنها بغير برهان.\rوعاشرها: أن يترك نصا صحيحا لقول صاحب بلغه، فيظن أنه لم يترك ذلك النص إلا لعلم كان عنده.\rفهذه ظنون توجب الاختلاف الذي سبق في علم الله عز وجل، أنه سيكون، ونسأل الله تعالى التثبيت على الحق بمنه آمين.\rثم كثرت الرحل إلى الآفاق، وتداخل الناس والتقوا، وانتدب أقوام لجمع حديث النبي (ص) وضمه وتقييده، ووصل من البلاد البعيدة إلى من لم يكن عنده وقامت الحجة على من بلغه شئ منه، وجمعت الاحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأول في الحديث، وعرف الصحيح من السقيم، وزيف الاجتهاد","part":2,"page":241},{"id":243,"text":"المؤدي إلى خلاف كلام رسول الله (ص) وإلى ترك عمله، وسقط العذر عمن خالف ما بلغه من السنن بلوغه إليه، وقيام الحجة به عليه، فلم يبق إلا العناد والجهل، والتقليل والاثم.\rوعلى هذا الطريق كان الصحابة رضي الله عنهم، وكثير من التابعين يرحلون في طلب الحديث الواحد الايام الكثيرة، وقد رحل أبو أيوب من المدينة إلى مصر، إلى عقبة بن عامر في حديث واحد.\rوكتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إلي ما سمعته من رسول الله (ص)، ورحل علقمة والاسود إلى عائشة وعمر رضي الله عنهما، ورحل علقمة إلى أبي الدرداء بالشام.\rفقد بينا وجه ترك من ترك بعض الحديث وأزحنا العلة في ذلك، ورفعنا الاشكال جملة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rقال أبو محمد: وقد موه بعضهم بأن قال: إن ابن مسعود كان يسأل عن الشئ فيتركه حتى يأتي المدينة.\rقال علي: وإنما كان هذا في مسألتين فقط وهي: مسألة نكاح الام التي\rلم يدخل بابنتها فخالفه عمر، وقد صح عن زيد بن ثابت - وهو مدني - مثل قول ابن مسعود.\rوالثانية: بيعه نفاية بيت المال، ثم رجع عن ذلك.\rقال علي: وكيف يكون هذا والصحيح أن ابن مسعود قال مخبرا عن نفسه: ما من سورة من كتاب الله تعالى إلا وأنا أدري فيما نزلت، ولو أني أعلم مكان رجل أعلم مني بكتاب الله عز وجل تبلغني إليه الابل لاتيته.\rفكيف يرجع إلى قول غيره من هذه صفته ؟ ولقد صدق رضي الله عنه، وهو الذي أمر رسول الله (ص) أن يتمسك بعهده، وأن يؤخذ القرآن عنه وعن ثلاثة مذكورين معه، وقد صح أن عمر بن الخطاب أمر برجم مجنونة، فرده عن ذلك - على وهو كوفي - وكذلك وجد عند المغيرة خبر إملاص المرأة - وهو كوفي - لم يكن عند أهل المدينة.\rقال علي: وقد موه بعضهم بأن ذكر ما حدثناه عبد الله بن ربيع، ثنا عمر بن عبد الملك، ثنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن المثنى، ثنا سهل بن يوسف، قال حميد: أنبأ عن الحسن قال: خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة فقال: أخرجوا صدقة صومكم، فكأن الناس لم يعلموا، فقال من ههنا من أهل","part":2,"page":242},{"id":244,"text":"المدينة ؟ فقوموا إلى إخوانكم فعلموهم، فإنهم لا يعلمون، فرض رسول الله (ص) هذه الصدقة صاعا من تمر أو شعير، أو نصف صاع من قمح على كل حر أو مملوك، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير.\rفلما قدم علي رأى رخص الشعير، قال: قد أوسع الله عليكم فلو جعلتموه صاعا من كل شئ.\rقال علي: وهذا الحديث قبل كل شئ لا يصح، لوجوه ظاهرة: أولها: أن الكذب والتوليد والوضع فيه ظاهر كالشمس: لانه لا خلاف بين أحد من أهل العلم بالاخبار، أن يوم الجمل كان لعشر خلون من جمادى الآخرة\rسنة ست وثلاثين، ثم أقام علي بالبصرة باقي جمادى الآخرة، وخرج راجعا إلى الكوفة في صرجب، وترك ابن عباس بالبصرة أميرا عليها، ولم يرجع علي بعدها إلى البصرة هذا ما لا خلاف فيه من أحد له علم بالاخبار.\rوفي الخبر المذكور ذكر تعليم ابن عباس أهل البصرة صدقة الفطر، ثم قدم علي بعد ذلك وهذا هو الكذب البحت الذي لا خفاء فيه.\rووجه ثان: أن الحسن لم يسمع من ابن عباس أيام ولايته البصرة شيئا، ولا كان الحسن يومئذ بالبصرة، وإنما كان بالمدينة هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من نقلة الحديث.\rوأيضا وجه ثالث: فإنه حديث مفتعل لا يصح، لان البصرة فتحها وبناها - سنة أربع عشرة من الهجرة - عتبة بن غزوان المازني بدري مدني، ووليها بعده المغيرة بن شعبة، وأبو موسى، وعبد الله بن عامر، وكلهم مدنيون، ونزلها من الصحابة المدنيين أزيد من ثلاثمائة رجل، منهم عمران بن الحصين، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر، والحكم بن عمرو، وغيرهم، وفتحت أيام عمر بن الخطاب وتداولها ولاته إلى أن وليها ابن عباس بعد صدر كبير من سنة ست وثلاثين من الهجرة، فلم يكن في هؤلاء كلهم من يخبرهم بزكاة الفطر، بل ضيعوا ذلك وأهملوه واستخفوا به أو جهلوه مدة أزيد من اثنين وعشرين عاما، مدة خلافة عمر بن الخطاب، وعثمان رضوان الله عليهم، حتى وليهم ابن عباس بعد يوم الجمل.\rأترى عمر وعثمان ضيعا إعلام رعيتهما هذه الفريضة، أترى أهل البصرة لم يحجوا أيام عمر وعثمان، ولا دخلوا المدينة، فغابت عنهم زكاة الفطر إلى بعد يوم الجمل ؟ إن هذا لهو الضلال المبين، والكذب المفترى، ونسبة البلاء إلى الصحابة رضوان","part":2,"page":243},{"id":245,"text":"الله عليهم، أن هذا الخبر ما يدخل تصحيحه في عقل سليم ؟ وما حدث الحسن، والله أعلم بهذا الحديث إلا على وجه التكذيب له، لا يجوز غير ذلك.\rثم نقول لهم: لو صح - وهو لا يصح - لكان حجة على المالكيين، لانه خلاف مذهبهم في صدقة الفطر، لانهم يرون أنه لا يجزي فيها من البر إلا صاع فعاد حجة عليهم، ولا أضل ممن يحتج بما لا يصح نعوذ بالله من الخذلان، وإنما يصح هذا الحديث بخلاف اللفظ المذكور، لكن كما حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية، ثنا أحمد بن شعيب، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا حماد - هو ابن زيد - عن أيوب السختياني، عن أبي رجاء - هو العطاردي - قال: سمعت ابن عباس يخطب على منبركم - يعني منبر البصرة - يقول: صدقة الفطر صاع من طعام.\rوقد موه بعضهم بأن قال: إن أهل المدينة هم شهدوا آخر عمل رسول الله (ص).\rقال علي: وهذا قول رجل جاهل أو مدلس، لا بد له ضرورة من أحد الوجهين، فإن كان جاهلا وكان هذا مقداره من العلم فما كان في وسعه أن يفتي في دين الله عز وجل، وإن كان هذا مستحيلا للتلبيس في دين الله تعالى، فهذا أخبث وأنتن.\rقال علي: وهذا كلام يبطل من وجهين ضروريين، أحدهما: أننا قد بينا في هذا الباب أنهم أترك الناس لآخر عمل رسول الله (ص) والثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا كلهم مدنيين طول مدة رسول الله (ص) ومدة أبي بكر وإنما سكنوا الشام والبصرة والكوفة في صدر خلافة عمر رضوان الله عليه فما بعد ذلك، لان الشام ومصر كانت بأيدي الروم، والعراق حيث بنيت الكوفة والبصرة كانت بأيدي الفرس، ولم يفتتح شئ من كل ذلك ولا سكنه مسلم إلا بعد صدر إمارة عمر، هذا أمر لا يجهله من له أقل نصيب من العلم، وكل من كان بالعراق والشام ومصر من الصحابة فلم يفارقوا سكنى المدينة طوال حياة رسول الله (ص)، ولم ينفرد قط برسول الله من بقي منهم بالمدينة دون من سكن بعد موته عليه السلام العراق أو الشام أو مصر، فبطل كذب من موه بما ذكرنا، ولله الحمد ووجب بالضرورة أن من بقي بالمدينة من\rالصحابة رضي الله عنهم، ليس بأولى بحسن الظن بهم في الثبات على ما شهدوه من","part":2,"page":244},{"id":246,"text":"النبي (ص) من سائر الصحابة الذين بالامصار، ولا هم أولى بالعلم منهم، بل كلهم واجب الحق، موصوف بالعلم والدين والنصيحة للمسلمين.\rقال أبو محمد: وهذا الذي جرى عليه الناس، كما حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان، ثنا أحمد بن خالد، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الحجاج بن المنهال، ثنا يزيد بن أبي إبراهيم، ثنا رزيق - وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز على أيلة - أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في عبد أبق وسرق، وذكر أن أهل الحجاز لا يقطعون العبد إذا سرق، فكتب إليه، كتبت إلي في عبد أبق وسرق، وذكر أن أهل الحجاز لا يقطعون الآبق إذا سرق، وأن الله تعالى يقول: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء مما كسبا فإن كان قد سرق قدر ما يبلغ ربع دينار فاقطعه.\rقال علي: فهذا عمر بن عبد العزيز لم يلتفت إلى عمل أهل الحجاز، وأخذ بعموم القرآن وهو الذي لا يجوز خلافه.\rفصل في فضل الاكثار من الرواية للسنن قال علي: واستغاث بعضهم إلى ذم الاكثار من الرواية، ونسبوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، وذكروا الخبر عنه أنه لم يلتفت لرواية فاطمة بنت قيس في أن لا نفقة ولا سكنى للمبتوتة ثلاثا، وأنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لكلام امرأة لا ندري لعلها نسيت، وتوعد أبا موسى بضرب الظهر والبطن إن لم يأته بشاهد على ما حدث به من حكم الاستئذان.\rوإن أبا بكر الصديق لم يأخذ برواية المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة.\rحتى شهد له بذلك محمد بن مسلمة، وأن عائشة أم المؤمنين لم تلتفت إلى قول أبي هريرة في المشي في خف واحد وقالت: لاحنثن\rأبا هريرة، ومشت في نعل واحدة وأن عثمان حمل إليه محمد بن علي بن أبي طالب، من عند أبيه كتاب حكم النبي (ص) في الزكاة فقال له: أغنها عنا، فرجع إلى أبيه فقال: ضع","part":2,"page":245},{"id":247,"text":"الصحيفة حيث وجدتها، وأن عمارا قال لعمر في حديث التيمم: أما والله يا أمير المؤمنين لئن شئت - لما جعل الله لك علي من الحق - ألا أحدث بذلك أبدا فعلت.\rفقال له عمر: لا، ولكن نوليك من ذلك ما توليت، وأن ابن عباس لم يلتفت لرواية أبي هريرة في الوضوء مما مست النار، ولا رواية الحكم بن عمرو الغفاري في الوضوء من فضل المرأة، ولا رواية علي في النهي عن المتعة، ولا رواية أبي سعيد الخدري في النهي عن الدرهم بالدرهمين يدا بيد، وابن عمر ذكرت له رواية أبي هريرة في كلب الزرع فقال: إن لابي هريرة زرعا، وإن معاوية لم يلتفت لرواية عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء في النهي عن الفضة بالفضة بتفاضل يدا بيد.\rفهؤلاء، أبو بكر وعثمان وعلي وعائشة وعمار وابن عباس وابن عمر ومعاوية ذكروا نحو هذا أيضا عن نفر من التابعين.\rقال علي: وقولهم هذا دحض بالبرهان الظاهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وهو أنه يقال لمن ذم الاكثار من الرواية: أخبرنا عن الرواية لحديث رسول الله (ص)، أخير هي أم شر ؟ ولا سبيل إلى وجه ثالث، فإن قال: هي خير، فالاكثار من الخير خير، وإن قال: هي شر، فالقليل من الشر شر، وهم قد أخذوا منه بنصيب، فيلزمهم أن يعترفوا بأنهم يتعلمون الشر ويعلمون به، أما نحن فلسنا نقر بذلك، بل نقول: إن الاكثار منها لطلب ما صح هو الخير كله.\rوأيضا فنقول لهم: عرفونا حد الاكثار من الرواية المذمومة عندكم، لنعرف ما تكرهون، وحد غير الاكثار المستحب عندكم، فإن حدوا في ذلك حدا كانوا قد قالوا بالباطل: وشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله تعالى وقالوا بلا برهان وبغير علم، وإن لم يجدوا في ذلك حدا كانوا قد حصلوا في أسخف منزلة، إذ لا يدرون ما ينكرون ولا يحسنون.\rوهذا هو الضلال ونعوذ بالله منه.\rوأيضا فيقال لهم: ما الذي جعل أن يكون ما رواه مالك من الحديث خيرا، ويكون ما رواه شرا دون أن تكون القصة معكوسة، ونحن نعوذ بالله من كل ذلك، بل الخير كله التفقه في الآثار والقرآن، وضبط ما روي عن النبي (ص).","part":2,"page":246},{"id":248,"text":"وقد حض النبي (ص) على أن يبلغ عنه، وهذا التفقه والنذرة التي أمر الله تعالى بها، وليت شعري، إذا كان الاكثار من الحديث شرا فأين الخير ؟ أفي التقليد الذي لا يلزمه إلا جاهل أو فاسق ؟ أم في التحكم في دين الله عز وجل بالآراء الفاسدة التي قد حذر الله تعالى منها، وزجر النبي (ص) عنها.\rوفخر بعضهم بأن مالكا كان يسقط من موطئه كل سنة وإنه لم يحدث بكثير مما كان عنده.\rقال علي: هذا فخر من يريد أن يمدح فيذم، ويريد أن يبني فيهدم، ولا يخلو ما حدث به مالك وما لم يحدث به من أن يكون حدث بالصحيح عنده، وترك ما لم يصح فقد أحسن.\rوكذا كل من حدث أيضا بما يصح عنده ممن ليس مالك بأعلم منه، ولا أروع كسفيان وشعبة والاوزاعي وأيوب وغيرهم، وأن يكون حدث بالسقيم وكتم الصحيح، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك، لان هذه صفة أفسق الفاسقين، أو يكون حدث بسقيم وصحيح، وكتم صحيحا وسقيما، فمن فعل ذلك فهو آثم وملعون لكتمانه علما صحيحا عنده، فبطل ما أرادوا يمدحوه به، وعاد ذما\rعظيما لو صح عليه ذلك، وأعوذ بالله من ذلك.\rوبرهان آخر يوضح كذب من قال هذا، وهو أن الموطأ ألفه مالك رضي الله عنه بعد موت يحيى بن سعيد الانصاري بلا شك، ومات يحيى بن سعيد في سنة ثلاث وأربعين ومائة.\rولسنا نقول هذا بظننا بل يقينا، فهكذا روينا بإسناد متصل إلى يحيى بن سعيد القطان أنه قال: لقينا مالكا قبل أن يصنف، ولقيناه سنة اثنتين وأربعين ومائة بعد موت موسى بن عقبة بسنة، ولم يزل الموطأ يروى عن مالك منذ ألفه، طائفة بعد طائفة، وأمة بعد أمة، وآخر من رواه عنه من الثقات أبو المصعب الزهري لصغر سنه، وعاش بعد موت مالك ثلاثا وستين سنة، وموطؤه أكمل الموطآت، لانه فيه خمسمائة حديث وتسعين حديثا بالمكرر أما بإسقاط التكرار فخمسمائة حديث وتسعة وخمسون حديثا، وكان سماع ابن وهب للموطأ من مالك قبل سماع أبي المصعب بدهر، وكذلك سماع ابن القاسم، ومعن بن عيسى، وليس في موطأ ابن القاسم إلا خمسمائة حديث وثلاثة أحاديث،","part":2,"page":247},{"id":249,"text":"وفي موطأ ابن وهب كما في موطأ أبي المصعب ولا مزيد فبان كذب هذا القائل، والحمد لله رب العالمين.\rقال علي: ولئن كان جميع حديث النبي (ص) مذموما فإن مالكا لمن أول من فعل ذلك، فإن أول من ألف في جمع الحديث فحماد بن سلمة، ومعمر، ثم مالك، ثم تلاهم الناس، وأما نحن فإننا نحمد ذلك من فعلهم.\rونقول: إن لهم ولمن فعل فعلهم في ذلك أعظم الاجر لعظيم ما قيدوا من السنن، وكثيرا ما بينوا من الحق، وما رفعوا من الاشكال في الدين، وما فرجوا بما كتبوا من حكم الاختلاف، فمن أعظم أجرا منهم، جعلنا الله بمنه ممن تبعهم في ذلك بإحسان آمين.\rوأما رد عمر رضي الله عنه لحديث فاطمة بنت قيس فقد خالفته فاطمة وهي من المبايعات المهاجرات للصواحب، فهو تنازع من أولي الامر ليس قول أولى من قولها، ولا قولها أولى من قوله، إلا بنص والنص موافق لقول فاطمة، وعمر مجتهد مخطئ في رد ذلك، مأجور مرة ولا تعلق للمالكيين بهذا الخبر، لانهم خالفوا رواية فاطمة وخالفوا قول عمر، فلم يتعلقوا بأحدهما.\rوأما ما ذكروا من نهي عمر رضي الله عنه في الاكثار من الحديث عن النبي (ص)، فحدثنا محمد بن سعيد، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشن، ثنا بندار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا شعبة عن بيان عن الشعبي عن قرظة - هو ابن كعب الانصاري - قال شيعنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى صرار، فانتهى إلى مكان فتوضأ فيه.\rفقال: أتدرون لما شيعتكم ؟ قلنا: لحق الصحبة.\rقال: إنكم ستأتون قوم تهتز ألسنتهم بالقرآن كاهتزاز النخل فلا تصدروهم بالحديث عن رسول الله (ص) وأنا شريككم، قال قرظة: فما حدثت بشئ بعد، ولقد سمعت كما سمع الصحابي.\rفهذا لم يذكر فيه الشعبي أنه سمعه من قرظة، وما نعلم أن الشعبي لقي قرظة ولا سمع منه، بل لا شك في ذلك، لان قرظة رضي الله عنه مات والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة.","part":2,"page":248},{"id":250,"text":"هذا مذكور في الخبر الثابت المسند، وأول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب.\rفذكر المغيرة عند ذلك خبرا مسندا في النوح، ومات المغيرة سنة خمسين بلا شك، والشعبي أقرب إلى الصبا، فلا شك في أنه لم يلق قرظة قط فسقط هذا الخبر، بل قد ذكر بعض أهل العلم بالاخبار أن قرظة بن كعب مات وعلي رضوان الله عليه بالكوفة فصح يقينا أن الشعبي لم يلق قط قرظة ولا عقل عنه كلمة، وحدثنا أيضا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة، ثنا علي بن عبد العزيز،\rثنا أبو عبيد، ثنا أبو بكر - هو ابن عياش - عن أبي حصين، يرفعه إلى عمر - أنه حين وجه الناس إلى العراق، قال جردوا القرآن.\rوأقلوا الراوية عن رسول الله (ص) وأنا شريككم.\rقال أبو محمد: وأبو حصين لم يولد إلا بعد موت عمر بدهر، وأعلى من عنده ابن عباس والشعبي.\rقال علي: وروي عنه أيضا أنه رضي الله عنه: أنه حبس ابن مسعود من أجل الحديث عن النبي (ص)، كما روينا بالسند المذكور إلى بندار، ثنا غندر، ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: قال عمر لابن مسعود، ولابي الدرداء، وأبي ذر: ما هذا الحديث على رسول الله (ص) ؟ قال: وأحسبه أنه لم يدعهم أن يخرجوا من المدينة حتى مات.\rقال علي: هذا مرسل ومشكوك فيه من شعبة فلا يصح.\rولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لانه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ سنن","part":2,"page":249},{"id":251,"text":"رسول الله (ص) إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وأن لا يذكروها لاحد، فهذا خروج عن الاسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين في الكذب على النبي (ص) فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلا، ولئن كان حسبهم وغيرهم متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما، وإنما معنى نهي عمر رضي الله عنه من الحديث عن رسول الله (ص) لو صح، فهو بين في الحديث الذي أوردناه من طريق قرظة، وإنما نهى عن الحديث بالاخبار عمن سلف من الامم وعما أشبه.\rوأما بالسنن عن النبي (ص) فإن النهي عن ذلك هو مجرد، وهذا ما لا يحل\rلمسلم أن يظنه ممن دون عمر من عامة المسلمين، فكيف بعمر رضي الله عنه.\rودليل ما قلنا: أن عمر قد حدث بحديث كثير عن النبي (ص).\rفإن كان الحديث عنه عليه السلام مكروها، فقد أخذ عمر من ذلك بأوفر نصيب، ولا يحل لمسلم أن يظن بعمر رضي الله عنه أنه نهى عن شئ وفعله، لانه قد روي عنه رضوان الله عليه خمسمائة حديث ونيف، على قرب موته من موت النبي (ص) فصح أنه كثير الرواية، والحديث عن النبي (ص) وما في الصحابة أكثر رواية عن النبي (ص) من عمر بن الخطاب، إلا بضعة عشر منهم فقط.\rفصح أنه قد أكثر الرواية عن النبي (ص) فصح بذلك التأويل الذي ذكرنا لكلامه رضي الله عنه، وهكذا القول فيما روي من ذلك عن معاوية رضي الله عنه، ولا فرق.\rوقد جاء ما قلناه عن عمر رضي الله نصا دون تأويل، كما أنبأ عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية القرشي، ثنا ابن خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال: ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، ثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الاشج أن عمر بن الخطاب قال: سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنة أعلم بكتاب الله عز وجل.\rقال علي: وقد صح بهذا أن عمر أمر بتعليم السنن، وأخبر أنها تبين القرآن فصح ما قلناه يقينا بلا مرية، وارتفع اللبس، والحمد لله رب العالمين.\rوأعجب من هذا كله: أن المالكيين المحتجين بأن عمر رضي الله عنه حبس","part":2,"page":250},{"id":252,"text":"ابن مسعود، وأبا موسى وأبا الدرداء بالمدينة، على الاكثار من الحديث ينبغي لهم أن يحاسبوا أنفسهم فيقولوا: إذا أنكر عمر على ابن مسعود وأبي موسى وأبي الدرداء، الاكثار من الحديث، وسجنهم على ذلك، وهم أكابر الصحابة وعدول الامة، وليس لابن مسعود إلا ثمانمائة حديث ونيف، فقط لعله انما يصح\rمنها عنه أقل من النصف وليس لابي الدرداء إلا مائة حديث ونيف، لعله لا يصح عنهما إلا أقل من نصف هذين العددين ماذا كان يصنع بمالك لو رأى موطأه، قد جمع فيه ثمانمائة حديث ونيفا وثلاثين حديثا من مسند ومرسل ؟ أين كنتم ترونه يبلغ به وهو ينكر على الصحابة بزعمكم الكاذب دون هذا العدد ؟ فلو كان لهؤلاء القوم دين أو عقل أما كان يحجزهم عن الاقدام على الانكار على الصحابة رضوان الله عليهم أمرا يجيزون لصاحبهم أكثر منه ؟ إن هذا لعجب.\rوأما الحنفيون: فقد طردوا أصلهم ههنا، لان صاحبهم أقل الحديث ولم يطلبه بكثرة خطئه وقلة حديثه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والرواية في حبس ابن مسعود في ذلك عنه ضعيفة، وإنما صح أنه تشدد في الحديث كما ذكرنا، وكان يكلف من حدثه بحديث أن يأتي بآخر سمعه معه، وإنما فعل ذلك اجتهادا منه، وقد أنكره عليه أبي، فرجع عمر عن ذلك، وذلك مذكور في حديث الاستئذان، وحتى لو صح ذلك عن عمر ومعاوية فقد خالفهما في ذلك أبي وعبادة، وبلغ ذلك بأحدهما إلى أن حلف ألا يساكنه في بلد واحد، فمن جعل قول معاوية أولى من قول عبادة وأبي الدرداء ؟.\rوأما الرواية عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه لم يقنع بقول المغيرة وروايته فمنقطعة لا تصح، ولو صححت لما كان لهم فيها حاجة.\rلانهم يقولون بخبر الواحد إذا وافقهم ولا معنى لطلب راو آخر فالذي يدخل خبر الواحد يدخل خبر الاثنين، ولا فرق إلا أن يفرق بين ذلك نص فيوقف عنده.\rوأما الرواية عن عائشة أم المؤمنين، فإنما موهوا بإيرادها ولا حجة لهم فيها، لانها لم تقل قط أنها لم تصدق أبا هريرة، ولا أنها تستجيز رد حكم رسول الله (ص)، وإنما ذكر لها أن أبا هريرة ينهى عن المشي في نعل واحد فقالت:","part":2,"page":251},{"id":253,"text":"لاحنثن أبا هريرة وأحسنت وبرت.\rفلو لم يكن في هذا إلا قول أبي هريرة لما لزم الاخذ به.\rوأما خبر عثمان فلا ندري على أي وجه أورده.\rوالذي نظن بعثمان أنه كان عنده عن النبي (ص) رواية في صفة الزكاة، استغنى بها عما عند علي بل نقطع بهذا عليه قطعا، ولا وجه لذلك الخبر سوى هذا أو المجاهرة بخلاف النبي (ص)، وقد أعاذه الله من ذلك فإن صاروا إلى توجيهنا، بطل تعلقهم بهذا الخبر.\rوإن وجهوه على هذا الوجه الآخر، لحقوا بالروافض ونسبوا إلى عثمان الكفر أو الفسق، وقد برأه الله من ذلك وأن من نسب إليه لاولى به من عثمان بلا شك.\rوأما قول عمار لعمر: فيعيذ الله عمارا من أن يستجيز جحد سنة عنده عن النبي (ص) موافقة لرأي عمر.\rهذه صفة توجب الكفر لمن استحلها ويوجب الفسق لمن فعلها غير مستحل لها، لا يختلف في ذلك اثنان من أهل الاسلام، مع مجئ النص بذلك فيمن يكتم حكم الله تعالى أو يخالفه.\rوإنما قال ذلك عمار مبكتا لعمر إذ خالفه، بمعنى أترى لي أن أكتم هذا الخبر، نعم إن شئت كما قال تعالى اعملوا ما شئتم أو غير هذا، وهو في الخبر ذكر أن عمر أجنب فلم يصل، فهذا الذي أراد عمار كتمانه، وأنه لا يحدث به أبدا لواجب حق عمر عليه وهذا مباح إذ ليس ذكر اسم عمر في ذلك من السنن، ولا له فائدة، لكن عمر رضي الله عنه لم يفسح له في ذلك بل ولاه من التصريح باسمه في ذلك ما تولى.\rوأما ابن عباس فإنه روى في فضل المرأة من طريق ميمونة خبرا بنى عليه وروى في المتعة إباحة شهدها فثبت عليها ولم يحقق النظر، وقد أنكر ذلك عليه علي بن أبي طالب وأغلظ عليه القول - وروي في الدرهم بالدرهمين خبرا\rعن أسامة عن النبي (ص) فثبت عليه وأنكر عليه ذلك أبو سعيد وأغلظ له في القول جدا، ولم يعارض خبر الحكم في فضل المرأة بأكثر من أن قال: هي ألطف بنانا، وأطيب ريحا، فليس في هذا رد للحديث ولا لحكمه، بل صدق في ذلك، وقد","part":2,"page":252},{"id":254,"text":"خالفه في الوضوء مما مست النار، وفي غسل اليد ثلاثا قبل إدخالها في الاناء أبو هريرة وأغلظ له في القول فليت شعري من جعل قول ابن عباس أولى من قول علي وأبي هريرة والحكم بن عمرو وأبي سعيد ؟.\rوأما قول ابن عمر: إن لابي هريرة زرعا، فصدق وليس في هذا رد لرواية أبي هريرة أصلا، فإذا لم يبق من جميع ما اعترضوا به إلا اختلاف الصحابة في بعض ذلك مما صح وثبت، فالواجب الرد المفترض الذي لا يحل سواه هو الرد في ذلك إلى الله تعالى وإلى النبي (ص) إذ كان صاحب في ذاته فغير مبعد عنه الوهم لا سيما إذا اختلفوا فمضمون أن أحد القولين خطأ، فوجدنا الله تعالى قد أمر بالتفقه في الدين، وإنذار الناس به، وأمر بطاعة الرسول (ص)، ولا سبيل إلى طاعته عليه السلام إلا بنقل كلامه وضبطه وتبليغه ولا سبيل إلى التفقه في الدين إلا بنقل أحكام الله تعالى وأحكام رسوله (ص)، ووجدناه (ص) قد حض على تبليغ الحديث عنه وقال في حجة الوداع لجميع من حضر: ألا فليبلغ الشاهد الغائب فسقط قول من ذم الاكثار من الحديث.\rثم العجب فيه إيرادهم لهذه الآثار التي ذكرنا عمن أوردوها عنه من الصحابة فوالله العظيم ما أدري غرضهم في ذلك ولا منفعتهم بها، ولا شك أنهم لا يدرون لماذا أوردوها، لانهم إن كانوا أوردوها طعنا في القول بخبر الواحد فليس هذا قولهم، بل هم كلهم يقولون بخبر الواحد، وأيضا فهي كلها أخبار آحاد وليس شئ منها حجة عند من لا يقول بخبر الواحد، وهذا عجب جدا، أو يكونوا أوردوها\rعلى إباحة رد المرء ما لم يوافقه من خبر الواحد، وأخذ ما وافقه من ذلك، فهذا هوس عتيق، أول ذلك أنهم يردون بعض ما لم يرده من احتجوا به من الصحابة، ويأخذون ببعض ما رده من احتجوا به منهم، وأيضا فإن كان الامر كذلك فقد اختلط الدين وبطل، لان لخصومهم أن يردوا بهذا الباب نفسه ما أخذوا به، ويأخذوا ما ردوه هم منه ونعوذ بالله منه.\rقال علي: ولا أضل ولا أجهل ولا أبعد من الله عز وجل، ممن يزجر عن تبليغ كلام النبي (ص).\rويأمر بألا يكثر من ذلك، أو يرد ما لم يوافقه مما صح عن النبي (ص) بنظره الملعون، ورأيه الفاسد، وهواه الخبيث،","part":2,"page":253},{"id":255,"text":"ودعواه الكاذبة، ثم يغني دهره في الاكثار من تبليغ آراء مالك وابن القاسم وسحنون وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، والتلقي بالقبول لجميعها على غلبة الفساد عليها، ألا إن ذلك هو الضلال البعيد.\rوالفتيا بالآراء المتناقضة وبالله تعالى نعتصم.\rقال علي: وأما من ظن أن أحدا بعد موت رسول الله (ص) ينسخ حديث النبي (ص)، ويحدث شريعة لم تكن في حياته عليه السلام، فقد كفر وأشرك وحل دمه وماله ولحق بعبدة الاوثان، لتكذيبه قول الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتمعت عليكم نعتي ورضيت لكم الاسلام دينا وقال تعالى (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) * فمن ادعى أن شيئا مما كان في عصره عليه السلام على حكم، ثم بدل بعد موته فقد ابتغى غير الاسلام دينا، لان تلك العبادات والاحكام والمحرمات والمباحات والواجبات التي كانت على عهده عليه السلام هي الاسلام الذي رضيه الله تعالى لنا، وليس الاسلام شيئا غيرها فمن ترك شيئا\rمنها فقد ترك الاسلام، ومن أحدث شيئا غيرها فقد أحدث غير الاسلام، ولا مرية في شئ أخبرنا الله تعالى به أنه قد أكمله، وكل حديث أو آية كانا بعد نزول هذه الآية فإنما هي تفسير لما نزل قبلها، وبيان لجملتها، وتأكيد لامر متقدم.\rوبالله تعالى التوفيق ومن ادعى في شئ من القرآن أو الحديث الصحيح أنه منسوخ ولم يأت على ذلك ببرهان، ولا أتى بالناسخ الذي ادعى من نص آخر فهو كاذب مفتر على الله عز وجل داع إلى رفض شريعة قد تيقنت، فهو داعية من دعاة إبليس، وصاد عن سبيل الله عز وجل، نعوذ بالله، قال الله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * فمن ادعى أن الناسخ لم يبلغ، وأنه قد سقط فقد كذب ربه، وادعى أن هنالك ذكرا لم يحفظه الله بعد إذ أنزله.\rفإن قال قائل: الحديث قد يدخله السهو الغلط، قيل له: إن كنت ممن يقول بخبر الواحد، فاترك كل ما أخذت به منه، فإنه في قولك محتمل أن يكون دخل فيه السهو الغلط، وإن كنت مقلدا، فاترك كل من قلدت فإن السهو والغلط قد","part":2,"page":254},{"id":256,"text":"يدخلان عليه بالضمان.\rوقد يدخلان أيضا في الرواة عنهم الذين عنهم أخذت دينك، وإلا فالرواة عن النبي (ص) أوثق من الرواة عن مالك وأبي حنيفة، نعم ومن مالك وأبي حنيفة أنفسهما.\rوإن كنت ممن يبطل خبر الواحد جملة، فقد أثبتنا البرهان على وجوب قبوله، وما ثبت بيقين فلا يبطل بخوف سهو لم يتيقن، والحق لا تسقطه الظنون قال الله تعالى: * (وما لهم به من علم إن يتبعون ولزمه أن يسقط القبول لشهادة الشاهدين في الدماء والفروج والاموال، إذ يدخل عليهما السهو والغلط وتعمد الكذب، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في صفة الرواية قال علي: الرواية هي أن يسمع السامع الناقل الثقة يحدث بحديث من كتابه أو من حفظه أو بأحاديث.\rفجائز أن يقول: حدثنا وحدثني، وأخبرنا وأخبرني، وقال لي وقال لنا، وسمعت وسمعنا، وعن فلان وكل ذلك سواء، وكل ذلك معنى واحد أو يقرأ الراوي عن الناقل حديثا أو أحاديث فيقول المروي عليه بها، ويقول: نعم هذه روايتي، وأن يسمعها تقرأ عليه ويقر بها المروي عنه، أو يناول المروي عنه الراوي كتابا فيه حديث أو أحاديث، أو ديوانا بأسره عظم أو صغر فيقول له: هذا ديوان كذا، كل ما فيه أخذته عن فلان عن فلان حتى يبلغه إلى مؤلفه، ويستثني شيئا إن كان فاته منه بعينه فإن لم يفته شئ فلا يستثني شيئا، أن يقول له: عن ديوان مشهور مقبول عند الناس نقل تواتر ليس في ألفاظه اختلاف، ديوان كذا أخذته عن فلان عن فلان حتى يبلغ إلى مؤلفه، فأي هذه الوجوه كان، فجائز أن يقول فيه القائل: حدثني وأخبرني، وهو محق في ذلك، وهو كله خبر صحيح، ونقل صادق ورواية تامة، لا داخلة فيها، كالقراءة والسماع ولا فرق فإن سمعه يخاطب بذلك غيره فليقل: سمعت فلانا يخبر عن فلان، أو يحدث عن فلان، ولا يقل حينئذ: نا، ولا ني، ولا أنا، ولا إني، فيكذب، ولكن إن قال سمعت فلانا، فهي رواية صحيحة تامة، فليحدث بها وليروها الناس.\rوسواء","part":2,"page":255},{"id":257,"text":"أذن له المسموع عنه في ذلك أو لم يأذن، حجر عليه الحديث عنه أو أباحه إياه، كل ذلك لا معنى له ولا يحل لاحد أن يمنع من نقل حق فيه خير للناس قد سمعه الناقل، ولا يحل لاحد أن يبيح لغيره نقل ما لم يسمع، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وإنما هو حق أو كذب، فالحق الذي ينتفع به مسلم\rواحد فصاعدا واجب نقله، والكذب حرام نقله.\rوأما من كتب إلى آخر كتابا يوقن المكتوب إليه أنه من عنده، فيقول له في كتابه: ديوان كذا أخذته عن فلان كما وصفنا قبل، فليقل المكتوب إليه أخبرني فلان في كتابه إلي.\rونحن نقول: أنبأنا رسول الله (ص) وقال لنا رسول الله (ص)، وأخبرنا الله تعالى، وقال لنا الله تعالى، وقال تعالى: ومن أصدق من الله قيلا وقال تعالى: * (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني وإنما ذلك لانه تعالى خاطب بكتابه كل من يأتي من الانس والجن إلى يوم القيامة، وأمر نبيه (ص) بمخاطبة كل من يأتي إلى يوم القيامة من الانس والجن أيضا، فليس منا أحد إلا وخطاب الله تعالى وخطاب رسوله (ص) يتوجهان إليه يوم القيامة، وليس ذلك لمن دونهما أصلا، وإنما يخاطب كل من دون الله تعالى ودون رسوله (ص)، من شافه أو من كتب إليه، أو من سمع منه لفظه، إذ لم يأمر الله تعالى أحدا من ولد آدم عليه السلام دون رسول الله (ص) بأن ينذر جميع أهل الارض، وإنما يصح من فعل كل واحد ما وافق ما أمره تعالى به، لا ما خالف ما أمره الله عز وجل، ومن فعل ما لم يؤمر به ففعله باطل مردود.\rقال علي: وأما الاجازة التي يستعملها الناس، فباطل، ولا يجوز لاحد أن يجيز الكذب، ومن قال لآخر: ارو عني جميع روايتي دون أن يخبره بها ديوانا ديوانا، وإسنادا إسنادا، فقد أباح له الكذب، لانه إذا قال حدثني فلان أو عن فلان فهو كاذب أو مدلس بلا شك، لانه لم يخبره بشئ فهذه أربعة أوجه جائزة وهي: مخاطبة المحدث للآخذ عنه، أو سماع المحدث من الآخذ عنه، وقراره له بصحته، أو كتاب المحدث إلى الآخذ عنه، أو مناولته إياه كتابا فيه علم.","part":2,"page":256},{"id":258,"text":"وقوله: هذا أخبرني به فلان عن فلان، وكل هذه الوجوه قد صحت عن رسول الله (ص) وعن جميع الصحابة.\rفأما الاخبار: فإخبار النبي (ص) بالسنن، وإخبار الصحابة بعضهم بعضا، فأبو بكر أخبره المغيرة، ومحمد بن مسلمة، وكذلك كل من بعده منهم، وأما قراءة الآخذ على المحدث: فقد قال بعض الناس للنبي (ص) فأخبرني أهل العلم أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم فصدق النبي (ص) وكذلك سأل الناس أصحابه عن الاحكام قصدقوا الحق وأنكروا الباطل.\rوأما الكتاب: فكتب النبي (ص) بالسنن إلى ملوك اليمن، وإلى من غاب عنه من ملوك الارض الذين دعاهم إلى الايمان، وكذلك فعل أصحابه بعده إلى قضاتهم وأمرائهم.\rوأما المناولة: فقد كتب رسول الله (ص) كتابا لعمرو بن حزم، ولعمر وغيره إذ بعثهم أمراء، يعلمهم فيها السنن، وأمرهم بالعمل بما فيها، وكذلك لعبد الله بن جحش، وأعطاه الكتاب وأمره بالعمل بما فيه، وكذلك فعل أبو بكر بأنس، وبعث علي كتابا مع ابنه إلى عثمان، وقال: هذه صدقة رسول الله (ص) فمر عمالك يعملون بها.\rوأما الاجازة: فما جاءت قط عن النبي (ص) ولا عن أصحابه رضي الله عنهم، ولا عن أحد منهم، ولا عن أحد من التابعين ولا عن أحد من تابعي التابعين فحسبك بدعة بما هذه صفته، وبالله تعالى التوفيق.","part":2,"page":257},{"id":259,"text":"فصل وقد تعلل قوم في أحاديث صحاح بأن قالوا\rرسول الله (ص) فمر عمالك يعملون بها.\rوأما الاجازة: فما جاءت قط عن النبي (ص) ولا عن أصحابه رضي الله عنهم، ولا عن أحد منهم، ولا عن أحد من التابعين ولا عن أحد من تابعي التابعين فحسبك بدعة بما هذه صفته، وبالله تعالى التوفيق.","part":2,"page":258},{"id":260,"text":"فصل وقد تعلل قوم في أحاديث صحاح بأن قالوا هذا حديث أسنده فلان وأرسله فلان قال علي: وهذا لا معنى له، لان فلانا الذي أرسله لو لم يروه أصلا أو لم يسمعه البتة، ما كان ذلك مسقطا لقبول ذلك الحديث، فكيف إذا رواه مرسلا وليس في إرسال المرسل ما أسنده غيره، ولا في جهل الجاهل ما علمه غيره، حجة مانعة من قبول ما أسنده العدول، لا سيما إن كان المعترض بها مالكيا أو حنفيا، فإنهم يرون المرسل مقبولا كالمسند، فكيف يوهنون الصحيح بما يرونه موافقا له وشاذا ومؤيدا، إن هذا لعجيب وإن هذا لافراط في الجهل والسقوط، ولا معنى لقولهم: إنما يراعى هذا إذا كان المرسل أو الموقف أعدل من المسند، فإنما يجب قبول الخبر إذا رواه العدل عن العدل، ولا معنى لتفاضل العدالة على ما قد ذكرنا في هذا الباب، إذ لا نص ولا إجماع ولا دليل على مراعاة عدل وأعدل منه، وإنما الواجب مراعاة العدالة فقط، وبالله تعالى نتأيد ونعتصم.\rانقضى الكلام في الأخبار والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وأهل بيته وسلم تسليما تم الجزء الثاني من الإحكام","part":2,"page":258},{"id":261,"text":"الاحكام - ابن حزم ج 3\rالاحكام\rابن حزم ج 3","part":3,"page":0},{"id":262,"text":"الاحكام في أصول الاحكام للحافظ ابى محمد على بن حزم الاندلسي الظاهرى هذا الكتاب النفيس، الذى لم ترالعين مثيله في علم الأصول أحمد شاكر قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله الناشر زكريا على يوسف مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680 الجزء الثالث بسم الله الرحمن الرحيم لالباب الثاني عشر في الاوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي (ص) والاخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان قول من صرف شيئا من ذلك إلى التأويل أو التراخي أو الندب أو الوقف بلا برهان ولا دليل.\rقال أبو محمد: الذي يفهم من الامر، أن الآمر أراد أن يكون ما أمر، وألزم المأمور ذلك الامر، وقال بعض الحنفيين، وبعض المالكيين، وبعض الشافعيين: إن أوامر القرآن والسنن ونواهيهما على الوقف حتى يقوم دليل على حملها، إما على وجوب في العمل أو في التحريم، وإما على ندب، وإما على إباحة، وإما على كراهة، وذهب قوم من الطوائف التي ذكرنا، وجميع أصحاب\rالظاهر إلى القول: بأن كل ذلك على الوجوب في التحريم أو الفعل حتى يقوم دليل على صرف شئ من ذلك إلى ندب، أو كراهة، أو إباحة فتصير إليه.\rقال علي: وهذا هو الذي لا يجوز غيره، ونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون ما اعترض به المخالفون، وبطلان شغبهم بالبراهين الصحيحة، ثم نذكر الادلة على صحة ما ذهبنا إليه، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: فعمدة ما موهوا به أن قالوا: لو كان لفظ الامر موضوعا للايجاب لم يوجد أبدا إلا كذلك، لكن لما وجدنا بلا خلاف منكم لنا أوامر معناها الندب أو الاباحة، ووجدنا نواهي بلا خلاف منكم لنا معناها الكراهة، وجب ألا نصرف الالفاظ إلى بعض ما تحتمله من المعاني دون بعض، إلا بدليل، قالوا: وألفاظ الاوامر عندنا من الالفاظ المشتركة التي لا تختص بمعنى واحد، لكنها بمنزلة عير ورجل ولون وعين، فإن قولك: رجل ليس هو بأن يوقع على العضو، أولى منه بأن يوقع على جماعة الجراد، وقولك: عير ليس بأن يوقع","part":3,"page":259},{"id":263,"text":"على الحمار أولى من أن يوقع على العظم الذي في القدم، وقولك: عين ليس بأن يوقع على يمين عين النظر، أولى من أن يوقع على عين الماء، وقولك: لون ليس بأن يوقع على الحمرة، أولى من أن يوقع على البياض، فكذلك قول القائل افعل لما وجد يراد به الندب، ووجد يراد به إيجاب، لم يكن إيقاعه على الايجاب أولى من إيقاعه على الندب إلا بدليل.\rقال علي: هذا شغب فاسد، وذلك أنا نقول وبالله تعالى التوفيق: إن لكل مسمى من عرض أو جسم اسما يختص به، يتبين به مما سواه من الاشياء ليقع بها التفاهم، وليعلم السامع المخاطب به مراد المتكلم المخاطب له، ولو لم يكن ذلك لما كان تفاهم أبدا، ولبطل خطاب الله تعالى لنا، وقد قال الله تعالى وما أرسلنا من\rرسول إلا بلسان قرمه ليبين لهم ولو لم يكن لكل معنى اسم منفرد به لما صح البيان أبدا، لان تخليط المعاني هو الاشكال نفسه، فإذن الاصل ما ذكرناه بضرورة العقل، وبنص القرآن، ثم وجدنا في اللغة أشياء مما ذكروا من أسماء تقع على معان شتى، ووجدناها أيضا أسماء يختص كل اسم منها بمسماه فقط، وعلمنا أن المراد باللغة إنما هو الافهام لا الاشكال، لزمنا أن نلزم الاصل الذي هو اختصاص كل معنى باسمه دون أن يشاركه فيه غيره، حتى يصح عندنا أن هذا الاسم مرتب بخلاف هذ الرتبة، وأنه مما لا يقع به بيان فيطلب بيانه حينئذ من غيره.\rقال علي: والذي شبهوا به الاوامر من الاسماء المشتركة التي ذكروا، مثل لون وعير ورجل تشبيه فاسد ضرورة، وذلك أن المخاطب إذا خاطبنا بخبر ما عن رجل أو عن لون أو أمرنا بأمر ما في ذلك فممكن أن نحمل خبره وأمره على كل ما يقتضيه ما ذكر مثل أن يقول: لا تأكلوا عيرا فيجتنب كل ما يقع عليه اسم عير، وإن اختلفت أنواعه، وكذلك قوله تعالى: انظروا إلى ثمرة إذا أثمر كان ذلك واقعا على كل ثمر، وإن اختلفت أنواعه، وكذلك قول القائل: الهواء لا لون له.\rفقد انتفى بذلك عنه البياض والحمرة والسواد والخضرة والصفرة، فالفائدة بالخطاب بهذه الاسماء قائمة، والتفاهم ممكن، وحملها على ما يقتضيه جائز حسن إلا أن يقوم دليل على تخصيص بعض ما تحتها فيصار إليه.","part":3,"page":260},{"id":264,"text":"وهذا غير ممكن في الاوامر التي أرادوا أن يشبهوها بالاسماء التي ذكرنا، لانه إذا قيل لنا: افعلوا، وكان هذا اللفظ ممكنا أن يراد به الايجاب وممكنا به الندب أو الاباحة، فلا سبيل في بنية الطبيعة إلى حمله على كل الوجوه التي ذكرنا، إذ ممتنع بالضرورة أن يكون الشئ ملزما ولا بد، ومباحا تركه في وقت واحد لانسان واحد، هذا محال لا يمكن ولا يقدر عليه، فيبطل تشبيههم، وصح أن الامر\rلو كان كما ذكروا لكان غير مقدر على الائتمار له أبدا، ولو كان ذلك لبطل الامر كله ضرورة، وإذ قد صح ورود الامر من الله عز وجل، وصح التخاطب بالاوامر في اللغة بين الناس، علمنا أنه لا يجوز أن يخاطبنا تعالى بما لا سبيل إلى الائتمار له وبالمحالات التي لا نقدر عليها، وصح أن الامر مراد به معنى مختص بلفظه وبنيته وليس ذلك إلا كون ما خوطب به المأمور، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وإنما الذي ذكروا من أنهم قد وجدوا أوامر معناها الندب فصدقوا، والوجه في ذلك أننا قد وجدنا في اللغة ألفاظا نقلت على معهودها وعن موضوعها في اللسان، وعلقت على أشياء أخر، فعل ذلك خالق اللغة وأهلها الذي رتبها كيف شاء عز وجل، أو فعل في ذلك بعض أهل اللغة من العرب، أو فعل ذلك مصطلحان فيما بينها، كما نقل تعالى اسم الصلاة عن موضوعها في اللغة، عن الدعاء إلى استقبال الكعبة، ووقوف وركوع وسجود وجلوس، بصفات محدودة لا تتعدى، وكما نقل تعالى اسم الصيام عن الوقوف إلى امتناع الاكل والشرب والوطئ في أيام معلومة، وكما نقل اسم الكفر عن التغطية إلى أقوال محدودة ونيات معلومة، فإذا قد وجدنا ذلك لزمنا، إذ قام دليل، على أن لفظا ما قد نقل عن موضوعه من اللغة، ورتب في مكان آخر أن يعتقد ذلك، وإما ما لم يقم دليل على نقله فلا سبيل إلى إحالته عن مكانه البتة، وقد قال بعض المفسدين للحقائق، المتكلمين بما لا يعقل، ليس هذا نقلا، إنما النقل ما لم يجز أن يبقى على ما نقل عنه.\rقال علي: وهذا تحكم لا يعرفه أهل اللغة، بل كل حال أحيلت، فقد تنقل حكمها عما كان عليه، والاسم إذا وقع على معنى ما فأوقعه الله تعالى أيضا على معنى آخر، فقد نقله على حكم الوقوع على معنى واحد إلى حكم الوقوع على معنيين، وأيضا","part":3,"page":261},{"id":265,"text":"فلسنا نحاكرهم في لفظ النقل، وإنما نريد أن اللفظة كانت تقع في اللغة على معنى\rما، فأوقعت أيضا على غير ذلك.\rقال علي: ثم نقول لهم ما يلزمكم إن صححتم دليلكم الذي ذكرتم، أنكم قد وجدتم آيات كثيرة، وأحاديث كثيرة منسوخات لا يحل العمل بها، أن تتوقفوا في كل آية، وفي كل حديث، لاحتمال كل شئ منها في نفسه أن يكون منسوخا، كاحتمال كل أمر في نفسه أن يكون ندبا فإن التزمتم ذلك كفرتم، وخرجتم عن الاسلام، وإن أبيت التزامه أصبتم وكنتم قد أبطلتم دليلكم في أنه لما قد وجدت أوامر معناها الندب وجب التوقف عن جميع الاوامر حتى يصح أنها إما إيجاب أو ندب.\rقال علي: وليس بين ما ألزمناهم من التوقف عن كل آية، وحديث من أجل وجودهم آيات منسوخة وأحاديث منسوخات، وبين ما التزموا من التوقف عن كل أمر من أجل وجودهم أوامر معناها الندب - فرق البتة، بل هو ذلك بعينه لسنا نقول: إن مثله بل نقول إن المعنى في ذلك واحد، وبيان ذلك: أن المنسوخ هو الذي لا يلزم أن يستعمل، أو يجوز أن يستعمل، والمندوب إليه هو الذي لا يلزم فرضا أن يستعمل أيضا، فقد اجتمعنا في سقوط وجوب الاستعمال اجتماعا مستويا، وإنما افترقا أن المندوب إليه مباح استعماله، والمنسوخ ليس مباحا استعماله في بعض الاحوال فقط، فبطل تمويههم - وبالله تعالى التوفيق - بإقرارهم أنه ليس من أجل وجودنا ألفاظا مصروفة عن مواضعها في اللغة، يجوز أن يتوقف في سائر الالفاظ خوف أن تكون مصروفة عن مواضعها، فقد بطل الاستدلال الذي أرادوا تحقيقه، وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإن لفظة أو ولفظة إن شئت مفهوم منهما التخيير بلا خلاف منا ومنهم، ومن جميع أهل اللغة، وقد سمعناه تعالى يقول فمن شاه قليومن ومن شاء فليكفر وسمعناه تعالى يقول: * (قل كونوا حجارة أو حديدا) * وجدنا الدليل البرهاني قد قام على خروج هاتين الآيتين عن التخيير إلى معنى آخر، فيلزم على\rدليلهم الفاسد ألا يحملوا لفظة أو ولا لفظة إن شئت أبدا على التخيير، لانه يقال لهم كما قالوا: لو كانت لفظتا أو وإن شئت على التخيير لكانت متى وجدت لما تكن إلا للتخيير، فلما وجدت لغير التخيير في عدة مواضع بطل أن تكون للتخيير.","part":3,"page":262},{"id":266,"text":"قال علي: وفي هذا إبطال الكلام كله وإبطال التفاهم وفساد الحق والشرائع كلها والعلوم كلها، لانه لا قول إلا وقد يوجد موضوعا في غير بنيته في اللغة، إما على المجاز أو الاتفاق بين المتخاطبين، فلو وجب من أجل ذلك أن يبطل حمل الاسماء على معانيها التي رتبت لها في اللغة لبطل كل ما ذكرنا، وكفى فسادا بكل قول أدى إلى إبطال الحقائق، وبالله تعالى التوفيق قال علي: فإن قالوا: إنا لم نوافقكم على أن لفظ الامر موضوعه في اللغة الوجوب، فيلزمنا ما ألزمتمونا، وإنما قلنا: إنه ليس موضوعه في اللغة الوجوب دون الندب، ولا الندب دون الوجوب.\rقال علي: فنقول وبالله تعالى التوفيق: قد أبطلنا في كلامنا هذا جواز وقوع لفظ الامر على الوجوب وعلى الندب معا، وفرقنا بين ذلك وبين وقوع الالفاظ المشتركة مثل لون وعير على معان شتى، وبينا أن ذلك جائز ممكن موجود، وأن وقوع لفظ الامر على الوجوب وعلى الندب معا محال ممتنع لا سبيل إليه، ولا يتشكل في العقل البتة فصح ضرورة أن لفظ الامر موضوع في أصل اللغة، إما للوجوب فقط - ثم نقل بدليل كما ذكرنا في بعض المواضع إلى الندب، أو إلى غير الوجوب من سائر المعاني التي سنبينها إن شاء الله تعالى، وإما أنه موضوع في أصل اللغة للندب خاصة، أو لمعنى ما من سائر المعاني التي قدوردت بلفظ الامر، ثم نقل إلى الوجوب بدليل، فهذا هو الذي يتشكل في العقل، وأما احتمال وقوع لفظ الامر على الندب والوجوب معا في وقت واحد، فهذا باطل لانه يوجب أن ورود\rالامر لا حقيقة له أصلا، ولا له معنى البتة، وهذا أحمق من قول السوفسطائية فهذا الذي أردنا أن نبين إحالته، وقد صح والحمد لله.\rولا بد لكم من المصير إلى أحد الخبرين ضرورة، إما أن تقولوا: لفظ الامر موضوع للوجوب في اللغة، حتى يصح دليل بنقله إلى غير الوجوب، وهذا قولنا، وإما أن تقولوا: لفظ الامر موضوع لغير الوجوب في اللغة، حتى يصح دليل ينقله إلى الوجوب، فإن قلتم ذلك، سهل أمركم بقول وجيز بحول الله وقوته، وحسبنا أن قد قلعناكم بلطف الله عن مكان الشغب على الجهال، وذلك أن قول القائل: الاوامر كلها على غير الوجوب حتى يصح دليل نقلها إلى الوجوب، دخول","part":3,"page":263},{"id":267,"text":"في عظيمتين: إحداهما خرق الاجماع، فما قال بهذا أحد قط، وإنما شغب من شغب بالموقف، وبما قدمنا إبطاله من احتمال الامرين، والثانية: إبطال فائدة العقل، لانه يصير حينئذ قائلا: إن الموضوع في اللغة من لفظة افعل: لا تفعل إن شئت، وهذا خلاف فهم جميع أهل اللغات، لان الثابت في فطرة العقل أن النهي عن الشئ غير الامر به، وكفى، مع أن الاجماع على ترك هذا القول كاف عن تكلف دليل.\rوبرهان ضروري: وهو أنه إن كانت لفظة افعل موضوعة لغير الايجاب إلا بدليل يخرجها إلى الايجاب، وكانت أيضا لفظة لا تفعل موضوعة لغير التحريم إلا بدليل يخرجها إلى التحريم، وكان كلتا اللفظتين تعطي: افعل إن شئت أو لا تفعل إن شئت، فقد صار ولا بد من المفهوم من لا تفعل هو المفهوم من افعل، وهذا لا يقوله ذو مسكة عقل.\rقال علي: قالوا: وبأي شئ يدل على أنه على الوجوب أبنفسه أم بدليله ؟ فإن قلتم: بنفسه ففي ذلك اختلفنا، وإن كان بدليله، فإذا لم يدل هو فدليله أحرى أن لا يدل.\rقال علي: وهذا شغب فاسد ضعيف جدا.\rتعلقوا إليه من قبل مبطلي الحقائق، فإنهم قد سألونا بهذا السؤال نفسه فقالوا: بماذا ثبت عندكم أن الاشياء حق ؟ أبأنفسها ففيها اختلفنا، أم بغيرها فلا شئ في العالم يوجد من غير الاشياء الموجودة، وليس غير الاشياء إلا لا شئ ؟ فإذا لم يدل الشئ على حقيقة نفسه فلا شئ أحرى ألا يدل، وتعلق أيضا بهذا السؤال مبطلو دلائل العقل فقالوا: بأي شئ علمتم صحة ما يدل عليه العقل ؟ أبالعقل أم بغير العقل ؟ ونحو هذا من الهذيان كثير، وهؤلاء القوم في شعبة من طريق مبطلي الحقائق ومبطلي مدركات العقل.\rونعكس عليهم سؤالهم هذا السخيف الذي صححوه - فهو لازم لهم لا لنا - إذ لم نصححه ونقول لهم: بأي شئ يدل الامر على أنه على الوقف، أبنفسه أم بدليله ؟ فإن قلتم بنفسه ففي ذلك اختلفنا، وإن كان بدليله، فإذا لم يدل هو فدليله أحرى ألا يدل، فمن أحمق استدلالا ممن دليله عائد عليه، وهادم لقوله ؟ وإنما هم قوم لا يحققون شيئا، إنما هم في سبيل التشغيب على الضعفاء، وما يخدعون إلا أنفسهم.","part":3,"page":264},{"id":268,"text":"والجواب عن هذا السؤال السخيف وبالله تعالى التوفيق: أنا قد أخبرنا - فيما خلا وفي سائر كتبنا - بأننا مضطرون إلى معرفة أن الاشياء حقائق، وأنها موجودة على حسب ما هي عليه، وبأنه لا يدري أحد كيف وقع له ذلك وبينا أن هذه المعرفة - التي اضطرنا إليها، وخلقها الباري تعالى في أنفسنا في أول أوقات فهمنا بعد تركيبها في الجسد، هي أصل لتمييز الحقائق من البواطن، وهي عنصر لكل معرفة، وإننا عرفنا إيجاب الاوامر ببديهة العقل وبالتمييز الموضوعين فينا، لنعرف بها الاشياء على ما هي عليه، فعلمنا أن الحجر صليب، وأن الماء سيال في طبعه، وإن انتقل إلى الجمود في بعض أحواله، وأن قول القائل: فلان أحمق، ذم، وأن قوله: فلان عاقل مدح، وأن الامر عنصر من عناصر الكلام\rالتي هي خير ودعاء واستفهام وأمر، فلما استقر في النفس أن إرادة الامر أن يفعل المأمور ما يأمره به، معنى قائم في النفوس لم يكن له بد من عبارة يقع بها التفاهم، وعلمنا ذلك أيضا بنصوص سنذكرها في تمام إبطال ما شغبتم به إن شاء الله تعالى، وبالله نتأيد وإياه نستعين.\rهذا كل ما احتج به القائلون بالوقف ولا مزيد، فقد أبطلناه بالبرهان الضروري بتوفيق الله تعالى وتعليمه لا إله إلا هو، إلا أن ابن المنتاب المالكي أتى بعظيمة فلزمنا التنبيه عليها إن شاء الله تعالى وذلك أنه قال: إن من الدليل على أن الاوامر على الوقف قول الله تعالى مخبرا عن أهل اللغة الذين هم العرب: (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا فال فلو كانت الاوامر على الوجوب، والالفاظ على العموم، لما كان لسؤالهم عما قاله عليه السلام معنى إذ لو فهم الوجوب والعموم من نفس اللفظ لكان سؤالهم فاسدا.\rقال علي: لا يشبه هذا القول احتجاج مسلم، لان الله تعالى حكى هذا الاعتراض عن قوم منافقين كفار، لم يرض فعلهم ولا سؤالهم، وإنما حكى الله عز وجل ذلك عنهم منكرا عليهم، وقد قال تعالى أو يكفهم أنا أنزلنا عليك","part":3,"page":265},{"id":269,"text":"الكتاب يتلى عليهم فأخبر تعالى أن ظاهر القرآن وتلاوته تكفي أن ذلك يجب قبوله على ظاهره حين وروده هذا نص الآية المذكورة، ووصية الله تعالى التي لا تحتمل غير ما ذكرنا، ولا أعجب من احتجاج من يدعي أنه مسلم في إسقاطه إيجاب طاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله (ص) بكلام قوم كفار منافقين مستهزئين بآيات الله عز وجل.\rوما نعرف لهذا الاحتجاج مثلا في الشنعة والفظاعة، إلا قول إسماعيل بن\rإسحاق في كتابه الخمس وهو كتاب مشهور معلوم، ولنا عليه فيه رد هتكنا عواره فيه، وفضحناه بحول الله وقوته، فإن قال في الكتاب المذكور لو كان ما أعطى النبي (ص) صناديد قريش - من غنائم هوازن، إثر يوم حنين - من نصيبه من خمس الخمس، كما قال الشافعي، ما قالت الانصار في ذلك ولا قال ذو الخويصرة ما قال.\rقال علي: فمن أضل ممن يحتج بكلام ذي الخويصرة ويتخذ ذا الخويصرة وليجة من دون الله تعالى ورسوله (ص): ويجعل إنكار كافر مشرك شر خلق الله هجور لرسول الله (ص)، حجة على المؤمنين القائلين: إن رسول الله (ص) إنما أعطى من أعطى نصيبه الذي فوض الله تعالى أمره إليه، لا مما جعله الله عز وجل لاقوام مسلمين معروفين، اللهم إنا نبرأ إليك من هذا الكلام، ومن نصر مذهب قاد إلى الاحتجاج بإنكار ذي الخويصرة على رسول الله (ص)، وبقول المنافقين: ماذا قال آنفا.","part":3,"page":266},{"id":270,"text":"ونحن نقول قول إنصاف - إذ قد اقتدى ابن المنتاب بالقائلين إذ خرجوا من عند رسول الله (ص)، وقد استمعوا إليه ثم قالوا لاهل العلم: ماذا قال آنفا وتبر أنا نحن منهم ومن مثل سوالهم واقتدينا نحن بالدين قالوا سمعنا وأطفنا فلله ما اختار، وله إن شاء الله تعالى ما أعطى الله للذين اقتدى بهم، إذ قال عز وجل يعقب حكاية قولهم ما ذا قال آنفا أو لئلك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواء هم نحن راجون أن يعطنا الله بمنه وطوله ما أعطى من اقتدينا بهم في قولهم سمعنا وأطعنا طذا يقول تعالى إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقوله سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) * ونعم فليعلم الجاهل - المعترض بأقوال المنافقين المشركين على كلام الله تعالى، وكلام رسوله (ص) - أن قول الذين قالوا\rللذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا، لا معنى لسؤالهم هذا، ولا يعقل سؤالهم لانه سؤال مجنون فاسد الدين ملعون وشغب بعهم بقول تعالى وإذا حللتم فاصطا دوا وإذا اقضيت الصلاة فانتشروا في الأرض قالوا: وهذا إباحة بلا شك، فقلنا: يجب عليكم إذا احتججتم بهذا أن تقولوا إن جميع الاوامر على الندب، حتى يقوم دليل على الوجوب وهذا ليس قولهم، وأما هاتان الآيتان فإنما خرجتا عن الوجوب إلى الاباحة ببرهان، أما التصيد، فإن النبي (ص) حل بالطواف بالبيت وانحدر إلى منى ولم يصطد، فصح أنه ليس فرضا بهذا النص الآخر، وأما: * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فان علبدالله بن ربيع قال: حدثنا عمر بن عبد الملك، حدثنا ابن الاعرابي، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا القعنبي، ثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، ما لم يحدث: اللهم اغفر له اللهم ارحمه.\rقال أبو محمد: فندبنا إلى القعود في مصلانا بعد الصلاة، فصح بذلك أن الانتشار بعد الصلاة إباحة، فمن جاءنا في شئ من الاوامر ببرهان ينقله عن الفرض إلى الندب، وعن التحريم إلى الكراهية، صرنا إليه، وأما بالدعوة الكاذبة المحيلة للقرآن والسنن على موضوعها، فمعاذ الله من ذلك.","part":3,"page":267},{"id":271,"text":"واحتج على بعضهم بالخبر الثابت من طريق أنس: أن رجلا اتهم بأم ولد رسول الله (ص) فأمر النبي عليه السلام علي بن أبي طالب أن يقتله فأتاه فوجده في ركي يتبرد، فأمره بالخروج فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر له فتركه وعاد إلى رسول الله (ص) فأخبره، وزاد بعض من لا يوثق به في هذا الخبر أن عليا قال له: يا رسول الله أنفذ لامرك كالسكة المحماة،\rأم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال له: بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب وقد ذكر هذا اللفظ أيضا في خبر بعثه عليه السلام عليا إلى خيبر، وكلاهما لا يصح أصلا، بل هما زيادتا كذب، لم يرو قط من طريق فيها خير، ويلزم من صححها أن يسقط من الصلاة ثلاث صلوات، أو من كل صلاة ركعة إن رأى ذلك أصلح، أو ينقل صوم رمضان إلى الربيع رفقا بالناس، إذ الشاهد يرى مالا يرى الغائب، وأن يزيد في الحدود والزكاة، أو ينقص منها، وهذا كفر صريح فبطل التعلق بهذا اللفظ الموضوع.\rوكذلك ما روي أنه عليه السلام أمر أبا بكر وعمر بقتل ذي الخويصرة فرجعا وقال أحدهما: يا رسول الله (ص) وجدته ساجدا، وقال الآخر: وجدته راكعا، فهو خبر كاذب لم يأت قط من طريق خير، وأما أمره عليه السلام بقتل ذلك الانسان فيخرج على أحد وجهين: إما أنه شهد عند النبي عليه السلام بذلك قوم عدول في الظاهر، منافقون في الباطن كاذبون بأنهم سمعوه يقر بذلك فوجب عليه القتل لاذاه النبي (ص)، ففضح الله كذبهم، وأما أنه تعالى أوحى إليه بالامر بقتله، وقد علم تعالى أنه سينسخ ذلك الامر بإظهار براءته، وكذب الناقل، وكلا الامرين وجه صحيح، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: فإذا قدذكرنا كل ما شغبوا به، فلنذكر إن شاء الله تعالى البراهين المصححة أن الاوامر كلها على الوجوب، والنواهي كلها على التحريم إلا ما خرج","part":3,"page":268},{"id":272,"text":"منها بدليل، ونقول قبل ذلك: إنما لجأ إلى القول بالوقف وتعلق بهذه العوارض، وسلك في هذه المضايق من بهر شعاع الحق عقله، والتمع نور الله تعالى بصر قلبه، وارتبك في غيه ناصرا لما قد ألفه من الاقوال الفاسدة، وطمعا في إطفاء ما لا ينطفئ من ضياء الحق، وإنما التزموا ذلك في مسائل يسيرة، ثم تناقضوا\rفأوجبوا أحكاما كثيرة، فرضا بنفس الامر مما قد خالفهم فيها غيرهم، وفعلت كل طائفة منهم مثل ما فعلت الاخرى.\rقال أبو محمد: فأول ذلك أنه لا يعقل أحد من أهل كل لغة أي لغة كانت من لفظة افعل أو اللفظة التي يعبر بها في كل لغة عن معنى: افعل، ولا يفهم منها أحد لا تفعل، ولا يعقل أحد من لفظة لا تفعل، أو مما يعبر به عن معنى: لا تفعل، ولا يفهم منها أحد افعل، ومدعي هذا على اللغات وأهلها في أسوأ من حال الكهان وقد قال تعالى: * (قتل الخراصون) *.\rقال علي: ويقال لهم: بأي شئ تعرفون أن في الاوامر شيئا على الوجوب مما تقرون فيه أنه واجب، فأجابوا عن ذلك بجوابين، أحدهما: إن قال بعضهم: نعرف أن الامر على الوجوب إذا اقترن معه وعيد.\rوقال بعضهم: لسنا نجدد دلائل الوجوب، وهي أشياء تقترن بالاوامر التي يراد بها الايجاب، ولسنا نقدر على العبارة عنها.\rقال علي: أما هؤلاء فقد أقروا بالانقطاع وبالعجز عن بيان مذهبهم، وإذا كان شئ لا يقدر على بيانه، فباليقين أن العجز عن نصره أوجد وليس يعجز أحد له لسان، وليس له حياء ولا ورع، أن يدعي ما شاء فإذا سئل عن دليل قوله وبيانه قال: إني لا أقدر على بيانه، ولكنه شئ معلوم إذا عرف.\rقال علي: ولسنا ممن يجوز عليه هذا الهذيان، ولكنا نقول لمن هذا: صف لنا حال نفسك في معرفتك ما عرفت أنه واجب، فإن عجزت عن ذلك بان كذبك وادعاؤك الباطل: لان كل واحد يدعي حالا يستدل بها على حقيقة ليست من أوائل المعارف فهو مميز لتلك الحال والا فهو مدع للباطل.","part":3,"page":269},{"id":273,"text":"قال: أبو محمدو يقال لمن قال يعرف أن الامر على الوجوب إذا اقترن به\rوعيد: اعلم أن الوعيد من الله عز وجل قد اقترن بجميع أوامر نبيه (ص) في قوله تعالى: فيحذر الذين مخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم فاقترن التحذير من الفتنة والوعيد، بكل من خالف أمره عليه السلام.\rقال علي: واعترض بعضهم في ذلك بأن قال: لما صح في أن أوامره عليه السلام، ما لا يصيب مخالفه عذاب أليم، وهو أمر كان معناه الندب، علمنا أن الوعيد المحذر منه إنما هو فيما كان من الاوامر معناه الوجوب فقط، وأن هذه الآية لا توجب كون جميع أوامره فرضا، وإن كان ذلك، فقد بطل أن يكون حجة في حمل الامر على الوجوب.\rقال علي: فيقال له وبالله تعالى التوفيق: إن ما خرج من الاوامر عن استحقاق العذاب المنصوص في الآية على تركه، بخروجه إلى معنى الندب، إنما هو مستثنى من جملة ما جاءت الآية به، بمنزلة المنسوخ الخارج عن الوجوب، فلا يبطل ذلك بقاء سائر الشريعة على الاستعمال، وكذلك خروج ما خرج بدليله إلى الندب ليس بمبطل بقاء ما لا دليل على أنه ندب، على استحقاق العذاب على تركه، إلا أن الوعيد قد حصل مقرونا بالاوامر كلها، إلا ما جاء نص أو إجماع متيقن منقول إلى النبي (ص) بأنه لا وعيد عليه، لانه غير واجب ولا يسقط من كلام الله تعالى إلا ما أسقطه وحي له تعالى آخر فقط.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، ثنا أبو إسحاق البلخي، عن الفربري، عن البخاري، ثنا محمد بن سنان، ثنا فليح ثنا هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى.\rقالوا: يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى.\rقال علي: يسأل من قال: إن الاوامر لا تحمل على الوجوب إلا بدليل،\rما معنى المعصية، فلا بد له من أن يقول: هي ترك المأمور أن يفعل ما أمره به الآمر، فإذا لا بد من ذلك.\rفمن استجاز ترك ما أمره به الله تعالى أو رسوله (ص)،","part":3,"page":270},{"id":274,"text":"فقد عصى الله ورسوله، ومن عصاهما فقد ضل ضلالا بعيدا، واستحق النار، وأن لا يدخل الجنة، بنص كلام الله وكلام نبيه (ص) قال الله تعالى: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار حنهم خالدين فيها أبدا.\rقال علي: ولا عصيان أعظم من أن يقول الله تعالى ورسوله (ص) افعل - أمرا - كذا فيقول المأمور: لا أفعل إلا إن شئت أن أفعل، ومباح لي أن أترك ما أمرتماني به.\rأو يقول الله تعالى أو رسوله (ص) لا تفعل - أمرا - كذا فيقول أنا أفعل إن شئت أن أفعله، ومباح لي أن أفعل ما نهيتماني عنه.\rقال علي: ما يعرف أحد من العصيان غير هذا.\rوالحجة على هؤلاء القوم أبين في العقول بيانا وأقرب مأخذا منها على المشركين، لان المشركين لا يقرون بوجوب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله (ص)، وإنما الكلام معهم في إثبات ذلك وهؤلاء يقرون بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله (ص) ثم يقولون لنا: لا نطيع، وليس الائتمار لهما بواجب إلا بدليل غير نفس أمرهما.\rنعوذ بالله من الخذلان ومن التمادي على الباطل بعد وضوحه.\rواحتج بعضهم بما حدثنا المهلب، عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الاعلي عن ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الاعمش قال: قال رسول الله (ص): أعطيت القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطن، وبه إلى ابن وهب أخبرني خالد بن حميد، عن يحيى بن أبي أسيد أن رسول الله (ص) قال: إن القرآن ذلول ذو وجوه، فاتقوا ذله وكثرة وجوهه، وبه إلى ابن وهب، أنبأ مسلمة بن علي، عن هشام، عن الحسن أن رسول الله\r(ص) قال - فذكر حديثا، وذكر فيه القرآن وفيه: وما منه آية إلا ولها ظهر وبطن، وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع.\rقال علي: هذه كلها مرسلات لا تقوم بها حجة أصلا، ولو صحت لما كان لهم في شئ منها حجة بوجه من الوجوه، لانه لو كان كما ذكروا لكل آية ظهر وبطن، لكنا لا سبيل لنا إلى علم البطن منها بظن، ولا بقول قائل، لكن ببيان النبي (ص) الذي أمره الله تعالى بأن يبين للناس ما نزل إليهم، فإن أوجدونا","part":3,"page":271},{"id":275,"text":"بيانا عن النبي (ص)، بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه طائعين، وإن لم يوجدونا بيانا عن النبي (ص)، فليس أحد أولى بالتأويل - في باطن ما تحتمله تلك الآية - من آخر من تأول أيضا.\rومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبينه النبي (ص) لانه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا لا يقوله مسلم، فبطل ما ظنوه.\rوقد أتت الاحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال: ثنا محمد بن معاوية المرواني، عن أحمد بن شعيب النسائي، ثنا محمد بن عبد الله بن المبارك، ثنا أبو هشام - واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة - قال علي وأنبأناه أيضا عبد الله بن يوسف بن نامي، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، حدثني زهير بن حرب.\rثنا يزيد بن هارون، قال علي: واللفظ لفظ المغيرة، قال المغيرة ويزيد: ثنا الربيع بن مسلم، ثنا محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: خطب رسول الله (ص) الناس فقال: إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فقام رجل فقال: أفي كل عام ؟ فسكت عنه، حتى أعاده ثلاثا.\rفقال: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم\rفإذا أمرتكم بالشئ فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه.\rوقد روي أيضا من طرق صحاح إلى الزهري، عن أبي سنان، عن ابن عباس عن النبي (ص).\rوقد روي أمر النبي (ص) بأن نفعل ما أمر به ما نستطيع، وأن نجتنب ما نهى عنه من طريق أبي هريرة مسندا إلى النبي (ص) - أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، وأبو صالح، والاعرج، وهمام بن منبه ومحمد بن زياد، كلهم عن أبي هريرة عن النبي (ص) رواه عن همام معمر، ورواه عن الاعرج أبو الزناد، ورواه عن أبي صالح الاعمش، ورواه عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة الزهري، ورواه عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة مسندا أيضا شعبة، والربيع بن مسلم، ورواه عمن ذكرنا الثقات الاكابر.\rقال علي: فبين عليه السلام في هذا الحديث بيانا لا إشكال فيه أن كل ما أمر به فهو واجب، حتى لو لم يقدر عليه.\rوهذا معنى قوله تعالى: ولو شاء الله","part":3,"page":272},{"id":276,"text":"لأعنتكم ولكنه تعالى رفع عنا الحرج ورحمنا، فأمر على لسان نبيه (ص) كما تسمع، أن ما أمر به عليه السلام فواجب أن يعمل به حيث انتهت الاستطاعة، وأنه لا يسقط من ذلك إلا ما عجزت عنه الاستطاعة فقط، وأن ما نهى عليه السلام عنه فواجب اجتنابه.\rثنا عبد الله بن يوسف - بالسند المذكور إلى مسلم - قال: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ثنا أبو علي الحنفي، ثنا مالك بن أنس، عن أبي الزبير المكي، أن أبا الطفيل عامر بن وائله، أخبره أن معاذ بن جبل أخبره، وقال: خرجنا مع رسول الله (ص) عام غزوة تبوك، فقال رسول الله (ص): إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي قال: فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، العين مثل الشراك تبض بشئ من ماء قال: فسألهما رسول الله (ص)\rهل مسستما من مائها شيئا.\rقالا: نعم فسبهما النبي (ص) وقال لهما ما شاء الله أن يقول.\rثم ذكر باقي الحديث وفيه الآية في نبعان الماء ببركته (ص).\rقال علي: فهذان استحقا السب من النبي (ص)، لخلافهما نهيه في مس الماء، ولم يكن هناك وعيد متقدم، فثبت أن أمره على الوجوب كله إلا ما خصه نص، ولولا أنهما تركا واجبا ما استحقا سب رسول الله (ص).\rوبه إلى مسلم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، ثنا عبيد الله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول فقام رسول الله (ص) ليصلي عليه، فقام عمر فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه، فقال رسول الله (ص): إنما أخبرني الله تعالى فقال: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين قال: إنه منا فق، فصلى عليه رسول الله (ص) فأنزل الله عز وجل: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره قال علي: ففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شئ على ظاهره، فحمل","part":3,"page":273},{"id":277,"text":"رسول الله (ص) اللفظ الوارد بأو على التخيير، فلما جاء النهي المجرد حمله على الوجوب، وصح بهذا أن لفظ الامر والنهي غير لفظ التخيير والندب، ورسوله (ص) أعلم الناس بلغة العرب التي بها خاطبه ربه تعالى.\rفإن قال قائل: فما كان مراد الله بالتخيير، الذي حمل رسول الله (ص) على التخيير، وبذكره تعالى السبعين مرة، أتقولون: إنه أراد تعالى ما قال عمر بن الخطاب من ألا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ثم نزلت الآية الاخرى مبينة ؟.\rفالجواب: أننا وبالله تعالى التوفيق، لا نقول ذلك، ولا يسوغ لمسلم أن يقوله، ولا نقول إن عمر، ولا أحدا من ولد آدم عليه السلام فهم عن الله تعالى شيئا لم يفهمه\rعنه نبي الله (ص)، وهذا القول عندنا كفر مجرد، وبرهان ذلك أن الله تعالى لو لم يرض صلاة النبي على عبد الله بن أبي، لما أقره عليها، ولانزل الوحي عليه لمنعه كما نهاه بعد صلاته عليه أن يصلي على غيره منهم، فصح أن قول عمر كان اجتهادا منه أراد به الخير فأخطأ فيه، وأصاب رسول الله (ص)، وأجر عمر في ذلك أجرا واحدا، لكنا نقول: إنه عز وجل خير نبيه (ص) في ذلك على الحقيقة، فكان مباحا له (ص) أن يستغفر لهم ما لم ينه عن ذلك.\rوأما ذكر السبعين فليس في الاقتصار عليه إيجاب أن المغفرة تقع لهم بما زاد على السبعين، ولا فيه أيضا منع من وقوع المغفرة لهم بما زاد على السبعين، إلا أن رسول الله (ص) طمع ورجا إن زاد على السبعين أن يغفر لهم، ولم يحقق أن المغفرة تكون بالزيادة، وهذا هو نفس قولنا بعينه، فلما أعلمه الله تعالى بما كان في علمه عز وجل، ولم يكن أعلمه قبل ذلك به علمه حينئذ نبيه (ص) ولم يكن علم قبل نزول المنع من الاستغفار لهم بالبت، أن ما زاد على السبعين غير مقبول، فدعا راج لم ييأس من المغفرة، ولا أيقن بها، وهذا بين في لفظ الحديث، وبالله تعالى التوفيق.\rوقد سألت بريرة النبي (ص) إذ قال لها: لو راجعتيه يعني النبي (ص) زوجها مغيثا - فقالت: أتأمرني يا رسول الله، فقال: لا، إنما أشفع ففرق (ص) كما ترى بين أمره وشفاعته، فثبت أن الشفاعة لا توجب على أحد فعل ما شفع فيه عليه السلام، وأن أمره بخلاف ذلك: وليس فيه إلا الايجاب فقط.","part":3,"page":274},{"id":278,"text":"وقال الله عز وجل: * (يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته قال علي: في هذه الآية بيان جلي رافع لكل شك، في أن من لم يفعل ما أمر\rبه فقد عصى، لانه تعالى بين أن نبيه (ص) إن لم يبلغ كما أمر، فلم يفعل ما أمر به، ولا معنى لهذا الخبر وهذا التقدم، إلا أن خلاف الامر معصية لا موافقة، وبالله تعالى التوفيق وهم يقرون على أنفسهم أنهم لا يفعلون ما أمروا به حتى يأمرهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.\rوقال تعالى: يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالو سمعنا وهم لا يسمعون فصح أنه لم يرد تعالى منا الاقرار وحده إلا مع العمل بما أمرنا معه.\rوقا تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمران أن تكون لهم الخيرة من أمر هم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلالا مبينا.\rقال على وانبلج الحكم بهذه الآية ولم يبق للشك مجال، لان الندب تخيير، وقد صح أن كل أمر لله ولرسوله ص) فلا اختيار فيه لاحد، وإذا بطل الاختيار فقد لزم الوجوب ضرورة، لان الاختيار إنما هو في الندب والاباحة للذين لنا فيهما الخيرة، إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل، فأبطل الله عز وجل الاختيار في كل أمر يرد من عند نبيه (ص)، وثبت بذلك الوجوب والفرض في جميع أوامرهما، ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث وهو الترك، فقال تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) *.\rقال علي: وليس يقابل الامر الوارد إلا بأحد ثلاثة أوجه، لا رابع لها نعلم ذلك بضرورة الطبيعة، وببديهة العقل: إما الوجوب وهو قولنا، وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك، وقد أبطل الله عز وجل هذا الوجه في قوله تعالى: * (أن تكون لهم الخيرة من أمر هم) * وأما الترك وهو المعصية فأخبر تعالى أن من فعل ذلك فقد ضل ضلالا مبينا، فارتفع الاشكال جملة، وبطل كل شغب يأتون به.\rوقال تعالى: * (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهخم) * فنص تعالى على توبيخ من لم يكتف بالتلاوة، وهذا هو الحكم بالظاهر، وحظر الانتقال إلى","part":3,"page":275},{"id":279,"text":"التأويل وقال تعالى: * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * وقال تعالى: * (أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) * فصح أن لا بيان إلا نص القرآن ونص كلام رسول الله (ص).\rفإن قالوا: فإنتحملون كثيرا من أوامره تعالى على التخيير والندب، فقد نقضتم هذا الحكم.\rلهم وبالله تعالى التوفيق: ما فعلنا ما تقولون من النقض، لاننا إنما حملنا منها على التخيير بأمر الله تعالى، حملناه أيضا على وجوبه، فإذا نص ربنا عز وجل في أمر قد أمر به على أننا إن شئنا فعلنا، وإن شئنا تركنا، فقد أوجب علينا قبول هذا النص على ظاهره ضرورة، فلم نخرج عن أصلنا، ولم يكن لنا خيرة في صرفه إلى الوجوب بأحد طرفيه دون الآخر فقط، كما أنه تعالى أو نبيه (ص) إذا اقتصر المخاطب لنا منهما على لفظ لا تخيير معه، فلا خيرة لنا في صرفه عن أمره الذي اقتصر عليه، فكل أمر مفرد فواجب علينا حمله على انفراده، وكل أمر بتخيير فواجب علينا حمله على التخيير، فالقبول فرض علينا لما يرد من الالفاظ على ظواهرها، ولا خيرة لنا في شئ من ذلك، والاجماع إذا صح على حمل آية أو خبر على التخيير، فقد أيقنا أن أصل الاجماع توقيف من رسول الله (ص)، فحملنا ذلك التوقيف أيضا على الوجوب فلم ننقض قولنا بحمد الله تعالى.\rقال علي: أفلا يستحي أن يتكلم في الدين من يسمع كلام الله تعالى في قسمة الصدقات يقول: * (إنما الصدقات المفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فرضية من الله) * فيقول: ليس ذلك فريضة، وجائز للامام أن يصرفها إلى ما يرى من وجوه البر، أو إلى بعض هذه الاصناف، ثم يأتي إلى قول ابن عمر: فرض رسول الله (ص صدقة الفطر على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، صاعا من تمر\rأو صاعا من شعير، فيقول: ليس صدقة الفطر فريضة، ولا الشعير ولا التمر فيها أيضا فرضا، ولا مستحبا، بل البر الذي لم يذكره النبي (ص) أفضل.\rثم يأتي إلى قول رسول الله (ص): من صلى ههنا معنا، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد أدرك فقال: لا تخيير في ذلك، والفرض الوقوف ليلا","part":3,"page":276},{"id":280,"text":"ولا بد، وإلا بطل الحج.\rويقول في قول الله تعالى: * () *، إنه يفهم منه أن خطبة الجمعة فرض تبطل الصلاة بتركها.\rوأن ذكره تعالى للاعتكاف بعد ذكره لحكم الصيام، موجب أن يكون الصوم في الاعتكاف فرضا لا يجزي الاعتكاف إلا به.\rأيكون في عكس الحقائق ومجاهرة العقول الفهمة للغة العربية، ومخالفة القرآن والسنة أكثر من هذا ؟.\rوقال تعالى: * () *.\rقال علي: فهذا لفظ الوعيد بقوله تعالى: * () * مقرونا بمخالفة الطاعة، فأخبرنا تعالى أن ترك الطاعة تول، ولا تركا للطاعة أكثر ممن يستجيز أن يترك ما أمر به أو يفعل ما نهى عنه.\rوقال تعالى: * (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فصح بالنص كما ترى أن كل ما أمر به رسول الله (ص) فهو معروف، وكل ما نهى عنه فهو منكر عن المعروف، فبين تعالى أن كل من نهى عما أمر به رسول الله (ص) فهو منافق، وكل من قال في قوله تعالى افعل.\rفقال هو لا تفعل إن شئت، فقد أباح تركه والنهي عنه نصا.\rوقال تعالى: ومن لم وقال تعالى ومن: * (وليحكم أهل الانجيل بمآ أنزل الله فيه ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) *.\rقال علي: ومن أجاز لنفسه ترك العمل بما أنزل الله فهو فاسق ظالم بنص القرآن، وبنص تسمية الله عز وجل له، فقد نصصنا كلام الله تعالى، وكلام نبيه (ص) في إيجاب أوامرهما ونواهيهما فرضا، وبطل بذلك قول من قال على الندب أو الوقف.\rقال علي: وقد فرق قوم بين أوامر الله عز وجل، وأوامر رسوله (ص)، وهذا بين الفساد، فقد أنكر الله تعالى ذلك بقوله: * (من يطع الرسول فقد أطاع الله إن العجب ليكثر من الحنفيين والمالكيين الذين يجعلون الخطبة يوم الجمعة فرضا، فإذا سئلوا عن البرهان في ذلك قالوا قول الله عز وجل: * (وإذا رأوا","part":3,"page":277},{"id":281,"text":"تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما) *.\rقال علي: وما ندري ماذا تأدى إليهم في هذا اللفظ من إيجاب الخطبة.\rويقولون إن الصيام في الاعتكاف فرض، إذا سئلوا عن برهان ذلك قالوا: ذكر الله تعالى الاعتكاف إثر ذكر الصيام، وعلى هذا فكل شريعة ففرض ألا تتم إلا بضم كل شريعة في القرآن إليها، فلا حج لمن لم يصل.\rولا صلاة لمن أفطر في رمضان، ولا نكاح لمن لا يقسط في اليتامى، فينفسخ نكاحه مع امرأته، لان الله تعالى عطف النكاح على أمر اليتامى فقال تعالى: * (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم معطوف بعضها على بعض.\rثم قالوا: في قوله تعالى: * (وأتمو الحج ولعمرة لله ليست العمرة فرضا، وقد عطفها تعالى على الحج عطفا شركها به معه في الاتمام، ولم يعطف الاعتكاف على الصيام، ولا الصيام على الاعتكاف، وإنما عطف النهي عن المباشر في حال الاعتكاف على أحكام الصيام، عطف جملة على جملة، لا عطف اشتراك.\rثم قالوا في قوله تعالى في قسمة الخمس: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير) * فقالوا: ليس هذا فرضا، وللامام أن يضع الخمس حيث رأى من مصالح المسلمين، هذا وهم يسمعون الله تعالى يقول في قسمة الخمس على من سمى: الصدقات، وقد قال تعالى ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا وقالوا في آخرها: * فريضة من الله فقالوا ليست فريضة لهؤلاء فمن أضل ممن جعل الخطبة والصيام في الاعتكاف فرضا ولم يأت به أمر، ولا ندب، وأسقط إيجاب ما سماه الله تعالى فريضة، وقال فيه: وان كنتم آمنتم بالله وأما المالكيون فإنهم احتجوا في عتق الاخ يملكه أخوه بقوله تعالى: * (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) * وما عقل قط ذو لب وجوب عتق الاخ من هذه الآية كما لم يعقل وجوب صلاة الظهر منها، وأسقطوا النفقة على الوارث بآرائهم وقد قال تعالى: وعلى المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس","part":3,"page":278},{"id":282,"text":"إلا وسعها لاتضار والدة بولدها ولا مولود له وعليه الوارث مثل ذلك، ففرقوا بين مضارة الوالد بولده فأوجبوا فيها النفقة، وبين مضارة الوارث بموروثه، فلم يوجبوا فيها النفقة، وقد سوى الله عز وجل بينهما تسوية واحدة، ولا ضرر في التمييز والعقل، أعظم من ترك الوارث موروثه يسأل أو يموت جوعا، وهو ذو مال يغنيه، ويفضل عنه، وخالفوا في ذلك حكم عمر بن الخطاب وعمله.\rوقال المالكيون: أمر تعالى بالمكاتبة ندب، وأمره بإتيانهم من مال الله الذي آتاهم ندب، وأمره بالمتعة ندب، ثم قالوا قوله تعالى: * () * فرض، فلو تدبروا هذه الفضائح التي يطلقون، لكان أولى بهم من معارضة\rأوامر الله تعالى وأوامر رسوله (ص) بهذيان لا يطردونه، بل يتناقضون فيه في كل حين، فمرة يقولون في بعض الاوامر ليس فرضا، فإذا قيل لهم قد أمر الله تعالى بها، قالوا الاوامر موقوفة، ولا يحمل على الفرض إلا بدليل، ومرة يوجبون الاوامر فرضا بلا دليل ولا قرينة إلا التحكم والتقليد فقط، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وأما الموافقون لهم على الوقف من أصحاب الشافعي، فإنهم يقولون: إن لم نجد دليلا على أن الامر على الندب أمضينا الاوامر على الوجوب.\rقال علي: وهذا ترك منهم لقولهم بالوقف، لانهم راجعون إلى إمضاء الاوامر على الوجوب بمجردها بلا قرينة، إذا عدموا دليلا على الندب.\rقال علي: وهذا قولنا نفسه، ولم نخالفهم في أن الامر إذا جاء نص أو إجماع على أنه ندب، فواجب أن يصار إلى أنه ندب، وإنما خالفناهم في الوقف فقط.\rقال علي: ونسألهم ألهذا الوقف غاية ؟ فإن حدوا حدا كلفوا عليه البرهان ولا سبيل إليه، فإن لم يجدوا فيه حدا صار مدة العمر، فبطل العمل بشئ من الاوامر وهذا يؤدي إلى إبطال الشريعة.\rوقد احتج بعض من يقول بقولنا ممن سلف، فقال: لو كان الامر لا يعلم بلفظه أنه على الوجوب، لكان لا يخلو من أن يعلم المراد فيه، إما بأمر آخر، أو بشئ يستخرج من الامر، وكلا الامرين فلا بد من الرجوع فيه إلى أمر،","part":3,"page":279},{"id":283,"text":"فالكلام في الامر الثاني كالكلام في الامر الاول، وهذا لا إلى غاية، فعلى هذا لا يثبت وجوب أمر أبدا.\rوقالوا أيضا محتجين عن أهل الوقف: المعصية في اللغة هي مخالفة الامر، والطاعة هو تنفيذ الامر، وقال الله تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله ويتعد\rحدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) * وقال تعالى: * (وما أرسلنا من رسول ألا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا فثبت الوجوب في الاوامر ضرورة، بحكم الله تعالى فالنار على من تركها.\rقال علي: ويقال لمن قال بالوقف: ماذا تصنع إن وجدت أوامر واردة من الله تعالى ومن رسوله (ص) خالية من قرينة بالجملة، ولا دليل هناك يدل على أنها فرض، ولا على أنها ندب، فلا بد من أحد ثلاثة أوجه إما أن يقف أبدا، وفي هذا ترك استعمال أوامر الله تعالى، وأوامر رسوله (ص)، وهذا هو نفسه ترك الديانة، أو يحمل ذلك على الندب، فيجمع وجهين، أحدهما: القول بلا دليل، والثاني، استجازة مخالفة الله ورسوله (ص) بلا برهان، أو يحمل ذلك على الفرض، وهذا قولنا، وفي ذلك ترك لمذهبه وأخذ بالاوامر فرضا بنفس لفظها دون قرينة، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: فإن تعلقوا بما روي عن رسول الله (ص) أنه قال يوم بني قريظة: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم العصر قبلها وقالوا: لم يرد هنا هنا، وصلاها آخرون بعد العتمة فبلغ ذلك النبي (ص) فلم يعنف واحدة من الطائفتين.\rقال علي: هذا حجة لهم فيه أيضا، ولو شغب بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين لكان أدخل في الشغب، مع أنه لا حجة لهم فيه أيضا.\rفأما احتجاج من حمل الاوامر على غير الوجوب، فلا حجة لهم فيه، لانه قد كان تقدم من رسول الله (ص) أمر في وقت العصر أنه مذ يزيد ظل الشئ على مثله إلى أن تصفر الشمس، وأن مؤخرها إلى الصفرة بغير عذر يفعل فعل المنافقين، فاقترن على الصحابة في ذلك اليوم أمران واردان، واجب أن يغلب أحدهما على الآخر ضرورة، فأخذت إحدى الطائفتين بالامر المتقدم، وأخذت","part":3,"page":280},{"id":284,"text":"الطائفة الاخرى بالامر المتأخر، إلا أن كل واحدة من الطائفتين حملت الامر الذي أخذت به على الفرض والوجوب، وغلبته على الامر الثاني.\rوقد ذكرنا هذا النوع من الاحاديث فيما خلا، وبينا كيفية العمل في ذلك، ولو أننا حاضرون يوم بني قريظة لما صلينا العصر إلا فيها، ولو بعد نصف الليل، على ما قد بينا في رتبة العمل في جميع الاحاديث التي ظاهرها الاختلاف، وهي في الحقيقة متفقة من الاخذ بالزائد، ومن استثناء الاقل معاني من الاكثر معاني، وقد جمع هذان الحديثان كلا الوجهين معا، فأمره عليه السلام في ذلك اليوم بأن لا يصلى صلاة العصر إلا في بني قريظة، أمر خاص في صلاة واحدة، من يوم واحد في الدهر فقط، فكان ذلك مستثنى من عموم أمره يصلى كل عصر، من كل يوم في الابد يخرج وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس، وأما ما لم تغب للمضطر حاشى يوم عرفة.\rوأيضا فإن أمره عليه السلام بألا يصلى العصر من ذلك اليوم إلا في بني قريظة، شريعة زائدة، وأمر وارد بخلاف الحكم السالف، وبخلاف معهود الاصل في حكم صلاة العصر قبل ذلك اليوم وبعده، فواجب طاعة ذلك الامر الحادث، والشرع الطارئ، لما قدمنا من البراهين على وجوب القبول لكل ما أمرنا به رسول الله (ص) عن ربه تعالى، وكان أمره بألا يصلى العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة كقوله ليلة يوم النحر في الحج - وقد ذكر بصلاة المغرب - فقال عليه السلام: الصلاة أمامك فكان ذلك عند جميع المسلمين ناقلا لوقت المغرب في تلك الليلة خاصة في الحج خاصة، في ذلك المكان خاصة، عن وقتها المعهود إلى وقت آخر.\rولا فرق بين ورود ما أمر به في العصر يوم بني قريظة، وفي المغرب ليلة المزدلفة، وهذا بين لمن تأمله.\rقال أبو محمد: وأما إن احتج بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين\rوقال: ترك النبي (ص) أن يعنف كل واحدة من الطائفتين، دليل على أن كل واحدة منهما مصيبة.\rقيل له، وبالله التوفيق: لا دليل فيه على ما ذكرت، ولكنه دليل واضح على أن إحدى الطائفتين مصيبة مأجورة أجرين، والاخرى مجتهدة مأجورة","part":3,"page":281},{"id":285,"text":"أجرا واحدا، معذورة في خطئها بالاجتهاد، لانها لم تتعمد المعصية وقد قال عز وجل: * () * وقال عليه السلام: لكل امرئ ما نوى وكلا الطائفتين نوت الخير وقد نص عليه السلام على أن الحاكم إذا اجتهد فأخطأ فله أجر.\rوكل متكلم في مسألة شرعية ممن له أن يتكلم على الوجه الذي أمر به من الاستدلال الذي لا يشوبه تقليد ولا هوى، فهو حاكم في تلك المسألة، لانه موجب فيها حكما، وكل موجب حكما فهو حاكم، وهو داخل في استجلاب الامر بالحديث المذكور.\rفإن قال قائل: فلم يأمر رسول الله (ص) الطائفة المخطئة عندكم بالاعادة، إن كانت هي التي صلت العصر في وقتها المعهود، قبل البلوغ إلى بني قريظة، وإنما كان وقتها عندكم في ذلك اليوم بعد البلوغ إلى بني قريظة - أي وقت بلغ البالغ إليهم - أو لم يعنف الطائفة المؤخرة للعصر إلى بعد نصف الليل إن كانت هي المخطئة على تأخيرهم صلاة فرض عن وقتها ؟.\rقيل له وبالله تعالى التوفيق: لسنا ندري في أي وقت بلغ خبر الطائفتين المذكورتين إلى رسول الله (ص)، ولعل ذلك قد بلغه عليه السلام في اليوم التالي، وبعد خروج وقت العصر جملة، ولا إعادة على تارك صلاة بتأول ممن له أن يتأول على الوجه المحمود لا بتقليد ولا بهوى، ولا إعادة على تارك صلاة عمدا بلا تأول ولا ضرورة حتى يخرج وقتها، وأما المتأول فمعذور ولا يكلف\rإلا ما علم، وأما العامد فذنبه أجل من أن نأمره نحن بكفارة أو بصلاة لم يأمره الله تعالى بها، ولا يحل لنا ولا لغيرنا تعدي حدود الله عز وجل بأن نلزمه فرضا لم يأذن به الله تعالى، ونسقط عنه بذلك فرضا قد أمره الله تعالى به، ونعوذ بالله تعالى من ذلك، وأمره إلى خالقه لا إلينا، وسيرد على ذي مغفرة واسعة، وذي عقاب أليم، حيث لا يضيع له شئ، ولا يجمع عنده شئ، فعند الموازين يعرف كل امرئ ما له وما عليه، نسأل الله عفوه وغفرانه في ذلك الموقف آمين.\rقال علي: وقد أنكر رسول الله (ص) على أبي سعيد بن المعلى إذ ناداه فلم يستجب له - وكان في صلاة - فقال له رسول الله (ص): ألم يقل الله تعالى: * () *.","part":3,"page":282},{"id":286,"text":"قال علي: وفي هذا بيان جلي في حمل أوامر الله تعالى وأوامر نبيه (ص) على الوجوب، وعلى الظاهر منها، ومن تلك الاوامر أمره تعالى أن يطاع رسوله عليه السلام.\rوفي قوله عليه السلام المذكور لابي سعيد، بيان جلي في صحة ما أثبتناه قبل، من استثناء الاقل معاني من الاكثر معاني واستعمال جميع الاوامر، لانه تعالى قال: * () * وقال تعالى: * () * خص عليه السلام دون سائر الناس، أن يكلمه المصلون إذا كلمهم، ولا يكون ذلك قاطعا لصلاتهم.\rوبهاتين الآيتين والحديث المذكور بطل قول من قال: بأن المصلين يكلمون الامام إذا وهل في صلاته ورام أن يحتج في ذلك بحديث ذي اليدين، فبالنصوص التي ذكرنا أيقنا أن ذلك خاص للنبي (ص) دون من سواه، وسبحان من يسر لاخواننا المالكيين، أن يجعلوا الخصوص في هذا المكان عموما، وأن يجعلوا العموم الذي نص عليه السلام على أنه عموم، وغضب على من أراد أن يجعله\rخصوصا، من القبلة في صيام رمضان، فجعلوه خصوصا كل ذلك بلا دليل وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rقال أبو محمد: وأما من استجاز أن يكون ورود الوعيد على معنى التهديد، لا على معنى الحقيقة، فقد اضمحلت الشريعة بين يديه، ولعل وعيد الكفار أيضا كذلك، ومن بلغ هذا المبلغ فقد سقط الكلام معه، لانه يلزمه تجويز ترك الشريعة كلها، إذ لعلها ندب، ولعل كل وعيد ورد إنما هو تهديد، وهذا مع فراقه المعقول خروج عن الاسلام، لانه تكذيب لله عز وجل، وبالله تعالى التوفيق.\rومما يبين أن أوامر الله تعالى كلها على الفرض حتى يأتي نص أو إجماع، أنه ليس فرضا قوله تعالى: * () *.\rقال علي: فعدد الله تعالى في كفر الانسا ن أنه لم يقض ما أمره به، وكل من حمل الاوامر على غير الفرض واستجاز تركها، فلم يقض ما أمره وفيما ذكرنا كفاية، وبالله تعالى التوفيق.","part":3,"page":283},{"id":287,"text":"وقد فرق (ص) بين أمر الفرض، وأمر التخيير بفرق، ولا مدخل للشغب فيه بعده، وهو ما حدثناه عن عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري، ثنا أبو عوانة، عن شيبان، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، قال: سأل رجل رسول الله (ص): أتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ قال: أتوضأ من لحوم الابل ؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الابل.\rقال علي: فأورد عليه السلام الوضوء الذي ليس عليه واجبا بلفظ التخيير، وأورد الآخر بلفظ الامر فقط، ولو كان معناهما واحدا، لما كان عليه السلام\rمبينا للسائل ما سأل عنه، وهذا ما لا يظنه مسلم، والله الهادي إلى سواء السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل فصل في كيفية ورود الامر قال علي: الاوامر الواجبة ترد على وجهين: أحدهما: بلفظ افعل، أو افعلوا، والثاني: بلفظ الخبر إما بجملة فعل وما يقتضيه من فاعل أو مفعول، وإما بجملة ابتداء وخبر.\rفأما الذي يرد بلفظ افعل أو افعلوا، فكثير واضح مثل: * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وخذ من أموالهم صدقة وما أشبه ذلك.\rوأما الذي يرد بلفظ الخبر وبجملة فعل وما يقتضيه فكقوله تعالى: * (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير بين ان الله يأمر كم أن تؤدوا الأمانات الى ألها وكقوله تالى كتب عليكم الصيامو وكتب عليكم القتال حرمت عليكم أمهاتكم واحل لكم ليلة الصيام وكتب عليكم القتال وحرمت عليكم امتهاتكم واحل لكم اليلة الصيام و الرفث أي نساتكم وامرت","part":3,"page":284},{"id":288,"text":"قال علي: فلا طريق لورود الاوامر والشرائع الواجبة إلا على هذين الوجهين فقط، فأما عنصر الامر والنهي، فإنما هو ما ورد بلفظ: افعل أو لا تفعل، فهذه صيغة لا يشركه فيها الخبر المجرد الذي معناه معنى الخبر المحض، ولا يشركه فيها التعجب، ولا يشركه فيها القسم، وإنما يشركه في هذه الصيغة الطلبية فقط، فما كان منها إلى الله عز وجل فهو الدعاء فقط، وما كان منها إلى من دونه تعالى، فهو الرغبة.\rوقد يسمى الدعاء إلى الله عز وجل أيضا رغبة ولا يسمى الدعاء على الاطلاق إلا ما كان طلبة إلى الله عز وجل، حتى إذا جاز أضيف أن ينسب إلى غير الله تعالى، فنقول: ادع فلانا بمعنى ناده.\rقال علي: وأما المقدمات المأخوذة لانتاج النتائج في المناظرة، فإنما الاصل فيها أن تصاغ بصيغة الخبر، مثل قوله (ص): كل مسكر خمر، وكل خمر حرام النتيجة فكل مسكر حرام.\rإلا أننا في مناظرتنا أهل ملتنا وأهل نحلتنا فيما تنازعنا فيه، قد غنينا عن ذلك، لاتفاقنا على أن لفظ افعل، مقدمة مقبولة تقوم بها الحجة فيما بيننا قياما تاما.\rقال علي: ويميز ما جاء في الاوامر بلفظ الاخبار، مما جاء بلفظ الخبر ومعناه الخبر المجرد، بضرورة العقل، فإن قول الله عز وجل: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب منا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة في ظاهر ورود الامر إلا أن أحد اللفظين خبر مجرد لفظه لفظ الخبر، ومعناه معنى الخبر، والآخر لفظه لفظ الخبر، ومعناه معنى الامر، وإنما علمنا ذلك","part":3,"page":285},{"id":289,"text":"لان الجزاء بجهنم لا يجوز أن نؤمن نحن به، لان ذلك ليس في وسعنا، وقد أمننا الله من أن يأمرنا بما ليس في وسعنا قال الله عز وجل: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وأما التحرير للرقبة، وتسليم الدية، فبضرورة العقل علمنا أن ذلك من مقدوراتنا ومما لا يفعله الله عز وجل دون توسط فاعل منا، فبهذا يتميز ما كان الخبر معناه الامر، وما كان منه مجردا للخبر في معناه ولفظه.\rوقد اعترض قوم من الملحدين علينا في قوله: * () * وأرادوا أن يحملوا ذلك على أنه خبر في معناه ولفظه.\rقال علي: وهذا خطأ بنص القرآن، وبضرورة المشاهدة، أما نص القرآن، فقوله تعالى: * () * فارتفع ظن من ظن أن قول الله عز وجل: * () * خبر وكيف يكون ذلك وقد أمر تعالى بقتل من قاتلنا فيه وعنده.\rوأما ضرورة المشاهدة، فما قد تيقناه\rمما وقع فيه من القتل مرة بعد مرة، على يدي الحصين بن نمير، والحجاج بن يوسف، وابن الافطس العلوي، وإخوانهم القرامطة، والله تعالى لا يقول إلا حقا، فصح أن معنى قوله تعالى: * () * إنما هو أمر بالبرهانين الضروريين اللذين قدمناهما.\rوكذلك نقول: إنه لا يحل أن يقام في شئ من الحرم حد على أحد، بوجه من الوجوه، ولا بسجن، ولا تعزير ولا قطع، ولا جلد، ولا قصاص، ولا رجم، ولا قتل، لا في ردة، ولا في زنى، ولا في غير ذلك.\rحاشا من قاتلنا فيه فقط على نص القرآن، وبهذا جاء الخبر عن رسول الله (ص).\rوأما من أجاز أن يخالف الله تعالى ورسوله (ص) ويقتدي بعمرو بن سعيد، ويزيد، والحجاج، والحصين بن نمير، فيقيم فيه الحدود ويقتل فيه من استحق القتل عنده في غيره، فليفكر فيما يلزمه من تكذيب ربه، وله ما اختار من اتباع من اتبع، وخلاف الله تعالى ورسوله (ص) ليتخلص من السؤال الذي ذكرناه آنفا، ولو قدر على ذلك لما قدر على التخلص من عصيان نبيه (ص) في قوله: إنها إنما أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لكم ثم عادت كحرمتها بالامس إلى يوم القيامة لا يسفك فيها دم وبين عليه السلام بنص كلامه، أنه ليس لاحد أن يترخص في ذلك لاجل قتاله عليه السلام، ونص على أن ذلك خاص له.","part":3,"page":286},{"id":290,"text":"قال علي: وهذا خبر على التأبيد، وأمر على التأكيد، لا يجوز أن يدخل فيه نسخ أبدا لنصه عليه السلام، على أن ذلك باق إلى يوم القيامة، فمن أجاز ورود نسخ لهذا، فقد أجاز الكذب من الرسول (ص)، ومن أجاز ذلك فهو كافر مشرك حلال الدم والمال، وسبحان من يسر لهؤلاء القوم عكس الحقائق، فيجعلون ما قد جاء النص فيه بأنه خاص عاما، وما جاء فيه النص بأنه عام خاصا، وبالله تعالى نتأيد.\rوإنما سفك عليه السلام فيها الدماء المباحة، ونهى عن الاقتداء\rبه ذلك جملة، وقولنا في هذا هو قول عبد الله بن عمر وعطاء وغيرهما، وكان عبد الله بن عمر يقول: لو لقيت فيها قاتل عمر، ما ندهته.\rقال علي: فما ورد من الاوامر والنواهي على الصفتين المذكورتين فهو فرض أبدا ما لم يرد نص أو إجماع على أنه منسوخ، أو أنه مخصوص، أو أنه ندب، أو أنه بعض الوجوه الخارجة عن الالزام على ما سنفرد لها فصلا في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rقال علي: وأما صورة الندب، فهو أن يرد اللفظ: أو بمدح الفاعل أو للفعل مثل قول عليه السلام إذ قال: يهلك الناس هذا الحي من قريش ثم قال عليه السلام: لو أن الناس اعتزلوهم فكان هذا ندبا إلى ترك القتال مع التأولين منهم، ومثل قوله عليه السلام: لو اغتسلتم وإنما أوجبنا غسل الجمعة بحديث آخر فيه لفظ الايجاب، وأما المدح فمثل قوله تعالى: * () * فكان ذلك حضا على مثل فعلهم وهو الاستنجاء بالماء، ومثل إخباره (ص): أن لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة وما أشبه ذلك.\rفما جاء باللفظ الذي ذكرنا فهو ندب لا إيجاب، يعلم ذلك بصيغة اللغة ومراتبها، علم بضرورة لا يفهم سواه.\rقال علي: وأما أمر الاباحة فإنه يراد بلفظ أو مثل قوله تعالى: * () * ومثل قوله عليه السلام، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا، وأن العجب ليكثر ممن حمل ما روى النبي (ص) أنه أمر","part":3,"page":287},{"id":291,"text":"به الواطئ في رمضان، من صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا، أو تحرير رقبة على التخيير.\rوقد روى حديث صحيح بالترتيب في ذلك، ثم رأى من رأيه أن يحمل قوله عليه السلام في الوقوف بعرفة ليلا أو نهارا على إيجاب الوقوف\rليلا ولا بد، ويكفي هذا القول وصفه.\rوقد يرد أيضا لفظ الاباحة بلا حرج وبلا جناح مثل قوله تعالى: * (ليس على الاعمى حرج، وقوله عليه السلام، وقد سئل عن تقديم الرمي على الحلق وعلى النحر، وتقديم الحلق على النحر وعلى الرمي: لا حرج.\rلا حرج.\rقال علي: وبهذا النص صح لنا أن قوله عز وجل: * (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله أنه ليس المراد به النحر، ولكن بلوغ وقت الاحلال بالنحر مع موافقة قولنا لظاهر الآية دون تكلف تأويل بلا دليل ومثل قوله تعالى: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومثل قوله تعالى فلا جناح على لان يطوف بها ومثل قول فلا جناح عليهما ان يصالحا صلحا وقوله تعالى ليس عليكم جناج ان تبتغوا فضلا من ربكم وقوله تعالى فان اراد افصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناج عليهما يريد تعالى قبل تمام الحولين بنص الآية.\rوقوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقوله تعالى فان ي لقها فلا جناح عليهما ان يتراجعا وقوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خي بة النساء أو أكنتم في انفسكم وقوله تعالى لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسو هن أو تفرضوا لهن فريضة وقوله تعالى (وان اردتم ان تستر ضعوا اولادكم فلا جناح عليكم) وقوله تعالى (الا ان تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح الا تكتبوها) وقوله تعالى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفرضية ان الله كان عليما) وقوله تعالى (ولا جناح عليكم ان كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى ان تضعوا اسلحتكم) قال على: وهذا هو المعهود في اللغة ومن أراد أن يجعل قوله تعالى (ان الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) حجة في ايجاب الطواف بين الصفاء والمرة فرضا على الحاج وعلى المعتمر فقد\rأغفل جدا لأنه يلزمنه - مع مخالفة مفهوم اللغة - أن يقول في الآيات التى تلونا","part":3,"page":288},{"id":292,"text":"آنفا: ان كل ما ذكر فيها فرض افتداء المرأة من زوجها فرض، وإن مراجعة المطلق ثلاثا للمطلقة بعد طلاق الزوج الثاني لها فرض، وإن قصر الصلاة فرض، وإن طلاق المرأة قبل أن تمس فرض، وإن تصالحهما على فطام ا لولد قبل الحولين فرض، وكذلك سائر ما في تلك الآية.\rقال علي: وإنما واجبنا السعي بينهما فرضا لحديث أبي موسى الاشعري، إذ أمره عليه السلام بالطواف بينهما، ولولا ذلك الحديث ما كان السعي بينهما فرضا، لا في عمرة ولا في حج، وبالله تعالى التوفيق.\rوإنما قلنا أيضا: بوجوب القصر فرضا لقوله عليه السلام، فاقبلوا صدقته وبأحاديث أخر صح بها وجوب قصرها.\rوكل لفظ ورد ب (عليكم) فهو فرض، وكل أمر ورد بلكم أو بأنه صدقة فهو ندب، لان علينا إيجاب، ولنا صدقة إنما معناها الهبة، وليس قبول الهبة فرضا إلا أن يؤمر بقبولها فيكون حينئذ فرضا، ومما تحل به الاوامر على الندب أن يرد استثناء يعقبه في تخيير المأمور، مثل قوله تعالى في الديات: * (الا ان تصدقوا وفي وجوب الصداق (الا ان يعفون) وفي قضاء الدين (وان تصدقوا خير لكم) وما أشبه ذلك وهذا معلوم كله بموضوع اللغة ومراتبها وبالله التوفيق فصل في حمل الاوامر والاخبار على ظواهرها قال علي: ذهب قوم ممن بلح عندما أراد من نصر ما لم يأذن الله تعالى بنصره من التقليد الفاسد، واتباع الهوى المضل - إلى أن قالوا: لا نحمل الالفاظ من الاوامر والاخبار على ظواهرها، بل هي على الوقف وقال بعضهم - وهو بكر البشري -: إنما ضلت الخوارج بحملها القرآن على ظاهره، واحتج بعضهم\rأيضا بأن قال: لما وجدنا من الالفاظ ألفاظا مصروفة عن ظاهرها ووجدنا قول القائل: إنك سخي، وإنك جميل، قد تكون على الهزؤ، والمراد إنك قبيح،","part":3,"page":289},{"id":293,"text":"وإنك لئيم، علمنا أن الالفاظ لا تنبئ عن المعاني بمجردها.\rقال علي: هذا كل ما موهوا به، وهؤلاء هم السوفسطائيون حقا بلا مرية، وقد علم كل ذي عقل أن اللغات إنما رتبها الله عز وجل ليقع بها البيان، واللغات ليست شيئا غير الالفاظ المركبة على المعاني، المبينة عن مسمياتها قال الله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء وهو العزيز الحكيم) *) * واللسان هي اللغة بلا خلاف ههنا، فإذا لم يكن الكلام مبينا عن معانيه.\rفأي شئ يفهم هؤلاء المخذولون عن ربهم تعالى، وعن نبيهم (ص) بل بأي شئ يفهم به بعضكم بعضا ؟.\rويقال لهم: إذا أمكن ما قلتم فبأي شئ نعرف مرادكم من كلامكم هذا ؟ ولعلكم تريدون به شيئا آخر غير ما ظهر منه، ولعلكم تريدون إثبات ما أظهرتم إبطاله.\rفبأي شئ أجابوا به فهو لازم لهم في عظيم ما أتوا به من السخف، وهؤلاء قوم قد أبطلوا الحقائق جملة، ومنعوا من الفهم بالبتة، فيكاد الكلام يكون معهم عناء لولا كثرة من اغتر بهم من الضعفاء، وصدق رسول الله (ص) إذ أنذر باتخاذ الناس رؤساء جهالا فيضلون ويضلون.\rوأما قول بكر: إن الخوارج إنما ضلت باتباعها الظاهر، فقد كذب وأفك وافترى وأثم.\rما ضلت إلا بمثل ما ضل هو به، من تعلقهم بآيات ما وتركوا غيرها، وتركوا بيان الذي أمره الله عز وجل أن يبين للناس ما نزل إليهم، كما تركه بكر أيضا، وهو رسول الله (ص)، ولو أنهم جمعوا آي القرآن كلها، وكلام النبي (ص)، وجعلوه كله لازما وحكما واحدا ومتبعا كله لاهتدوا على أن الخوارج أعذر منه، وأقل ضلالا، لانهم لم يلتزموا\rقبول خبر الواحد، وأما هو فالتزم وجوبه، ثم أقدم على استحلال عصيانه.\rوالقول الصحيح ههنا: هو أن الروافض إنما ضلت بتركها الظاهر، واتباعها ما اتبع بكر، ونظراؤه من التقليد، والقول بالهوى بغير علم ولا هدى من الله عز وجل ولا سلطان ولا برهان، فقال الروافض: * (وإذ قال موسى لقومه إن الله تذبحو ابقرة) * قالوا: ليس هذا على ظاهره، ولم يرد الله تعالى بقرة قط، إنما هي عائشة رضي الله تعالى عنها، ولعن من عقها، وقالوا: الجبت والطاغوت، ليسا على ظاهرهما","part":3,"page":290},{"id":294,"text":"إنما هما أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما، ولعن من سبهما.\rوقالوا: * (يوم تمور السماء مورا ئ وتسير الجبال سيرا) * ليس هذا على ظاهره إنما السماء محمو والجبال أصحابه، وقالوا: * (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ليس هذا على ظاهره، إنما النحل بنو هاشم، والذي يخرج من بطونها هو العلم.\rوسلك بكر ونظراؤه طريقهم، فقالوا: * (وثيابك فطهر) * ليس الثياب على ظاهر الكلام، إنما هو القلب.\rوقالوا: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، ليس على ظاهره من تفرق الابدان، إنما معناه ما لم يتفقا على الثمن.\rوقالوا: * () * ليس على ظاهره: إنما هو ابن ذكر، وأما الانثى فلا.\rوقالوا: * (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم قبيلتكم.\rقال علي: ويسأل هؤلاء القوم، أركبت الالفاظ على معان عبر بها عنها دون غيرها أم لا ؟ فإن قالوا: لا سقط الكلام معهم، ولزمنا ألا نفهم عنهم شيئا، إذ لا يدل كلامهم على معنى، ولا تعبر ألفاظهم عن حقيقة، وإن قالوا نعم ؟ تركوا مذهبهم الفاسد، وكل ما أدخلنا على من قال بالوقف في الاوامر، فهو داخل على هؤلاء.\rويدخل على هؤلاء زيادة إبطال جميع الكلام، أوله عن آخره،\rوكذلك يدخل عليهم أيضا ما يدخل على القائلين بالوقف في العموم، وسنذكره في بابه إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله.\rفإن قالوا: بأي شئ تعرفون ما صرف من الكلام عن ظاهره ؟ قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: نعرف ذلك بظاهر آخر مخبر بذلك، أو بإجماع متيقن منقول عن رسول الله (ص)، وعلى أنه مصروف عن ظاهره فقط، وسنبين ذلك في آخر باب الكلام في العموم والخصوص إن شاء الله عز وجل، وبالله تعالى التوفيق.\rوقد أكذب الله تعالى هذه الفرقة الضالة بقوله عز وجل - ذاما لقوم يحرفون الكلم عن مواضعه -: * () * لا بيان أجلى من هذ ه الآية في أنه لا يحل صرف كلمة عن موضعها في اللغة، ولا تحريفها عن موضعها في اللسان، وأن من فعل ذلك فاسق مذموم عاص، بعد أن يسمع ما قاله تعالى.\rقال عز وجل","part":3,"page":291},{"id":295,"text":": * (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا ئ من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا) * فصح أن الوحي كله من يترك ظاهره فقد أعرض عنه، وأقبل على تأويل ليس عليه دليل.\rوقال تعالى: وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعملوم وكل من صرف لفظا عن مفهومه في اللغة فقد حرفه.\rوقد أنكر الله تعالى ذلك في كلام الناس بينهم فقال تعالى: * (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) * وليس التبديل شيئا غير صرف الكلام عن موضعه ورتبته، إلى غيرها، بلا دليل من نصر أو إجماع متيقن عنه (ص).\rوقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) * فصح أن اتباع الظاهر فرض، وأنه لا يحل تعديه أصلا.\rوقال تعالى: * (يأيها الذين يحب المعتدين) *.\rوالاعتداء هو تجاوز الواجب، ومن أزاح اللفظ عن موضوعه في اللغة التي\rبها خوطبنا بغير أمر من الله تعالى، أو رسوله (ص)، فعداه إلى معنى آخر، فقد اعتدى فليعلم أن الله لا يحبه، وإذا لم يحبه فقد أبغضه، نعوذ بالله من ذلك.\rوقال تعالى: * (يتعد حدود الله فأولئك هم لظالمون) * وقال تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) *.\rوقد أخبر تعالى أنه: * (وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتص ادقين) * فنص نصا جليا لا يحتمل تأويلا، على أنه علق كل مسمى اسما مخصوصا به، وكذلك من حدود الله تعالى التي قد أخبر أنه من تعداها فهو ظالم، وأنه يدخله نارا - وأهل ذلك هم - لاقدامهم على الباطل الذي لا يخفى على ذي لب، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان، ونسأله التوفيق، فكل شئ يبدله لا إله إلا هو، فلا موفق إلا من هدى، ولا ضال إلا من خذل.\rولله تعالى في كل ذلك الحجة البالغة علينا.\rولا حجة لنا عليه.\rولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.\rوحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوقال تعالى: * (اتبع مآ أوحي إليك من ربك) * فأمره باتباع الوحي النازل وهو","part":3,"page":292},{"id":296,"text":"المسموع الظاهر فقط وقال تعالى: * (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) * أخبر تعالى أن الواجب علينا أن نكتفي بما يتلى علينا وهذا منع صحيح لتعديه إلى طلب تأويل غير ظاهره المتلو علينا فقط، وقال تعالى آمرا لنبيه (ص) أن يقول: * (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) * إلى منتهى قوله تعالى اتن اتبع الا ما يوحى الى.\rقال علي: ولو لم يكن إلا هذه الآية لكفت، لانه عليه السلام قد تبرأ من الغيب، وأنه إنما يتبع ما يوحى إليه فقط، ومدعي التأويل وتارك الظاهر تارك\rللوحي مدع لعلم الغيب، وكل شئ غاب عن المشاهد الذي هو الظاهر فهو غيب ما لم يقم عليه دليل من ضرورة عقل، أو نص من الله تعالى، أو من رسوله (ص)، أو إجماع راجع إلى النص المذكور وقال تعالى: * (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا فمن ابتغى حكما غير النصوص الواردة من الله تعالى في القرآن، وعلى لسان نبيه (ص)، فقد ابتغى غير الله حكما.\rوبين تعالى أن الحكم هو ما أنزل في الكتاب مفصلا، وهذا هو الظاهر الذي لا يحل تعديه وقال تعالى: * () * فنص تعالى على أن الباطل إنما يمتحى، وأن الحق إنما يصح بكلماته تعالى، فثبت يقينا أن الكلمات معبرات عما وضعت له في اللغة، وأن ما عدا ذلك باطل، فصح اتباع ظاهر اللفظ بضرورة البرهان.\rوقال تعالى: * (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره) *.\rقال علي: ومن ترك ظاهر اللفظ وطلب معاني لا يدل عليها لفظ الوحي فقد افترى على الله عز وجل، بنص الآية المذكورة.\rوقال تعالى: * () * وقال تعالى: * () * فنص تعالى على البيان، إنما هو القرآن وكلام النبي (ص) فقد فصح بذلك اتباع ما أوجب القرآن وكلامه عليه السلام، وبطلان كل تأويل دونهما وقال تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) *.\rقال علي: ففي هذه الآية كفاية لمن عقل أن لغة النبي (ص) التي","part":3,"page":293},{"id":297,"text":"خاطبنا بها، لا يحل أن نتعدى بألفاظها عن موضوعاتها إلى ما سواه أصلا.\rأخبرني يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري كتابا إلي، حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا\rخالد بن مخلد، حدثنا محمد بن جعفر قال: أخبرنا هشام، عن عروة، عن أبيه، قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ما كان رسول الله (ص) يتأول شيئا من القرآن إلا آيا بعدد أخبره بهن جبريل عليه السلام.\rقال علي: فإذا كان النبي (ص) لا يتأول شيئا من القرآن إلا بوحي فيخرجه عن ظاهرة التأويل، فمن فعل خلاف ذلك فقد خالف الله تعالى ورسوله (ص)، وقد نهى تعالى وحرم أن يقال عليه ما لم يعلمه القائل، وإذا كنا لا نعلم إلا ما علمنا، فترك الظاهر الذي علمناه وتعديه - إلى تأويل لم يأت به ظاهر آخر - حرام وفسق ومعصية لله تعالى، وقد أنذر الله تعالى وأعذر فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها.\rحدثنا حمام بن أحمد قال: حدثنا محمد بن يحيى بن مفرج، حدثنا ابن الاعرابي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر عن جعفر بن برقان قال: قال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا حدثت بالحديث عن رسول الله (ص) فلا تضرب له الامثال، وصدق أبو هريرة رضي الله عنه ونصح.\rوبالله تعالى التوفيق.\rفصل في الاوامر، أعلى الفور هي أم على التراخي قال القائلون: إن الاوامر على التراخي، وقال آخرون: فرض الاوامر البدار إلا ما أباح التراخي فيها نص آخر أو إجماع.\rقال علي: وهذا هو الذي لا يجوز غيره، لقول الله تعالى: * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) * وقال تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) * وقد قدمنا أن أوامر الله تعالى على الوجوب، فإذا أمرنا تعالى بالاستباق إلى الخيرات، والمسارعة إلى ما يوجب المغفرة، فقد ثبت وجوب البدار إلى ما أمرنا به ساعة ورود الامر","part":3,"page":294},{"id":298,"text":"دون تأخر ولا تردد، وقد شغب بعض المخالفين فقال: ليس في قوله تعالى: * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم في أن الاوامر واجب البدار إليها، لانه تعالى أمرنا بالمسارعة إلى المغفرة لا إلى الفعل.\rقال علي: وهذا مما يسر فيه هؤلاء القوم لعكس الحقائق، وقد أيقنا بقوله تعالى: * (هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) * أن أحدا لا يؤتى المغفرة إلا بعمل صالح يقتضي له وعد الله تعالى بالرحمة والمغفرة، وعلمنا ذلك يقينا أن مراد الله تعالى بقوله: * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) * إنما هو سارعوا إلى الاعمال الموجبة للمغفرة من ربكم إذ لا سبيل إلى المسارعة إلى المغفرة إلا بذلك، وهذا من الحذف الذي دلت عليه الحال، وإنما قلنا هذا لوجهين: أحدهما: النص الجلي الوارد في أنه لا يجزي أحد بمغفرة ولا غيرها إلا بحسب عمله.\rوالثاني: النص الوارد بأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وليس في وسع أحد المسارعة إلى المغفرة المجردة دون توسط عمل صالح، فهذان الظاهران نصا أن في تلك الآية حذفا دلت عليه الحال، فما كان مرتبطا بوقت واحد كصيام رمضان فقد جاء النص بإيجاب تأخيره إلى وقته، فإذا خرج الوقت فقد ثبت العجز عن تأديته كما أمرنا إلا بأن يأتي في شئ من ذلك نص آخر فيوقف عنده، وما كان مرتبطا بوقت فيه مهلة فقد جاء النص بإباحة تأخيره إلى آخر وقته، وإيجاب تأخيره إلى أول وقته، فإذا خرج الوقت فكل ما قلنا في الذي قبله ولا فرق، وذلك كأوقات الصلاة.\rوما لم يأت مرتبطا بوقت، ففرضه البدار في أول أوقات الامكان، إلا أن الامر به لا يسقط عن المأمور به لعصيانه في تأخيره، وكذلك ما كان مرتبطا بوقت له أول محدود لم يحد آخره، أو ما كان مرتبطا بوق ت محدود متكرر.\rفالنوع الاول: كقضاء صيام المريض والمسافر لايام رمضان، فذلك لازم\rفي أول أوقات القدرة عليه، فإن بادر إليه فقد أدى ما عليه وإن أخره لغير عذر كان عاصيا بالتأخير وكان الامر عليه ثابتا أبدا.\rوالنوع الثاني: كوجوب الزكاة، فإن لوقتها أولا وهو انقضاء الحول، وليس قبل ذلك أصلا، وليس لآخر وقتها آخر محدود، بل هو باق أبدا إلى وقت العرض","part":3,"page":295},{"id":299,"text":"على الله عز وجل، لان النص لم يأت في ذلك بانتهاء، والقول في المبادرة إلى أدائها وفي التأخير كما قلنا في النوع الذي قبله.\rوالنوع الثالث: كالحج فإنه مرتبط بوقت من العام محدود، وليس ذلك على الانسان في عام بعينه، بل هو ثابت على كل مستطيع إلى وقت العرض على الله عز وجل، والقول في البدار إليه أو تأخيره، كالقول في النوعين اللذين قبله.\rفإن قال قائل: فلم أجزتم صيام كفارة اليمين وقضاء رمضان غير متتابع، وكذلك صيام متعة الحج، وكذلك غسل الاعضاء في الوضوء، والغسل من الجنابة والجمعة، فأجزتم كل ذلك غير متتابع ؟.\rقيل له، وبالله تعالى التوفيق: إنا لم نفارق أصلنا الذي ذكرنا، ولا خالفنا النص في شئ من ذلك، لان الله تعالى إنما أوجب في الكفارة ثلاثة أيام، ومعنى ثلاثة أيام يوم ويوم ويوم، ولكل يوم حكمه.\rفإذا صام يوما فقد صام بعض فرضه، وأدى من ذلك فرضا قائما بنفسه، والصيام شئ آخر غير المبادرة، فإذا صام غير مبادر فقد أطاع في أداء الصوم، وعصى في ترك البدار، وهما فرضان متغايران لا يبطل أحدهما ببطلان الآخر، وإنما ذلك كمن صلى ولم يزك، فعليه معصية ترك الزكاة، وله أجر الطاعة بالصلاة، ولا تظلم نفس شيئا: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ئ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) *.\rوإنما كان يبطل أحدهما بترك الآخر، ولو جاء النص يربط أحدهما بالآخر،\rكربطه تعالى التتابع في صيام الظهار، وفي صيام كفارة القتل، فهذان إن لم يتابعا فلم يؤديا كما أمر الله تعالى، ولم يشترط التتابع في قضاء رمضان، ولا في الكفارات، ولا في متعة الحج، وأمر الله تعالى بالمسارعة إلى الطاعات، هو أمر بأن يكون فعلنا على تلك الصفة من المسارعة، فالمسارعة المأمور بها صفة لفعلنا، فمن تركها عصى وكان مؤديا لما أداه غير مسارع ما لم يشترط الوقت والتتابع، وأمره تعالى بالتتابع في صيام الظهار، وكفارة القتل، هو أمر بأن يكون ذلك الصيامان على هذه الصفة، فالمتابعة المأمور بها هنالك صفة للشهرين، فإذا لم يكونا متتابعين فليسا اللذين أمر الله تعالى بهما.\rوكذلك نقول في غسل الاعضاء في الوضوء وغسل الجنابة أنه غير مأمور","part":3,"page":296},{"id":300,"text":"بذلك، إلا إذا قام إلى الصلاة فقط، فمتى أراد صلاة تطوع أو صلاة فرض فهو قائم إلى الصلاة، ولم يخص تعالى بذلك القيام إلى الصلاة فرض دون القيام إلى صلاة تطوع، فله حينئذ أن يغتسل ويتوضأ، فإذا أتمها فله أن يؤخر التطوع ما شاء، وله تأخير الفرض بمقدار ما يدركها مع الامام، أو كان ممن عليه فرض حضورها في الجماعة، أو إلى آخر وقتها، إن كان ممن لا يلزمه فرض حضورها في جماعة، ثم لا يحل له تأخيرها أصلا أكثر.\rوأما من لا يريد صلاة، ولا يمكنه صلاة، كالحائض إثر الجماع، فقد صح عن رسول الله (ص) أنه طاف على جميع نسائه، واغتسل بين كل اثنتين منهن، فصح بهذا النص أن الغسل جائز تعجيله، وإن لم يرد الصلاة بعده، وبالله تعالى نتأيد فلما أبيح لنا ذلك كان المفرق والمتابع يقع على فعلهما اسم وضوء وغسل على السواء وقوعا مستويا، وكان في غسله عضوا من أعضائه بنية ما أبيح له من تعجله، مؤديا لفرض غسل ذلك العضو، ولكل عضو حكمه فمن فرق غسله أو وضوءه\rما لم يقم إلى الصلاة فلم يترك مسارعة أمر بها حتى إذا أراد القيام إلى الصلاة، إما مع الامام، وإما في آخر وقتها، ففرض عليه المسارعة إلى إتمام وضوئه وغسله.\rوكذلك قلنا في قضاء رمضان: إنه إنما أمر تعالى بأيام أخر، ولم يشترط فيها المتابعة، فمن بادر إلى صيامها فقد أدى فرض الصوم وفرض البدار، ومن لم يبادر وصام فقد أدى فرض الصوم، وعصى في ترك فرض المسارعة.\rوكذلك نقول فيمن لم يعجل تأدية زكاته في أول أوقات وجوبها، وفيمن أخر الحج عن أول أوقات الامكان، أنه إن حج وزكى بعد ذلك فقد أدى فرض الزكاة والحج، وعليه إثم المعصية بترك المسارعة، لا يسقط ذلك الاثم عنه أداء ما أدى من ذلك إلا في الموازنة يوم القيامة، يوم وجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا.\rقال علي: ومما يوجب أيضا فرض المبادرة إلى الطاعة، قول الله تعالى: * (والسابقون السابقون ئ أولئك المقربون) * وقد قال عليه السلام: لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالى أو كلاما هذا معناه، هذا وإن كان إنما أوجب أن يقول عليه السلام تأخر قوم عن الصف الاول لبعض الامر المكروه، فهو محمول على ظاهره ومقتضى لفظه على ما قد أثبتنا وجوبه في الفصل الذي قبل هذا","part":3,"page":297},{"id":301,"text":"قال علي: وقد سأل أبو بكر محمد بن داود - رحمة الله عليه - من أجاز تأخير الحج فقال: متى صار المؤخر للحج إلى أن مات عاصيا، أفي حياته فهذا غير قولكم أو بعد موته ؟ فالموت لا يثبت على أحد معصية لم تكن لازمة في حياته.\rقال علي: ونحن نزيد في هذا السؤال فنقول: وبعد الموت لا يأثم أحد إلا من سن سنة سوء يقتدى به فيها.\rفأجابه بعض المجيزين لذلك - وهو أبو الحسن القطان الشافعي - بأن قال: إنما كان له في التأخير بشرط أن يفعل قبل أن يموت، فلما مات قبل أن يفعل علمنا أنه\rلم يكن له مباحا التأخير.\rقال علي: ونحن نقول: إن أبا الحسن لم يحقق الجواب الشافي، وكان أدخل في الشغب لو قال: إنه إثم في آخر عام قدر فيه على الحج ولم يحج، كما قال الشافعي فيمن حلف بالطلاق، إن لم يطلق امرأته، إنها لا تطلق إلا آخر أوقات صحته التي كان فيها قادرا على الطلاق.\rقال علي: ونحن نجيب في هذين الجوابين معا ببيان لائح بحول الله وقوته فنقول: قال الله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * وإنما يلزم الله تعالى الاثم من ترك ما لم يعلم أنه ليس له تركه، أو قامت عليه بذلك حجة، أو عمل ما يعلم أنه ليس له أن يعمله، أو قامت عليه حجة بذلك، ولم يطلع الله أحدا على وقت منيته، ولا عرفه بآخر أوقات قدرته، ولا قامت عليه حجة في ذلك الوقت إلا ما قد قام في سائر الاحوال قبل ذلك، ولا حدث عليه من الاوامر إلا ما حدث قبل ذلك الوقت، فإن كان عاصيا في ذلك الوقت فهو عاص قبل ذلك الوقت، وإن لم يكن عاصيا قبل ذلك الوقت فليس عاصيا في ذلك الوقت، إلا بنص يخص ذلك الوقت، بوقوع المأثم فيه دون غيره، ومن فرق بين الاوقات بلا نص ولا إجماع، فقد قال بلا علم وذلك حرام.\rوأيضا فإن الله تعالى لم يكلف أحدا أن يعلم هل يموت قبل أن يؤدي ما عليه فيأثم، أو يعلم أنه لا يموت حتى يؤدي فيسقط عنه المأثم، وقول القطان يوجب أن الناس مكلفون ذلك، ويوجب أيضا أن يكون المستطيعون للحج المؤخرون له بلا عذر مختلفي الاحكام، فبعضهم آثم في تأخيره،","part":3,"page":298},{"id":302,"text":"وهذا مع ما فيه من التحكم بلا دليل، ومن تكليف المرء علم متى يموت، فمخالف لجملة مذاهب أصحابه في الفسخ في تأخير الحج جملة، وهو ممن لا يخالفها أصلا،\rولولا ذلك لشكرناه على خلافها ولم نلمه، وبالله تعالى التوفيق.\rفبقي سؤال أبي بكر رحمة الله عليه بحسبه.\rقال أبو محمد، ومما يبين أن الاوامر على الفور قوله تعالى: * (فلولا نفر من كل فأوجب تعالى قبول النذارة، وقال تعالى: * () * فأمر تعالى بالتوقف في قبول خبر الفاسق واستثناه من قبول النذارة، وليس إلا توقف أو بدار، ولا سبيل إلى قسم ثالث إلا الترك جملة، والتوقف هو أيضا ترك، فلما خص خبر الفاسق بالتوقف فيه، وأبانه بذلك عن خبر غير الفاسق، وجب البدار ضرورة إلى خبر العدل، فوجب الفور بالبرهان الضروري، وبطل الوقف إلا في خبر الفاسق.\rقال علي: ويكفي من ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف الرجل الصالح، قال: ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى البغدادي، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، ثنا عبد الله بن معاذ العنبري وقال: ثنا أبي، ثنا شعبة، عن الحكم، سمع علي بن الحسين عن ذكوان مولى عائشة أنها قالت: قدم رسول الله (ص) لاربع مضين من ذي الحجة أو خمس، فدخل علي رسول الله (ص) وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار ؟ قال: أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلوا.\rقال علي: فرفع هذا الحديث الشك جملة، وبين عليه السلام أن أمره كله على الفرض، وعلى الفور، وإن التردد حرام لا يحل، ونعوذ بالله العظيم من كل ما أغضب النبي (ص).\rفإن اعترضوا بمن بلغه المنسوخ ولم يبلغه الناسخ، قلنا: هو بمنزلة من لم يبلغه الامر في أنه لم يلزم حكما فلا يلام على تركه حتى يبلغه، ولا يعذب على تركه حتى يعمله - وبالله تعالى التوفيق - بل حكمه الثبات على ما بلغه من المنسوخ، لانه\rمأمور به جملة حتى يبلغه الناسخ، لقوله تعالى: * (لانذر كم به ومن بلغ) * فصح أن","part":3,"page":299},{"id":303,"text":"الذي بلغه من أمر الله تعالى في القرآن أو على لسان رسول الله (ص) هو اللازم، لقوله عز وجل: * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * حتى يبلغه الامر الناسخ، فحينئذ يسقط عنه المنسوخ ويلزمه الناسخ.\rوأما احتجاجهم بتأخيره عليه السلام الحج، فقد حج عليه السلام قبل الهجرة، ورآه جبير بن مطعم واقفا بعرفة، فأنكر جبير ذلك، لانه كان عليه السلام من الخمس الذين لا يقفون بعرفة، ويكفي من هذا كله أنا على يقين من أن الله تعالى أمره بتأخير الحج، حتى يعهد إلى المشركين ألا يقربوا المسجد الحرام، وإنما قطعنا على ذلك لقول الله تعالى آمرا أن يقول: * (ان اتبع الا ما يوحى الى فصح يقنا انه عليه السلام لا يفعل إلا ما يوحي إليه ربه عز وجل، فلما أخر الحج علمنا أنه فعل ذلك عليه السلام بوحي، وكان عليه السلام قد أعلمه ربه تعالى أنه لا يقبضه حتى يتم التعليم، ويكمل التبليغ، ويدخل الناس في دين الله أفواجا، وهذا يقتضي أنه لا يموت حتى يعلم الناس مناسكهم، وليس غيره عليه السلام كذلك.\rوأيضا فلا ندري متى نزل فرض الحج عليه لعله إنما نزل عليه إذ حج عليه السلام حجة الوداع، وهذا هو الاظهر، لانه لو نزل قبل ذلك لما آخر عليه السلام تعليم المناسك إلى حجة الوداع التي قال فيها: خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا أو كما قال عليه السلام، ويبين ذلك الحديث الطويل عن جابر، ففي أوله: ثم أذن رسول الله (ص) في العاشرة أن رسول الله (ص) حاج، فلو فرض الحج قبل ذلك لما أخر الاذان في الناس بوجوبه عليهم.\rوالحديث المأثور من طريق ابن عباس وأبي هريرة إذ خطب الناس فقال:\rإن الله فرض عليكم الحج فقال له قائل: - وقيل إنه الاقرع بن حابس - أفي كل عام يا رسول الله ؟ وهذا والله أعلم إنما كان في حجة الوداع.\rوقد أخبرت عائشة رضي الله عنها بما يدل على ذلك من خروجهم إلى الحج في ذلك العام، ينتظرون أمره عليه السلام، والوحي ينزل عليه، والاحكام التي نزلت في تلك الحجة من نسخ الحج لمن لم يسق الهدي، وأن يحل بمتعة، ومن","part":3,"page":300},{"id":304,"text":"إيجاب القران على من ساق الهدي، وسائر ما نزل في تلك الحجة من بيان شرائع الحج مما لم يكن نزل قبل ذلك، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله على محمد نبي الرحمة، وهادي الامة وسلم.\rفصل في الامر المؤقت بوقت محدود الطرفين في الامر المؤقت بوقت محدود الطرفين، متى يجب أفي أوله أم في آخره ؟ والامر المرتبط به بصفة ما، والامر المؤقت بوقت محدود الاول غير محدود الآخر، وفيه زيادات تتعلق بالفصل الذي أتممناه قبل هذا.\rقال علي: أما الامر المرتبط بوقت لا فسحة فيه فغير جائز تعجيل أدائه قبل وقته، ولا تأخيره عن وقته، وذلكم ما ذكرنا قبل هذا من صيام شهر رمضان، فإن جاء نص بالتعويض منه وأدائه في وقت آخر، وقف عنده، وكان ذلك عملا آخر مأمورا به، وإن لم يأت بذلك نص ولا إجماع، فلا يجوز أن يؤدى بشئ منه في غير وقته.\rوكذلك كل عمل مرتبط بوقت محدود الطرفين، كأوقات الصلوات وما جرى هذا المجرى، فلا يجوز أداء شئ من ذلك قبل دخول وقته، ولا بعد خروج وقته، ومن شبه ذلك بديون الآدميين لزمه أن يجيز صيام رمضان في شعبان قياسا على تعجيل ديون الناس قبل حلول أوقاتها، ولزمه أن يجيز تقديم الصلوات قبل وقتها\rقياسا على ذلك، وعلى ما أجازوا من تعجيل الزكاة قبل حلول وقتها، فبعضهم قال: بثلاثة أعوام، وبعضهم قال: بعام فأقل، وبعضهم قال: الشهر والشهرين ونحو ذلك، وبعضهم فرق متحكما، فأجاز تعجيل الزكاة التي في الاموال قبل الحول بشهر أو شهرين، ومنع من شهرين ونصف، وأجاز في تعجيل زكاة الفطر اليوم واليومين ومنع من ثلاثة أيام، وهذا قول يكفي من بطلانه سماعه، لانه حكم بلا إذن من الله عز وجل، وفرق بلا دليل.\rقال علي: ولا فرق بين ما أجاز أداء الامر بعد انقضاء وقته، وبين من أجازه قبل دخول وقته هذا على أن بعضهم قد أجاز للمريض الذي يخاف تغير عقله تعجيل الصلاة قبل وقتها، فإذا ادعوا أن الاجماع منعهم من ذلك أكذبهم قول","part":3,"page":301},{"id":305,"text":"ابن عباس، فإنه يجيز أداء الصلاة قبل دخول وقتها، وصلاة الظهر قبل زوال الشمس، ولا فرق في ديون الناس بين أدائها بعد وقتها وحلول أجلها، وبين أدائها قبل وقتها وحلول أجلها فليقولوا كذلك في جميع شرائع الله تعالى.\rقال علي: وبطلان هذا القياس سهل، فلو كان القياس حقا لكان في هذا المكان باطلا بحتا، بحول الله وقوته، فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن ديون الناس التي إلى أجل، لا يجوز لاحد أداؤها قبل حلول أوقاتها، ولا تأخيرها عن حلول أوقاتها إلا بإذن الذين لهم الديون ورضاهم، ولا خلاف في ذلك جملة، ولكن تناقض من تناقض في بعض ذلك، ولا خلاف في أن من كان له على أحد ثلاثة ديون من ثلاث معاملات، وكلها إلى آجال محددة، فأذن الذي له الدين في تعجيل أحد تلك الديون بعينه قبل الاجل، ورضي بذلك الغريم ثم أذن في تأخير آخر من تلك الديون بعينه بعد حلول أجله، فليس ذلك بموجب جواز تعجيل الدين الذي لم يأذن بتعجيله، ولا بمجيز تأخيره عن أجله هذا ما لا خلاف بين اثنين\rفيه، فإذا لم يكن إذن الناس فيما أذنوا فيه من تعجيل ديونهم أو تأجيلها، موجبا أن يقاس ما سكتوا عنه من سائر ديونهم على ما أذنوا فيه من تعجيل ديونهم، فذلك أبعد من أن تقاس ديون الله تعالى التي لم يأذن في تأجيلها، ولا في تعجيلها على ما أذن الناس فيه من تعجيل ديونهم وتأجيلها.\rقال علي: وهذا ما لا خفاء به على من له مسكة عقل، وأيضا فلا خلاف بين اثنين في أن من له دين فأسقطه البتة، ورضي الغريم بذلك، فإن ذلك الدين ساقط، فيلزمهم إذا أجازوا تأخير ديون الله تعالى عن أوقاتها، وتعجيل بعضها عن أوقاتها - وإن لم يأذن الله تعالى في ذلك - قياسا على جواز تأخير ديون الناس، وجواز تعجيلها إذا أذنوا في ذلك - بأن يجيزوا سقوط ديون الله تعالى بالبتة، وإن لم يأذن الله تعالى في ذلك، قياسا على سقوط ديون الناس بالبتة - إذا أذنوا في ذلك - وهذا أصح قياس وأشبه بقياسهم الذين حكوا، لو كان القياس حقا، والقياس بحمد الله تعالى باطل محض.\rقال علي: وأيضا فإن الزكوات والكفارات بالصدقات، وإن كان الله تعالى قد جعلها للمساكين، فليست من حكم ديون الناس في ورد ولا صدر، لان ديون","part":3,"page":302},{"id":306,"text":"الناس التي راموا تشبيه الزكوات بها، هي لاقوام بأعيانهم، فحكمهم جائز فيها، لانها مال متعين لهم، وموروث عنهم، وأما الزكوات والكفارات فليست لقوم من المساكين بأعيانهم، ولا هؤلاء المساكين بأولى بها من غيرهم من المساكين، فما كان هكذا فلا إذن لمن حضر من المساكين فيها لا بتعجيل ولا بتأجيل، ولا يستحقونها إلا بقبضها في أوقاتها، لا قبل ذلك ولا بعده.\rوبيان ذلك أنها لا تورث عنهم قبل قبضهم لها، ولا يجوز حكمهم فيها، ولا تصرفهم ولا إبراؤهم قبل قبضها، وكل هذا لا خلاف فيه، وإنما شبه رسول الله (ص)\rديون الناس بديون الله تعالى في شيئين لا ثالث لهما.\rأحدها: بقاء حكمها بعد الموت وبعد العجز.\rوالثاني: أداء الولي لها عن الميت فعصوا الله تعالى - أو من عصاه منهم - ورسوله (ص)، في الوجهين اللذين شبه رسول الله (ص) فيها ديون الناس بديون الله تعالى، وتركوهما معا، فقالوا: من مات وعليه حج أو زكاة أو صيام أو كفارات، فقد سقط وجوبها فيما ترك، ولا يقضى عنه إلا أن يأمر بذلك فيقضى عنه الزكاة والحج خاصة من الثلث، ويطعم عنه إن - أوصى بذلك - في الصيام فقط.\rثم شبهوا ديون الله بديون الناس فيما لا شبه فيه بينهما، وفيما لم يأذن به الله عز وجل، ومن شغب منهم بالحديث الذي روي من جمع زكاة الفطر في المسجد، ومبيت أبي هريرة عليها، فلا حجة لهم فيه، لانه لا يخلو ذلك الجمع المذكور من أحد وجهين لا ثالث لهما: أحدهما: أن تكون جمعت ولم تفرق حتى يأتي يوم الفطر الذي هو وقت أدائها، وليس هذا مخالفا لقولنا، ولو جاء وقت أدائها لما حل لمسلم أن يظن بالنبي (ص) أنه أخر إعطاءها - وهو عليه السلام إذ بقي عنده دينار لم يستحقه عليه أحد لم يأو إلى نسائه، ولا فارق المسجد ليلا ولا نهارا قلقا آسفا حتى يعطيه، فكيف يمنع أحدا حقا وقد وجب أداؤه، - ومن ظن هذا بالنبي (ص) فقد هذي.\rأو تكون أخرجت في وقتها ولا يحضر من يستحقها فانتظر النبي (ص) حضورهم كما كان يفعل بما اجتمع عنده عليه السلام من غنم الصدقة ونعمها، ولا يحل لمؤمن أن يظن بالنبي (ص) غير","part":3,"page":303},{"id":307,"text":"أحد هذين الوجهين.\rوبالله تعالى التوفيق، وليس في المذكور أنها أعطيت المساكين قبل يوم الفطر فبطل تشغيبهم به، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: فإذا كان حكم الاموال والعبادات ما ذكرنا، فلا خلاف في أن الوقت إنما معناه زمان العمل، وأنه لا يفهم من قول الله عز وجل ورسوله (ص): اعملوا عمل كذا في وقت كذا، وصلوا صلاة كذا من حين كذا إلى حين كذا - إلا أن هذا الزمان المحدود هو الذي أمرنا فيه بالعمل المذكور، فنقول حينئذ للمخالف: ما معنى خروج الوقت ؟ فلا بد ضرورة من أنه انقضاء زمان العمل، فإذا ذهب زمان العمل، فلا سبيل إلى العمل، إذ لا يتشكل في العقول كون شئ في غير زمانه الذي جعله الله تعالى زمانا له، ولم يجعل له زمانا غيره، وهذا من أمحل المحال وأشد الامتناع الذي لا يدخل في الامكان البتة.\rفإن قال قائل: كل وقت فهو لذلك العمل وقت.\rأبطل حكم الله تعالى ورسوله (ص) في حدهما الوقت، وتعدى حدودهما واستحق النار، وقد قال تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وتعدي الحدود على الحقوق، هو أن يحد الله تعالى وقتا فيتعداه مخلوق من الناس - دون نص ورد - إلى وقت آخر، وهذا غاية البيان وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا فإنهم لا يقدمون على إطلاق تمادي الوقت بعد خروج الوقت المنصوص.\rويقال لهم أيضا: أخبرونا عن هذا الذي تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فأمرتموه بإعادتها، أفي الوقت الذي رتبه الله تعالى أمرتموه بها ؟ أم في وقت لم يرتبه الله تعالى لها وقرنها به ؟ فإن قالوا في وقتها الذي رتبه الله تعالى لها، كفروا وكذبوا مجاهرة، وإن قالوا: بل في وقتها، أقروا بأنهم أمروا أن تؤدى الصلاة بخلاف ما أمر الله تعالى، ومن فعل شيئا بخلاف ما أمر الله تعالى به، فلم يفعل الذي أمر، بل فعل ما لم يؤمر به، فهو عاص في ذلك الفعل مرة ثانية، وإنما يأمرونه بمعصية وبأمر غير مقبول لقوله عليه السلام: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد فصح لما ذكرنا - صحة جلية - أن من أمره الله تعالى\rبأداء عمل ما، في وقت ما، فعمله في غير ذلك الوقت، فإنما عمل عملا لم يؤمر به،","part":3,"page":304},{"id":308,"text":"ومن أمر بعمله فقد شرع شريعة لم يأذن بها الله تعالى، بل قد نهى عنها، إذ نهى عن تعدي حدوده.\rولا يشك ذو حس أن صوم غد هو غير صوم اليوم، فمن أمره الله بصيام اليوم فأفطر عامدا للمعصية، ثم صام غدا، فإنما صام يوما لم يأمره الله تعالى بصيامه، فلا يكون ذلك قاضيا ما أمر به، ولا يؤدي أحد ما أمر به إلا كما أمر به، لا كما نهى، ولا فرق بين هذا وبين ما أمره الله تعالى بحركة إلى مكان ما، كالحج إلى مكة في ذي الحجة، فحج هو إلى المدينة في ذي القعدة فأي فرق بين هذا وبين من أمر بصيام في رمضان، فصام هو في شوال ؟ أو بصلاة ما بين زوال الشمس إلى زيادة الظل على مثل من يوم بعينه، فصلاها هو في وقت آخر من يوم آخر، وأي فرق بين هذا وبين من أمر أن يفعل فعلا في عين ما كنفقة على زوجة له مباح له وطؤها، ففعل هو ذلك الفعل في غير تلك المرأة، فهل هذا كله إلا غير الذي أمر به، وكل ذلك باب واحد، وطريق واحدة يجمعه كلها جمعا مستويا قوله تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) * وقوله عليه السلام: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وأي فرق بين تعلق الامر بالازمان وبين تعلقه بالاعيان أو بمكان دون مكان ؟.\rفإن قالوا: إنا قد وجدنا أوامر معلقة بزمان ينوب عنها تأدية ذلك العمل في زمان آخر.\rقيل له وبالله التوفيق: إذا جاء بذلك نص أو إجماع فقد علمنا أن الله عز وجل مد ذلك الوقت، وعلق ذلك الامر، بذلك الزمان الثاني، وجعله وقتا له، ونحن لا ننكر هذا، بل نقر به إذا أمرنا به، لا إذا نهينا عنه، وقد جاء مثل ذلك في الامكنة، كمن نذر صلاة في بيت المقدس، فإنه إن صلى بمكة أجزأه\rللنص في ذلك، ولا يجزي ذلك فيما لم يرد فيه نص، وكذلك من مات وعليه صيام لزم وليه أن يصوم عنه، للامر الوارد في ذلك، وكذلك من لم يحج أحج عنه من رأس ماله للنصوص الواردة في كل ذلك.\rفإن قالوا لنا: ما تقولون في الصلاة المنسية ؟ أو التي ينام عنها ؟ أكل وقت لها وقت ؟ قيل له، وبالله تعالى التوفيق: نعم كل وقت لها، ومتى ما صلاها","part":3,"page":305},{"id":309,"text":"فهو وقتها بنص كلام رسول الله (ص)، وكذلك السكران لقوله تعالى * () * فإن قالوا: فبأي شئ تأمرون من تعمد ترك صلاة حتى خرج وقتها، وتعمد ترك صوم رمضان في غير عذر - من سفر أو مرض أو غير ذلك مما جاء فيه نص أو إجماع ؟ قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق: نأمرهم بما أمرهم به ربهم عز وجل إذ يقول: * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * وبما يقول لهم نبيهم (ص) إذ يقول: إن من فرط في صلاة فرض جبرت يوم القيامة من تطوعه وكذلك الزكاة وكذلك سائر الاعمال، فأمره بالتوبة والندم والاستغفار والاكثار من التطوع، ليثقل ميزانه يوم القيامة، ويسد ما ثلم منه، وأما أن نأمره بأن يصلي صلاة ينوي بها ظهرا، لم يأمره الله عز وجل به أو عصرا لم يأت به نص، أو نأمره بصيام يوم على أنه من رمضان وهو من غير رمضان فمعاذ الله من ذلك.\rفإذن كنا نكون متعدين بين يدي الله تعالى ورسوله (ص) وآمرين له بأن يعمل غير ما أمره الله تعالى به بل ما قد نهاه عنه.\rثم نسألهم فنقول: هذا الذي تعمد ترك صلاة أو صوم، ثم أمرتموه بقضائه أقضى ما أمره الله تعالى من ذلك كما أمر أم لا ؟ فإن قالوا: نعم كذبوا، وهم لا يقولون ذلك، وإن قالوا: لا أقروا بأنهم أمروه أن يؤدي العمل على غير\rما أمره الله تعالى به فإن سألونا بمثل ذلك في ناسي الصلاة والنائم عنها، والمفطر لسفر أو مرض ؟ قلنا لهم: قد أدى ما أمره الله تعالى به كما أمره، وفي الوقت الذي أمره الله تعالى به، ولا ندري أقبل منه أم لا ؟ وكذلك كل عمل يعمله في وقته ولا فرق، ولو صح الحديث في إيجاب القضاء على عامد الافطار لقلنا به، ولكنه لم يصح إنما رواه عبد الجابر بن عمر، ومن هو مثله في الضعف، فإن قالوا: أنتم تأمرون الولي بأن يصوم عنه إن مات، ولا توجبون عليه أن يصوم عن نفسه.\rقال علي: فنقول: كذبتم، إنما قلنا كما قال رسول الله (ص): من مات وعليه صيام صام عنه وليه ومعنى عليه صيام، عليه أن يصوم، لان الصيام مصدر، تقول: صام يصوم صياما وصوما، فإنما هذا فيمن مات وعليه أن يصوم","part":3,"page":306},{"id":310,"text":"- وإنما ذلك النادر - والذي فرط في قضاء رمضان أفطره السفر أو مرض، فأما العامد للفطر بغير عذر فليس عليه صيام، وإنما عليه إثم ترك الصيام، وفي هذا كفاية لمن عقل، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وكل أمر علق بوصف ما، لا يتم ذلك للعمل المأمور به إلا بما علق به فلم يأت به المأمور كما أمر، فلم يفعل ما أمر به فهو باق عليه كما كان، وهو عاص بما فعل، والمعصية لا تنوب عن الطاعة، ولا يشكل ذلك في عقل ذي عقل، فمن ذلك: من صلى بثوب نجس أو مغصوب وهو يعلم ذلك، ويعلم أنه لا يجوز له ذلك الفعل، أو صلى في مكان نهي عن الاقامة فيه كمكان نجس، أو مكان مغصوب، أو في عطن الابل، أو إلى قبر، أو من ذبح بسكين مغصوبة، أو حيوان غيره بغير إذن صاحبه، أو توضأ بماء مغصوب، أو بآنية فضة، أو بإناء ذهب، فكل هذا لا يتأدى فيفرض، فمن صلى كما ذكرنا فلم يصل، ومن توضأ\rكما ذكرنا فلم يتوضأ، ومن ذبح كمذكرنا فلم يذبح وهي ميتة لا يحل لاحد أكلها لا لربها ولا لغيره، وعلى ذابحها ضمان مثلها حية، لانه فعل كل ذلك بخلاف ما أمر.\rوقال عليه السلام: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.\rقال علي: وقد نهاه الله تعالى عن استعمال تلك السكين، وعن ذبح حيوان غيره بغير إذن مالكه، وعن الاقامة في المكان المغصوب، وأمر بالاقامة للصلاة، وبتذكية ما يحل أكله، وبضرورة العقل، علمنا أن العمل المأمور به هو غير العمل المنهي عنه، ولا يتشكل في العقل غير ذلك، فذبحه حيوان غيره أو بسكين مغصوبة ليس هو التذكية المأمور بها، فإذا لم يذك كما أمر فلم يحل بذلك العمل المنهي عنه أكل ما لا يحل أكله إلا بالتذكية المأمور بها، ولا شك في أن إقامته في المكان المغصوب ليست الاقامة المأمور بها في الصلاة، ولو كان ذلك لكان الله عز وجل آمرا بها، ناهيا عنها إنسانا واحدا، في وقت واحد، في حال واحدة، وهذا مما قد تنزه الحكيم العليم في إخباره تعالى أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وليس اجتناب الشئ والاتيان به في وقت واحد في وسع أحد، فصح ما قلنا، وبالله التوفيق.\rوقد عارض في هذا بعض أهل الاغفال بمن طلق أو أعتق في مكان مغصوب، أو صبغ لحيته بحناء مغصوبة، أو تعلم القرآن في مصحف مغصوب.","part":3,"page":307},{"id":311,"text":"قال علي: وهذا الاعتراض يبين جهل المعترض به، لان الطلاق والعتاق والبيع والعطايا والصدقات لفظ لا يقتضي إقامة مأمورا بها، بل مباح له أن يطلق ويفعل كل ذلك، وهو يمشي أو وهو يسبح في الماء، فليس مرتبطا بالاقامة في المكان، والصلاة لا بد لها من إقامة إلا في حالة المسابقة أو الضرورة، فمن اضطر إلى الاقامة في مكان مغصوب فصلاته فيه تامة، لانه ليس مختارا للاقامة هناك، والصابغ بالحناء بعد إزالة الحناء ليس هو مستعملا في تلك الحال لشئ مغصوب، وأما\rلو صلى وهو مختضب بها لبطلت صلاته لفعله فيها ما لا يحل له، وأما تعلم القرآن فليس مرتبطا بجنس المصحف، وقد يتعلم المرء تلقينا، ثم أيضا هو في حال حفظه غير مستعمل لشئ مغصوب، وكذلك في قراءاته ما حفظ في صلاته، وبالله التوفيق.\rوبالجملة فلا يتأدى عمل إلا كما أمر الله تعالى، أو كما أباح، لا كما نهى عنه، وبالله تعالى التوفيق، وكل عمل لا يصح إلا بصحة ما لا يصح، فإن ذلك العمل لا يصح أبدا، وكل ما لا يوجد إلا بعد وجود ما لا يوجد، فهو غير موجود أبدا، وكل ما لا يتوصل إليه إلا بعمل حرام فهو حرام أبدا، وكل شئ بطل سببه الذي لا يكون إلا به فهو باطل أبدا، وهذه براهين ضرورية معلومة بأول","part":3,"page":308},{"id":312,"text":"الحس، وبديهة العقل، ومن خالف فيها فهو سوفسطائي، مكابر للعيان، وبالله التوفيق.\rقال علي: وقد أشار قوم من إخواننا إلى أنه لا يقبل تطوع من عليه فرض.\rقال علي: وهذا إذا أجمل دون تفسير أو خطأ، وذلك أن الحديث قد صح عن النبي (ص) أن الله تعالى يجيز صلاة من لم يتم فرض صلاته بتطوع إن كان له وكذلك الزكاة، وكذلك سائر الاعمال.\rقال علي: والصحيح في هذا الباب أن كل فرض تعين في وقت لا فسحة فيه، فإنه لا يجزي أحدا أداه غيره في ذلك الوقت، وذلك كإنسان أراد صيام نذر عليه، أو تطوع في شهر رمضان وهو مقيم صحيح، فهذا لا يجزيه، أو كإنسان لم يبق عليه من وقت الصلاة إلا مقدار ما يدخل فيها فقط، فهذا حرام عليه أن يتطوع أو يقضي صلاة عليه، أو يصلي صلاة نذر عليه، حتى تتم التي حضر وقتها بلا مهلة ولا فسحة، فإن قضى حينئذ صلاة فاتته لم تجزئه، وعليه قضاؤها ثانية، وكذلك إن صلى صلاة نذر عليه، وليس كذلك من لزمته زكاة، ولم يبق من ماله إلا قدر ما يؤدي ما وجب عليه منها فقط، إلا أن له غنى بعد ذلك، فهذا يجزئه أن يتصدق\rبما شاء منه تطوعا، وأن يؤدي منه نذرا، بخلاف ما ذكرنا قبل، لان الزكاة في ذمته، لا في عين ما بيده.\rوكذلك من أحاطت بماله ديون الناس - حاشا بعد الموت - لان النص منع من ذلك، ولم يجعل وصية ولا ميراثا إلا بعد الدين.\rولكن من حضره وقت الحج وهو مستطيع، فلا يجزئه أن يحج تطوعا ولا نذرا قبل أداء الفرض، وكذلك العمرة، لان النبي (ص) قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، فالمستطيع للحج مأمور بأدائه حينئذ، ومن حضر رمضان فهو مأمور بصيامه لرمضان، ومن لم يبق عليه من وقت صلاته إلا مقدار ما يدخل فيها فهو مأمور بالدخول فيها، فإذا فعل غير ما أمر به فهو رد بنص كلام رسول الله (ص) وليس كذلك من لم يبق بيده من ماله إلا مقدار الزكاة، أو مقدار ديون الناس، لانه ليس مأمورا بأداء ذلك مما بيده، ولا بد لانه لو استقرض مالا فأدى منه الزكاة التي عليه، وديون الناس التي عليه أجزأه ذلك بلا خلاف، ولم يجز للقاضي أن يلزمه الاداء من ماله ولا بد، والصلاة والحج والصيام في أوقاتها بخلاف ذلك.","part":3,"page":309},{"id":313,"text":"وأما إذا دخل وقت الصلاة وفيه مهلة بعد، فلا خلاف بين أحد من المسلمين في جواز التطوع حينئذ، وبهذا جاءت النصوص، وأما من سافر في رمضان، أو مرض فهو غير مأمور بصيامه لرمضان، وغير منهي عن صيامه لغير رمضان، فله أن يصومه لما شاء من نذر، أو تطوع أو قضاء واجب، وأما من عليه صلوات نسيها أو نام عنها، وعليه قضاء رمضان سافر فيه أو مرض فأفطر، فإن وقت هذه الصلوات وقت قضاء هذا الصوم ممتدا أبدا، فإن أخر قضاء ذلك وهو قادر غير معذور فهو عاص بالتأخير فقط، وذلك لا يسقط عنه قضاء ما لزمه قضاؤه من ذلك، فهذا والصلاة التي دخل وقتها سواء، فإن تطوع بصلاته أو\rصيام لم يضع له ذلك عند الله تعالى، لان وقت ما لزمه ممتد بعد فلا يفوته.\rوبالله تعالى التوفيق، ومما يبين هذا حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانت تكون على الايام من قضاء رمضان، يعني من قضاء أيام حيضها، ولا أستطيع أن أقضيها إلا في شعبان، لشغلي برسول الله (ص) أو كلاما هذا معناه.\rقال علي: وهذا مما قد أيقنا أن رسول الله (ص) علمه وأقر عليه، لانه لا يجوز أن تحيض إلا وهو يعلم ذلك، لانها كانت لها ليلتان من تسع، ولا يمكن أن يغفل عليه السلام أمرها بتعجيل القضاء لو كان الفرض لا يجزئ إلا بتعجيله، وقولها لا أستطيع، أوضح عذر، وهذا نص ما قلنا وبيانه.\rومما يبين صحة ما قلنا آنفا، من أن الزكاة وديون الناس وسائر فرائض الاموال إنما هي واجبة في ذمة المرء، لا في عين ما بيده من المال، أنه لو كانت واجبة في عين ما بيده من المال، ثم تلف ذلك المال لسقطت عنه تلك الحقوق، وهذا باطل، وأيضا فإنه مما لا يقوله مسلم، فلما لم تسقط الحقوق المذكورة بذهاب جميع عين المال، صح يقينا أنها في ذمته، وإنما يصير ما له لغيره بأحد وجوه أربعة أوجبها النص وهي: أداؤه من ماله، أو قبض من له حق حقه مما ظفر منه من ماله، أو قضاء الحاكم بما له للغرماء فيما لزمه من الحقوق، أو بموته فقط.\rوكان يكفي من هذا الحديث الصحيح: عن النبي (ص) بأمره بإكفاء القدور وهي تفور باللحم الذي عجل أصحابه رضي الله عنهم، فذبحوا من","part":3,"page":310},{"id":314,"text":"المغنم قبل القسمة، فلو جاز أكل ذلك اللحم لما أمر عليه السلام بإكفاء القدور وهي تفور.\rوقد روي من طريق أخرى أنه عليه السلام جعل يرمله بالتراب ويقول: إن النهبة ليست بأحل من الميتة أو كلاما هذا معناه، فإن اعترضوا بحديث الشاة\rالتي روي أنه عليه السلام قال فيها: إني لاجد طعم لحم أخذ بغير إذن أهله، أو كلاما هذا معناه، قال: ثم أمر عليه السلام بإطعامه للاسارى، فهذا حديث لا يصح لانه إنما روي من طريق رجل من الانصار، ولم يأت من غير هذه الطريق أصلا فسقط الاحتجاج به، وهرقه عليه السلام اللحم من القدور في الارض، مع نهيه عليه السلام عن إضاعة المال، دليل واضح على أنه لا يحل أكله وهذا نص قولنا.\rوبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وأما العمل المأمور به في وقت محدود الطرفين، قد ورد النص بالفسحة في تأخيره - فإنه يجب بأول الوقت، إلا أنه قد أذن له في تأخيره، وكان مخيرا في ذلك وفي تعجيله، فأي ذلك أدى فقد أدى فرضه، إلا أنه يؤجر على التعجيل لتحصيله العمل، واتهمه به، ولا يأثم على التأخير لانه فعل ما أبيح له، وذلك مثل تأخير المرء الصلاة إلى آخر وقتها الواسع، ولذلك أسقطنا الملامة والقضاء عن المرأة تؤخر الصلاة عن أول وقتها فتحيض فعلت ما أبيح لها، ومن فعل ما أبيح له فقد أحسن.\rوقال تعالى: * (ما على المخسنين من سبيل) * فسقطت الملامة.\rوقد أخر عليه السلام الصلاة إلى آخر وقتها، فصح بذلك أن ذلك جائز مباح حسن، وإن كان التعجيل أحسن، وسقط القضاء عنها لخروج الوقت، لانه يؤدي عمل إلا في وقته المأمور به، كما أسقط خصومنا - موافقين لنا - القضاء عن المغمى عليه أكثر من خمس صلوات، وبعضهم أسقطها عن المغمى عليه صلاة فما فوقها.\rوأما كل عمل محدود الطرف الاول غير محدود الطرف الآخر، فإن الامر به ثابت متجدد وقتا بعد وقت، وهو ملوم في تأخيره، لانه لم يفسح له ذلك، وكلما أخره حصل عليه اسم التضييع، وإثم الترك لما أمر به.\rفإن أداه سقط عنه إثم الترك، وقد استقر عليه إثم ترك البدار.\rولا يسقطه عنه إلا ربه تعالى بفضله","part":3,"page":311},{"id":315,"text":"إن شاء - لا إله إلا هو - كسائر ذنوبه التي لا بد من الموازنة فيها، لان الاداء والتعجيل فعلان متغايران كما قدمناه، وقد يؤدي من لا يعجل، فصح أنهما شيئان متغايران، وكذلك القول في ديون الناس، فإن المماطل الغني آثم بالمطل، وآثم بمنع الحق، فإذا أدى الحق يوما ما سقط عنه المنع، وقد استقر إثم المطل عليه فلا يسقط عنه بالاداء، لان المنع والمطل شيئان متغايران، وقد يؤدي ولا يمنع من قد مطل.\rولذلك قلنا، فيمن غصب مالا فلم يؤده إلى صاحبه حتى مات المغصوب منه ثم أداه إلى ورثته: إنه باق عليه إثم الغصب من الميت، وإنما سقط عنه إثم الغصب من الوارث وهو الثاني، لانه لا شك عند كل ذي عقل أن ظلمه لزيد الموروث غير ظلمه لعمرو الحي الوارث.\rوقد انتقل ملك المال إلى الوارث، وملك الوارث لذلك المال غير ملك المورث له، هذا شئ يعلم بضرورة العقل وبديهة الحس.\rفإن أحدث الغاصب ظلما ثانيا لهذا الحي، فهو عمل آخر، وإثم متجدد، فإن رد إليه ماله فقد سقط عنه إثم ظلمه إياه، ولا يسقط ما وجب لزيد من الحق في حياته إنصاف هذا الغاصب لعمرو بعد موت زيد، وكذلك لو مات الغاصب فصرف المال وارثه، فإنما سقط الاثم عن الوارث الصارف، لا عن الميت الغاصب، لان عمل زيد لا يلحق عمرا إلا بنص أو إجماع، قال الله عز وجل: * (ولا تكسب كل نفس الا عليها) * وقال تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) * اللهم إلا أن يرد نص بأن عمل زيد يلحق عمرا بعد موته أو في حياته، فنقر بذلك سامعين طائعين، كالصيام عن الميت والحج عنه وأداء ديونه، فلو أمر الميت أن يرد ما غصب في حياته كان قد تبرأ أو سقط عنه إثم الامساك، وبقي عليه إثم المطل، لان كل ذلك أعمال متغايرة، فلو تطوع امرؤ برد دين أو غصب عن ميت وجعل الاجر للميت لكان ذلك لاحقا بالميت ومرد عنه على حديث أبي قتادة،","part":3,"page":312},{"id":316,"text":"وإنما نقول ما قال لنا الله تعالى ورسوله (ص) ونعلم ما علمناه ولا مزيد، وبالله التوفيق.\rوأصحاب القياس يتناقضون في المسائل التي ذكرنا أقبح تناقض، فيجيزون قضاء الحج إذا وصى به، ولا يجيزون قضاء الصوم إذا أوصى به، ويجيزون تقديم الصلاة قبل وقتها للمريض إذا خشي على عقله، وفي ليلة المطر، ولا يقيسون على تقديم العتمة قبل ليلة المطر - تقديم العصر قبل وقتها يوم المطر ولا تقديم الظهر قبل وقتها.\rفإن قالوا: الوقت مشترك بين العتمة والمغرب لزمهم أن يجيزوا تقديم العتمة إلى وقت المغرب لغير ضرورة، لانه وقتها، ومن صلى الصلاة في وقتها فقد أحسن، ولزمهم تقديم العصر إلى الظهر بغير ضرورة لذلك أيضا، وقد قال بذلك ابن عباس وجماعة من السلف رضي الله عنهم، ولسنا نقول بذلك إلا في يوم عرفة فقط، لانه لم يأت في ذلك نص غيره، فظهر عظم تناقضهم.\rولقد شاهدت بعض أهل مساجد الجانب الشرقي بقرطبة أيام تغلب البربر عليها، يستفتون شيوخ المالكيين في تعجيل العتمة قبل وقتها خوف القتل، إذ كان متلصصة البرابر يقفون لهم في الظلام في طرق المسجد، فربما أوذوا إيذاء شديدا - فما فسحوا لهم في ذلك، ولم يقيسوا ضرورة خوف الموت على ضرورة خوف بلل الثياب في الطين، وهذا كما ترى، وبالله تعالى التوفيق.\rوقال قوم: إن العمل المأمور به في وقت محدود الطرفين هو في أول الوقت ندب وفي آخره فرض.\rقال علي: وهذا خطأ فاحش لانه لو كانت تأديته في أول الوقت ندبا لما أجزأه ذلك، لان الندب غير الفرض، ولا ينوب عمل عن عمل آخر غيره من غير نوعه إلا بنص، ولكن هذا بمنزلة الاشياء المخير فيها في الكفارات أيها أدى فهو فرضه، وكذلك من صلى أول الوقت فقد أدى فرضه، وإن صلى في وسطه فقد أدى فرضه،\rوإن صلى في آخره فقد أدى فرضه، فإن قال الآمرون من تعمد ترك صلاة حتى خرج وقتها بالقضاء: إنما فعلنا ذلك قياسا على قضاء الصلاة المنسية، والتي نيم عنها.\rقيل لهم، وبالله تعالى التوفيق: أكثركم لا يرى على الحالف على الحنث عمدا كفارة، ولا على القاتل عمدا كفارة، قياسا على المخطئ غير المعتمد، وهذا","part":3,"page":313},{"id":317,"text":"تناقض منكم، وحتى لو طردتم خطأكم لكان ذلك زيادة في الخطأ، لان القياس عن القائلين به إنما هو الحكم للشئ بحكم شئ آخر لعلة جامعة بينهما، ولا علة تجمع بين الناسي والعامد، وهذا هو قياس الشي على ضده، لا على نظيره، وهذا خطأ عندكم وعند جميع الناس، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في موافقة معنى الامر لمعنى النهي قال علي: النهي مطابق لمعنى الامر لان النهي أمر بالترك، وترك الشئ ضد فعله، وليس عن الشئ أمرا بخلافه الاخص، ولا بضده الاخص، وتفسير الضد الاخص أنه المضاد في النوع، وتفسير الضد الاعم أنه المضاد في الجنس، فإذا قلت للانسان لا تتحرك فقد ألزمته السكون ضرورة، لانه لا واسطة بين الضد الاعم، وبين ضده، فمن خرج من أحدهما دخل في الآخر، وهذا الذي سميناه في كتاب التقريب المنافي، وأما من نهيته عن نوع من أنواع الحركة فليس ذلك أمرا بضده، مثال ذلك: لو قلت لآخر: لا تقم فإنك لم تأمره بالجلوس ولا بد، لان بين الجلوس والقيام وسائط من الاتكاء والركوع والسجود والانحناء والاضطجاع، فأيها فعل فليس عاصيا لك في نهيك إياه عن القيام وكذلك لو قيل لانسان: لا تلبس السواد فليس في ذلك إيجاب لباسه البياض ولا بد، بل إن لبس الحمرة والصفرة أو الخضرة، لم يكن بذلك عاصيا، بل يكون مؤتمرا في تركه السواد، وبالله تعالى التوفيق.\rوأما الامر: فهو نهي عن فعل كل ما خالف العمل المأمور، وعن كل ضد له خاص أو عام، فإنك إذا أمرته بالقيام فقد نهيته عن القعود والاضطجاع والاتكاء والانحناء والسجود، وعن كل هيئة حاشا القيام، وإنما كان هكذا لان ترك أفعال كثيرة مختلفة في وقت واحد واجب موجود ضرورة، لان من قام فقد ترك كل فعل خالف القيام كما أخبرنا في حال قيامه.\rوأما الاتيان بأفعال كثيرة في وقت واحد، وهي مختلفة متنافية ومتضادة، فمحال لا سبيل إليه ألا ترى من سافر فإنما يمشي إلى جهة واحدة وهو تارك لكل جهة غير التي توجه نحوها، ولا يمكنه أن يتوجه إلى جهتين في وقت واحد بفعله","part":3,"page":314},{"id":318,"text":"نفسه.\rوتخالف أيضا بنية النهي بنية الامر في وجه آخر، وهو أن ما ورد نهيا بلفظ أو فهو نهي عن الجميع، مثل قوله تعالى: * (فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا) * ومثل قولك لا تقتل زيدا أو عمرا أو خالدا، فهو يقتضي النهي عن قتلهم كلهم، وما ورد أمرا بلفظ، أو فهو تخيير في أحد الاقسام المذكورة مثل قولك: كل خبزا أو تمرا أو لحما، وخذ هذا أو هذا.\rوالنهي يقتضي اجتناب المنهى عنه، كما أن الامر يقتضي إتيان المأمور به، وقد بينا أن النهي عن الشئ أمر بتركه، والامر بالترك يقتضي وجوب الترك، وبينا أن الامر بالشئ نهي عن تركه، فالنهي عن الترك يقتضي الفعل الذي بوقوعه يرتفع تركه، وبالله تعالى التوفيق.\rوقد اعترض في هذا بعض أهل الشغب فقال: لو كان الامر بالشئ نهيا عن تركه، أو كان النهي عن الشئ أمرا بتركه، لكان العلم بالشئ جهلا بضده.\rقال علي: وحكاية هذا الكلام الساقط تغني عن تكلف الرد عليه، لانه رام التشبيه بين ما لا تشابه بينه، وهو بمنزلة من قال: لو كان الموت ضد الحياة لكان السمع ضد البصر، ومثل هذا من الغثائث ينبغي لمن كان به رمق أن يرغب بنفسه\rعنه، ولكن من لم يعد كلامه من عمله كثرت أهذاره، ومن لم يستح فعل ما شاء، وأما العلم بالشئ، فهو على الحقيقة عدم العلم بضده، لان علمك بأن زيدا حي، وهو عدم العلم، وبطلان العلم بأنه ميت، وقول القائل: لا نأكل لا شك عند كل ذي حس أن معناه: اترك الاكل ولا فرق.\rوهذا من المتلائمات.\rوقد أفردنا لهذا بابا في كتاب التقريب وبطل مما ذكرنا قول من قال: النهي نوع من أنواع الامر، وقول من قال: الامر نوع من أنواع النهي وصح أن كل أمر فهو أيضا نهي، وكل نهي فهو أيضا أمر.\rفإن قال قائل: قد يرد أمر ليس فيه نهي عن شئ أصلا، وهو أمر الاجابة.\rوقال آخر: قد يرد نهي ليس فيه معنى من الامر أصلا، وهو نهي عن الاختيار للترك.\rقال علي: كلاهما مخطئ، أما الامر بالاباحة فإنما معناه إن شئت افعل، وإن شئت لا تفعل، فليس مائلا إلى الامر إلا كميله إلى النهي ولا فرق، وكذلك القول في نهي الاختيار للترك، وهو الكراهية ولا فرق، وهكذا أمر الندب ولا فرق، وفيه معنى إباحة الترك موجود، وبالله تعالى التوفيق.","part":3,"page":315},{"id":319,"text":"فصل في الامر هل يتكرر أبدا أو يجري منه ما يستحق به المأمور اسم فاعل لما أمر به.\rقال علي: اختلف الناس في الامر، إذا ورد بفعل ما، هل يخرج من فعله مرة عن اسم المعصية، أو يتكرر عليه الامر أبدا فيلزمه التكرار له ما أمكنه، فبكلا القولين قال القائلون.\rقال علي: والصواب أن المطيع غير العاصي، ومحال أن يكون الانسان مطيعا عاصيا من وجه واحد.\rفمن أمر بفعل ما ولم يأت نص بإيجاب تكراره، ففعله فقد استحق اسم مطيع، وارتفع عنه اسم عاص بيقين، وكل شئ بطل\rفلا يعود إلا بيقين من نص أو إجماع.\rوإنما تكلم في هذه المسألة القائلون بقول الشافعي رحمه الله، في تكرار الصلاة على النبي (ص) في كل صلاة، لاجل قوله تعالى: * (يايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) *.\rقال علي: ولو كان ما احتجوا به من وجوب التكرار صحيحا، لما كان موضع الجلوس الآخر من الصلاة أحق به من القيام والسجود وسائر أحوال الانسان، وهم إنما أوجبوا ذلك بعد التشهد الاخير من الصلاة فقط.\rوقد ورد حديث في لفظه إبعاد لمن ذكر عنده رسول الله (ص)، فلم يصل عليه، فإن صح لقلت هو فرض متى ذكر عليه السلام، وإن لم يصح فقد صح أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، ولا يزهد في هذا إلا محروم، والذي يوقن فهو أنه من يرغب عن الصلاة على رسول الله (ص)، وعن السلام عليه، فهو كافر مشرك، ومن صلى عليه وسلم ثم ترك غير راغب عن ذلك، ولكن عالم بأنه مقصر باخس نفسه حظا جليلا - فلا أجر له في ذلك ولا إثم عليه.\rفإن قالوا: فما تقولون في الجهاد ؟ قلنا: قد صح أن الجهاد فرض علينا إلى أن لا يبقى في الدنيا إلا مؤمن أو كتابي يغرم الجزية صاغرا بأمر الله تعالى لنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، ويؤمن المشركون كلهم، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويعطي أهل الكتاب الجزية وهم صاغرون.\rفالقتال ثابت","part":3,"page":316},{"id":320,"text":"علينا أبدا، حتى يكون ما ذكرنا، وحسبنا أنه فرض على الكفاية، وتركه للمطبق مكروه ما لم يقو للعدو، أو لم يستنفر الامام، فأي ذلك كان، فالجهاد فرض على كل مطيق في ذات نفسه متعين عليه.\rويبطل قول من قال بالتكرار: أنه لو كان قوله صحيحا، للزم من سلم عليه\rأن يرد أبدا، ولا يمسك عن تكرار الرد، لقوله تعالى: * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوها إن الله كان على كل شئ حسيبا) * ولا خلاف في أن بمرة واحدة يخرج من فرض الرد.\rوأما الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمنكر الذي يرى غدا غير المنكر الذي يرى اليوم، وفرض علينا تغيير كل منكر، وكذلك القول في الامر بالمعروف، لان المعروف الذي يأمر به غدا غير الذي أمر به اليوم، وقد جاء النص مبينا بقوله (ص): من رأى منكم منكرا فليغيره ومما يبطل قول من قال بالتكرار قوله تعالى: * (فريه مسلمه الى أهل وتحرير رقبة مؤمنة) * وأمره تعالى بأداء الزكاة، وما أشبه ذلك، لا يلزم تكراره إلا ما جاء النص مبينا بإيجاب تكراره، وإلا فوفاء واحد يجزي، ودية واحدة، ورقبة واحدة.\rقال علي: وقد احتج على القائلين بالتكرار بعض من سلف، ممن يقول بأنه يخرج المأمور بذلك بفعله مرة واحدة، بأن قال لما أجمع الناس على أن التكرار لا يلزم حتى يمتنع المرء من الاكل والنوم والنظر في أسبابه، فلما صح ذلك لم يكن من حد في ذلك حدا أولى ممن حد حدا آخر، فوجب أنه يخرج من المعصية بفعل ما أمر بفعله مرة، واحتجوا أيضا بقوله عليه السلام إذ سئل عن الحج أفي كل عام ؟ فقال عليه السلام: دعوني ما تركتكم قالوا: فلو كان الامر يجب تكراره لما أنكر عليه السلام على السائل عن الحج أفي كل عام ؟ لانه كان يكون واضعا للسؤال موضعه، أو سائلا تخفيفا عما يقتضيه اللفظ، ولكن رسول الله (ص) خشي أن يكون سؤاله موجبا لنزول زيادة على ما اقتضاه لفظ الامر بالحج، فيدخل ذلك السائل في جملة من ذم رسول الله (ص) بقوله أعظم الناس جرما في الاسلام من سأل عن أمر لم يحرم فحرم من أجل مسألته.\rقال علي: وهذا احتجاج صحيح ظاهر.\rقال علي: وقد تعلق بالتكرار من قال بإيجاب التيمم لكل صلاة.","part":3,"page":317},{"id":321,"text":"قال أبو محمد: وهذا خطأ، لان نص الآية لا يوجب التيمم إلا على من أحدث بقوله تعالى: * (وان كنم مرضى أو على سفرا أو جاء.\rحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * فلو تركنا ظاهر هذه الآية لوجب الوضوء فرضا على كل قائم إلى الصلاة، ولما وجب ذلك في التيمم.\rلان نص الآية بإيجاب الوضوء على قائم إلى الصلاة، وليس فيه إيجاب التيمم إلا على من أحدث فقط، ولكن لما صلى عليه السلام الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، علمنا أن المأمور بالوضوء هو المحدث فقط، وأما تكرار التيمم فنص الآية يبطله.\rقال علي: واحتج القائلون بالتكرار بأن قالوا: وافقتمونا على أن النهي متكرر ثابت أبدا، وأنه متجدد كل وقت، فهلا قلتم إن المنهي يخرج عن النهي بترك ما نهي عنه ساعة من الدهر فقط، كما قلتم: إن يفعل مرة واحدة يخرج عن الامر، وإن الامر لا يعود عليه.\rقال علي: هذه شغبة دقيقة، وقد قدمنا فيما خلا أن النهي هو أمر بالترك، وأن الترك ممكن لكل أحد، وليس يمتنع الترك على مخلوق، والفعل بخلاف ذلك منه ممكن، ومنه ما لا يقدر عليه، وقدمنا أن ترك المرء لافعال كثيرة في وقت واحد موجود واجب، وأن فعله بخلاف ذلك، وأن المرء في حال نومه وأكله وصلاته ونظره في أسبابه، تارك لكل ما نهي عن تركه إن أراد الترك، وليس الامر كذلك، بل لا يقدر على أداء أكثر الاوامر في الاحوال التي ذكرنا، وقد أمرنا عليه السلام أن نجتنب ما نهانا عنه، وأمرنا أن نفعل ما أمرنا به ما استطعنا، ولم يقل عليه السلام: فأتوه ما استطعتم، وكان حينئذ يلزم التكرار، وإنما قال عليه السلام فأتوا منه ما استطعتم ومن إنما هي للتبعيض المقدور، فلما امتنع تكرار الامر بما قدمنا قبل، من أن التكرار لوازم لكان تكليفا لما لا يطاق،\rوأنه لما بطل ذلك كان من اقتصر في ذلك على حد ما يجده، أو عدد من التكرار يوجبه، أو على وقت ما - متحكما بلا دليل لم يلزم منه إلا ما اتفق عليه، وهو مرة واحدة يقع عليه بها اسم فاعل مطيع، ويرتفع بها عنه اسم عاص، وكان ذلك فرقا صحيحا بين ما يقدر عليه مما ذكرنا، وبين ما يقدر عليه من الترك في كل وقت، وفي كل حال، ومن أدى من الامر ما استطاع فقد فعل ما أمر به،","part":3,"page":318},{"id":322,"text":"ومن فعل ما أمر فقد سقط عنه الامر، وبالله تعالى التوفيق.\rوالقائلون بالتكرار: إنما اضطروا إليه في مسألتين أو ثلاث، وهم في سائر مسائلهم تاركون له، وقد قدمنا أن القوم إنما حسبهم نص المسألة الحاضرة بما لا يبالون أن يهدموا به سائر مسائلهم، وبالله تعالى التوفيق فال علي: وصحيح القول في هذه المسألة هو ما قلنا من أن يفعل مرة واحدة يؤدي المرء ما عليه، ولا يلزمه تكرار الفعل لما ذكرنا، إلا أن ترتفع تلك الحال التي فيها ذلك الامر ثم تعود، فإن الامر يعود ولا بد، كمرض المسلم تجب عيادته، فبمرة واحدة يخرج من الفرض ما دام في تلك العلة، فإن أفاق ثم مرض عاد حكم العيادة أيضا، وفك العاني متى صار عانيا وجب فكه، كإطعام الجائع متى عاد جوعه عاد وجوب إطعامه، وكالتعوذ متى قطع الانسان القراءة ثم ابتدأ القراءة، وكالوضوء متى أحدث، وكالصلاة في كل يوم، ولا يلزم تكرار شئ من ذلك بعد فعله في حال واحدة، وبالله تعالى التوفيق.\rوالقول بالتكرار باطل، لانه تكليف ما لا يطاق، أو القول بلا برهان، وكلاهما باطل، لاننا نسألهم عن تكرار الاوامر المختلفة، وبعضها يقطع عن فعل بعض فلا بد ضرورة من ترك جميعها إلا واحدا، فأيها هو الواحد، وهذا هو القول بلا برهان، وكل ما كان هكذا فهو باطل بلا شك، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في التخيير قال علي: واختلفوا في الاشياء إذا خير الله عز وجل بينها، وأوجب على المخير أن يقصد أيها شاء فيفعله ككفارة الايمان، وكفارة الحلق في الحج قبل يوم النحر لمرض أو أذى من الرأس، وفي العمرة كذلك، قبل تمامها، وفي جزاء الصيد وما أشبه ذلك، فقال قوم: هي كلها واجبة، فإذا فعل أحدها سقط سائرها.\rقال علي: وهذا خطأ فاحش لوجهين: أحدهما: أن أو لا توجب تساوي ما عطف بها واجتماعه، وإنما يوجب ذلك الواو والفاء وثم، هذا ما لا يجهله من له أدنى بصر باللغة العربية، والثاني: أنها لو وجبت كلها لما سقطت بفعل بعضها،","part":3,"page":319},{"id":323,"text":"وما لزم فرضا فإنما يسقط بأن يفعل، لا بأن يفعل غيره، وهذا شئ يعلم بالضرورة، لان ما أوجب الله تعالى عليك عمله فلم يرد منك أن تقيم مقامه غيره إلا بنص وارد في ذلك، وإلا فأنت عاص، إن لم تفعل الذي أمرت به، فلو أوجب تعالى عليه عتق رقبة لم يخرج منها بكسوة، وهذا الذي لا يعقل سواه.\rوذهب قوم إلى أنه تعالى إنما أوجب في ذلك شيئا واحدا مما خير فيه تعالى لا بعينه، ولكن أيها شاء المخير، ونحن لا ننكر هذا، لان عقولنا ليست عيارا على ربنا عز وجل، ولا في العقل ما يمنع من أن يريد الله تعالى إيجاب ما شاء إلى الموجب عليه، فإذا فعل المخير المكفر أي الكفارات - التي خوطب بها - شاء فقد أدى فرضه، وهو الذي سبق في علم الله عز وجل أنه به يسقط عنه الاثم.\rوالتخيير ينقسم قسمين: أحدهما الذي ذكرنا، وهو أن يلزم المرء أحد وجهين، أو أحد وجوه لا بد من أن يأتي ببعضها أيها شاء، فهذا فرضه الذي يأتي به مما خير فيه.\rوالقسم الثاني أن يقال للمرء: إن شئت أن تفعل كذا، وإن شئت ألا تفعله\rأصلا، وهذا النوع لا يجوز أن يكون فرضا أصلا، ولا يكون إلا تطوعا، لان كل شئ أبيح للمرء تركه جملة أو فعله فهو تطوع بلا خلاف من أحد، وهذا لازم لمن قال إن المرء مخير في السفر بين إتمام الصلاة أو قصرها، لان من قول هذا القائل أن الركعتين الزائدتين أن من تركهما لم يأثم، فهي إذن تطوع، وإذا كانتا تطوعا فغير جائز أن يصليهما بركعتي الفرض اللتين لا بد له من أن يأتي بهما، وليس يلزمهم هذا في قولهم في الصيام إن شاء صام في رمضان في السفر، وإن شاء أفطر، لانهم لا يسقطون عنه الصيام جملة كما يسقطون عنه الركعتين اللتين تتم بهما الصلاة أربعا، لكن يقولون: إن شاء صام رمضان فيه، وإن شاء صامه في أيام أخر، ولا بد عندهم من صيامه، فإنما هذا تخيير في أحد الوقتين لا في ترك الصيام أصلا، وهناك خيروه في الاتيان بالركعتين أو تركهما البتة، فافهم.","part":3,"page":320},{"id":324,"text":"فصل في الامر بعد الحظر ومراتب الشريعة قال علي: قد بينا في غير موضع: أن مراتب الشريعة خمسة: حرام وفرض، وهذان طرفان، ثم يلي الحرام المكروه، ويلي الفرض الندب، وبين الندب والكراهة واسطة وهي الاباحة، فالحرام ما لا يحل فعله ويكون تاركه مأجورا مطيعا، وفاعله آثما عاصيا، والفرض ما لا يحل تركه ويكون فاعله مأجورا مطيعا، ويكون تاركه آثما، والمكروه هو ما إن فعله المرء لم يأثم ولم يؤجر، وإن تركه أجر، والندب هو ما إن فعله المرء أجر، وإن تركه لم يأثم ولم يؤجر، والاباحة هي ما إن فعله المرء لم يأثم ولم يؤجر، وإن تركه لم يأثم ولم يؤجر، كصبغ المرء ثوبه أخضر أو أصفر، فإذا نسخ الحظر نظرنا، فإن جاء نسخه بلفظ الامر فهو فرض واجب فعله بعد أن كان حراما، وإن كان أتى فعل لشئ تقدم فيه النهي فهو منتقل إلى الاباحة فقط، والنهي باق على الاختيار، وكذلك الامر إذا\rأتى بعده فعل بخلافه فهو منتقل إلى الاباحة، والامر باق على الندب، كما قلنا في أمره عليه السلام الناس إذا صلى إمامهم جالسا أن يصلوا وراءه جلوسا، ثم صلى عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه جالسا، والناس وراءه وأبو بكر إلى جنبه قائم، فعلمنا أن نهيه عليه السلام عن القيام للمذكر خاصة ندب واختيار، إلا أن يفعل ذلك تعظيما للامام فهو حرام، وعلمنا أن الوقوف له مباح، وإنما هذا فيما تيقنا فيه للمتقدم والمتأخر، وأما ما لم يعلم أي الخبرين كان قبل، فالعمل بذلك الاخذ بالزائد، والاستثناء على ما قدمناه، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وقد ادعى بعض من سلف أنه تقرأ الاوامر كلها الواردة بعد لحظر، فوجدها كلها اختيارا أو إباحة، وذكر من ذلك قوله تعالى: * (وإذا حللتم فاصطادوا (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمر كم الله) ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وعن الانتباذ في الظروف فانتبذوا * (فالآن باشروهن","part":3,"page":321},{"id":325,"text":"قال علي: وقد أغفل هذا القائل: قد قال الله تعالى: * (ما كتب الله لكم وكلوا أو اشربوا، فكان الفطر بالاكل والشرب فرضا لا بد منه، بين ذلك النهي عن الوصال وكذلك قوله تعالى: لله الآية إلى قوله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا فالانتشار المذكور في هذه ا لآية هو الخروج عن بيوت النبي (ص)، وهو فرض لا يحل لهم القعود فيها بعد أن يطعموا ما دعوا إلى طعامه، وأما الاوامر التي ذكرنا قبل، فإن دلائل النصوص قد صحت على أنها ندب، ونحن لا نأبى الاقرار بما أتى به نص بل نبادر إلى قبوله، وإنما ننكر الحكم بالآراء الفاسدة والاهواء الزائغة بغير برهان من الله عز وجل.\rأما قوله تعالى: * (وإذا حللتم فاصطادوا فإن رسول الله (ص) حل من عمرته ومن حجه ولم يصطد، فعلمنا أنه ندب وإباحة، وأما قوله تعالى\r: * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض فقد صح عن النبي (ص) أن الملائكة لا تزال تصلي على المرء ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، ولم يخص صلاة من صلاة، فصح أن الانتشار مباح إلا للحدث والنظر في مصالح نفسه وأهله فهو فرض.\rوأما قوله عليه السلام في القبور، فزوروها، فإن الفرض لا يكون إلا محدودا، إما موكولا إلى المرء ما فعل منه، أو محمولا على الطاقة والمعروف، وليس في زيارة القبور نص بشئ من هذه الوجوه، ثم لو كان فرضا لكان زائرها مرة واحدة قد أدى فرضه في ذلك، لما قدمنا في إبطال التكرار.\rوأما قوله عليه السلام: فانتبذوا فإنه عليه السلام لم ينتبذ، لكن كان ينتبذ له، فصح أن الانتباذ ليس فرضا، لكنه إباحة، وأما قوله تعالى: * (فالآ باشروهن) * والمباشرة من الرجل لزوجته فرض ولا بد، ولا يحل له هجرها في المضجع، ولا الامتناع من وطئها إلا بتجافيها له عن ذلك، على ما بينا في كتاب النكاح من كلامنا في الاحكام، والحمد لله رب العالمين.\rقال علي: وقد ذهب بعض المالكيين إلى أن ههنا واجبا ليس فرضا ولا تطوعا.\rقال علي: وهذا هذيان فاسد لا يعقل أصلا، لان الواجب هو الذي لا بد من","part":3,"page":322},{"id":326,"text":"فعله، وغير الواجب هو ما إن شاء فعله المرء وإن شاء تركه، ولا يعرف ههنا شئ يتوسط هذين الطرفين، فإن راعوا ما ورد به لفظ الفرض في الشريعة فهم أول عاص لما ورد فيها، لان الله عز وجل يقول: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * الآية الى قوله تعالى فرضية من الله، فقالوا هم: هذه القسمة ليست فريضة، بل جائز أن يعطى من الصدقات غير هؤلاء، وجائز أن توضع في بعض هذه الاصناف دون بعض، وقال ابن عمر: فرض رسول الله (ص) صدقة الفطر على كل\rصغير أو كبير ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا، من المسلمين صاعا من تمر أو صاعا من شعير فقالوا: ليس هذا فرضا، ولا الشعير أيضا، ولا التمر فيها فرضا فما نعلم أحدا ترك لفظ الفرض الوارد في الشريعة منهم، ثم احتجوا في البرسام الذي ادعوه من وجوه أنه شئ واجب ليس فرضا ولا تطوعا، فقالوا: ذلك مثل الاذان والوتر وركعتي الفجر وصلاة العيدين والصلاة في جماعة ورمي الجمار للمبيت ليالي منى بمنى.\rقال علي: وكل هذا فدعوى فاسدة، أما الصلاة في جماعة والاذان ورمي الجمار ففرائض واجبة يعصي من تركها، لامر النبي (ص) بها، وأما صلاة العيدين والوتر وركعتا الفجر والمبيت ليالي منى بمنى، فليست فرائض، ولكنها تطوع يكره تركها، فلو تركها، تارك دهره كله متعمدا ما أثم ولا عصى الله عز وجل، ولا قدح ذلك في عدالته، وقد قال عليه السلام في الذي حلف أن لا يزيد على الصلوات الخمس الفرائض: أفلح والله إن صدق، دخل الجنة إن صدق وقد سأل هذا القائل النبي (ص) إذ وصف له الصلوات الخمس فقال: يا رسول الله هل علي غيرها ؟ فقال: لا، إلا أن تطوع فسمى النبي (ص) تارك كل صلاة ما عدا الخمس مفلحا ولم يعنفه، وأخبر عليه السلام أن كل صلاة ما عدا الخمس فهي تطوع فحرام على كل أحد خلاف النبي (ص)، ولولا أن الامر ورد بصلاة الجنائز فصارت فرضا لا بد منه، لكانت تطوعا، ولكن من هذه الخلال أشياء يكره تركها، فمن تركها لم يأثم ولم يؤجر، ومن فعلها أجر، فبطلت بما ذكرنا قسمتهم الفاسدة، والحمد لله رب العالمين.","part":3,"page":323},{"id":327,"text":"فصل في ورود الامر بلفظ خطاب الذكور قال علي: اختلف الناس: فقالت طائفة: إذا ورد الامر بصورة خطاب الذكور، فهو على الذكور دون الاناث، إلا أن يقوم دليل على دخول الاناث\rفيه، واحتجوا بأن قالوا: إن لكل معنى لفظا يعبر عنه، فخطاب النساء افعلن، وخاطب الرجال: افعلوا، فلا سبيل إلى إيقاع لفظ على غير ما علق عليه إلا بدليل.\rوذ هبت طائفة أخرى إلى أن خطاب النساء والإنات لا يدخل فيه الذكور وأن خطاب الذكور يدخل فيه النساء والإناث إلا أن تأتى نص أو إجماع على إخراج النساء والإناث من ذلك قال علي: وبهذا نأخذ، وهو الذي لا يجوز غيره، والدليل الذي استدلت به الطائفة الاولى هو أعظم الحجة عليهم، وهو دليلنا على إبطال قولهم، لان لكل معنى لفظا يعبر به كما قالوا ولا بد، ولا خلاف بين أحد من العرب، ولا من حاملي لغتهم أولهم عن آخرهم، في أن الرجال والنساء، وأن الذكور والاناث إذا اجتمعوا وخوطبوا أخبر عنهم، أن الخطاب والخبر يردان بلفظ الخطاب، والخبر عن الذكور إذا انفردوا ولا فرق، وأن هذا أمر مطرد أبدا على حالة واحدة، فصح بذلك أنه ليس لخطاب الذكور - خاصة - لفظ مجرد في اللغة العربية غير اللفظ الجامع لهم وللاناث، ألا أن يأتي بيان زائد بأن المراد الذكور دون الاناث، فلما صح لم يجز حمل الخطاب على بعض ما يقتضيه دون بعض إلا بنص أو بإجماع، فلما كانت لفظة افعلوا والجمع بالواو والنون وجمع التكسير يقع على الذكور والاناث معا، وكان رسول الله (ص) مبعوثا إلى الرجال والنساء بعثا مستويا، وكان خطاب الله تعالى، وخطاب نبيه (ص) للرجال والنساء خطابا واحدا - لم يجز أن يخص بشئ من ذلك الرجال دون النساء إلا بنص جلي أو إجماع لان ذلك تخصيص الظاهر، وهذا غير جائز، وكل ما لزم القائلين بالخصوص فهو لازم لهؤلاء، وسيأتي ذلك مستوعبا في بابه إن شاء الله تعالى.\rفإن قالوا: فأوجبوا الجهاد فرضا على النساء قيل لهم، وبالله تعالى التوفيق، لولا قول رسول الله (ص) لعائشة - إذ استأذنته في الجهاد -","part":3,"page":324},{"id":328,"text":"لكن أفضل الجهاد حج مبرور لكان الجهاد عليهن فرضا، ولكن بهذا الحديث علمنا أن الجهاد على النساء ندب لا فرض، لانه عليه السلام لم ينهها عن ذلك، ولكن أخبرها أن الحج لهن أفضل منه، ومما يبين صحة قولنا أن عائشة - وهي حجة في اللغة - لما سمعت الامر بالجهاد قدرت أن النساء يدخلن في ذلك الوجوب حتى بين النبي (ص) لها أنه عليهم ندب لا فرض، وأن الحج لهن أفضل منه، ونحن لا ننكر صرف اللفظ عن موضوعه في اللغة، بدليل من نص أو إجماع، أو بضرورة طبيعة تدل على أنه مصروف عن موضوعه، وإنما يبطل دعوى من ادعى صرف اللفظ عن موضوعه في اللغة بلا دليل، فلم ينكر النبي (ص) عليها حملها الخطاب بلفظ خطاب الذكور على عموم دخول النساء في ذلك وفي هذا كفاية لمن عقل.\rفإن قالوا: فأوجبوا عليهن النفار للتفقه في الدين، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قلنا، وبالله تعالى التوفيق: نعم هذا واجب عليهن كوجوبه على الرجال وفرض على كل امرأة النفقة في كل ما يخصها كما ذلك فرض على الرجال ففرض على ذات المال منهن معرفة أحكام الزكاة، وفرض عليهن كلهن معرفة أحكام الطهارة والصلاة والصوم، وما يحل وما يحرم من المآكل والمشارب والملابس وغير ذلك كالرجال ولا فرق، ولو تفقهت امرأة في علوم الديانة للزمنا قبول نذارتها، وقد كان ذلك، فهؤلاء أزواج النبي (ص)، وصواحبه قد نقل عنهن أحكام الدين، وقامت الحجة بنقلهن، ولا خلاف بين أصحابنا وجميع أهل نحلتنا في ذلك، فمنهن سوى أزواجه عليه السلام: أم سليم، وأم حرام، وأم عطية، وأم كرز، وأم شريك، وأم الدرداء، وأم خالد، وأسماء بنت أبي بكر، وفاطمة بنت قيس، ويسرة، وغيرهن، ثم في التابعين عمرة، وأم الحسن، والرباب، وفاطمة بنت المنذر، وهند الفراسية، وحبيبة بنت ميسرة، وحفصة بنت سيرين، وغيرهن.\rولا خلاف\rبين أحد من المسلمين قاطبة في أنهن مخاطبات بقوله تعالى: * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ومن شهد منك اشهر فالصمه ووذروا ما بقى من الربا وحرمت عليكم الميتة والدم والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبو هم وأشهدوا إذا تا يعتم ولله على الناس حج البيت وأفيضوان من حيث","part":3,"page":325},{"id":329,"text":"أفاض الناس وهل أنتم منهون وابتول اليتامى حتى إذا بلغو النكاح وسائر أوامر القرآن، وإنما في مسألة أو مسألتين تحكموا فيها وقلدوا، فاضطروا إلى مكابرة العيان، ودعوى خروج النساء من الخطاب بلا دليل، ثم رجعوا إلى عمومهن مع الرجال، بلا رقبة ولا حياء.\rقال علي: وقد قال الله تعالى: * (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) *.\rوقال أيضا: * (وأنذر عشيرتك الاقربين) * فنادى عليه السلام بطون قريش بطنا بطنا ثم قال: يا صفية بنت عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد، فأدخل النساء مع الرجال في الخطاب الوارد كما نرى.\rفإن قال قائل: فقد قال تعالى: * (لا يسخر قوم من قوم عس أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن) * وقال زهير: وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن اللفظ إذا جاء مرادا به بعض ما يقع تحته في اللغة وبين ذلك دليل فلسنا ننكره فقد قال تعلى: * (يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم) *، فلا خلاف بين لغوي وشرعي أن هذا الخطاب متوجه إلى كل آدمي من ذكر أو أنثى، ثم قال تعالى: * (فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) * فقام الدليل على أن المراد ههنا بعض الناس لا كلهم، فوجب الوقوف عند ذلك لقيام الدليل عليه، ولولا ذلك لما جاز أن يكون محمولا إلا على عموم الناس كلهم.\rقال أبو محمد: وقد سأل عمرو بن العاص رسول الله (ص): أي الناس أحب إليك ؟ فقال: عائشة قال: ومن الرجال ؟ قال: أبوها ثناه عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، أنبأ يحيى، ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد - هو الحذاء - عن أبي عثمان - هو النهدي - قال أخبرني عمرو بن العاص عن رسول الله (ص)، ورسول الله (ص) أعلم الناس باللغة التي بعث بها، فحمل اللفظ على عمومه في دخول النساء مع الرجال حتى أخبره السائل أنه أراد بعض من يقع عليه الاسم الذي خاطب به فقبل ذلك منه عليه السلام، وهذا هو نص مذهبنا، وهو أن نحمل","part":3,"page":326},{"id":330,"text":"الكلام على عمومه، فإذا قام دليل على أنه أراد به الخصوص صرنا إليه، ولا خلاف بين المسلمين في أن قوله تعالى: * (أو لحم خنزير) * واقع على إناث الخنازير كوقوعها على ذكورها بنفس اللفظ للنوع كله.\rوقد اعترض بعضهم بحديث ذكروه من طريق أم سلمة رضي الله عنها فيه: أن النساء شكون وقلن ما نرى الله تعالى يذكر إلا الرجال فنزلت: * (إن المسلمين والمسلمات الآية.\rقال علي: وهذا حديث لا يصح البتة، ولا روي من طريق يثبت، حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، قال أحمد بن عبد البصير: ثنا قاسم بن إصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة، عن حصين قال: سمعت عكرمة يقول: قالت أم عمار: يا رسول الله يذكر الرجال في القرآن ولا يذكر النساء، قال فنزلت * (ان المسلمنى والمسلمات) * الآلة.\rقال علي: وهذا مرسل كما نرى لا تقوم به حجة، وثناه أيضا محمد بن سعيد النباتي، ثنا أحمد بن عبد البصير، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشني، ثنا محمد بن المثنى، حدثنا مؤمل،\rثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يذكر الرجال في الهجرة ولا نذكر، فنزلت: * (انى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وانثى وقالت أم سلمة: يا رسول الله لا نقطع الميراث ولا نغزو في سبيل الله فنقتل، فنزلت: * (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض وقالت أم سلمة: يذكر الرجال ولا نذكر، فنزلت: * (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمخؤمنات) * قال علي: ويقال إن التفسير لم يسمعه ابن أبي نجيح من مجاهد، ثنا بذلك يحيى بن عبد الرحمن، عن أحمد بن دحيم، عن إبراهيم بن حماد، عن إسماعيل بن إسحاق، ولم يذكر مجاهد سماعا لهذا الخبر عن أم سلمة، ولا يعلم له منها سماع أصلا، وإنما صح أنهن قلن: يا رسول الله غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما، فجعل لهن عليه السلام يوما وعظهن فيه وأمرهن بالصدقة، وكذلك صح ما روي في خطبته عليه السلام في العيد، وأمره النساء أن يشهدن، ثم رأى عليه السلام أنه لم يسمعهن فأتاهن فوعظهن قائما، أتاهن عليه السلام إذ خشي أنهن لم يسمعن وإلا فقد كان يكفيهن جملة كلامه على المنبر.","part":3,"page":327},{"id":331,"text":"قال أبو محمد: والصحيح من هذا ما حدثناه عبد الله بن يوسف بالسند المتقدم ذكره إلى مسلم، حدثنا يونس بن عبد الاعلى الصدفي، وأبو معن الرقاشي، وأبو بكر نافع، وعبد الله بن حميد، قال هؤلاء الثلاثة: ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، ثنا أفلح بن سعيد، حدثنا عبد الله بن رافع، وقال يونس بن عبد الاعلى: ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو - هو ابن الحار ث أن بكيرا حدثه عن القاسم بن عباس الهاشمي، عن عبد الله بن رافع، مولى ابن أم سلمة، عن أم سلمة زوج النبي (ص) أنها قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله (ص) فلما كان يوما من ذلك والجارية تمشطني، فسمعت رسول\rالله (ص) يقول: أيها الناس، فقلت للجارية: استأخري عني، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت إني من الناس، ثم ذكرت الحديث.\rقال علي: في هذا بيان دخول النساء مع الرجال في الخطاب الوارد بصيغة خطاب الذكور.\rقال أبو محمد: واحتج بعضهم بقوله تعالى: * (ان المسلمين والمسلمات والمؤمنى والمؤمنات) * فالجواب وبالله التوفيق: أنه لا ينكر التأكيد والتكرار، وقد ذكر الله تعالى الملائكة ثم قال: * (وجبريل وميكال) * وهما من الملائكة ويكفي من هذا ما قدمناه من أوامر القرآن المتفق على أن المراد بهذا الرجال والنساء معا بغير نص آخر، ولا بيان زائد إلا اللفظ، وكذلك قوله: * (واشتهدوا شهيدين من رجالكم) * بيان جلي على أن المراد بذلك الرجال والنساء معا، لانه لا يجوز في اللغة أن يخاطب الرجال فقط، بأن يقال لهم وإنما كان يقال من أنفسكم فإن قالوا: قد تيقنا أن الرجال مرادون بالخطاب الوارد بلفظ الذكور، ولم نوقن ذلك في النساء، فالتوقف فيهن واجب، قيل له: قد تيقنا أن رسول الله (ص) مبعوث إليهن كما هو إلى الرجال، وإن الشريعة التي هي الاسلام لازمة لهن كلزومها للرجال، وأيقنا أن الخطاب بالعبادات والاحكام متوجه إليهن، كتوجهه إلى الرجال إلا ما خصهن أو خص الرجال منهن دليل، وكل هذا يوجب ألا يفرد الرجال دونهن بشئ قد صح اشتراك الجميع فيها إلا بنص أو إجماع وبالله تعالى التوفيق.","part":3,"page":328},{"id":332,"text":"قال علي: وإن العجب ليكثر ممن قال بخلاف قولنا - من الحنفيين والمالكيين - ثم هم يأتون إلى خطاب النبي (ص) للرجل الواطئ في رمضان بالكفارة، فقالوا: الواجب على المرأة من مثل ذلك ما على الرجل، فأي مجاهرة أشنع من مجاهرة من\rيأتي إلى خطاب عام لجميع أهل الاسلام فيريد إخراج النساء منه، ثم يأتي إلى خطاب لرجل منصوص عليه لم يذكر معه غيره، فيريدون إلزامه النساء بلا دليل ثم تناقضوا في ذلك، فألزموا الموطوءة الواطئ ولا نص في الموطوءة، ولم يلزموا المظاهرة ما ألزموا المظاهر، والعلة على قولهم واحدة وهي قوله: * (منكرا من القو وزورا) * والمظاهرات قد قالت ذلك، وقد أوجب عليها - مثل ما يجب على المظاهر - قوم كثير من العلماء، وهكذا أحكام من تعدى حدود الله عز وجل، واتبع الرأي والقياس، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في الخطاب الوارد هل يخص به الاحرار دون العبيد أم يدخل فيه العبيد معهم ؟ قال علي: ذهب قوم إلى أن قوله تعالى: * (وأشهدوا ذوى عدل منكم) * أنه للاحرار دون العبيد، واحتجوا بقوله تعالى: * (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم *.\rقال: ما ندري أيهما أشد إقداما على الله وجرأة، أتخصيصهم الاحرار في الآية الاولى دون العبيد ؟ أم استشهادهم بالآية الثانية في ذلك ؟ فأول إبطال قولهم إن النبي (ص) بعث إلى العبيد والاحرار بعثا مستويا بإجماع جميع الامة، ففرض استواء العبيد مع الاحرار - إلا ما فرق فيه النص بينهم - كوجوب استواء العرب والعجم من قريش، إلا ما فرق فيه النص بينهم، من كون الخلافة لقريش دون العرب ومن تحريم الصدقة على بني هاشم وبني المطلب دون سائر قريش والعرب، وكوجوب خمس الخمس لهم دون سائر قريش والعرب، وإنما خاطبنا الله تعالى في آية الانكاح، لانه عز وجل لم يجعل للعبد أن ينكح نفسه وجعله للحر، وهذا مكان نص فيه على الفرق، ثم نعارضهم بقول الله تعالى","part":3,"page":329},{"id":333,"text":": * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * وبقوله: * (ومن يتو لهم منكم فإنه منهم) * وبقوله تعالى: * (ومن يتو لهم فأو لئك هم الظالمون) * وبقوله تعالى: * (يومن بالله ويومن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم) * وبقوله تعالى: * (ان نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) * وبقوله تعالى: * (كانوا أشد منكم قوة) * وبقوله تعالى: * (كانو أشد منكم قوة) وبقوله تعالى: * (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به) * وبقوله تعالى: * (ولقد علمنا المستقدين منكم ولقد علمنا المستأخرين) * وبقوله تعالى: * (إذا فريق منكم بربهم يشركون) * وبقوله تعالى: * (ومنكم من يرد أرذل العمر) * وبقوله تعالى (ومن منكم إلا واردها) * هل خص بهذا الخطاب الاحرار دون العبيد ؟ أو عم الجميع ؟ فلا بد من أنه عموم للاحرار والعبيد، فكل خطاب ورد فهو هكذا، ولا فرق إلا ما فرق النص فيه بين الاحرار والعبيد، وكذلك قالوا في قوله تعالى: * (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) * فقالوا هذا للأحرار دون العبيد.\rقال علي: وهذه أعجوبة شنيعة، أترى العبيد ليسوا من رجالنا ؟ إن هذا الامر كان ينبغي أن يستحيى منه، وأن من جاهر بأن العبيد ليسوا من رجالنا الواجب أن يرغب عن الكلام معه.\rوأيضا فإن أول الآية المذكورة: * (يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى الآية والآية الأخرى من قوله * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) * الآية، ولا خلاف بين أحد في أنهما متوجهتان إلى الأحرار و العبيد، وأن هذا حكم عام للمتبايعين من الأحرار وللمطلقين من الأحرار والعبيد، فإذا قد صح ذلك فكيف يسوغ لذى عقل ودين يقول: إن قوله تعالى * (من رجالكم) * وقوله تعالى * (منكم) * مخصوص به الأحرار دون العبيد والآيتان كلتا هما بلا خلاف منهم مخاطب بهما الأحرار والعبيد سواء فصل\rفي أمره عليه السلام واحدا هل يكون أمرا للجميع ؟ قال علي: قد أيقنا أنه (ص) بعث إلى كل من كان حيا في عصره في معمور الارض، من إنسي أو جني، وإلى من ولد بعده إلى يوم القيامة، وليحكم في كل","part":3,"page":330},{"id":334,"text":"عين وعرض يخلقهما تعالى إلى يوم القيامة، فلما صح ذلك بإجماع الامة - المتيقن المقطوع به المبلغ إلى النبي (ص) - وبالنصوص الثابتة بما ذكرنا من بقاء الدين إلى يوم القيامة.\rولزومه الانس والجن، وعلمنا بضرورة الحس أنه لا سبيل إلى مشاهدته عليه السلام من يأتي بعده، كان أمره (ص) لواحد من النوع، وفي واحد من النوع - أمرا في النوع كله، وللنوع كله، وبين هذا أن ما كان من الشريعة خاصا لواحد، أو لقوم فقد بينه عليه السلام نصا، وأعلم أنه خصوص، كفعله في الجذعة بأبي بردة بن نيار، وأخبره عليه السلام أنها لا تجزي عن أحد بعده، وكان أمره عليه السلام للمستحاضة أمرا لكل مستحاضة، وإقامته ابن عباس وجابرا عن يمينه في الصلاة، حكما على كل مصل وحده مع إمام، ولا خلاف بين أحد في أن أمره لاصحابه رضي الله عنهم وهم حاضرون، أمر لكل من يأتي إلى يوم القيامة.\rوأما إخواننا: فاضطربوا في هذا اضطرابا شديدا، فقالوا في فتياه عليه السلام للواطئ في رمضان: إن ذلك الحكم جار على كل واطئ، وأصابوا في ذلك، ثم لم يقنعوا بالصواب حتى تعدوه إلى الخطأ فقالوا: وذلك الحكم أيضا جار على كل مفطر بغير الوطئ ثم لم يقنعوا بذلك حتى قالوا: هو على النساء كما هو على الرجال، ثم أتوا إلى حكم النبي (ص) في محرم مات، فأمر عليه السلام أ لا يمس طيبا ولا يغطي وجهه ولا رأسه، وأن يكفن في ثوبه فقالوا هو خصوص لذلك الواحد، وليس هذا حكم من مات وهو محرم، أفسمع السامعون بأعجب\rمن هذا التحكم ؟ واحتجوا في ذلك بابن عمر وقد تركوا ابن عمر في أزيد من مائة قضية، وتركوا في ذلك قول من خالف ابن عمر في ذلك من أصحابه، واحتجوا بانقطاع عمل الميت تمويها وشغبا، وليس هذا للميت ولكنه عمل الاحياء المأمورين بذلك كما أمروا بغسله ومواراته ولا عمل للميت في ذلك ولا فرق.\rفإن احتجوا في ذلك بقول علي رضي الله عنه: نهاني رسول الله (ص) ولا أقول نهاكم، فقد قال كعب بن عجرة في أمر فدية حلق الرأس نزلت في خاصة وهي لكم عامة.","part":3,"page":331},{"id":335,"text":"وأيضا فقد بينا في آخر كتابنا أنه لا يجوز التقليد، وقد بين علي رضي الله عنه أن قوله هذا ليس على ما ظن الظان، من أن ذلك النهي لا يتعداه ذلك إذ سئل: أعهد إليك رسول الله (ص) بشئ لم يعهده إلى غيرك ؟ فقال: لا، ما خصني رسول الله (ص) بشئ إلا ما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقل وأشياء من الجراحات، ولا يقتل مؤمن بكافر، فصح أن قول علي نهاني، إنما هو تحر للفظه عليه السلام فقط، وبالله تعالى التوفيق، وهو الموفق للصواب.\rفصل في أوامر ورد فيها ذكر حكمه عليه السلام ولم يأت فيها من لفظه عليه السلام السبب المحكوم فيه قال علي: وإذا ورد خبر صحيح، وفيه أن رسول الله (ص) رأى أمرا كذا فحكم فيه بكذا، فإن الواجب أن نحكم في ذلك الامر بمثل ذلك الحكم ولا بد، لانه كسائر أوامره التي قدمنا وجوبها، وذلك مثل ما روي أنه (ص) رأى رجلا يصلي منفردا خلف الصفوف، فأمره بالاعادة.\rورأى رجلا يحتجم فقال: أفطر الحاجم والمحجوم وأتي بشارب فجلده، فاعترض قوم فقالوا: لعله\rعليه السلام إنما أمره بالاعادة ليس من أجل انفراده، ولكن لغير ذلك، وأن الحجام والمحجوم، كانا يغتابان الناس.\rقال علي: وهذا لا يجوز لوجوه خمسة: أحدها: أنه عليه السلام مأمور بالتبليغ، فلو أمر إنسانا بإعادة صلاة أبطلها عليه، ولم يبين عليه السلام، وجه بطلانها لكان عليه السلام غير مبلغ وقد نزهه الله تعالى عن ذلك، ولكان غير مبين ومن نسب هذا إلى النبي (ص) فقد كفر.\rوالوجه الثاني: أن يقول القائل: لعله عليه السلام قد بين ذلك ولم يصل إلينا.\rقال علي: فمن قال ذلك أكذبه الله عز وجل بقوله: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * وبقوله تعالى عن نبيه عليه السلام: * (وما ينطق عن الهوى ئ إن هو","part":3,"page":332},{"id":336,"text":"إلا وحي يوحى) * فصح أن كلامه كله (ص) وحي، وأن الوحي محفوظ لانه ذكر، فلو بينه عليه السلام ولم ينقل إلينا لكان غير محفوظ، وقد أكذب الله تعالى هذا القول، لانه لم ينقل أحد أنه أمره بالاعادة لغير الانفراد.\rوالوجه الثالث: أن أحاديث كثيرة ثبتت بفرض تسوية الصفوف فيها، وفيها إبطال صلاة من صلى منفردا، وقد ذكرناها في الفصل الذي فيه ترجيح الاحاديث في باب الاخبار من كتابنا هذا.\rوالرابع: إن نقل الناقل الثقة أنه صلى منفردا فأعاد نقل وإنذار ببطلان صلاة المنفرد - عنه عليه السلام، فواجب قبوله.\rوالخامس: أن قول القائل لعله كان هنالك سبب لم ينقل إلينا ظن.\rوقد قال تعالى: * (إن الظن لا يغنى من الحق شيئا) *.\rوقال عليه ا لسلام: الظن أكذب الحديث ولا يحل ترك نقل الثقات لظنون زائفات.\rوأما تخريج من خرج منهم: أن الحاجم والمحجوم كانا يغتابان الناس، فإنهم\rاستجاروا من الرمضاء بالنار، وهم لا يرون إفطار الصائم بالغيبة، فقد عصوا على كل حال، ولولا أن الرخصة وردت صحيحة من الحجامة للصائم، لاوجبنا الافطار بها، ولكن استعمال الاحاديث يوجب قبول الرخصة، لانها متيقنة بعد النهي، إذ لا تكون لفظة الرخصة إلا عن شئ تقدم التحذير منه، ولهذا الحديث أجزنا الحجامة للصائم، وأن يكون حاجما ومحجوما على ظاهر لفظ الاحاديث، لا بالحديث الذي يقول: احتجم رسول الله (ص) وهو صائم، لانه ليس في ذلك الحديث دليل على أنه كان بعد النهي فهو موافق لمعهود الاصل ولا فيه بيان أيضا، أنه كان في صيام فرض لا يجوز الافطار فيه، بل لعله كان في تطوع يجوز الافطار فيه، أو في سفر كما جاء في بعض تلك الاحاديث: أنه كان صائما محرما عليه السلام، وبالله تعالى التوفيق.","part":3,"page":333},{"id":337,"text":"فصل في ورود حكمين بنقل يدل لفظه على أنهما في أمر واحد لا أمرين قال علي: روي أن رجلا أتى رسول الله (ص) في رمضا وهو يقول: احترقت، وأنه وصف أنه وطأ امرأته وهو صائم، فأمره رسول الله (ص) بكفارة موصوفة، وروي من تلك الطريق بعينها أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره عليه السلام بتلك الكفارة بعينها، وذكر باقي الحديث الاول، فعلمنا بذلك أنهما حديث واحد، لان الرواة لهذا هم أولئك الذين رووا بأي شئ كان الافطار، وسياق الحديثين واحد، فصح أن بعض الرواة عن الزهري فسر القصة وهم: سفيان، ومعمر، والليث، والاوزاعي، ومنصور بن المعتمر، وعراك بن مالك، وأن بعضهم عن الزهري أجملها، وهم مالك، وابن جريج، إلا أنهم كلهم عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.\rقال علي: وليس هكذا حديث السارقة والمستعيرة، لان الوطئ في حال الصوم إفطار صحيح، يقع عليه في الشريعة اسم إفطار على الحقيقة، ولا يقع على السارق اسم مستعير جاحدا البتة، ولا يقع على المستعير الجاحد اسم البتة.\rوأيضا فقد روى حديث قطع المستعيرة ابن عمر، ولم يذكر سرقة وإنما ذكر أمر السرقة عن عائشة فصح أنهما حديثان متغايران، وهذا أيضا ما تعلق به المانعون من المسح على العمامة في حديث المغيرة فقالوا: ذكره المسح على العمامة هو حديث واحد مع الذي فيه ذكر المسح على الناصية والعمامة.\rقال علي: وهذا خطأ، لان الوضوء لم يكن مرة واحدة منه عليه السلام، بل كانت آلافا من المرار، فمن ادعى أن ذلك كله وضوء واحد في وقت واحد، فقد دخل تحت الكذب، والقول بما لا يعلم، وهذا لا يحل لمسلم.\rوأيضا فقد روى المسح على العمامة والخمار - من لم يذكر مسحا على الناصية أصلا وهم: سلمان، وبلال، وكعب بن عجرة، وعمرو بن أمية الضمري، لا سيما المالكيين المانعين من الاقتصار على المسح للناصية فقط، فإنهم لا متعلق لهم","part":3,"page":334},{"id":338,"text":"بحديث المغيرة أصلا، وكل ما تعلقوا به بهذا الباب فهو حجة عليهم فصح بما ذكرنا أن حديث المغيرة وحديث من ذكرنا متغايران، وبالله تعالى التوفيق.\rفينبغي مراعاة هذا في النصوص.\rومثل ذلك من القرآن قول الله عز وجل: * (براءة من الله ورسوله الى الذين عاعد تم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة ة أشهر) * ثم قال تعالى في تلك السورة نفسها بعد يسير: * (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ئ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا\rعليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ئ فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) *.\rقال علي: فوجدناه تعالى قد جعل مدة من عاهدوا من المشركين أربعة أشهر، ثم وجدناه تعالى قد جعل مدة المشركين من يوم الحج الاكبر - وهو يوم النحر بنص تسمية رسول الله (ص) بذلك انسلاخ الاشهر الحرم.\rفليس بين الامدين إلا خمسون يوما، فعلمنا يقينا أن هؤلاء المشركين الذين جعل أمدهم شهرين غير عشرة أيام، هم غير المشركين الذين عوهدوا أربعة أشهر، وهذا ينبغي أن يتفقد جدا، فإنه برفع الاشكال كثير، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في عطف الاوامر بعضها على بعض قال علي: وقد يعطف أوامر مفروضات على غير مفروضات، ويعطف غير مفروضات على مفروضات، والاصل في ذلك: أن كل أمر فهو فرض إلا ما خرج عن ذلك بضرورة حس أو بنص أو إجماع، فإذا كانت أوامر معطوفات فخرج بعضها بأحد الدلائل التي ذكرنا عن الوجوب، بقي سائرها على حكم المفهوم من الاوامر في الجملة، ولا نبالي كان الخارج عن معهود حكمه هو الاول في الذكر، أو الآخر أو الاوسط.\rكل ذلك سواء، وهو بمنزلة ما لو خرج بنسخ، فإن سائرها يبقى على حكم الوجوب والطاعة، فمن ذلك قوله تعالى: * (كلوا من ثمرة إذا ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاره، فلوا لا الإجماع على أن","part":3,"page":335},{"id":339,"text":"الاكل من الثمر ليس فرضا لقلنا إنه فرض.\rولكن لما خرج عن أن يكون فرضا بدليل الاجماع، بقي الفعل المعطوف عليه على حكم الوجوب، وهو قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين *.\rقال علي: وإنما آتينا بما يوافقنا عليه أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي،\rوإلا فقد تناقضوا في مثل هذا، إلا أن الحقيقة ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق.\rومن ذلك أيضا، فانتبذوا ولا تشربوا مسكرا: وزوروها - يعني القبور - ولا تقولوا هجرا.\rالامر الاول ندب الاجماع والثاني فرض، وبالله تعالى التوفيق.\rوكذلك قوله: * (فاسعوا ألى ذكر الله وذروا البيع) * كان السعي خاصا للرجال دون النساء، ولم يمنع ذلك الامر بترك البيع من أن يكون فرضا فرضا على ظاهره وعاما لكل أحد من رجل أو امرأة ووافقنا على ذلك أصحاب مالك، ومثل هذا كثير، وبالله تعالى التوفيق، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rفصل في تناقض القائلين بالوقف هاك نبذ من تناقض القائلين بالوقف، وحملهم أوامر كثيرة على وجوبها وعن ظاهرها بغير قرينة ولا دليل، إلا مجرد الامر، وصيغة اللفظ فقط، وما تعدوا فيه طريق الحق، إلى أن أوجبوا فرائض لا دليل على إيجابها، يدل على كثير تناقضهم وفساد قولهم.\rقال علي: إن القائلين بالوقف - من المالكيين والشافعيين والحنفيين - قد أوجبوا أحكاما كثيرة بأوامر وردت لا قرينة معها، فكان نقضا لمذهبهم في الوقف، وما قنعوا بذلك حتى أوجبوا فرائض بلا أوامر أصلا، فمن أعجب ممن لم يوجب بأمر الله تعالى إنفاذ ما أمر به، وأوجب أحكاما بغير أمر من الله تعالى، فمن ذلك أن المالكيين قالوا في قوله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) * فأبطلوا البيع بمجرد هذا الامر، ولم يقنعوا بذلك حتى أبطلوا ما لم يبطل الله عز وجل من النكاح، والاجازة - تعديا لحدوده تعالى، وقد تعلل بعضهم في هذا بأن لفظة * (ذروا) * لا يقع إلا للفرض.","part":3,"page":336},{"id":340,"text":"قال علي: وهذا ما لا يعرفه حامل لغة من العرب.\rوقد قال تعالى: * (ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) * أفترى ذر في هذا المكان موجبة ترك الكفارة، دون وعظ ودعاء إلى الايمان وقتل موسى وإغرام جزية وصغار وقال في قوله تعالى: * (كتب عليكم وهو كره لكم) * و: * (كتب عليكم القصاص) * و: * (وكتب عليكم الصيام) * هذه فرائض وقالوا في قوله: * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين) * فقالوا: ليس هذا فرضا، مع أمره عليه السلام من عنده شئ يوصي فيه: أن لا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده، ففرقوا بلا دليل وقالوا في قوله تعالى: * (فإن احصرتم فما استيسر من الهدى) * هذا فرض وفي قوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام) * قالوا: هذا فرض وكذلك قالوا في هدي العمرة وجزاء الصيد، وقالوا بفرض التكبير في أول الصلاة والتسليم منها ذلك فرض، وقالوا في حكم المصراة ذلك فرض، وقالوا في التقويم على الشريك المعتق ذلك فرض، وأوجبوا الزكاة في أموال الصغار بعموم قولتعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) * وبقوله عليه السلام: إن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، ولم يوجبوا صدقة الفطر فرضا وقد جاء النص بأنه عليه السلام فرضها، وهي داخلة في جملة قوله عليه السلام: إن عليهم صدقة وفي جملة قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة وأو جبوا الزكاة في الزيتون بقوله تعالى: * (والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمرة إذا أثمرة وآتوا حقه حصاره) * ولم يروها في الرمان، وقد ذكرهما تعالى في الآية ذكرا واحدا، وأوجبوا غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا لو ورد الامر بذلك فقط.\rوأما الحنفيون فإنهم رأوا ألا تقف المرأة مع الرجل في الصلاة فرضا، ورأوا الاستسعاء فرضا، ولم يروا الايتاء من مال الله للمكاتب فرضا ولا مكاتبة من دعا إلى المكاتبة فرضا وكل ذلك مأمور به، ورأوا تمتيع المطلقة التي لم تمس\rولم يفرض لها صداق فرضا بقوله: * (فمتعوهن) * ولم يروا ذلك فرضا لسائر المطلقات وقد قال تعالى: * (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين) * ومثل هذا كثير.\rورأى الشافعيون: الصلاة على النبي (ص) في الصلاة فرضا، ولم يروا التكبير","part":3,"page":337},{"id":341,"text":"في الركوع والرفع فرضا، وقد جاء به الامر، ورأوا النية في الوضوء فرضا، ولم يروا فعل الاستنثار فرضا، وبكل ذلك جاء الامر سواء، ورأوا الخيار قبل التفرق في البيع فرضا، ولم يروا الاشهاد فيه فرضا، وبكل ذلك جاء الامر.\rومثل هذا كثير: ورأوا الايتاء من مال الله للمكاتب فرضا ولم يروا كتابة من دعا إلى المكاتبة مما ملكت أيمانكم فرضا، وكلاهما جاء به الامر مجيئا مستويا، وفيم ذكرنا طرف يستدل به على تناقض من قال بالوقف وبالله تعالى التوفيق.\rوقد ذكرنا أقسام الاوامر في كتاب التقريب فأغنى عن إعادتها، وسنذكر إن شاء الله تعالى الدلائل المخرجة للامر عن موضوعه في الايجاب إلى سائر أقسامه، في فصل آخر باب العموم التالي لكلامنا في هذا إن شاء الله عز وجل، وبالله تعالى التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله الموفق للصواب.\rالباب الثالث عشر في حمل الامر وسائر الالفاظ كلها على العموم وإبطال قول من قال في كل ذلك بالوقفأو الخصوص، إلا ما أخرجه عن العموم دليل حق قال علي: اختلف الناس في هذا الباب، فقالت طائفة: لا تحمل الالفاظ إلا على الخصوص، ومعنى ذلك حملها على بعض ما يقتضيه الاسم في اللغة دون بعض، وقال بعضهم: بل نقف فلا نحملها على عموم ولا خصوص إلا بدليل، فالقول الاول هو لبعض الحنفيين، وبعض المالكيين، وبعض الشافعيين، والثاني لبعض الحنفيين، وبعض المالكيين وبعض الشافعيين، وقالت طائفة: الواجب حمل\rكل لفظ على عمومه، وهو كل ما يقع عليه لفظه المرتب في اللغة للتعبير عن المعاني الواقعة تحته، ثم اختلفوا على قولين، فقالت طائفة منهم: إنما يفعل ذلك بعد أن ينظر هل خص ذلك اللفظ شئ أم لا، فإن وجدنا دليلا على ذلك صرنا إليه، وإلا حملنا اللفظ على عمومه دون أن نطلب على العموم دليلا، وهذا قول عض الشافعيين وبعض الحنفيين.\rوقالت طائفة الواجب حمل كل لفظ على عمومه، وكل ميقتضيه اسمه دون توقف ولا نظر، لكن إن جاءنا دليل يوجب أن نخرج عن عمومه بعض ما يقتضيه","part":3,"page":338},{"id":342,"text":"لفظه صرنا إليه حينئذ، وهذا قول جميع أصحاب الظاهر، وبعض المالكيين، وبعض الشافعيين، وبعض الحنفيين، وبهذا نأخذ، وهو الذي لا يجوز غيره، وإنما اختلف من ذكرنا على قدر ما بحضرتهم من المسائل على ما قدمنا من أقوالهم فيما خلا، فإن وافقهم القول بالخصوص قالوا به.\rوإن وافقهم القول بالعموم قالوا به، فأصولهم معكوسة على فروعهم ودلائلهم مرتبة على ما توجبه مسائلهم.\rوفي هذا عجب: أن يكون الدليل على القول مطلوبا بعد اعتقاد القول، وإنما فائدة الدليل، وثمرته إنتاج ما يجب اعتقاده من الاقوال، فمتى يهتدي من اعتقد قولا بلا دليل ثم جعل يطلب الادلة بشرط موافقة قوله، وإلا فهي مطرحة عنده.\rقال علي: وكل ما ذكرنا أنه يدخل على القائلين بالوقف، أو التأويل في صرف الاوامر عن الوجوب، وصرف الالفاظ عن ظواهرها، فهو أدخل على من قال بالوقف أو الخصوص ههنا، ويدخل عليهم أيضا أشياء زائدة.\rقال علي: فما احتج به من ذهب إلى أن اللفظ لا يحمل على عمومه إلا بعد طلب دليل على الخصوص، أو إلا بدليل على أنه على العموم، أن قالوا: ليست الالفاظ مقتضية للعموم بصيغها لما وجدت أبدا إلا كذلك، كما لا يوجد اسم السواد على\rالبياض، فلما وجدنا ألفاظا ظاهرها العموم والمراد بها الخصوص، علمنا أنها لا تحمل على العموم إلا بدليل.\rقال علي: وقد تقدم إفسادنا لهذا الاستدلال فيما خلا من القول بالوجوب وبالظاهر، ونقول ههنا: إنه ليس وجودنا ألفاظا منقولة عن موضوعها في اللغة بموجب أن يبطل كل لفظ، ويفسد وقوع الاسماء على مسمياتها، ولو كان ذلك لكان وجودنا آيات منسوخة، لا يجوز العمل بها موجبا لترك العمل بشئ من سائر الآيات كلها، إلا بدليل يوجب العمل بها من غير لفظها، ومن قال هذا فقد كفر بإجماع، ومن لم يقله فقد تناقض، ودل على فساد مذهبه، وأما قولهم: كما لا يوضع اسم السواد على البياض، فقد يوضع أسود على غير اللون، فيقال: فلان أسود من فلان من معنى السيادة، وليس ذلك بمبطل أن يكون السواد موضوعا لعدم الالوان، وقد يقال للاسود أبو البيضاء وليس ذلك بمبطل أن يكون البياض موضوعا للون المفرق للبصر.","part":3,"page":339},{"id":343,"text":"وقد احتج عليهم بعض من تقدم من القائلين بالعموم فقال ليس إلى وجود لفظ عام يراد به الخصوص سبيل البتة إلا بدليل وارد يبين أنه منقول عن مرتبته إلى غيرها، كالدليل على تخصيص قوله تعالى: * (تدمر كل شئ بامر ربها) * فصح بالنص وبالظاهر، وبمقتضى اللفظ أنها لم تدمر من الاشياء إلا ما أمرت بتدميره وهذا لفظ خصوص لبعض الاشياء، لا لفظ عموم لجميعها، لكنه عموم لما قصد به، قال: وكذلك كل لفظ عموم أريد به الخصوص، قال: فلما صح ذلك بطل ما احتجوا به من وجودهم لفظا ظاهره العموم المطلق ويراد به الخصوص.\rقال علي: واحتجوا أيضا فقالوا: لم نجد قط خطابا إلا خاصا لا عاما، فصح أن كل خطاب فإنما قصد به من بلغه الخطاب من العاقلين البالغين خاصة دون غيرهم.\rقال علي: هذا تشغيب جاهل متكلم بغير علم، ليت شعري أين كان عن قوله: * (وهو بكل شئ عليم) *.\rوأيضا فإن الذي ذكر من تو جه الخطاب إلى البالغين العقلاء العالمين بالامر دون غيرهم، فإنما ذلك بنص وارد فيهم، فهو عموم لهم كلهم، ولم نعن بقولنا بالعموم كل موجود في العالم، وإنما عنينا كل من اقتضاه اللفظ الوارد، وكل ما اقتضاه الخطاب، فعلى هذا قلنا بالعموم، وإنما أردنا حمل كل لفظ أتى على ما يقتضي، ولو لم يقتض إلا اثنين من النوع، فإن ذلك عموم لهما، وإنما أنكرنا تخصيص ما اقتضاه اللفظ بلا دليل أو التوقف فيه بلا دليل، مثل قوله تعالى: * (ولا تقتلوا النفس التى حرم الله الا باحلق فقلنا هذا عموم لكل نفس حرمهما الله من انسان ملى أو ذمى لم يتأتنا ما يوجب القتل لهما ومن قتل حيوانا نهى عن قتله إما لتملك غيرنا له أو لبعض الأمر ومثل قوله تعالى ولا تنحكوا ما نكح آباؤ كم من النساء الا ما قد سلف فإنما أنكرنا استباحة نفس بلا دليل ونكاح ما نكح الآباء، ومن خالفنا لزمه ألا ينفذ تحريم قتل نفس إلا بدليل، وألا يحرم كثيرا منكح الآباء إلا بدليل من غير هذه الآية، مبين لكل عين في ذاتها، وهذا يخرج إلى الوسواس، وإلى إبطال التفاهم وبطلان اللغة، وبطلان الدين ومثل قول رسول الله (ص): البر بالبر ربا، إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا، إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا، إلا هاء وهاء، والملح بالملح ربا إلا هاء وهاء، والذهب","part":3,"page":340},{"id":344,"text":"بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء فوجب حمل كل ذلك على كل بر، وكل شعير، وكل تمر، وكل ملح، وكل ذهب، وكل فضة، وكقوله عليه السلام: كل مسكر حرام فوجب أن يحمل على كل مسكر، وكل من تعدى هذا فقد أبطل حكم اللغة، وحكم الديانة.\rقال علي: وشغبوا أيضا بآيات الوعيد مثل قوله تعالى: * (وإن الفجار لفي جحيم) * * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * قالوا: وهي غير محمولة على عمومها.\rقال علي: ولولا النصوص الواردة بقبول التوبة، وبالموازنة، وبغفران السيئات باجتناب الكبائر لوجب ضرورة حمل آيات الوعيد على ظاهرها وعمومها، ولكن صرنا إلى بيان خطاب آخر، وكذلك القول في الآية الاخرى، وفي كل آية وخطاب حديث وخبر، ونحن لا ننكر تخصيص العموم بدليل نص آخر أو ضرورة حس، وإنما أنكرنا تخصيصه بلا دليل.\rقال علي: وسألونا أيضا فقالوا: تعتقدون في أول سماعكم الآية والحديث، قبل تفهمكم فالجواب: إننا نعتقد العموم ولا بد من ذلك، وإلا أننا في أول سماعنا وقبل تفقهنا لسنا مفتين ولا حكاما ولا منذرين، حتى نتفقه، فإذا تفقهنا حملنا حينئذ كل لفظ على ظاهره وعمومه وحكمنا بذلك، وأفتينا وتدينا إلا ما قام عليه دليل أنه ليس على ظاهره وعمومه فنصير إليه، ولو أن حاكما، أو مفتيا لم يبلغه تخصيص ما بلغه من العموم، لكان الفرض عليهما الحكم بالذي بلغهما من العموم والفتيا به، وإلا فهما فاسقان حتى يبلغهما الخصوص فيصير إليه.\rثم نعكس عليهم هذا السؤال فنقول: ماذا تعتقدون في الآية والحديث إذا سمعتموها قبل تفقهكم، أتعتقدون في بطلان الطاعة لهما، وأنهما منسوخان، أو تعتقدون وجوب الطاعة لهما وأنهما مستعملان محكمان، ما لم يقم دليل على نسخهما ؟ فإن قالوا: نعتقد أنهما منسوخان، وأنهما على الوقف فارقوا قول جميع المسلمين، وأدى ذلك إلى إبطال جميع الشرائع ومفارقة الاسلام، لان الدليل الذي يطلب على بطلان النسخ ليس إلا آية أخرى، أو نصا أو إجماعا، ويلزمهم من الوقف في الآية الاخرى، وفي الحديث الآخر أو من القول بأنهما منسوخان ما لزم في الخطاب الاول، ولا فرق، وهكذا أبدا، ولزمهم الوقف أيضا في دعواهم الاجماع،","part":3,"page":341},{"id":345,"text":"لعل ههنا خلافا فبطلت الديانة على قولهم، ووجب بهذا القول ألا يعمل أحد\rبشئ من الدين إذ لعل ههنا شيئا خصه أو شيئا نسخه، وهذا خلاف دين الاسلام، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من كل قول أدى إلى هذا، وإن قالوا: بل على أنهما محكمان حتى يقوم دليل على أنهما منسوخان رجعوا إلى الحق، وهذا يلزمهم في القول بالوقف أو الخصوص ولا فرق.\rقال علي: وشغبوا أيضا فقالوا: نحن في الخطاب الوارد كالحاكم، شهد عنده شاهدان، فلا بد له من السؤال عنهما والتوقف حتى تصح عدالتهما.\rقال علي: وهذا تشبيه فاسد، لان الشاهدين لو صح عندنا قبل شهادتهما أنهما عدلان فهما على تلك العدالة، ولا يحل التوقف على شهادتهما، والفرض إنفاذ الحكم بها ساعة يشهدان، وكذلك ما أيقنا أنه خطاب الله تعالى، أو خطاب رسوله (ص) لنا، وإنما نتوقف في الشاهدين إذا لم نعلمهما، وكذلك نتوقف في الخبر إذا لم يصح عندنا أنه عن النبي (ص) فلا نحكم بشئ من ذلك.\rقال علي: ومما احتجوا به أن قالوا قال الله تعالى: * (تدمر كل شئ) * قال تعالى: * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) * وقال تعالى: * (أوتيت من كل شئ) * وقد علمنا أن الريح تدمر كل شئ في العالم، وأن بلقيس لم تؤت كل شئ، لان سليمان عليه السلام أوتي ما لم تؤت هي.\rقال علي: وهذا كله لا حجة لهم فيه أما قوله تعالى: * (تدمر كل شئ) * فإنا قد قلنا إن الله تعالى لم يقل ذلك وأمسك، بل قال تعالى: * (تدمر كل شئ بأمر ربها) * فصح بالنص عموم هذا اللفظ، لانه تعالى إنما قال: إنها دمرت كل شئ على العموم من الاشياء التي أمرها الله تعالى بتدميرها فسقط احتجاجهم بهذه الآية، وأما قوله: * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) * فهذه الآية مبطلة لقولهم، لانه إنما أخبر أنها دمرت كل شئ أتت عليه لا كل شئ لم تأت عليه فبطل تمويههم.\rوأما قوله تعالى: * (وأوتيت من كل شئ) * فإنما حكى تعالى هذا القول عن\rالهدهد، ونحن لا نحتج بقول الهدهد، وإنما نحتج بما قاله الله تعالى مخبرا به لنا عن علمه، أو ما حققه الله تعالى من خبر من نقل إلينا خبره، وقد نقل تعالى إلينا عن","part":3,"page":342},{"id":346,"text":"اليهود والنصارى أقوالا كثيرة، ليست مما تصح.\rفإن قال قائل: فإن سليمان عليه السلام قال للهدهد: * (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) * قلنا نعم، ولكن لم يخبرنا الله تعالى أن الهدهد صدق في كل ما ذكر، فلا حجة لهم في هذه الآية أصلا.\rثم نقول لهم، وبالله تعالى التوفيق: إذا احتججتم بهذه الآيات في حمل القرآن، وكلام النبي (ص) على الخصوص لا على العموم، فالتزموا ذلك، ولسنا نبعدكم عن هذه الآية التي احتججتم بها، فنقول لكم، قول الله تعالى: * (و جعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصار هم ولا أفئد تهم من شئ إذا كانو يجحدون بآيات الله) * فأخبرونا على قوله تعالى، في هذه الآية، إن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا أهو على عمومه ؟ أم يقولون: إنها أغنت عنهم شيئا ؟ فإن قلتم كذبتم ربكم، وإن لم تقولوا، تركتم مذهبكم الفاسد، ومثل هذا في القرآن كثير جدا، بل هو الذي لا يوجد غيره أصلا في شئ من القرآن والكلام إلا في مواضع يسيرة قد قام الدليل على خصوصها، ولولا قيام الدليل على خصوصها لم يحل لاحد أن يحملها إلا على العموم، وبالله تعالى التوفيق قال علي: وموهوا أيضا بما هو عليهم لا لهم، وهو تردد بني إسرائيل في أمره تعالى لهم بذبح البقرة.\rقال علي: ومن كان هذا مقداره في العلم فحرام عليه الكلام فيه، لان الله تعالى ذمهم بذلك التوقف أشد الذم، أفيسوغ لمسلم أن يقوي مذهبه بأنه موافق لامر ذمه الله عز وجل ؟ ولو لم يكن في ترددهم إلا قولهم لموسى عليه السلام: * (أتتخذنا\rهزوا قال) * جوابا لقوله: * (إن الله يأمر كم أن تذبحوا بقرة) ومن خاطبه نبي عن الله عز وجل بأمر ما، فجعله المخاطب هزوا فقد كفر.\rقال علي: فحسبهم وحسبنا لهم اقتداؤهم باليهود الحاملين كلام ربهم تعالى على أنه هزء، واحتجوا بقوله: * (خلق كل شئ) * وهو عز وجل غير مخلوق، وبقوله تعالى: * (الذين قال لهم الناس ان الناس قد جعوا لكم فاخشو هم) *.\rقال علي: وإنما قال ذلك لهم بعض الناس، وإنما كان الجامعون لهم بعض الناس لا كلهم.","part":3,"page":343},{"id":347,"text":"قال علي: نحن لا ننكر أن يرد دليل يخرج بعض الالفاظ عن موضوعها في اللغة، بل أجزنا ذلك، وهاتان الآيتان قد قام البرهان الضروري على أن المراد بخلقه تعالى كل شئ: أن ذلك في كل ما دونه عز وجل على العموم، وهذا مفهوم من نص الآية، لانه لما كان تعالى هو الذي خلق كل شئ، ومن المحال أن يحدث أحد نفسه لضرورات براهين أحكمناها في كتاب الفصل، صح أن اللفظ لم يأت قط لعموم الله تعالى فيما ذكر أنه خلقه، وكذلك لما كان المخبرون لهؤلاء بأن: * (الناس قد جمعو لهم) * ناسا غير الناس الجامعين، وكان الناس الجامعون لهم غير الناس المخبرين لهم، وكانت الطائفتان معا غير المجموع لها، علمنا أن اللفظ لم يقصد به إلا ما قام في العقل، وإنما ننكر دعوى إخراج الالفاظ عن مفهومها بلا دليل، وكذلك لا ننكر نسخ الامر كله بدليل يقوم على ذلك، وإنما ننكر دعوى النسخ بلا دليل.\rقال علي: وموهوا أيضا بأن قالوا: لو كان للعموم صيغة تقتضيه، ولفظ موضوع له، لما كان لدخول التأكيد عليه معنى، لانه كان يكتفى في ذلك باللفظ الدال على العموم.\rقال علي: وهذا تعليم منهم لربهم أشياء استدركوها لا ندري ما ظنهم فيها،\rأنسيان أم فوات أم عمد ؟ وكل هذا كفر، وهذا جري منهم على عادتهم في الحكم بالقياس في أشياء ادعوا أن ربهم تعالى لم يذكرها، ولا حكم فيها، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من ذلك، ونقول: إنه علم لنا إلا ما علمنا، وأن التأكيد في اللغة موجود كثير، كتكراره تعالى ما كرر من الاخبار، وكتكراره عز وجل سورة واحدة: * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) * إحدى وثلاثين مرة: * (ويفعل الله ما يشآء) * و: * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * ولهذا أعظم الفائدة لانه تعالى علم أنه سيكون في خلقه قوم أمثالهم يرومون إبطال الحقائق فحسم من دعاويهم ما شاء بالتأكيد، وليقيم بذلك الحجة عليهم وترك التأكيد فيما شاء، ليضلوا فيها ويستحق منهم من قلد وعاند العذاب الاليم، ويؤجر من أطاع وسلم الاجر الجزيل بمنه وطوله، لا إله إلا هو ولو أنه تعالى لم يكرر ما كرر من أخبار الامم السالفة، ومن أمره فأقيموا","part":3,"page":344},{"id":348,"text":"الصلاة وآتوا الزكاة، في غير ما موضع، ومن أمره تعالى بالايمان واجتناب الكفر في غير ما سورة، ومن ذكر النار والجنة في غير ما سورة فما كان ذلك مسقطا لوجوب ما وجب من ذلك كله إذ كرره، ولكان ذلك واجبا بذكره مرة واحدة، كوجوبه إذا ذكر ألف ألف مرة ولا فرق، ولكان الشك في خبر ذكر مرة واحدة، أو تكذيبه يوجب الكفر، كوجوب الكفر بالشك فيما كرره ألف مرة، وكوجوب الكفر بتكذيبه ولا فرق، وقد ذكر تعالى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن، ولم يذكر قصة يوسف عليه السلام إلا مرة واحدة، ولا فرق عند أحد من الامة بين صحة قصة يوسف، وبين صحة قصة موسى عليهما السلام، ومن شك في ذلك فهو كافر مشرك حلال الدم والمال، فالتأكيد كالتكرار ولا فرق، ولو لم يؤكد تعالى ما أكد لكان واجبا\rوعاما، لا يقتضيه اسمه، كوجوبه مع التأكيد، ولا فرق، وإنما معنى التأكيد كمعنى قول القائل: أنا شهدت فلانا، ونظرت إليه بعيني هاتين، وهو يفعل أمر كذا، وقد علمنا أن النظر لا يكون إلا بالعينين، وكذلك يقول سمعت بأذني والسمع لا يكون إلا بالاذنين، ولو سكت عن ذلك لعلمنا من خبره كالذي علمنا إذا ذكر العينين والاذنين ولا فرق.\rوأيضا فإن الاستثناء جائز بعد التأكيد، كجوازه قبل التأكيد فنقول: رأيت الوجوه إلا فلانا، فلو كان التأكيد مخرجا للكلام عن الخصوص إلى العموم لما جاز فيه الاستثناء، فصح أنه بمنزلة التكرار ولا فرق.\rقال علي: ثم نعكس عليهم سؤالهم الفاسد، فنقول لهم: لو جاز أن تكون صيغة العموم للخصوص لما جاز أن يدخل عليها للتأكيد فينقلها إلى العموم، وهذا لهم لازم، لانهم صححوا هذا السؤال، فكل من صحح القضية فهي لازمة له، وليست لازمة لمن يصححها ولا ابتدأ السؤال.\rقال علي: ولو صح قولهم لوجب أن يكون كل شئ انتقل عن حاله باطلا، وأن يكون ذلك الانتقال دليلا على أن المنتقل لم يكن حقا، لانه يلزمهم أن الشئ لو كان حقا لما صار باطلا، ولما قام دليل على بطلانه، ونحن نجد الحياة للانسان باتصال النفس في الجسد، ثم تذهب تلك الحياة وتبطل بيقين، فيلزمهم إذ قالوا:","part":3,"page":345},{"id":349,"text":"لو كان العموم حقا لما انتقل لفظه إلى خصوص، أن يقولوا: لو كانت الحياة حقا لما انتقل حاملها إلى الموت، هذا مع افتقار دليلهم هذا إلى دليل، وأنه دعوى مجردة ساقطة، لان دعواهم أن انتقال الشئ عن مرتبته مبطل لكونها مرتبة لها دعوى ساقطة، يشبه سؤال السوفسطائية واليهود، وقد أبطلنا استدلالهم في ذلك في كتاب الفصل بحمد الله تعالى.\rقال علي: وقالوا أيضا: لو كان العموم حقا لما حسن الاستثناء منه، وصرفه بذلك إلى الخصوص.\rقال علي: وهذا غاية التمويه، لان العموم صيغة ورود اللفظ الجامع لاشياء ركب ذلك اللفظ عليها، فإذا جاء الاستثناء، كان ذلك اللفظ مع الاستثناء معا صيغة للخصوص، وهذا نص قولنا، فورود الاستثناء عبارة عن الخصوص وعدم الاستثناء عبارة عن العموم.\rقال علي: ثم يعكس عليهم هذا السؤال نفسه فيقال لهم: لو كان للخصوص صيغة لما كان للاستثناء معنى، لانه لم يكن يستفاد به فائدة أكثر مما يفهم من اللفظ قبل ورود الاستثناء، وقد قدمنا أنه إنما يلزم القضية من صححها وسأل بها، وأما نحن، فهذه كلها سؤالات فاسدة، ولكنها لهم لازمة إذا ابتدؤوا بالسؤال بها.\rوقالوا أيضا: لو كان اللفظ يقتضي العموم ما حسن فيه الاستفهام، أخصوصا أراد أم عموما ؟ فلما حسن فيه الاستفهام علمنا أنه لا يقتضي العموم بنص لفظه.\rقال علي: وهذا كالاول، وإنما يحسن الاستفهام من جاهل بحدود الكلام، واستفهام المستفهم عن الآية أو الحديث مذموم، وقد أنكر ذلك رسول الله (ص) وقال: اتركوني ما تركتكم، ثم نعكس عليهم هذا السؤال نفسه فنقول لهم: لو كان اللفظ يفهم منه الخصوص، لما كان للاستفهام معنى.\rقالوا: ألا ترى أن السؤال والاستفهام لا يحسن في الخبر عن الواحد، لانه مفهوم من نص لفظه.\rقال علي: وهذا خطأ، لان الاستفهام يحسن في الواحد كحسنه في العموم، وذلك أن يقول القائل: أتاني اليوم زيد، فيقول السامع: أجاءك زيد نفسه ؟ إما على سبيل الاكبار، وإما على سبيل السرور، أو على بعض الوجوه المشاهدة،","part":3,"page":346},{"id":350,"text":"وهذا أمر معلوم لا ينكره ذو عقل، وقد يحسن ذلك الشريعة أيضا من طالب راحة أو تخفيف، كما سأل ابن أم مكتوم إذ نزلت آية المجاهدين، فطلب أن يخرج له عذر من عموم اللفظ الوارد، وقد كان له كفاية في غير هذه الآية في قوله تعالى: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) * وما أشبه ذلك، وكسؤال العباس في الاذخر فاستثنى من العموم في النهي عن أن يختلى خلا الحرم بمكة، وقد يحسن أيضا الاستفهام في العدد، كقول القائل: أتاني عشرة من الناس في أمر كذا فيقول له السامع: أعشرة ؟ فيقول: نعم وذلك نحو قول الله عز وجل: * (ثلاثه أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) * فقد كنا نعلم لو لم يذكر تعالى العشرة، إن ثلاثة وسبعة عشرة، وقد كنا نعلم بقوله تعالى: * (تلك عشرة) * إنها عشرة، ولكنه تعالى ذكر * (كاملة) * كما شاء، فلما صح كل ما ذكرناه وحسن الاستفهام عن اسم واحد، وعن العدد وهو لا يحتمل صرفا عن وجهه أصلا، ولم يكن ذلك مجيزا لوقوع اسم الواحد على أكثر من واحد، وكذلك في العدد - لم يكن أيضا وقوع الاستفهام في العموم، موجبا لاسقاط حمله على العموم، وبالله تعالى التوفيق.\rوقالوا أيضا: أرأيتم قولكم بالعموم ؟ أبعموم قلتموه وعلمتم صحته، أم بغير عموم ؟ قال علي: وهذا من الهذيان الذي قد تقدم إبطالنا إياه في كلامنا في حجة العقل، وهو سخف أتى به بعض السوفسطائيين القاصدين إبطال الحقائق، وهو ينعكس عليهم في قولهم بالخصوص وفي قولهم بالوقف، فيقال لهم: أرأيتم قولكم بالوقف، أبو قف قلتموه وعلمتموه أم بغير وقف ؟ وأرأيتم قولكم بالخصوص، أبخصوص قلتموه وعلمتموه أم بغير خصوص ؟ والجواب الصحيح المبين لجهلهم: هو أننا نقول، وبالله تعالى التوفيق: إنما قلنا بالعموم استدلالا بضرورة العقل الحاكم بأن اللغة إنما هي رتبت لكل معنى في العالم، عبارة مبينة عنه موجبة للتفاهم بين المخاطب والمخاطب، ولاننا وجدنا الاجناس العامة\rللانواع الكثيرة، ووجدنا الانواع العامة للاشخاص الكثيرة - يخبر عنها بأخبار، وترد فيها شرائع لوازم، فلا بد ضرورة من لفظ يخبر به عن الجنس كله، وهذا لا بد منه، وإلا بطل الخبر عن الاجناس، وهذا ما لا سبيل إليه أصلا،","part":3,"page":347},{"id":351,"text":"ولا بد أيضا من لفظ يحضر به عن بعض ما تحت الجنس، ليفهم المخاطب بذلك ما يريد، ومبطل هذا مبطل للعيان، جاحد للضرورات.\rوسألوا أيضا فقالوا: إن كان قولكم بالعموم والظاهر حقا، فما قولكم فيمن سمع آية قطع يد السارق، وآية جلد الزناة، وآية تحريم المرضعات لنا، والراضعات معنا، ولم يسمع أحاديث التخصيص لكل ذلك، ولا آية التخصيص للاماء، أتأمرونه بقطع يد من سرق فلسا من ذهب، وبجلد الامة والعبد مائة مائة إذا زنيا، وتحرمون من أرضعت رضعتين، وتقولون إنه مأمور من عند الله تعالى بذلك ؟ فلزمكم القول بأنه مأمور بما لم يأمر به، والقول بأنه مأمور بالباطل أو تأمرونه بأن لا ينفذ شيئا من ذلك حتى يطلب الدليل فيتركون القول العموم بالظاهر.\rقال علي: فنقول، وبالله تعالى التوفيق: إن الله تعالى لم يأمر قط بقطع سارق أقل من ربع دينار ذهبا ولا حرم قط من أرضعت أقل من خمس رضعات، ولا أمر قط بجلد العبد والامة أكثر من خمسين، لان الرسول عليه السلام قد بين كل ذلك وكلامه عليه السلام وكلام ربه سواء، في أنه كله وحي، وفي أنه كله لازمة طاعته، فالآيات التي ذكروا، والاحاديث المبينة، لها مضموم كل ذلك بعضه إلى بعض غير مفصول منه شئ عن آخر، بل هو كله كآية واحدة أو كلمة واحدة، ولايجوز لاحد أن يأخذ ببعض النص الوارد دون بعض، وهذه النصوص وإن فرقت في التلاوة فالتلاوة غير الحكم، ولم تفرق في الحكم قط، بل بين النبي (ص) ذلك مع ورود الآي معا، ولا يفرق بين قوله تعالى\r: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * مع قوله عليه السلام: لا قطع في أقل من ربع دينار فصاعدا وبين قوله تعالى: * (ألف سنة إلا خمسين عاما) *.\rوكذلك لا فرق بين قوله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم) * وبين نزول خمس رضعات محرمات ناسخة لعشر محرمات، وبين قول القائل: لا إله إلا الله، فلا يجوز أن يفصل شئ من ذلك في الحكم عن بيانه، كما لا يحل لاحد أن يأخذ القائل لا إله إلا الله في بعض كلامه دون بعض، فيقضي عليه بقوله: لا إله بالكفر، لكن نضم كلامه كله بعضه إلى بعض فنأخذه بكلامه وكذلك إذا نزلت الآية المجملة أتى بعقبها الاحاديث المفسرات فكان ذلك","part":3,"page":348},{"id":352,"text":"مضمونا بعضه إلى بعض، ومستثني بعضه من بعض، ومعطوفا بعضه على بعض، فبطل ماراموا أن يموهوا به، وصح أنه سؤال فاسد، وأن الذين خوطبوا بالآيات المذكورات خوطبوا ببيانها معا، وأما نحن فكل إنسان منا فلا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون لم يتفقه في الدين، أو يكون قد تفقه في الدين ولا سبيل إلى وجه ثالث، فالذي لم يتفقه في الدين وليس من الذين خاطبهم الله بقوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * ولا من الذين خوطبوا بالفتيا والحكم في تحريم المرضعات، ولا من المأمورين بجلد الزناة، وإنما أمر بذلك كله الفقهاء والحكام العالمون باللغة والفقه، بلا خلاف من أحد من المسلمين في ذلك.\rوقد بين تعالى ذلك بقوله: * (وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذ رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * فصح بالنص أنه ليس كل أحد مأمورا بالتفقه في غيما يخصه في نفسه.\rفصح بما ذكرنا أن المأمورين بتنفيذ الاحكام والفتيا في الدين الفقهاء الذين قد سمعوا النصوص كلها، وعرفوها وعرفوا الاجماع والاختلاف، وأن كل من\rكان بخلاف هذه الصفة، فلم يأمر قط بقطع من سرق جبالا من ذهب، ولا بأن يفتي يفتى في تحريم من أرضعت ألف رضعة ولا بجلد زان حرا أو عبدا وكل متفقه فقبل أن يكمل تعلم النصوص والإجماع فهو، غير مأمور ولا مخاطب بالحكم في شئ ولا بالفتيا في شئ، لكنه مأمور بالطلب والتعليم، فإذا فقه فحينئذ لزمه تنفيذ ما سمع على عمومه وظاهره، ما لم يأت نص بنسخ أو تخصيص أو تأويل، فبطل سؤالهم بطلانا ظاهرا، والحمد لله تعالى.\rولكنا نقول: لو أن امرأ سمع هذه الآيات، ولم يسمع ما خصصها لكان حكى العمل بما يبلغه التخصيص، فيلزمه حينئذ كما قلنا في المنسوخ، سواء بسواء وليس بعد النبي (ص) من أحاط بجميع العلم، وإنما يلزم كل واحد ما بلغه، وقد رجم عثمان التي ولدت لستة أشهر، وقد أمر عمر برجم مجنونة حتى نهاه علي عن ذلك وأخبره بأن النبي (ص) أخبر أن القلم مرفوع عن المجنون.\rقال علي: وهم تناقضوا في هذه الآيات بلا دليل، فحملوا بعضها على العموم، وبعضها على الخصوص، فتركوا قولهم بالوقف، وحملوا على العموم ما قد صح","part":3,"page":349},{"id":353,"text":"الخصوص فيه، واعترضوا أيضا بأن قالوا: لما كان المعهود أن يقول القائلون: جاءني بنو تميم، وفسد الناس، ولا خير في واحد، وذهب الخلق وذهب الوفاء، ولا يكون ذلك كذبا، وقد تيقنا أنه لم يرد بذلك جميع بني تميم، ولا جميع الناس، ولا جميع الا حدين، ولا جميع الخير، ولا جميع الخلق ولا الوفاء كله صح الخصوص.\rقال علي: وهؤلاء القوم لا ندري مع من يتكلمون، ونحن لم ننكر أن يكون في اللغة ألفاظ يقوم الدليل على أنها مخصوصات، وكل ما ذكروا فقد قام الدليل على أنه ليس على عمومه كما قام الدليل، على أن آيات كثيرة أنها منسوخة لا يحل العمل بها، فلما لم يكن كل ذلك واجبا أن تحمل النسخ من أجله على سائر الآيات، لم يكن أيضا واجبا أن نحمل التخصيص على كل لفظ من أجل وجودنا ألفاظا\rكثيرة قد قام الدليل على أنها مخصوصة، ولكن القوم يسوموننا إذا وجدنا لفظا منقولا عن موضوعه في اللغة أن نحكم بذلك في كل لفظ، وفي هذا إبطال اللغة كلها، وإبطال التفاهم وإيجاب للحكم بلا دليل، والدليل الذي قام على تخصيص ما ذكروا، علمنا أنه لو أراد به العموم لكان كاذبا، وأما لو أمكن أن يكون صادقا لما انتقل عن عمومه إلا بدليل.\rقال علي: وقالوا أيضا: قد اتفقنا على وجوب استعمال الخطاب على بعض ما اقتضاه، واختلفنا في سائره، فلا يلزمنا إلا ما اتفقنا عليه.\rقيل لهم، وبالله تعالى التوفيق: هذا اعتراض فاسد من وجوه كثيرة أحدها: أنه خلاف النصوص والعقول والاجماع، لان الامة مجمعة، والعقول قاضية، والنصوص من القرآن والسنن واردة - كل ذلك متفق - أن ما قام عليه دليل برهاني فواجب المصير إليه، وإن اختلف الناس فيه وواجب ألا نقتصر على ما أجمع عليه دون ما اختلف فيه إلا في المسائل التي لا دليل عليها إلا الاجماع المجرد المنقول إلى النبي (ص).\rوأيضا فقد قال تعالى: * (فإن تناز عتم في شئ فردوه الى الله والرسول فأمر تعالى عند التنازع بالرد إلى القرآن والسنة ودلائلهما قد قامت بوجوب حمل الالفاظ على موضوعها في اللغة.","part":3,"page":350},{"id":354,"text":"وأيضا فإن هذا من سؤالات اليهود إذ قالوا: قد وافقتمونا على نبوة موسى عليه السلام، وخالفناكم في نبوة محمد (ص)، وهذا سؤال فاسد، لان الدلائل التي أوجبت تصديق موسى عليه السلام، هي التي أوجبت تصديق محمد (ص)، فإن لم يجب بها تصديق نبوة محمد (ص) لم يجب بها تصديق نبوة موسى عليه السلام، وكذلك الدلائل التي دلت على حمل لفظ الخصوص على\rالخصوص التي دلت على حمل العموم على العمل، والدلائل التي دلت على حمله اللفظ على ذلك البعض وافقتمونا عليه: هي التى دلت حمله على سائره الذي خالفتمونا فيه، ولا فرق.\rوأيضا، فإنهم مناقضون لهذا القول، لانه كان يلزمهم على ذلك ألا يقتلوا مشركا إلا مشركا اتفقوا على قتله، وهم لا يفعلون، لان قائل هذا إن كان مالكيا فقد ناقض، لانه لم يقتل المرأة المرتدة، ولم يتفق على قتلها، ويقتل ولد المرتد الحادث له الردة إذا بلغ ولم يسلم، وابن ابنه كذلك، ولم يتفق على قتلهم، ويقتل المشرك إذا سب النبي (ص) ولم يتفق على قتله، وإن كان شافعيا، فكذلك أيضا.\rويقتل - زائدا على من ذكرنا - من خرج من اليهودية إلى النصرانية، ومن خرج من النصرانية إلى اليهودية إلا أن يسلم، وإن كان حنفيا، فهم يقتلون المسلم المختلف في قتله، إذا قتل كافرا، بعموم قوله تعالى: * (النفس بالنفس) * وأن من تورع عن قتل كافر قد أباح الله تعالى قتله، وجاء النص بقتله، وأقدم على قتل مسلم قد حرم الله دمه عموما وخصوصا بعموم آية لم نخاطب بها، ولا ألزمنا الحكم بما فيها، لعظيم الجرم قليل الورع مقدم على أكبر الكبائر، وبالله تعالى التوفيق.\rوكذلك إن قال: لا أقطع إلا سارقا اتفق على قطعه، فهم أيضا ينكرون ذلك لانهم نعني المالكيين - يقطعون في أقل من عشرة دراهم، وليس متفقا عليه، ويقطعون في الزرنيخ والنورة والفاكهة واللحم، وليس القطع في ذلك إجماعا، والحنفيون يقطعون من سرق شيئا مغصوبا من مال الغاصب، وليس قطعهم إجماعا، ويلزمهم بهذا القول إلا يقولوا إلا بما أجمع عليه.\rقال علي: وهم لا يفعلون ذلك البتة، فقد أفسدوا دليلهم وبالله تعالى التوفيق،","part":3,"page":351},{"id":355,"text":"فإنه يقال لهم: أبنص صح عندكم هذا القول أم بإجماع ؟ فإن قالوا: بنص، أو ذكروا دليلا ما، كذبوا، وادعوا ما لا يجدون أبدا، وكانوا مع كذبهم قد تركوا قولهم بألا يقولوا إلا بما أجمع عليه، لانهم يقولون بالنص، وإن خالف الاجماع، وإن قالوا: قلنا ذلك بإجماع كذبوا وجاهروا.\rوبالجملة فهذا مذهب لم يخلق له معتقد قط، وهو ألا يقول القائل بالنص حتى يوافقه الاجماع، بل قد أصبح الاجماع على أن قائل هذا القول معتقدا له كافل بلا خوف لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف بين أحد في وجوب طاعتها.\rقال علي: وقالوا أيضا: إن على المراد بالكلام دلائل تدل على الرضا والسخط، من تغيير اللون، وحدة الامر والنجه والبشر.\rقيل لهم وبالله تعالى التوفيق: ليس هذا مما نحن فيه، ولا كون هذه الاحوال مما يمنع من إخراج الامر على العموم، ثم نعكس عليهم هذا في قولهم بالخصوص والوقف فيلزمهم الوقف إلى أن يجتمعوا بالنبي (ص) يوم القيامة، وفي هذا إبطال الدين والخروج عن الاسلام، وتشبه هذه التساؤلات أن تكون سؤالات ملحد جاهل قليل الحياء.\rوقالوا أيضا: إنكم اعتقدتم العموم فيما أراد الله تعالى به الخصوص، فقد خالفتموه عز وجل، قيل لهم وأنتم إن أردتم الخصوص فيما أراد الله تبارك وتعالى العموم، فقد خالفتموه عز وجل، وإن اعتقدتم الوقف فيها حكم الله تعالى فيه بما حكم، من عموم أو خصوص - فلا بد من أحدهما - فقد خالفتم الله عز وجل بيقين لا شك فيه، ولا شك في أن الله تعالى لم يرد قط في شئ من أحكامه وقفا، بل أنفذ تعالى الحكم بما أنفذ.\rوأيضا فنحن قاطعون على أن كل أمر لم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس على عمومه، فهو على عمومه بلا شك ولا مرية، نقطع على ذلك عند الله عز وجل، ونقطع أيضا بأن كل من بلغه العموم ولم يبلغه الخصوص، أو بلغه المنسوخ ولم\rيبلغه الناسخ، فإن الله تعالى لم يلزمه قط إلا ما بلغه لا ما لم يبلغه، قال تعالى","part":3,"page":352},{"id":356,"text":": * (لانذر كم ومن بلغ) *، ونقطع بأن هذا كله هو الحق عند الله عز وجل لنصه تعالى، على أن عليه بيانه فما لم يبين على غير وجهه، فقد تيقنا على أنه مراد منا على اقتضاء لفظه، ولا بد.\rقال علي: فهذه اعتراضاتهم كلها قد استوعبناها ونقضناها، وبينا فسادها كلها وانعكاسها عليهم من فسادها بحمد الله تعالى، ونحن الآن شارعون - بتوفيق الله تعالى لنا وعونه إيانا - في إيراد البراهين على بطلان قولهم ووجوب حمل الالفاظ على عمومها، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: واحتج من سلف من القائلين بالعموم، المخالفين في ذلك فقال: لو كان الخطاب على الوقف أو الخصوص حتى يقوم الدليل على العموم، لكان ذلك الدليل لا ينفك ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما، وإما أن يكون لفظا بخطاب أو معنى مستخرجا من خطاب، فإن كان خطابا فالخطاب الثاني كالاول، ولا فرق إن كان يدل بنفسه على العموم، فالاول مثله، وإن كان الاول لا يدل بنفسه على أنه على العموم، فالثاني لا يدل أيضا، وإن كان معنى مستخرجا من خطاب، فلا يجوز أن يكون المعنى المستخرج من الخطاب أقوى من الخطاب الذي منه استخرج وهذا يقتضي وجوب خطابات لا نهاية لها، وهذا ممتنع لا سبيل إليه، ويؤدي أيضا إلى إبطال فهم كل خطاب أصلا.\rوقالوا أيضا: إننا وجدنا في اللغة أسماء للواحد لا تتعداه كزيد وكرجل من شأنه وصفته فلا يعقل منه أكثر من واحد، ووجدنا فيها أسماء التثنية لا تقع على واحد ولا على أكثر من اثنين، ووجدنا أيضا لفظا للجمع الزائد على الاثنين، فكان ذلك واقفا على كل ما يقتضيه الجمع إلا أن يأتي بيان باستثناء\rأو بصفة أو بعدد يختص بذلك بعض الجمع دون بعض فتصير إليه.\rوقالوا: يقال لمن قال بالخصوص: ما معنى قولكم هذا خصوص ؟ فلا جواب لهم إلا أن يقولوا هو حمل للاسم على بعض ما يقتضيه دون بعض مثل قوله تعالى: * (فاقتلوا المشركين حيث وجد تموهم) * فيقولون: هذا على بعض المشركين دون بعض، فيقال لهم فبأي شئ استحق عندكم هذا البعض - الذي حملتم اللفظ عليه - أن يكون محمولا عليه ذلك اللفظ دون سائر من أخرجتم عنه ؟ وما الفرق بينكم","part":3,"page":353},{"id":357,"text":"وبين من قال: بل اللفظ محمول على الذي أخرجتم عنه أنتم، وغير محمول على الذين حملتموه أنتم عليه، فإن قالوا: الدليل كذا صاروا إلى أن التخصيص إنما كان بدليل غير حمل اللفظ على بعض ما يقتضيه دون بعض بغير دليل، وهذا الامر لا ننكره، بل نقول متى قام الدليل على التخصيص صرنا إليه، وبطل بهذا حمل الاسم على بعض ما يقتضيه دون بعض بغير دليل، فذلك ما أردنا أن نبين، وهذا ترك منهم لمذهبهم الفاسد، وإن لم يكن بأيديهم إلا الاقتصار على التخصيص لمن خصوا بلا دليل، حصلوا على التحكم والدعوى، وكل دعوى بلا دليل فهي ساقطة، وبالله تعالى التوفيق.\rاحتجوا على القائلين بالوقف فقالوا: هذا القول إلى متى يكون ؟ فإن حدوا حدا كانوا متحكمين بلا دليل، وإن قالوا حتى ننظر في دلائل القرآن والسنة، سألناهم فقلنا لهم: فإن لم تجدوا دليلا على عموم ولا خصوص، ولم تجدوا غير اللفظ الوارد ماذا تصنعون ؟ فإن قالوا: نقف أبدا أقروا بالعصيان ومخالفة الاوامر، وأدى قولهم إلى أن الله يبين مراده، وأن الرسول (ص) لم يبين ولم يبلغ وهذا كفر.\rوإن قالوا: إن لم نجد دليل على الخصوص صرنا إلى العموم، فقد رجعوا\rإلى ما نكروا، وأقروا بأنهم إنما حملوا الكلام على العموم بصيغته ولفظه، وبعدم الدليل على الخصوص، وهذا هو نفس قولنا الذي أبوه أولا عادوا إليه من قريب، فإن قال قائل: إن هذا لا يوجد لزمهم السؤال الذي سألنا به أولا من قولنا لهم: هل يخلو الدليل من أن يكون لفظا آخر، أو معنى مستخرجا من لفظ ؟ وألزمهم إيقاظ التفاهم أبدا، وأيضا فإن ذلك موجود وقد قال تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا) * ولم تؤكد بشئ أصلا وهذا عندهم محمول على عمومه، وقد قال تعالى: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء.\rولم يأت بتوكيد زائد فحملوه على عمومه دو ن دليل غيره وارد اللفظ فقط، ومثل هذا كثير جدا، بل هو الاكثر في القرآن والسنة، وإنما ادعوا الخصوص في مسائل يسيرة، وليس هذا مكان احتجاجهم بقرينة الوعيد، لاننا إنما نكلمهم في عموم كل ما اقتضاه اللفظ لا في الوجوب.","part":3,"page":354},{"id":358,"text":"وقد حمل مالك قوله تعالى: * (وأنتم عاكفون في المساجد) * على عموم جميع المساجد بنص اللفظ، لا بدليل زائد ولا بيان وارد، وحمل قوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) * على جميع الازواج، بلا دليل زائد، وليس شئ من ذلك إجماعا.\rوحمل هو وأبو حنيفة قوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الأختين) * على عمومه في النكاح والوطئ بملك اليمين.\rوحملوا كلهم أيضا قوله تعالى: * (أمهاتكم وبناتكم م اللاتي أرضعنكم) * على عموم بلا دليل، بل الدليل قام على خصوص ذلك، فأبوا من قبوله، فبان تناقضهم في ذلك، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: ويلزمهم أيضا ألا يحكموا بالاجماع، إذ لعل ههنا خلافا\rلم يبلغهم ولا يحكموا بنص، إذ لعله منسوخ ولا يقاس لان القياس لا يكون إلا على نص أو إجماع والوقف واجب في النقص والاجماع، فبطل الدين كله على قول هؤلاء القوم.\rقال علي: ويقال لهم: ما الفرق بينكم وبين من خص بالخطاب بعض الازمان دون بعض، كما خصصتم أنتم بعض الاعيان دون بعض ؟ فإن قالوا: إن محمدا (ص) إنما بعث ليحكم في كل زمان.\rقيل لهم: وكذلك أيضا بعث عليه السلام ليحكم على كل أحد في كل عين ولا فرق.\rقال علي: وقد بينا في غير ما مكان أن اللغة إنما وضعت ليقع بها التفاهم، فلا بد لكل معنى من اسم مختص به: فلا بد لعموم الاجناس من اسم، ولعموم كل نوع من اسم، وهكذا أبدا إلى أن يكون لكل شخص اسمه، ومن سعى في إبطال هذا فهو سوفسطائي على الحقيقة، عاكس للامور على وجوهه، مفسد للحقائق، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.\rقال علي: ولا فرق بين الاخبار بالاوامر في كل ذلك وكل اسم فهو يقتضي عموم ما يقع تحته، ولا يتعدى إلى غير ما يقع تحته، والوعد والوعيد في كل ذلك كسائر الخطاب ولا فرق، والحديث والقرآن كله كاللفظة الواحدة، فلا يحكم بآية دون أخرى، ولا بحديث دون آخر، بل بضم كل ذلك بعضه إلى بعض، إذ ليس","part":3,"page":355},{"id":359,"text":"بعض ذلك أولى بالاتباع من بعض، ومن فعل غير هذا فقد تحكم بلا دليل.\rويقال لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: لعل الخطاب الوارد إنما خص به الصحابة دون غيرهم ؟ فكل ما قالوا ههنا فهو مردود عليهم في دعواهم خصوص بعض ما يقع عليه الخطاب دون بعض.\rويقال لهم: بأي شئ استجزتم قتل من قتلتم من المشركين، وقطع من قطعتم\rمن السراق، وجلدتم من جلدتم من الزناة، وحد من حددتم من القذفة، وخصصتموهم بإيقاع هذه الاحكام عليهم، دون سائر من يقع عليه اسم زان أو قاتل أو قاذف أو سارق، فهل ههنا إلا أنهم سرقوا وقتلوا وزنوا وقذفوا ؟ فهكذا فعل غيركم ممن أخرجتموه من الخطاب، وأسقطتم عنه ما حملتم على هؤلاء، فلاي معنى خصصتم من أمضيتم عليه الحكم دون من لم تمضوه عليه ؟ فإن قالوا: بدلائل دلت على ذلك، لم نأب ذلك، وقلنا لهم: هذا قولنا، وحسبنا أننا قد أزلناكم عن الحكم بالخصوص المجرد الذي هو الافتراء على الله عز وجل في الحكم عنه تعالى بما لم يأذن به، وقد رام قوم أن يفرقوا بين الاوامر والاخبار، واحتجوا بأنهم مضطرون إلى العمل بالاوامر، وليست الاخبار كذلك.\rوقال علي: وهذا فرق فاسد، لاننا مضطرون إلى وجوب اعتقاد صحة الاخبار وإلى الاقرار بها - وهي التي وردت بها النصوص - كما نحن مضطرون إلى العمل بالاوامر، ولا فرق، والاعتقاد الصحيح فعل الله تعالى في النفس والاقرار بالمعتقد فعل النفس بتحريكها آلات الكلام من اللسان والحنك ومخارج الحروف، فلا بد لها من أن تخص بالاقرار بما اعتقدت أو تعم، وخوف الخطأ في العمل في الاوامر، كخوف الخطأ في الاعتقاد للاخبار على ما لا يجوز، واعتقاد الباطل لا يجوز، كما لا يجوز العمل بالباطل فصح أن الاخبار كالاوامر ولا فرق.\rواحتج بعض من سلف من القائلين بالعموم على القائلين بالخصوص فقال: ما تقولون في قوله تعالى: * (الله وخاتم) * للنبيين من العرب دون غيرهم، أم عموم بنفس اللفظ ؟ فإن قالوا: خصوص كفروا، وإن قالوا: عموم بنفس اللفظ، تركوا لمذهبهم الفاسد، فإن ادعوا أن ذلك إجماع، لزمهم أن لا يقولوا إلا بما أجمع عليه فقط، وقد قدمنا إفساد هذا القول فإنهم لو قالوا","part":3,"page":356},{"id":360,"text":"لكانوا بذلك خارجين عن الاجماع، لان الامة مجمعة على أن الاقتصار على القول بالاجماع فقط دون الائتمار للنصوص - وإن وقع فيها اختلاف - حرام لا يفعله مسلم، ولا يسع مسلم فعله، والنص من القرآن والسنن، جاء بوجوب طاعة النبي (ص) وتحكيمه عند التنازع والاختلاف، وأيضا فهم لا يفعلون ذلك، فسقط تعلقهم بكل وجه، بحمد الله تعالى.\rفإن قالوا: علمنا أنه عليه السلام آخر النبيين بقوله (ص): لا نبي بعدي قيل لهم، وبالله تعالى التوفيق: وهذا يحتمل من الخصوص ما تحمله سائر النصوص، ولا فرق، ولعله أنه أراد لا نبي بعدي من العرب أو في الحجاز أو إلى مائة عام أو ما أشبه ذلك، كما زعمت العيسوية من اليهود والجر مدانية - القائلون بتواتر الرسل - والغالية التي قالت بنبوة علي ونزيع والمغيرة ومنصور الكسف بالكوفة، وبيان وأبي الخطاب، وأيضا فإن الاجماع إذ قد صح على ذلك فهو أعظم الحجج عليهم لاجماع الامة على حمل هذا الخطاب على عمومه، وكذلك يسألون عن قوله (ص): بعثت إلى الاحمر والاسود وهذا يحتمل من الخصوص ما احتمله: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * وما احتمله قوله عز وجل: * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) *، فلاي معنى خصصتم أحد الخطابين بلا دليل، وحملتم الآخر على عمومه بلا دليل إلا نفس اللفظ فقط ؟ واحتج عليهم بعض من سلف من القائلين بالعموم بأن قال إنكم متفقون على أن اللفظ إذا ورد فيه تأكيد فإنه محمول على عمومه، قال: فيقال لهم: إن التأكيد يحتمل من الخصوص مثل ما يحتمل الخطاب المؤكد ولا فرق، وقد جاء النص بذلك، فقال تعالى: * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون الا ابليس) * فجاء الاستثناء بعد تأكيدين اثنين.\rقال علي: قال تعالى: * (ولكن حق القول مني لاملان جهنم من الجنة والناس\rأجمعين) * ثم جاء الاستثناء بقوله: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ئ لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون وقال تعالى مخاطبا لابليس * (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم) * ثم جاء الاستثناء فيمن","part":3,"page":357},{"id":361,"text":"تاب عن اتباع إبليس، وفيمن تساوت حسناته وسيئاته التي اتبع فيها إبليس فجاء التخصيص كما ترى بعد التأكيد، فبطل احتجاجهم بالتأكيد، ولزمهم ألا يحملوا خطابا على عمومه أبدا، أكد أو لم يؤكد، ولزمهم الوقف أبدا وألا ينتفعوا بتأكيد ولا غيره.\rفإن قالوا: إنه يلزمهم إذا ورد الاستثناء، أن تقرروا بأن ذلك الخطاب أريد به الخصوص، قلنا لهم: وكذلك نقول: ولسنا معترضين على ربنا تعالى، ولا على نبينا (ص)، ولا نعلم إلا ما علمنا تعالى، ولا ننكر صرفهما الالفاظ عن وجوهها ولا شرعهما الشرائع علينا، ولا تحريم ما حرما، ولا تحليل ما حللا، ولو أمرانا بقتل آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا لسارعنا إلى ذلك مبادرين، أو أمسكنا مقرين بالمعصية غير داعين إلى ضلالة، ولا مصوبين لذنوبنا، بل مستغفرين الله تعالى من ذلك، راغبين في التوبة.\rقال علي: وما أخوفني أن يكون ملقي هاتين النكتتين من القول بالوقف، في اتباع الظاهر وفي الوجوب، وفي العموم وفي الفور ومن القول بصرف الالفاظ الواردة عن الله تعالى ورسوله (ص) إلى تأويل بلا دليل، وإلى سقوط الوجوب بلا دليل، وإلى الخصوص بلا دليل، وإلى التراخي بلا دليل كافرا مشركا زنديقا مدلسا على المسلمين، ساعيا في إبطال الديانة، فإن هذه الملة الزهراء الحنيفية السمحة كيدت من وجوه خمسة، وبغيت الغوائل من طرق شتى، ونصبت لها الحبائل من سبل خفية، وسعي عليها بالحيل الغامضة، وأشد هذه الوجوه سعي من تزيا بزيهم، وتسمى\rباسمهم، ودس لهم سم الاساود في الشهد والماء البارد، فلطف لهم في مخالفة القرآن والسنة، فبلغ ما أراد ممن شاء الله تعالى خذلانه، وبه تعالى نستعيذ من البلاء، ونسأله العصمة بمنه، لا إله إلا هو.\rفلتسؤ ظنونكم أيها الناس بمن يحسن لكم مفارقة ظاهر كلام ربكم تعالى، أو كلام نبيكم (ص) بغير بيان منها، أو إجماع من جميع الامة، وبمن يزين لكم التأخر عن طاعتها، ويسهل عليكم ترك الانقياد لهما، ويقرب لديكم التحكم في خطابهما، والفرق بينهما بطاعة بعض ومعصية بعض، وهذا هو التخصيص الذي يدعونه بلا دليل، وبالله نعتصم.","part":3,"page":358},{"id":362,"text":"قال علي: ويلزمهم إذا أجازوا تخصيص ألفاظ القرآن والسنن بلا دليل أو الوقف فيها، أن يجيزوا مثل ذلك في الاعداد ولا فرق، فيقفوا فيما أوجب الله تعالى من صيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة الواطئ في شهر رمضان، فلعله تعالى قد استثنى من الشهرين عشرة أيام في حديث لم يبلغهم، أو بقياس لم ينتبهوا له بعد كما استثنى تعالى من مدة نوح عليه السلام في قومه خمسين عاما بعد ذكره عز وجل ألف سنة، ومثل هذا لازم لهم في جميع ما خوطبوا به، وهذا قول كما قدمنا ليس فيه إلا إبطال الديانة مع فاحش تناقضهم، وأنه دعوى بأيديهم بلا دليل.\rفإن قالوا: هذا لا يجوز في الاعداد، لانه لو لم يكن الاستثناء متصلا بها لكانت كذبا قيل لهم: وكذلك الاخبار إن لم يكن على عمومها، ولم يأت نص آخر أو إجماع بتخصيصها كانت كذبا ولا فرق، وكذلك الاوامر إن كان المراد بها الخصوص، ولم يأت نص آخر، ولا إجماع بتخصيصها كانت تعنيتا، تعالى الله عن ذلك كله.\rقال لهم بعض من سلف القائلين بالعموم: فإذا لم يفهم من كل خطاب بمجرده ما اقتضاه لفظه فلعل قولك: نقول بالوقف: وقول من قال منكم نقول بالخصوص،\rإنما أردتم به في بعض المواضع دون بعض، ولعلكم أردتم غير ما ظهر إلينا من كلامكم، فإنكم تناظرونا دأبا في ألا نحمل الالفاظ على ظواهرها، ولا على عمومها، فأول ما ينبغي أن يستعمل هذا فيه، ففي كلامكم، فتجعلون في نصاب من لا يفهم عنهم مرادهم ولا يصح خطابهم، وصحت السفسطة بعينها عليهم.\rقال علي: وكذلك يقال أيضا للقائلين بالوقف أو الندب: أموجبون أنتم لحمل الاشياء الواردة من الله تعالى ونبيه (ص) على أنها غير واجبة، وعلى الوقف فيها، أم أنتم نادبون إلى ذلك ؟ فإن قالوا: نحن موجبون لذلك قيل لهم: فما الذي جعل كلامكم محمولا على الوجوب ؟ وكلام ربكم تعالى محمولا على غير الوجوب ؟ وهذا كفر شديد ممن اعتقده، وضلال عظيم ممن تقلده، وإن قالوا: بل نحن نادبون إلى ذلك أقروا أنهم لا يلزمنا قبول قولهم، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا قال علي: قولهم بحمل الالفاظ على الخصوص إنما معناه بحملها على بعض ما يقتضيه لفظها.\rقال علي: وهذا أمر ليس في طاقة أحد فهمه، والوقوف على حقيقته أبدا، لانه لا ندري أي أبعاض تلك الجملة يقبل، ولا أيها يرد، وليس بعضها أولى بحمل الحكم عليه من بعض، فصار ذلك تكليفا لما ليس في الوسع، وهذه هي السفسطة نفسها وإبطال الحقائق جملة، وقد أكذبهم تعالى بقوله: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ويقال لهم أيضا: أرأيتم قول الله تعالى: * (وعلم آدم الاسماء كلها) * لهذا التعليم الذي","part":3,"page":359},{"id":363,"text":"امتن الله تعالى به على أبينا آدم عليه السلام فائدة ؟ أم لا فائدة له ؟ فإن قالوا: لا فائدة له كفروا، وكذبتم الملائكة في إقرارهم بأن ذلك علم عظيم لم يكن عندهم حتى علمهم إياه الخالق عز وجل، وإن قالوا: إن لذلك التعليم فائدة سئلوا ما هي ؟ ولا سبيل إلى أن تكون تلك الفائدة إلا إيقاع الاسماء على مسمياتها، والفصل بين المسميات بالاسماء، ومعرفة صفات المسميات التي باختلافها وجب تخالف الاسماء، ليقع\rبذلك التفاهم بين النوع الذي أسكنه الله أرضه، وأرسل إليهم الانبياء بالشرائع، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.\rوإذ قد ثبت هذا وصح فكل من أراد أن يثبت أن الاسماء لا تفهم منها مسمياتها على عموم ما يقتضيه اللفظ، ولا يعرف بها ما علقت عليه فهو مبطل للعقل والشريعة معا، وبالله تعالى التوفيق، وله الحمد على جميع نعمه لا إله إلا هو.\rويلزمهم في قوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم) * أن يكون لعل ذلك في بعض الامهات دون بعض، وفي بعض الاخوات والبنات دون بعض، أو لعل الذي حرم هو بيعه أو أكلهن دون جماعهن كما حملتم قوله تعالى: * (فاقتلوا المشكين حيث وجدتمو هم) * على بعض المشركين دون بعض، فلم تبيحوا قتل الرهبان، ولا قتل المرتدات، ولا أولاد المرتدين إذا بلغوا كفارا، وكما فعلتم في القذف فلم تحدوا قاذف الكافرة والامة المسلمة، وسائر ما حملتموه على الخصوص، ومثل هذا لازم لهم في كل خطاب في القرآن والسنن، وبالله تعالى التوفيق.\rويقال لمن قال منهم: إن الذي يدل على حمل الالفاظ على عمومه إنما هو للتأكيد الوارد.\rقال علي: يقال لهم: لو كان التأكيد ما ذكرتم لكان كلامهم متناقضا، لانا نجد التأكيد يأتي مرتين وثلاثا، الاول، يأتي لاخراج اللفظ من الخصوص إلى العموم، الثاني: مثله أيضا، ولو وجب أن يكون مخرجا للكلام المؤكد والتأكيد الاول - عن الخصوص إلى العموم، فكان يكون التأكيد الاول خصوصا وعموما معا، وهذا ولا يعلل الصحيح في ذلك ما قدمناه من أن التأكيد إنما هو حسم لشغب أمثالهم فقط، وليس التأكيد مخرجا للكلام المؤكد عن خصوص إلى عموم أصلا، وقد قال الله تعالى: * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) * وقد أجاب بعض القائلين بالوقف عن هذه المسألة فقال: معنى قوله تعالى: * (أجمعون) * ي بعد ذكر: * (كلهم) * هو غير المعنى في * (كلهم) * ى لان * (كلهم) * هو مخرج لقوله تعالى: * (الملائكة) * وعن الخصوص إلى\rالعموم و: * (وأجمعون) * دال على أنهم سجدوا مجتمعين لا مفترقين.\rقال علي: وهذا جهل شديد، وكذب مفرط، لان جميعا ليس معناه الاجتماع، ولا هو","part":3,"page":360},{"id":364,"text":"من بابه، وهذه مجاهرة في اللغة، ولا يعرفها أهل اللغة، ولا يعرف أحد من أهل اللسان أن قول القائل: أتاني القوم أجمعون، أنه أراد مجتمعين، بل جائز أن يكون الذين أتوا أفرادا مفترقين، وهذه هي السفسطة التي حذر منها الاوائل، وجملة الامران أن هؤلاء قوم تعلقوا بأنهم وجدوا ألفاظا خارجة عن موضوعها في اللغة إما إلى مجاز، وإما إلى معان مشتركة فرأوا بذلك إبطال الحقائق كلها، وإبطال وقوع الاسماء على مسمياتها، واختصاص كل اسم بمنعها، وعمومه لكل ما علق عليه كانوا بمنزلة من قال: لما وجدت في الكلام كذبا كثيرا فأنا أحمله كله على الكذب، ووجدت في الشريعة منسوخا كثيرا لا يحل العمل به، إذ لعله قصد به غير ما يعقل منه، ووجدنا العمل بجميعه، ولا فرق بين هذا وبين قولهم: وجدنا ألفاظا على غير ظاهرها، فنحن نقف في كل لفظ فلا نستعمله على مفهومه، إذ لعله قصد به غير ما يعقل منه، ووجدنا ألفاظا لا يراد بها عمومها، فنحن نقف في كل لفظ فلا نمضيه على ما علق عليه.\rقال علي: وقد قال بعض أهل الوقف، إذ سئل: فأي شئ نعرف بأن اللفظ على عمومه، بلفظ أم بمعنى ؟ وألزم أن احتمال التخصيص داخل في الثاني كدخوله في الاول، وهكذا أبدا، وكلف والفرق بين اللفظ الثاني والاول فبلح عند ذلك، إذ لا سبيل إلى فرق، فقال إن الاشياء التي بها يلوح العموم لا تحد ولا تحصر ولا سبيل إلى بيانها.\rقال علي: وهذه ثنية الانقطاع التي من بلغها سقط حسيرا، وعلم أنه لا حيلة عنده ولا قوة لديه، وهو دليل من دلائل العجز والضعف، وكل من أقر بأنه لا يقدر على بيان قوله، فقد حصل في محل لا يعجز عن مثله ذو لسان إذا استجاز لنفسه الفضائح، فلا يعجز أحد عن أن يدعي ما شاء من المحالات\rوالدعاوى، فإذا كلف بيانا أو دليلا قال: هذا لا يطاق عليه.\rقال علي: ونظر ذلك هذا المبلح، بأن قال: كما أن العدد الذي وجب ضرورة العلم في الاخبار لا سبيل إلى حده.\rقال علي: وقد كذب، بل ذلك محدود، وقد بينا فيما خلا، وهو أنه إذا ورد اثنان من جبهتين مختلفتين فحدثا غير مجتمعين، وقد تيقن أنهما لم يلتقيا ولا توطأ، فأخبرا بحديث طويل لا يمكن اتفاق خاطر اثنين على توكيده، ولم يكن هناك لهما ولا لمن حدثا رغبة فيما حدثا به وعنه، ولا رهبة ولا هوى وذكرا مشاهدة أو سماعا من اثنتين فصاعدا،","part":3,"page":361},{"id":365,"text":"كما وصفنا أيضا أنهما شاهدا، فهو خبر ضروي يوجب العلم واليقين بلا شك، وأن عشرات الالوف إذا حشدوا وكلفوا خبرا ما، ولهم في ذلك رغبة أو رهبة أو هوى فجائز اجتماعهم على فعل الكذب، وقد شاهدنا ذلك في شكر الولاة وذمهم، إلا أن هذا لا يخفى، بل هو معلوم ضرورة من قبلهم، لانهم وإن اجتمعوا على ما جمعوا له فكلهم يخبر صديقه وامرأته وجاره قبل أن يجمع، وبعد أن ينفض من ذلك الجمع بحقيقة الامر وجلية الخبر، وهذا مشاهد كل يوم من أحوال الناس ونقل أخبارهم من موت أو ولادة أو نكاح أو طلاق أو عزلة أو ولاية أو وقفة أو ما شبه ذلك، وإنما أغفل الناس هذا لقلة المتفقدين لمثل هذا وشبهه، ولكثرة من ينسى ما يمر عليه من ذلك، وأصيخوا رحمكم الله إلى ما نقول لكم: اعلموا ان كل من لا يحمل كلام تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على ظاهره عمومه والوجوب فإن مذهبه الذى يصرح به هو انه متى امره الله تعالى بأمر أو رسوله عليه السلام قال لا اقبل شيئا من هذا الكلام إذ لعل له بأويلا على العموم إذ لعلك أردث به بعض ما يقع عليه فاعرفوا الآن ان هذا هو الكفر الصريح والخرج عن السلام جهارا لابد منه أو من الرجوع الى طاعة الله ورسوله (ص) والائمار بالقرآن والسنن وأخذها على ماهى عليه في اللغة العربية\rوالعمل بما جاء الأمر الأمر فيهما فهذا هو الإسلام فعليكم به وارفضوا ما خالفه ما ذكرنا قبل ففيه لاح - بحمد الله تعالى - افك القائلين بالخصوص أو بالوقف قال فصل في بيان العموم والخصوص قال علي: الكلام ينقسم ثلاثة أقسام: فمنخصوص يراد به الخصوص بقوله: زيد وعمرو وما أشبه ذلك، وعموم يراد به العم، ومعنى ذلك حمله على كل ما يقتضيه لفظه، فمنه ما يكون اسما لجنس يعم أنواع كثيرة كقوله تعالى: * (وجعلنا من الماء كل شئ حى) * فيقع تحت الحي المذكور الانس وأنواع الطير كلها، وأنواع ذوات الاربع كلها، وأنواع الهوام كلها، وقد خرج من هذا العموم الملائكة لاخبار الرسول (ص)","part":3,"page":362},{"id":366,"text":"أنهم خلقوا من نور، وأما الجن فمن النار بنص القرآن، إلا أننا نبعد أن يكون في تركيبهم شئ من الماء، وإن كان العنصر هو النار، كما في تركيبنا الماء والنار والهواء، وإن كان عنصرنا التراب، ومنها ما يكون اسما لنوع ما كقوله تعالى: * (والخيل والبغال والحمير) * فهذا عموم لجميع الخيل، ولجميع البغال والحمير، دون سائر الانواع، وليس هذا خصوصا لان معنى قولنا: عموم وإنما هو ما اقتضاه اللفظ فقط دون ما تقتضيه، فمن سمى هذا خصوصا فقد شغب وشبك.\rوإنما يسمى ما بقي من الجملة بعد أن يستثنى منها خصوصا، وما استثني منها مما بقي خصوصا، لان العموم الذي ذكرنا قد ارتفع ضرورة، لان اللفظ حينئذ ليس محمولا على كل ما يقتضيه لفظه، فلما بطل أن يسمى ذلك عموما سمي خصوصا لانه خص منه بعضه دون بعض بالاستثناء وبالابقاء، ومنه ما يقع لاهل صفة ما من النوع، كقوله تعالى: * (ولذي القربى) *، فلما كان هذا عموما لذوي القربى كلهم دون غيرهم وكان شاملا لكل ما وقعت عليه هذه التسمية بهذه الصفة وكقوله تعالى: * (إنما\rالصدقات للفقراء والمساكين) * الآية، فكان ذلك عموما لكل صدقة فرض بدليل أخرج منها ما ليس فرضا، وكان ذلك عموما لكل مسكين، ولكل فقير، ولكل عامل عليها، ولكل مؤلف قلبه، ولكل ما سمي رقبة، إلا أن يخص شيئا من ذلك نص أو إجماع، وكذلك قوله (ص): الائمة من قريش فهذا عموم لكل قرشي إلا من خصه نص أو إجماع من النساء والصبيان، وكذلك سائر النصوص.\rوالقسم الثالث: عموم دل نص القرآن والسنة على أنه قد استثني منه شئ، فخرج ذلك المستثنى مخصوصا من الحكم الوارد بذلك اللفظ.\rقال علي: ومن العموم أن يكون لفظه مشتركا يقع على معان شتى، وقوعا مستويا في اللغة، ومعنى قولنا: مستو، أنه وقوع حقيقي، وتسمية صحيحة لا مجازية، فإذا كان ذلك فحملها واجب على كل معنى وقعت عليه، ولا يجوز أن يخص بها بعض ما يقع تحتها دون بعض بالبراهين التي أثبتنا آنفا في إيجاب القول بالعموم.\rقال علي: ومن خالف هذا من أصحاب الظاهرين، فقد تناقض، ولا فرق وبين وقوع اسم على ثلاثة من نوع فصاعدا إلى تمام جميع النوع كقولك: مساكين وفقراء، وبين وقوع اسم على ثلاثة أشياء فصاعدا مختلفة الحدود، يقع عليها كلها وقوعا مستويا، ليس بعضها أحق به من بعض، ولهذا قلنا في قوله تعالى: * (الزانية لا ينكحها إلا زان","part":3,"page":363},{"id":367,"text":"أو مشرك) * إن الآية على عمومها، ولا يحل لمسلم زان أو عفيف أن ينكح زانية مسلمة لا بوطئ ولا بعقد زواج، فإن وقع فسخ أبدا ما لم تتب قبل أن يعقد معها النكاح، ولا يحل لمسلمة زانية أو عفيفة أن تنكح زانيا ما لم يتب، فإن وقع الزواج فسخ أبدا، وأبحنا للزاني خاصة نكاح الذمية العفيفة فقط، لان النص لم يأت إلا بتحريم ذلك على المؤمنين خاصة، والزناة والزواني مؤمنون، فقد حرم ذلك عليهم بالنص، ولم يأت في ذلك تحريم على المشركين، وهذه كرامة المسلم والمسلمة، لا يدخل\rفيها المشركون لان حكمهم الصغار.\rوقد تناقض في هذا أصحابنا فحملوا النكاح ههنا على الوطئ خاصة، وحملوه في قوله تعالى: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * على العموم لكل ما يقع عليه اسم نكاح، وهذا كما ترى بلا دليل، وأما من ادعى أن قوله: * (الزانية لا ينكحها) * الآية منسوخة بقوله تعالى: * (وأنكحوا الايامى منكم) * فمغفل لوجهين: أحدهما إجماع الامة على أنه لا يحل لاحد أن يقول في آية أو حديث: إنهما منسوخان لا يجوز العمل بهما إلا بنص جلي أو إجماع.\rوالثاني: أن قوله تعالى: * (و أنكحوا الأيامى منكم) * (ليس فيه ما يرد قوله تعالى: * (والزانية لا ينكحها الا زان أو مشرك) * كما ليس فيها إباحة نكاح الاخت والبنت المحرمتين وإن كانتا من الايامى ولكن إحدى الآيتين مضمومة إلى الاخرى فننكح الايامى منا ما لم يكن زواني مع أنه يبعد عندنا في اللغة وقوع اسم أيم على الزانية، فالواجب استعمال الآيتين معا، لان استثناء بعضها من بعض ممكن، وقد قدمنا أنه لا يحل ترك آية لاخرى أصلا قال علي: وكذلك قلنا نحن وسائر أصحابنا: إن قوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلد) * فأوجبنا كلنا معشر القائلين بالظاهر إلا قوما توقفوا دون قطع - وقلنا بإيجاب حد القذف كاملا على كل قاذف محصنة بأي معنى وقع عليها اسم محصنة من عفاف أو إسلام أو زواج، فأوجبنا الحد على قاذف الامة والكافرة والصغيرة، وكذلك أوجبنا الزكاة في القمح والشعير والتمر دون سائر الحبوب والثمار لقول رسول الله (ص): ليس فيما دون خمسة أوسق من حب أو تمر صدقة ولفظة دون في اللغة التي بها خوطبنا تقع على معنيين وقوعا مستويا حقيقيا مجازيا، وهما: بمعنى أقل، وبمعنى غير كما قال تعالى: * (واتخذوا من دون الله) * يريد غير الله تعالى، وقوله تعالى: * (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل\rترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم) * فذكر تعالى المجاهرين","part":3,"page":364},{"id":368,"text":"بالعداوة للمسلمين وآخرين من غيرهم مكاتمين بها فلم يكن حمل لفظة دون في الحديث المذكور على معنى أقل، أولى من حملها على معنى غير، فوجب حملها على كلا المعنيين جميعا، وقد تناقض في ذلك أصحابنا، فلم يحملوها إلا على معنى: أقل، فقط.\rقال علي: وهذا ترك منهم لقولهم بالعموم، وحمل لفظة دون على معنى غير أولى، لان حملها على معنى غير يقضي في جملته أقل فهو القول بالعموم، لان الاقل من خمسة أوسق هو أيضا غير الخمسة الاوسق، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: فهذه أقسام مفهوم الكلام، وقد جعل قوم قسما رابعا: فقالوا: وخصوص يراد به العموم.\rقال علي: وهذا خطأ، وليس هذا موجودا في اللغة، وسنستوعب الكلام في هذا إن شاء الله تعالى في باب الكلام في القياس، وفي باب دليل الخطاب بحول الله وقوته، فإن اعترضوا علينا بأحاديث وردت في رجال بأعيانهم، ثم صار حكمها عندنا على جميع الناس، فليس ذلك بما ظنوا، ولكن جميع تلك الاحاديث فيها أحكام في أحوال توجب الاخذ بذلك في أنواع تلك الاحوال، اتباعا للفظ الحكم المعلق على المعنى المحكوم فيه، وقد بينا أن رسول الله (ص) لم يبعث ليحكم على أهل عصره فقط، لكن على كل من يأتي إلى يوم القيامة، وفي كل ما يحدث من جسم أو عرض إلى انقضاء الدنيا، ولا سبيل إلى أن يبقي عليه حيا إلى أن يلقى كل أحد، فكان حكمه على إنسان في حال ما، حدثت له أو منه، حكما في وقوع تلك الحال كما قلنا.\rويبين ذلك الحديث الذي فيه: هو جبريل أتاكم يعلمكم دينكم أجل بيان وأوضحه، في أن كل خطاب منه (ص) لواحد فيما يفتيه به، ويعلمه\rإياه هو خطاب لجميع أمته إلى يوم القيامة، وتعليم منه عليه السلام لكل من يأتي إلى انقضاء الدنيا، لان ذلك الحديث إنما خرج بلفظ تعليم الواحد في قوله (ص): أن تعبد الله كأنك تراه.\rويكفينا من هذا الحديث قوله عليه السلام - أثر جوابه لجبريل عليه السلام - إن هذا الذي ذكر تعليم لهم، فأشار إلى الخطاب المتقدم للواحد، وبين ذلك أيضا","part":3,"page":365},{"id":369,"text":"قوله تعالى: * (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) * فبدأ بالجماعة، ثم خاطب خطاب واحد، وقد صح أن المراد بهذا الخطاب كل مسلم، والحكم على الاسماء فكل اسم حكم فيه عليه السلام فهو على كل ما تحت ذلك النوع الذي يقع عليه ذلك الاسم.\rقال علي: وهم أولى الناس بالهروب عن هذا السؤال، لانهم أتوا إلى حديث الواطئ في رمضان، وهو المأمور بما يجب في ذلك من الكفارة فلم يقنعوا بأن جعلوه عاما لكل واطئ حتى تعدوا فجعلوه على كل آكل وشارب، ثم على كل موطوءة وآكلة وشاربة من الناس، وأتوا إلى حديث الميت في إحرامه فقالوا: لا يتعدى به ذلك الميت بعينه، وأتوا إلى أمره (ص) في غسل ابنته فقالوا: هو عام لكل ميتة، وأتوا إلى صلاته على قبر المسكينة فقالوا: هو خاص لتلك المسكينة ولهم من مثل هذا أزيد من ألف حكم كلها ينقض بعضها بعضا.\rوالعجب كل العجب في قياسهم إفطارا على إفطار، فجعلوا في الاكل الكفارة كالواطئ، ولم يقيسوا صياما على صيام، فلم يروا على المفطر عمدا في قضاء رمضان كفارة ولا على المفطر في قضاء النذر أيضا، وليس شئ من ذلك إجماعا، لان إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، لا يريان الكفارة على الواطئ، وأصحاب الشافعي كلهم لا يرون الكفارة على المفطر بغير الوطئ، وقتادة يرى الكفارة على\rالمفطر في قضاء رمضان كهي على المفطر في رمضان، ولا فرق لانه فرض وفرض، وصوم وصوم، وفطر وفطر.\rوقد ادعى قوم في أحاديث وردت أنها خصوص، مثل حديث رضاع سالم.\rقال علي: وليس كما قالوا، بل كل رضاع فمحرم بظاهر القرآن، إلا ما استثني بالسنة، من الاربع رضعات فأقل، وأما رضاع سالم فقد قال قوم: إنما كان حكما في التبني، والتبني قد نسخ بقوله تعالى: * (ادعوهم لآبائهم) * فلما سقط التبني سقط الحكم المر تبط به، ولما لم يعلم أي الامرين كان قبل: أحديث سالم أم قوله (ص): الرضاعة من المجاعة ؟ وجب الاخذ بالزائد على معهود الاصل وكان قوله (ص): إنما الرضاعة من المجاعة مع قوله تعالى: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين لمن أراد يتم الرضاعة) * زائدا","part":3,"page":366},{"id":370,"text":"على معهود الاصل في التحريم بعموم الرضاع فوجب الاخذ بالزائد.\rقال علي: بل حديث سالم هو الزائد فيلزم الاخذ به، لان قوله تعالى: * (يرضغن أو لادهن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة) * مسقط لحكم ما زاد على الحولين، فصار حديث سالم زائدا على الآية، وحاكما بتمادي التحريم بالرضاعة أبدا وما ندري في المصائب أطم من قول من عصى النبي (ص) في التحريم برضاع سالم، وسمع وأطاع لتحريم برضاع شهرين بعد الحولين فقط، ولتحريم أبي حنيفة برضاع ستة أشهر بعد الحولين فقط ولا حولا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال علي: ومما يبين قولنا قوله (ص) لابي بردة في الاضحية بعناق جذعة: تجزيك ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك، فبين (ص) أن هذا الحكم خصوصا لابي بردة ولو كان فتياه لواحد لا يكون فتيا في نوع تلك الحال لما\rاحتاج عليه السلام إلى بيان تخصيصه، ومثله قوله تعالى: * (خالصة لك من دون المؤمنين) * فخرج عليه السلام في نكاحه في جملة قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * ومثله أمره تعالى بقوله: * (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) * فخرج بذلك عليه السلام من جملة قوله (ص): إن هذه الصلاة لا يحل فيها شئ من كلام الناس.\rوقد تناقض أبو يوسف فرأى قوله تعالى: * (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة خصوصا له عليه السلام ولم يرقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * خصوصا له عليه السلام.\rوهذا تناقض ظاهر، وصلاة الخوف لازمة لنا لقوله (ص): صلوا كما ترني أصلي، وأخذ الزكاة لازمة للامة لقوله (ص): أرضوا مصدقيكم، وبقوله عليه السلام: فمن سألها عن وجهها فليعطها ومن سئل أكثر منها فلا يعطها فإذا سألها أولو الامر المأمور في القرإن بطاعتهم بقوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * لزم فرض أدائها إليهم، وكذلك أمره تعالى بقتال المشركين حتى يعطوا الجزية موجب كل ذلك على الائمة قبضها وإرسال السعاة والولاة فيها.\rوأما خصوص لفظ في نوع يراد به نوع آخر فهذا خطأ لا سبيل إليه، وهو","part":3,"page":367},{"id":371,"text":"باطل بالطبيعة والشريعة واللغة، أما الشريعة فقوله تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) * وحدوده تعالى ما نص على تحريمه، أو إيجابه أو إباحته فمن حرم غير ما نص الله تعالى على تحريمه، أو أوجب غير ما نص الله تعالى على إيجابه، فقد تعدى حدود الله تعالى.\rوأما الطبيعة فقد علمنا علم ضرورة أن الاسماء إنما وضعت ليعبر بها عن المعاني التي علقت عليها وسميت بها، لا عما لم يعلق عليه ولا سمي بها، هذا ما لا يثبت في\rعقل أحد غيره، وما عداه فسفسطة وتخليط وإفساد للعالم ولبنية الحس والعقل.\rوأما اللغة فإنا نسأل كل عالم وجاهل: ما البر ؟ فيقول: القمح، فإن قلنا له عن الشعير: ما هذا ؟ قال شعير، فإن قلنا: هو بر، أنكر ذلك وهزأ بقائله، هذا ما لا يختلف فيه أحد من شرق الدنيا وغربها حتى إذا أتى الدين - الذي هو المحتاط فيه الواجب تحقيقه - حكموا للشعير بحكم البر، وخالفوا ما أقروا أنه الحقيقة وحكموا بما أثبتنا نحن وهم أنه باطل، وتعدوا الحدود وأوقعوا الاسماء على غير مسمياتها، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في الوجوه التي تنقل فيها الاسماء عن مسمياتها، فيخرج بذلك الامر عن وجوبه إلى سائر وجوهه، وعن الفور إلى التراخي، وعن الظاهر إلى التأويل وعن العموم لكل ما يقتضي إلى تخصيص بعضه وذكر الدلائل التي تدل على أن الاسماء قد انتقلت عن مسمياتها إلى ما ذكرناه قال علي: هذا باب كثر فيه التخليط، وعظمت فيه الاغاليط ولو قلنا: إنه أصل لكل خطأ وقع في الشرائع لم يبعد عن الصواب فلنقل - بحمد الله وعونه - فيه قولا يرفع إن شاء الله تعالى الاشكال فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن الاسماء المنقولة عن معانيها تكون بأربعة أوجه: أحدها نقل الاسم عن بعض معناه الذي يقع دون بعض، وهذا هو العموم الذي استثني منه شئ ما فبقي سائر مخصوصا من كل ما يقع عليه كقوله تعالى: * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) * وكسائر ما ذكرنا.","part":3,"page":368},{"id":372,"text":"والوجه الثاني نقل الاسم عن موضوعه في اللغة بالكلية، وإطلاقه على شئ آخر، كنقل الله تعالى اسم الصلاة عن الدعاء فقط، إلى حركات محدودة من\rقيام وركوع وسجود وجلوس وقراءة ما، وذكر ما، لا يتعدى شئ من ذلك إلى غيره.\rوكنقله تعالى اسم الزكاة عن التطهر من القبائح إلى إعطاء مال محدود بصفة محدودة لا يتعدى، وكنقله تعالى اسم الكفر عن التغطية إلى الجحد له عز وجل، أو لنبي من أنبيائه، أو لشئ صح عن الله تعالى، وعن رسول الله (ص) مع بلوغ كونه كذلك إلى الجاحد له، وكنقل الامر الوارد عن الوجوب إلى الندب أو الاباحة، لان هذا هو وضع اللفظ المرتب للايجاب في غير معناه، ونقل له عن موضوعه إلى الندب الذي هو غير معناه، بل له صيغة أخرى تدل على أنه التخيير، وكنقل الامر عن إلزام العمل به إلى المهلة فيه.\rقال علي: فقد بان بما ذكرنا أن نقل الامر عن الوجوب والفور إلى الندب والتراخي هو باب واحد، مع نقل اللفظ عما يقتضيه ظاهره إلى معنى آخر، وهذا الباب يسمى في الكلام وفى الشعر الاستعارة والمجاز، ومنه قوله تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) ومثل هذا كثير.\rوالوجه الثالث: نقل خبر عن شئ ما إلى شئ آخر اكتفاء بفهم المخاطب كقوله تعالى: * (واسأل القرية التى كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها) * وإنما أراد تعالى أهل القرية وأهل العير، فأقام الخبر عن القرية والعير مقام الخبر عن أهلها، وكقوله تعالى: * (وان كنتم مرضى أو على سفر) * فأقام ذكر السفر والمرض مقام الحديث، لان المراد فأحدثتم.\rوكقوله تعالى: * (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلقتم) * فأوقع تعالى الحكم على الحلف، وإنما هو على الحنث أو إرادته لا على الحلف، ومثل هذا كثير.\rوالوجه الرابع نقل لفظ عن كونه حقا موجبا لمعناه إلى قوله باطلا محرما، وهذا هو النسخ كنقله تعالى الامر بالصلاة إلى بيت المقدس إلى أن يحل ذلك اليوم أصلا بالعمد لغير ضرورة.\rقال علي: وإنما فرقنا بين النسخ وبين نقل الامر عن الوجوب إلى الندب أو\rغيره، وإن كان كل ذلك نقلا، لان النسخ كان الامر المنسوخ مرادا منا العمل به","part":3,"page":369},{"id":373,"text":"قبل أن ينسخ، وأما المحمول على الندب فلم يرد قط منا إلزامنا العمل به، وهذا فرق ظاهر.\rقال علي: وكل ما ذكرنا فلا يحل أن يتعدى به موضوعه، لانه كما ترى أنواع يجمعها جنس النقل للاسماء على مراتبها، فمن استجاز منها واحدا بغير برهان لزمه أن يجيز جميعها، وفي ذلك القضاء بالنسخ على كل شريعة، وبأنه لا يفهم عن الله تعالى ولا عن رسوله (ص) لفظ أصلا إذ لعله قد نقل إلى معنى آخر، وهذا خروج عن الاسلام.\rقال علي: وإذا قد ذكرنا وجود النقل للاسماء عن معانيها، ومثلنا منها أمثلة، تدل عليها، وتنبه على أمثالها مما لم نذكره بحول الله تعالى وقوته: فنذكر إن شاء الله تعالى بتوفيقه لنا، وعونه إيانا - الدلائل التي بها تعلم صحة الوجوه التي ذكرنا، وبها يثبت عندنا أن الاسم قد نقل إلى بعض الوجوه التي ذكرنا، والتي متى لم توجد لم يحل لمسلم أن يقول: إن هذا اللفظ على غير موجبه وبالله تعالى التوفيق، فلنقل وبالله نعتصم: إن البرهان الدال على النقل الذي ذكرنا ينقسم قسمين لا ثالث لهما: إما طبيعة وإما شريعة.\rفالطبيعة هو ما دل العقل بموجبه على أن اللفظ منقول من موضوعه إلى أحد وجوه النقل الذي قدمنا مثل قوله تعالى: * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) * - فصح بضرورة العقل، أن المراد بذلك بعض الناس لان العقل يوجب ضرورة أن الناس كلهم لم يحشروا في صعيد واحد، ليخبروا هؤلاء بما أخبرهم به، ولان العقل يوجب ضرورة أن المخبرين لهم بأن الناس قد جمعوا لهم، غير الجامعين لهم، وغير المجموع لهم بلا شك،\rوأن الجامعين غير المخبرين بالجمع، وغير المجموع لهم بلا شك ومثل قوله تعالى: * (كونوا حجارة أو حديدا علمنا بضرورة العقل أنه أمر تعجيز، لانه لا يقدر أحد على أن يصير حجارة أو حديدا، ولو كان أمر تكوين لكانوا كذلك، فلما وجدهم العقل لم يكونوا حجارة ولا حديدا علم أنه تعجيز وأما الشريعة فهي أن يأتي نص قرآن أو سنة، أو نص فعل منه عليه السلام، أو إقرار منه عليه السلام، أو إجماع على أحد وجوه النقل الذي ذكرنا كما دل الاجماع على أن اسم أب في","part":3,"page":370},{"id":374,"text":"قوله تعالى: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * منقول عن الاقتصا ر على الاب وعلى الاجداد من الاب والام وإن بعدوا، إلى الآباء من الرضاعة والاجداد من الرضاعة لقوله عليه السلام: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب كما دل نص أيضا على نقل اسم الاب إلى العم في قوله حاكيا عن القائلين: * (نعبد الهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) * وإنما كان إسماعيل عما لا أبا، ولم يجب من أجل هذا أن ننقل اسم أب في المواريث إلى الجد من الام أصلا، وكما دل النقل المتواتر أيضا على نقل اسم ابن في قوله تعالى: * (وحلائل أبائكم الذين من أصلابكم) * عن لاقتصار على الابن وبني البنين وبني البنات، وإن بعدوا، إلى البنين من الرضاعة أيضا، ولم يجب من ذلك أن ننقل اسم الابن في المواريث إلى ابن الرضاعة، وبني البنات، ولا يحجب بابن الرضاعة ولا ببني البنات الام عن الثلث ولا الزوج عن النصف، ولا الزوجة عن الربع إلى السدس والربع والثمن، ولم يوجب شئ مما ذكرنا أن ننقل اسلام عن الوالدات اللاتي حملن الانسان في بطونهن في كل حكم إلى أمهات الرضاعة، لان العلم واجب ضرورة بأن الناس ماتوا على عهد رسول الله (ص) ولهم بنو البنات والاجداد من قبل الامهات، وكذلك من الرضاعة، فلم يرث أحد منهم شيئا بالنقل عن الكواف عصرا عصرا، وكم يجب إذا خص الجد من الاب والابن من الولادة، والام\rمن الولادة بالميراث أن يتعدى ذلك فيخص بعض الوالدات، وبعض الابناء، وبعض الاجداد بلا دليل، ولذلك ورثنا الجد للاب إذا لم يكن هنالك أب دون الاخوة ولانه متفق على أنه في تلك الفرائض والاخوة مختلف فيهم ولا نص في ذلك، فلزم ألا نورث أحدا بلا نص ولا إجماع، وهم الاخوة، ولزم أن يورث الجد لانه متفق على أنه يرث في تلك الفرائض مع النص على أنه أب، وكان يلزم من يقول بالخصوص أن يخرج بعض النبيين على أن يورثهم مع سائر النبيين قياسا على الاجماع في ألا يورث بنو البنات، لانهم بنون، ولا يحرم على آباء أمهاتهم نكاح حلائلهم، ومن قال إن الجدة قيست على الام في التحريم لزمه أن يقيسها عليها في التوريث، وإلا كان متناقضا، وبالله تعالى التوفيق.\rفصح بما ذكرنا أن إخراج الاسماء عن مواضعها إذا قام دليل من الادلة التي","part":3,"page":371},{"id":375,"text":"ذكرنا - واجب لانه أخذ في كل ذلك بالظاهر الوارد وبالنص الزائد، فلم يخرج عن الظاهر في كل ذلك، ووجب إذا عدم دليل منها ألا ينقل شئ من الخطاب عن ظاهره في اللغة، وأما من خصص الظاهر أو العموم بقياس، أو بدليل خطاب، أو بقول صاحبه، فذلك باطل، وسنبين ذلك في الابواب المذكورة إن شاء الله تعالى.\rوقد قال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * فلاح أن لا بيان إلا بنص أو بضرورة عقل كما قدمنا، لان رسول الله (ص) هو التالي علينا القرآن فهو المبين به، وهو الآمر لنا بالسنن المبينة علينا، وهو الآمر باتباع القرآن والسنن والاجماع، وهو عليه السلام الذي نص علينا في القرآن إيجاب استعمال العقل والحس.\rوقد ذكرنا في باب الاخبار من هذا الكتاب كيف التخصيص بالآية للآي وللحديث، وبالحديث للآي وللحديث.\rقال علي: ومن التخصيص بالاجماع قوله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * فلما أجمعت الامة بلا خلاف أنهم إن بذلوا فلسا أو فلسين لم يجز بذلك حقن دمائهم، ولا خرجوا عن إيجاب قتلهم، وحتى لو كثر القائلون بذلك، واشتهر فضلهم ما وجب أن يعتد بهذا القول، لانه لم يأت به قرآن ولا سنة، ولكن لما قال تعالى: * (حتى يعطوا الجزية) * بالالف واللام، وهما في اللغة التي بها نزل القرآن للعهد والتعريف - علمنا أنه أراد تعالى جزية معلومة معهودة، وبين ذلك بقوله تعالى: * (الجزية) * بالا لف واللام، والالف واللام في لغة العرب لا يقع إلا على معهود، وصح أن النبي (ص) لما أمر بأخذ دينار من كل محتلم منهم ومحتلمة، علمنا أن ما دون الدينار ليس هو الجزية المحرمة لدمائهم وأموالهم، ولم يكن لاقصى الجزية وأكثرها حد يوقف عنده فيدعى فيه وجوبه بالاجماع، فإن يحيى بن آدم وعطاء بن رباح، وعمرو بن دينار، وسفيان الثوري، كلهم يقول: ليس لاكثر الجزية حد، وإنما هو ما ترضوا به، فلما كان اسم الجزية يقع على الدينار وجب قبوله ممن لا يقدر على أكثر منه، ولزم المصالحين ما صالحوا عنه وهو أكثر من الدينار، ووجب أن يفرض على من يطيق أكثر من دينار من أهل العنوة ما أطاق، ما لا يجحف به.","part":3,"page":372},{"id":376,"text":"وأما نقل الامر عن الوجوب إلى الندب فإنه لا مدخل للعقل فيه، وإنما يؤخذ من نص آخر أو إجماع فقط، كما قلنا في قوله تعالى: * (إذا حللتم فاصطادوا) * أنه إباحة لما ذكرنا في ذلك للاجماع على ذلك، وقلنا في الوتر: إنه ندب لقول الله تعالى له ليلة أسري به: هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي ولانه عليه السلام كان ينتقل على البعير، فإذا أراد الفريضة نزل وكان يوتر على البعير وأما النهي عن القران بين التمرتين في الاكل والاشهاد على التبايع وكتاب\rالديون، والانتشار بعد الصلاة للنوم والاكل وطلب الرزق، والاكل من الهدي والاطعام منه، ومن الاضحية والمكاتبة لمن طلبها ممن فيه خير من الرقيق، وإيتاؤهم من مالنا، ففرائض كلها، لانه لا نص في إخراجها عن الوجوب، ولا إجماع، وأما أمره تعالى لاهل النار بالدخول فيها وأن يخسؤوا، وبصليها، فأمر اضطرار لا محيد لهم عنه، وأما أمره تعالى لاهل الجنة بالاكل وبالشرب وقبول النعيم فأمر إيجاب لا بد لهم من قبوله مختارين مغتبطين، كما تفعل الملائكة فيما يؤمرون به، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في النص يخص بعضه هل الباقي على عمومه أم لا يحل على عمومه قال علي: وأما النص الذي يصح البرهان على أنه ليس على عمومه، فقد قال قوم الباقي على عمومه، وقال بعضهم - وهو عيسى بن أبان الحنفي قاضي البصرة -: لا نأخذ منه إلا ما اتفق عليه.\rقال علي: والصحيح من ذلك أنه كان من النصوص التي لو تركنا وظاهرها لم يفهم منه المراد - فإننا لا نأخذ منها إلا ما يبينه نص آخر أو إجماع، وذلك مثل: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأيضا فإن الله تعالى نص لنا على الصلاة والزكاة بالالف واللام، والالف واللام إنما يقعان على معهود، ولا يفهم من هذا الظاهر كيفية الصلاة والزكاة الواجبين علينا فوجب أن يطلب بيانهما من نصوص أخر أو إجماع، وقد أخبرنا تعالى أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وليس في وسعنا","part":3,"page":373},{"id":377,"text":"أن نفهم استقبال الكعبة والاتيان بأربع ركعات للظهر في كل ركعة سجدتان، وثلاث للمغرب من قوله تعالى: * (وأقيموا الصلاة) * ولا في وسعنا أن نفهم إعطاء شاة من خمس من الابل، وما يجب من الزكاة من البقر والغنم من قوله تعالى:\r* (آتوا الزكاة) * ولاجل هذا النص منعنا من أن يكون تعالى يكلفنا ما لا نطيق، وأما لو شاء ذلك تعالى لكان حسنا في العقل، ولو أنه تعالى كلفنا شرب ماء البحر في جرعة، ثم يعذبنا إن لم نفعل لكان ذلك عدلا وحقا، ولكنه تعالى قد تفضل علينا وآمننا من ذلك ولم يكلفنا ما لا نطيق، فله الحمد والشكر لا إله إلا هو.\rوكذلك قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) * ليس فيها بيان كيفية تلك الصدقة، ولا متى تؤخذ أفي كل يوم أم في كل شهر أم في كل عام ؟ أم مرة في الدهر ؟ ولا مقدار ما يؤخذ ولا من أي مال، ففي قوله تعالى: * (من أموالهم) * عمومان اثنان أحدهما: الاموال، والثاني: الضمير الراجع إلى أرباب الاموال، فأما عموم الاموال: فقد صح الاجماع المنقول جيلا جيلا إلى رسول الله (ص) أنه لم يوجب الزكاة إلا في بعض الاموال دون بعض، مع أن نص الآية يوجب ذلك، لانه إنما قال تعالى: * (خذ من أموالهم) * فالظاهر يقتضي أن ما أخذ مما قل أو كثر فقد أخذ من أموالهم كما أمر، وقوله عليه السلام إذ سئل عن الحمير: أفيها زكاة أم لا على أن هذا اللفظ ليس مرادا به جميع الاموال وقد قال عليه السلام: إن أموالكم عليكم حرام وقال عليه السلام: كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، ونص عليه السلام على أنه لا يحل له أخذ مال أحد إلا بطيب نفسه وليست الزكاة كذلك، بل هم مقاتلون إن منعوها.\rوأيضا فإن لفظة: * (من) * في قوله تعالى: * (من أموالهم) * إنما هي للتبعيض وأيضا فلو كانت الاموال مرادة على عمومها لكان ذلك ممتنعا، لان ذلك كان يوجب الاخذ من كل برة، ومن كل خردلة، ومن كل سمة، لان كل ذلك أموال، فلما صح بكل ما ذكرنا أنه تعالى لم يرد كل مال وجب طلب معرفة الاموال التي تجب فيها الزكاة، ومقدار ما يؤخذ منها، ومتى يؤخذ من نص آخر، أو من الاجماع إذ قد ثبت أن المأخوذ هو شئ من بعض ما يملكونه، فلا بد من بيان ذلك الشئ\rالمراد، فإنه إذا أخذ شئ يقع عليه اسم شئ واحد من جميع أموالهم، فقد أخذ","part":3,"page":374},{"id":378,"text":"من أموالهم، وكان هذا أيضا موافقا للظاهر وغير مخالف له البتة، وليس إلا هذا الوجه، إلا أن يوجب أكثر منه نص أو إجماع، لانه قد تعذر الوجه الثاني، وهو أن يؤخذ من كل مال جزء، وإذا لم يكن لشئ إلا قسمان فسقط أحدهما ثبت الآخر، فلو لم تأت نصوص وإجماع على الاخذ من المواشي والذهب والفضة والبر والشعير والتمر، لما وجب إلا ما يقع عليه اسم أخذ، لاجزأ إعطاء برة واحدة أو شعيرة واحدة، أو أي شئ أعطاه المرء، ولكن النصوص والاجماع على ما ذكرنا، فرض الوقوف عندهما.\rوأما العموم الثاني: وهو عموم أرباب الاموال فبين واضح، وهو من: كل إنسان ذي مال، فوجب استعماله على عمومه، إذ عرف مقدار ما يؤخذ، ومتى يؤخذ، ومما يؤخذ، فلا مخرج من ذلك إلا ما أخرجه نص أو إجماع على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى.\rوأما النص المفسر الذي يفهم معناه من لفظه، وكان يمكننا استعماله على عمومه ولو لم يأتنا غيره، فأتى نص آخر أو إجماع، فخص منه بعض ما يقع عليه الاسم، فإنه لا يخرج منه إلا أخرج النص والاجماع، والحجة في ذلك هي الحجج التي أثبتنا بها القول بالعموم في أول هذا الباب الذي نحن الآن في فصوله، ويلزم من قال: لا أبقي منه إلا ما جاء نص أو إجماع في بقائه أن يبيح دماء جميع الامة إلا ما اتفق على تحريم دمه، لان قوله عليه السلام: دماؤكم وأموالكم عليكم حرام لقد اتفق على أنه ليس على عمومه، بل لخص منه كثير كالزناة المحصنين، وقتلة الانفس وغيرهم، فيلزمهم أن يقتلوا شارب الخمر في الرابعة، هذا لو لم يأت فيه نص، ولكن على أصلهم الفاسد، وأن يقتل الساحر إن كان حنفيا أو\rشافعيا، وأن يقتل السيد بعبده، والمؤمن بالكافر إن كان مالكيا، وإلا فقد تناقضوا وأقروا بأن العموم الذي قد خص بعضه، فإن باقيه على العموم أيضا، إلا أن يخصه نص أو إجماع، ونحن نرى - إن شاء الله تعالى - مسألة فيها تخصيص مترادف مرآة لكيفية العمل فيما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق، فنقول: قال الله عز وجل: * (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا) * فلا نص أكثر معاني ولا وقال تعالى: أعلم من هذا، وفيه إباحة النساء والمآكل كلها، وكل ما في الارض","part":3,"page":375},{"id":379,"text":"وقال تعالى * (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) * فلا شئ بعد النص المذكور آنفا أعم ولا أكثر معاني من هذا النص الثاني.\rفلو لم يرد غيرهما لحرم النكاح جملة، والوطئ بالبتة، ولكان النساء كلهن مستثنيات مما أبيح النص الاكثر المذكور آنفا، فلو لم يرد غير هذين النصين لحرم النساء جملة.\rوقال تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) * فكان هذا مبيحا لما حظر النص المذكور الذ ي فيه حفظ الفروج، لو لم يرد غير هذه النصوص لوجب الاخذ بالتحريم، لان الآية التي فيها إباحة النكاح موافقة للنص الاكثر الذي فيه إباحة كل ما في العالم، وإنما هي تأكيد وتكرار كسائر ما في القرآن من التكرار والتأكيد الذي أورده الله تعالى كما شاء، * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * كما كرر تعالى أخبار الانبياء عليهم السلام: * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * و * (أطيعوا الرسول) * فكرر إباحة نكاح النساء كما شاء.\rولسنا نقول: إن شيئا من هذه النصوص قبل كل شئ، ولا أن شيئا منها بعد شئ، وسواء نزل بعضها قبل بعض، أو نزلت معا، لا فرق عندنا بين شئ من ذلك، وليس شئ مما نزل بعد رافعا لشئ نزل قبل إلا بنص جلي في أنه رافع له، أو بإجماع على ذلك، وإلا فهو مضاف إليه ومعمول به معه ضرورة\rلا بد من ذلك، فلما صح ما قلنا من استثناء تحريم النكاح جملة مما أباح تعالى لنا، ووجدناه تعالى قد استثنى إباحة النكاح من حفظ الفروج استثناء تاما بقوله تعالى: * (والذين هم لفروجهم حافظون ئ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ئ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) * فصح يقينا أن الزواج وملك اليمين مستثنى مما حرم من إهمال الفروج.\rثم وجدها هذا الاستثناء يحتمل أن يؤخذ به على عمومه، فيخص به من آية التحريم أشياء كثيرة: منها الاختان بملك اليمين، والام والابنة بملك اليمين، والكتابية بملك اليمين، والحائض والمحرمة والصائمة فرضا، والحريمة بصهر أو رضاع، ويحتمل ألا يخرج من النص الذي فيه تحريم إهمال الفروج جملة إلا ما خص نص جلي أو إجماع متيقن على إخراجه منه، فلو أخرجنا من النص الذي فيه تحريم إهمال الفروج كل ما يحتمل إخراجه، لكنا قد أسقطنا ما تيقنا","part":3,"page":376},{"id":380,"text":"وجوبه بما شككنا في إباحته، ونحن إذا لم نخرج منه إلا ما جاء نص جلي، أو إجماع بإخراجه منه، كنا قد علمنا بما تيقنا لزومه لنا من النص المبيح للوطئ، وعلمنا أيضا بما تيقنا وجوبه من النص الذي فيه التحريم، إذ في استعمالنا ما في إية إباحة الوطئ كله رجوع إلى الاصل الاول الذي فيه إباحة كل ما في الارض، وترك ما قد لزم إخراجه منه بيقين.\rفلو فعلنا ذلك لكنا متناقضين، لانها ثلاثة نصوص كما ترى: نص عام، ثم آخر دونهما في العموم ثم ثالث دونهم معا في العموم.\rفإن قال قائل: بل نأخذ بالنص الاخص قلنا له وبالله التوفيق: إنك إن فعلت ذلك رجعت إلى قولنا، لاننا نوجد لا نصا أخص من النص الذي فيه إباحة الوطئ فيلزمك أن تغلب هذا الاخص الذي هو نص رابع، وإلا نقضت\rقولك، وهو قول الله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * والمشركات من الكتابيات هن بعض من تملك أيماننا، وكذلك الاختان إذ ملكناهما.\rوأما أصحابنا القياسيون فتناقضوا تناقضا فاحشا ظاهر الخطأ، لانهم عمدوا إلى قوله عز وجل: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * إلى قوله تعالى: * (وان تجمعوان بين الاختنى الا ما قد سلف) * وإلى قوله سبحانه وتعالى: * (وأمهات نسائكم) * وهذه كما ترى آيات محرمات لنساء موصوفات، وعمدوا إلى قوله تعالى: * (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) * فاستثنوا الاختين بملك اليمين، والام وابنتها بملك اليمين، والعمة وبنت أخيها بملك اليمين، والخالة وبنت الخالة بملك اليمين، من الآية التي فيها إباحة ملك اليمين.\rإلا أن يكون أختان معا أو أم وابنة، أو عمة وبنت أخيها، فإن أولئك لا يحل وطؤهن، ثم إن يستثنوا الاماء الكتابيات بما أباحوه من ملك اليمين، فلو أن عاكسا عكس فأباح الاختين والام والابنة بملك اليمين، وحرم الامة الكتابية بقوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن كان يكون بينهم إلا التحكم بلا دليل ؟.\rفإن قالوا: قد أبيحت الكتابية، قيل لهم: أخطأتم إنما أبيحت بالزواج لقوله تعالى: * (والمحصنات من الذين أو توا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجور هن) *","part":3,"page":377},{"id":381,"text":"فإنما أباح المحصنات الكتابيات بشرط إيتائهن الاجور، وإيتاؤهن الاجور لا يكون إلا في الزواج لا في ملك اليمين، وهذا مالا شك فيه عند أحد، فبطل أن يكون المراد بالاباحة المذكورة الاماء الكتابيات، فبقين على أصل التحريم.\rولو أننا رضينا لانفسنا من الحجة بنحو ما يرضون به لانفسهم لقلنا لهم: إن قوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * إنما قصد به الاماء لقوله تعالى في أثر ذلك: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * ولكنا في ذلك\rنبين بأقوى مما يحتاجون به في أكثر مسائلهم: مثل احتجاجهم في إيجاب الخطبة بقوله تعالى: * (وتركوك فائما) * ومثل احتجاجهم في عتق الاخ بقوله تعالى: * (لا أملك إلا نفسي وأخي) * م في المنع من النفخ في الصلاة بقوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * ومثل احتجاجهم في القسامة ببقرة بني إسرائيل.\rومثل هذا من التمويه البارد الفاسد الداخل في حدود هذيان المبرسمين، ولكن الله عز وجل قد أغنانا بالنصوص الظاهرة التي لا مجال للتأويل فيها، وبنصره تعالى لنا عن تكلف بنيات الطرق، وادعاء ما لا يصح، ومن أمكنته السيوف لم يفتقر إلى المحاربة بحطام التبن، ولا سيما من قال منهم: إن النص إذا خص بعضه لم يؤخذ من باقيه إلاما أجمع عليه، فإنه يقال له في هذا المكان: إباحة ملك اليمين قد خرج منه بالنص بالاجماع أشياء كثيرة فمنها الذكور والبهائم، والام من الرضاع والاخت من الرضاع، وكل حريمة بصهر ورضاع، وكل حائض، وكل صائمة فرض، وأخرجت أنت منه الاختين والام والابنة والعمة والخالة، فيلزمك ألا تبيح مما بقي إلا ما اتفق عليه، ولم يتفق على إباحة الامة الكتابية بملك اليمين، ولا جاء بها نص.\rفواجب عليك القول بتحريمها.\rويقول لسائرهم: أنتم أهل القياس فقيسوا ما اختلفنا فيه من وطئ الامة الكتابية بملك اليمين على ما اتفقنا عليه من تحريم الاختين بملك اليمين، وسائر ما ذكرنا، ويقال للمالكيين منهم: أنتم تدخلون التحريم بأدق سبب ولا تدخلون التحليل إلا بأبين وجه، فحرموا الوطئ للامة الكتابية، إذ لا سبب معكم في تحليلها لا دقيق ولا جليل، ولكم في تحريمها أبين سبب فإن ادعوا إجماعا أكذبهم ابن عمر، فقد","part":3,"page":378},{"id":382,"text":"صح عنه تحريم الكتابيات جملة، وتلا الآية التي ذكرنا.\rقال علي: وأما جمهور أصحابنا الظاهريين، فإنهم سلكوا طريقة لهم في ترك\rما ظاهره التعارض - قد بينا بطلانها - فجعلوا قوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الاختين) * * (وأمهات نسائكم) * * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) *: معارضا لقوله تعالى: * (إلا ما ملكت أيما نكم) * ورجعوا إلى الاصل بالاباحة.\rقال علي: وهذا خطأ شديد من كل وجه، وحتى لو كان التعارض موجودا وكان العمل صحيحا لكان ههنا باطلا، فكيف والتعارض غير موجود لقوله تعالى * (ولو كان من عند غير الله لو جدوا فيه اختلافا كثيرا) * ولقوله تعالى * (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) * العمل المذكور عنهم فاسد بترك ما قد ثبت اليقين بوجوب الطاعة له.\rقال علي: ولو كان العمل المذكور صحيحا لكان الرجوع إلى قوله تعالى: * (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) * أولى منه إلى إباحة قد خص منها حفظ الفروج، ولكن الصواب ما بينا من استثناء الاقل معاني من الاكثر والعجب كل العجب من تحريمهم الامة الوثنية بملك اليمين بلا خلاف منهم بقوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * وإباحتهم لامة الكتابية بملك اليمين بلا نص فيها أصلا ولا إجماع، فخصوا قوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * بلا دليل، وفرقوا بين الامة الوثنية والكتابية بلا دليل.\rفإن قالوا: إن قوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات) * إنما قصد به الزواج اخطؤوا من وجهين: أحدهما: تخصيص العموم بلا دليل، والثاني: تناقضهم وتحريمهم الامة الوثنية بملك اليمين، وإنما جاء نص الاباحة من الكتابيات بالزواج فقط فحرام أن يستثنى من تحريم المشركات بشئ غير الزواج وحده الذي استثني بالنص، ولا سيما وهم يبطلون القياس، إنما أباح الاماء بملك اليمين من أباحهن قياسا على الحرائر منهن في الزواج، والقياس باطل، فلم يبق إلا أن يقولوا: إن المشركات اسم لا يقع على الكتابيات، فإن قالوا هذا وكان القائل مالكيا أو شافعيا تناقض","part":3,"page":379},{"id":383,"text":"في أنهم حملوا قوله تعالى: * (انما المشركون نس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) * على الكتابي كما حملوه على الوثني.\rوإن كان حنفيا تناقض في حمله قوله تعالى: * (فاقتلوا المشركين حيث وجد تمو هم) * الآية على الكتابي كحملهم إياها على الوثني، وبرهان ذلك قبولهم إسلامهم إن أسلم، وليس في آية حرب أهل الكتاب إلا * (حتى يعطوا الجزية) * فقط.\rوبالله التوفيق.\rومما احتج به عيسى بن أبان في قوله: إن النص إذا خص منه شئ وجب حمل سائره على الخصوص - أن قال: إن ذلك مثل شاهدين جرحا بقصة ما، فوجب على سائر شهادتهما في كل شئ قال علي بن أحمد: وهذا القول فمع ما فيه من الاضطراب وتشبيهه بشئ لا يشبهه، إقدام عظيم على الله عز وجل وعلى رسوله (ص)، ولو كان القياس حقا - وقد أعاذ الله تعالى من ذلك - لكان هذا القياس أحمق قياس في الارض، فكيف والقياس كله باطل.\rولله تعالى الحمد.\rفيقال لعيسى: ليت شعري ما الذي شبه كلام الله تعالى، وكلام رسوله (ص) الذي ألزمنا الله تعالى توقيره والطاعة له، وحرم علينا معصيته - بكلام فاسقين قد ثبت جرحتهما، وقد أمرنا تعالى ألا نقبل خبرهما.\rبل لقائل هذا القول المردود مثل السوء، ولله تعالى ولرسوله المثل الاعلى، وهلا قال إذ لم يوفقه الله تعالى لقبول الحق: إن النص الذي خص بعضه بمنزلة شاهدين عدلين شهدا لابيهما فلم يقبلا على مذهبه الفاسد، فلا يكون ذلك موجبا لرد شهادتهما في سائر ما شهدا به لغير أبيهما، فهذا قياس أصح من قياسه لو كان القياس حقا، فكيف والقياس باطل كله فاسد، إلا أن الذي علمناهم أمثل لاننا مأمورون بقبول شهادة العدلين كما نحن مأمورون بقبول النص الوارد من الله تعالى ورسوله (ص) والعمل به ؟ فإذا سقط عنا قبول ما شهدا به لدليل قام على ذلك في بعض\rالمواضع، لم يوجب ذلك سقوط سائر شهادتهما في سائر المواضع، وكذلك النص اللازم لنا قبوله إذا قام دليل على سقوط بعضه في بعض المواضع لم يكن ذلك موجبا لسقوط باقيه وسائره.\rفهذا أشبه مما قال، لان الجرح الذي نظر به مسقط العدالة بالجملة، وليس خصوص النص بمسقط للعمل به جملة.","part":3,"page":380},{"id":384,"text":"ولو شبه الشاهد المجرح عدالته بالمنسوخ من الملك والشرائع فأوجب بذلك سقوط جميعها عنا، لكان أدخل في التمويه، وألطف في التشبيه، ولكنهم مع قولهم بالقياس وتركهم له كلام الله تعالى وكلام رسوله (ص) فإنك تجدهم أجهل الخلق بترتيب باطلهم، وأشدهم اضطرابا فيه وهكذا يكون ما كان من عند غير الله.\rولله الحمد على ما وفق بمنه.\rقال علي: ونسي عيسى نفسه إذ قال بما ذكرنا، من أن النص إذا خص بعضه لم يؤخذ من باقيه إلا ما اتفق على الاخذ به منه، فهلا تذكر على هذا الاصل إذ قال - في نهيه (ص) عن قتل النساء - إن المرتدة لا تقتل، وهذا نص قد خص منه الزانية المحصنة والقاتلة، فهلا أسقط أيضا منه المرتدة، ولم يأخذ منه إلا ما اتفق عليه من المنع من قتل الحربيات المأسورات، ولكن القوم إنما هم ناصرون لما حضرهم من مسائلهم لا يبالون بما أصلوا في ذلك، ولا بما احتجوا، ولا يستحيون من نقضه بعد ساعة، وإبطاله بأصل مضاد للاصل الاول على حسب ما يرد عليهم من المسائل كل ذلك طاعة لمالك وأبو حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وقلة مبالاة لمخالفة القرآن وترك كلام النبي (ص).\rوبالله تعالى نستعين من الخذلان، ونسأل المزيد من التوفيق.\rقال علي: ولا فرق بين تخصيص بعض آية أو حديث - لم يرد في ذلك البعض تخصيص، لكن لانه قد خص بعض آخر منهما - وبين من أراد من ذلك أن يخص\rكل آية وكل حديث، لانه قد وجد آيات مخصوصات وأحاديث مخصوصة، وكل هذا تحكم بلا دليل، أو بدليل فاسد.\rوفي هذا إبطال الشريعة، ومن استجاز ما ذكرنا وصوبه، لزمه أن يقول بنسخ كل آية، لانه قد وردت آيات منسوخات.\rوهذا يخرج إلى إبطال الاسلام، ويقال لهم: ما الفرق بينكم وبين من خص سورة بكمالها أو قال بنسخ كل ما فيها، لانه وجد بعضها منسوخا ومخصوصا.\rوهذا ما لا يقولونه وهو موجب قولهم الفاسد.\rقال علي: واحتج بعض من ذهب هذا المذهب فقال: من حلف أن هذه الآية أو الحديث مخصوصا فيما قد قام الدليل على تخصيص بعضهما لم يحنث.","part":3,"page":381},{"id":385,"text":"قال علي: يقال له صدقت.\rومن نازعك في هذا حتى تلحقه، ونحن نقر لك بأن هذا النص مخصوص إذا قام الدليل على خصوص بعضه، ولكن الباقي بعد ما خص مأخوذ على موجبه وعلى كل ما اقتضاه لفظه بعد ما خرج منه، ونحن على ما لزمنا من وجوب الطاعة له.\rقال علي: ويلزم من قال بهذا أن يقول: متى وجدت عددا قد استثني منه شئ وجب أن أسقطه كله، ومتى وجدت إنسانا قد وجب أخذ بعض ماله، لم أمتنع من أخذ باقته إلا أن يمنعني منه إجماع، ومن قال هذا لزمه في قول الله تعالى: * (فلث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * أن يقول لعله قد خصت منها خمسون أخر بالاستثناء فيكون مقامه فيهم تسعمائة عام فقط أو أقل، وهذا فساد في العقل وكفر في الاسلام.\rفإن قال قائل: قدرخص للزبير وعبد الرحمن في الحرير لحكة كانت بهما فقلتم أنتم: هو عام لكل من كان في مثل حالهما.\rقيل له: هذا هو نص قوله تعالى * (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) * فكل مضطر إلى محرم فهو له حلال، وهذا الحديث - الذي فيه إباحة الحرير لعبد الرحمن والزبير هو بعض\rالآية المذكورة، وهو بمنزلة مفت سمع أن اليمين على من ادعي عليه، فأوجب اليمين بذلك على زيد، وعلى عمرو، وعلى خالد، لانهم مدعى عليهم، فأصاب في ذلك وكل هؤلاء قد اقتضاهم الحديث المذكور.\rفإن قال قائل: فهلا عممتم الآية التي ذكرتم في قوله تعالى * (إلا ما اضطر رتم إليه) * فأبحتم به أكل الميتة للباغي إذا اضطر إليها، وأنتم لا تفعلون ذلك ؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق: إنما منعناه لوجهين: أحدهما: أن الباغي مستثنى من جملة المضطرين، وقد قلنا: إنه يجب استثناء الاقل معاني من الاكثر معان.\rوالوجه الثاني: أن الباغي مضطر، لانه لو ترك البغي لارتفعت ضرورته من أجله، فهو مختار لحاله غير مضطر إلى الميتة، لانه لو أراد ترك البغي لكان قادرا على ذلك، ولحلت له الميتة حينئذ لضرورة - إن كانت به - إنما المضطر الذي لا يقدر على دفع ضرورته، ومن سلك طريقا وهو باغ وتحصن في حصن وهباغ فهو المختار لعدم التصرف فليس مضطرا، فليس له دخول في جملة من أبيحت للميتة.\rوبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.","part":3,"page":382},{"id":386,"text":"فصل في مسائل من العموم والخصوص قال علي: ومما تناقض فيه القائلون بتخصيص النصوص بالقياس: أن قالوا بعموم قوله تعالى: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) * فقالوا: المدخول بها وغير المدخول بها سواء، ولم يقيسوا غير المدخول بها في الوفاة على غير المدخول بها في الطلاق، كما قاس بعضهم الاحداد على المطلقة ثلاثا، على الاحداد على المتوفى عنها زوجها، فإن كان القياس حقا فليستعملوه في كل مشتبهين، وإن كان باطلا فليجتنبوه.\rقال: ومما خص بالاجماع قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * فخص بنص السنة العبد بأنه لا يرث وخصت السنة أيضا الكافر بأنه\rلا يرث المسلم، ولا المسلم الكافر.\rوقال تعالى: * (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * وقال رسول الله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان فخص الكتاب قائل الخطأ بوجوب الكفارة عليه، وخص الاجماع المنقول من أحدث ناسيا أنه منتقض الوضوء، وقد ادعى قوم أن حد العبد مخصوص بالقياس على حد الامة.\rقال علي: وقد أفكوا في ذلك، بل جاء النص بأن حد العبد مخالف لحد الحر في حديث دية المكاتب من طريق علي رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنهما وقالوا أيضا في قوله تعالى: * (فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها) * أنه خص منها جزاء الصيد في أنه لا يؤكل منه بالاجماع، وهدي المتعة قيس عليه.\rقال علي: هذا خطأ، إنما أمر تعالى بالاكل من التطوع ما لم يعطب قبل محله، وأما كل هدي واجب فقد قال تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * فلما كانت هذه الواجبات كلها مأمورا بإخراجها من أموالنا، وكان ذلك مسقطا لملكنا عنها كانت قد انتقلت إما إلى ملك المساكين، وإما إلى ملك الله عز وجل، لا بد من أحد الوجهين المذكورين، وما خرج عن ملكنا فلا يحل لنا أن ننصرف فيه إلا بنص مبيح أو إجماع والعجب من حملهم أمر الله تعالى بالاكل منها والاطعام، على أن ذلك غير واجب، ثم أرادوا أن","part":3,"page":383},{"id":387,"text":"يخصموا منها بقياس لا يشبه ما أرادوا تشبيهه به، نعني هدي المتعة بهدي الجزاء فهلا إذ قاسوا هدي المتعة على هدي الجزاء قاسوا صيام الجزاء على صيام المتعة ولكن هذا في تناقضهم يسير جدا، وأيضا فلا إجماع في تحريم الاكل من جزاء الصيد، وقد روينا عن بعض التابعين إباحة الاكل منه.\rقال علي: وقال بعضهم: كيف تتركون ظاهر القرآن الذي من أنكره أو شك فيه كفر، لخبر واحد لا تكفرون ما خالفكم فيه، ولا تفسقونه ؟ قال علي: فيقال لهم: وبالله تعالى التوفيق: القطع على وجوب الائتمار لهما معا واحد بالدلائل التي قد ذكرناها في باب إثبات العمل بخبر الواحد من هذا الكتاب، وكلاهم وحي من عند الله تعالى، والقطع في المراد منهما بالمغيب منهما معا إنما هو على حسب الظاهر منهما، وإنما يكفر من أنكر تنزيل القرآن أو تنزيل بعضه فقط، وأما إن أنكر الاخذ بظاهره، وتأول في آياته تأويلات لا يخرج بها عن الاجماع، فإننا لا نكفره ما لم تقم الحجة عليه، كما لا نكفر من خالفنا في قبول خبر الواحد ما لم تقم الحجة عليه، وكلا الامرين سواء، ولو أن امرأ يقول: لا أقبل ما قال رسول الله (ص) لكان كافرا مشركا كمن أنكر القرآن أو شك فيه ولا فرق، وبالله تعالى التوفيق.\r* (فصل من الكلام في العموم) * قال علي: وإذا ورد أن رسول الله (ص) فعل فعلا كذا نظرنا فإن كان عرضا منتهكا، أو دما مسفوحا، أو مالا مأخوذا، علمنا ذلك واجب لانه عليه السلام حرم الدماء والاموال والاعراض جملة إلا بحق، فما أخذ عليه السلام من ذلك علمنا أنه فرض أخذه، وأنه مستثنى من التحريم المذكور، من ذلك جلد الشارب، وهمه عليه السلام بإحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة، وهو عليه السلام لا يهم إلا لحق واجب لو أصر عليه المهموم فيهم لانفذه عليهم، لا يحل لاحد أن يظن غير ذلك، ومن قال: إنه عليه السلام يتوعد بما لا يفعل فقد نسب إليه الكذب وناسب ذلك إليه كافر، ومثل ذلك القضاء باليمين مع الشاهدين وغير ذلك كثير.","part":3,"page":384},{"id":388,"text":"فصل من العموم قال علي: العموم قسمان: منه مفسر، ومنه مجمل، فالمجمل هو الذي لا يفهم\rمن ظاهره معناه، والمفسر قد ذكرناه، وأما المجمل فلا بد من طلب المراد فيه من أحد موضعين: إما من نص آخر، وإما من إجماع، فإذا وجدنا تفسير تلك الكلمة في نص آخر قلنا به وصرنا إليه، ولم نبال من خالفنا فيه ولا استوحشنا منه كثروا أو قلوا صغروا أو جلوا، ولم نتكثر بمن وافقنا فيه كائنا من كان من قديم أو من حديث وقليل وكثير، وليس ممن كان معه الله ورسوله (ص) قلة، ولا ذلة ولا وحشة إلى أحد، ولا فاقة إلى وفور عدد، فإذا لم نجد نصا آخر نفسر هذا المجمل، وجب علينا ضرورة فرض طلب المراد من ذلك المجمل في الاجماع المتيقن المنقول عن جميع علماء الامة - الذين قال تعالى فيهم: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * - وكيفية العمل في ذلك أن نأخذ بما أجمعوا عليه من المراد بمعنى ذلك المجمل، ونترك ما اختلفوا فيه، فهذا هو حقيقة ما أمرنا به من الاخذ بالاجماع، وترك كل قول لم يقم عليه دليل.\rوهذا الذي نسميه استصحاب الحال، وأقل ما قيل.\rفإن قال قائل: إن هذان اسمان مختلفان في المعنى، فما الفرق بينهما ؟ ولم صرتم إلأحدهما في بعض الامكنة ؟ وإلى الآخر في أمكنة أخرى، وما حد المواضع التي تأخذوا فيها باستصحاب الحال، وما حد المواضع التي تأخذون فيها بأقل ما قيل وأنتتسمون فعلكم في كلا الموضعين اتباعا للاجماع، وإجماعا صحيحا، وأنتم لا تسمون من انفسكم بإجمال لا تستطيعون تفسيره، وتعيبون بذلك أصحاب القياس أشد عيب قيل له، وبالله تعالى التوفيق.\rصدقت في صفتك وأحسنت في سؤالك، والجواب عما سألت عنه، إن الذي عملنا فيه بأن سميناه أقل ما قيل، فإنما ذلك في حكم أوجب غرامة مال أو عملا بعدد لم يأت في بيان مقدار ذلك نص، فوجب فرضا ألا نحكم على احد لم يرد ناقض في الحكم عليه إلا بإجماع على الحكم عليه، وكان العدد الذي قد اتفقوا على وجوبه وقد صح الاجماع في الحكم\rبه، وكان ما زاد على ذلك قولا بلا دليل، لا من نص ولا إجماع، فحرام على كل","part":3,"page":385},{"id":389,"text":"مسلم الاخذ به، وأما الذي عملنا فيه بأن سميناه استصحاب الحال، فكل أمر ثبت إما بنص أو إجماع فيه تحريم أو تحليل أو إيجاب، ثم جاء نص مجمل ينقله عن حاله فإنما ننتقل منه إلى ما نقلنا النص، فإذا اختلفوا ولم يأت نص ببرهان على أحد الوجوه التي اختلفوا عليه، وكانت كلها دعاوى، فإذا ثبت على ما قد صح الاجماع أو النص عليه، ونستصحب تلك الحال، ولا ننتقل عنها إلى دعاوى لا دليل عليها، وهذا القسم موجود كثيرا، فهذا الجواب مستوعب لبيان جميع الوجوه التي سألت عنها، ومبين للحد الذي سألت عنه، وللفرق الذي سألت عنه ولوجوب المصير إلى ما سألت عن دليل وجوب المصير إليه، وبيان كون كلا الوجهين إجماعا، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: ومن خالف الطريق التي ذكرنا فلا بد له ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يقول برأيه بلا دليل في دين الله عز وجل، وإما أن يقلد، وكل ذلك باطل، فلا بد له من الباطل.\rقال علي: ونحن نمثل من ذلك أمثله لتكون أبين للطالب، فنقول، وبالله تعالى التوفيق، إن ذلك مثل قوله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون) * ومثل ذلك قوله تعالى: * (فدية مسلمة إلى أهله) * وقوله تعالى: * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) * وقوله تعالى: * (فإطعام ستين مسكينا) * وقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * وقوله تعالى: * (فمتعوهن) * وقوله تعالى: * (فكاتبو هم ان علمتم فيهم خيرا) * وقوله تعالى: * (أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) * وقول رسول الله (ص): ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها، وما من صاحب بقر لا يؤدي حقها، وما من صاحب فضة أو ذهب لا يؤدي حقها حقها وما من صاحب فضد أو ذهب لا يؤدى حقها\rإلا فعل به يوم القيامة كذا وكذا، وجاء النص بإيجاب النفقة على الزوجات وذوي الرحم وملك اليمين.\rفأما قوله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * فإنه حكم في مشركين قد أمرنا بقتلهم وأخذ أموالهم وسبي نسائهم وأطفالهم، وأوجب كل ذلك علينا وصح بالنص إيجاب دينار على الواحد منهم، فصح أن من بذل منهم أقل من دينار لم يجز حقن دمائهم بذلك، فكان الدينار أقل ما قال قائلون إنه جزية يلزم","part":3,"page":386},{"id":390,"text":"قبولها بالنص، وليس في أكثر من ذلك حد ووقف عنده فيقول القائل: هو أكثر ما قيل، فلو لم يكن ههنا حد يوقف عنده لما وقع عقد ذمته أبدا، لانهم كانوا يكونو إنما بذلوا شيئا طلب منهم أكثر، وهذا لا نهاية له، وليس من حد حدا بأولى ممن حد حدا آخر، فهذا لا ينضبط أبدا، فصح أن الحد الاول هو الواجب أخذه وهو الدينار إذا بذلوه ولم يطيقوا أكثر منه، وليس في النص لاخذ أكثر من الدينار ممن أطاقه، وبالله تعالى التوفيق.\rوأما زكاة البقر فقد قدمنا ذكر خبر معاذ رضي الله عنه، وأن مسروقا أدركه وحضر حكمه وشاهده، هذا ما لا شك فيه، ولم يكن أخذ زكاة البقر من عمل معاذ نادرا ولا خفيا، بل كان فاشيا ظاهرا معلنا مرددا كل عام كثيرا، فهذا غاية صحة النقل الموجب للعلم والعمل، وكذلك عمله ونقله في الجزية فصح أن زكاة البقر والجزية مسندان صحيحان عن رسول الله (ص) من طريق معاذ.\rوأما عدد الجزية ومقدارها فقد ذكرناه آنفا، فهو اللازم إلا أن يتفقوا معنا باختيارهم على أكثر، أو يتملكوا دون عهد فيلزموا ما يطيقون، ويحرم بذلك دماؤهم، وسبيهم.\rوأما الصغار عليهم، فإن النص قد ورد بإلزامه إياهم، فكل ما وقع عليه اسم صغار فنحن نأتيه فيهم، إلا ما منعنا منه نص أو إجماع فقط\r، ولذلك أبحنا دماءهم إن ركبوا فرسا أو حملوا سلاحا أو تكنوا بكنى المسلمين، أو تشبهوا بهم أو سبوا مسلما أو أهانوه أو خالفوا شيئا من الشروط التي قد جمعناها في كتا ب ذي القواعد، لانه عموم واجب أخذه كله وحمله على كل ما اقتضاه اسمه، وهذا بخلافما جاء عن المسلمين، فإن المسلمين قد جاء النص فيهم بتحريم دمائهم وأموالهم وأعراضهم والاضرار بهم، وأوجب الله علينا كرامة كل مسلم بنهينا عن التحاسد والتنازع، وأن يحقر أحدنا أخاه المسلم، وأمرنا بالتراحم والتعاطف وهذا بخلاف ما أمرنا به في المشركين، فلا يحل من مال مسلم ولا من عرضه ولا من دمه ولا من أذاه إلا ما صح بإيجابه، فلذلك قلنا في الدية المأخوذة من المسلمين بأقل ما قيل.\rولما صح تحريم أموال أهل الذمة بالجزية المتفق على قبولها، وجب أيضا ألا نحكم عليهم بعد تيقنا تحريم دمائهم وأموالهم، وسبيهم، إلا بأقل ما قيل","part":3,"page":387},{"id":391,"text":"عليهم، واستصحابا للحال التي قد تيقنا وجوبها علينا فيهم، وإنما حرم بعد الجزية مال الذمي استصحابا للحال التي قد تيقنا وجوبها عليهم فيها، فلذلك لم نقل أيضا في الدية المأخوذة منهم في قتل بعضهم بعضا إلا بأقل ما قيل وذلك ثلثا عشر دية المسلم إما ثمانمائة درهم، وإما ستة أبعرة وثلثا بعير، ما لم ينقضوا ذمتهم فيعودوا بنقضها إلى ما كانوا عليه قبل الذمة بالاجماع والنص وبالله التوفيق.\rوأما قوله تعالى: * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) * فقد بين ذلك نص عن النبي (ص) جلي.\rوأما قوله تعالى: * (فإطعام ستين مسكينا) * فإننا صرنا في تفسير مقدار هذا الاطعام إلى نص ورد في الواطئ خاصة، وصرنا في كفارة الظهار إلى أقل ما قيل في ذلك، وهو موافق للنص الوارد في كفارة الواطئ.\rوأما قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * فإننا صرنا في ذلك إلى بيان\rنصوص وردت في ذلك، وتركنا ما لم يأت فيه نص من الاموال، فلم نأخذ منه شيئا، لما ذكرنا من تحريم أخذ مال مسلم بغير طيب نفسه، فحرم أن يؤخذ من مال مسلم شئ أصلا إلا بنص بين جلي أو إجماع، لان قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) * هو مستثنى من جملة تحريم أموالهم، فلا يخرج من ذلك النص الاكثر الاعم إلا ما بينه نص أو إجماع.\rوأما قوله تعالى: * (فمتعوهن) * فإنما نأخذ في مقدار متعة المطلقة بما أوجبه البرهان قبل، استصحابا لما قلنا من تحريم مال المسلم جملة.\rوأما قوله: * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) * فإنا لا نجبر السيد على قبول أقل من قيمة المكاتب، ولا نجبر المكاتب على أكثر مما يطيق، لاجماع القائلين بإيجاب ذلك - وهم أهل الحق - على إيجاب المقدار الذي ذكرناه.\rوأما قوله تعالى: * (أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) * فإنا صرنا في ذلك إلى مقتضى ظاهر الآية على ما بيناه في كتابنا في المسائل، لان الاصل ما قد ذكرنا من تحريم مال المسلم جملة، ومن أنه لا يحل لاحد أن يفرض شريعة على أحد لا من صيام ولا من غيره إلا ما أوجبه نص، وأما قوله عليه السلام: ما من صاحب إبل وما من صاحب غنم، وما من صاحب بقر، وما من صاحب ذهب فإنا صرنا في بيان مقدار الابل والغنم والبقر المأخوذ منها ومقدار","part":3,"page":388},{"id":392,"text":"الحق المأخوذ منها - إلى نصوص واردة في ذلك مبينة بيانا جليا، ولذلك أوجبنا حلبها يوما وردها فرضا.\rوأما الذهب فإنه لانص في مقدار ما يؤخذ منه الحق منها، ولا في مقدار الحق المأخوذ منها، فصرنا في ذلك إلى الاجماع ضرورة، وقد قدمنا أنه لا يحل من مال مسلم إلا ما أوجبه نص أو إجماع، فلم نوجب في الذهب إلا أقل\rما قيل، فلم نأخذ أقل من أربعين دينارا من ذهب ولا من الزيادة حتى يبلغ أربعين دينارا أبدا بخلاف الفضة، لان الفضة ورد فيها نص، فوجب حمله على عمومه بخلاف الذهب الذي لم يرد في مقدار ما يؤخذ منه نص يصح البتة، وبالله تعالى التوفيق.\rوأما حلي الذهب فإنه قد أجمعت الامة على وجوب الزكاة في الذهب قبل أن يصاغ حليا - إذا بلغ المقدار الذي ذكرنا - ثم اختلفوا في سقوطها إذا صيغ فاستصحبنا الحال الذي أجمعنا عليها، ولم نسقط الاختلاف ما قد وجب باليقين والاجماع.\rوأما النفقات الواجبات فقد أوجبها تعالى بالمعروف، وأمرنا بالاحسان في ذلك، وهذا يقتضي الشبع والسكن والكفاية وستر العورة بما لا يكون شهرة ولا مثلة، فقد رأينا في هذا كله وجه العمل الذي من حفظووقف عليه كفي تعبا عظيما، ولاح له الحق دون تخطيط ولا إشكال، بحول الله وقوته.\rقال علي: وأما إذا ورد لفظ لغوي فواجب أن يحمل على عمومه وعلى كل ما يقع في اللغة تحته، وواجب ألا ندخل فيه ما لا يفيده لفظه، مثل قوله تعالى * (إن علمتم فيهم خيرا) *، فالخير في اللغة يقع على الصلاح في الدين وعلى المال، فلا يجوز أن نخص بهذا النص بعض ما يقع عليه دون بعض إلا بنص، فلما قال تعالى: * (فيهم) *، ولم يقل معهم، ولا قال تعالى عندهم، أنه إنما أراد الدين فقط، فلذلك قلنا: إنه لا يجوز مكاتبة كافر لانه لا خير فيه البتة، وأما المسلم فقوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله خير كثير ففيه خير على كل حال، ولم يقل تعالى خير، وبعض الخير خير، وبالله تعالى التوفيق.\rومن ذلك قوله عليه السلام: ليس فيما دون خمسة أوسق من حب أو تمر","part":3,"page":389},{"id":393,"text":"صدقة، فوجب حمل دون على كل ما يقتضيه من أقل ومن غير، فسقطت بذلك الزكاة عن الخضراوات كلها والقطاني والفاكهة وسائر الثمار كلها لانها غير الحب والتمر، ووجب حمل الحب على ما يقع عليه في اللغة، لا يقع على القمح والشعير فقط، ذكر ذلك الكسائي وغيره من ثقات أهل اللغة في علمهم ودينهم.\rومثل ما جاء أنه عليه السلام كان يجعل فضل المال في الكراع والسلاح، فوجب وضعه في كل ما يسمى كراعا وسلاحا، ولذلك لم يجز تحبيس شئ من الاموال إلا ما جاء فينص، لانه شرع شريعة، فلا يحل الحكم بها إلا بنص، وأجزنا أن يحبس المرء على نفسه، لانه داخل في عموم قوله عليه السلام: إن شئت حبست الاصل وتصدقت بالثمرة، فجائز للمرء أن يتصدق على نفسه وعلى غيره، لانه كله تصدق وقد صح عن النبي (ص) قوله: ابدأ بنفسك فتصدق عليها.\rقال أبو محمد: وذكر بعض أهل الكلام في هذا الباب حديثا رواه أبو عبيد في غريب الحديث، وهو أمره عليه السلام قوما من جهينة بإدفاء رجل كان أصابه البرد، والادفاء في لغتهم القتل فقتلوه.\rقال علي: وهذا حديث مكذوب لا يصح البتة، بل نحن على يقين من أنه كذب مفترى، لأنه عليه السلام أفصح العرب وأعرفهم في لغتهم، ومأمورا بالبيان، وليس من البيان أن يأمر هم بكلام يقتضى عند هم غاير مراده صلى الله عليه وسلم ولا خحجة لهم في قصة عدى في الخيطين، لان عديا من قبله أتى سوء الفهم، وقد كان لعدي في قوله تعالى: * (ثم وتموا الصيام الى الليل) * كفاية في أن المراد خيط الفجر من خيط الليل، وقد كان نزل بعد: * (من الفجر) * وقد فعل فعل عدى سائر الصحابة رضوان الله عليهم وهم أهل اللغة، وأصابوا في ذلك حتى نزل * (من الفجز) * وانتقلوا عن الظاهر الاول الى الظاهر النازل بعده،\rبذلك الزكاة عن الخضراوات كلها والقطاني والفاكهة وسائر الثمار كلها لانها غير الحب والتمر، ووجب حمل الحب على ما يقع عليه في اللغة، لا يقع على القمح والشعير فقط، ذكر ذلك الكسائي وغيره من ثقات أهل اللغة في علمهم ودينهم.\rومثل ما جاء أنه عليه السلام كان يجعل فضل المال في الكراع والسلاح، فوجب وضعه في كل ما يسمى كراعا وسلاحا، ولذلك لم يجز تحبيس شئ من الاموال إلا ما جاء فينص، لانه شرع شريعة، فلا يحل الحكم بها إلا بنص، وأجزنا أن يحبس المرء على نفسه، لانه داخل في عموم قوله عليه السلام: إن شئت حبست الاصل وتصدقت بالثمرة، فجائز للمرء أن يتصدق على نفسه وعلى غيره، لانه كله تصدق وقد صح عن النبي (ص) قوله: ابدأ بنفسك فتصدق عليها.\rقال أبو محمد: وذكر بعض أهل الكلام في هذا الباب حديثا رواه أبو عبيد في غريب الحديث، وهو أمره عليه السلام قوما من جهينة بإدفاء رجل كان أصابه البرد، والادفاء في لغتهم القتل فقتلوه.\rقال علي: وهذا حديث مكذوب لا يصح البتة، بل نحن على يقين من أنه كذب مفترى، لأنه عليه السلام أفصح العرب وأعرفهم في لغتهم، ومأمورا بالبيان، وليس من البيان أن يأمر هم بكلام يقتضى عند هم غاير مراده صلى الله عليه وسلم ولا خحجة لهم في قصة عدى في الخيطين، لان عديا من قبله أتى سوء الفهم، وقد كان لعدي في قوله تعالى: * (ثم وتموا الصيام الى الليل) * كفاية في أن المراد خيط الفجر من خيط الليل، وقد كان نزل بعد: * (من الفجر) * وقد فعل فعل عدى سائر الصحابة رضوان الله عليهم وهم أهل اللغة، وأصابوا في ذلك حتى نزل * (من الفجز) * وانتقلوا عن الظاهر الاول الى الظاهر النازل بعده، وهذا الذى لا يجوز لأحد تعديه، وبالله تعالى التوفيق، وهو الموفق للصواب.","part":3,"page":390},{"id":394,"text":"الاحكام - ابن حزم ج 4\rالاحكام\rابن حزم ج 4","part":4,"page":0},{"id":395,"text":"الاحكام في أصول الاحكام للحافظ ابى محمد على بن حزم الاندلسي الظاهرى هذا الكتاب النفيس، الذى لم ترالعين مثيله في علم الأصول أحمد شاكر قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله الناشر زكريا على يوسف مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680 الجزء الرابع بسم الله الرحمن الرحيم الباب الرابع عشر في أقل الجمع قال علي: اختلف الناس في أقل الجمع فقالت طائفة: أقل الجمع اثنان فصاعدا، وهو قول جمهور أصحابنا، وقالت طائفة: أقل الجمع ثلاثة، وهو قول الشافعي وبه نأخذ، واحتج أصحابنا لقولهم بأن قالوا: الجمع في اللغة ضم شئ إلى شئ آخر، فلما ضم الواحد إلى الواحد كان ذلك جمعا صحيحا.\rقال علي: هذا خطأ ولا حجة فيه، لانه يلزمهم على ذلك أن يكون الجسم ا لواحد مخبرا عنه بالخبر عن الجمع واقعا عليه اسم الجمع لانه جمع جزء إلى جزء وعضو إلى عضو، وليس المراد باسم الجمع الذي اختلفنا فيه هذا المعنى من معاني\rالضم، وإنما المقصود به ما عدا الافراد والتثنية وليس ذلك إلا ثلاثة أشخاص متغايرة فصاعدا بلا خلاف من أهل اللغة وحفاظ ألفاظها وضباط إعرابها.\rواحتجوا أيضا بأن قالوا: روي عن النبي (ص): الاثنان فما فوقهما جماعة.\rقال علي: لا حجة لهم فيه، لانه حديث لم يصح، حدثني أحمد بن عمر بن أنس بن عبد الله بن حسين بن عقال، ثنا إبراهيم بن محمد الدينوري، ثنا محمد بن أحمد بن الجهم، ثنا بشير بن موسى، ثنا يحيى بن إسحاق، ثنا عليلة بن بدر هو الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، عن أبي موسى الاشعري قال: قال رسول الله (ص): الاثنان فما فوقهما جماعة وبه إلى ابن الجهم قال: ثنا عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا أبو توبة، ثنا مسلمة بن علي، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة أن رسول الله (ص) قال: اثنان فما فوقهما جماعة.\rوقال أبو محمد رحمه الله: عليلة ساقط بإجماع، وأبوه مجهول، ومسلمة بن علي","part":4,"page":391},{"id":396,"text":"ضعيف بلا خلاف، وكذلك القاسم عن أبي أمامة، فسقط الحديثان، وإنما المعتمد عليه في حكم الصلاة قوله عليه السلام لمالك بن الحويرث وابن عمه: فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وبإمامته في النافلة - (ص) - ابن عباس وحده.\rواحتجوا أيضا بأن قالوا: خبر الاثنين عن أنفسهما كخبر الكثير عن أنفسهم ولا فرق، فيقول الاثنان: فعلنا وصنعنا، كما يقول الجماعة سواء بسواء.\rقال علي: لا حجة لهم في ذلك في إيجابهم بهذا أن يكون الخبر عن الاثنين كالخبر عن الجماعة، لان ذلك قياس، والقياس فاسد، وأيضا فإن الخبر عن الاثنين بخلاف الخبر عن الجماعة، فنقول عن الاثنين: فعلا، وعن الجماعة: فعلوا، وأيضا فإن المرأتين تخبران عن أنفسهما، كما يخبر الرجلان عن أنفسهما، فتقول\rالمرأتان فعلنا وصنعنا، وليس ذلك بموجب أن يخبر عنهما كما يخبر عن الرجلين فيقال: فعلا بمنزلة فعلنا، ولا يجوز في اللغة قياس بإجماع عن أهلها، وإنما هي مسموعة والضمائر مختلفة عن الغائب والحاضر، والمخبر عن نفسه، والتثنية والجمع والمؤنث والمذكر، وقد تتفق الضمائر أيضا في مواضع، فليس اتفاقها فيها بموجب لاتفاقها في كل موضع، ولا اختلافها في بعض المواضع بموجب اختلافها في كل موضع، بل كل ذلك مأخوذ عن أهل اللغة كما سمعوه عن العر ب، وقد يخبر الواحد عن نفسه كما يخبر الاثنان، وكما يخبر الجماعة فيقول: فعلنا وصنعنا ونفعل ونصنع، ونحن نقول وهذا عندنا، وليس ذلك بموجب أن يكون الواحد جمعا، فبطل احتجاجهم بأن خبر الاثنين عن أنفسهما كخبر الجمع، وهو حجة في كون الاثنين جمعا.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) * وإنما كان لهما قلبان.\rقال علي: ولا حجة لهم في هذا، لان هذا باب محفوظ في الجوارح خاصة، وقد نقل النحويون هذا الباب وقالوا: إن كل اثنين من اثنين، فإنه يخبر عنهما كما يخبر عن الجمع، كأن العرب عدت الشيئين المخبر عنهما ثم أضافتهما إلى الشيئين اللذين هما منهما، فصارت أربعة، فصح الجمع، وأنشدوا في ذلك: ومهمهين فدفدين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسين","part":4,"page":392},{"id":397,"text":"وهذا باب لا يتعدى فيه مسموعه من العرب فقط، ولا يجوز أن يقاس عليه، واحتجوا أيضا بقوله عز وجل: * (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين) *.\rقال علي: وهذا لا حجة لهم فيه، لان الضمير في حكم العربية أن يكون راجعا\rإلى أقرب مذكور إليه، وأقرب مذكور إلى الضمير قوله تعالى: * (غنم القوم) * فالقوم وداود وسليمان جماعة بلا شك فكأنه تعالى قال: وكنا لحكم القوم في ذلك أي للحكم عليهم، كما تقول هذا حكم أمر كذا، أي الحكم فيه وعليه.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض) * وبين تعالى أنهما اثنان بقوله في آخر الآية * (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) * ويقول أحدهما: * (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب) *.\rقال علي: لا حجة لهم فيه، لان الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة وقوعا مستويا، وكذلك الزور على الزائر الواحد والاثنين والجماعة، وكذلك الالب والحرب، تقول هو إلب علي وهو حرب علي وهما حرب علي وإلب علي، وهم حرب علي وإلب علي، فلا يسوغ لاحد أن يقول: المتسورين على داود (ص) كانا اثنين دون أن يقول: بل كانوا جماعة، وقد قال ذلك بعض المفسرين، وقال تعالى: * (هذان خصمان اختصموا في ربهم) * وإنما نزلت في ستة نفر، علي، وحمزة، وعبيد بن الحارث رضي الله عنهم، وفي عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، إذ تبارزوا يوم بدر، وقد أخبر تعالى في آخر الآية بما يبين أنهم جماعة يقول تعالى: * (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار) * إلى منتهى قوله * (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير) *.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن محمد بن عيسى، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، ثنا عمرو بن زرارة ثنا هشام، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما: * (هذان خصما اختصموا في ربهم) * إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر","part":4,"page":393},{"id":398,"text":"علي وحمزة وعبيدة رضي الله عنهم، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة.\rوإذا لم يأت نص بين في أن الخصمين المختصمين إلى داود (ص) كان إذ تسورا اثنين فقط لا ثالث لهما، فليس لاحد أن يحتج بذلك في إبطال ما قد صح في اللغة ولا في إثبا ت أمر لم يثبت بعد.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) *.\rقال علي: ولا حجة لهم في ذلك، وليس كما ظنوا، بل هذا جمع صحيح، لان لكل واحد من السارقين يدان، فهي أربع أيد بيقين، وقطع يدي السارق جميعا واجب يدا بعد يد، إذا سرق سرقة بعد سرقة، بنص القرآن.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلامه السدس) *.\rقال علي: وهذا عليهم لا لهم، أنه لا يجوز أن تحط الام عن الثلث إلى السدس عندنا إلا بثلاثة من الاخوة لا باثنين، وقولنا في ذلك هو قول ابن عباس، وهو في اللغة بحيث لا يجهل محله إلا جاهل، وإنما حكم من حكم برد الام إلى السدس باثنين من الاخوة، إما بقياس، وإما بتقليد، وكل ذلك فاسد فإن قيل: قد قال بذلك عثمان، قيل له: قد خالفه ابن عباس وأنكر عليه ذلك، وبين عليه أن اللغة خلاف ما يحكم به، فلم يقدر عثمان على إنكار ذلك، ولم نرد على أن قال: لا أقدر أن أرد ما قد توارث به الناس.\rواحتجوا بقوله تعالى حاكيا عن يعقوب عليه السلام في قوله: * (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * قالوا: وإنما كان يوسف وأخاه.\rقال علي: هذا خطأ، بل ما كا نوا إلا ثلاثة، يوسف وأخاه الذي حبس من أجل الصواع الذي وجد في رحله، والاخ الكبير الذي قال: * (فلن أبرح الارض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ارجعوا إلى أبيكم\rفقولوا يأبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا) * فلما فقد يعقوب ثلاثة من بنيه تمنى رجوعهم كلهم.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) * والطائفة تقع على الواحد وعلى الاثنين وعلى الاكثر، فأخبر تعالى عن الطائفتين مرة بلفظ الجمع بقوله: * (اقتتلوا) * ومرة بلفظ الاثنين: * (فأصلحوا بينهما) *","part":4,"page":394},{"id":399,"text":"وقال تعالى في الآية التالية لها: * (فأصلحوا بين أخويكم) * فأمر بالاصلاح بين الاثنين كما أمر بالاصلاح بين الجماعة.\rقال علي: وهذا لا حجة لهم فيه، لان الطائفة كما ذكروا تقع على الواحد والاثنين والاكثر، فإذا أخبر عنهما بلفظ الجمع، فالمراد بهما الجمع، والمراد بالطائفتين في أول الآية المذكورة الكثير منهم، ومعنى قوله تعالى: * (فأصلحوا بينهما) * أي بين الجماعتين المقتتلتين، ثم علمنا تعالى وجوب الاصلاح بين الاثنين كوجوبه بين الكثيرين بقوله تعالى: * (فأصلحوا بين أخويكم) * وحمل الآية على ما نقول هو الذي لا يجوز غيره، لانه عموم لكيفية الاصلاح بين الكثير والقليل ولو كان ما ظن مخالفنا، لما علمنا فيها الاصلاح بين الاثنين فقط وهذا خطأ.\rواحتجوا بقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: * (كلا فاذهبا بآياتنآ إنا معكم مستمعون) * ولم يقل معكما.\rقال علي: وهذا لا حجة لهم فيه، لانهم ثلاثة بلا شك، المرسلان وفرعون المكلم المرسل إليه، فالمستمعون ثلاثة بيقين.\rقال علي: فإن قد بطل احتجاجهم بكل ما احتجوا به، فلنقل في بيان صحة مذهبنا، وبالله تعالى التوفيق.\rفنقول: إن الالفاظ في اللغة إنما هي عبارات عن المعاني، ولا خلاف بين\rالقرب في أن الاثنين لهما صيغة في الاخبار عنهما، غير الصيغة التي للثلاثة فصاعدا، وإن للثلاثة فصاعدا - إلى ما لا نهاية له من العدد - صيغة غير صيغة الخبر عن الاثنين، وهي صيغة الجمع، ولا خلا ف بين أحد من أهل اللسان في أنه لا يجوز أن يقال قام الزيدون، وأنت تريد اثنين.\rولا جاءني الهندات، وأنت تريد اثنتين، وضمير الغائب موضوع بلا خلاف بين أحد من أهل اللسان في موضع اسم الغائب ومبدل منه، فلا يجوز أن يبدل ضمير الجماعة إلامن الجماعة، ولا ضمير الاثنين إلا من الاثنين، ولو كان ذلك لوقع الاشكال وارتفع البيان، وكذلك المخاطبات لا يجوز البتة أن نقول لاثنين: قمتم وقعدتم، وإنما يقال: قمتما وقعدتما: ولا يقال لاثنين: قمتن، ولا يقال للنساء: قمتما، وإنما قال: قمتن، فصح ما قلنا بحكم ظاهر اللغة التي بها نزل القرآن وبها تكلم النبي (ص)، وإلى مفهومها نرجع","part":4,"page":395},{"id":400,"text":"في أحكام الديانة، إلا ما نقلنا عنه نص جلي وبالله تعالى التوفيق، وهذا ما لا يجوز خلافه، والله الموفق للصواب.\rفصل من الخطاب الوارد بلفظ الجمع قال علي: وإذا ورد لفظ بصورة جمع وقدر على استيعابه، فلا بد من استيعابه ضرورة، وإلا فقد صحت المعصية وخلاف الامر، فإن لم يقدر على ذلك ولم يكن إلى استيعابه سبيل، فللناس قولان: أحدهما، أنه واجب أن يؤدي من ذلك ما أمكن، وما انتهى إليه الوسع، ولا يسقط عنه إلا ما عجز عنه أو ما قام نص أو إجماع بسقوطه، وبهذا نأخذ، وقالت طائفة: لا يلزم من ذلك إلا أقل ما يقع عليه اسم ذلك الجمع، وهو ثلاثة فصاعدا، وما زاد على ذلك فليس فرضا.\rقال علي: والحجة للقول الاول هي حجتنا على القائلين بالخصوص أو الوقف وقد لزم عموم ذلك الجمع بيقين، فلا يسقط بشك ولا بدعوى، فأما ما عجز عنه\rفساقط، وأما ما لم يعجز عنه فباق على وجوب الطاعة له، ويبين ذلك قول رسول الله (ص): وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.\rقال علي: فمن ذلك قول الله عز وجل: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * الآية وقوله تعالى * (الوصية للوالدين والأقربين) * فنقول إن الامام القادر على استيعاب جميع مساكين المسلمين وفقرائهم وغازيتهم وسائر الاصناف المسماة، ففر ض عليه استيعابهم، وأما من عجز عن ذلك فمن دونه، فقد أجمعت الامة بلا خلاف على أن له أن يقتصر على بعض دون بعض، ودل على ذلك قوله (ص) لزينب امرأة عبد الله بن مسعود إذ سألته أيجزي عني أن أتصدق على زوجي وولدي منه من الصدقة فقال عليه السلام: نعم.\rقال علي: فبهذه النصوص صرنا إلى هذا الحكم، والاستيعاب والعموم معناهما واحد، وهذا كله من باب استعمال الظاهر، والوجوب، وقد رام قوم أن يفرقوا بين الاستيعاب والعموم، وهذا خطأ ولا يقدرون على ذلك أبدا، وقال هؤلاء القوم: العموم لبعض ما يقع عليه الاسم عموم ذلك الجزء الذي عم به.\rقال علي: فيقال لهم: وكذلك الاستيعاب لبعض ما يقع عليه الاسم استيعاب لذلك الجزء الذي استوعب به ولا فرق.","part":4,"page":396},{"id":401,"text":"قال علي: والجمع بلفظ المعرفة والنكرة سواء في اقتضاء الاستيعاب، كقوله تعالى: * (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) * فهذا عموم لكل قوم لا يؤمنون، وهو بلفظ النكرة كما ترى، وقد ظن قوم أن الجمع إذا جاء بلفظ النكرة فإنه لا يوجب العموم، فقالوا: قولك جاء رجال لا يفهم منه العموم، كما يفهم من قولك جاء الرجال.\rقال علي: وهذا ظن فاسد لا دليل عليه، وإنما هو ألفه لما وقع في أنفسهم\rفي عادات سواء استعملوها في تخاطبهم، وبخلاف معهود اللغة في الحقيقة، وقد أبطلنا ذلك بالآية التي ذكرنا آنفا، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب الخامس عشر في الاستثناء قال علي: قد بينا في باب الاخبار وفي باب العموم والخصوص كيفية الاستثناء، ونحن الآن متكلمون - إن شاء الله عز وجل بتأييده لنا - في ماهية الاستثناء وأنواعه، فنقول وبالله تعالى التوفيق.\rإن الاستثناء هو تخصيص بعض الشئ من جملته، أو إخراج شئ ما مما أدخلت فيه شئ آخر، إلا أن النحويين اعتادوا أن يسموا بالاستثناء ما كان من ذلك بلفظ: حاشا، وخلا، وإلا، وما لم يكن، وما عدا، وما سوى، وأن يجعلوا ما كان خبرا من خبر كقولك: اقتل القوم ودع زيدا، مسمى باسم التخصيص لا استثناء، وهما في الحقيقة سواء على ما قدمنا.\rقال علي: واختلفوا في نحو من أنحاء الاستثناء، فقالت طائفة: لا يجوز أن يستثنى الشئ من غير جنسه أو نوعه المخبر عنه، وقالت طائفة: جائز أن يستثنى الشئ من غير جنس أو المخبر عنه، وبكلا هذين القولين قالت طوائف من أصحابنا الظاهرين، ومن إخواننا القياسيين.\rقال علي: ونحن نقول: إن استثناء الشئ من غير جنسه ونوعه المخبر عنه جائز، واسمه في العربية عند النحويين الاستثناء المنقطع، وهو حينئذ ابتداء خبر آخر كقائل قال: أتاني المسلمون إلا اليهود، فهذا جائز كأنه قال: إلا اليهود فإنهم لم يأتوني،","part":4,"page":397},{"id":402,"text":"وهذا لا ينكره نحوي ولا لغوي أصلا، إذا كان على الوجه الذي ذكرناه.\rقال علي: والبرهان القاطع في ذلك قوله تعالى: * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس) *، وقال تعالى: * (وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) * فلم يدع تعالى للشك ههنا مجالا\rإلا بينه، وأخبر أن إبليس كان من الجن، وقد حمل التهور قوما راموا نصر مذهبهم ههنا فقالوا: إن الملائكة يسمون جنا لاجتنانهم.\rقال علي: وهذا قول فاحش من وجوه، أحدها وأوضحها قول الله عز وجل إذ سأل الملائكة: * (أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) * فقالت الملائكة: * (سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن) * ففرق تعالى بين الملائكة والجن فرقا كما ترى، والوجه الثاني إخباره عليه السلام: إن الملائكة خلقت من نور والجن خلقت من نار، ففرق بين النوعين فرقا من خالفه كفر.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، عن عبد الله بن حميد، عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله (ص) خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم.\rوالثالث إجماع الامة على أن من سمى جبريل أو ميكائيل جنيا فقد كفر، فقد ظهر بطلان هذا القول الفاسد، وكان أقصما احتج له القائلون به أن قالوا: الاجتنان هو الاستتار، ومن ذلك يسمى المجن مجنا، والجنة جنة، فالملائكة والجن مستترون عنا فهم جن.\rقال علي: وهذا هذيان لبعض أهل اللغة، وفي كل قوم جنون، فلو أن عاكسا عكس عليهم فقال: ما اشتقا الاجتنان الذي هو الاستتار إلا من الجن، بماذا كانوا ينفصلون ؟ وأيضا فيقال لهم حتى لو صح قولكم: إن الجن اشتقوا من الاجتنان فمن أي شئ اشتق الاجتنان ؟ فإن جروا هكذا إلى غير غاية، وهذا يوجب أشياء موجودات لا أوائل لها، ولا نهاية لعددها، وهذا محال ممتنع، وموافقة أهل الكفر، وإن قالوا: ليس للفظ الذي اشتق منه اشتقاق، قيل لهم: فما الذي","part":4,"page":398},{"id":403,"text":"جعل تلك اللفظة بأن تكون مبتدأة أولى من هذه الثانية.\rوقد سقط في هذا كبار النحويين منهم أبو جعفر النحاس: فإنه ألف كتابا في اشتقاق أسماء الله عز وجل - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهذا يلزمهم القول بحدوث أسماء الله عز وجل، لان كل شئ مشتق فهو مأخوذ مما اشتق منه وكل مأخوذ فقد كان قبل أن يوجد غير مأخوذ، فقد كانت الاسماء على أصلهم غير موجودة، والكلام ههنا يطول ويتشعب، ويخرجنا عن غرض كتابنا، وأسماء الله عز وجل إنما هي أسماء أعلام كقولك زيد وعمرو، والمراد بها الله تعالى الذي لم يزل وحده لا شريكله ولا يزال خالق كل شئ لا إله إلا هو رب العرش العظيم، وأما الاصوات المسموعة المعبر بها فمخلوقة لم تكن ثم كانت.","part":4,"page":399},{"id":404,"text":"ومنهم أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، فإنه قال في نوادره: * (العشقة نبت يخضر ثم يصفر ثم يهيج ومنه سمي العاشق عاشقا) * أو ما علم هذا الرجل أن كل نبت في الارض فهذه صفته، فهلا يسمى العاشق باقلا مشتقا من البقل الذي يخضر، ثم يصفر، ثم يهيج، فإن ركب هذا الطريق اتسع له جدا، وأخرجه ذلك إلى بعض خرق من أدركناه من أهل الجنون، وأدخله في باب المضاحك والمطايب والمجون.\rوالذي نعتقد ونقول ونقطع على صحته، أن الاشتقاق كله باطل حاشا أسماء الفاعلين من أفعالهم فقط، وأسماء الموصوفين المأخوذة من صفاتهم الجسمانية والنفسانية، وهذا أيضا لا ندري هل أخذت الاسماء من الصفات، أو أخذت الصفات من الاسماء ؟ إلا أننا نوقن أن أحدهما أخذ من صاحبه، مثل ضارب من الضرب، ومثل آكل من الاكل، ومثل أبيض من البياض وغضبان من\rالغضب، وما أشبه ذلك.\rوأما سائر الاسماء الواقعة على الاجناس والانواع كلها، فلا اشتقاق لها أصلا وليس بعضها قبل بعض، بل كلها معا، وقد كنت أجري في هذا مع شيخنا أبي عبده حسان بن مالك رحمه الله، وكان أذكر من لقينا للغة مع شدة عنايته بها، وثقته وتحريه في نقلها، فكان يقول لي: قد قال بهذا الذي تذهب إليه كثير من أهل اللغة قديم وسماه لي، وشككت الآن في اسمه لبعد العهد وأظن أنه نفطويه.\rوكيف يسوغ لذي عقل أن يسمي الملائكة جنا، وهو يسمع قول الله عز وجل * (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) * وما علمنا مسلما يقول: إن أحدا من الملائكة يدخل جهنم، وقد قال تعالى: * (قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذى يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس) * أفتراه تعالى أمر نبيه (ص) بأن يستعيذ من شر الملائكة ؟ هذا ما لا يظنه ذو عقل، وقد اعترض على بعض من كلمني في هذا المعنى بقوله تعالى: * (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا) * وقال: إنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الرحمن.\rقال علي: وهذا ليس بشي، لانه قد روي عن ابن عباس أن قريشا كانت تقول: سروات الجن هم بنات الرحمن، فإنما عنى تعالى الجن على الحقيقة في هذا","part":4,"page":400},{"id":405,"text":"المكان لا الملائكة، ونسأل من ذهب إلى هذا، أيجوز أن يقول قائل، والجن حافون من حول العرش ؟ وهذا ما لا يجيزه مسلم، وقد أخبر تعالى أن الجن عن السمع لمعزولون، ودون السماء بالشهب مقذوفون، وأن الملائكة بخلاف ذلك.\rويلزم من سمى الجن جنا من أجل اجتنانهم أن يسمي دماغه جنيا ويسمي مصيره جنيا، لان كل ذلك مجتن، وقد اعترض بعضهم بأن إبليس دخل مع الملائكة في الامر بالسجود لآدم (ص).\rقال علي: وهذا باطل لان الله تعالى أخبر أنه كان من الجن، ولا تدخل الجن مع الملائكة فيما خصت به الملائكة، فلا بد أنه تعالى أمر إبليس أيضا بالسجود، وقد جاء النص بذلك فقال تعالى: * (يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى) * فقد أيقنا أن الله تعالى أمره بالسجود كما أمر الملائكة، فقد وجدنا الله تعالى استثنى إبليس من غير نوعه، فلا مجال للشك في هذا المعنى بعد هذا، ووجدناه تعالى قد قال أيضا: * (ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا) * أي لكن خطأ وقال تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة) * وقال تعالى * (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى) *.\rوقال تعالى * (لا يسمعون فيها لغو أو لا تأثما الاقيلا سلاما سلاما) * فاستثنى عز وجل الموتة الاولى وليست الموتة فيما يذاق أصلا في الجنة واستثنى تعالى التجارة - وهي حق - من الباطل واستثنى تعالى الخطأ من القتل المحرم، وليس المخطئ قاتلا من العمد الحرم، واستثنى تعالى القول الطيب سلاما سلاما من قول الاثم، ومن هذا الباب لا إله إلا الله، واستثنى الله تعالى من جملة الآلهة التي عبدها من سوانا وليس تعالى من جنسها ولا نوعها، ولا له عز وجل نوع ولا جنس أصلا، وقد قال تعالى: * (وما لاحد عنده من نعمة تجزى ئ إلا ابتغآء وجه ربه الاعلى) * وقال النابغة الذبياني: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب","part":4,"page":401},{"id":406,"text":"فاستثنى الفخر من المعائب، وقال أيضا: وقفت فيها أصيلانا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الاواري لايا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد فاستثنى الاثافي والنؤى من الا حدين، وقال آخر: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس\rوقال تعالى: * (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا ئ إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا) * فاستثنى عز وجل رحمته من الوكيل عليه الذي لا سبيل إليه، فأي شئ قاله من أبى استثناء الشئ من غير جنسه في هذه الآيا ت وفي هذه الآي، فهو قولنا، وهو أنه استثناء منقطع، وعطف خبر على خبر، بمعنى لكن، أو حتى، وقد صح بلا ضرورة أن يخبر بخبر إيجاب عن واحد، وبخبر نفي عن آخر، ولا فرق بين أن يرد أحد الخبرين على الآخر بحرف العطف، وبين أن يرد بحر ف الاستثناء، وقد جاء كل ذلك كما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق.\rفصل من الاستثناء قال علي: واختلفوا في نوع من أنواع الاستثناء، وهو أن يستثنى من الجملة أكثرها، ويبقى الاقل، فأجازه قوم وهو قول جميع أصحابنا أهل الظاهر، وبه نأخذ، وبه قال جمهور الشافعيين، وأباه قوم وهو قول جمهور المالكيين، ولا نعلم لهؤلاء القوم حجة أصلا في المنع من ذلك إلا أن يقول بعضهم: إنكم قد وافقتمونا على جواز استثناء، ولا نوافقكم على جواز استثناء الاكثر.\rقال علي: وهذه حجة إنما تصح فيما لا نص فيه، أو فيما لم يقم عليه برهان، وأما كل ما قام فيه برهان عقلي أو شرعي فلا نبالي من وافقنا فيه، ولا من خالفنا، وقد قامت البراهين على جواز استثناء الاكثر من جملة لا يبقى منها بعد ذلك الاستثناء إلا الاقل، قال الله عز وجل: * (قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أورد عليه) *، وهو بدل البيان، ولم يختلف قط أحد أنه","part":4,"page":402},{"id":407,"text":"لم يفرض عليه قيام الليل كله، وإنما فرض عليه القيام في الليل، وهذا البدل يحل محل المبدل منه فالمفهوم أنه قال تعالى: قم الليل إلا نصفه، ثم زادنا الله تعالى\rفائدة عظيمة، وهي أن النصف قليل بالاضافة إلى الكل.\rقال علي: فإن قال قائل: كيف تحتجون بهذا وأنتم تقولون إن قيام أكثر من ثلث الليل لا يجوز ؟ لقول النبي (ص): إنه لا قيام فوق داود، وكان يقوم ثلث الليل بعد أن ينام نصفه ثم ينام سدسه ؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق: معنى قوله تعالى: * (قم الليل إلا قليلا) * إنما هو - والله أعلم - إعلام بوقت القيام لا بمقدار القيام، ليتفق معنى الآية والحديث، فكل من عند الله تعالى وما كان من عنده تعالى فلا اختلاف فيه.\rقال الله عز وجل: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * فصح أن معنى قوله تعالى: * (قم الليل إلا قليلا) * قم في الليل إلا في قليل في نصفه.\rوهكذا قوله تعالى: * (إن أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه ثلثه) * إنما معناه في أئنى.\rوقوله تعالى * (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) * مع نهيه على لسان نبيه عن قيام أكثر من ثلث الليل، بيان أن الثلثين قبل الاضافة إلى الكل، لانهم كانوا يهجعون قليلا وهو الثلثان.\rويخرج أيضا على أن ما ههنا جحد محقق، فيكون معناه: كانوا ما يهجعون قليلا من الليل وهو الثلث فأقل، فيكون هذا أيضا حسنا موافقا لما صح عن النبي (ص) في قيام الثلث، وكلا القولين متفق، لانه إذا هجع الثلثين وقام الثلث، فإن الثلثين قليل بالاضافة إلى الكل، والثلث أيضا كذلك، وبالله تعالى التوفيق.\rفإن اعترض معترض بقول رسول الله (ص): الثلث كثير.\rقيل له صدق رسول الله (ص)، الثلث كثير بالاضافة إلى ما هو أقل منه، وهكذا كل عدد من العالم فألف ألف كثيرا بالاضافة إلى عشرة آلاف، وألف ألف قليل بالاضافة إلى عشرة آلاف ألف.\rقال علي: ونقدر أن الذي أقحم هؤلاء القوم في هذه الورطة، تجويزهم للمحتبس س استثناء أقل من الثلث، ولم يجوزوا له استثناء الاكثر من ذلك، فقادهم الخطأ\rإلى ما هو أشد خطأ منه، وإن أولى الناس بالتقنع إذا ذكر هذا الحديث الذي","part":4,"page":403},{"id":408,"text":"اعترضوا به من قول رسول الله (ص): الثلث كثير فالمالكيون، لانهم يجعلون الثلث كثيرا في الاستثناء من الحبس كما ذكرنا.\rثم يجعلونه في حكم المرأة ذات الزوج في مالها قليلا، فيجوزون لها الثلث دون رأي زوجها، ويمنعونها من أكثر من الثلث إلا برأيه، ثم يجعلون الثلث كثيرا في الجائحة إذا أصابت من الثمرة ثلثها فصاعدا، ويجعلون ما دون الثلث قليلا لا حكم له، ثم يجعلون الثلث قليلا في استثناء البائع من حائطه المبيع، أو زرعه المبيع مكيلة تبلغ الثلث فأقل، ويجعلون ما زاد على الثلث في ذلك كثيرا ممنوعا.\rثم يجعلون الثلث كثيرا في الشاة تباع، ويستثنى منها أرطال فمنعوا من ذلك إن كانت الارطال مقدار الثلث، وأجازوه إن كانت أقل من الثلث، ثم يجعلون الثلث قليلا في الدار تكترى وفيها نخل لم يظهر بعد فيه ثمرة، أو ظهرت ولم يبد صلاحها، فأجازوا دخول تلك الثمرة في الكراء.\rقالوا: فإن كانت أكثر من الثلث لم يجز ذلك ويجعلون العشر قليلا وما زاد عليه كثيرا، فيمن أمر آخر أن يشتري له جارية بثلاثين، فاشترى له جارية بثلاثة وثلاثين، قالوا: هي لازمة للآمر.\rفإن كان أكثر فهي غير لازمة للآمر، وقد قالوا أيضا: إن ما زاد على نصف العشر كثير، فيمن أمر آخر أن يشتري له عبدا بمائة دينار، فاشتراه له بمائة وخمسة دنانير، أنه يلزمه ولا يلزمه إن اشتراه بأكثر، ومرة يجعلون النصف قليلا، فيمن كان له عند آخر دينارا فصارفه في نصفه بدراهم، فأخذ بالنصف الثاني طعاما، أن ذلك جائز، فإن صارفه بأكثر من النصف وأخذ بالباقي لم يجز ذلك، لانه كثير.\rوقالوا: من ابتاع سلعا فوجد بعضها فاسد، لا يجوز بيعها كشاة ميتة بين مذكيات ونحو ذلك، فإن كان وجه الصفقة والذي يرجى فيه الربح، فسخت\rالصفقة كلها، وإن كان أقل من ذلك فسخ الحرام ونفذ العقد في الحلال، وحدوا الكثير في ذلك بالسبعين من المائة، فجعلوا ما دون الثلاثة الارباع قليلا، وجعلوا نقص النصف من الاذن والذنب مانعا من جواز التضحية.\rونرجح في الثلث فما فوقه إلى النصف، ثم يجعلون الثلث قليلا، في الحلو السيف، والمصحف يكون فيه فضة تقع في ذلك قيمته ما هي فيه، فيجيزون بيعه كله أو بعضه، أو يكون فيه ذهب يقع في ثلث قيمة ما هو فيه، فيباع بالذهب","part":4,"page":404},{"id":409,"text":"قالوا: فإن كان مقدار ذلك أكثر من الثلث مما هو فيه، لم يجز بيعه إن كان فضة بفضة أصلا، وإن كان ذهبا بذهب أصلا، قالوا: والسكين بخلاف الحلي والسيف المصحف في ذلك.\rقال علي: فمرة كما ترى يجعلونه الثلث قليلا، ومرة يجعلونه كثيرا، ومرة يجعلون النصف قليلا، ومرة يجعلون ما زاد على العشر كثيرا، تحكما بآرائهم الفاسدة بلا دليل، وإن سماع هذه القضايا الفاسدة التي لم يأذن بها الله عز وجل لعبرة لمن اعتبر، وآية لمن تفكر، والعجب يتضاعف من قوم قبلوا ذلك ودانوا به كما ترى وتركوا له دلائل القرآن والسنة ونصوصهما، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rقال علي: وقد جاء في نص القرآن استثناء الاكثر من جملة يبقى منها الاقل بعد ذلك، فبطل كلام كل من خالفه، قال الله عز وجل لابليس: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) * وقد أخبر رسول الله (ص) أنا في الامم التي تدخل النار، كالشعرة السوداء في الثور الابيض، وأنه عليه السلام يرجو ان يكون نصف أهل الجنة، وأن بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون للنار، واحد إلى الجنة، هذا حكم جميع ولد آدم عليه السلام، ويكفي من ذلك قوله تعالى: * (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) *\rفقد استثنى الغاوين من جملة الناس وهم أكثر الناس، فاستثنى كما ترى ألفا غير واحد من ألف.\rقال علي: وأيضا فإن الاستثناء إنما هو إخراج للشئ المستثنى، مما أخبر به المخبر عن الجملة المستثنى منها، ولا فرق بين إخراجك من ذلك الاكثر، وبين إخراجك الاقل، وكل ذلك خبر يخبر به، فالخبر جائز عن الاكثر كجوازه عن الاقل، ولا يمنع من ذلك إلا وقاح معاند أو جاهل، وأيضا فلا شك بضرورة التمييز أن عشرة آلاف أكثر من عشر آلاف حاشا واحدا، فإذا كان ذلك فعشرة آلاف غير واحد قليل بالاضافة إلى عشرة آلاف كاملة، وإذا كان ذلك فاستثناء القليل من الكثير جائز لا تمانع فيه.\rوأيضا فإنه لا فرق بين قول القائل ألف غير تسعمائة وتسعة وتسعين، وبين قوله، واحد، ولا فرق بين قول القائل: سبعمائة وثلاثمائة، وبين قوله: ألف، وهذا كله من المتلائمات وهي","part":4,"page":405},{"id":410,"text":"ألفاظ مختلفة معناها واحد، وإذا كان ذلك فلا فرق بين استثناء ثلاثمائة من ألف لانها بعض الالف، وبين استثناء تسعة وتسعمائة وتسعين من الالف أيضا لانها بعض الالف ولا فرق.\rفإن قال قائل: إن ربك ألف غير تسعمائة وتسعة وتسعين إذا كان ذلك بمعنى واحد، قيل له وبالله تعالى التوفيق: لو عقلت معنى تسمية ربك تعالى لم تسمنا هذا، ونحن لا يحل عندنا أن نقول: إن الله تعالى فرد ولا أنه فذ ولا نقول إلا واحد وتر كما جاء النص فقط، لان كل ذلك تسمية، ولا يحل تسمية الباري تعالى بغير ما سمى به نفسه، ومن فعل ذلك فقد ألحد في أسمائه، وهو تعالى ليس عددا وإنما يسمى ما دونه واحدا على المجاز وإلا فليس في العالم واحد أصلا لان الواحد الذي لا يتكثر البتة، وليس هذا في العالم البتة حاشا الله تعالى\rوحده، وبالله تعالى التوفيق.\rفإن قال قائل: فأخر استثناء الجملة كلها، قيل له: هذا لا يجوز، لانه كان يتكون أحد الخبرين مبطلا للآخر، ومكذبا له كله، لانه إذا قال: أتاني إخوتك إلا إخوتك كأن قد قال: إتاني إخوتك لم يأتني إخوتك، وهذا تناقض وتكاذب وخلف من الكلام، ومحال لا يجوز أصلا، وليس هذا المحال موجودا في استثناء الاكثر من جملة يبقى منها الاقل، ولا في استثناء الشئ من غير جنسه، ألا ترى أنك إذا قلت: أتاني إخوتك، ولم يأتني بنو عمك، وأتاني إخوتك، ولم يأتوني كلهم لكن بعضهم، فهذان الخبران صدق إذا صدق فيهما، والاخبار بهما صحيح حسن، فهذا فرق ما بين استثناء الجملة كلها وبين استثناء أكثرها، واستثناء الشئ من غير جنسه.\rوقد قال قائلون: إن من لفظ بعموم في خبره، فلا بد له أن يبقي - إن استثنى من جنس تلك الجملة - ما يقع عليه اسم عموم، ولم يجوزوا أن يقول القائل: أتاني إخوتك، لم يأتني كلهم ولكن أتاني واحد منهم، وقالوا: إن الآتي ليس إخوة ولكنه أخ، فلا يستثنى إلا بأن يبقى ثلاثة فصاعدا.","part":4,"page":406},{"id":411,"text":"قال علي: وهذا لا معنى له، لان ألف سنة ليس مطابقا لتسعمائة، فإن قال: هو مطابق لتسعمائة وخمسين، قيل له: ومجئ الاخ الواحد مطابق لعدم مجئ جميعهم حاشاه ولا فرق، فإن قال قائل: فإذا لا تجوزون استثناء الجملة كلها، فكيف قلتم، إن من قال: لفلان عندي مائة دينار إلا عبدا قيمته مائة دينار، أو قال: لفلان عندي مائة دينار إلا مائة دينار.\rإن هذا الاقرار لا يحكم عليه بشئ منه ولا يقضى لذلك لفلان عليه بشئ، قيل له وبالله تعالى التوفيق: وهذا موافق لاصلنا، لانه لما كان استثناء جميع الجملة محالا، وكان الناطق بذلك ناطقا بمحال لا يجوز، فكان كلامه ذلك باطلا، وإقراره فاسدا، والاقرار لا يجوز إلا صحيحا\rمجردا من كما يبطله، فلذلك لم نحكم عليه بهذا الاقرار، لانه متناقض، وقد وافقنا خصومنا في ذلك على أن رجلا لو قال بحضرة عدول: إني زنيت الساعة أمامكم بامرأة كانت معنا، وقتلت الساعة بحضرتكم رجلا مسلما حرام الدم بلا سبب، وكذلك لو قال: رفعت رجلا مسلما إلى السحاب ثم أرسلته فسقط في البحر فمات، أو قال: أخذت عصا موسى عليه السلام وطعنت بها رجلا فقتلته فإنه لا يؤخذ بشئ من ذلك، ولا يحكم عليه إلا بالهوس والجنون، ولا فرق بين ما ذكرنا وبين ما حكمنا نحن به من إسقاط كل إقرار فاسد متناقض يسقط آخره أوله ويبطله، ولا فرق بين إسقاط بعض الجملة المقر بها الاستثناء، وبين إسقاط جميعها بالتناقض أو بذكر البراء منها، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل من الاستثناء قال علي: وإذا وردت أشياء معطوفات بعضها على بعض، ثم جاء الاستثناء في آخرها فإن لم يكن في الكلام نص بيان على أن ذلك الاستثناء مردود على بعضها دون بعض، فواجب محله على أنه مردود على جميعها، والبرهان على ذلك: أنه ليس بعضها أولى بها من بعض، فإن قال قائل: فهلا قلتم: إنه مردود عن أقربها منه، لان الالفاظ التي تقدمت قد حصلت على عمومها، فواجب ألا ينتقل عنه إلا بنص أو إجماع، فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن كل ألفاظ جمعت في حكم","part":4,"page":407},{"id":412,"text":"واحد فلم يكمل بعد أمرها حتى ينقضي الكلام، فإذا جاء بعقبها استثناء فقد صح الاستثناء يقينا، وإذا صح يقينا فقد حصل التخصيص بالنص، وصار الاقتصار به على بعض ما قبله دون بعض دعوى مجردة لا دليل عليه، فإن قال قائل: فإن رده على أقرب ما يليه يقين، ورده على كل ما قبله شك، قيل له وبالله تعالى التوفيق: ليس شكا إذا قام الدليل على صحته، بل هو يقين، وأيضا فظاهر اللفظ\rرده على كل ما قبله، وتخصيص الظاهر بلا دليل لا يجوز.\rقال علي: وكذلك نقول في آية القذف في قوله تعالى: * (وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) * راجع إلى كل ما تقدم، ومسقط للفسق عنهم، وموجب لقبول شهادتهم، فإن قال قائل: فهلا أسقطتم به الحد، قلنا: منع من ذلك قول النبي (ص) لقاذف امرأته: البينة وإلا فحد في ظهرك، لانه عليه السلام لم يسقط الحد إلا ببينة لا بالتوبة، وقد حد حمله ومسطحا في قذفهم عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ولا شك في توبتهم حين نزول الآية ببراءتها، ولو لم يتوبوا لارتدوا وكفروا ولحلت دماؤهم، فصح أنهم حدوا بعد يقين توبتهم.\rوكذلك قلنا في قوله تعالى: * (فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) *.\rفلولا بيان الاستثناء أنه مردود إلى الاهل فقط، لسقطت به الرقبة ولكن لا حق للاهل في الرقبة ولا صدقة لهم فيها، وقد قال تعالى * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) *.\rوكذلك قلنا في قوله عز وجل: * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) * فهذا الاستثناء مردود على المخاطبين أنفسهم، وهذا القليل عندنا مستثنى من الفضل والرحمة، لا من اتباع الشيطان، والآية على ظاهرها دون تكلف تأويل، ومعناها: أن الله رحمكم وتفضل عليكم حاشا قليلا منكم لم يرحمهم ولا تفضل عليهم، وهم الكفار منكم والمنافقون الذين فيكم، فلم تتبعوا الشيطان بفضل الله تعالى ورحمته، وأما الذين لم يتفضل الله عليهم ولا رحمهم فاتبعوا الشيطان، وهذا الذي قلنا هو العيان المشهود والنص المسموع، فإن الاقل من المخاطبين الحاضرين مع الصحابة رضي الله عنهم كانوا","part":4,"page":408},{"id":413,"text":"منافقين خارجين عن الفضل والرحمة، متبعين الشيطان فهم القليل المستثنون بقوله\rتعالى: * (تعالى إلا قليلا) * واستثنوا من جملة المتفضل عليهم والمرجومين والممتنعين بذلك من اتباع الشيطان، فهو راجع على كل من ذكر في الآية، وبالله تعالى التوفيق وللناس في هذه الآية أقوال فقوم قالوا: هذا الاستثناء راجع إلى قوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * * (إلا قليلا) *.\rقال علي: وهذا خطأ، لان رد الاستثناء إلى أبعد مذكور دعوى ساقطة فاسدة لم يقل بها قط أحد من النحويين وأهل اللغة الذين إليهم يرجع في مثل هذا، وإنما الناس على قولين كما قدمنا، قوم قالوا: الاستثناء مردود إلى أقرب مذكور، وقوم قالوا: إلى الجملة كلها، فإن وجد استثناء راجع إلى أبعد مذكور فلا يحمل غيره على حكمه، لانه بمنزلة ما خرج عن معهود أصله، وكلفظ نقل عن موضوعه وقال بعضهم: * (إلا قليلا) * راجع إلى قوله تعالى: * (أذاعوا به) * أي أذاعوا به إلا قليلا.\rقال علي: ويبطل قول هؤلاء بما بطل به قول من ذكرنا قبلهم ولا فرق، وقال بعضهم: فضل الله ورحمته المذكوران في الآية هما: محمد (ص) والقرآن أي لولاهما لكنتم كفارا متبعين الشيطان إلا قليلا ممن هديناه قبل ذلك كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة.\rقال علي: وهذا تأويل فاسد النية، لان زيدا وقسا لولا فضل الله ورحمته لهما لا تبعا الشيطان، والاستثناء إنما هو مخرج لما استثنى من جملة ما استثنى منه، فلا يجوز أن يكون هذا الاستثناء إلا من الفضل والرحمة والامتناع من اتباع الشيطان، الذي ذكر كل ذلك في الآية، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وحتى لو لم يجز في الاستثناء إلا رده إلى أقرب مذكور، لما كان في ذلك ما يوجب ألا نقبل شهادة القاذف إذا تاب، لان الفسق مرتفع عنه بالتوبة بنص الآية بإجماع الامة، وإذا ارتفع الفسق ثبتت العدالة ضرورة، لانه\rليس في العالم من المخاطبين إلا فاسق أو عدل، وإذا ثبتت العدالة وجب قبول الشهادة لقوله تعالى: * (رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) * فحرام علينا ألا نرضى عمن رضي الله عنه، وإذا كان حراما علينا، ففرضنا الرضا","part":4,"page":409},{"id":414,"text":"عنه، وإذا كان الرضا عنه فرضا ففرض علينا قبول شهادته، لانه ممن نرضى من الشهداء بنص القرآن في إيجاب شهادة * (من ترضون من الشهداء) * فقد صح أن سقوط الفسق عنه موجب لقبول شهادته.\rوالعجب من أصحاب أبي حنيفة في تركهم ظاهر الآية وميلهم إلى رأيهم الفاسد، فإن نص الآية إنما يوجب ألا تقبل شهادته بنص القذف، وليس في ذلك أن شهادته لا تسقط إلا بعد أن يحد، وقالوا هم: إن شهادته لا تسقط إلا أن يحد، فزادوا في رأيهم ما ليس في القرآن، وخالفوا الآية في كل حال فقبلوا شهادته أفسق ما كان قبل أن يحد وردوها بعد أن ظهر الحد، وقد أخبر عليه السلام في كثير من الحدود أن إقامتها كفارة لفاعليها، وهم أهل القياس بزعمهم، فهلا قاسوا المحدود في القذف على المحدود في السرقة والزنى، وقد شاركهم المالكيون في بعض ذلك، فردوا شهادة المحدود فيما حد فيه وأجازوها فيما لم يحد فيه، وهذا كله افتراء على الله لم يأذن به، وحكم في الدين بغير نص.\rوبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وكذلك قوله عز وجل: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق) * إلى قوله تعالى: * (الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا) * فإن الاستثناء الذي في آخرها راجع بإجماع إلى كل ما تقدم قال علي: والاشتراط هو معنى الاستثناء في كل ما قلنا من ذلك قوله تعالى * (ذلك لمن خشي العنت منكم) * فهذا كما تراه استثناء صحيح لمن خشي العنت مع كل\rما تقدم من الشروط دون ذكر من لم يخش العنت، وكذلك قوله تعالى: * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) * في كفارات الايمان فكان هذا الشرط عن عدم كل مذكور في الآية من رقبة وكسوة وإطعام لا على أقرب مذكور فيها.\rوكذلك قوله تعالى في آية المحاربة: * (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) * فكان ذلك راجعا على سقوط كل ما ذكر في الآية من قتل وصلب ونفي وقطع وخزي وعذاب، لا على بعض ذلك دون بعض بإجماع فإن اعترض معترض بقوله تعالى: * (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) * وأننا نقول إنه راجع إلى أقرب مذكور.","part":4,"page":410},{"id":415,"text":"قال علي: وإنما وجب ذلك لضرورة بينة في تلك الآية، فإنه لا يجوز البتة في نصها أن يرد الشرط على كل مذكور فيها، لانه تعالى قال: * (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * فكان ذكر الدخول من صلة وصف النساء اللواتي هن أمهات الربائب، لا بوصف أمهات النساء، إذ من المحال الممتنع أن يقول تعالى: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، لانه كلام فاسد البتة لا يفهم فلما صح أن الدخول المذكور إنما هو مراد به أمهات ربائبنا ضرورة، لانه من صلة اللاتي، واللاتي صفة للنساء اللواتي هن أمهات ربائبنا ضرورة، كان قوله تعالى: * (فإن لم تكونوا دخلتم بهن) * مرد ودا إليهن ضرورة أيضا، لانه أحد قسميهن اللذين هما دخول ولا دخول، وهو صلة الكلام المتصل به لا مما قبله.\rفإن قال قائل: أنتم تجيزون أن يستثنى الشئ من خير جنسه، فكيف تقولون فيمن باع بدينار إلا درهما، أو إلا قفيز قمح، أو ما أشبه هذا ؟ قلنا له وبالله تعالى التوفيق: هذا عندنا ممتنع في البيع حرام، لانه يرجع إلى بيعتين في بيعة،\rلان الدرهم والعرض، لا يستثنى من غير جنسه عندنا إلا على معنى الاستثناء المنقطع، كما بينا في أول هذا الباب، فإن كان ذلك فإنما مرجعه إلى القيمة، فإن كان ذلك في البيع فقد وجب أنه باعه بدينار إلا ما قابل صرف الدرهم من الدينار، وهذه بيعة أو ثمن مجهول، وكلاهما حرام في البيوع وهو جائز في الاقرار، لانه أقر له بدينار، وذكر أن له عنده درهما، فخرج الدرهم أو قيمته مما أقر به.\rوكذلك لو قال مقر: له عندي دينار، ولي عنده ديناران، أو إلا دينارين لي عنده، لم يحكم عليه بشئ أصلا، لانه بعد أن أقر له أتى بما سقط به عنه الاقرار جملة، ولو كان ذلك في البيع لم يجز عند أحد من المسلمين، وبالله تعالى التوفيق.","part":4,"page":411},{"id":416,"text":"الباب السادس عشر في الكناية بالضمير قال علي: والضمير راجع إلى أقرب مذكور، لا يجوز غير ذلك، لانه مبدل من مخبر عنه أو مأمور فيه، فلو رجع إلى أقرب مذكور لكان ذلك إشكالا رافعا للفهم، وإنما وضعت اللغات للبيان، فإذا كانت الاشياء المحكوم فيها أو المخبر عنها كثيرة، وجاء الضمير يعقبها ضمير جمع فهو راجع إلى جميعها كما قلنا في الاستثناء، ولا فرق ألا ترى أنك لو قلت أتاني زيد وعمرو وخالد، فقتلته، أنه لا خلاف بين أحد من أهل اللغة في أن الضمير راجع إلى خالد، وأنه لا يجوز رده إلى زيد أو إلى عمرو، فإن وجد يوما ما في شئ من النصوص رجوع ضمير إلى أبعد مذكور، فهو بمنزلة ما ذكرنا من نقل اللفظ عن موضوعه في اللغة، ولو قال: أتاني زيد وعمرو وخالد وعبد الله ويزيد فقتلتهم، لكان راجعا بلا خلاف بين أحد من أهل اللغة إلى جميعهم وكلهم.\rقال علي: وما يبين أن الشرط في آية التحريم إنما هو في الربائب لا في أمهات النساء، ما ذكرنا من أن الضمير راجع إلى أقرب مذكور، والضمير بجمع المؤنث في قوله تعالى: * (دخلتم بهن) * راجع لما قدمنا إلى أقرب مذكور إليه لا يجوز غير ذلك، وأقرب مذكور إليه أمهات ربائبنا، فوجب أن يكون راجعا إليهن على ما قدمنا، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب السابع عشر في الاشارة قال علي: والاشارة بخلاف الضمير، وهي عائدة إلى أبعد مذكور، وهذا حكمها في اللغة إذا كانت الاشارة بذلك أو تلك أو هو أو أولئك أو هم أو هي أو هما، فإن كانت بهذا أو هذه، فهي راجعة إلى حاضر قريب ضرورة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل اللغة، ولا يعرف نحوي أصلا غير ما ذكرنا، ولذلك أوجبنا أن يكون القرء في حكم العدة هو الطهر خاصة دون الحيض، وإن كان القرء في اللغة واقعا على الحيض كوقوعه على الطهر ولا فرق، ولكن لما قال","part":4,"page":412},{"id":417,"text":"رسول الله (ص): مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء فكان قوله عليه السلام: تلك إشارة تقتضي بعيدا وأبعد مذكور في الحديث قوله عليه السلام: تطهر فلما صح أن الطهر بهذا الحديث هو العدة المأمور أن تطلق لها النساء صح أنه هو العدة المأمور بحفظها لاكمال العدة، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب الثامن عشر في المجاز والتشبيه قال علي: اختلف الناس في المجاز، فقوم أجازوه في القرآن والسنة، وقوم منعوا منه، والذي نقول به، وبالله تعالى التوفيق: أن الاسم إذا تيقنا بدليل نص\rأو إجماع أو طبيعة أنه منقول عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر وجب الوقوف عنده، فإن الله تعالى هو الذي علم آدم الاسماء كلها، وله تعالى أن يسمي ما شاء بما شاء.\rوأما ما دمنا لا نجد دليلا على نقل الاسم عن موضوعه في اللغة فلا فيحل لمسلم أن يقول: إنه منقول، لان الله تعالى قال: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) * فكل خطاب خاطبنا الله تعالى به أو رسوله (ص) فهو على موضوعه في اللغة ومعهوده فيها، إلا بنص أو إجماع أو ضرورة حس، نشهد بأن الاسم قد نقله الله تعالى أو رسوله (ص) عن موضوعه إلى معنى آخر، فإن وجد ذلك أخذناه على ما نقل إليه.\rقال علي: وهذا الذي لا يجوز غيره، ومن ضبط هذا الفضل وجعله نصب عينيه ولم ينسه، عظمت منفعته به جدا، وسلم من عظائم وقع فيها كثير من الناس.\rقال علي: فكل كلمة نقلها تعالى عن موضوعها في اللغة إلى معنى آخر، فإن كان تعالى تعبدنا بها قولا وعملا كالصلاة والزكاة والحج والصيام والربا وغير ذلك فليس شئ من هذا مجازا، بل هي تسمية صحيحة واسم حقيقي لازم مرتب من حيث وضعه الله تعالى، وأما ما نقله الله تعالى عن موضوعه في اللغة إلى معنى تعبدنا بالعمل به دون أن يسميه بذلك الاسم، فهذا هو المجاز، كقوله تعالى: * (واخفض","part":4,"page":413},{"id":418,"text":"لهما جناح الذل من الرحمة) * فإنما تعبدنا تعالى بأن نذل للابوين ونرحمهما، ولم يلزمنا تعالى قط أن ننطق، ولا بد فيما بيننا بأن للذل جناحا، وهذا لا خلاف فيه، وليس كذلك الصلاة والزكاة والصيام، لانه لا خلاف في أن فرضا علينا أن ندعو إلى هذه الاعمال بهذه الاسماء بأعيانها ولا بد، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتج من منع من المجاز بأن قال: إن المجاز كذب، والله تعالى ورسوله (ص) يبعدان عن الكذب.\rقال علي: فيقال له صدقت وليس نقل الله تعالى الاسم عما كان علقه عليه في موضع ما إلى موضع آخر كذبا، بل هو الحق بعينه، لان الحق هو ما فعله تعالى والباطل هو ما لم يأمر به أو لم يفعله، ومن ظن أن هنا حقا هو عيار على الله تعالى، وزمام على أفعاله يلزمه عز وجل أن يجري أفعاله عليه فقد كفر، وقد تكلمنا في هذا في باب إثبات حجج العقول، ونستوعب الكلام فيه إن شاء الله تعالى في باب إبطال العلل من كتابنا هذا، وقد تكلمنا على ذلك أيضا في كتابينا الموسومين بالتقريب والفصل كلاما كافيا، وبالله تعالى التوفيق.\rوليست الاسماء موضوعة على المسميات، إلا إما بتوقيف وإما باصطلاح، ولا موقف إلا الله عز وجل، فإذا أوقع الموقف الاول - عز وجل - اسما ما على مسمى ما في مدة ما، أو في معنى ما، ثم نقل ذلك الاسم إلى معنى آخر، في مكان آخر، فلا كذب في ذلك، ولا للكذب ههنا مدخل، وإنما يكون كاذبا من نقل منا اسما عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر يلبس به بلا برهان، فهذا هو الكاذب الآفك الاثيم، وكذلك لو اصطلح اثنان على أن يسميا شيئا ما اسما ما - مخترع من عندهما أو منقول عن شئ آخر - يتفاهما به لا ليلبسا به فلا كذب في ذلك، فإذا جاز هذا فيما بيننا فهو للذي يلزم للجميع أن يعبدوه ويطيعوه ما أمكن، وهو بذلك تعالى أولى.\rوالتلبيس في هذا هو من قال: العسل حلال، والمسكر من مصراة عسل فهو حلال، فهذا كاذب، فإنه أتى إلى عين سماها الله عز وجل خمرا - والخمر حرام - فسماها بغير اسمها ليستحلها بذلك، وقد أنذر بذلك رسول الله (ص).\rحدثنا عبد الله بن ربيع التميمي، عن محمد بن إسحاق القاضي، عن ابن الاعرابي، عن","part":4,"page":414},{"id":419,"text":"سليمان بن أشعث، عن أحمد بن حنبل، ثنا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، عن حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم، ثنا عبد الرحمن بن غنم قال: أنبأ أبى ومالك\rالاشعري قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، ثنا عبد الله بن ربيع، عن محمد بن معاوية المرواني، عن أحمد بن شعيب ثنا محمد بن عبد الاعلى، ثنا خالد - هو ابن الحارث - عن شعبة، سمعت أبا بكر بن حفص يقول: سمعت ابن محيريز يحدث عن رجل من أصحاب النبي (ص) عن النبي (ص) بمثله.\rقال علي: فقد بينا وجه الحقيقة في هذا، ثم نذكر إن شاء الله تعالى طرفا من الآي التي تنازعوا فيها، فإن الشئ إذا مثل سهل فهمه.\rفمن ذلك قوله عز وجل: * (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) * فقال قوم: معناه واسأل أهل القرية، واسأل أهل العير، وقال آخرون: يعقوب نبي فلو سأل العير أنفسها والقرية نفسها لاجابته.\rقال علي: وكلا الامرين ممكن، ومنقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * فقد علمنا بضرورة العقل أن الجد ار لا ضمير له، والارادة لا تكون إلا بضمير الحي - هذه هي الارادة المعهودة التي لا يقع اسم إرادة في اللغة على سواها - فلما وجدنا الله تعالى، وقد أوقع هذه الصفة على الجدار الذي ليس فيه ما يوجب هذه التسمية، علمنا يقينا أن الله عز وجل قد نقل اسم الارادة في هذا المكان إلى ميلان الحائط، فسمى الميل إرادة، وقد قدمنا أن الله تعالى يسمي ما شاء بما شاء، إلا أن ذلك لا يوجب نقل الحقائق التي رتب تعالى في عالمه عن مراتبها، ولا نقل ذلك الاسم في غير المكان الذي نقله فيه الخالق عز وجل، ولولا الضرورة التي ذكرنا ما استجزنا أن نحكم على اسم بأنه منقول عن مسماه أصلا، وقد أنشد أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في نقل اسم الارادة عن موضوعها في اللغة إلى غيره قول الراعي: قلق الفؤوس إذا أردن نضولا وذكر أبو بكر الصولي رحمه الله أن ابن فراس الكاتب، وكان دهريا سأله في هذه\rالآية، فأجاب أبو بكر بهذا البيت، وقد قال قوم: إنه تعالى قادر على أن يحدث في الجدار إرادة، وبلى هو قادر على ما يشاء، وكل ما يتشكل في الفكر، ولكن","part":4,"page":415},{"id":420,"text":"كل ما لم يأتنا نص أنه خرق تعالى فيه ما قد تمت به كلماته من المعهودات، فهو مكذب، كما أن لكل مدع ما لم يأت بدليل فهو مبطل، وكذلك قوله تعالى: * (وهي تجري بهم في موج كالجبال) * فإنه تعالى سمى حركة السفينة جريا، وحركة السفينة اضطرارية، وهذا مما قلنا من أنه تعالى يسمي ما شاء بما شاء، فهو خالق الاسماء والمسميات كلها، حاشاه لا إله إلا هو وأما قوله تعالى: * (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) * فإنما عن تعالى حب العجل، على ما ذكرنا من الحذف الذي أقيم لفظ غيره مقامه، وأما قول تعالى: * (يوم نقول لجهنم هل امتلات وتقول هل من مزيد) * وهو عندنا حقيقة وإنطاق لها.\rوقد احتج علينا قوم بقول الله تعالى: * (إنا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها) *.\rقال علي: وهذا أيضا عندنا على الحقيقة، وأن الله تعالى وضع فيها التمييز إذ خيرها، فلما أبت حمل الشرائع وأشفقت من تحمل الامانة سلبها إياه، وسقطت الكلف عنها، وممكن أن يكون على نقل اللفظ أيضا، والمراد بذلك أنها لم يحملها إذا لم يركب تعالى فيها قوة الفهم والعقل، ولا النفس المختارة المميزة.\rوهذا موجود في كلام العرب وأشعارها، فإن العرب تقول إذا أرادت أن تمدح: أبى ذلك سؤددك، وإذا أرادت الذم: أبى ذلك لؤمك، أي إن سؤددك غير قابل لهذه الفعلة لمضادتها له، وكذلك في الذم أي إن لؤمك غير قابل لهذه المكرمة لمضادتها له، فعلى هذا كانت إباية السموات والارض لا على ما سواه إلا أن الاول أصح وبه نقول.\rوإنما فرقنا بين هذا في هذا الوجه، وبين ما قلنا آنفا في إنطاق جهنم، لان كلام\rالله عز وجل كله عندنا بيان لنا، وجار على معهود ما أوجبه فهمنا بإدراك عقولنا وحواسنا، وإنما قلنا ذلك لقول الله عز وجل: * (وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون) * وحضنا تعالى على التفكير والتدبر للقرآن، وأخبرنا بأنه بيان لنا، وكل ذلك يكون إلا بما تميزه عقولنا، لا بما يضادها، فلما صح ذلك كله، وأدانا التدبير والبصر والسمع والعقل إلى أن السموات جمادات لا تعقل، وأن الارض كذلك، وأن حد النطق هو التمييز للاشياء، وأن التمييز لا يكون إلا","part":4,"page":416},{"id":421,"text":"في حي، وأن الحي هو الحساس المتحرك بإرادة، وأن المميز هو بعض الحي لا كله، وأن حد التمييز هو إمكان معرفة الاشياء على ما هي عليه، وإمكان التصرف في الصناعات والاعمال المختلفة بإرادة، وأيقنا أن كل هذه الصفات ليست الارض، ولا الافلاك، ولا الجبال له حاملة، علمنا أن هذه اللفظة، التي أخبرنا بها تعالى عن هذه التي ليست أحياء، لفظة منقولة عن معهودها عندنا إلى معان أخر من صفات هذه الاشياء المخبر عنها، الموجودة فيها على الحقيقة، ومن تعدى هذه الطريقة فقد لبس الاشياء، ورام إطفاء نور الله تعالى الموضوع فينا.\rوبالجملة فمن أراد إخراج الامور عن حقائقها في المبادئ، ثم عن حقائقها في المعاهد فينبغي أن يتهم في دينه، وسوء أغراضه، فإسلم من ذلك فلا بد من وصمة في عقله، أو قوة في جهله، إلا أن هذا كله لا يعتر ض على الوجه الاول، لان الانطاق الذي كان وضعه الله تعالى فيها حينئذ قد سلبها إياه، إذ أبت قبول الامانة، وإنما يعترض بهذا كله على من يقول: إنها باقية على نطقها إلى اليوم، فهذا باطل لا شك فيه بما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق.\rوقذكر رجل من المالكيين - يلقب خويز منداذ: أن للحجارة عقلا، ولعل تمييزه يقرب من تمييزها، وقد شبه الله قوما زاغوا عن الحق بالانعام\rوصدق تعالى، إذ قضى أنه أضل سبيلا منها، فإن الانعام لا تعدوا ما رتبها ربها لها من طلب الغذاء، وإراد بقاء النوع، وكراهة فسادها بعد كونها، وهؤلاء رتبهم خالقهم عز وجل ليعرفوا قدرته، وإنها بخلاف قدرة من خلق، وليعرفوا رتبة ما خلق على ما هي عليه، فبعدوا ذلك، فمن مشبه قدرة ربه تعالى بقدرة المخلوقين ومن مريد أن يجرى على ربه تعالى حكم عقله فيصرفه به، تعالى الله عما يقول أهل الظلم علوا كبيرا.\rومن مفسد رتب المخلوقات، وساع في إبطال حدودها، وإفساد الاستدلال بها على التوحيد وكل حزب بما لديهم فرحون وسيرد الجميع إلى عالم الغيب والشهادة فيحكم بيننا فيما فيه نختلف، وتالله لتطولن ندامة من لم يجعل حظه من الدين والعلم إلا نصر قول فلان بعينه، ولا يبالي ما أفسد من الحقائق في تلك السبيل العضلة، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان، فقال هذا الجاهل: إن من الدليل على أن الحجارة تعقل قوله تعالى: * (إن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار","part":4,"page":417},{"id":422,"text":"وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية) * قال: فقد أخبر تعالى أن منها ما يهبط من خشية الله، فدل ذلك على أن لها عقلا، أو كلاما هذا معناه.\rقال علي: ونحن نقول: إن من العجب العجيب استدلال هذا الرجل بعقله على أنه لا يخشى الله تعالى إلا ذو عقل، فهلا استدل بذلك العقل نفسه على ما شاهد بحسه من أن الحجارة لا عقل لها، وكيف يكون لها تمييز وعقل، والله تعالى قد شبه قلوب الكفار التي لم تنقد إلى معرفته عز وجل بالحجارة في أنها لا تذعن للحق الوارد عليها، فكذب الله تعالى في نفيه المعرفة عن الحجارة نصا، إذ جعلها تعالى بمنزلة قلوب الكفار في عنود تلك القلوب عن الطاعة له عز وجل، فكيف يكون للحجارة عقل أو تمييز بعد هذا.\rفإن قال قائل: فما وجه إضافة الخشية إلى الحجارة ؟ قلنا له، وبالله تعالى التوفيق: قد قدمنا أن الله تعالى رتب الاسماء على المسميات، وجعل ذلك سببا للتفاهم،\rولولا ذلك ما كان تفاهم أبدا، ولا فهمنا عنه تعالى شريعة، ولا علمنا مراده عز وجل في أمر ولا نهي، ولا في خبر أخبرنا به، وعرفنا تعالى بذلك التمييز الذي وضع فينا من صفات المخلوقات ما قد عرفناه، وجعل لتلك الصفات أسماء نعبر بها عنها ونفاهم بها الاخبار عنها.\rفكان مما رتب لنا من ذلك في اللغة العربية، إن سمينا تمييزا حال من رأيناه يفهم ويتكلم ويسأل عن وجوه الاشياء المشكلة، فيجا ب فيفهم، ويسأل عما علم منها فيجب ويحدث بما رأى وشاهد وسمع، ويؤمر بالكلام وينهى عن ضروب مختلفة من الافاعيل، فيفهم ما يزاد منه كل ذلك.\rوكان مما رتب لنا أيضا عز وجل أن لم تكن فيه هذه الصفات سميناه غير مميز، فإن كان من الحيوان مما سوى الملائكة والجن والانس سميناه حيا غير مميز، وإن كان من غير الحيوا سميناه جمادا غير حي، إن كان من الشجر أو الحجارة أو الارض أو الماء أو النار أو الهواء أو غير ذلك.\rوأقر تعالى هذه الرتب في أنفسنا - بما وضع فيها من التمييز - إقرارا صار من أنكر شيئا منه ربما آل به إلى أن نسقط عنه الحدود، ولا يقتص منه إن قتل.\rوتسقط عنه الشرائع، ويصير في محل من لا يخاطب لعدم عقله وتمييزه، فإن زاد ذلك، لم يؤمن عليه أن يغل ويداوي دماغه الذي هو منبعث الحس والحركة، بأنواع كريهة من العلاج.\rفلما","part":4,"page":418},{"id":423,"text":"أيقنا أن تلك الصفات - المسماة برتبة الله تعالى تمييزا - ليست في الحجارة وجب ضرورة أن تسمى مميزة.\rوأيضا فقد قال تعالى مصدقا لابراهيم خليله عليه السلام في قوله: * (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا) * وإنما كان يعبد الحجارة.\rفصح بالنص أنها لا تفهم ولا تعقل.\rفلما رأيناه تعالى قد أوقع عليها خشية له، علمنا أن هذه اللفظة هنالك منقولة\rعن موضعها عندنا إلى صفة أخرى من صفات الحجارة، وهي تصريفه لها تعالى كيف شاء، لا تخرج تلك الخشية عن هذه الجملة التي فسرنا البتة.\rفهذا وجه إضافة الخشية إلى الحجارة، إذ الخشية المعهودة عندنا هي الخوف من وعيد الله عز وجل، والائتمار لامره تعالى، والحجارة خالية بيقين من كل ذلك، وكيف يخشى من لم يؤمر ولا ينهى ولا كلف ولا وعد أم أي شئ يخشى غير العقا ب ولا عقاب إلا على عاص، ولا عاصي إلا مأمور والحجارة ليست بمأمورة، فليست عاصي فلا عقاب عليها ولا خشية عليها نعني الخشية المعهودة فيما بيننا ولا مميز إلا حي، والحجارة ليست حية فليست مميزة.\rومما ذكرنا من نقل بعض الاسماء إلى غير معهودها قول رسول الله (ص) في الفرس: إن وجدناه لبحرا فأوقع عليه السلام لفظة بحر على الفرس الجواد، وكذلك لما قال رسول الله (ص): ارفق بالقوارير يعني - النساء - كان ذلك نقلا لاسم القوارير عن موضوعه في اللغة عن الزجاج إلى النساء، وكذلك قوله تعالى: * (قواريرا من فضة) * هو نقل أيضا للقوارير عن موضوعه في اللغة عن الزجاج إلى الفضة، إلا أنه لا يحل لمسلم أن يقول في لفظه لم يأت نص ولا ضرورة حس بأنها منقولة عن موضوعها إنها منقولة ولا يتعدى بكل ذلك ما جاء في نص أو ضرورة حس، ولا يصرف لفظ عن موضوعه إلا بأحد هذين الوجهين، وإلا فهي باقية في مرتبتها في اللغة، وليس لاحد أن يصرف عن وجهه إذ لم يصرفه الله تعالى ولا رسوله (ص) وإن العجب ليكثر ممن يقول إن الشحم يسمى ندى فإذا سئل من أين قلت ذلك ؟ أنشد قول أعرابي جلف:","part":4,"page":419},{"id":424,"text":"كثوب العداب الفرد يضربه الندى تعلى الندى في متنه وتحدرا\rفيكون ذلك قاطعا لخصمه، يستشهد أن الجواري يسمين القوارير وأن الفرس الجواد يسمى بحرا، وأن الخشية قد يسمى بها الوقوع تحت التدبير: بأن خالق اللغات والمتكلمين أوقع هذا الاسم على هذا المعنى، وبأن أفصح العرب سمى النساء قوارير، والفرس بحرا.\rولعمري لو أنه عليه السلام يقول ذلك قبل بلوغه أربعين عاما، وقبل أن ينبأ لكان قوله أعظم حجة لفصاحته وعلمه بلغة قومه، وأنه من وسيطة قريش ومسترضع في بني سعد بن أبي بكر بن هوازن فجمع فصاحة الحيين: خندف وقيس أهل تهامة والحجارة العالية، الذين إليهم انتهت الفصاحة في اللغة العربية الاسماعيلية والذي لا شك فيه، فهو أنه عليه السلام أفصح من امرئ القيس، ومن الشماخ، ومن حسن البصري، وأعلم بلغة قومه من الاصمعي وأبي عبيدة، وأبي عبيد.\rفما في الضلال أبعد من أن يحتج في اللغة بألفاظ هؤلاء، ولا يحتج بلفظة فيها عليه السلام فكيف وقد أضاف ربه تعالى فيه إلى ذلك العصمة، ومن الخطأ فيها القول والتأييد الالهي، والنبوة والصدق المقطوع على غيبه الذي صحبه خرق العادات والآيات والمعجزات، وفي أقل من هذا كفاية لمن كانت فيه حشاشة، فكيف أن يظن به عليه السلام أن يخبر عن ربه تعالى خبرا يكلفنا فهمه، وهو بخلاف ما يفهم ويعقل ويشاهد ويحس ما ينسب هذا إليه (ص) إلا ملحد في الدين كائد له.\rوأعجب العجب أن هؤلاء القوم يأتون إلى الالفاظ اللغوية فينقلونها عن","part":4,"page":420},{"id":425,"text":"موضوعها بغير دليل، فيقولون: معنى قوله تعالى: * (وثيابك فطهر) * ليس للثيا ب المعهودة، وإنما هو القلب.\rثم يأتون إلى ألفاظ قد قام البرهان الضروري على أنها منقولة عن موضعها في اللغة إلى معنى آخر، وهو إيقاع الخشية على الحجارة.\rفيقولون: ليس هذا اللفظ ههنا منقولا عن موضوعه مكابرة للعيان، وسعيا في طمس نور الحق، وإقرارا لعيون الملحدين الكائدين لهذا الدين، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في التشبيه قال علي: التشبيه بين الاشياء المشتبهة حق مشاهد، فإذا شبه الله عز وجل أو رسوله (ص) شيئا بشئ فهو صدق وحق وتنبيه على قدرة عظيمة لانه ليس في العالم شيئان إلا وهما مشتبهان من وجه ما، وغير مشتبهين من وجه آخر وقد قال الله تعالى: * (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) * فهذا الذي قلنا هو ارتفاع التفاوت، لان التماثل هو ضد التفاوت، وإذا بطل التفاوت صح التماثل، ولذلك افتقر الناس إلى معرفة حدود الكلام، وضبط الصفا ت التي تتفق فيها الموصوفات التي سعى قوم من النوكى في إبطالها، وهيهات من إبطال الحقائق.\rفإن قال قائل: إنه عليه السلام قد شبه ديون الله تعالى بديون الناس في وجوب قضائها، وأنتم لا تقولون بقضاء الصلاة عن الميت.\rفالجواب، وبالله تعالى التوفيق: إننا بتوفيق الله عز وجل لنا أهل الطاعة لهذا الحديث، وغيره، وقد نسب إلينا الباطل من ظن أننا نخص هذا الحديث أو غيره بلا نص، فنقول: يقضى الصوم والحج والصلاة المنذورة والمنسية والتي نيم عنها، وأما الصلاة المفروضة المتروكة عمدا، والصوم المفروض في رمضان المتروك عمدا، فإن الذفرط فيها لا يقدر على قضائها أبدا، وليس عليه صيام يقضيه، ولا صلاة يقضيها، وإنما عليه إثم، أمره فيه إلى ربه تعالى، فلا يقضى عنه ذلك، وبالله تعالى التوفيق.\rقال علي: وهذه أيضا من عجائب هؤلاء القوم، فإنهم يأتون إلى أشياء لم يشبه","part":4,"page":421},{"id":426,"text":"الله تعالى ولا رسوله (ص) بعضها ببعض، فيحكون لها بحكم واحد لادعائهم أنها مشتبهة فيقولون: لا يجوز للنكاح بأقل مما يقطع في اليد في السرقة، وقد علم كل ذي عقل أنه لا شبه بين السرقة والنكاح، ثم يأتون إلى ما أكد الله تعالى شبهوساوى بينهما، فيبطلون التساوي فيهما فيقولون: إن ديون الناس تقضى عن الميت وديون الله تعالى لا تقضى عنه، فهل في تقحم الباطل أعظم من هذا ؟ قال علي: وهذا الذي قلنا في المجاوز والتشبيه هو عين الحقيقة بالبراهين التي ذكرنا لم نتر ك فيه علقة لمتعقب منصف، وبالله تعالى التوفيق، فأما أهل الشغب فهم بمنزلة التائه في الفلوات، وإنما علينا - بعون الله تعالى - نهج الطريق القصد وإيضاحه، حتى لا يوجد بحول الله تعالى وقوته طريق أنهج ولا أخصر منه، والحمد لله رب العالمين ويوفق الله تعالى من يشاء بما يشاء، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\rالباب التاسع عشر في أفعال رسول الله (ص)، وفي الشئ يراه عليه السلام أو يبلغه فيقره صامتا عليه لا يأمر به ولا ينهى عنه قال علي بن أحمد رحمه الله: قال قوم من المالكيين: أفعاله عليه السلام على الوجوب، وهي آكد من أوامره، وقال آخرون منهم من الحنفيين: الافعال كالاوامر، وقال آخرون من كلتا الطائفتين ومن الشافعيين: الافعال موقوفة على دليلها، فما قام منها على أنه واجب صير إليه، وما قام دليل أنه منها ندب أو إباحة صير إليه، وممن قال بهذا من الشافعيين أبو بكر الصيرفي، وابن فورك، وقال سائر الشافعيين وجميع أصحاب الظاهر: ليس شئ من أفعاله عليه السلام واجبا، وإنما ندبنا إلى أن نتأسى به عليه السلام فيها فقط، وألا نتركها على معنى الرغبة عنها، ولكن كما نترك سائر ما ندبنا إليه مما\rإن فعلناه أجرنا، وإن تركناه لم نأثم ولم نؤجر، إلا ما كامن أفعاله بيانا لامر أو تنفيذا لحكم، فهي حينئذ فرض، لان الامر قد تقدمها، فهتفسير الامر.","part":4,"page":422},{"id":427,"text":"قال علي: وهذا هو القول الصحيح الذي لا يجوز غيره.\rواحتج من قال إنها على الوجوب، وإنها أوكد من الاوامر بما حدثنا سعيد الجعفري قال: ثنا أبو بكر بن الادفوي، ثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن النحاس النحوي، عن أحمد بن شعيب النسائي، عن سعيد بن عبد الرحمن، حدثنا سفيان - هو ابن عيينة - عن الزهري، قال وثبتني معمر بعد عن الزهري، عن عروة بن الزبير أن مسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم - يزيد أحدهما على صاحبه - قالا: خرج رسول الله (ص) عام الحديبية فذكر الحديث وفيه طول، فلما فرغ من قصة الكتاب قال رسول الله (ص) لاصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا رسول الله أتحب ذلك، اخرج ثم لا تكلم منهم أحدا حتى تنحر وتحلق، فخرج عليه السلام فنحر بدنة ودعا بحالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما.\rقال علي: وما نعلم حجة أشنع عليهم من هذا الحديث الذي احتجوا به، لان الذي أوجب الله علينا طاعته وأمرنا باتباعه هو النبي (ص) الذي أنكر عليهم التأخر عما أمرهم به، ولم يأمر باتباع الذين خالفوه حتى فعل ما أمرهم به والذين أوهموه حتى جعلوه يشكوا ما لقي منهم.\rومن أخذ بفعل الناس وترك أمر نبيه (ص)، وعمل بما أنكره عليه السلام ولم يلتفت إلى أمر نبيه (ص)، وصوب فعل من\rأغضبه وتعمد ذلك، فقد ضل ضلالا، ولم نأمن عليه مفارقة الاسلام.\rوليعلم كل ذي لب أن ذلك الفعل من أهل الحديبية رضي الله عنهم خطأ ومعصية، ولكنهم مغفور لهم بيقين النص في أنه لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية، وليس غيرهم كذلك، ولا يحل لمسلم أن يقتدي بهم في ذلك، فلا بد","part":4,"page":423},{"id":428,"text":"لكل فاضل من زلة.\rوكل عالم من وهلة، وكل أحد من الخيار فإنه يؤخذ من قوله وفعله، ويترك ويرغب من كثير من قوله وفعله، إلا أن رسول الله (ص) ومن اقتدى بأهل الحديبية في هذا الفعل الذي أنكره رسول الله (ص) فقد هلك، رضي الله عنهم مضمون لهم المغفرة في ذلك وغيره، ولم يضمن ذلك لغيرهم.\rوقد أقر بعضهم رضي الله عنهم على نفسه الخطأ العظيم في هذا الباب كما حدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح قال: ثنا عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، ثنا أبو كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا: أنبأنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: سمعت سهل بن حنيف بصفين يقول: اتهموا رأيكم على دينكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع رد أمر رسول الله (ص) قال الاعمش عن أبي وائل عن سهل - لرددته.\rقال علي: ويوم أبي جندل هو يوم الحديبية، فقد أقر سهل رضى الله عنهم أنهم أساؤوا الرأي يوم الحديبية، حتى لو استطاعوا رد أمر رسول الله ص) لردوه.\rحدثنا أبو سعيد الجعفري، حدثنا ابن الادفوي، ثنا أبو جعفر بن الصفار، عن النسائي، عن سعيد بن عبد الرحمن، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري قال: وثبتني معمر عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم\rفذكرا حديث الحديبية، وفيه أن عمر بن الخطاب قال: والله ما شككت مذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي (ص) فقلت: ألست نبي الله حقا ؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذا ؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت: أو ليس وعدتنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت: لا قال: إنك تأتيه وتطوف به قال فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى، قلت فلم نعطى الدنية إذا ؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق.","part":4,"page":424},{"id":429,"text":"قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت: لا.\rقال: إنك ستأتيه وتطوف به.\rقال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا.\rقال علي: لم يشك عمر قط مذ أسلم في صحة نبوة محمد (ص)، ومعاذ الله من أن يظن ذلك به ذو مسكة، ولكنه شك في وجوب اتباع ما أمرهم به من الحلق والنحر، وإمضاء القضية بينه وبين قريش، ثم ندم على ذلك كما ترى، وعمل لذلك أعمالا مستغفرا مما سلف منه، من الامر الذي ينصره الآن من أضله الله تعالى بالتقليل الفاسد، ومثل هذا، من غير أهل الحديبية، فسق شديد، ولكنهم بشهادته (ص) مغفور لهم لا يدخله النار منهم أحد إلا صاحب الجمل الاحمر وحده.\rقال علي: وقد بين النبي (ص) دينهم في هذا الباب، كما ثنا يحيى بن عبد الرحمن، ثنا ابن دحيم، ثنا إبراهيم بن حماد، ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا نصر بن علي، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: ثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد،\rعن ابن عباس قال: حلق يوم الحديبية رجال، وقصر آخرون فذكر ابن عباس أنه (ص) ترحم على المحلقين ثلاثا، وعلى المقصرين واحدة، بعد أن ذكر بهم ثلاث مرات فقالوا: ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم ؟ فقال (ص): إنهم لم يشكوا.\rقال علي: لم يشكوا في وجوب تنفيذ أمره، وشك المترددون فعوقبوا كما ترى، وإن كانوا مغفورا لهم كلهم، وكذلك الذين فروا من الزحف يوم أحد، فأخبر تعالى أنه إنما استفزهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ثم أخبر تعالى أنه عفا عنهم، فمن اقتدى بهم في الفرار من الزحف فهو غير حاصل على ما حصلوا عليه من العفو، بل يبوء بغضب من الله تعالى.\rولا عجب أعجب ممن يقتدي بأهل الحديبية في خطيئة وقعت منهم قد ندموا عليها، واعترفوا بها، وينهى عن الاقتداء بهم في فعل فعلوه كلهم، موافق لرضا الله عز وجل، ورضا رسوله (ص) في نحرهم البدنة في ذلك اليوم عن سبعة، والبقرة عن سبعة بأمر رسول الله (ص)، وأنهم نحروا سبعين بدنة عن سبعمائة إنسان ما سوى البقر، فيقول هؤلاء: لا يجوز الاقتداء بهم في ذلك تقليدا لما لك ثم يحض على الاقتداء بهم في خطيئة أخطؤوها قد تابوا منها، فهل في عكس الحقائق","part":4,"page":425},{"id":430,"text":"والمجاهرة بالباطل أشنع من هذين المذهبين وبالله تعالى نعوذ من الخذلان.\rومن العجائب التي لا يفهم منها إلا الاستخفاف بالدين والخنا، احتجاج ابن خويز منداذ المالكي، إيجاب أفعال رسول الله (ص) فرضا، بحديث الانصاري الذي قبل امرأته وهو صائم، فأمرها أن تستفتي في ذلك أم سلمة، فأتى النبي (ص) فوجد المرأة فسأل عنها، فأخبرته أم سلمة بخبرها فقال لها رسول الله (ص): ألا أخبرتها أني أفعل ذلك ؟ فقالت: قد فعلت، فزاده ذلك شرا وقال: يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله (ص) وقال: أما والله\rإني لاتقاكم لله وأعلمكم بما أتقي.\rقال أبو محمد: وإن احتجاج ابن خويز منداذ بهذا الحديث، وهو لا يقول به، ولا يستحبه ولا يبيحه، بل يكره القبلة للصائم ويرغب عن فعل النبي (ص) في ذلك ويسخط الله تعالى ورسوله (ص) لرغبته عما كان عليه السلام يفعله، لآية من الآيات الشنيعة، وهو لا يرى هذا الفعل واجبا ولا مستحبا ولا مطلقا، ثم يحتج به في إيجاب أفعاله (ص) وليس العجب ممن يطلق لسانه بمثل هذا الخنا فإنه قد عدم الرقبة والحياء والخوف، ولا يبالي بالاثم ولا بالعار، وإنما العجب ممن يسمعه ثم يقبله، ويكتبه مصدقا له مستحسنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون على دروس العلم وذهابه.\rوهذا الحديث الذي ذكر أعظم حجة في أن أفعاله عليه السلام ليست على الوجوب، ولكنها مستحبة مندوب إليها، يأتي متركها راغبا عنها، كما يأثم ابن خويز منداذ ونظراؤه في رغبتهم عن فعل النبي (ص) في التقبيل وهو صائم ولا يأثم من تركها مستحبا لها غير راغب عنها ولا يؤجر أيضا، وأما من فعلها مؤتسيا فيها بالنبي (ص) فهو مأجور، والحمد لله رب العالمين.\rواحتج من قال: إن أفعاله عليه السلام كأوامره، بأن قال: قد أمرنا باتباعه عليه السلام بقوله تعالى: * (فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) * قالوا: وهذا إيجاب علينا اتباعه، في فعله وأمره سواء.\rقال علي: الاتباع لا يفهم منه محاكاة الفعل في اللغة أصلا، وإنما يقتضي الامتثال لامره عليه السلام، والطاعة لما علم عن ربه عز وجل، وقد بين ذلك عليه","part":4,"page":426},{"id":431,"text":"السلام في قوله: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وبقوله (ص): كل أحد يدخل الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال:\rمن أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى.\rقال علي: والمعصية إنما هي مخالفة الامر، لا ترك محاكاة الفعل، وما فهم قط من اللغة أن يسمى تارك محاكاة الفعل عاصيا إلا بعد أن يؤمر بمحاكاته، فإنما استثنى عليه السلام من دخول الجنة من خالف الامر فقط، وبقي من لا يحاكي الفعل غير راغب عنه على دخول الجنة، فقد صح أنه ليس عاصيا، وإذا لم يكن عاصيا فلم يجتنب فرضا فقد صح أن محاكاة الفعل ليست فرضا، وأيضا فما فهم عربي قط من خليفة يقول: اتبعوا أمري هذا، أنه أراد افعلوا ما يفعل، وإنما يفهم من هذا امتثال أمره فقط، وأيضا فإن أفعال النبي (ص) لا يختلف أحد في أنها غير فرض عليه بمجردها، ومن المحال أن يكون كذلك ويكون فرضا علينا، وهذا هو خلاف الاتباع حقا، وقد هذرقوم بأن قالوا: من الحجة في ذلك قول الله عز وجل: * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) *.\rقال علي: وهذا تخليط، لان الايتاء في اللغة إنما هو الاعطاء، والفعل لا يعطى، وإنما يعطينا أوامره فقط، ولا سيما وقد اتبع ذلك النهي، وإنما توعد الله على مخالفة الامر بقوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * وقال بعضهم: الضمير في أمره راجع إلى الله عز وجل.\rقال علي: فيقال لهم لا عليكم، أمر رسول الله (ص) هو أمر من الله عز وجل نفسه، بقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * فنطقه كله أمر الله عز وجل.\rقال علي: الآية كافية في أن اللازم إنما هو الامر فقط لا الفعل، لان الله عز وجل إنما أخبر أن الوحي من قبله تعالى هو النطق، والنطق إنما هو الامر، وأما الفعل فلا يسمى نطقا البتة، فصح أن فعله عليه السلام كله إباحة وندب لا إيجاب، إلا ما كان منه بيانا لامر.\rقال علي: وقال بعضهم: معنى أمره ههنا حاله، كما تقول أمر فلان اليوم\rعلى إقامة، أو أمره على عوج، يعني حاله.","part":4,"page":427},{"id":432,"text":"قال علي: وهذا يبطل بأن هذه الآية إنما جاءت بإيجاب ما ذكر قبلها من الامر الذي هو النطق قال الله عز وجل: * (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) * فصح أن هذا الوعيد في أمره لهم بالبقاء معه، وكذلك كان عليه السلام لا يؤذن لشئ من صلوات التنفل كالعيدين والكسوف تفريقا بين الفعل والامر، إذ لو دعوا إلى الصلاة لكان أمرا، والامر فرض.\rوقد حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم، ثنا زهير بن حرب، ثنا جرير، عن الاعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: صنع رسول الله (ص) أمرا نترخص فيه، فبلغ ذلك ناسا من أصحابه، فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه، فبلغه ذلك فقام خطيبا فقال: ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه، فوالله لانا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية.\rقال علي: فهذا نص جلي عن رسول الله (ص) لم ينكر عليهم ترك فعل ما فعل، فصح أنه ليس ذلك واجبا، ولو كان واجبا لانكر تركه، وإنما أنكر عليهم إنكاره، والتنزه عنه، وهذا منكر جدا، وقد أنكر عليهم ترك أمره، فوضح الفرق بين الفعل والامر لمن عقل، وبالله تعالى التوفيق.\rوبه إلى مسلم حدثنا محمد بن رافع، وعبيد الله بن معاذ، وابن أبي عمر، وقتيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو كريب، وأبو بكر بن أبي شيبة، قال ابن رافع: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن همام بن منبه، وقال ابن معاذ: ثنا أبي، ثنا شعبة، عن محمد بن زياد، وقال ابن أبي عمر: ثنا سفيان - وهو ابن عيينة - عن أبي الزناد،\rعن الاعرج، وقال قتيبة: ثنا المغيرة الخرامي، عن أبي الزناد، عن الاعرج، وقال ابن نمير: ثنا أبي، عن الاعمش، عن أبي صالح السمان.\rوقال ابن أبي شيبة، وأبو كريب: ثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن أبي صالح، ثم اتفق همام ومحمد بن زياد والاعرج وأبو صالح، كلهم عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله (ص): ذروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم.\rوهذه","part":4,"page":428},{"id":433,"text":"رواية كل من ذكرنا، ولم يخالفهم همام في شئ إلا أنه قال: * (ما تركتكم) *.\rقال أبو محمد:، وهذا خبر منقول نقل التواتر عن أبي هريرة فلم يوجب رسول الله (ص) على أحد إلا ما استطاع مما أمر به، واجتناب ما نهى عنه فقط، ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال: أمرتكم بما فعلته، وأسقط عليه السلام ما عدا ذلك، وأمرهم بتركه ما تركهم.\rوقد علمنا بضرورة الحس والمشاهدة أنه عليه السلام، وكل حي في الارض لا يخلو طرفة عين من فعل، إما جلوس أو مشي، أو وقوف أو اضطجاع، أو نوم أو اتكاء، أو غير ذلك من الافعال، فأسقط عليه السلام عنا كل هذا، وأمرنا بتركه فيه، حاشا ما أمر به أو نهى عنه فقط، فوضح يقينا أن الافعال كلها منه عليه السلام لا تلزم أحدا وإنما فيها الائتساء المتقدمة فقط.\rقال أبو محمد: وصح بالحديث الذي قبل هذا، أنه لا حجة في فعل أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ولا في قوله، لان أولئك الذين كرهوا ما فعله عليه السلام، قصدوا بذلك الخير في اجتهادهم، وقد أنكر عليه السلام ذلك فصح أنه لا حجة إلا فيما جاء عنه عليه السلام فقط، والحمد لله رب العالمين.\rقال أبو محمد: وإنما حضنا الله تعالى في أفعاله عليه السلام على الائتساء به بقوله\rتعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * وما كان لنا فهو إباحة فقط، لان لفظ الايجاب إنما هو علينا لا لنا، نقول: عليك أن تصلي الخمس، وتصوم رمضان، ولك أن تصوم عاشوراء، وتتصدق تطوعا، ولا يجوز أن يقول أحد في اللغة العربية: عليك أن تصوم عاشوراء وتتصدق تطوعا، ولك أن تصلي الخمس، وتصوم رمضان، هذا الذي لا يفهم سواه في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى بما ألزمنا من شرائعه.\rقال أبو محمد: وقال بعضهم: قوله تعالى بعقب الآية المذكورة: * (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) * بيان أن ذلك إيجاب لان هذا وعيد.\rقال أبو محمد: التأويل خطأ لان الائتساء المندوب إليه في الآية المذكورة إنما هو للمؤمنين الذين يرجون الله واليوم الآخر، ولم يقل تعالى هو على الذين يرجون الله واليوم الآخر وأما الكفار الذين لا يرجون الله واليوم الآخر،","part":4,"page":429},{"id":434,"text":"فراغبون عن الائتساء به عليه السلام، وكذلك قوله (ص): إني أصوم وأفطر وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني وصدق عليه السلام، أن من ترك شيئا من أفعاله راغبا عنها فهو كافر، وأما من تركها غير راغب عنها لكن اقتصارا على الفرض، وتخفيفا من التطوع، عالما بأنه يترك فضلا كثيرا، فقد أفلح كما قال عليه السلام للاعرابي الذي حلف لا يزيد على الاوامر الواجبات شيئا فقال عليه السلام: أفلح والله إن صدق دخل الجنة.\rقال أبو محمد: وفي هذا الحديث بيان كاف في أن الاوامر هي الفروض، وأن أفعاله عليه السلام ليست فرضا، لان الاعرابي إنما سأل رسول الله (ص) عما أمر به، لا عما يفعل، ثم حلف ألا يفعل غير ذلك، فصوب رسول الله (ص) قوله وحسن فعله، وهذا كاف لمن عقل، إذ لم يلزمه عليه السلام اتباع\rأفعاله، وهذا ما لا إشكال فيه.\rقال أبو محمد: بل أنكر رسول الله (ص) على أصحابه رضي الله عنهم التزام المماثلة لافعاله، كما حدث عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية القرشي، ثنا أبو خليفة، نا أبو الوليد الطياسى - هو هاشم بن عبد الملك - عن حماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: صلى بنا رسول الله (ص)، فلما صلى خلع نعليه فوضعهما يساره فخلع القوم نعالهم، فلما قضى صلاته قال: ما لكم خلعتم نعالكم ؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: إني لم أضعهما من بأس، ولكن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا وأذى، فإذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، فإن كان فيهما أذى فليمسحه.\rقال أبو محمد: فهذا عدل من الصحابة - أبو سعيد الخدري - شهد أن رسول الله (ص) أنكر عليهم التزام مماثلة أفعاله، فبطل كل تعلل بعد هذا وصح ألا يلزم إلا أمره عليه السلام فقط.\rقال أبو محمد: وإنما تعلق بما ذكرنا قوم من أصحاب مالك، على أنهم أترك خلق الله لافعاله عليه السلام، فقد تركوا فعله عليه السلام في صلاته بالناس وهم وراءه قيام أو جلوس وتركوا فعله عليه السلام في دخوله وإمامته بالناس بعد ابتداء أبي بكر بالتكبير بهم والصلاة، وجوزوه في الاستخلاف حيث لم يأت به","part":4,"page":430},{"id":435,"text":"نص ولا إجماع، ورغبوا عن فعله عليه السلام في الصب على بول الصبي، واختاروا ا لصوم في رمضان في السفر، ورغبوا عن فعله عليه السلام في الفطر، ورغبوا عن فعله عليه السلام في التقبيل وهو صائم، وقد غضب رسول الله (ص) على من رغب عن ذلك أو تنزه عنه، وخطب الناس ناهيا عن ذلك، ورغبوا عن فعله عليه السلام في قراءته: * (والطور) * في\rالمغرب، وتركوا فعله عليه السلام في تطيبه في حجة الوداع، وأخذوا بأمر له متقدم، لو كان على ما ظنوه كان منسوخا بآخر فعله عليه السلام، وتركوا فعله عليه السلام حكمه بالسلب للقاتل، وتركوا فعله عليه السلام في سجوده في سورة * (والنجم) * وفي: * (إذا السماء انشقت) * وتركوا فعل جميع الصحابة في هذين الموضعين، وكل من أسلم من الجن والانس.\rقال أبو محمد: فأما ما كان من أفعاله عليه السلام تنفيذا لامر فهو واجب، فمن ذلك قوله عليه السلام: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم وهمه بإحراق منازل المتخلفين عن الصلاة في الجماعة، وجلده شارب الخمر، لانه عليه السلام لما أخبر أن الاموال والاعراض حرام ثم أن ينتهك شر منها، أو بأنه يريد انتهاكها، علمنا أن ذلك حق، وأما بعد الامر فواجب لا إباحة لانه عليه السلام لا يهم إلا بأمر حق، وقد أمر بجلد الشارب ثم كان فعله بيانا للجلد الذي أمر به.\rوكذلك ما كان من أفعاله عليه السلام نهياعشئ أو أمرا بشئ فهو على الوجوب، كإزالته (ص) ابن عباس عن يساره، ورده إلى يمينه، فهذا وإن كان فعلا فهو أمر لابن عباس للوقوف عن يمينه، ونهي له عن الوقوف عن يساره، وإنما الفعل المجرد هو الذي ليس فيه معنى الامر.\rفإن قال قائل: فهلا قلتم إن همه عليه السلام بإحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة، إباحة لا فرض، على أصلكم في انتقال الشئ إذا نسخ إلى أقرب المراتب منه لا إلى أبعدها عنه، قيل له وبالله تعالى التوفيق: كذلك نقول ما لم يأت دليل على أنه منقول إلى أبعد المراتب عنه، ولكن لما قال عليه السلام: أمرت أن أقاتل","part":4,"page":431},{"id":436,"text":"الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا\rبحقها، وحسابهم على الله، ثم أخبر عليه السلام أنه قد هم بحرق بيوت المتخلفين علمنا بالنص المذكور أن ذلك حق واجب إنفاذه، إذ قد نص أنه لا يستبيح دما ولا مالا إلا بحق، والحق فرض ما لم يأت دليل على أنه إباحة.\rقال أبو محمد: قد قلنا: إن القائلين بأن أفعاله عليه السلام على الوجوب هم أشد الناس خلافا لهذا الاصل الفاسد، فإن المالكيين يقولون إن خطبة الامام يوم الجمعة خطبتين قائما يجلس بينهما ليست فرضا، وإنما الفرض خطبة واحدة، وما روي قط أن النبي (ص) خط ب إلا خطبتين قائما يجلس بينهما، فلم يروا فعله عليه السلام ههنا على الوجوب.\rويقولون: إن ترتيب الوضوء ليس فرضا، ولا شك في أن النبي (ص) كان يرتب وضوءه ولا ينكسه، لا يشك مسلم في ذلك.\rويرون أن الصلاة للصبح بمزدلفة ليس فرضا، ولا يبطل حج من تركه، ورسول الله (ص) صلاها هناك، وآذن أن من لم يدركها هنالك فلا حج له، ويرون أن من صلى المغرب قبل مزدلفة ليلة النحر فصلاته تامة ورسول الله (ص) أخرها إلى المزدلفة فلم يصلها إلا فيها، ولا يرون رمي جمرة العقبة فرضا، ورسول الله (ص) قد رماها، ولا يرون الضجعة بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح فرضا، ورسول الله (ص) كان يفعلها دائما عليها مواظبا لها، وكذلك فقهاء المدينة السبعة، وأهل المدينة، وكل هذه المسائل فجماهير الصحابة والتابعين والفقهاء يرونها فرضا وإنما أتينا بهذه المسائل لئلا يدعو إجماعا على أنها ليست فرضا، ومثل هذا لو تتبع كثير، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: فإن تعارض فعل وقول، مثل أن يحرم عليه السلام شيئا ثم يفعله، فإن هذا إن علمنا أن الفعل كان بعد القول فهو نسخ له، وبيان أن حكم","part":4,"page":432},{"id":437,"text":"ذلك القول قد ارتفع، لانه عليه السلام لا يفعل شيئا محرما، ولا يجوز أن يقال في شئ فعله عليه السلام أنه خصوص له إلا بنص في ذلك، لانه عليه السلام قد غضب على من قال ذلك، وكل شئ أغضب رسول الله (ص) فهو حرام، وذلك مذكور في حديث الانصاري الذي سأله عن قبلة الصائم، فأخبره عليه السلام أنه يفعل ذلك، فقال الانصاري: يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله (ص) وقال: والله إني لاتقاكم لله وأعلمكم بما آتي وما أذر أو كما قال عليه السلام.\rفلا يحل لاحد بعد هذا أن يقول في شئ فعله عليه السلام: إنه خصوص له، إلا بنص مثل النص الوارد في الموهبة بقوله تعالى: * (خالصة لك من دون المؤمنين) *، ومثل وصاله عليه السلام في الصوم، وقوله ناهيا لهم: إني لست كهيئتكم، ومثل نومه - عليه السلام وصلاته دون تجديد وضوء، فسئل عليه السلام عن ذلك، فقال: عيناي تنامان ولا ينام قلبي فما جاء فيه بيان كما ذكرنا فهو خصوص، وما لم يأت فيه نص كما قلنا فلنا أن نتأسى به عليه السلام، ولنا في ذلك الاجر الجزيل، ولنا أن نترك غير راغبين عن ذلك فلا نأثم ولا نؤجر.\rفمما جاء كما ذكرنا: نهيه عليه السلام عن الصلاة قائما، إذا صلى الامام جالسا، ثم هو عليه السلام صلى جالسا في مرضه الذي مات فيه، وصلى أبو بكر مذكرا إلى جانبه قائما فأقر، فعلمنا أن ذلك نسخ لايجاب الجلوس عن المذكر خاصة، فإن شاء صلى جالسا، وذلك أفضل عندنا، وإن شاء قائما، كل ذلك جائز حسن.\rوكذلك قلنا في حضه عليه السلام على صيام يوم عرفة، ثم أفطر عليه السلام فيه، فقلنا: صيامه أفضل للحاج وغيره، وإفطاره مباح حسن، وقد روت عائشة: أنه عليه السلام كان يترك الفعل وهو يحبه، خشية أن يفعله الناس فيفرض عليهم، كما فعل عليه السلام في قيام الليل في رمضان، قام ثم ترك خوفا\rأن يفرض علينا.\rوإنما قلنا هذا لئلا يقول جاهل: أيجوز أن يترك عليه السلام الافضل،","part":4,"page":433},{"id":438,"text":"ويفعل الاقل فضلا ؟ فأعلمناه عليه السلام يفعل ذلك رفقا منه، كما أخبر عليه السلام أنه لولا رجال من أصحابه لا يتخلفون عنه أصلا، وأنه لا يجد ما يحملهم عليه ما تخلف عن سرية يوجهها في سبيل الله، فأخبر عليه السلام أنه يتخلف عن الجهاد وهو أفضل، خوفا أن يشق على أمته، وهذا كثير.\rقال أبو محمد: وأما إذا لم يعلم أي الحكمين قبل: الامر أم الفعل ؟ فإنا نأخذ بالزائد، كما فعلنا في نهيه عليه السلام عن الشرب قائما، وروي عنه عليه السلام أنه شرب قائما، وفي نهيه عليه السلام عن الاستلقاء ووضع رجل على رجل، وروي عنه أنه عليه السلام رئي مضطجعا في المسجد كذلك، فأخذنا ههنا بالزائد، وهو النهي في كلا الموضوعين، لان الاصل إباحة الاضطجاع على كل حال والاستلقاء كما يشاء، وإباحة الشرب على كل حال، فقد تيقنا أننا نقلنا عن هذه الاباحة إلى نهي عن كلا الامرين بلا شك في ذلك، ثم لا ندري هل نسخ ذلك النهي أولا ؟ ولا يحل لمسلم أن يترك شيئا هو على يقين من أنه قد لزمه، لشئ لا يدري أهو ناسخ أم لا ؟ واليقين لا يبطل بالشك، والظن لا يغني من الحق شيئا، فنحن على ما صح لدينا أنه قد لزمنا، حتى يقيم المدعي لبطلانه - علينا البرهان في صحة دعواه، وإلا فهي ساقطة، وبالله تعالى التوفيق.\rوهكذا قلنا في حديث رسول الله (ص): كل مما يليك مع ما قد صح من تتبعه الدباء من نواحي القصعة ولا فرق، على أن هذا الخبر ليس فيه أنه عليه السلام تناول الدباء مما لا يليه، بل يمكن تتبعه من نواحي الصحفة مما يليه، وليس هكذا الاقوال، فإنه (ص) إذا قال قولا فيه إباحة، ثم جاء بعد عموم تحريم، إلا أنه\rممكن استثناء إباحة قبل، فواجب ضم القولين جميعا إلى واحد، واستثناء الاقل من الاكثر، لان القول بيان جلي، وليس في الفعل بيان المراد: لا بتخصيص ولا بغيره.\rقال أبو محمد: فالحاصل من هذا أن القولين إذا تعارضا، وأمكن أن يستثنى أحدهما من الآخر، فيستعملان جميعا لم يجز غير ذلك، وواء أيقنا أيهما أول أو لم نوقن، ولا يجوز القول بالنسخ في ذلك، إلا ببرهان جلي من نص أو إجماع","part":4,"page":434},{"id":439,"text":"أو تعارض لا يمكن معه استثناء أحدهما من الآخر، وأما القول والفعل إذا تعارضا، فإن كان الفعل قبل القول، أو لم يعلم أقبله أم بعده فالحكم القول، ويكون الفعل حينئذ منسوخا، ولا يجوز أن يستثنى منه الفعل، لاننا لا ندري أحاله نخص أم زمانه أم مكانه ؟ إذ ليس في الفعل بيان عموم ولا تفسير حد، وإن كان الفعل بعد القول، فحينئذ نخص تلك الحال بيقين فقط، لاننا من ذلك على يقين، ولسنا من تخصيص الزمان والمكان على يقين، ولا يجوز أن نحكم في الدين بالشك، كما فعلنا فيما قد صح من أن المرأة تقطع الصلاة.\rثم صح أن عائشة ذكرت أن رسول الله (ص) كان يصلي وهي بين يديه معترضة كاعتراض الجنازة، فتكره أن تقعد فتؤذي رسول الله (ص) فتمسك كما هي، فصح بهذا النص أن هذا الفعل كان بعد النهي، لانها أخبرت أنها لو قعدت لآذت رسول الله (ص) بذلك ودل أيضا هذا الخبر على المداومة على ذلك، فاستثناء حال الاضطجاع من قطع المرأة الصلاة على سائر أحوالها، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد لو كانت الافعال على الوجوب، لكان ذلك تكليفا لما لا يطلق من وجهين ضروريين: أحدهما: أنه كان يلزمنا أن نضع أيدينا حيث\rوضع (ص) يده، وأن نضع أرجلنا حيث وضع عليه السلا م رجله، وأن نمشي حيث مشى، وننظر إلى ما نظر إليه، وهذا كله خروج عن المعقول.\rوالوجه الثاني: أن أكثر هذه الاشياء التي تصرف عليه السلام بأفعاله فيها فقد ثبت فكنا من ذلك مكلفين ما لا نطيق، فبطل كل قول في هذا الباب حاشى","part":4,"page":435},{"id":440,"text":"ما ذكرنا من الائتساء به عليه السلام في أفعاله، وأما من قال: نطلب الدليل، فإن وجدنا دليل، على وجوب الفعل صرنا إليه، وإن لم نجد دليلا حملنا الافعال على الائتساء فقط، فهي نفس قولنا، إلا أننا نحملها على الائتساء أبدا ما لم نجد دليلا على الوجوب، فإن وجدناه صرنا إليه، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: وأما الشئ يراه عليه السلام أو يبلغه أو يسمعه، فلا ينكره ولا يأمر به فمباح، لان الله عز وجل وصفه عليه السلام فقال: * (الذين يتبعون النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) * فلو كان ذلك الشئ منكرا لنهى عنه عليه السلام بلا شك، فلما لم ينه عنه لم يكن منكرا فهو مباح المباح معروف، وما عرفه عليه السلام فهو معروف، ولا معروف إلا ما عرف، ولا منكر إلا ما أنكر، فمن ذلك: غناء الجاريتين في بيته، وهو عليه السلام يسمع ولا ينكر، فأنكر ذلك أبو بكر، فأنكر النبي (ص) على أبي بكر إنكاره، فصح بذلك ما ذكرنا نصا، ووجب الانكار على كل ما أنكر ما علمه عليه السلام فأقره.\rومن ذلك زفن السودان، فنهاهم عمر، فأنكر عليه السلام على عمر إنكاره عليهم، ومن ذلك اللعب التي رأى عليه السلام عند عائشة، وفيها فرس ذو أجنحة مع نهيه عليه السلام عن الصور، فكان ذلك إذا مستثنى مما نهى عنه، ومثل إنكاره عليه السلام الصور في الستر، مع إباحته لذلك إذا كان\rرقما في ثوب، واستثناءه إياه من جملة ما نهى عنه من الصور، فلما قطعت عائشة الستر وسادتين، اتكأ عليه السلام عليهما ولم ينكرهما، فصح من ذلك أن المعلق من الثياب التي فيها الصور مكروه، ليس حراما ولا مستحبا، لكن من تركها أجر، ومن استعملها لم يأثم، واختار ههنا عليه السلام الافضل، واختاره لعائشة وفاطمة رضي الله عنهما، وصح بذلك أن الثياب التي فيها الصور وإذا كانت وسائد فذلك حسن مباح ولا مستحب لا نكرهه أصلا بل نحبه.\rوكذلك الشئ إذا تركه عليه السلام ولم ينه عنه ولا أمر به، فهو عندنا مباح","part":4,"page":436},{"id":441,"text":"مكروه، ومن تركه أجر، ومن فعله لم يأثم ولم يؤجر، كمن أكل متكئا، ومن استمع زمارة الراعي، فلو كان ذلك حراما لما أباحه عليه السلام لغيره، ولو كان مستحبا لفعله عليه السلام، فلما تركه كارها له كرهناه ولم نحرمه.\rفإن قال قائل: فقد ناموا بحضرة رسول الله (ص)، ثم صلوا ولم يأمرهم بإعادة الوضوء، وأنتم لا ترون ذلك، قيل له وبالله التوفيق: ما روى أحد قط أن رسول الله (ص) رآهم نياما، ولا أعلم أنهم ناموا، وإنما جاء الحديث: أنه عليه السلام أبطأ بالعشاء الآخرة حتى نام الناس، وسمع لهم غطيط، وصاح عمر: نام النساء والصبيان.\rفالحديث كما تسمع بين في أنهم ناموا وهو عليه السلام غائب غير حاضر، وإنما أعلمه عمر بنوم النساء والصبيان، وهذان الصنفان ليس عليهم حضور الصلاة في الجماعة فرضا، وأيضا فمن أين للمحتج بهذا أن يقول: ناموا قعودا نوما قليلا، بلا أن يرد ذلك في الحديث، ولعل فيهم من نام مستندا إلى صاحبه أو إلى الحائط أو مضطجعا نوما طويلا، ما يدري من لم يحضر نومهم كيف كان نومهم، ومثل هذا من الدعاوى لا يستجيزها ذو دين متهم بالصدق.\rفلما صح أنه عليه السلام كان غائبا، ولم يأتنا نص في أنه عليه السلام علم نومهم،\rوصح أمره عليه السلام في حديث صفوان بن عسال المرادي بالوضوء من النوم جملة -: لزمنا ألا نزول عما أمرنا لامر لا ندري أعلمه عليه السلام أم لم يعلمه ؟ ولو صح عندنا أنه عليه السلام علم أنهم ناموا وأقرهم على ذلك لقلنا به، ولاسقطنا الوضوء عمن نام جملة على أي حال نام، ولو صح في ذلك الخبر أن عمر قال: نام الناس، لما كان لهم فيه متعلق، لانه كان يكون معناه نام الناس الذين ينتظرونه عليه السلام، وكيف وكل طائفة منهم تخالف هذا الخبر، لانهم يخصون بعض أحوال النوم دون بعض، وليس بيننا في الخبر أصلا.\rفإن قال قائل: أيجوز أن يخفى ذلك على رسول الله (ص) ؟ قيل له: نعم، كما جاز عندكم معاشر الشافعيين والمالكيين والحنفيين قول جابر: كنا نبيع أمهات الاولاد على عهد رسول الله.\rعلى أن بيع أمهات الاولاد أشهر من نوم قوم في الليل، والقوم في عوزة من المصابيح بركن المسجد.","part":4,"page":437},{"id":442,"text":"وكما يقول المالكيون: إنخفي عليه ذبح آل أبي بكر الفرس وأكلهم إياه بالمدينة، وهذا أشيع من نوم قوم فركن المسجد، لقلة الخيل عندهم بالمدينة في أيامه (ص) ولشدة العيش عندهم، وقلة الادام، وشدة امتزاج أهل بيت أبي بكر مع النبي (ص) ومجاورتهم له، فكيف يخفى عليه أنهم ذبحوا فرسا فأكلوه، ولا يخفى عليه نوم قوم في ركن المسجد وهو غائب عنهم، ولو صح أنه عليه السلام كان حاضرا في المسجد لامكن أن يختفي نوم من في ركن المسجد عنه، فكيف وقد صح أنه عليه السلام كان غائبا عنهم، مع أن تخصيص نومهم بأنهم كانوا قعودا لا مستندين ولا مضطجعين ولا متكئين كذب من أقدم عليه، وبالله التوفيق.\rقال أبو محمد: وفي باب القول بالاخبار من كتابنا في أول الباب المذكور أشياء قاطعة من الكلام في أفعال النبي (ص) وفي الشئ يعلمه فيقر عليه، إذا\rاستضافت إلى ما ههنا تم الكلام في ذلك، وكرهنا تكرارها، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب العشرون الكلام في النسخ وهو الموفى عشرين قال أبو محمد علي بن أحمد: حدالنسخ أنه بيان انتهاء زمان الامر الاول فيما لا يتكرر، وأما ما علق بوقت ما، فإذا خرج ذلك الوقت، أو أدى ذلك الفعل سقط الامر به، فليس هذا نسخا، فلكان هذا نسخا، لكانت الصلاة المنسوخة إذا خرج وقتها، والصيام منسوخا، بالاحرام والحيض والصيام والحج منسوخا، وهذا ما لا يقوله أحد بالاجماع المقطوع به على ألا يسمى نسخا، يكفي من الاطالة فيه وبالله تعالى التوفيق، مع من سمى هذا نسخا، فعليه البرهان على وجوب تسميته نسخا ولا سبيل إلى وجوبه فهو باطل قال تعالى: * (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) *.\rقال أبو محمد: وقد قال بعض من تقدم: إن النسخ هو تأخير البيان نفسه.\rقال أبو محمد: والنسخ على ما فسرناه قبل، نوع من أنواع تأخير البيان، لان تأخير البيان ينقسم قسمين: أحدهما: جماعة غير مفهومة المراد بذاتها، مثل قوله تعالى: * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * إذا جاء وقت تكليف ذلك، بيلنا الحكم المراد منا في ذلك اللفظ المجمل بلفظ آخر مفسر.\rوالقسم الثاني: عمل مأمور به","part":4,"page":438},{"id":443,"text":"في وقت ما، وقد سبق في علم الله عز وجل أنه سيحيلنا عنه إلى غيره في وقت آخر، فإذا جاء ذلك الوقت بين لنا تعالى ما كان مستورا عنا من النقل عن ذلك العمل إلى غيره، وبالجملة فإن اسم البيان يعم جميع أحكام الشريعة كلها، لانها كلها إعلام من الله تعالى لنا، وبيان المراد منا.\rفإن قال قائل: ليس النسخ من البيان، لان البيان يقع في الاخبار، والنسخ لا يقع في الاخبار، قيل له وبالله تعالى التوفيق: إننا لم نقل: إن النسخ هو البيان،\rوإنما قلنا: هو نوع من أنواع البيان، فكل نسخ بيان، وليس كل بيان نسخا، فمن البيان ما يقع في الاخبار وفي الاوامر، ومنه ما يقع في الاوامر فقط، فمن هذا النوع الواقع في الاوامر، النسخ هو رفع لامر متقدم، وقد يكون أيضا بيان يقع في الاوامر ليس نسخا، لكنه تفسير لجلة، إلا أنه لا يجوز لاحد أن يحمل شيئا من البيان على أنه نسخ رافع لامر متقدم، إلا بنص جلي في ذلك أو إجماع أو برهان ضروري، على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى في باب كيفية معرفة المنسوخ من المحكم.\rألا ترى أن قوله تعالى: * (فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * فلسنا نقول: إنه نسخ أهل الكتاب من هذا الحكم، لكنا نقول: إن المراد بقوله تعالى في هذه الآية: * (فاقتلوا المشركين) * لله - إنما هم من عدا أهل الكتاب، وبين ذلك تعالى في استثنائه أهل الكتاب في الآية الاخرى.\rوهكذا قولنا في آية الرضاع، وآية قطع السارق، وقوله تعالى: * (ألف سنة إلا خمسين عاما) * فنقول بلا شك: إن الله تعالى لم يرد بذلك كل رضاعة، ولا كل سارق، ثم نسخ ذلك عن بعضهم: وكذلك قوله تعالى: * (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * فإنه تعالى لم يرد بذلك العبيد والاماء، ثم نسخ خمسين عنهم ولا ألف سنة كاملة، ثم استدرك تعالى إسقاط الخمسين عاما، لكنه تعالى أراد في كل ما ذكرناه ما بقي عندما استثنى عز وجل وخص من كل ذلك، وكذلك قولنا في قوله تعالى: * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) * أنه تعالى لم يرد كل ما يقع عليه اسم نسك أو صدقة، أو اسم صيام، لكن أراد ما بينه النبي (ص) في حديث لكعب بن عجرة.\rفإن قال قائل: إن البيان يقع موصولا بعضه ببعض، والنسخ لا يقع موصولا،","part":4,"page":439},{"id":444,"text":"فالجواب، وبالله تعالى التوفيق: إننا قد قلنا في هذا ما يقع فيه من أنه ليس كل\rبيان نسخا، فما كان من البيان نسخا لم يقع موصولا، وما كان منه غير نسخ لكن تفسيرا لمراده تعالى في جملة ما، فجائز أن يقع موصولا، وجائز أن يقع في مكان آخر من القرآن والسنة، وبالله تعالى التوفيق.\rوالنسخ ينقسم في اللغة إلى قسمين: أحدهما: التعفية، تقول: انتسخت دولة فلان، ونسخت الربح أو القوم، أي عفته جملة، والقسم الثاني: تجديد الشئ وتكثير أمثاله، تقول: نسخت الكتاب نسخا كثيرة، فالقسم الاول الذي هو التعفية هو الذي قصدناه بالكلام في هذا الباب، ولم نقصد القسم الثاني، وإنما ذكرناه ليوقف عليه وليعلم أنا لا نقصده بالكلام في هذا الباب فيرتفع التخليط والاشكال إن شاء الله تعالى.\rفصل في الاوامر في نسخها وإثباتها قال أبو محمد: الاوامر نسخها وإثباتها تنقسم أقساما أربعة لا خامس لها، فقسم ثبت لفظه وحكمه، وقسم ارتفع حكمه ولفظه، وقسم ارتفع لفظه وبقي حكمه، وقسم ارتفع حكمه وبقي لفظه، ففي هذه الاقسام الثلاثة الاواخر يقع النسخ، وأما القسم الذي صدرنا به فلا نسخ فيه أصلا، وأما القسم الذي ارتفع حكمه ولفظه.\rفقد روينا أن رجلا قرأ آية وحفظها، ثم أراد قراءتها فلم يقدر، فشكا ذلك إلى رسول الله (ص) فأخبر عليه السلام أنها رفعت، ومن ذلك العشر الرضعات المحرمات، ومن ذلك السورة التي ذكر أبو موسى الاشعري، أنهم كانوا يقرؤونها على عهد رسول الله (ص)، وكانت في طول سورة براءة، وأنها نسيت فارتفعت من الحفاظ، إلا آية منها وهي: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب.\rوالسورة التي ذكرها أيضا أبو موسى: أنها كانت تشبه إحدى المسبحات فنسيت، ولم يحفظ منها إلا آية ذكرها، وقد نص الله تعالى على ذلك إذ يقول: * (ما ننسخ من آية أو\rننسأها نأت بخير منها أو مثلها) *، وقد روينا أن رسول الله (ص) قرأ سورة فأسقط منها آية، فلما سلم قال: أثم أبي، أو كما قال عليه السلام فأجابه فسأله رسول الله","part":4,"page":440},{"id":445,"text":"(ص) عما منعه أن يلقنه الآية، فقال أبي: ظننت أنها رفعت، فقال عليه السلام: لم ترفع فهذا بيان صحة ما ذكرنا من أنه يرفع لفظ الآية جملة.\rوأما القسم الذي رفع لفظه وبقي حكمه، فآية الرجم، وآية الخمس رضعات المحرمات وقد تعلل قوم في رد هذا الحديث بقول عائشة رضي الله عنها: فتوفي رسول الله (ص) وأنهما لمما يقرأ من القرآن.\rقال أبو محمد: وهذا لا تعلل فيه، وإنما معناه، أنه يقرأ من القرآن الذي سقط رسمه وإثباته في المصحف، ولم تقل قط عائشة إنه من القرآن المتلو في المصحف فبطل تعللهم، وأما القسم الذي رفع حكمه وبقي لفظه، فقوله تعالى: * (فأمسكوهن في البيوت) * وقوله تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم) * وآي ات كثيرة جدا، وأما الذي ثبت لفظه وحكمه، فسائر الآيات المحكمات.\rوالاوامر الواردة بأمر رسول الله (ص) منقسمة على الاقسام الاربعة التي ذكرنا أيضا، ولا يظن ظان أن قولنا هذا معارض لقولنا: إنه ليس له عليه السلام لفظ إلا قد بلغ إلينا، فإننا إنما نفينا بقولنا هذا أن يكون له عليه السلام لفظ لم ينسخ حكمه، فيسقط فلا يبلغ إلينا لا لفظه ولا حكمه.\rفهذا الذي نفينا جملة بقوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * وبقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * وبقوله: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * والحفظ يكون بتبليغ المعنى، فكل حكم نقل إلينا كيفية فعله (ص) فيه، وصفة حكمه ولم ينقل إلينا نص لفظه في ذلك، فهو مما ارتفع لفظه وبقي حكمه، وذلك نحو ما روي\rمن قسمه عليه السلام مال البحرين وحكمه بالتمييز مع الشاهد، ومساقاته ومزارعته أهل خيبر، وما أشبه ذلك، فهذا لا بد من أنه قد كان له من ذلك لفظ إلا أنه لم ينقل، ونقل الحكم فهم بمنزلة ما ذكرنا أنه رفع لفظه من التلاوة وبقي حكمه ولا فرق، وكل ذلك وحي من الله تعالى، وأما المنسوخ لفظه وحكمه، فمرفوع عنا علمه وتتبعه وطلبه.","part":4,"page":441},{"id":446,"text":"فصل في رد المؤلف على القائلين قال أبو محمد: قال بعض القائلين - وقد ذكر النسخ وارتفاع اللفظ المنسوخ فقال: وهذا وجه من وجوه الحكمة، يجوز أن يكون علم الله تعالى أن يرفع هذا اللفظ يصلح ما لا يصلح ببقائه، وذلك أنه إذا رفع تعالى الكل فقد علم أننا سنقبل على الامر الناسخ، ولا تتداخلنا فيه الشكوك، لان الله تعالى علم أن سيكون قوم من خلقه يبطلون النسخ، فكانوا يضلون ببقاء اللفظ المنسوخ فرفعه لهذا المعنى.\rقال أبو محمد: وهذا من أفسد قول في الارض وأ سقطه، ويقال لمن قال بهذا الهجر: أكان الله تعالى غير قادر من وجوه الصلاح على أكثر من أن يرفع بعض كلامه لئلا يضل به قوم من خلقه ؟ أو كان قادرا على أن يكفيهم هذه المؤنة كلها، ويهديهم بأن يبين لهم المنسوخ بيانا جليا يرفع به عنهم الشكوك والحيرة ؟ فإن قال: لم يقدر الله تعالى على أكثر، كفر ووصف نفسه من القدرة بأكثر مما وصف به خالقه عز وجل لانه دائبا يشرح بزعمه، ويبين ليهدي الناس فيما يدعي، وإن قال: بل إنه تعالى قادر على ما ذكرت، قيل له: فقد فعل ما غيره أصلح لهم منه، وهذا ضد مذهبك الفاسد.\rويقال له أيضا: إذا كانت الحكمة عندك رفع لفظ بعض المنسوخ جملة، لئلا يضل به قوم، فلاي شئ أبقى تعالى لفظا آخر منسوخا حتى ضل به جماعة أنت\rأحدهم ؟ في أشياء كثيرة تدعي أنت فيها النسخ ويخالفك فيها غيرك، وأشياء كثيرة تدعي أنت أنها غير منسوخة ويدعي غيرك فيها النسخ، فأين تلك الحكمة التي تطالب بها ربك تعالى ؟ وما الذي جعل رفع ما رفع أولى بالرفع من المنسوخ الذي أبقي لفظه، حتى تحيرت فيه طوائف من أهل الملة ؟ وما الذي جعل إبقاء ما أبقي لفظه المنسوخ أولى بالابقاء مما رفع لفظه من المنسوخ ؟ وما الذي أوجب نقض الحكم بما كان أمس فرضا ثم حرم اليوم، أو ما كان حراما أمس ثم أبيح اليوم ؟ وهل هذا هنا حال استحالت أو طبيعة انتقضت، فأوجب ذلك تبديل الشرائع، إن هذا لهو الضلا البعيد، والغناء الشديد، والجهل المظلم، والقحة الزائدة، وما","part":4,"page":442},{"id":447,"text":"ههنا شئ أصلا إلا أن الله تعالى أراد أن يحرم علينا بعض ما خلق مدة ما، ثم أراد تعالى أن يبيحه وأراد أن يبيح لنا بعض ما خلق مدة ما، ثم أراد تعالى أن يحرمه علينا ولا علة لشئ من ذلك كما لا علة لبعثه محمدا عليه الصلاة والسلام في العصر الذي بعثه، دون أن يبعثه في العصر الذي كان قبله، وكما لا علة لكون الصلوات خمسا، دون أن تكون ثلاثا أو سبعا.\rفصل في قول الله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسأها نأتى بخير منها أو مثلها) * قال أبو محمد: قال الله تعالى: وقد قرئ أو ننسها، ومعنى اللفظين مختلف، فالنسخ قد بينا معناه وهو رفع الحكم، وأما ننسها فمعناه من النسيان وهو رفع اللفظ جملة، وأما ننسأها فهو من التأخير، ومعناه أن يؤخر العمل بها إلى مدة معلومة، ويفعل الله من كل ذلك ما شاء لا معقب لحكمه.\rفصل في اختلا ف الناس على النسخ اختلف الناس في النسخ على ما يقع، أعلى الامر أم على المأمو به ؟\rقال أبو محمد: والصحيح من ذلك أن النسخ إنما يقع على الامر، ولا يجوز أن يقع على المأمور به أصلا، لان المأمور به هو فعلنا، وفعلنا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون قد وقع منا بعد، وإما أن يكون لم يقع منا بعد، فإن كان قد وقع منا بعد فقد فني، لان أفعالنا أعراض فانية، ولا يجوز أن ينهى عما قد فني، إذ لا سبيل إلى عودته أبدا.\rوكذلك لا يجوز أن يؤمر أيضا بما قد فني، لانه لا يجوز أن يعود أيضا ولا أن يباح لنا ما قد فني أيضا، لان كل هذا محال، وإن كان لم يقع منا، فكيف ينسخ شئ لم يكن بعد، فصح أن المرفوع إنما هو الامر المتقدم، لا الفعل الذي لم تفعله بعد، فإذا قد صح أن الامر هو المرفوع فهو المنسوخ، والنسخ إنما يقع في الآمر لا في الامر ولا في المأمور به.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوبرهان ما ذكرناه قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسأها) * فأخبر تعالى أن الآية هي المنسوخة لا أفعالنا المأمور بها، والمنهي عنها والآية هي الامر الوارد","part":4,"page":443},{"id":448,"text":"من قبله تعالى، بإيجاب ما أوجب أو تحريم ما حرم.\rوأما المأمور به فهي حركاتنا وأعمالنا من صلاة وصيام وإقامة حد وغير ذلك، فصح ما ذكرنا نصا، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في وقد تشكك قوم في معاني النسخ وقد تشكك قوم في معاني النسخ والتخصيص والاستثناء، فقوم جعلوها كلها نوعا واحدا.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ لان النسخ هو رفع حكم قد كان حقا، وسواء عرفنا أنه سيرفع عنها أو لم نعرف بذلك وقد أعلم الله تعالى موسى وعيسى عليهما السلام أنه سيبعث نبيا يسمى محمدا بشرائع مخالفة لشرائعهما، فهذا نسخ قد علمنا به،\rوأما التخصيص: فهو أن يخص شخص أو أشخاص من سائر النوع، كما خص عليه السلام بفرض التهجد، وإباحة تسع نسوة وكما خص أبو هاشم وبنو المطلب بتحريم الصدقة، وأبو بردة تجزئ عنه الجزعة في الاضحية.\rوأما الاستثناء: فهو ما جاء بلفظ عام، ثم استثني منه بعض ما يقع عليه ذلك اللفظ.\rكقوله تعالى: * (إلا على أزواجهم) * وما أشبه ذلك.\rإلا أن التخصيص إذا حقق فيه النظر فهو استثناء صحيح، والفرق بين النسخ والاستثناء هو أن الجملة المستثنى منها بعضها، ولم يرد قط تعالى إلزامنا إياها بعمومها، ولا أراد إلا ما بقي منها بعد الاستثناء.\rوأما النسخ: فالذي نهينا عنه اليوم قد كان مراد منا بالامس بخلاف الاستثناء.\rوبالله تعالى التوفيق.\rفإن قاقائل: إن النسخ استثناء الزمان الثاني من إطلاق الفعل على التأييد، قيل له وبالله تعالى التوفيق: ليس هذا مما نجعله مع الاستثناء المطلق نوعا واحدا لما ذكرنا من أن المستثنى لم يرد قط منا بوجه من الوجوه، وأن المنسوخ قد كلفناه، هذا فرق ظاهر بين، فإن كان هذا المخالف يريد أن يقول: إن النسخ نوع من أنواع الاستثناء، لان استثناء زمان تخصيصه بالعمل سائر الازمان لم نأب عليه ذلك، ويكون حينئذ صواب القول: إن كل نسخ استثناء وليس كل استثناء نسخا.\rوهذا صحيح.","part":4,"page":444},{"id":449,"text":"فصل في إمكان النسخ ثم إيجابه ثم امتناعه قال أبو محمد: أنكر بعض اليهود النسخ جملة، وقد تكلمنا في هذا في كتابنا الموسوم بالفصل ونعيد ههنا منا ما يليق بغرض كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.\rفنقول وبالله تعالى التوفيق:\rإن منكري النسخ قالوا: ليس من الحكمة أن يأمر الله تعالى بشئ أمس ثم ينهى عن مثله اليوم، وهذا من نظائر قول أصحابنا بالعلل، وهؤلاء قوم يتعقبون على ربهم تعالى، فيقال لهم: أخبرونا أي حكمة وجبت عليه تعالى أن يأمر أمس بما أمر به ؟ أترى لو لم يأمر تعالى بما أمر به لكانت تبطل حكمته ؟ أو لو أمر بغير ما أمر به لكانت تبطل حكمته ؟ أو ترون إذ قدس الارض المقدسة، ولعن أريحا، ولعن أورشليم أكان ذلك مفسدا لحكمته ؟ وإذ حظر العمل في السبت وأباحه في الاحد، أرأيتم لو عكس الامر أكان ذلك مبطلا لحكمته ؟ فإن راموا فرقا بين شئ من ذلك لحقوا بالمجانين، وجاهروا بما لا يفهم وبما يعلم بطلانه.\rثم يقال لهم: أليس الله تعالى قد ملك قوما من الكفار العصاة الظلمة ومكنهم وأذل قوما من الكفار العصاة الظلمة وملك غيرهم رقابهم، وملك قوما صالحين فضلاء مؤمنين، ومكنهم وبسط أيديهم، وأذل قوما صالحين فضلاء مؤمنين وملك غيرهم رقابهم، ومد أعمار قوم كفار طغاة، واخترم آخرين منهم قبل بلوغ الاكتهال، وفعل مثل ذلك بقوم مؤمنين أفاضل، ومكن قوما عصاة مردة من البيان والكلام في العلوم حتى أضلوا أمما من الخلق، وجعل آخرين منهم بلداء أغبياء، وفعل مثل ذلك أيضا بالمؤمنين سواء بسواء، فما الذي جعل هذا حكمه دون عكس كل ذلك ؟ وما الفرق بين هذا من أفعاله تعالى وبين أن يأمر اليوم بأمر ثم ينهى عن مثله غدا ؟ وما يفرق بين كل ما ذكر إلا عديم عقل أو وقح سخيف.\rفإن قالوا: إن هذا هو البداء لزمهم مثل ذلك في كل ما ذكرنا آنفا، وفي إحيائه من يحيي ثم إماتته، وفي إغنائه من يغني ثم إفقاره وفي تصحيحه جسم من يرزقه العافية ثم يمرضه، وفي الهرم بعد الفتوة.","part":4,"page":445},{"id":450,"text":"فإن قال قائل: ما الفرق بين البداء والنسخ ؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق: الفرق بينهما لائح، وهو أن البداء هو أن يأمر بالامر والامر لا يدري ما يؤول إليه الحال، والنسخ هو أن يأمر بالامر والامر يدري أنه سيحيله في وقت كذا ولا بد، قد سبق ذلك في عمله وحتمه من قضائه، فلما كان هذان الوجهان معنيين متغايرين مختلفين، وجب ضرورة أن يعلق على كل واحد منها اسم يعبر به عنه غير اسم الآخر ليقع التفاهم، ويلوح الحق، فالبداء ليس من صفات الباري تعالى، ولسنا نعني الباء والدال والالف، وإنما نعني المعنى الذي ذكرنا من أن يأمر بالامر لا يدري ما عاقبته، فهذا مبعد من الله عز وجل، وسواء سموه نسخا أو بداء أو ما أحبوا، وأما النسخ فمن صفات الله تعالى من جهة أفعاله كلها، وهو القضاء بالامر قد علم أنه سيحيله بعد مدة معلومة عنده عز وجل، كما سبق في علمه تعالى.\rولسنا نكابر على النون والسين والخاء، وإنما نعني المعنى الذي بينا، وسواء سموه نسخا أو بداء أو ما أحبوا من الاسماء، ولكن اسمه عند النسخ، وبهذه العبارة نعبر عن هذا المعنى الذي لا يخلو الله تعالى فعل منه أصلا في دار الابتلاء، وكل شئ منها كائن فاسد، وهذا هو النسخ، وهو نوع من أنواع الكون والفساد الجاريين في طبيعة العالم بتقدير خالقه ومخترعه ومدبره ومتممه لا إله إلا هو.\rواسم الصفة الاولى عندنا البداء فيها، يعبر عن هذا المعنى الذي هو من صفات المختارين من الانس والجن وسائر الحيوان، وهخلق مذموم، لانه نتيجة الملل والندم والسآمة، وهذه الاخلاق منفية عن الملائكة بنص القرآن، فكيف عن الباري تعالى فهذا فرق ما بين البداء والنسخ قد لاح، والحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم.\rقال أبو محمد: والنسخ قبل حلول الوقت الذي علم الله عز وجل أنه يحيل فيه الحال ممتنع في الوجود، لا في قدرته تعالى على ذلك، وهو عندنا في ظاهر الامر ممكن.\rقال أبو محمد: وهو في وقت حلوله وبلوغ أمده الذي قدره تعالى كائنا فيه واجب وهو - بعد أن علمنا الله عز وجل أنه لا نبي بعمحمد (ص) - ممتنع لا سبيل","part":4,"page":446},{"id":451,"text":"إليه في الوجود، لا على معنى أنه تعالى لا يوصف بالقدرة على ذلك - بل نعوذ بالله من الفكر في هذا أو التشكيك - بل هو عز وجل قادر الآن وأبدا على أن يبعث نبيا آخر بدين آخر، ولكنه أخبرنا أنه لا يفعل ذلك، مريدا لتركه وقوله الحق، فعلمنا أن كون ما لا يريد تعالى كونه، ممتنع أن يكوأبدا.\rويقال لمن أبى النسخ: ما الفرق بين أن يأمرنا الله بشئ في وقت ما، ويبينه لنا، ويعلمنا أنه إذا أتى وقت كذا وجب الانتقال إلى شئ آخر، وبين أن يأمرنا ولا يعلمنا أنه سينقلنا إلى شئ آخر ؟ وهذا ما لا سبيل إلى وجود فرق فيه أبدا لذي تمييز وعقل، لانه ليس لنا على الله تعالى شرط، ولا عليه أن يطلعنا على علمه، ولا يتقمن مسارنا، ولا أن يأخذ آراءنا في شئ، ومدعي هذا ملحد في دين الله عز وجل، كافر به مفتر عليه، وقد نص تعالى على ذلك بقوله تعالى: * (ولا يحيتون بشئ من علمه الا بما شاء) * وبقوله عز وجل: * (فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) * وهذا ما لا يخالفنا فيه إلا بعض اليهود، وأما أهل الاسلام فكلهم يجيزون النسخ، إلا بعض من منع من هذه اللفظة وأجاز المعنى، وهذا ما لا ننازعه فيه إذا سلم لنا الصفة المسماة، فلسنا ممن يشتغل بالاسم إلا حيث أوجب ذلك النص.\rوأما اليهود: فغير منكر من شدة جهلهم وضعف عقولهم، وعظيم بهتهم\rوكذبهم وتناقض أقوالهم وصلابة وجوههم، ورخاوة قلوبهم وفر غيظهم على ربهم عز وجل، إذا أحل بهم من البلاء والذل والمهانة والخسة ما أحل، أن يدعوا أن لهم على ربهم شروطا أكثر من هذا، فهم يدعون لكلب من أخبارهم يسمى إشماعيل، لعنة الله عليه وعليهم أن الله - تعالى عما يقول اليهود المشركون علوا كبيرا - تعلق في خرب بيت المقدس بثياب إشماعيل، وهو يعنون ربهم - يبكي ويئن كما تئن الحمامة، وأنهم يعنون ربهم رغب إلى إشماعيل هذا الرذل أن يبا رك عليه.\rبمعنى أن ربهم طلب من إشماعيل البركة، فمن كان ربه عنده في","part":4,"page":447},{"id":452,"text":"نصاب من يطلب بركة إشماعيل لنفسه غير منكر أن يسفهوه فيما أحبوا، وهذه صفة جني لعب بعقولهم وسخر منهم، لا صفة الباري تعالى عز وجل، على أنه قد بين لهم في التوراة أمر رسول الله (ص) وأنذروا به.\rفصح بذلك أن شريعتهم إنما علقت لهم بشرط ما لم يأت النبي (ص) المنتظر، الذي هو رجاء الامم، والذي يستعلي من جبار فاران، ومعه ألوف من الصالحين، والذي يجعل الله تعالى كلامه في فمه، ومن عصاه انتقم منه، فصار ذلك بمنزلة ما أمروا به من العمل في التيه بأوامر ما، وفي البيت والشام بأوامر أخر، ومثله ما أمروا به من العمل في غير السبت، ثم تحريم العمل في السبت، وبمنزلة صيام وقت ما، والمنع منه في وقت آخر، ومثل إباحة الوطئ في وقت ما، وتحريمه في وقت الحيض وسائر الشرائع المرتبطة بأوقات ما، فإذا عدمت تلك الاوقات انتقل حكم تلك الشرائع، وكل ذلك لا علة له ولا شئ يوجبه أصلا، لا مصلحة ولا غيرها، إلا أنه تعالى أراد ذلك، كما أراد خلق ما خلق من الخلائق المختلفات فقط، وبالله تعالى التوفيق.\rفكيف وفي توراتهم أن الله تعالى أباح لآدم وبنيه أكل حيوان حاشا الدم، وهذا خلاف شريعة موسى عليه السلام فقد صح النسخ عندهم.\rفصل فيما يجوز النسخ فيه وفيما لا يجوز فيه النسخ قال أبو محمد: النسخ لا يجوز إلا في الكلام الذي معناه الامر أو النهي، وقد بينا في كتابنا الموسوم بكتاب التقريب لحدود المنطق: أن الكلام كله ينقسم أربعة أقسام: أمر ورغبة وخبر واستفهام، فالاستفهام والخبر والرغبة لا يقع فيها نسخ، وإنما يسمى الرجوع عن الخبر وعن الاستفهام استدراكا، فكل ذلك منفي عن الله عز وجل، لان الرجوع عنهما إنما هو تكذيب للخبر المرجوع عنه، ومعرفة وكراهية لما رجع عن الاستفهام عنه لعرض حدث أو لعلم بشئ كان يجهل.\rوأما الرجوع عن الرغبة فإنما يسمى استقالة أو تنزها عما انحط إليه قبل ذلك، وقد قدمنا أن المعاني إذا اختلفت فواجب أن يخالف بين أسمائها، لئلا يقع الاشكال، وليلوح البيان، ويصح الفهم والافهام، فبقي الرجوع عن الامر بإحداث أمر غيره فيسمى نسخا، وهو فعل من علم أن سيرفع أمره ويحيله.\rفإذا ورد الكلام لفظه لفظ الخبر،","part":4,"page":448},{"id":453,"text":"ومعناه معنى الامر، جاز النسخ فيه مثل قوله تعالى: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج) * وفي هذا تو جدمنا المعصية مثل قوله تعالى: * (مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا) * فإنما هذا أمر لنا بأن نؤمن كل من دخل مقام إبراهيم، وليس هذا خبرا، ولو كان خبرا لكان كذبا لانه قد قتل الناس حوله ظلما وعدوانا.\rقال أبو محمد: وموجود في كل لغة أن يرد الامر بلفظ الخبر، وبلفظ الاستفهام كقول القائل لعبده: أتفعل أمر كذا، أو ترى ما يحل بك ؟ وإنما ذلك أن الخبر عن الشئ إيجاب لما يخبر به عنه، والامر إيجاب لفعل المأمور به، فهذا اشتراك بين صيغة الخبر وصيغة الامر، فإذا قال قائل: حق عليك القيام إلى زيد، فهذا خبر صحيح البنية، معناه قم إلى زيد.\rوكذلك قوله تعالى: * (ولله على الناس حج\rالبيت من استطاع إليه سبيلا) * معناه ليحج الناس منكم من استطاع، وكذلك إذا قال القائل: قد أوجبت عليك القيام إلى زيد، فهذا خبر صحيح البنية، معناه قم إلى زيد، وكذلك قوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) * معناه صوموا، فما كان من الاخبار هكذا فالنسخ فيها جائز، وأما ما كان خبرا مجردا مثل: قام زيد وهذا عمرو، ووقع أمس خطب كذا، وزيد الآن قائم، وغدا يكون أمر كذا، فهو لا يجوز النسخ فيه البتة، لانه تكذيب لهذا الخبر والله تعالى منزه عن الكذب بإخباره تعالى أن قوله الحق، وبقوله تعالى: * (فالحق والحق أقول) * وهو موصوف بأنه ينسخ ويحيل ويبدل الامور بقوله تعالى: * (يمحو الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب) * وبقوله تعالى: * (تؤنى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء ونذل من تشاء) * وبقوله تعالى: * (يض من يشاء ويهدى من يشاء) * بإخباره تعالى أنه كل يوم في شأن وقد اختلف أ صحابنا في بعض الاوامر، أيجوز فيها النسخ أم لا، فقالوا: كل ما علم بالعقل فيجوز أن ينسخ مثل التوحيد وشبهه.\rقال أبو محمد: وهذا فاسد من القول، لانه مجمل لما لا يجوز مع ما لا يجوز ولكن يسأل قائل هذا القول، فيقال: ما أردت بقولك لا يجوز نسخ التوحيد ؟ فإن كنت تريد أنه بعد أن أعلمنا الله تعالى أنه لا ينسخ هذا الدين أبدا لا يجوز تبديله،","part":4,"page":449},{"id":454,"text":"وإن كنت تريد أنه لما سلف في سابق علم الله تعالى أنه لا ينسخه أبدا، علمنا أنه لا يجوز نسخه فنعم، هذا قوله صحيح، وهكذا إباحة الكبش، وتحريم الخنزير، وجميع شرائع الملة الحنيفة المستقرة، لا يجوز نسخ شئ منها أبدا، ولا فرق بين التوحيد وسائر الشرائع في ذلك البتة.\rوإن كنت تريد أنه تعالى غير قادر على نسخ التوحيد، أو أنه تعالى قادر على\rنسخه، والامر بالتثنية أو التثليث، إلا أنه لو فعل ذلك لكان ظلما وعبثا، فاعلم أنك مخطئ ومفتر على الله تعالى، لانك معجز له متحكم عليه، وقاض بأنك مدبر لخالقك عز وجل، وموقع له تحت رتب وقوانين بعقلك إن خالفها عبث وظلم.\rوهذا كلام يؤول إلى الكفر المجرد، والشرك المحض، مع عظيم ما فيه من الجهل والجنون.\rبل نقول: إن الله عز وجل قادر على أن ينسخ التوحيد، وعلى أن يأمر بالتثنية والتثليث وعبادة الاوثان، وأنه تعالى لو فعل ذلك لكان حكمة وعدلا وحقا، ولكان التوحيد كفرا وظلما وعبثا، ولكنه تعالى لا يفعل ذلك أبدا، لانه قد أخبرنا أن لا يحيل دينه الذي أمرنا به، فلما أمنا ذلك صار ما تبرأ الله منه كفرا وظلما وعبثا، وصار ما أمر به حقا وعدلا وحكمة فقط.\rوليس اعتقادنا التوحيد حقا ولا حكمة بذاته، دون أن يكون لله فيه أمر، ولكن إنما صار حقا وعدلا وحكمة، لان الله تعالى أمر به ورضيه، وسماه حقا وعدلا وحكمة فقط.\rفهذا دين الله عز وجل الذي نص عليه بأن يفعل ما يشاء وأنه: * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * وأنه لو أراد أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء، وهذا هو القول الذي دلت العقول على صحته وبطلان ما عداه لان العقل يشهد أن الله تعالى خلقه، وأنه كان تعالى حقا واحدا أولا، إذ لا نفس حيوانية ولا عقل مركب فيها ولا في غيرها، ولا جوهر ولا عرض، ولا عدد ولا معدود","part":4,"page":450},{"id":455,"text":"ولا رتبة من الرتب، وأنه تعالى خلق النفوس بعد أن لم تكن، وخلق العقول على ما هي عليه بعد أن لم تكن، ورتب فيها الرتب على ما هي عليه بعد أن لم يكن شئ منها، وأنه لو شاء أن يخلق العقول على غير ما هي عليه، وأن يرتب الامور فيها على خلاف ما رتبها لفعله، ولما تعذر ذلك عليه ولكان حينئذ هو الحق والعدل والحكمة، وما عداه الظلم والجور والعبث، لا معقب لحكمه.\rومن ادعى غير هذا، فقد ادعى أن رتبة العقل المجهول في النفس كانت موجودة، إذ لا عقل ولا نفس، وهذا عين التناقض والخبال والخلف والمحال، ومن أنار الله تعالى عقله وسيره لان يستضئ به، وتصور له حدوث العالم بعد أن لم يكن، أشرف على صحة ما ذكرناه وأيقنه وشاهده وعلمه ضرورة، ولم يكن عنه له محيد أصلا، ومن أصحب الله تعالى نفسه والحيرة، وتمييزه الضعف، تحير وتصور الامور بخلاف ما هي عليه، ولم يخرج إلى طرف وظن الظنون المردية، ولله تعالى الحمد على ما علم وهدى، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.\rقال أبو محمد: ومن بديع ما قطع أصحابنا على أنه لا يجوز نسخه، شكر المنعم، وأن كفر المنعم لا سبيل إلى إباحته في العقل أصلا.\rقال أبو محمد: فنسأل قائل هذا القول الفاسد فنقول له: ما تقول في رجل استنقذ طفلا قد أشرف الاسد على افتراسه فرباه ولا أب له ولا أم ولا مال فأحسن تربيته، ثم علمه العلوم وأكرمه وبره ولم يذله، ولا استخدمه، وموله وزوجه وخوله، ثم إن ذلك المحسن إليه زنى وهو محصن، وسرق وقذف، ثم تاب من كل ذلك وتعبد، ثم قامت عليه بذلك بينة عدل، وقدم إلى يتيمه - وهو بعد حاكم من حكام المسلمين، فما ترى أن يفعل فيه أيشكر فيعفو عنه ولا سيما وقد تاب ؟ أو يأمر بأن يوجع متناه بالسياط، ثم يقطع يده، ثم يأمر بشدخ هامته بالحجارة حتى يموت ؟ فإن قال: أرى أن يعفو عنه، كفر إن اعتقد ذلك أو فسق إن أشار بذلك غير معتقد له، وإن قال: أرى أن يوقع به أنواع العذاب الذي ذكرنا فقد ترك مذهبه الفاسد في ألا يكفر إحسان المنعم.\rفإن قال: إن هذا الفعل هو شكره على الحقيقة.\rقال خلاف ما ادعى أن العقل يوجبه، وسمى غاية الاساءة إحسانا، فإن رجع إلى أن يقول: إنما يحسن في العقول شكر المنعم","part":4,"page":451},{"id":456,"text":"الذي أمر الله تعالى بشكره، لا شكر المنعم الذي أمر الله تعالى بالاضرار به، وألا يقارض على إحسانه، رجع إلى الحق، وإلى أنه لا حسن إلا ما فعل الله تعالى، ولا قبيح إلا ما نهى الله عنه وهذا الذي لا يجوز غيره.\rوالعجب من ذهاب هؤلاء القوم عن نور الحق في هذه المسألة، وهم يسمعون الله تعالى يقول: * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبآءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) * وقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين) * فأوجب تعالى القيام عليهم بمر الحق، وإن أدى إلى صلبهم وقتلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وأعضائهم، وضربهم بالسياط، وشدخهم بالحجارة، وهتك أستارهم، وسبي نسائهم وذراريهم، وبيع أملاكهم وبيعهم مماليك وأخذ أموالهم، وإن كانوا آباءنا المحسنين إلينا إذا كفروا، فأين شكر المنعم، وبر الاب على الاطلاق ؟ وهذا كله محال.\rوإنما الذي يجب فهو بر الوالدين الابوين الذين أوجب الله برهما، وإنما الذي يجب أيضا فهو شكر المنعم الذي أمر الله بشكره، ولم يأمرنا الله تعالى ببر الوالدين لما وجب برهما ولا عقوقهما، ولو لم يأمرنا بشكر المنعم لما لزم شكره ولا كفره، كما لا يلزم بر الوالدين الحربيين أو المحاربين، وكذلك المنعم الحربي","part":4,"page":452},{"id":457,"text":"أو المحارب، ولو لم يأمرنا بالرحمة لما وجبت أيضا.\rكما أننا نضجع الخروف الصغير ونذبحه ونطبخ لحمه ونأكله ونفعل ذلك أيضا بالفصيل الصغير، ونثكل أمه إياه، ونولد عليها من الحنين والوله أمرا ترق قلوب سامعيه له، وتؤلم نفوس\rمشاهديها، وقد شاهدنا كيف خوار البقر وفعلها إذا وجدت دم ثور قد ذبح، وكل هذا حلال بلا مأمور به ويكفر من لم يستحله، ويجب بذلك سفك دمه، فأي فرق في العقول بين هذا وبين ذبح صبي آدمي لو أبيح لنا ذلك ؟ وقد جاء في بعض الشرائع أن موسى عليه السلام أمر في أهل مدين إذا حاربهم بقتل جميع أطفالهم أولهم عن آخرهم من الذكور، وقد سئل رسول الله (ص) عن أطفال المشركين يصابون في البيات، فقال: هم من آبائهم فهل في هذا كله شئ غير الامور الواردة من الله عز وجل ؟ وقد قال قوم: إذا جاء أمر بشريعة ما، وجاء على فعلها وعد وعلى تركها وعيد ثم نسخ ذلك الامر، فقد نسخ الوعد والوعيد عليه.\rقال أبو محمد: فيقال له وبالله تعالى التوفيق: لم ينسخ الوعد ولا الوعيد لانهما إنما كانا متعلقين بثبا ت ذلك الامر لا على الاطلاق، وإنما يصح النسخ فيها لو بقي ذلك الامر بحبسه، ثم يأت خبر بإسقاط ذلك الوعيد، وهذا ما لا سبيل إليه بعد ورود الخبر به.\rولا نسخ في الوعد ولا في الوعيد البتة، لانه كان يكون كذبا وإخلافا وقد تنزه الله تعالى عن ذلك، ولكن الآيات والاحاديث الواردة في ذلك مضموم بعضها إلى بعض، ولا يجوز أن نقتصر منها على بعض دون بعض، على ما بينا في كتاب الفصل، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: وقد غلط قوم غلطا شديدا، وأتوا بأخبار ولدها الكاذبون والملحدون، منها أن الداجن أكل صحيفة فيها آية متلوة فذهب البتة، ومنها أن قرآنا أخذه عثمان بشهادة رجلين، وشهادة واحدة، ومنها أن قراءات كانت على عهد رسول الله (ص) أسقطها عثمان، وجمع الناس على قراءة واحدة.\rقال أبو محمد: وهذا كله ضلال نعوذ بالله منه ومن اعتقاده، وأما الذي لا يحل اعتقاد سواه فهو قول الله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * فمن\rشك في هذا كفر، ولقد أساء الثناء على أمهات المؤمنين ووصفهن بتضييع","part":4,"page":453},{"id":458,"text":"ما يتلى في بيوتهن، حتى تأكله الشاة فيتلف، مع أن هذا كذب ظاهر، ومحال ممتنع، لان الذي أكل الداجن لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون رسول الله (ص) حافظا له، أو كان قد أنسيه، فإن كان في حفظه فسواء أكل الدواجن الصحيفة أو تركها، وإن كان رسول الله (ص) قد أنسيه فسواء أكله الداجن أو تركه قد رفع من القرآن، فلا يحل إثباته فيه كما قال تعالى: * (سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله) *.\rفنص تعالى على أنه لا ينسى أصلا شيئا من القرآن إلا ما أراد تعالى رفعه بإنسائه.\rفصح أن حديث الداجن إفك وكذب وفرية، ولعن الله من جوز هذا أو صدق به، بل كل ما رفعه الله تعالى من القرآن فإنما رفعه في حياة النبي (ص)، قاصدا إلى رفعه، ناهيا عن تلاوته إن كان غير منسي، أو ممحوا من الصدور كلها، ولا سبيل إلى كون شئ من ذلك، بعد موت رسول الله (ص)، ولا يجيز هذا مسلم، لانه تكذيب لقوله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * ولكان ذلك أيضا تكذيبا لقوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * ولكان ما يرفع منه بعد مو ت رسول الله (ص) خرما في الدين ونقصا منه، وإبطالا للكمال المضمون، ولكان ذلك مبطلا لهذه الفضيلة التي خصصنا بها، والفضائل لا تنسخ والحمد لله رب العالمين.\rوأما فعل عثمان رضي الله عنه: فلم يمت رسول الله (ص) إلا والقرآن مجموع كما هو مرتب، لا مزيد فيه ولا نقص ولا تبديل، والقراءات التي كانت على عهد رسول الله (ص) باقية كلها كما كانت، لم يسقط منها شئ، ولا يحل حظر شئ منها قل أو كثر.\rقال الله تعالى: * (إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) * ولبيانه هذا وتقصي الكلام\rفيه مكانه من باب الاجماع من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.\rقال أبو محمد: وقد قال قوم في آية الرجم: إنها لم تكن قرآنا، وفي آيات الرضعات كذلك.\rقال أبو محمد: ونحلا نأبى هذا، ولا نقطع أنها كانت قرآنا متلوا في الصلوات، ولكنا نقول: إنهكانت وحيا أوحاه الله تعالى إلى نبيه (ص) مع","part":4,"page":454},{"id":459,"text":"ما أوحى إليه من القرآن، فقر المتلو مثبوتا في المصاحف والصلوات، وقرئ سائر الوحي منقولا محفوظا معمولا به، كسائر كلامه الذي هو وحي فقط، ولسنا ننكر رفع آيات في عهد رسول الله (ص) من الصدور جملة، لقوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) * ولا نجيز ذلك بعد موته لقوله تعالى: * (نأت بخير منها أو مثلها) * فإنما اشترط الله تعالى لنا رفعها معلقا بأن يأتينا بخير منها أو مثلها، وهذا ما لا سبيل إليه بعد وفاة رسول الله (ص)، لان الاتيان بآية بعده لاسبيل إليه، إذ قد انقطع الوحي بموته، ومن أجاز ذلك فقد أجاز كون النبوة بعده، ومن أجاز ذلك فقد كفر وحل دمه وماله، ولا سبيل إلى أن ينسى عليه السلام شئ من القرآن قبل أن يبلغه، فإذا بلغه وحفظه للناس فلسنا ننكر أن ينساه عليه السلام، لانه بعد محفوظ مثبت، وقد جاء مثل ذلك في خبر صحيح، أنه سمع رجلا يتلو القرآن فدعا له بالرحمة، وأخبر عليه السلام أنه أذكره آية كان نسيها، ولانه قبلغه كما أمر.\rكما حدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب قالا: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، أن النبي (ص) سمع رجلا يقرأ من الليل فقال: رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت اسقطتها من سورة كذا وكذا\rورواه عبدة وأبو معاوية عن هشام: أذكرني آية كنت أنسيتها.\rفصل هل يجوز نسخ الناسخ قال أبو محمد: ولا فرق بين أن ينسخ تعالى حكما بغيره، وبين أن ينسخ ذلك الثاني بثالث، وذلك الثالث برابع، وهكذا كل ما زاد كل ذلك ممكن إذا وجد برهان على صحته، وقد جاء في بعض الآثار، أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فكان عاشوراء فرضا، ثم نسخ فرضه بصيام رمضان، بشرط أن من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا وأفطر هو، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصيام على الحاضر المطيق الصحيح البالغ العاقل، وكان من نام لا يحل له الاكل ولا الوطئ، ثم نسخ ذلك بإباحة كل ذلك في الليل والحظر لصيام الليل","part":4,"page":455},{"id":460,"text":"إلى الفجر، وقد أوردنا في كتاب النكاح من ديواننا الكبير المسمى بالايصال - بأصح أسانيد - أن نكاح المتعة أباحه الله تعالى، ثم نسخه، ثم أباحه ثم نسخه، ثم أباحه ثم نسخه إلى يوم القيامة.\rفصل في مناقل النسخ قال أبو محمد: مراتب الاوامر في الشريعة كلها خمسة لا سادس لها، وهي: حرام: وهو الطرف الواحد، وفرض: وهو الطرف الثاني، وبين هذين الطرفين ثلاث مراتب، فيلي الحرام مرتبة الكراهة، وهي الاشياء التي تركها خير من فعلها إلا أن من تركها أجر، ومن فعلها لم يأثم وذلك نحو الاكل متكئا، والتمسح من الغسل في ثوب معد لذلك، وما أشبه ذلك.\rويلي مرتبة الفرض مرتبة الندب، وهي الاشياء التي فعلها خير من تركها، إلا أن من فعلها أجر، ومن تركها غير راغب عنها لم يأثم وفي هذا الباب يدخل التطوع كله بأفعال الخير وبين هاتين المرتبتين مرتبة المباح المطلق، وهو ما تركه\rوفعله سواء، إن فعله لم يؤجر ولم يأثم، وإن تركه لم يؤجر ولم يأثم، كجلوس الانسان مربعا أو مرفوع الركبة الواحدة، وصباغة ثوبه أخضر أو أسود، وحسه الشئ بيده وما أشبه ذلك، فإذا نسخ الفرض نظر، فإن كان بلفظ لا تفعل بعد أن أمرنا بفعله فهو منتقل إلى التحريم، لان هذه صيغة للتحريم.\rوإن نسخ بأن قال: * (لا جناح عليكم) * أو بلفظ تخفيف، أو بترك أو بفعل، لم ينتقل إلا إلى أقرب المراتب وهو الندب، وذلك مثل صيام عاشوراء، فإنه لما نسخ وجوبه انتقل إلى الندب، وكذلك إن نسخ التحريم فإن كان نسخه بلفظ * (افعل) * انتقل إلى الفرض، لان هذه صيغة الفرض وإن نسخ * (بلا جناح) * أو بتخفيف، انتقل إلى أقرب المراتب إليه وهي الكراهة، أو الندب بلفظ * (افعل) * انتقلا إلى الفرض.\rفإن نسخا بلفظ * (لا تفعل) * انتقلا إلى التحريم، فإن نسخا بتخفيف، انتقلا إلى الاباحة المطلقة، لان الاباحة أقرب إليهما من الفرض والتحريم، لان المكروه والمندوب إليه مباحان، ولكنهما معلقان بشرط كما ترى، وقد نسخ تحريم وطئ النساء بعد النوم في ليالي","part":4,"page":456},{"id":461,"text":"الصوم إلا الاباحة بالندب، ونسخ المنع من القتال بإيجابه ونسخ فرض استقبال بيت المقدس بالتحريم، وقد نسخ فرض بفرض آخر، كنسخ حبس الزواني إلى الجلد والرجم، أو الجلد والتغريب.\rفصل في آية ينسخ بعضها، ما حكم سائرها ؟ قال أبو محمد: إذا جمعت الآية أو الحديث حكمين فصاعدا، فجاء نص أو إجماع بنسخ أحد الحكمين، أو تخصيصه أو إخراجه إلى الندب، وقف عنده، ولم يحل لمسلم أن يقول: إن الحكم الآخر منسوخ من أجل هذا الحكم المذكور معه في الآية أو الحديث، ولا أنه مخصوص، ولا أنه ندب، بل يبقى على حكمه\rكما كان، وعلى ما يوجبه ظاهره لقول الله عز وجل: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) *.\rومن ادعى أن هذا الحكم مرتبط بيانه أو نسخه بحكم آخر فقد افترى على الله عز وجل، وادعى ما لا دليل عليه، ولزمه أن متى وجد في سورة واحدة آية منسوخة، أن يقول: إن تلك السورة منسوخة كلها من أجل الآية المنسوخة منها، ولزمه ما هو أفحش من هذا، وهو أن يقول: إن القرآن كله منسوخ من أجل وجوده فيه أحكاما كثيرة منسوخة.\rولا فرق بين عطف حكم على حكم وبين عطف آية على آية، ولا فرق بين ذكر حكمين في آية، وبين ذكرهما في سورة، فإذوجب أن يكون أحد الحكمين المذكورين في الآية منسوخا لزم مثل ذلك في أحكام السورة كلها، لان الحكم المذكور معها منسوخ أيضا ولا فرق، وهذا إبطال للشريعة جملة وخروج عن الاسلام ومن الله تعالى العافية علينا من ذلك، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: مثال ذلك قوله تعالى: * (واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) * ثم نسخ تعالى الامساك في البيوت وأثبت استشهاد الاربعة.\rوقد نهى رسول الله (ص) عن مهر البغي وحلوان الكاهن وكسب الحجام وثمن الكلب، فخرج كسب الحجام عن التحريم بحديثه عليه السلام أطعمه رقيقك وناضحك، فيلزم من خالفنا أن يبيح من أجل ذلك مهر البغي","part":4,"page":457},{"id":462,"text":"وحلوان الكاهن، وهذا ما لا يقوله مسلم، وقد قال الطحاوي: إن النهي عن ثمن الكلب منسوخ بنسخ إيجاب قتل الكلاب.\rقال أبو محمد: ولا أدري في أي عقل أم في أي نص وجد هذا الرجل أنه إذا حرم قتل حيوان حل بيعه أتراه جهل أن يبيعه وبيع كل حر حرام وقتله حرام،\rما لم يقترف ما حل دمه ؟ إن هذه لغباوة شديدة وعصبية لمذهبه الفاسد قبيحة.\rونعوذ بالله من التقليد المؤدي إلى القول على الله تعالى بمثل هذا بغير علم ولا هدي ولا كتاب منير، وليت شعري ما الفرق بينه وبين من عارضه فقال: بل لما حرم الله أكلها حرم بيعها ؟ فصل في كيف يعلم المنسوخ والناسخ مما ليس منسوخا قال أبو محمد: لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شئ من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين، لان الله عز وجل يقول: * (وما أرسلنا من رسول ألا ليطاع بإذن الله) * وقال تعالى: * (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) * فكل ما أنزل الله تعالى في القرآن أو على لسان نبيه ففرض اتباعه، فمن قال في شئ من ذلك إنه منسوخ.\rفقد أوجب ألا يطاع ذلك الامر، وأسقط لزوم اتباعه، وهذه معصية لله تعالى مجردة، وخلاف مكشوف، إلا أن يقوم برهان على صحة قوله، وإلا فهو مفتر مبطل.\rومن استجاز خلاف ما قلنا فقوله يؤول إلى إبطال الشريعة كلها، لانه لا فرق بين دعواه النسخ في آية ما أو حديث ما، وبين دعوى غيره النسخ في آية أخرى، وحديث آخر، فعلى هذا لا يصح شئ من القرآن والسنة، وهذا خروج عن الاسلام، وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه، فإذا قد صح ذلك وثبت، فلنقل في الوجوه التي بها يصح نسخ الآية أو الحديث، فإذا عدم شئ من تلك الوجوه، فقد بطلت دعوى من ادعى النسخ في شئ من الآيات أو الاحاديث.\rقال أبو محمد: فإذا اجتمعت علماء الامة - كلهم بلا خلاف من واحد منهم - على نسخ آية أو حديث فقد صح النسخ حينئذ، فإن اختلفوا نظرنا، فإن وجدنا الامرين لا يمكن استعمالهما معا، أو وجدنا أحدهما كان بعد الآخر بلا شك، أو","part":4,"page":458},{"id":463,"text":"وجدنا نصا جليا على منسوخ، ووجدنا نصا في ذلك من نهي بعد أمر أو أمر بعد نهي أو نقل من مرتبة إلى مرتبة على ما قدمنا - فقد أيقنا بالنسخ، مثل قوله عليه السلام: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الانتباذ في الاسقية فانتبذوا وأباح الانتباذ في كل ظرف، ومثل قول جابر: كان آخر الامرين من رسول الله (ص) ترك الوضوء مما مست النار، ومثل ما روي أنه رخص في الحجامة للصائم، والترخيص لا يكون إلا بعد النهي، والحجامة هكذا فعل الحاجم والمحجوم معا، فهذان وجهان.\rأو نجد حالا قد أيقنا بإبطالها وارتفاعها، وحالا أخرى قد أيقنا بنزولها ووجوبها ورفعها للحال الاولى، ثم جاء نص من قرآن أو حديث موافق للحال المرفوعة التي قد سقطت بيقين، إلا أننا لا ندري هل جاء هذا النص - الموافق لتلك الحال المرفوعة - قبل مجئ الحال الرافعة أو بعدها ؟ فإذا كان مثل هذا ففر ض ألا يترك ما أيقنا بوجوبه علينا، وصح عندنا لزومه لنا، وحرم علينا أن نرجع إلى حال قد أيقنا بارتفاعها عنا، وصح عندنا بطلانها إلا بنص جلي راد لنا إلى الحالة الاولى، ورافع عنا الحالة الثانية.\rومن تعدى هذا فقد قفا ما لا علم له به وترك الحق واليقين، واستعمل الشك والظنون، وذلك ما لا يحل أصلا، فكيف وقول الله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * وقوله تعالى: * (قد تبين الرشد من الغي) * وقوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي) * شواهد قاطعة بأنه لا يجوز البتة أن يكون الله تعالى تركنا في عمياء وضلالة لا ندري معها أبدا، هل هذا الحكم منسوخ أو غير منسوخ، هذا أمر قد أمنا وقوعه أبدا، إذ لو كان ذلك لكان الدين قد بطل أكثره، ولكننا في شك متصل لا ندري أنعمل بالباطل في نصوص\rكثيرة من القرآن والسنن، أم نعمل بالحق وهل نحن في طاعات كثيرة لله تعالى ولرسوله (ص) على ضلال أو على هدى ؟ حاشا لله من هذا.\rفصح يقينا أن كل تيقنا بطلانه فهو باطل أبدا، بلا شك حتى يأتي نص ثابت بأنه قد عاد بعد بطلانه هكذا ولا بد، وإلا فلا، والحمد لله رب العالمين.\rفمن هذا الباب ما قد أيقنا من أن إباحة زواج أكثر من أربع نسوة قد ارتفعت، وأن نكاح أكثر من أربع حرام على كل أحد - بعد رسول الله (ص) بيقين، وقد","part":4,"page":459},{"id":464,"text":"جاء حديث بتخيير من أسلم وعنده أكثر من أربع فكان هذا الحديث موافقا لحال ما نسخ من ترك التحريم لزواج أكثر من أربع، وما كان عليه من أسلم وعنده أكثر من أربع، لانهم نكحوهن وذلك غير محظور عليهم، فلما نزل التحريم خيروا في أربع منهن، وكان من ابتدأ نكح خامسا فصاعدا، وأكثر من أربع معا، أو أختين، أو أم وابنتها بعد نزول تحريم كل ذلك - عاصيا لله عز وجل، وعاملا عملا ليس عليه أمره فهو رد ففعله ذلك كله مردود.\rوعقده ذلك فاسد مفسوخ محلول غير ماض أصلا، فصح بذلك ارتفاع التخيير، وأنه إنما كان ذلك للذين نكحوا أكثر من أربع قبل أن يحظر ذلك، وأيضا فلو صح تخيير من ابتدأ نكاح خمس في كفر بعد ورود النهي عن ذلك لما كافي ذلك إباحة تخيير من أسلم، وعنده أختان أو حريمتان، ومع ذلك أيضا: أننا قد أيقنا أنه قد كان في صدر الاسلام: إذا نام الرجل في ليل رمضان، حرم عليه الوطئ والاكل والشرب، ثم نسخ ذلك وجاء حديث أبي هريرة عن الفضل بن عباس عن النبي (ص) بأن من أدركه الصبح وهو جنب فقد أفطر، فكان هذه الحديث موافقا لتلك الحال المنسوخة، وقد أيقنا برفعها وبإباحة الوطئ إلى تبين طلوع الفجر، فلا سبيل إلى الرجوع إلى حظر الوطئ إلا ببيان جلي.\rومن ذلك أننا قد أيقنا بأن الوصية لم تكن مدة من صدر الاسلام فرضا،\rثم أيقنا نزول وجوب الوصية للوالدين والاقربين، ثم جاء حديث عمران بن الحصين في الستة الاعبد، فكان هذا الحديث موافقا للحال المرفوعة من ألا يلزم المرء أن يوصي لوالديه وأقربيه فلم يجز لنا أن نرفع به حكم الآية التي أيقنا أنها ناسخة للحال الاولى، ولا جاز لنا أن نرجع إلى حالة قد أيقنا أنها حظرت علينا إلا بنص جلي.\rإن هذا الحديث كان بعد نزول الآية، وبأن أولئك الاعبد لم يكونوا أقارب الموصي بعتقهم، ولا سبيل إلى وجود بيان بذلك أبدا، وبالله تعالى التوفيق.\rفصح أن كل ما كان في معنى الحال المتقدمة - من إباحة ترك الوصية للوالدين والاقربين - منسوخ بيقين، ولم يصح أنه عاد بعد أن نسخ، ولا يحل الحكم بالظنون، وأيضا فقد ملك قوم من العرب أقاربهم، وقد كان هراسة أخا عنترة، واستلحف شداد عنترة، وكان هراسة عبدا لاخيه، وقد كان في نساء الصحابة رضي الله عنهم من باعها عمها أخو أبيها، وهي أم ولد أبي اليسر الانصاري.\rقال أبو محمد: ومن استجاز أن يترك اليقين من الآية المذكورة، بأن يقول: لعل حديث عمران في الاعبد الستة نسخها، فليقنعوا من أصحاب أبي حنيفة بقولهم: لعل حكم","part":4,"page":460},{"id":465,"text":"العرايا نسخ بالنهي عن المزابنة، وبقولهم: لعل القصا ص بغير نسخ بالنهي عن المثلة، وليقولوا بقول من منع أن يمسح على الخفين، وقال: لعل ذلك نسخ بآية الوضوء التي بالمائدة، وليأخذوا بقول ابن عباس في إباحة الدرهم بالدرهمين، ويقولوا: لعل النهي عن ذلك نسخ بقوله عليه السلام: إنما الربا في النسيئة وليأخذوا بقول عثمان البتي في إبطال العاقلة، ويقولوا: لعحكم العاقلة نسخ بقوله تعالى: * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى) * وليبطلوا السلم ويقولوا: لعله نسخ بنهيه عليه السلام عن بيع ما ليس عندك، ويستحلوا أكل الحمير والسباع ويقولوا: لعل النهي عنها منسوخ، بقوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما) * الآية.\rفإن أبوا من كل ما ذكرنا، وقالوا: لا نقول في شئ من ذلك إنه منسوخ إلا بيقين فكذلك يلزمهم أن يقولوا أيضا بقول ابن عباس: إن الآية القصرى نسخت الآية الطولى فيوجبوا خلود القاتل من المسلمين في نار جهنم أبدا، فإن أبوا ألزمهم مثل ذلك في آية الوصية ولا فرق.\rوكذلك القول فيمن قال في رضاع سالم، فإنه لما كان مرتبطا بالتبني وكان التبني منسوخا، بطل حكم التعلق به لبطلانه، وكل سبب بطل فإن مسببه يبطل بلا شك، فإن هذا أيضا خطأ، لانه لم يأت نص ولا إجماع ولا ضرورة مشاهدة بأن هذا الحكم مخصوص به التبني فقط، بل هو عموم على ظاهره ولا يجوز تخصيصه بالدعوى بلا نص ولا إجماع.\rفهذه الوجوه الاربعة لا سبيل إلى أن يعلم نسخ آية أو حديث بغيرها أبدا، إما إجماع متيقن، وإما تاريخ بتأخر أحد الامرين عن الآخر مع عدم القوة على استعمال الامرين، وإما نص بأن هذا الامر ناسخ للاول وأمر نتركه، وإما يقين لنقل حال ما فهو نقلي لكل ما وافق تلك الحال أبدا بلا شك.\rفمن ادعى نسخا بوجه غير هذه الوجوه الاربعة فقد افترى إثما عظيما وعصى عصيانا ظاهرا، وبالله تعالى التوفيق.\rفمما تبين بالنص أنه منسوخ قوله تعالى: * (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) * ثم قال تعالى: * (فلنولينك قبلة ترضاها) * فهذا تأخير لائح أن القبلة التي كانت قبل هذه منسوخة وأن التوجه إلى الكعبة كان بعد تلك القبلة.\rوهذا أيضا له إجماع، ومثل قوله تعالى: * (فالآن باشروهن) * فنسخ بذلك النهي عن الوطء في ليل رمضان، ومثل قوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * نسخ به قوله تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) * وهذا نقل مسند إلى النبي (ص) بإجماع، يعني نسخ إباحة","part":4,"page":461},{"id":466,"text":"الفطر، والاطعام، من ندب إلى فرض ومثل نسخ قيام الليل، فإنه نسخ بالنص المنقول\rبإجماع من فرض إلى ندب.\rقال أبو محمد: وقد ادعى قوم في قوله تعالى: * (ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) *.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ لانه ليس إجماعا، ولا فيه بيان نسخ، ولا نسخ عندنا في هذه الآيات أصلا، وإنما هي فرض البراز للمشركين، وأما بعد اللقاء فلا يحل لواحد منها أن يولي دبره جميع من على وجه الارض من المشركين إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - على ما نبين في موضعه إن شاء الله تعالى - أو من كان مريضا أو زمنا بقوله تعالى: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله) *.\rفإن قالوا: إن الضعيف القلب معذور لانه دخل في جملة الضعفاء قيل لهم: هذا خطأ لان من رضي أن يكون مع الخوالف لضعف قلبه، ملوم بالنص غير معذور، وأيضا فإن ضعف القلب قد نهينا عنه بقوله تعالى: * (ولا تهنوا) * ولا يجوز أن يكون تعالى أراد وهن البدن، لانه لا يستطاع دفعه أصلا والله تعالى لا يكلف إلا ما نطيق، وضعف القلب مقدور على دفعه ولو أراد الجبان أن يثبت لثبت، ولكنه آثر هواه والفرار على ما لا بد له من إدراكه من الموت الذي لا يعدو وقعه ولا يتقدم ولا يتأخر وهذا بين وبالله تعالى التوفيق.\rوالعجب ممن يقول: إن هذه الآية مبيحة لهروب واحد أمام ثلاثة فليت شعري من أين وقع لهم ذلك ؟ وهل في الآية التي ذكروا فرارا أو تولية دبر بوجه من الوجوه، أو إشارة إليه ودليل عليه ؟ ما في الآية شئ من ذلك البتة، وإنما فيها أخبار عن الغلبة فقط، بشرط الصبر، وتبشير بالنصر مع الثبات.\rولقد كان ينبغي أن يكون أشد الناس حياء من الاحتجاج بهذه الآيات في إباحة الفرار عن ثلاثة: أصحاب القياس المحتجين علينا بقول الله تعالى: * (ومن أهل الكتاب\rمن إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) * ويقو ل لنا: إن ما فوق القنطار بمنزلة القنطار، فهلا جعلوا ههنا ما فوق الاثنين، بمنزلة الاثنين ولكن هكذا يفعل الله بمن ركب ردعه واتبع هواه وأضرب عن الحقيقة جانبا.\rوأما نحن فلو رأينا في الآيات المذكورة ذكر إباحة فرار لقلنا به، ولسلمنا","part":4,"page":462},{"id":467,"text":"لامر ربنا، ولكنا لم نجد فيها لاباحة الفرار أثرا ولا دليلا بوجه من الوجوه، وإنما وجدنا فيها أننا إن صبرنا غلب المائة منا المائتين، وصدق الله عز وجل، فليس في ذلك ما يمنع أن يكون أقل من مائة أو أكثر من مائة يغلبون العشرة آلاف منهم وأقل وأكثر، كما قال تعالى: * (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) * وهكذا كله إخبار عن فعل الله تعالى ونصره عز وجل لمن صبر منا فتلك الآية التي فيها أن المائة منا تغلب المائتين، وهي إخبار عن بعض ما في الآية التي فيها أن المائة منا تغلب الالف، وهاتان الآيتان معا هما إخبار عن بعض ما في الآية التي فيها: * (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) * فلم يخص في هذه الآية عددا من عدد، بل عم عموما تاما.\rفإن قال قليل التحصيل: فأي معنى لتكرار ذلك وما فائدته ؟.\rقيل له: قد ذكرنا الجواب عن هذا الفضول من السؤال السخي ف، في باب دليل الخطاب من ديواننا هذا، ولكن لا بد من إيراد بعض ذلك، لورود هذا السؤال فيقول وبالله تعالى التوفيق: هذا اعتراض منك على الله عز وجل، والمعنى في ذلك والفائدة كالمعنى والفائدة في تكرار قصة موسى عليه السلام في عدة مواضع بعضها أتم في الخبر من بعض، وبعضها مساو لبعض، وكما كرر تعالى العنب والرمان والنخل بعد ذكر الفاكهة، وكما كرر تعالى: وأقيموا الصلاة والصلاة الوسطى، بعد ذكر المحافظة على جميع الصلوات.\rوكما كرر تعالى: فبأي\rآلاء ربكما تكذبان في سورة واحدة إحدى وثلاثين مرة: ولم يكررها ثلاثين مرة، لا ثمانية وعشرين مرة.\rولا كررها أيضا في غير تلك السورة، وكما أخبر تعالى في مكان بأنه رب السموات والارض وما بينهما في مكان آخر بأنه رب الشعرى، ولم يذكر معها غيرها.\rولا يسأل رب العالمين عما قال ولا ما فعل، وإنما علينا الايمان بكل ما أتى من عند الله وقبوله كما هو، واعتقاده في موجبه ولا نتعداه، ولنا الاجر على الاقرار به، وعلى تلاوته، وعلى قبوله كما ذكرنا.\rفأي حظ أعظم من هذا الحظ المؤدي إلى الجنة وفوز الابد، وهل يبتغي أكثر من هذا الامر إلا من لا عقل له ولا يسأل الله عما يفعل إلا ملحد أو جاهل أو سخيف أو فاسق، لا بد من أحد هذه، وما فيها حظ لمختار.","part":4,"page":463},{"id":468,"text":"فإن قال قائل: فما معنى قول الله تعالى: * (الآن خفف الله عنكم) * في الآيات المذكورات.\rوما هذا التخفيف ؟ وهو شئ قد خاطبنا الله تعالى به وامتن به علينا فلا بد من طلب معناه والوقوف على مقدار النعمة علينا في ذلك، وما هذا الشئ الذي خفف عنا، لنحمد الله تعالى عليه، ونعرف وجه الفضل علينا فيه.\rفالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن هذا السؤال صحيح حسن، ووجه ذلك أن أول الآية يبين وجه النعمة عليه وموضع التخفيف، وهو قوله تعالى: * (حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) * فكان في هذه الآية التحريض لنا على قتالهم، وإيجاب نهوضنا إليهم وهجومنا على ديارهم، ونحن في عشر عددهم، هذا هو ظاهر الآية ومفهومها الذي لا يفهم منها أحد غير ذلك ثم خفف عنا تعالى ذلك وجعلنا في سنة من ترك التعرض للقصد إلى محالهم، إذا كان المقاتلون من الجهة المقصودة أكثر من ضعيفنا، وكنا بالآية الاولى في حرج إن لم نغزهم ونحن في عشر عددهم، فنحن الآن في حرج إن لم نقصدهم إذا كان\rالمقاتلون من الجهة المقصودة مثلينا فأقل، فإن كانوا ثلاثة أمثالنا فصاعدا فنحن في سعة من أن لا نقصدهم ما لم ينزلوا بنا، وما لم يستنفر الامام أو أميره، إلا أن نختار النهوض إليهم وهم في أضعاف عددنا.\rفأي هذه الوجوه الثلاثة كان قد حرم علينا الفرار جملة، ولو أنهم جميع أهل الارض والملاقي لهم مسلم واحد فصاعدا، فهذا هو وجه التخفيف.\rوبهذا تتآلف الآيات المذكورة مع قوله تعالى: ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ومع قول رسول الله (ص): فإذا استنفرتم فانفروا ومع إجماع الامة على أنه إذا نزل العدو ساحتنا، ففرض علينا الكفاح والدفاع.\rوأيضا فقول الله عز وجل: * (الان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) * يبين وجه التخفيف، وإنما هو عن فيه ضعف فقط، فصار هذا التخفيف إنما هو عن الضعفاء فقط كقوله تعالى: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) * الاية.\rومن النسخ الذى بينه النص قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنقول","part":4,"page":464},{"id":469,"text":"بالاجماع، لا وصية لوارث فنسخ بذلك الوصية للوالدين والاقربين الذين يرثون، وبقي الولدان والاقربون الذين لا يرثون على وجوب فرض الوصية لهم.\rقال أبو محمد: وقد بينا في كتابنا هذا في باب الكلام في الاخبار المأثورة عن النبي (ص) في فصل أفردناه للكلام فيما ادعاه قوم من تعارض الاخبار - كلاما استغنينا عن تكراره ههنا، فيه بيان غلط قوم فيما ظنوه نسخا وليس بنسخ، ولكن اكتفينا بأن نبهنا عليه ههنا لانه لا غنى بمزيد معرفة فقه النسخ عنه وبالله تعالى التوفيق.\rفصل\rلا يضر كون الآية المنسوخة متقدمة في الترتيب قال أبو محمد: ولا يضر كون الآية المنسوخة - في ترتيب المصحف في الخط والتلاوة - متقدمة في أول السورة أو في سورة متقدمة في الترتيب.\rوتكون الناسخة لها في السورة أو في سورة متأخرة في الترتيب، لان القرآن لم ترتب آياته وسوره على حسب نزول ذلك، لكن كما شاء ذو الجلال والاكرام منزله.\rلا إله إلا الله.\rومرتبه الذي لم يكل ترتيبه إلى أحد دونه.\rفأول ما نزل من القرآن: * (اقرأ باسم ربك الذى خلق، الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) * ثم * (يأيها المدثر فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) * وهما متأخرتان قرب آخر المفي الخط والتلاوة، وآخر ما نزل آية الكلالة في سورة النساء، وسورة براءة، وهما في صدر المصحف في الخط والتلاوة، فلا يجوز مراعاة رتبة التأليف في معرفة الناسخ والمنسوخ البتة.\rوقد نسخ الله قوله تعالى: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج) * بقوله تعالى * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن اربعة اشهر وعشرا) * بإجماع الامة كلها، والناسخة في المصحف في الخط والتلاوة والترتيب والتأليف قبل المنسوخة، وفي هذا كفاية، وبالله تعالى التوفيق.","part":4,"page":465},{"id":470,"text":"فصل: في نسخ الاخف بالاثقل والاثقل بالاخف قال قوم من أصحابنا ومن غيرهم: لا يجوز نسخ الاخف بالاثقل.\rقال أبو محمد: وقد أخطأ هؤلاء القائلون.\rوجائز نسخ الاخف بالاثقل والاثقل بالاخف، والشئ بمثله، ويفعل الله ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، وإن احتج محتج بقوله الله تعالى: * (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) * وبقوله تعالى: * (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) * وبقوله تعالى: * (وما\rجعل عليكم في الدين من حرج) * وبقوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها) * فالا حجة لهم في شئ من ذلك، أما قوله تعالى * (يريد اله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) * (وما جعل عليكم في الذين من حرج) * فنعم، دين الله كله يسر، والعسر والحرج هو ما لا يستطاع، أما ما أستطيع فهو يسر وأما قوله تعالى * (يريد الله أن يخفف منه ولا ثقيل البتة إلا وهو خفيف بالإضافة إلى ما هو أثقل منه هذا أمر يعلم حسا ومشاهدة، ولا ولا يشك ذو عقل أن الصلوات الخمس المفروضة علينا أخف من خمسين صلاة، وأنها لو كانت صلاة واحدة كانت أخف علينا من الخمس، وقد خفف الله تعالى عن المسافر فجعلها ركعتين وعن الخائف فجعلها ركعة واحدة، ولو شاء ألا يكلفنا صلاة أصلا لكان أخف بلاشك.\rوقد نص الله تعالى في الصلاة على أنها كبيرة إلا على الخاشعين، ولا يشك ذعقل وحس أن صيام شهر أخف من صيام عام، وأن صيام ساعة أخف من صيام يوم، فكل ما كلفنا الله تعالى فهو يسر وتخفيف بالاضافة إلى ما هو أشد مما حمله من كان قبلنا، كما قال الله تعالى آمرا لنا أن ندعوه فنقول: * (ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا وما لا طاقة لنا به) *.\rوكما نص تعالى أنه وضع بنبيه (ص) الاصر الذي كان عليهم، والاغلال التي كانوا يطوقونها، إذ يقول تعالى: * (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم","part":4,"page":466},{"id":471,"text":"عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم) * فهذا هو عين اليسر وعين التخفيف وإسقاط الحرج، وأين يقع ما كلفناه نحن مما كلفه بعض قوم موسى، من قتل أنفسهم بأيديهم،\rفكل شئ كلفناه يهون عند هذا، وكذلك ما في شرائع اليهود من أنه من خطر على ميت تنجس يوما إلى الليل، وسائر الثقائل التي كلفوا وحرم عليهم، وخفف عنا ذلك كله.\rولله الحمد والمنة.\rوأما قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * فإنما معناه بخير منها لكم، وكلام الله لا يتفاضل في ذاته، فمعناه أكثر أجرا.\rولو احتج بهذه الآية من يستجيز أن يقول: لا ننسخ الاخف إلا بالاثقل لكنا أقوى شغبا ممن خالفه، لانه لا خلاف أن الاثقل فاعله أعظم أجرا وقد قال عليه السلام لعائشة في العمرة: هي على قدر نصبك ونفقتك كانت الناسخة أعظم أجرا، فلا يكون ذلك إلا لثقلها، فهذه الآية عليهم لا لهم فسقط احتجاجهم بكل ما شغبوا به.\rثم نقول: إن من قال: إن الله تعالى إنما يلزمنا أخف الاشياء: فإنه يلزمه إسقاط الشرائع كلها، لانها كلها ثقال بالاضافة إلى ترك عملها، والاقتصار على عمل جزء من كل عمل منها، وهذا شئ يعلم بالحس والمشاهدة.\rفصار قول من خالفنا مؤديا إلى الخروج عن الاسلام جملة ولا عمل في الدنيا إلا وفيه كلفة ومشقة.\rوقد قال الشاعر: هل الولد المحبوب إلا تعلة وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل وفي الاكل والشرب مشقة، فلو أن الانسان يصل إلى ذوق الطعوم المستطابة والشبع، دون تكلف تناول ومضغ وبلع، لكان أخف عليه وأقل مشقة وأيسر غررا، فرب مختنق بأكله كان في ذلك حتفه، أو الاشراف على الحتف.\rورب متأذ بما يدخل من ذلك في جوفه، وبما يدخل بين أضراسه، ومغث لمعدته","part":4,"page":467},{"id":472,"text":"فيتقيأ فيألم لذلك، ومن ملوث لثوبه بما يسقط من يده ولو تتبعنا ما في اللذات\rمن عسر ومشقة لطال ذلك جدا، فكيف بالاعمال المكلفة.\rولكن العسر والمشقة تتفاضل، فإنما رفع الله عز وجل عنا في بعض المواضع ما لا نطيق، وخفف تعالى في بعضها تخفيفا أكثر من تخفيف آخر.\rوقد جاء في الاثر: حفت الجنة بالمكاره فبطل بهذا الحديث نصا قول من قال: إن الله تعالى لا ينسخ الاخف بالاثقل.\rوصح أن الله تعالى يفعل ما يشاء فينسخ الاخف بالاثقل، والاثقل بالاخف، والشئ بمثله، والشئ بإسقاطه جملة، ويزيدنا شريعة من غير أن يخفف عنا أخرى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل.\rفإن اعترضوا بقوله تعالى: * (الآن خفف الله عنكم) * فهذه حجة عليهم بينة لا محيد عنها، لان التخفيف لا يكون إلا بعد تثقيل، فإذا ثقل علينا تعالى أولا فما الذي يمنع من أن يثقل علينا آخرا إن شاء.\rوقد كنا برهة خالين من ذلك التثقيل الاول ثم ثقلنا به، فما المانع من أن يعود علينا ثانية كما كان أولا وأن نزاد تثقيلا آخر أشد منه، ويكفي من هذا كله وجودنا ما لا سبيل لهم إلى دفع نسخه تعالى أشياء خفافا بأشياء ثقال.\rفمن ذلك نسخه تعالى صيام يوم عاشوراء بصيام شهر رمضان، ونسخ إباحة الافطار في رمضان، وإطعام مساكين - بدل ما يفطر من أيامه - بوجوب صيامه فرضا على كل حاضر صحيح بالغ عاقل عالم بالشهر، ولزوم الصيام فيه، ونسخ سقوط الغسل عن المولج العامد الذاكر لطهارته بإيجاب الغسل عليه، ونسخ تعالى إباحة الكلام للمصلي بعد أن كان حلالا بتحريمه، وقد كان الكلام فيها فيما ناب الانسان أخف بلا شك، ونسخ تعالى سقوط فرض الجهاد وبيعة المسلمين لرسول الله (ص) على بيعة النساء بإيجاب القتال، وحرم الخمر بعد إحلالها وقال تعالى: * (كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه) * فصح أنه تعالى حرم عليهم أشياء كانت لهم حلالا وقد كان المنسوخ من كل ما ذكرنا أخف من الناسخ بالحس والمشاهدة.\rوقد بين الله تعالى ذلك بإخباره\rأن في الخمر والميسر منافع للناس، فأبطل تعالى علينا تلك المنا فع ولا يشك ذو عقل أن عدم المنفعة أثقل من وجودها.\rونسخ تعالى الاذى والحبس عن","part":4,"page":468},{"id":473,"text":"الزواني والزناة والرجم والتغريب، ولا شك عند من له عقل أن الحجارة والسياط أثقل من السب والسجن.\rوقد اعترض بعض من يخالف قولنا في هذه المسألة بأن قال في نسخ الحبس عن الزواني: إن الحبس لم يكن مطلقا، وإنما كان مقيدا بوقت منتظرا لقوله تعالى: * (أو يجعل الله لهن سبيلا) *.\rقال أبو محمد: وهذا الاعتراض ساقط من وجوه ثلاثة: أحدها: أنه لا يجد مثل هذا الشرط في أذى الزناة وتبكيتهم ولا في سائر ما ذكرنا من الخفائف المنسوخة بالثقائل.\rوالثاني: أن كل نسخ في الدنيا فهذه صفته، وإنما هو مقيد عند الله تعالى بوقت محدود في علمه تعالى، كما قالت عائشة في فرض قيام الليل: إنه تعالى أمسك خاتمة الآية في السماء اثني عشر شهرا ثم أنزلها.\rولا فرق بين أن يبدي إلينا ربنا تعالى أنه سينسخ ما يأمرنا به بعد مدة وبين ألا يبدي إلينا ذلك حتى ينسخه وكل ذلك نسخ ولا فرق بين معجل النسخ ومؤجله، في أن كل ذلك نسخ.\rوالثالث: أن السبيل الذي انتظر بهن هو أثقل مما كان عليهن أولا، لانه شدخ بالحجارة حتى يقع الموت بعد الايلام بالسوط، أو نفي في الارض بعد الايلام بالسوط، فكانت السبيل المحمولة لهن سبيل الهلاك أو البلاء وكل ذلك أشد من الحبس.\rوهذا نفس ما اختلفنا فيه فأجزناه نحن وأبوه هم.\rوقد اعترض بعضهم في نسخ البيعة على بيعة النساء بإيجاب القتال بأن قال: كان القتال أثقل علينا في صدر الاسلام لقلتنا، فلما كثر عددنا صار تركه أثقل.\rقال أبو محمد: ولو كان لهذا القائل علم بكيفيا ت الاسماء وحدود الكلام لم يأت\rبهذا الهذر.\rويقال له: أخبرنا، أزاد الناس حين نزول آية إيجاب القتال زيادة قووا بها قوة ثانية أكثر مما كانوا أم لا ؟ فإن قال: لا.\rنقص قوله وتبرأ منه وأخبر أن الحال بعد نزول هذه الآية الموجبة للقتال بعد أن كان غير واجب - كالحال التي كانت قبل نزول إيجاب القتال.\rوبطل ما قدر من التفاضل في القوة الموجبة لنزول إيجاب القتال، وإن قال: نعم، جمع أمرين","part":4,"page":469},{"id":474,"text":": أحدهما: أنه يقفو ما ليس له به علم ويكذب، والثاني: أنه لم يتخلص بعد من إلزامنا ويقال له: لا بد أنه قد كان بين بلوغهم العدد الذي بلغوه حين نزول آية إيجاب القتال عليهم، وبين نزول الآية وقت ما لا بد منه فقد كان العدد موجودا ولا قتال عليهم.\rثم نسخ بإيجاب القتال.\rوأيضا فإنه ليس في المعقول أصلا، ولا في الوجود عدد إذا بلغته الجماعة قويت على محاربة أهل الارض كلهم، وقد ألزم الله تعالى المسلمين إذا أمرهم بالقتال مجاهدة كل من يسكن معمور العالم من الناس، والمسلمون يومئذ لم يبلغوا الالف، وقد علم كل ذي عقل أنه لا فرق في القوة - على محاربة أهل الارض كلهم - بين ألف وألفين وبين واحد واثنين.\rوإنما ههنا نزول النصر، فإذا أنزل الله تعالى على الانسان الواحد قوي ذلك الواحد على محاربة أهل الارض كلهم، وعجزوا كلهم عنه، كما قال تعالى لنبيه (ص): * (والله يعصمك من الناس) * وأيقنا بذلك لو بارزوه كلهم لسقطوا أمامه، ولقدر على جميعهم.\rوقد قال بعض المخالفين لقولنا: إن الصبر على القتال أثقل لذي النفس الآنفة.\rقال أبو محمد: ويكفينا من الرد على هذه المقالة تكذيب الله عز وجل لها، فإنه تعالى خاطب الصحابة رضي الله عنهم، وهم آنف الناس نفوسا، وأحماهم قلوبا، وأعزهم همما، أو خاطب أيضا كل مسلم يأتي إلى يوم القيامة وهم أعز الامم نفوسا، وأقرها على الضيم، بأن قال تعالى: * (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان\rتكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم) * وكفانا عز وجل الشغب والتعب وبين أن الكتاب مكروه عندنا.\rوالمكروه أثقل شئ.\rوأخبرنا سبحانه وتعالى أن المكروه - الذي هو أثقل - قد يكون لنا فيه خير أكثر مما في الاخف، فقد حكم الله تعالى لنا في هذه المسألة حكما جليا، لا يسوغ لاحد أن يتكلم بعد سماعه في هذا المعنى بكلمة مخالفة لقولنا، والحمد لله رب العالمين.\rواعترض بعضهم بأن قال: لم تكن الخمر مباحة، بل كانت حراما بالعقل فلم ينسخ إباحتها.\rقال أبو محمد: فنقول وبالله تعالى التوفيق: إذ هذا القائل لو اشتغل بقراءة حديث النبي (ص) لكان ذلك أولى به من الكلام في الدين قبل النفقة فيه، وقد روينا في الحديث الصحيح تحليلها قبل أن تحرم، حدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد","part":4,"page":470},{"id":475,"text":"بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج قال: ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا أبو همام عبد الاعلى، ثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (ص) قال: يا أيها الناس إن الله يعر ض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرا، فمن كان عنده منها شئ فليبعه ولينتفع به قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال (ص): إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده شئ فلا يشرب ولا يبع.\rوروينا من الاطراف الصحاح شربها معلنا بعلم رسول الله (ص) - أكثر ذلك - عن حمزة، وسعد، وأبي عبيدة بن الجراح، وسهيل بن بيضاء، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي أيوب، وأبي طلحة، وأبي دجانة سماك بن خرشة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل وغيرهم من المهاجرين والانصار رضي الله عنهم، فكيف يقول هذا الجاهل: إنها لم تكن حلالا، وإن العقل حرمها، وأين عقل هذا الجنون العديم العقل - على الحقيقة -\rمن عقل رسول الله (ص) الذي كان يراهم يشربونها - ولا ينكر ذلك عليهم - أزيد من ستة عشر عاما بعد مبعثه عليه السلام، فإن الخمر لم تحرم إلا بعد أحد.\rوأحد كانت في الثالث من الهجرة، وتنادم الصحابة في المدينة بحضرة رسول الله (ص)، وما وقع لبعضهم من العربدة على بعض، ومن الجنايات في شارفي علي، ومن التخليط في الصلاة - أشهر من أن يجهله من له علم بالاخبار، وكل ذلك يعلمه ولا ينكره عليه السلام، ولا يحل لمؤمن أن يقول إنه عليه السلام أقر على حرام أصلا، ويكفي من هذا ما قدمنا من أمره عليه السلام يبيعها قبل أن تحرم، وبأن ينتفع بها، والشرب يدخل في الانتفاع، وبالله التوفيق.","part":4,"page":471},{"id":476,"text":"فصل في نسخ الشئ قبل أن يعمل به قال أبو محمد: أكثر المتقدمون في هذا الفصل وما ندري أن لطالب الفقه إليه حاجة ولكن ما تكلموا ألزمنا بيان الحق في ذلك بحول الله وقوته، والصحيح من ذلك: أن النسخ بعد العمل به وقبل العمل به، جائز كل ذلك، وقد نسخ تعالى عنا إيجابه خمسة وأربعين صلاة في كل يوم وليلة، قبل أن يعمل بها أحد.\rقال أبو محمد: ومن جعل هذا بداء فقد جعل النسخ بداء ولا فرق، وكل ما دخلوه في نسخ الشئ قبل أن يعمل به راجع عليهم في نسخه بعد أن يعمل به ولا فرق، والله تعالى يفعل ما يشاء، والذي نقدر أن الذي حداهم إلى الكلام في هذه المسألة مذهبهم الفاسد في المصالح، ونحن لا نقول بها، بل نفوض الامر إلى الله عز وجل يفعل ما يشاء، ليس عليه زمام، ولا له متعقب، وسنبين ذلك في با ب العلل من هذا الديوان إن شاء الله تعالى.\rفإن قال قائل: فماذا أراد الله عز وجل منا إذ قال: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ثم نسخها وردها إلى خمس قبل أن نصلي الخمسين ؟ قيل له، وبالله تعالى\rالتوفيق: إنه أراد منا الطاعة والانقياد والعزيمة على صلاتها، والاعتقاد لوجوبها علينا فقط، ولم يرد تعالى قط منا كون تلك الصلوات، ولا أن نعملها، ونحن لا ننكر أن يأمر تعالى بما لم يرد قط منا كونه، بل يوجب ذلك، ونقول: إنه تعالى أمر أبا طالب بالايمان، ولم يرد قط تعالى كون إيمانه موجودا.\rوقد نص تعالى على ذلك بقوله: * (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) * وقوله تعالى: * (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) *.\rفأخبر تعالى أنه لم يجب هداية أبي طالب، وأنه أراد ألا يهدي قوما، وكلهم مأمور بالاهتداء، وقد بينا هذا في كتاب الفصل، ولو أنه تعالى لم ينسخها حتى نصليها لعلمنا حينئذ أنه تعالى أراد كونها منا، كما علمنا أنه تعالى أراد إسلام أبي بكر وعمر وسائر من أسلم، وإنما نعلم ما أراد تعالى كونه بعد ظهوره، أو أخبرنا الله تعالى بأنه سيكون والله أعلم، وهو الذي أطلعنا عليه من غيبه، ونحن كنا مأمورون بالصلاة.\rوقد يموت كثير من الناس قبل أن يتأتى عليه وقت صلاة بعد بلوغه،","part":4,"page":472},{"id":477,"text":"إنه تعالى إنما أراد من هؤلاء الانقياد والعزيمة فقط، والله تعالى لم يرد قط ممن مات قبل حلول وقت الصلاة أن يصليها.\rواحتج بعض من تقدم - في إجازة نسخ الشئ قبل العمل به - بحديث الزبير: إذ خاصم الانصاري في سيل مهزور ومذينب وجعل الامر الآخر منه عليه السلام ناسخا للاول.\rوأبطل قول من قال: كان الامر الاول على سبيل الصلح وتر ك الزبير بعض حقه وقال: إن هذا لا يحل أن يقال، لان حكمه عليه السلام كله حق واجب، لقول الله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم) * فلم يخص أمرا دون أمر، ولو ساغ ذلك في هذا الحديث، لساغ لكل أحد أن يقول في أي حكم حكم به رسول الله (ص):\rهذا على سبيل الصلح لاعلى سبيل الحقيق، وهذا كفر من قائله.\rقال أبو محمد: وقد صدق هذا المحتج فيما قال.\rقال بعضهم: لو جاز النسخ قبل العمل لجاز قبل الاعتقاد.\rقال أبو محمد: وهذا قياس، والقياس باطل، ولو كان القياس حقا لكان هذا فاسدا، إذ ليس سقوط العقل موجبا لسقوط الاعتقاد، وقد يعتقد وجوب الشئ وتصحيحه من لا يفعله من المسلمين العصاة، وقد يفعله من لا يعتقده من المنافقين والمرائين، وهذا أمر يعلم بالمشاهدة، فبطل أن يكون الاعتقاد مرتبطا بالعمل، وبطل ما موه به هذا المعترض من أنه لو جاز النسخ قبل العمل لجاز قبل الاعتقاد، فإن قالوا: لو جاز نسخ الشئ قبل العمل به لكان اعتقاده حسنا وطاعة، وفعله قبيحا ومعصية، وهذا محال.\rفالجواب: إن هذا شغب ضعيف لانهم جمعوا بين حكم زمانين مختلفين، وإنما يكون اعتقاد الشئ حقا - إن فعل - إذا لم ينسخ، فأما إذا نسخ فإنما الواجب اعتقادا أنه معصية إن فعل، واعتقاد أنه قد كان طاعة في وقت آخر، وهذا ليس محالا فإن قالوا: الاعتقاد فعل قيل لهم: الاعتقاد فعل النفس منفردة لا شركة للجسد","part":4,"page":473},{"id":478,"text":"معها فيه، والعمل فعل النفس بتحريك الجسد، فهو شئ آخر غير الاعتقاد وقد فرق رسول الله (ص) بينهما بقوله (ص) العمل بالنيات، فجعل النية وهي الاعتقاد غير العمل.\rقال أبو محمد: وقد احتج القدماء - من القائلين بقولنا في هذه المسألة - بحجج منها أمره تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، وقول إبراهيم عليه السلام: * (إن هذا لهو البلاء المبين) * وقالوا: هذا بيان جلي أن الذي أمر به نسخ قبل أن\rيكون، لان قوما قالوا: إنما أمر بتحريك السكين على حلق ولده فقط، فأبطل تعالى قولهم بقول إبراهيم: * (إن هذا لهو البلاء المبين) * ولو لم يؤمر بقتله لما كان في تحريك السكين على حلقه بلاء فصح بقول إبراهيم عليه السلام، أنه إنما أمر بقتل ولده وإماتته بالذبح، ثم نسخ ذلك قبل فعله.\rقال أبو محمد: وهذا احتجاج صحيح لا ينفك منه أصلا.\rفإن قال قائل: عرفونا ما الذي أراد الله تعالى منا إذا أمرنا بالشئ ثم نسخه قبل فعله، أراد العمل به ثم بدا له قبل فعله ؟ أم أراد ألا يعمل به ؟ والشئ إذا لم يرده تعالى فقد سخطه وكرهه ولم يرضه، فعلى قولكم إنه تعالى يأمرنا بما يكره ويسخط ويلزمنا ما لا يرضى كونه منا.\rقال أبو محمد: فيقال، وبالله تعالى التوفيق، إنه تعالى أمر بما أمر من ذلك ولا مراد له إلا الانقياد في المأمور فقط، ولم يرد قط وقوع الفعل، ونهانا عنه قبل أن يكون منا، ولا يسأل عما يفعل، ولسنا ننكر أن يأمرنا تعالى الآن بأمر قد علم أن بعد مدة ينهى عنه ويسخطه، وإنما الذي ننكر أن يأمر تعالى بما هو ساخط له في حين امره، فهذا لا سبيل إليه.\rوأما أن يأمرنا بأمر قد علم أنه سينهانا عنه في ثاني الامر، ويسخطه بعد مرور وقت الامر به، فهذا واجب وهذه صفة كل نسخ، وكل أمر مرتبط بكل وقت، وبالله تعالى التوفيق، وقد اعترض بعضهم في أمره تعالى بخمسين صلاة، ثم جعلها تعالى إلى خمس بأن قال:","part":4,"page":474},{"id":479,"text":"إنما يلزمنا الامر إذا بلغنا، وكاذلك الامر لم يبلغ بعد إلى المسلمين، فأجاب بعض من سلف القائلين بقولنا: إنه تعالى قد أبلغ أمره بذلك إلى رسوله، فهو سيدنا وإمامنا فكان الخمسون اللازمة له لبلوغ الامر إليه، ثم نسخت عنه قبل أن يعمل بها.\rقال أبو محمد: فإن قالوا: لم يرد الله تعالى قط بالخمسين إلا خمسا يعطي بكل واحدة عشر حسنات، واحتجوا بما في آخر الحديث من قوله تعالى: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي فالجواب، وبالله تعالى التوفيق: إن هذا الكلام هو بيان قولنا لا قولهم، لان الخمس لا تكون خمسين في العدد أصلا، وإنما هي خمسون في العدد، وخمسون في الاجل، وكنا ألزمنا أولا خمسين في العدد وهي خمسون في الاجر فقط، فأسقط عنا التعب وبقي لنا الاجر، فصح أن الساقط غير اللازم ضرورة، وبرهان ذلك حطه تعالى إلى خمس وأربعين وإلى أربعين، ثم إلى خمس وثلاثين ثم ثلاثين، وهكذا خمسا خمسا حتى بقيتخمسا، وهذا لا إشكال فيه، في أن الملزم غير المستقر آخرا، فبطل اعتراضهم، والحمد لله رب العالمين.\rومن طريق ما اعترض به بعضهم أن قال: لعله عليه السلام قد صلى الخمسين صلاة قبل نسخها، أو لعل الملائكة صلتها قبل نسخها.\rقال أبو محمد: وهذا جهل شديد، ولو كان لقائل هذا أدنى علم بالاخبار لم يقل هذا الهجر، لان الاسراء إنما كان في جوف الليل، ولم يأت الصباح إلا وهو (ص) قد رجع إلى مكة وكان بها قبل مغيب الشفق وبعد غروب الشمس، وقبل طلوع الشمس من تلك الليلة، وإنما لزمت الخمسون في يوم وليلة.\rوأيضا فهو عليه السلام، يذكر بلفظه في الحديث: أنه لم ينفك راجعا وآتيا من ربه تعالى إلى موسى عليه السلام، وأما الملائكة فلم يبعث رسول الله (ص) إليهم، بل بعضهم هم الرسل من الله تعالى إليه، وإنما بعث إلى الجن والانس الساكنين دون سماء الدنيا، وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين مع النصوص الواردة في القرآن والحديث في خطاب هذين النوعين فقط، وإنما بعث إليهما فقط، والملائكة في مكان لا ليل فيه، وإنما هي في السموات التي هي","part":4,"page":475},{"id":480,"text":"الافلاك، وفي الكرسي وتحت العرش وحوله، والليل إنما يبلغ إلى فلك القمر الذي هو سماء الدنيا فقط، والجن مرجومون بالشهب إذا دنوا منها بنص القرآن بقوله تعالى: * (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) * فصح يقينا أن الملائكة لا تلزمهم صلاتنا، لانهم لا ليل عندهم ولا نهار، وإنما هو في أنوار بسيطة صافية، وإنما تلزم الصلوات في أوقات الليل والنهار.\rوقد احتج في هذا بعض من تقدم بأن قال: يقال لمن أبذلك: ما الذي أنكرتم ؟ أنسخ ما قد فعل، أم نسخ ما لم يفعل، أن نسخ الامر الوارد بالفعل ؟ ولا سبيل إلى قسم رابع، فإن قالوا: نسخ ما قد فعل، أحالوا، ولا سبيل إلى نسخ ما قد فعل، لانه قد فعل وفني، فلا سبيل إلى رده، وإن قالوا: نسخ ما لم يفعل، فقد أثبتوا نسخ الشئ قبل فعله، وهذا هو نفس ما أبطلوا، لان الذي لم يفعل هو غير الذي فعل ضرورة.\rفإن قالوا: نسخ الامر فلا فرق بين نسخ الامر قبل أن يفعل الناس ما أوجب ذلك الامر، وبين نسخه بعد أن يفعل الناس ما أوجب ذلك الامر، والفعل المأمور به على كل حال غير الامر به، فلا يتعلق الامر بالفعل لانه غيره، لان الامر هو فعل الله مجردا، والفعل هو فعلنا نحن فبينهما فرق كما ترى.\rقال أبو محمد: وهذه حجة ضرورة لا محيد عنها.\rواحتج أيضا بأن قال: إن الامر إذا ورد ففعله فاعلون ثم نسخ فلا خلاف في جواز ذلك، ولا شك في أنه قد بقي خلكثير لم يعملوا به ممن لم يأت بعد، وقد كانوا مخاطبين بذلك الامر حين نزوله، فقد نسخ قبل أن يعمل به هؤلاء الذين لم يعملوا به، ولا فرق بين أن يجوز نسخه قبل أن يعمل به بعض المأمورين وبين نسخه قبل أن يعمل به أحد منهم.\rقال أبو محمد: وهذه أيضا حجة ضرورية لا محيد عنها.\rقال أبو محمد: وسألني سائل فقال: لو أمر التعالى بأمر فقال: اعملوا بهذا الامر ثمانية متصلة، أو قال أبدا، أيجوز نسخ هذأم لا ؟ فقلت: إن النسخ جائز في هذه لانه من باب نسخ الشئ قبل أن يعمل به، ولافرق بين أن يأمرنا بخمسين صلاة نصليها، وبين أن يأمرنا بعمل ما أبدا، أو ثمانية أيام،","part":4,"page":476},{"id":481,"text":"ثم ينسخه عنا قبل أن يتم عمل ذلك، وليس الكذب في الامر والنهي مدخو إنما يدخل الكذب في الاخبار، فلو أن الامر خرج بهذا التحديد بلفظ الخبر لم يجز نسخه، لانه كان يكون كذبا مجردا، إذ في الاخبار يقع الكذب، وهذا بخلاف الامر إذا خرج بلفظ الخبر غير مرتبط بتحديد وقت، فالنسخ جائز فيه، لانه ليس يكون حينئذ كذبا، وإنما يكون النسخ حينئذ بيانا للوقت الذي لزمنا فيه ذلك العمل، فما جاء بلفظ الخبر على التأييد فلا يجوز نسخه قول الله: هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي فلو بدل لكان هذا القول كذبا، ومنه لابد الابد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، والقول في المتعة فهي حرام بحرمة الله ورسوله إلى يوم القيامة، فلو نسخ هذان الامران لكان هذان القولان كذبا إذ كان يبطل وجوده ما أخبرنا بوجوده إلى يوم القيامة، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن قال أبو محمد: اختلف الناس في هذا بعد أن اتفقوا على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وجواز نسخ السنة بالسنة، فقالت طائفة: لا تنسخ السنة بالقرآن ولا القرآن بالسنة، وقالت طائفة: جائز كل ذلك، والقرآن ينسخ بالقرآن وبالسنة والسنة تنسخ بالقرآن وبالسنة.\rقال أبو محمد: وبهذا نقول وهو الصحيح، وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضا، وينسخ الآيات\rمن القرآن، وينسخه الآيات من القرآن، وبرهان ذلك ما بيناه في باب الاخبار من هذا الكتاب، من وجوب الطاعة لما جاء عن النبي (ص)، كوجوب الطاعة لما جاء في القرآن ولا فرق، وأن كل ذلك من عند الله بقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * فإذا كان كلامه وحيا من عند الله عز وجل، والقرآن وحي، فنسخ الوحي بالوحي جائز، لان كل ذلك سواء في أنه وحي.\rواحتج من منع ذلك بقوله تعالى: * (قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسي) * قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لاننا لم نقل إن رسول الله (ص)","part":4,"page":477},{"id":482,"text":"بدله من تلقاء نفسه، وقائل هذا كافر، وإنما نقول: إنه عليه السلام بدله بوحي من عند الله تعالى، كما قال آمرا له أن يقول: * (إن أتبع إلا ما يوحى إلى) * فصح بهذا نصا جواز نسخ الوحي بالوحي، والسنة وحي فجائز نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها) * قالوا: والسنة ليست مثلا للقرآن ولا خيرا منه.\rقال أبو محمد: وهذا أيضا لا حجة لهم فيه، لان القرآن أيضا ليس بعضه خيرا من بعض، وإنما المعنى نأت بخير منهالكم أو مثلها لكم، ولا شك أن العمل بالناسخ خير من العمل بالمنسوخ، قبل أن ينسخ، وقد يكون الاجر على العمل بالناسخ مثل الاجر على العمل بالمنسوخ قبل أن ينسخ، وقد يكون أكثر منه، إلا أن فائدة الآية أننا قد أمنا أن يكون العمل بالناسخ أقل أجرا من العمل بالمنسوخ قبل أن ينسخ، لكن إنما يكون أكثر منه أو مثله، ولا بد من أحد الوجهين، تفضلا من الله تعالى - لا إله إلا هو - علينا.\rوأيضا فإن السنة مثل القرآن في وجهين: أحدهما: أن كلاهما من عند الله عز وجل على ما تلونا آنفا من قوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى) *.\rوالثاني استواؤهما في وجوب الطاعة بقوله تعالى: * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * وبقوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * وإنما افترقا في ألا يكتب في المصحف غير القرآن، ولا يتلى معه غيره مخلوطا به، وفي الاعجاز فقط.\rوليس في العالم شيئان إلا وهما يشتبهان من وجه ويختلفان من آخر لا بد من ذلك ضرورة ولا سبيل إلى أن يختلفا من كل وجه، ولا أن يتماثلا من كل وجه، وإذ قد صح هذا كله، فالعمل بالحديث الناسخ أفضل وخير من العمل بالآية المنسوخة، وأعظم أجرا، كما قلنا قبل ولا فرق، وقد قال تعالى: * (ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم) * وقد تكون المشركة خيرا منها في الجمال وفي أشياء من الاخلاق ونحوها، وإن كانت المؤمنة خيرا عند الله تعالى، وهذا شئ يعلم حسا ومشاهدة، وبالله تعالى التوفيق.","part":4,"page":478},{"id":483,"text":"واحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لانه كل ما جاء عن النبي (ص) فالله عز وجل هو المثبت له، وهو تعالى الماحي به لما شاء أن يمحو من أوامره، وكل من عند الله، وهذه الآية حجة لنا عليهم في أنه تعالى يمحو ما شاء بما شاء عن العموم، ويدخل في ذلك السنة والقرآن.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * قالوا: والمبين لا يكون ناسخا.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ من وجهين، أحدهما: ما قد بينا في أول الكلام في النسخ، من أن النسخ نوع من أنواع البيان، لانه بيان ارتفاع الامر المنسوخ،\rوبيان إثبات الامر الناسخ، والثاني: أن قولهم: إن المبين لا يكون ناسخا دعوى لا دليل عليها، وكل دعوى تعرت من برهان فهي فاسدة ساقطة.\rواحتجوا بقوله تعالى: * (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لانه لم يقل تعالى: إني لا أبدل آية إلا مكان آية، وإنما قال لنا: إنه يبدل آية مكان آية، ونحن لم ننكر بل أثبتناه، وقلنا: إنه يبدل آية، ويفعل أيضا غير ذلك، وهو تبديل وحي غير ذلك، متلو مكان آية، ببراهين أخر، وكل ما أبطلنا به أقوالهم الفاسدة في دليل الخطاب، فهو مبطل لاحتجاجهم بهذه الآية.\rواحتجوا بقوله تعالى: * (ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه) * قالوا: فإذا منعه الله تعالى من أن يبين القرآن من قبل أن يقضي إليه وحيه، فهو من نسخه أشد منعا.\rقال أبو محمد: وهذا شغب وتمويه، لاننا لم نجز قط أن يكون الرسول عليه السلام ينسخ الآيات من القرآن قبل أن يقضى إليوحي نسخها، وقائل ذلك عندنا كافر، وإنما قلنا: إنه عليه السلام إذا قضى إليربه تعالى وحيا غير متلو بنسخ آية، أبداه رسول الله (ص) إلى الناس حينئذ بكلامه، فكان سنة مبلغة وشريعة لازمة ووحيا منقولا، ولا يضره أن يسمى قرآنا ولا يكتب في المصحف، كما لم يضر ذلك سائر الشرائع التي ثبتت بالسنة، ولا بيان لها","part":4,"page":479},{"id":484,"text":"في القرآن، من عدد ركوع الصلوات، ووجوه الزكوات، وما حرم من البيوع وسائر الاحكام، وكل ذلك من عند الله عز وجل.\rواحتج بعضهم بقوله تعالى: * (قل نزله روح القدس من ربك) * قال: وهذا لا يطلق إلا على القرآن.\rقال أبو محمد: وهذا كله كذب من قائله وافتراء، وكل وحي أتى إلى النبي (ص) بشريعة من الشرائع، فإذا نزل به الروح القدس من ربه، وقد جاء نص الحديث، بأن جبريل عليه السلام نزل فصلى، فصلى رسول الله (ص)، ثم صلى فصلى رسول الله (ص) هكذا، حتى علمه الصلوات الخمس، وليس هذا في القرآن، وقد نزله روح القدس كما ترى.\rقال أبو محمد: فبطل كل ما احتجوا به، وبالله تعالى التوفيق.\rوقد قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا أحدث الله تعالى لنبيه عليه السلام أمرا برفع سنة تقدمت أحدث النبي عليه السلام سنة تكون ناسخة لتلك السنة الاولى.\rفأنكر عليه بعض أصحابه هذا القول فقال: لو جاز أن يقال في وحي نزل ناسخا لسنة تقدمت فعمل بها النبي (ص)، أن عمله هذا نسخ السنة الاولى لكان إذا عمل عليه السلام سنة فنسخ بها سنة سالفة له، فعمل بها الناس إن عمل الناس نسخ السنة الاولى، وهذا خطأ.\rقال أبو محمد: وهذا اعتراض صحيح، والرسول (ص) مفترض عليه الانقياد لامر ربه عز وجل.\rفإنما الناسخ هو الامر الوارد من الله عز وجل، لا العمل الذي لا بد منه، والذي إنما يأتي انقيادا لذلك الامر المطاع.\rقال أبو محمد: فيقال لمن خالفنا في هذه المسألة: أيفعل الرسول (ص) أو يقول شيئا من قبل نفسه دون أن يوحى إليه به ؟ فإن قال: نعم، كفر وكذبه ربه تعالى بقوله عز وجل: * (وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحى يوحى) * وبقوله تعالى آمرا له أن يقول: * (ان أتبع إلا ما يوحى إلى) * فلما بطل أن يكون فعله (ص) أو قوله إلا وحيا، وكان الوحي ينسخ بعضه بعضا، كانت السنة والقرآن ينسخ بعضها بعضا.\rقال أبو محمد: ومما يبين نسخ القرآن بالسنة بيانا لا خفاء به قوله تعالى:","part":4,"page":480},{"id":485,"text":"* (فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفا هن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) * ثم قال (ص): خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم فكان كلامه (ص) الذي ليس قرآنا ناسخا للحبس الذي ورد به القرآن.\rفإن قال قائل: ما نسخ الحبس إلا قوله تعالى: * (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * قيل له: أخطأت، لان هذا الحديث يوجب بنصه أنه قبل نزول آية الجلد لانه بيان السبيل الذي ذكر الله تعالى، وأمر لهم باستماع تلك السبيل، وأيضا فإن في الحديث التغريب والجلد، وليس ذلك في الآية التي ذكرت، فالحديث هو الناسخ على الحقيقة، لا سيما إذا كان خصمنا من أصحاب أبي حنيفة والشافعي أو مالك، فإنهم لا يرون على الثيب جلدا إنما يرون الرجم فقط، فوجب على قولهم الفاسد ألا مدخل للآية المذكورة أصل في نسخ الاذى والحبس الذي كان حد الزناة والزواني.\rفإن قال قائل منهم: ما نسخ الاذى والحبس إلا ما روي مما كان نازلا وهو: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، قيل له، وبالله تعالى التوفيق: قد تركت قولك ووافقتنا على جواز نسخ القرآن المتلو بما ليس مثله في التلاوة، وبما ليس مثله في أن يكتب في المصحف، فإذا جوزت ذلك، فكذلك كلامه (ص) بنص القرآن وحي غير متلو، وليس ذلك بمانمن أن ينسخ به.\rوقد بلح بعضهم ههنا فقال: إنما عنى بقوله: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * غير المحصنين فقط وقال: كما خرج العبد والامة من هذا النص، فكذلك خرج المحصن والمحصنة منه.\rقال أبو محمد: فيقال له: إذا جوزت خروج حكم ما من أجل خروج\rحكم آخر بدليل، فلا ننكر على أبي حنيفة قوله: من تزوج أمه وهو يعلم أنها أنه فوطئها خارج عن حكم الزناة، ولا ننكر على مالك قوله: إن من وطئ عمته وخالته بملك اليمين، وهو يعلم أنهما محرمتان عليه خارج عن حكم الزناة، ولا تدخل أنت فيه اللوطي ولا ذكر له فيهم، وهذا من غلطهم أن يخرجوا من الزناة من وقع عليه اسم زان، وأن يدخلوا فيهم من لا يقع عليه اسم زان، وهذا","part":4,"page":481},{"id":486,"text":"جهار بالمعصية لله تعالى وخلاف أمره، وتحكم في الدين بلا دليل نعوذ بالله من ذلك.\rقال أبو محمد: ومما نسختفيه السنة القرآن، قوله عز وجل: * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * فإن القراءة بخفض أرجلكم وفتحها، كلاهما لا يجوز إلا أن يكون معطوفا على الرؤوس في المسح ولا بد، لانه لا يجوز البتة أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بخبر غير الخبر عن المعطوف عليه، لانه إشكال وتلبيس وإضلال لا بيان، لا تقول ضربت محمدا وزيدا، ومررت بخالد وعمرا، وأنت تريد أنك ضربت عمرا أصلا، فلما جاءت السنة بغسل الرجلين صح أن المسح منسوخ عنهما.\rوهكذا عمل الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم كانوا يمسحون على أرجلهم حتى قال عليه السلام: ويل للاعقا ب والعراقيب من النار وكذلك قال ابن عباس: نزل القرآن بالمسح.\rقال أبو محمد: والنسخ تخصيص بعض الازمان بالحكم الوارد دون سائر الازمان، وهم يجيزون بالسنة تخصيص بعض الاعيان، مثل قوله عليه السلام: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وما أشبه ذلك، فما الفرق بين جواز تخصيص بعض الاعيان بالسنة، وبين جواز تخصيص بعض الازمان بها ؟ وما الذي أوجب أن يكون هذا ممنوعا، وذلك موجودا ؟ فإن قالوا: ليس التخصيص كالنسخ، لان التخصيص لا يرفع النص، والنسخ يرفع النص كله.\rقيل لهم:\rإذا جاز رفع بعض النص بالسنة - وبعض النص نص - فلا فرق بين رفع بعض نص آخر بها، وكل ذلك سواء، ولا فرق بين شئ منه.\rقال أبو محمد: وقد أقروا وثبت الخبر، بأن آيات كثيرة رفع رسمها البتة، ولا يجوز أن ترفع بقرآن، إذ لو رفعت بقرآن لكان ذلك القرآن موجودا متلوا، وليس في شئ من المتلو ذكر رفع لآية كذا مما رفع البتة، فوجب ضرورة أن ما ارتفع، رسمه من القرآن فإنما رفعته سنته عليه السلام، و إخباره أن ذلك قد رفع وهذا نفس ما أجزنا من نسخ القرآن بالسنة، فإن قالوا: إنما رفع بالانساء، قيل لهم: الانساء ليس قرآنا، وإنما ذلك هو فعل منه تعالى وأمر بألا يتلى.\rقال أبو محمد: ومما نسخ من القرآن بالسنة قوله تعالى: * (إن ترك خيرا الوصية","part":4,"page":482},{"id":487,"text":") * نسخ بعضها قوله (ص): لا وصية لوارث وقد قال قوم: إن آيات المواريث نسخت هذه الآية.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ محض، لان النسخ هو رفع حكم المنسوخ ومضاد له، وليس في آية المواريث ما يمنع الوصية للوالدين والاقربين إذ جائز أن يرثوا ويوصى لهم مع ذلك من الثلث، ومن بديع ما يقع لمن قال: إن القرآن لا تنسخه السنة، أنهم نسوا أنفسهم، فجعلوا حديث عمران بن الحصين في الستة الاعبد، ناسخا لوصية الوالدين والاقربين، فأثبتوا ما نفوا وصححوا ما أبطلوا، وقد تكلمنا في بطلان ذلك فأغنى عن ترديده، ولا فرق بينهم في دعواهم لذلك وبين من قال: بل الآية نسخت حديث الستة الاعبد.\rومما نسخ من السنة بالقرآن: صلحه (ص) أهل الحديبية إلى المدة التي كانت، ثم نسخ الله تعالى ذلك في سورة براءة، ولم يجز لنا صلح مشرك إلا على الاسلام فقط، حاشا أهل الكتاب، فإنه تعالى أجاز صلحهم على أداء الجزية\rمع الصغار، وأبطل تعالى تلك الشروط كلها، وتلك المدة كلها، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في نسخ الفعل بالامر والامر بالفعل قال أبو محمد: قد بينا أن كل ما فعله (ص) من أمور الديانة، أو قاله منها فهو وحي من عند الله عز وجل، بقوله تعالى: * (إن أتبع إلا ما يوحى إلى) * وبقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى) * والله تعالى يفعل ما يشاء فمرة ينزل أوامره بوحي يتلى، ومرة بوحي ينقل ولا يتلى، ومرة بوحي يعمل به ولا يتلى ولا ينقل، لكنه قد رفع رسمه وبقي حكمه، ومرة أن يري نبيه (ص) في منامه ما شاء، ومرة يأتيه جبريل بالوحي، لا معقب لحكمه، فجائز نسخ أمره (ص) بفعله، وفعله بأمره، وجائز نسخ القرآن بكل ذلك، وجائز نسخ كل ذلك بالقرآن وكل ذلك سواء ولا فرق.\rوكذلك الشئ يراه رسول الله (ص) ويقره ولا ينكره، وقد كان تقدم عنه تحريم جلي، فإن ذلك نسخ لتحريمه، لانه مفترض عليه التبليغ، وإنكار المنكر، وإقرار المعروف، وبيان اللوازم، وهو معصوم من الناس، ومن خلاف ما أمره به","part":4,"page":483},{"id":488,"text":"ربه تعالى، فلما صح كل ما ذكرنا أيقنا أنه إذا علم شيئا كان قد حرمه ثم علمه ولم يغيره -: أن التحريم قد نسخ، وأن ذلك قد عاد حقا مباحا ومعروفا غير منكر.\rوأما إن كان قد تقدم في ذلك الشئ نهي فقط ثم رآه (ص) أو علمه فأقره، فإنما ذلك بين أن ذلك النهي على سبيل الكرامة فقط، لانه لا يحل لاحد أن يقول في شئ من الاوامر، إن هذا منسوخ إلا ببرهان جلي، إذ كلها على وجوب الطاعة لها، وما تيقنا وجوب طاعتنا له، فحرام علينا مخالفته لقول قائل: هذا منسوخ، ولو جاز قبول ذلك ممن ادعاه بلا برهان لسقطت الشرائع كلها، لانه ليس قول زيد وعمر وومالك والشافعي وأبي حنيفة: هذا منسوخ، بأولى\rمن قول كل من على ظهر الارض - فيما يستعمله من ذكرنا -: هذا أيضا منسوخ.\rوقد قال تعالى: * (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * ومن قال في شئ من أوامر الله تعالى، أو أوامر رسوله (ص): هذا منسوخ أو هذا متروك، أو هذا مخصوص، أو هذا ليس عليه العمل، فقد قال: دعوا ما أمركم به ربكم أو نبيكم ولا تعملوا به، وخذوا قولي وأطيعوني في خلاف ما أمرتم به.\rقال أبو محمد: فحق من قال ذلك أن يعصى، ولا يلتفت إلى كلامه، إلا أن يأتي ببرهان من نص أو إجماع، كما قدمنا في فصل كيفية معرفة المنسوخ من المحكم.\rقال أبو محمد ومما ذكرنا أنه نهى عنه (ص)، ثم رآه فلم ينكره نهيه المصلين خلف الجالس عن القيام.\rثم صلى عليه السلام في مرضه الذي مات فيه جالسا، والناس وراءه قيام ولم ينكر عليه السلام ذلك، فصح أن ذلك النهي الاول ندب، إلا من فعل ذلك إعظاما للامام، فهو حرام على ما بين عليه السلام يوم صلاته إذ ركب فرس أبي طلحة فسقط.","part":4,"page":484},{"id":489,"text":"فصل في متى يقع النسخ عمن بعد عن موضع نزول الوحي قال أبو محمد: قال قوم: النسخ يقع حين نزول الوحي، لان المنسوخ - على ما بينا - إنما هو أمر الله المتقدم لا أفعال المأمورين، إلا أن الغائب لا يقع عليه الملامة، ولا الوعيد إلا بعد بلوغ الامر الناسخ إليه، وكذلك سائر الاوامر التي لم تنسخ هي لازمة لكل من قرب وبعد، ولكل من لم يخلق بعد، لكن الملامة والوعيد مرفوعان عمن لم يبلغه حتى يبلغه.\rفإذا بلغته فأطاع حمد وأجر وإن عصى ليم واستحق الوعيد وأجره على فعل منسخ - مما لم يبلغه نسخه -\rأجر واحد، لانه مجتهد مخطئ كما نص رسول الله (ص) في ذلك.\rوالذي نقول به: إن النسخ لا يلزم إلا إذا بلغ وبين ما قلنا قوله تعالى: * (لانذركم به ومن بلغ) * فإما أوجب الحكم بعد البلوغ.\rفلو أن من بلغ المنسوخ - ممن بعد عن رسول الله (ص) ثم لم يبلغه الناسخ أقدم على ترك المنسوخ الذي بلغه دون علم الناسخ وعمل بالناسخ، كان عليه إثم المستسهل لترك الفرض، لا إثم تارك الفرض: إنه لا يجوز لمن علم نسخ الحكم أن ينفذ عليه حكم تارك الحكم لأن كل واحد منهما له حكم ما بلغه ومن بلغه تحريم الحكم على الجاهل، لم يجز له أن يحكم عليه بحكم العالم.\rمثال ذلك: رجل لقي رجلا فقتله على نية الحرابة، فإذا بذلك المقتول هو قاتل وا الذي قتله، أو وجده مشركا محاربا، فهذا ليس عليه إثم قاتل مؤمن عمدا، ولا قود عليه ولا دية، لانه لم يقتل مؤمنا حرم الدم عليه، وإنما عليه إثم مريد قتل المؤمن عمدا ولم ينفذ ما أراد، وبين الاثمين بون كبير، لان أحدهما هام، والآخر فاعل، وكإنسان لقي امرأة فظنها أجنبية فوطئها، فإذا بها زوجته، فهذا ليس عليه إثم الزنى، ومن قذفه حد حد القذف، لكن عليه إثم مريد الزنى.\rولا حد عليه، ولا يقع عليه اسم فاسق بذلك.\rوقد صح عن رسول الله (ص): من هم بسيئة فليعملها لم تكتب عليه، ولو أن رجلا ممن بلغه فرض استقبال بيت المقدس ولم يبلغه نسخ ذلك، وصلى إلى الكعبة لكان مفسدا لصلاته","part":4,"page":485},{"id":490,"text":"بعبثه فيها، لا بصلاته إلى غير القبلة، ولان الائتمار إنما يكون بعد العلم بالامر اللازم له لا قبل، ولا تكون طاعة أصلا إلا بنية وقصد إلى عمل بعد ما أمر به علمه بأنه لازم له، وإلا فهو عبث، لا يسمى ذلك في اللغة طائعا أصلا، ولكتب عليه اسم المستسهل للصلاة إلى غير القبلة، ومثاله الآن: بينما رجل في\rصحراء أداه اجتهاده إلى جهة ما فخالفها متعمدا، فوافق في الوجهة التي صلى إليها إن كانت القبلة على حق، فهذا عابث في صلاته فاسق، وليس مصليا إلى غير القبلة.\rقال أبو محمد: كذلك كانت صلاة أهل قباء، ومن كان بأرض الحبشة إلى بيت المقدس صلاة تامة، وإن كان النسخ قد وقع بالقبلة إلى الكعبة على من بلغه لانهم لم يعلموا ذلك، ولكن أجرهم على صلاتهم كذلك أجران، وأما من بلغه ذلك ثم نسيه، أو تأول فيه فأجرهم على صلاته كذلك أجرا واحدا لانهم مجتهدون أخطؤوا ما عند الله عز وجل، وهم مأمورون باستقبال الكعبة، ولكنهم غير ملومين ولا آثمين في ترك ذلك، لانهم معذورون بالجهل، وهذا بين وبالله تعالى التوفيق، وليس كذلك أهل قباء، ومن كان بأرض الحبشة، لافرضهم البقاء على ما بلغهم، حتى ينتقل بلوغ النسخ إليهم.\rقال أبو محمد: وقد تبين بهذا ما قلناه في غير موضع من كتابنا، أن المخطئ أفضل عند الله من المقلد المصيب، وكذلك قلنا في جميع العبادات، فإن سأل سائل عن قولنا في الوكيل يعزله موكله أو يموت، فينفذ الوكيل ما كان وكل عليه بعد عزله، وهو يعلم أنه معزول، أو بعد موت الذي وكله وهو لا يعلم بموته قلنا له، وبالله تعالى التوفيق: قال الله عز وجل: * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) *.\rوقال (ص): د ماؤكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام فكل أمر انفذه الوكيل بعد عزله وهو غير عالم فنافذ، لان عازله ولا يعلمه مضار، وقد قال (ص): من ضار أضر الله به فهو منهي عن المضارة.\rوأما ما أنفذ بعد موت موكله - وهو عالم أو غير عالم - فهو مردود منسوخ، لانه كاسب على غيره بغير نص ولا إجماع، ولا يجوز القياس أصلا ولكل حكم حكمه، وليست هذه الامور بابا واحدا فيستوي الحكم فيها، إلا أن يكون وكله على دفع وديعة أو دين أو حق لآخر فهذا نافذ، عزله أو علم الوكيل أنه عزله أو أنه مات، أو لم يعلم","part":4,"page":486},{"id":491,"text":"لان الذي فعل حق للمدفوع إليه لا للدافع، فليس كاسبا على غيره بل فعل فعلا واجبا على كل أحد أن يفعله، أمر بذلك أو لم يؤمر، لانه قيام بالقسط.\rقال الله تعالى: * (كونوا قوامين بالقسط) * وقال تعالى: * (وتعاونوا على البر والتقوى) * ومن البر إيصال كل أحد حقه.\rوأما القاضي والامين يعزله الامير فليس للامام أن يضيع أمور المسلمين فيبقيهم دون من ينفذ أحكامهم، لكن يكتب أو يوصي إلى القاضي أو الوالي إذا أتاك عهدي فاعتزل عملنا.\rفإن لم يفعل كذلك فكل حكم أنفذه المعزول قبل أن يعلم العزل بحق فهو نافذ، لانه لم يكلف علم الغيب، وقد ظلم الامام إذ عزله دون تقديم غيره، والظلم مردود، ومن باع مال غيره أو تأمر فحكم فوافق أن صاحب ذلك المال المبيع قد كان وكله قبل أن يبيع ما باع، ولم يعلم الوكيل بذلك، أو وافق أن الامام قد كان ولاه ما تأمر عليه، ولم يعلم هو بذلك، فكل ما فعل فمردود منسوخ، لانهما غير مطيعين بما فعلا، بل هما عاصيان لان الطاعة عمل من الاعمال والاعمال بالنيات، ولا نية لهذين فيما فعلا لانهما لم يفعلا كما أمرا بل كما لم يؤمرا.\rكما قلنا قبل فيمن صلى إلى جهة ولا يشك أنها غير القبلة.\rفوافق أنها القبلة فصلاته فاسدة، لانه لم ينو الطاعة المأمور بها، وكذلك من باع فوافق أنه ماله ولا يعلم، أو قد ورثه أو استحقه فبيعه ذلك مردود أبدا، وكذلك هبته وصدقته لو وهبه أو تصدق به.\rوكذلك لو كان عبدا فأعتقه.\rويرد كل ذلك لانه عمل لم يعمل بالنية التي أبيح له أن يعمله بها ولا عمل إلا بنية.\rوأما من لقي امرأة فظنها أجنبية فوطئها فإذا هي زوجته.\rفإنها تستحق بذلك جميع المهر وتحل لمطلقها ثلاثا، لان الوطئ لا يحتاج فيه إلى نية، وقد رجم النبي (ص) بوطئ في الكفر، ولو تزوجها وهو عاقل ثم جن فوطأها\rفي حال جنونه لاستحقت في ماله جميع الصداق بلا خوف، ويلحق به الولد بلا خوف فصح أن الوطئ لا يحتاج فيه إلى نية بإجماع.\rوأما من صام رمضان وهو لا يدري فوافق رمضان فلا يجزيه.\rوكذلك الصلاة يصليها وهو لا يدري أدخل وقتها أم لا.\rلان هذه الاعمال تقضي نية مرتبطة بها لا يصلح العمل إلا بها.\rفإن امتزجت بغير تلك النية أو عدمت ارتباط","part":4,"page":487},{"id":492,"text":"النية بها بطلت، وكذلك الصلاة خاصة.\rفإنها قد دخل فيها عمل يبطلها وهو العبث، وكذلك الزكاة يعطيها بغير نية أنها زكاة.\rقال أبو محمد: وموت الموكل عزل لوكيله البتة.\rوموت الامام بخلاف ذلك، وليس موته عزلا لعماله حتى يعزلهم الامام الوالي بعده، لان مال الموكل قد انتقل إلى وراثة غيره.\rوقد قال تعالى: * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) *، ولان رسول الله (ص) قد مات وله عمال باليمن والبحرين وغيرهما، فلم يختلف مسلمان في أن موته (ص) لم يكن عزلا لمن ولى حتى عزل أبو بكر من عزل منهم.\rوالقياس باطل وهاتان مسألتان قد فرق بينهما النص والاجماع، ولا سبيل إلى الجمع بينهما.\rفصل في النسخ بالاجماع قال أبو محمد: النسخ بالاجماع المنقول عن النبي (ص) جائز لان الاجماع أصله التوقيف من النبي (ص)، إما بنص قرآن أو برهان قائم من آي مجموعة منه، أو بنص سنة أو برهان قائم منها كذلك، أو بفعل منه عليه السلام أو بإقرار منه عليه السلام لشئ علمه.\rفإذا كان الاجماع كذلك فالنسخ به جائز.\rقال أبو محمد: وقد ادعى قوم أن الاجماع صح على أن القتل منسوخ على\rشارب الخمر في الرابعة.\rقال أبو محمد: وهذه دعوة كاذبة، لان عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو يقولان بقتله، ويقولان جيئونا به فإن لم نقتله فنحن كاذبان.\rقال أبو محمد: وبهذا القول نقول، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في رد المؤلف على من أجاز نسخ القرآن والسنة بالقياس قال أبو محمد: وقد أجاز قوم نسخ القرآن والسنة بالقياس.\rقال أبو محمد: وهذا قول تقشعر منه الجلود والقياس باطل، والكلام في إبطاله مكان من هذا الديوان إن شاء الله تعالى، ومن العجب العجيب أن القائلين بهذا الامر العظيم يمنعون من نسخ القرآن بالسنة، فهل في عكس الحقائق","part":4,"page":488},{"id":493,"text":"أعظم من هذا.\rوإذا كان القياس باطلا فالباطل لا يحل استعماله، ولا ترك الحقائق له وقد أجاز قوم نسخ السنة بقول الصاحب.\rقال أبو محمد: وهذا كفرمن قائله، وخروج عن الاسلام لقوله تعالى: * (ايوم أكملت لكم دينكم) * فهذا تكذيب للباري تعالى، ومن كذب وأجاز لاحد أن يزيد في الدين أو يبدله أو ينقص منه فقد كفر، فمن أضل ممن دان بأن غير رسول الله (ص) يبطل برأيه وإرادته دينا أتى به النبي (ص) عن الله عز وجل، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا فإن الامة مجمعة بلا خلاف، على أن خبر التواتر عن رسول الله (ص) لا يحل لاحد أن يعارضه بنظر، وخبر الواحد إذا صح عند القائلين به كخبر التواتر عن رسول الله (ص) في وجوب الطاعة ولا فرق، فمن أجاز نسخه بنظر أو معارضته بقياس، فقد تناقض وخرج عن الاجماع، وفي هذا ما فيه، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب الحادي والعشرون\rفي المتشابه من القرآن والفرق بينه وبين المتشابه في الاحكام قال الله تعالى: * (هو الذي أنزل عليك الكتاب) * الآية، وأنبأنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثنا يزيد بن إبراهيم التستري، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد عن عائشة.\rقالت: تلا رسول الله (ص): * (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أو لوا الألباب) *.\rقالت: قال رسول الله (ص): إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله تعالى فاحذروهم، وبه إلى مسلم قال: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني قال: حدثنا زكريا، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله (ص) يقول،","part":4,"page":489},{"id":494,"text":"- وأهوى النعمان بأصبعه إلى أذنيه: إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن حمى الله محارمه وقال تعالى: * (أفلا يتدبرون القرآن) * وقال تعالى: * (فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين.\rقال أبو محمد: فوجدناه تعالى قد حض على تدبر القرآن، وأوجب التفقه فيه، والضرب في البلاد لذلك ووجدناه تعالى قد نهى عن اتباع المتشابه منه، ووجدناه (ص) قد أخبر بأن المتشابهات - التي بين الحرام البين والحلال البين - لا يعلمها كثير من الناس، فكان ذلك فضلا لمن علمها، فأيقنا أن الذي\rنهى عز وجل عن تتبعه، هو غير الذي أمر بتتبعه وتدبره والتفقه فيه، وأيقنا بلا شك أن المشتبه الذي غبط (ص) عالمه، هو غير المتشابه الذي حذر من تتبعه، هذا الذي لا يقوم في المعقول سواه، إذ لا يجوز أن يكلفنا تعالى طلب شئ، وينهانا عن طلبه في وقت واحد، فلما علمنا ذلك وجب علينا طلب المتشابه الذي أمرنا بطلبه، لنتفقه فيه، وأن نعرف أي الاشياء هو المتشابه الذي نهينا عن تتبعه فنمسك عن طلبه.\rفنظرنا في القرآن وتدبرناه، كما أمرنا تعالى فوجدناه جاء بأشياء منها التوحيد وإلزامه، فكان ذلك مما أمرنا باعتقاده والفكرة فيه، فعلمنا أنه ليس من المتشابه الذي نهينا عن تتبعه، ومنها صحة النبوة وإلزامنا الايمان بها، فعلمنا أن ذلك ليسمن المتشابه الذي نهينا عن تتبعه، ومنها الشرائع المفترضة والمحرمة والمندو ب إليها والمكروهة والمباحة، وذلك كله مفترض علينا تتبعه وطلبه، فأيقنا أن ذلك ليس من المتشابه الذى نهينا عن تتبعه.\rومنها تنبيه على قدرة الله تعالى وذلك مما أمرنا بالتفكر فيه بقوله تعالى: * (أفلا ينظرون إلى الا بل كيف خلقت) * وبقوله تعالى: * (ويتفكرون فخلق السماوات والارض) * مثنيا عليهم، فأيقنا أنه ليس من المتشابه.\rومنها أخبار سالفة جاءت على معنى الوعظ لنا، وهي مما أمرنا بالاعتبار به بقوله تعالى: * (لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب) * فأيقنا أن ذلك ليس من المتشابه","part":4,"page":490},{"id":495,"text":"الذي نهينا عن تتبعه.\rومنها وعد أمرنا وحضضنا على العمل لاستحقاقه، ووعيد حذرنا منه، وكل ذلك مما أمرنا به بالفكرة فيه لنجتهد في طلب الجنة، ونفر عن النار، فأيقنا أن ذلك ليس من المتشابه الذي نهينا عن تتبعه.\rفلما علمنا أن كل ما ذكرنا ليس متشابها، وعلمنا يقينا أنه ليس في القرآن إلا\rمحكم ومتشابه، وأيقنا أن كل محكم فلما أيقنا ذلك ضرورة علمنا يقينا أن ما عدا ما ذكرنا هو المتشابه، فنظرنا لنعلم أي شئ هو فنجتنبه ولا نتتبعه - وإنما طلبناه لنعلم ماهيته لا كيفيته ولا معناه، فلم نجد في القرآن شيئا غير ما ذكرنا، حاشا الحروف المقطعة التي في أوائل بعض السور، وحاشا الاقسام التي في أوائل بعض السور أيضا فعلمنا يقينا أن هذين النوعين هما المتشابه الذي نهينا عن اتباعه، وحذر النبي (ص) من المتبعين له، وكذلك وجدنا عمر رضي الله عنه، قد أوجع صبيا على سؤاله عن تفسير والذاريات.\rفصح ضرورة أن هذين القسمين هما المتشابه الذي نهينا عن ابتغاء تأويله، إذ لم يبق بعد ما ذكرنا مما أمرنا بتتبعه إلا هذان النوعان، فلم يبق غيرهما، فحرام على كل مسلم أن يطلب معاني الحروف المقطعة التي في أوائل السور.\rمثل: * (كهيعص) * و * (حم عسق) * و * (ن) * و * (الم) * و * (ص) * و * (طسم) * وحرام أيضا على كل مسلم أن يطلب معاني الاقسام التي في أوائل السور، مثل: * (والنجم) * و * (الذاريات) * * (والطور) * * (والمرسلات عرفا) * * (والعاديات ضبحا) * وما أشبه ذلك.\rقال أبو محمد: وقد قال قوم: إن المتشابه هو ما اختلف فيه من أحكام القرآن.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ فاحش، لان هذا القول دعوى ورأي من قائله لا برهان على صحته، وأيضا فإن ما اختلف فيه، فلا بد من أن الحق في بعض ما قيل فيه موجود واضح لمن طلبه برهان ذلك قوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * وقوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * فالبيان مضمون موجود، فمن طلبه طلبا صحيحا وفقه الله تعالى، وأيضا فإن الاحكام المختلف فيها فرض علينا تتبعها، وابتغاء تأويلها، وطلب حكمها الحق فيها والعناية بها والعمل بها، وأما المتشابه فحرام علينا بالنص تتبعه وطلب معناه، فبطل بذلك أن يكون المختلف فيه متشابها.\rوإذا بطل ذلك صح أنه محكم، ولا يضر الحق جهل","part":4,"page":491},{"id":496,"text":"من جهل، ولا اختلاف من اختلف فيه.\rوقال آخرون: المتشابه هو ما تقابلت فيه الادلة.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ فاحش، لانه دعوى من قائله بلا برهان، ورأي فاسد، ولان تقابل الادلة باطل، وشئ معدوم لا يمكن وجوده أبدا في الشريعة، ولا في شئ من الاشياء، والحق لا يتعارض أبدا.\rوإنما أتى من أتى في ذلك لجهله بيان الحق، ولاشكال تمييز البرهان عليه مما ليس ببرهان، وليس جهل من جهل في إبطال الحق.\rودليل الحق ثابت لا معارض له أصلا.\rوقد بينا وجوه البراهين في كتابنا التقريب وكتابنا الموسوم بالفصل، وفي كتابنا هذا ولا سبيل إلى أن يأمرنا تعالى بطلب أدلة قد ساوى فيها بين الحق والباطل، ومن نسب هذا إلى الله تعالى فقد ألحد، وأكذبه ربه تعالى إذ يقول: * (تبيانا لكل شئ) * وإذ يقول تعالى: * (قد تبين الرشد من الغي) * وبقوله تعالى: * (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) * فصح أن متشابه الاحكام الذي ذكر (ص) أنها لا يعلمها كثير من الناس مبينة بالقرآن والسنة، يعلمها من وفقه الله تعالى لفهمه من الفقهاء الذين أمر عز وجل بسؤالهم إذ يقول تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) *.\rوقد قال قوم إن قوله تعالى: * (والراسخون في العلم) * معطوف على الله عز وجل.\rقال أبو محمد: وهذا غلط فاحش، وإنما هو ابتداء وخبره في: * (يقولون) * والو أو لعطف جملة على جملة.\rوبرهان ذلك أن الله حرم تتبع ذلك المتشابه، وأخبر أن متبعه وطالب تأويله زائغ القلب مبتغي فتنة، وحذر النبي (ص) ممن اتبعه، ولا سبيل إلى علم معنى شئ دون تتبعه وطلب معناه، فإذا كان التتبع حراما فالسبيل إلى علمه مسدود، وإذا كانت مسدودة فلا سبيل إلى علمه أصلا، فصح أن الراسخين لا يعلمونه أبدا، وأيضا فإن فرضا على العلماء بيان ما علموا الناس كلهم\rيقول الله تعالى: * (لبيننه للناس ولا يكتمونه) * وبقوله عز وجل: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) *.\rقال أبو محمد: فلو علمه الراسخون في العلم، لكان فرضا عليهم أن يبينوه للناس","part":4,"page":492},{"id":497,"text":"ولو لم يبينوه لكانوا ملعونين، ولو بينوه لعلمه الناس، ولو علمه الناس لكان محكما لا متشابها.\rولتساوى فيه الراسخون وغيرهم، وهذا ضد ما قال تعالى، فبطل بذلك قول من ظن أن الراسخين يعلمونه وأما ذمه عليه السلام من جهل تلك المتشابهات إن وقع حولها، فإنما ذلك بنص الحديث خوف مواقعة الحرام البين، فصح أن تلك المتشابهات ليست حراما في ذاتها على من جهلها خاصة، ليست حراما عليه، إذ لم يبلغه تفصيل تحريمها عليه، ولكن الورع أن يتركها خوف وقوعه في الحرام البين.\rقال أبو محمد: وبين صحة قولنا في هذا الباب ما حدثناه عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى بن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، ثنا يزيد بن إبراهيم التستري، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: تلا رسول الله (ص): * (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الالباب) * قالت قال رسول الله (ص): إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم.\rقال أبو محمد: فقد حذر عليه السلام ممن اتبع ما تشابه من القرآن، وقد علمنا أن اتباع أحكامه كلها فرض، فصح أن المتشابه هو غير ما أمرنا بتدبيره\rوالتفقه فيه كما ذكرنا.\rوقد تأول قوم في قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله) * إن ذلك نزل في قوم من المنافقين كانوا يعترضون على التنازل من القرآن ويقولون لعله سينزل غدا نسخه، فيحملون معنى تأويله على أنه مآله.\rأي لا يعلم النازل من القرآن أينسخ أم لا لا إله إلا الله تعالى.\rقال أبو محمد: وهذا فاسد لانه دعوى بلا برهان، وما كان هكذا هو باطل بيقين.\rلقول الله تعالى: * (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وتخصيص ما يقتضيه كلام الله تعالى ما لم يقل وكذب عليه، نعوذ بالله من هذا، وليكن هذا تخصيصا","part":4,"page":493},{"id":498,"text":"للآية بلا دليل.\rوقد أبطلنا تخصيص الظواهر بلا دليل فيما خلا من كتابنا هذا لاننا الآن قد علمنا ما لكل آية في القرآن وغيرها ما قد نسخ منها وما لم ينسخ بعد أبدا.\rوقال قوم أيضا: إن معنى: * (وما يعلم تأويله إلا الله) * أي وما يعلم علة نزول الآيات إلا الله.\rقال أبو محمد: وهذا أيضا فاسد كالذي قبله، لانه دعوى بلا برهان وتقويل لله ما لم يقل، وإخبار عنه تعالى بما لم يخبر به عن نفسه، ولانه لو كان كما ذكروا لكان لنزول الآيات علل لا يعلمها إلا الله عز وجل، وقد أبطلنا قول من قال: إن الله تعالى يفعل لعلة في باب إبطال العلل من كتابنا هذا، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب الثاني والعشرون في الاجماع، وعن أشئ يكون الاجماع وكيف ينقل الاجماع قال أبو محمد: اتفقنا نحن وجميع أهل الاسلام - جنهم وإنسهم - في كل زمان إجماعا صحيحا متيقنا، على أن القرآن الذي أنزله الله على محمد رسول الله (ص) وكل ما قاله محمد (ص) فإنه حق لازم لكل أحد، وإنه دين الاسلام.\rثم\rاختلفوا في الطريق المؤدية إلى رسوله (ص)، فاعلموا رحمكم الله أن من اتبع نص القرآن، وما أسند من طريق الثقات إلى رسول الله (ص) فقد اتبع الاجماع يقينا، وأن من عاج عن شئ من ذلك فلم يتبع الاجماع.\rوكذلك إجماع أهل الاسلام كلهم جنهم وإنسهم، في كل زمان وكل مكان، على أن السنة واجب اتباعها، وأنها ما سنه رسول الله (ص)، وكذلك اتفقوا على وجوب لزوم الجماعة، فاعلموا رحمكم الله أن ما اتبع ما صح برواية الثقات مسندا إلى رسول الله (ص) فقد اتبع السنة يقينا، ولزوم الجماعة وهم الصحابة رضي الله عنهم، والتابعون لهم بإحسان، ومن أتى بعدهم من الائمة وأن من اتبع أحدا دون رسول الله (ص) فلم يتبع السنة، ولا الجماعة وأنه كاذب في ادعائه السنة والجماعة فنحن - معشر المتبعين للحديث المعتمدين عليه - أهل السنة والجماعة حقا بالبرهان الضروري، وأننا أهل الاجماع كذلك، والحمد لله رب العالمين.\rثم اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الاجماع من علماء أهل الاسلام حجة","part":4,"page":494},{"id":499,"text":"وحق مقطوع به في دين الله عز وجل.\rثم اختلفنا، فقالت طائفة: هو شئ غير القرآن وغير ما جاء عن النبي (ص)، لكنه: أن يجتمع علماء المسلمين على حكم لا نص فيه، لكن برأي منهم أو بقياس منهم عن منصوص.\rوقلنا نحن: هذا باطل ولا يمكن البتة أن يكون إجماع من علماء الامة على غير نص - من قرآن أو سنة عن رسول الله (ص) - يبين في أي قول المختلفين هو الحق، لا بد من هذا فيكون من وافق ذلك النص، هو صاحب الحق المأجور مرتين، مرة على اجتهاده وطلبه الحق، ومرة ثانية على قوله بالحق واتباعه له.\rويكون من خالف ذلك النص - غير مستجيز لخلافه، لكن قاصدا إلى الحق مخطئا - مأجورا أجرا واحدا على طلبه للحق، مرفوعا عنه الاثم إذا لم يعمد له.\rوقد تيقن أيضا أن لا يختلف المسلمون في بعض النصوص، ولكن يوقع الله عز وجل لهم الاجماع\rعليه كما أوقع تعالى بينهم الاختلاف فيما شاء أن يختلفوا فيه من النصوص.\rواحتجت الطائفة المخالفة لنا بأن قالت: قال الله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) *.\rقالوا: فافترض الله طاعة أولي الامر، كما افترض طاعة رسوله (ص)، وكما افترض طاعة نفسه عز وجل أيضا ولا فرق.\rفلو كان عز وجل إنما افترض طاعتهم فيما نقلوه إلينا عن رسول الله (ص) لما كان لتكرار الامر بطاعتهم بمعنى، لانه يكتفي عز وجل بذكر طاعة رسوله (ص) فقط، لانها على قولكم معنى واحد، فصح أنه إنما افترض عز وجل طاعتهم فيما قالوه برأي أو قياس، مما ليس فيه نص عن الله تعالى ولا عن رسوله (ص).\rقال أبو محمد: وجمعوا في استدلالهم بهذه الآية إلى تصحيح الاجماع، تصحيح القول بالرأي والقياس فيما ظنوا، وقالوا أيضا: قال عز وجل: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه) * قالوا: وهذه كالتي قبلها، وقالوا أيضا: قال الله عز وجل: * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم) * قالوا: فتوعدوا على مخالفة سبيل المؤمنين أشد الوعيد، فصح فرض اتباعهم فيما أجمعوا عليه، من أي","part":4,"page":495},{"id":500,"text":"وجه أجمعوا عليه، لانه سبيلهم الذي لا يجوز ترك اتباعه.\rوذكروا ما حدثناه عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا سعيد بن منصور، وأبو الربيع العتكي، وقتيبة، قالوا: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبى، عن ثوبان قال: قال رسول الله (ص): لا تزال طائفة\rمن أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله - زاد العتكي وسعيد في روايتهما -: وهم كذلك.\rوبه إلى مسلم حدثنا منصور بن أبي مزاحم، ثنا يحيى بن حمزة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني عمير بن هاني، قال: سمعت معاوية على المنبر يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني، ثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الفريري، ثنا البخاري، ثنا الحميدي، ثنا الوليد هو ابن مسلم، ثنا ابن جابر هو عبد الرحمن بيزيد بن جابر - حدثني عمير بن هاني قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله (ص): لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك قالوا: فصح أنه لا تجتمع أمة محمد (ص) على غير الحق أبدا، لانه (ص) قد أنذر بأنه لا يزال منهم قائم بالحق أبدا.\rقال أبو محمد: وقد روي أنه عليه السلام قال: لا تجتمع أمتي على ضلالة وهذا وإن لم يصح لفظه ولا سنده فمعناه صحيح بالخبرين المذكورين آنفا.\rقال أبو محمد: هذا كل ما احتجوا به، ما لهم حجة غير هذا أصلا.\rقال أبو محمد: وكل هذا حق لا ينكره مسلم ونحن لم نخالفهم في صحة الاجماع، وإنما خالفناهم في موضعين من قولهم.\rأحدهما: تجويزهم أن يكون الاجماع على غير نص.\rوالثاني: دعواهم الاجماع في مواضع ادعوا فيه الباطل، بحيث لا يقطع أنه إجماع بلا برهان.\rأما في مكان قد صح فيه الاختلاف موجودا، وإما في مكان","part":4,"page":496},{"id":501,"text":"لا نعلم نحن فيه اختلافا إلا أن وجود الاختلاف فيه ممكن، نعم، وقد خالفوا\rالاجماع المتيقن على ما تبين بعد هذا إن شاء الله تعالى، فإذا الامر هكذا فلا حجة لهم في شئ من هذه النصوص أصلا فيما أنكرناه عليهم.\rإنما الاخبار التي ذكرنا عن رسول الله (ص) فإنما فيها أن أمته عليه السلام لا تجتمع ولا ساعة واحدة من الدهر على باطل، بل لا بد أن يكون فيهم قائل بالحق وقائم بالحق وقائم به، وهكذا نقول، وهذا الخبر إنما فيه بنص لفظه وجود الاختلاف فقط، وأن مع الاختلاف فلا بد فيهم من قائل بالحق.\rوأما قوله تعالى: * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم) * فإنها حجة قائمة عليهم، والحمد لله رب العالمين، وذلك أن الله تعالى لم يتوعد في هذه الآية متبع على غير سبيل المؤمنين فقط، لا مع مشاقته لرسول الله (ص) بعد أن تبين الهدى وهذا نص قولنا، والحمد لله رب العالمين.\rواعلم أنه لا سبيل للمؤمنين البتة إلا طاعة القرآن والسنن الثابتة على رسول الله (ص)، وأما إحداث شرع لم يأت به نص فليس سبيل المؤمنين، بل هو سبيل الكفر، قال الله تعالى: * (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) *.\rقال أبو محمد: هذه سبيل المؤمنين بنص كلام الله تعالى، لا سبيل لهم غيرها أصلا فعادت هذه الآية حجة لنا عليهم، وأما قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * وقوله تعالى: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم) * فإن هذا مكان قد اختلف الصدر الاول فيه في من هم أولي الامر كما حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي، ثنا محمد بن مفرج، ثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، ثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو معاوية - هو محمد بن خازم الضرير - عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * قال: هم الامراء.\rوروينا عن مجاهد والحسن وعكرمة وعطاء قال: هم الفقهاء، وروينا ذلك بالسند المذكور إلى سعيد بن منصور، عن هشيم وسفيان بن عيينة، قال هشيم:","part":4,"page":497},{"id":502,"text":"أخبرنا أبو معاوية، ومنصور، وعبد الملك بن معاوية، عن الاعمش، عن مجاهد، ومنصور، عن الحسن، وعبد الملك، عن عطاء، وقال سفيان عن الحكم بن أبان عن عكرمة.\rقال أبو محمد: فإذا لم يأت قرآن ببيان أنهم العلماء المجمعون، ولا صح بذلك إجماع، فالواجب حمل الآيتين على ظاهرهما، ولا يحل تخصيصهما بدعوى بلا برهان، لانه مع ذلك تقويل لله عز وجل ما لم يقل، ونحن نقطع بأنه تعالى لاراد بعض أولي الامر دون بعض لبينه لنا، ولم يدعنا في لبس فوجب ما قلناه من حمل الآيتين على عمومهما.\rفنقول: إن أولي الامر المذكورين في الآيتين هو الأراء والعلماء، لأن كلتا الطائفتين أولو الأمر منا، وإذ هذا هو الحق، فمن الباطل المتيقن أن يقول قائل: إن الله تعالى أمرنا بقبول طاعة الامراء العلم فيما لم يأمر به الله تعالى ولا رسوله (ص) فصح أن طاعة العلماء الامراء إنما تجب علينا فيما أمرنا به، مما أمر الله به تعالى ورسوله (ص) فقط.\rوأما قولهم: إن الله تبارك وتعالى لو أراد هذا لاكتفى بالامر بطاعة الرسول عليه السلام على أن يذكر تعالى أولى الامر - فكلام فاسد، لانه يقال لهم: إن قلتم إن ذكره تعالى طاعة أولي الامر منا فيما قالوا برأي أو قياس لا فيما نقلوه إلينا عن النبي (ص)، إذ قد أغنى أمره تعالى بطاعة الرسول عن تكراره -: فيلزمكم سواء بسواء أن تقولوا أيضا: إن أمره تعالى بطاعة رسوله (ص) بعد أمره بطاعة نفسه عز وجل، دليل على أنه عز وجل، إنما أمرنا بطاعة رسول الله (ص) فيما قاله من عند نفسه، لا فيما أتانا به من عند ربه عز وجل، إذ قد أغنى أمر بطاعة نفسه عن تكراره لا فرق بين القولين.\rفإن أبيتم من هذا ظهر تناقضكم وتحكمكم بالباطل بلا بر هان، وإن جسرتم وقلتموه أيضا كنتم أتيتم بعظائم مخالفة للقرآن وللرسول عليه الو للاجماع المتيقن، إذ جوزتم أن يأتي رسول الله (ص) بشرائع لم يوح الله تعا لى بشئ منها إليه قط، والله تعالى قد أكذب هذا القول إذ أمره أن يقول:","part":4,"page":498},{"id":503,"text":"* (إن أتبع إلا ما يوحى) * وإذ يقول عز وجل مخبرا عنه (ص): * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * فأخبر تعالى عن أن النبي (ص) لا ينطق البتة إلا بوحي يوحى إليه، وأنه لا يتبع البتة إلا ما يوحي الله تعالى إليه فقط، فمن كذب ربه فلينظر أين مستقره.\rوإذا جوزتم أن يجمع الناس على شرائع يحدثونها لم يوح بها الله تعالى إلى رسوله (ص) ولا بينها رسوله (ص)، والله تعالى يكذب من قال هذا، إذ يقول: * (ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم) * فالدين قد كمل وما كمل فلا مزيد فيه أصلا.\rوأما تكرار الله تعالى الامر بطاعة رسوله (ص) بعد أمره بطاعة نفسه تعالى، وتكراره الامر بطاعة أولي الامر بعد أمره بطاعة الرسول (ص) وإن كان كل ذلك ليس فيه إلا طاعة ما أمر الله به فقط لا ما لم يأت به الوحي منه عز وجل، فوجه ذلك واضح وهو بيان زائد، لولا مجيئه لالتبس على بعض الناس فهم ذلك الامر، وذلك أنه لو لم يأمرنا الله تعالى إلا على الامر بطاعته فقط، لتوهم بعض الجهال أنه لا يلزمنا إلا ما قاله تعالى في القرآن فقط، وأنه لا يلزمنا طاعة رسوله (ص) فيما جاءنا به مما ليس في نص القرآن، فلما أمر تعالى مع طاعته بطاعة رسوله (ص) ليظهر البيان ولم يمكن أن يمنع من طاعة رسول الله (ص) فيما أمرنا إلا معاند له.\rولو لم يأمرنا تعالى إلاعلى الامر بطاعة أولي الامر منا لامكن أن يهم جاهل فيقول: لا يلزمنا طاعة رسول الله (ص)\rإلا فيما سمعنا منه مشافهة.\rفلما أمرنا تعالى بطاعة أولي الامر منا ظهر البيان في وجوب طاعة ما نقله إلينا العلماء عن النبي (ص) فقط، فبطل أن يكون لهاتين الآيتين متعلق، والحمد لله رب العالمين.\rفإن قالوا: لو كان هذا لمكان قوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * معنى، لا ن ما جاءنا عن الله تعالى وعن النبي (ص) فواجب قبوله، اتفق عليه أو اختلف فيه، فأي معنى للفرق وبين أمره تعالى بطاعة أولي الامر، ثم أمره بالرد عند الشارع إلى الله ورسول ؟ قلنا: ليس في قوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فرد وه إلى الله والرسول) * خلاف لامره تعالى بطاعة أولي الامر، بل كل ذلك ليس فيه إلا طاعة القرآن","part":4,"page":499},{"id":504,"text":"والسنن المبلغة إلينا فقط، ولكن في قوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * معنى زائد ليس فيما تقدم من الآية، وهو نهيه تعالى عن تقليد أحد واتباعه، والامر بالاقتصار على القرآن والسنة فقط ولا مزيد.\rوأيضا والكل من المسلمين متفقون على أن رسول الله (ص) أمرنا أن نصلي إلى بيت المقدس مدة، ثم أمرنا بترك تلك القبلة وبالصلاة إلى مكة، فوجب ذلك، وأنه عليه السلام لو نهانا عن أن نصلي الخمس وعن صوم رمضان لحرم علينا أن نصليها أو نصومه، وهكذا في سائر الشرائع، أفهكذا القول عندكم وأمرنا بذلك بعد جميع أهل الارض ؟ فإن قالوا: نعم، كفروا، وإن قالوا: لا، فرقوا بين طاعته عليه السلام وطاعة أولي الامر.\rفإن قالوا: هذا محال، لا يجوز أن يجمع الناس على ذلك لا نكفر وضلال، قلنا: صدقتم وكذلك أيضا محال لا يجوز أن يجمعوا على إحداث شرع - ليأمر الله تعالى به ولا رسوله (ص) برأي أو بقياس، ولا فرق، فبطل أن يكون لهم في شئ من النصوص المذكورة متعلق بوجه من الوجوه،\rوالحمد لله رب كثيرا.","part":4,"page":500},{"id":505,"text":"وقالوا: لو كان الاجماع لا يكون إلا عن نص وتوقيف لكان ذلك النص محفوظا، لان الله تعالى قال: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * فلما لم يوجد ذلك النص علمنا أن الاجماع ليس على نص.\rقال أبو محمد: وهذا كلام أوله حق وآخره كذب.\rونحن نقول: لا إجماع إلا عن نص، وذلك النص: إما كلام منه (ص) فهو منقول، ولا بد محفوظ حاضر، وإما عن فعل منه عليه السلام فهو منقول أيضا كذلك، وإما إقراره - إذ علمه فأقره ولم ينكره - فهي أيضا حال منقولة محفوظة، وكل من ادعى إجماعا علمه على غير هذه الوجوه كلفناه تصحيح دعواه، في أنه إجماع لا سبيل إلى برهان على ذلك أبدا بأكثر من دعواه، وما كان دعوى بلا برهان فهو باطل، فإن لجأ إلى ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، قلنا له: وهذا تدبير من الكذب والدعوى الافيكة بلا برهان وتمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى في باب بعد هذا - مفرد لبعض قول من قال: إن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع - ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فكيف وفيما ذكرنا ههنا من أنها دعوى بلا برهان كفاية.\rقال أبو محمد: وإذا قد بطل كل ما اعترضوا به، فلنقل بعون الله تعالى على إيراد البراهين على صحة قولنا، قال عز وجل: * (اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) * فأمرنا تعالى أن نتبع ما أنزل ونهانا عن أن نتبع أحدا دونه قطعا، فبطل بهذا أن يصح قول أحد لا يوافق النص، وبطل بهذا أن يكون إجماع على غير نص، لان النص باطل، والاجماع حق، والحق لا يوافق الباطل.\rوقد ذكرنا قوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * فصح أنه لا يحدث بعد النبي (ص) شئ من الدين، وهذا باطل أن يجمع على شئ من الدين لم يأت به قرآن\rولا سنة، ويصح بضرورة العقل أنه لا يمكن أن يعرف أحد ما كلفه الله تعالى عباده إلا بخبر من عنده عز وجل، وإلا فالخبر عنه تعالى بأنه أمر بكذا، ونهي عن كذا كاذب على الله عز وجل إلا أن يخبر بذلك عنه تعالى من يأتيه الوحي من عند ربه فقط.\rوصح أيضا بضرورة العقل، أن من أدخل في الدين حكما يقر بأنه لم يأت به وحي من عند الله تعالى عن رسوله (ص)، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى، وقد ذم الله تعالى ذلك وأنكره في نص القرآن فقال: * (شرعوا","part":4,"page":501},{"id":506,"text":"لهم من الدين ما لم يأذن به الله) *.\rقال أبو محمد: ومن طريق النظر الضروري الراجع إلى العقل والمشاهدة والحس أننا نسأل من أجاز أن يجمع علماء المسلمين على ما لا نص فيه فيكون حقا لا يسع خلافه، فنقول له، وبالله تعالى التوفيق: أفي الممكن عندك أن يجتمع علماء جميع الاسلام في موضع واحد، حتى لا يشذ عنهم منهم أحد بعد افتراق الصحابة رضي الله عنهم في الامصار ؟ أم هذا ممتنع غير ممكن البتة ؟ فإن قال: هذا ممكن، كابر العيان، لان علماء أهل الاسلام قد افترق الصحابة رضي الله عنهم في عصر رسول الله (ص) إلى اليوم وهلم جرا لم يجتمعوا مذ أن افترقوا، فصار بعضهم في اليمن في مدنها، وبعضهم في عمان، وبعضهم في البحرين، وبعض في الطائف وبعض بمكة، وبعض بنجد.\rوبعض بجبل طيئ، وكذلك في سائر جزائر العرب.\rثم اتسع الامر بعده عليه السلام، فصاروا من السند وكابل، إلى مغارب الاندلس، وسواحل بلاد البربر، ومن سواحل اليمن إلى ثغور أرمينية، فما بين ذلك من البلاد البعيدة واجتماع هؤلاء ممتنع غير ممكن أصلا لكثرتهم وتنائي أقطارهم.\rفإن قال: ليس اجتماعهم ممكنا، قلنا: صدقت.\rوأخبرنا الآن كيف الامر إذا قال بعضهم قولالا نص فيه، أتقطع على أنه حق، وأنت لا تدري أيجمع عليه سائرهم أم لا ؟ أم تقففيه ؟ فإن قال: أقطع بأنه حق، قلنا:\rحكمت بالغيب وبما لا تدري، وحكمت بالباطل بلا شك، فإن قال: بل أقف فيه حتى يجمع عليه سائرهم قلنا: فإنما يصح إذ قال به آخر قائل منهم، فلا بد من نعم فيقال لهم: فلو خالفهم فعلى قولك لا يكون حقا، فمن قوله نعم فيقال له: فكيف يكون حقا ما يمكن أمس أن يكون باطلا، وهذا حكم على الله تعالى، وليس هذا حكم الله وكفى بهذا بيانا.\rوأيضا فإن اليقين قد صح بأن الناس مختلفون في هممهم، واختيارهم وآرائهم وطبائعهم الداعية إلى اختيار ما يختارونه، وينفرون عما سواه، متباينون في ذلك تباينا شديدا متفاوتا جدا فمنهم رقيق القلب يميل إلى الرفق بالناس، ومنهم قاسي القلب شديد يميل إلى التشديد على الناس، ومنهم قوي على العمل مجد إلى العزم والصبر والتفرد، ومنهم ضعيف الطاقة يميل إلى التخفيف، ومنهم جانح إلى","part":4,"page":502},{"id":507,"text":"لين العيش يميل إلى الترفيه، ومنهم مائل إلى الخشونة مجنح إلى الشدة، ومنهم معتدل في كل ذلك إلى التوسط، ومنهم شديد الغضب يميل إلى شدة الانكار، ومنهم حليم يميل إلى الاغضاء، ومن المحال اتفاق هؤلاء كلهم على إيجاب حكم برأيهم أصلا، لاختلاف دعاويهم ومذاهبهم فيما ذكرنا، وإنما يجمع ذو الطبائع المختلفة على ما استووا فيه من الادراك بحواسهم، وعلموه ببدائة عقولهم فقط، وليست أحكام الشريعة من هذين القسمين فبطل أن يصح فيها إجماع على غير توقيف، وهذا برهان قاطع ضروري.\rوأما الاجماع على القياس، فيبطل من قرب، لانهم لم يجمعوا على صحة القياس، فكيف يجمعون على ما لم يجمعوا عليه.\rقال أبو محمد: فاعترض فيها بعض المخالفين فقال: قد اختلف الناس في القول بخبر الواحد، وقد أجمع على بعض ما جاء به خبر الواحد.\rقال أبو محمد: وهذا باطل ومخرقة ضعيفة، لان المسلمين لم يختلفوا قط في\rوجوب طاعة رسول الله (ص)، وإنما اختلفوا في الطريق المؤدية إليه (ص) والذين لا يقولون بخبر الواحد.\rثم أجمعوا على حكم ما جاء من أخبار الآحاد - فإنهم يقولون: إنما قلنا به لانه نقل كافة، لا لانه خبر واحد.\rفإن قلتم: إن من القياس ما يوافق النص، قلنا لكم: المتبع حينئذ إنما هو النص ولا نبالي وافقه القياس أو خالفه، فلم نتبع القياس قط وافق النص أو خالفه، وكذلك لا يجوز الاجماع على قول إنسان دون النبي (ص) لانه لا أحد بعده إلا وقد خالفه طوائف من المسلمين في كثير من قوله.\rوأيضا فإن كان من بعده عليه السلام فممكن أن يصيب وأن يخطئ، فاتباع خطأ من أخطأ باطل وأما صواب المصيب في الدين، فإنما هو باتباع النص، فالنص هو المتبع حينئذ لا قول الذي اتبع النص، وإنما يجب اتباع النص سواء وافقه الموافق أو خالفه المخالف.\rوأيضا فإنه يقال لمن أجاز الاجماع على غير نص من قرآن أو سنة عن رسول الله (ص): أخبرونا عما جوزتم من الاجماع - بعد رسول الله (ص) على غير نص، هل يخلو من أربعة أوجه لا خامس لها ؟ إما أن يجمعوا على تحريم شئ مات (ص) ولم يحرمه، أو على تحليل شئ مات رسول الله (ص) وقد حرمه، أو على إيجاب فرض مات رسول الله (ص) ولم يوجبه أو على إسقاط فرض مات","part":4,"page":503},{"id":508,"text":"رسول الله (ص) قد أوجبه، وكل هذه الوجوه كفر مجرد وإحداث دين بدل به دين الاسلام، ولا فرق بين هذه الوجوه، وبين من جوز الاجماع على إسقاط الصلوات الخمس أو بعضها أو ركعة منها، أو على إيجاب صلوا ت غيرها أو ركوع زائدة فيها، أو على إبطال صوم رمضان أو على إيجاب صوم شهر رجب، أو على إبطال الحج إلى مكة، أو على إيجابه إلى الطائف، أو على إباحة الخنزير، أو على تحريم الكبش، كل هذا كفر صراح لا خفاء به.\rفإن\rقالوا: كل هذه نصوص، وإنما جوزنا الاجماع على ما لا نص فيه، قلنا: وكل ما ذكرنا لا نص فيه، وإنما هي شرائع زائدة في دين الله تعالى أو ناقصة منه هذه صفة ما لا نص فيه لا سبيل إلى أن يكون حكم لا نص فيه يخرج من أحد هذين الوجهين.\rفإن قالوا: هذا لا يجوز، رجعوا إلى قولنا من قرب، ومن أجاز شيئا من هذا كفر، وبالله تعالى التوفيق.\rوهذا أيضا برهان قاطع في إبطال القول بالقياس بالرأي والاستحسان لا مخلص منه.\rواعلموا أن قولهم: هذه المسألة لا نص فيها، قول باطل، وتدليس في الدين، وتطريق إلى هذه العظائم، لان كل ما يحرمه الله تعالى على لسان نبيه (ص) إلى أن مات (ص) فقد حلله بقوله تعالى: * (خلق لكم ما في الارض جميعا) * وقوله: * (قد فصل لكم ما حرم عليكم) * وكل ما لم يأمر به عليه السلام فلم يوجبه، وهذه ضرورة لا يمكن أن يقوم في عقل أحد غيرها، وأما كل ما نص يأمر به (ص) بالامر به أو النهي عنه فقد حرمه أو أوجبه فلا يحل لاحد مخالفته، فصح أنه لا شئ إلا وفيه نص جلي فصح أنه لا إجماع إلا على نص، ولا اختلاف إلا في نص كما ذكرنا، ولا قياس يوجب في نص إلا وهو زائد في الدين أو ناقص منه ولا بد.\rثم نقول لهم أيضا: أخبرونا عن الاجماع جملة، هل يخلو من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها بضرورة العقل ؟ أما أن يجمع الناس على ما لا نص فيه كما ادعيتم فقد أريناكم بطلان ذلك، وأنه محال ذلك وأنه محال وجوده لصحة وجود النصوص في كل شئ من الدين أو يكون إجماع الناس على خلاف النص الوارد من غير نسخ أو تخصيص له وردا قبل موت رسول الله (ص) فهذا كفر مجرد كما قدمنا.","part":4,"page":504},{"id":509,"text":"أو يكون إجماع الناس على شئ منصوص فهذا قولنا هذه قسمة ضرورية لا محيد\rعنها أصلا، وإذ هو كما ذكرنا فاتباع النص فرض، سواء أجمع الناس عليه أو اختلفوا فيه، لا يزيد النص مرتبة في وجوب الاتباع أن يجمع الناس عليه، ولا يوهن وجوب اتباع اختلاف الناس فيه، بل الحق حق وإن اختلف فيه، وإن الباطل باطل وإن كثر القائلون به، ولولا صحة النص عن النبي (ص) بأن أمته لا يزال منهم من يقوم بالحق ويقول به - فبطل بذلك أن يجمعوا على باطل - لقلنا: والباطل باطل وإن أجمع عليه، لكن لا سبيل إلى الاجماع على باطل.\rقال أبو محمد: فإذا الامر كذلك فإنما علينا صلب أحكام القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله (ص): إذ ليس في الدين سواهما أصلا ولا معنى لطلبنا هل أجمع على ذلك الحكم أو هل اختلف فيه لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق.\rفإن قيل: فقد صححتم الاجماع آنفا، ثم توجبون الآن أنه لا معنى له، قلنا: الاجماع موجود كما الاختلاف موجود، إلا أننا لم يكلفنا الله تعالى معرفة شئ من ذلك، إنما كلفنا اتباع القرآن وبيان رسول الله (ص) الذي نقله إلينا الامر منا، على ما بينا فقط، ولان أحكام الدين كلها من القرآن والسنن لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما وحي مثبت في المصحف، وهو القرآن وإما وحي غير مثبت في المصحف، وهو بيان رسول الله (ص)، قال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * وقال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) *.\rثم ينقسم كل ذلك ثلاثة أقسام لا رابع لها، إما شئ نقلته الامة كلها عصرا بعد عصر، كالايمان والصلوات والصيام ونحو ذلك، وهذا هو الاجماع ل يس من هذا القسم شئ لم يجمع عليه، وإما شئ نقل نقل تواتر كافة عن كافة من عند نا كذلك إلى رسول الله (ص) ككثير من السنن وقد يجمع على بعض ذلك، وقد يختلف\rفيه، كصلاة النبي (ص) قاعدا بجميع الحاضرين من أصحابه، وكدفعه","part":4,"page":505},{"id":510,"text":"خيبر إلى يهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر يخرجهم إذا شاء وغير ذلك كثير، وإما شئ نقله الثقة عن الثقة كذلك مبلغا إلى رسول الله (ص) فمنه ما أجمع على القول به، ومنه ما اختلف فيه، فهذا معنى الاجماع الذي لا إجماع في الديانة غيره البتة، ومن ادعى غير هذا فإنما يخبط فيما لا يدري، ويقول ما لا علم له، ويقول بما لا يفهم، ويدين بما لا يعرف حقيقته.\rوبالله تعالى التوفيق، وبه نعوذ من التخليط في الدين بما لا يعقل.\rفصل في اختلاف الناس في وجوه من الاجماع قال أبو محمد: ثم اختلف الناس في وجوه من الاجماع، لا علينا أن نذكرها إن شاء الله تعالى، وإن كنا قد بينا آنفا أنه حاجة بأحد إلى طلب إجماع أو اختلاف، وإنما الفرض على الجميع، والذي يحتاج إليه الكل، فهو معرفة أحكام القرآن، وما ثبت عن رسول الله (ص) فقط، كما بينا أن أهل العلم مالوا إلى معرفة الاجماع، ليعظموا خلاف من خالفه، ويزجروه عن خلافه فقط، وكذلك مالوا إلى معرفة اختلاف الناس، لتكذيب من لا يبالي بادعاء الاجماع - جرأة على الكذب، حيث الاختلاف موجود - فيردعونه بإيراده عن اللجاج في كذبه فقط، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: فقالت طائفة: الاجماع إجماع الصحابة رضي الله عنهم فقط، وأما إجماع من بعدهم فليس إجماعا، وقالت طائفة: إجماع أهل كل عصر إجماع صحيح، ثم اختلف هؤلاء، فقالت طائفة منهم: إذا صح إجماع كل عصر ما فهو إجماع صحيح، وليس لهم ولا لاحد بعد أن يقول بخلافه.","part":4,"page":506},{"id":511,"text":"وقالت طائفة منهم أخرى: بل يجب مراعاة ذلك العصر، فإن انقرضوا كلهم ولم يحدثوا ولا أحد منهم خلافا لما أجمعوا عليه، فهو إجماع قد انعقد لا يجوز لاحد خلافه، وإن رجع أحد منهم عما أجمع مع أصحابه فله ذلك، ولا يكون ذلك إجماعا.\rوقالت طائفة: إذا اختلف أهل عصر في مسألة ما فقد ثبت الاختلاف، ولا ينعقد في تلك المسألة إجماع أبدا.\rوقالت طائفة: بل إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ما، ثم أجمع أهل العصر الذي بعدهم على بعض قول أهل العصر الماضي، فهو إجماع صحيح لا يسع أحدا خلافه أبدا، وقالت طائفة: إذا اختلف أهل العصر على عشرة أقوال مثلا أو أقل أو أكثر فهو اختلاف فيما اختلفوا فيه، وهو إجماع صحيح على ترك ما لم يقولوا به من الاقوال، فلا يسع أحدا الخروج على تلك الاقوال كلها، له أن يتخير منها ما أداه إليه اجتهاده.\rوقالت طائفة: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع صحيح لا يجوز خلافه لاحد، وقالت طائفة: ليس إجماعا، وقالت طائفة: إذا اتفق الجمهور على قول خالفهم واحد من العلماء فلا يلتفت إلى ذلك الواحد، وقول الجمهور هو إجماع صحيح، وهذا قول محمد بن جرير الطبري.\rوقالت طائفة: ليس هذا إجماعا.\rوقالت طائفة: قول الجمهور والاكثر إجماع، وإن خالفهم من هو أقل عددا منهم، وقالت طائفة ليس هذا إجماعا.\rوقالت طائفة: إجماع كل أهل المدينة هو الاجماع، وهذا قول المالكيين ثم اختلفوا، فقال ابن بكير منهم وطائفة معه: سواء كان عن رأي أو قياس أو نقلا، وقال محمد بن صالح الابهري منهم وطائفة معه: إنما ذلك فيما كان نقلا فقط.\rوقالت طائفة: إجماع أهل الكوفة، وهذا قول بعض الحنفيين.\rوقالت طائفة: إذا جاء القول عن الصاحب الواحد أو أكثر من واحد من الصحابة ولم يعرف له مخالف منهم، فهو إجماع، وإن خالفه من بعد الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول بعض الشافعيين وجمهور الحنفيين والمالكيين.","part":4,"page":507},{"id":512,"text":"وقال بعض الشافعيين: إنما يكون إجماعا إذا اشتهر ذلك القول فيهم وانتشر، ولم يعرف له منهم مخالف، وأما إذا لم يشتهر ولا انتشر فليس إجماعا، بل خلافه جائز.\rثم ههنا أقوال هي داخلة في باب الهوس إن سلم أصحابها من القصد إلى التلاعب بالدين، كقول بعض الحنفيين: ليس لاحد أن يختار بعد أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد، وأن اختيارات الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق راهويه وأبي ثور وداود بن علي وسائر العلماء - شذوذ خرق الاجماع.\rوكقول بكر بن العلاء القشيري المالكي: إن بعد سنة مائتين قد استقر الامر، وليس لاحد أن يختار، وكقول إنسان ذكره أبو ثور في رسالة له ورد عليه وكان قوله: إنه ليس لاحد أن يخرج عن اختيارات الاوزاعي وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح.\rقال أبو محمد: أصناف الحمق أكثر من أصناف التمر، ويكفي في بطلان كل قول من الدين لم يأت به قرآن ولا سنة ثابتة عن رسول الله (ص) قول الله تعالى: * (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) * وقوله تعالى: * (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * فصح أنه لا برهان في الدين إلا ما حده الله تعالى، وأن حدود الله ليست إلا في كلامه، وبيان رسول الله (ص) فقط وأن من لم يأت في قوله في الدين ببرهان - من القرآن وأن حكم مستند ثابت إلى رسول الله (ص) - فليس من الصادقين، بل هو كاذب آفك\rضال مضل، وبالله تعالى التوفيق، إلا أنه لا بد - بحول الله تعالى - من بيان شبه هذه الاقوال الفاسدة، التي قد عظم خطأ أهلها وكثر اتباعها، لعل الله تعالى يهدي بهداه لنا أحدا - فيكون خيرا لنا من حمر النعم، كما قال رسول الله (ص) - وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل.\rواعلموا أن جميع هذه الفرق متفقة على أن إجماع الصحابة رضي الله عنهم إجماع صحيح، وقائلون بأن كل ما اشتهر فيهم رضي الله عنهم، ولم يقع منهم نكير له، فهو إجماع صحيح، فاعلموا أن إجماع هذه الفرق على ما ذكرنا، حاكم لنا عليهم، وموجب لنا أننا المتبعون للاجماع، وأن مخالفينا كلهم مخالفون للاجماع بإقرارهم، والحمد لله رب العالمين، كما نذكر في الباب المتصل بهذا إن شاء الله تعالى.","part":4,"page":508},{"id":513,"text":"فصل ذكر الكلام في الاجماع إجماع من هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم أم الاعصار بعدهم ؟ وأي شئ هو الاجماع وبأي شئ يعرف أنه إجماع ؟ قال أبو محمد: قال سليمان وكثير من أصحابنا: لا إجماع إلا إجماع الصحابة رضي الله عنهم، واحتج في ذلك بأنهم شهدوا التوقيف من رسول الله (ص)، وقد صح أنه لا إجماع إلا عن توقيف، وأيضا فإنهم رضي الله عنهم كانوا جميع المؤمنين لا مؤمن من الناس سواهم، ومن هذه صفته فإجماعهم هو إجماع المؤمنين، وهو الاجماع المقطوع به، وأما كل عصر بعدهم فإنما بعض المؤمنين لا كلهم، وليس إجماع بعض المؤمنين إجماعا، إنما الاجماع إجماع جميعهم، وأيضا فإنهم كانوا عددا محصورا يمكن أن يحاط بهم وتعرف أقوالهم، وليس من بعدهم كذلك.\rقال أبو محمد: أما قوله: إنهم شهدوا التوقيف من رسول الله (ص) فهو كما قال، وهذا إنما هو حجة في أنه لا إجماع إلا عن توقيف ولا شك في أن إجماع الصحابة رضي الله عنهم إجماع صحيح، وإنما الكلام في الاعصار بعدهم، وقد عارضه مخالفوه\rبأن قالوا: قد يجوز أن يحمل أهل عصر بعدهم على دليل نص قرآن أو سنة، فهذا يدخل في التوقيف، وأما قوله: إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا جميع المؤمنين، وإن من بعدهم إنما هو بعض المؤمنين فقول صحيح يعرف صدقه بالعيان والمشاهدة إلا أنه قد عارض مخالفوه في نكتة من هذه الجملة، وهو أنه قال: إن كان هكذا فإنه مذ مات خديجة رضي الله عنها، أو بعض قدماء الصحابة رضي الله عنهم، فإن الباقين منهم إنما هم بعض المؤمنين لا كلهم أيضا، فقل: إن الاجماع إنما هو إجماع من أسلم منهم بمكة قبل أن يموت منهم أحد، فعارضه بعض أصحابنا بأن قال: نعم، هذا حق، ما جاء قط نص قرآن ولا سنة بتسمية ما اتفق عليه من بقي من بعد من مات إجماعا.\rقال بعض أصحابنا: لا، ولكن نقول: إن كل من مات منهم رضي الله عنهم، فنحن موقنون قاطعون بأنه لو كان حيا لسلم الوحي المنزل من القرآن أو البيان من رسو الله (ص) لانه لم يمت إلا مؤمنا بكل ما ينزل على رسول الله (ص) بعده بلا شك، وليس كذلك من بعدهم، لانه حدث فيمن بعدهم من لا يقول بخبر الواحد الثقة عن رسول الله (ص) فلا نقطع عليهم بطاعة ما حكم به (ص) بخلاف الصحابة الذين من مات منهم فهو داخل في الاجماع بهذه الجملة.","part":4,"page":509},{"id":514,"text":"فعارضه المخالف فقال: إن الامر وإكان كذلك، فمع ذلك فقد كان يمكن أن يخالف الوحي متأولا باجتهاده كما فعل عمروخالد وأبو السنابل وغيرهم، فإن لم يعتد هذا خلافا، لانه وهم من صاحبه، فلا يعتبخلاف أحد من أهل الاسلام للنص - إذا خالفه متأولا باجتهاده - لان كل مسلم كان أو يكون فإنه مسلم لما قاله رسول الله (ص) وحكم به، وإن خالف بعد ذلك متأولا باجتهاده مخطئا، قاصدا إلى الخير في تقديره فقد صار على هذا القول كل حكم إجماعا وبطل الاختلاف.\rقال أبو محمد: وهذا اعتراض غير صحيح، ولا يمنع مما أوجبه أبو سليمان من\rأن من بعد الصحابة إنما هم بعض المؤمنين - لا كلهم لان كل حكم نزل من الله تعالى بعد موت من مات من الصحابة رضي الله عنهم، فلم يكلفوا قط ألا يخالفوا فقط أن لا يخالفوا ذلك الحكم، لانه لم يبلغهم، وإنما يلزمهم الحكم بعد بلوغه.\rقال الله عز وجل: * (لانذركم به ومن بلغ) * وإنما كان يراعي إجماعهم عليه، أو خلافهم له لو بلغهم، وليس من بعدهم - إذا بلغ الحكم - كذلك، بل إن اتبعوه لقد أجمعهم عليه، ومن خالفه منهم مجتهدا فقد وجب الاختلاف في ذلك الحكم.\rوأما قوله: إن عد الصحابة رضي الله عنهم كان محصورا، ممكنا جمعه وممكنا ضبط أقوالهم، وليس كذلك من بعدهم، فإنما كان هذا إذا كانوا كلهم بحضرة رسول الله (ص) قبل تفرقهم في البلاد، وأما بعد تفرقهم فالحال في تعذر حصر أقوالهم كالحال فيمن بعدهم سواء ولا فرق، هذا أمر يعرف بالمشاهدة والضرورة.\rقال أبو محمد: وأما من قال: إن إجماع أهل كل عصر فهو إجماع كل صحيح، فقول الباطل لما ذكرنا من أنهم بعض المسلمين لا كلهم، لكنه حق لما ذكرنا قبل من قول رسول الله (ص): إنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق إلى أن يأتي أمر الله.\rقال أبو محمد: ونحن - إن شاء الله - مبينون كيفية الاجماع بيانا ظاهرا يشهد له الحس والضرورة، وبالله تعالى التوفيق.\rفنقول: إن الاجماع - الذي هو الاجماع المتيقن ولا إجماع غيره - لا يصح تفسيره ولا ادعاؤه بالدعوى، لكن ينقسم قسمين: أحدهما: كل ما لا يشك فيه أحد من أهل الاسلام، في أن من لم يقل به فليس مسلما، كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله: وكوجوب","part":4,"page":510},{"id":515,"text":"الصلوات الخمس، وكصوم شهر رمضان، وكتحريم الميتة والدم والخنزير، والاقرار بالقرآن، وجملة الزكاة، فهذه أمور من بلغته فلم يقر بها فليس مسلما،\rفإذا ذلك كذلك فكل من قال بها فهو مسلم، فقد صح أنها إجماع من جميع أهل الاسلام.\rوالقسم الثاني: شئ شهده جميع الصحابة رضي الله عنهم من فعل رسول الله (ص)، أو تيقن أنه عرفه كل من غاب عنه (ص) منهم، كفعله في خيبر إذ أعطاها يهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر.\rيخرجهم المسلمون إذا شاؤوا.\rفهذا لا شك عند كل أحد في أنه لم يبق مسلم في المدينة إلا شهد الامر أو وصل إليه، يقع ذلك الجماعة من النساء والصبيان الضعفاء.\rولم يبق بمكة والبلاد النائية مسلم إلا عرفه وسر به.\rعلى أن هذا القسم من الاجماع قد خالفه قوم بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، وهما منهم وقصدا إلى الخير وخطأ باجتهادهم فهذان قسمان للاجماع ولا سبيل إلى أن يكون الاجماع خارجا عنهما، ولا أن يعرف إجماع بغير نقل صحيح إليهما.\rولا يمكن أحدا إنكارهما، وما عداهما فدعوى كاذبة، وبالله تعالى ومن ادعى أنه يعرف إجماعا خارجا من هذين النوعين.\rفقد كذب على جميع أهل الاسلام، ونعوذ بالله العظيم من مثل هذا.\rقال أبو محمد: نا محمد بن سعيد بن عمر بن نبات، نا محمد بن أحمد بن مفرج، نا ابن الورد، نا أحمد بن حماد زغبة، نا يحيى بن بكير، نا الليث بن سعد، حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب، قال أخبرني أنس بن مالك: أنه سمع عمر بن الخطاب الغد حين بايع المسلمون أبا بكر في مسجد رسول الله (ص) وقد استوى أبو بكر على المنبر ثم استوى - يعني عمر - فتشهد قبل أبي بكر فقال: أما بعد، فإني قلت لكم أمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله تعالى، ولا في عهد عهده إلي رسول الله (ص)، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله (ص) حتى يدبرنا، فاختار الله لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله، فخذوا به تهتدوا بما هدي له رسول الله (ص).","part":4,"page":511},{"id":516,"text":"قال أبو محمد: فهذا عمر رضي الله عنه على المنبر بحضرة جميع الصحابة - رضي الله عنهم -: يعلن ويعترف بأنه يقول القول لم يجده في قرآن وفي سنة وأنه ليس كما قال.\rولا ينكر ذلك أحد من الصحابة، ويأمر باتباع القرآن ولا يخالفه في ذلك أحد منهم، فصح أن قولنا بألا يتبع ما روي عن أحد من الصحابة إلا أن يوجد في قرآن أو سنة هو إجماع الصحابة الصحيح، وأن وجوب اتباع النصوص هو الاجماع الصحيح، وهو قولنا والحمد لله رب العالمين، وأن من خالف هذين القولين فقد خالف الاجماع الصحيح.\rوكذلك من قلد إنسانا بعينه في جميع أقواله، أو جهل وكده الاحتجاج بجميع أقوال إنسان بعينه، كما فعل الحنفيون والمالكيون والشافعيون -: خلاف متيقن لجميع عصر الصحابة، ولجميع عصر التابعين، ولجميع عصر تابعي التابعين أولهم عن آخرهم، فنحن ولله الحمد المتبعون للاجماع، وهم المخالفون للاجماع المتيقن، نسأل الله تعالى أن يفئ بهم إلى الهدى وأن يثبتنا عليه.\rفصل في من قال إن الاجماع لا يجوز لاحد خلافه وأما من قال: إن الاجماع لا يجوز لاحد خلافه، فقول صحيح.\rوضعوه موضع تلبيس، وأخرجوه مخرج تدليس، وصارت كلمة حق أريد بها باطل، وذلك أنهم أوهموا أن ما لا إجماع فيه، فإن الاختلاف فيه سائغ جائز.\rقال أبو محمد: وهذا باطل، بل كل ما أجمع عليه أو اختلف فيه فهما سوا في هذا الباب، فهلا يحل لاحد خلاف الحق أصلا سواء أجمع عليه أو اختلف فيه، فإقيل: فهلا عذرتم من خالف الاجماع كما عذرتم من خالف فيم فيه خلاف ؟ قلنا: كلا لعمري ما فعلنا شيئا مما تقولون، ولا فرق عندنا فيما نسبتم إلينا الفرق بينه بل قولنا الذي ندين الله تعالى به هو أنه لا حق في الدين فيما جاء به كلام الله تعالى في القرآن، أو بيان رسول الله (ص) للوحي المنزل إليه،\rوأنه لا يحل لاحد خلاف شئ من ذلك، فمن جهل وأخطأ قاصدا إلى الخير، لم يتبين له الحق ولا فهمه، فخالف شيئا من ذلك فسواء أجمع عليه أو اختلف","part":4,"page":512},{"id":517,"text":"فيه، هو مخطئ معذور مأجور مرة، كمن أسلم ولم يبلغه فرض الصلاة، أو كمن أخطأ في القرآن الذي لا إجماع كالاجماع عليه، فأسقط آية أو بدل كلمة أو زادها غير عامد، لكنه مقدر أنه كذلك، فهذا لاإثم عليه ولا حرج.\rوهكذا في كل شئ ومن عمد فخالف ما صح عن النبي (ص)، غير مسلم بقلبه أو بلسانه أنه كحكمه عليه السلام فهو كافر، سواء كان فيما أجمع عليه أو فيما اختلف فيه قال تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * وإن خالف ما صح عنده من ذلك بعلمه، وسلم له بقلبه ولسانه، فهو مؤمن فاسق، كالزاني وشارب الخمر وسائر العصاة، سواء كان مما أجمع عليه أو مما اختلف فيه.\rفهذه الحقائق التي لا يقدر أحد على معارضتها، لا الاقوال المموهة وبالله تعالى التوفيق.\rفصل وأما في من قال بمراعاة انقراض العصر في الاجماع، فمن أحسن قول قيل.\rلأن عصر الصحابة رضى الله عنهم، اتصل مائة عام وثلاثة أعوام.\rلأن سمية أم عامر رضي الله عنها ماتت في أول الاسلام، ثم لم يزالوا يموت منهم من بلغ أجله، كأبي أمامة وخديجة وعثمان بن مظعون وقتلى بدر وأحد وأهل البعوث، عاما عاما.\rومن مات في خلال ذلك، إلى أن مات أنس سنة إحدى وتسعين من الهجرة، وكان عصر التابعين مداخلا لعصر الصحابة رضي الله عنهم، لانه لما أسلم الاثنا عشر رجلا من الانصار رضي الله عنهم، قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر كاملة لانهم أسلموا في ذي الحجة في أيام الحج - وحملوا مع أنفسهم مصعب بن عمير\rرضي الله عنه معلما لهم القرآن والدين، وبقوا كذلك تمام عام، ثم حج منهم سبعون مسلما وثلاث نسوة مسلمات - كلهم يعرف اسمه وحسبه - وهم أهل بيعة العقبة، وتركوا بالمدينة إسلاما كثيرا فاشيا، يتجاوز المائتين من الرجال والنساء ثم هاجر (ص) في ربيع الاول.\rفلا شك في أنه قد مات في تلك الخمسة عشر شهرا منهم موتى من نساء ورجال، لانهم أعداد عظيمة وكلهم من جملة التابعين - وهم الجمهور - إلا من شاهد منهم النبي (ص) وهم الاقل.","part":4,"page":513},{"id":518,"text":"وهكذا كل مسلم ممن أسلم ولم يلق النبي (ص) من جميع جزيرة العرب، كبلاد اليمن، والبحرين، وعمان والطائف، وبلاد مصر وقضاعة، وسائر ربيعة وجبلي طيئ والنجاشي.\rفكل من لم يلق منهم النبي (ص) فهو من التابعين، فلم يزل التابعون يموت منهم الواحد والاثنان والعشرات والمئون والآلاف من قبل الهجرة بسنة وشهرين إلى أن مات آخرهم في حدود ثمانين ومائة من الهجرة، كخلف بن خليفة الذي رأى عمرو بن حريث، وكمن ذكر عنه أنه رأى أنس بن مالك رضي الله عنه، فمن هذا الواهي دماغه الذي يتعاطى مراعاة انقراض أهل عصر، مقدار مائة عام وثلاثة أعوام، ثم عصر آخر مقدار مائة سنة وثمانين سنة، ويضبط أنفاسهم وإجماعهم، هل اختلفوا بعد ذلك أم لا ؟ فكيف أن يوجب ذلك على الناس لا سيما وأهل ذينك العصرين متداخلان مضى كثير من أهل العصر الثاني، قبل انقراض العصر الاول بدهر طويل أكثر من مائة عام، وقد أفتى جمهورهم من الصحابة كعلقمة ومسروق وشريح وسليمان وربيعة وغيرهم ماتوا في عصر الصحابة.\rوهكذا تتداخل الاعصار إلى يوم القيامة.\rوقد اعترض بعضهم في هذا بقول رسول الله (ص): خيركم القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فقلت: بين الامرين فرق كما\rبين النور والظلمة لان الذي تباينت به الاعصار المذكورة، هو شفوف في الفضل لا يلحقه الآخرون، معروف لمن تأخر من قرن الصحابة على من تقدم من قرن التابعين.\rوليس كذلك جواز الفتيا، لانه إن لم تجز الفتيا لتابع حتى ينقرض عصر الصحابة، لم تجز فتيا من ذكرنا ممن مات من التابعين في عصر الصحابة، وهذا باطل، أو يقولون إنه يراعي انقراض عصر التابعين مع عصر الصحابة معا، ففي هذا مراعاة كل عصر إلى يوم القيامة مع عصر الصحابة لتداخل الاعصار، وهذا محال والذي يدخل هذا القول من الجنون أكثر من هذا، لانه يجب على قولهم أنه إذا لم يبق من الصحابة إلا أنس وحده، فإنه كان له ولغيره من","part":4,"page":514},{"id":519,"text":"التابعين أن يرجعوا عما أجمعوا عليه قالها أنس.\rانسد عليهم هذا الباب وألقيت المعلقة فحرم عليهم الرجوع ما كان مباحا لهم قبيل ذلك وكفى بهذا جنونا.\rوليت شعري متى يمكن التطوف عليهم في آفاقهم، بل ألا يزايلهم إلى أن يموتوا ومتى جمعوا له في صعيواحد، ما في الرعونة أكثر من هذا، ولا في الهزل والتدين بالباطل ما يفوق هذا ونعوذ بالله العظيم من الضلال.\rفصل في ما إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ماوأما من قال: إذا اختلف أهل عصر ما، في مسألة ما فقد ثبت الاختلاف ولا ينعقد في تلك المسألة إجماع أبدا فإنه كلام فاسد لان الاختلاف لا حكم له إلا الانكار له والمنع منه وإيجاب القول على كل أحد بما أمر الله تعالى به في كتابه أو على لسان رسوله (ص) فقط ولا مزيد فالاختلاف لا يحل أن يثبت، ولا يسع أحدا خلاف الحق أصلا لكن من خالفه جاهلا متأولا فهو مخطئ معذور مأجور أجرا واحدا كما ذكرنا آنفا.\rوفرض على كل من بلغه الحق أن يرجع إليه فإن عانده بقلبه أو بلسانه عالما بالحق\rفهو كافر وإن عانده بفعله عالما ففاسق، كما قدمنا وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في اختلاف أهل عصر ما ثم إجماع أهل عصر ثان على أحد لاقوال التي اختلف عليه أهل الماضي، فليس لاحد خلاف ما أجمع عليه أهل العصر الثاني، فقد قلنا في تعذر علم هذا بما قلنا آنفا، وسنزيد في ذلك بيانا لا يحيل إن شاء الله تعالى عن ذي لب، وقد قلنا: إنه لا معنى لمراعاة ما أجمع عليه مما اختلف فيه، إنما هو حق أو خطأ، والحق في الدين ليس إلا في كلام الله تعالى أو بيان رسول الله (ص) الثابت عنه بنقل الثقات مسندا فقط.\rوهذا لا يسع أحدا خلافه ولا يقويه ولا يزيده رتبة في أنه حق أن يجمع عليه ولا يوهنه أن يختلف فيه والخطأ هو خلاف النص، ولا يحل لاحد أن يخطئ لانه يعذر","part":4,"page":515},{"id":520,"text":"بتأوله وجهله كما قدمنا أو يكفر بعناده أو بقلبه أو بلسانه أو يفسق بمخالفته بعمله فقط وبالله تعالى ولا سبيل إلى إجماع أهل عصر ما، على خلاف نص ثابت، لان خلاف التوفيق النص باطل، ولا يجوز إجماع الامة على باطل لقول النبي (ص): لا تزال طائفة من أمتي على الحق، فصح أن هذا القول - الذي صدرنا في الباب - فاسد.\rفصل في من قال إن افترق أهل عصر على أقوال كثيرة وأما قول من قال: إن افترق أهل العصر على أقوال كثيرة جدا أو أكثر من واحد، فإن ما لم يقولوه قد صح الاجماع منهم على تركه، فقد قلنا في تعذر معرفة ذلك وحصره، ونقول أيضا إن شاء الله تعالى وقد قلنا، إنه لا يمكن مع ذلك أن يجمع أهل عصر طرفة عين، فما فوقها خطأ على خطأ لاخبار النبي (ص) بأنه: لا تزال طائفة من أمتي على الحق فهذه الاقوال كلها متخاذلة غير موضوعة وضعا\rصحيحا خارجة عن الامكان إلى الامتناع وما كان هكذا فلا وجه للاشتغال به.\rقال أبو محمد: فموهوا ههنا بأن قالوا: قد صح الاجماع من الصحابة رضي الله عنهم بعد رسول الله (ص) على المنع من بيع أمهات الاولاد، وكان بيعهم على عهده (ص) حلالا وقد صح إجماعهم على جلد شار ب الخمر ثمانين جلدة، ولم يكن ذلك على عهده (ص) وقد صح إجماعهم على إسقاط ستة أحرف من جملة الاحرف السبعة التي كانت على عهد رسول الله (ص).\rقلنا: كذبتم وأفكتم، أما جلد شارب الخمر ثمانين فيعيذ الله تعالى عمر من أن يشرع حدا لم يأت به وحي من الله تعالى ورسوله (ص).\rونحن نسألكم: ما الفرق بين ما تدعونه بالباطل من إحداث حد لم يشرعه رسول الله (ص) في الخمر ؟ وبين إثبات حد في اللياطة بقطع الذكر أو في الزنى بجلد مائتين أو بقطع يد الغاصب ؟ أو بقلع أضراس آكل الخنزير ؟ وما الفرق بين هذا كله وبين إسقاط صلاة وزيادة أخرى، وإبطال صوم رمضان وإحداث شهر آخر، ومن أجاز هنا فقد خرج عن الاسلام، وكفر كفرا صراحا، ولحق بالباطنية وغلاة الروافض واليهود والنصارى الذين بدلوا دينهم، وإنما","part":4,"page":516},{"id":521,"text":"جلد عمر الاربعين الزائدة تعزيرا، كما صح عنه أنه كان إذا أتي بمن تتابع في الخمر جلده ثمانين، وإذا أتي بمن لم يكن له منه إلا الوهلة ونحوها جلده أربعين.\rويا معشر من لا يستحي من الكذب، أين الاجماع الذي تدعونه ؟ وقد صح أن عثمان وعليا وعبد الله بن جعفر - بحضرة الصحابة - جلدوا في الخمر أربعين بعد موت عمر.\rكما حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا يحيى بن حماد، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا عبد الله بن الفيروز الداناج\r- مولى ابن عامر - ثنا حصين بن المنذر أبو ساسان قال: شهدت عثمان أتى الوليد يشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، والثاني أنه قاءها، قال عثمان: يا علي قم فاجلده، فقال علي يا حسن قم فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها فكأنه وجد عليه، فقال علي: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده، وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، جلد رسول الله (ص) أربعين، وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكل سنة.\rفإن كان ضرب الثمانين إجماعا، فعثمان وعلي وأبي جعفر والحسن ومن حضرهم خالفوا الاجماع، ومخالف الاجماع عندهم كافر.\rفانظروا فيما تقحمهم آراؤهم.\rوحاشا للائمة الصحابة رضي الله عنهم من الكفر، ومن مخالفة الحق، ومن إحداث شرع لم يأذن به الله تعالى.\rفإن قيل: فما معنى قول علي: وكل سنة.\rقلبا.\rصدق لان التعزير سنة، فإن قيل: إن التعزير عندكم لا يتجاوز عشر جلدات.\rقلنا يمكن أن يجلده عمر لكل كأس عشر جلدات تعزيرا، فهذا جائز، وقد تعلل في هذا الخبر بعض من لا يبالي بما أطلق به لسانه في نصر ضلاله، فإن ذكر ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، حدثنا أبو إسحاق البلخي، ثنا الفربري، ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا خالد بن الحارث، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي حصين أنه حدث قال: سمعت عمير ابن","part":4,"page":517},{"id":522,"text":"سعد النخعي قال: سمعت علي بن أبي طالب قال: ما كنت لاقيم حدا على أحد فيموت فأحد نفسي إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله (ص) لم يسنه.\rقال أبو محمد: فاعجبوا لعمى هذا الانسان، يعلل حديثا صحيحا لا مغمز فيه، بحديث مملوء عللا أولها: أن راويه مختلف فيه، مرة عمير بن سعيد، ومرة عمير\rبن سعد، ومرة نخعي، ومرة حنفي.\rثم الطامة الكبرى كيف يجعل هذا المفتون حجة شيئا يخبر علي عن نفسه أنه يجد في نفسه ما لا يجد من سائر الحدود، فإن كان حقا وسنة، فلم يجد في نفسه أذى حتى يؤدي ديته إن مات من ذلك الجلد، وهلا وجد في نفسه ممن مات في سائر الحدود، وفي هذا كفاية، ثم معاذ الله أن يثبت علي في الدين ما لم يسنه عليه السلام، ثم لو صح لكان وجهه بينا، وهو أنه إنما يجد في الاربعين الزائدة التي جلدوها تعزيرا.\rثم نقول لهم: لو ادعى عليكم ههنا خلاف الاجماع: لصدق مدعي ذلك عليكم، لانكم تقرون أن عمر أول من جلد في الخمر ثمانين، وقد كان استقر الاجماع قبله على أربعين، فقد أقررتم على أنفسكم بخلاف الاجماع، ونسبتم عمر إلى خلاف الاجماع، وقد أعاذه الله تعالى من ذلك، وأما أنتم فأنتم أعلم بأنفسكم، وإقرار كم على أنفسكم لازم لكم، فإن لجاتم إى مراعاة انقراض العصر لزمكم في جلد عثمان وعلي في الخمر أربعين بعدهم ولا فرق.\rوأما أمهات الاولاد فكذبه في ذلك أفحش من كل كذب.\rلان عبد الله بن الربيع قال: ثنا محمد بن إسحاق بن السليم، ثنا ابن الاعرابي، ثنا أبو داود السجستاني، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: بعنا أمهات الاولاد على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا، فهذا عمل الناس أيام رسول الله (ص) وأيام أبي بكر.","part":4,"page":518},{"id":523,"text":"أنبأنا محمد بن سعيد بن ثابت، أنبأنا أحمد بن عون الله، أنبأنا قاسم بن أصبغ أنبأنا محمد بن عبد السلام الخشني، أنبأنا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر - غندر - نا محمد بن سعيد عن، الحكم بن عتيبة، عن زيد بن وهب.\rقال: انطلقت أنا ورجل إلى عبد الله بن مسعود نسأله عن أم الولد، فإذا هو يصلي ورجلان قد اكتنفاه، فلما صلى\rسألاه فقال لاحدهما: من أقرأك قال اقرأنيها أبو عبدة أو أبو الحكم المزني.\rوقال الآخر: أقرأنيها عمر بن الخطاب، فبكى ابن مسعود حتى بل الحصى بدموعه وقال: اقرأ كما أقرأك عمر، فإنه كان للاسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما أصيب عمر انثلم الحصن فخرج الناس من الاسلام وقال: وسألته عن أم الولد فقال: تعتق من نصيب ولدها.\rنا حمام، نا ابن مفرج، نا ابن الاعرابي، نا الدبري، نا عبد الرزاق، نا سفيان بن عيينة، عن الاعمش عن زيد بن وهب.\rقال: مات رجل منا وترك أم ولد، فأراد الوليد بن عقبة بيعها في دينه، فأتينا ابن مسعود فوجدناه يصلي، فانتظرناه حتى فرغ من صلاته فذكرنا ذلك له، فقال: إن كنتم لا بد فاجعلوها في نصيب ولدها.\rوبه إلى عبد الرزاق، عن ابن جريج أنه حدثه قال: أخبرنا عطاء بن أبي رباح، أن ابن الزبير أقام أم حبي أم ولد محمد بن صهيب في مال ابنها وجعلها من نصيبه ويسمى ابنها خالدا.\rقال عطاء وقال عباس: لا تعتق أم الولد حتى يلفظ سيدها بعتقها.\rنا أحمد بن محمد الطلمنكي، نا محمد بن أحمد بن مفرج، نا إبراهيم بن أحمد بن فراس، نا محمد بن علي بن زيد، نا سعيد بن منصور، نا هشيم أخبرنا مغيرة بن مقسم، عن الشعبي، عن عبيدة السلماني أن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب أعتقا أمهات الاولاد قال علي بن أبي طالب: فقضى بذلك عمر حتى أصيب، ثم قضى بذلك عثمان حتى أصيب، فلما وليت رأيت أن أرقهن.\rقال أبو محمد: وهذا قول زيد بن ثابت وغيره، فيقال لهؤلاء الذين قد أعمر الله تعالى أبصارهم أتقرون أن عمر هو أول من منع من بيعهن فمن قولهم: نعم، ويدعونه إجماعا من كل من معه من الصحابة رضي الله عنهم، فيقال لهم: قد أقررتم أن عمر قد خالف الاجماع بهذا الفعل، إذا قلتم إن المسلمين كانوا على بيعهن حتى نهاهم عمر، فهل في خلاف الاجماع أكثر من هذا، أو كذبتم إذ قلتم إن عمر أول من حرم","part":4,"page":519},{"id":524,"text":"بيعهم لا بد من إحداهما.\rوقد أعاذ الله عمر من خلاف الاجماع، وأما أنتم فأعلم بأنفسكم، وإقراركم بذلك على أنفسكم لازم لكم، ثم لو صح لكم أن عمر رضي الله عنه وكل من أجمعوا على ذلك فصار إجماعا للزمكم أن ابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، خالفوا الاجماع وخلاف الاجماع عندكم كفر، فانظروا أي مضايق تقتحمون ومن أي أحواف تتساقطون ؟ ولا بد من هذا أو من كذبكم في دعوى الاجماع على حكم عمر بذلك لا مخرج من أحدهما.\rوأما نحن فدعوى الاجماع عندنا في مثل هذا إفك وكذب، وجرأة على التجليح بالكذب على جميع أهل الاسلام، ولا ينكر الوهم - بالاجتهاد، والخطأ مع قصد إلى طلب الحق والخير - على أحد بعد رسول الله (ص)، ولا نقول في شئ من الدين إلا بنص قرآن أو سنة ثابتة عن رسول الله (ص)، ولا نبالي من خالف في ذلك، ولا نتكثر بمن ولولا، وما، نا أحمد بن قاسم قال: نا أبو قاسم بن محمد بن قاسم، نا جدي قاسم بن أصبغ، نا مصعب بن محمد، نا عبيد الله بن عمر الرقي، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما ولدت مارية إبراهيم قال النبي (ص): أعتقها ولدها مع دلائل من نصوص أخرى ثابتة قد ذكرناها في كتاب الايصال.\rما قلنا إلا ببيع أمها ت الاولاد، لكن السنة الثابتة لا يحل خلافها، وما نبالي خلاف ابن عباس لروايته، فقد يخالفها متأولا أنه خصوص، أو قد ينسى ما روي وما كلفنا الله تعالى قط أن نراعي أقوال القائلين، إنما أمرنا بقبول رواية النافرين ليتفقهوا في الدين المنذرين لمن خلفهم المؤمنين مما بلغهم وصح عنهم عن رسول الله (ص).\rوبالله تعالى التوفيق.\rوأما دعواهم أن عثمان رضي الله عنه أسقط ستة أحرف من جملة الاحرف\rالسبعة المنزل بها القرآن من عند الله عز وجل فعظيمة من عظائم الافك والكذب، ويعيذ الله تعالى عثمان رضي الله عنه من الردة بعد الاسلام.\rولقد أنكر أهل التعسف على عثمان رضي الله عنه أقل من هذا، مما لا نكره فيه أصلا، فكيف لو ظفروا له بمثل هذه العظيمة، ومعاذ الله من ذلك، وسواء عند كل ذي عقل","part":4,"page":520},{"id":525,"text":"إسقاط قراءة أنزلها الله تعالى، أو إسقاط آية أنزلها الله تعالى، ولا فرق، وتالله إن من أجاز هذا غافلا ثم وقف عليه وعلى برهان المنع من ذلك وأصر، فإنه خروج عن الاسلام لا شك فيه، لانه تكذيب لله تعالى في قوله الصادق لنا: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * وفي قوله الصادق: * (إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ئ ثم إن علينا بيانه) * فالكل مأمورون باتباع قرآنه الذي أنزله الله تعالى عليه وجمعه.\rفمن أجاز خلاف ذلك فقد أجاز خلاف الله تعالى، وهذه ردة صحيحة لا مرية فيها، وما رامت غلاة الروافض وأهل الالحاد الكائدون للاسلام إلا بعض هذا.\rوهذه الآية تبين ضرورة أن جميع القرآن كما هو من ترتيب حروفه وكلماته وآياته وسوره، حتى جمع كما هو، فإنه من فعل الله عز وجل وتوليه جمعه، أوحى به إلى نبيه عليه السلام، وبينه عليه السلام للناس، فلا يسع أحدا تقديم مؤخر من ذلك، ولا تأخير مقدم أصلا.\rونحن نبين فعل عثمان رضي الله عنه ذلك بيانا لا يخفى على مؤمن، ولا على كافر، وهو أنه رضي الله عنه علم أن الوهم لا يعزى منه بشر، وأن في الناس منافقين يظهرون الاسلام ويكنون الكفر، هذا أمر يعلم وجوده في العالم ضرورة، فجمع من حضره من الصحابة رضي الله عنهم على نسخ مصاحف مصححة كسائر مصاحف المسلمين إلى كل مصر مصحفا يكون عندهم، فإن وهم واهم في نسخ مصحف، أو وتعمد ملحد تبديل كلمة في المصحف، أو في القراءة، رجع إلى المصحف المشهور\rالمتفق على نقله ونسخه.\rفعلم أن الذي فيه هو الحق، وكيف كان يقدر عثمان على ما ظنه أهل الجهل ؟ والاسلام قد انتشر من خراسان إلى برقة، ومن اليمن إلى أذربيجان، وعند المسلمين أزيد من مائة ألف مصحف، وليست قرية ولا حلة ولا مدينة إلا والمعلمون للقرآن موجودون فيها، يعلمونه من تعلمه، من صبي أو امرأة، ويؤمهم به في الصلوات في المساجد.\rوقد حدثني يونس بن عبد الله بن مغيث قال: أدركت بقرطبة مقرئا يعرف بالقرشي، أحد مقرئين ثلاثة للعامة كانوا فيها، وكان هذا القرشي لا يحسن النحو فقرأ عليه قارئ يوما في سورة ق: * (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت","part":4,"page":521},{"id":526,"text":"منه تحيد) * فرده عليه القرشي تحيد التنوين، فراجعه القارئ وكان يحسن النحو، فلج المقرئ وثبت على التنوين وانتشر ذلك الخبر إلى أن بلغ إلى يحيى بن مجاهد الفزاري الالبيري، وكان منقطع القرين في الزهد والخير والعقل، وكان صديقا لهذا المقرئ، فمضى إليه فدخل عليه، وسلم عليه وسأله عن حاله.\rثم قال له: إنه بعد عهدي بقراءة القرآن على مقرئ فأردت تجديد ذلك عليك، فسارع المقرئ إلى ذلك، فقال له الفزاري: أريد أن أبتدئ بالمفصل، فهو الذي يتردد في الصلوات فقال له المقرئ: ما شئت، فبدأ عليه من أول المفصل، فلما بلغ سورة ق، وبلغ الآية المذكورة ردها عليه المقرئ بالتنوين، فقال له يحيى بن مجاهد: لا تفعل ما هي إلا غير منوتة بلا شك، فلج المقرئ.\rفلما رأى يحيى بن مجاهد لجاجه قال له: يا أخي إنه لم يحملني على القراءة عليك إلا لترجع إلى الحق في لطف، وهذه عظيمة أوقعك فيها قلة علمك بالنحو، فإن الافعال لا يدخلها تنوين البتة، فتحير المقرئ إلا أنه لم يقنع بهذا، فقال يحيى بن مجاهد بيني وبينك المصاحف، فبعثوا فأحضرت جملة من مصاحف الجيران، فوجدوها\rمشكولة بلا تنوين، فرجع المقرئ إلى الحق.\rوحدثني حمام بن أحمد بن حمام قال: حدثني عبد الله بن محمد بن علي، عن اللخمي الباجي قال: نا محمد بن لبانة قال: أدركت محمد بن يوسف بن مطروح الاعرج يتولى صلاة الجمعة في جامع قرطبة، وكان عديم الورع، بعيدا عن الصلاح، قال: فخطبنا يوم الجمعة فتلا في خطبته: * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) * فقرأها بنونين عننتم.\rقال: فلما انصرف أتيناه وكنا نأخذ عنه رأي مالك، فذكرنا له قراءته للآية وأنكرناها، فقال: نعم، هكذا أقرأناها، وهكذا هي، فلج فحاكمناه إلى المصحف فقام ليخرج المصحف ففتحه في بيته وتأمله، فلما وجد الآية بخلاف ما قرأها عليه أنف الفاسق من رجوعه إلى الحق فأخذ القلم وألحق ضرسا زائدا ؟ قال محمد بن عمر: فوالله لقد خرج إلينا والنون لم يتم بعد جفوف مدادها.\rقال أبو محمد: فالاول واهم مغفل، والثاني فاسق خبيث، فلولا كثرة المصاحف بأيدي الناس لتشكك كثير من الناس في مثل هذا إذا شاهدوه ممن يظنون به خيرا أو علما، ولخفي الخطأ والتعمد.\rفمثل هذتخويف عثمان رضي الله عنه، ولقد","part":4,"page":522},{"id":527,"text":"عظمت منفعة فعله ذلك، أحسن الله جزاءه.\rوأما الاحرف السبعة، فباقية كما كانت إلى يوم القيامة، مثبوتة في القراءات المشهورة من المشرق إلى المغرب، ومن الجنوب إلى الشمال، فما بين ذلك، لانها من الذكر المنزل الذي تكفل الله تعالى بحفظه، وضمان الله تعالى لا يخيس أصلا، وكفالته تعالى لا يمكن أن تضيع.\rومن البرهان على كذب أهل الجهل وأهل الافك على عثمان رضي الله عنه في هذا أنبأناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني، نا إبراهيم بن أحمد البلخي، نا الفربري، نا البخاري نا أمية - هو ابن بسطام - نا يزيد بن ربيع عن حبيب بن\rالشهيد عن ابن مليكة عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) * قال قد نسختها الآية الاخرى، فلم تكتبها أو تدعها ؟ قال: يا ابن أخي: لا أغير شيئا منه من مكانه.\rوبه إلى البخاري، نا موسى بن إسماعيل، نا إبراهيم، حدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق.\rفأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.\rفأرسل عثمان إلى حفصة أم المؤمنين، أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بهما إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.\rوقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.\rفهذان الخبران عن عثمان، إذا جمعا صححا قولنا وهو: أنه لم يحل شيئا من القرآن عن مكانه الذي أنزله الله تعالى عليه، وأنه أحرق ما سوى ذلك مما وهم فيه واهم، أو تعمد تبديله متعمد.\rنا عبد الله بن الربيع التميمي، نا عمر بن عبد الملك الخولاني، نا أبو سعيد الاعرابي العزي، نا سليمان بن الاشعث، نا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا","part":4,"page":523},{"id":528,"text":"شعبة عن الحكم عن مجاهد، عن أبي ليلى، عن أبي بن كعب أن النبي (ص) كان عند أضاة بني غفار، فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على حرف.\rفقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق على ذلك، ثم أتاه\rالثانية فذكر نحو هذا حتى بلغ سبعة أحرف، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على سبعة أحرف قرؤوا عليه فقد أصابوا.\rوبه إلى سليمان بن الاشعث، نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله (ص) أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لففته بردائه فجئت به رسول الله (ص) فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال له رسول الله (ص): اقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله (ص): هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ فقرأت، فقال: هكذا نزلت، ثم قال (ص): إن القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه.\rقال أبو محمد: فحرام على كل أحد أن يظن أن شيئا أخبر رسول الله (ص) أن أمته لا تطيق ذلك، أتى عثمان فحمل الناس عليه فأطاقوه، ومن أجاز هذا فقد كذب رسول الله (ص) في قوله لله تعالى: إن أمته لا تطيق على ذلك ولم ينكر الله تعالى عليه ذلك، ولا جبريل عليه السلام وقال هؤلاء المجرمون إنهم يطيقون ذلك، وقد أطاقوه فيا لله ويا للمسلمين أليس هذا اعتراضا مجردا على الله عز وجل مع التكذيب لرسوله (ص) ؟ فهل الكفر إلا هذا ؟ نعوذ بالله العظيم أن يمر بأوهامنا فكيف أن نعتقده.\rوأيضا فإن الله تعالى آتانا تلك الاحرف فضيلة لنا، فيقول من لا يحصل ما يقول: إن تلك الفضيلة بطلت فالبلية إذا قد نزلت، حاشا لله من هذا.\rقال أبو محمد: ولقد وقفت على هذا مكي بن أبي طالب المقرئ رحمه الله، فمرة سلك هذه السبيل الفاسدة فلما وقفته على ما فيها رجع، ومرة قال بالحق في ذلك كما تقول، ومرة قال لي: ما كان من الاحرف السبعة موافقا لخط المصحف فهو\rباق، وما كان منها مخالفا لخط المصحف فقد رفع، فقلت له: إن البلية التي فررت","part":4,"page":524},{"id":529,"text":"منها في رفع السبعة الاحرف باقية بحسبها، في إجازتك رفع حركة واحدة من حركات جميع الاحرف السبعة أكثر من ذلك، فمن أين وجب أن يراعى خط المصحف، وليس هو من تعليم رسول الله لانه كاأميا لا يقرأ ولا يكتب واتباع عمل من دونه من غير توقيف منه عليه السلام لا حجة فيه، ولا يجب قبوله، وقد صححت القراءة من طريق أبي عمرو بن العلاء التميمي مسنده إلى رسول الله (ص): * (إن هذان لساحران) * وهو خلاف خط المصحف وما أنكرها مسلم قط فاضطرب وتلجلج.\rقال أبو محمد: وقد قال بعض من خالفنا في هذا: إن الذين كانوا على عهد رسول الله (ص) كانوا عربا، يصعب على كل طائفة منهم القراءة بلغة غيرهم، فلذلك فسح لهم في القراءة على أحرف شتى من بعدهم كذلك، فقلنا: كذب هؤلاء مرتين، إحداهما على الله تعالى، والثانية على جميع الناس، كذبا مفضوحا جهارا لا يخفى على أحد.\rأما كذبهم على الله عز وجل فإخبارهم بأنه تعالى إنما جعله يقرأ على أحرف شتى لاجل صعوبة انتقال القبيلة إلى لغة غيرها، فمن أخبرهم بها عن الله تعالى أنه من أجل ذلك حكم بما صح أنه تعالى حكم به، وهل يستجيز مثل هذا ذو دين أو مسكة عقل ؟ وهل يعلم مراد الله تعالى في ذلك إلا بخبر وارد من عنده عز وجل ؟ اللهم عياذك من مثل هذا الترامي من حالق إلى المهالك.\rومن أخبر عن مراد غيره بغير أن يطلعه ذلك المخبر عنه على ما في نفسه، فهو كاذب بلا شك، والكذب على الله تعالى أشد من الكذب على خلقه.\rوأما كذبهم على الناس، فبالمشاهدة يدري كل أحد صعوبة القراءة على الاعجمي المسلم من الترك والفرس والروم والنبط والقبط والبربر والديلم\rوالاكراد وسائر قبائل العجم - بلغة العرب التي بها نزل القرآن، أشد مراما من صعوبة قراءة اليماني على لغة المضري والربعي على لغة القرشي بلا شك، وأن تعلم العربي للغة قبيلة مه ن العرب - غير قبيلته - أمكن وأسهل من تعلم الاعجمي للعربية بلا شك، والامر الآن أشد مما كان حينئذ أضعافا مضاعفة، فالحاجة إلى بقاء الاحرف الآن، أشد منها حينئذ، على قول المستسهلين للكذب، في عللهم التي يستخرجونها نصرا لضلالهم، ولتقليدهم من غلط قاصد إلى","part":4,"page":525},{"id":530,"text":"خلاف الحق ولاتباعهم، وله عالم قد حدروا عنها، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.\rوبرهان كذبهم في دعواهم المذكورة أنه لو كان مقالوه حقا، لم يكن لاقتضاء نزوله على سبعة أحرف معنى: بل كان الحكم أن تطلق كل قبيلة على لغتها، وبرهان آخر على كذبهم في ذلك أيضا أن المختلفين في الخبر المذكور الذي أوردناه آنفا أنهما قرآ سورة الفرقان بحرفين مختلفين كانا جميعا بني عم قرشيين من قريش البطاح من قبيلة واحدة جاران ساكنان في مدينة واحدة، وهي مكة، لغتهما واحدة وهما عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قريظ بن رزاح بن عدي بن كعب، وهشام بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن كلاب بن مرة بن كعب، ويجتمعان جميعا في كعب بن لؤي بين كل واحد منهما وبين كعب بن لؤي ثمانية آباء فقط فظهر كذب من ادعى أن اختلا ف الاحرف إنما كان لاختلاف لغات قبائل العرب وأبى ربك إلا أن يحق الحق، ويبطل الباطل، ويظهر كذب الكاذب، ونعوذ بالله العظيم من الضلال والعصبية للخطأ.\rقال أبو محمد: وقال آخرون منهم: الاحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها إنما هي وعد ووعيد وحكم، وزادوا من هذا التقسيم حتى بلغوا سبعة معان.\rقال أبو محمد: المقلدون كالغرقى، فأي شئ وجدوه تعلقوا به.\rقال أبو محمد: وكذب هذا القول أظهر من الشمس، لان خبر أبي الذي ذكرنا وخبر عمر الذي أوردناه - شاهدان بكذبه، مخبران بأن الاحرف إنما هي اختلاف ألفاظ القراءات لا تغير القرآن، ولا يجوز أن يقال في هذه الاقسام التي ذكرنا أيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا، وأيضا فإنهم ليسوا في تقسيمهم هذا بأولى من آخر اقتصر على مبادئ الكلام الاول، فجعل القرآن ثلاثة أقسام فقط: خبرا، وتقديرا، وأمرا بشرع، وجعل الوعد والوعيد تحت قسم الخبر، ولا هم أيضا بأولى من آخر قسم الانواع التي في اشخاص المعاني، فجعل القرآن أقساما كثيرة أكثر من عشرة فقال: فرض وندب ومباح ومكروه","part":4,"page":526},{"id":531,"text":"وحرام ووعد ووعيد، والخبر عن الامم السالفة، وخبر عما يأتي من القيامة والحساب، وذكر الله تعالى وأسمائه، وذكر النبوة، ونحو هذا، فظهر فساد هذا، وأيضا فإن هذه الاقسام التي ذكروا هي في قراءة عمر، كما هي في قراءة هشام بن حكيم ولا فرق، فهذا بيان زائد في كذب هذا التقسيم.\rقال أبو محمد: فإن ذكر ذاكر الرواية الثابتة بقراءات منكرة صححت عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم، مثل ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: * (وجاءت سكرة الموت) * ومثل ما صح عن عمر رضي الله عنه، من قراءة: * (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم والضالين) *، ومن أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يعد المعوذتين من القرآن، وأن أبيا رضي الله عنه كان يعد القنوت من القرآن ونحو هذا.\rقلنا: كل ذلك موقوف على من روى عنه شئ ليس منه عن النبي (ص) البتة، ونحن لا ننكر على من دون رسول الله (ص) الخطأ، فقد\rهتفنا به هتفا، ولا حجة فيما روي عن أحد دونه عليه السلام، ولم يكلفنا الله تعالى الطاعة له ولا أمرنا بالعمل به، ولا تكفل بحفظه، فالخطأ فيه واقع فيما يكون من الصاحب فمن دونه ممن روى عن الصاحب والتابع، ولا معارضة لنا بشئ من ذلك، وبالله تعالى التوفيق.\rوإنما تلزم هذه المعارضة، من يقول بتقليد الصاحب على ما صح عن رسول الله (ص) وعلى القرآن، فهم الذين يلزمهم التخلص من هذه المذلة، وأما نحن فلا، والحمد لله رب العالمين، إلا خبرا واحدا وهو الذي رويناه من طريق النخعي والشعبي، كلاهما عن علقمة بن مسعود، وأبي الدرداء، كلاهما عن رسول الله (ص) أنه أقرأهما: والليل إذا يغشى ئ والنهار إذا تجلى ئ وما خلق الذكر والانثى.\rقال أبو محمد: وهذا خبر صحيح مسند عن النبي (ص).\rقال أبو محمد: إلا أنهما قراءة منسوخة لان قراءة عاصم المشهورة المأثورة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود عن النبي (ص)، وقراءة ابن عامر مسندة إلى أبي الدرداء عن رسول الله (ص): فيهما جميعا: * (وما خلق","part":4,"page":527},{"id":532,"text":"الذكر والانثى) * فهي زيادة لا يجوز تركها، وأنبأنا يونس بن عبد الله بن مغيث القاضي قال: حدثنا يحيى بن مالك بن عابد الطرطوشي، أخبرنا الحسن بن أحمد بن أبي خليفة، أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، نا إبراهيم بن أبي داود، نا حفص بن عمر الحوضي، نا أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: اختلفوا في القراءات على عهد عثمان بن عفان، حتى اقتتل الغلمان والمعلمون، فبلغ ذلك عثمان فقال: عندي تكذبون به وتختلفون فيه، فما تأبى عني كان أشد تكذيبا وأكثر لحنا، يا صحابة محمد: اجتمعوا فاكتبوا للناس، قال: فكتبوا قال: فحدثني أنهم كانوا إذا تراودوا في آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله (ص)\rفلانا، فيرسل إليه وهو على ثلاثة من المدينة فيقول: كيف أقرأك رسول الله (ص) ؟ فيقول: كذا وكذا فيكتبونها، وقد تركوا لها مكانا.\rقال أبو محمد: فهذه صفة عمل عثمان رضي الله عنه، بحضرة الصحابة رضي الله عنهم في نسخ المصاحف، وحرق ما حرق منها مما غير عمدا وخطأ، ومن العجب أن جمهرة من المعارضين لنا، وهم المالكيون، قد صح عن صاحبهم ما ناه المهلب بن أبي صفرة الاسدي التميمي، قال ابن مناس: نا ابن مسرور، نا يحيى نا يونس بن عبد الاعلى، نا ابن وهب، حدثني ابن أنس قال: أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا: * (إن شجرة الزقوم ئ طعام الاثيم) * فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فقال له ابن مسعود: طعام الفاجر.\rقال ابن وهب: قلت لمالك: أترى أن يقرأ كذلك ؟ قال: نعم أرى ذلك واسعا فقيل لمالك: أفترى أن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله ؟ قال مالك: ذلك جائز، قال رسول الله (ص): أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا منه ما تيسر مثل: تعلمون يعلمون، قال مالك: لا أرى في اختلافهم في مثل هذا بأسا، ولقد كان الناس ولهم مصاحف، والستة الذين أوصى لهم عمر بن الخطاب كانت لهم مصاحف.\rقال أبو محمد: فكيف يقولون مثل هذا ؟ أيجيزون القراءة هكذا فلعمري لقد هلكوا وأهلكوا، وأطلقوا كل بائقة في القرآن أو يمنعون من هذا، فيخالفون صاحبهم في أعظم الاشياء وهذا إسناد عنه في غاية الصحة وهو مما","part":4,"page":528},{"id":533,"text":"أخطأ فيه مالك مما لم يتدبره، لكن قاصدا إلى الخير، ولو أن أمرا ثبت على هذا وجازه بعد التنبيه له على ما فيه، وقيام حجة الله تعالى عليه في ورود القرآن بخلاف هذا لكان كافرا، ونعوذ بالله من الضلال.\rقال أبو محمد: فبطل ما قالوه في الاجماع بأوضع بيان والحمد لله رب العالمين.\rفصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، وبسط الكلام فيما هو إجماع، وفيما ليس إجماعا قال أبو محمد: قد ذكرنا قبل قسمي الاجماع الذي لا إجماع في العالم غيرهما أصلا، وهما: إما شئ لا يكون مسلما من لا يعتقده، كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والبراءة من كل دين يخالف دين الاسلام، كجملة القرآن وكالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان.\rفإنه لا يشك مؤمن ولا كافر في أن رسول الله (ص) دعا الناس إلى هذه الشهادة، وحكم باسم الاسلام وحكمه لمن أجابه إليها، وحكم باسم الكفر وحكمه لمن لم يجبه إليه، وأن أهل الاسلام بعده عليه السلام جروا على هذا إلى يومنا هذا.\rولا يشك مؤمن ولا كافر في أنه (ص) صلى الصلوات الخمس بكل من حضره خمس مرات كل يوم وليلة، وصلاها النساء وأهل العذر في البيوت كذلك، وصلاها أهل كل محلة، وأهل كل قرية، وأهل كل محلة في كل مدينة فيها إسلام، في كل يوم من عهده عليه السلام إلى يومنا هذا، لا يختلفون في ذلك، وكذلك الاذان والاقامة والغسل من الجنابة والوضوء.\rولا يشك مؤمن ولا كافر في أنه (ص) صام شهر رمضان الذي بين شوال وشعبان في كل عام، وصامه كل مسلم بالغ حاضر من رجل أو امرأة معه وفي زمانه وبعده في كل مكان، وفي كل عام إلى يومنا هذا ولا يشك مؤمن ولا كافر في أنه (ص) حج إلى مكة في ذي الحجة، وحج معه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم عز وجل، ثم حج الناس إلى يومنا هذا كل عام إلى مكة في ذي الحجة.","part":4,"page":529},{"id":534,"text":"وهكذا جملة القرآن لا يشك مؤمن ولا كافر في أنه (ص) أتى به وذكر أن الله تعالى أوحاه إليه، وكذلك تحريم الام والابنة والجدة والخالة والعمة والاخت وبنت الاخت وبنت الاخ، والخنزير والميتة، وكثير سوى هذا.\rقطع كل مؤمن وكافر أنه ص) وقف عليه وعلمه المسلمين، وعلمه المسلمون جيلا في كل زمان وكل مكان قطعا، إلا من أفرط جهله ولم يبلغه ذلك من بدوي أو مجلوب من أهل الكفر.\rولا يختلف في أنه إذا علمه فأجاب إليه فهو مسلم، وإن لم يجب إليه فليس مسلما، وأن في بعض ما جرى هذا المجرى أمورا حدث فيها خلاف بعد صحة الاجماع وتيقنه عليها، كالخمر والجهاد وغير ذلك، فإن بعض الناس رأى ألا يجاهد مع أئمة الجور.\rوهذا يعذر لجهله وخطأه ما لم تقم عليه الحجة، فإن قامت عليه الحجة وتمادى على التدين بخلاف رسول الله (ص)، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال لقوله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) *.\rلآية: فإن قيل: فقد قال رسول الله (ص): لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن فهلا أخرجتم بهذه الاشياء من الايمان كما أخرجتم من الايمان بوجود الحرج مما قضى (ص)، وترك تحكيمه.\rقلنا: لانه (ص) أتى بالزاني والسارق والشارب، فحكم فيهم بالحكم في المسلمين لا بحكم الكافر فخرجوا بذلك من الكفر، وبقي من لم يأت بإخراجه عن الكفر على الكفر، والخروج عن الايمان كما ورد فيه النص، فهذا أحد قسمي الاجماع.\rوالثاني: شئ يوقن بالنقل المتصل الثابت، أن رسول الله (ص) علمه وفعله\rجميع من بحضرته، ومن كان مستضعفا أو غائبا بغير حضرته، كفتح خيبر وإعطائه إياها بعد قسمتها على المسلمين لليهود على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم، ولهم نصف ما يخرج منها من زرع أو تمر، على أن المسلمين يخرجونهم متى شاؤوا.\rوهكذا كل ما جاء هذا المجئ، فهو إجماع مقطوع علصحته من كل مسلم علمه أو بلغه، على أنه قد خالف في هذا بعد ذلك من وهم أو خط، فعذر","part":4,"page":530},{"id":535,"text":"لجهله ما لم تقم عليه الحجة، وكما ذكرنا قبل ولا فرق فلا إجماع في الاسلام إلا ما جاء هذا المجئ، ومن ادعى إجماعا فيما عدا ما ذكرنا فهو كاذب آفك مفتر على جميع المسلمين، قائل عليهم ما لا علم له به.\rوقد قال تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * وقال تعالى ذاما لقوم قالوا: * (إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) * وقال تعالى: * (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم مممن ربهم الهدى) * وقال تعالى: * (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) *.\rفصح بنص كلام الله تعالى - الذي لا يعرض عنه مسلم - أن الظن هو غير الحق وإذ هو غير الحق فهو باطل وكذب بلا شك، إذ لا سبيل إلى قسم ثالث، وقال رسول الله (ص): * (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) *.\rقال أبو محمد: فهذا هو الحق الذي لا يحيل عليه من سمعه، ثم حدث بعد القرن الرابع طائفة قلت مبالاتها بما تطلق به ألسنتها في دين الله تعالى، ولم تفكر فيما تخبر به عن الله عز وجل، ولا عن رسوله (ص)، ولا عن جميع المسلمين، قصرا لتقليد من لا يغني عنهم من الله شيئا، من أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله، الذين قد برئوا إليهم عما هم عليه من التقليد، فصاروا إذا أعوزهم شغب ينصرون به فاحش خطأهم في خلافهم نص القرآن، ونص حكم رسول الله (ص).\rوبلحوا وبلدوا ونطحت أظفارهم في الصفا الصلد\rأرسلوها إرسالا فقالوا: هذا إجماع، فإذا قيل لهم: كيف تقدمون على إضافة الاجماع إلى من لم يروا عنه في ذلك كله ؟ أما تتقون الله ؟ قال أكابرهم: كل ما انتشر في العلماء واشتهر ممن قالته طائفة منهم، ولم يأت على سائر خلاف له، فهو إجماع منهم لانهم أهل الفضل والذين أمر الله تعالى بطاعتهم، فمن المحال أن يسمعوا ما ينكرونه ولا ينكرونه، فصح أنهم راضون به، هذا كل ما موهوا به ما لهم متعلق أصلا بغير هذا، وهذا تمويه منهم ببراهين ظاهرة لا خفاء بها، نوردها إن شاء الله عز وجل وبه نستعين.\rقال أبو محمد: أول ما نسألكم عنه أن نقول لكم، هذا لا تعلمون فيه خلافا، أيمكن أن يكون فيه خلاف من صاحب أو تابع أو عالم بعدهم لم يبلغكم أم لا يمكن ذلك البتة ؟ فإن قالوا عند ذلك: إن قال هذا القول عالم كان ذلك إجماعا، وإن","part":4,"page":531},{"id":536,"text":"قاله غير عالم لم يكن ذلك إجماعا.\rقلنا لهم: قد نزلتم درجة وسؤالنا باق لذلك العالم بحسبه، كما أوردناه سواء بسواء، فإن قالوا: بل يمكن أن يكون في ذلك خلاف لم يبلغ ذلك العالم، قلنا: فقد أقررتم بالكذب، إذ قطعتم بأنه إجماع وجوزتم مع ذلك أن يكون الخلاف فيه موجودا.\rفإن قالوا: بل يمكن أن يكون في ذلك خلاف قلنا: ومن أين لكم بأن ذلك لعالم أحاط بجميع أقوال أهل الاسلام ؟ ونحن نبدأ لكم بالصحابة رضي الله عنهم فنقول: بالضرورة ندري يقينا لا مرية فيه بأنهم كانوا عشرات ألوف فقد غزا (ص) حنينا في اثني عشر ألف إنسان، وغزا تبوك في أكثر من ذلك، وحج حجة الوداع في أضعاف ذلك، ووفد عليه من كل بطن من بطون قبائل العرب وفودا أسلموا وسألوه عن الدين، وأقرأهم القرآن، وصلوا معه، كلهم يقع عليه اسم الصحابة.\rولقد تقصينا من روى عنه فتيا في مسألة واحدة فأكثر، فلم\rنجدهم إلا مائة وثلاثة وخمسين، بين رجل وامرأة فقط، مع شدة طلبنا في ذلك وتهممنا وليس منهم مكثرون إلا سبعة فقط وهم: عمر وابنه عبد الله، وعلي وابن عباس وابن مسعود وأم المؤمنين عائشة وزيد بن ثابت، والمتوسطون فهم ثلاثة عشر فقط، يمكن أن يوجد في فتيا كل واحد منهم جزء صغير.\rفهؤلاء عشرون فقط، والباقون مقلون جدا، فيهم من لم يرو عنه إلا فتيا في مسألة واحدة فقط، ومنهم في مسألتين وأكثر من ذلك، يجتمع من فتيا جميعهم جزء واحد، هو إلى أصغر أقرب من الكبر، أفترى سائرهم لم يفت ولا مسألة ؟ إلا هذا والله هو الكذب البحت والافك والبهت، ثم ما قد نص الله تعالى في قرآنه من أن طوائف من الجن أسلموا.\rقال: * (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا) * وقال تعالى حاكيا عنهم أنهم قالوا: * (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك) * وأنهم قالوا: * (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا) *.\rوصح عن النبي (ص) بأنه أخبر بأن وفدا من الجن أتوه وأسلموا وبايعوه وعلمهم القرآن، فصح أن منهم مسلمين صالحين راشدين من خيار","part":4,"page":532},{"id":537,"text":"الصحابة، هذا لا ينكره مسلم، ومن أنكره كفر وحل دمه، فيا هؤلاء هبكم جسرتم على دعوى العلم بقول عشرات ألوف من الناس من الصحابة - وإن لم بلغكم عنهم فيما ادعيتم إجماعهم عليه كلمة - أتراكم يمكنكم الجسر على دعوى إجماع أولئك الصحابة من الجن على ما تدعون بظنكم الكاذ ب الاجماع عليه ؟ لئن أقدمكم على ذلك القاسطون من شياطين الجن فانقدتم لهم لتضاعف فضيحة كذبكم وليلوحن إفككم لكل صغير وكبير، ولئن ردعكم عن ذلك رادع ليبطل دعواكم الاجماع.\rوهذا لا مخلص منه، فإنهم كسائر الصحابة، مأمورون\rمنهيون، مؤمنون موعودون متوعدون، ولا فرق.\rإن قالوا: إن شرائعهم غير شرائعنا قلنا: كذبتم، بل شرائعنا وشرائعهم سواء لتصديق الله تعالى لهم في قولهم: * (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون) * والاسلام واحدا إلا ما جاء به نص صحيح بأنهم خصوا به، كما خصوا أيضا طوائف من الناس كقريش بالامامة، وبني عبد المطلب بالخمس من الخمس، ونحو ذلك.\rثم انقضى عصر الصحابة رضي الله عنهم، وأتى عصر التابعين، فملؤوا الارض بلاد خراسان وهي مدن عظيمة كثيرة وقرى لا يحصيها إلا خالقها عز وجل، وكابل، وفارس، وأصبهان، والاهواز، والجبال وكرمان وسجستان ومكران، والسودان، والعراق، والموصل، والجزيرة وديار ربيعة وأرمينية وأذربيجان والحجاز واليمن والشام، ومصر والجزائر وإفريقية وبلاد البربر، وأرض الاندلس ليس فيها قرية كبيرة إلا وفيها من يفتي، ولا فيها مدينة إلا وفيها مفتون، فمن الجاهل القليل الحياء المدعي إحصاء أقوال كل مفتي في جميع هذه البلاد، مذ أفتوا إلى أن ماتوا ؟ إن كل واحد يعلم ضرورة أنه كذاب آفك ضعي ف الدين، قليل الحياء فبطل دعوى الاجماع كما بطل كل محال مدعي إلا حيث ذكرنا قبل فقط.\rفإن قالوا: إنما يقول المرء: هذا إجماع عندي فقط، قلنا: قوله هذا كلاقول لان الاجماع عنده إذا لم يكن إجماعا عند غيره، فمن الباطل أن يكون الشئ مجمع عليه عند غير مجمع عليه معا.\rوأيضا فإن قوله: هذا إجماع عندي باطل لانه منهي عن القطع بظنه، فمعنى قوله هذا إنما هو أنه يظن إجماع، وقد","part":4,"page":533},{"id":538,"text":"مضى الكلام في المنع من القطع بالظن، وقال تعالى: * (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم) * الآية، وقال تعالى: * (هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) *.\rوهذا مالك يقول في موطئه - إذ ذكر وجوب رد اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عليه - ثم قال: هذا ما لا خوف فيه عن أحد من الناس ولا في بلد من البلدان.\rقال أبو محمد: وهذه عظيمة جدا، وإن القائلين بالمنع من رد اليمين اكثر من القائلين بردها.\rونا أحمد بن محمد بن الجسور، نا وهب بن مسرة، نا ابن وضاح، نا سحنون، نا ابن القاسم قال: نا مالك: ليس كل أحد يعرف أن اليمين ترد ذكر هذا في كتاب السرقة من المدونة.\rهذا الشافعي يقول في زكاة البقر: في الثلاثين تبيع، وفي الاربعين مسنة لا أعلم فيه خلافا، وإن الخلاف في ذلك عن جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب وقتادة، وعمال ابن الزبير بالمدينة، ثم عن إبراهيم النخعي، وعن أبي حنيفة: لاشهر من أن يجهله من يتعاطى العلم، إلى كثير لهم جدا من مثل هذا إلا من قال لا أعلم خلافا، فقد صدق عن نفسه، ولا ملام عليه، وإنما البلبلة والعار والنار على من أقدم على الكذب جهارا، فادعى الاجماع إذ لم يعلم خلافا.\rوقد ادعوا أن الاجماع على أن القصر في أقل من ستة وأربعين ميلا غير صحيح وبالله إن القائلين من الصحابة والتابعين بالقصر في أقل من ذلك لاكثر أضعافا من القائلين منهم بالقصر في ستة وأربعين ميلا ولو لم يكن لهؤلاء الجهال الذين لا علم لهم بأقوال الصحابة والتابعين، إلا الروايات عن مالك بالقصر في ستة وثلاثين ميلا، وفي أربعين ميلا، وفي اثنين وأربعين ميلا، وفي خمسة وأربعين ميلا، ثم قوله: من تأول فأفطر في ثلاثة أميال في رمضان لا يجاوزها فلا شئ عليه إلا القضاء فقط.\rوادعوا الاجماع على أن دية اليهودي والنصراني تجب فيها ثلث دية المسلم لا أقل، وهذا باطل.\rروينا عن الحسن البصري بأصح طريق أن ديتهما كدية","part":4,"page":534},{"id":539,"text":"المجوسي ثمانمائة درهم، وادعوا الاجماع أنه يقبل في القتل شاهدان.\rوقروينا عن الحسن البصري بأصح طريق: أنه لا يقبل في القتل إلا أربعة كالزنى، ومثل هذا لهم كثير جدا، كدعواهم الاجماع على وجوب خمس من الابل في الموضحة، وغير ذلك كثير جدا، ولقد أخرجنا على أبي حنيفة والشافعي ومالك مئين كثيرة من المسائل، قال فيها كل واحد منهم بقول، لا نعلم أحدا من المسلمين قاله قبله، فاعجبوا لهذا.\rفقالوا: إنما نقول ذلك، إذا انتشر القول في الناس فلم يحفظ عن أحد من العلماء إنكار ذلك، فحينئذ نقول: إنه إجماع لما ذكرنا من أنهم يقرون على ما ينكرون كما نقول في أصحاب مذهب الشافعي وأصحاب مذهب مالك وأصحاب مذهب أبي حنيفة، وإن لم يرو لنا ذلك عن واحد منهم، وكما نقول ذلك في أهل البلاد التي غلبت عليها الشبه والروافض، والاعتزال ومذهب الخوارج، أو مذهب مالك، أو الشافعي أو أبي حنيفة، وإن لم يرو لنا ذلك عن كل واحد من أهلها.\rقلنا لهم: لم تخلصوا من هذا القول الذي هو حسبكم واحد منهم في كتابكم وآخرها إلا على كذبتين زائدتين على كذبكم في دعوى الاجماع، كنتم في غنى عن اختفائهما إحداهما: قولكم إنكم تقولون ذلك إذا انتشر قول طائفة من الصحابة أو من بعدهم فقالوا ههنا: فمن هذا نسألكم من أين علمتم بانتشار ذلك القول ؟ ومن أين قطعتم بأنه لم يبق صاحب من الجن والانس إلا علمه ؟ ولا يفتي في شرق الارض ولا غربها عالم إلا وقد بلغه ذلك القول ؟ فهذه أعجوبة ثانية، وسوأة من السوءات لا يجيزها إلا ممخرق يريد أن يطبق عين الشمس نصرا لتقليده، وتمشية لمقولته المنحلة عما قريب، ثم يندب حين لا تنفعها الندامة.\rوالكذبة الاخرى قولكم: فلم ينكروها ؟ فحتى لو صح لكم أنهم كلهم علموها، فمن أين قطعتم بأنهم لم ينكروها، وأنهم رضوها ؟ وهذه طامة أخرى.\rونحن نوجدكم أنهم قد علموا ما أنكروا، وسكنوا عن إنكاره لبعض الامر.\rنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود، نا أحمد بن دحيم بن خليل، نا إبراهيم بن حمادة نا","part":4,"page":535},{"id":540,"text":"إسماعيل بن إسحاق القاضي، نا علي بن عبد الله - هو ابن المديني - نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي عن محمد بن إسحاق الزهري - محمد بن مسلم بن شهاب - عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود أنه وزفر بن أوس بن الحدثان أتيا عبد الله بن عباس فأخبرهما بقوله في إبطال العول وخلافه لعمر بن الخطاب في ذلك، قال، فقال له زفر: فما منعك يا ابن عباس أن تشير عليه بهذا الرأي ؟ قال: هبته.\rنا حمام بن أحمد، نا ابن مفرج، نا ابن الاعرابي، ثنا الدبري، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه أن أبا أيوب الانصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استخلف عمر تركهما، فلما توفي عمر ركعهما، قيل له، ما هذه ؟ قال: إن عمر كان يضرب الناس عليهما.\rنا جهم، نا ابن مفرج، نا ابن الاعرابي الديري، نا عبد الرزاق، عن معمر أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه: أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، جاء عمر بن الخطاب بأمة سوداء كانت لحاطب، فقال: إن العتاقة أدركت وقد أصابت فاحشة وقد أحصنت، فدعاها عمر فسألها عن ذلك.\rفقالت: نعم من مرعوش بدرهمين، وهي حينئذ تذكر ذلك لا ترى به بأسا، فقال عمر لعلي وعبد الرحمن وعثمان: أشيروا علي، فقال علي وعبد الرحمن: نرى أن ترجمها، فقال عمر لعثمان: أشر، فقال: قد أشار عليك أخواك، قال: عزمت عليك إلا أشرت علي برأيك، قال: فإني لا أرى الحد إلا على من علمه، وأراها تستهل به كأنها لا ترى به بأسا، فقال عمر: صدقت والذي نفسي بيده، ما الحد إلا عمن علمه.\rفضربها عمر مائة وغربها عاما.\rوبه عبد الرزاق، نا ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه أن يحيى\rبن عبد الرحمن بن حاطب حدثه، قال: توفي عبد الرحمن بن حاطب وأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه، فلم يرعها إلا حبلها وكانت ثيبا فذهب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحدثه فأرسل إليها عمر فسألها فقال: أحبلت ؟ فقال: نعم من مرعوش بدرهمين، وإذا هي تستهل به لا تكتمه فصاد ف عنده علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف","part":4,"page":536},{"id":541,"text":"وعثمان، فقال: أشيروا علي، وكان عثمان جالسا فاضطجع، فقال علي وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد، فقال عمر: أشر علي يا عثمان، قال: قد أشار عليك أخواك، قال: أشر علي أنت.\rقال عثمان: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علمه، فأمر بها عمر فجلدت مائة وغربها، ثم قال لعثمان: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه.\rفهذا ابن عباس يخبر أنه منعته الهيبة من الانكار على عمر فيما يقطع ابن عباس أنه الحق، ويدعو فيه إلى المباهلة عند الحجر الاسود، وهذا أبو أيوب رجل صاحب رسول الله (ص) يدعي الانكار على عمر ضربه على الصلاة بعد العصر وبعيد ضربه، وهذا عثمان سكت وقد رأي أمرا أنكره في أشنع الاشياء وأعظمها وهو دم حرام يسفك بغير واجب، سأله عمر فتمادى على سكوته إلى أن عزم عليه وقد يسكت المرء، لانه لم يلح له الحق، أو يسكت موافقا ثم يبدو له وجه الحق، أو رأى آخر بعد مدة فينكر ما كان يقول ويرجع عنه، كما فعل علي في بيع أمهات الاولا، وفي التخيير بعد موافقته لعمر على كلا الامرين أو ينكر فلا يبلغنا إنكاره، ويبلغ غيرنا في أقصى المشرق وأقصى المغرب، أو أقصى اليمين، أو أقصى إرمينية.\rوأما تنظيركم بأهل مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، والبلاد التي ظهر فيها\rوغلب عليها قول ما، فهذا أعظم حجة عليكم لانه لا يختلف اثنان أن جمهور القائلين بمذهب رجل ممن ذكرتم لم يخلو قط من خلاف لصاحبهم في المسألة والمسألتين والمسائل وكذلك لم تخل قط البلاد المذكورة من مخالف لمذهب أهلها ولا أكثر من غلبة مذهب مالك على الاندلس وإفريقية، وقد كان طوائف علماء مخالفون له جملة، قائلون بالحديث، أو بمذهب الظاهر، أو مذهب الشافعي.\rوهذا أمر مشاهد في كل وقت، ولا أكثر من غلبة الاسلام على البلاد التي غلب عليها، ولله الحمد، وإن فيها مع ذلك يهود ونصارى وملحدين كثيرا جدا.\rفظهر فساد تنظيرهم عيانا، وعاد ما موهوا به مبطلا لدعواهم، وثبت بهذا","part":4,"page":537},{"id":542,"text":"حتى لو انتشر القول وعرفه جميع العلماء، وإن في الممكن أن يخالفه جمهورهم أو بعضهم، ثم هذا عمر قد جلد التي لم يرد عليها الرجم لجهلها، وهي محصنة مائة وغربها عاما، بحضرة علي وعبد الرحمن، وعثمان، ولم ينكروا عليه ذلك فإن كان عندهم إجماعا فيقولوا به، وليس من خصومنا الحاضرين أحد يقول بهذا، وإن كان سكوتهم ليس موافقة ولا رضى، فليتركوا هذا الاصل الفاسد المهلك في الدين لمن تعلق به، ولا بد من أحدهما بالتلاعب بدين الله عز وجل، وقد أريناهم سكوتهم رضي الله عما يقولون به، فمن الجاهل المنكر لهذا ؟ حتى لو صح لهم أنهم عرفوه، فكيف وهذا لا يصح أبد الابد على ما بينا.\rفإن قال قائل: فإذ هو كما قلتم، فمن أين قطعتم بالخلاف فيه وإن لم يبلغكم وهلا أنكرتم ذلك على أنفسكم كما أنكرتموه علينا إذ قلنا: إنه إجماع قلنا: نعم ؟ فقلنا ذلك لبرهانين ضروريين قاطعين.\rأحدهما: أن الاصل من الناس وجود الاختلاف في آرائهم، لما قدمنا قبل اختلاف أغراضهم وطبائعهم، والثاني: لان الله تعالى بذلك قضى، إذ يقول: * (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم\rربك ولذلك خلقهم) * فصح إن الاصل هو الاختلاف الذي أخبر تعالى أننا لا نزال عليه، والذي له خلقنا، إلا من استثنى من الاقل.\rوبرهان ثالث: وهو الذي لا يسع أحدا خلافه، وهو أن ما ادعيتم فيه الاجماع بالظن الكاذب كما قدمنا، لا يخلو ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما أصلا.\rإما أن تدعوه في أمر موافق لنص القرآن أو السنة الثابتة المسندة، فهذا أمر لا نبالي اتفق عليه أم اختلف فيه، إنما الغرض أن يؤخذ بالنص في ذلك، سواء أجمع الناس أم اختلفوا، ولا معنى حينئذ للاحتجاج بدعوى الاجماع عليه والحجة قائمة بالنص الوارد فيه، فلا حاجة إلى القطع بالظن الكاذب في دعوى الاجماع البتة، وإما أن تدعوه في أمر لا يوافقه نص قرآن ولا سنة صحيحة مسندة بل هو مخالف لها في عمومها أو ظاهرهما، لتصححوه بدعواكم الكاذبة في أنه إجماع فهذه كبيرة من الكبائر، وقصد منكم إلى رد اليقين بالظنون، وإلى","part":4,"page":538},{"id":543,"text":"مخالفة الله تعالى ورسوله (ص) بدعوى كاذبة مفتراة، وهذا لا يحل.\rوإذا كان هذا القسم، فنحن نقطع حينئذ، ونثبت أنه لا بد من خلاف ثابت فيما ادعيتموه إجماعا، لان الله تعالى قد أعاذ أمة نبيه (ص) من الاجماع على الباطل والضلال لمخالفة القرآن وحكم رسول الله (ص)، فأنتم لم تقتنعوا بأن كذبتم على جميع الامة حتى نسبتم إليهم الاجماع على الخطأ في مخالفة القرآن والسنة الثابتة، وهذه من العظائم التي نعوذ بالله العظيم من مثلها، وليس ههنا قسم ثالث أصلا، لما قد أوردنا من البراهين على أنه لا يمكن وقوع نازلة لا يكون حكمها منصوصا في القرآن وبيان النبي (ص) إما باسمه الاعم وإما باسمها الاخص.\rقال أبو محمد: واعلموا أن إقدام هؤلاء القوم، وجسرهم على معنى الاجماع،\rحيث وجد الاختلاف، أو حيث لم يبلغنا ولكنه ممكن أن يوجد أو مضمون أن يوجد - فإنه قول خالفوا فيه الاجماع حقا، وما روي قط عن صاحب ولا عن تابع القطع بدعوى الاجماع حتى أتى هؤلاء الذين جعلوا الكلام في دين الله تعالى مغالبة ومجاذبة، وتحققا بالرياسة على مقلدهم وكفى بهذا فضيحة.\rوأيضا قد تيقن إجماع المسلمين على أنه لا يحل لاحد أن يقطع بظنه اليقين فيه، فهذا إجماع آخر، فقد خالفوه في هذه المسألة، نا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي، نا ابن مفرج، نا إبراهيم بن أحمد بن فراس، نا محمد بن علي بن زيد، نا سعيد بن منصور، نا سفيان بن عيينة، عن مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: قال رجل لابن مسعود: أوصني بكلمات جوامع، فقال له ابن مسعود: ا عبد الله ولا تشرك به شيئا، وزل مع القرآن حيث زال، ومن أتاك بحق فاقبل منه، وإن كان بعيدا بغيضا، ومن أتاك بالباطل فاردده وإن كان قريبا حبيبا.\rقال أبو محمد: هذه جوامع الحق، اتباع القرآن وفيه اتباع بيان الرسول، وأخذ الحق ممن أتى به، ولئن كان لا خير فيه، وممن يجب بغضه وإبعاده، وألا يقلد خطأ فاضل، وإن كان محبوبا واجبا تعظيمه.\rنا حمام بن أحمد، نا عبد الله بن محمد بن علي الباجي، نا عبد الله بن يونس المرادي، نا بقي بن مخلد، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا معاوية","part":4,"page":539},{"id":544,"text":"بن هشام، نا سفيان - هو الثوري - عن جبلة بن عامر بن مطر، قال: قال لي حذيفة في كلام: فأمسك بما أنت عليه اليوم، فإنه الطريق الواضح، كيف أنت يا عامر بن مطر، إذا أخذ الناس طريقا مع أيهما تكون ؟.\rقال عامر فقلت له: مع القرآن، أحيا مع القرآن وأموت، قال له حذيفة: فأنت إذا أنت.\rقال أبو محمد: اللهم إني أقول كما قال عامر: أكون والله مع القرآن أحيا متمسكا به، وأموت إن شاء الله متمسكا به، ولا أبالي بمن سلك غير طريق القرآن،\rولو أنهم جميع أهل الارض غيري.\rقال أبو محمد: وهذا حذيفة يأمر بترك طريق الناس، واتباع طريق القرآن إذا خالفه الناس.\rنا أحمد بن محمد الطلمنكي، نا ابن مفرج، نا أحمد بن فريس، نا محمد بن علي بن زيد، نا سعيد بن المنصور، نا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن الشعبي عن عبيدة السلماني، أن عمر بن الخطاب وعليا أعتقا أمهات الاولاد، قال عبيدة: قال علي: فقضى بذلك عمر حتى أصيب، ثم ولي عثمان فقضى بذلك حتى أصيب فلما وليت رأيت أن أرقهن.\rقال أبو محمد: هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لم ير حكم عمر ثم حكم عثمان - المشتهر المنتشر الفاشي، والذي وافقهما عليه - إجماعا - بل سارع إلى خلافه إذ أراه اجتهاده الصواب في خلافه، ولعمر الله، إن أقل من هذا بدرجات ليقطع هؤلاء المجرمون بأنه إجماع.\rوالسند المذكور قيل إلى سعيد بن منصور، نا عيسى بن يون س بن أبي إسحاق السبيعي، نا عبد الملك بن سليمان، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الشعبي قال: أحرم عقيل بن أبي طالب في موردتين، فقال له عمر: خالفت الناس، فقال له علي: دعنا منك، فإنه ليس لاحد أن يعلمنا السنة.\rفقال له عمر: صدقت فهذا علي وعقيل لم ينكرا خلاف الناس، ورجع عمر عن قوله إلى ذلك إذ لم يكن ما أضافه إلى الناس سنة يجب اتباعها، بل السنة خلافه، فلا ينكر خلاف جمهور الناس للسنة.\rوبه إلى سعيد بن منصور، نا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رياح قال: قلت لابن عباس، إن الناس لا يأخذون بقولي ولا بقولك، ولو مت أنا وأنت ما اقتسموا ميراثنا على ما نقول.\rقال ابن عباس: فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، ما حكم الله بما قالوا.","part":4,"page":540},{"id":545,"text":"قال أبو محمد: فهذا ابن عباس بأصح إسناد عنه، لا يلتفت إلى الناس ولا\rإلى ما اشتهر عندهم، وانتشر من الحكم بينهم، إذا كان خلافا لحكم الله تعالى.\rفي مثل هذا يدعي من لا يبالي بالكذب الاجماع، وبه إلى سعيد بن منصور، نا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي زيد.\rأنه سمع ابن عباس يقول في قول الله عز وجل: * (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) * قال ابن عباس: لم يؤمن بهذه الآية أكثر الناس، وإني لآمر هذه أن تستأذن علي - يعني جارية له.\rقال أبو محمد: وهذا كالذي قبله، نا يحيى بن عبد الرحيم، نا أحمد بن دحيم، نا إبراهيم بن حماد، نا إسماعيل بن إسحاق، نا علي بن المديني، نا سفيان بن عيينة، نا مصعب بن عبد الله بن الزبير، عن أبي مليكة، عن ابن عباس.\rقال: أمر ليس في كتاب الله عز وجل، ولا في قضاء رسول الله (ص)، وستجدونه في الناس كلهم - ميراث الاخت مع البنت.\rفهذا ابن عباس لم ير الناس كلهم حجة على نفسه، في أن يحكم بما لم يجد في القرآن ولا في السنة.\rنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب، نا أحمد بن محمد، نا محمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا يحيى بن يحيى.\rقال: قرأت على مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من الصحابة يصنعها.\rفقال: وما هن يا ابن جريج ؟ قال: رأيتك لا تمس من الاركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا أروا الهلال ولم تهل أنت حتى يكون يوم التروية.\rفقال له ابن عمر، أما الاركان فإني لم أر رسول الله (ص) يمس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية، فإني رأيت رسول الله (ص) يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله (ص) يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ، بها وأما الاهلال فإني لم أر رسول الله (ص) يهل حتى تنبعث به راحلته.\rقال أبو محمد: فهذا ابن عمر رضي الله عنه - بأصح إسناد إليه - لم ينكر مخالفته لجميع أصحابه فيما اقتدى فيه برسول الله (ص)، ولا أنكر على ابن جريج إخباره بأن أصحابه يخالفونه، فصح أنه لم ير أصحابه كلهم قدوة فيما وافق","part":4,"page":541},{"id":546,"text":"وحدانية رسول الله (ص)، وهذا هو الحق الذي لا يسع أحدا القصد إلى خلافه.\rقال أبو محمد: ثم هذا أبو حنيفة يقول: ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعينين، وما جاء عن رسول الله (ص) فسمعا وطاعة، وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، تخيرنا من أقوالهم ولم نخرج عنهم، وما جاء عن التابعين، فهم رجال ونحن رجال، فلم ينكر عن نفسه مخالفة التابعين، وإنما لم ير الخروج عن أقوال الصحابة توقيرا لهم.\rوهذا مالك: يفتي بالشفعة في الثمار ويقول - إثر فتياه به - وإنه لشئ ما سمعته ولا بلغني أن أحد قاله: فهذا مالك لم ير القول بما لم يسمع عن أحد قال به خلافا للاجماع، كما يدعي هؤلاء الذين لا معنى لهم، وهذا الشافعي يقول في رسالته المصرية، ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا.\rقال حمام بن أحمد، ويحيى بن عبد الرحمن بن مسعود قال حمام: نا عباس بن أصبغ، وقال يحيى: نا أحمد بن سعيد بن حزم، ثم اتفق عباس وأحمد قالا جميعا، نا محمد بن عبد الملك بن أيمن، نا عبد الرحمن بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الاجماع هو الكذب، من ادعى الاجماع فهو كذاب لعل الناس قد اختلفوا ما بد به ؟ ولم ينتبه إليه فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، دعوى بشر المريسي والاصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك.\rقال أبو محمد: صدق أحمد ولله دره، وبئس القدوة بشر بن عتاب المريسي، وعبد الرحمن بن كيسان الاصم، ولعمري إنهما لمن أول من هجم على هذه الدعوى، وهما المرءان يرغب قولهما، نا يوسف بن عبد الله النمري، نا عبيد الله بن محمد، نا\rالحسن بن سلمون، نا عبد الله بن علي بن الجارود، نا إسحاق بن منصور، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه وقد ذكر له قول أحمد بن حنبل في مسألة فقال إسحاق: أجاد، لقد ظننت أن أحدا لا يتابعني عليها، فهذا إسحاق لا ينكر القول بما يقع في تقديره أنه لا يتابعه أحد عليه، إذا رأى الحق فيما قاله به من ذلك.\rقال أبو إسحاق: فهؤلاء الصحابة والتابعون، ثم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود، كلهم يوجب القول بما أداه إليه اجتهاده أنه الحق، وألا يعلم قائلا به قبله، فبمن تعلق هؤلاء القوم ؟ ليت شعري بل بالمريسي والاصم، كما قال أحمد رحمه الله.","part":4,"page":542},{"id":547,"text":"قال أبو محمد: ولئن كان ما اشتهر من قول طائفة من الصحابة أو التابعين، ولم يعرف له خلاف - إجماعا فيما في الار ض أشد خلافا للاجماع ممن قلدوه دينهم مالك والشافعي، وأبي حنيفة، ولقد أخرجنا لهمئين من المسائل ليس منها مسألة إلا ولا يعرف أحد قال بذلك القول قبل الذي قال من هؤلاء الثلاثة فبئس ما وسموا به من قلدوه دينهم.\rوقد ذكر محمد بن جرير الطبري أنه وجد للشافعي أربعمائة مسألة خالف فيها الاجماع.\rوهكذا القول حرفا حرفا في أقوال ابن أبي ليلى، وسفيان والاوزاعي وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زيادة وأشهب وابن الماجشون والمزني وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود ومحمد بن جرير، ما منهم أحد إلا وقد صحت عنه أقوال في الفتيا لا يعلم أحد من العلماء قالها قبل ذلك القائل ممن سمينا.\rوأكثر ذلك فيما لا شك في انتشاره واشتهاره.\rثم ليعلموا أن كل فتيا جاءت عن تابع لم يرو عن صاحب في تلك المسألة قول، فإن ذلك التابع قال فيها بقول، ولا يعرف أن أحدا قاله، فالتابعون على هذا القول\rالخبيث مخالفون للاجماع كلهم أو أكثرهم، ومخالف الاجماع عند هؤلاء الجهال كافر، فالتابعون على قولهم كفار، ونعوذ بالله العظيم من كل قول أدى إلى هذا.\rواعلموا أن الذي يدعي ويقطع بدعوى الاجماع في مثل هذا، فإنه من أجهل الناس بأقوال الناس واختلافهم.\rوحسبنا الله ونعم الوكيل، فظهر كذب من ادعى أن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، وبالله تعالى التوفيق.\rوأعجب شئ في الدنيا أنهم يدعون في مثله هذا أنه إجماع، ثم يأتون إلى الاجماع الصحيح المقطوع به المتيقن، فيخالفونه جهارا، وهو: أنه لا شك عند أحد من أهل العلم أنه لم يكن قط في عصر الصحابة رضي الله عنهم أحد أتى إلى قول صاحب أكبر منه، فأخذ به كله، ورد لقوله نصوص القرآن وكلام رسول الله (ص)، وجعل يحتال لنصره بكل ما أمكنه من حق أو باطل أو مناقضة.\rثم لا شك عند أحد من أهل العلم في أنه لم يكن قط في عصر التابعين أحد أتى إلى قول تابع أكبر منه، أو إلى قول صاحب فأخذ به كله، كما ذكرنا، ثم لا خلاف بين أحد من أهل العلم في أنه لم يكن في القرن الثالث أحد أتى إلى","part":4,"page":543},{"id":548,"text":"قول تابع، أو قول صاحب فأخذ به كله، فهذا الاجماع المقطوع به المتيقن في ثلاثة أعصار متصلة، ثم هي الاعصار المحمودة، قد خالفها المقلدون الآخذون بأقوال أبي حنيفة فقط، أو بأقوال مالك فقط، أو بأقوال الشافعي فقط، وهو عمل محدث، مخالف للاجماع الصحيح، فلهذا أعجبوا فهو مكان العجب حقا أن يخالفوا الاجماع المتيقن جهارا، ثم يدعون الاجماع حيث لا إجماع، ونعوذ بالله العظيم من الضلال.\rفصل في من قال بأن خلاف الواحد من الصحابة أو ممن بعدهم\rلا يعد خلافا وأن قول من سواه فيمن خالفهم فيه إجماع قال أبو محمد: ذهب محمد بن جرير الطبري إلى أن خلاف الواحد لا يعد خلافا، وحكى أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي: أن أبا حازم عبد العزيز بن عبد الحميد القاضي الحنفي فسخ الحكم بتوريث بيت المال ما فضل عن ذوي السهام وقال: إن زيد بن ثابت لا يعد خلافا على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.\rقال أبو محمد: فيقال لهم: ما معنى قولكم لا يعد خلافا ؟ أتنفون وجو خلاف ؟ فهذا كذب تدفعه المشاهدة والعيان، أم تقولون: إن الله تعالى أمركم أتسموه خلافا ؟ أو رسوله (ص) أمركم بذلك ؟ فهذه شر من الاولى، لانه كذب على الله تعالى وعلى رسوله (ص) أم تقولون: إن قليل ذلك الخلاف من الضعة والسقوط في المسلمين - إما لفسقه وإما لجهله - بحيث لا يكون وجود قوله إلا كعدمه ففي هذا ما فيه، إذ ينزلون زيد بن ثابت أو ابن عباس أو غيرهما من التابعين الائمة في هذه المنزلة.\rولعمري إن من أنزل عالما - من الصحابة رضي الله عنهم أو من التابعين أو من أئمة المسلمين - هذه المنزلة لاحق بهذه الصفة وأولى بها، ولا يخرج قولكم من إحدى هذه الثلاث قبائح، إذ لا رابع لها.\rفإن قالوا: إنما قلنا: إنه خطأ وشذوذ قلنا: قد قدمنا أن كل من خالف أحدا","part":4,"page":544},{"id":549,"text":"فقد شذ عنه، وكل قول خالف الحق فهو شاذ عن الحق، فوجب أن كل خطأ فهو شذوذ عن الحق، وكل شذوذ عن الحق فهو خطأ، وليس كل خطأ خلافا للاجماع، فليس كل شذوذ خلافا للاجماع، ولا كل حق إجماعا، وإنما نكلمكم ههنا في قولكم: ليس خلافا، ولكون ما عداه إجماعا، فقد ظهر كذ ب دعواهم وفسادها والحمد لله رب العالمين.\rقال أبو محمد: ووجدناهم احتجوا بروايلا تصح: عليكم بالسواد الاعظم ووجدنا من طريق محمد بن عبد السلام الخشني، عن المسيب بن واضح، عن المعتمر بن سليمان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي (ص) قال: لا تجتمع أمة محمد على ضلالة أبدا، وعليكم بالسواد الاعظم فإنه من شذ شذ إلى النار.\rقال أبو محمد: المسيب بن واضح منكر الحديث لا يحتج به، روى المنكرات منها: أنه أسند إلى النبي (ص)، من ضرب أباه فاقتلوه وهذا لا يعرف ولو صح الخبر المذكور لكان معناه من شذ عن الحق، لا يجوز غير ذلك، وبما أنبأناه أحمد بن عمر بن أنس العذري، نا عبد الله بن الحسين، نا عقال، نا إبراهيم بن محمد الدينوري، نا محمد بن أحمد بن الجهم، نا أبو قلابة، نا وهب بن جرير بن حازم قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدث عن جابر بن سمرة قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: قام فينا رسول الله (ص) كقيامي فيكم فقال: من أحب منكم بحبوحة الجنة فليلتزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد.\rنا عبد الله بن ربيع، نا محمد بن معاوية، نا أحمد بن شعيب، أخبرني إبراهيم بن الحسن، نا حجاج بن محمد، نا يوسف بن أبي إسحاق، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن الزبير قال: قام عمر بن الخطاب أمير المؤمنين على باب الجابية فقال: إن رسول الله (ص) قام فينا كقيامي فيكم فقال: يا أيها النا س أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى إن الرجل يحلف قبل أن يستحلف، ويشهد قبل أن يستشهد، فمن سره أن ينال بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة فإن يد الله فوق الجماعة، ولا يخلون رجل بامرأة، فإن الشيطن اثالثهما، ألا إن الشيطان مع واحد، وهو من الاثنين أبعد، من سائته سيئته وسرته حسنته فهو المؤمن.","part":4,"page":545},{"id":550,"text":"وبه إلى أحمد بن شعيب، نا الربع بن سليمان، نا إسحاق بن بكر، عن يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.\rقال: إن عمر بن الخطاب لما قدم الشام قام فقال: رسول الله (ص) قام فينا كقيامي فيكم.\rفقال: أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب فيحلف الرجولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطا مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد.\rوبه إلى أحمد بن شعيب، نا إسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - نا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن عبد الملك بن مالك بن عمر، عن جابر بن سمرة قال: خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية، فقال: رسول الله (ص) قام في مثل مقامي هذا، فقال: أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب فيحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد فمن أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد.\rوبه إلى أحمد بن شعيب، نا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - نا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية فقال: إن رسول الله (ص) قام في مثل مقامي هذا فقال: أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى إن الرجل ليحلف على اليمين قبل أن يستحلف ويشهد على الشهادة قبل أن يستشهد عليها، فمن أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، وهومن الاثنين أبعد، لا يخلو رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان ألا من كان منكم تسوءه سيئته وتسره حسنته فهو مؤمن.\rقال أبو محمد: هذا الخبر لم يخرجه أحد ممن اشترط الصحيح، ولكنا نتكلم فيه على علاته، فنقول وبالله تعالى نتأيد: إنه إن صح فإن ما ذكر فيه من الجماعة إنما هي بلا شك جماعة الحق.\rولو لم يكونوا إلا ثلاثة من الناس، وقد أسلمت خديجة رضي الله عنها أم المؤمنين وسائر الناس كفار، فكانت على الحق وسائر\rأهل الارض على ضلال.\rثم أسلم زيد بن حارثة وأبو بكر رضي الله عنهم، فكانوا","part":4,"page":546},{"id":551,"text":"بلا شك هم الجماعة، وجميع أهل الارض على الباطل.\rوقد نبئ رسول الله (ص) وحده، فكان على الحق واحدا، وجميع أهل الارض على الباطل والضلال، وقد صح عن النبي (ص) أن زيد بن عمر بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده.\rقال أبو محمد: وذلك لان زيدا آمن بالله تعالى وحده، وجميع أهل الارض على ضلالة.\rوقد صح عن رسول الله (ص) أنه قال: إن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء قيل: ومن هم يا رسول الله قال: النزاع من القبائل وقال (ص): الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة وقال (ص): إن الساعة لا تقوم إلا على من لا خير فيهم نا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا محمد بن عباد وابن أبي عمر كلاهما، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): بدأ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء.\rوبه إلى مسلم، نا الفضل بن سهل، نا شبابة به سوار، نا عاصم - هو ابن محمد العمري - عن أبيه عن ابن عمر عن النبي (ص) قال: إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ نا أحمد بن محمد بن الجسور، نا محمد بن أبي دليم، أخبرنا ابن وضاح، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا حفص بن غياث، عن الاعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الاحوص، عن عبد الله بن مسعود: قال: رسول الله (ص): إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء ؟ قال: النزاع من القبائل.\rويالسند المتقدم إلى مسلم، نا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أنس بن مالك، عن النبي (ص) قال:\rلا تقوم الساعة على احد يقول لا إله إلا الله.\rوقال الله عز وجل - وذكر أهل الحق - فقال: * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ماهم) * وقال تعالى: * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * في سورة يوسف وقال تعالى: * (وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك) * وقال تعالى: * (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) * وكلام الله تعالى حق وكلام رسوله (ص) حق، والحق لا يتعارض.","part":4,"page":547},{"id":552,"text":"وهذه النصوص التي أوردناها هي قرآن منزل، أو أثر في غاية الصحة منقول نقل التواتر، وكلاهما في غاية البيان، فالاقل في الدين هم أهل الحق، وأن أكثر الناس على ضلال وعلى جهل، وأن الواحد قد يكون هو المصيب، وجميع الناس هم على باطل، لا تحتمل هذه النصوص شيئا غير هذا البتة، فلو صحت تلك الآثار التي قدمنا، لوجب ضرورة أنها ليست في الدين، لكن في شئ آخر، وبالضرورة تدري أنها ليست على عمومها، لان انفراد الرجل وحده في بيته غير منكر: وقد قال رسول الله (ص) يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده.\rوبرهان كا ف قاطع لكل من له أقل فهم في أنه (ص) لم يرد قط بالجماعة المذكورة كثرة العدد لا يشك في ذلك، لان النصارى جماعة واليهود جماعة، والمجوس وعباد النار جماعة، أفترونه (ص) أراد هذه الجماعات ؟ حاشا لله من هذا، فإن قالوا: إنما أراد جميع المسلمين، قلنا: فإن المنتمين إلى الاسلام فرق، فالخوارج جماعة، والروافض جماعة، والمرجئة جماعة، والمعتزلة جماعة، أفترونه عليه السلام أراد شيئا من هذه الجماعات ؟ حاشا له من ذلك.\rفإن قالوا: إنما أراد أهل السنة، قلنا: أهل السنة فرق، فالحنفية جماعة، والمالكية جماعة، والشافعية\rجماعة، وأصحاب الحديث الذين لا يتعدونه جماعة فأي هذه الجماعات أراد (ص) ؟ وليس بعضها أولى بصحة الدعوى من بعض، فصح يقينا قطعا كما أن الشمس طالعة من مشرقها أنه عليه السلام لم يرد قط إلا جماعة أهل الحق، وهم المتبعون للقرآن، ولما صح عن النبي (ص) من بيانه للقرآن بقوله وفعله.\rوهذه هي طريق جميع الصحابة رضي الله عنهم، وخيار التابعين من بعدهم، حتى حدث التقليد المهلك، فإذا لا شك في كل هذا، وقد بينا أن أمره عليه السلام بلزوم الجماعة، إنما أراد يقينا أهل الحق، وإن كانوا أقل من أهل الباطل بلا شك، لم يرد كثرة العدد قط.\rفلنتكلم بعون الله تعالى وقوته على ما في تلك الآثار، من أن الشيطان مع الفذ أو الواحد، وهو من الاثنين أبعد.\rوقد أوضحنا بما لا إشكال فيه، أنه عليه السلام لم يرد بذلك الدين، بما لو أوردنا آنفا من النصوص، وببرهان آخر، وهو قوله:","part":4,"page":548},{"id":553,"text":"وهو من الاثنين أبعد فلو أراد الدين، لكان المنفرد بقوله مصاحبا للشيطان، فإن استضاف إليه آخر بعد عنه الشيطان، فعاد الباطل حقا بدخول إنسان فيه، وهذا باطل متيقن ليست هذه صفة الدين، بل الباطل باطل، وإن دخل فيه آلاف فصح بلا شك أنه لم يرد الدين، ولاعموم التوحيد بكل حال فقد صح أنه إنما عنى خاصا من الاحوال بلا شك.\rفإذا ذلك كذلك فلا يجوز أن ينسب إلى النبي (ص) أنه أراد حال كذلك إلا بنص صحيح عنه بذلك، وإن الناسب إليه (ص) ما لم يقل كاذب عليه، وقد أخبر عليه السلام، أنه من كذب عليه فليتبوأ مقعده من النار.\rفإذا كان الامر كما قلنا يقينا، فقد صح عن النبي (ص) النهي أن يسافر المرء وحده، وفي تلك الاخبار أنفسها، لا ينفرد رجل مع امرأة فإن الشيطان ثالثهما، فنحن على يقين من أنه ههنا نهي عن الوحدة، وأن الشيطان ههنا مع الواحد، فإن كان اثنين فقد خرج عن النهي، وبعد الشيطان عنهما، فبطل\rالتعلق بتلك الآثار فيما ذهب إليه من ذهب، وأن خلاف الواحد لا يعد خلافا.\rواعلموا أنه لا يمكن البتة، للحنفيين ولا المالكيين ولا الشافعيين، أن يحتجوا بشئ من ذلك الاثر، لان خلاف الواحد عندهم خلاف إلا من شذ منهم من مذاهب أصحابه، وقد قلنا إننا أخرجنا لكل واحد من أبي بكر ومالك والشافعي مئين من المسائل انفرد كل واحد منهم بقوله فيها، عن أن يعرف أحد قبله قاله بذلك القول.\rوبرهان ضروري أيضا، هو أنه قد بينا أن له لو صح ذلك القول عن النبي (ص) لعلمنا أنه لم يرد بذلك الدين أصلا، لان اليهود والنصارى والمجوس والملحدين ثم الرافضة والمعتزلة والمرجئة والخوارج، جماعات عظيمة، فالشيطان بعيد عنهم ومجانب لهم، لانهم أكثر من واحد، يأبى الله تعالى هذا، وتالله ما عش الشيطان ولا بحبوحته إلا فيهم، وبلا شك أن أهل الباطل كلما كثروا فإن الشيطان أقوى فيهم منه مع المنفرد.\rنا محمد بن سعيد بن نبات، نا أحمد بن عبد البصير، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن المثنى، نا مؤمل بن إسماعيل البصري، نا سفيان الثوري، عن عبد الملك بن أبجر، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ربع السودان من لا يلبس الثياب، أكثر من جميع الناس.\rفصح بكل هذا - يقينا لا مجال للشك فيه - أنه لا يرد قط بذلك الدين، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا فإن النبي (ص) أثنى في تلك الاخبار على أصحابه، وعلى قرن التابعين، ثم على القرن الثالث.\rفإذأثنى عليهم فهم الجماعة التي لا ينبغي أن تخالف، وكل من خالفهم فهو أهل الباط، ولو كانوا أهل الارض تلك القرون الثلاثة هي التي لم تقلد أحدا،","part":4,"page":549},{"id":554,"text":"وإنما كانوا يطلبون القرآن والسنن فنحن معهم، والحمد لله رب العالمين.\rوكل من قلد إنسانا بعينه، فقد خالف الجماعة، والحمد لله رب العالمين.\rقال أبو محمد: وقد شغب بعضهم بأن قال لما أجمع نظراء هذا الواحد،\rوعلمنا أنهم مؤمنون يقينا بالجملة، وأنهم من الامة بلا شك، ولم نقطع هذا الواحد المخالف لهم بأنه من الامة، وكان واجبا علينا اتباع من نوقن أنهم من الامة دون من لا نوقن أنه منها.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ، لان الله تعالى أمرنا عند التنازع بالرد إلى القرآن والسنة بقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * ومخالفة الواحد تنازع في المشاهدة والعيان، ولم يقل تعالى فردوه إلى الاكثر، ولا إلى من لم يخالفهم إلا واحد فصار من رد إلى غير القرآن والسنة، عاصيا لله عز وجل، مخالفا لامره.\rوقد حصل لذلك الواحد من ظاهر الاسلام في الحكم، كالذي لكل واحد من مخالفيه ولا فرق.\rقال أبو محمد: واحتجوا أيضا بما رويناه من طريق ابن وهب، أخبرني أبو فهد قال رسول الله (ص): ليتبع الاقلون العلماء الاكثرين.\rقال أبو محمد: وهذا مرسل لا خير فيه، وباطل بلا شك، أول ذلك أنه محال، وهو عليه السلام لا يأمر بالمحال، لانه لا يمكن أن يتبع الاقل والاكثر إلا بعد إمكان عد جميعهم، وقد بينا أن عد جميعهم لا يمكن البتة بوجه من الوجوه، ولا يقدر عليه إلا الخالق وحده لا شريك له.\rووجه آخر، وهو أن الصحابة رضوان الله عنهم، قد أصفقوا أثر موت النبي (ص) على ألا يقاتل أهل الردة، ولا ينفذ بعث أسامة بن زيد، وخالفهم أبو بكر وحده، فكان هو المحق وكانوا على الخط، فإن قالوا: قد رجعوا إلى قوله قلنا: نعم، وهذه حجتنا، وإنما سألناكم عن الحال قبل أن يرجعوا إلى قول أبي بكر في ذلك.\rوقد شغب بعضهم بما روي من أن الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب.\rقلنا: إنما هذا في نص الخبر نفسه في السفر فقط، وإلا فالمصلي النافلة وحده على قولهم شيطان، ومصلي الفريضة مع آخر شيطانان، وفي هذا","part":4,"page":550},{"id":555,"text":"ما فيه، نعوذ بالله العظيم من البلاء.\rثم نسألكم: هل ذلك الواحد عندكم مخالف للاجماع أم لا ؟ فإن قالوا: نعم، قلنا لهم: ومخالف الاجماع عندكم كافر، فمن قولهم: نعم، قلنا لهم، فعلى هذا فابن عباس كافر، وزيد بن ثابت عندكم كافر، إذ أقررتم أنهما خالفا الاجماع، وبالله إن نسب ذلك إليهما فهو والله أحق منهما، بل هما المؤمنان الفاضلان رضي الله عنهما، وإن أبوا من تكفير من خالف هذا النوع من الاجماع تناقضوا وظهر فساد قولهم، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: أخبرنا عبد الرحمن بن خالد الهمداني، نا إبراهيم بن أحمد البلخي، حدثنا الفريرى، نا البخاري، نا عبد العزيز بن عبد الله، نا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن الاعرج، عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولو آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت حديثا، ثم يتلو: * (إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى) * إلى قوله: * (الرحيم) * إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الاسواق، وإن إخواننا من الانصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله (ص) لشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون.\rقال أبو محمد: ففي هذا أن الواحد قد يكون عنده من السنن ما ليس عند الجماعة، وإذا كان عنده من السنة ما ليس عند غيره، فهو المصيب في فتياه بهذا دون غيره.\rقال أبو محمد: وبالعيان ندري أن المسلمين أقل من غيرهم: قال رسول الله (ص): ما أنتم في الامم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الاسود، وذكر عليه السلام الصلاة والسلام أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وواحد إلى الجنة، ثم بالمشاهدة ندري أن الصالحين والعلماء أقل من الطالحين والجهال، وأن هذين الصنفين هم الاكثر، والجمهور، وبالمشاهدة ندري أن الزكي من العلماء هم أقل منهم بخلاف قول\rالمخالف، وقد ذكر في باب إبطال التقليد قول ابن مسعود: لا يقول أحدكم أنا مع الناس.\rوذكرنا قبل هذا قول حذيفة: كيف أنت إذا سلك القرآن طريقا، وسلك الناس طريقا آخر ؟ وبينا قبل وبعد أن العرض إنما هو اتباع القرآن وما حكم به رسول الله (ص) فإنه لا معنى لقول أحد دون ذلك، كثر","part":4,"page":551},{"id":556,"text":"القائلون به أو قلوا، وهذا باب ينبغي أن يتقى فقد عظم الضلال به، وكثر الهالكون فيه، ونعوذ بالله العظيم من البلاء.\rقال أبو محمد: وكلامنا هذا كله تطوع منا، وإلا فلو اكتفينا من كل ذلك بما نذكره الآن إن شاء الله تعالى، وهو أن نقول لهم: إن كل من ادعى في أي قولة كانت لا نحاشي قولة من الاقوال - أن العلماء كلهم أجمعوا عليها إلا واحدا خالفهم فقط أو إلا اثنين، أو إلا ثلاثة، أو أي عدد ذكروا، فإنه كذاب مفتر آفك قليل الحياء، لانه لا سبيل بوجه من الوجوه إلى معرفة ذلك يقينا ولا إلى القطع به أصلا، لما قدمنا من تعذر إحصاء عدد المفتين من المسلمين، فوضح أن هذه مسألة فارغة، ولا حجة للاشتغال بها، أو كثرة من ضل بها.\rفصل في قول من قال: قول الاكثر هو الاجماع ولا يعتد بقول الاقل قال أبو محمد: في الباب الذي قبل هذا نقض هذه المقالة، وفيه ذكرنا كل ما يمكن أن يشغبوا به، فأغنى عن إعادته، إلا أن هنا سؤالا رائدا، وهو أن نقول لهم: قلتم المحال وأتيتم في دينكم الباطل، والذي لا يمكن وجوده، وذلك إلى أنه لا سبيل إلى توفية حكمهم هذا حقه، إلا إحصاء عد جميع من تكلم في تلك المسألة من صاحب وتابع فمن بعدهم، ثم يعرف الاثر ولو بواحد، وهذا مع أنه محال فهو حمق، وقول بلا برهان.\rوأيضا فما الفرق بينكم وبين من\rقال قول الطائفة التي هي أفضل وأشهر في العلم أولى، وإن كانوا أقل عددا، فحصل التعارض وبطل القولان لانهم بلا دليل، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في إبطال قول من قال: الاجماع هو إجماع أهل المدينة قال أبو محمد: هذا قول لهج به المالكيون قديما وحديثا، وهو في غاية الفساد، واحتجوا في ذلك بأخبار منها صحاح، ادعوا فيها أنها تدل على أن المدينة أفضل البلاد، ومنها مكذوب موضوع في رواية محمد بن الحسن بن زبالة وغيره، ليس","part":4,"page":552},{"id":557,"text":"هذا مكان ذكرها، لان كلامنا في هذا الكتاب إنما هو على الاصول الجامعة لقضايا الاحكام، لا لبيان أفضل البلاد، وقد تقصينا تلك الاخبار في كتابنا المعروف بالايصال في آخر كتاب الحج منه، وتكلمنا على بيان سقوط ما سقط منها، ووجه ما صح منها بغاية البيان، والحمد لله رب العالمين.\rوبجمع ذلك أنهم قالوا: المدينة مهبط الوحي ودار الهجرة، ومجتمع الصحابة، ومحل سكنى النبي (ص)، وأحكامها فأهلها أعلم بذلك ممن سواهم، وهم شهداء آخر العمل من النبي (ص) وعرفوا ما نسخ وما لم ينسخ.\rثم اختلفوا فقالت طائفة منهم: إنما إجماعهم إجماع وحجة، فيما كان من جهة النقل فقط، وقالت طائفة منهم: إجماعهم إجماع وحجة، من جهة النقل كان أو من جهة الاجتهاد، لانهم أعلم بالنصوص التي منها يستنبط وعليها يقاس، فإذا هم أعلم بذلك، فاستنباطهم وقياسهم أصح من قياس غيرهم واستنباط غيرهم.\rوقالوا: من المحال أن يخفى حكم النبي (ص) على الاكثر، وهم الذين بقوا بالمدينة، ويعرفه الاقل، وهم الخارجون عن المدينة، مع شغلهم بالجهاد، وذكروا قول عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم\r- إذ أراد أن يقوم بالموسم الذي بلغه من قول القائل: لو قد مات عمر لقد بايعنا فلانا، فقال عمر: لاقومن بالعشية فلاحذرن الناس من هؤلاء الرهط يريدون يغصبونهم.\rفقال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس، ويغلبون على مجلسك، فأخاف أن ألا ينزلوها على وجهها فيطيروا بها كل مطير، فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة، فتخلو بأصحاب رسول الله (ص) من المهاجرين والانصار، ويحفظون مقالتك، وينزلوها على وجهها.\rنا بهذا عبد الرحمن بن عبد الله نا إبراهيم بن أحمد، حدثنا الفربري، نا البخاري، نا موسى بن إسماعيل، نا عبد الواحد، نا معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عتبة، قال: حدثني ابن عباس، قال: قال لي عبد الرحمن بن عوف: لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجل فقال له: إن فلانا يقول: لو قد مات عمر فبايعنا فلانا، ثم ذكر نصه كما أوردنا.","part":4,"page":553},{"id":558,"text":"قال أبو محمد: هذا كل ما شغبوا به، وكله لا حجة لهم في شئ منه، على ما تبين إن شاء الله عز وجل.\rأما دعواهم أن المدينة أفضل البلاد، فدعوى قد بينا إبطالها في غير هذا المكان، وبينا أن مكة أفضل البلاد بنص القرآن، والسنن الثابتة، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، وليس هذا مكان الكلام في ذلك، لكن نقول لهم: هبكم أنه كما تقولون، وليس كذلك، فأي برهان في كونها أفضل البلاد على أن إجماع أهلها هو الاجماع ؟ ألا يستحي من يدري أن كلامه مكتوب وأنه محاسب به بين يدي الله عز وجل، من أن يموه هذا التمويه البارد، ونحن نقول: إن مكة أفضل البلاد، وليس ذلك بموجب اتباع أهلها دون غيرهم، ولا أن إجماعهم دون إجماع غيرهم، ولا أنهم حجة على غيرهم، إذ ليس فضل البقعة موجبا لشئ من ذلك.\rوأيضا فإنه لا يختلف مسلمان في أنه قد كان في المدينة منافقون، وهم شر الخلق، قال تعالى: * (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) * وقال تعالى: * (إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار) *.\rوكان فيها فساق كما في سائر البلاد، وزناة وكذابون وشربة خمر وقذفة كما في سائر البلاد ولا فرق، وأهلها اليوم - وإنا لله وإنا إليه راجعون - غلاة الروافض الكفرة، أفترون لهؤلاء فضلا يوجب اتباعهم من أجل سكناهم المدينة ؟ فمن قولهم: لالكن إنما توجب الحجة بالفضلاء غير هم من أهل المدينة، قلنا لهم: ومن أين خصصتم فضلاء المدينة دون فضلاء غيرهم من البلاد ؟ وهذا ما لا سبيل إلى وجود برهان على صحته أبدا.\rوأيضا فالمدينة فضلها باق بحسبه، كما كان لم يتغير ولا يتغير أبدا، وأهلها أفسق الناس، فقد بطل أن تكون للبقعة حكم في وجوب اتباع أهلها، وصح أن الفاضل فاضل حيث كان، والفاسق فاسق حيث كان.\rوأما قولهم: إن أهل المدينة أعلم بأحكام رسول الله (ص) ممن سواهم، فهو كذب وباطل، وإنما الحق أن أصحا ب رسول الله (ص) وهم العالمون بأحكامه (ص) سواء بقي منهم من بقي بالمدينة أخرج منهم من خرج، لم يزد الباقي بالمدينة بقاؤه فيها درجة في علمه وفضله، ولاحظ","part":4,"page":554},{"id":559,"text":"الخارج منهم عن المدينة خروجه عنها درجة من علمه وفضله.\rوأما قولهم: إنهم شهدوا آخر حكمه (ص) وعلموا ما نسخ مما لم ينسخ فتمويه فاحش، وكذب ظاهر، بل الخارجون من الصحابة عن المدينة شهدوا من ذلك كالذي شهده المقيم بها منهم سواء كعلي وابن مسعود وأنس وغيرهم ولا فرق، والكذب عار في الدنيا ونار في الآخرة، فظهر فساد كل ما موهوا به وبنوه على\rهذا الاصل الفاسد، وأسموه بهذا الاساس المنهار.\rوأما قولهم: إن من المحال أن يخفى حكم رسول الله (ص) على الاكثر، وهم الباقون بالمدينة، وبعلمه الاقل، وهم الخارجون عن المدينة، فتمويه ظاهر، وشغب غث، وإنما كان ممكن أن يموهوا بذلك، لو وجدوا مسألة رويت من طريق كل من بقي بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم، وأفتى بها كل من بقي بالمدينة من الصحابة.\rوأما ولا يجدوا هذا أبدا، ولا في مسألة واحدة، وإنما وجد فتيا الواحد والاثنين والثلاثة ونحو ذلك، وروايتهم كذلك، فممكن أن يغيب حكم النبي (ص) عن النفر من الصحابة، وبعلمه الواحد والاكثر منهم، وقد يمكن أن يكون الذي حضر ذلك الحكم يخرج عن المدينة، ويمكن أن يبقى بها، ويمكن خلاف ذلك أيضا، ولا فرق، وإنما تفرق الصحابة في البلاد بعد موت النبي (ص).\rوأما قول عبد الرحمن لعمر - الذي ذكرنا - في تأخير الامر حتى يقدم المدينة فيخلو بوجوه الناس، وأهل الفقه وأهل العلم، فوالله ما أدرك مالك من هؤلائك أحدا، وإنما أخذ عنهم كما فعل أهل الامصار سواء ولا فرق، وأيضا فما كل قول قاله عبد الرحمن، ووافقه عليه عمر رضي الله عنه حجة، وقد علم جميع أهل الاسلام أن رسول الله (ص)، لم يخطب الخطبة التي عهد فيها إلى الناس وجعلها كالوداع لهم وقررهم ألا هل بلغت، وأشهد الله تعالى عليهم، إلا في الموسم أحفل ما كان في الاعراب وغيرهم ففعل رسول الله (ص) أولى من رأي رآه عبد الرحمن وعمر رضي الله عنهما.\rوبرهان ذلك أنه لو سلك الائمة هذا الرأي ما تعلم جاهل شيئا أبدا، فصح أنه لا بد ممخاطبة الرعاع والجهال بما يلزم علمه، والعجب كله أنهم يموهون إجماع","part":4,"page":555},{"id":560,"text":"أهل المدينة، ثم لا يحصلون إلا على رأي مالك وحده، ولا يأخذون بسواه وهم أترك الناس لاقوال أهل المدينة كعمر وابن عمر وعائشة وعثمان، ثم سعيد بن المسيب والقاسم وغيرهم.\rومن عجائب الدنيا التي لا نظير لها أن يتهالكوا على تقاليد رأي ابن القاسم المصري، وسحنون التنوفي من إفريقية، لان ابن القاسم أخذ عن مالك ولان سحنون أخذ عن ابن القاسم المصري عن مالك، ولا يرون لاخذ مسروق والاسود وعلقمة عن عائشة أم المؤمنين، وعن عمر وعثمان رضي الله عنهما وجها ولا معنى، ثم لا يستحيون مع هذا من أهل التمويه بأهل المدينة، وإنما ذكرنا من أخذ عن هؤلاء المدنيين تنكيتا لهم، وكشفا لتناقضهم، وهم أترك خلق الله لاجماع أهل المدينة أجمعوا كلهم مع رسول الله (ص) على إعطاء أموالهم التي قسمها رسول الله (ص) على مفتتحي خيبر إلى اليهود، على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم يقرونهم ما أقرهم الله تعالى، ويخرجونهم متى شاؤوا وبقوا كذلك إلى أن مات رسول الله (ص مدة أربعة أعوام ثم مدة أبي بكر رضي الله عنه إلى آخر عام من خلافة عمر رضي الله عنه.\rفقال المدعون إنهم على مذهب أهل المدينة.\rهذا عقد فاسد وعمل باطل مفسو تقليدا لخطأ مالك.\rحدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، نا وهب بن ميسرة، نا ابن وضاح بن يحيى، نا مالك، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: نحرنا مع رسول الله (ص) يوم الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.\rنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا محمد بن حاتم، نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: نحرنا يومئذ تسعين بدنة اشتركنا كل سبعة في بدنة، فهذا إجماع أهل المدينة حقا وعملهم بحضرة رسول الله (ص) وإجماع\rالصحابة حقا.\rفقال هؤلاء المنتسبون إلى اتباع أهل المدينة: هذا عمل لا يجوز، ولا يجزئ تقليدا لخطأ مالك، وخلافا لاهل المدينة وتمويها برواية عن ابن عمر قد جاء عنه خلافها.\rوتركوا عمل أهل المدينة - كل من حضر منهم - مع عمر، في سجوده في:","part":4,"page":556},{"id":561,"text":"* (إذا السماء انشقت) * وسجودهم مع عمر إذ قرأ السجدة، وهو يخط ب يوم الجمعة فنزل عن المنبر فسجد وسجدوا معه، ثم رجع إلى خطبته، فقال هؤلاء المنتمون إلى اتباع أهل المدينة.\rهذا لا يجوز، تقليدا لخطأ مالك في ذلك، ولا سبيل إلى أن يوجد عمل لاهل المدينة أعم من هذا، وتركوا إجماع أهل المدينة، إذ صلوا مع رسول الله (ص) آخر صلاة صلاها بالناس، فقالوا: هذه صلاة فاسدة، تقليدا لخطأ مالك في ذلك.\rوالعجب احتجاجهم كلهم في ترك إجماع أهل المدينة على هذا وعملهم برواية الجعفي الكذاب الكوفي عن الشعبي أن النبي (ص) قال: لا يؤمن أحد بعدي جالسا.\rوهذه رواية ليس في رواية أهل المدينة أنتن منها، فهل في العجب أكثر من هذا ؟ وهم يقولون: إن إجماع أهل الكوفة هو الاجماع فإن روايات أهل الكوفة الصحاح مدخولة.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، نا محمد بن معاوية، نا أحمد بن شعيب، أخبرنا أبو أيوب بن محمد الوزان، نا عمرو بن أيوب، نا أفلح بن حميد، نا محمد بن حميد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن سليمان بن عبد الملك عام حج جمع ناسا من أهل العلم، فيهم عمر بن عبد العزيز، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد، وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، وابن شهاب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فسألهم عن الطيب قبل الافاضة، فكلهم أمره بالطيب.\rوقال القاسم: أخبرتني عائشة أنها طيبت\rرسول الله (ص) لحرمه حين أحرم، ولحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت ولم يختلف عليه أحد منهم إلا أن عبد الله بن عبد الله قال: كان عبد الله رجلا حادا محدا كان يرمي الجمرة ثيذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض قبل أن يأتي منزله، قال سالم: صدق.\rفهذه فتيا أهل المدينة وفقهائها عن سلفهم، فقال هؤلاء المدعون: إنهم يتبعون أهل المدينة، لا يجوز ذلك تقليدا لخطأ مالك، واحتجوا برواية كوفية ليست موافقة لقولهم أيضا، لكن موهوا بإيرادها.\rوذكر قيس بن مسلم، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، وزارع علي، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود،","part":4,"page":557},{"id":562,"text":"وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي، وعامل عمر بن الخطاب الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا وكذا، ورأى ذلك الزهري.\rقال أبو محمد: فهل يكون عمل يمكن أن يقال: إنه إجماع - أظهر من هذا أو أفشى منه ؟ فقال هؤلاء المموهون باتباع أهل المدينة: هذا لا يحل ولا يجوز تقليدا لخطأ مالك في ذلك، والعجب أن مالكا لم يدع إجماع أهل المدينة إلا في نيف وأربعين مسألة فاستحل هؤلاء القدر بنفحة، وقمحوا جميع آرائه في إجماع أهل المدينة، وإنا لله وإنا إليه راجعون على فشو الكذب واختداع أهل الغفلة والاغترار بالباطل.\rثم إن المسائل المذكورة التي ذكر مالك أنها إجماع أهل المدينة تنقسم قسمين: أحدهما: لا يعلم فيه خلاف من أحد من الناس في سائر الامصار، وهو الاقل.\rوالثاني: قد وجدنا فيه الخلاف، كما هو موجود في غير المدينة.\rقال أبو محمد: ونقول لهم لا يخلو ما ادعيتموه - من إجماع أهل المدينة - من\rأن يكون عن توقيف من رسول الله (ص)، أو يكون عن اجتهاد، وقد تقدم إبطالنا لكل اجتهاد أدى إلى ما لا نص فيه، أو إلى خلاف النص.\rثم لو صح لهم فمن أين جاز أن يكون اجتهاد أهل المدينة أولى من غيرهم ؟ والنصوص التي يقيسون عليها معروفة عند غيرهم، كما هي عندهم إذ كتمانها محال غير ممكن، ولا فرق بين دعواهم هذه ودعوى غيرهم، أو يكون إجماعهم عن توقيف من النبي (ص)، ولم يبق إلا هذا الوجه، فلا يخلو ذلك التوقيف من أن يكون علمه الخارجون من المدينة من الصحابة، أو جهلوه أو علمه من علمه من أهل المدينة سائر الناس أو كتموه، فإن كان علمه الخارجون من المدينة من الصحابة أو علمه من علمه ممن بقي في المدينة من سائر الناس، فقد استوى في العلم به أهل المدينة وغيرهم ضرورة، وإن كان من بقي في المدينة كتمه عن سائر أهل البلاد.\rفهذا محال غير ممكن، لان كل سر جاوز اثنين شائع فكيف ما علمه جميع أهل المدينة بزعمهم ؟ وحتى لو صح أنهم كتموه لسقطت عدالتهم، قال الله عز وجل: * (إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك","part":4,"page":558},{"id":563,"text":"يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) * ولقد أعاذهم الله من هذا، فبطل ضرورة ما ادعوه من إجماع أهل المدينة.\rوأيضا فإن الاجماع لا يصح نقله إلا بإجماع مثله، أو بنقل تواتر، وهم يرجعون في دعواهم الكاذبة لاجماع أهل المدينة إلا إلى إنسان واحد، وهو مالك، فهو نقل واحد كنقل غيره من العلماء ولا فرق.\rوأيضا فيقال لهم: أخبرونا هل خص رسول الله (ص) بتبليغ أحكام الدين أو بعضها أو حكم واحد منها - المقيمين بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم عمن علم الله عز وجل أنهم سيخرجون عن المدينة.\rفإن قالوا: نعم\rكفروا وكذبوا، إذ جعلوه (ص) كتم شيئا من الدين عمن يلزمه من علم الديانة كالذي يلزم غيره، وصاروا إلى أقوال الروافض من كثب، وإن قالوا: لا، ثبت أن السنن هي بيان الدين في غير المدينة كما هي في المدينة ضرورة ولا فرق.\rوأيضا فإن من بقي بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم، كانوا يجاهدون ويحجون، ومن خرج عن المدينة منهم كانوا يفدون على عمر وعثمان فقد وجب التداخل بينهم.\rوهكذا صحت الآثار بنقل التابعين من سائر الامصار عن أهل المدينة، وبنقل التابعين من أهل المدينة ومن بعدهم عن أهل الامصار فقد صحب علقمة ومسروق عمر وعثمان وعائشة أم المؤمنين، واختصوا بهم وأكثروا الاخذ عنهم، وكذلك صحب علقمة ومسروق وعمر وعثمان وعاشية أم المؤمنين، واختصوا بهم وأكثروا الأخذ عنهم.\rوكذلك صحب عطاء عائشة أم المؤمنين وصحب الشعى وابن بن سيرين بن عمر، وصحب قتادة بن المسيب، وأخذ الزهري عن أنس، وأخذ مالك عن أيوب وحميد المكي، وأخذ عبيدالله بن عمر، عن ثابت البناني، وأخذ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس.\rوأخبرني يوسف بن عبد الله النمري قال: نا عبد الوارث بن حسرون، نا قاسم بن أصبغ، نا أحمد بن زهير بن حرب، نا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، سمعت مالك بن أنس يقول: قال سعيد بن المسيب، إن كنت لاسير الايام والليالي في طلب الحديث الواحد، فاستوى الامر في المدينة وغيرها بلا شك.\rوأيضا فنقول لهم: هل تعمد عمر وعثمان رضي الله عنهما أن يبعثا من يعلم أهل البصرة والكوفة والشام ومصر دينهم وأحكامهم أم أغفلا ذلك وضيعاه ؟","part":4,"page":559},{"id":564,"text":"وعمالهما يترددون على هذه البلاد، ووفود هذه البلاد يفدون عليهما كل عام أم لم ي تركاذلك، بل علماهم كل ما يجب علمه من الدين ؟ ولا بد من أحد\rهذه الاقسام، فإن قالوا: تعمدنا كتمان الدين عنهم أو ضيعوا ذلك، كذبوا جهارا، ونسبوا الخليفتين الفاضلين إلى ما قد نزههما الله تعالى عنه، مما هو أعظم الجور وأشد الفسق، بل هو الانسلاخ من الاسلام، وإن قالوا: ما تركا ذلك، علماهم كل ما يجب علمه والعمل به من الدين.\rقلنا: صدقتم وقد ثبت بهذا أن أهل المدينة وغيرهم سواء في المعرفة والعلم والعدالة، وظهر فساد دعواهم الكاذبة في دعوى إجماع أهل المدينة.\rأنبأنا محمد بن سعيد بن بنات، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر - غندر -، نا شعبة، نا أبو إسحاق السبيعي قال: سمعت حارثة بن مضرب قال: قرأت كتاب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: إني بعثت عليكم عمارا أميرا، وعبد الله معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله (ص) من أهل بدر فخذوا عنهما، واقتدوا بهما، فإنني آثرتكم بعبد الله على نفسي إثرة.\rحدثني أحمد بن عمر بن أنس العدوي، نا عبد الله بن الحسين بن عقال، نا إبراهيم بن محمد الدينوري، نا محمد بن أحمد بن محمد بن الجهم، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي، نا أحمد بن يونس، نا قيس بن أشعث، عن الشعبي قال: ما جاءك عن عمر فخذ به، فإنه كان إذا أراد أمرا استشار أصحاب محمد (ص) فإذا أجمعوا على شئ كتب به فهذا تعليم عمر ما عنده من العلم لاهل الامصار، فصار الامر في المدينة وغيرها سواء.\rوأيضا فنقول لهم: إذا كان إجماع أهل المدينة عندكم هو الاجماع، ومن قولكم إن من خالف الاجماع كافر، فتكفرون كل من خالف إجماع أهل المدينة بزعمكم أم لا ؟ فإن قالوا: نعم لزمهم تكفير ابن مسعود وعلي، وكل من روي عنه فتيا مخالفة لما يدعون فيه إجماع أهل المدينة من صاحب أو تابع فمن دونهم، وفي هذا ما فيه، وإن أبوا من ذلك قلنا لهم: كذبتم في الدعوى إن إجماعهم هو الاجماع،\rفارجعوا عن ذلك واقتصروا على أن تقولوا صوابا أو حقا ونحو ذلك.","part":4,"page":560},{"id":565,"text":"قال أبو محمد: وأيضا فلا شئ أظهر ولا أشهر ولا أعلن ولا أبين ولا أفشى من الاذان، الذي هو كل يوم وليلة خمس مرات، برفع الاصوات في مساجد الجماعات في الصوامع المشرفات لا يبقى رجل ولا امرأة، ولا صبي، ولا عالم ولا جاهل إلا تكرر على سمعه كذلك، ولا يستعمله المسافرون كما يستعمله الحاضرون، ولا يطول به العهد فينسى، وفي المدينة فيه من الاختلاف كالذي خارج المدينة.\rصح عن ابن عمر أن الاذان وتر، وروي عنه وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قولهما في الاذان: حي على خير العمل.\rنا عبد الله بن ربيع، نا عبد الله بن محمد بن عثمان، نا أحمد بن خالد، نا علي بن عبد العزيز، نالحجاج بن منهال، نا حماد بن سلمة، نا أيوب السختياني، وقتادة، كلاهما عن محمد بن سيرين، عن ابن عمر، أنه مر على مؤذن فقال له: أوتر أذانك، نا حمام، نا ابن مفرج، نا ابن الاعرابي، نا الديري، نا عبد الرزاق، عن معمر عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: الاذان ثلاثا ثلاثا.\rوبه إلى عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل، عن ابن عمر أنه كان إذا قال في الاذان: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل.\rومن ادعى أن الصحابة في الكوفة والبصرة ومكة بدلوا الاذان، فلكافر مثله، أن يدعي ذلك على الصحابة بالمدينة، وكلاهما كاذب ملعون، وحق صحابة المدينة والكوفة والبصرة جائز واجب فرض سواء على كل مسلم، ولا فرق من ادعى ذلك على التابعين بالكوفة والبصرة فالفاسق مثله أن يدعي على التابعين بالمدينة إذ لا فرق بينهم.\rومن ادعى ذلك على الولاة بالبصرة والكوفة، فلغيره أن ينسب مثل ذلك إلى الولاة بالمدينة، فقد وليها من الفساق كالذين ولوا البصرة والكوفة كالحجاج وخالد القسري وطارق وعثمان بن حيان المري، وكلهم نافذ\rأمره في الدماء والاموال والاحكام، وموضعهم من الفسق بالدين بحيث لا يخفى فهذا أصل عظيم.\rثم الزكاة فالزهري يراها في الخضر، ومالك لا يراها وابن عمر لا يرى الزكاة مما أنبتت الارض إلا في البر والشعير والتمر والزيت والسلت، ومالك يخالفه ولا شئ بعد الاذان بالصلاة أشهر من عمل الزكاة، وابن عمر لا يجيز في زكاة","part":4,"page":561},{"id":566,"text":"الفطر إلا التمر والشعير، ومالك يخالفه، وقال ابن عمر وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبو سليمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عدل الناس بصاع شعير في صدقة الفطر مدين من بر، وروي ذلك أيضا عن عمر وعثمان وأسماء بنت أبي بكر فخالفهم مالك فصح أنهم أترك الناس لعمل أهل المدينة.\rوقال بعضهم: من خرج عن المدينة اشتغل بالجهاد، قلنا: لا يشغل الجهاد عن تعليم الدين فقولكم هذا مجاهدة بالباطل وقالوا: إن كان ابن مسعود إذا أفتى بفتيا أتى المدينة فيسأل عنها، فإن أفتى بخلاف فتياه رجع إلى الكوفة ففسخ ما عمل.\rقال أبو محمد: وهذا كذب إنما جاء أنه أفتى بمسألتين فقط، فأمر عمر بفسخ ذلك وعمر الخليفة فلم يمكنه خلافه.\rنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود، نا أحمد بن دحيم، نا إبراهيم بن حماد، قال: نا إسماعيل بن إسحاق، نا حجاج بن المنهال، نا حماد بن بسلمة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عمرو الشيباني أن رجلا سأل ابن مسعود عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها أيتزوج أمها ؟ قال: نعم، فتزوجها، فولدت له، فقدم على عمر فسأله، فقال: فرق بينهما، قال ابن مسعود: إنها ولدت، قال عمر: وإن ولدت عشرا ففرق بينهما.\rقال أبو محمد: والخلاف في هذا موجود بالمدينة، نا عبد الله بن ربيع، نا عبد الله\rبن محمد بن عنان، نا أحمد بن خالد، نا علي بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: إن طلق الابنة قبل أن يدخل بها تزوج أمها، وإن ماتت موتا لم يتزوج أمها.\rنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود، نا أحمد بن دحيم، نا إبراهيم بن حماد، نا إسماعيل بن إسحاق، نا إسماعيل بن أبي أويس، نا عبد الرحمن بن أبي الموال، عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة أن رجلا من بني ليث يقال له الاجدع، تزوج جارية شابة فكان يأتيها فيتحدث مع أمها فهلكت امرأته، ولم يدخل بها فخطب أمها وسأل عن ذلك ناسا من أصحاب النبي (ص) فمنهم من رخص له ومنهم من نهاه.\rقال أبو محمد: هذا والمسألة المذكورة منصوصة في القرآن الذي هو عند جميع الناس كما هو عند أهل المدينة لا يمكن أن يدعوا فيها توفيقا حتى خفي عمن هو خارج","part":4,"page":562},{"id":567,"text":"المدينة، لكن من أباح ذلك حمل الام على حكم الربيبة، ومن منع أخذ بظاهر الآية وعمومها وهو الحق فلا مزية ههنا لاهل المدينة على غيرهم أصلا، وقد صح أن عمر استفتى ابن مسعود بالبتة وأخذ بقوله، وهذا مدني إمام أخذ بقول كوفي وذكر غريبة تضحك الثكالى ويدل على ضعف دين المموه، وقلة عقله: وهي أنهم ذكروا خبر ابن عمر إذ رأى سعدا وهو يمسح فلم يأخذ بعمله حتى رجع إلى المدينة فسأل أباه.\rقال أبو محمد: وهذا عليهم لا لهم لان ابن عمر مدني، وقد خفي عليه حكم المسح وسعد مدني فلم يأخذ ابن عمر بفعله إلا أن يقولوا: إنه لا يجوز أن يؤخذ بقول مدني إلا إذا كان بين جدران المدينة.\rفهذا حمق لا يقوله من لا مسكة له.\rوموهوا بما أنبأنا عبد الله بن الربيع قال: نا محمد بن معاوية، نا أحمد بن شعيب، أخبرنا محمد بن المثنى، نا خالد بن الحارث، نا حميد عن الحسن قال: قال ابن عباس وهو أمير البصرة في آخر الشهر: أخرجوا زكاة صومكم، فنظر الناس بعضهم إلى بعض فقال: من هنا من أهل المدينة ؟ قوموا فعلموا إخوانكم، فإنهم لا يعلمون أن هذه الزكاة فرضها رسول الله (ص) على\rكل ذكر أو أنثى حر أو مملوك، صاعا من شعير أو تمر أو نصف صاع من قمح.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لوجوه: أولها: أنه خبر ساقط منقطع أخذه الحسن بلا شك من غير ثقة ذلك، لان الحسن لم يكن بالبصرة أيام ابن عباس أميرا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإنما نزلها الحسن أيام معاوية لا خلاف في هذا.\rوثانيها: أن البصرة بناها عتبة بن غزوان المازني من بني مازن بن منصور أخي سليم بن منصور، وهذا بدري من أكابر المهاجرين الاولين الممتحنين في الله تعالى في أول الاسلام سنة أربع عشرة من الهجرة في صدر أيام عمر رضي الله عنه، وإنما وليها ابن عباس لعلي في آخر سنة ست وثلاثين بعد يوم الجمل بعد اثنتين وعشرين سنة من بنيانها، وسكنها الصحابة والتابعون رضي الله عنهم، ووليها أبو موسى الاشعري بعد عتبة بن غزوان، والمغيرة بن شعبة وغيرهما أيام عمر وطول أيام عثمان رضي الله عنهما، وولي قبض زكاتها أنس بن مالك في تلك الايام.\rفكيف يدخل في عقل من له مسكة عقل، أن مصرا يسكنه عشرات الالوف من المسلمين منهم مئون من الصحابة رضي الله عنهم، تداوله الصحابة من قبل","part":4,"page":563},{"id":568,"text":"عمر وعثمان فلم يكن فيهم أحد يعلمهم زكاة الفطر التي يعلمها النساء والصبيان في كل مدينة وكل قرية لتكررها في كل عام في العيد إثر رمضان، حتى بقوا المدة المذكورة ليس فيهم أحد علم ذلك، وأهل المدينة يعرفونها، فكيف يكتم مثل هذا والوفود من البصرة يفدون على الخليفتين بالمدينة ؟.\rوتالله إن هذه لمصيبة على عمر وعثمان وأهل المدينة أعظم منها على أهل البصرة إذ تعمدوا ترك تعليمهم أو ضيعوا ذلك وكل ذلك باطل لا يمكن البتة، وكذب لا خفاء به، ومحال ممتنع لما ذكرنا.\rوثالثها: أن المحتجين بهذا الخبر - وهم المقلدون لمالك - أول مبطل لحكم هذا\rالخبر، فلا يرون ما فيه من نصف صاع قمح مكان صاع شعير في زكاة الفطر، أفليس من الرزايا والفضائح والبلايا والقبائح من يموه بخبر يحتج به فيما ليس فيه منه شئ على من لا يراه حجة لو صح ؟ لانه ليس من كلام النبي (ص)، ثم المحتج به أول مخالف لما احتج به، وأول مبطل ومكذب لما فيه، مما لو صح ذلك الخبر لما حل لاحد خلافه، لانه عن النبي (ص)، نعوذ بالله العظيم من مثل هذا المقال في الدنيا والآخرة.\rوإذ قد صححوا ههنا رواية الحسن عن ابن عباس فقد: نا أحمد بن محمد الطلمنكي، نا ابن مفرج، نا محمد بن أيوب الرقي، نا أحمد بن عروة بن عبد الخالق البزار نا محمد بن المثنى، نا يزيد بن هارون، نا حميد الطويل، عن الحسن البصري، قال: خطبنا ابن عباس بالبصرة فقال: فرض رسول الله (ص) صدقة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد، صاع من تمر أو صاع من شعير أو بنصف صاع من بر ومن أتى بدقيق قبل منه، ومن أتى بسويق قبل منه.\rوهم أول عاص لما في هذا الخبر، فيا للناس، مرة يصححون رواية الحسن عن ابن عباس إذا ظنوا أنهم يموهون به في إثبات باطل دعواهم، ومرة يبطلونهم ويكذبونها إذا خالفت رأي مالك فيزورون شاهدهم ويكذبون أنفسهم، ألا ذلك هو الضلال المبين.\rقال أبو محمد: وهذا خبر رواه ابن سيرين وأبو رجاء عن ابن عباس وهما حاضران لولايته فلم يذكروا فيه ما ذكر ابن عباس من القول: يا أهل المدينة قوموا علموا إخوانكم، فصح أنها زيادة من لا خير فيه.","part":4,"page":564},{"id":569,"text":"قال أبو محمد: فبطل كل ما موهوا به ونحن ولله الحمد على ثقة من أن الله لو أراد أن يجعل إجماع أهل المدينة حجة لما أغفل أن يعين ذلك على لسان رسوله (ص) فإذا لم يفعل فنحن نثبت بأنه لم يجعل قط إجماعهم حجة\rعلى أحد من خلقه، هذا لو صح وجود إجماع لهم في شئ من الاحكام، فكيف ولا سبيل إلى وجود ذلك أبدا، إلا حيث يجمع سائر أهل الاسلام عليه، أو حيث نقل إجماعهم كلهم ورضاهم بذلك الحكم وتسليمهم لهم.\rوإلا فدعوى إجماعهم كذب بحت على جميعهم ونعوذ بالله العظيم من مثل هذا.\rقال أبو محمد: وهذا مالك يقول في موطئه الذي رويناه عنه، من طرق في كتاب البيوع منه في أوله في باب ترجمته العيب في الرقيق قال مالك: الامر المجتمع عليه عندنا فيمن باع عبدا أو وليدة أو حيوانا بالبراءة، فقد برئ من كل عيب إلا أن يكون علم في ذلك عيبا فكتمه، فإن كان علم في ذلك عيبا فكتمه لم تنفعه تبرئته، وكان ما باع مردودا عليه.\rقال أبو محمد: والذي عليه العمل عند أصحابه ومقلديه من قوله: هو أن حكم الحيوان مخالف لحكم الرقيق، وأن بيع البراءة لا يجوز البتة في الحيوان لكنه كالعروض لا يبرأ من عيب فيه، علمه أو لم يعلمه.\rقال أبو محمد: فإذا كان عند هؤلاء المجرمين إجماع أهل المدينة إجماعا لا يحل خلافه، وهذا مالك ههنا قد خالف ما ذكر أنه الامر المجتمع عليه عندهم، فلا بد ضرورة من أحد حكمين لا ثالث لهما: أما إبطال تهويلهم بإجماع أهل المدينة وبخلافه وجواز مخالفته، وإما أن يلحقوا بمالك الذي قلدوه دينهم ما يلحق مخالف الاجماع الذي يقر أنه إجماع وهذا صعب ممن خالف ما يقر أنه إجماع، وفي هذا كفاية لمن له أدنى عقل، ومن أراد الله تعالى توفيقه.\rقال أبو محمد: والقوم كما ترى يموهون بإجماع أهل المدينة، فإن حقق عليهم لم يحصلوا من جميع أهل المدينة ومن إجماعهم إلا على ما انفرد به سحنون القيرواني، وعيسى بن دينار الاندلسي، عن ابن القاسم المصري، عن مالك وحده، من رأيه وظنه، وكثير من ذلك رأي ابن القاسم واستحسانه وقياسه على أقوال مالك.\rفاعجبوا لهذه الامور القبيحة كيف يستحسنها ذو ورع، أو من يدري أن","part":4,"page":565},{"id":570,"text":"الله سيسأله عن قوله وفعله، ونعوذ بالله العظيم من الخذلان.\rفإن موهوا بما روي من عمل قضاة المدينة الذين أدرك مالك، فليعلم كل ذي فهم أن النازلة كانت تقع في المدينة وغيرها فلا يقضي فيها الامير ولا القاضي حتى يخاطب الخليفة بالشام، ثم لا ينفذ إلا من خاطبه به فإنما هي أوامر عبد الله والوليد وسليمان ويزيد وهشام والوليد بحسبكم والقليل من ذلك من عهد عمر بن عبد العزيز أقصر مدته.\rهذا أمر مشهور في كتب الاحاديث.\rفصل فيمن قال إن الاجماع هو إجماع أهل الكوفة قال أبو محمد: إنما نتكلم بما يمكن أن يموه قائله بشغب يخفى على الجهال أو فيما يمكن أن يخفى وجه الحق فيه على بعض أهل العلم لخفاء الدلائل أو لتعارضها، وإما ما لا شبه فيه غير الاحموقة والعصبية فلا، ولا فرق بين إجماع أهل الكوفة وإجماع أهل البصرة وإجماع أهل الفسطاط، هذا إن أرادوا إجماع من كان بها من الصحابة أو من بعدهم من التابعين، أو على أن يسمح لهم في العصر الثالث، وأما إن نزلنا عن ذلك فلا فرق بين أهل الكوفة وأهل أوقانية وأهل أوطانية وفسا ونسا.\rولو أن امرأ نصح نفسه، فأقصر عن التلبيس في الدين، وإضلال المساكين المغترين وشغل نفسه بالقرآن كلام الله تعالى وبيان رسوله (ص) الذي لافترض الله تعالى علينا طاعته، وترك التعصب لقول فلان وفلان كان أسلم لمعاده وأبعد له من الفضيحة في العاجلة وما توفيقنا إلا بالله تعالى.\rفصل في إبطال قول من قال: إن قول الواحد من الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع وإن ظهر خلافه في العصر الثاني\rقال أبو محمد: قال بهذا طوائف من المالكيين والحنفيين، ثم أقحم هذا الشغب معهم الشافعيون، ثم اختلفوا فقالت طائفة: سواء انتشر أو لم ينتشر فهو إجماع، وقالت طائفة إنما يكون إجماعا إذا اشتهر وانتشر، وأما إذا لم يشتهر","part":4,"page":566},{"id":571,"text":"ولا انتشر فلا يكون إجماعا.\rوقالت طائفة: إنما يكون إجماعا إذا كان من قول أحد الائمة الاربعة، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فقط وانتشر مع ذلك، وإلا فليس إجماعا وإن كان من قول غيرهم فلا يكون حجة وإن انتشر.\rوقالت طائفة: ليس شئ من ذلك إجماعا ولكنه حجة.\rقال أبو محمد: فإنما قال من قال منهم هذه الاقوال، عند ظفره بشئ منها مع انقطاع الحبل بيده وعدمه شيئا ينصر به خطأه وتقليده، ثم هم أترك الناس لذلك إذا خالف تقليدهم، لا مؤنة عليهم في إبطال ما صححوا وتصحيح ما أبطلوا في الوقت، إنما حسب أحدهم نصر المسأل الدائرة بينه وبين خصمه في حينه ذلك، فإذا انتقلا إلى أخرى فأخف شئ على كل واحد منهم تصحيح ما أبطل في المسألة التي انقضى الكلام، وإبطال ما صحح فيها.\rفقد ذكر الاجهري محمد بن صالح المالكي عن ابن بكير وكل واحد منهم من جملة مذهب مالك ومقلديه: أنه كانت أصوله مبنية على فروعه، إذا خرج قوله في مسألة على العموم قال: من قولي العموم وإذا خرج قوله في أخرى على الخصوص، قال من قولي الخصوص.\rولقد رأيت لعبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي في كتابه المعروف بشرح الرسالة في باب من يعتق على المرء إذا ملكه فذكر قول داود: لا يعتق أحد على أحد، وذكر قول أبي حنيفة: يعتق كل ذي رحم محرم.\rفقال: من حجتنا على داود قول رسول الله (ص): من ملك ذا رحم محرم فهو حر وهذا نص جلي.\rثم صار إلى قول أبي حنيفة بعد ستة أسطار فقال: فإن احتج بما روي عن النبي (ص): من ملك ذا رحم محرم فهو حر قلنا: هذا خبر لا يصح.\rولا أحصي كم وجدت للحنفيين والمالكيين والشافعيين تصحيح رواية ابن لهيعة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إذا كان فيها ما يوافق تقليدهم في مسألتهم تلك، ثم ربما أتى بعدها بصفحة أو ورقة أو أوراق احتجاج خصمهم عليهم برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أو برواية ابن لهيعة، فيقولون: هذه صحيفة، وابن لهيعة ضعيف.\rقال أبو محمد: وهذا فعل من لا يتقي الله عز وجل، ومن عمله يوجب سوء الظن بباطن معتقده، ونعوذ بالله من الخذلان قال الله تعالى: * (يحلونه عاما","part":4,"page":567},{"id":572,"text":"ويحرمونه عاما) * وقال تعالى: * (لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) * وقال تعالى: * (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) * فأنكر الله تعالى على من صحح شيئا مرة ثم أبطله أخرى مع أن أقوالهم التي ذكرنا في هذا الباب دعاوى فاسدة بلا برهان ولا استدلال أصلا، إلا ما تقدم إفسادنا له من قولهم: إنهم لا يقرون على باطل.\rفقلنا لهم: ومن لكم بأنهم لم ينكروا ذلك وسائر ما ذكرنا هنالك.\rوقد كتبنا في مناقضتهم في هذا الباب وغيره كتابا ضخما تقصينا فيه عظيم تناقضهم، وفاحش تضاد حجاجهم وأقوالهم، ونذكر هنا إن شاء الله تعالى يسيرا دالا على الكثير، إذ لو جمع تناقضهم لاتى منه ديوان أكبر من ديواننا هذا كله، نعم وقد تعدوا عقدهم الفاسد في هذا الباب، إلى أن قلدوا قول صاحب قد خالفه غير من الصحابة في قولهم ذلك، أو قد صح رجوع ذلك الصاحب عن ذلك القول، فاحتجوا به وادعوا إجماعا.\rفمن ذلك: احتجاج المالكيين في التحريم على الناكح جاهلا في العدة يدخل بها أن يتزوجها أبدا، احتجاجا بما روي عن عمر في ذلك، وقد صح عن علي\rخلافه، وصح رجوع عمر عن القول وكتعلقهم بما روي عن عمر في امرأة المفقودة.\rوقد خالفه عثمان وعلي في ذلك.\rوكتعليق الحنفيين بما روي عن ابن مسعود في جعل الآبق، وخالفوه في تلك القضية نفسها في تحديد المسافة، وكتوريثهم المطلقة ثلاثا في المرض، تعلقا بعمر وعثمان، وقد خالفهما ابن عباس وابن الزبير، وقد اختلف عمر وعثمان في ذلك أيضا.\rوكخلاف المالكيين والشافعيين عمر بن الخطاب، وتقليد الحنفيين له فيما صح عنه من طريق الشعبي عن شريح أنه كتب إليه أن يحكم في غير الدابة بربع ثمنها، وكتقليد المالكيين والحنفيين له في جلده في الخمر أربعين، وخالفه الشافعيون في ذلك، وقد صح عن عمر وعثمان وعلي وأبي بكر جلد أربعين في الخمر.\rوكتقليد المالكيين والحنفيين لعائشة أم المؤمنين، في ما لم يصح عنها في إنكارها بيع شئ إلى أجل ثم يبتاعه البائع له بأقل من ذلك الثمن، وخالفها الشافعي في ذلك، وخالفها فيه أيضا زيد بن أرقم.\rوكتقليدهم عمر في أجل العنين","part":4,"page":568},{"id":573,"text":"وقد خالفه في ذلك علي ومعاوية والمغيرة بن شعبة، وكتقليد الحنفيين والمالكيين عمر في تقويم الدية بالذهب والفضة، وخالفه الشافعي، وخالفه الحنفيون والمالكيون أيضا في تقويم الدية بالبقر والغنم والحلل، وكتقليد المالكيين والحنفيين ما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان في حيازة الهبات، وقد خالفهم ابن مسعود، وروي الخلاف في ذلك عن أبي بكر.\rوكتقليد المالكيين والشافعيين لعمر في رد المنكوحة بالعيوب.\rوخالفوه في الرجوع بالصداق وخالفه في ذلك علي وغيره، وكخلاف المالكيين والشافعيين عمر وابن مسعود في قولهما: من ملك ذار رحم محرم فهو حر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة في ذلك.\rوكخلاف المالكيين والزبير وقدامة بن مظعون\rوأبا الدرداء وابن مسعود في إباحة نكاح المريض.\rولا يعرف لهم من الصحابة مخالف.\rوكمخالفة الحنفيين والمالكيين أبا بكر وعمر وخالد بن الوليد وابن الزبير وعثمان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم في القود من اللطمة وكسر الفخذ لا يعرف لهم من الصحابة مخالف كخلافهم في إضعاف القيمة في ناقة المزني، ولا يعرف من الصحابة مخالف في ذلك.\rوكخلافهم عمر في قضائه في الترقوة بحمل وفي ضلع بحمل، ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة.\rومثل هذا لهم كثير جدا يجاوز المئين من القضايا، قد جمعناها والحمد لله في كتابنا الموسوم بكتاب الاعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس.\rقال أبو محمد: وأما قول من قال منهم: إذا كان ذلك من فعل الامام فهم أترك الناس لذلك، مع تعري قولهم من الدلالة، ومما حضر ذكره من ذلك احتجاجهم في جلد الشاهد بالزنى والشاهدين والثلاثة - إذ لم يتموا أربعة - حد القاذف، احتجاجا بجلد عمر أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد بحضرة الصحابة ثم لم يستحيوا ولا بالوا من خلاف عمر في تلكخ القضية بعينها بحضرة الصحابة في ذلك المقام نفسه.\rإذ قال أبو بكرة لما تم جلده وقام: أشهد أن المغيرة زنى، فأراد عمر جلده فقال له علي: إن جلدته فارجم المغيرة فتركه، وكلهم يرى جلده ثانيا إذا قالها بعد تمام جلده، أفلا حياء إذ لا تقوى، وهل سمع بأفحش من هذا العمل وأفصح منه ؟ ومثل هذا لهم كثيرا جدا.","part":4,"page":569},{"id":574,"text":"وأما دعواهم وقولهم في الاشتهار والانتشار، فطريف جدا وإنما هم قوم أتى أسلافهم كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وعيسى بن أبان ونظرائهم، وكمالك وابن وهب وسحنون وإسماعيل ونظرائهم وكالشافعي والمزني والربيع وابن شريح ونظرائهم فاحتجوا لما قاله الاول منهم بمرسل أو رواية عن صاحب نجدها\rفي الاكثر لا تصح، أو تصح ونجد فيها خلافا من صاحب آخر، أو لا نجد فأشاعوها في أتباعهم فتلقاها الاتباع عنهم وتدارسوها وتهادوها بينهم، وأذاعوا عند القلة الآخذة عنهم فتداولوها على ألسنتهم ومجامعهم وفي تواليفهم.\rوفي مناظرتهم بينهم أو مع خصومهم فوسموها بالانتشار والاشتهار والتواتر، ونقل الكوا ف وهي في أصلها هباء منبث وباطل مولد، أو خامل في مبدئه وإن كان صحيحا لم يعر ف منتشرا قط.\rفهذه صفة ما تدعون فيه الانتشار والتواتر، كالخبر المضاف إلى معاذرضي الله عنه في اجتهاد الرأي فما عرفه قط أحد في عصر الصحابة، ولا جاء قط عن أحد منهم أنه ذكره لا من طريق صحيحة ولا من طريق واهية، ولا متصلة ولا منقطعة، ولا جاء قط عن أحد التابعين أنه عرفه ولا ذكره في رواية صحيحة ولا سقيمة لا موصولة ولا مقطوعة، حتى ذكره أبو عون محمد بن عبيد الله وحده.\rوإنما أخذه عن مجهول لا يعرف احد عن مثله فيما ادعى وزعم ذلك المجهول أيضا، فأخذه عن أبي عون فيما بلغنا رجلان فقط، شعبة وأبو إسحاق الشيباني، ثم اختلفوا أيضا في كافة لفظه ومعناه على أبي عون فلما ظفر القائلون بالرأي عند شعبة وثبوا عليه وطاروا به شرقا وغربا، وكادوا يضربون الطبول حتى عرفه من لا يعرف عن رسول الله (ص) كلمة، وادعوا فيه التواتر.\rومعاذ الله من هذا فما أصله إلا مظلم ولا مخرجه إلا واه، ولا منبعثه إلا من باطل وتوليد موضوع مفتعل ممن لا يعرف عمن لم يسم ممن لم يعرف قط في عصر الصحابة ولا في عصر التابعين، ولا ذكره أحد منهم غير أبي عون بن عبيد الله الثقفي وحده كما ذكرنا، فهذه صفة جمهور ما يدعون فيه التواتر والانتشار، بل صفة جميعه، وأتوا إلى المشهور المنتشر الفاشي فخالفوه بلا كلفة ولا مؤنة، كصلاة النبي (ص) قاعدا بالاصحاب، وككونه (ص) إمامنا في","part":4,"page":570},{"id":575,"text":"صلاة ابتدأها أبو بكر، وكالمساقاة إلى غير أجل، وغير ذلك من حكم عمر في إضعاف القيمة في ناقة المزني على رقيق حاطب وإضعاف عثمان الدية على القاتل في الحرم وغير ذلك كثير جدا.\rقال أبو محمد: وفي كلامنا في الفصل الذي ذكرنا آنفا في كلامنا في الاجماع الذي أبطلنا فيه قول من قال: إن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع إبطال لقولهم في هذا الباب، لانه إذا بطل القول بدعوى الاجماع فيما لا يعرف فيه خلاف، والقول بدعوى الاجماع فيما يوجد فيه الخلاف العظيم أظهر بطلانا وأفحش سقوطا.\rقال أبو محمد: وليست منهم طائفة إلا وهي تضحك غيرها منهم بهذا الحجر يعني مخالفة الصاحب الذي لا يعرف له مخالف من الصحابة رضي الله عنهم، فإن كان هذا إجماعا ومخالف الاجماع عندهم كافر فكلهم كافر على هذا الاصل الفاسد.\rإذ ليس منهم طائفة إلا وقد خالفت صاحبا فيما لا يعرف له من الصحابة رضي الله عنهم مخالف، في أزيد من مائة قضية وتمادوا عليها مع احتجاج بعضهم على بعض بذلك وتنكيثهم لهم أبدا ويلزمهم تكفير فضلاء التابعين بمثل هذا نفسه، ولا بد لهم ضرورة من هذا أو من ترك دعواهم في هذا الفصل الاجماع، وهذا أولى بهم لانه ترفيه عن أنفسهم، وترك لدعوى الكذب وقصة واحدة تكفي في خلاف الاجماع إذا قامت به الحجة على مخالفه، فكيف وقد جمعنا لهم من ذلك مئين من المسائل على كل طائفة من الحنفيين والمالكيين والشافعيين وبالله التوفيق.\rوأما قول من قال منهم: إن قول الصاحب الذي لا يعرف له من الصحابة مخالف حجة وليس إجماعا فهو أيضا عائد عليهم فيما خالفوا فيه الذي لا يعرف له منهم مخالف، وسيأتي الرد على هذا القول في باب الكلام في إبطال التقليد إن شاء الله عز وجل وبه نستعين، لا إله إلا هو ويكفي من إبطال ذلك أنه لم يأت\rقرآن ولاسنة بإيجاب تقليد الصاحب الذي لا يعرف له منهم مخالف لا سيما فيما خالف تلك الرواية عن ذلك الصاحب نص القرآن أو السنة الثابتة، وفي هذا خالفناهم لا في رواية عن صاحب موافقة للقرآن أو السنة وإذا لم يأت بذلك قرآن ولا سنة فهو قول فاسد ودعوى باطلة، وإنما جاء النص باتباع القرآن وبيان النبي (ص) فقط وبأالدين قد كمل والحمد لله رب العالمين.","part":4,"page":571},{"id":576,"text":"فصل في من قال ليس لاحد أن يختار بعد أبي حنيفة، وأبي يوسف وزفر بن الهذيل العنبري ومحمد بن الحسن مولى بني شيبان، والحسن بن زياد اللؤلؤي.\rوقول بكر بن العلاء: ليس لاحد أن يختار بعد التابعين من التاريخ.\rوقول القائل: ليس لاحد أن يختار بعد الاوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجراح الكلابي، وعبد الله بن المبارك مولى بني حنظلة - فأقوال في غاية الفساد، وكيد الدين لا خفاء به، وضلامغلق وكذب على الله تعالى، إذا نسبوا ذلك إليه أو دين جديد أتونا به من عند أنفسهم ليس من دين محمد (ص) في شئ وهي كما نرى متدافعة متفاسدة، ودعاوى متفاضحة متكاذبة ليس بعضها بأولى من بعض ولا بعضها بأدخل في الضلالة والحمق من بعض.\rويقال لبكر من بينهم فإذا لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا غيرك، فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين، أو من هو مثله من فقهاء الامصار أو من جاء بعد متعقبا عليه وعلى غيره، ممن هو أعلم منه بالسنن وأصح نظرا أمثله، كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما.\rويقال له أيضا: إن قولك هذا السخيف الدال على ضلالة قائله وجهالته\rوابتداعه ما لم يقله مسلم قبله يوجب أن أشهب وابن الماجشون ومطرف بن عبد الله وأصبغ بن الفرج وسحنون بن سعيد وأحمد بن المعدل وهم أئمتك بإقرارك كان لهم أن يختاروا إلى أن انسلخ ذو الحجة من سنة مائتين، فلما استهل هلال المحرم من سنة إحدى ومائتين وغابت الشمس من تلك حرم عليهم في الوقت بلا مهلة ما كان مطلقا لهم قبل ذلك من الاختيار فهل سمع بأسخف من هذا الاختلاط وليت شعري ما الفرق بين سنة مائتين وبين سنة ثلاثمائة أو أربعمائة أو غيرها من سني التاريخ.\rويقال للحنفيين: أليس من عجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والقول في دين الله تعالى بالظن الكاذب، والرأي الفاسد، والشرع لما لم يأذن به الله تعالى لابي حنيفة","part":4,"page":572},{"id":577,"text":"وأبي يوسف وزفر ومحمد بن الحسن واللؤلؤي على جهلهم بالسنن والآثار، وفساد رأيهم وقياساتهم التي لم يوفقوا منها إلا لكل بار متخاذل، والتي هي في المضاحك أدخل منها في الجد، ويجعلون تلك الاقوال الفاسدة خلافا على القرآن وسنن رسول الله (ص) ثم لا يجيزون الاخذ بالسنن الثابتة للشافعي، ولا لاحمد بن حنبل، ولا لاسحاق بن راهويه، وداود بن علي، وأبي ثور، ومحمد بن نصر ونظرائهم، على سعة علم هؤلاء بالسنن، ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم، وعلى تبحرهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين، وثقة نظرهم.\rولطف استخراجهم للدلائل.\rوأن من قال منهم بالقياس فقياسه من أعذب القياس وأبعده من ظهور الفساد فيه وأجرأه على علته مع شدة ورع هؤلاء، وما منحهم الله تعالى من محبة المؤمنين لهم، وتعظيم المسلمين علمائهم وعامتهم لهم، وحلول أبي حنيفة وأصحابه في صدر هذه المنازل.\rفإن موهوا بتقدم عصر أبي حنيفة، وموه المالكيون بتقديم عصر مالك وتأخر\rعصر من ذكرنا، قلنا: هذا عجب آخر، وقد علمنا وعلمتم أنه لم يكن بين آخر وقت فتيا أبي حنيفة وأول أوقات الشافعي إلا نحو ثلاثين عاما، ولم يكن بين آخر فتيا مالك وبين أول فتيا الشافعي إلا عام أو نحوه ولعله قد أفتى في حياة مالك.\rوقد أفتى الشافعي، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن واللؤلؤي أحياء وكذلك أفتى المغيرة وابن كنانة وابن القاسم وابن وهب وأشهب وابن الماجشون أحياء، ومات الشافعي وأشهب في شهر واحد، ومات الحسن بن زياد بعدهم بنحو عام ومات الماجشون ومطرف بعدهما بأعوام كثيرة.\rفليت شعري من المبيح لبعضهم ما حجزوه عن بعض ؟ ثم لم يكن بين آخر فتيا مالك وأول وقت فتيا أحمد وإسحاق وأبي ثور إلا عشرين عاما أفي مدة عشرين عاما يغلق باب الاختبار ؟ تعالى الله عن قول المجانين، وكل هؤلاء أفتى والحسن بن زياد حي.\rفما الذي أباح للحسن بن زياد ولابن القاسم من الفتيا، ما لم يبح لاحمد وإسحاق وأبي ثور ؟ وبالله إن بينهم وبين ذينك من التفاوت في العلم أكثر مما بين المشرق والمغرب ثم أفتى داود بن علي ومحمد بن نصر ونظراؤهما مع أحمد وإسحاق وأبي ثور، ثم هكذا ينشأ العلماء ويموت العلماء عاما عاما، وما هو","part":4,"page":573},{"id":578,"text":"إلا ليلة ثم جمعة ثم شهر إلى شهر وعام إلى عام، حتى يرث الله الارض ومن عليها، فمن حد حدا أو وقف الاختيار عليه ومنعه بعده فقد سخف وكذب واخترع دين ضلالة وقال بلا علم، ونعوذ بالله العظيم من مثل هذا.\rقال الله عز وجل: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * وقال تعالى: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) * وقال تعالى: * (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) * وقال تعالى * (فاسئلوا أهل الذكران كنتم تعلمون) *\rفلم يخص عز وجل عصرا من عصر، ولا إنسانا من إنسان.\rفمن خالف هذا فهو مضل داخل في أعداد النوكى لاطلاقه لسانه بالتخليط.\rوالحق في هذا الذي لا يحل خلافه، فهو إن خالف ما جاء به رسول الله (ص) عن ربه تعالى في القرآن وفي السنن المبينة للقرآن، لا يحل لاحد أصلا ولا يجوز أن يعد قول قائل - كائنا من كان - خلافا لذلك، بل يطرح على كل حال.\rوأما خلاف أبي حنيفة ومالك ففرض على الامة، لا نقول مباح، بل فرض لا يحل تعديه، لانهما لا يخلو أن في كل فتيا لهم من أحد وجهين لا ثالث لهما أصلا، إما موافقة النص من القرآن والسنة الثابتة، وإما مخالفة النص كذلك، فإن كانت فتياهما أو فتيا أحدهما موافقة نص القرآن أو السنة، فالمتبع هو القرآن والسنة لا قول أبي حنيفة ولا قول مالك، لان الله تعالى لم يأمرنا قط باتباعهما فمتبعهما مخالف لله تعالى، وإن كانت فتياهما مخالفة للنص، فلا يحل لاحد اتباع ما خالف نص القرآن والسنة، وهكذا نقول في كل مفت بعد رسول الله (ص).\rأنبأنا محمد بن سعيد بن نبات، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن المثنى، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: قال معاوية لابن عباس: أنت على ملة علي ؟ قال: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة النبي (ص).\rنا يونس بن عبد الله بن مغيث، نا يحيى بن عابد، نا الحسين بن أحمد بن أبي خليفة، نا أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، نا يوسف بن يزيد القراطيسي، نا سعيد بن منصور، نا هشيم عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي قال: كان يكره أن يقال سنة أبي بكر وعمر، ولكن سنة","part":4,"page":574},{"id":579,"text":"الله عز وجل وسنة رسوله (ص).\rنا حمام بن أحمد، نا عبد الله بن محمد بن علي الباجي، نا عبد الله بن يونس المرادي، نا بقي بن مخلد، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر،\rنا عبد الله بن الوليد، نا عبيد بن الحسين.\rقال: قالت الخوارج لعمر بن عبد العزيز: تريد أن تسير فينا بسيرة عمر بن الخطاب، قال عمر بن عبد العزيز: قاتلهم الله، ما أردت دون رسول الله إماما.\rفهؤلاء الصحابة والتابعون فيمن تعلق المخالفون ؟ فإن موهوا، بكثرة أتباع أبي حنيفة ومالك وبولاية أصحابهما القضاء فقد قدمنا أن الكثرة لا حجة فيها ويكفي من هذا قول الله عز وجل: * (وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله) * وقال: * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) * وقال رسول الله (ص): إن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء وأنذر عليه السلام بدروس العلم وظهور الجهل.\rفلعمري لئن كان العلم ما هم عليه من حفظ رأي أبي حنيفة ومالك والشافعي فما كان العلم قط أكثر مما هو منه الآن، وهيهات: إذا هبطت نجران من رمل عالج فقولا لها ليس الطريق هنالك ولكن الحق والصدق هوما أنذر به رسول الله (ص) من دروس العلم والذي درس هو اتباع القرآن والسنن، فهذا هو الذي قل بلا شك وأصحابه هم الغرباء القليلون، جعلنا الله منهم ولا عدا بنا عنهم، وثبتنا في عدادهم، وأحشرنا في سوادهم.\rآمين آمين.\rوأما ولايتهم القضاء فهذه أخزى وأندم، وما عناية جورة الامراء، وظلمة الوزراء خلة محمودة ولا خصلة مرغوب فيها في الآخرة، وأولئك القضاة وقد عرفناهم إنما ولاهم الطغاة العتاة من ملوك بني العباس وبني مروان، بالعنايات والتزلف إليهم عند دروس الخير وانتشار البلاء وعودة الخلافة ملكا عضوضا وانبراء على أهل الاسلام وابتزازا للامة أمرها بالغلبة والعسف، فأولئك القضاة هم مثل من ولاهم من المبطلين سنن الاسلام، المحيين لسنن الجور والمكر","part":4,"page":575},{"id":580,"text":"والقبالات وأنواع الظلم وحل عرى الاسلام، وقد علمنا أحوال أولئك القضاة الذين يأخذون دينهم عنهم، وكيف كانوا في مشاهدة إظهار البدع من المحنة في القرآن بالسيف والسياط والسجن والقيد والنفي ثم سائر ما كانوا يتشاهدونه معهم على ما استعانوا هم عليه من تسمية أمور ملكهم، فمثل هؤلاء لا يتكثر بهم وإنما كان أصل ذلك تغلب أبي يوسف على هارون الرشيد وتغلب يحيى بن يحيى على عبد الرحمن بن الحكم فلم يقلد للقضاء شرقا وغربا إلا من أشار به هذان الرجلان واعتنيا به، والناس حراص على الدنيا فتلمذ لهما الجمهور، لا تدينا لكن طلبا للدنيا، وولاية القضاء والفتيا، والتديك على الجيران في المدن والارياض والقرى، واكتساب المال بالتسمي بالفقه.\rهذا أمر لا يقدر أحد على إنكاره فاضطرت العامة إليهم في أحكامهم وفتياهم وعقودهم ففشا المذهبان فشوا طبق الدنيا.\rقال الله عز وجل: * (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) * وقال رسول الله (ص): حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وصار من خالفهم مقصودا بالاذى مطلوبا في دمه أو مهجورا مرفوضا إن عجزوا عن أذاه لمنزلة له عند السلطان أو لكفه للسانه وسده لبابه إذ وسعته التقية والصبر صبر.\rوكذلك إفريقية كان الغالب فيها السنن والقرآن إلى أن غلب أسد بن الفرات بن أبي حنيفة، ثم ثار عليهم سحنون بن أبي مالك فصار القضاء فيهم دولا، يتصاولون على الدنيا تصاول الفحول على الشول إلى أن تولى القضاء بها بنو هاشم الخيار، وكان مالكيا فتوارثوا القضاء كما تورث الضياع فرجعوا كلهم إلى رأي مالك طمعا في الرياسة عند العامة فقط.\rهذا أمر لا يقدر أحد على إنكاره، قرب إلينا داء الامم قبلنا.\rكما قال","part":4,"page":576},{"id":581,"text":"رسول الله (ص): إننا سنركب سنن من قبلنا.\rفقيل: اليهود والنصارى يا رسول الله ؟ قال: فمن إذا وهذا مما أنذر به رسول الله، فهو من معجزات نبوته وبراهينه عليه السلام، وهكذا قلدت هاتان الطائفتان أحبارهم وأساقفتهم فحملوهم على آرائهم.\rقال أبو محمد: وتكلموا أيضا في معنى نسبوه إلى الاجماع، وهو أن يختلف المسلمون في مسألتين على أقوال، فيقوم برهان من النص على صحة أحد تلك الاقوال في المسألة الواحدة.\rفقال أبو سليمان: إنه برهان على صحة قولهم في المسألة الاخرى، وخالفه في ذلك ابنه أبو بكر وأبو الحسن بن المغلس وجمهور أصحابنا، وقول أبي سليمان في هذه المسألة خطأ لا خفاء به، لانه قول بلا برهان ثم يجب لو صح هذا أن يكون صواب من أصحاب في مسألة برهانا على أنه مصيب في كل مسألة قالها، وهذا لا يخفى على أحد بطلانه، وما ندري كيف وقع لابي سليمان هذا الوهم الظاهر الذي لا يشكل ؟ وتكلموا أيضا في معنى نسبة هذا الاجماع وهو أن يصح إجماع الناس، على أن حكم أمر كذا كحكم أمر كذا، ثم اختلفوا فمن مانع لا من موجب، ومن مبيح لكليهما، أو مموجب حكما في كليهما، فقال برهان من النص على حكم ما جاء في إحدى المسألتين، فواجب أن يكون حكم الاخرى كحكمها لصحة الاجماع على أن حكمهما سواء.\rقال أبو محمد: لو أمكن ضبط جميع أقوال علماء جميع أهل الاسلام، حتى لا يشذ منها شئ لكان هذا حكما صحيحا، ولكن لا سبيل لضبط ذلك البتة، وغير ما قدمنا مما لا يكون مسلما من لم يقل به، وحتى لو أمكن معرفة\rقول العالم، فقد كان يمكن رجوعه عن ذلك القول إذا ولى عنه السائل ليعرف قول غيره فوضح أنه لا سبيل البتة، ولا إمكان أصلا في حصر أقوال جميع علماء أهل الاسلام في فتيا خارجة عن الجملة التي ذكرنا.\rقال أبو محمد: ونحن في غنى فائض ولله الحمد عن هذا التكلف.\rوفي مناديح رحبة في هذا التعسف بنصوص القرآن والسنة الثابتة عن رسول الله (ص)، فلا سبيل إلى وجود شرع لم ينص على حكمه والحمد لله رب العالمين.","part":4,"page":577},{"id":582,"text":"والمتكلمون في هذه المسألة حكمهم فيها بالمساقاة والمزارعة على الثلث والربع فإنهم قالوا: قد اختلف في الناس في ذلك، فمن مانع من المساقاة أو المزارعة جملة، ومن مبيح لها جملة، ثم صح النص بإباحتها عن النصف، وقد صح الاجماع على أن حكمها أقل من النصف، وأكثر من النصف كالحكم في النصف.\rقال أبو محمد: ما نحتاج إلى هذه الشغاب الحرجة، والدعاوى المعوجة، بل نقول: إن رسول الله (ص) أباح لاصحاب الضياع في تلك المعاملة النصف، والمعاملين النصف، فدخلها دون النصف ضرورة بالمشاهدة فيما جعل لكل طائفة من النصف، فإذا تراضى الفريقان على أن يترك أحدهما مما يجعل له أخذه جزءا مسمى، ويقتصر على بعضه.\rفذلك له، إذ كل أحد محكم في مثل ذلك مما جعل له كما لو وهب الوارث بعض ميراث لمن يشركه في الميراث أو لغيره، فإن قيل: فهلا أجزتم هذا بعينه في التراضي فيما يقع فيه الربا على خلاف التماثل ؟ قلنا: لم يجز ذلك لان النص الوارد في الربا مما عنى التماثل، وحظره وتوعدنا عليه، ولم يأت حكم نص المساقاة المزارعة والمواريث واشتراط مال المملوك المبيع والثمرة المأبورة بالمنع مما عدا ذلك، بل أباح الاشتراط للنصف أو الكل، ولم يمنع ما دخل في الاباحة المذكورة بالنص ما هو أقل من النصف أو الكل، وبالله التوفيق.\rقال أبو محمد علي: وكثيرا ما نحتج مع المخالفين بما أجمعوا عليه معنا، ثم ننكر عليهم الانتقال عنه إلى حكم آخر، كقولنا لمن حرم الماء وحكم بنجاسته في إبل حرام حله، فلم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، ومثل هذا كثير جدا فعاب ذلك علينا من لم يحصل وقال: قد جمعتم في هذه الطريق وجهين من عظيمين، أحدهما الاحتجاج بإجماعهم معكم، وأنتم تنكرون دعوى معنى الاجماع، وتجعلونها كذبا على الامر أن يقال لكم: فما الذي أنكرتم على اليهود إذ قالوا: قد أجمعتم معنا على نبوة موسى عليه السلام وصحة التوراة وحكم السبت، وخالفناكم في نبوة محمد (ص) وصحة القرآن وشرائع دينكم.\rقال أبو محمد: فقلنا: ما تناقضنا في شئ من ذلك، وأما احتجاجنا على مخالفينا موافقتهم لنا على حكم ما، وإنكارنا عليه الخروج مما أجمع معنا عليه فإنما فعلنا ذلك لخروجه عما قد حكم بصحته إلى قول آخر بلا برهان من قرآن أو سنة فقط،","part":4,"page":578},{"id":583,"text":"فبينا عليهم القول في الدين بلا برهان، وهذا حرام ومعيب بالقرآن والسنة، ولم ندع إجماعا ولم نصححه، إنما ادعينا على الخصم ما ينكره من إجماعه معنا، بمعنى موافقته لنا فقط، فلاح الفرق بين الدعوى المكذوبة، وأما الذي أنكرناه على اليهود فإنه ضد المسألة التي تكلمنا فيها آنفا وهو امتناع اليهود من الاقرار بما ظهر البرهان بصحته وأقوى من برهانهم على ما ادعوا أننا أجمعنا معهم عليه، وأنكرنا على المذكورين آنفا أن قالوا قولا بلا برهان، وخروجهم عما قد صح البرهان بصحته، وأنكرنا على اليهود تركهم القول بما قد صح برهانه، وتماديهم على ما قد صح البرهان ببطلانه وسلكنا بين الطائفتين طريق الحق وشارع النجاة، والحمد لله رب العالمين، وهو الثبات مع البرهان إذا ثبت، والانتقال معه إذا نقل فقط، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل في معنى نسبوه إلى الاجماع وتكلموا أيضا في معنى نسبوه إلى الاجماع وهو: أن ذكروا أن يختلف الناس على قولين فأكثر في مسألة، فيشهد النص من القرآن والسنة بصحة قول من تلك الاقوال، فيبطل سائرها، ثم تقع فروع من تلك المسألة، فقالوا: يجب أن يكون المقول به، هو ما قاله من شهد النص لصحه قوله في أصل تلك المسألة، ونظروا ذلك بالحكم العاقلة.\rقال بها قوم ولم يعرفها قوم، منهم عثمان البتي فصح النص بقول من صححها، فلما صرنا إلى من هم العاقلة، وجب أن ينظروا إلى من أجمع القائلون بالعاقلة على أنه من العاقلة، فيكون من العاقلة ومن اختلفوا فيه أهو من العاقلة أم لا ألا يكون من العاقلة ؟ قال أبو محمد: وقولنا ههنا هو قولنا فيما سلف من أنه إذا أمكن أن يعرف الاجماع في ذلك لكان حجة، لكن لا سبيل إلى إحصائهم ولا إلى حصر أقوالهم لما قدمنا قبل، ونحن في سعة والحمد لله عن التعلق بهذه الثنايا الاشبة والتورط في هذه المضايق القشبة بما قد بينه لنا ربنا عز وجل ورسوله (ص) من النص","part":4,"page":579},{"id":584,"text":"الذي لا دين لنا فيه، وما عداه فليس من دين الله تعالى ولا من عنده عز وجل، وقد كتب رسول الله (ص) إلى كل بطن عقولة، وألزم اليهودية من قتل بينهم لو اعترفوا أنه قتله بعضهم خطأ أو قام بذلك بينة، فوجب بذلك أن العاقلة هم بطن القاتل خطأ الذي ينتمي إليه حتى بلغ إلى القبيلة التي تقف عندها، وهكذا في كل شئ، والحمد لله رب العالمين.\rفصل واختلفوا: هل يدخل أهل الاهواء أم لا ؟ قال أبو محمد: قد أوضحنا قبل والحمد لله رب العالمين أن الاجماع لا يكون البتة\rإلا عن نص منقول عن رسول الله (ص) لا على باطل لم يأت من عند الله تعالى من رأي ذي رأي، أو قياس من قائس يحكمان بالظن فإن ذلك كذلك والسؤال باق، وهل نقبل نقل أهل الاهواء وروايتهم ؟ فقولنا في هذا وبالله تعالى التوفيق: إن من يشهد بقلبه ولسانه أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن كل ما جاء به حق، وأنه برئ من كل دين غير دين محمد (ص)، فهو المؤمن المسلم، ونقله واجب قبوله، إذا حفظ ما ينقل، ما لم يمل إيمانه إلى كفر أو فسق، وأهل الاهواء وأهل كل مقالة خالفت الحق، وأهل كل عمل خالف الحق، مسلمون أخطؤوا ما لم تقم عليهم الحجة فلا يكدح شئ من هذا في إيمانهم ولا في عدالتهم، بل هم مأجورون على ما دانوا به من ذلك وعملوا أجرا واحدا، إذا قصدوا به الخير ولا إثم عليهم في الخطأ، لان الله تعالى يقول: * (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * ونقلهم واجب قبوله كما كانوا، وكذلك شهادتهم، حتى إذا قامت على أحد منهم الحجة في ذلك من نص قرآن أو سنة ما لم تخص ولا نسخت، فأيما تمادى على التدين بخلاف الله عز وجل، أو خلاف رسوله (ص)، أو نطق بذلك، فهو كافر مرتد، لقول الله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) *، وإن لم يدن","part":4,"page":580},{"id":585,"text":"لذلك بقلبه ولا نطق به لسانه لكن تمادى على العمل بخلاف القرآن والسنة، فهو فاسق بعمله مؤمن بحقده، وقوله: ولا يجوز قبول نقل كافر ولا فاسق ولا شهادتهما، قال الله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ) *.\rوالآية.\rوقد فرق بعض السلف بين الداعية وغير الداعية.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ فاحش، وقول بلا برهان، ولا يخلو المخالف للحق من أن يكون معذورا بأنه لم تقم عليه الحجة، أو غير معذور لانه قامت\rعليه الحجة فإن كان معذورا فالداعية وغير الداعية سواء كلاهما معذور مأجور، وإن كان غير معذور، لانه قد قامت عليه الحجة، فالداعية وغير الداعية سواء، وكلاهما إما كافر كما قدمنا، وإما فاسق كما وصفنا، وبالله تعالى التوفيق.\rولا فرق فيما ذكرنا بين من يخالف الحق بنحلة أو بفتيا إذا لم يفرق الله تعالى ولا رسوله (ص) بين ذلك، إنما قال: * (اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم) * عم عز وجل ولم يخص.\rقال بعضهم: إن الصحابة اختلفوا في الفتيا فلم ينكر بعضهم على بعض بل أنكروا على من خالف في ذلك، قلنا: ليس كما قلتم، إنما لم ينكروا على من لم تقم الحجة عليه في المسألة فقط.\rوأنكروا أشد الانكار على من خالف بعد قيام الحجة عليه، وكيف لم ينكروا وقد ضربوا على ذلك بالسيوف من خالفهم فأي إنكار أشد من هذا ؟ أو ليس عمر قد قال: والله ما مات رسول الله (ص) ولا يموت حتى يكون آخرنا موتا، وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم فما قدح هذا في عدالته، إذ قال مخطئا ثم رجع إلى الحق إذ سمع القرآن: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * وإن المتمادي على هذا القول بعد قيام الحجة عليه كافر من جملة غالية السبائية، أو ليس ابن عباس يقول: أما تخافون أن يخسف الله بكم الارض أقول لكم قال رسول الله (ص) وتقولون قال أبو بكر وعمر.\rوكان إسحاق بن راهويه يقول فيما روى عنه محمد بن نصر المروزي في الامام، أنه سمعه يقول: من صح عنده حديث عن النبي (ص) ثم خالفه - يعني باعتقاده - فهو كافر.\rقال أبو محمد: صدق والله إسحاق رحمه الله تعالى، وبهذا نقول وقد روي عن عمر أنه قتل رجلا أبى عن حكم رسول الله (ص) ورضي بحكم عمر، وكيف","part":4,"page":581},{"id":586,"text":"لو أدرك عمر وابن عباس رضي الله عنهما، وإسحاق رحمه الله من نقول له قال\rأما تخافون أن يخسف الله بكم الارض أقول لكم قال رسول الله (ص) وتقولون قال أبو بكر وعمر.\rوكان إسحاق بن راهويه يقول فيما روى عنه محمد بن نصر المروزي في الامام، أنه سمعه يقول: من صح عنده حديث عن النبي (ص) ثم خالفه - يعني باعتقاده - فهو كافر.\rقال أبو محمد: صدق والله إسحاق رحمه الله تعالى، وبهذا نقول وقد روي عن عمر أنه قتل رجلا أبى عن حكم رسول الله (ص) ورضي بحكم عمر، وكيف","part":4,"page":582},{"id":587,"text":"لو أدرك عمر وابن عباس رضي الله عنهما، وإسحاق رحمه الله من نقول له قال الله عز وجل كذا، وقال رسول الله (ص) كذا قال: أبى سحنون ذلك، ومن قلنا له: هذا حكم رسول الله (ص)، فقال: أنا في غنى عنه ما أحتاج إليه مع قول العلماء ومن قال لنا: لو رأيت شيوخي يستدبرون القبلة في صلاتهم ما صليت إلى القبلة.\rوالله ما في بدع أهل البدع شئ يفوق هذه.\rوليت شعري إن كان هؤلاء القوم مؤمنون بالله تعالى وبالبعث، وبأنهم موقوفون وأن الله سيقول لهم: ألا امركم باتباع كتابي المنزل، وبنبي المرسل، ألم أنهكم عن اتباع آبائكم ورؤسائكم، ألم آمركم برد ما تنازعتم فيه إلي وإلى رسولي، وقدمت إليكم الوعيد ؟ فماذا أعدوا من الجواب لذلك الموقف الفظيع، والمقام الشنيع ؟ والله لتطولن ندامتهم حين لا ينفعهم الندم، وكأن به قد أزف وحل.\rنسأل الله أن يوزعنا شكر ما من علينا من اتباع كلامه، وحكم رسوله (ص) ومن أن بغض إلينا اتباع من دونه ودون رسوله (ص)، ونسأله أن يميتنا على ذلك، وأن يفئ بأهل الجهالة والضلالة، آمين آمين.\rوصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم.\rثم الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس إن شاء الله)","part":4,"page":582},{"id":588,"text":"الاحكام - ابن حزم ج 5\rالاحكام\rابن حزم ج 5","part":5,"page":0},{"id":589,"text":"الاحكام في اصول الاحكام للحافظ ابي محمد على بن حزم الاندلسي الظاهرى هذا الكتاب النفيس الذي لم تر العين مثله في علم الاصول احمد شاكر الجزء الخامس قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الاستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله","part":5,"page":589},{"id":590,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الباب الثالث والعشرون في استصحاب الحال وبطلان جميع العقود والعهود والشروط الا ما اوجبه منها قرآن أو سنة عن رسول الله (ص) ثابته.\rقال أبو محمد: إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابة في امر ما على حكم ما ثم ادعى مدح ان ذلك الحكم قد انتقل أو بطل من اجل انه انتقل ذلك الشى المحكوم فيه عن بعض احواله أو لتبدل زمانه أو لتبدل مكانه فعلى مدعى انتقال الحكم من اجل ذلك ان ياتي ببرهان من نص قرآن أو سنة عن رسول الله (ص) ثابتة على ان ذكل الحكم قد انتقل أو بطل فان جاء به صح قوله وان لم يات به فهو به مبطل فيما ادى من ذلك والفرض على الجميع الثبات على ما جاء به النص ما دام يبقى اسم ذلك الشى المحكوم فيه عليه لانه اليقين والنقلة دعوى وشرع لم ياذن الله تعالى به فهما مردودان كاذبان حتى\rاتى النص بهما.\rويلزم من خالفنا في هذا ان يطلب كل حين تجديد الدليل على لزوم الصلاة والزكاة وعلى صحة نكاحه امراته وعلى صحة ملكه لما يملك ويقال للمخالف في هذا: اخبرنا اتحكم انت بحكم آخر من عندك ؟ ام تقف فلا تحكم بشى اصلا لا بالحكم الذى كنت عليه ولا بغيره ؟ فان قال: بل اقف قيل له وقوفك حكم لم ياتك به نص وابطالك حكم النصر الذي قد اقررت بصحته خطا عظيم وكلاهما لا يجوز وان قال بل احدث حكما آخر قيل له: ابطلت حكم الله تعالى وعرعت شرعا لم ياذن به الله وكلاهما من الطوام المهلكة نعوذ با لله من كل شي.\rويقال له: في كل حكم تدين به لعله قد نسخ هذا النص أو لعل ههنا ما يخصه لم يبلغك ويقال له: لعلك قد قتلت مسلما أو زنيت قالحد أو القود عليك.","part":5,"page":590},{"id":591,"text":"فان قال: انا على البراءة حتى يصح على شي: ترك قوله الفاسد ورجع الى الحق وناقض إذ لم يكن سلك في كل شي هذا المسلك ويلزمهم ايضا كان لابراثوا موتاهم إذ لعلهم قد ارتدوا ا لعلهم قد تصدقوا بها أو لعلهم ادانوا ديونا نستخرقها.\rفيلزمهم اقامة البينة على براءة موتاهم في حين موتهم على كل ذلك والذي يلزمهم يضيق عنه جلد الف بغير ويلزمهم ان لا يقولوا بتمادى نبوة نبي حتى يقيم كل حين البرهان على صحة نبوته.\rواما نحن فلا ننتقل عن حكم الى حكم آخر الا ببرهان وكذلك نقول لكل من ادعى النبوة كمسيلة والاسود وغيرهما.\rعهدنا كم غير انبياء فانتم على بطلان دعواكم حتى يصح ما يثبتها وكذلك نقول لمن ادعى ان فلانا قد حل دمه بردة أو زنا: عهدناه بريثا من كل ذلك فهو على السلامة حتى يصح الدليل على ما تدعيه وكذلك نقول لمن ادعى ان فلانا العدل قد نسق اوان فلانا الفاسق قد تعدل، أو ان فلانا الحى قد مات أو ان فلانة قد تزوجها فلان أو ان فلانا طلق امراته أو ان فلانا قد زال ملكه عما كان يملك أو ان فلانا قد ملك ما لم يكن يمكله وهكذا كل شي اننا على ما كنا عليه حتى يثبت خلافه.\rفانما جاء قوم الى هذه الحماقات في مواضع يسيرة اخطئوا فيها فنصروا\rخطاهم بما يبطل كل عقل وكل معقول، وذلك نحو قولهم: ان الماء إذا حلته نجاسة فقد تنجس وان من شك بعد يقينة بالوضوء فعليه الوضوء واشباه هذا.\rفقالوا: ان الماء الذى حكم الله بطهارة لم يكن حلته نجاسة.\rفقلنا لم: وان الرجل الذى حرم الله دمه لم يكن شاب ولاحلق راسه ولا عليه صفرة مرض لم يكن فيه فبدلوا حكمه لتبدل بعض احواله.\rوقالوا: عليه أن لا يصلى الا بيقين طهارة لم يتلها شك.\rقلنا: فحرموا على من شك أباع امته ام لم يبعها ان يطاها أو يملكها، لشكه في انتقال ملكه ؟ وحدوا كل من شككتم أزنى ان لم يزن.\rوقد ذكرنا اعتراضهم بمسالة قول اليهود: قد وافقتمونا على صحة نبوة موسى صلى الله عليه وسلم.\rوبينا اننا لم ننتقل الى الاقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا ببراهين","part":5,"page":591},{"id":592,"text":"أظهر من براهين موسى لولاها لم نتبعه ونحن لا ننكر الانتقال من حكم أوجبه القرآن أو السنة إذا جاء نص آخر ينقلنا عنه وإنما أنكرنا الانتقال عنه بغير نص أوجب النقل عنه، لكن لتبدل حال من أحواله، أو لتبدل زمانه أو مكانه، فهذا هو الباطل الذي أنكرناه.\rوقال المالكيون: من شك أطلق امرأته أم لم يطلقها فلا شئ عليه، فأصابوا، ثم قالوا: فإن أيقن أنه طلقها ثم شك أو واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، فهي طالق ثلاثا.\rوقالوا: من شك أطلق امرأة من نسائه أم لا فلا شئ عليه، فإن أيقن أنه طلق إحداهن، ثم لم يدر أيتهن هي فهن كلهن طلق، ففرقوا بين ما لا فرق بينه بدعوى عارية عن البرهان.\rفإن قالوا: إن ههنا هو على يقين من الطلاق، فقلنا: نعم، وعلى شك من الزيادة على طلاقها واحدة، والشك باطل كسائر ما قدمنا قبل، وكذلك ليس من نسائه امرأة يوقن أنه طلقها، فقد دخلتم فما أنكرناه على المخالفين من نقل الحكم بالظنون، بل وقعوا في الباطل المتيقن، وتحريم يقين\rالحلال من باقي نسائه اللواتي لم يطلقهن بلا شك، وفي تحليل الحرام المتيقن، إذ أباحوا الفروج اللواتي لم تطلق للناس، ولزمهم على هذا إذا وجدوا رجالا قد اختلط بينهم قاتل لا يعرفونه بعينه، أو زان محصن لا يعرفونه بعينه، أن يقتلوهم كلهم نعم وأن يحملوا السيف على أهل مدينة أيقنوا أن فيها قاتل عمد لا يعرفونه بعينه، وأن يقطعوا أيدي جميع أهلها إذا أيقنوا أن فيها سارقا لا يعرفونه بعينه، وأن يحرموا كل طعام بلد قد أيقنوا أن فيه طعاما حراما لا يعرفونه بعينه، وأن يرجموا كل محصنة ومحصن في الدنيا، لان فيهم من قد زنى بلا شك، ولزمهم فيمن تصدق بشئ من ماله، ثم جهل مقداره أن يتصدق بماله كله ومثل هذا كثير جدا فظهر فساد هذا القول وبطلانه بيقين لا شك فيه.\rفإن قيل: وما الدليل على تمادي الحكم مع تبدل الازمان والامكنة ؟ قلنا وبالله تعالى التوفيق: البرهان على ذلك صحة النقل من كل كافر ومؤمن على أن رسول الله (ص) أتانا بهذا الدين.\rوذكر أنه آخر الانبياء وخاتم الرسل، وأن دينه هذا لازم لكل حي، ولكل من يولد إلى القيامة في جميع","part":5,"page":592},{"id":593,"text":"الارض، فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان، ولا لتبدل المكان، ولا لتغير الاحوال، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدا في كل زمان وفي كل مكان، وعلى كل حال، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر، أو مكان آخر، أو حال أخرى.\rوكذلك إن جاء نص بوجوب حكم في زمان ما، أو في مكان، أو في حال ما وبين لنا ذلك في النص، وجب ألا يتعدى النص.\rفلا يلزم ذلك الحكم حينئذ في غير ذلك الزمان، ولا في غير ذلك المكان ولا في غير تلك الحال قال تعالى: * (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * وأمر رسول الله (ص) من لم يدر كم صلى، أن يصلي حتى يكون على يقين من التمام، وعلى شك من الزيادة، لانه على يقين من أنه لم يصل ما لزمه، فعليه أن يصليه وهذا هو نص قولنا.\rوأما إذا تبدل الاسم فقد تبدل الحكم بلا شك، كالخمر يتخلل أو يخلل لانه إنما حرمت الخمر، والخل ليس خمرا، وكالعذرة تصير ترابا، فقد سقط حكمها، وكلبن الخنزير والحمر والميتات يأكلها الدجاج ويرتضعه الجدي، فقد بطل التحريم إذا انتقل اسم الميتة واللبن والخمر، ومن حرم ما لا يقع عليه الاسم الذي به جاء التحريم، فلا فرق، بينه وبين من أحل بعض ما وقع عليه الاسم الذي به جاء التحريم، وكلاهما متعد لحدود الله تعالى: * (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * وهذا حكم جامع لكل ما اختلف فيه، فمن التزمه فقد فاز ومن خالفه فقد هلك وأهلك، وبالله تعالى التوفيق.\rوكل احتياط أدى إلى الزيادة في الدين ما لم يأذن به الله تعالى، أو إلى النقص منه أو إلى تبديل شئ منه - فليس احتياطا، ولا هو خيرا، بل هو هلكة وضلال وشرع لم يأذن به الله تعالى والاحتياط كله لزوم القرآن والسنة.\rوأما العقود والعهود والشروط والوعد، فإن أصل الاختلاف فيها على قولين لا يخرج الحق عن أحدهما: وما عداهما فتخليط ومناقضات لا يستقر لقائلها قول على حقيقة، فأحد القولين المذكورين: إما أنها كلها لازم حق إلا ما أبطله منها نص.\rوالثاني: أنها كلها باطل غير لازم إلا ما أوجبه منها نص، أما ما أباحه منها نص، فكان من حجة من قال: إنها كلها حق لازم إلا ما أبطله منها نص، أن قال: قال الله عز وجل:","part":5,"page":593},{"id":594,"text":"* (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) * وقال عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) وقال عز وجل: * (والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون) *.\rوقال تعالى: * (وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك هم الخاسرون) *\rوقال تعالى: * (أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون) * وقال تعالى: * (ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر إلى قوله والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) * وقال تعالى: * (بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) * وقال تعالى: * (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) * وقال تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم) * وقال تعالى: * (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا يحب الخائنين) * وقال عز وجل: * (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) * وقال تعالى: * (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون) * وقال تعالى: * (وبعهد الله أوفوا ذلكم) * وقال تعالى: * (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا) * وقال تعالى: * (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه) * وقال عز وجل: * (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) * وقال تعالى: * (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا) *.\rوذكروا ما حدثناه عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ني زهير بن حرب، ثنا وكيع، نا سفيان هو الثوري، عن الاعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (ص): أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث","part":5,"page":594},{"id":595,"text":"كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر وبه إلى مسلم: نا عبد الاعلى بن حماد، ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي (ص) قال: من علامات المنافق ثلاث وإن صلى وإن صام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان وبه إلى مسلم: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): إذا جمع الله الاولين والآخرين يوم القيامة رفع لكل غادر لواء، فقيل هذه غدرة فلان ابن فلان.\rوبه إلى مسلم: ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا شعبة، عن خليد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي (ص) قال: لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة.\rوبه إلى مسلم: ني زهير بن حرب، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا المستمر ابن الريان ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله (ص): لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمر عامة وبه إلى مسلم، حدثني عبد الله بن هاشم، ني عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان هو الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله (ص) إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغفلوا ولا تغدروا وذكر باقي الحديث.\rوبه إلى مسلم: نا محمد بن المثنى، نا يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله (ص): إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن إسحاق بن السليم، نا ابن الاعرابي،\rنا أبو داود، نا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الاشج، عن الحسن بن علي بن أبي رافع، أن أبا رافع أخبره قال: بعثتني قريش إلى رسول الله (ص)، فلما رأيت رسول الله (ص) ألقي في قلبي الاسلام فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدا، فقال","part":5,"page":595},{"id":596,"text":"رسول الله (ص): إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع، قال: فذهبت ثم أتيت النبي (ص) فأسلمت.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، نا إبراهيم بن أحمد البلخي، نا الفربري ثنا البخاري، نا إسحاق، نا يعقوب، نا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة، فذكرا جميعا خبر النبي (ص) وفيه: إنه لما كاتب رسول الله (ص) سهيل بن عمرو يوم الحديبية على قضية المدة كان فيما اشترط سهيل بن عمرو: أنه لا يأتيك منا أحد إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه وأبى سهيل أن يقاضي رسول الله (ص) إلا على ذلك، فرد رسول الله (ص) أبا جندل بن أبي سهل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأت رسول الله (ص) أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن إسحاق، نا ابن الاعرابي، نا أبو داود، نا محمد ابن عبيد، أن محمد بن ثور حدثهم، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة قال: خرج النبي (ص) زمن الحديبية (فذكر الحديث) وفيه ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير برجل من قريش يعني أرسلوا في طلبه، فدفعه إلى رجلين فخرجا به، فلما بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكون من تمر لهم، فقال أبو بصير لاحد الرجلين: والله إني لارى سيفك يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال أجل قد جربت به فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمسكه منه، فضربه\rحتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال النبي (ص): لقد رأى هذا ذعرا فقال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم قد نجاني الله منهم، فقال له رسول الله (ص): ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت أبو جندل فلحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن الفتح، نا عبد الوهاب، نا أحمد ابن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة عن الوليد بن جميع، نا أبو الطفيل، نا حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا","part":5,"page":596},{"id":597,"text":"أني خرجت أنا وأبي حسيل، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدا، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله (ص) فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم.\rحدثني محمد بن سعيد، نا نبات، ثنا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد ابن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي، والحكم بن عتيبة: أن حذيفة بن الحسيل بن اليمان وأباه، أسرهما المشركون، فأخذوا عليهما ألا يشهدا بدرا، فسألا النبي (ص) فرخص لهما ألا يشهدا.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، نا عمر بن عبد الملك الخولاني، نا محمد بن بكر، نا سليمان ابن الاشعث، نا قبيصة، نا الليث عن محمد بن عجلان، أن رجلا من موالي عبد الله ابن عامر بن ربيع العدوي، حدثه عن عبد الله بن عامر أنه قال: دعتني أمي يوما ورسول الله (ص) قاعد في بيتها، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها رسول الله (ص): ما أردت أن تعطيه ؟ قالت: أعطيه تمرا، فقال لها رسول الله:\rأما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني، نا إبراهيم بن أحمد البلخي، نا الفربري، نا البخاري، نا بشر بن مرحوم، نا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، نا إبراهيم بن أحمد، نا الفربري، نا البخاري، نا مسدد، نا يحيى بن سعيد هو القطان، نا شعبة، حدثني أبو حمزة، نا زهد بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين يحدث عن النبي (ص) قال: خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم ينذرون ولا يفون، ويخونون ولا يؤتمنون وذكر باقي الخبر.\rوبه إلى البخاري: نا محمد بن مقاتل، أنا عبد الله بن المبارك، أنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن","part":5,"page":597},{"id":598,"text":"أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: أوف بنذرك.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، نا محمد بن إسحاق، نا ابن الاعرابي، نا أبو داود السجستاني، نا سليمان بن داود المهري، ثنا ابن وهب حدثني سليمان بن بلال، ثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): المسلمون على شروطهم.\rحدثنا المهلب الاسدي، نا ابن مناس، نا ابن مسرور، نا يونس بن عبد الاعلى، نا ابن وهب، نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله (ص) قال: وأي المؤمن واجب.\rوبه إلى ابن وهب: أخبرني إسماعيل بن عياش، عن أبي إسحاق أن\rرسول الله (ص) كان يقول: ولا تعد أخاك عدة وتخلفه فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة وبه إلى ابن وهب: أخبرني الليث بن سعيد عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: من قال لصبي: تعال هاه لك ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة.\rقالوا: فهذه نصوص توجب ما ذكرنا، إلا أن يأتي نص بتخصيص شئ من عمومها فيخرج ويبقى ما عداه على الجواز.\rقال أبو محمد: ووجدنا من قال ببطلان كل عقد وكل شرط وكل عهد وكل وعد، إلا ما جاء نص بإجازته باسمه.\rويقولون: قال الله عز وجل: اليوم أكملت لكم دينكم وقال تعالى ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) * وقال تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) *.\rحدثنا عبد الرحمن بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، ثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، ثنا أبو أسامة، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرتني عائشة أم المؤمنين أن رسول الله (ص) خطب عشية، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق.","part":5,"page":598},{"id":599,"text":"حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني، ثنا أبو إسحاق البلخي، حدثنا الفربري، ثنا البخاري، نا علي بن عبد الله، نا سفيان، عن يحيى هو ابن سعيد الانصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين قالت: قام رسول الله (ص) على المنبر فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة شرط.\rقالوا: فهذه الآيات وهذا الخبر، براهين قاطعة في إبطال كل عهد وكل عقد وكل وعد وكل شرط ليس في كتاب الله الامر به، أو النص على إباحة عقده، لان العقود والعهود والاوعاد شروط، واسم الشرط يقع على جميع ذلك.\rقال أبو محمد: وأيضا فيقال لمن أوجب الوفاء بعقد أو عهد أو شرط أو وعد، ليس في نص القرآن أو السنة الثابتة إيجاب عقد وإنفاذه: إننا بالضرورة ندري أنه لا يخلو كل عقد وعهد وشرط ووعد التزمه أحد لاحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون في نص القرآن أو السنة إيجابه وإنفاذه، فإن كان كذلك فنحن لا نخالفكم في إنفاذ ذلك وإيجابه، وإنما أن يكون ليس في نص القرآن ولا في السنة إيجابه ولا إنفاذه، ففي هذا اختلفنا.\rفنقول لكم الآن: فإن كان هكذا فإنه ضرورة لا ينفك من أحد أربعة أوجه لا خامس لها أصلا: إما أن يكون فيه إباحة ما حرم الله تعالى في القرآن، أو على لسان رسول الله (ص)، فهذا عظيم لا يحل، قال تعالى: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * ونسألهم حينئذ عمن التزم - في عهده وشرطه وعقده ووعده، إحلال الخنزير والامهات وقتل النفس، فإن أباح ذلك كفر، وإن فرق بين شئ من ذلك تناقض وسخف وتحكم في الدين بالباطل.\rوإما أن يكون التزم فيه تحريم ما أباحه الله تعالى في القرآن أو على لسان رسوله (ص) فهذا عظيم لا يحل، قال تعالى: * (يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ونسألهم حينئذ عمن حرم الماء والخبز والزواج وسائر المباحات، وقد صح أن محرم الحلال كمحلل الحرام ولا فرق.\rوإما أن يكون التزم ما أوجبه الله تعالى في القرآن، أو على لسان رسوله","part":5,"page":599},{"id":600,"text":"صلى الله (ص) فهذا عظيم لا يحل، ونسألهم حينئذ عمن التزم في عهده وعقده وشرطه إسقاط الصلوات، وإسقاط صوم شهر رمضان وسائر ذلك، فمن أجاز ذلك فقد كفر، وإما أن يكون أوجب على نفسه ما لم يوجبه الله تعالى عليه، فهذا عظيم لا يحل، ونسألهم عمن التزم صلاة سادسة أو حج إلى غير مكة، أو في غير أشهر الحج، وكل هذه الوجوه تعد لحدود الله، وخروج عن الدين، والمفرق بين شئ من ذلك قائل في الدين بالباطل، نعوذ بالله من ذلك.\rفإن قد صح ما ذكرنا فلم يبق إلا الكلام على الآيات التي احتج بها أهل المقالة الاولى، وعلى الاحاديث التي شغبوا بإيرادها وبيان حكمها، حتى يتألف بعون الله تعالى ومنه مع هذه، فإن الدين كله واحد لا تخالف فيه، قال الله عز وجل: * (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) *.\rفنقول وبالله تعالى نتأيد: إن كل ما ذكروا من ذلك فلا حجة لهم في شئ منه، أما قول الله عز وجل: * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) * و: * (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) * * (والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون) *، * (أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم) *، * (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) *، و: * (بلى من أوفى بعهده واتقى) * و: * (ومن أوفى بما عاهد عليه الله) * و: * (وأوفوا بالعقود) * و: * (يوفون بالنذر) *، و: * (أو نذرتم من نذر) *، و: * (إنه كان صادق الوعد) *.\rوالحديثان اللذان فيهما: أوف بنذرك، وذم الذين ينذرون ولا يوفون، والخبر فيم: أعطى بي ثم غدر، فإنها جمل قد جاء نص آخر يبين أنها كلها ليست على عمومها، ولكنها في بعض العهود، وبعض العقود، وبعض النذور، وبعض الشروط، وهي قول رسول الله (ص): لا نذر في معصية الله تعالى، ولا فيما يملك العبد وقوله (ص): من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله تعالى فلا يعصه مع ما ذكرنا من قوله (ص): كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل.\rفصح بهذه النصوص أن تلك الآيات والخبرين إنما هي فيمن شرط أو نذر أو عقد أو عاهد على ما جاء القرآن أو السنة بإلزامه فقط.\rوقد وافقنا المخالفون ههنا، على أن من نذر أو عقد أو عاهد أو شرط أن يزني أو يكفر أو يقتل مسلما ظلما، أو أن يأخذ مالا بغير حق أو أن يترك الصلاة فإنه لا يحل له الوفاء بشئ من","part":5,"page":600},{"id":601,"text":"ذلك، لانه معصية، ولا فرق بين هذا وبين شرط وعاهد وعقد أن يضيع حدا، أو أن يبطل حقا أو أن يمنع مباحا، والمفرق بين ذلك مبطل متناقض متحكم في الدين بالباطل، فارتفع الاشكال في هذا الباب جملة والحمد لله رب العالمين.\rوكذلك قول الله عز وجل: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم) * فهذا غاية البيان في صحة قولنا، والحمد لله رب العالمين.\rوباليقين ندري أن من حرم على نفسه أن يتزوج على امرأته، أو أن يتسرى عليها، أو ألا يرحلها، أو ألا يغيب عنها، فقد حرم ما أحل الله تعالى له: وما أمره تعالى به إذ يقول: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) * وقال تعالى: * (أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) * وقال عز وجل * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * وقال تعالى * (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) * وقال تعالى: * (هو الذي يسيركم في البر والبحر) * وكذلك من عاهد على تأمين من لا يحل تأمينه.\rوعلى إبقاء مال في مالك من لا يحل له تملكه، وعلى اسقاط حد الله تعالى أو قود، فإنه قد عقد على معصية، وسمى الحلال حراما، والقرآن قد جاء بتكذيب من فعل ذلك وبنهيه عن ذلك، وهكذا ما لم يذكر ما ليس في القرآن أو السنة إمضاؤه.\rومن عجائب الدنيا: احتجاج من احتج بالخبر الذي فيه أوف بنذرك،\rوهو أو مخالف لهذا الخبر، لانه ورد في معنيين.\rأحدهما: الوفاء بما نذره المرء في جاهليته وكفره وهم لا يقولون بإنفاذ ذلك.\rوالثاني: أنه ورد في اعتكاف ليلة، وهم لا يقولون بذلك.\rفمن أعجب شأنا ممن يحتج بخبر عن النبي (ص) فيما ليس فيه منه شئ أصلا، وهو قد عصى ذلك الخبر في كل ما فيه، ونعوذ بالله من هذه الاحوال، فليس في عكس الحقائق أكثر من هذا، وأما نحن فنلزم من نذر في كفره طاعة الله عز وجل، ثم أسلم أن يفي بما نذر من ذلك، اتباعا لامر رسول الله (ص) بذلك، وكذلك من نذر اعتكاف ليلة فإنه يلزمه الوفاء به أيضا.\rومما قدمنا قبل من نذر الباطل وعقده: من شرط لامرأته إن نكح عليها","part":5,"page":601},{"id":602,"text":"فالداخلة بنكاح طالق، وإن تسرى عليها فالسرية حرة، وإن غاب عنها مدة كذا أو أرحلها فأمرها بيدها تطلق نفسها أو تمسك، فكل هذا معاص وخلاف لامر الله تعالى، وتعد لحدود الله، لان الله تعالى لم يجعل قط أمر امرأة بيدها إلا المعتقة ولها زوج فقط، بل جعل أمر النساء إلى الرجال وبأيديهم، فقال تعالى: * (الرجال قوامون على النساء) * وجعل الطلاق إلى الرجال لا إلى النساء، فقال تعالى: * (يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) * ولم يجعل طلاقا قبل نكاح، ولا عتقا قبل ملك، فمسمى كل حكم مما ذكرنا حلالا، مفتر على الله تعالى، منهي عن كل ذلك، فصح أنها عقود باطل لا يصح شئ منها.\rوكذلك بين الله تعالى حكم الطلاق، فجعله في كل حال واقعا إذا وقع حيث أطلق الله تعالى إيقاعه، وغير واقع حيث لم يطلق الله تعالى إيقاعه، فمن طلق إلى أجل أو أخرج طلاقه أو عتاقه مخرج اليمين فقد تعدى حدود الله تعالى، وليس شئ من ذلك طلاقا واقعا، ولا عتاقا واقعا أصلا، لا حين يوقعه مخالفا لامر الله تعالى، ولا حيث لا يوقعه أصلا، وهذا بيان لا يحيل على من نصح نفسه وبالله التوفيق.\rقال أبو محمد: ثم نظرنا فيما احتجوا به من قوله عز وجل: * (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك هم الخاسرون) * و: * (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين) * * (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) * * (وبعهد الله أوفوا) * فوجدنا هذه الآيات في غاية البيان في صحة قولنا * (الحمد لله رب العالمين) * لان عهد الله إنما هو مضاف إلى الله تعالى، ولا يضاف إلى الله عز وجل إلا ما أمر به لا ما نهى عنه.\rوما كان خلاف هذا فهو عهد إبليس لا عهد الله تعالى، ومن أضافه إلى الله تعالى فقد كذب عليه.\rثم نظرنا في احتجاجهم بقول الله تعالى: * (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا يحب الخائنين) * فوجدنا حجة لنا عليهم، لان الله تعالى لم يأمره عليه السلام بالتمادي على عهد من خاف منه خيانة، بل ألزمه تعالى أن ينبذ إليهم عهدهم، فصح أن كل عهد أمر الله عز وجل بنبذه وطرحه، فهو عهد منقوض مرفوض لا يحل التمادي عليه.\rثم نظرنا فيما احتجوا به من قول الله عز وجل: * (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ئ فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به","part":5,"page":602},{"id":603,"text":"وتولوا وهم معرضون ئ فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) * فوجدناه لا حجة لهم فيه، لان هؤلاء قوم عاهدوا الله عز وجل لئن رزقهم مالا ليصدقن وليكونن من الصالحين، وهذا فرض على كل أحد، لان الصدقة اسم يقع على الزكاة وعلى التطوع، فواجب حمله على عمومه ما لم يمنع من شئ منه نص، فدخل في ذلك مانع الزكاة وهذه كبيرة، وكذلك سائر فروض المال.\rوخرج منه صدقة التطوع لانه نذر فيما لا يملك بعد، وكذلك كون المرء من الصالحين فرض عليه، نذره أو لم ينذره، وقد قال تعالى: * (ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل\rهو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والارض والله بما تعملون خبير) * فهذا حكم من بخل بفرائض المال من الزكاة وغيرها، مما جاءت بإيجابه النصوص.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا زهير بن حرب، ثنا إسماعيل ابن إبراهيم - هو ابن علية - ثنا أيوب - هو السختياني - عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين أن رسول الله (ص) قال: لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، ثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بينما النبي (ص) يخطب، إذا برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي (ص): مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه.\rوبه إلى البخاري، ثنا أبو عاصم وأبو نعيم كلاهما عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال النبي (ص): من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد ابن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا ابن أبي عمر العدني، ثنا مروان بن معاوية الفزاري، ثنا حميد، حدثني ثابت عن أنس: أن نبي الله (ص) رأى","part":5,"page":603},{"id":604,"text":"سخيا يتهادى بين ابنيه فقال: ما بال هذا ؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني وأمره أن يركب.\rثم نظرنا فيما احتجوا به من قول رسول الله (ص): إن إخلاف الوعد\rخصلة من خصال النفاق فوجدناهم لا حجة لهم فيه.\rأول ذلك الحنفيين والمالكيين المخالفين لنا في كثير من هذا الباب - مع عظيم تناقضهم في ذلك - مجمعون على أن من قال لآخر: لاهبن لك غدا دينارا، أو سأهبك اليوم هذا الثوب، وما أشبه هذا، فإنه لا يقضي عليه بشئ من ذلك عندهم، فهم أول تارك لما احتجوا به، وأما نحن فإننا رأينا الله عز وجل قد أسقط الحكم عمن وعد آخر أن يعطيه شيئا سماه، وأكد ذلك باليمين بالله تعالى: ثم لم يفعل، فلم يلزمه الله عز وجل إلا كفارة اليمين فقط، لا الوفاء بما وعد، ولم يجعل عليه في ذلك ملامة، ثم وجدنا الله تعالى يقول: * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشآء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لاقرب من هذا رشدا) *.\rفصح بهذا أن من وعد وعدا ولم يقل إن شاء الله، فهو عاص لله عز وجل، مخالف لامره، وإذا كان قوله ذلك معصية لله تعالى فهو مردود غير نافذ.\rثم إننا وجدناه إن وعد وقال: إن شاء الله، فقد استثنى مشيئة الله تعالى، وبالضرورة ندري أن كل ما شاء الله تعالى كونه فهو واقع لا محالة، قال الله عز وجل: * (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) * وأن كل ما لم يكن فإن الله تعالى لم يشأ كونه، فإذا لم يفت هذا الواعد بما وعد ولو يوجبه إلا أن يشاءه الله تعالى، فقد أيقنا ضرورة أن الله تعالى لم يشأ كونه فلم يخالفه عقده، لانه لم يوجبه إلا بمشيئة الله تعالى لم يشأها عز وجل.\rفصح بهذا يقينا أن الوعد الذي يكون إخلافه خصلة من خصال النفاق، إنما هو الوعد بما افترض الله تعالى الوفاء به، وألزم فعله وأوجب كونه، كالديون الواجبة، والامانات الواجب أداؤها، والحقوق المفترضة فقط، لا ما عدا ذلك، فإن هذه الوجوه قد أوجب الله تعالى الوعيد على العاصي في ترك أدائها، وأوقع الملامة على المانع منها، وأمر بأدائها، وإن كان عز وجل لم يرد كون ما لم يكن\rمنها، ولا حجة لنا على الله تعالى، بل لله الحجة البالغة، فلو شاء الله لهداكم أجمعين.","part":5,"page":604},{"id":605,"text":"ووجدناهم أيضا قد أجمعوا على أن الوصايا أو عاد يعدها الموصي ثم يختلفوا أن له الرجوع عنها إن شاء إلا العتق، فإنهم قد اختلفوا في جواز الرجوع عنه.\rوهذا كله رجوع منهم إلى قولنا، وتناقض في قولهم: وأما نحن فلم نجز الرجوع في العتق في الوصية، لانه عقد حض الله تعالى عليه وغبط به، وما كان هكذا فلا يجوز الرجوع فيه، لانه عقد قد لزم إذا التزمه فلا يسقط إلا بنص، ولا نص في جواز الرجوع فيه، والعتق المؤجل جائز بخلاف الهبات المؤجلة، وسائر العقود المؤجلة، لان التأجيل شرط فلا يجوز إلا ما في كتاب الله تعالى، فلما صح أن النبي (ص) باع المدبر ولم ينكر التدبير، صح أن العتق إلى أجل شرط في كتاب الله تعالى، فهو نافذ لازم لا رجوع فيه، بخلاف سائر العقود المؤجلة التي لا نص في إجازتها.\rوأما الكلام في قوله (ص): كان منافقا خالصا و: كانت فيه خصلة من النفاق فإن رسول الله (ص) لم يقل فيه إنه يكون كافرا، والمنافق أصله من نافقاء اليربوع، وهو باب يعده اليربوع في جحره مخفيا مغطى بالتراب، فلما كان المسر للكفر، المظهر للايمان، يبطن غير ما يظهر، سمي منافقا لما ذكرناه، فليس كل منافق كافرا، إنما المنافق الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الايمان، وأما من أسر شيئا ما، وأظهر غيره ففعله نفاق وليس كفرا، وهو بذلك الفعل منافق كافر، فلما كان من إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، يسرون خلاف ما يظهرون، ويقولون ما لا يفعلون، كان فعلهم ذلك نفاقا، وكانوا بذلك منافقين، ومما يصح هذا: أن المرتد عن الاسلام إلى الكفر حكمه القتل، وهؤلاء المذكورون من المخاصم الفاجر، والواعد المخلف، والمعاهد الغادر، والمؤتمن\rالخائن، والكذاب في حديثه، لا قتل عليهم، لانه لا نص في قتلهم، ولا قال به أحد فضلا عن أن يكون فيه إجماع.\rفصح ما قلناه.\rوالحمد لله رب العالمين.\rثم نظرنا فيما احتجوا به من قول رسول الله (ص): أن لكل غادر لواء يوم القيامة فهو داخل في هذا الخبر المتقدم، وكذلك قوله (ص) عن","part":5,"page":605},{"id":606,"text":"الله تعالى: أنه خصم من أعطى به تعالى ثم غدر وإنما ذلك كله فيمن عاهد على حق واجب عهدا أمر الله تعالى به، نصا في القرآن، أو على لسان رسوله (ص) ثم غدر، فهذا عظيم جدا، وكذلك من وعد بأداء دين واجب عليه، وأداء أمانة قبله، ثم أخلف فهي معصية نعوذ بالله تعالى منها، وليس كذلك من عاهد أو وعد على معصية أو بمعصية، كمن عاهد آخر على الزنى، أو على هذم الكعبة، أو على قتل مسلم، أو على ترك الصلاة، أو على ما ذكرنا قبل من إيجاب ما لم يجب، أو اسقاط ما يجب أو تحريم ما أحل الله تعالى: أو إحلال ما حرم الله تعالى، أو وعد بشئ من ذلك، فهذا كله هو الحرام المفسوخ المردود، وبالله تعالى التوفيق.\rوهكذا القول فيما احتجوا به من قول رسول الله (ص): أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج فإنما هذا بلا شك في الشروط التي أمر الله تعالى أن يستحل بها الفروج، من الصداق المباح ملكه الواجب إعطاؤه، والنفقة والكسوة والاسكان والمعاشرة بالمعروف، وتدك المضارة أو التسريح بإحسان لا بما نهى الله تعالى عن أن يستحل به الفروج من الشروط المفسدة من تحليل حرام أو تحريم حلال، أو إسقاط واجب أو إيجاب ساقط.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبيد الله بن موسى، عن زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة\rعن النبي (ص) قال: لا يحل لامرأة أن تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، فإنما لها ما قدر لها.\rوبه إلى البخاري، ثنا محمد بن عرعرة، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله (ص): عن التلقي، وأن يبتاع المهاجر للاعرابي، وأن تشترط المرأة طلاق أختها وذكر باقي الحديث فصح أن اشتراط المرأة في نكاحها طلاق غيرها ممن هي في عصمة الناكح لها، أو طلاق من يتزوجها بعد أن تزوجها باطل وحرام منهي عنه، وشرط مفسوخ فاسد لا يحل عقده ولا إمضاؤه، وصح أن كل نكاح عقد على ما لا يحل فإنه لا يحل، وهو مفسوخ أبدا ولو ولدت فيه عشرات من الاولاد، لانه عقد بصحة ما لا صحة له، وعلى أنه لا يصح إلا بصحة","part":5,"page":606},{"id":607,"text":"ما لا يصح فهو لا يصح، وهذا في غاية البيان، والحمد لله رب العالمين وقد صح عن رسول الله (ص): من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.\rثم نظرنا فيما احتجوا به من حديث حذيفة، فوجدناه ساقطا لا يصح سنده، أما من طريق شعبة فهو مرسل، ولا حجة في مرسل، وأما الطريق الاخرى فمن رواية الوليد بن جميع، وهو ساقط مطرح.\rوأيضا فإن الله تعالى يأبى إلا أن يفضح الكاذبين والكذب في هذا الخبر ظاهر متيقن، لان حذيفة مدني الدار هو وأبوه قبله حليف لبني عبد الاشهل من الانصار، ولم يكن له طريق إلى النبي (ص) يؤديه إلى قريش أصلا، لان طريق المدينة إلى رسول الله (ص) إذ خرج إلى بدر خلفه لطريق قريش من مكة إلى بدر، فوضع كذب ذلك الحديث يقينا وبالله تعالى التوفيق.\rثم لو صح، وهو لا يصح، لكان منسوخا بلا شك لما سنذكره إن شاء الله تعالى في خبر أبي جندل بعد هذا، وبالله تعالى نتأيد.\rثم نظرنا في الحديث الذي فيه: المسلمون عند شروطهم فوجدناه أيضا قد\rثناه أحمد بن محمد الطلمنكي، ثنا محمد بن يحيى بن مفرج، ثنا محمد بن أيوب الصموت الرقي، ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، ثنا عمرو بن علي، ثنا محمد ابن خالد، ثنا كثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله (ص): المسلمون عند شروطهم وبه إلى البزار، ثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن الحارث، نا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): الناس على شروطهم ما وافقوا الحق.\rقال علي: وكل هذا لا يصح منه شئ، أما الطريق الاول ففيها كثير بن زيد، وهو هالك تركه أحمد ويحيى، والثاني عن الوليد بن رباح، وهو مجهول، والاخرى","part":5,"page":607},{"id":608,"text":"كثير بن عبد الله، وهو كثير بن زيد نفسه، مرة نسب إلى أبيه ومرة إلى جده، ثم أبوه أيضا نحوه والثالثة من طريق محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، وهو ضعيف، ثم لو صح، وهو لا يصح، لكان حجة لنا عليهم، لان فيه إضافة النبي (ص) الشروط إلى المسلمين، ولا شروط للمسلمين إلا الشروط التي أباح الله تعالى في القرآن أو السنة الثابتة عقدها، لا شروط للمسلمين غيرها، لان المسلمين لا يستجيزون إحداث شروط لم يأذن الله تعالى بها هذه شروط الشيطان، وأتباعه لا شروط المسلمين، لقول رسول الله (ص): كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة والضلالة في النار.\rوالعجب كله من احتجاج الحنفيين والمالكيين بهذه الاخبار، وهم أول مخالف لها.\rفيقولون: كل شرط في نكاح فهو باطل ما لم يعقده بيمين، ثم يتناقضون في اليمين فيجعلون يمينا ما لم يجعل الله تعالى قط يمينا ولا رسول الله (ص)، فأي تناقض أكثر من هذا.\rوأيضا ففي الخبر المذكور: الناس على شروطهم ما وافقوا الحق ولعمري لو صح هذا لكان من عظيم حجتنا عليهم، لانه أبطل كل شرط\rلم يوافق الحق، ولا يوافق الحق شئ إلا أن يكون في القرآن، أو في حكم النبي (ص)، وهكذا القول فيما روي عن عمر: الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا فعاد كل ما شغبوا فيه - من صحيح ثابت أو باطل زائف - حجة لنا عليهم.\rوالحمد لله رب العالمين.\rثم نظرنا في حديث أبي جندل فوجدناه لا حجة لهم فيه، لوجوه ستة: أولها: أنه لم يكن عقد للنبي (ص) بعد رده من جاء من قريش إليه، إذ جاء أبو جندل كما ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، نا إبراهيم بن أحمد، حدثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله بن محمد هو المسندي - نا عبد الرزاق، حدثنا معمر، أخبرني الزهري، أنا عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - فذكر حديث الحديبية - وفيه: فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين، وقد جاء مسلما، فبينما هو كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل ابن عمرو يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال (ص): إنا لم نفض","part":5,"page":608},{"id":609,"text":"الكتاب بعد قال: فوالله إذا لا أصالحك على شئ أبدا فقال النبي (ص): فأجزه لي فقال: ما أنا بمجيز ذلك لك، قال: بلى فافعل ما أنا بفاعل.\rقال مكرز: بلى قد أجزناه لك، فهذا أمر لا يقول به المخالفون لنا أن يرد إليهم من جاء منهم قبل أن يتم التعاقد على ذلك، فكيف يحتجون بما لا يحل عندهم، أليس هذا من البلايا والفضائح ؟.\rوالوجه الثاني: أنه كما ترى لم يرده عليه السلام إلا حتى أجازه من لا تقدر قريش على معارضته، وهو من رهط سهيل بن عمرو، لانه سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، والذي أجار\rأبا جندل هو مكرز بن حنفص بن الاخيف بن علقمة بن عبد الحارث بن منقذ ابن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي من سادات بني عامر بن لؤي، فبطل تعلقهم برد النبي (ص) أبا جندل، إذ لم يرده إلا بجوار وأمان.\rوالوجه الثالث: أن النبي (ص) لم يرد إلى الكفار أحدا من المسلمين في تلك المدة، إلا وقد أعلمه الله عز وجل أنهم لا يفتنون في دينهم، ولا في دنياهم، وأنهم سينجون ولا بد.\rكما حدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى، حدثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عفان، نا حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس: أن قريشا صالحوا النبي (ص) فاشترطوا على النبي (ص) أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاء منا رددتموه علينا، قالوا: يا رسول الله: أتكتب هذا ؟ قال: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا.\rقال أبو محمد: قد قال الله عز وجل واصفا لنبيه (ص): * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * فأيقنا أن إخبار النبي (ص) بأن من جاءه من عند كفار قريش مسلما فسيجعل الله له فرجا ومخرجا: وحي من عند الله صحيح لا داخلة فيه، فصحت العصمة بلا شك من مكروه الدنيا والآخرة لمن أتاه منهم حتى تتم نجاته من أيدي الكفار، لا يستريب في ذلك مسلم يحقق النظر.\rوهذا أمر لا يعلمه أحد من الناس بعد النبي (ص)، ولا يحل لمسلم","part":5,"page":609},{"id":610,"text":"أن يشترط هذا الشرط، ولا أن يفي به إن شرطه، إذ ليس عنده من علم الغيب ما أوحى الله تعالى به إلى رسوله، وبالله تعالى التوفيق.\rوالوجه الرابع: أن رسول الله (ص) لم يرد من رد المسلمين إلى المشركين،\rإلا أحرارا إلى أهلهم وآبائهم وقومهم، والمخالفون في هذا لا يردون المسلمين الاحرار إلا عبيدا إلى الكفار الذين يعذبونهم أشد العذاب، ويأتون الفاحشة المحرمة في النساء وربما قتلوهم، فما ندري كيف يستسهل مثل هذا مسلم.\rوالوجه الخامس: أن أبا سعيد الجعفري حدثنا قال: نا محمد بن علي بن الادفوي، نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، عن أحمد بن شعيب، عن سعيد بن عبد الرحمن، نا سفيان، عن الزهري - قال سفيان: وثبتني معمر بعد ذلك عن الزهري - عن عروة بن الزبير قال: إن المسور بن مخرمة ومروان أخبراه بخبر الحديبية - فذكر الحديث، وفي آخره خروج أبي بصير وهو عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني نوفل بن عبد مناف، إلى سيف البحر، وانفلات أبي جندل بن سهيل إليه - قال: فجعل لا يخرج رجل من قريش قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير لقريش تخرج إلى الشام إلا اعترضوا لهم فيقتلونهم ويأخذون أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي (ص) يناشدونه بالله وبالرحم إلا أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي (ص) إليهم.\rقال أبو محمد: فهذا أبو بصير وأبو جندل ومن معهما من المسلمين، قد سفكوا دماء قريش المعاهدين لرسول الله (ص)، وأخذوا أموالهم، ولم يحرم ذلك عليهم ولا كانوا بذلك عصاة، ولا شك في أن رسول الله (ص) كان قادرا على منعهم من ذلك لو نهاهم، فلم يفعل، فصح يقينا أنه عهد منسوخ بخلاف ما يقوله المخالفون اليوم، وإنه إنما لزم من كان بالمدينة فقط دون من كان خارجا عنها.","part":5,"page":610},{"id":611,"text":"والوجه السادس: وهو القاطع لكل شغب، والحاسم لكل علقة: وهو\rصحة اليقين بأن ذلك العهد منسوخ ممنوع منه محرم عقده في الابد، مما في سورة براءة من قول الله تعالى: * (فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) * وبقوله تعالى أيضا في سورة براءة: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * وبقوله تعالى أيضا في سورة براءة: * (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) * وبقوله تعالى أيضا في سورة براءة: * (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين) * وسورة براءة آخر سورة أنزلت، كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، نا أبو الوليد - هو الطيالسي، ثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب قال: آخر آية أنزلت: * (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) * وآخر سورة نزلت براءة.\rقال أبو محمد: وبها عهد النبي (ص) آخر عهده إلى الكفار، عام حجة أبي بكر الصديق بالناس، وبعد الحديبية التي كانت فيها قصة أبي جندل بثلاثة أعوام وشهر لان الحديبية كانت في ذي القعدة عام ست من الهجرة قبل خيبر، فلما كان ذو القعدة المقبل بعد الحديبية بعام كامل اعتمر رسول الله (ص) عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة، ثم كان فتح مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة بعد عمرة القضاء بعام غير شهرين، وحج تلك السنة عتاب بن أسيد بالمسلمين ثم حج أبو بكر في ذي الحجة سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام وشهرين، كما ثنا حمام، ثنا الاصيلي، ثنا المروزي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا سعيد بن عفير،\rنا الليث، نا عقيل عن ابن شهاب، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة.\rوذكر الحديث، وفيه: ثم أردف النبي (ص) بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة.\rقال أبو هريرة:","part":5,"page":611},{"id":612,"text":"فأذن معنا علي رضي الله عنه يوم النحر في أهل منى ببراءة وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.\rفصح باليقين أنه لا يحل أن يعاهد مشرك عهدا، ولا يعاقد عقدا إلا على الاسلام فقط، أو على غرم بالجزية والصغار إن كان كتابيا وصح يقينا أن كل عهد أو عقد أو شرط عقد معهم أو عوهدوا عليه أو شرط لهم بخلاف ما ذكرنا، فهو باطل مردود، لا يحل عقده ولا الوفاء به إن عقد، بل يفسخ ولا بد.\rوأول ما نسخ الله عز وجل من العهد الذي كان يوم الحديبية، فرد النساء كما حدثنا حمام بن أحمد، ثنا الاصيلي، ثنا المروزي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله ابن محمد، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر قال: أخبرني الزهري، أخبرني عروة، عن المسور ابن مخرمة ومروان - فذكر حديث الحديبية وشرط سهيل الذي ذكرنا وفيه: ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله عز وجل: * (يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) * إلى قوله: * (بعصم الكوافر) *.\rحدثنا محمد بن سعيد بن نبات، حدثنا محمد بن أحمد بن مفرج، ثنا عبد الله بن جعفر ابن الورد، ثنا عمرو بن أحمد بن سرح، وأحمد بن زغبة قالا: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، ومروان بن الحكم، عن أصحاب رسول الله (ص): أن رسول الله (ص) لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ - يعني يوم الحديبية فذكر الحديث وفيه -: فرد يومئذ\rأبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما، وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله (ص) يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون رسول الله (ص) أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله عز وجل فيهن: * (يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) *.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، نا أبو إسحاق البلخي، نا الفربري، نا البخاري، نا إسحاق، ثنا يعقوب، ثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنه سمع","part":5,"page":612},{"id":613,"text":"مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبر من رسول الله (ص) في الحديبية.\rوذكر الحديث، وفيه أن سهيلا كاتب النبي (ص) على ألا يأتيه من المشركين أحد وإن كان على دين الاسلام إلا رده إلى المشركين - قالا: وجاءت المؤمنات مهاجرات فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله (ص) وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون رسول الله أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، نا محمد بن إسحاق، ثنا ابن الاعرابي، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن عبيد أن محمد بن ثور حدثهم، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة قال: خرج النبي (ص) من الحديبية.\rفذكر الحديث وشرط قريش في رد من جاء مسلما إليهم وفيه: ثم جاء نسوة مهاجرات مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصداق.\rقال أبو محمد: فإذا نسخ الله تعالى عهد نبيه عليه السلام وعقده وشرطه، فمن هذا الجاهل الذي يجيز هذا الشرط لاحد بعده، تبرأ إلى الله من ذلك.\rقال أبو محمد: وهكذا القول في حديث أبي رافع أنه منسوخ ببراءة على أنه\rحديث ننكره، وإن كنا لا نعلم في سنده علة، ولكنا نعجب منه، لان أبا رافع كان مولى النبي (ص) مولى عتاقة، فكيف صار مع مشركي قريش رسولا إلى النبي (ص) ونزول براءة كان بعد إسلام جميع قريش وبعد حديث أبي رافع بلا شك.\rقال أبو محمد: فلما لاح بكل ما ذكرنا أنه لا حجة في شئ مما ذكرنا لمن أجاز النذور والعقود والشروط والعهود على الجملة إلا ما عين بنص أو إجماع، على أنه لا يجوز منها، رجعنا إلى القول الثاني فوجدناه صحيحا، ووجدنا النصوص التي احتجوا بها مبينة مفسرة قاضية على هذه الجملة التي احتج بها خصومهم، وجدنا النصوص شاهدة بصحة قولهم.\rفمن ذلك نص النبي عليه السلام وهو الذي قال فيه الله تعالى: * (بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) * فقال عليه السلام: ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، كل شرط في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، شرط الله أوثق وكتاب الله أحق فصح بهذا النص.","part":5,"page":613},{"id":614,"text":"وقد ذكرنا في هذا الباب بسنده: أن كل شرط اشترطه إنسان على نفسه أو لها على غيره فهو باطل، لا يلزم من التزمه أصلا، إلا أن يكون النص أو الاجماع قد ورد أحدهما بجواز التزام ذلك الشرط بعينه أو بإلزامه، وليس ذلك إلا في شروط يسيرة قد ذكرناها في كتابنا المرسوم بذي القواعد.\rوأما النذور: فإن عبد الله بن يوسف حدثنا قال: حدثنا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر، نا شعبة بن منصور، عن عبد الله بن مرة، عن عبد الله ابن عمر، عن النبي (ص) أنه نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل قال ابن المثنى: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري،\rعن منصور، عن عبد الله بن مرة، عن ابن عمر، عن النبي (ص) به.\rوبه إلى مسلم، نا قتية، نا عبد العزيز، يعني الدراوردي، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، نا عمر بن عبد الملك، نا محمد بن بكر، نا أبو داود، ثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام هو الدستوائي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله (ص) لما بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية قال: إن الله لغني عن نذرها مرها أن تركب.\rفبطلت بهذين النصين النذور كلها، ولم يلزم منها شئ إلا ما أتى به النص إما بإيجابه وإما بإباحة التزامه، وليس ذلك إلا فيما كان طاعة لله عز وجل فقط، على ما بينه عليه السلام إذ يقول: من نذر أن يطيع الله فليطعه وقد ذكرناه بسنده في هذا الباب، وما عدا ذلك فلا يلزم من التزامه أصلا.\rوأما العقود فإن عبد الله بن يوسف حدثنا قال: نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب ابن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم، نا إسحاق بن إبراهيم، وعبد ابن حميد كلاهما عن أبي عامر العقدي، نا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد","part":5,"page":614},{"id":615,"text":"ابن إبراهيم، أن القاسم بن محمد قال له: أخبرتني عائشة أن رسول الله (ص) قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد فصح بهذا النص بطلان كل عقد عقده الانسان والتزمه، إلا ما صح أن يكون عقدا جاء النص، أو الاجماع بإلزامه باسمه أو بإباحة التزامه بعينه، وكذلك حكم رسول الله (ص) بإبطال صلح الذين صالح الذي زنى ابنه بامرأته.\rوأما: وأي المؤمن واجب فمرسل، وفيه أيضا هشام بن سعد، وهو\rضعيف، وكذلك: لا تعد أخاك وتخلفه مرسل أيضا، والمحتجون بذلك أشد الناس خلافا له، فلا يقضون على من وعد بإنجازه.\rوأما إذا قلت لصبي: تعال هاه لك فمنقطع لان ابن شهاب لم يلق أبا هريرة ولو صح لم يكن لهم فيه حجة، لان ذلك اللفظ هبة صحيحة لازمة.\rوأما العهود فإن الله عز وجل يقول في سورة براءة التي هي آخر سورة أنزلها، آخر عهد عهد به إلى المسلمين والمشركين، نسخ به جميع ما تقدم فقال تعالى: * (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين) * فأبطل عز وجل كل عهد يعهده أحد لمشرك، إلا على ما نص في السورة المذكورة من غرم الجزية مع الصغار لاهل الكتاب خاصة، واستثنى تعالى الذين عاهد رسول الله (ص) عند المسجد الحرام خاصة، وهم الذين ذكروا في أول السورة، إذ يقول تعالى: * (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ئ فسيحوا في الارض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين) * فلما انقضت تلك الاربعة الاشهر لم يبق لمشرك على مسلم عهد إلا السيف أو الاسلام، إلا أن يكون كتابيا فيرضى بغرم الجزية مع الصغار، فيجاب إلى ذلك، وإلا فالسيف، فصح بهذا النص أن كل عهد عاهده مسلم مشركا على غير الجزية مع الصغار، فهو عهد الشيطان مفسوخ مردود لا يحل الوفاء به، ولا فرق بين من أخذ بحديث أبي جندل، وبين من صلى إلى بيت المقدس وترك الكعبة، لان النبي (ص) فعل كلا الامرين ثم نسخا.","part":5,"page":615},{"id":616,"text":"والعجب كل العجب ممن لا يراعي حدود الله تعالى، فيعقد عقودا بخلافها، ويراعي عهد كافر قد أمر الله ورسوله بفسخه.\rوالعجب كل العجب من المالكيين القائلين: إنه إن نزل عندنا كفار حربيون\rبأمان، وعندهم أسارى رجال ونساء مسلمون ومسلمات أنهم لا ينتزعون منهم، ويتركون ويردونهم إلى بلادهم ولا يمنعون من الوطئ.\rقال أبو محمد: ونحن نبرأ إلى الله عز وجل من هذا القول الملعون الذي تقشعر أجساد المسلمين من سماعه، فكيف من اعتقاده، فليت شعري لو عاهدوهم على نبش قبر النبي (ص)، أو على قلب المساجد كنائس أو على تعليق النواقيس في المآذن، أتراهم كانوا يرون الوفاء لهم بهذه العهود ؟ مع ما يسمعون من قوله تعالى: * (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله) * ثم يتعلقون بحديث أبي جندل وهو منسوخ، لما نص الله تعالى في براءة مما قد تلوناه في هذا الباب.\rفإن تعلقوا بقول الله تعالى: * (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) *.\rفهذا حجة عليهم لا لهم، لان الله تعالى لم يبح في هذه الآية أن يطلقوا على مسلم ولا على ماله ولا على إذلاله، وإنما أباح حقن دمائهم فقط ولا مزيد، أما سمعوا قوله تعالى: * (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) * ومن أباح لكافر تملك مسلم فقد انقلبت صفتهم، فصاروا رحماء على الكافرين أشداء بينهم، نعوذ بالله من هذه الصفة القبيحة، وقوله تعالى: * (ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح) *.\rحدثنا حمام، ثنا الاصيلي، نا المروزي، نا الفربري، نا البخاري، نا محمد بن العلاء، أنبأنا أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي (ص) قال: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، نا أبو إسحاق البلخي، نا الفربري، حدثنا البخاري، نا سعيد بن الربيع، نا شعبة عن الاشعث، سمعت معاوية بن سويد يقول: سمعت البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله (ص) بسبع، فذكر فيها","part":5,"page":616},{"id":617,"text":"نصر المظلوم.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم، نا قتيبة، نا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله (ص) قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة.\rوبه إلى مسلم، نا عبد الله بن مسلمة بن قعب، نا داود - بعني ابن قيس - عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله.\rوبه إلى مسلم، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبي، نا زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله (ص): مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وبه إلى محمد بن عبد الله بن نمير، نا حميد بن عبد الرحمن، عن الاعمش، عن خيثمة، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله (ص): المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله.\rقال أبو محمد: فأعرضوا عن هذا كله، وقد علمنا أنه لا ظلم للمسلم، ولا إسلام له ولا خذلان له، ولا تضييع لحاجته، ولا أتم لكربته، ولا فضيحة له، ولكل مسلم، ولا أشد خلافا على الله تعالى وعلى رسول (ص) من ترك المسلم والمسلمة عند المشرك يذلها ويطؤها، ووجب بهذا ضرورة أن الامام إذا تعاصى عليه خارج عن طاعته، ظالم طالب دنيا، فلم يراجع الطاعة إلا بأمان وعهود وعقود، على ألا يتعرض في شئ من حاله، ولا مما بيده، فإنه أمان فاسد، وعقد باطل، وعهود ساقطة، وشروط مفسوخة كلها، ولا يسقط عنه شئ إلا حد\rالمحاربة فقط بنص القرآن، إذ يقول تعالى: * (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) * ولا يسقط بذلك قود لمسلم في نفس فما دونها، ولا حد من حدود الله تعالى، ولا حق لمسلم في مال أخذه بغير حق، بل يقام عليه الحكم في كل ذلك بما أوجبه القرآن أو السنة، وإلا فالامام عاص لله تعالى إن أغفل ذلك.","part":5,"page":617},{"id":618,"text":"قال أبو محمد: وهم يقولون فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها.\rإنها تطلق عليه، ويحتجون ب * (أوفوا بالعقود) * ويرون في رسول أتى من دار الحرب فأسلم أنه يرد إلى الكفار، ثم يقولون في رجل كان له شريك مسلم في دار فعرض عليه شريكه أن يأخذ الشقص بما يعطى فيه، أو يترك فيبيعه ممن يريده، فأباح له شريكه أن يبيع، وعقد معه وأشهد الناس طائعا على ترك شفعته، وأنه لا يقوم بها، فباع الشريك - قالوا: فذلك العهد وذلك العقد - ساقطان لا يلزمان وله الاخذ بالشفعة.\rقال أبو محمد: أفيكون في عكس الحقائق أشنع من هذا ؟ وهذا شرط قد جاء النص بإلزامه فأبطلوه، وهو حكم الله تعالى وحكم رسوله (ص)، وأجازوا شروطا منسوخة لا يحل عقدها الآن أصلا.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد ابن محمد، ثنا أحمد بن علي، نا مسلم، نا أبو الطاهر، نا ابن وهب، عن ابن جريج: أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله (ص): الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه وبه إلى مسلم، نا محمد بن عبد الله بن نمير، نا عبد الله بن إدريس، نا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قضى رسول الله (ص) بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعه أو حائط\rلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك.\rفإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به.\rفهذا حديث قد صح سماع أبي الزبير من جابر، ولم يجعل النبي (ص) الاخذ أو الترك للشريك إلا قبل بيع شريكه، ولم يجعل له بعد البيع حقا إلا إن كان الشريك لم يؤذنه قبل البيع.\rفعكس هؤلاء القوم الحقائق كما ترى، فيتركون احتجاجهم ب * (أوفوا بالعقود) * حيث شاؤوا فيبطلون العقود التي أمر الله تعالى بإمضائها ويحتجون ب * (أوفوا بالعقود) * حيث شاءوا فيمضون عقودا لا يحل لمسلم القرار على سماعها، فكيف إمضاؤها، مما قد جاء النص بإبطاله.\rويبطلون","part":5,"page":618},{"id":619,"text":"من النذور ما قد أمر النبي (ص) بإنفاذه باسمه، كالنذر في الجاهلية الذي أمر عليه السلام عمر بالوفاء به، فعكس هؤلاء القوم في أقوالهم الحق عكسا، ويقولون من باع بيعا فاشترط شروطا تفسده.\rفقال: أنا أسقط الشرط جاز ذلك وصح البيع.\rقالوا: فإن باع بيعا إلى أجل مجهول فقال: أنا أعجل الثمن وأسقط الاجل، قالوا: فذلك لا يجوز والبيع فاسد.\rقالوا: ومن اشترى عبدا بشرط أن يعتقه، فذلك جائز لازم له ولا يرده بعيب يجده فيه، لكن يأخذ أرش العيب، قالوا: فإن أعتقه بشرط ألا يفارقه لم يجز ذلك.\rقالوا: ومن قال لآخر: بعني عبدك للعتق بأربعين دينارا.\rفقال: لا بل بخمسين دينارا فأبى المشتري، فقال العبد لسيده: يعني منه بأربعين دينارا وأنا أعقد لك وأشرط لك على نفسي بالعشرة الدنانير الزائدة، وأشهد لك بذلك، فأجاب السيد إلى ذلك والتزم العبد العشرة الدنانير طائعا، وأشهد البينة على نفسه بذلك، فاشترى المشتري العبد فأعتقه، قالوا: لا يلزم العبد مما عقد على نفسه، وأشهد عليها به شئ أصلا، قالوا: فلو قال لعبده أنت حر وعليك خمسون دينارا -\rجاز ذلك ولزم العبد أن يؤديها شاء أم أبى.\rقالوا: ومن شارط عبده على أن يخدمه هذه السنة التي أولها شهر كذا ثم أنت حر والتزم العبد ذلك، فأبقى العبد تلك السنة كلها، قالوا: فهو حر ولا يلزمه من شرط الخدمة شئ، وقد ذكرنا قولهم في الشفعة.\rوقالوا فيمن باع ثمر حائطه وشرط للمشتري على نفسه ألا يقوم بالجائحة إن أجيح فأجيح قالوا: لا يلزمه ذلك الشرط وله القيام بالجائحة، ثم قالوا في مريض شاور ورثته في أن يوصي بأكثر من ثلثه وهم في غير كفالته، فأجازوا له ذلك، فأوصى بأكثر من الثلث، ثم مات قالوا: يلزمهم ما التزموا ولا قيام لهم عليه.\rقال أبو محمد: وهذا عكس الحقائق وإجازة ما لا يجوز، وتحليل ما حرم الله تعالى، وإبطال ما لا يجوز سواه وقالوا: لو تراضى المكاتب وسيده وتشارطا أن المكاتب متى فعل أمرا كذا فمحو كتابته بيد سيده، ففعل المكاتب ذلك الشئ، وأقر بفعله، أو قامت عليه بذلك بينة: قالوا: هذا شرط لا يلزم ولا يكون محو كتابته إلى سيده لكن إلى السلطان.","part":5,"page":619},{"id":620,"text":"ثم قالوا: إن حكم خصمان بينهما رجلا من عرض المسلمين لا سلطان له، فحكم بينهما برضاهما، ثم امتنع أحد الخصمين، قالوا: ذلك الحكم لازم لهما ورضاهما به أو لا جائز عليهما.\rوهذا كله ينقض بعضه بعضا، قالوا: فإن شرط على مكاتبه وصفاء غير موصوفين، قالوا: ذلك شرط جائز لازم، قالوا: فإن تشارطا برضا منهما أن ما ولد للمكاتب بل تمام أداء كتابته من ولد، فإنهم غير داخلين في الكتابة.\rقالوا: هذا شرط لا يلزم ولا يجوز هذا هو قولهم إن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وأنه إن عجز عاد رقيقا، قالوا: فإن شرط على مكاتبه أضاحي مسماة،\rوعملا معروفا.\rوخدمة محدودة وكسوة، ثم أدى بالمكاتب نجومه مجموعة قبل حلول الاجل المشترط، أجبر السيد على قبضها وعجل العتق للمكاتب وبطلت شروطهما في الآجال التي اتفقت الامة على أنها شروط جائزة لازمة.\rقالوا: وسقط شرط الخدمة والعمل والسفر بلا عوض يكلفه المكاتب، ولم يسقط شرط الاضحية والكسوة ولا يلزم أيضا، لكن يقول كل ذلك ويدفع قيمته مع ما عجل من نجوم كتابته، فأبطلوا شرط الآجال الذي صححه الله تعالى بلا دليل، وتكلموا في سائر الشروط، فأبطلوا بعضها وعوضوا من بعضها كل ذلك تحكم بلا دليل، ولكن تناقض لا معنى له.\rفإن تعلقوا في إسقاط أجل المكاتب بعمر بن الخطاب - إذ أجبر أنسا على تعجيل عتق مكاتبه، إذ عجل له النجوم كلها - قيل لهم هذا: عجب من العجب، هذه قضيتان اختلف فيهما عمر وأنس، فخالفتم عمر حيث لا يحل خلافه، واتبعتم أنسا في إحدى القضيتين، ثم خالفتم أنسا حيث لا يحل خلافه في القضية الثانية وتعلقتم بعمر، وذلك أن عمر أجبر أنسا على مكاتبة سيرين فكان القرآن يشهد لعمر في هذه القضية بالصواب بقوله تعالى: * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) * فخالفتم عمر وقلتم: لا يجوز أن يجبر السيد على مكاتبة عبده، وإن علم فيه كل خير ثم أجبر عمر أنسا على إسقاط الآجال في المكاتب، وتعجيل عتقه إذا عجل المكاتب كل ما عليه، وأنس يأبى ذلك، والنص يشهد لانس في هذه القضية بالصواب، لان هذا العقد في الآجال المشترطة في الكتابة داخلة في العقود التي اجتمعت الامة على جوازها،","part":5,"page":620},{"id":621,"text":"فهي داخلة في عموم قوله تعالى: * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) * وكل عقد صح بنص أو إجماع فلا يجوز إبطاله إلا بنص آخر أو إجماع ولا نص ولا إجماع على إسقاط آجال المكاتب بتعجيل ما عليه، فخالفتم أنسا في هذه القضية، وخالفتم عمر في الاولى\rفلو قيل لكم: اجتهدوا في الخطأ، ما أمكنكم أكثر من هذا.\rقالوا: ومن وطئ مكاتبته فحملت، خيرت بين التمادي على المكاتبة وبين إسقاطها، ويذهب الشرط والعقد ضياعا.\rقالوا: ومن كان له على آخر دين إلى أجل من طعام وذهب، إلى أجل مسمى فأتاه بهما قبل الاجل.\rقالوا: يجبر على قبض الذهب قبل الاجل، ولا يجبر على قبض الطعام إلا حتى يحين الاجل.\rفمرة يثبتون الشروط ويحتجون ب * (أوفوا بالعقود) * والمسلمون عند شروطهم ومرة يبطلون كل ذلك كيفما وافقهم.\rقالوا: ومن كان له على آخر دين إلى أجل مسمى أو حال فقال له: أنا أنظرك بالدين الذي لي عليك إلى عشرة أيام بعد الاجل الذي هو إليه، وأهبك غدا دينارا، قالوا: يقضى عليه بالتأخير شاء أم أبى ولا يقضى عليه بالهبة الدينار الذي ذكر أصلا.\rقالوا: ولو قال لغريمه: جئني بحقي قبلك، والحق حال لا مؤجل، وأنا أهبك نصفه فأتاه به، لزمه ما وعده أن يهبه وقضى عليه بذلك.\rقالوا: ولو قال: مالي في المساكين صدقة.\rلزمه ثلث ماله ولم يقض عليه به أن يتصدق بالثلث، فإن فرط حتى تلف الثلث، ولم يؤمر أن يتصدق منه بشئ، قالوا: فلو تصدق على إنسان معين بدار، قضي عليه بذلك، قالوا: فلو قال: داري هذه صدقة على زيد، أو قال على المساكين إن دخلت دار عمرو، فدخلها عامدا ذاكرا ليمينه، قالوا: لا يقضى عليه بشئ ولا يحكم عليه بإمضاء ما تصدق به لا للمعين ولا للمساكين، قالوا: ولو قال ذلك في غير يمين قضي عليه بإمضاء ما تصدق به على المعين.\rقالوا: فلو قال عبدي حر إن دخلت دار عمرو، فدخلها قضي عليه بعتق العبد.\rقالوا: ولو قال في نذر: إن جاء أبي سالما فعلي أن أعتق عبدي هذا حرا لله، فجاء أبوه سالما، لم يقض عليه بعتق ذلك العبد، فلو قال: إن اشتريت عبد فلان فهو حر، فاشتراه، قالوا يقضى عليه بعتقه، وهذا ضد النص، وضد حكم\rالنبي (ص) إذ يقول: من نذر أن يطيع الله فليطعه، وإذ يقول عليه السلام.","part":5,"page":621},{"id":622,"text":"إنه لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، فقضوا هم عليه بإمضاء النذر فيما لم يملك، إذ نذره ولم يقضوا عليه بالطاعة التي ألزمه الله تعالى إمضاءها والوفاء بها.\rقالوا: فلو قال: أنا أهبك غدا درهما لم يقض عليه بذلك، قالوا: ولو قال له: إن ابتع هذا الثوب أنا أقويك بثمنه وبدرهم أهبه لك، قالوا: يقضى عليه بذلك، قالوا: ومن شرط لامرأته أن لا يرحلها، ولا يتسرى عليها، ولا يتزوج عليها، لم يلزمه شئ من ذلك، وجاز له النكاح، وله أن يرحلها ويتسرى عليها، ويتزوج، قالوا: فلو زاد في كل ذلك فإن فعل فأمرها بيدها، أو قال: فالسرية حرة والداخلة بنكاح طالق، فإن كل ذلك يلزمه ويقضى عليه به.\rقال أبو محمد: وليس في التلاعب أكثر من هذا، قالوا: ومن شرط على نفسه نفقة امرأة ولده الناكح، ولم يلزمه في الكبير وثبت النكاح، واختلفوا في لزوم ذلك في امرأة الصغير.\rقالوا: فإن تزوج امرأة على أنه إن جاء بصداقها المسمى إلى أجل مسمى فذلك وإلا فلا نكاح بينهما.\rفسخ أبدا جاء بالصداق إلى ذلك الاجل أو لم يجئ، هذا مع قولهم إن من شرط في البيع شرطا يفسده فرضي بإسقاط الشرط صح البيع، وهم يقولون: إن البيوع تشبه النكاح، حتى إنهم أبطلوا النكاح حين النداء إلى الجمعة قياسا على بطلان البيع حينئذ، ثم قالوا: فإن تزوجها بصداق مسمى إلى الميسرة، فإن رضي بإسقاط الشرط عجل الصداق جاز النكاح، وإن أبى من إسقاط الشرط فسخ النكاح.\rقالوا: ومن قال لآخر: إن جئتني بأمر كذا في وقت كذا فقد زوجتك ابنتي فلانة فأتى بذلك الشئ في ذلك الوقت، قالوا: لا يجوز له أن يفي بهذا الشرط، فإن أنكحه بذلك الشرط فسخ النكاح أبدا، قالوا: ومن زوج أمته عبد غيره\rوتشارطا أن ما ولدت فهو حر، فسخ النكاح ولزم سيدها تحرير ما ولدت بالشرط، قالوا: فلو تشارطا أن ما ولدت فهو رقيق بينهما، قالوا: ينفذ النكاح ويثبت والولد رقيق لسيد الامة، ويبطل الشرط ففي الاول بطل النكاح وثبت الشرط، وفي الثانية عكس ذلك، وهو ثبات النكاح وبطلان الشرط، قالوا: فلو تزوج امرأة على أن لها من النفقة كذا وكذا، فدخل بها، قالوا: بطل الشرط وينفذ النكاح، ولها نفقة أمثالها.","part":5,"page":622},{"id":623,"text":"قالوا: فلو تزوجها على أن أمرها بيدها إن تزوج عليها، قالوا: يثبت النكاح ويثبت الشرط ويكون أمرها بيدها إن تزوج.\rقالوا: إن تزوجها على ألا ينفق عليها ورضيت بذلك، وأشهدت على نفسها، فدخل بها ثم بدا لها، قالوا: ذلك لها ولا يلزم ذلك الشرط، ويقضى لها عليه بالنفقة.\rقالوا: فلو تزوج امرأة على مائة، فلما هموا بالفراغ قالوا: يضع لك خمسين على ألا تخرجها من دارها، أو قالوا: من ولدها، فقال: نعم، فزوجوه على ذلك الشرط، وهو راض وهي راضية وتشاهدوا، ثم بدا له فأراد إرحالها، قالوا: ذلك له، ويوفيها المائة الكاملة، ولا يلزم واحدا منهما ما تشارطاه، فلو قالت له: أتزوجك بمائة وأضع عنك خمسين على أن تخرجني.\rفقال: نعم، وتشاهدا على ذلك، فلما تزوجها أراد أن يرحلها قالوا: فذلك له شرط على نفسه في ألا يرحلها مفسوخ، وشرطها على نفسها فيما أسقطت عنه من الخمسين لازم لها لا ترجع عليه بشئ، قالوا: فلو قال لها: إن رحلتك فأمرك بيدك، فذاك لازم له، قالوا: ولو قال لها: إن غبت عنك سنة فأمرك بيدك، فله أن يطأها قبل أن يغيب، ولا يسقط بذلك ما جعل لها من الشرط، قالوا: فلو قال لها وهي حامل: إذا وضعت حملك فأمرك بيدك، قالوا: فإن وطئها بعد هذا القول وقبل أن تضع حملها فقد سقط ما جعل من لها الشرط.\rوقالوا: من خالع امرأته على أن عليها نفقة ولدها ست سنين، لم يلزمها من ذلك إلا رضاع سنتين فقط، ثم تعود النفقة على الاب، ويسقط عنها ما شرطت على نفسها، قالوا: فإن طلقها طلقة سنة فأعطته مالا على أن لا رجعة له عليها، قالوا: ذلك لازم لها وله، وكأنه خلع، قالوا: فلو تشارطا في الخلع: إنك إن خاصمتني فأنت امرأتي فخاصمته، فإن لها ذلك، والشرط باطل لا يلزم.\rقال أبو محمد: فهلا قالوا: هو لازم، وكأنه رجعة، كما قالوا في التي قبلها وكأنه خلع، قالوا: ومن كان لامرأته عليه دين فخالعها على أن يجعل لها نصف الدين، وتبرئه من الباقي، قالوا: فالطلاق نافذ، والابراء جائز لازم وتجير على أن ترد إليه ما عجل فيبقى إلى أجله، هذا وهم يجبرون سيد المكاتب والغريم على قبض ما عجل لها، بضد ما فعلوه في المرأة قالوا: وإن قالت أمة تحت عبد: إن أعتقت فقد تخيرت نفسي أو قالت: فقد تخيرت زوجي، وأشهدت على نفسها بذلك،","part":5,"page":623},{"id":624,"text":"قالوا: فليس ذلك بشئ، ولا يلزمها، ولها استئناف الخيار إن أعتقت، وهم يقولون في عبد أو حر قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو قال: كظهر أمي.\rفتزوجها القائل ذلك، فهي طالق وكظهر أمه، ويقولون في قائل قال: إن وكلني زيد بطلاق امرأته فلانة فهي طالق، فوكله زيد بطلاق تلك المرأة، إنها لا تكون طالقا إلا أن يحدث لها الوكيل طلاقا إن شاء، وإلا فلا، ويقولون في قائل قال: متى طلقت زوجتي أو قال: إن طلقت زوجتي هذه فهي مراجعة مني، فطلقها، قالوا: لا تكون مراجعة بذلك، إلا أن يحدث لها رجعة إن شاء.\rقالوا: ومن باع جارية على أن تعتق فذلك جائز لازم، قالوا: فإن باعها على أن لا تباع، قالوا: لا يجوز ويفسخ البيع إلا أن يرضى البائع إسقاط الشرط فيتم البيع ويسقط الشرط.\rوقالوا: ومن باع بثمن مجهول فسخ البيع، فإن باع\rنصف جارية له من زيد، واشترط على المشتري نفقتها سنة، قالوا: إن كان ذلك ثابتا في الحياة والموت جاز الشرط، وليس في الثمن المجهول أكثر من هذا لاختلاف الشبع، وتناول النفقة في الصحة والمرض، قالوا: ومن باع سلعة بثمن مسمى على أن يتجر له في ثمنها سنة، فلا بأس بذلك، إذا كان ذلك ثابتا عليه إن تلف الثمن أخلف مكانه غيره، وهم لا يجيزون القراض إلى أجل.\rقالوا: من عرف كيل صبرة له من طعام، فابتاعها منه مبتاع جزافا وقال له المشتري: ما أبالي عرفت أنت أيها البائع كيلها أم لم تعرف، فتبايعنا على ذلك، قالوا: فلا يلزم هذا الشرط المشتري، وله أن يرد إن شاء، قالوا: فلو لم يعلم البائع كيلها فباعها جزافا قالوا: فذلك للمشتري لازم ولا رد له.\rوتناقضهم فيما يلزمونه من العقود والشروط، وما لا يلزمونه منها، أكثر من أن يحصى أو يحاط به إلا في المدة الطويلة، وفيما ذكرنا كفاية لمن عقل، والحنفيون مثلهم في ذلك، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: فلما قام البرهان بكل ما ذكرنا، وجب أن كل عقد أو شرط أو عهد أو نذر التزمه المرء فإنه ساقط مردود، ولا يلزمه منه شئ أصلا، إلا أن يأتي نص أو إجماع على أن ذلك الشئ الذي التزمه بعينه واسمه لازم له، فإن جاء نص أو إجماع بذلك لزمه وإلا فلا، والاصل براءة الذمم من لزوم جميع الاشياء","part":5,"page":624},{"id":625,"text":"إلا ما ألزمنا إياه نص أو إجماع، فإن حكم حاكم بخلاف ما قلنا فسخ حكمه، وورد بأمر النبي (ص)، إذ يقول: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.\rقال أبو محمد: فإذ قد ثبت كل ما ذكرنا بالبراهين الضرورية، فقد ثبت أن كل ما لا يصح بصفة ما وشرط ما، وعقد ما، ففسدت تلك الصفة وذلك الشرط وذلك العقد في حين التعاقد، فإن ذلك الشئ لا يصح أبدا، ويبطل ذلك العقد\rويفسخ أبدا لان ما تعلقت صحته بما لا يجوز فلا صحة له، إذ لم يصح ما لا تمام له إلا به، وهذا أمر يعم بالضرورة، وبذلك وجب إبطال كل نكاح انعقد بشرط فاسد أو بصفة فاسدة، وكذلك كل بيع انعقد على ما لا يجوز فإن كل ذلك يفسخ أبدا ووجب بذلك بطلان كل صلاة صليت في مكان مغصوب يعلم المصلي فيه أنه مغصوب وكل صلاة فعل فيها المرء ما لا يجوز له، وبذلك حرمت ذبيحة الغاصب والسارق والمعتدي وبسكين مغصوبة، وبالله تعالى التوفيق.\rوصح بهذا كله أن كل عقد أو عهد أو نذر أو شرط أوجبها أو أباح إيجابها نص، فإنها نافذة لازمة، فمن ادعى سقوط شئ من ذلك فقوله باطل وكل ذلك باق بحسبه لازم كما كان، إلا أن يأتي مدعي بطلانه بنص على بطلانه، فيجب الوقوف حينئذ عند ما أوجبه النص، مثال ذلك: أن الاجارة عقد قد جاء النص بجوازه وإباحة التزامه، وصح الدليل من النص والاجماع، على أن الاجارة إلى غير أجل وعلى غير عمل محدود باطل مردودة لا تجوز، لانها أكل مال بالباطل، والاجارة على ما ذكرنا حرام مردودة بإجماع الامة كلها من مجيز لها ومن مانع منها وبالنص.\rولا بد أن تكون الاجارة إلى أجل معلوم، أو إلى غير أجل، ولا سبيل إلى قسم ثالث بوجه من الوجوه، وقد بطل أحد القسمين المذكورين، فوجب ضرورة - إذ قد جاء النص بإباحة الاجارة - أن يصح القسم الآخر فصح وجوب ذكر الاجل المسمى في الاجارة ضرورة بالنص، وبمقدمتي الاجماع اللتين، ذكرنا فإذ قد صح ذلك فذكر الاجل في عقد الاجارة شرط صحيح، وإذا كان ذلك فقد ثبت عقده وما ثبت عقده الآن، فلا يبطل في ثان إلا بنص، فصح أن لا رجوع للمؤاجر ولا للمستأجر فيما عقدوه، ما داموا أحياء، وما لم ينتقل ملك الشئ المستأجر عن المؤاجر له، وما كانت عين ذلك الشئ قائمة.\rفإن انتقل الملك","part":5,"page":625},{"id":626,"text":"أو مات أحدهما بطل عقد الاجارة، لقول الله عز وجل: * (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شئ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) * وليس صحة عقد الاجارة مانعا من إخراج المؤاجر عن ملكه الشئ الذي أجر، وإن أدى ذلك إلى بطلان العقد، لان البيع مباح له بالنص، وليس بيعه ماله نقضا لعقده، وإنما ينقض ذلك العقد ملك غير العاقد للشئ المعقود فيه.\rقال أبو محمد: وقال بعضهم: أنتم إذا منعتم من نقض عقد الاجارة والكتابة والتدبير والعتق بصفة ثم أجزتم للعاقدين أن يخرجوا عن ملكهم الاعيان التي عقدوا فيها هذه العقود، وذلك مبطل للعقود، فقد تناقضتم وأجزتم إبطالها، قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: لم نمنع قط من أن يفعل الانسان في ماله ما أبيح له قبل العقد الذي عقد فيه.\rوليس ذلك العقد بمحرم عليه ما كان له حلالا من إخراج ذلك الشئ عن ملكه، ومدعي هذا متحكم في الدين، قائل بغير بيان من الله تعالى، وإذا منعنا أن يفسخ بقوله ما عقد بقوله مما أبيح له عقده، أو أمر به فقط، وإنما يلزم هذا التعقب القائلين بالقياس، الذي يحرمون به المسكوت عنه، لتحريم المأمور بتحريمه، والرهن وغيره سواء فيما ذكرنا، إذا لم يمنع من إخراجه من الرهن بالبيع والعتق نص.\rوأما المنكرون لهذا فقد تناقضوا فيه أقبح تناقض وقالوا بما أنكروه علينا يعني أصحاب مالك.\rفقالوا: لا تقبل شهادة النساء في عتق أصلا، ثم قالوا: إن شهدت امرأتان بدين على زيد لعمرو حلف عمرو معهما، ورد عتق زيد لعبده الذي أعتقه ودين عمرو محيط بماله، فقد أجازوا في رد العتق شهادة النساء، وكذلك قالوا: لو شهدت امرأتان بابتياع زيد وعمرو لامة كانت تحت زيد، قبلتا مع يمين البائع، وفسخ نكاح الامة ومثل هذا لهم كثير جدا.\rقال أبو محمد: ومن استؤجر على عمل معلوم، فهو عقد قد جاء النص بإباحته، واتفق القائلون بالاجارة على لزومه في حين عقده، واختلفوا هل ينفسخ في ثانية\rأم لا ؟ فوجب أن يبقى على ما جاء الدليل به من صحته ما لم يأت نص بفسخه، وهكذا القول في المدبر وفي الموصي بعتقه وفي المعتق بصفة، وفي المكاتب -: أنها عقود قد اتفق الناس على ما جاءت به النصوص من صحتها في حين عقدها، وعلى القضاء بها ما لم يرجع العاقد لها فيها، ثم اختلفوا هل لعاقدها فسخها في ثاني عقده","part":5,"page":626},{"id":627,"text":"إياها أو لا: فوجب ألا يكون له في شئ منها رجوع إلا بنص، ولا نص ولا إجماع في إباحة الرجوع في ذلك، لا بتراضيها ولا بغيره، فلا يجوز أصلا بخلاف المؤاجرة، وكان إخراجه لكل ما ذكرنا عن ملكه جائزا، ويبطل بذلك العقد لانتقال الملك، كما قلنا في الشئ المؤاجر ولا فرق.\rوأما المكاتب فإنما يخرج عن الملك منه ما لم يؤد خاصة، وفي ذلك المقدار يبطل العقد لا فيما أدى وهو قول علي وروايته عن النبي (ص) وقد جاء النص ببيع المدبر وبيع المكاتب ما لم يؤد، فوجب إباحة ذلك وممن رأى للمؤجر والمستأجر أن يفسخ الاجارة أيهما شاء متى شاء قبل الاجل، وإن كره الآخر - مسروق وشريح والشعبي، وممن رأى ألا رجوع لموصي في العتق خاصة الاوزاعي والثوري، وأما العارية فبخلاف ما ذكرنا، لان العارية المطلقة التي ليست إلى أجل هي التي صحت بالنصوص وبالاجماع، وأما شرط التأجيل فيها فهو باطل، لانه شرط ليس في كتاب الله تعالى، ولا جاء به نص ولا إجماع فهو باطل.\rوجمهور الفقهاء يقولون: إن العارية التي يشترط التأجيل فيها ليست شيئا، وهو شرط لا يلزم، فلم يتفق على صحته فهو باطل، وكذلك الوعد بالعارية لا يلزم لما ذكرنا.\rوهكذا القول في ضمان ما لم يلزم بعد من المال.\rوفي ضمان الوجه: أن كل ذلك باطل، لانها شروط لم يأت بصحتها نص ولا إجماع، ويبطل بما ذكرنا ضمان النفقة على زيد، وعلى من لم يأت نص ولا إجماع بإيجاب النفقة عليه، وهكذا\rضمان الصداق عمن لم يتزوج بعد، ووجب بما ذكرنا الرجوع في الشركة والقراض لايهما شاء متى شاء، وإن كره الآخر، لان شرط التأجيل فيها باطل، إذ لم يأت بإباحته نص ولا إجماع.\rوهكذا القول في كل شرط شرطه المحبس في الحبس من أجل محدود، أو من بيعه إن احتيج، كل ذلك باطل لما ذكرنا، وكذلك إن شرط في الهبة والعمرى والرقبى استرجاع شئ منها، فهو باطل كله لما ذكرنا، بخلاف وجوب ذكر الاجل في الاجارة، وبخلاف وجوب الرجوع في العارية.\rوأما ضمان ما قد وجب من الاموال فهو عقد مجمع على صحته، وقد جاء النص به، وكذلك الحوالة وإذ هما كذلك فلا رجوع لاحد فيها لما ذكرنا من أن","part":5,"page":627},{"id":628,"text":"ما صح في أول لم يبطل في ثان إلا بنص أو إجماع، وكذلك الحبس والهبات والصدقات والعمرى كل ذلك قد بان عن الملك، فالرجوع فيه كسب على غيره وقد جاء النص ببطلان ذلك، قال الله تعالى: * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) * وأما القرض المؤجل فقد صح النص فيه بالاجل، وإذا صح بالنص فهو ثابت فلا رجوع لاحد فيه إذا كان شرط الاجل في حين القرض لقوله تعالى: * (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فإن انعقد حالا، ثم شرط على نفسه أجلا فهو شرط فاسد لا يلزمه، والدين حال كما كان، لانه شرط ليس في كتاب الله، ولا أجمع على لزومه فهو باطل.\rوأما المزارعة والمساقاة المعقودتان إلى أجل فقد ادعى قوم أن كل من أجازهما - وهم أهل الحق - قد أجازوهما إلى أجل مسمى، فالاجل فيهما شرط صحيح.\rوإذا كان صحيحا في حين العقد فهو لازم، وإذا كان لازما في وقته لم يبطل في ثانية إلا بنص أو إجماع، ولا نص ولا إجماع في ذلك إلا بتراضيهما معا، للاجماع على\rجواز ذلك.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ، بل قد صح الاجماع على عقدهما بغير أجل، ولم يأت عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين تجويزهما إلى أجل فعقدهما إلى أجل لا يجوز البتة، لانه لم يوجد نص ولا إجماع، فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل بحكم النبي (ص).\rوليس تراضي المتعاقدين عقدا صحيحا، أو المتشارطين شرطا صحيحا، بنص أو إجماع ثم تراضيا معا على فسخه أو تأجيله، مجيزا لهما ذلك، بل رضاهما بفسخه أو تأجيله، باطل، والعقد والشرط باق كما كان، إلا أن يبيح لهما النص أن يتراضيا على فسخه، فيكون لهما ذلك حينئذ، وإلا فلا، لانه ليس لاحد أن يوجب، ولا أن يحرم، ولا أن يحلل إلا بنص، ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله، قال الله تعالى: * (أم للانسان ما تمنى) *، والكل عبيد لا أمر لهم ولا حكم إلا ما حكم به عليهم، ولهم خالقهم ومولاهم عز وجل.\rوأما النكاح والبيع فقد جاء النص بصفة عقدهما، وبصفة فسخهما، فليس","part":5,"page":628},{"id":629,"text":"لاحد أن يعقدها بغير تلك الصفة، فإن فعل فليس نكاحا ولا بيعا، وهو مردود مفسوخ أبدا.\rومن عقدهما كما أمر فليس له فسخهما إلا بالصفة التي أتى النص بفسخهما بها، وإلا كان فسخه باطلا مردودا، وثبت عقدهما كما كان، وقد حرم بيع أم الولد بالنص الوارد في ذلك مما قد ذكرناه في كتاب الايصال وفي المحلى، فلم يلتفت إلى الخلاف في ذلك.\rوقد صح النص بجواز الهبة ووجوب قبولها، وتحريم الرجوع فيها، فلم يجز الرجوع في شئ من الهبة ولا الصدقة من ذلك حاشا العطية للولد فقط، للنص في ذلك، ولم يأت نص ولا إجماع على رد الحبس لا بتراض ولا بغير تراض فلم يجز أصلا.\rقال أبو محمد: فإن قال قائل: أنتم لا تلزمون أحدا الوفاء بعهده ووعده إلا أن يوجب ذلك عليه نص، ومن مذهبكم أن وعد الله تعالى ووعيده نافذان لا سبيل إلى دخول خلف فيهما.\rفالجواب: أن هذا الذي نقول هو الذي لا يجوز تعديه، لاننا متعبدون ليس لنا أن نلتزم شيئا إلا ما ألزمنا خالقنا تعالى، فإلزامنا فعل شئ لم يأتنا نص ولا إجماع بأن نفعله باطل، والله تعالى ليس كذلك، لانه ليس فوقه أمر فكل ما قضى به نافذ وكل ما قاله فحق.\rوأيضا فوعدنا نحن ليس خبرا لانه لا علم لنا بما يكون في المستأنف، والله تعالى ليس كذلك، لانه عليم بما يكون قبل أن يكون، فكل ما أخبر تعالى أنه يفعله فلا بد أن يفعله، ومن أجاز غير ذلك أجاز على الله تعالى الكذب في خبره، تعالى الله عن ذلك قال الله عز وجل: * (قال فالحق والحق أقول) * ما خالف الحق فهو باطل تعالى الله عن الباطل، فوعد الله تعالى ووعيده خبر لا بد من كونه لانه حق وصدق وعلم منه تعالى بما يكون من ذلك، وعلمه صادق لا يخيس أصلا.\rولا يظن ظان أننا نقول بالوعيد كقول المعتزلة: من إبطال سيئة واحدة للحسنات، ومن الخلود على المصر على الكبائر، ومعاذ الله من ذلك.\rولكنا نقول بما جاء به النص من الموازنة، وذهاب السيئات بالحسنات، بمعنى أن الحسنات تذهب السيئات، وبأن من استوت حسناته وسيئاته، أو رجحت حسناته لم ير نار أصلا، ولكن من رجحت سيئاته وكبائره ممن مات مصرا فهؤلاء الذين يخرجون من النار بالشفاعة، ولا خلود على مسلم في النار، ولا يدخل الجنة كافر أبدا، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.","part":5,"page":629},{"id":630,"text":"الباب الرابع والعشرون وهو باب الحكم بأقل ما قيل قال أبو محمد: رحمه الله: ادعى قوم أن هذا أيضا نوع من أنواع الاجماع\rصحيح لا شك فيه.\rوقالوا: لانه قد صح إلزام الله عز وجل لنا اتباع الاجماع والنص، وحرم علينا القول بلا برهان، فإذا اختلف الناس في شئ فأوجب قوم فيه مقدارا ما وذلك نحو النفقات والاروش والديات، وبعض الزكوات وما أشبه ذلك، وأوجب آخرون أكثر من ذلك المقدار فإنهم قد اتفقوا على وجوب اخراج المقدار الأقل كلهم بلا خلاف منهم، واختلفوا فيما زاد على ذلك، فالاجماع فرض علينا أن نأخذ به.\rوأما الزيادة فدعوى من موجبها، إن أقام على وجوبها برهانا من النص أخذنا به والتزمناها، وإن لم يأت عليها بنص فقوله مطرح وهو مبطل عند الله عز وجل بيقين لا شك فيه، ونحن محقون في الاخذ بأقل ما قيل عند الله عز وجل بيقين، لانه أمر مجتمع عليه والاتفاق من عند الله عز وجل، ولزوم ما اجتمع عليه فرض لا شك فيه، والاختلاف ليس من عند الله عز وجل قال الله تعالى: * (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) *.\rقال أبو محمد: كان يكون هذا حقا صحيحا لو أمكن ضبط أقوال جميع أهل الاسلام في كل عصر، وإذ لا سبيل إلى هذا فتكلفه عناء لا معنى له، ولا بد من ورود النص في كل حكم من أحكام الشريعة، لكن إذا ورد نص بإيجاب عمل ما فبأقل ما يقع عليه اسم فاعل لما أمر به، يسقط عنه الفرض، كمن أمر بصدقة، فبأي شئ تصدق، فقد أدى ما أمر به، ولا يلزمه زيادة، لانها دعوى بلا نص ولا غاية لذلك فهو باطل.\rولا سبيل إلى أن يكون الله تعالى حكم في الشريعة آيلزمنا لم يجعل عليه دليلا من نص، وقال الله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون) * فما لم يكن في الكتاب فليس من الدين في شئ، وهو ساقط عنا بيقين، ومنهم من قال: بل نأخذ بأكثر ما قيل، لانه لا يخرج من لزمه فرض عما لزمه إلا بيقين، ولا يقين إلا بعد أن يستوعب كل ما قيل.","part":5,"page":630},{"id":631,"text":"قال أبو محمد: وهذا باطل، لانه صار بهذا القول قافيا ما ليس له به علم، ومثبتا حكما بلا برهان، وهذا حرام بنص القرآن وإجماع الامة، وكل من خالفنا في هذا الاصل فإنه يتناقض ضرورة ويرجع إلى القول به.\rألا ترى أننا اتفقنا كلنا على إيجاب خمس صلوات وادعى قوم أن الوتر فرض فوجب الانقياد لما اجتمعوا عليه، وترك ما اختلفوا فيه، إلا أن يأتوا بدليل على ما زادوا.\rوكذلك اتفقنا على أن في خمسين من البقر بقرة، وقال قوم: في كل خمس بقرات شاة، وقال قوم: في الثلاثين تبيع وفي الاربعين، وقال قوم: فيما زاد على الاربعين بحساب ذلك بجزء من بقرة، فوجب الاخذ بما اتفقوا عليه، وترك ما اختلفوا فيه، إذا لم يأتوا بدليل على ما ادعوا من ذلك.\rووجب أن يلزم أحدا إلا البقرة في خمسين، وهي المتفق عليه منهم ومن غيرهم، لا ما زاد في إيجاب الغرامة في ذلك.\rثم نقول لمن خالفنا في هذا الاصل: أرأيت إن اجتمع الناس على مقدار ما ؟ ثم قال قوم بأزيد منه، ولم يأتوا على صحة قولهم بدليل: هل لك بد من ثلاثة أوجه لا رابع لها، إما أن تقول بما أجمعوا عليه، وبترك ما اختلفوا فيه، وهو قولنا هذا الذي خالفتنا فيه، أو تأخذ بأكثر ما قيل بلا دليل فتصير قافيا ما ليس لك به علم ومثبتا حكما بلا برهان، فهذا حرام بنص القرآن، وبإجماع الامة، لم يقل به أحد، ويصير قائله منتهكا إما عرضا حراما، وإما مالا حراما، وإما موجبا شرعا لم يأذن به الله تعالى، وكل ذلك حرام لا يحل أصلا.\rوإما أن يترك هذين القولين فيفارق الاجماع جملة، ويأتي أيضا بقول لم يقله أحد فإذ قد سقط هذان القولان بالضرورة البرهانية، صح القول الاول ضرورة بيقين لا بد منه، وبالله تعالى التوفيق.\rفإن قال قائل: لا يجوز أن يخلو أحد القولين من دليل عليه، إما أن يقوم الدليل على صحة القول بالمقدار الاقل، وإما أن يقوم الدليل على صحة الزيادة عليه.\rقال أبو محمد: لسنا نحتاج إلى التطويل معه ههنا، لكنا نقول، وبالله تعالى التوفيق، لسنا ننازعك فيما قام الدليل عليه، وإنما نسألك عن مسألة قال فيها قوم بمقدار ما، وقال آخرون بزيادة لا دليل عليها بأيديهم - شرط أن تكون المسألة من مسائل الاجماع المجرد التي قد أحال النص فيها على طاعة أولي الامر منا على اتباع سبيل المؤمنين.","part":5,"page":631},{"id":632,"text":"فإن قلت: إن عدم الدليل على صحة الزيادة على أقل ما قيل هو دليل على صحة القول بأقل ما قيل، فهذا هو نفس قولنا شئت أم أبيت، وبالله تعالى التوفيق.\rوقد احتج بعض من ضغط هذا الباب، ممن اضطر إلى الشغب بمثل ما نذكره وشبهه إلى أن قال: ما الفرق بينكم وبين من قال: هذه قصة قد لزم فيها حكم بإجماع، فلا يخرج المرء عما لزم بإجماع إلى سقوطه عنه إلا بإجماع آخر، فالواجب أن يقال بأكثر ما قيل.\rفيقال له: هذا تمويه فاسد، لانهما أمران أردت مزجهما وتصييرهما أمرا واحدا.\rولا يصح ذلك، لان كون وجوب الحكم في مسألة ما هو شئ آخر غير وجوب مقدار ما في ذلك الحكم.\rفليس اتفاق الامة على أن ههنا حكما واجبا مما يوجب في ذلك مقدارا محدودا، بل هذا هو باب آخر، فإذا وجب الحكم نظرنا حينئذ في قدر الحكم فيه بنص وارد، فإن لم يرد نص صرنا فيه إلى الاجماع، فالعدد المتفق عليه واجب قبوله بإجماع، ومن ادعى زيادة كلف الدليل، فإن أتى به لزم اتباعه، وإلا سقط قوله بقول الله تعالى: * (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) *.\rومن هذا النوع هو علمنا أن علينا دينا وشرائع، إلا أنه من ادعى وجوب شئ ما يدخله في الشرع، لم يلتفت إليه، ولم يجب قبوله إلا بنص أو إجماع، وهكذا علمنا بوجوب حكم ما علينا ليس يوجب قبولنا من كل من حد لنا ذلك الحكم بحد ما، إلا أن يأتي على حده بنص أو إجماع.\rوهذا كله باب واحد،\rوالاصل أن لا حكم على أحد ولا شيئا حراما على أحد بقوله تعالى: * (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا) * وبقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ئ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) *.\rوبقوله (ص): إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فلا يحل لاحد من مال أحد ولا من دمه ولا من عرضه ولا من بشرته إلا ما أباحه نص أو إجماع، وما عدا ذلك فباطل بالنصوص التي ذكرنا، فأقل ما قيل في كل ما ذكرنا: هو واجب بالاجماع على وجوبه، وكل زيادة على ذلك فباطل، إلا أن يأتينا مدعيها بنص يصحح قوله.","part":5,"page":632},{"id":633,"text":"وصح بالنص المذكور أنه إن اتفق الناس أو جاء نص بإيجاب مقدار منا من عرض مسلم أو بشرته أو ماله فهو وجوبه، ثم إن ادعى مدع وجوب زيادة في ذلك ولم يأت على صحة دعواه بنص فهو باطل بيقين، لانه لا محل ما قد حرم الله تعالى، وكذلك القول فيمن حرم شيئا مما في الارض حاشا ما جاء في تحريمه نص أو إجماع.\rوكذلك من فرض شيئا زائدا على ما أوجب أنه فرض نص أو إجماع وكفى بهذا بيانا.\rويلزم من قال بخلاف هذا إن كان مالكيا، أو شافعيا أن يوجب الزكاة في العسل، لان الامة مجمعة على أن في الاموال زكاة بقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * فيلزمهم ألا يسقط هذا الحق اللازم بإجماع إلا بإجماع آخر، ولزمه إن كان حنفيا أن يوجب الزكاة في الحلي والعوامل بما ذكرنا، ومثل هذا كثير جدا، مسقط أكثر مذاهبهم، ومفسد لجمهور أقوالهم في الصلاة والطهارة والحج وسائر أبواب الفقه كلها، وبالله تعالى التوفيق.\rفإن قال قائل: إذا قلتم لو كان هذا القول الزائد واجبا لجاء به دليل، فماذا تقولون لمن قال لكم لو كان ساقطا لجاء بإسقاطه دليل، فالواجب: أن هذا قول صحيح وقد نصصنا على الدلائل الواردة بإسقاط كل قول بتحريم، أو بتحليل أو إيجاب حكم لم يأت بصحته نص أو إجماع، وهي الآيات التي تلوناها آنفا فوجب بها أن كل مقدار اتفق على وجوبه أو أخذه فهو واجب، ومن زاد على ذلك بدعواه شيئا فهو مفتر مبطل بتلك النصوص ما لم يأت على صحة دعواه بنص، وهذا أمر جلي لا إشكال فيه، ولا يذهب عنه إلا مخذول أو معاند، وإنما هذا فيما لم يرد فيه نص، وأما ما جاء فيه نص فلا نراعي فيه ما اتفق عليه منه، ولا نبالي بمن خالفنا حينئذ، ولا نراعي فيه استصحاب حال ولا أقل ما قيل فيه.\rولكن نأخذ بالنص زائدا كان على ما اتفق عليه، أو ناقصا عنه، أو موافقا له، لان الدليل قد قام حينئذ والبرهان صح على وجوب الانتقال إلى ما جاء به النص، وصح بذلك الاخذ بالزائد على أقل ولو لم ينفرد بالرواية للزائد إلا إنسان واحد ثقة، وخالفه جميع أهل الارض، لكان القول بما رواه ذلك الواحد واجبا، لانه محق ولكان فرضا علينا خلاف كل من خالف رواية ذلك الواحد، ولو أنهم جميع أهل الارض","part":5,"page":633},{"id":634,"text":"سواء، لانهم كلهم حينئذ مبطلون يلزمهم قبول رواية ذلك الواحد، الحق أكثر من كل من خالفه، وأولى أن يتبع.\rقال الله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) * فعم تعالى ولم يخص، وقال تعالى: * (لا تكلف إلا نفسك) *.\rفإن قال قائل: فما تقولون في شاهدين شهد أحدهما لزيد على عمرو بدينار، وشهد له الآخر عليه بدينارين.\rأتقولون بأقل ما اتفقنا عليه ؟.\rقال أبو محمد: هذا قد قام البرهان من النص على وجوب القضاء له بالدينار\rبشهادتهما، ومن نص آخر ثان يقضي له بالدينار الباقي إن حلف المدعى له ما شاهده، فهذا من باب ما قام الدليل على وجوب الحكم بالزيادة فيه، وقد قال بعض من خالفنا: إن القائل بما أخذتم به، من أقل ما قيل لم يقل به، لانه أقل ما قيل، وإنما قال به لدليل ما أوجبه عنده، فقولوا بدليله حتى نناظركم عليه.\rقال أبو محمد: فيقال من قال بهذا، وبالله تعالى التوفيق: إنا لا نتعنى باستدلال المستدلين، لانه قد يستدل المرء بدليل غير واجب، فيخرجه البحث إلى قول صحيح كما عرض لابن مسعود، إذ سئل عن امرأة توفي عنها زوجها قبل أن يدخل بها وقبل أن يفرض لها صداقا، فقال: بعد شهر أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله تعالى، وإن كان خطأ فالله ورسوله بريئان، ثم أفتى بما وافق الحق من فعل رسول الله (ص) دون أن يكون علمه.\rفنحن لا نبالي باستدلال ابن مسعود بل لا نقول به أصلا، لكنا نقول بما أخرجه إليه السعد، لانه وافق قضاء رسول الله (ص)، فإذا وجدنا القائل قد أوجب مقدارا ما، ووافقه على إيجابه جميع العلماء أولهم عن آخرهم، فقد أوجب الله تعالى علينا اتباع الاجماع وأن لا نخالف سبيل المؤمنين وأولي الامر منا.\rولا نبالي باستدلاله في ذلك، إذ لم يأمر الله تعالى باتباع استدلال الواحد أو الطائفة من العلماء، وإنما أمرنا تعالى باتباع ما اتفقوا عليه، وترك ما تنازعوا فيه حتى نرده فنحكم فيه القرآن والسنة، فقد فعلنا ذلك، فأخذنا بما أجمعوا عليه وهو أقل ما قيل: لقوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * فلا يحل لمسلم خلاف هذا، وكلفنا من زاد على ذلك المقدار زيادة يتورع فيها أن يأتي ببرهان من النص إن","part":5,"page":634},{"id":635,"text":"كان صادقا بقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * فإن جاء ببرهان من القرآن والسنة قبلنا منه، وإلا تركنا قوله، لان من لم يأت ببرهان\rفليس صادقا لقوله تعالى: * (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) *.\rوقد علم كل ذي حس صحيح من الناس أن الاستدلال على القول شئ آخر غير القول المستدل عليه، فقد أدى التقليد أقواما إلى أقوال صحاح والتقليد فاسد، لكن البحث أوقعهم عليها فصادفوا أقوالا فيها أحاديث صحاح لم تبلغهم قط، ولا استدلوا بها.\rومن علم كيفية المقدمات علم أن من المقدمات الفاسدة تنتج إنتاجا صحيحا في بعض الاوقات، ولكن ذلك لا يصحب بل يخون كثيرا، وقد بينا هذا في كتابنا الموسوم، بكتاب التقريب بيانا كافيا، والحمد لله رب العالمين كثيرا.\rفقد صح بما ذكرنا أنه قد يخطئ في كيفية الاستدلال من يصيب في القول المستدل عليه.\rوقد صح أيضا أنه قد يصيب المرء في ابتداء الاستدلال، ثم لا يوفيه حقه فيخطئ في القول المستدل عليه، فقد استدل قوم بنصوص صحاح ثم تأولوا فيها ما ليس فيها، وقاسوا عليها ما لم يذكر فيها، وأصابوا في الاستدلال بالنص وأخطؤوا في الحكم به فيما ليس موجودا في ذلك النص.\rوقد استدل سعد رضي الله عنه على تحريم البيضاء جملة بنهي النبي (ص) عن الرطب بالتمر، فصح بهذا أنه ليس علينا اتباع استدلال القائلين بالفتيا، وإنما علينا اتباع الفتيا إن أيدها نص أو إجماع، ولا نبالي أخطأ قائلها في استدلاله عليها أم أصاب.\rوكذلك يلزمنا ترك الفتيا إذا لم يقم عليها برهان من النص أو الاجماع، وإن استدل قائلها بنص صحيح إلا أنه ظن أن ذلك النص يوجب ما أفتى به.\rوذلك النص في الحقيقة غير موجب لتلك الفتيا، وأيضا فإن من المسائل مسائل ليس يروى فيها نص، وإنما هي إجماع مجرد على أمر أمره النبي (ص)، كإجماع الناس على القراض، وكإجماع طوائف من الناس على الايجاب في دية الذمي إذا قتله ذمي ثمانمائة درهم، أو ستة أبعرة وثلثي بعير، واختلف آخرون في الزيادة على ذلك إلى أن ساواه قوم بدية المسلم، وقال آخرون: نصف دية المسلم، وقال آخرون: ثلث دية المسلم، فاحتج الموجبون في ذلك\rثمانمائة درهم أو ستة أبعرة وثلثي بعير، بأن قالوا: هذا مجمع على وجوبه، وما زاد","part":5,"page":635},{"id":636,"text":"على ذلك فمختلف فيه، وذكروا ما رويناه من طريق يونس بن عبيد أن الحسن البصري قال: دية اليهودي والنصراني ثمانمائة درهم.\rوقال بهذا المقدار في دية المجوسي خاصة مالك والشافعي.\rورووه عن عثمان رضي الله عنه.\rواحتج من أوجب في ذلك نصف الدية بروايات عن بعض الصحابة، وآثار من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي صحيفة لا تصح، وقد اختلف الصحابة في هذا فبطل هذا القول، واحتج من أوجب في ذلك ثلث الدية وهم الشافعي وأصحابه، بأن رووا ذلك عن بعض الصحابة، وقد قلنا إن الصحابة مختلفون في ذلك، فليس بعضهم في ذلك حجة دون بعض.\rواحتج في ذلك بعض أصحاب الشافعي بأن ادعى أنه أقل ما قيل، وهذا باطل لما أوردناه من قول الحسن آنفا، وقال بعضهم - ممن يعرف الاختلاف: لم نقل ذلك لشئ من هذا كله لكن لقوله تعالى: * (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون) * ؟.\rفوجب ألا يساوى به المسلم ولا المسلمة، فوجب حطه إلى ثلث الدية.\rوقال أبو محمد: وهذا احتجاج فاسد البتة، لانهم يساوون بينهما في أنه إن غصب المسلم مال ذمي أن يغرمه الذمي ما غصب، وفي قطعهما في السرقة، ويحلف كل واحد منهما للآخر في الدعوى.\rوأيضا فقد جعلوا دية الذمي أكثر من دية يد المسلمة ومن دية عينها، وساووه بمأمومة الحر المسلم، ولا شك في أن حرمة شعرة من مسلم أعظم من حرمة كل ذمي في الارض، فكيف عضو من أعضاء المسلم، ونجدهم قد فضلوا على المسلم في بعض المواضع، فقالوا: لا يقتل الكافر الحر إذا قتل عبدا مسلما، فجعلوه ههنا أعظم حرمة من المسلم، وهذا قول سوء تقشعر منه الجلود.\rويلزمهم على\rهذا أن أبا جهل وأبا لهب كانا أعظم حرمة من زيد بن حارثة وبلال بعد إسلامهما، وقبل عتقهما، ومعاذ الله من هذا.\rوإنما يجب استعمال قوله عز وجل: * (أعنده علم الغيب فهو يرى) * في أن لا يساوى بينهما في القود أصلا، وأما في الحقوق الواجبة فيما دون الاجسام والكرامة والحرمة فليس التساوي فيها تساويا في القدر، لانه لا خلاف بين أحد من أن أحكام الاموال يستوي فيها أبو بكر والصحابة وأهل الذمة، وبالله","part":5,"page":636},{"id":637,"text":"تعالى التوفيق، فكان الواجب ألا يكلف الذمي غرما بعد الجزية إلا ما أوجبه نص أو إجماع، وقد أوجب الاجماع المذكور عليه إما ثمانمائة درهم، وإما ستة أبعرة وثلثي بعير، ووقع التنازع في الزيادة فلما لم يأت بشئ من ذلك نص صحيح وجب أن يطرح ولا يلتفت إليه.\rفإن قالوا بتقليد صاحب في ذلك، قيل لهم: ليس الصاحب الذي قلدتم بأولى من صاحب آخر خالفه في ذلك، مع أن التقليد كله باطل على ما سنبينه في بابه من ديواننا هذا إن شاء الله تعالى.\rفإن قال قائل: أنتم متناقضون في قولكم بأقل ما قيل في المقادير اللازمة في الاموال والحدود وفي الاعداد كلها وترككم الزيادة إلا أن يوجبها نص مع قولكم إن من اتفق عليه من زمان ما ثم ادعى قوم ارتفاعه، فإن الواجب التمادي عليه والثبات على ما قد اتفق على وجوبه، حتى يأتي مدعي ارتفاعه ببرهان على ما ادعى من ذلك فهلا قلتم إنه لا يلزم هذا الحكم إلا مدة الزمان الذي اتفق على لزومه فيها دون الازمان والاعيان التي اختلف في لزوم ذلك فيها ولها، كما قلتم: لا نأخذ في المقادير اللازمة في الاموال والحدود والاعداد إلا بما اتفق عليه دون ما اختلف فيه.\rقال أبو محمد: فيقال له وبالله تعالى التوفيق: إن هذا شغب ضعيف، وتمويه فاسد، ولا تناقض بين القولين أصلا، بل هما شئ واحد، وباب واحد، لان الاجماع على وجوب الحكم، وورود النص كالاجماع على أقل المقادير والاعداد، كلاهما قد صح فيه الاجماع، ثم إن الدعوى لانتقال الحكم عما كان علمه، وللزوم النص بعض ما يقتضيه لفظه دون بعض الدعوى للزيادة على أقل ما قيل من المقادير والاعداد ولا فرق، وكلا الامرين إيجاب شرع وحكم بلا نص، وذلك لا يحل اتباعه.\rوثباتنا على ما اتفقنا على أنه واجب، أو أنه مباح، أو أنه حرام، وتركنا من فارق ما اتفقنا على وجوبه من المقادير والاعداد ولا فرق، ومسقط الحق بعد وجوبه كالزائد فيه، أو الناقص منه، وكالشارع غيره، ولا فرق بين كل ذلك أصلا، فهو كله باب واحد كما ترى.\rولا شغب من أراد التمويه بالفرق بين الامرين، وإنما موه من موه في ذلك، وغلط من غلط، لانه رأى أحد الامرين زيادة على","part":5,"page":637},{"id":638,"text":"ما اتفق عليه، ورأى الآخر خروجا عما اتفق عليه، فظن أنهما بابان مختلفان، فأخطأ في ذلك بل هو كله باب واحد، لانه كله ممن خالفنا خروج عما اتفق عليه بلا دليل، ومفارقة ما أجمع عليه بلا برهان، وهو كله في مذهبنا نحن باب واحد، لانه كله منا ثبات على ما اتفق عليه، ولزوم لما صح الاجماع فيه، وامتناع من مفارقته، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا فإنه لم يقل قط مسلم أن النبي (ص) إذا حكم اليوم بحكم ما، أن هذا الحكم لا يلزم الناس غدا إلا باستئناف برهان مجدد، بل الامة كلها مجمعة على وجوب حكم النص وتماديه إلى يوم القيامة.\rوكذلك حكمه عليه السلام على زان أو سارق، هو حكم منه على كل زان أو سارق إلى يوم القيامة.\rوهكذا كل ما حكم به النص في عين ما هو حكم في نوع تلك العين أبدا، ولو كان خلاف\rذلك - ونعوذ بالله من هذا الظن - لبطلت لوازم نبوته (ص) في الزمان الآتي بعده، وهذا كفر من معتقده، فصح أن حكمه (ص) في زمانه حكم باق في كل زمان أبد الابد، ولم يقل قط مسلم إنه (ص) إذا حكم بأخذ درهم، أو ضرب عشرة أسواط، أو إيجاب ركعتين، أو صوم يوم إنه يجب بذلك أخذ درهمين، وضرب عشرين سوطا، أو إيجاب أربع ركعات وصوم يومين، بل هذه حدود الله تعالى التي حرم تعديها، وأخبر أن متعديها من الظالمين بقوله تعالى: * (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * فهذا فرق أوضح من الشمس لا يراها العميان، وقد تغيب عن بعض الاماكن في بعض الاوقات.\rوهذا برهان لا يغيب نوره أبدا، ويراه كل ذي عقل وحس سليم ممن خوطب بالديانة، وأيضا فإن أقل ما قيل حق ويقين، لانه إجماع وخصمنا موافق لنا على وجوبه والزيادة عليه شك، ودعوى وظن، ولا يحل رفع اليقين بالشك ولا ترك الحق بالظن، ومفارقة الواجب بالدعوى، وقد حرم الله تعالى ذلك، إذ يقول عز وجل: * (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * وفيما ذكرنا كفاية لمن له عقل ونصح نفسه، وبالله تعالى التوفيق.\rفإن قال قائل: أنتم تقولون إن الاجماع والنص أصلان، والعمل بهما فرض، وأنتم تأخذون في النص بالزائد أبدا، ولا تأخذون بالمتيقن عليه، وتأخذون في الاجماع بأقل ما قيل، وهو المتفق عليه، فكيف هذا ؟.","part":5,"page":638},{"id":639,"text":"فالجواب، وبالله تعالى التوفيق: إن الاجماع راجع إلى النص، وإلى التوقيف كما بينا في أول الكلام في الاجماع، وإنما أخذنا به، لانه نقل العمل أو إقرار على أمر معلوم علمه عليه السلام، فأقره ولم ينكره، وليس اختلاف الموجبين للمقادير المختلفة في الاحكام نقلا لشئ من ذلك، وإنما هو أن ما عدم أن يقوم عليه دليل نص، فإما رأى من قائله أو قياس أو تقليد، وكل ذلك باطل ودعوى\rبلا دليل فلذلك لزم تركه.\rوأما الزيادة في النص من أحد الرواة، فهو نقل صحيح، والاخذ بالنقل الصحيح واجب، والسبب الموجب لقبول الزيادة من العدل في الرواية هو السبب نفسه الموجب لقبول أقل ما قيل في الاجماع، إنما ذلك قبول ما صح من النقل فقط.\rوأما ما اختلف فيه، ولم يأت أحد من المختلفين فيه بنص فليس نقلا، والسبب المانع من قبول التقليد هو السبب المانع من قبول ما زاده قائل على ما اتفق عليه هو وغيره من العلماء بأجمعهم دون دليل يأتي به يوجب زيادته ما زاد وهو كله تقليد.\rوقد قال بعض الشافعيين: محتجا في أخذ الشافعي رحمه الله في دية اليهودي والنصراني، بأنها ثلث دية المسلم، بأن ذلك أقل ما قيل.\rقال أبو محمد: وليس كذلك، وقد روينا عن يونس بن عبيد عن الحسن: أن دية النصراني واليهودي ثمانمائة درهم، وقد صح عن بعض المتقدمين أنه لا دية له، فليس ثلث الدية أقل ما قيل.\rوأما نحن فإنا نقول: إنه لا دية لذمي أصلا، لا يهودي ولا نصراني، ولا مجوسي إذا قتله مسلم خطأ أو عمدا، وإن قتله عندنا يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا أقل ما قيل، وهو ثمانمائة درهم أو ستة أبعرة وثلثا بعير.\rوبرهاننا على ذلك أن الله تعالى إنما ذكر قبل الخطأ والدية فيه إن كان المقتول مؤمنا، هذا هو نص الآيات الواردات في ذلك، فلم يذكر الله تعالى لذمي دية.\rوقال عليه السلام: من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إما أن يأخذوا الدية، وإما أن يستقيدوا، أو كما قال عليه السلام.\rونهى عليه السلام أن يقتل مؤمن بكافر فبطلت الدية إن قتله مسلم، لانه عليه السلام إنما جعل الدية في العمد حيث يكون الخيار فيها أو في القود، وليس ذلك بين المؤمن والكافر، لكنه بين الكفار فيما بينهم وبين المؤمنين فيما بينهم، فصح قولنا وبالله تعالى التوفيق.\rوحرام أخذ شئ من مال مسلم إلا بنص أو إجماع، وأما إن قتل ذمي مسلما عمدا فقد بطلت","part":5,"page":639},{"id":640,"text":"ذمته، ولا بد من قتله وأخذ ماله كله، ولا رأي في ذلك لولي المقتول ولا دية، وحديث عبد الله بن سهل ثابت العمل، وليس فيه ذكر أن الدية التي ذكر عليه السلام كانت في عمد، إذ قد يقتلونه خطأ، ولا في قوله عليه السلام في ذلك الحديث: أتقسمون على رجل فيسلم برمته أنه لو أسلم لكان فيه لولي المقتول خيار، فلا يجوز التزيد في الحديث ما ليس فيه، وسورة براءة مبينة لاحكام أهل الذمة التي لا يجوز تعديها وهي ناسخة لكل ما كان قبلها.\rوقد احتج بعض الموافقين لنا في هذا الفصل بأن قال: يقال لمن قال قد اتفق على وجوب حكم ما في هذه المسألة، فلا تبرأ من ذلك الحكم إلا بإجماع آخر على البراءة منه.\rقال فيقال له: لو شهد عدلان على أن زيدا غصب مالا من عمرو، ولم يثبت قدر ذلك المال، للزم على قولكم أن يقال للمشهود عليه قد ثبت عليك حق فلا تبرأ حتى يقر المغصوب منه ببرأتك من كل حق له عندك.\rفلما أجمع الناس بلا خلاف، على أنه لا يقال لذلك.\rلكن يقال له قد ثبت قبلك حق ما فأقر بما شئت، واحلف على ما أنكرت، ولا يلزمك غير ذلك، صح قولنا بأقل ما قيل، وبطل اعتراضكم وبالله تعالى التوفيق.\rواحتج أيضا بأن قال - من الدليل على الاخذ بأقل ما قيل: إن شاهدين لو شهدا على زيد أنه سرق، وقال أحدهما: ربع دينار، وقال آخر: بل سدس دينار، فإنه يؤخذ بأقل ما اتفقا عليه فلا يقطع ولا يغرم إلا سدس دينار فقط.\rقال أبو محمد: وهاتان حجتان تلزم أصحاب القياس، وليس مما نرضى أن نحتج به، وإنما اعتمادنا على البراهين الضرورية التي قدمنا وبالله تعالى نعتصم.\rوقال هذا القائل أيضا: إن المقدرين إذا اختلفا في تقدير السلعة، فإننا نأخذ بما اتفقا عليه.\rقال: فإن قال لنا قائل: فلم تأخذون بالزيادة في الخبر عن\rالنبي (ص) ؟ وتقولون عند هذا الزائد علم لم يكن عند من لم يأت بتلك الزيادة.\rفهلا قلتم وعند هذا المقدار الزائد علم زائد بقيمة هذه السلعة فهلا أخذتم به ؟.\rقال أبو محمد: وهذا الذي اعترض به على القائل بما ذكرنا اعتراض فاسد، لكنا نقول الجواب عن هذا: أن تقدير المقدار ليس من باب الخبر في الدين، لان الخبر نقل عن مشاهدة يوجب حكما على الناس كلهم، وتقدير المقدار إنما هو من","part":5,"page":640},{"id":641,"text":"باب الشهادة التي لا يقبل فيها إلا اثنان، أو واحد مع يمين الطالب، فلو كان مع هذا المقدار الزائد آخر عدل يشهد بتلك الزيادة لاخذنا بها، وإن كان ذلك فيما يؤخذ فيه باليمين مع الشاهد حلف المشهود له مع ذلك المقدر الزائد، واستحق الزيادة، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: والذي نقول به، وبالله تعالى التوفيق: إن الله تعالى قال: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما) * ثم أوجب تعالى الدية في قتل المؤمن خطأ فهي لازمة للمؤمن والذمي بعموم الخطاب، ولزوم الدين، لكل إنسي وجني، ولم يأت نص بإيجاب دية لذمي إن قتل خطأ فهو معفو عنه جملة أصابه مسلم أو ذمي.\rوصح عن النبي (ص) أنه قال: من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، وإما أن يودى وإما أن يقاد أو كلام هذا معناه.\rوصح أنه عليه السلام قال: لا يقتل مسلم بكافر فصح أن الدية لا تجب في العمد إلا حيث يجب التخيير فيها بين الدية وبين القود.\rوليس ذلك في قتل المسلم الذمي أصلا، فبطل أن يكون على المسلم دية في الذمي لا في عمد ولا في خطأ، فإن قتل الذمي ذميا فهو داخل في هذا الخطاب، والقود بينهما، أو الدية، وليس إلا أحد القولين إما ما اتفق على وجوبه كما قال الحسن، وإما الدية التي قضى بها رسول الله (ص) في المسلم، فنظرنا في قول الحسن فوجدناه لا ينسند أصلا ولا وجه له فسقط.\rولا ندري أيضا\rهل أجمع على مقدار ذلك أو لا ؟ بل لعل من العلماء من قال لا دية لذمي أصلا، ولعل في العلماء من يقول بأقل مما قال الحسن، فسقط هذا القول، ووجدنا الله يقول: * (وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله \" فصح أن دية الذمي على الذمي كدية المسلم على المسلم، ولسنا في ذلك جاعلين لهم كالمسلمين حاشا لله من ذلك نحكم بينهم بالحكم بين المسلمين.\rكما أمر الله تعالى، ونحن وهم نقتل الذمي بالذمي، كما نقتله بالمسلم، وليس هذا مساواة المسلم بالمجرم وبالله تعالى حسبنا.\rالله ونعم الوكيل","part":5,"page":641},{"id":642,"text":"الباب الخامس والعشرون في ذم الاختلاف قال أبو محمد: قال قوم: هذا مما يسع فيه الاختلاف.\rقال أبو محمد: وهذا باطل والاختلاف لا يسع البتة، ولا يجوز لما نذكره بعد هذا، وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الاسلام، وما صح عن رسول الله (ص) الذي أمره الله تعالى ببيان الدين فقال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * ولا مزيد.\rوقال تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي فما صح في النصين أو أحدهما فهو الحق، ولا يزيده قوة أن تجمع عليه أهل الارض، ولا يوهنه ترك من تركه، فصح أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلا.\rوقد غلط قوم فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجوا بما روي عن النبي (ص): أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.\rقال أبو محمد: وهذا من أفسد قول يكون، لانه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا.\rهذا ما لا يقوله مسلم، لانه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط، وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب من توليد أهل\rالفسق لوجوه ضرورية: أحدها: أنه لم يصح من طريق النقل.\rوالثاني أنه (ص) لم يجز أن يأمر بما نهى عنه وهو عليه السلام قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسره، وكذب عمر في تأويل تأوله في الهجرة، وكذب أسيد بن حضير في تأويل تأوله فيمن رجع عليه سيفه وهو يقاتل، وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدة، وقد ذكرنا هذا المعنى في باب إبطال التقليد من كتابنا هذا، مستوعبا فأغنى عن إيراده ههنا، وفيما ذكرنا كفاية.\rفمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة، أن يكون عليه السلام يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ، فيكون حينئذ أمر بالخطأ، تعالى الله عن ذلك، وحاشا له (ص) من هذه الصفة، وهو عليه السلام قد أخبر أنهم يخطئون، فلا يجوز أن يأمرنا باتباع من يخطئ إلا أن يكون عليه السلام","part":5,"page":642},{"id":643,"text":"أراد نقلهم لما رووا عنه فهذا صحيح، لانهم رضي الله عنهم كلهم ثقات، فعن أيهم نقل فقد اهتدى الناقل.\rوالثالث أن النبي (ص) لا يقول الباطل، بل قوله الحق وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد، وكذب ظاهر، لانه من أراد جهة مطلع الجدي قام (جهة) مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضل ضلالا بعيدا، وأخطأ خطأ فاحشا، وخسر خسرانا مبينا، وليس كل النجوم يهتدى بها في كل طريق، فبطل التشبيه المذكور، ووضح كذب ذلك الحديث وسقوطه وضوحا ضروريا.\rقال أبو محمد: وقد ذم الله تعالى الاختلاف في غير ما موضع من كتابه قال الله عز وجل: (وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) * وقال تعالى: * (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم\rفهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.\rوقال تعالى مفترضا للاتفاق وموجبا رفض الاختلاف: * (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ئ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) * إلى قوله تعالى: * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) * فصح أنه لا هدى في الدين إلا ببيان الله تعالى لآياته، وأن التفرق في الدين حرام لا يجوز، وقال تعالى: * (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) * وقال تعالى: * (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) وقال تعالى: * (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصم به لعلكم تتقون) * وقال تعالى: * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ) * وقال تعالى * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) *.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدوي، نا حماد بن زيد، ثنا أبو عمران الجوني قال: كتب إلى عبد الله بن رباح الانصاري أن عبد الله بن عمرو قال: هجرت إلى رسول الله (ص) يوما فسمع","part":5,"page":643},{"id":644,"text":"أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله يعرف في وجهه الغضب فقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، نا أبو إسحاق البلخي، نا الفربري، نا البخاري، حدثنا أبو الوليد هو الطيالسي، نا شعبة، أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن سبرة قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: سمعت رجلا قرأ آية سمعت من رسول الله (ص) خلافها، فأخذت بيده فأتيت به رسول الله\r(ص) فقال: كلاكما محسن قال شعبة: أظنه قال: لا تختلفوا فإن من قبلكم اختلفوا فهلكوا.\rحدثنا محمد بن سعيد، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، أنبأنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا بندار، نا غندر، نا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال، عن ابن مسعود، عن النبي (ص) بهذا الحديث.\rوذكر شعبة في آخره قال: حدثني مسعر عنه فرفعه إلى ابن مسعود عن رسول الله (ص) قال: ولا تختلفوا.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد ابن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم، نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن محمد بن زياد، سمع أبا هريرة عن النبي (ص) قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.\rوبه إلى مسلم، نا يحيى بن يحيى، وإسحاق بن منصور، وأحمد بن سعيد بن صخر الدارمي قال يحيى: أنا أبو قدامة الحارث بن عبيد، وقال إسحاق: نا عبد الصمد هو ابن عبد الوارث التنوري، ثنا همام، وقال أحمد: نا حبان، نا أبان، قالوا كلهم: نا أبو عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله البلخي، عن النبي (ص) أنه قال: اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا.\rوبه إلى مسلم، حدثني زهير بن حرب، نا جرير عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن","part":5,"page":644},{"id":645,"text":"تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.\rقال أبو محمد: ففي بعض ما ذكرنا كفاية، لان الله تعالى نص على أن الاختلاف شقاق، وأنه بغي ونهى عن التنازع والتفرق في الدين، وأوعد على الاختلاف بالعذاب العظيم، وبذهاب الريح، وأخبر أن الاختلاف تفريق عن سبيل الله، ومن عاج عن سبيل الله تعالى فقد وقع في سبيل الشيطان، قال تعالى: * (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به، وإنما أراده تعالى إرادة كون، كما أراد كون الكفر وسائر المعاصي.\rفإن قال قائل: إن الصحابة قد اختلفوا وأفاضل الناس، أفيلحقهم هذا الذم ؟ قيل له، وبالله تعالى التوفيق: كلا، ما يلحق أولئك شئ من هذا، لان كل امرئ منهم تحرى سبيل الله ووجهة الحق، فالمخطئ منهم مأجور أجرا واحدا لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الاثم في خطئهم لانهم لم يتعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم والمصيب مأجور منهم أجرين.\rوهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد الموصوف، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى الذي هو القرآن وكلام النبي (ص) بعد بلوغ النص إليه، وقيام الحجة به عليه وتعلق بفلان وفلان مقلدا عامدا للاختلاف، داعيا إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصدا للفرقة، متحريا في دعواه برد القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ به، وإن خالفها تعلق بجاهليته وترك القرآن وكلام النبي (ص) فهؤلاء هم المختلفون المذمومون.\rوطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى، إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم، مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى، وعن رسوله (ص).\rفإن قال قائل: فإذ لا بد من مواقعة الاختلاف فكيف التخلص من هذا الذم\rالوارد في المختلفين، قيل له، وبالله تعالى التوفيق: قد علمنا الله تعالى الطريق في ذلك، ولم يدعنا في لبس وله الحمد، فقال تعالى: * (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه","part":5,"page":645},{"id":646,"text":"ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وقال تعالى: * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) * وقال تعالى: فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فإذا وردت الاقوال، فاتبع كلام الله تعالى، وكلام نبيه (ص) الذي هو بيان عما أمرنا الله تعالى به، وما أجمع عليه جميع المسلمين، فهذا هو صراط الله تعالى وحبله الذي إذا تمسكت به أخرجك من الفرقة المذمومة ومن الاختلاف المكروه إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر كما قال الله تعالى، وهذا هو الذي أجمع عليه جميع أهل الاسلام قديما وحديثا، فإن لم يكن قط مسلم إلا ومن عقده وقوله: إن كلام الله تعالى وكلام رسوله عليه السلام فرض قبوله، وأنه لا يحل لاحد معارضته بشئ من ذلك ولا مخالفته، وبقيت سائر الاقوال المأخوذة من تقليد فلان وفلان، ومن القياس، ومن الاستحسان، وهي الاختلاف المذموم الذي لا يحل اتباعه، فمن تركها فقد ترك الاختلاف، وأصحاب أولئك الاقوال كلها مأمورون بتركها والرجوع إلى حبل الله تعالى وصراطه، فإذا تركوها فقد تركوا الاختلاف والفرقة، ورجعوا إلى الفرض عليهم من الاتفاق اللازم، ولهذا قلنا بفسخ قضاء كل قاضي قضى به بخلاف النص، وسواء قال به طوائف من العلماء أو لا، قال الله عز وجل: * (ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ئ إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين) * فاستثنى تعالى من رحم من جملة المختلفين، وأخرج المرحومين من جملة المختلفين وعديدهم، ومن ظن أن قوله تعالى: * (ولذلك خلقهم أنه يعني وللرحمة خلقهم، وأرادوا بذلك استباحة الاختلاف، فهو في غاية الفساد ببرهانين ضروريين.\rأحدهما: أن الله تعالى استثنى من رحم فأخرجهم من جملة المختلفين، فلو أنه تعالى خلق المختلفين للرحمة لاستثنى المرحومين من أنفسهم، ولاخرجهم من جملة أنفسهم، وهذا باطل لا يجوز ومحال في الكلام لا يفهم.\rوالبرهان الثاني: أن المختلفين موجودون، وكل موجود عن حالة ما، فلا شك عند كل مسلم أنه تعالى إنما خلقه ليكون على تلك الحالة، وصح يقينا بلا مرية أنه الاختلاف الذي هم عليه بالعيان خلقهم، إلا أن يقول قائل: إن الضمير الذي في خلقهم وهو الهاء والميم راجع إلى من رحم، فيكون المراد حينئذ استثناء المرحومين","part":5,"page":646},{"id":647,"text":"من جملة المختلفين، وأن أولئك الذين اعتصموا بحبل الله تعالى للرحمة فهذا صحيح لا شك فيه، وذم الاختلاف وخروجه من الرحمة باق بحسبه، وممن قال بهذا من السلف الصالح عمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، كما كتب إلى المهلب، عن ابن مناس، عن ابن مسرور، عن يونس بن عبد الاعلى، أخبرني ابن وهب، أخبرني عبد الله بن يزيد، عن المسعودي قال: سمعت عمر بن عبد العزيز قرأ هذه الآية: * (ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) * قال: خلق أهل رحمته أن لا يختلفوا، قال ابن وهب: وسمعت مالكا يقول فيها: الذين رحمهم الله لم يختلفوا.\rقال أبو محمد: معنى قولنا الاختلاف في الدين غير جائز، إنما هو أن طاعة أمر الله تعالى وأمر رسوله (ص) لا يجوز خلافها البتة، وليس فيما جاء من عند الله تعالى على لسان رسوله (ص) تخالف، إنما هو محكم أو خاص من جملة مخصوصة منها، أو ناسخ ومنسوخ فقط، وإذ لا حق إلا فيما جاء من عند الله على لسان رسول الله (ص) فخلاف الحق لا يحل، هذا أمر لا يخفى صوابه على أحد، كما أن الثلاثة أكثر من الاثنين، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب السادس والعشرون\rفي أن الحق في واحد وسائر الاقوال كلها باطل قال أبو محمد علي بن أحمد: ذهبت طائفة إلى أن كل مجتهد مصيب، وأن كل مفت محق في فتياه على تضاده، واحتجوا بما روي عن عثمان رضي الله عنه إذ سئل عن الجمع بين الاختين بملك اليمين فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية.\rقال أبو محمد: ولا حجة لهم في ذلك لوجوه: أحدها: أن قول عثمان وقول كل أحد دون النبي (ص) لا يلزم قبوله إلا بموافقة نص قرآن أو سنة له أو إجماع.\rوالثاني: أن كل ما يأتي بعد هذا إن شاء الله عز وجل من البراهين في إثبات أن الحق في واحد مبطل لتأويلهم الفاسد، وهي دلائل كثيرة جمة.\rوالثالث أن عثمان لم يرد ما ذهبوا إليه من كون الشئ حراما حلالا معا في وقت واحد، على إنسان واحد، فهذا غاية المحال الممتنع، وإنما أراد أنه لم يلح له فيها حكم يقف عليه، لانه رأى قوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ورأى قوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الاختين) *.","part":5,"page":647},{"id":648,"text":"فلم يبن له أي الامرين تغلب، فأخبر عن ظاهر الآية الواحدة أنها قد تحتمل أن تكون محللة لهما مخصوصة من الاخرى، وأن ظاهر الثانية قد يحتمل أن يكون محرما لهما، مخصصا من الاخرى فوقف في ذلك، واحتجوا بقوله عليه السلام: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر.\rقال أبو محمد: وهذا من طريق ما احتج به من لا يعقل ولا يحل له الكلام في العلم، لان نص الحديث بكلامه (ص) أن المجتهد يخطئ، وإذا أخطأ فهذا قولنا لا قولهم، وليس مأجورا على خطأه، والخطأ لا يحل الاخذ به، ولكنه مأجور على اجتهاده الذي هو حق، لانه طلب للحق، وليس قول القائل برأيه اجتهادا، وأما خطأه فليس مأجورا عليه، لكنه مرفوع في الاثم بقوله تعالى: * (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * واحتجوا بالصواب في\rاختلاف القراءات وبالاشياء المباحات في الكفارات، وأنها كلها حق على اختلافها.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لان القراءات المختلفة ليست متنافية، ونحن لم ننكر الصواب فيما لا يتنافى ولا فيما أمر به تعالى، وإنما أنكرنا أن يكون قول القائل لحم السبع على غير المضطر حلال حقا، ويكون قال القائل لحم السبع على غير المضطر حرام حقا، فيكون الشئ حراما حلالا، طاعة معصية، مأمورا به منهيا عنه في وقت واحد، لانسان واحد، من وجه واحد، فهذا الذي نفينا وأبطلنا، وهذا لا يسع في عقل من له مسكة من عقل، لانه غاية الامتناع الذي لا يتشكل في النفس فضلا عن أن يطلق استعماله.\rواختلاف القراءات التي ذكروا مثل: * (بسم الله الرحمن الرحيم) * يقرأ بها بعض القراء في أوائل السور، ويسقطها بعضهم، فكل ذلك مباح، من أسقطها فقد أبيح له، ومن قرأها فقد أبيح له، وكذلك المخبر في كفارة الايمان هي العتق والاطعام والكسوة، فليس شئ من ذلك متنافيا، وأيها فعل المرء فقد فعل ما أبيح له، ولم يقل أحد إنه لو فعل الوجه الذي ترك لكان مخطئا، وهذا غير ما اختلفنا فيه، لانه قد تكون أشياء كثيرة مباحة، وغير ممكن أن يكون شئ واجبا تركه، وواجبا فعله على إنسان واحد في وقت واحد، وهذا فرق لا يشكل إلا على جاهل.\rواحتجوا أيضا بأن قالوا: قد روي أن النبي (ص) أمر أثر غزوة الخندق","part":5,"page":648},{"id":649,"text":"لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم العصر إذ دخل وقتها قبل أن يبلغوا بني قريظة، وقالوا: لم يرد منا هذا، وأخرها آخرون حتى صلوها في بني قريظة مع الليل، فبلغ ذلك النبي (ص) فلم يعنف إحدى الطائفتين.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لان المجتهد المخطئ لا يعنف، وكانت صلاة من صلى أمرا قد فات فلا وجه لتعنيفهم، ولكن الصواب بلا شك في\rفعل إحدى الطائفتين، ولو كنا معه ما صلينا العصر إلا في بني قريظة معه ولو نصف الليل، وقد ذكرنا أيضا الكلام في هذا الحديث في باب الكلام في الاوامر الواردة في القرآن والحديث، وحملها على ظاهرها وعلى الوجوب والفور في قرب آخر ذلك الباب قبل فصل ترجمته (كيفية ورود الاوامر).\rحدثنا النباتي، نا ابن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشني، نا بندار، ثنا ابن أبي عدي، ثنا شعبة عن طارق بن عبد الله، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل إلى النبي (ص) قال: إني أجنبت فلم أصل قال: أصبت، وأتاه رجل فقال: إني أجنبت فتيممت وصليت، فقال: أصبت.\rقال أبو محمد: وهذا كالاول سواء بسواء، لان كل مجتهد معذور ومأجور، لان الذي سأل أولا لم يكن عنده أمر التيمم بلا شك، ومن هذه صفته فحكمه أن لا يصلي أصلا وهو جنب حتى يتطهر، والثاني كان عالما بالتيمم فأدى فرضه كما يلزمه، وكان حكمهما مختلفا لا متفقا، وكلاهما أصاب وجه العمل فيما عليه بقدر علمه، ولم ننكر هذا، إنما أنكرنا أن يكون الشئ حقا باطلا من وجه واحد في وقت واحد.\rوقالوا: إن كان مخالفكم مخطئا ففسقوه كما يفسق الخوارج.\rقال أبو محمد: فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إننا لا نفسق الخوارج ولا غيرهم، ولكنا نقول: من قامت عليه الحجة بحديث لا معارض له، أو آية لا معارض لها، أو برهان ضروري فتمادى على قوله المخالف للحق، أو تناقض فاحتج في مكان مما لا يصح مثله في غير ذلك المكان، وبنى عليه ذلك فتمادى على قوله الفاسد في فتيا","part":5,"page":649},{"id":650,"text":"في شئ من الفقه، أو في اعتقاد فهو فاسق وكل ذلك سواء، وهذا ابن عباس يقول بتخليد القائل، فمن فسق القائلين بإنفاذ الوعيد فليبدأ بتفسيق ابن عباس، ومن\rفسق ابن عباس فهو والله الفاسق حقا، وابن عباس البر ابن البر، الفاضل ابن الفاضل، رضي الله عنهما.\rواحتجوا بما روي عن النبي (ص): أصحابي كالنجوم.\rقال أبو محمد: وقد تقدم إبطالنا لهذا الحديث، وبينا أنه كذب في باب ذم الاختلاف من كتابنا هذا فأغنى عن ترداده.\rواحتجوا باختلاف الصحابة، وأنهم لم ينقض بعضهم أحكام بعض ولا منعوا مخالفهم من الحكم بخلافهم.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لانهم قد أنكر بعضهم على بعض الاختلاف في الفتيا كإنكارهم غير ذلك، وقد قال ابن عباس: من شاء باهلته عند الحجر الاسود في العول في الفرائض، وفي تخليد القاتل.\rوقال: أما تخافون أن يخسف الله بكم الارض أقول لكم: قال رسول الله (ص) وتقولون قال أبو بكر، وعمر.\rوقال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله تعالى ؟ يقول: * (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) * فقلتم أنتم.\rلها نصف ما ترك وإن كان له ولد، وهذا ابن عمر يقول إذ أمر بالمتعة في الحج، فقيل له: أبوك نهى عنها فقال: أيهما أولى أن يتبع، كلام الله أو كلام عمر ؟.\rوهذا عمران بن الحصين يقول في نهي عمر عن المتعة في الحج: نزل بها القرآن وعملناها مع النبي (ص)، قال فيها رجل برأيه ما شاء.\rوهذا ابن الزبير يقول لابن عباس في متعة النساء: لئن فعلتها لارجمنك فجرب إن شئت.\rوهذا عمر قد فسخ بيع أمهات الاولاد وردهن حبالى من تستر، وفسخ فعل أبي بكر في استرقاق نساء المرتدين، وكان يضرب على الركعتين بعد العصر، وكان طلحة وأبو أيوب وعائشة يصلونهما، وتستر بها أبو أيوب وأبو طلحة مدة حياة عمر، فلما مات عاوداهما.\rوقال ابن مسعود إذ سمع فتيا أبي موسى الاشعري في ابنة وابنة وابن أخت، ثم قال عن ابن مسعود إنه سيوافقني في هذا، فقال ابن مسعود: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.\rفجعل الفتيا بالخطأ ضلالا وخلافا للهدى، وهذا أكثر من أن يحاط به إلا\rفي سفر ضخم جدا، فبطل ما احتجوا به من ذلك، وبالله تعالى التوفيق.","part":5,"page":650},{"id":651,"text":"واحتجوا بقوله عليه السلام: إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما سمع فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار أو كما قال عليه السلام.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، بل هو حجة عليهم، لان النبي (ص) فعل ما أمر به من الحكم الظاهر من البينة أو اليمين، وأخبر الناس أن ذلك لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، ولا يحيل شيئا عن وجهه، فلو كان حكم أحد من الحكام حقا، وإن كل ما خالفه حقا، لكان ذلك حكم النبي (ص) ولكان هذا بيان واضح في أن الحق في واحد، وأن ما خالفه خطأ، وحكم النبي (ص) في الظاهر بأن المال لزيد هو غير وجوب كون ذلك المال ملكا على الحقيقة لزيد، فهما شيئان متغايران.\rوإذا كانا كذلك فمن الممكن أن يكون أحدهما حقا والآخر باطلا، فبطل احتجاجهم بذلك في قول الحق في وجهين مختلفين، بل قد أخبر عليه السلام أن الحق حق، وأن حكمه لا يحيله عن وجهه، ولا يوجب إحلال المقضي به لغير صاحبه، فإن قالوا مشاغبين: أحكم رسول الله (ص) في ظاهر الامر بما نهى عن أخذه في الباطن حكم بحق أو حكم بباطل، فإن قلتم بباطل كفرتم، وإن قلتم بحق فهو قولنا، قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق: لا يحل لمسلم أن يظن أن النبي (ص) يحكم بباطل وهو يعلم أنه باطل، ومن أجاز هذا أو ظن جوازه فهو كافر حلال الدم والمال.\rولكن القول أنه (ص) ما حكم بشهادة الشهود واليمين إلا بحق مقطوع على أنه حق كما أمره الله عز وجل، وأمر المحكوم له بخلاف ما هو في باطنه حق بألا يأخذه.\rثم نقول: إنه قد صح يقينا أنه عليه السلام يحكم بما هو عنده حق فيوافق خلاف ما أمره الله تعالى به وهذا لا يسمى باطلا، ومن سمى هذا باطلا فهو كافر، وذلك\rنحو سلامه (ص) في الظهر أو العصر بالمدينة من ركعتين أو ثلاث، وإعراضه عن الاعمى فنزل في ذلك من القرآن ما نزل ورسول الله (ص) إنما قصد في كل ذلك ما هو حق عنده.\rولم يكن ذلك عند الله تعالى كذلك، فصح أن الحق في واحد ولا بد، فمن خالفه ناسيا أو هو يرى أنه حق، فليس آثما، ولكنه مأجور أجرا واحدا، ومن خالفه عامدا عالما فهو إما فاسق وإما كافر، إن كان خلافا للاسلام، وبالله تعالى التوفيق.","part":5,"page":651},{"id":652,"text":"ويسألون عن فقيهين، رأى أحدهما إباحة دم إنسان، ورأى الآخر تحريمه، ورأى أحدهما تارك الصلاة كافرا، ولم يره الآخر كافرا، ورأى أحدهما الساحر كافرا، ولم يره الآخر كافرا، فإن أطلقوا أن كل ذلك حق عند الله عز وجل لحقوا بالمجانين، وجعلوا إنسانا واحدا كافرا في جهنم مخلدا أبد الابد، مؤمنا في الجنة مخلدا أبد الابد، وهذا غاية الجنون، وليس هذا الباب من نوع ما أمرنا بإعطائه وحرم على الآخذ أخذه، فهذان حكمان على إنسانين مختلفين، كسائل سأل وهو غني فأعطاه المسؤول، فالمعطي محسن مأجور، والآخذ فاسق عاص آكل سحتا، وكذلك فادي الاسير ومعطي الرشوة في دفع مظلمة.\rوقد جاء النص بذلك في نهي النبي (ص) عن المسألة.\rوقالوا أيضا: ما تقولون فيمن صلى أربعا وشك أصلى ثلاثا أم أربعا، فأنتم تأمرونه بأن يصلي حتى يكون على يقين من أنه صلى أربعا، فقد أمرتموه بركعة خامسة، فأنتم قد أمرتموه بالخطأ.\rفالجواب وبالله تعالى التوفيق: إننا لم نأمره قط بأن يصلي خامسة، وإنما أمرناه أن يصلي أربعا لا أكثر، والخامسة التي زاد فيها هو فيها مخطئ بلا شك عند الله عز وجل.\rوما أمر بها قط وهو يدري أنها خامسة، ولكن أمر بها يقينا إذا لم يدر أنها خامسة والاثم عنه مرفوع فيها، ولسنا ننكر\rرفع المأثم، وإنما ننكر رفع الخطأ في الباطن، فلو لم يصل الخامسة وهو غير موقن بأنه صلى أربعا لكان مفسدا لصلاته، لانه لم يصل الخامسة التي أمر بصلاتها، ومن باب إقدامه على ترك إتمام صلاته قبل أن يوقن بتمامها، فهما شيئان متغايران دخل الغلط على من أراد مزجهما.\rوهكذا القول في الاجتهاد في القبلة إنما هو مأمور بمقابلة المسجد الحرام فقط، وغير مأمور بالصلاة إلى جهة غيرها، لكن الاثم عنه مرتفع إن وافق غيرها باجتهاده، وهو مخطئ وغير مأجور في ذلك، وإنما يؤجر على اجتهاده لا على ما أداه إليه الاجتهاد إلا أن يكون يؤديه إلى حق فحينئذ يؤجر أجرين أجرا على الطلب وأجرا على الاصابة، ولسنا نقول: إن كل مجتهد فهو مأمور بما أداه إليه اجتهاده بل هذا عين الخطأ، ولكنا نقول: كل مجتهد فهو مأمور بالاجتهاد","part":5,"page":652},{"id":653,"text":"وبإصابة الحق والاجتهاد فعل المجتهد وهو غير الشئ المطلوب، فإذا أمرنا بالطلب لا بالشئ الذي وجد ما لم يكن عين الحق، والاجتهاد كله حق وهو طلب الحق وإرادته، وإنما غلط من غلط، لانه توهم أن الاجتهاد هو فعل المجتهد للشئ الذي أداه إليه اجتهاده، فسقطوا سقوطا فاحشا.\rوقال تعالى: * (ليتفقهوا في الدين) * فأوجب تعالى التفقه وهو طلب الحقائق في واجبات الشريعة، وقال عليه السلام: أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا ففي هذا إيجاب إصابة الحق، وفي نهيه تعالى عن الكلام بغير علم إيجاب لاصابة الحق.\rحدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي، نا ابن مفرج، ثنا الصموت، ثنا البزار، وهو أحمد بن عمر بن عبد الخالق، نا الحسين بن مهدي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن يحيى بن سعيد الانصاري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي (ص) أنه قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران، وإن حكم فاجتهد\rفأخطأ فله أجر وقد شغب بعضهم في قوله (ص) في هذا الخبر، إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فقال: معناه فتخطى صاحب الحق.\rقال أبو محمد: وهذا عليهم لا لهم، لانه ليس إلا خطأ أو صواب، فإذا تخطى صاحب الحق فقد حصل في الخطأ ولم يأمر الله تعالى قط الحاكم بإصابة صاحب الحق لانه تكليف ما ليس في وسعه، إنما أمره بالحكم بالبينة العدلة عنده، أو اليمين أو بالاقرار أو بعلمه، فما حكم به من ذلك في موضعه فقد حكم بيقين الحق، أصاب صاحب الحق أو لم يصب، فإن قال قائل: بل تخطى الخطأ، قيل له هذا خروج عن المعقول، لانه إذا تخطى الخطأ، فقد أصاب، وإذا أصاب فمن الذي أعطي أجرا واحدا على صوابه، ومن الذي أعطي أجرين على صوابه، وهذا وسواس ورقة في الدين ودليل على فساد الاعتقاد، وقال بعضهم: لو كان الحق في واحد لكان ما خالفه ضلالا.\rقال أبو محمد: ونعم هو ضلال، ولكن ليس كل ضلال كفرا ولا فسقا إلا إذا كان عمدا وأما إذا كان عن غير قصد فالاثم مرفوع فيه كسائر الخطأ ولا فرق، وقال بعضهم: لو كان الحق في واحد لنص الله على ذلك نصا لا يحتمل التأويل.","part":5,"page":653},{"id":654,"text":"قال أبو محمد: فالجواب: أن الله تعالى قد فعل، والآيات التي تلونا في باب ذم الاختلاف من كتابنا هذا وهو قبل هذا الباب الذي نحن فيه، فإن تلك الآيات ناصة نصا جليا على أن الحق في واحد، وأن سائر الاقوال كلها فاسدة وخطأ، وأمره تعالى بالرد عند التنازع إلى القرآن والسنة بيان جلي أن القول الذي يشهد له النص هو الحق وهو من عند الله تعالى، وما عداه باطل ليس من عنده.\rوقد أخبر تعالى أن الاختلاف ليس من عنده عز وجل، فصح أن ما لم يكن من عنده تعالى فهو باطل فصح أن الحق في واحد ضرورة وبالله تعالى التوفيق، واحتج بعضهم\rفي ذلك بأن الحاكم مأمور بإنفاذ ما يشهد به الشاهدان العدلان عنده، وقد يشهدان على باطل فهو مأمور بما هو في الباطن باطل.\rقال أبو محمد: وهذا تمويه شديد، ونعم قد أمره الله بإنفاذه شهادة هذين الشاهدين اللذين يشهدان بالباطل، بل نهاه عن ردهما، لانه لا يدري أنهما فاسقان على الحقيقة أو مغفلان لا عدلان، ولكن لما لم يعلمهما كذلك رفع عنه الاثم في الباطن، وأمره بالحكم فهما في الظاهر، وليس يدخل بهذا في جملة المجتهدين، بل قد حكم بالحق المقطوع، على أن الله تعالى أمره بالحكم به، ولو رده لكان عاصيا لله تعالى، فهذا بمنزلة ما أمرنا به من فك الاسير ففكه بالمال فرض علينا، وأخذ العدو ذلك المال حرام عليه، وقد بين رسول الله (ص) هذا بقوله: فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فقد نهى النبي (ص) من علم الحقيق عن أن ينفذ بخلاف ما يدرك أنه حق، وسألت بعضهم فقلت له: ما تقول فيمن لقي أجنبية فظنها زوجته فوطئها أمصيب هو محق أم مخطئ ؟ فقال لي: ما حرمها الله قط عليه مع جهله بأنها أجنبية، فقلت له: لقد أقدمت على عظيمة في قولك، إن الله تعالى لم يحرم عليه الاجنبية مع بلوغ التحريم إليه وخرقت الاجماع والنص بكذبك في قوله تعالى: * (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) * وهذه ليست بزوجة له ولا ملك يمين فهو عاد مخطئ واطئ حرام إلا أن الاثم عنه ساقط لجهله فقط، وأيضا فإذا لم تكن حراما عليه فهي بلا شك حلال له إذ ليس في العالم إلا حلال أو حرام.","part":5,"page":654},{"id":655,"text":"وقال ابن عباس: ما بعث محمد (ص) إلا محرما ومحللا.\rقال ذلك لانسان سمعه يقول: إن النبي (ص) قال في الضب: لا أحله ولا أحرمه فقال له ابن عباس ما ذكرنا أو كلاما هذا معناه، فانقطع واحتج بعضهم باستخلاف أبي بكر\rعلى القضاء زيد بن ثابت، وهو مخالفه في أقضية كثيرة.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لاننا لا نقلد أبا بكر ولا غيره، وهم يخالفون أبا بكر في عدة قضايا بلا دليل، فلا ينكروا علينا خلافه حيث قام الدليل على خلاف قوله، وقال بعضهم: لو كان الله تعالى كلفنا إصابة الحق وإدراك الصواب لكان تعالى قد كلفنا ما لا نطيق.\rقال أبو محمد: وهذا تمويه ضعيف، وكذب القائل ما ذكرنا وما كلفنا عز وجل من ذلك إلا ما نطيق، لانه قد أدرك الصواب كثير من الناس ووجدوه وجودا صحيحا أيقنوا فيه أنهم محقون، وما أمكن بعضنا فهو لسائرنا ممكن وما توفيقنا إلا بالله تعالى، وقال بعضهم: لو كان الناس مكلفين عين الصواب لكان على من خالفه الاعادة لكل ما عمل بغير الحق.\rقال أبو محمد: أما ما كان من الشرائع مرتبطا بوقت محدود الاول والآخر، فلا إعادة على من تركه أصلا، إلا حيث جاء النص بإعادته، لانه لا سبيل إلى رجوع وقت تلك الشريعة، وهي لم نؤمر بها إلا في ذلك الوقت، فلا سبيل إلى أدائها، إذ لا سبيل إلى الوقت الذي لا تؤدى إلا فيه كالصلاة وما أشبهها، والصيام ونحوه فلا يقضي شيئا من ذلك لا جاهل ولا عامد ولا متأول، حاشى الناسي والنائم للصلاة، وحاشا المريض والمسافر والمتقيئ عمدا للصوم فقط، وأما ما كان مرتبطا بوقت محدود الاول غير محدود الآخر، أو كان غير مرتبط بوقت فهو مؤدى أبدا، ومعاد، ولا بد كإنسان جهل الزكاة في البر فبقي سنين مسلما مالكا لمقدار تجب فيه الزكاة منه، ثم علم بعد ذلك فعليه الزكاة للسنين الخالية، وكإنسان لم يعلم أن السلم في غير المكيل والموزون لا يجوز، فسلم سنين جمة في حيوان، أو فيما لا يكال ولا يوزن، ثم علم فعليه فسخ كل ما أخذ من ذلك ورده إلى أربابه، والحكم فيه كحكم الغاصب فيما بيده إذا تاب ولا فرق، وكإنسان أداه اجتهاده إلى أنه لا نفقة لموروثه\rوذي رحمه المحرمة عليه، فأقام كذلك عشرات سنين، ثم علم فهي دين عليه يؤديها","part":5,"page":655},{"id":656,"text":"إليهم أبدا، ويخرج من رأس ماله إن مات، وهكذا في كل شئ، وبالله تعالى التوفيق.\rوشغب بعضهم بأن العامي إذا اختلف عليه الفقهاء فإنه مخير في أقوالهم.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ، ولسنا نقول به، وقد بينا هذه المسألة في باب التقليد من كتابنا هذا، فأغنى عن إعادته، وموه بعضهم بأن قال: الميتة عين واحدة وهي حلال للمضطر حرام على غير المضطر.\rقال أبو محمد: وهذا عين الشغب والتمويه، لاننا لم ندفع نحن اختلاف حكم العين الواحدة على إنسانين متغايرين، أو في وقتين مختلفين، بل هذا لازم في كل عين، فمال زيد حلال لزيد حرام على عمرو، والاكل في شوال حلال للبالغين العقلاء وحرام عليهم في رمضان، وهكذا جميع الشرائع أولها عن آخرها.\rوهكذا كل أحد مرة تلزمه الصلاة إذا دخل وقتها، ومرة تحرم عليه قبل دخول وقتها، ومرة يحرم دم زيد، ومرة يحل، وإنما أنكرنا أن تكون الميتة حلالا لزيد حراما عليه في وقت واحد، وأن يكون البيع تاما قبل التفرق بالابدان، غير تام قبل التفرق بالابدان، والقصاص من القاتل واجبا حراما في وقت واحد، فمثل هذا الجنون أنكرنا لانه لا يصدقه ذو عقل، ولا من به طباخ، ولانه شئ لا يقدر عليه أحد، لانه يؤدي إلى الوسواس، وإلى أن يقال لزيد: إن فعلت هذا الفعل فأنت مأجور عليه وفي الجنة، وأنت آثم عليه وفي النار وفي وقت واحد، ولا سبيل إلى أن يكون أحد في النار وفي الجنة في وقت واحد، ولا أن يكون بفعل واحد عاصيا لله عز وجل بذلك الفعل مطيعا له في وقت واحد.\rفهذا الوسواس أبطلنا لا غيره مما يعقل، وقال بعضهم: لو كنا مكلفين إصابة الحق لكان تعالى قد نصب عليه دليلا من أصابه علم أنه أصابه، ومن أخطأه علم أنه أخطأه.\rقال أبو محمد: والجواب عن هذا: أن أوائل مذاهبنا كلها نحن نقول فيها بذلك، وأصل مذهبنا أن الاخذ بظاهر القرآن والحديث الصحيح حق، ونحن على يقين من أننا مصيبون في ذلك، وفي كل قول أدانا إليه أخذنا بظاهر القرآن والحديث الصحيح، وأن من خالفنا مخطئ عند الله عز وجل، ونحن على يقين من ذلك، لا نشك","part":5,"page":656},{"id":657,"text":"فيه ولا يكن خلافه، وإنما يخفى علينا الحق في بعض الجزئيات، مثل بناء حديثين بأعيانهما لا ندري أيهما الناسخ من المنسوخ، ولسنا ننكر خفاء الحق علينا في بعض هذه المواضع، وقد علم غيرنا بلا شك وجه الحق فيما خفي علينا كما علمناه نحن فيما خفي على غيرنا، ومن شاهد النبي (ص) وورود الاوامر منه علم اليقين فيما غاب عنا بلا شك.\rوقال بعضهم: قد يكون الانسان على مذهب يعضده ويقاتل عنه، ويعتقد الحق فيه ثم ينتقل إلى غيره.\rقال أبو محمد: لو قال هذا من يبطل الحقائق لكان أشبه بقوله، وهذا لا معنى له، لان كل من كان على مذهب ثم تركه لآخر فإنه لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما البتة، إما أن يكون على حق ثم دخلت عليه شبهة لم ينعم فيها النظر، ولا تقصي البرهان على شرائطه، فترك الحق للباطل، وأخطأ في ذلك، أو كان على مذهب لم يقم له على صحته برهان، وإنما اعتقده بشبهة لم يتقص فيها طرائق البرهان فتركه لشبهة أخرى دخلت عليه، فانتقل من باطل إلى مثله، أو تركه لشئ يقوم عليه برهان صحيح، فانتقل من باطل إلى حق فهو لا بد مغفل ضرورة ومخطئ بلا شك، ومضرب عن طلب البرهان الصحيح، إما أنه لم يبلغه، وإما لانه لم يتقصه ولا تأمله، فلا بد له من الخطأ كما قلنا إما في اعتقاده الاول الذي انتقل عنه، وإما في اعتقاده الثاني الذي انتقل إليه أو في كليهما.\rونحن لم ننف الخطأ عن الناس بل أثبتناه،\rوإنما نفينا التضاد على الحق، وأن ينتقل من حق غير منسوخ إلى حق مضاد لذلك الحق الذي انتقل عنه، فهذا هو المحال الذي لا سبيل إليه البتة.\rوقد بينا وجوه البراهين الصحاح الذي لا يصح شئ إلا بها، والبرهان الذي لا يكون أبدا إلا صحيحا، وبينا ما يظن أنه برهان وليس ببرهان في كتابنا الموسوم بالتقريب لحدود المنطق - وهو كتاب جليل المنفعة عظيم الفائدة، لا غنى لطالب الحقائق عنه - فمن أحب أثلج، وأن يقف على علم الحقائق فليقرأه.\rثم ليقرأ كلامنا في وجوه المعارف من كتابنا الموسم بكتاب الفصل، ثم ليقرأ كتابنا هذا فإنه يلوح له الحقائق دون إشكال، وبالله تعالى التوفيق، فإذا بطل كل ما شغبوا به بحمد الله، فلنقل في إقامة البرهان على إبطال قولهم الفاسد وبالله تعالى نعتصم.","part":5,"page":657},{"id":658,"text":"فمن ذلك أن القائلين بهذه المقالة إنما يقولون بها باتفاق منهم، حيث لا يوجد نص من قرآن أو سنة صحيحة على حسب اختلافهم في صفة ما يجب قبوله من السنن، وأما حيث يوجد نص قرآن أو سنة فلا يسع أحدا عندهم اجتهد في خلافها، بل هو مخطئ مخالفها عندهم.\rقال أبو محمد: فإذا كان هذا قولهم فقد كفينا بحمد الله تعالى مؤونتهم، لانه لا نازلة إلا وفيها نص موجود، ولو لم يكن كذلك لكان ذلك الحكم شرعا في الدين ليس من الدين، وهذا تناقض وموهوا أيضا بلفظه الاجتهاد فقالوا: هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد، وهذا مما لا يسوغ فيه الاجتهاد.\rقال أبو محمد: حقيقة الامر هي أنهم إن كانوا يعنون بالاجتهاد اجتهاد المرء نفسه في طلب حكم دينه في مظان وجوده - ولا مظان لوجود الدين إلا القرآن والسنن - فقد صدقوا، والاجتهاد المذكور فرض على كل أحد في كل شئ من الدين، فهو قولنا، وإن كانوا يعنون بالاجتهاد أن يقول برأيه ما أداه إليه ظنه،\rفهذا باطل لا يحل أصلا في شئ من الدين، وإيقاع لفظه الاجتهاد على هذا المعنى باطل في الديانة وباطل في اللغة، وتحريف للكلم عن مواضعه، ونعوذ بالله من هذا ومما يبطل قولهم - وإن كان فيما أوردنا كفاية - أنهم يقولون: إن كل قائل مجتهد فهو حق محق مصيب، ونحن نقول: إنهم في قولهم هذا مخطئون عند الله عز وجل بلا شك، وإنهم فيه على باطل، فإذا حكموا لنا بالصواب والصدق في قولنا، فقد أقروا ببطلان قولهم، لاننا محقون في قولنا أنهم مخطئون بإقرارهم، وفي هذا كفاية لمن عقل، ويقال لهم أفي المتكلمين في الفتيا أحد أخطأ أم لا ؟ فإن قالوا لا، كابروا لان الحس يشهد بأن الخطأ موجود، وإن قالوا نعم، تركوا قولهم الفاسد إن كل مجتهد مصيب، ويسألون عن نهيه تعالى عن التفرق أنهي عن حق أم عن باطل ؟ فإن قالوا: عن حق كفروا.\rوإن قالوا: نهي عن باطل، تركوا قولهم الفاسد، وكل آية تلوناها في باب ذم الاختلاف من كتابنا هذا فهي مبطلة لقولهم الفاسد في هذا الباب وبالله تعالى التوفيق.\rومن ذلك قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) * فلم يطلق لنا تعالى البقاء على التنازع وأمرنا بالرد","part":5,"page":658},{"id":659,"text":"إلى النص والاخذ به، وأيضا فإن الدين ليس موكولا إلى ما أراد القائلون أن يقولوه وقائل هذا كافر، وإنما الدين مردود إلى نص إجماع، فمن خالف الوجه في ذلك فهو مخطئ.\rوأيضا فإن الله تعالى يقول: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها) * وليس في الوسع أن يعتقد أحد كون شئ واحد حراما حلالا في وقت واحد على إنسان واحد، ولا أن الدين ينتقل حكمه من تحليل إلى تحريم إذا حرم الشئ مفت ما وحلله مفت آخر.\rوأيضا فإن المفتي ليس له أن يشرع، ولا أن يحلل ولا أن يحرم، وإنما عليه أن\rيخبر عن الله تعالى بحكمه في هذه النازلة، ومن المحال أن يكون حكم الله تعالى فيها غير مستقر، إما بتحليل، وإما بتحريم، وإما بوجوب.\rقوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * مبين أن الحكم قد استقر في كل نازلة، إما بتحريم، وإما بتحليل، وإما بإيجاب، ومن حلل وحرم باختلاف الفقهاء، فقد أقر أنهم يحرمون ويحللون ويوجبون، فهذا كفر ممن اعتقده، وقوله تعالى: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) * مبطل لقول من قال: إن الشئ يكون حراما حلالا باختلاف الفقهاء فيه، ومخبر أن قائل ذلك كاذب، وأنه ما حرم الله تعالى فهو حرام لا حلال، وما أحله تعالى فهو حلال لا حرام، وكذلك القول فيما أوجب تعالى.\rوقال (ص): إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فلو لم يكن علينا إصابة الحق، وكنا لا يلزمنا شئ إلا الاجتهاد فقط - لكان كل أحد من الناس عالما بحكم تلك المشتبهات، بل كانوا ناقلين بأقوالهم للحرام البين إلى التحليل، وللحلال البين إلى التحريم وهذا كفر وتكذيب للنبي (ص).\rفصح لما ذكرنا أن من لم يعلم تلك المشتبهات فقد جهلها، ومن جهلها فقد أخطأها ولم يصب الحق فيها، وصح أن القائل في الحرام: أنه حلال أو في الحلال أنه حرام مخطئ بيقين لا شك فيه، وبالله تعالى التوفيق.\rويلزم من قال: إن كل قائل مجتهد مصيب - أن يقول: إن من قال: إن المتأولين كفار أن يكون محقا صادقا، وأن يقول: إن من قال إنهم مؤمنون فساق","part":5,"page":659},{"id":660,"text":"أن يكون محقا صادقا، وأن يقول: إن من قال إنهم مؤمنون غير فساق أن يكون محقا صادقا، فيلزم من هذا أن يكون الرجل كافرا مؤمنا فاسقا فاضلا في وقت واحد، وهذا لا يقوله من يقذف بالحجارة.\rويلزم من هذا أن يكون المرء في الجنة مخلدا، وفي النار مخلدا في وقت واحد، لان الكافر مخلد في النار، والمؤمن مخلد في الجنة، فإذا كان المرء كافرا بقول من قال فيه إنه كافر، ومؤمنا بقول من قال فيه إنه مؤمن فهو في الجنة وفي النار في وقت واحد، وهذا ما لا يقوله إلا موسوس، وكل ذلك قد قال به فضلاء أئمة من أهل العلم يعني تكفير أهل الاهواء، وإبطال تكفيرهم من الصحابة والتابعين إلى هلم جرا، ويكفي من هذا أن تعالى قد نص على أن سبيله واحدة، وأن سائر السبل متفرقة عن سبيله.\rوقد نص النبي (ص) على تخطئة جماعة من الصحابة رضي الله عنهم من المجتهدين كتخطئته عليه السلام أبا بكر في تفسيره للرؤيا، وعمر في قوله في هجرة المهاجرين إلى الحبشة، وأسيد بن الحضير في قوله: بطل جهاد عامر ابن الاكوع، وسائر الفتاوى التي أخطؤوا فيها، كأبي السنابل في وضعه على الحامل المتوفى عنها زوجها آخر الاجلين، ومثل هذا كثير: وبالله تعالى التوفيق.\rحدثنا محمد بن سعيد، نا أحمد بن عبد البصير، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشتي، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خالد بن سعد قال: دخل أبو مسعود على حذيفة فقال: اعهد إلي، قال: ألم يأتك اليقين ؟ قال: بلى فإن الضلالة كل الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر أو تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله أو في أمر الله، فإن دين الله واحد، فبين حذيفة ووافقه أبو مسعود رضي الله عنهما، وهذا نص قولنا، والذي لا يجوز غيره، وهو ما استقر عليه الامر إذا مات النبي (ص) وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.","part":5,"page":660},{"id":661,"text":"الباب السابع والعشرون في الشذوذ\rقال أبو محمد: الشذوذ في اللغة - التي خوطبنا بها - هو الخروج عن الجملة، وهذه اللفظة في الشريعة موضوعة باتفاق على معنى ما، واختلف الناس في ذلك المعنى.\rفقالت طائفة: الشذوذ هو مفارقة الواحد من العلماء سائرهم، وهذا قول قد بينا بطلانه في باب الكلام في الاجماع من كتابنا هذا، والحمد لله رب العالمين، وذلك أن الواحد إذا خالف الجمهور إلى حق فهو محمود ممدوح، والشذوذ مذموم بإجماع، فمحال أن يكون المرء محمودا مذموما من وجه واحد، في وقت واحد، وممتنع أن يوجب شئ واحد الحمد والذم معا في وقت واحد، من وجه واحد، وهذا برهان ضروري، وقد خالف جميع الصحابة رضي الله عنهم أبا بكر في حرب أهل الردة، فكانوا في حين خلافهم مخطئين كلهم، فكان هو وحده المصيب، فبطل القول المذكور.\rوقالت طائفة: الشذوذ هو أن يجمع العلماء على أمر ما، ثم يخرج رجل منهم عن ذلك القول الذي جامعهم عليه، وهذا قول أبي سليمان وجمهور أصحابنا، وهذا المعنى لو وجد نوع من أنواع الشذوذ، وليس حدا للشذوذ ولا رسما له، وهذا الذي ذكروا - لو وجد - شذوذ وكفر معا لما قد بينا في باب الكلام في الاجماع، أن من فارق الاجماع وهو يوقن أنه إجماع فقد كفر، مع دخول ما ذكر في الامتناع والمحال، وليت شعري متى تيقنا إجماع جميع العلماء كلهم في مجلس واحد فيتفقون، ثم يخالفهم واحد منهم، والذي نقول به - وبالله تعالى التوفيق: إن حد الشذوذ هو مخالفة الحق، فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ، وسواء كانوا أهل الارض كلهم بأسرهم أو بعضهم، والجماعة والجملة هم أهل الحق، ولو لم يكن في الارض منهم إلا واحد فهو الجماعة وهو الجملة، وقد أسلم أبو بكر","part":5,"page":661},{"id":662,"text":"وخديجة رضي الله عنهما فقط، فكانا هم الجماعة، وكان سائر أهل الارض\r- غيرهما وغير رسول الله (ص) - أهل الشذوذ، وفرقة وهذا الذي قلنا، لا خلاف فيه بين العلماء، وكل من خالف فهو راجع إليه ومقربه شاء أو أبى، والحق هو الاصل الذي قامت السموات والارض به قال الله تعالى: * (وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما إلا بالحق) * فإذا كان الحق هو الاصل فالباطل خروج عنه، وشذوذ منه فلما لم يجز أن يكون الحق شذوذا.\rوليس إلا حق أو باطل صح أن الشذوذ هو الباطل، وهذا تقسيم أوله ضروري وبرهان قاطع كاف ولله الحمد.\rويسأل من قال: إن الشذوذ هو مفارقة الواحد للجماعة: ما تقول في خلاف الاثنين للجماعة ؟ فإن قال: هو شذوذ، سئل عن خلاف الثلاثة للجماعة، ثم يزاد واحدا واحدا هكذا أبدا، فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يجد عددا ما بأنه شذوذ، وإن ما زاد عليه ليس شذوذا، فيأتي بكلام فاسد لا دليل عليه، فيصير شاذا على الحقيقة، أو يتمادى حتى يخرج عن المعقول وعن إجماع الامة فيصير شاذا على الحقيقة أيضا، ولا بد له من ذلك، وبالله تعالى التوفيق.\rفكل من أداه البرهان من النص أو الاجماع المتيقن إلى قول ما، ولم يعرف أحد قبله قال بذلك القول، ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان، ومن خالفه فقد خالف الحق، ومن خالف الحق فقد عصى الله تعالى، قال تعالى: * (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * ولم يشترط تعالى في ذلك أن يقول به قائل قبل القائل به، بل أنكر تعالى ذلك على من قاله، إذ يقول عز وجل حاكيا عن الكفار منكرا عليهم أنهم قالوا: * (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق) *.\rقال أبو محمد: ومن خالف هذا فقد أنكر على جميع التابعين، وجميع الفقهاء بعدهم، لان المسائل التي تكلم فيها الصحابة رضي الله عنهم من الاعتقاد أو الفتيا فكلها محصور مضبوط، معروف عند أهل النقل من ثقات المحدثين وعلمائهم، فكل مسألة لم يرو فيها قول عن صاحب، لكن عن تابع فمن بعده، فإن ذلك التابع\rقال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله بلا شك، وكذلك كل مسألة لم يحفظ فيها قول عن صاحب ولا تابع، وتكلم فيها الفقهاء بعدهم فإن ذلك الفقيه قد قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله، ومن ثقف هذا الباب فإنه يجد لابي حنيفة","part":5,"page":662},{"id":663,"text":"ومالك والشافعي أزيد من عشرة آلاف مسألة لم يقل فيها أحد قبلهم بما قالوه، فكيف يسوغ هؤلاء الجهال للتابعين، ثم لمن بعدهم أن يقولوا قولا لم يقله أحد قبلهم، ويحرم ذلك على من بعدهم إلينا، ثم إلى يوم القيامة فهذا من قائله دعوى بلا برهان وتخرص في الدين، وخلاف الاجماع على جواز ذلك لمن ذكرنا، فالامر كما ذكرنا، فمن أراد الوقوف على ما ذكرنا فليضبط كل مسألة جاءت عن أحد من الصحابة، فهم أول هذه الامة، ثم ليضرب بيده إلى كل مسألة خرجت عن تلك المسائل، فإن المفتي فيها قائل بقول لم يقله أحد قبله، إلا أن بيننا نحن وبين غيرنا فرقا، وهو أننا لا نقول في مسألة قولا أصلا إلا وقد قاله تعالى في القرآن أو رسوله عليه السلام فيما صح عنه، وكفى بذلك أنسا وحقا.\rوأما من خالفنا فإن أكثر كلامه فيما لم يسبق إليه، فمن رأيه، وكفى بهذا وحشة.\rوالحمد لله رب العالمين كثيرا وصلى الله على محمد خاتم النبيين وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rالباب الثامن والعشرون في تسمية الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا وتسمية الفقهاء المذكورين في الاختلاف بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم قال أبو محمد: أما الصحابة رضي الله عنهم فهو كل من جالس النبي (ص) ولو ساعة، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه عليه السلام أمرا يعيه، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم، واشتهر حتى ماتوا على ذلك، ولا مثل من نفاه عليه السلام باستحقاقه كهيت المخنث ومن جرى مجراه، فمن كان كما وصفنا\rأولا فهو صاحب، وكلهم عدل إمام فاضل رضي، فرض علينا توقيرهم وتعظيمهم، وأن نستغفر لهم ونحبهم، وتمرة يتصدق بها أحدهم أفضل من صدقة أحدنا بما يملك، وجلسة من الواحد منهم مع النبي (ص) أفضل من عبادة أحدنا دهره كله، وسواء كان من ذكرنا على عهده عليه السلام صغيرا أو بالغا، فقد كان النعمان بن بشير، وعبد الله بن الزبير، والحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنهم أجمعين من أبناء العشر فأقل إذ مات النبي (ص).\rوأما الحسين فكان حينئذ","part":5,"page":663},{"id":664,"text":"ابن ست سنين إذ مات الرسول (ص)، وكان محمود بن الربيع ابن خمس سنين إذ مات النبي (ص) وهو يعقل مجة مجها النبي (ص) في وجهه من ماء بئر دارهم وكلهم معدودون في خيار الصحابة، مقبولون فيما رووا عنه عليه السلام أتم القبول، وسواء في ذلك الرجال والنساء والعبيد والاحرار.\rوأما من أدرك رسول الله (ص) بعقله وسنه، إلا أنه لم يلقه فليس من الصحابة ولكنه من التابعين، وكأبي عثمان النهدي، وأبي رجاء العطاردي، وشريح بن الحارث القاضي، وعلقمة، والاسود، ومسروق، وقيس بن أبي حازم، والرحيل الجعفي، ونباتة الجعفي، وعمرو بن ميمون، وسلمان بن ربيعة الباهلي، وزيد بن صوحان، وأبي مريم الحنفي، وكعب بن سور، وعمرو بن يثربي وغيرهم، وأعداد لا يحصهم إلا خالقهم عز وجل، ومن هؤلاء من أفتى أيام عمر بن الخطاب وقضى بين الناس زمن عمر وعثمان.\rوأما من ارتد بعد النبي (ص) وبعد أن لقيه وأسلم، ثم راجع الاسلام وحسنت حاله كالاشعث بن قيس، وعمرو بن معدي كرب، وغيرهما، فصحبته له معدودة، وهو بلا شك من جملة الصحابة لقول رسول الله (ص): أسلمت على ما سلف لك من خير وكلهم عدول فاضل من أهل الجنة، قال الله تعالى: * (محمد رسول الله\rوالذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) * وقال تعالى: * (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير) * وقال تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ئ لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون ئ لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) *.\rقال أبو محمد: هذه مواعيد الله تعالى، ووعد الله مضمون تمامه، وكلهم ممن مات مؤمنا قد آمن وعمل الصالحات، وقال رسول الله (ص): دعوا لي أصحابي،","part":5,"page":664},{"id":665,"text":"فلو كان لاحدكم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وقد قال قوم: إنه لا يكون صاحبا من رأى النبي (ص) مرة واحدة لكن من تكررت صحبه.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ بيقين لانه قول بلا برهان، ثم نسأل قائله عن حد التكرار الذي ذكر، وعن مدة الزمان الذي اشترط، فإن حد في ذلك حدا كان زائدا في التحكم بالباطل، وإن لم يجد في ذلك حدا كان قائلا بما لا علم له به، وكفى بهذا ضلالا، وبرهان بطلان قوله أيضا، إن اسم الصحبة في اللغة إنما هو لمن ضمته مع آخر حالة ما، فإنه قد صحبه فيها، فلما كان من رأى النبي (ص) وهو غير منابذ له ولا جاحد لنبوته قد صحبه في ذلك الوقت، وجب أن يسمى صاحبا، وأما التابعون ومن بعدهم فإنما لنا ظواهر أحوالهم، إذ لا شهادة من الله تعالى لاحد\rمنهم بالنجاة، وليس كل التابعين فمن بعدهم عدلا، فإنما يراعى أحوالهم، فمن ظهر منه الفضل والعلم فهو مقبول النقل.\rقال أبو محمد: وقد غزا رسول الله (ص) هوازن بحنين في اثني عشر ألف مقاتل كلهم يقع عليهم اسم الصحبة، ثم غزا تبوك في أكثر من ذلك، ووفد عليه جميع البطون من جميع قبائل العرب وكلهم صاحب، وعددهم بلا شك يبلغ أزيد من ثلاثين ألف إنسان ووفد عليه (ص) وفود الجن فأسلموا وصح لهم اسم الصحبة، وأخذوا عنه (ص) القرآن وشرائع الاسلام وكل من ذكرنا ممن لقي النبي (ص) وأخذ عنه، فكل امرئ منهم، إنسهم وجنهم، فلا شك أفتى أهله وجيرانه وقومه.\rهذا أمر يعلم ضرورة ثم لم ترو الفتيا في العبادا ت والاحكام إلا عن مائة ونيف وثلاثين منهم فقط من رجل وامرأة بعد التقصي الشديد، فكيف يسع من له رمق من عقل، أو مسكة من دين وشعبة من حياء أن يدعي عليهم الاجماع فيما لا يوقن أن جميعهم قال به وعلمه، لا سيما وإنما ننازعهم في دعوى الاجماع عليهم في الخطأ المخالف لكلام الله عز وجل في القرآن، والثابت عن رسول الله (ص) فهذا هو العجب وفيما ذكرنا يقين العلم بكذب من ادعى الاجماع على ما يمكن أن يخفى من أحكام القرآن والسنن فكيف على خلاف القرآن والسنن.\rقال أبو محمد: وهذا حين نذكر إن شاء الله تعالى اسم كل من روى عن مسألة","part":5,"page":665},{"id":666,"text":"فما فوقها من الفتيا من الصحابة رضي الله عنهم وما فات منهم إن كان فات إلا يسير جدا ممن لم يرو عنه أيضا إلا مسألة واحدة أو مسألتان وبالله تعالى التوفيق.\rالمكثرون من الصحابة رضي الله عنهم فيما روي عنهم من الفتيا عائشة أم المؤمنين، عمر بن الخطاب، ابنه عبد الله، علي بن أبي طالب، عبد الله ابن العباس، عبد الله بن مسعود، زيد بن ثابت، فهم سبعة يمكن أن يجمع من فتيا\rكل واحد منهم سفر صخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن العباس في عشرين كتابا، وأبو بكر المذكور أحد أئمة الاسلام في العلم والحديث.\rوالمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا رضي الله عنهم أم سلمة أم المؤمنين، أنس بن مالك، أبو سعيد الخدري، أبو هريرة، عثمان ابن عفان، عبد الله بن عمرو بن العاص، عبد الله بن الزبير، أبو موسى الاشعري، سعد بن أبي وقاص، سلمان الفارسي، جابر بن عبد الله، معاذ بن جبل، وأبو بكر الصديق.\rفهم ثلاثة عشر فقط.\rيمكن أن يجمع من فتيا كل امرئ منهم جزء صغير جدا ويضاف أيضا إليهم طلحة، الزبير، عبد الرحمن بن عوف، عمران ابن الحصين، أبو بكرة، عبادة بن الصامت، معاوية بن أبي سفيان.\rوالباقون منهم رضي الله عنهم مقلون في الفتيا لا يروي الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك فقط يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والبحث وهم رضي الله عنهم أبو الدرداء، أبو اليسر، أبو سلمة المخزومي، أبو عبيدة بن الجراح، سعيد بن زيد، الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، النعمان بن بشير، أبو مسعود، أبي بن كعب، أبو أيوب، أبو طلحة، أبو ذر، أم عطية، صفية أم المؤمنين، حفصة أم المؤمنين، أم حبيبة أم المؤمنين، أسامة بن زيد، جعفر بن أبي طالب، البراء بن عازب، قرظة بن كعب، أبو عبد الله البصري، نافع أخو أبي بكرة لامه، المقداد بن الاسود، أبو السنابل بن بعكك، الجارود العبدي، ليلى بنت قائف، أبو محذورة، أبو شريح الكعبي، أبو برزة الاسلمي، أسماء بنت أبي بكر، أم شريك الحولاء بنت تويت، أسيد بن الحضير، الضحاك بن قيس، حبيب بن","part":5,"page":666},{"id":667,"text":"مسلمة، عبد الله بن أنيس، حذيفة بن اليمان، ثمامة بن أثال.\rعمار بن ياسر، عمرو ابن العاص، أبو الغادية الجهني السلمي، أم الدرداء الكبرى، الضحاك بن خليفة المازني، الحكم بن عمرو الغفاري، وابصة بن معبد الاسدي، عبد الله بن جعفر، عوف بن مالك، عدي بن حاتم، عبد الله بن أبي أوفى.\rعبد الله بن سلام، عمرو ابن عبسة، عتاب بن أسيد، عثمان بن أبي العاص، عبد الله بن سرجس، عبد الله ابن رواحة، عقيل بن أبي طالب، عائذ بن عمرو، أبو قتادة، عبد الله بن معمر العدوي، عمير بن سعد، عبد الله بن أبي بكر الصديق، عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عاتكة بنت زيد بن عمرو، عبد الله بن عوف الزهري، سعد بن معاذ، أبو منيب، سعد بن عبادة، قيس بن سعد، عبد الرحمن بن سهل، سمرة بن جندب، سهل بن سعد الساعدي، معاوية بن مقرن، سويد بن مقرن، معاوية بن الحكم، سهلة بنت سهيل، أبو حذيفة بن عتبة، سلمة بن الاكوع، زيد بن أرقم، جرير بن عبد الله البجلي، جابر بن سمرة، جويرية أم المؤمنين، حسان بن ثابت، حبيب بن عدي، قدامة بن مظعون، عثمان بن مظعون، ميمونة أم المؤمنين، مالك بن الحويرث، أبو أمامة الباهلي، محمد بن مسلمة، خباب بن الارت، خالد بن الوليد، ضمرة بن العيص، طارق بن شهاب، ظهير بن رافع، رافع بن خديج، فاطمة بنت رسول الله (ص)، فاطمة بنت قيس، هشام بن حكيم بن حزام، أبوه حكم بن حزام، شرحبيل بن السمط، أم سليم دحية بن خليفة الكلبي، ثابت بن قيس بن الشماس، ثوبان مولى رسول الله (ص) سرق، المغيرة بن شعبة، بريدة بن الحصيب الاسلمي، رويفع بن ثابت، أو حميدة، أو أسيد، فضالة بن عبيد، رجل يعرف بأبي محمد روينا عنه وجوب الوتر (هو من الانصار اسمه مسعود بن أوس نجاري بدري) زينب بنت أم المؤمنين، أم سلمة، عتبة بن مسعود، بلال المؤذن، مكرز، عرفة بن الحارث، سيار بن روح أو روح بن سيار، أبو سعيد بن المعلى،\rالعباس بن عبد المطلب، بسر بن أبي أرطاة، ويقال بسرة بن أرطاة صهيب بن سنان، أم أيمن، أم يوسف، ماعز، الغامدية.\rفهم ثناح 1 (2).","part":5,"page":667},{"id":668,"text":"وأما فقهاء التابعين الذين روي عنهم الفتيا فمن بعدهم فنحن إن شاء الله تعالى نذكر من عرف منهم على البلاد المشهورة في صدر الاسلام خاصة، وأما بعد ذلك فلا يحصيهم إلا الله عز وجل.\rمكة أعزها الله عطاء بن رباح مولى أم كرز الخزاعية، طاوس بن كيسان الفارسي، والاسود والد عثمان بن الاسود، مجاهد بن جبر، عبيد بن عمر الليثي، ابنه عبد الله بن عبيد، عمرو بن دينار، عبد الله بن أبي مليكة، عبد الله بن سابط، عكرمة مولى ابن عباس وهؤلاء من أصحاب ابن عباس رضي الله عنهم، وقد أخذوا أيضا عن ابن عمر، وأم المؤمنين عائشة، وعلي جابر، ثم أبو الزبير المكي، وعبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وعبد الله بن طاوس، ثم بعدهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح، سفيان بن عيينة وكان أكثر فتياه في المناسك، وكان يتوقف في الطلاق وبعدهم مسلم بن خالد الزنجي، سعيد بن سالم القداح، وبعدهما محمد بن إدريس الشافعي، ثم ابن عمه إبراهيم بن محمد الشافعي، أبو بكر عبد الله، ابن الزبير الحميدي، أبو الوليد موسى بن أبي الجارود، ثم أبو بكر بن أبي مسرة، ثم غلب عليهم تقليد الشافعي إلا من لا نقف الآن على اسمه منهم.\rالمدينة أعزها الله وحرسها سعيد بن المسيب المخزومي، وكان على بنت أبي هريرة وأخذ عنه كثيرا وعن سعد بن أبي وقاص وغيره، عروة بن الزبير بن العوام، القسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأخذ عن عائشة أم المؤمنين، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود\rالهذلي وأخذ عن ابن عباس، خارجة بن زيد بن ثابت وأخذ عن أبيه أبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، سليمان بن يسار، أخذ عن أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة وعن غيرهما من الصحابة، وهؤلاء هم الفقهاء السبعة المشهورون في المدينة.\rوكان من أهل الفتيا أيضا فيها أبان بن عثمان بن عفان، وأخذ عن أبيه، عبد الله، وسالم ابنا عبد الله بن عمر، أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب،","part":5,"page":668},{"id":669,"text":"ابنه محمد وأخذ عن جابر أبو بكر بن سليمان أبي خيثمة العدوي عدي قريش، نافع مولى ابن عمر، روينا عنه نحو عشر مسائل من فتياه، عمرة بنت عبد الرحمن ابن سعد بن زرارة أخي أبي أمامة، أسعد بن زرارة رضي الله عنه، وذكر سفيان أنها كانت تستفتى في البيوع وأخذت عن عائشة وعن الصواحب الانصاريات، ومروان بن الحكم قبل أن يقوم بالشام، وكان دون هؤلاء، وبعدهم أبو بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم وابناه محمد وعبد الله، عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وابنه محمد، عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية وهو محمد بن علي بن أبي طالب، جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق، مصعب بن محمد بن شرحبيل العبدري، محمد بن المنكدر التيمي، محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.\rوقد جمع محمد بن أحمد بن مفرج فتاويه في ثلاثة أسفار ضخمة على أبواب الفقه - عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، يحيى بن سعيد بن قيس الانصاري، أبو الزناد عبد الله بن يزيد بن هرمز، عمر بن حسين، سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - ربيعة بن أبي عبد الرحمن مولى بن تميم من قريش - وهو ربيعة الرأي - العباس بن عبد الله\rابن معبد بن العباس بن عبد المطلب، عبد الرحمن بن حرملة الاسلمي، زيد بن أسلم، عثمان بن عروة بن الزبير، صفوان بن سليم، إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد ابن العاص الاموي.\rثم كان بعد هؤلاء عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ابن الخطاب، محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب القرشي العامري، محمد بن إسحاق، مالك بن أنس، عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ولي قضاء المدينة، وبفتياه ضرب جعفر بن سليمان بن علي ابن عبد الله بن العباس مالك بن أنس، وبعدهم أصحاب مالك: كعبد العزيز بن أبي حازم والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، المخزومي، ومحمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة وله ديوان كبير جدا سماعه من مالك، وعبد الله بن نافع الاعور الصائغ، وعبد الملك ابن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ومطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان ابن يسار، وأبو مصعب أحمد بن بكر الحارث بن أبي زرارة بن المصعب بن عبد الرحمن","part":5,"page":669},{"id":670,"text":"ابن عوف الزهري، وهو آخر من بقي من الفقهاء المشاهير بالمدينة، ومات سنة اثنتين وأربعين ومائتين أيام المتوكل، وولي قضاء المدينة، وقل العلم بها بعد ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.\rفقهاء البصرة بعد الصحابة رضي الله عنهم عمرو بن سلمة الجرمي، وأدرك النبي (ص) ولابيه صحبة، أبو مريم الحنفي، كعب بن سور، عمرو بن يثربي، والحسن بن أبي الحسن وأدرك خمسمائة من الصحابة.\rوقد جمع بعض الفقهاء فتياه في سبعة أسفار ضخمة، جابر بن زيد أبو الشعثاء، أخذ عن ابن عباس، محمد بن سيرين، يحيى بن يعمر أبو قلابة عبد الله ابن زيد الجرمي، مسلم بن يسار، أبو العالية الرياحي مولى بكر بن عبد الله المزني،\rصليبة حميد بن عبد الرحمن، مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي، زرارة ابن أوفى، أبو بردة بن أبي موسى الاشعري، معبد بن عبد الله، عكيم الجهني، عبد الملك بن يعلى الليثي القاضي، بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري، وهؤلاء لقوا أكابر الصحابة رضي الله عنهم.\rثم كان بعدهم: أيوب بن كيسان السختياني، سليمان بن طرخان التيمي مولى يونس بن عبيد، عبد الله بن عون، خالد بن أبي عمران، القاسم بن ربيعة، أشعث بن عبد الملك الحمراني، حفص بن سليمان المنقري، قتادة بن دعامة السدوسي، إياس بن معاوية القاضي.\rوبعدهم: سوار بن عبد الملك القاضي العنبري، أبو بكر العتكي، عثمان بن مسلم البتي، طلحة بن إياس القاضي، عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي، أشعث بن جابر، عمرو بن عبيد، ثم كان بعد هؤلاء: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، سعيد بن أبي عروبة، حماد بن سلمة، حماد بن زيد، عبد الله بن داود الخريبي، إسماعيل بن علية، بشر بن المفضل بن لاحق، معاذ بن معاذ العنبري، أبو عاصم الضحاك بن مخلد، معمر بن راشد، قريش بن أنس، عبيد الله بن معاذ، محمد بن عبد الله الانصاري، كلثوم بن كلثوم.","part":5,"page":670},{"id":671,"text":"ثم دخل عندهم رأي أبي حنيفة بيوسف بن خالد وغيره، ورأى مالك بأحمد بن المعذل إلا قليلا ممن لم يبلغنا أمره.\rوممن بلغنا ذكره كسليمان بن حرب الواشجي فإنه كان جاريا على السنن الاولى في فتياه، وإبراهيم بن علية، ويحيى بن أكثم القاضي، وعبد السلام بن عمر، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وخالد بن الحارث الهجيمي، وعبد الوارث بن سعيد التنوري، وشعبة بن الحجاج.\rونظرائهم من أئمة المحدثين ممن لا شك في سعة علمه بالسنن والآثار عن الصحابة وفي أنه كان لا يقلد أحدا في دينه.\rفهم معدودون فيمن ذكرنا ولكن فتاويهم قليلة جدا، وإنما كانوا يعولون في فتياهم على ما رووا من فتاوى الصحابة والتابعين ولا يكادون في كثير ممن ذكرنا لا يحفظ عنه إلا المسألة والمسألتين ونحو ذلك وكثير منهم أكثر من الفتيا جدا.\rفقهاء الكوفة بعد الصحابة رضي الله عنهم علقمة بن قيس النخعي الاسود بن يزيد النخعي وهو عم علقمة أخو أبيه، أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني، مسروق بن الاجدع الهمداني، عبيدة السلماني، شريح بن الحارث الكندي القاضي، سلمان بن ربيعة الباهلي، زيد بن صوحان، سويد بن غفلة، الحارث بن قيس الجعفي، عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، أخو الاسود بن يزيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود القاضي، خيثمة بن عبد الرحمن أبو حذيفة، سلمة بن صهيب، أبو عطية مالك بن عامر أبو الاخوص، عبد الله بن سخيرة، رزبن حبيش الاسدي، خلاس بن عمرو وهو من أصحاب علي رضي الله عنه.\rعمرو بن ميمون الاودي من أصحاب معاذ بن جبل، همام بن الحارث، نباتة الجعفي، الحارث بن سويد، زيد بن معاوية النخعي، معضد الشيباني، الربيع بن خيثم الثوري، عتبة بن فرقد السلمي ابنه عمرو، صلة بن زفر العبسي، شريك بن حنبل، أبو وائل شقيق بن سلمة الاسدي، عبيد بن نضلة.\rوهؤلاء أصحاب ابن مسعود وعلي وأكابر التابعين كانوا يفتون في الدين ويستفتيهم الناس وأكابر الصحابة أحياء حاضرون يجوزون لهم ذلك وأكثرهم قد أخذ عن عمر بن الخطاب وعائشة أم المؤمنين وعلي وغيرهم ولقي عمر بن ميمون معاذ بن جبل وصحبه وأخذ عنه ففعل ذلك وأوصاه معاذ عند موته أن يلحق بابن مسعود فيصحبه ويطلب","part":5,"page":671},{"id":672,"text":"العلم عنده، ويضاف إلى هؤلاء أبو عبيدة وعبد الرحمن ابنا عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن أبي ليلى الانصاري.\rوأخذ عن مائة وعشرين من الصحابة\rوميسرة وزاذان والضحاك المسرفي.\rثم كان بعدهم: إبراهيم النخعي وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير مولى بني أسد صاحب ابن عباس، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، وأبو بكر بن أبي موسى الاشعري وكان سائر إخوته بالبصرة ومحارب بن دثار سدوسي، والحكم بن عتيبة، وجبلة بن سحيم الشيباني وصحب ابن عمر.\rثم كان بعد هؤلاء حماد بن أبي سليمان ومنصور بن المعتمر السلمي والمغيرة بن مقسم الضبي وسليمان الاعمش مولى بني أسد ومصعر بن كدام الهلالي.\rثم كان بعد هؤلاء: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي وعبد الله بن شبرمة القاضي الضبي، وسعيد بن أشوع القاضي وشريك القاضي النخعي والقاسم بن معن وسفيان بن سعيد الثوري، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت والحسن بن صالح بن حي.\rثم كان بعدهم: حفص بن غياث القاضي ووكيع بن الجراح وأصحاب أبي حنيفة، كأبي يوسف القاضي وزفر بن الهزيل بصري سكن الكوفة وحماد بن أبي حنيفة والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي، ومحمد بن الحسن قاضي الرقة وعافية القاضي وأسد بن عمرو ونوح بن دراج القاضي وأصحاب سفيان الثوري كالاشجعي والمعافى بن عمران وصاحبي الحسن بن حي حميد الرؤاسي ويحيى بن آدم وقوم من أصحاب الحديث لم يشتهروا بالفتيا.\rثم غلب عليهم تقليد أبي حنيفة وإنما ذكرنا من ذكرنا من أصحاب أبي حنيفة دون سائرهم، لانهم لم يستهلكوا في التقليد، بل خالفوه باختيارهم في كثير من الفقه، فدخلوا من أجل ذلك في جملة الفقهاء.\rوكذلك من ذكرنا في فقهاء المدينة من أصحاب مالك ومن نذكره منهم في فقهاء أهل مصر.\rوأما من استهلك في التقليد فلم يخالف صاحبه في شئ فليس أهلا أن يذكر في أهل الفقه ولا يستحق أن يلحق اسمه في أهل العلم لانه ليس منهم، ولكنه\rكمثل الحمار يحمل أسفارا.\rوبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.","part":5,"page":672},{"id":673,"text":"فقهاء أهل الشام بعد الصحابة رضي الله عنهم أبو إدريس الخولاني ولقي معاذا وأخذ عنه شرحبيل بن الصمت عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي، قبيصة بن ذؤيب الخزاعي وطلب بالمدينة.\rوجنادة بن أبي أمية، وسليمان بن حبيب المحاربي والحارث بن عميرة الزبيدي وخالد بن معدان وعبد الرحمن بن غنم الاشعري وجبير بن نفير، ثم كان بعدهم عبد الرحمن بن جبير بن نفير ومكحول وعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة، وكان عبد الملك بن مروان يعد في الفقهاء قبل أن يلي ما ولي، وحدير بن كريب.\rثم كان بعد هؤلاء: يحيى بن حمزة القاضي وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الاوزاعي وإسماعيل بن أبي المهاجر وسليمان - هو مولى - ابن موسى الاموي وسعيد ابن عبد العزيز ثم مخلد بن الحسين والوليد بن مسلم والعباس بن يزيد صاحب الاوزاعي، وشعيب بن إسحاق صاحب أبي حنيفة وأبو إسحاق الفزاري صاحب ابن المبارك.\rثم لم يكن بعد هؤلاء في الشام فقيه مشهور.\rفقهاء مصر بعد الصحابة رضي الله عنهم يزيد بن أبي حبيب وبكير بن عبد الله بن الاشج وبعدهما عمرو بن الحارث، وقد روي عن ابن وهب أنه قال: لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره، وهو أنصاري، والليث بن سعد، وعبيد الله بن أبي جعفر، وبعدهم أصحاب مالك كعبد الله بن وهب وعثمان بن كنانة وأشهب وابن القاسم على غلبة تقليد مالك عليه إلا في الاقل.\rثم أصحاب الشافعي كأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم.\rثم غاب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي إلا قوما قليلا لهم\rاختيارات كمحمد بن يوسف وأبي جعفر أحمد بن محمد الصحاوي وغيرهما.\rوكان بالقيروان سحنون بن سعيد، وله كثير من الاختيار، وسعيد بن محمد بن الحداد.\rوكان بالاندلس ممن له أيضا شئ من الاختيار يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وبقي بن مخلد وقاسم بن محمد صاحب الوثائق، يحفظ لهم فتاوى يسيرة.\rوكذلك أسلم بن عبد العزيز القاضي ومنذر بن سعيد.","part":5,"page":673},{"id":674,"text":"وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحق الاعتداد به في الاختلاف: مسعود بن سليمان بن مفلت، ويوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري.\rوكان باليمن مطرف بن مازن قاضي صنعاء وعبد الرزاق بن همام، وهشام بن يوسف، ومحمد بن ثور، وسماك بن الفضل.\rوالائمة المتقدمين من أهل الثبات على السنن الاول، ولكنهم ليسوا في أعداد أهل الامصار، منهم خراسانيون، ومنهم من سكن بغداد.\rقال أبو محمد: عبد الله بن المبارك الخراساني، ونعيم بن حماد، وأبو ثور إبراهيم ابن خالد الكلبي صاحب الشافعي بغدادي وأحمد بن محمد بن حنبل مروزي سكن بغداد، وإسحاق بن راهويه نيسابوري سكن بغداد، وأبو عبيد القاسم بن سلام اللغوي كوفي سكن بغداد، وسليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وحسين بن علي الكرابيسي بغدادي، وكان أبو خيثمة زهير بن حرب يجري مجراهم، ولم يكن له اتساعهم، وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي صليبة، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازيان، وكان هشيم بن بشير له اختيارات.\rوكان بعد هؤلاء: داود بن علي، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ثم محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، وأصحاب داود كمحمد ابنه، وعبد الله بن أحمد بن المغلس، وعبد الله بن محمد رويم وعبد الله بن محمد الرضيع، وأبي بكر بن النجار، وأبي بكر أحمد بن محمد الاواني، والخلال، وأبي الطيب محمد بن أحمد الدياجي، بغداديون كلهم.\rومن نظرائهم ولكنهم من أصحاب القياس: أبو عبيد علي بن حرب قاضي مصر وأبو إسحاق إبراهيم بن جعفر بن جابر قاضي حلب، وكانا مائلين إلى الشافعي، ومن هؤلاء أيضا: محمد بن شجاع البلخي، وأحمد بن أبي عمران، وبكار بن قتيبة بصري ولي قضاء مصر وبها مات.\rفهؤلاء أيضا لهم اختيارات وإن كانوا في الاغلب لا يفارقون أبا حنيفة وأصحابه زفر وأبا يوسف ومحمد بن الحسن.\rقال أبو محمد: وهذا الباب له منفعة عظيمة في تكذيب دعوى الاجماع في مسائل","part":5,"page":674},{"id":675,"text":"الفقه التي لا تعم أقوال الناس فيها إلا بالرواية فهؤلاء - الذين ذكرناهم الذين يعتد خصومنا بأقوالهم في الخلاف وبإجماعهم في الاجماع بعد إجماع الصحابة وهؤلاء الذين رويت عنهم الاقوال في مسائل الفقه.\rوكثير من هؤلاء لا يحفظ عنهم إلا المسألتان والثلاث وربما فاتنا من لم نذكر إلا أنهم بشك يسير، وممن لا يحفظ عنه إلا اليسير جدا، ونحن بشر والكمال من الناس للنبيين عليهم السلام ولمن وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بالكمال، وبالله تعالى التوفيق.\rفإذا لم يضبط من التابعين إلا من سمينا، وكل من يدري شيئا من الاخبار يوقن قطعا بأنهم ملؤوا الارض من أقصى السند وأقصى خراسان إلى أرمينية وأذربيجان إلى الموصل وديار ربيعة وديار مضر إلى الشام إلى مصر إلى أفريقيا إلى أقصى الاندلس إلى أقاصي بلاد البربر إلى الحجاز واليمن وجميع جزيرة\rالعرب إلى العراق إلى الاهواز إلى فارس إلى كرمان إلى سجستان إلى كابل إلى السند وأصبهان وطبرستان وجرجان والجبال، وأن جميع هذه البلاد فشا فيها الاسلام وغلب عليها، ولله تعالى الحمد.\rوإنه لم يكن للمسلمين في جميع ما ذكرنا من البلاد ولا قرية ضخمة إلا كان فيها المفتي والمقرئ وربما أكثر من واحد، فكيف يسوغ لدى عقل - له حظ من دين يخاف الله تعالى في الكذب، ويتقي العار والشهرة والافتضاح بالافك على كل مفت كان في البلاد المذكورة - في دعواه الاجماع على ما لا يتيقن أن كل واحد من مفتي جميع تلك البلاد قال به وإذا كان ممن سميناهم جزءا يسيرا ممن لم يبلغنا اسمه لا يوجد لاكثرهم إلا مسائل يسيرة جدا وهم عدد يسير فأين فتاويهم في سائر ما لم يرد عنهم فكيف بمن لم يسم منهم ؟.\rفصح يقينا أنه لا يحصي جميع أقوال التابعين.\rثم أقوال أهل عصر بعدهم في كل نازلة إلا الله تعالى خالقهم الذي لا يخفى عليه شئ من خلقه.\rووالله ما أحصت الملائكة ذلك، لان كل ملك إنما يحصي أقوال من جعل عليه حفيظا ورقيبا عتيدا لا قول من سواه، فكيف أن يتعاطى الاحصاء لذلك كله من لم يؤت العلم إلا قليلا ؟.\rفوضح وضوحا كالشمس في يوم صحو أن كل من ادعى الاجماع على ما عدا","part":5,"page":675},{"id":676,"text":"ما قد جاء اليقين بأن من لم يقله لم يكن مسلما - فهو كاذب آفك مفتر ونعوذ بالله من الكذب على كافر واحد فكيف على ناس كثير، فكيف على مؤمن فكيف على جميع علماء أهل الاسلام، أولهم عن آخرهم.\rقديما وحديثا هذا أمر تقشعر منه الجلود ونعوذ بالله العظيم من الخذلان، ثم إنه لا سبيل أن يوجد في مسألة ذكر قول لكل من سمينا على قلتهم فيمن لم نسم وإنما يوجد في المسألة رواية عن\rبضع عشر رجلا فأقل مختلفين أيضا.\rومن عنى بروايات المصنفات والاحاديث المنثورة وقف على ما قلنا يقينا.\rوكل هذا مبين كذب من ادعى الاجماع على غير ما ذكرنا.\rوبالله تعالى التوفيق.\rالباب التاسع والعشرون في الدليل قال أبو محمد: ظن قوم بجهلهم أن قولنا بالدليل خروج منا عن النص والاجماع وظن آخرون أن القياس والدليل واحد، فأخطؤوا في ظنهم أفحش خطأ.\rونحن إن شاء الله عز وجل نبين الدليل الذي نقول به بيانا يرفع الاشكال جملة فنقول وبالله تعالى التوفيق: الدليل مأخوذ من النص ومن الاجماع.\rفأما الدليل المأخوذ من الاجماع فهو ينقسم أربعة أقسام كلها أنواع من أنواع الاجماع وداخلة تحت الاجماع وغير خارجة عنه، وهي استصحاب الحال، وأقل مقيل وإجماعهم على ترك قولة ما، وإجماعهم على أن حكم المسلمين سواء وإن اختلفوا في حكم كل واحدة منها وهذه الوجوه قد بيناها كلها في كلامنا في الاجماع فأغنى عن تردادها.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوأما الدليل المأخوذ من النص، فهو ينقسم أقساما سبعة كلها واقع تحت النص: أحدها: مقدمتان تنتج نتيجة ليست منصوصة في إحداهما كقوله (ص): كل مسكر خمر وكل خمر حرام النتيجة: كل مسكر حرام، فهاتان المقدمتان دليل برهاني على أن كل مسكر حرام.","part":5,"page":676},{"id":677,"text":"وثانيها: شرط معلق بصفة فحيث وجد فواجب ما علق بذلك الشرط، مثل قوله تعالى: \" إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف \" فقد صح بهذا أن من انتهى غفر له.\rوثالثها:\rلفظ يفهم منه معنى فيؤدى بلفظ آخر وهذا نوع من تسميه أهل الاهتبال بحدود الكلام المتلائمات مثل قوله تعالى: * (إن إبراهيم لاواه حليم) * فقد فهم من هذا فهما ضروريا أنه ليس بسفيه وهذا هو معنى واحد يعبر عنه بألفاظ شتى كقولك الضيغم والاسد والليث والضرغام وعنبسة، فهذه كلها أسماء معناها واحد وهو الاسد.\rرابعها: أقسام تبطل كلها إلا واحدا فيصح ذلك الواحد مثل أن يكون هذا الشئ إما حرام فله حكم كذا، وإما فرض له حكم كذا وإما مباح فله حكم كذا، فليس فرضا ولا حراما فهو مباح له حكم كذا أو يكون قوله يقتضي أقساما كلها فاسد فهو قول فاسد.\rوخامسها: قضايا واردة مدرجة فيقتضي ذلك أن الدرجة العليا فوق التالية لها بعدها وإن كان لم ينص على أنها فوق التالية، مثل قولك: أبو بكر أفضل من عمر، وعمر أفضل من عثمان، فأبو بكر بلا شك أفضل من عثمان.\rوسادسها: أن نقول: كل مسكر حرام، فقد صح بهذا أن بعض المحرمات مسكر وهذا هو الذي تسميه أهل الاهتبال بحدود الكلام، عكس القضايا، وذلك أن الكلية الموجبة تنعكس جزئية أبدا.\rوسابعها: لفظ ينطوي فيه معان جمة مثل قولك: زيد يكتب، فقد صح من هذا اللفظ أنه حي، وأنه ذو جارحة سليمة يكتب بها وأنه ذو آلات يصرفها، ومثل قوله تعالى: * (كل نفس ذائقة الموت) * فصح من ذلك أن زيدا يموت وأن هندا تموت وأن عمرا يموت وهكذا كل ذي نفس، وإن لم يذكر نص اسمه.\rفهذه هي الادلة التي نستعملها وهي معاني النصوص ومفهومها وهي كلها واقعة تحت النص وغير خارجة عنه أصلا، وقد بيناها وأنعمنا الكلام عليها في كتابنا الموسوم بكتاب التقريب واقتصرنا ههنا على هذا المقدار من ذكرها فقط، وجميع هذه الانواع كلها لا تخرج من أحد قسمين، إما تفصيل لجملة، وإما عبارة عن معنى واحد بألفاظ شتى، كلغة يعبر عنها بلغة أخرى.\rوأما ما أدرك بالحس فقط جاء النص بقبوله عز وجل: * (أم لهم أعين يبصرون بها) * وسائر النصوص المستشهد فيها بالحواس وبالعقل، مع أن الحواس","part":5,"page":677},{"id":678,"text":"والعقل أصل لكل شئ وبهما عرفنا صحة القرآن والربوبية والنبوة فلم نحتج في إثباتها بالنص، لانه لولا النص لم يصح ما يدرك بالعقل والحواس لكن حسما لشغب أهل الضعف العاكسين للاستدلال القائلين لا نأخذ إلا ما في النصوص.\rوقد مضى الكلام في هذا في (باب إثبات حجة العقل) من كتابنا هذا وبالله تعالى التوفيق، والاستدلال هو غير الدليل، لانه قد يستدل من لا يقع على الدليل، وقد يوجد الاستدلال وهو طلب الدليل ممن لا يجد ما يطلب وقد يرد الدليل مهاجمة على من لا يطلبه، إما بأن يطالعه في كتاب، أو يخبره به مخبر أو يثوب إلى ذهنه دفعه، فصح أن الاستدلال غير الدليل، وصح أن دليلنا غير خارج عن النص أو الاجماع أصلا، وأنه إنما هو مفهوم اللفظ فقط، والعلة لا تسمى دليلا، والدليل لا يسمى علة، فالعلة هي كل ما أوجب حكما لم يوجد قط أحدهما خاليا من الآخر كتصعيد النار للرطوبات واستجلابها الناريات فذلك من طبعها.\rوههنا خلط أصحاب القياس فسموا الدليل علة والعلة دليلا ففحش غلطهم وسموا حكمهم في شئ لم ينص عليه بحكم قد نص عليه شئ آخر دليلا وهذا خطأ بل هذا هو القياس الذي ننكره ونبطله فمزجوا المعاني وأوقعوا على الباطل اسم معنى صحيح وعلى معنى صحيح اسم معنى باطل، فمزجوا الاشياء وخلطوا ما شاؤوا.\rولم يصفوا بعض المعاني من بعض فاختلط الامر عليهم وتاهوا ما شاؤوا والحمد لله على هدايته وتوفيقه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.\rوبالله تعالى التوفيق والحول والقوة به عز وجل.\rالباب الثلاثون في لزوم الشريعة الاسلامية لكل مؤمن وكافر في الارض ووقت لزوم الشرائع للانسان\rقال أبو محمد: قال الله تعالى: * (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) * فأمر تعالى بني آدم جملة كما ترى وقال عز وجل: * (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث وقال تعالى: * (في جنات يتساءلون عن","part":5,"page":678},{"id":679,"text":"المجرمين ئ ما سلككم في سقر ئ قالوا لم نك من المصلين ئ ولم نك نطعم المسكين ئ وكنا نخوض مع الخائضين ئ وكنا نكذب بيوم الدين ئ حتى أتانا اليقين) * فنص تعالى كما ترى أنه يعذب المكذبين بيوم الدين - وهم الكفار بلا شك - على تركهم الصلاة، وترك إطعام المسكين، وقال عز وجل: * (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ئ إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ئ ولا يحض على طعام المسكين) * فنص تعالى كما ترى أيضا على أن نوع الكفار معذبون لانهم لم يطعمون المساكين، وقال: * (وما أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * وأمره تعالى أن يقول: * (قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) * هو نص جلي على لزوم شرائع الاسلام كلها للكفار كلزومها للمؤمنين، إلا أن منها ما لا يقبل منهم إلا بعد الاسلام، كالصلاة والصيام والحج، وهم في ذلك كالجنب وتارك النية والمحدث لا تقبل منه صلاة حتى يطهر، ولا صيام ولا حج إلا بإحداث النية في ذلك وقال تعالى: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) * فنص تعالى على أنهم عصاة، إذ لا يحرمون ما حرم الله ورسوله (ص) وقال تعالى: * (وطعامكم حل لهم \" فصح أن طعامنا حل لهم شاؤوا أو أبوا، وقال تعالى: * (وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله) * وروينا عن ابن عباس بسند جيد أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: * (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم.\rوإذا قد صح كل هذا بيقين فواجب أن يحدوا على الخمر والزنى، وأن تراق خمورهم، وتقتل خنازيرهم، ويبطل رباهم، ويلزمون من الاحكام كلها في النكاح والمواريث والبيوع والحدود كلها وسائر الاحكام، مثل ما يلزم المسلمون، ولا فرق، ولا يجوز غير هذا، وأن يؤكل ما ذبحوا من الارانب، وما نحروا من الجمال،\rومن كل ما لا يعتقدون تحليله، لان كل ذلك حلال لهم بلا شك، ومن خالف قولنا فهو مخطئ عند الله عز وجل بيقين، وقد أنكر تعالى ذلك عليهم فقال تعالى: * (أفحكم الجاهلية يبغون) * وكل من أباح لهم الخمر ثم لم يرض حتى أغرمها المسلم إذا أراقها","part":5,"page":679},{"id":680,"text":"عليهم، فقد حكم بحكم الجاهلية، وترك حكم الله ورسوله (ص) لحكم الطاغوت والشيطان الرجيم، نعوذ بالله من ذلك، مع أن خصومنا في هذا يتناقضون أقبح تناقض، فيحدونهم في القذف والسرقة كما يحدون المسلمين، ولا يحدونهم في الزنى والخمر، ويأكلون بعض الشاة التي يذكيها اليهودي، ولا يأكلون بعضها، إنفاذا لافك اليهود.\rوتركا لنص الله تعالى على أن طعامنا حل لهم، وطعامهم حل لنا، وبالله تعالى نعوذ من مثل هذه الاقوال الفاحشة الخطأ، وقال تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) * وقال تعالى: * (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به وقال تعالى: * (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة وقال تعالى: * (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها وحدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، ثنا أبو غسان المسمعي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار بن عثمان، واللفظ لابي غسان، وابن المثنى قالا: ثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله (ص) قال ذات يوم في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما تجهلون مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم.\rقال أبو محمد: عياض بن حمار هذا من بني تميم فكان صديق النبي (ص) في الجاهلية وحرميه، ومعنى حرميه أن عياضا كان من الحلة، وكان النبي (ص) من الحمس، وكان لكثير من رجال الحلة إخوان من الحمس يطوفون في ثيابهم فكان كل صديق منهم يقال له: هذا حرمي فلان، فكان عياض يطوف إذا طاف بالكعبة في ثياب النبي (ص).\rوبالسند المذكور إلى مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، عن الاعمش،","part":5,"page":680},{"id":681,"text":"عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): ما من مولود يولد إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه.\rقال أبو محمد: هذه الآيات التي تلونا، والحديثان اللذان ذكرنا، يبينان مراد النبي (ص) بقوله: ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ورواه عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي (ص): من يولد يولد على هذه الفطرة وفيه: حتى تكونوا أنتم تجدعونها فصح بهذا كله ضرورة أن الناس كلهم مولودون على الاسلام، وهذا تأويل قوله تعالى: * (إنا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا) * فقبول الملة الاسلامية هي الامانة، وأن الله تعالى خلق الانفس كلها جملة، وهي الحساسة العاقلة المميزة، ثم واثقها بالاسلام فقبلته، ثم أقرها حتى نقل كل نفس منها إلى جسدها فأقامت فيه ما أقامت، ثم تعود إلى مقرها عند سماء الدنيا حيث رآها النبي (ص) ليلة الاسراء، فأهل السعادة في محل اليمين في سرور وخير، وأهل الشقاء في محل الشمال في نكد ومشقة إلى يوم القيامة، فينزلون منازلهم من الجنة والنار بعد أن تكسي أجسادا على العظام المخرجة من القبور بعد أن أرمت وهذا نص قوله\rتعالى: * (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ونص قوله تعالى: * (وأمآ إن كان من أصحاب اليمين ئ فسلام لك من أصحاب اليمين) * وقال تعالى: * (فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة ئ وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة) * وقوله تعالى: * (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) * بيان جلي أن النفوس إذا حلت الاجساد الكدرة الارضية في الدنيا، فإنها ينتقص تمييزها، ويذهب ذكرها لما سلف، وأنها إذا فارقتها صح حسها، وذكا تمييزها، وصفا إدراكها، قال تعالى: * (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) * وأخبر تعالى أن الدنيا غرور، فسبحان مخترع الكل ومدبره، لا إله إلا هو.\rفبهذا وبغيره قلنا: ألا يترك أحد على غير دين الاسلام إلا من صح النص","part":5,"page":681},{"id":682,"text":"على إقراره، وأن النبي عليه السلام أقرهم، فأوجبنا ألا نقبل جزية ولا نقر على غير الاسلام من خرج من دين كتابي إلى دين كتابي آخر، ولا من دان آباؤه بعد مبعث النبي (ص) بدين كتابي انتقلوا إليه عن كفرهم، ولا من كان في أجداده أو جداته من أي جهة كان مسلم أو مسلمة وإن بعد وبعدت، ولا من سبي وهو بالغ، وسواء سبي مع أبويه أو مع أحدهما، ولا يترك كافر بتباعه أصلا، ولا يقبل من كل من ذكرنا إلا الاسلام أو السيف، لان الاسلام دين كل مولود، وقد قال عليه السلام: من غير دينه فاقتلوه وقال تعالى: * (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) * فحرم القبول من أحد غير الاسلام إلا من جاء النص بتركه عليه، وأنه مخصوص من هذه الآية، والدلائل على هذا تكثر جدا.\rوقوله تعالى: * (لا إكراه في الدين) * مخصوص بالنصوص الثابتة أن رسول الله (ص) أكره غير أهل الكتاب على الاسلام أو السيف، وأيضا فإن الامة كلها مجمعة على إكراه المرتد على الاسلام، والقوم الذين أخبر عز وجل أنهم أوتوا الكتاب، ثم أمر تعالى بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد، قد ماتوا وحدث\rغيرهم، والحس يشهد بأن هؤلاء الذين هم أبناء أولئك ليسوا الذين أوتوا التوراة والانجيل والصحف والزبور، بل هم غيرهم بلا شك، فإنما أقروا بإقرار النبي (ص) لمن تناسل منهم، وأمر بذلك فيمن توالد منهم فقط، لا نص فيه فهو داخل في قوله تعالى: * (فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) * وهذا بين والله تعالى الموفق لا إله إلا هو، وقد نص تعالى على أنه لا يضيع عمل عامل منا من ذكر أو أنثى.\rوروينا بالسند المتقدم إلى مسلم قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة، نجرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال أناس لرسول الله (ص): يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ؟ قال: من أحسن منكم في الاسلام فلا يؤاخذ به، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والاسلام.\rوبه إلى مسلم ثنا حسن الحلواني، وعبد بن حميد، قال: حسن، نا وقال عبد: ثني يعقوب ابن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي عن صالح - هو ابن كيسان - عن ابن شهاب قال:","part":5,"page":682},{"id":683,"text":"أنبأ عروة بن الزبير: أن حكيم بن حزام أخبره، أنه قال لرسول الله (ص): أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم، أفيها أجر ؟ فقال رسول الله (ص): أسلمت على ما أسلفت من خير.\rوبه إلى مسلم: ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان هو ابن عيينة، عن عبد الله بن عمير، عن عبد الله ابن الحارث - هو ابن نوفل - قال: سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: قلت يا رسول الله: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك ؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح.\rوقد رواه أيضا وكيع، ويحيى ابن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن عبد الملك بن عمير بالسند المذكور،\rورواه أيضا عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) في أبي طالب قال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منها دماغه.\rقال أبو محمد: قال الله تعالى: * (ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر) * وقال تعالى: * (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) * وقال تعالى: * (إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) * فصح بالضرورة أنه لا أشد إلا بالاضافة إلى ما هو أقل منه، وأن الدرك الاسفل له درك أعلى، لان كل ذلك من باب الاضافة.\rوصح يقينا بقوله تعالى: * (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) * أن الناس في الجنة يتفاضلون على مقدار أعمالهم، وأنهم في النار أشد عذابا من بعض، والنصوص التي ذكرناها تشهد بذلك، وصح أن من عمل خيرا وهو كافر ثم أسلم، فإن ذلك الخير محسوب له، مكتوب، وهو مثاب عليه ومأجور، وأن من عمل سوءا في كفره، ثم أسلم ولم يقلع عن تلك السيئات فإنها كلها مكتوبة عليه محسوبة، وهو معاقب عليها، وهذا نص كلام الله تعالى الذي تلونا، ونص فتيا النبي (ص) إذ سئل عن ذلك، وهذا ما لا يحل لاحد خلافه.\rوقد اعترض قوم في مخالفة ذلك بقوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الاولين) *.\rقاله أبو محمد: وهذا لا حجة فيه بل هو حجة لنا، لانه إنما نص أنه إنما يغفر ما انتهى عنه، ومن تمادى على إساءته في إسلامه فلم ينته فلم يستحق أن يغفر له ما قد سلف، وإنما يغفر له الشرك الذي انتهى عنه فقط، ولو انتهى عن سائر إساءاته لغفرت له أيضا، وهذا نص الآية التي احتجوا بها.","part":5,"page":683},{"id":684,"text":"واعترضوا أيضا بما رويناه بالسند المتقدم إلى مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل\rذلك نافعه ؟ قال: لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.\rقال أبو محمد: وهذا حجة لنا عليهم قوية جدا، لان النبي (ص) إنما جعل السبب في أن ما فعل لا ينفعه أنه لم يسلم، فصح أنه لو أسلم لنفعه ذلك كما نفع حكيما.\rوهذا نص قولنا، ونحن لم نقل قط إن الله تعالى يأجر كافرا مات على كفره، وعلى ما عمل من خير، وإنما قلنا: من أسلم بعد كفره أجر على كل خير عمل في كفره.\rواعترضوا بقول الله تعالى: * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) *.\rقال أبو محمد: وهذا حجة لنا، لان الشرك يحبط الاعمال، والاسلام يزكيها، ويبين ذلك قوله تعالى: * (أني لا أضيع عمل عامل منكم) * وإنما شرطنا أنه ينتفع بما عمل في كفره من خير إن أسلم لا إن لم يسلم.\rواعترضوا أيضا بما رويناه عن مسلم بالسند المذكور قال: ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، نا حيوة بن شريح، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فحدثنا أنه سمع رسول الله (ص) يقول: إن الاسلام يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يهدم ما كان قبله.\rقال أبو محمد: وإنما يهدم الاسلام الكفر الذي هو مضاده، وحديث ابن مسعود زائد على ما في حديث عمرو غير مضاد له، بل هو مبين بيانا زائدا، وكلام رسول الله (ص) لا يضاد بعضه بعضا، ففي حديث ابن مسعود زيادة حكم على ما في حديث عمرو، من أنه من أساء في الاسلام أخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أحسن في الاسلام سقط عنه ما عمل في الجاهلية، فإنما معنى حديث عمرو أن الاسلام يهدم ما كان قبله بشرط الاحسان فيه، وبالله تعالى التوفيق.\rواعترضوا أيضا بما حدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب\rابن عيسى، عن محمد بن عيسى، عن عمرويه، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن","part":5,"page":684},{"id":685,"text":"مسلم، ثنا زهير بن حرب، ثنا يزيد بن هرون، أنبأ همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الاخرى، وأما الكافر فيعطى بحساب ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لاننا لم نقل إن الكافر ينعم في الآخرة إذا مات على كفره، وإنما قلنا: إن بعض أهل النار أشد عذابا من بعض وهذا إجماع الامة، ونص القرآن والسنة الذي من خالفه كفر، وهذا الحديث حجة لنا عليهم، لان الكافر إذا أسلم فهو مؤمن، فقد نص النبي (ص) أنه لا يظلمه حسنة مما عمل من حسنة في حال كفره ثم أسلم، فهي داخلة تحت هذا الوعد الصادق المضمون إنجازه، فصح أنه يجازى بها في الآخرة، فصح قولنا يقينا وبالله تعالى التوفيق.\rوكذلك قوله تعالى: * (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله) * قال أبو محمد: وهذا بيان جلي على أن السبب المانع من قبول نفقاتهم هو الكفر، فإذا ارتفع ذلك ارتفع السبب المانع من قبول نفقاتهم، فإذا ارتفع ذلك السبب فقد وجب قبول النفقات، وهذا نص القرآن والسنة وبالله تعالى التوفيق.\rوأما وقت لزوم الشريعة فإنها تنقسم قسمين: شريعة تعتقد ويلفظ بها، وشريعة تعمل، وتنقسم هذه الشريعة قسمين: قسم في المال، وقسم على الابدان، فأما شريعة الاموال فهي لازمة لكل صغير وكبير وجاهل بها، وعارف ومجنون وعاقل، لدلائل من النص وردت على العموم في الزكاة والاجماع على وجوب النفقات عليهم، وأما شرائع الابدان والاعتقاد، فإنها تجب بوجهين: أحدهما: البلوغ مبلغ\rالرجال والنساء، وهو البلوغ المخرج عن حد الصبا.\rوالثاني: بلوغ الشريعة إلى المرء.\rوأما الحدود فإنها تلزم من عرف أن الذي فعل حرام وسواء علم أن فيه حدا أم لا.\rوهذا لا خلاف فيه وأما من لم يعرف أن ما عمل حرام فلا حد عليه فيه، وبرهان ذلك قول الله تعالى: * (وأوحي إلي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) * فإنما جعل الله تعالى وجوب الحجة ببلوغ النذارة إلى المرء وقال تعالى: * (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) *، فأمر أن يهدر فعل الجاهل، وقال تعالى: * (لا تخونوا الله والرسول","part":5,"page":685},{"id":686,"text":"وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) * فإنما نهى الله تعالى عن وجوب ذلك عليه.\rوحدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد ابن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، ثنا يونس بن الاعلى، ثنا ابن وهب، أنا عمرو بن الحارث، أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة، عن النبي (ص) أنه قال: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الامة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار.\rقال أبو محمد: فإنما أوجب النبي (ص) الايمان به على من سمع بأمره عليه السلام، فكل من كان في أقاصي الجنوب والشمال والمشرق وجزائر البحور والمغرب وأغفال الارض من أهل الشرك، فسمع بذكره (ص)، ففرض عليه البحث عن حاله وإعلامه والايمان به.\rأما من لم يبلغه ذكره (ص) فإن كان موحدا فهو مؤمن على الفطرة الاولى صحيح الايمان، لا عذاب عليه في الآخرة، وهو من أهل الجنة، وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يوقد له يوم القيامة نار، فيؤمرون بالدخول فيها، فمن دخلها نجا، ومن أبى هلك.\rقال الله عز وجل: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * فصح أنه لا عذاب على كافر أصلا حتى يبلغه نذارة الرسول (ص).\rوأما من بلغه ذكر النبي محمد (ص)، وما جاء به، ثم لا يجد في بلاده من يخبره عنه، ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرئ فيها الحقائق، ولولا إخباره عليه السلام أنه لا نبي بعده، للزمنا ذلك في كل من نسمع عنه أنه ادعى النبوة، ولكنا قد أمنا ذلك والحمد لله.\rوأخبرنا الصادق: إن كل من يدعي النبوة بعده كذاب، ولا سبيل إلى أن يأتي بآية معجزة، فإن ظهر من أحد منهم ذلك فهي نيرنجات، وحيل وجوهها معروفة لمن بحث عنها، ومن أهل هذه الصفة كان مسيلمة والجلاح، ومن أهلها الدجال لا حقيقة لكل ما ظهر من هؤلاء وأشباههم، وإنما هي حيل كما ذكرنا يبين ذلك حديث المغيرة بن شعبة في الدجال، وكل من كان منا في بادية لا يجد فيها من يعلمه شرائع دينه، ففرض على جميعهم، من رجل أو امرأة أن يرحلوا إلى مكان","part":5,"page":686},{"id":687,"text":"يجدون فيها فقيها يعلمهم دينهم، أو أن يرحلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم، وإن كان الامام يعلم ذلك فليرحل إليهم فقيها يعلمهم، قال الله تعالى: * (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.\rوبعث (ص) معاذا، وأبا موسى إلى اليمن، وأبا عبيدة إلى البحرين، معلمين للناس أمور دينهم، ففرض ذلك على الائمة، وقال تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) *.\rقال أبو محمد: والبلوغ عندنا ينقسم أقساما: فهو في الرجل والمرأة الاحتلام بنص ما روي عنه (ص) من ذلك، حدثنا عبد الله بن ربيع، عن محمد بن إسحاق القاضي، عن ابن الاعرابي، عن سليمان بن الاشعث، ثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، عن خالد الحذاء، عن أبي الضحى، عن علي، عن النبي (ص) قال: رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن\rالمجنون حتى يفيق.\rقال أبو محمد: الصبي يقع على الجنس، ويدخل فيه الذكر والانثى، وقد أخبر عليه السلام في حديث عائشة: أن المرأة تحتلم، فصار الاحتلام بلوغا صحيحا في المرأة والرجل، وسواء احتلما من أحد عشر عاما أو أقل أو أكثر، ويكون البلوغ أيضا في المرأة بالحيض.\rكما حدثنا عبد الله بن ربيع، عن عمر بن عبد الملك الخولاني، عن محمد بن بكر البصري، ثنا سليمان بن الاشعث، ثنا محمد بن عبيد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، أن عائشة نزلت على صفية أم طلحة الطلحات فرأت بنات لها فقالت: إن رسول الله (ص) دخل وفي حجرتي جارية فألقى لي حقوه، فقال: شقيه شقتين فأعط هذه نصفا والفتاة التي عند أم سلمة نصفا وإني لا أراها إلا قد حاضت أو لا أراهما إلا قد حاضتا.\rوبه إلى أبي داود، ثنا المثنى، ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد - هو ابن زيد - عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة عن النبي (ص) أنه قال: لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار.\rقال أبو محمد: والانبات بلوغ صحيح كما روينا عن عبد الله بن ربيع، عن محمد بن","part":5,"page":687},{"id":688,"text":"إسحاق، عن ابن الاعرابي، عن أبي داود، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، ثنا عبد الملك ابن عمير، ثنا عطية القرظي قال: كنت فيمن سبي من قريظة فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت.\rقال أبو محمد: ومن المحال الممتنع أن تقتل الناس بحضرة النبي (ص) وهو لا يعلم أبحق أم بباطل، هذا ما لا يظنه مسلم البتة، وقتلى قريظة قتلوا بحضرة النبي (ص) وبأمره، وقال لسعد بن معاذ: حكمت فيهم بحكم الملك كما حدثنا عبد الله بن ربيع، عن محمد بن معاوية، عن أحمد بن شعيب، عن محمود بن\rغيلان، ثنا وكيع، ثنا سفيان الثوري، عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت عطية القرظي يقول: عرضنا على النبي (ص) يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي.\rقال أبو محمد: فمن لم ينبت ولا احتلم من رجل أو امرأة أو لم تحض المرأة، فإذا تجاوزا تسعة عشر عاما قمرية بساعة فقط، لزمهم حكم البلوغ، لانه إجماع، وأما من جعل إكمال خمسة عشر عاما بلوغا، وإن لم يكن هناك حيض ولا احتلام ولا إنبات فقول لا دليل عليه.\rوأما حجتهم بحديث ابن عمر: عرضت على رسول الله (ص) يوم أحد وأنا ابن أربعة عشر عاما فردني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشر عاما فأجازني، فلا حجة لهم في ذلك لان النبي (ص) لم يقل: إني أجزته لسنه.\rوكان عام الخندق بالمدينة لا خروج عليهم فيه، فالله أعلم لماذا أجازه، إما لانهم لم يسافروا عن موضعهم، أو لانه قد بلغ، فلا حجة في ذلك أصلا وبالله تعالى التوفيق.\rولا نهى عليه السلام عن غزو الاشداء من الصبيان، فتكون إجازته دليلا على أنه قد كان بلغ.\rومما يدل على أن الشرائع لا تلزم إلا من عرفها ما صح عن النبي (ص) من أنه لم يزجر عدي بن حاتم، عما تأوله في العاقلين، لكن علمه، وسقط اللوم عن عدي، لانه تأول جاهلا، وأنه (ص) لم يأمر معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة إذ تكلم فيها عامدا.\rوأنه (ص) أمر الذي لم يتم صلاته مطمئنا في ركوعه وسجوده بالاعادة مرارا.\rفلما أعلمه أنه لا يدري أكثر، علمه.\rولم يذكر الراوي أنه أمره بإعادة، إلا أن أمره (ص) بأن يعمل ما علمه أمر له بعمله.","part":5,"page":688},{"id":689,"text":"وكذلك ما نص من صلاة أهل قباء إلى بيت المقدس، وقد كان نسخ ذلك، وأنه عليه السلام لم يقد من أسامة إذ قتل الرجل بعد قوله لا إله إلا الله، وأعلمه عليه\rالسلام أنه قد فعل في ذلك ما لا يحل، وكذلك لم يقد (ص) بني جذيمة ممن قتلهم مع خالد بن الوليد، فهذا يبطل قول من أوجب إعادة صلاة، أو إقامة حد، أو قضاء صوم على جاهل متأول.\rوبذلك قضى عمر وعثمان إذ درء الحد عن السوداء المعترفة بالزنى، لجهلها بتحريمه، وهذا بين، وبالله تعالى التوفيق.\rالباب الحادي والثلاثون في صفة التفقه في الدين، وما يلزم كل امرئ طلبه من دينه، وصفة المفتى الذي لم يفت في الدين، وصفة الاجتهاد الواجب على أهل الاسلام قال أبو محمد: قال الله تعالى: * (وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * فبين الله عز وجل في هذه الآية وجه التفقه كله، وأنه ينقسم قسمين: أحدهما: يخص المرء في نفسه وذلك مبين في قوله تعالى: * (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) * فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن جهل حكم ما يلزمه.\rوالثاني: تفقه من أراد وجه الله تعالى، بأن يكون منذرا لقومه وطبقته قال تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * ففرض على كل أحد طلب ما يلزمه، على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه في تعرف ما ألزمه الله تعالى إياه، وقد بينا أن الاجتهاد هو افتعال من الجهد، فهو في الدين إجهاد المرء نفسه في طلب ما تعبده الله تعالى به في القرآن، وفيما صح عن النبي (ص) لانه لا دين غيرهما، فأقلهم في ذلك درجة من هو في غمار العامة، ومن حدث عهده بالجلب من بلاد الكفر وأسلم من الرجال والنساء.\rوقد ذكرنا كيف يطلب هؤلاء علم ما يلزمهم من شرائع الاسلام، في باب إبطال التقليد من كتابنا هذا، فأغنى عن ترداده، ونذكر منه ههنا ما لا بد من ذكره، وهو أن كل مسلم عاقل\rبالغ من ذكر أو أنثى، حر أو عبد، يلزمه الطهارة والصلاة والصيام فرضا بلا خلاف من أحد من المسلمين، وتلزمه الطهارة والصلاة المرضى والاصحاء،","part":5,"page":689},{"id":690,"text":"ففرض على كل من ذكرنا أن يعرف فرائض صلاته وصيامه وطهارته وكيف يؤدي كل ذلك.\rوكذلك يلزم كل من ذكرنا أن يعرف ما يح له ويحرم، من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والاقوال والاعمال، فهذا كله لا يسع جهله أحدا من الناس، ذكورهم وإناثهم، أحرارهم وعبيدهم وإمائهم، وفرض عليهم أن يأخذوا في تعلم ذلك من حين يبلغون الحلم وهم مسلمون، أو من حين يسلمون بعد بلوغهم الحلم، ويجبر الامام أزواج النساء وسادات الارقاء على تعليمهم ما ذكرنا، إما بأنفسهم، وإما بالاباحة لهم لقاء من يعلمهم، وفرض على الامام أن يأخذ الناس بذلك، وأن يراتب أقواما لتعليم الجهال.\rثم فرض على كل ذي مال تعلم حكم ما يلزمه من الزكاة، وسواء الرجال والنساء والعبيد والاحرار، فمن لم يكن له مال أصلا فليس تعلم أحكام الزكاة عليه فرضا.\rثم من لزمه فرض الحج، ففرض عليه تعلم أعمال الحج والعمرة.\rولا يلزم ذلك من لا صحة لجسمه ولا مال له، ثم فرض على قواد العساكر معرفة السير وأحكام الجهاد، وقسم الغنائم والفئ، ثم فرض على الامراء والقضاة تعلم الاحكام والاقضية والحدود، وليس تعلم ذلك فرضا على غيرهم، ثم فرض على التجار وكل من يبيع غلته تعلم أحكام البيوع، وما يحل منها وما يحرم، وليس ذلك فرضا على من لا يبيع ولا يشتري ثم فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو دسكرة - وهي المجشرة عندنا - أو حلة أعراب أحصن أن ينتدب منهم لطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها، ولتعلم القرآن كله، ولكتاب\rكل ما صح عن النبي (ص) من أحاديث الاحكام أولها عن آخرها وضبطها بنصوص ألفاظها، وضبط كل ما أجمع المسلمون عليه ما اختلفوا فيه من يقوم بتعليمهم وتفقيههم من القرآن والحديث والاجماع.\rيكتفي بذلك على قدر قلتهم أو كثرتهم بالآية التي تلونا في أول هذا الكتاب، بحسب ما يقدر أن يعمهم بالتعليم، ولا يشق على المستفتي قصده، فإذا انتدب لذلك من يقوم بما ذكرنا فقط سقط عن باقيهم إلا ما يلزمه خاصة نفسه فقط على ما ذكرنا آنفا، ولا يحل للمفقه أن يقتصر على آراء الرجال دون ما ذكرنا.","part":5,"page":690},{"id":691,"text":"فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله كما ذكرنا ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم، وإن بعدت ديارهم، ولو أنهم بالصين لقوله تعالى: * (وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * والنفار والرجوع لا يكون إلا برحيل.\rومن وجد في محلته من يفقهه في صنوف العلم كما ذكرنا فالامة مجمعة على أنه لا يلزمه رحيل في ذلك، إلا القصد إلى مسجد الفقيه أو منزله فقط، كما كان الصحابة يفعلون مع النبي (ص) وهكذا القول في حفظ القرآن كله وتعليمه، ففرض على كل مسلم حفظ أم القرآن وقرآن ما، وفرض على جميع المسلمين أن يكون في كل قرية أو مدينة أو حصن من يحفظ القرآن كله ويعلمه الناس ويقرئه إياهم، لامر رسول الله (ص) بقراءاته.\rفصح بكل ما ذكرنا أن النفار المذكور فرض على الجماعة كلها حتى يقوم بها بعضهم فيسقط عن الباقين.\rوأما من قال: إنه ليس فرضا على الجماعة، لكنه فرض على بعضهم بغير أعيانهم، فنكتفي من إبطال قوله بأنه يحمل خطاب الله تعالى واقعا على لا أحد، لانه إذا لم يعين تعالى من يخاطب، ولا خاطب الجميع، فلم يخاطب أحدا عز وجل عن ذلك،\rوفي هذا سقوط الفرض عن كل من لم يخاطب، فهو ساقط على كل أحد، إذ كل أحد لم يخاطب، وفي هذا بطلان الدين، وبالله تعالى التوفيق.\rفالناس في ذلك على مراتب، فمن ارتفع فهمه عن فهمهم أغتام المجلوبين من بلاد العجم منذ قريب، وعن فهم أغتام العامة، فإنه لا يجزيه في ذلك ما يجزي من ذكرنا، لكن يجتهد هذا على حسب ما يطيق في البحث عما نابه من نص الكتاب والسنة ودلائلهما، ومن الاجماع ودلائله، ويلزم هذا إذا سأل الفقيه فأفتاه أن يقول له: من أين قلت هذا ؟ فيتعلم من ذلك مقدار ما انتهت إليه طاقته وبلغه فهمه.\rوأما المنتصبون لطلب الفقه، وهم النافرون للتفقه، الحاملون لفرض النفار عن جماعتهم، المتأهبون لنذارة قومهم، ولتعلم المتعلم، وفتيا المستفتي، وربما للحكم بين الناس، ففرض عليهم تقصي علوم الديانة على حسب طاقتهم، ومن أحكام القرآن، وحديث النبي (ص) ورتب النقل، وصفات النقلة، ومعرفة السند الصحيح مما عداه من مرسل ضعيف، هذا فرضه اللازم له، فإن زاد إلى ذلك معرفة الاجماع","part":5,"page":691},{"id":692,"text":"والاختلاف، ومن أين قال كل قائل، وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين إلى الكتاب والسنة، فحسن، وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التي يتميز بها الحق من الباطل، وكيف يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص، وكل هذا منصوص في القرآن.\rقال تعالى: * (ليتفقهوا في الدين) * فهذا إيجاب لتعلم أحكام القرآن، وأحكام أوامر النبي (ص)، لان هذين أصل الدين، وقال تعالى: * (يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا \" فوجب بذلك تعرف عدول النقلة من فساقهم، وفقهائهم ممن لم يتفقه منهم.\rوأما معرفة الاجماع والاختلاف، فقد زعم أن هذا يجب بقوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * قال: ففرض علينا معرفة\rما اتفق عليه أولو الامر منا، لاننا مأمورون بطاعتهم، ولا يمكننا طاعتهم إلا بعد معرفة إجماعهم الذي يلزمنا طاعتهم فيه.\rوأما معرفة الاختلاف، ومعرفة ما يتنازعون فيه، ومعرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة فبقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * ففرض علينا معرفة ما يتنازعون فيه، ومعرفة كيف يرد ذلك إلى الكتاب والسنة، لاننا إن لم نعرف الاختلاف ظننا أن القول الذي نسمعه من بعض العلماء لا خلاف فيه، فنتبعه دون أن نعرضه على القرآن والسنة، فنخطئ ونعصي الله تعالى، إذ أخذنا قولا نهينا عن اتباعه.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ، لاننا إنما أمرنا تعالى بطاعة أولي الامر فيما نقلوه إلينا عن رسول الله (ص)، فأما أن يقولوا من عند أنفسهم بحكم لا نص فيه فما جاز هذا قط لاحد أن يفعله، ولا حل لاحد قط أن يطيع من فعله.\rوقد توعد الله تعالى ورسوله (ص) على هذا أشد الوعيد، فكيف على من دونه قال تعالى: * (ولو تقول علينا بعض الاقاويل ئ لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ئ فما منكم من أحد عنه حاجزين) * فصح أن من قال في الدين بقول أضافه إلى الله تعالى فقد كذب، وتقول على الله تعالى الاقاويل.\rوأن من لم يضفه إلى الله تعالى، فليس من الدين أصلا، لكن معرفة الاختلاف علم زائد، قال سعيد بن جبير: أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف، وصدق سعيد، لانه علم زائد، وكذلك معرفة من أين","part":5,"page":692},{"id":693,"text":"قال كل قائل، فأما معرفة كيفية إقامة البرهان فبقوله تعالى: * (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * فلم نقل شيئا إلا ما قاله ربنا عز وجل وأوجبه علينا، والحمد لله رب العالمين.\rوإنما نحن منبهون على ما أمرنا الله تعالى، وموقفون على مواضع الاوامر التي مر عليها من يمر غافلا أو معرضا، ومنذرون قومنا فيما تفقهنا فيه،\rونفرنا لتعلمه - بمن الله عز وجل علينا، كما أمرنا تعالى، إذ يقول: * (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * ولا نقول من عند أنفسنا شيئا ونعوذ بالله من ذلك، ولم يبح الله تعالى ذلك لاحد لا قديما ولا حديثا، وبالله تعالى نتأيد، وقال تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * ففرض علينا معرفة الناسخ من المنسوخ، وفرض على من قصد التفقه في الدين، كما ذكرنا أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته إليه في فهم كلام ربه تعالى، وكلام نبيه (ص) قال تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) * ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب، ليفهم عن الله عز وجل وعن النبي (ص)، ويكون عالما بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن، وبه يفهم معاني الكلام التي يعبر عنها باختلاف الحركات، وبناء الالفاظ، فمن جهل اللغة وهي الالفاظ الواقعة على المسميات، وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني، فلم يعرف اللسان الذي به خاطبنا الله تعالى ونبينا (ص)، ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يحل له الفتيا فيه، لانه يفتي بما لا يدري، وقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * وبقوله تعالى: * (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد) * وبقوله تعالى: * (هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) * وقال تعالى: * (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) *.\rوفرض على الفقيه أن يكون عالما بسير النبي (ص)، ليعلم آخر أوامره وأولها، وحربه (ص) لمن حارب، وسلمه لمن سالم، وليعرف على ماذا حارب، ولماذا وضع الحرب، وحرم الدم بعد تحليله، وأحكامه (ص) التي حكم بها، فمن كانت هذه صفته، وكان ورعا في فتياه، مشفقا على دينه صليبا في الحق، حلت","part":5,"page":693},{"id":694,"text":"له الفتيا وإلا فحرام عليه أن يفتي بين اثنين، أو أن يحكم بين اثنين، وحرام على الامام أن يقلده حكما أو يتيح له فتيا، وحرام على الناس أن يستفتوه لانه إن لم يكن عالما بما ذكرنا، فلم يتفقه في الدين، وإن لم يكن مشفقا على دينه فهو فاسق، وإن لم يكن صليبا لم يأمر بمعروف، ولا نهى عن منكر، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضان على الناس قال تعالى: * (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) *.\rوهذا متوجه إلى العلماء بالمعروف وبالمنكر، لانه لا يجوز أن يدعو إلى الخير إلا من علمه، ولا يمكن أن يأمر بالمعروف إلا من عرفه، ولا يقدر على إنكار المنكر إلا من يميزه.\rفإن كان مع ما ذكرنا قويا على إنفاذ الامور حسن السياسة حل له القضاء والامارة، وإلا فلا.\rقال رسول الله (ص): المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وقال (ص) لابي ذر: يا أبا ذر إني أحب إليك ما أحب لنفسي، إنك ضعيف فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم، وكان أبو ذر رضي الله عنه ممن له أن يفتي ولم يكن ممن له أن يقضي، لانه لم يكن له حسن التأتي في تناول ما يريد، بل كانت فيه عجرفة ومهاجمة، ربما صار بها منذرا وقد أمر عليه السلام معاذا وأبا موسى - إذ بعثهما قاضيين على اليمن، ومعلمين للدين، وأميرين بأن ييسرا ولا ينفرا، هذا على عظيم فضل أبي ذر وكريم سوابقه في الاسلام، وزهده وورعه ورفضه للدنيا، وثباته على ما فارق عليه نبيه (ص)، وصدعه بالحق، وأنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم، وتقدمه على أكثر الصحابة.\rفحد الفقه هو المعرفة بأحكام الشريعة من القرآن، ومن كلام المرسل بها، الذي لا تؤخذ إلا عنه، وتفسير هذا الحد - كما ذكرنا - المعرفة بأحكام القرآن وناسخها ومنسوخها، والمعرفة بأحكام كلام رسول الله (ص) ناسخه ومنسوخه،\rوما صح نقله مما لو يصح، ومعرفة ما أجمع العلماء عليه، وما اختلفوا فيه، وكيف يرد الاختلاف إلى القرآن وكلام الرسول (ص)، فهذا تفسير العلم بأحكام الشريعة.\rوكل من علم مسألة واحدة من دينه على الرتبة التي ذكرنا، جاز له أن يفتي بها،","part":5,"page":694},{"id":695,"text":"وليس جهله بما جهل بمانع من أن يفتي بما علم، ولا علمه بما علم بمبيح له أن يفتي فيما جهل، وليس أحد بعد النبي (ص) إلا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره، فلو لم يفت إلا من أحاط بجميع العلم.\rلما حل لاحد من الناس بعد رسول الله (ص) أن يفتي أصلا وهذا لا يقوله مسلم، وهو إبطال للدين، وكفر من قائله.\rوفي بعثه النبي (ص) الامراء إلى البلاد، ليعلموا الناس القرآن وحكم الدين، ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك، لانه قد كان تنزل بعدهم الآيات والاحكام بيان صحيح بأن العلماء، وإن فاتهم كثير من العلم، فإن لهم أن يفتوا ويقضوا بما عرفوا.\rوفي هذا الباب أيضا بيان جلي على أن من علم شيئا من الدين علما صحيحا فله أن يفتي به، وعليه أن يطلب علم ما جهل مما سوى ذلك، ومن علم أن في المسألة التي نزلت حديثا قد فاته، لم يحل له أن يفتي في ذلك حتى يقع على ذلك الحديث.\rومن لم يعلم الاحكام على الصفة التي ذكرنا قبل، لكن إنما أخذ المسائل تقليدا، فإنه لا يحل لمسلم أن يستفتيه، ولا يحل له أن يفتي بين اثنين، ولا يحل للامام أن يوليه قضاء ولا حكما أصلا، ولا يحل له إن قلد ذلك أن يحكم بين اثنين، وليس أحد بعد النبي (ص) إلا وهو يخطئ ويصيب، فليس خطأه بمانع من قبول صوابه، وبالله تعالى التوفيق، فلا يوجد مفت في الديانة وفي الطب أبدا، إلا أحد ثلاثة أناسي: إما عالم يفتي بما بلغه من النصوص بعد البحث والتقصي، كما يلزمه،\rفهذا مأجور أخطأ وأصاب، وواجب عليه أن يفتي بما علم، وإما فاسق يفتي بما يتفق له، مستديما لرياسة أو لكسب مال، وهو يدري أنه يفتي بغير واجب، وإما جاهل ضعيف العقل، ويفتي بغير يقين علم، وهو يظن أنه مصيب، ولم يبحث حق البحث، ولو كان عاقلا لعرف أنه جاهل، فلم يتعرض لما لا يحسن.\rحدثني أبو الزناد سراج بن سراج، وخلف بن عثمان البحام، وأبو عثمان سعيد ابن محمد الضراب كلهم يقولون: سمعت عبد الله بن إبراهيم الاصيلي يقول: قال لي الابهري أبو بكر محمد بن صالح: كيف صفة الفقيه عندكم بالاندلس ؟ فقلت له: يقرأ المدونة، وربما المستخرجة، فإذا حفظ مسائلهما أفتى.\rفقال لي: هذا ما هو ؟ فقلت له: نعم، فقال لي: أجمعت الامة على أن من هذه صفته لا يحل له أن يفتي.","part":5,"page":695},{"id":696,"text":"قال أبو محمد: علي بن أحمد، وحدثني أبو مروان عبد الملك بن أحمد المرواني قال: سمعت أحمد بن عبد الملك الاشبيلي المعروف بابن المكري، ونحن مقبلون من جنازة من الربض بعدوة نهر قرطبة، وقد سأله سائل فقال له: ما المقدار الذي إذا بلغه المرء حل له أن يفتي ؟ فقال له إذا عرف موضع المسألة في الكتاب الذي، يقرأ حل له أن يفتي.\rثم أخبرني أحمد بن الليث الانسري، أنه حمل إليه وإلى القاضي أبي بكر يحيى بن عبد الرحمن بن واقد كتاب الاختلاف الاوسط لابن المنذر فلما طالعاه قالا له: هذا كتاب من لم يكن عنده في بيته لم يشم رائحة العلم، قال: وزادني ابن واقد أن قال: ونحن ليس في بيوتنا، فلم نشم رائحة العلم.\rقال أبو محمد: لم نأت بما ذكرنا احتجاجا لقولنا، ولكن إلزاما لهم ما يلتزمونه، فإن قول أكابر أهل بلادنا عندهم أثبت من العيان، وأولى بالطاعة مما رووا في حديث النبي (ص)، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان.\rقد بينا صفة الطلب والمفتي والاجتهاد الذي نأمر به، ونصوب من فعله، وهو\rطلب الحكم في المسألة من نص القرآن، وصحيح الحديث، وطلب الناسخ من المنسوخ، وبناء الحديث بعضه مع بعض ومع القرآن، وبناء الآي بعضها مع بعض على ما بينا فيما سلف من كتابنا هذا ليس عليه غير هذا البتة، وإن طالع أقوال الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم عصرا عصرا، ففرض عليه أن ينظر من أقوال العلماء كلها نظرا واحدا، ويحكم فيها القرآن والسنة، فلايها حكم اعتقده وأفتى به واطرح سائرها، وإن لم يجد شيئا مما بلغه منها، في نص القرآن ولا في نص السنة لم يحل له أن يأخذ بشئ منها بل عليه أن يأخذ بالنص وإن لم يبلغه أن قائلا قال به، لما قد بيناه في كلامنا في الاجماع من امتناع الاحاطة بأقوال العلماء السالفين، ومن قيام البرهان على أنه لا يخلو عصر من قائل الحق، فهذا هو الاجتهاد الصحيح الذي يؤجر من فعله على كل حال، فإن وافق الحق عند الله عز وجل أجر أجرا ثانيا على الاصابة، فحصل له أجران، وإن لم يوافق لادراك الحق لم يأثم، وقد حصل له أجر الطلب للحق وإرادته كما قال الشاعر: وما كل موصوف له الحق يهتدي ولا كل من أم الصوى يستبينها","part":5,"page":696},{"id":697,"text":"وكل ما سمي اجتهادا من غير ما ذكرنا فهو باطل وإفك، وزين بأن سمي اجتهادا كما سمي اللديغ سليما، والمهلكة مفازة، والاسود السخامي أبا البيضاء والاعمى بصيرا، وكما سمى قوم المسكر نبيذا، وطلاء وهو الخمر بعينها، ويبين ما قلنا قوله (ص): إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران أو كما قال (ص).\rواعتراضها ههنا أمر نحتاج إلى تفسيره لغلط أكثر الناس فيه، وهو إيقاع اسم الحفظ واسم العلم واسم الفقه، على كل ما يستحق شيئا من هذه الاسماء، لانها أسماء واقعة على صفات متغايرة، فوجب بيانها، فنفسر ذلك في علم الشريعة\rالتي عرضنا في ديواننا هذا الكلام فيها، وبالله تعالى التوفيق، وبه عز وجل نتأيد لا إله إلا هو، فنقول وبالله تعالى نستعين: الحفظ: اسم واقع على وصفه المرء، وهي ذكره لاكثر سواد ما صنف وجمع، وذكر في علمه وغرضه الذي قصد كحافظ سواد القرآن، وحافظ سواد الحديث ونصوصه، أو حافظ نصوص مسائل مذهبه الذي يقصد وينتحل.\rفهذا معنى الحفظ.\rوأما اسم العلم: فهو واقع على صفة في المرء، وهو اتساعه على الاشراف على أحكام القرآن، وروى الحديث صحيحه وسقيمه فقط، فإن أضاف إلى ذلك الوقوف على أقوال الناس، كان ذلك حسنا، كلما اتسع باع المرء في هذه المعاني زاد استحقاقه لاسم العلم، وهكذا في كل علم من العلوم، ويكون مع ذلك ذاكرا لاكثر ما عنده، وليس هذا حقيقة معنى لفظة العلم في اللغة، لكنه معناه في قولهم: فلان عالم، وفلان أعلم من فلان.\rوأما تفسير لفظة العلم في اللغة فقد فسرناه في كتابنا هذا، وفي كتابنا الموسوم بالفصل.\rوأما اسم الفقه: فهو واقع على صفة في المرء، وهي فهمه لما عنده، وتنبهه على حقيقة معاني ألفاظ القرآن والحديث، ووقوفه عليها، وحضور كل ذلك في ذكره متى أراده، ويزيد القياسيون علينا ههنا زيادة وهي: معرفته بالنظائر في","part":5,"page":697},{"id":698,"text":"الاحكام والمسائل وتمييزه لها، فهذه معاني الاسماء المذكورة في قولهم: فلان حافظ، وفلان عالم، وفلان فقيه.\rفإن قال قائل: أيجوز الاجتهاد بحضرة النبي (ص) ؟ فالجواب: أنه فيما لم يؤمروا به ولا نهوا عنه، ولكنه مباح لهم، جائز كاجتهادهم فيما يجعلونه\rعلما للدعاء إلى الصلاة، ولم يكن ذلك على إيجاب شريعة تلزم، وإنما كان إنذارا من بعضهم لبعض، كقول أحدنا لجاره إذا نهض للصلاة: قم بنا إلى الصلاة، حتى إذا نزل الوحي على النبي (ص) بما وافق رؤيا عبد الله بن زيد الانصاري أبطل كل ما كانوا تراضوا به، وقد اجتهد قوم بحضرته (ص) فيمن هم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر، فأخطؤوا في ذلك حتى بين لهم النبي (ص) من هم، ولم يعنفهم في اجتهادهم، وقد أخطؤوا فيه، ولكن بين عليه السلام أنهم لم يصيبوا، وأن الحق في خلاف ما قالوا كلهم.\rفإنما يجوز الاجتهاد في تأويل مثل هذا، وفيما يعرف به بعضهم بعضا بحضور الصلاة وما أشبه ذلك، وأما في إيجاب فرض أو تحريم شئ أو ضرب حد، فحرام أن يجوز فيه لاحد اجتهاد برأيه فقط، أو قول بوجه من الوجوه، لانهم كانوا يكونون بذلك شارعين ما لم يأذن به الله، ومفترين على الله تعالى، وقد نزههم الله تعالى عن ذلك وكل ما جاز لهم رضوان الله عليهم أن يجتهدوا فيه فهو جائز لنا، ولكل إلى يوم القيامة، وما حرم علينا من ذلك وغيره فقد كان حراما عليهم ولا فرق.\rوقد أفتى أبو السنابل باجتهاده في المتوفى عنها زوجها وهي حامل، فأخذ بآية الاربعة أشهر وعشرا فأخطأ، وهو مجتهد فله أجر واحد لانه لم يصب حكم الله تعالى.\rوأما حديث معاذ فيما روي من قوله: أجتهد رأيي، وحديث عبد الله بن عمر وفي قوله: أجتهد بحضرتك يا رسول الله، فحديثان ساقطان.\rأما حديث معاذ فإنما روي عن رجال من أهل حمص لم يسموا، وحديث عبد الله منقطع أيضا لا يتصل.\rفإن قال قائل: أيجوز للانبياء عليهم السلام الاجتهاد ؟ فالجواب وبالله تعالى التوفيق.","part":5,"page":698},{"id":699,"text":"إن من ظن أن الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها فهو كفر عظيم، ويكفي من إبطال ذلك أمره تعالى نبيه (ص) أن يقول: * (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * وقوله: * (وما ينطق عن الهوى ئ إن هو إلا وحي يوحى) * وقوله تعالى: * (ولو تقول علينا بعض الاقاويل ئ لاخذنا منه باليمين ئ ثم لقطعنا منه الوتين) * وأنه عليه السلام كان يسأل عن الشئ فينتظر الوحي ويقول: ما أنزل علي في هذا شئ ذكر ذلك في حديث في زكاة الحمير وميراث البنتين مع العم والزوجة وفي أحاديث جملة وإن كان السائل عن هذا يعني أيجوز عليه الاجتهاد في قبول شاهدين لعلهما مغفلان ؟ فهذا جائز والحكم بيمين لعلها كاذبة ؟ فهذا جائز، لانه (ص) بهذا أمر نصا، وهو (ص) لم يؤت علم الغيب في كل موضوع، وإنما أمر بقبول الشاهدين العدلين عنده من المسلمين أو العدل كذلك مع يمين الطالب أو المرأة الواحدة في الرضاع، أو الكافرين في الوصية في السفر، أو الواحد على رؤية الهلال، أو الاربعة العدول في الزنى، أو المرأتين مكان الرجل، أو يمين المدعى عليه - إن مبطلا وإن محقا - ما لم يعلم هو ببطلان الشهادة، أو قوله: ويسلط الله من يشاء على ظلم من يشاء حتى ينصف كل مظلوم يوم الحشر * (ويوم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ولا مثقال ذرة إلا جازى عليها إلا ما أسقط من ذلك بالتوبة أو باجتناب الكبائر.\rوهذا الذي قلنا هو نص جلي، وقد بين ذلك (ص) بقوله: فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار وبقوله عليه السلام: من حلف على منبري هذا بيمين كاذبة حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار وبقوله عليه السلام: إذا قال له الحضرمي في خصمه: يا رسول الله إنه فاجر لا يرع عن شئ - وكان عليه السلام قد أوجب عليه اليمين - فقال\rالسلام للحضرمي: ليس لك إلا ذلك وإذ قال له أصحابه حين قتل عبد الله بن سهل: يا رسول الله أتقبل أيمان يهودي ؟ فلم يجعل لهم (ص) غير ذلك: وبقوله (ص) للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب فهل منكم تائب.\rفبين عليه السلام أنه إنما يفعل ما أمره به ربه تعالى، ولم يكلف قط أن يعطي الحق صاحبه بيقين، ولا أن يعلم عيب الشهود، ولا كلفنا نحن شيئا من ذلك","part":5,"page":699},{"id":700,"text":"أيضا، وإنما أمر أن يقضي بالبينة العدلة عنده، ولا يقدر على أكثر من أن يحكم بالعدالة الظاهرة إليه، وبظاهر العلم عنده، وكما أمر بقبول اليمين من المنكر، وهما شيئان متغايران: أحدهما: بما شهدت به البينة، وألا يقضي على من حلف في قضية ألزم فيها اليمين، فهذا هو الذي ألزم النبي (ص) وألزمنا نحن بعده السلام.\rوالثاني: أن يمكن صاحب الحق في علم الله تعالى من حقه، وهذا لا سبيل إلى علمه في كل موضع، فإن حرمنا هذا وحرمنا وفاق العدل عند الله عز وجل.\rفلا إثم ولا حرج، لانه لا سبيل إلى علم ذلك بيقين، ولا كلفناه، وهذا لا يسمى اجتهادا على الاطلاق، ولكنه يقين اتباع ما أمر به عليه السلام من الحكم بالعدول على حسب ما يطيق على معرفته، وهو الظاهر، وبقبول يمين المنكر، ولا سبيل إلى اجتهاد النبي (ص) في شرع الشرائع، والاوامر عنده واردة متيقنة، ولا إشكال فيها.\rيعمل خاصها من عامها، وناسخها من منسوخها، ومستثناها من المستثنى منه، علم يقين ومشاهدة في جميع ما أنزل عليه.\rوأما الاجتهاد الذي كلفناه نحن، فهو طلب هذه المعاني، ولم نشاهدها كلها فنعلمها لكن نقبلها من الثقات الذين أمرنا الله تعالى بقبول نذارتهم إلى أن يبلغونا إلى الذين شهدوها، وهم ونحن لا نعلم كل ذلك علم يقين.\rفإن اعترض معترض بفعله عليه السلام في أخذ الفداء، فنزل من عتابه على\rذلك ما نزل.\rفالجواب: أننا لا ننكر أن يفعل عليه السلام ما لم يتقدم نهي من ربه تعالى له عنه، إلا أنه لا يترك وذلك، ولا بدمن أن ينبه عليه.\rوأما الوهم من النبي (ص) وهو يقصد بذلك فعل الخير، فلسنا ننكره إلا أنه لا يقر عليه البتة، وهذا لا يجوز أن يكون في شرع شريعة، ولا إيجاب فرض، ولا تحريم، وإنما هو فيما قدره مباحا له، إذ لم ينه عنه قبل ذلك، لكن كفعله بابن أم مكتوم إذ نزلت: * (عبس وتولى) *.\rوقد احتج بعضهم ممن أجاز الاجتهاد بالرأي في الدين، بأمر سليمان وداود عليهم السلام: * (إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم) *.\rقال أبو محمد: وهذه مسألة اختلف الناس فيها على وجوه، فقوم قالوا: نسخ الله حكم داود بحكم سليمان عليهما السلام.","part":5,"page":700},{"id":701,"text":"قال أبو محمد: وهذا باطل، لانه لو كان كذلك لكان داود مفهما لها، لانه كان يكون حاكما بأمر أمر به قبل أن ينسخ، ولما كان سليمان أولى بالافهام منه.\rوقال بعضهم: حكم بدليل منصوب لم يوافق فيه الحقيقة وحكم سليمان فوافق الحقيقة.\rقال أبو محمد: والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق: إن داود عليه السلام حكم بظاهر الامر، مثل ما لو حكمنا نحن بشهادة شاهدين عدلين عندنا، وهما في علم الله عز وجل المغيب عنا مغفلان، فأطلع الله تعالى على غيب تلك المسألة سليمان عليه السلام.\rفأوحى إليه بيقين من هو صاحب الحق فيها، بخلاف شهادة الشهود أو نحو ذلك مما أفهم الله تعالى سليمان فيه بيقين عين صاحب الحق، فهذا وجه تلك الآية الذي لا يجوز خلافه، لبطلان كل تأويل غيره، ولقوله تعالى في الآية نفسها: * (وكلا آتينا حكما وعلما) * فصح أن داود بالحكم والعلم الذي آتاه الله تعالى في تلك المسألة، وأن سليمان - عليهما جميعا السلام - حكم\rفيها بالحكم والعلم الذي آتاه الله تعالى فيها بالفهم الزائد لحقيقتها.\rوأما ادعاء المرأتين في الولد، ودعاء سليمان عليه السلام بالسكين ليشقه بينهما، فإن سليمان عليه السلام إنما أراد اختبار صبرهما، ولم يهم قط وبشق الصبي، وإنما دعا بالسكين موهما لهما بذلك، وقد يكون الله تعالى أمره بذلك كما أمر إبراهيم عليه السلام بذبح إسماعيل عليه السلام، ولم يرد قط تعالى ذبحه، وإنما أراد اختبار صبر إبراهيم عليه السلام، واختبار صبر المرأتين فقط، ثم نهاه عن شقه، إذ لاح أيتهما أمه.\rكما نهى إبراهيم عن ذبح إسماعيل فهذا أيضا وجه ظاهر حسن، والله أعلم.\rوأما أمر موسى والخضر عليهما السلام، فإن الخضر نبي موحى إليه، ولم يفعل شيئا من كل ما فعل باجتهاد، كما يظن من لا عقل له، وإنما فعل كل ذلك بوحي أوحاه الله إليه.\rوبيان ذلك نص الله تعالى بأن حكى عنه أنه قال لموسى: * (وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) * وأما سؤال موسى عليه السلام له عن ذلك فإنما فعله ناسيا لعهده، ولسنا ننكر أن تنسى الانبياء عليهم السلام، وقد صلى نبينا (ص) خامسة ناسيا وسلم من ثلاث ومن اثنين ناسيا.\rوهذا الذي قلنا هو نص القرآن في قوله تعالى حاكيا عن موسى أنه قال للخضر: * (لا تؤاخذني بما نسيت) *.","part":5,"page":701},{"id":702,"text":"قال أبو محمد: فإن احتجوا بما حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي، عن عمر بن عبد الملك الخولاني، عن محمد بن بكر البصري، عن سليمان بن الاشعث، نا إبراهيم ابن موسى، ثنا عيسى، نا أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال سمعت أم سلمة تقول: قال رسول الله (ص): إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه فهذا حديث ساقط مكذوب، لان أسامة بن زيد هذا ضعيف لا يحتج بحديثه، متفق على أنه كذلك ويبين كذبه ما ذكرنا في أول هذا الباب من الاحاديث التي فيها تركه عليه السلام الحكم فيما لم ينزل عليه فيه شئ، وانتظاره\rالوحى في كل ذلك، ويكفي من ذلك قول الله تعالى آمرا له أن يقول: * (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * وقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى ئ إن هو إلا وحي يوحى) * وأمر الله تعالى له أن يقول: * (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي) *.\rفلو أنه (ص) شرع شيئا لم يوح إليه به، لكان مبدلا للدين من تلقاء نفسه، وكل من أجاز هذا فقد كفر وخرج عن الاسلام، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان فإن احتج فيها معترض بقوله تعالى: * (لتحكم بين الناس بمآ أراك الله) * فإن الذي أراه الله تعالى هو الذكر والوحي بنص الآية، لان أولها: * (إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله) * وقال تعالى: * (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره) * ثم توعده على ذلك فقال: * (إذا لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا) * فبين تعالى أنه عليه السلام","part":5,"page":702},{"id":703,"text":"لو أوجب شيئا في الدين بغير وحي، لكان مفتريا على ربه تعالى، وقد عصمه الله عز وجل من ذلك، وكفر من أجازه عليه، فصح أنه (ص) لا يفعل شيئا إلا بوحي، فسقط الاجتهاد الذي يدعيه أهل الرأي أو القياس جملة.\rوقال تعالى: * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) فصح بهذه الآية أن كل نبي كان قبله، فهكذا كانوا أيضا، إنما اتبع كل نبي شرعته التي أوحي إليه بها فقط.\rوأما أمور الدنيا ومكايد الحروب - ما لم يتقدم نهي عن شئ من ذلك - وأباح الله تعالى له التصرف فيه كيف شاء، فلسنا ننكر أن يدبر عليه السلام كل ذلك على حسب ما يراه صلاحا، فإن شاء الله تعالى إقراره عليه أقره، وإن شاء إحداث منع له من ذلك في المستأنف منع، إلا أن كل ذلك مما تقدم الوحي إليه بإباحته إياه ولا بد.\rوأما في التحريم والايجاب فلا سبيل إلى ذلك البتة، وذلك مثل ما أراد النبي (ص أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة فهذا مباح، لان لهم أن\rيهبوا من أموالهم ما أحبوا ما لم ينهوا على ذلك، ولهم أن يمنعوه ما لم يؤمروا بإعطائه، وكذلك منازله (ص) في حروبه، له أن ينزل من الارض حيث شاء، ما لم ينه عن مكان بعينه، أو يؤمر بمكان بعينه، وكذلك قوله السلام في تلقيح ثمار أهل المدينة، لانه مباح للمرء أن يلقح نخله ويذكر تينه، ومباح أن يترك فلا يفعل شيئا من ذلك.\rوقد أخبرني محمد بن عبد الله الهمداني عن أبيه: أنه ترك تينه سنين دون تذكير فاستغنى عن التذكير، فلعل النخل كذلك، لو توبع عليه ترك التلقيح سنة بعد سنة لاستغنى عن ذلك.\rوهذا كله ليس من أمور الدين الواجبة والمحرمة في شئ، إنما هي أشياء مباحة من أمور المعاش، من شاء فعل ومن شاء ترك، وإنما الاجتهاد الممنوع منه ما كان في التحريم والايجاب فقط بغير نص، وقد نص النبي عليه السلام في حديث التلقيح على قولنا.\rوقال (ص): أنتم أعلم بأمور دنياكم.\rوقد حدثنا بهذا الحديث عبد الله بن يوسف بن ناهي، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وعمر والناقد، وكلاهما عن أسود بن عامر، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام","part":5,"page":703},{"id":704,"text":"ابن عروة وثابت وهشام، عن أبيه عن عائشة، وثابت عن أنس: أن رسول الله (ص) مر بقوم يلقحون النخل فقال: لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم ؟ فقالوا: قلت كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم.\rقال أبو محمد: فهذا بيان جلي - مع صحة سنده - في الفرق بين الرأي في أمر الدنيا والدين، وأنه (ص) لا يقول الدين إلا من عند الله تعالى، وأن سائر ما يقول فيه برأيه ممكن فيه أن يشار عليه بغيره فيأخذ عليه السلام به، لان كل ذلك مباح مطلق له، وإننا أبصر منه بأمور الدنيا التي لا خير معها\rإلا في الاقل، وهو أعلم منا بأمر الله تعالى وبأمر الدين المؤدي إلى الخير الحقيقي، وهذا نص قولنا.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوفي هذا كفاية والحمد.\rومن ذلك ما قال أبو بكر يوم الحديبية لرسول الله (ص) إذ قال له بعض من حضر: أرى أن نميل على عيال هؤلاء - فقال أبو بكر: نرى أن نمضي لوجهنا فهذا كله مباح للامام أن يغزو، وله أن يؤخر الغزو ويومه ذلك وشهره ذلك، ويغزو بعد ذلك.\rفاعلم الآن أن الاجتهاد إنما هو طلب الحقيقة من الوجوه المؤدية إليها، لا من حيث لا يؤدي إليها والطلب، كما ذكرنا هو الاستدلال، فالاستدلال والاجتهاد شئ واحد، وقد يستدل من لا يقع على حقيقة الدليل.\rوكون الشئ في نفسه حقا هو شئ آخر.\rلانه قد يكون الشئ حقا ولا يوافق له طالبه، ولا يضر ذلك الحق، كما أن في منازلنا أشياء لا يعلمها غيرنا من الناس، وليس جهل من جهلها أو ظن فيها غير ما فيها مما يحيل الحق عن وجهه، كما لا نريده علم من علمه درجة في أنه حق، والحق المعلوم والحق المجهول سواء في أنهما حق، واقعان تحت جنس الحق، وكل شيئين وقعا تحت نوع واحد أو تحت جنس واحد، فإنهما متساويان في ذلك النوع وذلك الجنس مساواة صحيحة، نعني فيما أوجبه لهما تلك الجنسية، أو تلك النوعية وكل من بلغه عن النبي (ص) خبر فقد لزمه البحث عنه، فإن لم يفعل فقد عصى الله تعالى.\rوكل من قامت عليه حجة من أصول صححها.\rوأقر بأنها حق، فلاحت له وفهمها، ثم لم يرجع إلى موجبها لتقليد، أو لانه ظن أن ههنا حجة أخرى لا يعلمها فهو فاسق، وذلك نحو من أقر بخبر الواحد، فأتاه حديث صحيح مسند، فتركه","part":5,"page":704},{"id":705,"text":"لقياس أو لهوى، أو تقليدا لمالك أو للشافعي أو لابي حنيفة أو لاحمد أو لداود، أو لصاحب من الصحابة أو تابع، أو فقيه قديم أو حديث معتقدا\rأن ذلك الفقيه أو الصاحب كان عنده فضل علم جهله هو، أو أن النص الذي قاس عليه أحق أن يتبع، فهو فاسق ساقط العدالة عاص لله عز وجل.\rوأما من تعلق بحديث آخر معارض للحديث الذي بلغه، فما دام لا يحقق أصلا في بناء الاحاديث بعضها على بعض، فهو مأجور على اجتهاده - وإن كان مخطئا - ولا إثم عليه في خطئه، وهكذا القول في الآي، وفي الاحاديث والآي، ولا فرق.\rوأما من ذكرنا قبل فبخلاف ذلك، لانه ترك الحق وهو يعلمه، فدخل فيمن شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى.\rوأما إذا حقق أصلا في بناء الاحاديث أو الآي، أو الاحاديث مع الآي فالتزمه، ثم لم يعتقد موجبه فهو فاسق كما قدمنا للآية التي قال تعالى فيها: * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) * وهذا الذي فعل ما ذكرنا، فقد ترك ما أقبلسانه أنه هدى وأنه أمر الله تعالى ورسوله عليه السلام، وصار فيمن شهد على نفسه.\rوكذلك من أبى قبول خبر الواحد، أو أبى قبول وجه العمل في البناء الصحيح في النصوص، فأقيمت الحجة عليه في ذلك كله، من براهين راجعة إلى النصوص وفهمها ولاحت له فلم يرجع إلى الحق في ذلك، وإنما يعذر من لم تقم عليه حجة بجهله فقط، وكذلك من قامت عليه البراهين في إبطال القياس فتمادى عليه.\rوأما من أجاز أن يكون صاحب فمن دونه ينسخ أمرا أمر به رسول الله (ص) أو يحدث شريعة، فهذا كافر مشرك حلال الدم والمال، بمنزلة اليهود والنصارى، وعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، ونحن برآء منه وهو برئ منا، فإن لم تقم عليه الحجة فهو مخطئ مأجور مرة لقصده إلى الخير، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.","part":5,"page":705},{"id":706,"text":"الباب الثاني والثلاثون في وجوب النيات في جميع الاعمال والفرق بين الخطأ الذي تعمد فعله ولم يقصد به خلاف ما أمر وبين الخطأ الذي لم يتعمد فعله وبين العمل المصحوب بالقصد إليه، وحيث يلحق عمل المرء غيره بأجر أو إثم وحيث لا يلحق قال أبو محمد: قال الله عز وجل: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * وقال تعالى: * (ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) *، وقال: * (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم) *، وقال تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) *، وقال تعالى: * (فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) *، وقال تعالى: * (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) *.\rحدثنا حمام بن أحمد، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، ثنا أبو زيد المروزي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا أبو نعيم، ثنا زكريا، عن عامر - هو الشعبي - سمعت النعمان بن بشير، سمعت النبي (ص) يقول - فذكر الحديث، وفيه: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد ابن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، نا داود - يعني ابن قيس - عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) - فذكر الحديث وفيه: التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات.\rحدثنا القاضي حمام بن أحمد، ثنا عبد الله بن إبراهيم الاصيلي، ثنا أبو زيد\rالمروزي، نا محمد ابن يوسف الفربري، نا محمد بن إسماعيل البخاري، نا الحميدي، ثنا سفيان، نا يحيى بن سعيد الانصاري قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.","part":5,"page":706},{"id":707,"text":"حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا عمرو الناقد، نا كثير بن هشام، ثنا جعفر بن برفان، عن يزيد الاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.\rقال أبو محمد: فصح بكل ما ذكرنا أن النفس هي المأمورة بالاعمال، وأن الجسد آلة لها، فإن نوت النفس بالعمل الذي تصرف فيه الجسد وجها ما، فليس لها غيره، وصح أن الله تعالى يقبل إلا ما أمر به، بالاخلاص له، فكل عمل لم يقصد به الوجه الذي أمر الله تعالى به فليس ينوب عما أمر الله تعالى به، فبطل قول من قال: إن من توضأ تبردا أو تعليما، أو تيمم بغير نية، أو لم يأكل ولا شرب ولا وطأ بغير نية، أو مشى في المناسك بغير نية: إنه يجزيه عن الوضوء المأمور به للصلاة.\rوعن التيمم المأمور به للصلاة، وعن الصيام المأمور به، أو المتطوع به لله عز وجل، وعن الحج المأمور به، أو المتطوع به لله عز وجل، لانه لم يخلص في كل ذلك لله عز وجل، ولا فعله ابتغاء مرضاته تعالى، ولا نوى به ما أمر به.\rوقد أخبر الله تعالى على لسان نبيه عليه السلام أنه لا ينظر إلى الصور، فإذا لم ينظر إلى الصور فقد بطل أن يجزي عمل الصورة المنفرد على عمل القلب الذي هو النية، وصح أنه تعالى إنما ينظر إلى القلب وما قصد به فقط، ولا بيان أكثر من تكذيب الله عز وجل لمنافقين في شهادتهم أن محمدا رسول الله.\rوهذا عين\rالحق وعنصره الذي لا يتم حق إلا به، فلما كانوا غير ناوين لذلك القول بقلوبهم صاروا كاذبين فيه، وهذا بيان جلي في بطلان كل قول وعمل لم ينو بالقلب، ونحن نحكي أقوال الكفار ونتلوها في القرآن، ولكنا لم ننوها بقلوبنا لم يضرنا ذلك شيئا، وصح بنص الحديث على رسول الله (ص) أن التقوى في القلب، فكل عمل لم يقصده القلب فليس تقوى، وكل عمل لم يقصد بالمضغة التي بها يصلح الجسد فهو باطل، وإن عمله الجسد، وفي هذا كفاية.\rعلى أن القائلين بخلاف قولنا يتناقضون أقبح تناقض، فمن مفرق بين التيمم والوضوء ومن مفرق في النية في الصوم بين أول النهار وآخره، ومن مفرق في الحج بين الاحرام وبين سائر فرائضه، كل ذلك استطالة في الدين بالآراء الفاسدة","part":5,"page":707},{"id":708,"text":"والاهواء المضلة بلا دليل من الله تعالى، فإن قال قائل منهم: إنما أمر الله تعالى بغسل أعضاء الوضوء فغاسلها، وإن لم تكن له نية قد غسلها، قيل له وبالله تعالى التوفيق: ما أمر الله تعالى قط بغسلها مجردا عن النية بذلك للصلاة وبيان ذلك في الآيتين اللتين ذكرنا.\rوفي الحديثين اللذين نصصنا وأيضا: فإن الصلاة حركات من وقوف وانحناء ووضع رأس بالارض، فإن فعل ذلك إنسان متمددا ومتأملا شيئا بين يديه ومستريحا، حتى أتم بذلك ركعتين في وقت صلاة الصبح لا ينوي بذلك صلاة الصبح أتروه يجزيه ذلك من صلاة الصبح المفترضة عليه ؟ وهذا ما لا يقولونه فقد حصلوا على التناقض.\rفإن احتجوا في الصيام بما روي أنه (ص) كان يدخل على عائشة فيقول: أعندكم طعام فإن قالت: لا.\rقال: إني صائم قيل لهم وبالله تعالى التوفيق.\rلا حجة لكم في ذلك لانه ليس فيه نص على أنه (ص) استأنف الصوم من حينئذ وجائز أن يكون (ص) سأل: هل عندكم طعام وهو قد نوى الصيام، فلو وجد طعاما أفطر عليه وترك الصوم، كما روى من طريق عائشة أنها قربت إليه\rطعاما فأكل وقال (ص): إني كنت أصبحت صائما وهذا جائز لنا نحن أيضا، وأما عمل بلا نية فلا سبيل إليه، لما قدمنا قبل.\rفإن قالوا: فإنكم تجيزون غسل النجاسة بلا نية ؟ فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن كل نجاسة أمر رسول الله (ص) بإزالتها بعمل موصوف وبعدد محدود بلا بد في إزالتها من النية، ولا تجزى إلا بالقصد إليه تأدية العمل المأمور به فيها، وإلا فلا، وأما كل نجاسة أمرنا باجتنابها فقط، دون أن يجد لنا فيها عمل أو عدد فكيف ما زالت فقد زالت وقد اجتنبناها، وأيضا فإنه لولا الاجماع ما أجزنا ذلك ههنا.\rوأيضا فإن لباس الثوب النجس حلال إلا في الصلاة وفرض الصلاة، أن يصلي قاصدا بنيته إلى لباس وثياب طاهرة عنده لا نجاسة فيه، فإذا صلى في ثوب هذه صفته، ناويا لذلك فقد أدى فرضه كما أمر بالنية التي أمر بها، وليس غسلها فرضا، لا يجزي سواه، بل لو قطعها أو انقطع موضعها من ثوبه، أو لبس ثوبا آخر أجزأه، فحسبنا أن يكون الثوب طاهرا لا نجاسة فيه، ولا نبالي كيف زالت النجاسة عنه، ولا فرق بين إجازة مالك النية للصوم لرمضان في أول ليلة منه،","part":5,"page":708},{"id":709,"text":"ويجزي ذلك عنده من تحديد النية كل ليلة، وبين إجازة أبي حنيفة إحداث النية لصيام كل يوم من رمضان قبل زوال الشمس وإن لم ينوه من الليل، ولا فرق بين تقديم النية قبل وقت العمل، وبين تأخيرها عن وقت العمل، وفي كلا الوجهين يحصل العمل المأمور به مؤدى بلا نية مصاحبة له، ولا يجوز أن يؤدى عمل إلا بنية متقدمة، يتصل بها ومعها الدخول فيه بلا مهلة، ولا يعرى الابتداء به منها.\rولو أمكن ذلك في الصوم حتى تكون النية متصلة بطلوع الفجر لما أجزأ غير ذلك، ولكن لما كان ذلك غير ممكن في كل وقت، أجزأ ذلك على قدر الطاقة هذا مع الحديث الوارد في هذا المعنى من طريق حفصة: لا صيام لمن لم يبيته\rمن الليل وبالله تعالى التوفيق.\rولا بد لكل عمل من نية، وكل شئ يتصرف فيه المرء فلا يخلو من أحد وجهين: إما حركة، وإما إمساك عن حركة، وإنما يفرق بين الطاعة من هذين الوجهين وبين المعصية منهما وبين اللغو منهما النيات فقط، ولا فرق بين الطاعة والمعصية واللغو في الحركات والامساك عن الحركات إلا بالنيات فقط، وإلا فكل واحد فهو إما واقع تحت جنس الحركة وإما واقع تحت جنس الامساك عن الحركة.\rفوجب بالضرورة أن لا يتم عمل، ولا يصح أن يكون حركة أو إمساك متوجهين إلى الطاعة المأمور بها.\rخارجين عن المعصية وعن اللغو إلا بنية.\rهذا أمر لا محيد عنه أصلا إلا لجاهل لا معرفة له بحقائق الامور.\rفمن صلى بنية رياء ففاسق عاص، ومن صلى بنية الطاعة التي أمر بها فمطيع فاضل، ومن ركع وسجد وقام وقعد لا بنية رياء ولا بنية الطاعة فذلك لغو، وليس مطيعا ولا عاصيا، ومن توضأ بنية الرياء ففاسق عاص، ومن توضأ بنية الطاعة كما أمر فمطيع فاضل، ومن غسل أعضاءه تبردا بلا نية طاعة ولا بنية رياء فليس مطيعا ولا عاصيا، وإذا لم يكن مطيعا فلم توضأ الوضوء الذي هو طاعة الله عز وجل مأمور به.\rوكذلك الصوم والحج والجهاد والزكاة، لان الصوم إنما هو إمساك عن الاكل والشرب، والوطئ، والقئ، والكذب والغيبة، ومباشرة من لا يحل للمرء مباشرته، فإن أمسك عن كل ذلك بنية الرياء فهو عاص لله عز وجل فاسق غير صائم، وإن أمسك عن كل ذلك بنية الطاعة في تركه كما أمر فهو مطيع فاضل صائم.","part":5,"page":709},{"id":710,"text":"وإن أمسك عن كل ذلك لا بنية الرياء ولا بنية الطاعة كما أمر، فليس مطيعا ولا عاصيا، وإذا لم يكن كذلك فليس صائما، وإذا لم يمسك بنية الطاعة عن ذلك في صوم الفرض في الوقت الذي أمر فيه بالامساك عن كل ما ذكرنا فهو عاص، لانه\rخالف ما أمر به وهكذا القول في رمي الجمار والوقوف بعرفة والمزدلفة والطواف والسعي.\rوكذلك سائر الاشياء كلها.\rفمن أكل الشعير مؤثرا بالبر المساكين، ناويا للبر في ذلك، ففاضل محمود، ومن أكله لؤما وبخلا وخزن البر مستكثرا للمال.\rفمذموم آثم، ومن مشى راجلا وحمل متاعه بيده، تواضعا لله تعالى لا بخلا ولا دناءة، وتصاون عن الخسائس مع ذلك، وتصدق ناويا بكل ذلك ما ذكرنا، فهو فاضل محمود، ومن فعل ذلك بخلا ودناءة فمذموم، وإن فعل بنية رياء ففاسق، ومن أنكح بنته عبده أو علجا - كما فعل ضرار بن عمرو - تواضعا ونيته التسوية بين المسلمين، وهو مع ذلك عزيز النفس غير طمع ولا جشع ففاضل محمود عند أهل العقول، رائض لنفسه الغضبية، ومن فعل ذلك طمعا أو مهانة نفس فمذموم ساقط، ومن لبس الوشي المرتفع الذي ليس حريرا بنية الاقتداء بالنبي (ص) فمأجور فاضل، ومن لبسه بنية التخنث والاشر والاعجاب ففاسق مذموم، وهكذا جميع الاعمال، أولها عن آخرها، فصح أن لا عمل أصلا إلا بنية كما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق.\rفإن قال قائل: أنتم تقولون فيمن أعتق في نفسه أمته أو عبده، ونوى عتقهما وأمضاه نية صحيحة، إلا أنه لم يلفظ بعتقهما أنهما لا يكونان بذلك حرين، ولا يكون هو معتقا لا عند الله ولا في الحكم، فإن العبد والامة باقيان مملوكين له كما كانا.\rوتقولون فيمن طلق في نفسه، ونوى الطلاق إلا أنه لم يلفظ بلفظ من ألفاظ الطلاق: إنه لا يكون مطلقا بذلك لا عند الله ولا في الحكم، وإنما امرأته حلال له كما كانت، حتى أنكم تقولون: إنه إن لفظ بلفظ ليس من ألفاظ الطلاق ونوى به الطلاق، إنه لا يلزمه بذلك طلاق وإنها امرأته كما كانت حلال له في الحكم والفتيا معا.\rوتقولون: إن من وهب نيته أو تصدق بنيته بشئ من ماله مسمى، ولكنه\rلم يلفظ بلفظ من ألفاظ الهبة أو الصدقة إنه بذلك غير واهب ولا متصدق،","part":5,"page":710},{"id":711,"text":"ولا يلزمه شئ، لا في الفتيا ولا في القضاء، وإن اعترف بذلك وأقر بأنه نواه.\rثم تقولون: إن من نوى في حال صيامه أنه تارك للصوم عامدا بذلك، ذاكرا لصومه، إلا أنه لم يأكل ولم يشرب ولا وطئ ولا فعل فعلا ينقض الصوم، فإن صومه قد بطل، وأنه قد أفطر، وتقولون فيمن نوى في حال صلاته: إنه تارك الصلاة خارج عنها، إلا أنه لم يفارق ما هو فيه من هيئتها أنه قد بطلت صلاته إذا تعمد ذلك وهو ذاكر أنه في صلاة، وتقولون فيمن نوى في حال إعطائه زكاة ماله أنه ليس ذلك عن زكاته المفترضة عليه، إنه كذلك غير مؤد فرض زكاته وأن عليه أداءها ثانية.\rوتقولون فيمن نوى في حال تذكيته ما يذكي: أنه عابث غير قاصد إلى التذكية المأمور بها، إنها ميتة لا يحل أكلها، وتقولون فيمن نوى في حال عمرته وحجه إنه رافض لهما، وهو مع ذلك متماد في عملهما، فإن حجه وعمرته قد بطلا، وتقولون فيمن نوى في حال وضوئه وغسله، إن بعض عمله لهما لا ينوي به أداء الغسل الوضوء المفترضين عليه: إن ذلك الغسل والوضوء ناقصان، لا بد من إعادة ما عمل بغير نية.\rوتقولون فيمن أتم كل هذه الاعمال بنية لها فلما أتمها نوى بطلانها: إنه لا يبطل شئ منها بذلك، وأنها ماضية جازية جائزة، فما الفرق بين ما جوزتموه وبين ما أبطلتموه من ذلك ؟ وهل كل ذلك إلا سواء ؟ وما الفرق بين استغناء النية في بعض هذه الوجوه عن مضامة العمل إليها، وبين افتقارها إلى مضامة العمل إليها في بعضها ؟.\rفالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن جميع الاعمال المأمور بها هي مفتقرة إلى\rنية تصحبها كما قدمنا لما ذكرنا في أول هذا الباب من وجوب القصد إلى الله تعالى والاخلاص له بالعمل، فمتى قصد المرء إلى إبطال تلك النية فقد بطل ذلك العمل، إذ لم يأت به كما أمر من إصحاب النية إياه، فلذلك بطل ما ذكرنا من الوضوء والغسل والصوم والحج، لانه ليس إلا صائم أو غير صائم، أو مصل، أو غير مصل، ومتوضئ أو غير متوضئ.\rوهكذا في الزكاة والحج وغير ذلك، فإذا لم يكن صائما.\rولا مصليا ومتوضئا كما أمر، فهو غير صائم ولا متوضئ ولا مصل","part":5,"page":711},{"id":712,"text":"وهكذا، سائر الاعمال.\rوهكذا القول عندنا، فيمن طلق أو عتق أو تصدق بغير نية، إن كل ذلك لا يلزمه عند الله تعالى، وإن كنا نقضي عليه بإمضائه، لانا لا نعلم نيته في ذلك، ولو علمنا أنه بغير نية لما حكمنا عليه بشئ من ذلك أصلا، فلو وصل قوله كله فقال: عبدي حر بغير نية مني لعتقه، أو قال ذلك في الطلاق والنكاح والصدقة والهبة، لما أنفذنا عليه شيئا من ذلك أصلا.\rوكل ما ذكرنا وما لم نذكر من سائر الاعمال، فلا تجزئ فيه النية دون العمل ولا العمل دون النية، ولا بد من اقترانهما معا، لانه مأمور من الله تعالى بهما معا، فلا بد في الصلاة من حركات محدودة معمولة مع النية، ولا بد في الوضوء من مثل ذلك أيضا، ولا بد في الحج من مثل ذلك، ولا بد في الصوم من إمساك عن كل ما أمر بالامساك عنه، مع النية أيضا، ولا بد في العتق والطلاق، والنكاح والهبة والصدقة، من نطق ولفظ مع النية في كل ذلك، لانه لا يعلم شئ من ذلك إلا بالالفاظ المعبرة عنه، وإن انفرد في كل ما ذكرنا عمل دون نية فهو باطل، وإن انفرد نية فيه دون عمل فهي باطل أيضا.\rفمن نوى أن يصلي أو يتوضأ، أو يحج أو يصوم ولم يصل ولا توضأ ولا حج ولا صام فلا شئ له، فلا يظن الظان أن قولنا اختلف في شئ مما ذكرنا، بل هو كله باب واحد، وهو أنه لا بد من\rعمل ونية، لا حكم لاحدهما دون الآخر، ومن خالفنا في هذا فإنه يتناقض، فمرة يقول بقولنا في بعض المواضع، ومنها الصلاة، ومرة لا يقول بقولنا دون دليل، لكن اتباعا للهوى والتقليد الذي لا يحل.\rفإن قال: فإنكم تقولون فيمن أفطر ناسيا غير ذاكر لصومه، أو تكلم أو عمل أو أكل ناسيا في صلاته غير ذاكر أنه في صلاة، أو قتل صيدا وهو محرم غير معتمد لقتله - إنه لا شئ عليه في كل ذلك.\rثم تقولون: من أحدث بشئ يخرج من مخرجيه من غائط أو بول أو ريح أو مذي أو ودي أو مني ناسيا، أو نام مغلوبا فقد بطلت طهارته وتقولون إن من ذبح أو نحر أو تصيد، فلم يسم الله تعالى فالجواب وبالله تعالى ناسيا أو عامدا، فكلاهما سواء لا يحل أكل شئ من ذلك فالجواب وبالله التوفيق: أن الاصل الذي تجري عليه الفتيا أنه لا شئ","part":5,"page":712},{"id":713,"text":"على الناس لقوله تعالى: * ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * فلا يخرج عن هذا النص إلا ما أخرجه نص أو إجماع، فلهذا النص ولما أخبرنيه أبو العباس أحمد بن عمر العذري، أنا الحسين بن عبد الله الجرجاني، ثنا عبد الرزاق ابن أحمد بن عبد الحميد الشيرازي، أخبرتنا فاطمة بنت الحسن بن الريان المخزومي وراق القاضي أبي بكار بن قتيبة قالت: ثنا الربيع بن سليمان المؤذن، ثنا بشر بن بكر عن الاوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.\rففي هذا الحديث نص التسوية بين العمل المقصود نسيانا بغير نية، وبين الخطأ الذي لم يقصد، فلهذا ولنصوص أخر لم يبطل الصوم بفطر نسيان، ولا بطلت الصلاة لعمل نسيان، وهكذا كل نسيان، إلا نسيانا استثناه من هذا النص نص\rآخر أو إجماع، كما صح من الاجماع المتيقن المقطوع به في الاحداث المذكورة أنها تنقض الطهارة على كل حال بالنسيان والعمد.\rوبالضرورة ندري أنه لم يزل الناس يحدثون في كل يوم من عهد رسول الله (ص)، وكلهم يوجب الوضوء من ذلك، فصح أنه إجماع منقول إلى رسول الله (ص)، وكذلك النوم لانه لا يكون إلا بغلبة أبدا لا بقصد، ولو قصد المرء دهره كله أن ينام لم يقدر إلا أن يغلبه النوم، وأما سائر الاحداث التي لا إجماع فيها فإنها لا تنقض الطهارة عندنا إلا بالقصد والعمد لا بالنسيان، كاللمس للنساء وكمس الفرج.\rوأما الذكاة فإن النص ورد بألا نأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، قال تعالى: * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) * وقال تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) * فلما كان ما ذكاه الناس للتسمية مما لم يذكر اسم الله عليه بلا شك كان مما نهينا عن أكله بالنص، وأما الاثم فساقط عن الناسي جملة.\rوقد رام قوم أن يتوصلوا إلى إباحة ما نسي ذكر اسم الله عليه بقوله عز وجل في الآية المذكورة: * (وإنه لفسق) * وقالوا: الفسق لا يقع إلا على النسيان.\rقال أبو محمد: وهذا تمويه ضعيف، لاننا لم نقل إن الله تعالى أوقع اسم الفسق على نسيان الناسي للتسمية، وإنما قلنا ما في نص الآية: إن ذلك الشئ المذبوح أو","part":5,"page":713},{"id":714,"text":"المنحور أو المتصيد الذي لم يسم الله تعالى عليه عمدا أو نسيانا هو نفسه المسمى فسقا، كما سمى الله تعالى الخمر والميسر رجسا من عمل الشيطان، فبطل تمويههم، وكان الناس لذكر اسم الله تعالى على التذكية غير مذك، وغير المذكى لا يحل أكله، وكذلك من نسي أن يذكي ففك الرقبة، وكذلك من نسي النية في مدخل صلاته ومدخل صومه ومدفع زكاته، فهؤلاء كلهم غير مصل ولا صائم ولا مزك، إلا أن الزكاة ليست مرتبطة بوقت محدود الطرفين فهي تقضى أبدا.\rوقد جاء\rالنص بوجوب قضاء الصلاة على الناسي، وأما الصيام فهو مرتبط بوقت محدود الطرفين، فلا سبيل إلى نقله إلا بنص آخر، وكذلك المذكي إنما هو عمل في شئ بعينه، لا يقدر على استرجاعه بعد موته، فلما لم يسم الله عليه بنسيان أو عمد فهو ميتة لا يحل أكله، والتسمية في اللغة لا تقع إلا على ما ذكرنا باللسان لا على ما استقر في القلب دون ذكر باللسان.\rوالعجب كل العجب ممن يرى على المفطر ناسيا القضاء ولا يعذره، وقد جاء النص بأنه صائم تام الصوم، ثم يرى أكل ما نسي ذكر اسم الله تعالى عليه من المذبوحات وغيرها، ويعذر ههنا بالنسيان حيث عم النص بالمنع منه، وهذا كما ترى، وبالله تعالى التوفيق.\rوكذلك من افتتح العمل الذي أمر به بنية قصد إليه كما أمر، ثم نسي النية في درج ذلك العمل، وكان العمل متصلا غير منقطع، فهذا لا يبطل عمله بالنسيان للنص الذي ذكرنا، فبطل بكل ما ذكرنا ما ظنه الظان من أن قولنا: إن كون الفطر بنية الفطر عمدا في الصوم دون الاكل واقع أنه مخالف لقولنا: إن العتق والطلاق بالنية دون النطق غير واقعين، بل هو كله باب واحد، وذلك أن الامساك عما ينقض الصوم بغير نية، قصد بذلك إلى أداء الصوم فاسد باطل.\rوكذلك نية الصوم دون الامساك عما ينقض الصوم عمدا باطل فاسد.\rوكذلك العتق والطلاق دون نية لهما باطل، وكذلك النية لهما دون إظهارهما بما لا يكونان إلا به فاسدة باطل، ولاح أن الشك إنما وقع لمن وقع في هذا لاختلاف الاجوبة.\rوبيان تحقيق رفع الاشكال في هذا الباب هو أن يسأل السائل فيقول: ما تقولون فيمن طلق في نيته دون قول ؟ وفيمن أعتق في نيته دون قول ؟ وفيمن","part":5,"page":714},{"id":715,"text":"أفطر في نيته دون عمل يفسد به الصوم ؟ وفيمن نوى إبطال صلاته التي هو فيها\rبنيته دون عمل مضاد للصلاة، أو نوى تبردا في خلال وضوئه وليحدث حدثا ينقض الوضوء، وفعل كل ذلك عامدا ذاكرا لما هو فيه ؟.\rفالجواب وبالله تعالى التوفيق أن نقول له: كل من ذكرت لا عتق له ولا طلاق له ولا صوم له، ولا وضوء له، ولا صلاة له، ومثل هذا الايمان فإنه قول ونية فمن عدم النية ولفظ بالايمان فهو إيمان له، ومن عدم القول ونوى بالايمان فلا إيمان له، وإذا كان لا إيمان له فهو كافر، لانه ليس إلا مؤمن أو كافر، وأما من أتم العمل الذي أمر به كما أمر به، من عمل ونية ثم نوى بعد انقضائه نقضه وإبطاله، لم يكن ذلك العمل منتقضا، لانه قد كمل وتأدى كما أمر الله تعالى، وانقضى وقته فلا ينقضه نية مستأنفة.\rوكذلك لا تصلح العمل الفاسد نية غير مضامة له، إما متقدمة وإما متأخرة، وقد أقمنا البراهين على أن كل ما صح في وقت لم يبطل في ثان إلا بنص أو إجماع وما بطل في وقت لم يصح في ثان إلا بنص أو إجماع، وهذا القول فيمن طلق بنية وأعتق بنيته دون لفظ: إن الملك والنكاح قد صحا في أول فلا يبطلان في ثان إلا بنص، ولا نص ولا إجماع في بطلانهما بالنية دون الالفاظ الموضوعة لنقضهما، وبطل بما ذكرنا قول من أراد أن يحقق جواز العمل بنية متقدمة له غير متصلة به، لانه لو جاز أن يكون بين النية والعمل دقيقة لجاز أن يكون بينهما مائة عام ولا فرق.\rوقد قال المالكيون: إن في أول ليلة من شهر رمضان تجزئ النية لصيام باقيه، وهذا باطل، لانه لو جاز ذلك لاجزت نية واحدة في أول رمضان يصومه المرء عن إحداث نية لكل رمضان يأتي، وهم لا يقولون ذلك، فإن قالوا: إنه يحول بين رمضان ورمضان شهور لا صيام فيها، قيل لهم: وكذلك يحول بين كل يومين من أيام رمضان ليل لا صيام فيه، ولكل يوم حكمه، وقد يمرض ويسافر فيفطر ولا يبطل لذلك صيام ما سلف.\rومن قولهم: إن انتقاض صيام يوم من رمضان\rبطاعة أو بمعصية لا ينقض صيام ما سلف فيه، وهذا هدم لقولهم، فإن ادعوا في ذلك إجماعا أكذبهم سعيد بن المسيب عميد أهل المدينة، لانه يقول: من أفطر في رمضان يوما عمدا فعليه قضاء الشهر كله، لانه عنده كيوم واحد وكصلاة","part":5,"page":715},{"id":716,"text":"واحدة، إن انتقضت منها ركعة تعمدا انتقضت كلها فاستبان بكل ما ذكرنا أن كل هذا نوع واحد لا خلاف بين شئ منه، ولم نقل هذا على أننا حاكمون لبعض ما ذكرنا بمثل حكمنا لسائره، قياسا، ومعاذ الله من ذلك.\rولكنا أرينا أصحاب القياس تناقضهم في ذلك، حيث يرتضونه ويصححونه ويحكمون به من القياس الفاسد.\rوأما نحن فإنما معتمدنا في كل ما ذكرنا على ما قد بيناه من أن كل عمل خلا من نية، أو كل نية خلت من عمل، فكل ذلك فاسد لقوله تعالى: * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * فأمرنا بشيئين كما ترى، العبادة وهي العمل، والاخلاص وهو النية، فلا يجزئ أحدهما دون الآخر، وبقوله عليه السلام: إنما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فصح بهذا النص أنه لا عمل إلا بنية مقترنة معه، غير متقدمة ولا متأخرة، وقوله تعالى: * (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) * إلا أن يأتي نص باستثناء شئ من هذه النصوص فنصير إليه وإلا فلا.\rوقد سألني بعضهم فقال: ما تقول فيمن أفطر ناسيا لصومه ؟ فقلت له: صومه تام.\rقال: فما تقول فيمن ترك ركعة من صلاته ناسيا ؟ فقلت: يصليها ما لم ينتقض وضوءه، أو يعيد الصلاة كلها إن انتقض وضوءه، فقال لي: لم فرقت بين الامرين ؟ وهلا أجزت الصلاة مع نسيان بعضها، كما أجزت الصيام مع نسيان بعضه بإفطار في بعض نهاره ؟.\rفالجواب وبالله تعالى التوفيق: إننا لسنا من أصحاب القياس فيلزمنا هذا السؤال، وإنما اتبعنا النص الوارد فيمن أفطر ناسيا أنه يتم صومه، واتبعنا فيمن نسي صلاته\rأو بعضها أن يصليها، لاننا مأمورون بالصلاة بالنص، وبعض الصلاة صلاة، فمن لم يصل ناسيا، قيل له بالنص: أقم الصلاة التي نسيت إذا ذكرتها ولا مزيد، ولكنا نتطوع ونريه فساد ما أراد إلزامنا إياه من طريق القياس الذي يدعونه، وهم أترك الناس لطرده.\rفنقول وبالله تعالى التوفيق: ليس يشبه تارك ركعة ناسيا من أفطر ناسيا، وإنما يشبه من أفطر ناسيا من تكلم في صلاته ناسيا، ويشبه تارك الركعة ناسيا من نسي أنه صائم، فنوى الفطر في باقي نهاره إلا أن النص فرق بين حكميهما، وذلك أن النبي (ص) يقول: من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ولم يأمر في نسيان الصوم بذلك والصوم له وقت محدود","part":5,"page":716},{"id":717,"text":"حده الله تعالى فلا سبيل إلى نقله إلى وقت آخر أصلا إلا حيث جاء النص بنقله فقط، ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى، قال الله عز وجل: * (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * نعوذ بالله من الظلم والظلم حرام.\rوأما من نوى أن يفطر ولو بعد ساعة ولم ينو أنه مفطر في وقته ذلك فلا يكون بذلك مفطرا أصلا، فإن جازت تلك الساعة ولم يحدث فيها نية للفطر مجددة لم يضر صومه تلك شيئا وصومه تام.\rوهكذا من نوى أيزني ولم يزن أو أن يشرب ولم يشرب أو أن يتصدق ولم يتصدق، لا يكتب له ولا عليه ما لم يفعل من كل ذلك شيئا، وهو كله باب واحد ولا عمل إلا بنية مصحبة للدخول فيه يكون أول الدخول فيه بعد إحداثها.\rوالخطأ يكون على ضربين: أحدهما فعل لم يقصده الانسان أصلا، وذلك كرجل رمى غرضا فأصاب إنسانا لم يقصده، وكإنسان جر نفسه فاستجر ذبابا، فدخل حلقه وهو صائم، أو أراد حك فخذه فمس ذكره فهذا وجه، وهو الذي يسميه أهل الكلام التولد، لانه تولد عن فعله ولم يقصد هو فعله.\rوالوجه الثاني:\rفعل قصد الانسان عمله إلا أنه لم ينو بذلك طاعة ولا معصية، ولا نوى بذلك ما حدث من فعله، ولا قصد إلى بعض ما أمر به، ولا إلى خلاف ما أمر به كإنسان لطم آخر فوافق منية الملطوم، أو كإنسان صائم عمد الاكل وهو غير ذاكر لصومه، ولا قاصد إفساد صومه، أو نسي أنه في صلاة فقصد إلى الاكل أو إلى الكلام أو إلى المشي غير عامد لافساد صلاته، أو نسي أنه على طهارة فقصد إلى مس ذكره غير قاصد بذلك إلى نقض وضوئه، أو سقاه إنسان بحضرة عدول من إناء أخبره أن فيه نبيذا غير مسكر، فلما جرع منه قاصدا إلى شربه علم أنه خمر، فأزاله عن فيه بعد أن شرب منه، أو وطئ امرأة لقيها في فراشه عامدا لوطئها وهو يظنها امرأته فإذا بها أجنبية أدخلت عليه، أو قرأ آية قاصدا إلى الالفاظ التي قرأ يظنها من القرآن وهي بخلاف ذلك في القرآن، أو قتل صيدا عامدا لقتله غير ذاكر لاحرامه وهو محرم.\rفهذا وجه ثان وكلاهما مرفوع لا ينقض شئ من ذلك عملا ولا إيمانا، ولا يوجب إثما ولا حكما إلا حيث جاء النص بأنه يوجب حكما مما ذكرنا، فيوقف عنده ويكون مستثنى من الجملة التي ذكرنا منها طرفا، كالنص","part":5,"page":717},{"id":718,"text":"الوارد في إيجاب الدية على العاقلة، لانه في كلا الوجهين المذكورين لم ينو معصية.\rوكذلك من فعل أي فعل كان ولم ينو به الطاعة لله تعالى فهو غير موجب له أجرا ولا أدى ما أمر به.\rوأما العمد المرتبط بالقصد إلى ما يحدث من ذلك العمد، أو إلى بعض ما هو فيه كقصد الصائم إلى الاكل، وهو ذاكر لانه صائم فرض، وكضربه إنسانا بما يمات منه قاصدا لضربه به، عالما بأنه قد يمات من مثله، وكتبديله القرآن عامدا عالما بأنه ليس كذلك في المصحف، وكشربه الخمر، وهو يعلمها خمرا، وكوطئه أجنبية، وهو يعلم أنها ليست له زوجا، ولا ملك يمين.\rفهذا كله يوجب الحكم بالاثم، وبما\rأتى به النص.\rوإنما قلنا في قاتل الصيد عامدا لقتله غير ذاكر لاحرامه: إنه لا جزاء عليه لقوله تعالى في آخر الآية: * (ومن عاد فينتقم الله منه) * والنقمة لا تقع إلا على عاص ولا يكون عاصيا بقتل الصيد أصلا إلا حتى يعمد قتله، وهو مع ذلك ذاكر لاحرامه، عالم بأنه منهي عن قتله في تلك الحال، هذا ما لا خلاف فيه، أعني أنه لا يأثم إلا في هذه الحال.\rوكذلك من قصد بنيته إلى فعل الطاعة فهو مؤد لما أمر به من ذاك والنفس هي الفعالة، وفعلها المعرفة بما نفعله وغرضها فيه، وهي المحركة للجسد فلا بد من توفيتها فعلها الذي أمرت به بتمامه.\rومما ذكرنا: من لقي رجلا في صف المشركين فظنه مشركا فقتله عمدا، وهو لا يعلم أنه مسلم، فإذا هو مسلم، فلا خلاف في أنه لا قود عليه ولا إثم.\rوكذلك سقط الاثم والقود عن المتأول من الحكام، وإن كان عامدا، ليس ذلك إلا لانه لم يقصد خلاف ما أمر به وهو يعلمه معصية.\rوكذلك من أكل لحم خنزير وهو يظنه لحم كبش أو حنث غير ذاكر ليمينه فكل هذا لا شئ عليه فيه ولا قضاء ولا إثم ولا تعزير ولا حد.\rفإن جاء نص في شئ ما من ذلك كان مستثنى، كمن صلى وهو يظن أنه متوضئ، فإذا به غير متوضئ فذكر بعد ذلك، فهذا لم يصل فليصل، لقوله عليه السلام: لا صلاة إلا بطهور وهذا لم يصل كما أمر وأما من صلى وفي ثوبه شئ فرض اجتنابه على من بلغه، أو صلى إلى غير القبلة، فإن كان ممن لم يبلغه فرض اجتناب ذلك الشئ، ولا فرض القبلة، فصلاته تامة، لانه لم يكلف ما لم يبلغه، فإن كان ممن بلغه كل ذلك فعليه أن يعيد الصلاة ما دام وقتها،","part":5,"page":718},{"id":719,"text":"لانه علم ووقتها قائم، إذ لم يصل تلك الصلاة كما أمر، ففرض عليه أن يصليها كما أمر.\rوأما بعد الوقت فلا، لانه لا يصلي صلاة إلا في وقتها حاشا النائم والناسي والسكران، فإنهم خصوا بالنص فيهم، وكالدية وعتق الكفارة في قتل\rالخطأ، فهذا مستثنى بالنص من سائر ما لم يقصده المرء.\rواعلم أن خصومنا يتناقضون في كل ما ذكرنا تناقضا لا يرجعون فيه إلى أصل، لكن مرة يلزمونه ومرة لا يلزمونه دون برهان من الله تعالى في كل ذلك.\rومما يؤيد ما قلنا ما حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم، ثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل.\r- هو شقيق بن سلمة - يقول: ثنا أبو موسى الاشعري، أن رجلا أعرابيا أتى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله ؟ فقال له رسول الله (ص): من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.\rوقد روى الاعمش هذا الحديث فذكر فيه: الذي يقاتل شجاعة وحمية وغضبا ورياء وأنه (ص) لم يجعل في سبيل الله إلا من قاتل لتكون كلمة الله عز وجل العليا، فلو أجزأ عمل بغير نية لاجزأ الجهاد الذي هو أفضل الاعمال بعد الايمان، ولكن لا سبيل إلى أن يجزئ عمل بغير نية.\rومن هذا الباب أيضا المكره على الكفر، فإن عبد بلسانه ولم يعبد بقلبه فلم يخرج بذلك عن الايمان، قال الله تعالى: * (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) * فإنما راعى تعالى عمل القلب فقط، وقد بين ذلك النبي (ص) إذ سئل عمن أكل ناسيا، فأخبر عليه السلام أنه لم ينتقض صومه بذلك، ولا شك في أن هذا الصائم عمد الاكل، ولكنه كان ذاكرا لصيامه، فصح ما قلنا نصا، وبالله تعالى التوفيق.\rوقال تعالى: * (لا تكلف إلا نفسك) * احتج بهذا قوم في إبطال أن يحج أحد عن غيره أو يصلي أحد عن غيره أو يصوم أحد عن غيره، وقد أخطؤوا في ذلك خطأ فاحشا، وليس في هذه الآية معارضة لامر النبي (ص) بالحج عن الشيخ الكبير، وبالصيام عن الولي الميت، وبقضاء النذر عن الميت، لان كل ما ذكرنا فالحي المؤدي هو المكلف ذلك في نفسه، وهي شريعة ألزمه الله تعالى","part":5,"page":719},{"id":720,"text":"إياها وافترضها عليه، كالصلوات الخمس وسائر صيامه في رمضان، فقد تعين في ذلك فرضا على الولي زائدا، كلفه في نفسه، هو مأجور على أدائه، لانه أدى فرضا كلفه.\rوالله تعالى متفضل على الميت والمحجوج عنه بأجر آخر زائد، وخزائن الله لا تنفد، وفضله تعالى لا ينقطع، فبطل ظن من جهل ولم يفهم، وقدر أن بين الآية التي ذكرنا، والاحاديث التي وصفنا (تعارضا) وقد تناقضوا فأجازوا أن يؤدي المرء الدين عن غيره، وجعلوا له أجرا بذلك.\rوللميت المؤدى عنه حطيطة الدين الذي عليه، وهكذا قلنا نحن في سائر ما أمرنا بأدائه من الصوم والحج والصلاة المنذورة ولا فرق،، وأوجبوا غرم بني عم المرء الدية عن القاتل خطأ فنقضوا قولهم، فإن قالوا: الاجماع أوجب ذلك كذبوا، لان عثمان البتي لا يرى ذلك، يعني غرم العاقلة الدية عن قاتل الخطأ.\rقال أبو محمد رحمه الله: واحتج مخالفنا أيضا في ذلك بقوله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) *.\rقال أبو محمد: وقد بينا فيما خلا أن يضاف كل ما قاله (ص) إلى ما قال ربه تعالى.\rفصح أنه تعالى قد يتفضل على المرء بأن يلحقه دعاء ولده بعد موته وليس بما سعى، وأنه تلحقه صدقة وليه عنه وليس مما سعى، وكذلك سائر ما نص عليه السلام على أنه يلحقه، وقال تعالى: * (وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون ئ وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) * وقال تعالى: * (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) *.\rوأخبر عليه السلام أن من سن في الاسلام سنة حسنة كان له أجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا.\rقال أبو محمد: وكل هذا متفق لا تعارض فيه أصلا، لان معنى قوله تعالى: * (وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ) * أي أنهم لا يسقطون عنهم بتقليدهم إياهم إثما، ولكن للعامل إثمه، وللسان مثل ذلك أيضا، وهذا بين، وبالله تعالى التوفيق.\rوكذلك ما أمر به رسول الله (ص) من ألا يحنط الميت المحرم، ولا يمس طيبا، ولا يغطى وجهه ولا رأسه، وأن يكفن في ثوبه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا، وما","part":5,"page":720},{"id":721,"text":"أمر به (ص) في الشهيد ألا يغسل ولا يكفن، وأن يدفن في ثيابه، وأخبر (ص) أنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون دم والريح ريح مسك فكلا الامرين عمل كلفناه نحن وألزمناه، فمن فعله أطاع الله تعالى، ومن لم يفعله عصى الله عز وجل.\rفتخيل أهل الجهل والاستخفاف بأوامر الله تعالى، وأوامر رسوله (ص) فقالوا: إن عمل الميت قد انقطع، فيا ليت شعري من قال لهم: إن هذا عمل أمر به الميت وإنما قيل لهم: إنه عمل أمرنا نحن به في الميت، كما أمرنا بغسل سائر موتانا وتحنيطهم بالسدر والكافور والصلاة عليهم، فهذا كله سواء ولا فرق.\rوتلبية المحرم يوم القيامة فضل له حينئذ وجزاء كثعب جرح الشهيد، ولا فرق فبطل تمويه أهل الجهل والحمد لله.\rوكذلك قوله: * (إن احسنتم احسنتم لإنفسكم وإن أسأتم فلها) * وقوله تعالى: * (يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا) *، وقوله تعالى: * (يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) * وقوله تعالى: * (وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان ذا قربى وقوله تعالى: * (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه) * وقوله تعالى: * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) *.\rقال أبو محمد رحمه الله: فهذا كله لا يعارض ما ذكرنا البتة، وإنما معناه أن أحدا لا يحمل إثم غيره ولا وزره، إلا أن يكون سن ذلك العمل السوء فله مثل\rإثم صانعيه أبدا، لان الآي مضاف بعضها إلى بعض، وقد قال تعالى: * (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكله كفل منها وكان الله على كل شئ مقيتا) *.\rوأخبر عليه السلام أن كل قتيل يقتل فعلى ابن آدم الاول كفل منه، لانه أول من سن القتل.\rفمعنى الآي الاول أن الله لا يلقي إثم أحد على برئ منه، وأما من استن الشر ورتبه فله حظ من كل فعل يوافق ما سبق، وكذلك من سن الخير أبدا، فلا يلحق عمل أحد أحدا أبدا إلا ما جاء به النص، فيصير حينئذ فعلا مأمورا به من كلف أداه، يؤجر على فعله ويأثم بتركه كسائر ما أمر به ولا فرق، وبالله تعالى التوفيق، وحسبنا الله ونعم الوكيل.","part":5,"page":721},{"id":722,"text":"الباب الثالث والثلاثون في شرائع الانبياء عليهم السلام قبل محمد (ص) أيلزمنا اتباعها ما لم ننه عنها أم لا يجوز لنا اتباع شئ منها أصلا إلا ما كان منها في شريعتنا وأمرنا نحن به نصا باسمه فقط ؟ قال أبو محمد رحمه الله: قد ذكرنا الوجوه التي تعبدنا الله تعالى بها، والتي لا حكم في شئ من الدين إلا منها.\rوهذا حين نذكر إن شاء الله تعالى الوجوه التي غلط بها قوم في الديانة، فحكموا بها وجعلوها أدلة وبراهين، وليست كذلك، والصحيح أنه لا يحل الحكم بشئ منها في الدين وهي سبعة أشياء: شرائع الانبياء السالفين قبل نبينا محمد (ص) والاحتياط والاستحسان والتقليد.\rوالرأي، ودليل الخطاب.\rوالقياس.\rوفيه العلل.\rونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون هذه الاوجه بابا بابا.\rومبينون وجه سقوطها وتحريم الحكم بها.\rوبالله تعالى نتأيد.\rفأما شرائع الانبياء عليهم السلام الذين كانوا قبل نبينا محمد (ص) فالناس فيها على قولين: فقوم قالوا: هي لازمة لنا ما لم ننه عنها، وقال آخرون: هي\rساقطة عنا، ولا يجوز العمل بشئ منها، إلا أن نخاطب في ملتنا بشئ موافق لبعضها فنقف عنده، ائتمارا لنبينا (ص): لا اتباعا للشرائع الخالية.\rقال أبو محمد: وبهذا نقول، وقد زاد قوم بيانا فقالوا: إلا شريعة إبراهيم (ص).\rقال أبو محمد: أما شريعة إبراهيم عليه السلام فهي هذه الشريعة التي نحن عليها نفسها: والبراهين على ذلك قائمة سنذكرها إن شاء الله تعالى، وإنما الاختلاف الذي ذكرنا في ما كان من شرائع الانبياء عليهم السلام موجودا نصه في القرآن أو عن النبي (ص).\rوأما ما ليس في القرآن ولا صح عن النبي (ص) فما نعلم من يطلق إجازة العمل بذلك إلا أن قوما أفتوا بها في بعض مذاهبهم، فمذلك تحريم بعض المالكيين لما وجد في ذبائح اليهود ملتصق الرئة بالجنب، وهذا مما لا نص في القرآن ولا في السنة على أنه حرم على اليهود، نعم ولا هو أيضا متفق عليه عند اليهود، وإنما هو شئ انفردت به الربانية منهم.","part":5,"page":722},{"id":723,"text":"وأما العانانية والعيسوية والسامرية فإنهم متفقون على إباحة أكله لهم.\rفتحرى هؤلاء القوم - وفقنا الله وإياهم - ألا يأكلوا شيئا من ذبائح اليهود فيه بين أشياخ اليهود لعنهم الله اختلاف، وأشفقوا من مخالفة هلال وشماي شيخي الربانية وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rومن طريف ما وقع لبعضهم في هذا الباب، وسمجه وشنعه الذي ينبغي لاهل العقول أن يستجيروا بالله عز وجل من مثله أن إسماعيل بن إسحاق قال في رجم النبي ص) اليهوديين الزانيين، إنما فعل ذلك (ص) تنفيذا لما في التوراة، ورأى هو من رأيه الفاسد أن يرفع نفسه عن تنفيذ ما فيها من الرجم على اليهود الزناة المحصنين إذا زنوا، فصان نفسه عما وصف به نبيه (ص).\rونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول الفاسد، ومن هذا الاعتقاد، فلو كفر جاهل بجهله لكان قائل هذا القول أحق الناس بالكفر لعظيم ما فيه.\rواحتج أيضا في ألا يقول الامام آمين إذا قال: * (بسم الله الرحمن الرحيم) * بأن موسى عليه السلام إذا دعا لم يؤمن وأمن هارون عليهما السلام فسماهما تعالى داعيين بقوله تعالى: * (قد أجيبت دعوتكما) *.\rقال أبو محمد: وفي هذا الاحتجاج من الغثاثة والبرد والسقوط والمجاهرة بالقبيح ما فيه، لانه يقال له قبل كل شئ، من أخبرك أن موسى عليه السلام دعا ولم يؤمن ؟ وأن هارون أمن ولم يدع، وهذا شئ إنما قاله بعض المفسرين بغير إسناد إلى النبي (ص)، ومثل هذا لا يؤخذ إلا عن النبي (ص) أو عن كافة تنقل عن مثلها إلى ما هنالك.\rفمن فاته هذان الوجهان فقد فاته الحق، ولم يبق بيده إلا المجاهرة بالكذب وأن يقفو ما ليس له به علم، أو أن يروى ذلك عن إبليس الملعون، فإنه قد أدرك لا محالة تلك المشاهد كلها إلا أنه غير ثقة، ثم يقال له: هذا لو صح لك ما ادعيت من أن موسى دعا ولم يؤمن، وأن هارون أمن ولم يدع، فأي شئ في هذا مما يبطل قول النبي (ص) عن الامام: وإذا أمن فأمنوا وقول الراوي: أن النبي (ص) وهو الامام كان يقول إذا فرغ من أم القرآن في الصلاة آمين هذا ولعل موسى قد أمن إذ دعا، ولعل هارون دعا إذ دعا موسى وأمنا، أو أمن أحدهما، أو لم يؤمن واحد منهما، ونص القرآن يوجب أنهما دعوا معا بقوله","part":5,"page":723},{"id":724,"text":"تعالى: * (قد أجيبت دعوتكما) * وليس في القرآن دليل على تأمين وقع منهما ولا من أحدهما، فهل سمع بأغث من هذا الاحتجاج أو أسقط منه، أو أقل حيلة أو أبرد تمويها ممن يحتج بمثله في إبطال السنن الثابتة ثم قال له: من عجائب الدنيا أنك جعلت فعل موسى وهارون الذي لم يصح قط ناسخا لقول محمد (ص)\rالصحيح في التأمين، وهذا عكس الحقائق.\rوقد كنا نعجب من قول شيخ من شيوخهم أدركناه مقدما في مشاورة القضاة له على جميع مفتيهم، فإن ذلك الشيخ قال في كتاب ألفه وقد رأيناه ووقفنا عليه وناولناه بيده، وهو مكتوب كله بخطه، وأقر لنا بتألفه وقرأه غيرنا عليه، فكان في بعض ما أورد فيه أن قال: روينا بأسانيد صحاح إلى التوراة أن السماء والارض بكتا على عمر بن عبد العزيز أربعين سنة.\rقال أبو محمد: هذا نص لفظه، فلا أعجب من الشيخ المذكور في أن يروي عن التوراة شيئا من أخبار عمر بن عبد العزيز وهذا إسماعيل يبطل قول النبي (ص): إذا أمن - يعني الامام فأمنوا وتأمينه عليه السلام وهو الامام بما لم يصح من ترك موسى للتأمين وترك هارون للدعاء.\rواحتجوا أيضا في إباحة قتل المسلمين وسفك الدماء المحرمة بدعوى المريض أن فلانا قتله، ورسول الله (ص) يقول: لو أعطي قوم بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم فأباحوا ذلك بدعوى المريض.\rواحتجوا بما ذكر بعض المفسرين من أن المقتول من بني إسرائيل لما ضرب ببعض البقرة حيي وقال: فلان قتلني.\rقال أبو محمد: وهذا ليس في نص القرآن، وإنما فيه ذكر قتل النفس والتدارئ فيها، وذبح البقرة وضربه ببعضها، وكذلك يحيي الله الموتى فمن زاد على ما ذكرنا في تفسير هذه الآية، فقد كذب وادعى ما لا علم لديه، فكيف أن يستبيح بذلك دما حراما ويعطي مدعيا بدعواه، وقد حرم الله تعالى ذلك، فمن أعجب ممن يحتج بخرافات بني إسرائيل التي لم تأت في نص ولا في نقل كافة، ولا في خبر مسند إلى رسول الله (ص) في مثل هذه العظائم هذا مع أن تلك الخرافة ليس","part":5,"page":724},{"id":725,"text":"فيها ذكر قسامة أصلا، ولا أنه لا يحلف في القسامة إلا اثنان فصاعدا، فهذه الزوائد من أين خرجت ؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rثم أتى إلى قوله تعالى: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * فقال: لا نأخذ بها ولا نقتل مؤمنا بكافر ولا حرا بعبد، لان هذا من شرائع من كان قبلنا، ونسي أخذه في القسامة بخرافة مروية عن بني إسرائيل، وترك لها فعل النبي (ص) في القسامة، ثم ترك ههنا نص الله تعالى في أنه كتب عليهم أن النفس بالنفس.\rوأعلى ما روي في حديث بقرة بني إسرائيل فحديث حدثناه أحمد بن عمر، ثنا عبد الله بن حسين بن عقال، نا إبراهيم بن محمد الدينوري، نا محمد بن الجهم، ثنا أبو بكر الوراق، نا علي بن عبد الله - هو ابن المديني - وعياش بن الوليد قال علي: ثنا يحيى بن سعيد، وسفيان بن عيينة، قال يحيى: نا ربيعة بن كلثوم، حدثني أبي عن سعيد ابن جبير، أن ابن عباس قال: أهل المدينة من بني إسرائيل وجدوا شيخا قتيلا في أصل مدينتهم، فأقبل أهل مدينة أخرى فقالوا: قتلتم صاحبنا وابن أخ له شاب يبكي، فأتوا موسى عليه السلام، فأوحى الله إليه: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة (* - فذكر حديث البقرة بطوله وفي آخره - فأقبلوا بالبقرة حتى انتهوا بها إلى قبر الشيخ وابن أخيه قائم عند قبره، فذبحوها فضرب ببضعة من لحمها القبر، فقام الشيخ ينفض رأسه ويقول: قتلني ابن أخي، طال عليه عمري وأراد أكل مالي ومات.\rوقال سفيان: ثنا ابن سوقة، سمعت عكرمة يقول: كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا، فوجدوا قتيلا قد قتل على باب، فجروه إلى باب آخر، فتحاكموا إلى موسى عليه السلام فقال: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * فذبحوها فضربوه بفخذها فقام فقال: قتلني فلان، وكان رجلا له مال كثير، وكان ابن أخيه قتله، وقال عياش ابن الوليد، نا يزيد بن زريع، نا سعيد، عن قتادة قال: كان قتيل في بني إسرائيل فأوحى الله عز وجل إلى موسى، أن اذبح بقرة فاضربوه ببعضها، فذكر لنا أنهم\rضربوه بفخذها، فأحياه الله عز وجل، فأنبأ بقاتله وتكلم ثم مات.\rوذكر لنا أنهم وليه الذي كان يطلب بدمه هو قتله من أجل ميراث كان بينهم، فلا يورث قاتل بعده.\rوبه إلى ابن الجهم، ثنا محمد بن مسلمة، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ هشام عن محمد ابن سيرين عن عبيدة السلماني قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا يولد له،","part":5,"page":725},{"id":726,"text":"وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه فقتله، ثم احتمله ليلا حتى أتى به في آخرين فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم، فأتوا موسى عليه السلام فقال: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) *، فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك ؟ فقال: هذا، لابن أخيه، ثم مال ميتا فلم يعط ابن أخيه من ماله شيئا، ولم يورث قاتل بعده.\rوبه إلى ابن الجهم.\rحدثنا محمد الفرج، وإبراهيم بن إسحاق الحربي قال محمد: واللفظ له: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: صاحب البقرة رجل من بني إسرائيل قتله رجل ثم ذكر معناه.\rوقال الحربي: نا حسين بن الاسود، نا عمرو بن محمد، نا أسباط، عن السدي نحوه.\rوروينا أيضا نحوه مطريق إسماعيل بن إسحاق، عن عبد الله ابن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\rقال أبو محمد: وهذه مرسلات وموقوف لو أتت فيما أنزل علينا ما جاز الاحتجاج بها أصلا، فكيف فيما أنزل في غيرنا ؟ وليس في القرآن نص بشئ مما ذكر في هذه الاخبار أكثر من أنهم تدارؤوا في نفس مقتولة منهم، فأمرهم عز وجل أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها: * (كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) * ولم يقل تعالى في القرآن إن الميت قال: فلان قتلني، ولا أنه صدق في ذلك، ولا أنه أقيد به، وكل من زاد على ما في القرآن شيئا بغير نص من الرسول (ص) فقد أتى عظيمة.\rوحتى لو صح كل هذا لما كانت فيه حجة\rأصلا، لان ذلك كان يكون معجزة، وإحياء ميت، ومن عاد من الآخرة فلا شك في أنه لا يقول إلا الحق، وأما الاحياء فيما بيننا فالكذب غير مأمون عليهم، ودعوى الباطل وهم لا يصدقونه، في درهم يدعيه ولا في درهم يقر به لوارث، ويصدقونه في الدم الذي يوجب قتل عدوه عندهم، أو أخذ ماله في الدية.\rونحن الآن إن شاء الله تعالى نذكر كل ما في القرآن من شرائع النبيين عليهم السلام قبلنا، ونبين ما اتفق على تركه منها، وما اختلف في الاخذ منها، ثم نذكر إن شاء الله تعالى حجج الآخذين بها، والمانعين منها، وبالله تعالى التوفيق.\rفمن شرائع سليمان عليه السلام قول الله تعالى: * (وتفقد الطير فقال مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين).","part":5,"page":726},{"id":727,"text":"قال أبو محمد: وهذا لا خلاف بيننا في سقوط عقاب الطير وإن أفسدت علينا، ومنها قوله تعالى: * (وداود وسليمان إذ في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان) *.\rقال أبو محمد: هذا مما اختلف فيه، فادعى قوم فيها دعاوى من أن سليمان عليه السلام كلف أصحاب الغنم جبر ما أفسدت من الزرع أو الكرم ليلا وهذا باطل لانه ليس ذلك في الآية، ولا صح عن النبي (ص)، وإنما ذكر في بعض التفاسير التي لا تصح، وذلك من نحو ما ذكر فيها أن ملكين زنيا وقتلا النفس التي حرم الله تعالى وشربا الخمر.\rوقد نزه الله تعالى الملائكة عن ذلك، وأن الزهرة كانت زانية فمسخت كوكبا مضيئا يهتدى به في البر والبحر، حتى أدت هذه الروايات الفاسدة بعض أهل الالحاد إلى أن قال: لو كان هذا لما بقيت محصنة إلا زنت لتمسخ كوكبا، والتي ذكر فيها أن يوسف عليه السلام قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من امرأته، وقد نزه الله تعالى أنبياءه عن ذلك، وهذا\rكثير جدا.\rوقد أخبر رسول الله (ص) أن جرح العجماء جبار، ولا ينسند حديث ناقة البراء أصلا وإنما هو منقطع من جميع جهاته.\rومن شريعة زكريا عليه السلام قوله تعالى: * (قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) * وهذا ساقط بما روي عن النبي (ص) من قوله: لاصمت يوما إلى الليل وبالجملة فلم نؤمر بالصمت، ومن صمت عن غير الواجب من الكلام والمستحب من الذكر فقد أحسن.\rومنها قوله تعالى: * () * فاحتج بهذا قوم في الحكم بالقرعة، ثم جعلوا ذلك حكما في المستلحق من الاولاد، وفي المشكوك في طلاقها من النساء وفي غير ذلك، وهذا لا يلزم بل يبطل من وجهين: أحدهما: أن هذا قياس والقياس باطل.\rوالثاني: أنه غير مأمور به في شريعتنا.","part":5,"page":727},{"id":728,"text":"ومن شرائع موسى عليه السلام قوله تعالى: * (اخلع نعليك انك بالوادي المقدس طوى) * ونحن لا نخلع نعالنا في الارض المقدسة.\rومنها قوله تعالى: * (حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا خلاف في أنه منسوخ، وأن الله تعالى قد أحل لهم كل ذلك على لسان محمد (ص) بقوله: * () * وهذه الشحوم من طعامنا، فهن حل لهم، وإن رغمت أنوفهم وأنوف المجتنبين لها اتباعا لدعوى اليهود في تحريم ذلك.\rومنها قوله تعالى: * (والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص) *.\rقال أبو محمد: أما نحن فلانأخذ بهذا لاننا لم نؤمر به، وإنما أمر به غيرنا،\rوإنما أوجبنا القود في كل هذ، وفيما دونه بين المسلمين فيما بينهم، وساوينا في كل ذلك بين الحر والعبد، والذكر والانثى بقوله تعالى مخاطبا لنا: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * وبقوله تعالى مخاطبا لنا، * (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) * وبقوله تعالى: * () * ويقول رسول الله (ص): المؤمنون تتكافأ دماؤهم فأقدنا في كل ذلك من الحر للحر، والعبد للحرة والامة وأقدنا من العبد للعبد، وللحر وللحرة، وللامة وكذلك من الحرة والامة ولا فرق، وأقدنا لكل من ذكرنا من الكافر، ولم نقد كافرا من مؤمن أصلا لقول الله تعالى: * () * وبقوله (ص): ولا يقتل مؤمن بكافر.\rومنها قوله تعالى: * () * وهذا منسوخ بإجماع.\rومنها قوله تعالى: * () *.\rقال أبو محمد: وهذا منسوخ بإجماع.\rومنها الامر بذبح بقرة صفراء فاقع لونها، وهذا لا يلزم في شئ من الاحكام بإجماع.\rومن شريعة لوط عليه السلام: * (كذبت قوم لوط بالنذر) *: (إنا أرسلنا عليهم","part":5,"page":728},{"id":729,"text":"حاصبا) ولا يحل في شريعتنا رجم المكذب بالنذر، وقد احتج قوم في رجم من فعل فعل لوط بهذه الآية.\rقال أبو علي: ونسوا أن فاعل ذلك من قوم لوط كان كافر، وذلك منصوص في القرآن في الآية نفسها إذ أخبر تعالى أنهم كذبوا بالنذر، وأن صبيانهم ونساءهم رجموا معهم، ولم يكونوا ممن فعل ذلك الفعل، ونسوا أيضا قوله تعالى: * () * فكان يلزمهم إذا طردوا أصلهم\rالفاسد أن يسلموا عينهم كل من راود ذكرا عن نفسه، لان الله تعالى طمس أعين قوم لوط إذ راودوا ضيفه، كما رجمهم لما أتوا الذكور وكفروا، فمن فرق بين شئ من ذلك فقد تحكم في دين الله عز وجل بلا برهان ولا هدى من الله تعالى.\rومن شريعة يوسف عليه السلام: * (وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وان كان قميصه قدمن دبر فكذبت وهو من الصادقين) *.\rقال أبو محمد: وهذا مما لا خلاف فيه أنه لا يجوز أن نحكم به الآن بين الناس تداعيهم الزنى.\rومنها: * () *.\rقال أبو محمد: فاحتج قوم بهذا في إثبات الجعل، وهذا لا يلزم، لان قول رسول الله (ص): أموالكم عليكم حرام مبطل للجعل، إلا أن يوجبه نص في شريعتنا أو تطيب به نفس الجاعل.\rومنها قوله تعالى: * () *.\rقال أبو محمد: وهذا لا خلاف بيننا وبين خصومنا في أنه لا يحكم به بيننا، وأنه لا يسترق السارق لاجل سرقته، وكان يلزمهم القول به لانه ليس مجمعا على تركه، بل قد روينا عن زرارة بن أوفى القاضي أنه باع حرا في دين، وروينا أيضا عن الشافعي من طريق غريبة، وقد كان ذلك في صدر الاسلام ثم نسخ بقوله تعالى: * () *.\rومن شريعة أيوب عليه السلام: * () * فاحتج بهذا قوم في إباحة جلد الزاني والقاذف والشارب إذا كانوا مرضى، يعرجون","part":5,"page":729},{"id":730,"text":"فيه مائة أو ثمانون أو أربعون شمراخا، وفي بر يمين من حلف ليجلدن غلامه\rكذا وكذا جلدة.\rقال أبو محمد: والذين احتجوا بدعواهم في كلام الميت في أمر بقرة بني إسرائيل أن فلانا قتلني، يأبون ههنا من أن يبرأ الحالف إذا ضرب بضغث، ويكفي هذا من قبيح التناقض وفاحشة، ونحن وإن كنا نرى الجلد بالضغث للمريض فإنما نجيزه من غير هذه الآية، لكن من الحديث المأثور عن رسول الله (ص) أنه أمر أن يجلد المريض الذي زنى بعثكول فيه مائة شمراخ، ونرى البر يقع بما يقع عليه اسم جلد واسم ضرب.\rومن شريعة موسى وصهره عليهما السلام: * (اني اريد ان انكحك احدى ابنتي هاتين على ان تأجرني ثماني حجج فان اتممت عشرا فمن عندك وما اريد ان اشق عليك ستجدني ان شاء الله من الصالحين.\rقال ذلك بيني وبينك ايما الاجلين قضيت فلا عدوان على والله على ما نقول وكيل) *.\rقال أبو محمد: وبهذا يحتج من يبيح النكاح على إجار إلى أحد أجلين لم يوقت أحدهما بعينه، وهذا عندنا وعند خصومنا لا يجوز، لان الاجارة المجهولة الاجل فاسدة، لانها أكل مال بالباطل، والنكاح على شئ فاسد، لان كل ما لا يصح إلا بصحة ما لا يصح فلا شك في أنه لا يصح، لا سيما وتلك الاجارة للمنكح لا حظ فيها للمنكحة، والصداق في ديننا إنما هو للمنكحة بنص قول الله تعالى: * () * ولا حظ فيها للاب ولا للولي.\rومن عجائب الدنيا ما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا وهب بن مسرة، ثنا ابن وضاح، ثنا سحنون، ثنا ابن القاسم قال: احتج مالك في جواز فعل الرجل بإنكاح ابنته البكر بغير رضاها بقول الله تعالى عن صهر موسى: * (اني اريد ان انكحك احدى ابنتي هاتين على ان تأجرني ثماني حجج فام اتممت عشرا فمن عندك) *.\rقال علي: فأي عجب أعجب من احتجاجه بهذه الآية فيما لا يوجد في الآية\rأصلا، وفي الممكن أنها رضيت فلم يذكر، ثم يخالف الآية نفسها في أربعة مواضع: أحدهما: إنكاح إحدى ابنتي بغير عينها.\rوالثاني: إنكاحه بإجارة.\rالثالث: الاجارة إلى أحد أجلين أيهما أوفى فالنكاح ثابت.\rوالرابع: إنكاح امرأة بخدمة أبيها.","part":5,"page":730},{"id":731,"text":"ثم بعد هذا كله: من له بأنها كانت بكرا ؟ ولعلها ثيب، أليس في هذا الاحتجاج عبرة لمن اعتبر، ولعلها بكر عانس وهو لا يرى إنكاح هذه إلا بإذنها ورضاها، فكيف والاحتجاج بالآية لا يصح لما قدمنا من أن شرائع الانبياء عليهم السلام لا تلزمنا، ومن شرائع الخضر عليه السلام قوله تعالى: * () * ثم قال: * () *.\rقال أبو محمد: ولا خلاف في شريعتنا أنه لا يحل قتل غلام خوف أن يرهقهما طغيانا وكفرا، ومن شريعة نوح عليه السلام: * (رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا) *.\rقال أبو محمد: فأخذ بهذا الازارقة واستباحوا قتل الاطفال وغاب عنهم أن قول نوح عليه السلام إنما كان فيمن كان في عصره من الكفار فقط، الذين أهلكهم الله تعالى، ولم يبق لهم نسلا بقوله تعالى: * () * وبقوله تعالى (ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا) * ولم يحمل نوح مع نفسه عليه السلام إلا المؤمنين فقط من قومه وولده، وغاب عنهم بجهلهم أن رسول الله (ص) سيد ولد آدم هو ولد كافر وكافرة، وأن عمر كذلك، وقد قال عليه السلام: أو ليس خياركم أولاد المشركين، ونحن نترك الكفار ولا نقتلهم، بل نأخذ منهم الجزية، وننكح إليهم ونعاملهم، ونأكل ذبائحهم، ولا نستحل قتل طفل من أطفال أهل الحرب عمدا، بل يهديهم الله بنا، ولا يضلوننا والحمد لله رب العالمين، وقد نقل كافة بني إسرائيل أن موسى عليه السلام قتل صبيان أهل مدين، وقتل يوشع\rصبيان أهل أريحا الاطفال بأمر الله تعالى بذلك، وهذا في شريعتنا غير جائز.\rومن شريعة يونس عليه السلام قوله تعالى: * (إذ ابق الى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين) *.\rقال أبو محمد: فاحتج بهذا قوم في الحكم بالقرعة وقد مضى الكلام في ذلك ولا خلاف بين أحد منا أنه لا يجوز أن يلقى أحد في البحر بالقرعة.\rومن شريعة مريم عليها السلام: * (اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا) * وليس هذا من شرط الصوم عندنا.","part":5,"page":731},{"id":732,"text":"ومن شرائع الله تعالى في بني إسرائيل قوله تعالى: * (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) * ونحن نعتدي كثيرا فلا نمسخ ولله الحمد.\rومن شريعة أهل زمان زكريا عليه السلام قول أم مريم: * (اني نذرت لك ما في بطني محررا) *.\rقال أبو محمد: وهذا غير جائز عندنا أصلا.\rومن شريعة يعقوب عليه السلام: * (كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه من قبل ان تنزل التوراة) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا يحل عندنا، وليس لاحد أن يحرم على نفسه ما لم يحرم الله عز وجل عليه إلا أن طوائف من علمائنا اختلفوا في تحريم الزوجة والامة فقال به قوم: ومنع منه آخرون وبالمنع منه نقول ولا يحل لاحد أن يحرم زوجة ولا غيرها، ولا تكون بذلك حراما، ولا طلاقا ولا كفارة في ذلك وهي حلال له كما كانت وكذلك سائر ماله.\rومن شرائع بني إسرائيل: * () *.\rقال أبو محمد: وهذا لا يلزمنا.\rومن شريعة آدم عليه السلام: قوله: * (واتل عليهم نبا ابني ادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من الاخر) *.\rقال أبو محمد: ولا خلاف في أنه لا يجوز عندنا التحاكم بالقرابين، ولا يحل عندنا الاستسلام للقتل ظلما، بل المقتول دون نفسه شهيد.\rومن شريعة الكتابيين في زمان أصحاب الكهف: * (قال الذين علبوا على امرهم لنتخذن عليهم مسجدا) *.\rقال أبو محمد: وهذ حرام في شريعتنا.\rوقد قال عليه السلام: إن أولئك كانوا مات فيهم رجل صالح بنوا على قبره مسجدا أولئك شرار الخلق.\rقال أبو محمد: فهذه شرائع يلزم من قال باتباع شرائع الانبياء عليهم السلام أن يقول بها، وإلا فقد نقضوا أصلهم.\rواحتج الموجبون للاخذ بشرائع الانبياء عليهم السلام بقوله تعالى: * (وليحكم اهل النجيل بما انزل الله فيه ومن لم يحكم بما انزل الله فالئك هم الفاسقون) *.","part":5,"page":732},{"id":733,"text":"قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن هذا منسوخ، وأن من حكم بحكم الانجيل مما لم يأت بالنص عليه وحي في شريعة الاسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الاسلام.\rواحتجوا بقوله تعالى: * (انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) *.\rقال أبو محمد: وهذا إنما عني الله تعالى به أنبياء بني إسرائيل لا محمدا عليه السلام لانه تعالى يقول: * (ومن يبتغ غير السلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين) * وبيان ذلك قوله تعالى: * (يحكم بها النبيون\rالذين اسلموا للذين هادوا) * ونحن ليس لنا نبيون إنما لنا نبي واحد والانبياء كلهم مسلمون وقد حكى الله تعالى عن أنبياء سالفين أنهم قالوا أمرنا بأن نكون من المسلمين.\rوأيضا فقد قال تعالى حاكيا عن أهل الكتاب أنهم قالوا لنا: * (كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة ابراهيم حنيفا) * فصح أن الله تعالى نهى عن دين اليهود والنصارى، وأمرنا بدين إبراهيم عليه السلام، وقال تعالى: * (لم تحاجون في ابراهيم وما انزلت التوراة والانجيل الا من بعده) * فصح يقينا أن إبراهيم كانت شريعته قبل التوراة، وأن شريعته لازمة لنا فمن المحال الممتنع أن نؤمر باتباع شئ نزل بعد شريعتنا، وهذا متناقض فبطل تأويل من ظن الخطأ في قوله تعالى: * (يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا) * وصح أنهم أنبياء بني إسرائيل فقط.\rفإن قالوا: لا خلاف بين التوراة وبين شريعة إبراهيم عليه السلام، ولا بين شريعتنا، واحتجوا بما حدثناه عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب ابن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم، ثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) أنه قال: الانبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد قلنا لهم: هذا حجة عليكم لا لكم، إن تأولتم فيه اتفاق أحكام شرائعهم أكذبهم القرآن في قوله تعالى: * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * وأكذبهم قوله تعالى عن عيسى عليه السلام: * (ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم) * وأكذبهم أمر السبت، وتحريم كل ذي ظفر وما حرم إسرائيل على نفسه، ولكن معنى قوله (ص): ودينهم واحد","part":5,"page":733},{"id":734,"text":"إنما يعني التوحيد الذي لم يختلفوا فيه أصلا.\rواحتجوا بقوله تعالى: * (فبهداهم اقتده) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لان الذي أمرنا أن نقتدي بهم فيه هو ما اتفقت فيه شريعتنا وشريعتهم مثل قوله تعالى: * (وإذ أخذنا ميثاق بني\rإسرائيل لا تعبدون إلا الله فأما باقي الآية في قوله تعالى: * (وبالوالدين إحسانا) * فلم نأخذه من هذه الآية، لكن من أمر الله تعالى لنا بذلك في آية أخرى.\rومثل قوله عز وجل: * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) *.\rفنص تعالى على أنهم كلهم أمروا ألا يتفرقوا في الدين، وهذا هو نفس إخباره عليه السلام أن دين الانبياء عليهم السلام واحد، وقد نص الله تعالى على أنه أمر بعضهم بترك العمل في السبت، ولم يأمرنا نحن بذلك، وأحل الخمر مدة وحرمها بعد ذلك، فصح يقينا أن الذي نهوا عن التفرق فيه.\rوأن الذي شرع لجميعهم من الدين الواحد إنما هو التوحيد، وأن الذي فرق فيه بينهم هي الشرائع والاعمال الواجبات والمحرمات وهذا هو نفس قولنا.\rوقد قال تعالى: * (ولو شآء الله لجمعهم على الهدى) * وقال: * (ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم) * قال تعالى: * (ولكل وجهة هو موليها) * فصح بالنص أنه تعالى فرق بين الشرائع، وبين منهاج كل واحد منهم، وبين وجهة كل واحد منهم، وقد قال تعالى: * (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم) *.\rفصح أن الله تعالى لا يتناقض كلامه، وصح أن الذي أمرنا أن نتبع فيه سننهم هو غير الشرائع التي فرق بيننا وبينهم فيها، فصح أنه التوحيد الذي سوى فيه بينهم كلهم في التزامه، فصح أنه هو الهدى الذي أمر (ص) بأن يقتدي بهم، ويبين ذلك أيضا قوله تعالى حاكيا عن رسوله يوسف عليه السلام أنه قال: * (واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله من شئ) *.\rقال أبو محمد: فبين نصا أنهم اتفقوا في التوحيد خاصة، وإلا فقد نص تعالى\rعلى أن إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام حرم على نفسه أشياء كانت له حلالا،","part":5,"page":734},{"id":735,"text":"وليس هذا في شريعة إبراهيم عليه السلام، فصح يقينا أنه كان مباحا لاسرائيل أن يحرم على نفسه بعض الطعام.\rوأما شريعة إبراهيم عليه السلام فهي شريعتنا نفسها على ما نبين في آخر هذا الباب إن شاء الله عز وجل، وليس في شريعتنا أن يحرم أحد على نفسه طعاما أحله الله له، وقد جمع يعقوب بين الاختين.\rوهذا لا يحل في شريعتنا التي هي شريعة إبراهيم، فلما سوى يوسف عليه السلام بين ملة إبراهيم ويعقوب وشرائعهما مفترقة علمنا أن ذلك في التوحيد وحده لا فيما سواه.\rفاعترض بعض خصومنا بأن قال: إذا حملتم قوله تعالى على أن ذلك في التوحيد وحده لا فيما سواه عريتم الآية من الفائدة.\rالتوحيد مأخوذ بالعقل.\rقال أبو محمد: هذا من أغث احتجاج يورده مشغب، ويلزم من قال بهذا أن يحذف من القرآن كل آية مكررة، مثل: * (وغيرها.\rوالتوحيد عرف بالعقل ضرورة، ولكن ما يجب الاقراء به فرضا، ولا صح الوعيد على جاحده بالقتل والنار في الآخرة بالعقل، وإنما وجب ذلك كله بإنذار الرسل فقط.\rفالآية المذكورة أوجبت اعتقاد التوحيد، وأوجبت الاقرار به، ولم يجب ذلك قط بالعقل، لان العقل لا يشرع ولا يخبر بمن يعذب الله تعالى في الآخرة، ولا بمن ينعم، وإنما العقل مميز بين الممتنع والواجب، والممكن ومميز بين الاشياء الموجودات وبين الحق الموجود المعقول والباطل المعدوم المعقول فهذا ما في العقل ولا مزيد.\rوقال بعضهم: نحمل قوله تعالى: * (فبهداهم اقتده) * على ما لم يأتنا فيه نص أنه نسخ من شرائعهم، ونحمل قوله: * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) *\rعلى ما نسخ من شرائعهم.\rقال أبو محمد: هذا تأويل منهم مجرد من الدليل، وما تجرد عن الدليل فهو دعوى ساقطة.\rوقد بينا الدلائل على أن الذي أمرنا بالاقتداء بهم فيه إنما هو التوحيد وحده فقط.\rواحتجوا بقول الله تعالى: * (فاحكم بينهم بمآ أنزل الله) *.\rقال أبو محمد: وقد بين الله تعالى في آية أخرى غير هذه الآية بقوله تعالى: * (وأنزلنا","part":5,"page":735},{"id":736,"text":"إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) *.\r* (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) *.\rواحتجوا بقول رسول الله (ص) في أمر ثنية الربيع أو الجرح الذي جرحت على حسب اختلاف الروايات في ذلك كتاب الله القصاص.\rقال أبو محمد: إنما عنى رسول الله (ص) قوله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * وهذا الذي خوطبنا به نحن هو اللازم لنا ولم يأت نص عن أنه عليه السلام عنى غير هذه الآية أصلا.\rفإن قال قائل: فلعله عليه السلام إنما عنى بذلك قوله تعالى: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) الآية وما علمكم بأنه عنى عليه السلام الآية التي تلوتم دون هذه ؟.\rفالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن البرهان على أنه (ص) لم يعن بقوله: كتاب الله القصاص قوله تعالى: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * أنه ليس في سورة التوراة قبول أرش، وإنما الارش في حكم الاسلام، وفي الحديث المذكور أنهم قبلوا الارش، فصح أنه (ص) لم يعن قوله تعالى: * (وكتبنا\rعليهم فيها أن النفس بالنفس) *.\rواحتجوا بقوله (ص) إذا رأى اليهود يصومون يوم عاشوراء: نحن أولى بموسى منهم.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لانه (ص) قد أمر بصيامه، ولولا أن الله تعالى أمره بصيامه ما اتبع اليهود في ذلك، وقد صح أنه كان يوما تصومه قريش في الجاهلية فصامه (ص) تبررا.\rواحتجوا أيضا بأن قالوا: لما كانت شريعة الانبياء عليهم السلام حقا وجب اتباع الحق حتى يأتي ما ينقلنا عنه.\rقال أبو محمد: والجواب وبالله تعالى التوفيق: إن تلك الشرائع وإن كانت حقا على الذين خوطبوا بها فلم تكتب قط علينا، ولي س ما كان حقا على واحد كان حقا على غيره، إلا أن يوجبه الله تعالى عليه، وإنما كتب","part":5,"page":736},{"id":737,"text":"علينا الاقرار بالانبياء السالفين، وبأنهم بعثوا إلى قومهم بالحق لا إلى كل أحد ولم يكتب علينا العمل بشرائعهم.\rواحتجوا بدعائه (ص) بالتوراة يوم رجم اليهوديين، وأنه عليه السلام سألهم: ما تجدون في التوراة ؟ فلما أخبروه بالرجم وأنهم تركوه قال عليه السلام: أنا أول من أحيا أمر الله تعالى.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، بل هو تأويل سوء ممن تأوله، لانه عليه السلام بلا شك في شريعته المنزلة عليه قد أمر برجم من أحصن من الزناة، وإنما دعا (ص) بالتوراة حسما لشغب اليهود، وتبكيتا لهم في تركهم العمل بما أمروا به، وإعلاما لهم بأنهم خالفوا كتابهم الذي يقرون أنه أنزل عليهم.\rومن قال: إنه (ص) رجم اليهوديين اتباعا للتوراة، لا لامر الله تعالى له\rبرجم كل من أحصن من الزناة في شريعته المنزلة عليه، فقد كفر وفارق الاسلام وحل دمه، لانه ينسب إلى النبي (ص) عصيان ربه فيما أمره به في شريعته المنزلة عليه، إذ تركها واتبع ما أنزل في التوراة.\rوقد أخبر تعالى أن اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه، فمن الكفر العظيم أن يقول من يدعي أنه مسلم: إن النبي (ص) حكم بكتاب قد أخبر أنه محرف.\rووالله إن العجب ليعظم ممن ينسب إلى رسول الله (ص) الحكم بما في التوراة في رجم يهوديين زنيا، وهو يرفع نفسه الخسيسة عن هذا، فيقول: إن قدم إلي يهوديان زنيا لم أقم عليهما الحد، ورددتهما إلى أهل دينهما، فهو يترفع عما يصف به نبيه ص)، نبرأ إلى الله تعالى من نصر كل مذهب يؤدي إلى مثل هذه البوائق والكبائر، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rواحتجوا بما روي: أنه (ص) سدل ناصيته كما يفعل أهل الكتاب، ثم فرقها بعده، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شئ.\rقال أبو محمد: وهذا الحديث من أقوى الحجج عليهم، لانه نص فيه على أنه (ص) إنما كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شئ، فصح أنه عليه السلام إنما كان يفعل ذلك في المباح له فعله، وتركه مما لم ينه عنه ولا","part":5,"page":737},{"id":738,"text":"أمر به، وهذا غير ما نحن فيه، وإنما كلامنا في وجوب شرائعهم ما لم ننه عنها وفي سقوطها حتى نؤمر بها، وأما الزي المباح وفرق الشعر وسدله فكل ذلك مباح حتى الآن فعله وتركه.\rهذا كل ما احتجوا به قد أبطلنا شغبهم فيه وبالله تعالى التوفيق.\rونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون البراهين المبينة قولنا المبطلة قولهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد ابن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى واللفظ له قال أبو بكر: نا هشيم، ثنا سيار، ثنا يزيد الفقير، ثنا جابر وقال يحيى، أنا هشيم، عن سيار، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله الانصاري أن رسول الله (ص) قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وذكر باقي الحديث.\rوبه إلى مسلم، ثنا قتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر قالا: ثنا إسماعيل - وهو ابن جعفر - عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال: فضلت على الانبياء بست فذكرهن، وفيها أرسلت إلى الخلق كافة.\rقال أبو محمد: هذا الحديث يكفي من كل شغب موه به المبطلون، ويبين أن كل نبي قبل نبينا (ص) إنما بعث إلى قومه خاصة، وإذا كان ذلك صح بيقين أن غير قومه لم يلزموا بشريعة نبي غير نبيهم، فصح بهذا يقينا أنه لم يبعث إلينا أحد من الانبياء غير محمد (ص).\rوإذ قد صح ذلك فقد قال تعالى: * (وإلى ثمود أخاهم صالحا) * * (وإلى عاد أخاهم هودا) * * (وإلى مدين أخاهم شعيبا) * وقال تعالى في نبينا (ص): * (وما أرسلناك إلا كآفة للناس) *، وقال تعالى آمرا له أن يقول: * (إني رسول الله إليكم جميعا) * مخاطبا للناس كلهم، وأمره تعالى أن يدعو الانس والجن إلى الايمان، وقال تعالى: * (لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون) * فصح أنهم لم يكونوا ملزمين شريعة أحد من الانبياء، وقال تعالى: * (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) *.","part":5,"page":738},{"id":739,"text":"فعلمنا أن الشرائع التي بعث بها موسى عليه السلام لم تلزم غير بني إسرائيل\rحاشا التوحيد وحده على ما بينا قبل، وعلى ما بينه تعالى إذ يقول: * (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) *، * (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق) *.\rقال أبو محمد: فصح بهذه الآية أيضا أن الذي تساوى فيه كل من ذكر الله من النبيين هو اللازم لنا وليس ذلك إلا التوحيد وحده، وإلا فلا خلاف بين أحد من المسلمين في أن شرائعهم كانت مختلفة فسقط عنا بذلك جميع شرائعهم إلا الذي سوى بينهم فيه وهو التوحيد فقط.\rومن ألزمنا شرائع الانبياء قبلنا، فقد أبطل فضيلة النبي (ص) وأكذبه في إخباره أنه لم يبعث نبي إلا إلى قومه خاصة حاشا، لان خصومنا يريدون منا اتباع شرائع من قبلنا فيوجبون بذلك أنهم مبعوثون إلينا، وهذا الباطل والكذب.\rويبين هذا أيضا قوله تعالى: * (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم) * وهذه صفة فعل الله تعالى الذي لم يزل حكمه موصوفا بها في خلقه في علمه وقال تعالى: * (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ئ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) *.\rقال أبو محمد: هذه كافية في هذا الباب لانه تعالى ما سوى بينهم فيه وهو عبادة الله تعالى وحده والاقرار بأنه الاله وحده ثم أخبرنا تعالى أنه لا يسألنا عما كان أولئك الانبياء يعملون، وإذا لم نسأل عن عملهم فقد تيقن كل ذي حس سليم أن ما لا نسأل عنه، فإنه غير لازم لنا، ولو كان لنا لازما لسئلنا عنه.\rفصح بهذا كله ما ذكرنا وهي براهين ضرورية لا محيد عنها وأعمالهم هي شرائعهم التي بعثوا بها فقد سقط عنا بالنص طلبها، وإذ سقط عنا طلبها فقد سقط عنا حكمها، إذ لا سبيل إلى التزام حكم شئ إلا بعد معرفته، ولا سبيل إلى معرفته إلا بعد طلبه، وبالله تعالى التوفيق.","part":5,"page":739},{"id":740,"text":"وأما شريعة إبراهيم عليه السلام فهي شريعتنا هذه بعينها، ولسنا نقول: إن إبراهيم بعث إلى الناس كافة، وإنما نقول: إن الله تعالى بعث محمدا (ص) إلى الناس كافة بالشريعة التي بعث تعالى بها إبراهيم عليه السلام إلى قومه خاصة دون سائر أهل عصره، وإنما لزمتنا ملة إبراهيم، لان محمدا (ص) بعث بها إلينا، لا لان إبراهيم عليه السلام بعث بها قال تعالى: * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) * وقال تعالى: * (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) *.\rقال أبو محمد: فانبلجت المسألة والحمد لله رب العالمين.\rونسخ الله تعالى عنا بعض شريعة إبراهيم كما نسخ أيضا عنا بعض ما كان يلزمنا من شريعة محمد (ص).\rفمن ذلك ذبح الاولاد نسخ عنه عليه السلام كما نسخ عنا أيضا بقوله تعالى: * (ولا تقتلوا اولادكم) * وبقوله تعالى: * (وإذا الموءودة سئلت ئ بأى ذنب قتلت) * وبقوله تعالى: * (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم) * ونسخ الاستغفار للمشركين بقوله تعالى: * (وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه) * وبقوله تعالى: * (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) * وقد وعد النبي (ص) عمه أبا طالب بالاستغفار، كما وعد إبراهيم عليه السلام أباه بالاستغفار حتى نهى الله تعالى كليهما عن ذلك.\rوأما قول إبراهيم عليه السلام لقومه إذ رأى الكوكب * (هذا ربي) * فإنما\rكان تقريرا لهم تبكيتا لا استدلالا ومعاذ الله أن يقول إبراهيم بالعبودية لاحد دون الله تعالى، ومن كان مثل إبراهيم سبقت له من الله تعالى سابقة علم في انتخابه للرساله والخلة لا يستدل بكبر الشمس على ربوبيتها وهو يرى الفلك أكبر منها، فصح أن ذلك توبيخ لهم على فساد استدلالهم في عبادتهم للنجوم، وأن هذا إنما هو كما قال: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) * أي عند نفسك في الدنيا وعند قومك المغرورين وإلا فهو في تلك الحال الدليل المهان وقال قوم متكلفون","part":5,"page":740},{"id":741,"text":"متنطعون: ماذا كانت شريعة النبي (ص) قبل أن ينبأ ؟.\rقال أبو محمد: فالجواب وبالله تعالى التوفيق: أن يقال لهم في نفس سؤالكم جوابكم وهو قولكم أن ينبأ وأن لم يكن نبيا، فلم يكن مكلفا شيئا من الشرائع التي لم يؤمر بها ومن الهذيان أن يكون مأمورا بما لم يؤمر به، فصح أنه لم يكن ألزم شيئا من الشريعة حاشا التوحيد اللازم لقومه من عهد إبراهيم عليه السلام لولده ونسله حتى غيره عمرو ابن لحي، وحاشا ما صانه الله تعالى عنه من الزنى، وكشف العورة والكذب والظلم، وسائر الفواحش والرذائل التي سبق في علم الله تعالى أنه سيحرمها عليه وعلى الناس، لا إله إلا هو.\rوقد قال قوم: إن نوحا بعث إلى أهل الارض كلهم.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ لانه تكذيب لقوله (ص): إن كل نبي حاشاه إنما بعث إلى قومه خاصة فصح أن نوحا عليه السلام كذلك ولا فرق وإنما غرق تعالى من غرق من غير قومه كما غرق الاطفال حينئذ وسائر الحيوان، ويفعل ربنا تعالى ما شاء لا معقب لحكمه، وقد قيل للنبي (ص): أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم إذا كثر الخبث وذكر (ص) جيشا يخسف بهم فقيل له: يارسول الله (ص) وفيهم المكره وغيره ؟.\rفأخبر (ص) أنهم وإن عمهم\rالعذاب في الدنيا فكل أحد يبعث على نيته يوم القيامة أو كلاما هذا معناه، فليس في إهلاك الله تعالى من أهلك بالطوفان دليل على أن جميعهم بعث إليهم نوح، بل نص القرآن مثبت أن نوحا عليه السلام لم يبعث إلى غير قومه البتة بقو له تعالى: * (إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه) * فمن ادعى أن قومه كانوا جميع أهل الارض فقد كذب وقفا ما ليس له به علم.\rوقد حرم ذلك بقوله: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * ولا في النص أيضا أن جميع أهل الارض هلكوا بالطوفان لا في القرآن ولا في الحديث الصحيح والله أعلم، ولا علم لنا إلا ما علمنا، والكذب، والقول بغير علم يستسهله فاضل، نعوذ بالله من الخذلان.\rفإن تعلق متعلق بما حدثناه، عن عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، ثنا أبو إسحاق المستملي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا إسحاق بن نضر، ثنا محمد بن عبيد، ثنا أبو حيان","part":5,"page":741},{"id":742,"text":"عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: كنا مع النبي (ص) في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة وقال: أنا سيد الناس يوم القيامة ثم ذكر عليه السلام صفة القيامة، وفيه أن الناس يأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الارض وذكر باقي الحديث، قيل له وبالله تعالى التوفيق.\rليس لك في هذا حجة لانه لم يقل إلى جميع أهل الارض، وبعض أهل الارض يقع عليه اسم أهل الارض، وما كنا لنستجيز تخصيص هذا العموم لولا ما ذكرنا قبل من رواية جابر وأبي هريرة وشهادتهما على رسول الله (ص) بأن كل نبي قبله إنما بعث إلى قومه خاصة حاشاه عليه السلام، فإنه بعث إلى الناس كافة، وفضل على جميع الانبياء بذلك.\rوقد قال قوم: إن آدم عليه السلام بعث إلى ولده، وهم أهل الارض قاطبة في وقتهم بلا شك.\rقال أبو محمد: وهذا شغب لا يصح، لان الحديث الذي ذكرنا آنفا يبطل هذه الدعوى، وقد أخبر عليه السلام في هذا الحديث أن نوحا أول من بعث إلى أهل الارض، وقد روى أن شيثا كان نبيا، وإذا كان ذلك فليس آدم مبعوثا إليه.\rفإن قال قائل: ومن أين استجزت الاحتجاج في دفع بعث آدم إلى أهل الارض بنبوة شيث، ولم يأت في نص صحيح ولا في إجماع، وأنت تنكر مثل هذا على غيرك.\rقال أبو محمد: فنقول له وبالله تعالى التوفيق: وإنما قلنا ذلك لانه قد صح عندنا بيقين أنه لم يبعث قطنبي إلى جميع الناس حاشا محمدا (ص)، فمن قال: إن آدم ونوحا أو غيرهما بعث إلى جميع الناس في زمانه فهو كاذب بلا شك، مخالف لمحمد (ص) مبطل لفضيلته، فلما صح ذلك عندنا علمنا أن آدم لا يخلو من أحد وجهين ضرورة لا ثالث لهما: إما أن يكون معه نبي آخر لم يبعث آدم إليه، أو يكون ولده لم يلزموا شريعة أبيهم آدم، وقد ينبأ المرء في مهده كما نبئ عيسى عليه السلام، فلعله قد ولد لآدم ولد نبئ في حين خروجه إلى الدنيا.\rفلا يكون آدم مبعوثا إليه والله أعلم، إلا أن اليقين الذي لا شك فيه أن آدم لم يبعث إلى جميع ناس عصره، ولا ناس هنالك إلا هو وامرأته حواء وولده فقط، وبالله تعالى التوفيق.","part":5,"page":742},{"id":743,"text":"وأما قوله (ص) في الحديث الذي ذكرنا آنفا: إن نوحا أول الرسل إلى أهل الارض ولا شك في ان آدم رسول الله عز وجل، فإن معناه عندنا والله أعلم أن رسالة آدم عليه السلام إنما كانت لاهل السماء قائلا لهم عن الله عز وجل: * (أنبئوني بأسمآء هؤلاء) * ومنبئا لهم بأسمائهم، ومسلما عليهم على ما جاء في القرآن والحديث الصحيح، وإنه لم يبعث إلى أهل الارض أصلا، وأن","part":5,"page":743},{"id":744,"text":"وأما قوله (ص) في الحديث الذي ذكرنا آنفا: إن نوحا أول الرسل إلى أهل الارض ولا شك في ان آدم رسول الله عز وجل، فإن معناه عندنا والله أعلم أن رسالة آدم عليه السلام إنما كانت لاهل السماء قائلا لهم عن الله عز وجل: * (أنبئوني بأسمآء هؤلاء) * ومنبئا لهم بأسمائهم، ومسلما عليهم على ما جاء في القرآن والحديث الصحيح، وإنه لم يبعث إلى أهل الارض أصلا، وأن أولاده وامرأته أوحي إليهم التوحيد، ثم بعث إلى كل طائفة نبي منها، ثم بعث نوح إلى قومه خاصة بشريعة، كما أخبر رسول الله (ص) وأرسل إلى أهل الارض بالعذاب العام لهم ولجميع الحيوان بلا شك، لا شريعة ألزموها فهذا موافق لما صح في القرآن من خبره عليه السلام.\rوكل ما أرسله تعالى فبلا شك أنه إنما أرسله بأمر ما، هذا ما لا بد منه، فوجب أن يعرف بماذا أرسل إلى أهل الارض ؟ فلم نجده إلا العذاب العام لكل من في الارض، ووجدنا النص قد جاء بإرساله إلى قومه خاصة بشريعته فصح الامر ولله الحمد.\rوبهذا تتألف الاحاديث كلها والقرآن، وقد روينا في هذا الحديث تأويلا آخر: عن قتادة والحكم، وهو ما حدثناه أحمد بن عمر العذري، ثنا أبو ذر ابن احمد السرخسي، قال: ثنا إبراهيم بن خزيم قال: ثنا عبد بن حميد، قال: حدثني يونس، عن شيبان، عن قتادة قال: بعث نوح حين بعث الشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام، وبه إلى عبد قال: حدثنا أبو نعيم، ثنا ابن أبي غنية، عن الحكم قال: جاء نوح بالشريعة بتحريم الاخوات والامهات والبنات.\rقال أبو محمد: فتأول هذان الامامان أن نوحا أول من بعث بالتحريم والتحليل والذي يظهر إلينا، فالذي قدمنا أولا، والله أعلم.","part":5,"page":743},{"id":745,"text":"الاحكام - ابن حزم ج 6\rالاحكام\rابن حزم ج 6","part":6,"page":0},{"id":746,"text":"الجزء السادس بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الباب الرابع والثلاثون في الاحتياط وقطع الذرائع والمشتبه قال أبو محمد: علي بن أحمد رحمه الله: ذهب قوم إلى تحريم أشياء من طريق الاحتياط، وخوف أن يتذرع منها إلى الحرام البحت.\rواحتجوا في ذلك بما حدثناه عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني، ثنا أبي، نا زكريا، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: سمعته يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه: إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، وإن لكل مالك حمى وإن حمى الله محارمه وذكر باقي الحديث.\rقال أبو محمد: هذا الحديث روي بألفاظ كما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله ابن خالد، ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي فروة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال النبي (ص): الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه في الاثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الاثم أوشك أن يواقع ما استبان والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية، ثنا أحمد بن شعيب، ثنا محمد بن عبد الاعلى، ثنا خالد بن الحارث، ثنا ابن عون الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير","part":6,"page":745},{"id":747,"text":"يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: إن الحلال بين وإن الحرام بين وإن بين ذلك أمورا مشتبهات، وسأضرب لكم في ذلك مثلا، إن الله عزوجل ذكره حمى، وإن حمى الله ما حرم، وإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يرع فيه وإنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر.\rقال أبو محمد: هذا هو أبو فروة الاكبر، وأما أبو فروة الاصغر فهو مسلم بن سالم الجهني وكلاهما كوفي ثقة.\rفهذا حض منه (ص) على الورع، ونص جلي على أن ما حول الحمى ليست من الحمى، وأن تلك المشتبهات ليست بيقين من الحرام، وإذا لم تكن مما فصل من الحرام فهي على حكم الحلال بقول تعالى: * (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) * فما لم يفصل فهو حلال بقوله تعالى: * (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا) * وبقوله (ص): أعظم الناس جرما في الاسلام من سأل عن شئ لم يحرمه فحرم من أجل مسألته.\rوقد بين النبي (ص) في الحديث الذي رويناه آنفا من طريق أبي فروة عن الشعبي، أن هذا إنما هو مستحب للمرء خاصة فيما أشكل عليه وأن حكم من استبان له الامر بخلاف ذلك.\rوكذلك بين رسول الله (ص) في الحديث الذي روينا آنفا من طريق ابن عون عن الشعبي بيانا جليا أن المخوف على من واقع الشبهات إنما هو أن يجسر بعدها على الحرام، فصح بهذا البيان صحة ظاهره، أن معنى رواية زكريا عن الشعبي التي يقول فيها: وقع في الحرام أنه إنما هو على معنى آخر وهو كل فعل أدى إلى أن يكون فاعله متيقنا أنه راكب حرام في حالته تلك، وذلك نحو ماءين كل واحد منها مشكوك في طهارته، متيقن نجاسة أحدهما بغير عينه، فإذا توضأ بهما جميعا كنا موقنين بأنه إن صلى صلى وهو حامل نجاسة، وهذا ما لا يحل، وكذلك القول في ثوبين أحدهما نجس بيقين لا يعرف بعينه، وسائر ألفاظ من\rذكرنا على ما لا يتيقن فيه تحريم ولا تحليل.\rوأما ما يوقن تحليله فلا يزيله الشك عن ذلك، ولا معنى لقول من قال هذا على المقاربة كما قال الله تعالى: * (فإذا بلغن أجلهن إذ لا خلاف في أن معنى هذا ليس في انقضاء العدة، لكن إذا بلغ أجل العدة من الطلاق.\rوهذا هو الذي لا يجوز غيره، إذ لا يجوز صرف الآية عن ظاهرها بالدعوى.","part":6,"page":746},{"id":748,"text":"ومن روى في حديث النعمان الذي ذكرنا لفظه أوشك فهو زائد على ما رواه زكريا فزيادة العدل مقبولة، فكيف وقد زاد هذه اللفظة ومعناها من هو أجل من زكريا ومثله، وهما ابن عون وأبو فروة، وبهذا تتألف الاحاديث وطرقها، ويصح استعمال جيمع أقوال الرواة، وبالله تعالى التوفيق.\rفإن تعلقوا بما حدثناه صاحبنا أحمد بن عمر بن أنس العذري قال: أنا أحمد بن علي الكسائي بمكة، أنا أبو الفضل العباس بن محمد بن نصر الوافقي، ثنا هلال بن العلاء الرقي، ثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا أبو النضر، ثنا أبو عقيل، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي، عن ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس كلاهما، عن عطية السعدي، وكانت له صحبة قال قال رسول الله (ص): لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس.\rفالقول في هذا الحديث كالقول في حديث النعمان سواء بسواء، وإنما هو حض لا إيجاب.\rوقد علمنا أن من لم يجتنب المتشابه وهو الذي لا بأس به، فليس من أهل الورع، وأهل الورع هم المتقون، لان المتقين جمع متق، والمتقي الخائف، ومن خاف مواقعه الحرام فهو الخائف حقا.\rولعمري إن أولى الناس ألا يحتج بهذا الحديث من يرى قول الله تعالى: * (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين) * ليس فرضا، بل قالوا: المتعة ليست بواجبة، فقد صرحوا بأن كون المرء من المتقين ليس عليه بواجب، لا سيما وفي هذا\rالحديث معنى الحض لا الايجاب، وفي الآية التي تلونا لفظ معنى الفرض بقوله تعالى: * (حقا على المتقين) * وكل مسلم لفظ بالتوحيد اتقى النار فهو متق، إلا أن لفظ المتقين لا يطلق إلا على المستكملين لدرجة الخوف.\rكما أن من صلح في فعلة واحدة من أفعاله فهو صالح، ومن فعل فضلا فهو به فاضل، إلا أنه بلا خلاف لا يطلق على المرء اسم صالح وفاضل إلا بعد أن يبلغ الغاية التي تمكنه من الطاعات والورع.\rومعاذ الله أن يقول رسول الله (ص) الكلام المذكور إلا على هذا الوجه - هذا إن صح عنه لانه لو كان ظن خصومنا في هذا الحديث حقا لكان نصه عليه السلام على ترك ما لا بأس به أعظم الحكم بأنه من أعظم الناس، لان","part":6,"page":747},{"id":749,"text":"ما لا بأس به هو المباح فعله، فكان على هذا الظن الفاسد يكون المباح محظورا، وهذا فاسد لا يظن أن النبي (ص) يقوله إلا جاهل أو كافر، لانه ينسب إلى النبي (ص) إباحة الشئ للناس، ونهيهم عنه في وقت واحد، وهذا محال لا يقدر عليه أحد قال الله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * وليس استباحة الشئ وإيجاب الامتناع منه في وقت واحد في وسع أحد، فالله تعالى قد أكذب من ظن هذا الظن.\rوصح أن معنى هذا الحديث - لو صح - إنما هو على الحض لا على الايحاب.\rفلو كان المشتبه حراما، وفرضا تركه، لكان النبي (ص) قد نهى عنه، ولكنه عليه السلام لم يفعل ذلك، لكنه حض على تركه وخاف على مواقعه أن يقدم على الحرام، ونظر ذلك (ص) بالراتع حول الحمى، فالحمى هو الحرام، وما حول الحمى ليس من الحمى، والمشتبهات ليس من الحرام، وما لم يكن حراما فهو حلال وهذا في غاية البيان، وهذا هو الورع الذي يحمد فاعله ويؤجر ولا يذم تاركه ولا يأثم، ما لم يواقع الحرام البين.\rوأما حديث عطية السعدي الذي ذكرنا آنفا، فلا يظن أن فيه حجة لمن قال بالاحتياط وقطع الذرائع، لان النبي (ص) لم يبين فيه الشئ الذي ليس به بأس، الذي لا يكون العبد من المتقين إلا بأن يدعه، فلو كان هذا الحديث صحيحا وعلى ظاهره لوجب به أن يجتنب كل حلال في الارض، لان كل حلال فلا بأس به.\rولا يحص في ذلك الحديث أي الاشياء التي لا بأس بها لا يكون العبد من المتقين لا بأن يدعها، فظهر وهي تلك الرواية وفيه أبو عقيل وليس بالمحتج به، وصح أنه لو صح لكان على الورع فقط.\rفإن تعلقوا بما حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا محمد بن حاتم بن ميمون، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن","part":6,"page":748},{"id":750,"text":"أبيه، عن النواس بن سمعان الانصاري قال: سمعت رسول الله (ص) يقول عن البر والاثم قال: البر حسن الخلق والاثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس.\rوبما حدثناه أحمد بن محمد الجسوري، ثنا أحمد بن الفضل الدينوري، ثنا محمد بن جرير الطبري، حدثني محمد بن عوف الطائي، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبي، ثنا ضمضم، عن شريح بن عبيد قال: زعم أيوب بن مكرز أن غلاما من الازد قال له رسول الله (ص) وقد أتاه يسأله عن الحرام والحلال، فقال له رسول الله (ص): إن الحلال ما اطمأنت إليه النفس وإن الاثم ما حاك في صدرك وكرهته أفتاك الناس ما أفتوك.\rفالاول فيه معاوية بن صالح بالقوي، وفي الثاني مجهولون وهو منقطع أيضا، ومعاذ الله أن يكون الحرام والحلال على ما وقع في النفس، والنفوس تختلف أهواؤها، والدين واحد لا اختلاف فيه، قال الله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) *.\rومن حرم المشتبه وأفتى بذلك وحكم به على الناس فقد زاد في الدين ما لم يأذن به الله تعالى، وخالف النبي (ص) واستدرك على ربه تعالى بعقله أشياء من الشريعة.\rويكفي من هذا كله إجماع الامة كلها نقلا عصرا عن عصر أن من كان في عصره عليه السلام وبحضرته في المدينة إذا أراد شراء شئ مما يؤكل، أو ما يلبس، أو يوطأ، أو يركب، أو يستخدم، أو يتملك أي شئ كان، أنه كان يدخل سوق المسلمين أو يلقى مسلما يبيع شيئا ويبتاعه منه، فله ابتياعه ما لم يعلمه حراما بعينه، أو ما لم يغلب الحرام عليه غلبة يخفي معها الحلال ولا شك أن في السوق مغصوبا ومسروقا ومأخوذا بغير حق، وكل ذلك قد كان في زمن النبي (ص) إلى هلم جرا، فما منع النبي (ص) من شئ من ذلك، وهذا هو المشتبه نفسه، وقوله (ص) إذ سأله أصحابه رضي الله عنهم فقالوا: إن أعرابا حديثي عهد بالكفر يأتوننا","part":6,"page":749},{"id":751,"text":"بذبائح لا ندري أسموا الله تعالى عليها أم لا ؟، فقال عليه الصلاة والسلام: سموا الله وكلوا أو كلاما هذا معناه، يرفع الاشكال جملة في هذا الباب.\rوقد روي أنه (ص) أمر في من أطعمه أخوه شيئا أن يأكل، ولا يسأل، فنحن نحض الناس على الورع كما حضهم النبي (ص) ونندبهم إليه، ونشير عليه باجتناب ما حاك في النفس، ولا نقضي بذلك على أحد ولا نفتيه به فتيا إلزام، كما لم يقض بذلك رسول الله (ص) على أحد.\rوقد احتج بعضهم في هذا بقول الله تعالى: * (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) * قالوا: فنهوا عن لفظة * (راعنا) * لتذرعهم بها إلى سب النبي (ص).\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لان الحديث الصحيح قد جاء بأنهم كانوا يقولون: راعنا من الرعونة، وليس هذا مسندا، وإنما هو قول لصاحب ولم يقل الله تعالى ولا رسوله (ص): إنكم إنما نهيتم عن قول راعنا لتذرعكم بذلك إلى قول راعنا، وإذا لم يأت بذلك نص عن الله تعالى، ولا عن رسوله (ص)\rفي قول أحد دونه.\rوقد قال بعض الصحابة في الحمر، إنما حرمت لانها كانت حمولة الناس، وقال بعضهم: إنما حرمت لانها كانت تأكل القذر، وكلا القولين غير صواب، لان الدجاج تأكل من القذر ما لا تأكل الحمير، ولم يحرم قط (ص) الدجاج والناس كانوا أفقر إلى الخيل للجهاد منهم إلى الحمير، وقد أباح (ص) أكل الخيل في حين تحريمه الحمير، فبطل كلا القولين.\rوهكذا من قال: إن الله تعالى إنما نهى عن قول: * (وقولوا) * لئلا يتذرعوا بها إلى قول راعنا، فلا حجة في قوله، لانه أخبر عما عنده، ولم يسند ذلك إلى النبي (ص) وهذ الآية حجة عليهم لا لهم، لانهم إذ نهوا عن راعنا، وأمروا بأن يقولوا * (واسمعوا) *، ومعنى اللفظين واحد، فقد صح بلا شك أنه لا يحل تعدي ظواهر الاوامر بوجه من الوجوه، وهذه حجة قوية في إبطال القول بالقياس وبالعلل، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا فإنما أمر الله تعالى في نص القرآن بأن لا يقولوا: * (وقولوا) * وأن يقولوا * (انظرنا) * المؤمنين الفضلاء أصحاب رسول الله (ص) المعظمين له، الذي لم يعنوا بقول: * (راعنا) * قط الرعونة، وأما المنافقون الذين كانوا يقولون: * (راعنا) * يعنون من","part":6,"page":750},{"id":752,"text":"الرعونة، فما كانوا يلتفتون إلى أمر الله تعالى، ولا يؤمنون به، فظهر يقين فساد قولهم وتمويههم بهذه الآية.\rوقالوا: إنما منعنا من نكح في العدة ودخل بها أن ينكحها في الابد، لانه استعجل نكاحها قبل أوانه، قالوا: وكذلك حرمنا القاتل الميراث لانه استعجله قبل أوانه.\rقال على: وهذه علة مفتقرة إلى ما يصححها، لانها دعوى فاسدة ويقال لهم: ومن أين لكم أن من استعجل شيئا قبل أوانه حرم عليه في الابد ؟ ثم لم يلبثوا أن تناقضوا أسخف تناقض فقالوا: من تزوج امرأة ذات زوج فدخل بها، فأتى زوجها\rلم تحرم عليه في الابد، بل له نكاحها إن طلقها زوجها أو مات عنها.\rوهو قد استعجله قبل أوانه، ويلزمهم أن من سرق مالا لغيره أن يحرم عليه في ملكه في الابد، لانه استعجله قبل وقته، وأن من قتل آخر أو تحرم عليه أمته في الابد، لانه استعجل تحللها قبل أوانه، ويلزمهم أيضا ألا يرث ولاء موالي من قتل، لانه استعجل استحقاقه قبل أوانه، وأن من قتل لا يدخل في حبس معقب عليه بعد موت مقتوله، وألا يرث من انتقل التعصيب له إليه بعد موت مقتوله، وهذا كثير جدا.\rفإن قالوا: قد يمكن أن يموت هو قبل مقتوله، قلنا: وقد يموت هو قبل موت مقتوله باعتباط ونحو ذلك ولا فرق.\rوأصحاب مالك يلزمون الطلاق ثلاثا من يشك أطلق ثلاثا أم أقل، ويفرقون بين من طلق إحدى امرأتيه، ثم لم يدر أيتهما المطلقة وبينهما معا، فيطلقون كلتا امرأتيه ويحرمون حلالا كثيرا خوف مواقعة الحرام، وفي هذا عبرة لمن اعتبر، ليت شعري كما تشفقون في الاستباحة من مواقعة الحرام أما تشفقون في قطعهم بالتحريم وبالتفريق من مواقعة الحرام في تحريمهم ما لم يحرمه الله تعالى ؟ وقد علم كل ذي دين أن تحريم المرء ما لم يصح تحريمه عنده حرام عليه، فقد وقعوا في نفس ما خافوا بلا شك، ومن العجيب أن خوف الحرام أن يقع فيه غيرهم - ولعله لا يقع فيه - قد أوقعهم يقينا في مواقعتهم يقين الحرام، لانهم حرموا ما لم يحرمه الله تعالى، ومحرم الحلال كمحلل الحرام ولا فرق.\rوالعجب كل العجب أنهم يحتاطون بزعمهم على هذا الذي جهل أي امرأتيه طلق خوف أن يواقع التي طلق وهو لا يعلمها، فيكون قد أوقع حراما لا يعلمه","part":6,"page":751},{"id":753,"text":"بعينه، ولا يتقون الله تعالى فيحتاطون على أنفسهم التي أمروا بالاحتياط عليها وقال لهم ربهم تعالى: * (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) * فيحرمون\rعليه الثانية التي هي امرأته بلا شك، ولم يطلقها قط فيخرجونها عن ملكه بغير إذن من الله تعالى، ويبيحون فرجها لمن لا شك في أنه حرام عليه من سائر من يتزوجها من الناس، وهي غير مطلقة ولا منفسخة ولا متوفى عنها، فيقعون في أعظم مما صانوا عنه غيرهم، لان الشاك في الطلاق لو واقع ذلك الحرام لكان غير آثم، لانه لا يعلمه حراما بعينه، وهم يبيحون شيئا لا شك في أنه حرام غير مباح، وقد كان الاولى بهم ألا يقدموا على إباحة المرأتين اللتين لم يطلق إحداهما بلا شك للاجنبيين، فصاروا محلين للفروج المحرمة بيقين.\rوأيضا فإنهم حكموا بالطلاق على امرأة لم تطلق من أجل غيرها طلقت والله تعالى يقول: * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) * ولا يحل لاحد أن يحتاط في الدين فيحرم ما لم يحرم الله تعالى، لانه يكون حينئذ مفتريا في الدين، والله تعالى أحوط علينا من بعضنا على بعض، فالفرض علينا أن لا نحرم إلا ما حرم الله تعالى، ونص على اسمه وصفته بتحريمه، وفرض علينا أن نبيح ما وراء ذلك بنصه تعالى على إباحة ما في الارض لنا، إلا ما نص على تحريمه، وألا نزيد في الدين شيئا لم يأذن به الله تعالى، فمن فعل غير هذا فقد عصى الله عزوجل ورسوله (ص) وأتى بأعظم الكبائر.\rثم عطفوا فأسقطوا الاحتياط وتعمدوا إلى إسقاط الواجب في رجل شهد عليه أربعة عدول، بأنه أعتق خادمه هذه منذ عام كامل، وهو منكر لذلك، وهو مقر بوطئها، فيحكمون بشهادتهم، حين أدائها، ولا يحدونه على وطئ حرة بلا إنكاح، فهذا غاية الاقدام على المحرمات فأين الاحتياط ؟ والعجب أنهم يكذبون الشهود إذ لم يحكموا بنص شهادتهم، ولم يشهد القوم بأنها حررت الآن، وإنما شهدوا أنها حررت منذ عام.\rوكانوا غيبا إلى اليوم، وفي هذا من السقوط والاقدام غير قليل، ويقال لمن جعل الاحتياط أصلا يحرم به ما لم يصح بالنص تحريمه أنه يلزمك أن يحرم كل مشتبه يباع في السوق مما يمكن أن يكون حراما أو حلالا،","part":6,"page":752},{"id":754,"text":"ولا توقن بأنه حلال ولا بأنه حرام، ويلزمك أن تحرم معاملة من في ماله حرام وحلال، وهم لا يقولون بشئ من ذلك، وهذا نقض لاصولهم في الحكم بالاحتياط، ورفع الذريعة والتهمة، وقد تناقضوا في هذه المواضع.\rوقال بعضهم محتجا لاصولهم في الحكم بالاحتياط: إن الحرام يدخل بأرق سبب كتحريم الله تعالى نكاح ما نكح الآباء، فحرم ذلك بالعقد، وإن لم يكن وطئ قالوا: وأما التحليل فلا يدخل إلا بأقوى الاسباب، كتحليل المطلقة لزوجها ثلاثا تحل له بعقد زوج آخر حتى يطأ.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، وإنما اتبعنا في كلا الموضعين النصين الواردين فيهما، وقولهم إن التحريم يدخل بأرق سبب والتحليل لا يدخل إلا بأغلظ سبب، قول فاسد لا دليل عليه، لانه لم يأت به نص ولا اتفق على صحته، ونحن نوجدهم تحريما لا يدخل بأغلظ سبب، وهو أن الله تعالى حرم الربيبة التي دخل المرء بأمها، وكانت في حجره فالربيبة لا تحرم إلا بما نص الله على تحريمها به، ووجدناها باتفاق منا ومنهم لا تحرم بالعقد على أمها فقط.\rووجدنا التحليل في الايمان المغلظة المعظمة باسم الله تعالى يدخل بإطعام عشرة مساكين، أو بالاستثناء الذي هو كلمات يسيرة لا مؤونة فيها، فإن قالوا: إنما وجب هذان الحكمان بالنص، قلنا لهم: وكذلك تحريم ما نكح الآباء وتحليل المطلقة ثلاثة بوطئ زوج آخر، إنما وجبا بالنص لا بما ادعيتم من رقة سبب وغلظة.\rووجدنا النبي (ص) قد حرم على نفسه ما أحل الله تعالى له، فلم يحرم عليه بذلك.\rولا أغلظ من تحريم النبي (ص)، فلم يدخل التحريم بذلك، إذ لم يكن نزل بذلك عليه نص، وتحلل من تلك اليمين بكفارة، فدخل التحليل بأرق سبب وأهونه، فبطل ما ادعوا من ذلك.\rوأيضا فإن حجتهم بأن المطلقة لا تحل لزوجها الاول إلا بأغلظ سبب ثم أباحوها.\rبالوطء دون الانزال، فقد نقضوا أصولهم في ذلك، وأدخلوا التحليل بسبب رقيق، لان الحسن البصري وهو أحد الائمة يقول: لا تحل للاول إلا بأن يطأها الثاني، وينزل وإلا فلا، وجعل الانزال تمام ذوق العسيلة، وهم لا يقولون بذلك.","part":6,"page":753},{"id":755,"text":"وأيضا فإنهم يبيحون للمرء نكاح من زنى بها أبوه، ولا يحرمون عليه امرأته إن زنى بجريمتها، فهنا لا يدخلون التحريم بأرق سبب، بل بأغلظ سبب، وهو المتفق عليه في وطئ الحلال، ويبيحون قتل المقر بالزنى مرة واحدة، فيدخلون التحليل على الدم الحرام الذي هو أغلظ الحرمات بأرق سبب، وغيرهم لا يبيح دمه إلا بإقرار أربع مرات يثبت عليها ولا يرجع عنها أصلا، وكل هذا تناقض منهم وهدم لما أصلوه من أن التحريم يدخل بأرق الاسباب، ولا يدخل التحليل إلا بأغلظ الاسباب.\rومما يبطل قولهم غاية الابطال قول الله تعالى: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) * وقوله تعالى: * (قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون) *.\rفصح بهاتين الآيتين أن كل من حلل أو حرم ما لم يأت بإذن من الله تعالى في تحريمه أو تحليله فقد افترى على الله كذبا، ونحن على يقين من أن الله تعالى قد أحل لنا كل ما خلق في الارض، إلا ما فصل لنا تحريمه بالنص لقوله تعالى: * (خلق لكم ما في الأرض جميعا) * ولقوله تعالى (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فبطل بهذين النصين الجليين أن يحرم أحد شيئا باحتياط أو خوف تذرع.\rوأيضا فإن رسول الله (ص) أمر من توهم أنه أحدث ألا يلتفت إلى ذلك،\rوأن يتمادى في صلاته، وعلى حكم طهارته، هذا في الصلاة التي هي أوكد الشرائع، حتى يسمع صوتا أو يشم رائحة، فلو كان الحكم الاحتياط حقا لكانت الصلاة أولى ما احتيط لها، ولكن الله تعالى لم يجعل لغير اليقين حكما فوجب بما ذكرنا أن كل ما تيقن تحريمه فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر من نص أو إجماع، وكل ما تيقن تحليله فلا سبيل أن ينتقل إلى التحريم إلا بيقين آخر من نص أو إجماع، وبطل الحكم باحتياط.\rوصح أن لا حكم إلا لليقين وحده، والاحتياط كله هو ألا يحرم المرء شيئا إلا ما حرم الله تعالى، ولا يحل شيئا إلا ما أحل الله تعالى، وبطل بهذا أن تطلق امرأة على زوجها إذ شك أطلقها أم لا، لانها زوجة بيقين فلا تحرم عليه إلا بيقين آخر من نص أو إجماع، وبالله تعالى التوفيق.","part":6,"page":754},{"id":756,"text":"نعم حتى لقد أداهم هذا الاصل الفاسد إلا أن حكموا في أشياء كثيرة بالتهمة التي لا تحل، فأبطلوا شهادة العدول لآبائهم وأبنائهم ونسائهم وأصدقائهم تهمة لهم بشهادة الزور والحيف.\rوالحكم بالتهمة حرام لا يحل، لانه حكم بالظن، وقد قال تعالى عائبا لقوم قطعوا بظنونهم فقال تعالى: * (وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا) * وقال تعالى عائبا قوما قالوا: * (إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) * وقال تعالى: * (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * وقال تعالى: * (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) *.\rوقال رسول الله (ص): الظن أكذب الحديث.\rقال أبو محمد: فكل من حكم بتهمة أو باحتياط لم يستيقن أمره أو بشئ خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعد، فقد حكم بالظن، وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل، وهذا لا يحل وهو حكم بالهوى، وتجنب للحق نعوذ بالله من كل مذهب\rأدى إلى هذا، مع أن هذا المذهب في ذاته متخاذل متفاسد متناقض، لانه ليس أحد أولى بالتهمة من أحد، وإذا حرم شيئا حلالا خوف تذرع إلى حر فليخص الرجال خوف أن يزنوا، وليقتل الناس خوف أن يكفروا، وليقطع الاعناب خوف أن يعمل منها الخمر، وبالجملة فهذا المذهب أفسد مذهب في الارض، لانه يؤدي إلى إبطال الحقائق كلها، وبالله تعالى التوفيق.\rفإن تعلق متعلق بقول النبي (ص) لعقبة بن الحارث إذ تزوج بنت أبي إهاب ابن عزيز فأتت الامة السوداء فقالت: إني أرضعتكما فقال له رسول الله (ص): دعها عنك كيف بك وقد قيل فهذا لا يقوله رسول الله (ص)، إوقد صح عنده وجوب الحكم بقول تلك الامة السوداء، والخبر إذا صح عند الحاكم، والشهادة إذا ثبتت عنده لزمه أن يحكم بهما.\rفإن قال قائل: لم يكن ذلك من قول الامة السوداء شهادة لوجهين.\rأحدهما: أنه لم تؤد ذلك عند رسول الله (ص) وإنما أخبرت بذلك عقبة بن الحارث، وليس حكم الشهادة إلا أن تؤدى عند الحاكم.\rوالوجه الثاني: أنه (ص) قد قال: إن شهادة المرأة نصف شهادة رجل فلا سبيل إلى تعدي هذه القضية، ولا إلى أن تكون شهادة المرأة كشهادة رجل فكيف أن تكون كشهادة رجلين.","part":6,"page":755},{"id":757,"text":"ولا سبيل إلى أن يكون النبي (ص) يأمر عقبة بأن يدع زوجه وينهاه عنها بالظن الذي قد أخبر النبي (ص) أنه أكذب الحديث، هذا ما لا يظنه مسلم بالنبي (ص) لا سيما في الفراق بين الزوجين، الذي عظمه الله تعالى بقوله عزوجل واصفا للسحرة * (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) * فإذ قد بطل أن يكون حديث الامة السوداء شهادة أو حكما بالظن فلم يبق إلا أنه خبر صدقه النبي (ص) وعلم صحته فقضى به، قيل له: أما قولك: لم تؤده عند رسول الله (ص)\rفقد أدى شهادتهما بذلك، وقولها إليه (ص) الثقة وهو المقول له ذلك وشهادة واحد على شهادة واحدة عندنا جائزة.\rوأما قولك: أنه (ص) قال: شهادة المرأة نصف شهادة الرجل فنعم وهو عليه السلام القائل لما ذكرت، وهو القائل لعقبة بن الحارث: دعها عنك فهو (ص) أمره بفراقها بشهادة السوداء، فالمرأة الواحدة مقبولة في هذا المكان بهذا الحديث، وأما في سواه فامرأتان مقام رجل بالنص الآخر الذي ذكرت، ولا يحل ترك أحدهما للآخر.\rهذا على أن المالكيين الحاكمين باحتياط وقطع الذرائع في العظائم التي لم يأذن بها الله تعالى لا يحكمون بقول امرأة لزوج وامرأته: إني قد أرضعتكما، ولا يفرقون بينهما بذلك، فهم يخالفون النصوص كما ترى حيث كان يكون لهم فيه متعلق، ويفرقون بالاحتياط حيث لم يأت فيه نص يتعلق به متعلق وبالله التوفيق.\rفإن احتجوا بما حدث أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري، أنا الحسن بن أحمد بن فراس، ثنا أحمد بن محمد بن سهل المعروف ببكير بن الحداد، ثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي، ثنا عمرو بن محمد العثماني، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه عن جده، عن تميم الداري أن رسول الله (ص) قال: كل مشكل حرام وليس في الدين إشكال فهذا حديث لا تقوم به حجة لضعف سنده، لان حسين بن عبد الله ضعيف، وأبوه وجده غير مشهورين في أصحاب النقل.\rوأما كل أشياء أو شيئين أيقنا أن فيهما حراما لا نعلمه بعينه فحكمهما التوقف أو ترك التوقف، على ما قد قسمناه في غير هذا الموضع، حتى يتبين الحرام","part":6,"page":756},{"id":758,"text":"من الحلال، لان هذا المكان فيه يقين حرام يلزم اجتنابه فرضا، وهذا بخلاف\rالمشكوك فيه الذي لا يقين فيه أصلا.\rحدثنا محمد بن سعيد بن نبات، ثنا أحمد بن عبد البصير، ثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد ابن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان الثوري، عن أبيه، عن تميم بن سلمة، عن ابن عمرة قال: إن الله يحب أن يؤتى مياسره كما يحب أن تؤتى عزائمه قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن الرحال فقال: قال ابن عباس: إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن يؤتى حده وبه نصا إلى عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مالك بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الله يحب أن تؤتى مياسره كما يحب أن تؤتى عزائمه.\rقال أبو محمد: فهذا يبين أنه لا يجوز التحري في اجتناب ما جاء عن الله تعالى على لسان نبيه (ص) وإن كانت رخصة، وأن كل ذلك حق وسنة ودين، فبطل ما تعلقوا به من الاحتياط الذي لم يأت به نص ولا إجماع.\rوبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\rالباب الخامس والثلاثون في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك قال أبو محمد رحمه الله: إنما جمعنا هذا كله في باب واحد، لانها كلها ألفاظ واقعة على معنى واحد، لا فرق بين شئ من المراد بها وإن اختلفت الالفاظ وهو الحكم بما رآه الحاكم أصلح في العاقبة وفي الحال، وهذا هو الاستحسان لما رأى برأيه من ذلك، وهو استخراج ذلك الحكم الذي رآه.\rقال المالكيون بالاستحسان في كثير من مسائلهم، روى العتبي محمد بن أحمد قال: ثنا أصبغ بن الفرج قال: سمعت ابن القاسم يقول: قال مالك: تسعة أعشار العلم الاستحسان، قال أصبع بن الفرج الاستحسان في العلم يكون أغلب من القياس، ذكر ذلك في كتاب أمهات الاولاد من المستخرجة.\rوأما الحنفيون فأكثروا فيه جدا، وأنكره الشافعيون، وأنكره من أصحاب","part":6,"page":757},{"id":759,"text":"مذهب أبي حنيفة أحمد بن محمد الطحاوي، فأما القائلون به فإننا نجدهم يقولون في كثير من مسائلهم إن القياس في هذه المسألة كذا، ولكنا نستحسن فنقول غير ذلك.\rقال أبو محمد: واحتج القائلون بالاستحسان بقول الله عزوجل: * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الالباب) *.\rقال أبو محمد: وهذا الاحتجاج عليهم لا لهم، لان الله تعالى لم يقل فيتبعون ما استحسنوا وإنما قال عزوجل: * (فيتبعون أحسنه) * وأحسن الاقوال ما وافق القرآن وكلام الرسول (ص)، هذا هو الاجماع المتيقن من كل مسلم، ومن قال غير هذا فليس مسلما، وهو الذي بينه عزوجل إذ يقول: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * ولم يقل تعالى فردوه إلى ما تستحسنون.\rومن المحال أن يكون الحق فيما استحسنا دون برهان، لانه لو كان ذلك لكان الله تعالى يكلفنا ما لا نطيق، ولبطلت الحقائق ولتضادت الدلائل، وتعارضت البراهين، ولكان تعالى يأمرنا بالاختلاف الذي قد نهانه عنه، وهذا محال لانه لا يجوز أصلا أن يتفق استحسان العلماء كلهم على قول واحد، على اختلاف هممهم وطبائعهم وأغراضهم، فطائفة طبعها الشدة، وطائفة طبعها اللين، وطائفة طبعها التصميم، وطائفة طبعها الاحتياط، ولا سبيل إلى الاتفاق على استحسان شئ واحد مع هذه الدواعي والخواطر المهيجة، واختلافها واختلاف نتائجها وموجباتها، ونحن نجد الحنفيين قد استحسنوا ما استقبحه المالكيون، ونجد المالكيين قد استحسنوا قولا قد استقبحه الحنفيون، فبطل أن يكون الحق في دين الله عزوجل مردودا إلى استحسان بعض الناس، وإنما كان يكون هذا -\rوأعوذ بالله - لو كان الدين ناقصا، فأما وهو تام لا مزيد فيه، مبين كله منصوص عليه، أو مجمع عليه فلا معنى لمن استحسن شيئا منه أو من غيره، ولا لمن استقبح أيضا شيئا منه أو من غيره.\rوالحق حق وإن استقبحه الناس، والباطل باطل وإن استحسنه الناس، فصح أن الاستحسان شهوة واتباع للهوى وضلال، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان.\rوقد روى الفتيا بالرأي في مسائل عن الصحابة.","part":6,"page":758},{"id":760,"text":"فإن قال قائل: إذ قد ظهر الفتيا بالرأي في الصحابة فقد أجمعوا على الرضا به.\rقيل له وبالله تعالى التوفيق: ليس كما تقول، بل لو قال قائل: إنهم رضي الله عنهم أجمعوا على ذمه لكان مصيبا، لان الذين روى عنهم الفتيا منهم رضي الله عنهم مائة ونيف وثلاثون، لا يحفظ التكثير منهم من الفتيا إلا عن عشرين، ثم لا يحفظ عن أحد من هؤلاء المذكورين تصويب القول بالرأي، ولا أنه دين ولا أنه لازم، بل أكثرهم قد روي عنه ذم ما أخبر به من الرأي وعلى أي وجه أفتى به من أنه غير لازم.\rثم تعكس عليهم السؤال فنسألهم: أعصم أحد من الخطأ بعد النبي (ص)، فمن قولهم وقول جميع المسلمين: إنه لم يعصم أحد من الخطأ بعد النبي (ص) وإن كان من دونه يخطئ ويصيب، فإذ الامر كذلك أفيسوغ لاحد أن يقول: إنهم قد أجمعوا على الخطأ ؟ وأراد تصحيح الخطأ بذلك، وهذا ما لا يقوله أحد.\rوإنما يكون الاجماع صحيحا إذا أجمعوا على صحة القول بشئ ما، ولم يصحح قط أحد منهم القول بالرأي، وأيضا فإنه ليس منهم أحد أفتى برأيه في مسألة إلا وقد أفتى غيره فيها بنص رواه، أو موافق لنص فإذ الامر كذلك، فإن الواجب عرض تلك الاقوال على القرآن والسنة، فالقرآن والسنة يشهدان بصحة قول من\rوافق قوله النص، لا من قال برأيه، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا في الاستحسان بقول يجري على ألسنتهم وهو: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وهذا لا نعلمه ينسند إلى رسول الله (ص) من وجه أصلا، وأما الذي لا شك فيه، فإنه لا يوجد البتة في مسند صحيح وإنما نعرفه عن ابن مسعود، كما حدثنا المهلب التميمي عن محمد بن عيسى بن مناس، عن محمد بن مسرور، عن يونس بن عبد الاعلى، عن ابن وهب، أخبرني عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن عبد الله عتبة، عن عاصم بن بهدلة، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود فذكر كلاما فيه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.\rقال أبو محمد: وهذا لو أتى من وجه صحيح لما كان لهم فيه متعلق، لانه إنما يكون إثبات إجماع المسلمين فقط، لانه لم يقل ما رآه بعض المسلمين حسنا فهو حسن وإنما فيه: ما رآه المسلمون، فهذا هو الاجماع الذي لا يجوز خلافه لو تيقن،","part":6,"page":759},{"id":761,"text":"وليس ما رآه بعض المسلمين بأولى بالاتباع مما غيرهم من المسلمين، ولو كان ذلك لكنا مأمورين بالشئ وضده، وبفعل شئ وتركه معا، وهذا محال لا سبيل إليه، ثم يقال لهم: ما معنى قولكم: الاستحسان في هذه المسألة وجه كذا ؟.\rفجوابهم في ذلك أحد جوابين: أحدهما: ما كانوا عليه فيما قارب عصر أبي حنيفة ومالك، وهو الذي يرونه أحوط أو أخف أو أقرب من العادة والمعهود، أو أبعد من الشناعة، وهذا كله بالجملة راجع إلى ما طابت عليه أنفسهم، وهذا باطل بقوله تعالى: * (ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) * * (إن النفس لامارة بالسوء) * وبقوله تعالى: * (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم) * وقال تعالى: * (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) *.\rوفي هذه الآي إبطال أن يتبع أحد ما استحسن بغير برهان من نص أو إجماع، ولا يكون أحد أحوط على العباد المؤمنين من الله خالقهم ورازقهم، وباعث الرسل إليهم، والاحتياط كله اتباع ما أمر الله تعالى به والشناعة كلها مخالفته، ولا مني لما نافرته قلوب لم تعتده، وهذا كله ظنون فاسدة لا تجوز إلا عند من لم يتمرن بمعرفة الحقائق، ولا حسن إلا ما أمر الله تعالى به رسوله (ص) أو أباحاه، ولا قبيح ولا شنيع إلا ما نهى عنه تعالى ورسوله (ص).\rوجواب لهم ثان: أجاب به الكرخي، وهو أن قال: هو أدق القياسين.\rقال أبو محمد: وهذا القول يبطله كل ما نورده إن شاء الله في باب إبطال القياس من ديواننا هذا.\rوبالله تعالى التوفيق.\rويقال لهم: إن كان ههنا قياس يوجب ترك قياس آخر ويضاده ويبطله فقد صح بطلان دلالة القياس بإقراركم، وصح بالبرهان الضروري إبطال القياس كله جملة بهذا العمل، لان الحق لا يتضاد ولا يبطل بعضه بعضا، ولا يضاد برهان برهانا أبدا، لان معنى المضاد أن يبطل أحد المعنيين الآخر، والشئ إذا أبطله الحق فقد بطل، والباطل لا يكون حقا في حال كونه باطلا، وإذا أبطل بعض الشئ بعضا فواجب أن يكون كله باطلا، لما قلنا من أن الحق لا يبطل بعضه","part":6,"page":760},{"id":762,"text":"بعضا.\rفإذا شهد بعض القياس عندكم بإبطال بعض قياس آخر، فنوع القياس كله متفاسد، مبطل بعضه بعضا، فهو كله باطل.\rفإن قالوا: إن الحديث ينقض بعضه بعضا، وكذلك الآي على سبيل النسخ وكذلك النظر، وليس ذلك دليلا على بطلان جميع القرآن والحديث والنظر.\rقال أبو محمد: فنقول لهم، وبالله تعالى التوفيق: هذا تمويه شديد، ولا يجوز أن تبطل آية آية أخرى، ولا حديث حديثا آخر، إلا من طريق النسخ، أو يكون\rأحد الحديثين ضعيف النقل، فليس داخلا حينئذ فيما أمرنا بطاعته وكذلك النظر، لان النظر الصحيح إنما هو البرهان، وإنما تأتي أغاليط وشبه بظن قوم أنها برهان، وليست برهانا فليس هذا داخلا في النظر، وليس ما قلتم في القياسين من هذا الباب في شئ، لان القياس ليس فيه ناسخ ولا منسوخ، ولا قلتم: إن أحد القياسين مموه ليس قياسا، بل قلتم: هما معا قياس، فاستحسنا أدقهما، فتركتم أحد القياسين وأبطلتموه، وأنتم تقرون أنه قياس وإذا كان بعض النوع باطلا فهو كله باطل، ولا يجوز أن يجمع الحق والباطل نوع واحد أبدا.\rولا يظن القائلون بإبطال الاستحسان، الهاربون إلى القول بترجيح العلل وتغليب كثرة الاشباه، أنهم يتخلصون من هذا الالزام بما فزعوا إليه، لانهم على كل حال قد أبطلوا العلة المرجح عليها الاخرى، وأبطلوا حكم الاشباه القليلة، ولم يوجبوا بها حكما، ولا صححوا بها قياسا بل حكموا بأن العلل يبطل بعضها بعضا، وأن بعض الاشباه لا يحكم به، ولا من أجله يحكم به، ولا من أجله بحكم واحد، ولا يوجب الاشتباه اتفاقا في الحكم بالتشابه وبالعلل، وبطل بذلك القول بالقياس جملة، لان كل طريق من الجدال أبطل بعضه بعضا، وكذب بعضه بعضا وتناقض وتفاسد - فهو كله فاسد باطل، والحق لا يعارض الحق أبدا، ولا يقوم دليل على صحة ضدين في معنى واحد أبدا.\rوقد اعترف مالك رحمه الله بالحق في هذا، وبرئ ممن قلده، كما حدثنا رجل من أصحابنا اسمه عبد الرحمن بن سلمة قال: ثنا أحمد بن خليل، ثنا خالد بن سعد، ثنا عبد الله بن يونس المرادي من كتابه، نا بقي بن مخلد، نا سحنون والحارث بن","part":6,"page":761},{"id":763,"text":"مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك أنه كان يكثر أن يقول: إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين.\rقال أبو محمد: ونحن نقول لمقال بالاستحسان: ما الفرق بين ما استحسنت أنت واستقبحه غيرك، وبين ما استحسنه غيرك واستقبحته أنت ؟ وما الذي جعل أحد السبيلين أولى بالحق من الآخر ؟ وهذا ما لا انفكاك منه، وبالله تعالى التوفيق.\rوأما الاستنباط فإن أهل القياس ربما سموا قياسهم استنباطا، وهو مأخوذ من أنبطت الماء، وهو إخراجه من الارض والتراب والاحجار، وهو غيرها، فالاستنباط هو استخراج الحكم من لفظ هو خلاف لذلك الحكم، وهذا باطل، ومن العجب أنه احتجوا في ثباته بقول الله عزوجل: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * وهذا من عظيم مجاهرتهم الدالة على رقة دين من احتج بهذا في إثبات الاستنباط غشا لمن اعتبر به، وتلبيسا على من أحسن الظن بكلامه.\rوهذه الآية مبطلة الاستنباط بلا شك، لان (لو) في كلام العرب - الذي نزل به القرآن - حرف يدل على امتناع الشئ لا امتناع غيره، فنص تعالى على أن المستنبطين لو ردوه إلى الرسول وإلى أهل العلم الناقلين لسنن النبي (ص) لعلموا الحق فلم يردوه واتكلوا على استنباطهم، فلم يعلموا الحق، هذا شئ ظاهر لا يجوز أن يحتمل تأويلا غير ما ذكرنا، ولا حجة أعظم في إبطال الاستنباط من هذه الآية لو أنصفوا أنفسهم.\rوقد قال بعضهم: إن الضمير في قوله تعالى: راجع إلى الرسول وإلى أولي الامر، لا إلى الضمير الذي في.\rقال أبو محمد: وهذا ليس بمخرج للفظ الآية عن إبطال الاستنباط الذي يريدون نصره، لانه إن كان كما ذكروا فمعنى الآية حينئذ: إنهم لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلم الحق الذين يستنبطونه أي يستخرجون علمه\rمن عند الرسول وأولي الامر.\rقال أبو محمد: وهذا قولنا لا قولهم، لان كل قول أخذ عن النبي (ص)","part":6,"page":762},{"id":764,"text":"وعن الاجماع فهو حق بلا شك، وإنما ينكر عليهم أن يستخرجوا من كلام النبي (ص)، ومن إجماع الامة معنى لا يفهم من مسموع ذلك الكلام، ولا يقتضيه موضوعه في اللغة العربية، فهذا الذي راموا نصره وخالفناهم فيه، لا ما أخذ عن النبي (ص) وعن الائمة الناقلين للحكم عنه (ص)، ومن استجاز مثل هذا التمويه في دين الاسلام فلا يستجيزه من له دين أو حياء.\rفإن تعلقوا بحديث رويناه عن عمر في سبب نزول هذه الآية وفيه: أن عمر قال: فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الامر فلا حجة لهم فيه، بل هو عليهم لا لهم، وهو حديث حدثناه عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم، حدثني زهير بن حرب، نا عمر بن يونس الحنفي، ثنا عكرمة بن عمار، عن سماك أبي زميل قال حدثني عبد الله بن العباس، حدثني عمر بن الخطاب - فذكر حديث إيلاء النبي (ص) من أزواجه، وأن عمر قال: فقلت يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهم فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت الآية آية التخيير: * (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) * قال عمر: فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله (ص) نساءه، ونزلت هذه الآية: * (وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * قال\rعمر: فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الامر وأنزل الله عزوجل آية التخيير.\rقال أبو محمد: وقبل كل شئ فهذا اللفظ إنما روي من هذه الطريق، وفيها عكرمة بن عمار وهو منكر الحديث جدا، وقد روينا من طريقه حديثا موضوعا مكذوبا من طريق هذا الاسناد نفسه، عكرمة بن عمار عن سماك أبي زميل، عن ابن عباس وهكذا لا شك فيه، ليس في سنده أحد متهم غيره.\rوهذا الحديث الذي فيه أن أبا سفيان بن حرب بعد إسلامه كان المسلمون يجتنبونه، وأنه سأل النبي (ص) أن يتزوج ابنته أم حبيبة وأن يستكتب ابنه معاوية وأن يستعمله يعني نفسه - ويوليه.","part":6,"page":763},{"id":765,"text":"قال أبو محمد: وهذا هو الكذب البحت، لان نكاح رسول الله (ص) أم حبيبة كان وهي بأرض الحبشة مهاجرة، وأبو سفيان كان بمكة قبل الفتح بمدة طويلة، ولم يسلم أبو سفيان إلا ليلة يوم الفتح.\rولان الصحيح عنه (ص) قوله: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده روينا ذلك من طريق أبي موسى الاشعري، فظهر كذب رواية عكرمة بن عمار بيقين، لا إشكال فيه، ولا يخلو ضرورة هذا الخبر من أن عكرمة بن عمار وضعه، أو أخذه عن كذاب وضعه، فدلسه هو إلى أبي زميل وكلتاهما مسقطة لعدالته مبطلة لروايته.\rثم لو صح - وهو لا يصح - لكان حجة عليهم، لان فيه أن آية التخيير نزلت","part":6,"page":764},{"id":766,"text":"يومئذ، وهي مخالفة لرأي عمر واستنباطه، فليس فيه - صح - إلا أن الذي استنبطه عمر ليس فيه ذكر التخيير لهن، ولا أشار إليه.\rثم ليس فيه أيضا إلا أمر ظاهر منصوص عليه من قدرة الله تعالى أن يبدله خيرا منهن إن طلقهن وهذا أمر ظاهر لا يجهله مسلم، وأن الله تعالى معه والملائكة والمؤمنين، وهذا أيضا متيقن يدريه كل مسلم قبل أن يقوله عمر، وليس هذا هو الاستنباط\rالذي يشيرون إليه، ونمنعه نحن من إخراج حكم في شرع الدين ليس له نص في قرآن ولا سنة، فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة، والحمد لله رب العالمين.\rوأما الرأي فإنهم احتجوا في تصويب القول به بقول الله عزوجل: * (وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله) * وبقوله تعالى: * (وأمرهم شورى بينهم) * ومن الحديث بالاثر الصحيح في مشاورة النبي (ص) المسلمين فيما يعملون به لوقت الصلاة قبل نزول الاذان فقال بعضهم: نار، وقال بعضهم: بوق وقال بعضهم: ناقوس.\rوبما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس، ثنا أبو داود، ثنا عبد الله بن أحمد السرخسني، ثنا إبراهيم بن خزيم، نا عبد بن حميد، نا عبد الرزاق، أنا معمر عن الزهري - وذكر حديث مشاورة النبي (ص) أصحابه في القتال يوم الحديبية - قال الزهري فكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشاور لاصحابه من رسول الله (ص).\rحدثنا المهلب: ثنا ابن مناس بن مسرور، نا يونس بن عبد الاعلى، نا ابن وهب، ثنا إبراهيم بن نشيط، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين قال: سئل رسول الله (ص) عن الحزم، فقال: تستشير الرجل ذا الرأي، ثم تمضي إلى ما أمرك به.\rوبه إلى ابن وهب: أخبرني عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عيسى الواسطي يرفعه قال: ما شقي عبد بمشورة، ولا سعد عبد استغنى برأيه حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي، نا ابن مفرج، نا إبراهيم بن أحمد بن فراس، ثنا","part":6,"page":765},{"id":767,"text":"محمد بن علي بن زيد، نا سعيد بن منصور، نا فرج بن فضالة، نا محمد بن عبد الاعلى، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه قال: جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله (ص) فقال لي: يا عمرو اقض بينهما، قلت: أولى\rبذلك مني يا نبي الله، قال: وإن كان، قلت: على ماذا أقضي ؟ قال: إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات، وإن اجتهدت، فأخطأت فلك حسنة.\rقال سعيد بن منصور: وحدثناه فرج بن فضاله، عن ربيعة بن يزيد، عن عقبة ابن عامر، عن رسول الله (ص) مثله، إلا أنه: إن أصبت فلك عشرة أجور وإن أخطأت فلك أجر واحد.\rحدثنا عبد الله بن ربيع التميمي، ثنا عبد الملك بن عمر الخولاني، نا محمد بن بكر البصري، نا أبو داود السجستاني، نا حفص بن عمر، نا شعبة عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ: أن رسول الله (ص) لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك القضاء ؟ قال: أقضي بكتاب الله عز وجل، قال: فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال: فبسنة رسول الله (ص)، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله ؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله (ص) صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله.\rقال أبو داود: وثناه مسدد قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا شعبة، ثنا أبو عون - هو محمد بن عبيد الله الثقفي، عن الحارث بن عمرو، عن ناس من أصحاب معاذ، عن معاذ أن رسول الله (ص) بعثه إلى اليمن فذكر معناه.\rكتب إلى يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري قال: ثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال: ثنا إبراهيم بن أبي الفياض البرقي الشيخ الصالح، ثنا سليمان بن بزيغ الاسكندراني، ثنا مالك بن أنس، عن يحيى","part":6,"page":766},{"id":768,"text":"ابن سعيد الانصاري، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب قال: قلت:\rيا رسول الله، الامر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم يمض فيه منك سنة ؟ قال: اجمعوا له العالمين - أو قال العابدين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان الاسدي، ثنا أحمد بن خالد، ثنا عبد العزيز، ثنا الحجاج بن المنهال السلمي، ثنا عبد الحميد بن بهرام، ثنا شهر بن حوشب، حدثني ابن غنم: أن رسول الله (ص) لما خرج إلى بني قريظة والنضير قال له أبو بكر وعمر: يا رسول الله إن الناس يزيدهم حرصا على الاسلام أن يروا عليك زيا حسنا من الدنيا، فانظر إلى الحلة التي أهداها لك سعد بن عبادة فالبسها فليرك اليوم المشركون أن عليك زيا حسنا، قال: أفعل، وأيم الله لو أنكما تتفقان لي على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدا ولقد ضرب لي ربي لكما مثلا، فأمثالكما في الملائكة كمثل جبريل، وميكائيل فأما ابن الخطاب فمثله في الملائكة كمثل جبريل إن الله لم يدمر أمة قط إلا بجبريل، ومثله في الانبياء كمثل نوح إذ قال: * (وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) * ومثل ابن أبي قحافة في الملائكة كمثل ميكائيل إذ يستغفر لمن في الارض، ومثله في الانبياء كمثل إبراهيم إذ قال: * (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) * ولو أنكما تتفقان لي على أمر واحد ما عصيتكما في مشاورة أبدا ولكن شأنكما في المشاورة شئ كمثل جبريل وميكائيل ونوح وإبراهيم.\rقال أبو محمد: هذا كل ما موهوا به من الحديث، وقالوا: قد جاء النص بوجوب طاعة أولي الامر منا عموما فهو فيما قالوه برأيهم أيضا.\rوقالوا قد اتفقنا على وجوب تقديم الامام إذا مات الامام، ولا نص على إمام بعينه فثبت أنه إنما يقدم بالرأي والامامة من قواعد الدين.\rوذكروا عن الصحابة ما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكي، حدثنا ابن مفرج، ثنا\rإبراهيم بن أحمد بن فراس، نا محمد بن علي، ثنا سعيد بن منصور، نا سفيان بن عيينة وأبو معاوية - هو محمد بن خازم الضرير - كلاهما عن الاعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثر الناس على عبد الله بن مسعود يوما فقال:","part":6,"page":767},{"id":769,"text":"إنه قد أتى علينا زمان لسنا نقضي، ولسنا هنالك إن الله تعالى قدر أن بلغنا من الامور ما ترون، فمن عرض قضاء منكم بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله تعالى، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه (ص)، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله تعالى، وليس فيما يقضي به النبي (ص) فليقض بما قضى به الصالحون، فان جاء أمر ليس في كتاب الله تعالى ولم يقض به نبيه عليه السلام ولم يقض به الصالحون فاجتهد رأيه، وليقل إني أرى وأخاف، فإن الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور متشابهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.\rحدثنا حمام: ثنا عبد الله بن محمد بن علي الباجي، ثنا عبد الله بن يونس المرادي، ثنا بقي بن مخلد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا بن أبي زائدة، عن الاعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود مثله بتمامه وزاد فيه: فإن أتاه أمر لا يعرفه فليقر ولا يستحي.\rوبه إلى ابن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس أنه كان إذا سئل عن أمر فكان في القرآن أخبر به، فإن لم يكن في القرآن فكان عن رسول الله (ص) أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه، حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي، ثنا ابن المفرج، ثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، ثنا محمد بن علي بن زيد، ثنا سعيد بن منصور، ثنا سفيان بن عيينة، حدثني عبيد الله بن أبي يزيد قال: شهدت ابن عباس إذا سئل عن شئ فإن كان في كتاب الله\rتعالى قال به فإن لم يكن في كتاب الله عزوجل وحدث به عن رسول الله (ص) قال به، وإن لم يكن في كتاب الله ولا حدث به عن رسول الله (ص) ولا أخبر به عن أبي بكر، وعمر واجتهد وقال برأيه.\rوبه إلى سعيد بن منصور: ثنا هشيم، أخبرنا سيار، عن الشعبي قال: لما بعث عمر شريحا على قضاء الكوفة قال: انظر ما تبين لك من كتاب الله فاتبع فيه السنة، وما لم يتبين في السنة فاجتهد فيه برأيك.","part":6,"page":768},{"id":770,"text":"وبه إلى سعيد بن منصور: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: إذا أتاك أمر في كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه الرجال، فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله (ص)، فإن لم يكن في كتاب الله ولا سنة رسول الله (ص)، فاقض بما قضى به أئمة الهدى، فإن لم يكن في كتاب الله عزوجل، ولا في سنة رسول الله (ص)، ولا فيما قضى به أئمة الهدى فأنت بالخيار: إن شئت أن تجتهد رأيك، وإن شئت أن تؤامرني، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرا لك.\rحدثنا حمام، ثنا الباجي، ثنا عبد الله بن يونس، ثنا بقي بن مخلد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا علي بن مسهر، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن شريح أن عمر ابن الخطاب كتب إليه: إذا جاءك شئ في كتاب الله فاقض به، ولا يلفتنك عنه الرجال، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله (ص) فاقض بها، فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله (ص) فاقض بما قضى به أئمة الهدى، فإن لم يكن في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله عليه السلام ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الامرين شئت: إن شئت أن تجتهد رأيك وتقدم فتقدم، وإن شئت أن تؤخر فتأخر، ولا أرى التأخير\rإلا خيرا لك.\rقال أبو محمد: هذا كل ما موهوا به، ما نعلم لهم شيئا غيره، وكله لا حجة لهم في شئ منه.\rأما قوله تعالى: * (وشاورهم في الامر) * وقوله عز وجل: * (وأمرهم شورى بينهم) * فإن كل مخالف ومؤلف لا يمتري أن ذلك ليس في شرع شئ من الدين، ولو أن أحدا يقول: إن الصلاة فرضت برأي ومشورة، أو قال ذلك في الصيام أو الحج، أو في شئ من الدين، لكان كاذبا آفكا كافرا مع ذلك.\rوكيف يكون هذا مع قول الله تعالى: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) * وقوله تعالى: * (قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ء آ لله أذن لكم أم على الله تفترون) * وقوله تعالى: * (اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) * وقوله: * (تلك","part":6,"page":769},{"id":771,"text":"حدود الله فلا تعتدوها) *.\rفصح يقينا أنه لم يجعل الله قط إلى الصحابة تحريما ولا تحليلا، فقد صح أنه لم يأمره الله تعالى قط بمشورتهم في شئ من الدين، لا سيما مع قوله تعالى: * (فإذا عزمت فتوكل على الله) * فصح أنه ليس في الآية التي شغبوا بها قبول رأيهم أصلا، بل رد تعالى الامر إلى نبيه (ص) فيما يعزم عليه مع التوكل على الله.\rوكيف يسع مسلما أن يخطر هذا الجنون بباله مع قول الله عزوجل: * (وآعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم) * فكيف يجوز قبول رأي قوم لو أطاعهم لوقع العنت عليهم في أكثر الامر، أم كيف يدخل في عقل ذي عقل أن النبي (ص) تجب عليه طاعة أصحابه هذا هو الكفر المحض والسخف البين، بل طاعته هي الفرض عليهم التي لا يصح لهم إيمان إلا بها.\rقال الله تعالى:\r* (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) *.\rثم إن وجوه الحمق في هذه المقالة جملة بادية، ليت شعري كيف كان يكون الامر لو اختلفوا عليه في الشرع فإن قيل: لا يلزم إلا باتفاقهم، خرجنا إلى الكلام في الاجماع، وبطل الكلام في الرأي، وقد كتبنا في دعوى الاجماع ما فيه كفاية، ولله تعالى الحمد.\rوأيضا فلا فرق بين جواز شرع شريعة من إيجاب أو تحريم أإباحة بالرأي لم ينص تعالى عليه ولا رسوله (ص)، وبين إبطال شريعة شرعها الله على لسان رسوله (ص) بالرأي، والمفرق بين هذين العملين متحكم بالباطل مفتر، وكلاهما كفر لا خفاء به.\rفصح يقينا أن الذي أمره الله تعالى بمشاورتهم فيه، وغبطهم بأن يكون أمرهم فيه شورى بينهم، إنما هو ما أبيح لهم التصرف فيه كيف شاؤوا فقط فتشاورهم من يولي على بني فلان، وأي الطرق إلى من يغزو من القبائل أفضل وأسهل وآمن، وأين يكون النزول فقط.\rوهذا كمشاورة المرء منا جاره إلى أي خياط أدفع ثوبي، وأي لون ترى لي أن أصبغه، ومثل هذا ولا مزيد، وقد يكون عند الصحابة من المعرفة بالطرق المسلوكة والمياه ما ليس عنده عليه السلام.","part":6,"page":770},{"id":772,"text":"وأما ما لا يؤخذ من الدين إلا من الوحي فلا ولا كرامة لاحد بعده أن يكون لسواه حظ في ذلك معه ولا بعده، وبالله تعالى التوفيق.\rفظهر فساد تمويههم بالآيتين.\rوأما المشاورة التي كانت قبل نزول الاذان فأعظم حجة عليهم، أول ذلك أن الامر حينئذ كان مباحا كل ما قالوه، ولم ينزل في شئ منه إيجاب ولا تحريم، وهذا لا ننكر فيه المشاورة إلى اليوم.\rثم إنه لم يأخذ (ص) في ذلك بشئ من\rآرائهم، بل بما صوبه الوحي مما أريه في منامه عبد الله بن زيد، ولولا أن النبي (ص) أمر بالاذان ما جاز الالتفات إلى رؤيا عبد الله بن زيد، ولا إلى رؤيا غيره، فصح أن آراءهم رضي الله عنهم لا يلزم قبولها، فكيف أراء من بعدهم ؟.\rوأما الخبر عن أبي هريرة: ما رأيت أحدا كان أكثر مشورة لاصحابه من رسول الله (ص) بعقب ذكرى الزهري لمشاورته (ص) أصحابه في القتال يوم الحديبية، فهو نفس كلامنا هذا، على أن كلا الخبرين مرسل، لان الزهري لم يلق أبا هريرة قط، ولا سمع منه كلمة، ولم ينكر أن يشاورهم في مكايد الحروب وتعجيلها وتأخيرها.\rوأما الخبر الذي فيه: ما الحزم ؟ فقال: أن تستشير الرجل ذا الرأي ثم تمضي لما أمرك به فمرسل، ثم هو بعيد عن النبي (ص)، لانه قد يختلف عليك الرجلان ذوا الرأي فلايهما تمضي ؟ حاش الله أن ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الباطل.\rوأما الخبر: ما شقي عبد بمشورة فمرسل، ولا حجة في مرسل، ونحن لا ننكر المشورة في غير الدين، كما أننا ننكر بل نكفر من يشاور أيصلي الخمس أم لا ؟ أيصوم رمضان أم لا ؟ ونقطع أن مسلما لا يخالفنا في هذا.\rوأما حديث عمرو بن العاص فأعظم حجة عليهم، لان فيه أن الحاكم المجتهد يخطئ ويصيب، فإذ ذلك كذلك فحرام الحكم في الدين بالخطأ، وما أحل الله تعالى قط إمضاء الخطأ، فبطل تعلقهم به.\rوأما خبر علي فموضوع مكذوب، ما كان قط من حديث علي، ولا من حديث سعيد بن المسيب، ولا من حديث يحيى بن سعيد، ولا من حديث مالك ولم يروه قط أحد عن مالك إلا سليمان بن يزيع الاسكندراني وهو مجهول ولا يخلو ضرورة","part":6,"page":771},{"id":773,"text":"من أنه وضعه أو دلسه عمن وضعه.\rوهذا خبر لا يحل لاحد أن يرويه، والكذب لا يعجز عنه من لا يتقي الله تعالى، وبرهان كذب هذا الحديث ووضعه أنه لا يجوز البتة أن يقول النبي (ص) كلاما يصح نزول حكم في الدين بالناس لا قرآن فيه، ولا بيان فيه من النبي (ص) مع قوله (ص): دعوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاتركوه ومع قول الله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * فقد أخرج (ص) ما لم ينص فيه بأمر أو بنهي عن الفرض والندب والتحريم والكراهة، وبأمره بترك ما لم يأمرنا أو ينهانا، وأبقاه في جملة المباح المطلق، فصار من المحال الممتنع وجود نازلة لا حكم لها في النصوص.\rوأما حديث ابن غنم ففيه ثلاث بلايا: إحداها أنه مرسل، والثانية: عبد الحميد ابن بهرام وهو ضعيف، والثالثة: شهر بن حوشب وهو متروك، ثم لو صح لما كان لهم فيه متعلق، لانه ليس فيه إلا قبول رأي أبي بكر وعمر فقط لا قبول رأي غيرهما، وهذا خلاف عمل أهل الرأي كلهم اليوم، ثم فيه قبولهما إلا في لبس حلة، وهذا مباح لا يمنع من قبول رأي خادم أو عبد أو جار إن شاء الذي أشير عليه بذاك، ثم فيه اختلافهما فبطل التعلق برأي خالفه رأي آخر.\rوأما احتجاجهم بوجوب طاعة أولي الامر منا، فقد قلنا في ذلك قبل بما أغنى وإنه لا يخلو رأيهم من أن يوجد فيه اختلاف بينهم أو لا يوجد، فإن وجد اختلاف منهم فليس بعضهم يقول رأيه أولى من بعض، وإن لم يوجد فيه اختلاف فقد قلنا: إن القطع بأنه إجماع أولي الامر باطل ممتنع لا سبيل إليه، مع أن قول الله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * مبطل لدعوى من ادعى أنه تعالى أمرنا بطاعتهم فيما ليس فيه نص، أو في خلاف النص، لانه شرع شريعة لم يشرعها الله تعالى، أو إبطال شريعة شرعها الله تعالى وكلا الامرين كفر\rلا يجوز البتة إجماع العلماء عليه وقد يجوز الوهم في هذا على الطائفة فصح أننا إنما أمرنا بطاعتهم فيما بلغوه إلينا عن رسول الله (ص) فقط.\rوأما ما قالوه في الامامة فقد نص (ص) على أن الائمة من قريش، وأمرنا بأن نفي ببيعة الاول فالاول، وأن نتعاون على البر والتقوى، وأن نسمع ونطيع","part":6,"page":772},{"id":774,"text":"لمن قادنا، بكتاب الله عز وجل، فهذه صفة إذا وجدت في أي عين وجدت، فطاعته واجبة بالنص، لانه (ص) بعث إلى كل من يأتي إلى يوم القيامة، فلا معنى للاسماء المعلقة على أعيان الرجال في ذلك أصلا، وهذا كالعتق في الكفارات والصدقة على المساكين، وكالضحايا، وغير ذلك من سائر الشريعة، وكأمره تعالى في بني إسرائيل بذبح بقرة ولم يميز بقرة بعينها، وإنما نرد الاحكام في الانواع الجامعة للاشخاص.\rثم في أي شخص نفذ الحق فقد أجزأ، وهذا لا خلاف فيه من أحد، وكالنص على الماء، فبأي ماء تطهر أجزأ، وإنما يبطل الرأي في شرع الشريعة بما لا نص فيه، فظهر تمويههم بهذا في الرأي.\rوأما خبر معاذ فإنه لا يحل الاحتجاج به لسقوطه، وذلك أنه لم يرو قط إلا من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يدري أحد من هو، حدثني أحمد بن محمد العذري، ثنا أبو ذر الهروي، نا زاهر بن أحمد الفقيه، نا زنجويه بن محمد النيسابوري، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري - هو مؤلف الصحيح - فذكر سند هذا الحديث، وقال: رفعه في اجتهاد الرأي، قال البخاري: ولا يعرف الحارث إلا بهذا ولا يصح.\rهذا نص كلام البخاري رحمه الله في تاريخه الاوسط ثم هو عن رجال من أهل حمص لا يدري من هم.\rثم لا يعرف قط في عصر الصحابة، ولا ذكره أحد منهم، ثم لم يعرفه أحد قط في عصر التابعين حتى أخذه أبو عون وحده عمن لا يدري من هو، فلما وجده أصحاب الرأي عند شعبة طاروا به كل مطار، وأشاعوه في\rالدنيا وهو باطل لا أصل له.\rثم قد رواه أيضا أبو إسحاق الشيباني، عن أبي عون فخالف فيه شعبة، وأبو إسحاق أيضا ثقة كما حدثنا حمام وأبو عمر الطلمنكي قال حمام: نا أبو محمد الباجي، نا عبد الله بن يونس، نا بقي، نا أبو بكر بن أبي شيبة، وقال الطلمنكي: نا ابن مفرج، نا إبراهيم بن أحمد بن فراس، نا محمد بن علي بن زيد، نا سعيد بن منصور، ثم اتفق ابن أبي شيبة وسعيد كلاهما عن أبي معاوية الضرير، نا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي - هو أبو عون - قال: لما بعث رسول الله (ص) معاذا إلى اليمن قال: يا معاذ بما تقضي قال: أقضي بما في كتاب الله.\rقال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ؟ قال: أقضي بما قضي به نبيه (ص).","part":6,"page":773},{"id":775,"text":"قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ؟ قال: أقضي بما قضى به الصالحون.\rقال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ولا قضى به الصالحون ؟ قال: أؤم الحق جهدي.\rفقال رسول الله (ص): الحمد لله الذي جعل رسول رسول الله يقضي بما يرضى به رسول الله فلم يذكر أجتهد رأيي أصلا، وقوله: أؤم الحق هو طلبه للحق حتى يجده حيث لا توجد الشريعة إلا منه، وهو القرآن وسنن النبي (ص).\rعلى أننا قد حدثنا أحمد بن محمد الله الطلمنكي، نا أحمد بن عون الله، نا إبراهيم بن أحمد بن فراس، نا أحمد بن محمد بن سالم النيسابوري قال: نا إسحاق بن راهويه قال: قال سفيان بن عيينة: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم، لا أن يقول برأيه.\rوأيضا فإنه مخالفون لما فيه، تاركون له، لان فيه أنه يقضي أولا بما في كتاب الله، فإن لم يجد في كتاب الله فحينئذ يقضي بسنة رسول الله (ص) وهم كلهم على خلاف هذا، بل يتركون نص القرآن إما لسنة صحيحة، وإما لرواية\rفاسدة، كما تركوا مسح الرجلين، وهو نص القرآن لرواية جاء بالغسل، وكما تركوا الوصية للوالدين والاقربين لرواية جاءت: لا وصية لوارث وكما تركوا جلد المحصن، وهو نص القرآن لظن كاذب في تركه، ومثل هذا كثير، فكيف يجوز لذي دين أن يحتج بشئ هو أول مخالف له ؟.\rوبرهان وضع هذا الخبر وبطلانه هو أن من الباطل الممتنع أن يقول رسول الله (ص): فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله وهو يسمع قول ربه تعالى: * (اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم) * وقوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * وقوله تعالى: * (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * مع الثابت عنه (ص) من تحريم القول بالرأي في الدين من قوله (ص): فاتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بالرأي فضلوا وأضلوا ثم لو صح لكان معنى قوله: أجتهد رأيي إنما معناه أستنفذ جهدي حتى أرى الحق في القرآن والسنة، ولا أزال أطلب ذلك أبدا.\rوأيضا فلو صح لكان لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون ذلك لمعاذ وحده، فيلزمهم ألا يتبعوا رأي أحد إلا رأي معاذ، وهم لا يقولون بهذا.","part":6,"page":774},{"id":776,"text":"أو يكون لمعاذ وغيره، فإن كان ذلك فكل من اجتهد رأيه فقد فعل ما أمر به، وإذ الامر كذلك فإن كل من فعل ما أمر به فهم كلهم محقون ليس أحد منهم أولى بالصواب من آخر، فصار الحق على هذا في المتضادات، وهذا خلاف قولهم، وخلاف المعقول، بل هذا المحال الظاهر، وليس حينئذ لاحد أن ينصر قوله بحجة، لان مخالفه أيضا قد اجتهد رأيه، وليس في الحديث الذي احتجوا به أكثر من اجتهاد الرأي ولا مزيد، فلا يجوز لهم أن يزيدوا فيه ترجيحا لم يذكر في الحديث وأيضا فليس أحد أولى من أحد مع هذا، فلكل واحد منا أن يجتهد\rبرأيه، فليس من اتبعوا أولى من غيره، ومن المحال البين أن يكون ما ظنه الجهال في حديث معاذ - لو صح - من أن يكون (ص) يبيح لمعاذ أن يحلل برأيه ويحرم برأيه، ويوجب الفرائض برأيه ويسقطها برأيه وهذا ما لا يظنه مسلم، وليس في الشريعة شئ غير ما ذكرنا البتة.\rوقد بين لنا رسول الله (ص) ما تقع فيه المشورة منه، وفرق بينه وبين الدين، كما حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي، نا أبو بكر بن مفرج القاضي، ثنا محمد بن أيوب الصموت الرقي، نا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، نا عمرو بن علي، نا عفان بن مسلم، نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي (ص) سمع أصواتا فقال: ما هذه الاصوات ؟ قالوا: النخل يؤبرونه، فقال: لو لم يفعلوا لصلح فأمسكوا عنه فصار شيصا، فذكروا ذلك للنبي (ص) فقال: إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان شيئا من أمر دينكم فإلي.\rوبه إلى البزاز: نا هدبة بن خالد، نا جهاد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس: أن رسول الله (ص) سمع صوتا في النخل، فقال: ما هذا ؟ قال: يؤبرون النخل قال: لو تركوها أصلحت، فتركوها فصارت شيصا، فأخبروه بذلك فقال: أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم، وأما آخرتكم فإلي.\rقال أبو محمد: فهذه عائشة وأنس لم يدعا في روايتها إشكالا، وأخبرا أنه عليه السلام أعلمنا أننا أعلم بما يصلحنا في دنيانا منه، ففي هذا كان يشاور أصحابه،","part":6,"page":775},{"id":777,"text":"وأخبرا أنه (ص) جعل أمر آخرتنا إليه لا إلى غيره، وأمر الآخرة هو الدين والشريعة فقط، فلم يجعل ذلك (ص) إلى أحد سواه، وبطل بذلك رأي كل أحد، وحرم القول بالرأي جملة في الدين، وبالله تعالى التوفيق.\rوهذا يبين معنى قول الله عزوجل: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * إنما هو في أمر الدين، فكل ما تكلم به النبي (ص) في شئ من تحريم أو تحليل أو إيجاب، فهو عن الله تعالى بيقين، وما كان من غير ذلك فكما قلنا، لقوله (ص) - إذ قيل له حاضت صفية - فقال: عقري حلقي وكقوله (ص): إني اتخذت عند الله عهدا، أيما امرئ سببته أو لعنته في غير كنهه أو جلدته فاجعلها له طهرة أو كما قال (ص)، ومثل قوله عليه السلام لذي اليدين: لم تقصر ولا نسيت، وهذا يبين فساد قول من اعترض بمثل هذا على سائر أوامره (ص) ليردها، ناطقا في ذلك بلسان أهل الالحاد المعترضين في الاسلام، ونعوذ بالله من الخذلان.\rحدثنا أحمد بن عمرو العذري، ثنا أبو ذر الهروي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، ثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي، ثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان الثوري، عن عبد الاعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.\rقال عبد: وحدثناه أيضا عبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وأبو سفيان الثوري، عن عبد الاعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي (ص) قال: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.\rحدثنا حمام بن أحمد، ثنا عبد الله بن محمد بن علي الباجي، نا محمد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا أحمد بن مسلم، نا أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، ثنا وكيع عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله (ص): لا ينزع الله العلم من صدور الرجال، ولكن ينزع العلم بموت العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمذاني، نا أبو إسحاق البلخي، نا محمد بن يوسف\rالفربري، نا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا سعيد بن تليد، نا ابن وهب، حدثني","part":6,"page":776},{"id":778,"text":"عبد الرحمن بن شريح وغيره، وعن أبي الاسود، عن عروة قال: حج علينا عبد الله ابن عمرو بن العاص فسمعته يقول: سمعت النبي (ص) يقول: إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون.\rوأما ما رووه عن أبي مسعود من قوله، فليجتهد رأيه فهو خبر لا يصح، لان محمد بن سعيد بن نبات حدثناه قال: ثنا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا محمد بن أبي عدي، ثنا شعبة، ثنا الاعمش، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير قال الاعمش: أحسبه قال.\rقال ابن مسعود: لقد أتى علينا حين وما نسأل وما نحن هناك.\rثم ذكر بنصه، فصح أن الاعمش شك فيه أهو عن ابن مسعود أم لا.\rثم لو صح لكان معناه: فليجتهد رأيه، أي ليجهد نفسه حتى يرى السنة في ذلك، يبين هذا قوله في الخبر نفسه: ولا يقل إني أخاف وأرى، فنهاه عن أن يقول أرى، وهذا نهي عن الفتيا بالرأي وكذلك قوله فيه نفسه: فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات فإنما أمره بالتورع والطلب فقط.\rوأما الرواية عن عمر فإن فيها نصا تخييره بين اجتهد رأيه أو الترك، ورأى الترك خيرا له فصح أنه لم ير القول بالرأي حقا، لان الحق لا خيار في تركه لاحد، ثم هم مخالفون لما فيه أيضا مما ذكرنا من أنهم لا يبدؤون بالطلب في القرآن - كما في ذلك الخبر - ثم بالسنن، بل يتركون القرآن لما يصح من السنن ولما لا يصح، وهذا خلاف أمر عمر في ذلك الخبر، فكيف يحتجون بشئ هم أول مخالف له، هذا مع أن ظاهر ذلك الخبر الانقطاع.\rوأما خبر عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس، فليس فيه أن ابن عباس أخبر بذلك عن نفسه، ولا أنه أمر به، فإذا هو ظن من عبيد الله، والثابت عن ابن عباس النهي عن تقليد أبي بكر وعمر.","part":6,"page":777},{"id":779,"text":"ثم قصة خالفوا فيها ابن مسعود وعمر وابن عباس، فلو صح هذا عنهم لكان كبعض ما خالفوهم فيه، فليس بعض حكمهم أولى بالتقليد من بعض، مثل ما صح عن عمر وابن مسعود وابن عباس من القول بأن من تسحر يرى أنه ليل، فإذا به نهار، فصومه تام، ومثل قضائهم ثلاثتهم في اليربوع جفرة، ومثل هذا كثير.\rوأما ما رووه عن بعض الصحابة من الفتيا بالرأي، فإنما أفتى منهم من أفتى برأيهم على سبيل الاخبار بذلك أو الصلح، لا على أنه حكم بات، ولا على أنه لازم لاحد، فقال خصومنا: إنما ذموا الرأي الذي يحكم به على غير أصل، وأما الذي حكموا به فهو الرأي المردود إلى ما يشبه من قرآن أو سنة، فقلنا لهم: هذه دعوى منكم، فإن وجدتم عن أحد منهم تصحيحا فلكم مقال، وإلا فقد كذبتم عليهم، فنظرنا فلم نجد قط عن أحد من الصحابة كلمة تصح تدل على الفرق بين رأمأخوذ عن شبه لما في القرآن والسنة وبين غيره من الآراء، إلا في رسالة مكذوبة عن عمر، ووجدنا قولهم في ذمهم الرأي جملة، أنما حكموا به على ما قلنا.\rكما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن المثنى، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر بن الخطاب فقالوا: إنا أصبنا أموالا خيلا، ورقيقا، نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور، فقال عمر: ما فعله صاحباي قبل فأفعله،\rفاستشار أصحاب محمد (ص)، فقال له علي: هو حسن إن لم تكن جزية يؤخذون بها بعد راتبة.","part":6,"page":778},{"id":780,"text":"قال أبو محمد: فهذا نص ما قلنا من أنهم لا يرون ما حكموا فيه برأيهم أمرا راتبا، وأيضا فقد روينا عنهما وعن غيرهما في إبطال الرأي آثارا أصح مما شغبوا به، ولسنا نوردها احتجاجا بها، إذ لا حجة في أحد إلا في رسول الله (ص) أو في إجماع متيقن لا خلاف فيه، وإنما نوردها لتلزمهم ما أرادوا إلزامنا وهو لازم لهم، لانهم يحتجون بمثله، ومن جعل شيئا ما حجة في مكان ما لزمه أن يجعله حجة في كل مكان، وإلا فهو متناقض متحكم في الدين بلا دليل.\rحدثنا أحمد بن عمر، ثنا أبو ذر الهروي، نا عبد الله بن أحمد السرخسي، نا إبراهيم بن خزيم، نا عبد بن حميد، ثنا أبو أسامة، عن نافع بن عمر الجمحي، عن بن أبي مليكة قال: قال أبو بكر الصديق: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد.\rحدثنا محمد بن سعيد النباتي، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الاعمش، عن عبد الله بن مرة، عن أبي معمر، عن أبي بكر الصديق قال: أية أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم.\rحدثنا المهلب عن ابن مناس، نا محمد بن مسرور، نا يونس بن عبد الاعلى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: يا أيها الناس إنما الرأي إنما كان من رسول الله مصيبا، لان الله عزوجل كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف.\rوبه إلى ابن وهب: حدثنا عبد الله بن عياش، عن ابن عجلان، عن عبد الله\rابن عمر بن الخطاب قال: اتقوا الرأي في دينكم.\rكتب إلي النمري: حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي الباجي، وعبد الله بن محمد بن يوسف الازدي القاضي قال أحمد: نا أبي، وقال القاضي: نا سهل بن إبراهيم، قال عبد الله الباجي وسهل: ثنا أحمد بن فطيس، نا أحمد بن يحيى الاودي الصوفي، ثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي عن مجالد، عن الشعبي، عن عمرو بن حريث قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم","part":6,"page":779},{"id":781,"text":"الاحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا.\rكتب إلي النمري: أخبرنا محمد بن خليفة، نا محمد بن الحسين البغدادي، نا أبو بكر بن أبي داود، نا محمد بن عبد الملك القزاز، نا أبو مريم، نا نافع بن يزيد، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم والرأي فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الاحاديث أن يعوها، وتفلت منهم أن يحفظوه، فقالوا في الدين برأيهم.\rحدثنا المهلب، عن ابن مناس، عن ابن مسرور، عن يونس بن عبد الاعلى، بن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي أن عمر بن الخطاب قال: أصبح أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها وتفلتت أن يرووها، فاستقوها بالرأي.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، نا محمد بن إسحاق بن السليم، نا ابن الاعرابي، ثنا أبو داود السجستاني، ثنا أبو كريب محمد بن العلاء، ثنا حفص بن غياث، ثنا الاعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله (ص) يمسح على ظاهر الخفين.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، عن عبد الله بن محمد بن عثمان، عن أحمد بن خالد، عن\rعلي بن عبد العزيز، عن الحجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة قال: قال علي: القضاء ثلاثة: رجل حاف فهو في النار، ورجل اجتهد برأيه فأخطأ فهو في النار، ورجل أصاب فهو في الجنة.\rحدثنا حمام بن أحمد، ثنا أبو محمد الباجي، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا بقي بن مخلد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا شبابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة قال: سمعت رفيعا أبا العالية يقول: قال علي بن أبي طالب: القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل جار متعمدا فهو في النار، ورجل أراد الحق فأخطأ فهو في النار،","part":6,"page":780},{"id":782,"text":"ورجل أراد الحق فأصاب فهو في الجنة، قال قتادة: قلت لابي العالية: أرأيت هذا الذي أراد الحق فأخطأ ؟ قال: كان حقه إذا لم يعلم القضاء أن يكون قاضيا.\rحدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي، ثنا ابن مفرج، ثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، ثنا محمد بن علي بن زيد، نا سعيد بن منصور، نا فرج بن فضالة، عن مالك بن زياد، قال: سمعت عراك بن مالك، وقال له عمر بن عبد العزيز: يا عراك ما قولك في القضاة ؟ فقال: يا أمير المؤمنين القضاة ثلاثة: رجل ولي القضاء ولا علم له بالقضاء، فأحل حراما وحرم حلالا فهو في النار على أم رأسه، ورجل ولي القضاء وله علم بالقضاء فاتبع الهوى وترك الحق فهو في النار على أم رأسه، ورجل ولي القضاء وله علم بالقضاء فاتبع الحق وترك الهوى فهو يستقام به ما استقام، وإن هو مال سلك مسلك أصحابه.\rقال أبو محمد: وقد روي هذا عن رسول الله (ص) كما روينا بالسند الصحيح المذكور إلى سعيد بن منصور: نا خلف بن خليفة، ثنا أبو هاشم قال: لولا حديث ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله (ص) قال: القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى بين الناس بجهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فخار فهو في النار،\rلقلنا: إن القاضي إذا اجتهد فليس عليه شئ.\rنعم، وعن عمر بن الخطا ب كما روينا بالسند المذكور إلى سعيد بن منصور: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، نا موسى بن عقبة، قال: خطب عمر بن الخطاب بالجابية، فذكر الخطبة وفيها أن عمر قال: ليس لهالك هلك معذرة في تعمد ضلالة حسبها هدى، ولا في ترك حق حسبه ضلالا.\rقال أبو محمد: ليس هذا مخالفا لقول النبي (ص): إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر لان هذا فيمن لم يعرف بالحق، وسائر ما ذكرنا قيل فيمن عرف بالحق فلج مقدرا أنه على صواب، مغلبا لظنه الكاذب على يقين ما جاءه من الهدى والنور.\rوبه إلى سعيد بن منصور: حدثنا خالد بن عبد الله، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من أفتا فتيا يعمى بها فإنهما عليه يعني يخطئ فيها فيخطئ آخذها منه.","part":6,"page":781},{"id":783,"text":"حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي، نا محمد بن أحمد بن مفرج، نا سعيد بن السكن، ثنا الفربري، نا البخاري، نا موسى بن إسماعيل، نا أبو عوانة، عن الاعمش، عن أبي وائل قال: قال سهل بن حنيف: يا أيها الناس اتهموا آراء على دينكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله (ص) لرددته.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، نا أبو أسامة، عن مالك بن مغول، عن أبي حصين، عن أبي وائل شقيق ابن سلمة قال: سمعت سهل بن حنيف بصفين يقول: اتهموا آراءكم على دينكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل، لو أستطيع أن أرد أمر رسول الله (ص) لرددته.\rحدثنا أحمد بن عمر، ثنا أبو ذر، نا عبد الله بن أحمد، نا إبراهيم بن خزيم، ثنا عبد بن حميد حسن بن علي الجعفي، عن زائدة، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من جهنم.\rحدثنا المهلب، نا ابن مناس، نا ابن مسرور، نا يونس بن عبد الاعلى، نا ابن وهب، أخبرني بشر بن بكر، عن الاوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن ابن عباس قال: من أحدث رأيا ليس في كتاب الله عز وجل لم تمض به سنة من رسول الله (ص) لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل.\rحدثنا يونس بن عبد الله القاضي، نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، نا أحمد بن خالد، نا محمد بن عبد الله الخشني، نا محمد بن بشار، نا يونس، نا عبيد العمري، ثنا مبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، عن عمر أنه قال: يا أيها الناس اتهموا آراءكم على الدين، فلقد رأيتني وإني لارد أمر رسول الله (ص) برأي أجتهد والله ما آلو، وذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب فقال اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: نكتب باسمك اللهم، فرضي رسول الله (ص) وأبيت، فقال: يا عمر تراني قد رضيت وتأبى.\rقال أبو محمد: أما الرواية عن أبي بكر وعلي وسهل وابن عباس، والتي تورد بعد هذا عن عمر وابن مسعود -: فصحاح ولا سبيل لهم إلى أن يأتوا برواية","part":6,"page":782},{"id":784,"text":"عن صاحب يثبت فيها التصويب للفتيا بالرأي، فأن وجد يوما ما فتيا عن أحدهم برأي فلا بد من أن يوجد عنه التبرؤ من ذلك.\rكما حدثنا عبد الله بن ربيع، حدثنا محمد بن معاوية، نا أحمد بن شعيب، أنا علي بن حجر، نا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود: أتا قوم فقالوا: إن\rرجلا منا تزوج امرأة ولم يفرض صداقا ولم يجمعها إليه حتى مات ؟ فقال عبد الله: ما سئلت عن شئ مذ فارقت رسول الله (ص) أشد علي من هذا فأتوا غيري.\rفاختلفوا إليه فيها شهرا، ثم قالوا له في آخر ذلك: من نسأل وأنت أخيه أصحاب رسول الله (ص) بهذا البلد ولا نجد عندك ؟ قال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صوابا فمن أتاه الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله برئ فقد ذكر الحديث وفي آخره، أنه رضي الله عنه إذ أخبر بالسنة عن النبي (ص) في ذلك بوفاق ما أفتى به فما رئي عبد الله فرح فرحه يومئذ إلا بإسلامه.\rوبه إلى أحمد بن شعيب: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله، عن زائدة عن منصور، عن إبراهيم عن علقمة والاسود قالا: أتى عبد الله بن مسعود في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها، فتوفي قبل أن يدخل بها، فقال عبد الله: سلوا هل تجدون فيها أثرا ؟ وذكر باقي الحديث.\rحدثنا محمد بن سعيد بن نبات، عن عبد الله بن محمد بن قاسم القلعي، نا محمد بن أحمد الصواف، نا بشر بن موسى بن صالح الاسدي، نا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان بن عيينة عن الاعمش عن مسلم بن صبيح هو أبو الضحى، عن مسروق قال: قال ابن مسعود: يا أيها الناس من علم منكم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل لم لا يعلم: لا أعلم، فإن من علم المرء أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم وقد قال الله تعالى لنبيه (ص): * (قل مآ أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) *.","part":6,"page":783},{"id":785,"text":"قال أبو محمد: هذا في غاية الصحة.\rوكل ما رويناه الآن من ابن عمر وابن مسعود وابن عباس يبين مرادهم بقولهم: فليجتهد رأيه لو صح ذلك عنهم، وأنه ليس على القول في الدين بالرأي أصلا لكن بأن يجتهد حتى يرى الحق في القرآن والسنة.\rحدثنا حمام، نا الباجي، نا عبد الله بن يونس، نا بقي بن مخلد، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، نا حماد بن سلمة، عن قتادة أن أبا موسى الاشعري قال: لا ينبغي لقاض أن يقضى حتى يتبين له الحق كما يتبين له الليل عن النهار، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال: صدق.\rقال أبو محمد: هذا يبين أنهم لم يجيزوا القول بالرأي الذي إنما هو ظن، يوبين أنهم كانوا يرون خبر الواحد يوجب العلم والقطع به ولا بد.\rأخبرني محمد بن سعيد بن نبات، ثنا أحمد بن عبد البصير، نا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن المثنى، نا مؤمل بن إسماعيل الحميري، نا سفيان الثوري، نا أبو إسحاق الشيباني، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كتب كاتب لعمر بن الخطاب: هذا ما رأى الله ورأى عمر، فقال عمر: بئس ما قلت، إن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر.\rحدثنا يونس بن عبد الله، نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، نا أحمد بن خالد، حدثنا نا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا مجالد عن الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: يذهب العلماء ويبقى قوم يقولون برأيهم، قال الشعبي: لعن الله أرأيت.\rقال أبو محمد: والله ما أفتى قط أحد من الصحابة رضى الله عنهم باجتهاد رأيه إلا كما ترى، بعد أن يبحث عن السنة فتغيب عنه، وهي عند غيره بلا شك، ثم لا يجعل رأيه ذلك إلا مما يخاف الله تعالى فيه، ويشفق منه ويتبرأ من التزامه، وكذلك كان التابعون رحمهم الله، فأتى اليوم ناس يجعلونه دينا يبطلون به كلام\rالله تعالى وكلام رسوله (ص).\rنعوذ بالله من الخذلان.\rوقد روينا أيضا عن ابن عمر، كما نا المهلب، نا ابن مناس، أنا ابن مسرور، حدثنا يونس بن عبد الاعلى، نا ابن وهب، أخبرني عمر بن الحارث أن عمرو بن","part":6,"page":784},{"id":786,"text":"دينار أخبره: أن عبد الله بن عمر كان إذا لم يبلغه شئ في الامر يسأل عنه قال: إن شئتم أخبرتكم بالظن.\rقال عمرو بن دينار: أخبرني بذلك طاوس عنه.\rقال أبو محمد: وهذا سند في غاية الصحة، وحدثنا يونس بن عبد الله، نا يحيى بن مالك بن عائذ عبد الرحمن بن إسماعيل أبو عيسى الخشاب، نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، نا يونس بن عبد الاعلى، أنا ابن وهب، أنا عمر ابن الحارث قال: قال لي عمرو بن دينار: أخبرني طاوس عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن أمر لم يبلغه فيه شئ قال: إن شئتم أخبرتكم بالظن.\rقال أبو محمد: كتب إلي يوسف بن عبد البر النمري قال: ذكر أبو يوسف يعقوب بن شيبة، نا محمد بن حاتم بن ميمون، حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، نا أبي عن ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عباد بن عبد الله ابن الزبير، عن عبد الله ابن الزبير قال: أنا والله لمع عثمان بن عفان بالجحفة ومعه رهط من أهل الشام، منهم حبيب بن مسلمة الفهري إذ قال عثمان - وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج - أن أتموا الحج وخلصوه في أشهر الحج، فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل، فإن الله قد أوسع في الخير، فقال له علي: عمدت إلى سنة رسول الله (ص)، ورخصة رخص الله للعباد بها في كتابه، تضيق عليهم فيها، وتنتهي عنها، وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار.\rثم أهل بعمرة وحج معا فأقبل عثمان على الناس فقال: وهل نهيت عنها ؟ إني لم أنه عنها، إنما كان رأيا أشرت به، فمن شاء أخذه ومن شاء تركه.\rكتب إلي النمري: حدثنا أحمد بن سعيد، نا ابن أبي دليم، نا ابن وضاح، نا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، نا ضمرة بن ربيعة عن عثمان بن عطاء هو الخراساني، عن أبيه قال: أضعف العلم علم النظر، أن يقول الرجل: رأيت فلانا يفعل كذا، ولعله قد فعله ساهيا.\rكتب إلي النمري قال: ذكر الحسن بن علي الحلواني، نا عامر، نا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد بعد النبي (ص) أهيب لما لا يعلم مع أبي بكر، ولم يكن أحد أهيب لما لا يعلم بعد أبي بكر من عمر، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله تعالى منها أصلا، ولا في السنة","part":6,"page":785},{"id":787,"text":"أثرا فاجتهد رأيه ثم قال: هذا رأيي فإن يكن صوابا فمن الله عزوجل، وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله تعالى.\rكتب إلي النمري قال: قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ أخبرهم قال: نا بكر بن حماد، نا مسدد بن مسرهد، نا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، حدثني سليمان بن عتيق، عن طلق بن حبيب، عن الاحنف بن قيس، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي (ص) قال: ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون.\rكتب إلي النمري: حدثنا عبد الله بن محمد، نا عبد الله بن محمد القاضي بالقلزم، ثنا محمد بن إبراهيم بن زياد بن عبد الله الرازي، نا الحارث بن عبد الله بهمدان، نا عثمان ابن عبد الرحمن الوقاص، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): تعمل هذه الامة برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله (ص) ثم يعملون بالرأي، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا.\rكتب إلي النمري: حدثنا محمد بن خليفة، نا محمد بن الحسين الآجري، نا محمد بن\rالليث، نا جبارة بن المغلس، نا حماد بن يحيى الابح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): تعمل هذه الامة برهة بكتاب الله ثم تعمل برهة بسنة رسول الله (ص) ثم تعمل بعد ذلك بالرأي فإذا أعملوا بالرأي ضلوا.\rكتب إلي النمري: أنا أبو زيد العطار، نا علي بن محمد بن مسرور، نا أحمد بن داود، ثنا سحنون، نا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن عبد الله بن أبي جعفر قال: قال عمر ابن الخطاب: السنة ما سنه الله تعالى ورسوله (ص)، لا تجعلونه خطا الرأي سنة للامة.\rكتب إلي النمري: حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي الباجي، نا الحسن بن إسماعيل المهندس، ثنا عبد الملك بن بحر، نا محمد بن إسماعيل، نا سنيد داود، نا يحيى بن زكريا، هو ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي، قال: أتى زيد بن ثابت قوم، فسألوه عن أشياء فأخبرهم بها فكتبوها ثم قالوا: لو أخبرناه قال: فأتوه فأخبروه، فقال: أغدرا لعل كل شئ حدثتكم خطأ، إنما أجتهد لكم رأيي.","part":6,"page":786},{"id":788,"text":"وبه نصا إلى سنيد: نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار قال: قال لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون يكتبون رأيا أرجع عنه غدا.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، نا ابن مفرج، نا قاسم بن أصبغ، نا بن وضاح، نا ابن وهب، عن الليث بن سعد قال: إن ربيعة كتب إليه يقول: أرى أن كل محبوسة منتظرة زوجا في غيبة إن نفقتها لها، ورب من يكون لو حمل ذلك عليه لكانت فيه هلكة دنياه وذمته.\rفالمرأة ذات الزوج في نفقتها حتى يقع ميراثها، ويتبين هلاك زوجها، وإن قائلا ليأثر عن بعض الناس بالمدينة غير ذلك،\rوهذا رأينا، والسنة أملك بذلك.\rحدثنا يونس بن عبد الله، نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، نا أحمد، نا خالد، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار بندار، نا يحيى بن سعيد القطان، نا صالح بن مسلم أن عامرا الشعبي قال له في مسألة من النكاح سأله عنها في حديث: إن أخبرتك برأيي فبل عليه.\rكتب إلي النمري: حدثنا محمد بن خليفة، نا محمد بن الحسين الاجري، نا جعفر ابن محمد الفريابي، نا العباس بن الوليد بن مزيد، أنا أبي، سمعت الاوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول.\rقال الفريابي: وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، سمعت عبد الرحمن ابن مهدي يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: قيل لايوب السختياني، ما لك لا تنظر في الرأي ؟ فقال أيوب: قيل للحمار ما لك لا تجتر ؟ فقال: أكره مضغ الباطل.\rكتب إلي النمري: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، نا أحمد ابن زهير، نا الحوطي، نا إسماعيل بن عياش، عن سوادة بن زياد، وعمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز، أنه كتب إلى الناس، إنه لا رأي لاحد مع سنة سنها رسول الله (ص).\rوبه إلى قاسم: حدثنا ابن وضاح، نا يوسف بن عدي، نا عبيدة بن حميد، عن عطاء بن السائب قال: قال الربيع بن خيثم: إياكم أن يقول الرجل لشئ: إن الله حرم هذا أو نهى عنه، فيقول الله عزوجل: كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه، أو","part":6,"page":787},{"id":789,"text":"يقول: إن الله تعالى أحل هذا وأمر به، فيقول الله تعالى: كذبت لم أحله ولم آمر به.\rوكتب إلي النمري: حدثنا محمد بن خليفة، نا محمد بن الحسين الاجري، نا أبو بكر بن أبي داود السجستاني، نا أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعي يقول:\rمثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه، مثل المجنون الذي قد عولج حتى برأ فأغفل ما يكون قد هاج به.\rوبه إلى ابن أبي داود السجستاني قال: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تكاد ترى أحدا نظر في هذا الرأي إلا وفي قلبه دغل.\rكتب إلي النمري: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني، نا يوسف ابن يعقوب النجيرمي بالبصرة، أنا العباس بن الفضل، سمعت سلمة بن شبيب يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رأي الشافعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة الآثار.\rكتب إلي النمري قال: ذكر محمد بن حارث الخشني، أنا أبو عبد الله محمد بن عثمان النحاس، سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد بن الحداد يقول: سمعت سحنون ابن سعيد يقول: ما أدري ما هذا الرأي ؟ سفكت به الدماء واستحلت به الفروج، واستحقت به الحقوق غير أنا رأيناه رجلا صالحا فقلدناه.\rكتب إلي النمري: أنا عبد الرحمن بن يحيى، ثنا أحمد بن سعيد بن حزم، ثنا عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى أنه كان يأتي بن وهب فيقول له: من أين فيقول له: من عند ابن القاسم.\rفيقول له: اتق الله فإن أكثر هذه المسائل رأي.\rقال أبو محمد: فقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم لم يفتوا برأيهم على سبيل الالزام، ولا على أنه حق، لكن على أنه ظن يستغفرون الله تعالى منه، أو على سبيل صلح بين الخصمين، فلا يحل لمسلم أن يحتج بشئ أتى عنهم على هذه السبيل، وأما التابعون فقد ذكرنا منهم طرفا صالحا.\rوحدثنا أيضا يونس بن عبد الله القاضي قال: ثنا يحيى بن عائذ، ثنا هشام بن محمد ابن قرة، عن أبي جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي، ثنا إبراهيم بن مرزوق، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبو عقيل، ثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة أنه قال: سمعت\rأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول للحسن بن أبي الحسن البصري وقد","part":6,"page":788},{"id":790,"text":"قصدته أنا والحسن، فقال أبو سلمة للحسن: بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تفتي برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله (ص) أو كتابا منزلا.\rوبه إلى الطحاوي: حدثنا سليمان بن شعيب، ثنا خالد بن عبد الرحمن، ثنا مالك بن مغول، عن الشعبي قال: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله (ص) فخذوا به، وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحش.\rحدثنا أحمد بن عمر، ثنا أبو ذر، ثنا زاهر بن أحمد، نا زنجويه بن محمد، ثنا محمد ابن إسماعيل البخاري، نا محمد بن محبوب، نا عبد الواحد، نا الزبرقان بن عبد الله الاسدي، أن أبا وائل شقيق بن سلمة قال له: إياك ومجالسة من يقول: أرأيت أرأيت.\rقال أبو محمد: وقد روينا عن الشعبي أنه قال: قد ترك هؤلاء الارأيتيون المسجد أبغض إلي من كناسة أهلي.\rحدثنا عبد الرحمن بن سلمة صاحب لنا، ثنا أحمد بن خليل، نا خالد بن سعد، أخبرني محمد بن عمر بن لبابة، أخبرني أبان بن عيسى بن دينار - وكان فاضلا - عن أبيه، عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شهاب قال: دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي، قال أبان: وكان أبي قد أجمع على ترك الفتيا بالرأي، وأحب الفتيا بما روي من الحديث، فأعجلته المنية عن ذلك.\rحدثنا المهلب، ثنا بن مناس، نا ابن مسرور، نا يونس بن عبد الاعلى، ثنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الاسود - هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة - قال: سمعت عروة بن الزبير يقول: ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ المولدون أبناء سبايا الامم، فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم.\rوبه إلى ابن وهب: حدثني أبي لهيعة، أن رجلا سأل سالم بن عبد الله بن عمر\rعن شئ، فقال: لم أسمع في هذا شيئا، فقال له الرجل، فأخبرني أصلحك الله برأيك قال: لا، ثم عاد عليه فقال: إني أرضى برأيك، فقال له سالم، إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأوى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك.\rحدثنا محمد بن سعيد بن نبات، ثنا عبد الله بن محمد القلعي، ثنا أبو علي محمد بن أحمد الصواف، عن بشر بن موسى الاسدي، ثنا عبد الله بن الزبير الحميدي قال: قال سفيان بن عيينة: ما زال أمر الناس معتدلا حتى غير ذلك أبو حنيفة بالكوفة،","part":6,"page":789},{"id":791,"text":"والبتي بالبصرة وربيعة بالمدينة.\rقال أبو محمد: هؤلاء النفر - غفر الله لنا ولهم - أول من فتح باب الرأي وعول عليه، واعترض بالقياس على حديث رسول الله (ص): وتلك زلة عالم، ووهلة فاضل، سمح الله للجميع بمنه آمين.\rكتب إلى النمري يوسف بن عبد الله: أنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن هو ابن الزيات، ثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي البصري، ثنا موسى ابن إسحاق، نا إبراهيم بن المنذر، نا معن بن عيسى قال: سمعت مالك بن أنس يقول: أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.\rأخبرني بعض أصحابنا محمد بن أبي نصر، عن أبي عمر وعثمان بن أبي بكر، حدثني أبو نعيم بأصبهان، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الكريم، ثنا الحسن بن منصور، ثنا الحنيني قال: قال مالك بن أنس: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن.\rوحدثني ابن أبي نصر، نا عثمان بن أبي بكر، نا أبو نعيم إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمد بن إسحاق قال: سمعت عثمان بن صالح يقول: جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة فقال له: قال رسول الله (ص) كذا، فقال الرجل: أرأيت، فقال مالك: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) *.\rحدثنا عبد الرحمن بن سلمة، ثنا أحمد بن خليل، ثنا خالد بن رسول، ثنا عبد الله بن يونس المرادي، نا بقي بن مخلد، نا سحنون والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.\rأنه كان يكثر أن يقول: * (إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) *.\rويه إلى خالد قال: سمعت محمد بن عمر لبابة يقول: أخبرني أبو خالد مالك ابن علي القرشي القطني الزاهد وكان فاضلا خيرا مجتهدا في العبادة، قال: أخبرني القعنبي قال: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت ثم جلست فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك ؟ فقال لي: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي ومن أحق بالبكاء مني والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت بها برأيي سوطا سوطا، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي أو كما قال.\rوبه إلى خالد: حدثنا أحمد بن خالد، أنا يحيى بن عمر، أنا الحارث بن مسكين،","part":6,"page":790},{"id":792,"text":"أنا ابن وهب قال قال لي مالك: كان رسول الله (ص) إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشئ فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء.\rقال أبو محمد: أفيحل لاحد صح هذا عنده عن النبي (ص) الذي عنه أخذنا ديننا، ثم يفتي بعد ذلك بغير ما أتاه به الوحي ويستعمل الرأي والقياس، معاذ الله من ذلك.\rأخبرنا أحمد بن عمر، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى، نا محمد بن غندر، نا خلف ابن قاسم، نا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي، نا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو، نا أبو مسهر، نا سعيد بن عبد العزيز قال: كان إذا سئل لا يجيب حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا رأيي والرأي يخطئ ويصيب.\rقال أبو محمد: ويقال لمن يقضي بالرأي في الدين فحلل به وحرم وأوجب: أخبرنا عنك في قولك بالرأي، هذا حرام أو هذا واجب عمن تخبر بأنه حرم هذا أو أوجب هذا ؟ أعنك أم عن الله تعالى ورسوله (ص) لله ؟ فإن كنت تخبر بذلك عن الله تعالى أو عن رسوله (ص) كنت كاذبا عليهما، لانك تقول عنهما ما لم يقله الله تعالى، ولا نبيه (ص)، وإن كنت تقول ذلك عن نفسك فقد صرت محللا ومحرما وشارعا، وفي هذا ما فيه نعوذ بالله منه.\rوأيضا فإنك تصير قاضيا على الباري تعالى، ومتحكما عليه أن تلزم في دينه - الذي لم يشرعه سواه - أحكاما تشرعها أنت، وفي هذا البرهان كفاية.\rوبالله تعالى نتأيد.\rحدثنا أحمد بن عمر بن أنس، نا الحسين بن يعقوب، نا سعيد بن فحلون، نا يونس ابن يحيى المفامي، نا عبد الملك بن حبيب، أخبرني بن الماجشون أنه قال: قال مالك بن أنس: من أحدث في هذه الامة اليوم شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله (ص) خان الرسالة، لان الله تعالى يقول: * اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) * فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا، وقد ذكر الطحاوي عن أبي حنيفة أنه قال: علمنا هذا رأي فمن أتانا بخير منه قبلناه.","part":6,"page":791},{"id":793,"text":"حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، نا إسماعيل بن إسحاق البصري، نا خالد بن سعد، نا محمد بن إبراهيم بن حيون الحجاري، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحد إلينا من الرأي.\rحدثنا حمام، نا عباس بن أصبغ، نا محمد بن عبد الملك بن أيمن، نا عبد الله ابن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة، من\rيسأل ؟ فقال أبي: يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من رأي أبي حنيفة.\rقال أبو محمد: صدق أحمد رحمه الله، لان من أخذ بما بلغه عن رسول الله (ص) وهو لا يدري ضعفه، فقد أجر يقينا على قصده إلى طاعة رسول الله (ص) كما أمره الله تعالى.\rوأما من أخذ برأي أبي حنيفة أو رأي مالك أو غيرهما، فقد أخذ بما لم يأمره الله تعالى قط بالاخذ به، وهذه معصية لا طاعة.\rوقد تبرأ كل من ترى من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء من الرأي، وندموا على ما قد قدموا منه، وتبرؤوا ممن قلدهم في شئ منه، فمن أضل ممن دان ربه تعالى برأي قد تمنى الذي رآه أن يضرب عن كل مسألة منه سوطا ولعلها أزيد من عشرة آلاف مسألة ومن أضل ممن دان ربه تعالى برأي من قال: من أتانا بخير من رأينا قبلناه ولا شك عند كل ذي مسكة عقل من المسلمين أن كلام الله تعالى وكلام محمد (ص) خير من رأي أبي حنيفة ومالك.\rهذا مع ما قد أوردناه في هذا الباب من الاحاديث الصحاح عن رسول الله (ص) في تحريم الفتيا بالرأي، ومن البراهين القاطعة في ذلك.\rوحسبنا الله ونعم الوكيل.","part":6,"page":792},{"id":794,"text":"الباب السادس والثلاثون في إبطال التقليد قال أبو محمد علي: علي بن أحمد: علي: اعتقاد المرء قولا من قولين فصاعدا ممن اختلف فيه أهل التمييز المتكلمون في أفانين العلوم، فإنه لا يخلو في اعتقاده ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون اعتقده ببرهان صح عنده أو يكون اعتقده بغير برهان صح عنده، فإن كان اعتقده ببرهان صح عنده، يخلو أيضا من أحد وجهين: إما أن يكون اعتقده ببرهان حق صحيح في ذاته، وإما أن يكون اعتقده بشئ يظن\rأنه برهان وليس ببرهان، لكنه شغب وتمويه موضوع وضعا غير مستقيم.\rوقد بينا كل برهان حق صحيح في ذاته في كتابنا الموسوم بالتقريب وبينا في كتابنا هذا أن البرهان في الديانة إنما هو نص القرآن، أو نص كلام صحيح النقل مسند إلى النبي (ص)، أو نتائج مأخوذة من مقدمات صحاح من هذين الوجهين.\rوأما القسم الثاني الذي هو شغب يظن أنه برهان وليس برهانا، فمن أنواعه: القياس والاخذ بالمرسل، والمقطوع، والبلاغ، وما رواه الضعفاء والمنسوخ والمخصص وكل قضية فاسدة قدمت بالوجوه المموهة التي قد بيناها في كتاب التقريب.\rوأما ما اعتقده المرء بغير برهان صح عنده، فإنه لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون اعتقده لشئ استحسنه بهواه، وفي هذا القسم يقع الرأي والاستحسان، ودعوى الالهام، وإما أن يكون اعتقده لان بعض من دون النبي (ص) قال، وهذا هو التقليد، وهو مأخوذ من قلدت فلانا الامر، أي جعلته كالقلادة في عنقه، وقد استحى قوم من أهل التقليد من فعلهم فيه، وهم يقرون ببطلان المعنى الذي يقع عليه هذا الاسم، فقالوا: نقلد بل نتبع.\rقال أبو محمد: ولم يتخلصوا بهذا التمويه من قبيح فعلهم، لان الحرم إنما هو المعنى، فليسموه بأي اسم شاؤوا، فإنهم ما داموا آخذين بالقول، لان فلانا قاله دون النبي (ص)، فهم عاصون لله تعالى، لانهم اتبعوا من لم يأمرهم الله تعالى باتباعه.\rويكفي من بطلان التقليد أن يقال لمن قلد إنسانا بعينه: ما الفرق بينك وبين من","part":6,"page":793},{"id":795,"text":"قلد غير الذي قلدته، بل قلد من هو بإقرارك أعلم منه وأفضل منه ؟ فإن قال بتقليد كل عالم كان قد جعل الدين هملا، وأوجب الضدين معا في الفتيا، هذا ما لا انفكاك منه، لكن شغبوا وأطالوا، فوجب تقصي شغبهم، إذ كتابنا هذا كتاب تقص\rلا كتاب إيجاز وبالله تعالى نتأيد.\rقال أبو محمد: ونحن ذاكرون - إن شاء الله - ما موه به المتأخرون لنصر قولهم في التقليد، ومبينون بطلان كل ذلك بحول الله وقوته، ثم نذكر البراهين الضرورية الصحاح على إبطال التقليد جملة، وبالله تعالى التوفيق.\rفمما شغبوا به أن قال بعضهم: روي أن ابن مسعود كان يأخذ بقول عمر.\rقال أبو محمد: وهذا باطل، لان خلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده، وإنما وافقه كما يتوافق أهل الاستدلال فقط، وما نعرف رواية أن ابن مسعود رجع إلى قول عمر إلا رواية ضعيفة لا تصح في مسألة واحدة، وهي في مقاسمة الجد الاخوة مرة إلى الثلث ومرة إلى السدس، ولعل نظائر هذه الرواية لو تقصيت لم تبلغ أربع مسائل، وإنما جاء فيها أيضا أن ابن مسعود أنفذها بقول عمر، لان عمر كان الخليفة.\rوابن مسعود أحد عماله فقط.\rوأما اختلافهما فلو تقصي لبلغ أزيد من مائة مسألة، وقد ذكرنا بعد هذا بنحو ورقتين سند الحديث المذكور من اتباع ابن مسعود عمر، وبينا وهي تلك الرواية وسقوطها.\rومما حضرنا ذكره من خلاف ابن مسعود لعمل في أعظم قضاياه، وأشهرها ما حدثناه محمد بن سعيد النباتي، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن زيد بن وهب قال: انطلقت أنا ورجل إلى عبد الله بن مسعود نسأله عن أم الولد، وإذا هو يصلي ورجلان قد اكتنفاه عن يمينه وعن يساره، فلما صلى سألاه الخطاب.\rفقال لاحدهما: من أقرأك ؟ قال: أقرأنيها أبو عمرة أو أبو حكم المزني، وقال الآخر: أقرأنيها عمر بن الخطاب، فبكى حتى بل الحصا بدموعه وقال له: اقرأ كما أقرأك عمر، فإنه كان للاسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه","part":6,"page":794},{"id":796,"text":"ولا يخرجون منه، فلما أصيب عمر انثلم الحصن فخرج الناس من الاسلام، قال: سألته عن أم الولد، فقال: تعتق من نصيب ولدها.\rقال أبو محمد: فهذا ابن مسعود بهذا السند العجيب الذي لا مغمز فيه - بعد موت عمر على ما في نص هذا الحديث من ذكره موت عمر - يخالفه في أمهات الاولاد، فلا يراهن حرائر من رأس مال سادتهن، ولكن من نصيب أولادهن كما تعتق على كل أحد أمه إذا ملكها.\rومع ذلك أن ابن مسعود - إلى أن مات - كان يطبق في الصلاة، وعمر كان يضع اليدين على الركبتين وينهى عن التطبيق وكان ابن مسعود يضرب الايدي لوضعها على الركب، وابن مسعود يقول في الحرم هي يمين، وعمر يقول: هي طلقة واحدة.\rوكان ابن مسعود يقول في رجل زنى بامرأة ثم تزوجها: لا يزالان زانيين ما اجتمعا، وعمر يأمر الزاني أن يتزوج التي زنى بها، وابن مسعود يقول بيع الامة طلاقها، وعمر لا يرى بيعها طلاقا ويخالفه في قضايا كثيرة جدا.\rوالعجب كله ممن يحتج بالكذب، من أن ابن مسعود كان يقلد عمر، وهم لا يرون تقليد عمر ولا ابن مسعود في كل أقوالهما، وإنما يقلدون من لم يقلده قط ابن مسعود ولا رآه، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وحسبك بمقدار من يحتج بمثل هذا في الغباوة والجهل، وقوله مخالف لما احتج به.\rوكيف يجوز أن يقلد ابن مسعود عمر ؟ وقد حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، حدثنا مسلم بن الحجاج، نا إسحاق بن راهويه، نا عبدة بن سليمان، نا الاعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة الاسدي، عن عبد الله بن مسعود قال: لقد علم أصحاب رسول الله (ص)، أني أعلمهم بكتاب الله عزوجل، ولو أعلم أن أحدا أعلم\rبه مني لرحلت إليه، قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد (ص) فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه ولا يعيبه.\rوبه إلى مسلم: نا أبو كريب، نا يحيى بن آدم، نا قطبة عن الاعمش، عن مسلم،","part":6,"page":795},{"id":797,"text":"عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: والذي لا إله غيره ما من كتاب الله تعالى سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله تعالى مني تبلغه الابل لركبت إليه.\rقال أبو محمد: وكان ابن مسعود من الملازمة لرسول الله (ص) بحيث قال أبو موسى الاشعري: كنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي (ص) من كثرة دخولهم ولزومهم له.\rوقال ابن مسعود البدري - وقد قام عبد الله بن مسعود - ما أعلم رسول الله (ص) ترك بعده أعلم بما أنزل الله تعالى من هذا القائم، فقال أبو موسى: لقد كان يشهد إذا غبنا، ويؤذن له إذا حججنا.\rروينا هذا السند المذكور إلى مسلم قال: حدثناه أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، نا يحيى بن آدم، نا قطبة، عن الاعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبي الاحوص أنه سمع أبا مسعود وأبا موسى يقولان ذلك.\rقال أبو محمد: فمن كانت هذه صفته وهو يخبر أنه ما من آية في القرآن إلا وهو يعلم فيما أنزلت، أيجوز أن يظن به ذو عقل أنه يقلد أحدا من الناس ؟ هذا محال ممتنع لا سبيل إليه، وإنما يقلد من يجهل الحكم في النازلة، فيأخذ بقول من يقدر أنه يعلمه، وكيف يمكن أن يقلد ابن مسعود عمر ؟ وقد كان كما حدثنا محمد بن سعيد، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار بندار، نا محمد بن عدي، وأبو داود الطيالسي كلاهما عن\rشعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيد الله بن عبد الله بن مسعود، عن مسروق قال: ما شهدت أصحاب النبي (ص) إلا بالاخاذ فالاخاذة تكفي الواحد والاثنين والثلاثة، والاخاذة تكفي الفئام من الناس، وإني أتيت عبد الله بن مسعود وعمر وعثمان فوجدت عبد الله كفاني، فلزمت عبد الله.","part":6,"page":796},{"id":798,"text":"قال أبو محمد: فقد بين مسروق أنه جربهم فوجد ابن مسعود لا يقصر عن عمر في العلم، بل كلام مسروق يدل على تقدم ابن مسعود عنده على عمر في العلم، ولذلك اكتفى به عنه، وقد ذكرنا في باب الاجماع من كتابنا هذا - في باب من ادعى أن الاجماع هو إجماع أهل المدينة - صفة منزلة ابن مسعود عند عمر في العلم في كتابه إلى أهل الكوفة.\rواحتج بعضهم بأن قال: لا بد من التقليد، لانك تأتي الجزار فتقلده في أنه سمى الله عزوجل، وممكن أن يكون لم يسم، وهكذا في كل شئ.\rقال أبو محمد: المحتج بهذا إما كان بمنزلة الحمير في الجهل، وإما كان رقيق الدين لا يستحي ولا يتقي الله عزوجل، فيقال له: إن كان ما ذكرت عندك تقليدا، فقلد كل فاسق وكل قائل، وقلد اليهود والنصارى فاتبع دينهم، لانا كذلك نبتاع اللحم منهم.\rونصدقهم أنهم سموا الله تعالى على ذبائحهم، كما نبتاعه من المسلم الفاضل، ولا فرق، ولا فضل بين ابتياعه من زاهد عابد، وبين ابتياعه من يهودي فاسق، ولا أثرة ولا فضيلة لذبيحة العالم الورع على ذبيحة الفاسق الفاجر، فقلد كل قائل على ظهر الارض وإن اختلفوا، كما نأكل ذبيحة كل جزار من مؤمن أو ذمي.\rفإن قال بذلك خرج عن الاسلام وكفى مؤونته، ولزمه ضرورة ألا يقلد عالما بعينه دون من سواه، كما أنه لا يقلد جزارا بعينه دون من سواه، وإن\rأبى من ذلك فقد أبطل احتجاجه بتقليد الجزار وغيره، وسقط تمويهه.\rولكن ليعلم الجاهل أن هذا الذي شغب به هذا المموه - من تصديقنا الجزار والصانع وبائع سلعة بيده -: ليس تقليدا أصلا، وإنما صدقناهم لان النص أمر بتصديقهم، وقد سأل أصحاب رسول الله (ص) عن هذه بعينها فقالوا: يا رسول الله إنه يأتي قوم حديثو عهد بالكفر بذبائح لا ندري أسموا الله تعالى عليها فقال (ص): سموا الله أنتم وكلوا أو كما قال (ص).\rوأمر تعالى بأكل طعام أهل الكتاب وذبائحهم فإن أتونا في تقليد رجل بعينه بنص على إيجاب تقليده أو بإجماع على إيجاب تقليده صرنا إليه واتبعناهم، ولم يكن ذلك تقليدا حينئد، لان البرهان كان يكون حينئذ قد قام على وجوب اتباعه.","part":6,"page":797},{"id":799,"text":"واحتج بعضهم بأن قال: روي عن عمر أنه قال: إني لاستحي من الله عزوجل أن أخالف أبي بكر.\rقال أبو محمد: وهذا يبطل من خمسة أوجه: أولها: أن هذا حديث مكذوب محذوف، لا يصح منفردا هذا اللفظ كما أوردوه، وإنما جاء بلفظ إذا حقق فهو حجة عليهم، وسنورده عند الفراغ بذكر حججهم، ثم الابتداء بالاحتجاج عليهم في هذا الباب إن شاء الله تعالى.\rوالثاني: أن خلاف عمر لابي بكر أشهر من أن يجهله من له أقل علم بالروايات، فمن ذلك خلافه إياه في سبي أهل الردة، سباهم أبو بكر، وبلغ الخلاف عن عمر له أن نقض حكمه في ذلك، وردهن حرائر إلى أهليهن إلا من ولدت لسيدها منهن، ومن جملتهن كانت خولة الحنفية أم محمد بن علي.\rوخالفه في قسمة الارض المفتتحة، فكان أبو بكر يرى قسمتها، وكان عمر يرى إيقافها ولم يقسمها.\rوخالفه في المفاضلة أيضا في العطاء، فكان أبو بكر يرى التسوية، وكان عمر يرى المفاضلة وفاضل.\rومن أقرب ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع، ثنا عمر بن عبد الملك، ثنا محمد ابن بكر، ثنا سليمان بن الاشعث، حدثنا محمد بن داود بن سفيان، وسلمة بن شبيب قالا: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال عمر: إني إن لا أستخلف فإن رسول الله (ص) لم يستخلف، وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف.\rقال ابن عمر: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله (ص) وأبا بكر فعلمت أنه لا يعدل برسول الله (ص) أحدا.\rوأنه غير مستخلف.\rقال أبو محمد: فهذا نص خلاف عمر لابي بكر فيما ظن أنه فعل النبي (ص) وقد خالفه في فرض الجد، وفي غير ذلك كثيرا بالاسانيد الصحاح، المبطلة لقول من قال: إنه كان لا يخالفه.\rوالثالث: أن هذا لو صح كما أوردوه وموهوا به - وهو لا يصح كذلك - لكان غير موجب لتقليد مالك وأبي حنيفة، ولا يتمثل في عقل ذي عقل، إن في","part":6,"page":798},{"id":800,"text":"تقليد عمر لابي بكر ما يوجب تقليد أهل زماننا لمالك وأبي حنيفة فبطل تمويههم بما ذكروا.\rوالرابع: أن المحتج بما ذكرنا عن عمر ينبغي أن يكون أوقح الناس، وأقلهم حياء، لانه احتج بما يخالفه، وانتصر بما يبطله، لانه لا يستحي مما استحى منه عمر، لان المحتجين بهذا يخالفون أبا بكر وعمر في أكثر أقوالهم، وقد ذكرنا خلاف المالكيين لما رووا في الموطأ عن أبي بكر وعمر فيما خلا من كتابنا، فأغنى عن ترداده، وبينا أنهم رووا عن أبي بكر ست قضايا خالفوه منها من خمس، وخالفوا\rعمر في نحو ثلاثين قضية مما رووا في الموطأ فقط.\rفهلا استحيا من هذا المحتج مما استحيا منه عمر ويلزمه أن يقلد أبا بكر وعمر، وإلا فقد أقر على نفسه بترك الحق، إذ ترك قول عمر، وهو يحتج بقوله في إثبات التقليد.\rوالخامس: أنه لو صح أن عمر قلد - وقد أعاذه الله من ذلك - لكان هو وسائر من خالفه من الصحابة، وأبطلوا التقليد راجيا أن ترد أقوالهم إلى النص، فلايها شهد النص أخذ به، والنص يشهد لقول من أبطل التقليد.\rواحتجوا بما حدثناه محمد بن سعيد، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشني، ثنا بندار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الشعبي، أن جندبا ذكر له قول في مسألة من الصلاة لابن مسعود، فقال جندب: إنه لرجل ما كنت لادع قوله لقول أحد من الناس.\rوبه إلى الشعبي عن مسروق قال: كان ستة من أصحاب النبي (ص) يفتون الناس: ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى الاشعري، وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة: كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لوجوه: أحدها: أن راوي هذين الخبرين جابر الجعفي وهو كذاب، فسقط الاحتجاج به.\rوايضا فكذب هذا الحديث الاخير بين ظاهر، بما هو في الشهرة والصحة كالشمس، وهو أن خلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده،","part":6,"page":799},{"id":801,"text":"وخلاف أبي موسى لعلي كذلك، ومن جملة خلافه إياه امتناعه من بيعته ومن حضور مشاهده، وليس في الخلاف أعظم من هذا، وكذلك خلاف زيد لابي - في القراءات والفرائض وغير ذلك - أشهر من كل مشتهر، فوضح\rكذب جابر في روايته هذه.\rوالثالث: أنه لو صح كل هذا لكان عليهم لا لهم، لان الذين كان هؤلاء المذكورون يقلدون بزعمهم، هم غير الذين يقلد هؤلاء المتأخرون اليوم، فلا حجة لمن قلد مالكا وأبا حنيفة والشافعي فيمن قلد عمر وعليا وأبيا، بل هو حجة عليهم لانه ان كان تقليد هؤلاء حقا فتقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة باطل، وإن كان تقليد من تقدم باطلا فتقليد من تأخر أبطل، فمن المحال الباطل أن يقلد ابن مسعود عمر أو غيره مع ما حدثناه المهلب، عن ابن مناس، عن ابن مسرور، عن يونس بن عبد الاعلى، عن ابن وهب قال: سمعت سليمان يحدث عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يقول: اغد عالما أو متعلما ولا تغدون إمعة، قال ابن وهب: فذكر لي سفيان، عن أبي الزعراء، عن أبي الاحوص، عن ابن مسعود: إنه الامعة فيكم الذي يحقب دينه الرجال.\rواحتجوا أيضا بالاعمى يدل على القبلة وبالراكب في السفينة يدله الملاحون على القبلة، وعلى الوقت.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لانه من باب قبول الخبر، لا من باب قبول الفتيا في الدين بلا دليل، ولا من باب تحريم أمر كان مباحا، أو إيجاب فرض لم يكن واجبا أو إسقاط فرض قد وجب، وهذا الذي ذكروا ليس تقليدا، وإنما هو إخبار، والناس مجمعون على قبول خبر الواحد في أشياء كثيرة منها الهدية، وحال إدخال الزوج على الزوجة، وقبول قول المرأة الذمية والمسلمة إنها طاهر فيستباح وطؤها بعد تحريمه بالحيض وغير ذلك، فقبول الاعمى لخبر","part":6,"page":800},{"id":802,"text":"المخبر له عن الوقت والقبلة - إذ وقع به تصديقه - أمر قد قام الدليل على صحته، بل أكثر هذه الامور توجب العلم الضروري بالجبلة، وبطل أن يكون ما ذكروا تقليدا،\rواحتج بعضهم بقول الله تعالى: * (واتبع ملة إبراهيم حنيفا) *.\rقال أبو محمد: وهذا من القحة ما هو ! لان الشئ الذي يأمر به الله ليس تقليدا، ولكنه برهان ضروري، والتقليد إنما هو اتباع من لم يأمرنا عزوجل باتباعه.\rوإنما التقليد الذي نخالفهم فيه أخذ قول رجل ممن دون النبي صلى الله عليه وسلم، لم يأمرنا ربنا باتباعه، بلا دليل يصحح قوله، لكن فلانا قاله فقط، فهذا هو الذي يبطل، ولكن من لا يتقي الله عزوجل - ممن قد بهره الحق وعجز عن نصره الباطل، وأراد استدامة سوقه، ولا يبالي إلى ما أداه ذلك - أوقع على اعتقاد الحق الذي قد ثبت برهانه اسم التقليد، فسمى الانقياد لخبر الواحد تقليدا، وسمى الاجماع تقليدا وسمى اتباع النبي (ص) فيما أمر باتباعه من ملة إبراهيم عليه السلام تقليدا.\rفإن أرادوا منا تصحيح هذه المعاني فهي صحاح، لقيام النص بوجوبها، وإن أرادوا أن يتطرقوا بذلك إلى تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة فذلك حرام وباطل، وليس في اتباع ملة إبراهيم ما يوجب اتباع مالك وأبي حنيفة والشافعي، لانهم غير إبراهيم المأمور باتباعه، ولم نؤمر قط باتباع هؤلاء المذكورين، وإنما هذا بمنزلة من سمى الخنزير كبشا، وسمى الكبش خنزيرا فليس ذلك مما يحل الخنزير ويحرم الكبش.\rوكذلك إنما نحرم اتباع من دون النبي (ص) بغير دليل، ونوجب اتباع ما قام الدليل على وجوب اتباعه، ولا نلتفت إلى من مزج الاسماء، فسمى الحق تقليدا، وسمى الباطل اتباعا، وقد بينا قبل وبعد أن الآفة العظيمة إنما دخلت على الناس - وتمكن بهم أهل الشر والفسق والتخليط والسفسطة ولبسوا عليهم دينهم - فمن قبل اشتراك الاسماء واشتباكها على المعاني الواقعة تحتها.\rولذلك دعونا في كتبنا إلى تمييز المعاني، وتخصيصها بالاسماء المخلفة، فإن وجدنا\rفي اللغة اسما مشتركا حققنا المعاني التي تقع تحته، وميزنا كل معنى منها بحدوده التي هي صفاته التي لا يشاركه فيها سائر المعاني، حتى يلوح البيان، فيهلك من هلك","part":6,"page":801},{"id":803,"text":"عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، والله تعالى يلبس على من على الناس وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشني، ثنا بندار، ثنا غندر ثشعبة، ثنا عمرو بن مرة، عن حصين، عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحابنا أنهم كانوا إذا صلوا مع النبي (ص) فدخل الرجل أشاروا إليه فقضى ما سبق به، فكانوا من بين قائم وراكع وقاعد ومصل مع رسول الله (ص)، حتى جاء معاذ فقال: لا أراه على حال إلا كنت معه، فقال رسول الله (ص): إن معاذا قد سن لكم سنة فكذلك فافعلوا.\rقال أبو محمد: وهذا حديث كما ترى، لم يذكر ابن أبي ليلى من حدثه به، والضمير الذي في كانوا لا بيان فيه أنه راجع إلى المحدثين لابن أبي ليلى، بل لعله راجع إلى الصحابة غير المحدثين لابن أبي ليلى، ولا تؤخذ الحقائق بالشكوك.\rوحتى لو صح هذا الحديث لما كانت فيه حجة لوجهين: أحدهما: أن الذين يقلدونهم غير معاذ، فلو صح تقليد معاذ ما كان ذلك إلا مبطلا لتقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي.\rوالثاني: أن فعل معاذ لم يصر سنة إلا حيث أمر به رسول الله (ص) وحين أمر به، لا بفعل معاذ، ويكون حينئذ معنى أن معاذا سن سنة، أي فعل فعلا جعله الله لكم سنة، فإنما صار سنة حين أمر به عليه السلام فقط، مع أنه حديث مرسل لا يحتج به.\rوقد روينا عن معاذ ما يبطل ظن الظان في هذا الحديث، وما يبطل به التقليد، وهو ما حدثنا محمد بن سعيد النباتي، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا\rمحمد بن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن بشار بندار، ثناغندر، ثنا شعبة قال: أنبأني عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سليمة يقول قال معاذ بن جبل: يا معشر العرب كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن ؟ فسكتوا، فقال معاذ: أما العالم فإن اهتدى فتقلدوه دينكم، وإن","part":6,"page":802},{"id":804,"text":"افتتن فلا تقطعوا منه أناتكم، فإن المؤمن - أو قال المسلم - يفتتن ثم يتوب، وأما القرآن فإن له منارا كمنار الطريق لا يخفى على أحد، فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحدا، وما لم تعلموا فكلوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليست بنافعته دنياه.\rقال أبو محمد: رحم الله معاذا، لقد صدع بالحق، ونهى عن التقليد في كل شئ، وأمر باتباع ظاهر القرآن، وألا يبالي من خالف فيه، وأمر بالتوقف فيما أشكل.\rوهذا نص مذهبنا.\rوبالله تعالى التوفيق.\rومن العجب احتجاجهم بهذا الخبر، ولا يدري أحد لماذا ؟ فإن كانوا أرادوا بذلك تقليد معاذ، وأنه كان يسن السنن، فقد جاء عنه أنه كان يورث المسلم من الكافر فيقلدوه، وإلا فقد لعبوا بدينهم، وإن كانوا يحتجون به في إيجاب تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي، فهذا حمق ما سمع بأظرف منه وأين تقليد معاذ من تقليد هؤلاء.\rواحتج بعضهم بقوله تعالى: * (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) *.\rوبقوله تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) * وبقوله تعالى: * (وكلا وعد الله الحسنى) * وبقوله عزوجل: * (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) * فقالوا من أثنى الله تعالى عليه فقوله أبعد من الخطأ وأقرب من الصواب.\rواحتجوا بقوله (ص): عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وبما روي عنه (ص) من الحديث الذي فيه: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وقالوا: إن الصحابة من رضي الله عنهم شهدوا الوحي فهم أعلم بما شهدوا وقال بعضهم،: قول الخلفاء من الصحابة حكم وحكمهم لا يجب أن ينقض واحتجوا بقوله تعالى: * (اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * وبما روى من: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.\rقال أبو محمد: كل هذا لا حجة لهم فيه، بل الآيات التي ذكرنا حجة عليهم، أما قوله تعالى: * (محمد رسول الله والذين معه أشداء) * وقوله: * (لقد","part":6,"page":803},{"id":805,"text":"رضي الله عن المؤمنين) * الآية، وقوله تعالى: * (وكلا وعد الله الحسنى) * وقوله تعالى: * (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) * فإنما هذا كله ثناء عليهم، رضوان الله عليهم، ولم ننازع في الثناء عليهم ولله الحمد، بل نحن أشد توقيرا لهم، وأعلم بحقوقهم من هؤلاء المحتجين بهذه الآية في غير مواضعها.\rلاننا نحن إنما تركنا أقوال الصحابة لقول محمد (ص) الذي يجب من حقه (ص) عليهم، كالذي يجب من حقه علينا ولا فرق، والذي ألزموا طاعته كما ألزمناها سواء بسواء، وهم إنما تركوا أقوال الصحابة الذين احتجوا في فضلهم بما ذكرنا، لقول أبي حنيفة ومالك والشافعي.\rوإنما قلنا نحن: ليس وجوب الثناء عليهم بموجب أن يقلدوا، إذ قد ذكر رسول الله (ص) أن أبا بكر وعمر - اللذين هما أفضل رجالهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - قد أخطأ.\rكما حدثنا حمام بن أحمد، ثنا عبد الله بن إبراهيم، ثنا أبو زيد المروزي، نا الفربري، نا البخاري، نا إبراهيم بن موسى، نا هشام بن\rيوسف، أن ابن جريج أخبرهم، عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم، أنه قدم ركب من بني تميم عن النبي (ص)، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، قال عمر: بل أمر الاقرع بن حابس.\rفقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: * (يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) * حتى انقضت، يعني الآية.\rقال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، ثنا وكيع، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذ حدث النبي (ص) بحديث حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه.\rقال البخاري: نا بسرة بن صفوان ابن جميل، نا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران يهلكان: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند رسول الله (ص).\rوكما حدثنا عبد الله بن ربيع، عن محمد بن إسحاق بن السليم، عن ابن الاعرابي، عن أبي داود، وقال: نا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق - كتبته من كتابه - قال: أنا معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عبس","part":6,"page":804},{"id":806,"text":"قال: كان أبو هريرة يحدث أن رجلا أتى النبي (ص) فقال: إني رأيت الليلة رؤيا، فعبر لها أبو بكر، فقال النبي (ص) أصبت بعضا وأخطأت بعضا فقال: أقسمت يا رسول الله - بأبي أنت - لتحدثني بالذي أخطأت فيه، فقال النبي (ص): لا تقسم.\rقال أبو محمد: فمن أخطأ فغير جائز أن يؤخذ قوله بغير برهان يصححه، والنبي (ص) إذا كان منه - على طريق إرادة الخبر - ما لا يوافق إرادة ربه تعالى، لم يقره تعالى على ذلك حتى يبين له، وأما أبو بكر رضي الله عنه فقد رام من النبي\r(ص) أن يبين له وجه خطئه فيما عبر، فلم يفعل (ص).\rوأما ما تعلقوا به بما روي عنه (ص) من قوله لابي بكر وعمر: لولا اختلافكما على ما خالفتكما فأول ذلك أن هذا خبر لا يصح، ولو صح لكان حجة في إبطال تقليدهما، لان الامر الموجود فيهما منع رسول الله (ص) من الاخذ برأيهما في أمور الدنيا، ففرض علينا اتباعه (ص)، وألا نأخذ بقولهما في أمور الشريعة، وهذا بين.\rوأما قوله (ص): عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين فقد علمنا أنه (ص) لا يأمر بما لا يقدر عليه، ووجدنا الخلفاء الراشدين بعده عليه السلام قد اختلفوا اختلافا شديدا، فلا بد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها: إما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه، وهذا ما لا سبيل إليه، ولا يقدر عليه، إذ فيه الشئ وضده ولا سبيل إلى أن يورث أحد الجد دون الاخوة بقول أبي بكر وعائشة، ويورثه الثلث فقط، وباقي ذلك للاخوة على قول عمر، ويورثه السدس وباقيه للاخوة على مذهب علي.\rوهكذا في كل ما اختلفوا فيه، فبطل هذا الوجه، لانه ليس في استطاعة الناس أن يفعلوه فهذا وجه.\rأو يكون مباحا لنا بأن نأخذ بأي ذلك شيئا، وهذا خروج عن الاسلام، لانه يوجب أن يكون دين الله تعالى موكولا إلى اختيارنا، فيحرم كل واحد منا ما يشاء، ويحل ما يشاء، ويحرم أحدنا ما يحله الآخر، وقول الله تعالى: * (اليوم","part":6,"page":805},{"id":807,"text":"أكملت لكم دينكم) * وقوله تعالى: * (تلك حدود الله فلا تعتدوها) * وقوله تعالى: * (ولا تنازعوا) * يبطل هذا الوجه الفاسد، ويوجب أن ما كان حراما حينئذ فهو حرام إلى يوم القيامة، وما كان واجبا يومئذ فهو واجب إلى يوم القيامة، وما كان حلالا يومئذ فهو حلال إلى يوم القيامة.\rوأيضا فلو كان هذا لكنا إذا أخذنا بقول الواحد منهم فقد تركنا قول الآخر منهم، ولا بد من ذلك فلسنا حينئذ متبعين لسنتهم، فقد حصلنا في خلاف الحديث المذكور، وحصلوا فيه شاؤوا أو أبوا.\rولقد أذكرنا هذا مفتيا كان عندنا بالاندلس وكان جاهلا، فكانت عادته أن يتقدمه رجلان، كان مدار الفتيا عليهما في ذلك الوقت، فكان يكتب تحت فتياهما: أقول بما قاله الشيخان، فقضى أن ذينك الشيخين اختلفا، فلما كتب تحت فتياهما ما ذكرنا، قال له بعض من حضر: إن الشيخين اختلفنا ؟ فقال: وأنا أختلف باختلافهما.\rقال أبو محمد: فإذ قد بطل هذان الوجهان فلم يبق إلا الوجه الثالث، وهو أخذ ما أجمعوا عليه، وليس ذلك إلا فيما أجمع عليه سائر الصحابة رضوان الله عليهم معهم، وفي تتبعهم سنن النبي (ص) والقول بها.\rوأيضا فإن الرسول (ص) إذا أمر باتباع سنن الخلفاء الراشدين لا يخلو ضرورة من أحد وجهين: إما أن يكون (ص) أباح أن يسنوا سننا غير سننه، فهذا ما لا يقوله مسلم، ومن أجاز هذا فقد كفر وارتد وحل دمه وماله لان الدين كله إما واجب أو غير واجب، وإما حرام وإما حلال، لا قسم في الديانة غير هذه الاقسام أصلا، فمن أباح أن يكون للخلفاء الراشدين سنة لم يسنها رسول الله (ص)، فقد أباح أن يحرموا شيئا كان حلالا على عهده (ص) إلى أن مات، أو أن يحلوا شيئا حرمه رسول الله (ص)، أو أن يوجبوا فريضة لم يوجبها رسول الله (ص)، أو أن يسقطوا فريضة فرضها رسول الله (ص) ولم يسقطها إلى أن مات، وكل هذه الوجوه من جوز منها شيئا فهو كافر مشرك بإجماع الامة كلها بلا خلاف، وبالله تعالى التوفيق، فهذا الوجه قد بطل ولله الحمد.\rوأما أن يكون أمر باتباعهم في اقتدائهم بسنته (ص)، فهكذا نقول ليس يحتمل هذا الحديث وجها غير هذا أصلا.","part":6,"page":806},{"id":808,"text":"وقال بعضهم: إنما نتبعهم فيما لا سنة فيه.\rقال أبو محمد: وإذ لم يبق إلا هذا فقد سقط شغبهم، وليس في العالم شئ إلا وفيه سنة منصوصة، وقد بينا هذا في باب إبطال القياس من كتابنا هذا، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بما أخبرناه عبد الله بن ربيع قال: نا محمد بن معاوية، نا أحمد ابن شعيب، أنا محمد بن بشار، نا أبو عمر، نا سفيان - هو الثوري - عن الشيباني - هو أبو إسحاق - عن الشعبي، عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله فكتب إليه: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله (ص)، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله (ص) فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا سنة رسول الله (ص) ولم يقض فيه الصالحون، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك، والسلام عليكم.\rقال أبو محمد: وهذا عليهم لا لهم، لان عمر لم يقل بما قضى به بعض الصالحين وإنما قال: ما قضى به الصالحون فهذا هو إجماع جميع الصالحين، وفي هذا الحديث إباحة عمر ترك الحكم بالقياس واختياره لذلك.\rويقال لهم - في احتجاجهم بما روي من الامر بإلتزام سنة الخلفاء الراشدين المهديين - هذا حجة عليكم، لان سنة الخلفاء الراشدين المهديين كلهم - بلا خلاف منهم - ألا يقلدوا أحدا، وألا يقلد بعضهم بعضا، وأن يطلبوا سنن رسول الله (ص) حيث وجدوها فينصرفوا إليها ويعملوا بها، وقد أنكر عمر رضي الله عنه أشد الانكار على رجل سأله عن مسألة في الحج، فلما أفتاه قال له الرجل، هكذا أفتاني رسول الله (ص)، فضربه عمر بالدرة وقال له: سألتني عن شئ قد أفتى فيه رسول الله (ص) لعلي أخالفه.\rرويناه من طريق\rعبد الرزاق، وقال عمر رضي الله عنه: إن الرأي منا هو التكليف، وإن الرأي من النبي (ص) كان حقا.\rقال أبو محمد: فمن كان متبعا لهم فليتبعهم في هذا الذي اتفقوا فيه من ترك","part":6,"page":807},{"id":809,"text":"التقليد.\rوفيما أجمعوا عليه من اتباع سنن النبي (ص)، وفيما نهوا عنه من التكلف، فإنه يوافق بذلك الحق وقول الله تعالى، وقول رسوله (ص)، وهؤلاء الخلفاء قد خالفهم من في عصرهم، فقد خالف عمر زيد وعلي وغيرهما وخالف عثمان عمر، وخالف عمر أبا بكر في قضايا كثيرة، فما منهم أحد قال لمن خالفه: لم خالفتني وأنا إمام ؟ فلو كان تقليدهم واجبا لما تركوا أحدا يعمل بغير الواجب، وأما تمويه من احتج بقوله تعالى: * (وأولي الامر منكم) * فهذه الآية مبطلة للتقليد إبطالا لا خفاء به، وهي أعظم الحجج عليهم، لانه تعالى إنما أمر بطاعتهم فيما نقلوه إلينا عن رسول الله (ص) لا في غير ذلك، وإن قالوا: بل فيما قالوه باجتهادهم، قلنا: قد سلف منا إبطال هذا الظن، ثم لو سلم ذلك لما وجب ذلك إلا في جميعهم، لا في بعضهم، لان الله عزوجل لم يقل وبعض أولي الامر منكم، وإنما أمرنا باتباع أولي الامر منا، وهم أهل العلم كلهم فإذا أجمعوا على أمر ما فلا خلاف في وجوب اتباعهم، وقد بين تعالى ذلك في الآية نفسها، ولم يدعنا في لبس، فقال تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * فأسقط تعالى عند التنازع الرد إلى أولي الامر، وأوجب الرد إلى القرآن والسنة فقط، وإنما أمر بطاعة أولي الامر منا ما لم يكن تنازع وهذا هو قولنا، ولله الحمد.\rوأما الرواية: إن معاذا سن لكم فقد قلنا: إنه حديث لا يصح سنده، ولو صح لما كانت لهم فيه حجة، لان الدخول مع الامام كيد وجد ليس من قبل\rأن معاذا فعله، لكن من قبل أن النبي (ص) صوبه وأمر به فقوله عليه السلام: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وإلا فقد فعل معاذ في تطويل الصلاة أمرا غضب منه (ص) ونهاه عن العودة، فلو كان ما فعل معاذ سنة لكان تطويله الصلاة إذ أم الناس سنة، وهذا خطأ، فصح أنه ليس فعل معاذ ولا غيره سنة إلا حتى يأمر بها النبي (ص) ويصححها، وهذا قولنا لا قولهم.","part":6,"page":808},{"id":810,"text":"وأما الرواية: اقتدوا باللذين من بعدي فحديث لا يصح، لانه مروي عن مولى لربعي مجهول وعن المفضل الضبي وليس بحجة، كما حدثنا أحمد بن محمد ابن الجسور، نا أحمد بن الفضل الدينوري، نا محمد بن جبير، نا عبد الرحمن بن الاسود الطفاوي، نا محمد بن كثير الملائي، نا المفضل الضبي، عن ضرار بن مرة، عن عبد الله بن أبي الهذيل العتري، عن جدته عن النبي (ص) قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد.\rوكما حدثناه أحمد بن قاسم قال: نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ قال: حدثني قاسم بن أصبغ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي، نا محمد بن كثير، أنا سفيان الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن مولى الربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله (ص): اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد.\rوأخذناه أيضا عن بعض أصحابنا، عن القاضي أبي الوليد بن الفرضي، عن ابن الدخيل، عن العقيلي، نا محمد بن إسماعيل، نا محمد بن فضيل، نا وكيع، نا سالم المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن حراش، وأبي عبد الله رجل من أصحاب حذيفة عن حذيفة.\rقال أبو محمد: سالم ضعيف، وقد سمى بعضهم المولى فقال: هلال مولى ربعي،\rوهو مجهول لا يعرف من هو أصلا، ولو صح لكان عليهم لا لهم، لانهم - نعني أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي - أترك الناس لابي بكر وعمر، وقد بينا أن أصحاب مالك خالفوا أبا بكر مما رووا في الموطأ خاصة في خمسة مواضع، وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية مما رووا في الموطأ خاصة، وقد ذكرنا أيضا أن عمر وأبا بكر اختلفا، وأن اتباعهما فيما اختلفا فيه متعذر ممتنع لا يقدر عليه أحد.\rوإنما الصحيح في هذا الباب ما ناولنيه بعض أصحابنا، وحدثنيه أيضا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، كلاهما عن أبي الوليد عبد الله بن يوسف القاضي، عن ابن الدخيل، عن العقيلي، نا محمد بن إسماعيل، نا إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد الله","part":6,"page":809},{"id":811,"text":"ابن أبي عبد الله البصري، وثور بن يزيد الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبي (ص): اعقلوا أيها الناس قولي، فقد بلغت، وقد تركت فيكم أيها الناس ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا: كتاب الله وسنة نبيه، وبه إلى العقيلي، ثنا موسى ابن إسحاق، ثنا محمد بن عبيد المحاربي، ثنا صالح بن موسى الطلحي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص): إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبدا ما أخذتم بهما أو عملتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولم يتفرقا حتى يردا علي الحوض.\rوأما الرواية: أصحابي كالنجوم فرواية ساقطة، وهذا حديث حدثنيه أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري قال: أنا أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد الهروي الانصاري قال: أنا علي بن عمر بن أحمد الدارقطني، ثنا القاضي أحمد كامل بن كامل خلف، ثنا عبد الله بن روح، ثنا سلام بن سليمان، ثنا الحارث بن غصين، عن الاعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله (ص): أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.\rقال أبو محمد: أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الاحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك، فهذا رواية ساقطة من طريق ضعيف إسنادها.\rوكتب إلي أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري أن هذا الحديث روي أيضا من طريق عبد الرحمن بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري، عن نافع، عن ابن عمر قال: وعبد الرحيم بن زيد وأبوه متروكان، وحمزة الجزري مجهول.\rوكتب إلي النمري، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد، أن أبا عبد الرحمن بن مفرج حدثهم قال: ثنا محمد بن أيوب الصموت قال: قال لنا البزار: وأما ما يروى عن النبي (ص): أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فهذا كلام لا يصح عن النبي (ص).\rقال أبو محمد: فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلا، بلا شك أنها مكذوبة، لان الله تعالى يقول في صفة نبيه (ص): * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * فإذا كان كلامه عليه السلام في الشريعة حقا كله، فهو من الله تعالى بلا شك، وما كان من الله تعالى فلا اختلاف فيه، بقوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) *.","part":6,"page":810},{"id":812,"text":"وقد نهى تعالى عن التفرق والاختلاف بقوله: * (ولا تنازعوا) * فمن المحال أن يأمر رسول الله (ص) باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم، وفيهم من يحلل الشئ، وغيره منهم يحرمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالا اقتداء بسمرة بن جندب، ولكان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة، وحراما اقتداء بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الاكسال واجبا اقتداء بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب، وحراما اقتداء بعائشة وابن عمر، ولكان بيع الثمر قبل ظهور الطيب فيها حلالا اقتداء بعمر، حراما اقتداء بغيره منهم، وكل هذا مروي عندنا بالاسانيد الصحيحة، تركناها خوف\rالتطويل بها، وقد بينا آنفا إخباره عليه السلام أبا بكر بأنه أخطأ.\rوقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره (ص)، فيبلغه ذلك فيصوب المصيب ويخطئ المخطئ، فذلك بعد موته (ص) أفشى وأكثر، فمن ذلك فتيا أبي السنابل لسبيعة الاسلمية بأن عليها في العدة آخر الاجلين، فأنكر عليه السلام ذلك، وأخبر أن فتياه باطل.\rوقد أفتى بعض الصحابة - وهو (ص) حي - بأن على الزاني غير المحصن الرجم، حتى افتداه والده بمائة شاة ووليدة - فأبطل (ص) ذلك الصلح وفسخه، وذكر (ص) السبعين ألفا من أمته يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر، فقال بعض الصحابة: هم قوم ولدوا على الاسلام فخطأ النبي (ص) قائل ذلك.\rوقالوا - إذ نام النبي (ص) عن صلاة الصبح -: ما كفارة ما صنعنا ؟ فأنكر النبي (ص) قولهم ذلك، وأراد طلحة بحضرة عمر بيع الذهب بالفضة نسيئة، فأنكر ذلك عمر، وأخبر أن النبي (ص) حرم ذلك.\rوباع بلال صاعين من تمر بصاع من تمر، فأنكر النبي (ص) ذلك، وأمره بفسخ تلك البيعة، وأخبره أن هذا عين الربا، وباع بعض الصحابة بريرة واشترط الولاء، فأنكر النبي (ص) ذلك، ولام عليه، وقال عمر لاهل هجرة الحبشة: نحن أحق برسول الله (ص) منكم، فكذبه النبي (ص) في ذلك.\rوقال جابر: كنا نبيع أمهات الاولاد ورسول الله (ص) حي بين أظهرنا، وأخبر أبو سعيد أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر والنبي (ص) حي","part":6,"page":811},{"id":813,"text":"فذكر الاقط والزبيب، وإنما فرض (ص) التمر والشعير فقط، وأمر سمرة النساء بإعادة الصلاة أيام الحيض، وقال قوم من الصحابة بحضرة النبي (ص): أما أنا فأفيض على رأسي - يعنون في غسل الجنابة - كذا وكذا\rمرة فأنكر ذلك النبي (ص) وكان علي يغتسل من المذي والنبي (ص) حي، فأنكر ذلك النبي (ص).\rوقال أسيد وغيره - إذ رجع سيف أبي عامر الاشعري عليه - بطل جهاده، وقالوا ذلك في عامر بن الاكوع، فكذبهم النبي (ص) في ذلك، وأفتى عمر المجنب في السفر ألا يصلي شهرا بالتيمم، ولكن يترك الصلاة حتى يجد الماء وقال عمر للنبي (ص) أن يناول القدح أبا بكر وهو عن يسار النبي (ص) فأبى ذلك النبي (ص) وأخبر أن الواجب غير ذلك، وهو أن يناوله الايمن فالايمن، وكان عن يمينه أعرابي، وتمعك عمار في التراب كما تتمعك الدابة، فأنكر ذلك النبي (ص).\rوأنكر النبي (ص) على عمر نداءه إياه - إذ أخر (ص) العتمة وقال له: ما كان لكم أن تنذروا رسول الله (ص) وقال أسامة - إذ قتل الرجل بعد أن قال لا إله إلا الله -: يا رسول الله إنما قالها تعوذا، فقال له النبي (ص): هلا شققت عن قلبه وأنكر عليه قتله إياه وخطأه في تأويله حتى قال أسامة: وددت أني لم أكن أسلمت إلا ذلك اليوم، وقال خالد: رب مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فأنكر ذلك رسول الله (ص)، وأنكر فعله ببني جذيمة.\rوتنزه قوم منهم عن أشياء فعلها (ص) فأنكر ذلك عليه السلام وغضب منه وتأول عمر أنه أخطأ إذ قبل وهو صائم، فخطأه عليه السلام في تأويله ذلك، وأخبر أنه لا شئ عليه فيه، وتأول الانصاري تقبيله عليه السلام وهو صائم وإصباحه جنبا وهو صائم، أن ذلك خصوص له عليه السلام، فخطأه (ص) في ذلك وغضب منه، وتأول عدي في الخيط الابيض أنه عقال أبيض، والنبي (ص) حي.\rوأعظم من هذا كله تأخر أهل الحديبية عن الحلق والنحر والاحلال، إذ أمرهم\rبذلك (ص)، حتى غضب وشكاهم إلى أم سلمة أم المؤمنين وكل ما ذكرنا","part":6,"page":812},{"id":814,"text":"محفوظ عندنا بالاسانيد الصحاح الثابتة، وأخبرني أحمد بن عمر، ثنا أبو ذر، ثنا زاهر بن أحمد السرخسي، أنا أبو محمد بن زنجويه بن محمد النيسابوري، أنا محمد بن إسماعيل البخاري، نا أبو النعمان، نا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال سعيد - هو ابن المسيب -: قضى عمر في الابهام وفي التي تليها بخمس وعشرين، وقال سعيد: ووجد بعد ذلك في كتاب آل حزم في الاصابع عشرا عشرا، فأخذ بذلك.\rأخبرني محمد بن سعيد: نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، نا الخشني، ثنا بندار، ثنا يحيى القطان، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن مسروق قال: سألت ابن عمر عن نقض الوتر، فقال: ليس أرويه عن أحد إنما هو شئ أقوله برأيي.\rقال أبو محمد: فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون ؟ أم كيف يحل لمسلم يتقي الله تعالى أن يقول - في فتيا الصاحب - مثل هذا لا يقال بالرأي، وكل ما ذكرناه فقد قالوه بآرائهم وأخطؤوا فيه.\rحدثنا محمد بن سعيد بن نبات، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، نا الخشني، ثنا بندار، نا شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث عن رجل من بني سليم قال: سمعت ابن عباس يقول في العزل: إن كان رسول الله (ص) قال فيه شيئا فهو كما قال، وأما أنا فأقول برأيي: هو زرعك إن شئت سقيته وإن شئت أعطشته.\rوقال علي: في مسيره إلى صفين: هو رأي رأيته، ما عهد إلي رسول الله (ص) فيه بشئ وقال عمر: الرأي منا هو التكلف، وقال معاوية في بيع الذهب بالذهب متفاضلا، هذا رأي، وقال ابن مسعود في قصة بروع بنت واشق: أقول فيها برأيي فإن كان حقا فمن الله، وإن كان باطلا فمني، والله ورسوله بريئان، وقال عمران ابن الحصين - وذكر متعة الحج - قال فيها رجل برأيه ما شاء، يعني عمر.\rوقال\rعبيدة لعلي: رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة، وقال أبو هريرة في حديث النفقة - وزاد في آخره زيادة - فقيل له: هذا عن رسول الله (ص) ؟ قال: لا هذا من كيس أبي هريرة، فها هم رضي الله عنهم يعترفون أنهم يقولون برأيهم، وأنهم قد يخطئون في ذلك، فصح بذلك بطلان قول من ذكرنا، وحدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد، بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، نا أبو كريب وإسحاق بن راهويه، قال","part":6,"page":813},{"id":815,"text":"إسحاق أنا عيسى بن يونس، وقال أبو كريب: نا أبو معاوية واللفظ له، قالا جميعا عن الاعمش عم مسلم - وهو أبو الضحى عن مسروق، عن عائشة قالت: ترخص رسول الله (ص) في أمر استنزه عنه ناس من الناس، فبلغ ذلك النبي (ص) فغضب حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه فوالله لانا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية.\rقال أبو محمد: ورواه مسلم أيضا عن زهير بن حرب، عن جرير، عن الاعمش بسنده فقال: بلغ ذلك ناسا من أصحابه.\rحدثنا أحمد بن عمر، نا علي بن الحسين بن فهر، نا الحسن بن علي بن شعبان، وعمر ابن محمد بن عراك قالا: نا أحمد مروان، نا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، ثنا حرملة عن ابن وهب: سئل مالك عمن أخذ بحديثين مختلفين، حدثه بهما ثقة عن رسول الله (ص)، أتراه من ذلك في سعة ؟ قال: لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا في واحد، قولان مختلفان يكونان صوابا ما الحق وما الصواب إلا في واحد.\rقال أبو محمد: وهذا حجة على المالكيين القائلين بتقليد من احتجوا به من الصحابة وقد اختلفوا.\rفصح بكل ما ذكرنا أنه لا يحل اتباع فتيا صاحب ولا تابع، ولا أحد دونهم إلا أن يوجبا نص أو إجماع، ويبطل بذلك قول من قال، فيما رواه عن الصاحب بخلاف، ما صح عن النبي (ص)، مثل هذا لا يقال بالرأي وصح أنه قد يخطئ المرء منهم فيقول برأيه ما يخالف ما صح عن النبي (ص).\rواحتجوا بمنع عمر من بيع أمهات الاولاد بما روي من سنة وضع الايدي على الركب في الصلاة ومن قوله في جوابه لعمرو بن العاص، إذ قال له وقد احتلم: خذ ثوبا غير ثوبك، فقال: لو فعلتها لصارت سنة.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم في شئ منه.\rأما بيع أمهات الاولاد فقد خالف في ذلك ابن مسعود، وعلي وزيد بن ثابت وابن عباس - عمر، فرأوا بيعهن، فما الذي جعل عمر أولى بالتقليد من هؤلاء ؟ وإنما منعنا من بيعهن لنص ثابت أوجب ذلك، فقد ذكرناه في كتاب الايصال إلى","part":6,"page":814},{"id":816,"text":"فهم الخصال.\rوقال أصحابنا: إنما منعنا من ذلك لاجماع الامة على المنع من بيعهن إذا حملن من وسادتهن، ثم اختلفوا في بيعهن بعد الوضع، فقلنا نحن: لا نترك ما اتفقنا عليه إلا بنص أو إجماع آخر طردا لقولنا باستصحاب الحال.\rوأما وضع الايدي على الركب، فقد صح من طريق أبي حميد الساعدي عن النبي (ص) مسندا وضع الايدي على الركب في الركوع.\rوأما قول عمر: لفعلتها لكانت سنة، فليس على ما ظن الجاهل المحتج بذلك في التقليد، ولكن معنى ذلك: لو فعلتها لاستن بذلك الجهال بعدي: فكره عمر أن يفعل شئ يلحقه أحد من الجهال بالسنن، كما قال طلحة، إذ رأى عليه ثوبا مصبوغا وهو محرم: إنكم قوم يقتدى بكم فربما رآك من يقول: رأيت على طلحة ثوبا مصبوغا وهو محرم، أو كلاما هذا معناه.\rفعلى هذا الوجه قال\rعمر: لو فعلتها لكانت سنة، لا على أن يسن في الدين ما لم ينزل به وحي، وقد كانوا رضي الله عنهم يفتون بالفتيا فيبلغهم عن النبي (ص) خلافها، فيرجعون عن قولهم إلى الحق الذي بلغهم، وهذا لا يحل غيره.\rوقد فعل أبو بكر نحو ذلك في الجدة، وبحث عن فعل النبي (ص) في ذلك، وفعل ذلك عمر في الاستئذان ثلاثا حتى قال له أبي بن كعب: يا عمر لا تكن عذابا على أصحاب محمد (ص).\rفقال عمر: سبحان الله إنما سمعت شيئا فأردت أن أتثبت.\rورجع عن إنكاره لقول أبي موسى، ولم يعرف حكم إملاص المرأة حتى سأل عنه فوجده عند المغيرة بن شعبة، وكذلك أمر المجوس، وباع معاوية سقاية من ذهب بأكثر من وزنها، حتى أنكر ذلك عليه عبادة بن الصامت، وبلغه أن النبي (ص) نهى عن ذلك، وأراد عمر قسمة مال الكعبة، فقال له أبي: إن النبي (ص) لم يفعل ذلك فأمسك عمر.\rوكان يرد الحيض حتى يطهرن ثم يطفن بالبيت حتى بلغه عن النبي (ص) خلاف ذلك فرجع عن قوله، وكان يرد المفاضلة في دية الاصابع، حتى بلغه عن النبي (ص) المساواة بينها، فرجع عن قوله إلى ذلك وترك قوله.\rوكان لا يرى توريث المرأة في دية زوجها، حتى بلغه عن النبي (ص)","part":6,"page":815},{"id":817,"text":"خلاف ذلك، فترك قوله ورجع إلى ما بلغه، وكان ينهى عن متعة الحج، حتى وقف على أنه (ص) أمر بها، فترك قوله ورجع إلى ما بلغه، وأمر برجم مجنونة زنت، حتى أخبره علي أن النبي (ص) قال كلاما معناه: إن المجنون قد رفع عنه القلم، فرجع عن رجمها.\rونهى عن التسمي بأسماء الانبياء، فأخبره طلحة أن النبي (ص) كناه أبا محمد فأمسك، ولم يتماد على النهي عن ذلك، وأراد ترك الرمل في الحج، ثم ذكر\rأن النبي (ص) فعله، فرجع عما أراد من ذلك، ومثل هذا كثير.\rوإذا كان رسول الله (ص) يخبر أن أصحابه قد يخطئون في فتياهم، فكيف يسوغ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول إنه (ص) يأمر باتباعهم فيما قد خطأهم فيه ؟ وكيف يأمر بالاقتداء بهم في أقوال قد نهاهم عن القول بها، وكيف يوجب اتباع من يخطئ ؟ ولا ينسب مثل هذا إلى النبي (ص) إلا فاسق أو جاهل، لا بد من إلحاق إحدى الصفتين به، وفي هذا هدم الديانة، وإيجاب اتباع الباطل، وتحريم الشئ وتحليله في وقت واحد، وهذا خارج عن المعقول وكذب على النبي (ص) ومن كذب عليه ولج في النار.\rنعوذ بالله من ذلك.\rوأما قولهم: إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا الوحي فهم أعلم به، فإنه يلزمهم على هذا أن التابعين شهدوا الصحابة فهم أعلم بهم، فيجب تقليد التابعين.\rوهكذا قرنا فقرنا، حتى يبلغ الامن إلينا فيجب تقليدنا.\rوهذه صفة دين النصارى في اتباعهم أساقفتهم، وليست صفة ديننا والحمد لله رب العالمين.\rوقد قلنا ونقول: إن كل ما احتجوا به مما ذكرنا لو كان حقا لكان عليهم لا لهم، لانه ليس في تقليد الصحابة ما يوجب تقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي، فمن العجب العجيب أنهم يقلدون مالكا وأبا حنيفة والشافعي، فإذا أنكر ذلك عليهم احتجوا بأشياء يرومون بها إيجاب تقليد الصحابة، وهم يخالفون الصحابة خلافا عظيما فهل يكون أعجب من هذا ونعوذ بالله من الخذلان.\rوليس من هؤلاء الفقهاء المذكورين أحد إلا وهو يخالف كل واحد من","part":6,"page":816},{"id":818,"text":"الصحابة في مئين من القضايا، وفي عشرات منها، فقد بطل ما نصروا، وتركوا ما حققوا، وقد ذكرنا في باب الاجماع إبطال قول من قال باتباع الصاحب الذي لا مخالف له يعرف من الصحابة.\rوبينا هنالك أنهم الناس لذلك، وأنهم قد\rخالفوا أحكاما كثيرة لعمر، بحضرة المهاجرين والانصار، لم يرو عن واحد منهم إنكار لفعله ذلك كإضعافه الغرم على حاطب في ناقة المزني وغير ذلك، وهذا حكم مشتهر منتشر لم يعارضه فيه أحد من الصحابة، ولا روي عن أحد منهم إنكارا لذلك، فقد تركوه هم يشهدون أن حكم الصاحب الذي لا يعرف له مخالف من الصحابة هو الحق، فقد أقروا على أنفسهم أنهم تركوا الحق، وأنهم أصروا على ما فعلوا وهم يعلمون.\rويقال لهم أيضا: كيف كان حال حكم الصحابي الواحد الذي لا يعرف له مخالف قبل أن يشتهر وينتشر ؟ أكان لازما أن يؤخذ به ؟ أو كان غير لازم ؟ فإن قال: كان غير لازم، أوجب أن ذلك الحكم في الدين وجب بعد أن كان غير واجب، وهذا كفر وتكذيب لله عزوجل في قوله: * (اليوم أكملت لكم دينكم) *.\rوإن قال: كان لازما، فقد أوجب لزومه قبل الانتشار، وسقط شرطهم الفاسد في الانتشار، وهذا القول الفاسد يوجب أن دين الله مترقب فإن انتشر لزم، وإن لم ينتشر لم يلزم، وهذا كفر بارد، وشرك وسخف.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوهم يخالفون عمر وزيد بن ثابت في قضاء عمر في الضلع بحمل، وفي الترقوة بحمل، وفي قضاء زيد في العين القائمة بمائة دينار، ولا يعرف له من الصحابة مخالف، حتى تحكم بعضهم فلم يستحي من الكذب فقال: إنما كان ذلك منهما على وجه الحكومة.\rقال أبو محمد: وهذه دعوى فاسدة لا دليل لهم على صحتها أصلا.\rولا يعجز عن مثلها أحد، ويقال لهم مثل ذلك في تقويم الدية بألف دينار وبعشرة آلاف درهم، أو باثني عشر ألف درهم ولا فرق.\rوخالفوا ابن عمر وأبا برزة في قولهما: إن كل متبايعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا بأبدانهما عن مكان البيع، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة.","part":6,"page":817},{"id":819,"text":"وخالف مالك ابن عمر وابن عباس في قولهما: إن استطاعة الحج ليست إلا الزاد والراحلة.\rوخالفوا جابر بن عبد الله في نهيه عن بيع المصاحف، ولا يعرف لابن عمر ولا لابن عباس ولا لجابر في هاتين المسألتين، مخالف من الصحابة.\rوخالف مالك والشافعي أم سلمة وعثمان بن أبي العاص في قولهما: إن أقصى أمد النفاس أربعون يوما ولا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة.\rوخالف مالك ابن مسعود وأبا الدرداء والزبير وقدامة بن مظعون في إباحة نكاح المريض، وجواز ميراثه للمرأة، ولا يعلم لهم من الصحابة مخالف في ذلك.\rوخالفوا أبا بكر وعمر وخالد بن الوليد وسويد بن مقرن في إقادتهم من اللطمة، ولا يعلم لهم في ذلك مخالف من الصحابة.\rقال أبو محمد: وقد أبطلنا في باب الاجماع قول من قال باتباع الاكثر، وهذه فصول يوجب تكرارنا إياها أنها تقليد صحيح، فتدخل في باب التقليد وادعوا هم أنها إجماع، فوجب التنبيه عليها أيضا في باب الاجماع لذلك.\rوقد بينا هنالك، وفي باب الاخبار من كتابنا هذا بطلان قول من قال: محال أن يغيب حكم النبي (ص) عن الاكثر ويعلمه الاقل، وذكر حديث أبي هريرة: إن أخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاسواق، وإن إخواني من الانصار كان يشغلهم القيام على أموالهم، وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول لله (ص).\rوهذا الحديث وإن كان منقولا من طريق الآحاد، فإن البرهان يضطر إلى تصديقه، لانه لا شك عند كل ذي عقل ومعرفة بالاخبار، أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في ضنك شديد من العيش.\rوكانوا مكدودين في تجارة يضربون لها\rآفاق بلاد العرب على خشونتها وقلة أموالها، وفي نخل يعاونونه بالنص والكد الشديد، فإذا وجد أحدهم فرجة حصر وسمع.\rفبطل قول من قال: إنه لا يجوز أن يغيب حكمه عليه السلام عن الاكثر ويعلمه الاقل.\rوصح ضد ذلك لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا فنقول لمن قال باتباع الاكثر: إنه يلزمك أن تعدهم كلهم، ثم تعرف من","part":6,"page":818},{"id":820,"text":"قال بأحد القولين، وتعرف عدد من قال بالقول الثاني، وهذا أمر لم يفعلوه قط في شئ من مسائلهم، وقد قال تعالى: * (يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) *.\rونقول لهم أيضا: هلا قلتم بالاكثر عددا في الشهود إذا اختلفوا ؟ على أن عليا يقول بذلك، فأين تقليدكم الامام الصحابي ؟ وأين قولكم باتباع الاكثر عددا ؟ فإن قالوا: النص منعنا من ذلك، وتركوا قولهم إن الصحابي أعلم منا، ولا شك أن عليا رضي الله عنه قد عرف من النص الوارد في الشهادات كالذي عرف مالك وأبو حنيفة والشافعي، مع أن النص لم يرد في عدد الشهود إلا في الزنى والطلاق والديون فقط.\rوقد رجع الصحابة من قول إلى قول، وخالف كل إمام منهم الامام الذي كان قبله، فقد كانت الضوال أيام عمر مهملة لا تمس، ثم رأى عثمان بيعها، وقد ذكرنا ما خالف فيه عمر أبا بكر قبل هذا، وقد نهى عثمان عن القران، فلبى علي بهما معا قاصدا معلنا بخلافه، فلما قال له في ذلك، قال له علي: ما كنت لاترك سنة النبي (ص) لقول أحد.\rوحدثني أحمد بن عمر بن عمر، نا أبو ذر، نا زاهر بن أحمد، أنا زنجويه بن محمد، نا محمد بن إسماعيل البخاري، نا محمد بن يوسف، نا سفيان، عن أسلم المنقري، عن\rعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: قلت لابي بن كعب لما وقع الناس في أمر عثمان: أبا المنذر، ما المخرج من هذا الامر ؟ قال كتاب الله تعالى ما استبان لك فاعمل به.\rوما اشتبه عليك فكله إلى عالمه.\rقال أبو محمد: فليقلدوا عليا وأبيا في هذا، فإنهما على الحق المبين فيه الذي لا يحل خلافه أصلا.\rوهؤلاء عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود، يرون رد فضلات المواريث على ذوي الارحام، وزيد بن ثابت وحده يرى رد الفضل على بيت المال دون ذوي الارحام، وإن كان خصمنا مالكيا أو شافعيا فقد ترك قول الائمة من الصحابة وقول الجمهور منهم، وأخذ بقول زيد وحده، وكذلك فعلوا في الاقراء فقالوا هي الاطهار، وجمهور الصحابة على أنه الحيض، والاقل على أنها الاطهار.","part":6,"page":819},{"id":821,"text":"فإن قالوا: قد جاء النص: إن زيدا أفرضكم قيل هذا الحديث لا يصح ولو صح لكان عليكم، لان في ذلك الحديث: ومعاذ أفقهكم فقلدوا معاذا في الفتيا، وفي قتل المرتد دون أن يستتا ب، وفي توريث المؤمن من الكافر، وفي أشياء كثيرة خالفتموه فيها.\rواحتج بعضهم بقوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) *.\rوبقوله تعالى: * (لتكونوا شهداء على الناس) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا يوجب التقليد، لانه قد بينا أنهم لم يتفقوا إلا على ما لا خلاف فيه، وعلى الاخذ بسنن النبي (ص)، وإنكار رأيهم إذا كان فيه خلاف للسنن، وعلى ما قد خالفه هؤلاء الحاضرون، كالمساقات إلى غير أجل.\rلكن نقركم ما أقركم الله تعالى ونخرجكم إذا شئنا، وغير ذلك مما قد كتبناه في موضعه فقط، وقد وجدنا أبا أيوب ترك صلاة الركعتين بعد العصر طول مدة عمر،\rفلما مات رجع يصليهما، فسأله عن ذلك سائل فقال: كان عمر يضرب الناس عليهما.\rوقال ابن عباس قولا فقيل له: أين كنت عن هذا أيام عمر ؟.\rفقال: هبته.\rحدثنا بذلك يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود، ثنا ابن دحيم، ثنا إبراهيم بن حماد، ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا علي بن عبد الله بن المديني، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم بن الزهري، عن عبد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه كان عند ابن عباس فذكر عول الفرائض، فأنكره ابن عباس، فقال له زفر بن أوس: ما منعك يا ابن عباس أن تشير بهذا الرأي على عمر ؟.\rقال هبته، وقد روينا عن ابن عباس من طرق صحيحة أنه هم أن يسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله (ص) فبقي سنة كاملة لا يقدم على أن يسأله عن ذلك هيبة له.\rوروينا عنه أنه قال: كنت أضرب الناس مع عمر على الركعتين بعد العصر، ثم روينا عنه القول بصلاتهما بعد عمر، كما حدثنا محمد بن سعيد النباتي، ثنا أحمد بن","part":6,"page":820},{"id":822,"text":"عبد البصير، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشني، ثنا بندار، ثنا غندر، ثنا شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عباس: لقد رأيت عمر يضرب الناس على الصلاة بعد العصر، وقال ابن عباس: صل إن شئت ما بينك وبين أن تغيب الشمس.\rوقد ذكر أبو موسى حديث الاستئذان، فتهدده عمر بضرب ظهره وبطنه، فصح بهذا أن سكوتهم قد يكون تقبة للاسلام، أو لئلا يقع تنازع واختلاف.\rوقد يكون تثبتا، أو لما شاء الله عزوجل، وليس قول أحد لا سكوته حجة إلا رسول الله (ص) فإن قوله وسكوته حجة قائمة على ما أعلم.\rواحتج بعضهم بأن حكم الامام لا ينقض، لان أبا بكر ساوى بين الناس وأن عمر فاضل بينهم، فلم يرد أحد ما أعطاه أبو بكر.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ لان ما ذكروا من مساواة أبي بكر ومفاضلة عمر ليس حكما، وإنما هي قسمة مال موكولة إلى اجتهاد الامام، مباح له أن يفاضل ومباح له أن يسوي وليس هذا شريعة تحليل ولا تحريم ولا إيجاب.\rوقد دون عمر ولم يدون أبو بكر، وبالجملة فقد يخطئ الامام غيره، واتباع من يجوز أن يخطئ هو الحكم بالظن.\rوقد نهى الله تعالى عن اتباع الظن.\rوأما وجوب طاعة الائمة فذلك حق كل إمام عدل كان أو يكون إلى يوم القيامة وإنما ذلك فيما وافق طاعة الله عزوجل وكان حقا، وليس ذلك في أن يشرعوا لنا قولا لم يأتنا به نص ولا إجماع، وبالجملة فكل ما تكلموا به في هذا المكان، وموهوا به عن المسلمين، وسودوا كتبهم بما سيطول الندم عليه يوم القيامة، فهم أترك الناس وأشدهم خلافا للامة الذين أوجبوا تقليدهم فيه، وقد بينا ذلك في غير مكان من كتبنا.\rوبالله تعالى التوفيق.\rواحتج بعضهم بما حدثنا المهلب، ثنا ابن مناس، ثنا ابن مسرور، ثنا يوسف بن عبد الاعلى، ثنا ابن وهب، أخبرني من سمع الاوزاعي يقول: حدثني عبدة بن أبي لبابة أن ابن مسعود قال: ألا لا يقلدن رجل رجلا دينه، إن آمن آمن، وإن كفر كفر فإن كان مقلدا لا محالة، فليقلد الميت ويترك الحي فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة.\rقال أبو محمد: وهذا باطل لان ابن وهب لم يسم من أخبره ولا لقي عبدة ابن أبي لبابة بن مسعود، مع أنه كلام فاسد، لان الميت أيضا لا تؤمن عليه","part":6,"page":821},{"id":823,"text":"الفتنة إذا أفتي بما أفتي، ولا فرق بينه وبين الحي في هذا، هذا على أن بعض من يخالفنا في التقليد عكس هذا الامر برأيه، وهو المعروف بالباقلاني قال: من قلد فلا يقلد إلا الحي، ولا يجوز تقليد الميت.\rفكان هذا طريقا من الضلالة جدا، لانه دعوى فاسدة بلا برهان، وقول، مع سخفه، ما نعلم قاله قبله أحد.\rأخبرني أحمد بن عمر العذري، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى البلوي غندر، ثنا خلف بن قاسم، ثنا ابن الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي، ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النضري الدمشقي، ثنا أبو مسهر، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن زيد بن أخت نمر أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: إن حديثكم شر الحديث.\rإن كلامكم شر الكلام.\rفإنكم قد حدثتم الناس حتى قيل: قال فلان وقال فلان، ويترك كتاب الله، من كان منكم قائما فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس.\rفهذا قول عمر لافضل قرن على ظهر الارض، فكيف لو أدرك ما نحن فيه من ترك القرآن وكلام محمد (ص)، والاقبال على ما قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وحسبنا الله ونعم الوكيل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.\rواحتج بعضهم في ذلك بقبول قول المقومين لاثمان المتلفات، والشهادة على أمثالها، وهذا من باب الشهادة والخبر لا من باب التقليد، لان الله عزوجل قد أمرنا بالانتصاف من المعتدي بمثل ما اعتدى فيه، فلم نأخذ عن الشاهد، بأن هذا الشئ مماثل لقيمة كذا، شريعة حرمها الله ولا أوجبها، ولكنا علمناه عالما بتلك السلعة أو تلك الجرحة، فقبلنا شهادته في ذلك على الظالم، وليس هذا من باب، قال مالك وأبو حنيفة: هذا حرام وهذا واجب وهذا مباح، فيما لا نص فيه ولا إجماع، وقد أمرنا بالشهادة على الحقوق، وبقبولها وبالحكم بها، وكل ما أمرنا به فليس تقليدا، فينبغي لمن اتقى الله عزوجل ألا يلبس على المؤمنين، فليس في كتمان العلم وتحريف الكلم عن مواضعه، أشد ولا أضر من أن يضل المرء جليسه، الذي أحسن الظن به، وقعد إليه ليعلمه دين الله عزوجل، يسمي له باسم التقليد المحرم شريعة حق، ثم يدس له معها التقليد المحرم، فيكون كمن دس السم في العسل، والبنج في الكعك، فيتحمل إثمه وإثم من اتبعه إلى يوم القيامة.","part":6,"page":822},{"id":824,"text":"وقد قال بعض أهل الجهل: لو كلفنا النظر لضاعت أمورنا.\rقال أبو محمد: وهذا كلام فاسد من وجوه: أحدها: أنه يقال له: بل لو كلفنا التقليد لضاعت أمورنا، لاننا لم نكن ندري من نقلد من الفقهاء المفتين، وهم دون الصحابة أزيد من مائتي رجل معروفة أسماؤهم.\rوفي الحقيقة لا يدري عددهم إلا الله تعالى، إذ بالضرورة ندري أنه قد كان في كل قرية كبيرة للمسلمين مفت، وفي كل مدينة من مدائنهم عدة من المفتين، والمسلمون قد ملؤوا الارض من السند إلى آخر الاندلس وسواحل البربر، ومن سواحل اليمن إلى ثغور أذربيجان وإرمينية، فما بين ذلك، والحمد لله رب العالمين.\rوأيضا فإن النظر به صلاح الامور لا ضياعها، وأيضا فإن كل امرئ منا مكلف أن يعرف ما يخصه من أمر دينه على ما بينا قبل، مما يجب على كل أحد من معرفة أحكام صلاته وصيامه، وما يلزمه وما يحرم عليه، وما هو مباح له وهذا هو النظر نفسه، ليس النظر شيئا غير تعريف ما أمر الله تعالى به ورسوله (ص) في هذه اللوازم لنا، ولو كلفنا الله تعالى إضاعة أمورنا للزمنا ذلك، كما لزم بني إسرائيل قتل أنفسهم إذا أمروا بذلك، وهذا أعظم من إضاعة الامور، وقد أمرنا بهرق الخمور، وطرح الجيف، ورمي السمن الذائب يموت فيه الفأر، وحرم علينا الربا، وفي هذا كله إضاعة أموال عظيمة لها قيم كثيرة لو أبيحت لكانت من أنفس المكاسب، وأوفرها، فكيف وليس في النظر إضاعة أمر بل فيه حفظ كل شئ وتوفية كل الامور حقها.\rولله الحمد.\rوقد صح عن الصحابة أنهم قالوا بآرائهم، صح ذلك عن أبي بكر وابن مسعود وعمر وعلي وغيرهم، وكلهم يقول: أقول في هذا برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، وزاد بعضهم، ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، وفعل\rذلك أيضا من بعدهم، فإذا صح ذلك صح أنهم تبرؤوا من ذلك الرأي، ولم يروه على الناس دينا، فحرام على كل من بعدهم أن يأخذ من فتاويهم بشئ يتدين به، إلا أن يصح به نص عن الله تعالى، أو عن رسوله (ص).\rحدثنا محمد بن سعيد بن نبات، نا عبد الله بن محمد بن علي الباجي، نا أحمد بن خالد، ثنا أبو علي الحسن بن أحمد قال: حدثني محمد بن عبيد بن حساب، نا حماد بن زيد","part":6,"page":823},{"id":825,"text":"عن المثنى بن سعيد رده إلى أبي العالية قال: قال العباس، ويل للاتباع من عثرات العالم.\rقيل له: كيف ذلك ؟ قال: يقول العالم من قبل رأيه، ثم يبلغه عن النبي (ص) فيأخذ به، وتمضي الاتباع بما سمعت.\rقال حماد بن زيد: حدثنا النعمان بن راشد قال: كان الزهري ربما أملى علي حتى إذا جاء الرأي ووقفته عليه فأكتبه فيقول: اكتب إنه رأي ابن شهاب، وإنه لعلك أن يبلغك الشئ فيقول ما قاله ابن شهاب إلا بأثر، فليعلم أنه رأيي.\rقال أبو محمد: لم يدعا رضي الله عنهما من البيان شيئا إلا أتيا به، فأعلمك ابن عباس أن كاتب رأي العالم والآخذ به له الويل، وأن العالم يقول برأيه: وأنه يلزمه ترك ذلك الرأي إذا سمع عن النبي (ص) خلافه، وأعلمك الزهري أنه يقول برأيه، وينهاك عن أن تقول فيما أتاك عنه: إنه لم يقله إلا بأثر، وهكذا يفعل هؤلاء الجهال فإنهم يقولون: لم يقل هذا مالك وفلان وفلان إلا بعلم كان عندهم عن النبي (ص)، فيكذبون على النبي (ص) ويحكمون بالظن ويتركون اليقين، نعوذ بالله من الخذلان.\rواحتج بعضهم في إثبات التقليد بغريبة جروا فيها على عادتهم في الاحتجاج بكل ما جرى على أفواههم، وذلك الحديث الذي فيه: إن ابني كان عسيفا على هذا قالوا فقد كان الناس يفتون ورسول الله (ص) حي.\rقال أبو محمد: وهذا أعظم حجة عليهم في إبطال التقليد، لان المفتين اختلفوا في تلك المسألة ورسول الله (ص) حي، فأفتى بعضهم على الزاني غير المحصن بالرجم، وأفتى بعضهم عليه بجلد مائة وتغريب عام، فكان هذا التنازع لما وقع قد وجب فيه الرد إلى الرسول (ص)، فرد الامر إليه فحكم بالحق وأبطل الباطل.\rوهكذا الامر الآن، قد اختلف المفتون حتى الآن في تلك المسألة بعينها فقال أبو حنيفة: عليه الجلد ولا تغريب عليه حرا كان أو عبدا، وقال مالك: عليه الجلد والتغريب إلا أن يكون عبدا، وقلنا نحن وأصحاب الشافعي: عليه الجلد والتغريب على العموم، عبدا كان أو غير عبد، فوجب أن يرد هذا التنازع الذي بيننا إلى القرآن والسنة، فوجدنا نص السنة يشهد لقولنا فوجب الانقياد له، فهذا الحديث يبطل التقليد جملة، ونحن لم ننكر فتيا العلماء","part":6,"page":824},{"id":826,"text":"للمستفتين، وإنما أنكرنا أن يؤخذ بها برهان يعضدها، ودون رد لها إلى نص القرآن والسنة، لان ذلك يوجب الاخذ بالخطأ، وإذا كان في عصره (ص) من يفتي بالباطل فهم من بعد موته (ص) أكثر وأفشى، فوجب بذلك ضرورة أن نتحفظ من فتيا كل مفت، ما لم تستند فتياه إلى القرآن والسنة والاجماع.\rواحتجوا أيضا فقالوا: إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا أسباب الاوامر منه (ص)، وما خرج منها على رضا، وما خرج منها على غضب، فوجب اتباعهم في فتاويهم لذلك.\rقال أبو محمد: فيقال لهم وبالله التوفيق: إن رسول الله (ص) إنما بعث مبينا على كل من يأتي إلى يوم القيامة، لا على أصحابه وحدهم، فكل سبب من غضب أو رضى يوجب حكما فقد نقلوه إلينا، ولزمهم أن يبلغوه فرضا بقوله عليه السلام: ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فقد نقلوا كل\rما شهدوه من ذلك إذا لم يكونوا في سعة من كتمانه، وقد أعاذهم الله من ذلك، ولو كتموا شيئا مما يوجب حكما في الشريعة، مما سمعوا أو مما شاهدوا، لاستحقوا أقبح الصفات، وقد أعاذهم الله من ذلك ونزههم عنه، فلم يقتصروا رضي الله عنهم على فتاويهم دون تبليغ منهم لما سمعوا منه (ص) وشاهدوه منه، كما نقلوا إلينا غضبه على الانصاري الذي أراد أن يقول بالخصوص في قبلة الصائم، وغضبه على معاذ في تطويله الصلاة إذا كان إماما، وغضبه على من تنزه عما فعل (ص)، وغضبه على اليهود إذ قال: والذي اصطفى موسى على البشر، وإعراضه عن عمار إذ تخلق، وعن عائشة وفاطمة إذ علقتا السترين المزينين، وسروره بقول مجزز المدلجي في أسامة بن زيد، وسروره باجتماع الصدقة بين يديه إذ أمر بالصدقة إذ أتاه القوم المجتابون للثمار، وإشاحته بوجهه المكرم، (ص) وأفضل","part":6,"page":825},{"id":827,"text":"التحيات، إذ ذكر النار، أورده مسلم في كتاب الزكاة، وحياءه (ص) من الانصارية المستفتية في غسل المحيض، ووصفه الجبة التي على البخيل إذا أراد أن يتصدق، وإشارته على كعب بن مالك بيده في إسقاط النصف من دينه على ابن أبي حدرد، وتعجبه بنظره وهيئة وجهه من العباس إذ احتمل المال الكثير دون أن يكون منه (ص) في ذلك كلام، وضربه (ص) بعود في يده بين الماء والطين في حديث أبي موسى، ومثل هذا كثير جدا.\rفلم يكن له (ص) هيئة ولا حال يوجب حكما من كراهة أو نهي أو إباحة أو ندب أو أمر، إلا وقد نقلت إلينا، لان كل ذلك مما بين به (ص) مراد ربه تعالى، ولو كتموا ذلك عنا لما بلغوا كما لزمهم، ولو اقتصروا على تبليغ بعض ذلك دون بعض لدخلوا في جملة من يكتم العلم، ولسقطت عدالتهم بذلك، وقد نزههم الله تعالى عن هذا وحفظ دينه، وقضى بتبليغه إلينا جيلا بعد جيل\rإلى أن يأتي بعض آيات ربك: * (يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) *.\rوقد علموا رضي الله عنهم أن فتاويهم لا تلزمنا، وإنما يلزمنا قبول ما نقلوا إلينا عن نبينا (ص)، وقد خالف بعض التابعين الصحابة بحضرتهم، فما أنكر الصحابة عليهم ذلك، كما أنكروا عليهم مخالفة ما رووه، كفعل ابن عمر في ابنه، إذ روى حديث الخذف، وحديث النهي عن منع النساء إلى المساجد، فقال ابنه: لا تفعل ذلك، فأنكر ابن عمر ذلك إنكارا شديدا وكان لا ينكر على من خالفه في فتياه.","part":6,"page":826},{"id":828,"text":"وكذلك سائر الصحابة رضي الله عنهم، كإنكار ابن عباس على عروة وغير معارضة حديث النبي (ص) بأبي بكر وعمر، وكإنكار عمران بن الحصين، إذ ذكر حديث الحياء، على من عارضه بما كتب في الحكمة، وكقول أبي هريرة: إذا حدثتك عن النبي (ص) فلا تضرب له الامثال، في حديث الوض ء مما مست النار.\rووجدنا ابن عباس لم ينكر على عكرمة مخالفته له في الذبيح، ولم ينكر أبو هريرة على من خالفه بحديث النبي (ص) في إفطار من أصبح جنبا، وجميعهم رضي الله عنهم على هذا السبيل، لا ينكر على من يخالفه في فتياه، وينكر على من خالف روايته عن النبي (ص) أشد الانكار.\rولكن أصحابنا - يغفر الله لهم ويسددهم - أضربوا على الواجب عليهم من تدبر أحكام القرآن، ورواية أخبار النبي (ص) واختلاف العلماء، ومعرفة مراتب الاستدلال المفرق بين الحق والباطل، وأقبلوا على ظلمات بعضها فوق بعض من قراءة طروس معكمة مملوءة من، قلت: أرأيت ؟ فقنعوا بجوابات لا دلائل عليها وأفنوا في ذلك أعمارهم، فصفرت أيديهم من معرفة الحقائق، وظلموا من اغتر\rبهم، والاقل منهم شغلوا أنفسهم في أنواع القياس وتخصيص العلل، واستخراج علل لم يأذن بها الله تعالى ولا رسوله، ولا يقوم على صحتها برهان فقطعوا أيامهم بالترهات، ولو اعتنوا بما ألزمهم الله تعالى الاعتناء به، من تدبر القرآن، وتتبع سنن النبي (ص)، لاستناروا واهتدوا، ولاستحقوا بذلك الفوز والسبق، وما توفيقنا إلا بالله تعالى.\rوقد قال بعض من قوي جهله وضعف عقله ورق دينه: إذا اختلف العالمان وتعلق أحدهما بحديث عن النبي (ص) أو آية، وأتى الآخر بقول يخالف ذلك الحديث وتلك الآية.\rفواجب اتباع من خالف الحديث، لاننا مأمورون بتوقيرهم ونحن عالمون أن هذا العالم لو تعمد خلاف رسول الله (ص) لكان كافرا أو فاسقا، وفي براءته من ذلك ما يوجب أنه كان عنده علم يوجب ترك ذلك الحديث، ورفع حكم تلك الآية، لم يكن عند القائل بهما، وبهذا يوصل إلى توقير جميعهم.\rقال أبو محمد: وهذا القول في غاية الفساد من وجوه: أحدهما أن قائل هذا من أي المذاهب كان، أترك الناس لهذا الاصل، ويلزمه أن يبيح بيع الخمر تقليدا","part":6,"page":827},{"id":829,"text":"لسمرة، وألا يبيح التيمم للجنب في السفر أصلا تقليدا لعمر، وأن يبيح بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها تقليدا له، وأن يسقط الكفارة عن الواطئ في نهار رمضان تقليدا لابراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير، وأن يتعمد بالجملة كل قولة خالف صاحبها الحديث والقرآن فيأخذ بها، وهذا ما لا يفعله مسلم وفيه ترك لمذاهب في الاكثر.\rومنها أنه لو صح ما ذكر هذا الجاهل لوجب تفسيق ذلك العالم ضرورة ولاستحق لعنة الله عزوجل، لانه كان يكون كاتما لعلم عنده عن رسول الله (ص) ومن فعل هذا فقد استحق اللعنة بقول الله تعالى: * (إن الذين يكتمون\rمآ أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) *.\rوأيضا فلو كان ما ذكر هذا الجاهل لكان ذلك النص، الذي توهمه عند ذلك العالم المخالف للحديث، قد ضاع ولم ينقل، وهذا باطل لان كلامه عليه السلام كله وحي، والوحي ذكر، والذكر محفوظ، قال الله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) *.\rوأيضا، فيقال لهذا الجاهل: ولعل هذا العالم لم يبلغه هذا الحديث، أو بلغه فنسيه جملة، أو لم ينسه لكنه لم يخطر على باله إذا خالفه، كما نسي عمر أن بين يديه محمد بن مسلمة صاحب رسول الله (ص)، وأبا أيوب الانصاري صاحب رحل النبي (ص)، وأبا موسى الاشعري عامله (ص) على بعض اليمن، وهذان لا يعرفان إلا بكناهما، حتى إن أكثر الناس لا يعرف اسمهما البتة.\rفنهى عن التسمي بأسماء الانبياء عليهم السلام، فإذا جاز كما ترى أن لا يمر بباله شئ وهو بين يديه وفي حفظه حتى ينهى عنه، فهو فيما يمكن مغيبة عنه أمكن وأحرى، وكما نسي عمر أيضا قوله تعالى: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * حين موت النبي (ص) فقال: والله ما مات ولا يموت حتى يسوسنا كلنا.\rحتى تليت عليه هذه الآية فخر مغشيا عليه، ثم قام وقال: والله كأني ما سمعتها قط قبل وقتي هذا.\rوكما نهى عن المغالاة في صدقات النساء، حتى ذكرته المرأة بقول الله تعالى: * (وآتيتم إحداهن قنطارا) * فاعترف بالحق ورجع عن قوله، وقد كان","part":6,"page":828},{"id":830,"text":"حافظا لهذه الآية، ولكنه لم يذكرها في ذلك الوقت، وكما نسي عثمان رضي الله عنه - وهو أحفظ الناس للقرآن - قوله تعالى: * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * فأمر برجم التي ولدت لستة أشهر، وهو حافظ للآية المذكورة حتى ذكر بها،\rفذكرها وأمر ألا ترجم.\rأو لعل ذلك العالم كان ذاكرا لتلك الآية وذلك الحديث ولكنه تأول تأويلا ما، من خصوص أو نسخ بما لا يصح وجهه، كما فعلوا رضي الله عنهم في نهيه (ص) عن لحوم الحمر الاهلية.\rفقال بعضهم: إنما نهى عنها لانها كانت حمولة الناس، وقال بعضهم: لانها لم تخمس، وقال بعضهم: لانها كانت تأكل القذر، وقال بعضهم: بل حرمت البتة، ومثل هذا كثير فهذا كله يخرج تارك الحديث، من العلماء السالفين، عن الفسق وعن المجاهرة بخلاف نص القرآن والحديث ومعصية النبي (ص) الموجبة سخط الله تعالى.\rحدثنا محمد بن سعيد النباتي، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشني، ثنا بندار، ثنا غندار، نا شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة بن عبد الله ابن مسعود، عن أبيه: أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام ضال يضل الناس بغير ما أنزل الله، ومصور، ورجل قتل نبيا أو قتله نبي.\rقال أبو محمد: فنعيذ الله من سلف من القصد إلى هذه المرتبة، وإنما البلية على من تدين بما لم يؤده إليه اجتهاده، مما هو عالم مقر أنه لم ينزله الله تعالى، وكل من سلف من الائمة رضي الله عنهم، إنما أداهم إلى ما أفتوا به اجتهادهم، فالمخطئ منهم معذور مأجور أجرا واحدا، هذا لا يظن بهم مسلم سواه.\rوإما أن يكون عندهم علم عن رسول الله (ص) من أجله ترك الحديث المنقول، ولم يبلغوه ولا نقلوه - فهم مبرؤون من ذلك ومنزهون عنه، لان فاعل ذلك ملعون، وأما الخطأ فليس ذلك منفيا عنهم، بل هو ثابت عليهم وعلى كل بشر.\rفصح بما ذكرنا أن التأويل الذي ذكره الجاهل الذي وصفنا قوله، ورام به إثبات التقليد هو الذي يوجب، لو صح، على العلماء الفسق ضرورة ويوجب لهم اللعنة، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك، وأما نحن فننزههم عن ذلك.","part":6,"page":829},{"id":831,"text":"ولكنا نقول: إنهم يصيبون ويخطئون، وكان كل ما قالوه مردود إلى القرآن والسنة، ومعروض عليهما فلايهما شهد القرآن والسنة فهو الصحيح، وغيره متروك، معذور صاحبه الذي قاله، ومأجور باجتهاده، وأما مقلده ومتبعه فملوم آثم عاص لله عزوجل، وبالله تعالى التوفيق.\rوذكر بعضهم أن إبراهيم النخعي قال: لو رأيتهم يتوضؤون إلى الكوعين ما تجاوزتهما وأنا أقرؤها * (المرافق وامسحوا) *.\rقال أبو محمد: هذا كذب على إبراهيم، ولو صح ما انتفعوا به، ولكان ذلك خطأ من إبراهيم عظيما، فما إبراهيم معصوم من الخطأ، فكيف ولا يصح عنه، لان راويه عنه أبو حمزة ميمون، وهو ساقط جدا غير ثقة، وإنما الصحيح عنه خلاف هذا من الطرق الصحاح.\rكما حدثنا أحمد بن عمر بن أنس، ثنا أبو ذر الهروي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، ثنا إبراهيم بن خزيم، نا عبد ابن حميد الكسي، ثنا محمد بن بشر العبدي، عن الحسن بن صالح، عن أبي الصباح، عن إبراهيم النخعي قال: لا طاعة مفترضة إلا لنبي.\rوكما حدثنا حمام بن أحمد، عن عبد الله بن إبراهيم الاصلي، عن أبي زيد المروزي، عن محمد بن يوسف الفربري، عن البخاري محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان، هو الثوري، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر يدهن بالزيت، قال: فذكرته لابراهيم النخعي فقال: ما تصنع بقوله ؟ حدثني الاسود عن عائشة قالت: كأني أنظر وبيص الطيب في مفارق رسول الله (ص) وهو محرم.\rقال أبو محمد: فهذا الذي يليق بإبراهيم رحمه الله، وهو ألا يلتفت إلى قول ابن عمر إذا وجد عن النبي (ص) خلافه، فكيف يظن من له مسكة عقل أن\rإبراهيم يترك قول ابن عمر لشئ رواه عن الاسود عن عائشة عن النبي (ص) ويترك نص القرآن لقوم لم يسمعهم ما يظن هذا بإبراهيم وينسبه إليه وقاح سخيف جاهل، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان.","part":6,"page":830},{"id":832,"text":"وأتى بعضهم بعظيمة فقال: إن عمر بن عبد العزيز قال: يحدث للناس أحكام بمقدار أحدثوا من الفجور.\rقال أبو محمد: هذا من توليد من لا دين له، ولو قال عمر ذلك لكان مرتدا عن الاسلام، وقد أعاذه الله تعالى من ذلك وبرأه منه، فإنه لا يجيز تبديل أحكام الدين إلا كافر.\rوالصحيح عن عمر بن عبد العزيز ما حدثناه حمام بن أحمد، عن عبد الله بن إبراهيم، عن أبي أحمد الجرجاني، عن الفربري، عن البخاري، ثنا العلاء بن عبد الجبار، ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله (ص) فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا يقبل إلا حديث رسول الله (ص).\rقال أبو محمد: فهذا عمر بن عبد العزيز لا يأمر ولا يجيز إلا حديث النبي (ص) وحده.\rوروي أيضا أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه عدي بن عدي الكندي عامله على الموصل يقول: إن وجدتها أكثر البلاد سرقا ونقبا، أفآخذهم بالظنة أم أحكم بمر الحق ؟ فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إن أخذتم بمر الحق، فمن لم يصلحه الحق فلا أصلحه الله.\rقال: فما خرجت منها إلا وهي أصلح البلاد.\rقال أبو محمد: والذي اخترع هذه الكذبة على عمر بن عبد العزيز لا يخلو من أحد وجهين: إما إن يكون كافرا أو زنديقا ينصب للاسلام الحبائل.\rأو يكون\rجاهلا لم يدرك مقدار ما أخرج من رأسه، لان إحداث الاحكام لا يخلو من أحد أربعة أوجه: إما إسقاط فرض لازم، كإسقاط بعض الصلاة أو بعض الصيام أو","part":6,"page":831},{"id":833,"text":"بعض الزكاة أو بعض الحج أو بعد حد الزنى أو حد القذف، أو إسقاط جميع ذلك، وإما زيادة في شئ منها، أو إحداث فرض جديد، وإما إحلال محرم كتحليل لحم الخنزير والخمر والميتة، وإما تحريم محلل كتحريم لحم الكبش وما أشبه ذلك.\rوأي هذه الوجوه كان، فالقائل به مشرك، لاحق باليهود والنصارى، والفرض على كل مسلم قتل من أجاز شيئا من هذا دون استتابة ولا قبول توبة إن تاب، واستصفاء ماله لبيت مال المسلمين، لانه مبدل لدينه، وقد قال عليه السلام: من بدل دينه فاقتلوه ومن الله تعالى نعوذ من غضبه لباطل أدت إلى مثل هذه المهالك، واحتجوا بكتابة أبي بكر المصحف بعد أن لم يكن مجموعا، وذكروا حديثا عن زيد بن ثابت أنه قال: افتقدت آية من سورة براء هي: * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) * الآية.\rفلم أجدها إلا عند رجل واحد، وذكروا في ذلك تكاذيب وخرافات، أنهم كانوا لا يثبتون الآية إلا حتى يشهد عليها رجلان، وهذا كله كذب بحت من توليد الزنادقة.\rوأما جمع أبي بكر رضي الله عنه المصحف فنعم، ووجه ذلك بين، وهو أن النبي (ص) كان ينزل عليه القرآن مفرقا، فيأمر بضم الآية النازلة إلى آية كذا من سورة كذا، فلم يكن يمكن أن يكتب القرآن في مصحف جامع، لاجل ذلك، فلما مات (ص) واستقر الوحي، وعلم أنه لا مزيد فيه ولا تبديل، كتبه أبو بكر حينئذ وأثبته.\rوأما افتقار زيد بن ثابت الآية، فليس ذلك على ما ظنه أهل الجهل، وإنما معناه أنه لم يجدها مكتوبة إلا عند ذلك الرجل، وهذا بين في حديث حدثناه عبد الرحمن\rابن عبد الله، عن أبي إسحاق البلخي، عن الفربري، عن البخاري حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: أن زيد بن ثابت قال: لما نسخنا المصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الاحزاب، كنت أسمع رسول الله (ص) يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت، الذي جعل","part":6,"page":832},{"id":834,"text":"رسول الله (ص) شهادته شهادة رجلين: * (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) *.\rقال أبو محمد: بيان ما قلناه منصوص في هذا الحديث نفسه وذلك أن زيدا حكى أنه سمع هذه الآية من النبي (ص).\rفقد كانت عند زيد أيضا، وقد يدخل هذا الحديث علة، وهي أن خارجة لم يحك أنه سمعه من أبيه.\rوأيضا فقد حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال: ثنا محمد بن معاوية المرواني، ثنا أحمد بن شعيب، أنا محمد بن معمر، ثنا أبو داود، هو الطيالسي، حدثنا أبو عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق: عن عائشة أنها أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله (ص) حدثنيها أن رسول الله (ص) سارها قبل وفاته فقال لها: إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة، وإنه عارضني به العام مرتين، ولا أرى الاجل إلا قد اقترب وذكر باقي الحديث فهذا نص جلي على أن القرآن إنما هو جمعه وألفه الله تعالى، وأقرأه جبريل للنبي (ص) في عام موته مرتين كما هو، وإنه لم يجمعه أحد دون الله تعالى، فهو كما هو الآن على ذلك الجمع الاول.\rوأيضا فقد حدثنا أحمد بن محمد الجسوري، ثنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا معاوية، عن الاعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أي القراءتين تعدون أول ؟ قلنا: قراءة عبد الله، قال: إن رسول الله (ص) كان يعرض عليه القرآن في كل رمضان مرة إلا العام الذي قبض فيه، فإنه عرض عليه مرتين، فحضره عبد الله فشهد ما نسخ منه وما بدل.\rقال أبو محمد: أبو ظبيان هو حصين بن جندب الجنبي، وقد ذكرنا من جمع القرآن على عهده (ص)، ولا شك أن هذه الآية في جملته عندهم، وليس عدم زيد وجودها إلا عند خزيمة بموجب أنها لم تكن إلا عند خزيمة، بل كل من قرأ على عثمان وأبي الدرداء وابن مسعود وعلي قد قرؤوا عليهم هذه الآية بلا شك، وفي هذا كفاية.\rوقد روى قوم أن الآية التي افتقد زيد من سورة براءة وهي: * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) * وهذا كذب بحت لكل ما ذكرنا آنفا.\rوأيضا فقد روي عن البراء: أن آخر سورة نزلت سورة براءة، وبعث بها النبي (ص) فقرأها على أهل الموسم علانية.","part":6,"page":833},{"id":835,"text":"وقال بعض الصحابة، وأظنه جابر بن عبد الله ما كنا نسمي براءة إلا الفاضحة.\rقال أبو محمد: فسورة قرئت على جميع العرب في الموسم، وتقرع بها كثير من أهل المدينة، ومنها يكون منها آية خفيت على الناس ؟ هذا ما لا يظنه من له رمق وبه حشاشة.\rويبين كذب هذه الاخبار ما رويناه بالاسانيد الصحيحة أنه (ص): كان لا يعرف فصل سورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، وأنه عليه السلام كانت تنزل عليه الآية فيرتبها في مكانها، ولذلك تجد آية الكلالة - وهي آخر آية نزلت وهي في سورة النساء - في أول المصحف، وابتداء سورة * (اقرأ باسم ربك) * في آخر المصحف، وهما أول ما نزل، فصح بهذا أن رتبة الآي ورتبة السور مأخوذة عن الله عزوجل إلى جبريل، ثم إلى النبي عليه وسلم، لا كما يظنه أهل الجهل أنه ألف بعد موت النبي (ص) ولو كان ذلك ما كان القرآن منقولا نقل الكافة.\rولا خلاف بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس أنه منقول عن محمد\rعليه السلام نقل التواتر.\rويبين هذا أيضا: ما صح أنه (ص) كان يعرض القرآن كل ليلة في رمضان على جبريل، فصح بهذا أنه كان مؤلفا كما هو عهد الرسول (ص) وقوله (ص): تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي.\rوالاحاديث الصحاح أنه (ص) قرأ: المص والطور والمرسلات في صلاة المغرب، وأن معاذا قرأ في حياته (ص) البقرة في صلاة العتمة، وأنه (ص) خطب ب * (ق والقرآن المجيد) * وذكر (ص) خواتم آل عمران وسورة النساء، وأمره عليه السلام أن يؤخذ القرآن من أربعة: من أبي، وعبد الله بن مسعود، وزيد، ومعاذ.\rوقول عبد الله بن عمرو بن العاص للنبي عليه السلام في قراءة القرآن كل ليلة: وأمره (ص) أن لا يقرأ في أقل من ثلاث، والذين جمعوا القرآن في حياة النبي (ص) جماعة ذلك منهم أبو زيد، وزيد، وأبي، ومعاذ، وسعيد بن عبيد، وأبو الدرداء، وأمر (ص) عبد الله بن عمرو بقراءة القرآن في أيام لا تكون أقل من ثلاث، فكيف يقرأ ويجمع وهو غير مؤلف، هذا محال لا يمكن البتة.","part":6,"page":834},{"id":836,"text":"وهذا كلها أحاديث صحاح الاسانيد لا مطعن فيها، وبهذا يلوح كذب الاخبار المفتعلة بخلافها، لان تلك لا تصح من طريق النقل أصلا، فبطل ظنهم أن أحد جمع القرآن وألفه دون النبي (ص).\rومما يبين بطلان هذا القول ببرهان واضح، أن في بعض المصاحف التي وجه بها عثمان رضي الله عنه إلى الآفاق واوات زائدة على سائرها، وفي بعض المصاحف * (إن الله لهو الغني الحميد) * في سورة الحديد وفي بعضها بنقصان هو.\rوأيضا فمن المحال أن يكون عثمان رضي الله عنه أقرأ الخلفاء، وأقدمهم صحبة، وكان يحفظ القرآن كله ظاهرا ويقوم به في ركعة، ويترك قراءته التي أخذها\rمن فم النبي (ص)، ويرجع إلى قراءة زيد، وهو صبي من صبيانه، وهذا ما لا يظنه إلا جاهل غبي.\rومنها أن عاصما روى عن زر، وقرأ عليه، لم يقرأ على زيد، ولا على من قرأ على زيد شيئا، إلا أنه قد صح عنه أنه عرض على زيد فلم يخالف ابن مسعود، وهذا ابن عامر قارئ أهل الشام لم يقرأ على زيد شيئا، ولا على من قرأ على زيد، وإنما قرأ على أبي الدرداء، ومن طريق عثمان رضي الله عنهما، وكذلك حمزة لم يأخذ من طريق زيد شيئا.\rوقد غلط قوم فسموا الاخذ بما قاله رسول الله (ص) وبما اتفق عليه علماء الامة، تقليدا، وهذا هو فعل أهل السفسطة، والطالبين لتلبيس العلوم وإفسادها وإبطال الحقائق، وإيقاع الحيرة، فلا شئ أعون على ذلك من تخليط الاسماء الواقعة على المعنى ومزجها، حتى يوقعوا على الحق اسم الباطل، لينفروا عنه الناس، ويوقعوا على الباطل اسم الحق، ليوقعوا فيه من أحسن الظن بهم، وليجوزوه عند الناس.\rكما يحكى عن فساق باعة الدواب أنهم يسمون أورايهم بأسماء البلاد، فإذا عرض الحمار للبيع أقسم بالله: إن البارحة نزل من بلد كذا وكذا، وهو يعني الآري الذي اعتلف فيه ويظن المبتاع أنه من جلب المذكور، فهذا فعل أهل الشر والفسق.\rوفاعل هذا في الديانة أسوأ حالا وأعظم جرما من فاعله في","part":6,"page":835},{"id":837,"text":"سائر المعاملات، فاعلم الآن: أن قبول ما صح بالنقل عن النبي (ص) وقبول ما أوجبه القرآن بنصه وظاهره، وقبول ما أجمعت عليه الامة، ليس تقليدا، ولا يحل لاحد أن يسميه تقليدا، لان ذلك تلبيس وإشكال، ومزج الحق بالباطل، لان التقليد على الحقيقة إنما هو قبول ما قاله قائل دون النبي (ص) بغير برهان.\rفهذا هو الذي أجمعت الامة على تسميته تقليدا، وقام البرهان على\rبطلانه، وهو غير ما قام البرهان على صحته، فحرام أن يسمى الحق باسم الباطل، والباطل باسم الحق، وقد قال تعالى: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان) * وقد أنذر عليه السلام بقوم يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها.\rوقد احتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى: * (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) * قالوا: وقد أوجب الله تعالى على الناس قبول نذارة المنذر لهم، قالوا وهذا أمر منه تعالى بتقليد العامي للعالم.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لان الله تعالى لم يأمر قط بقبول ما قال المنذر مطلقا، لكنه يقال: إنما أمر بقبول ما أخذ ذلك في تفقههم في الدين عن النبي (ص) وعن الله عزوجل، لا ما اخترع مخترع من عند نفسه، ولا ما زاد زائد في الدين من قبل رأيه، ومن تأول ذلك على الله عزوجل، وأجاز لاحد من المخلوقين أن يشرع شريعة غير منقولة عن النبي (ص) - فقد كفر وحل دمه وماله، وقد سمى الله من فعل ذلك مفتريا فقال تعالى: * (آلله أذن لكم أم على الله تفترون) *.\rقال أبو محمد: وظن قوم أنهم تخلصوا من التقليد بوجه به تحققوا بالدخول فيه، وتوسطوا عنصره، وهو أنهم يبطلون حجاجا تؤيد ما وجدوا أسلافهم عليه فقط، ثم لا يبالون أشغبا كانت الحجاج أم حقا، ويضربون عن كل حجة خالفت قولهم.\rفإن كانت آية أو حديثا تأولوا فيها التأويلات البعيدة، وحرفوهما عن مواضعهما فدخلوا في قوله تعالى: * (يحرفون الكلم عن مواضعه) * فإن أعياهم ذلك قالوا: هذا خصوص، وهذا متروك وليس عليه العمل.\rقال أبو محمد: وهذا أقبح ما يكون من التقليد وأفحشه، كالذي يفعل مقلدو","part":6,"page":836},{"id":838,"text":"مالك وأبي حنيفة والشافعي، فإنهم إنما يأخذون من الحجاج ما وافق مذهبهم وإن كان خبرا موضوعا أو شغبا فاسدا، ويتركون ما خالفه، وإن كان نص قرآن أو خبرا مسندا من نقل الثقات.\rوالعجب أنهم ينسون التقليد، ويقولون: إن المقلد عاص لله، ويقولون: لا يجوز أن يؤخذ من أحد ما قامت عليه حجة، ويقولون: ليس أحد بعد رسول الله (ص) إلا ويؤخذ من قوله ويترك، ثم إنهم مع هذا لا يفارقون قول صاحبهم بوجه من الوجوه.\rوأما أهل بلادنا فليسوا ممن يتغنى بطلب دليل على مسائلهم وطالبه منهم، في الندرة، إنما يطلبه كما ذكرنا آنفا، فيعرضون كلام الله تعالى، وكلام الرسول عليه السلام على قول صاحبهم، وهو مخلوق مذنب يخطئ ويصيب، فإن وافق قول الله وقول رسوله (ص) قول صاحبهم أخذوا به، وإن خالفاه تركوا قول الله جانبا وقوله (ص) ظهريا، وثبتوا على قول صاحبهم، وما نعلم في المعاصي ولا في الكبائر، بعد الشرك المجرد، أعظم من هذه، وأنه لاشد من القتل والزنى.\rلان فيما ذكرنا الاستخفاف بالله عزوجل، وبرسوله (ص) وبالدين، ولان من ذكرنا قد جاءته موعظة من ربه فلم ينته، وعاد إلى ما نهي عنه، وعرف أنه باطل، فتدين به واستحله وعلمه الناس، وأما القاتل والزاني فعالمان أن فعلهما خطأ، وأنهما مذنبان، فهما أحسن حالا ممن ذكرنا، وقد قال تعالى: * (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار فيها خالدون) *.\rهذا وهم يقرون أن الفقهاء الذين قلدوا مبطلون للتقليد، وأنهم قد نهوا أصحابهم عن تقليدهم، وكان أشدهم في ذلك الشافعي، فإنه رحمه الله بلغ من التأكيد في اتباع صحاح الآثار، والاخذ بما أوجبته الحجة، حيث لم يبلغ غيره، وتبرأ من\rأن يقلد جملة، وأعلن بذلك نفعه الله به وأعظم أجره، فلقد كان سببا إلى خير كثير، فمن أسوأ حالا ممن يعتقد أن التقليد ضلال، وأن التقليد هو اعتقاد القول قبل اعتقاد دليله، ثم هم لا يفارقون في شئ من دينهم ؟ وهذا مع ما فيه من المخالفة لله عزوجل ففيه من نقص العقل والتمييز عظيم نعوذ بالله من الخذلان","part":6,"page":837},{"id":839,"text":"ونسأله التوفيق والعصمة، فكل شئ بيده لا إله إلا هو.\rوحدثت طائفة من الاشعرية، أبدعوا في قولهم بالتقليد قولا طريفا في السخف، وهو أن قالوا: الفرض على العامي إذا نزلت به النازلة أن يسأل عن أفقه من في ناحيته، فإذا دل عليه سأله، فإذا أفتاه لزمه الاخذ به، ولا يحل للعامي أن يأخذ بقول ميت من العلماء، قديما كان أو حديثا، صاحبا كان أو تابعا، أو من بعدهم، فإن نزلت بذلك العامي تلك النازلة بعينها مرة أخرى، لم يجز له أن يأخذ تلك الفتيا التي أفتاه الفقيه بها، ولكن يسأله مرة ثانية، أو يسأل غيره، فما أفتاه به أخذ به، سواء كانت تلك الفتيا الاولى غيرها، وقالوا: إن الفرض على كل أحد إنما هو ما أداه إليه اجتهاده فيما لا نص فيه فكل مجتهد في هذا الموضع فهو مصيب.\rقال أبو محمد: ويكفي من بطلان هذا القول أنها كلها قضايا مفتراة، ودعاوى بلا برهان أصلا.\rفإن قالوا: قال الله تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * قلنا: صدق الله تعالى، وكذب محرف قوله، أهل الذكر هم رواة السنن عن النبي (ص) والعلماء بأحكام القرآن، برهان ذلك قوله تعالى: * (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) * فصح أن الله تعالى إنما أمرنا بسؤالهم ليخبرونا بما عندهم من القرآن والسنن، لا لان يشرعوا لنا من الدين ما لم يأذن به الله تعالى، بآرائهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة، وفي هذا كفاية، وبالله تعالى التوفيق.\rفصل قال أبو محمد: قد ذكرنا كل ما موه به القائلون بالتقليد، وبينا بطلانه وانتقاضه بعون الله تعالى لنا، ولله الحمد، ونحن الآن ذاكرون ما قاله الله تعالى في إبطال التقليد، ونبين وجه الحجاج في بيان سقوطه، وأنه لا يحل تصريفه في دين الله عزوجل أصلا.\rفمن ذلك أن يقال لمن قلد: ما الفرق بينك وبين من قلد غير الذي قلدت أنت ؟ فإن أخذ يحتج في فضل من قلد ووصف سعة علمه، سئل: أكان قبله أحد أفضل منه وأعلم ؟ أم لم يكن قبله أحدا أعلم منه ولا أفضل منه ؟.","part":6,"page":838},{"id":840,"text":"فإن قال: لم يكن قبله أحد أفضل منه، كذب رسول الله (ص) في قوله: إننا لا ندرك بإنفاقنا مثل أحد ذهبا مد أحد من أصحابه ولا نصيفه، وبقوله (ص): إنه ما من عام إلا والذي بعده دونه وقائل هذا مخالف للاجماع، وخارج عن سبيل المؤمنين.\rولا شك عند كل مؤمن أن أبا بكر وعائشة وعليا وعمر ومعاذا وأبيا وزيدا وابن مسعود وابن عباس - أعلم بما شاهدوا من نزول القرآن وحكم رسول الله (ص)، وأفضل من سفيان الثوري والاوزاعي ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي وابن القاسم وداود ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وأبي ثور.\rوهؤلاء الفقهاء رحمهم الله هم الذين قلدتهم الطوائف بعدهم ما نعلم الآن على ظهر الارض أحدا يقلد غيرهم، لا سيما وقد حدثنا أحمد بن عمر العذري، ثنا علي بن الحسن بن فهر، ثنا القاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد الذهلي، ثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم بن جميل، قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم:\rحدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا، وحدثنا فلان عن إبراهيم بكذا، ونأخذ بقول إبراهيم.\rقال مالك: صح عندهم قول عمر ؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم.\rفقال مالك: هؤلاء يستتابون.\rقال أبو محمد: فإن قال: بلى، قد كان من ذكرتم وغيرهم مما كان بعد من ذكرتم، ومع هؤلاء المذكورين، وقبلهم أفضل منهم وأعلم بالدين.\rقيل له: فلم تركت الافضل والاعلم، وقلدت الانقص فضلا وعلما ؟.\rفإن قال: لانه أتى بعض الاولين متعقبا، قيل له: فقلد من أتى بعدهم أيضا متعقبا على هؤلاء.\rفإن كان مالكيا، أو شافعيا، أو حنفيا، أو سفيانيا، أو أوزاعيا قيل له: فقلد أحمد بن حنبل، فإنه أتى هؤلاء ورأى علمهم وعلم غيرهم، وتعقب على جميعهم ولا خلاف بين أحد من علماء أهل السنة، أصحاب الحديث منهم وأصحاب الرأي، في سعة علمه وتبجحه في حديث النبي (ص)، وفتاوى الصحابة","part":6,"page":839},{"id":841,"text":"والتابعين، وفقهه وفضله وورعه وتحفظه في الفتيا، أو قلد إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فقد كان كذلك مع دقة النظر وصحة الفهم، أو قلد أبا ثور، فقد كان غاية في ذلك كله.\rوإن كان حنبليا فقيل له: قلد محمد بن نصر المروزي، فإنه أتى متعقبا بعد أحمد، ولقد لقي أحمد وأخذ عنه وحوى علمه، ولقي أصحاب مالك والشافعي وأصحاب أصحاب أبي حنيفة، وأخذ علمهم، وقد كان في الغاية التي لا وراء بعدها في سعة العلم بالقرآن والحديث والآثار والحجاج ودقة النظر، مع الورع العظيم والدين المتين، أو محمد بن جرير الطبري، فكان في علمه ودينه بحيث عرف، أو الطحاوي فقد كان من العلم، بالقرآن والحديث واختلاف الناس والآثار\rبحيث قد عرفه أهل العلم أو داود بن علي، فكان من سعة الرواية والعلم بالقرآن والحديث والآثار والاجماع والاختلاف ودقة النظر والورع بحيث لا مزيد، وقد أتى متأخرا متعقبا مشرفا على مذهب كل من تقدمه.\rفإن قلد داود قيل له: قلد من أتى بعده متعقبا عليه ومخالفه، كولده، وابن سريج، وكالطبري، وكمحمد بن نصر المروزي، والطحاوي، وهكذا أبدا يقلد الآخر فالآخر وهذا خروج عن المعقول والقياس، وعن الدين جملة.\rوحتى لو مالوا إلى تقليد الافضل لبطل عليهم بأن الافاضل على خلاف ذلك، فقد رجع عمر إلى قول المرأة من عرض النساء، إذ هم بالمنع من المغالاة في الصداق، وعمر أفضل منها بلا شك، وقد كان أبو بكر وعمر يجمعان الصحابة ويسألانهم، فلو كان قول الافضل واجبا أن يتبع، لما كان لجمعهما الصحابة معنى لانهما أفضل ممن جمعا ليعرفا ما عندهم، ولكانا في ذلك مخطئين.\rوكل هذا أقوال فاسدة بلا برهان على صحة شئ منها، وليس طريق الفضل من طريق الاتباع في شئ، فقد يخطئ الفاضل فيحرم اتباعه على الخطأ ولا ينقص ذلك من فضله شيئا، وقد قال رسول الله (ص) لابي الدرداء: سلمان أفقه منك إذ منعه سلمان من قيام جميع الليل ومن مواترة الصيام، فكان سلمان أفقه من أبي الدرداء...وكان أبو الدرداء أفضل من سلمان، فأبو الدرداء بدري","part":6,"page":840},{"id":842,"text":"عقبي، لا تجزأ سلمان منه، وأول مشاهد سلمان فالخندق، فقد شهد عليه السلام أن الانقص فضلا أتم فقها، وقد قال (ص): فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.\rوقد قال (ص): ورب مبلغ أوعى من سامع وإنما خاطب بذلك الصحابة، فغير منكر ما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق.\rويكفي من هذا أن كل ما ذكرنا من الفقهاء الذين قلدوا مبطلون التقليد\rناهون عنه، مانعون منه، مخبرون أن فاعله على باطل، وقد حدثنا حمام، عن الباجي، عن أسلم القاضي، عن المازني، عن الشافعي: أنه نهى الناس عن تقليده وتقليد غيره.\rوحدثنا عبد الرحمن بن سلمة، ثنا أحمد بن خليل، ثنا خالد بن سعد، ثنا أحمد بن خالد، أنا يحيى بن عمر، أنا الحارث بن مسكين، ثنا ابن وهب قال: سمعت مالكا وقال له ابن القاسم: ليس أحد بعد أهل المدينة أعلم بالبيوع من أهل مصر، قال له مالك: من أين علموا ذلك ؟ قال: منك يا أبا عبد الله، قال مالك: ما أعلمها أنا، فكيف يعلمونها هم ؟ قال أبو محمد: كيف وقد أغنانا الله تعالى عن قولهم في ذلك بما نص في كتابه من إبطال التقليد فمن قول الله عزوجل: * (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) *، ثم قال الله تعالى على أثر هذه الآية: * (وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) *.\rقال أبو محمد: فمن اتخذ رجلا إماما يعرض عليه قول ربه وقول نبيه عليه السلام، فما وافق فيه قول ذلك الرجل قبله، وما خالفه ترك قول ربه تعالى وقول نبيه (ص)، وهو يقر أن هذا قول الله عزوجل وقول رسوله (ص)، والتزم قول إمامه فقد اتخذ دون الله تعالى وليا، ودخل في جملة الآية المذكورة.\rاللهم إننا نبرأ إليك من هذه الفعلة، فلا كبيرة أعظم منها.\rوقال تعالى: * (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة) *.","part":6,"page":841},{"id":843,"text":"قال أبو محمد: ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلا بعينه عيارا من كلام الله تعالى وكلام رسوله (ص) وكلام سائر علماء الامة، وقال تعالى: * (يوم تقلب\rوجوههم في النار يقولون يليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا) *، وقال تعالى: * (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) *، وقال تعالى: * (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) *.\rقال أبو محمد: فمن لم يأت بكتاب الله تعالى شاهد لقوله، أو ببرهان على صدق قوله، وإلا فليس صادقا، لكنه كاذب آفك، مفتر على الله عزوجل، ومن أطاع سادته وكبراءه وترك ما جاءه عن الله تعالى وعن رسوله (ص) فقد ضل، بنص القرآن واستحق الوعيد بالنار، نعوذ بالله منها وما أدى إليها.\rوقال تعالى حاكيا عن الجن الذين أسلموا مصدقا لهم ومثبتا عليهم * (وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا) * فبطل ظن من ظن ذلك في رئيس قلده لم يأمر الله تعالى بأن يقلده.\rوقال تعالى: * (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب) *.\rقال أبو محمد: هكذا والله يقول هؤلاء الفضلاء الذين قلدهم أقوام قد نهوهم عن تقليدهم، فإنهم رحمهم الله تبرؤوا في الدنيا والآخرة من كل من قلدهم، وفاز أولئك الافاضل الاخيار، وهلك المقلدون لهم بعد ما سمعوا من الوعيد الشديد، والنهي عن التقليد، وعلموا أن أسلافهم الذين قلدوا قد نهوهم عن تقليدهم، وتبرؤوا منهم إن فعلوا ذلك.\rومن ذلك ما حدثنا أحمد بن عمر، ثنا علي بن الحسن بن فهر، حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد الذهلي، ثنا جعفر بن محمد الفريابي ثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الاويسي، ثنا مالك قال: كان ربيعة يقول لابن شهاب: إن حالي ليس يشبه حالك، أنا أقول برأيي، من شاء أخذه وعمل به، ومن شاء تركه.\rوقد ذكرنا قول مالك وندامته على القول به.\rوقال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي، من أتانا بخير منه قبلناه منه.\rوقال عزوجل: * (وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) *.","part":6,"page":842},{"id":844,"text":"قال أبو محمد: وهذا نص ما فعل خصومنا بلا تأويل ولا تدبر، بل تعرض عليهم الآية والحديث الصحيح، الذي يقرون بصحته، وكلاهما مخالف لمذاهب لهم فاسدة، فيأبون قبولها، لا بفارق ما وجدنا عليه آباءنا وكبراءنا، فقد أجابهم تعالى جوابا كافيا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوقال تعالى: * (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) * وقال تعالى: * (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) *.\rقال أبو محمد: هذه صفة ظاهرة من كل مقلد، يعرفها من نفسه ضرورة لانه هوى تقليد فلان فقلده بغير علم، ووجدناه لا ينتفع بسمعه فيما يسمع من الآي والسنن المخالفة لمذهبه.\rولا انتفع بصره فيما أري من ذلك، ولا بعقله فيما علم من ذلك، ووجدناه ترك طلب الهدى من كتاب الله تعالى، وكتاب نبيه (ص)، وطلب الهدى ممن دون الله تعالى، فضل ضلالا بعيدا فوا حسرتاه عليهم وواأسفاه لهم.\rوقال تعالى: * (قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين) *.\rقال أبو محمد: وهذا نص فعل المقلد، لانه التزم اتباع من لا ينفعه ولا يضره ولا يشفع له يوم القيامة، ولا ينيله من حسناته حسنة، ولا يحط عنه من سيئاته سيئة، وكذلك دعاه أصحابه إلى الهدى بزعمهم فأكذبهم تعالى وقال:\r* (إن هدى الله هو الهدى) * فلم يجعل هدى إلا ما جاء من عنده تعالى.\rوقال تعالى: * (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) *.\rوهكذا فعل المقلدون فإنهم أباحوا لحوم السباع والحمر الاهلية، وقد جاء أمر الرسول (ص) بتحريمها، وآخذوا الناسي، وألزموا شريعة الكفارة المخطئ، وقد جاء نص القرآن والسنة بإسقاط ذلك كله، فلما أخبروا أن ذلك كله فواحش قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها.\rوقال تعالى ذاما لقوم قلدوا أسلافهم، وحاكيا عنهم أنهم قالوا: * (إنا وجدنا","part":6,"page":843},{"id":845,"text":"آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم) *.\rوقال تعالى: * (وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) * وقال تعالى: * (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ئ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ئ وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) *.\rومن قلد فقد قال على الله ما لا يعلم، وهذا نص كلام رب العالمين، الذي إليه معادنا، وبين يديه موقفنا، وهو سائلنا عما أمرنا به من ذلك، ومجازينا بحسب ما أطعنا أو عصينا، فليتق الله على نفسه أمرؤ يعلم أن وعد الله حق، وأن هذه عهود ربه إليه، وليتب عن التقليد وليفتش حاله، فإن رأى فيها هذه الصفات التي ذمها الله تعالى، فليتدارك نفسه بالتوبة من ذلك، وليرجع إلى بشرى قبول قول ربه تعالى إذ يقول: * (فبشر عبادئ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك\rالذين هداهم الله وأولئك هم أولو الالباب) * فالمحروم من حرم هذه البشرى، وخرج عن هذه الصفة المحمودة، نسأل الله أن يكتبنا في عداد أهلها، وأن يثبتنا في جملتهم آمين فقد فاز من وصفه الله تعالى بأنه هداه، وبأنه مبشر، وبأنه من أولي الالباب، وهذه صفة من استمع الاقوال فلم يقلد، واختار أحسنها، والاحسن هو ما شهد الله عزوجل ورسوله (ص) بالحسنى، مما وافق القرآن والسنة، وبالله تعالى التوفيق.\rفقد صح بنص كلام الله تعالى بطلان تقليد الرجال والنساء جملة، وتحريم اتباع الآباء والرؤساء البتة، وعلى هذا كله السلف الصالح.\rأخبرنا محمد بن سعيد النباتي، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر غندر، ثنا شعبة، عن عاصم الاحول، عن الشعبي: أن أبا بكر قال في الكلالة: أقضي فيها، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه برئ وهو ما دون الولد","part":6,"page":844},{"id":846,"text":"والوالد، فقال عمر بن الخطاب: إني لاستحي من الله أن أخالف أبا بكر.\rقال أبو محمد: هذا هو الحديث الذي موهوا به، واستحلوا الكذب بإبراء مفردا مما قبله، وإنما استحى عمر من مخالفة أبي بكر رضي الله عنهما في اعترافه بالخطأ، وأنه ليس كلامه كله صوابا، لا في قوله في الكلالة.\rوبرهان ذلك أن عمر أقر عند موته أنه لم يقض في الكلالة بشئ، وقد اعترف أنه لم يفهمها قط، وحتى لو صح أنه وافق أبا بكر في الكلالة في الحديث المذكور لما كانت فيه حجة، لان الشعبي راوي الحديث لم يدرك عمر، وأبعد روايته، فعن علي على اختلاف في رؤيته أيضا.\rوأما الاضطراب عن عمر في الجد، فإن محمد بن سعيد أخبرني، عن أحمد بن عون الله،\rعن قاسم بن أصبغ، عن الخشني، عن بندار، عن ابن أبي عدي شعبة، عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب حين طعن: إني لم أقض في الجد شيئا.\rوأما الاختلاف عنه رضي الله عنه في الكلالة، فهو أن حماما حدثني قال: ثنا ابن مفرج، عن عبد الاعلى بن محمد بن الحسن قاضي صنعاء، عن الديري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب كتب في الجد والكلالة كتابا، فمكث يستخير الله يقول: اللهم إن علمت فيه خيرا فأمضه، حتى إذا طعن دعا بالكتاب فمحي، فلم يدر أحد ما كان فيه فقال: إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتابا وكنت أستخير الله فيه فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه.\rقال عبد الرزاق: وحدثنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب أوصى عند الموت فقال: الكلالة كما قلت، قال ابن عباس: وما قلت ؟ قال: من لا ولد له.\rقال أبو محمد: هذا أصح سند يرد في هذا الباب عن عمر، لاتصاله وعدالة ناقليه وإمامتهم وصحة سماع بعضهم من بعض، وهو كما ترى مخالف لرأي أبي بكر في الكلالة، لان أبا بكر كان يقول: الكلالة من لا ولد له ولا والد، وعمر عند الموت يقول: الكلالة من لا ولد له فقط بالسند الذي لا داخلة فيه، فبطل بهذا ما رواه الشعبي الذي أبعد ذكره رؤيته عليا رضي الله عنه بالكوفة يتوضأ في الرحبة، هذا إن صح","part":6,"page":845},{"id":847,"text":"أنه رآه أيضا، أخبرنا محمد بن سعيد النباتي، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر غندر، ثنا شعبة، عن عاصم، عن الشعبي قال: سئل عبد الله بن مسعود، عن امرأة توفي عنها زوجها، ولم يفرض لها ؟ فاختلف إليه شهرا، فقال: ما سئلت عن شئ منذ توفي رسول\rالله (ص) أشد علي منه، لم ينزل فيه قرآن ناطق ولا سنة ماضية، أقضي فيها فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن الشيطان والله منه برئ وذكر الحديث.\rقال أبو محمد: فهذا ابن مسعود يعترف بالخطا وبمغيب السنن عنه، وفي هذه القصة سنة صحيحة خفيت عنه، ثم علمها بعد ذلك، ولا سبيل إلى أن يوجد عن أحد من الصحابة والتابعين غير الاعتراف بجواز الخطأ عليهم.\rوالصحيح من رواية الشعبي في الخبر الذي ذكرنا هو ما أخبرناه محمد بن سعيد ابن نبات، عن أحمد بن عون الله، عن قاسم بن أصبغ، عن الخشني عن بندار، عن غندر، ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد التيمي تيم الرباب قال: سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر عن عمر قال ثلاث وددت أن رسول الله (ص) لم يقض حتى يبين لنا فيهن أمرا ينتهي إليه: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا، فهذا هو المتصل من طريق الشعبي.\rثم إنا نقول: إن العجب ليطول ممن اختار أخذ أقوال إنسان بعينه لم يصحبه من الله عزوجل معجزة، ولا ظهرت عليه آية، ولا شهد الله له بالعصمة عن الخطأ، ولا بالولاية وأعجب من ذلك إن كان من التابعين فمن دونهم، ممن لا يقطع على غيب إسلامه، ولا بيد مقلده أكثر من حسن الظن به، وأنه في ظاهر أمره فاضل من أفاضل المسلمين، لا يقطع له على غيره من الناس بفضل، ولا يشهد له على نظارته بسبق إن هذا لهو الضلال المبين.\rفليت شعري ما الذي أوجب عليه أن يميل إليه دون أن يميل إلى غيره ممن هو مثله في الظاهر، أو أفضل منه في الظاهر، أو في الحقيقة من سابقي الصحابة، حتى صاروا يتدينون بقوله في دينهم الذي هو وسليتهم إلى الله تعالى، لا يرجون النجاة من عذاب الآخرة بسواه ؟","part":6,"page":846},{"id":848,"text":"ونجدهم، المساكين، في أمور دنياهم لا يقلدون أحدا، ولا يبتاع أحدهم\rشيئا فما دونه أو فما فوقه، إلا حتى يقيسه ويتأمل جددته ويتقي الغبن فيه، وهو لا يتقي الغبن في دينه الذي فيه هلاكه أو نجاته في الابد، فتجده قد قبله مجازفة وأخذه مطارفة: هات ما قال مالك وابن القاسم وسحنون إن كان مالكيا، أو ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن إن كان حنفيا، أو ما قال الشافعي إن كان شافعيا، ولا مزيد.\rووالله لو أن هؤلاء، رحمهم الله، وردوا عرصة القيامة بمل ء السموات والارض حسنات، ما رحموه منها بواحدة، ولو أنه - المغرور - ورد ذلك الموقف بمل ء السموات والارض سيئات، ما حطوا منها واحدة، ولا عرجوا عليه، ولا التفتوا إليه، ولا نفعوه بنافعة.\rونجده يضرب عن كلام نبيه (ص) الذي لا يرجو شفاعة سواه، ولا أن ينقذه من أطباق النيران، بعد رحمة الله تعالى، إلا اتباعه إياه فأين الضلال إن لم يكن في فعل هؤلاء القوم.\rثم ننحط في سؤالهم درجة فنقول: ما الذي دعاكم إلى التهالك على قول مالك وابن القاسم، فهلا تبعتم أقوال عمر بن الخطاب وابنه فتهالكتم عليها ؟ فهما أعلم وأفضل من مالك وابن القاسم عند الله عزوجل بلا شك، ونقول للحنفيين.\rما الذي حملكم على التماوت على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ؟ فهلا طلبتم أقوال عبد الله بن مسعود وعلي فتماوتم عليها ؟ فهما أفضل وأعلم من أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن عند الله تعالى بلا شك.\rونقول لمن قلد الشافعي رحمه الله: ألم ينهكم عن تقليده، وأمركم باتباع كلام النبي (ص) حيث صح ؟.\rفهلا اتبعتموه في هذا القولة الصادقة التي لا يحل خلافها لاحد ؟ أو ليس قد قال رحمه الله - وقد ذكر حديث النبي (ص) فيمن مات وعليه صيام صام عنه وليه، فقال رحمه الله: إن صح هذا الحديث فبه أقول ؟ ونبرأ من كل مذهب خالف حديث النبي (ص)، والحديث المذكور\rفي غاية الصحة من طريق عائشة رضي الله عنها، ثم أنتم دأبا تتحيلون في إبطاله بأنواع من الحيل الباردة ونهاكم عن قبول المرسل.\rثم أنتم تأخذون به في تحريم بيع اللحم بالحيوان، تقليدا لغلطه رحمه الله الذي لم يعصم منه أحد،","part":6,"page":847},{"id":849,"text":"فقد كان تقليد ابن عباس أولى بكم إذ ولا بد، لانه أفضل وأعلم عند الله عزوجل من الشافعي.\rوقد قال قائلون منهم: نحن لم نرزق من العقل والفهم ما يمكننا أن نأخذ الفقه من القرآن، وحديث النبي (ص)، فأتوا بالتي تملا الفم فيقال لهم: أمنعكم الله تعالى العقل الذي تفهمون به عند ما قد ألزمكم فهمه ؟ إذ يقول عز وجل: * (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) *.\rوقد سمعتموه يقول: * (يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) * وسمعتموه يقول: * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) * وسمعتموه يقول: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * فلولا أن في وسعكم الفهم لاحكام القرآن ما أمركم بتدبره، ولولا أن في وسعكم الفهم لكلام النبي (ص) ما أمره بالبيان عليكم ولا أمركم بطاعته، هذا إن كنتم تصدقون كلام ربكم.\rفليت شعري كيف قصرت عقولكم عن فهم ما افترض الله تعالى عليكم تدبره والاخذ به واتسعت عقولكم للفهم عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وما أمركم الله تعالى قط بالسماع منهم خاصة دون سائر العلماء ولا ضمن لكم ربكم تعالى قط العون على فهم كلامهم، كما ضمن لكم في فهم كلامه إنه لا يكلفكم إلا وسعكم.\rوقد أيقنا أن الله عزوجل لا يأمرنا بشئ إلا وقد سبب لنا طرق الوصول إليه وسهلها وبينها، فقد أيقنا بلا شك عندنا أن وجوه معرفة أحكام الآي والاحاديث التي أمرنا بقبولها بينة لمن طلبها، إن صدقتم ربكم، وإن كذبتم كفرتم.\rوأما ما لم نؤمر باتباعه من رأي مالك، وأبي حنيفة، وقول الشافعي، فلا سبيل إلى أن نقطع بأن فهمه ممكن لنا.\rحدثنا أحمد بن عمر العذري، نا أبو محمد الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فراس، أنا أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، نا أبو الحسن علي بن عبد العزيز، ثنا الاصبهاني، نا عبد السلام، نا غطيف بن أعين المحاربي، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي (ص) وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: يا ابن حاتم ألق هذا الوثن من عنقك فألقيته.\rثم افتتح سورة براءة فقرأ حتى بلغ قوله تعالى: * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) * فقلت:","part":6,"page":848},{"id":850,"text":"يا رسول الله: ما كنا نعبدهم: فقال النبي (ص): كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه قلت: بلى، قال: فتلك عبادتكم.\rقال أبو محمد: فسمى النبي (ص) اتباع من دون النبي (ص) في التحليل والتحريم عبادة، وكل من قلد مفتيا يخطئ ويصيب، فلا بد له من أن يستحل حراما ويحرم حلالا، وبرهان ذلك تحريم بعضهم ما يحله سائرهم، ولا بد أن أحدهم مخطئ.\rأفليس من العجب إضراب المرء عن الطريق التي أمره خالقه بسلوكها، وضمن له بيان نهج الصواب فيها.\rوأمره أن يكون همه نفسه لا ما سواها، فيترك ذلك كله، ويقصد إلى طريق لم يؤمر بسلوكها، ولا ضمن له نهج الصواب فيها، بل قد نهي عن ذلك وعيب عليه، ولامه ربه عزوجل على ذلك أشد الملامة مع أن الذي قلدوه ينهاهم عن تقليده، فمن أضل من هؤلاء.\rوقد احتج بعض من قلد مالكا بأنه المعني بقول رسول الله (ص) في إنذاره بزمان يأتي لا يوجد فيه عالم أعلم من عالم المدينة.\rأخبرنا عبد الله بن ربيع التميمي، عن محمد بن معاوية، عن أحمد بن شعيب، أنا علي بن محمد، ثنا محمد بن كثير، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي\rالزناد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: يضربون أكباد الابل ويطلبون العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة.\rفقال النسائي: قوله أبو الزناد خطأ، إنما هو أبو الزبير.\rقال أبو محمد: وهكذا حدثناه أحمد بن عبد الله الطلمنكي، ثنا ابن مفرج قال: ثنا محمد بن أيوب الصموت، ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، ثنا عمرو بن علي، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريح، عن أبي الزبير، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): يوشك أن تضرب أكباد المطي فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة قال البزار: لم يرو ابن جريج عن أبي صالح غير هذا الحديث.\rحدثنا أحمد بن عمر، ثنا علي بن الحسن بن فهر، أنا محمد بن علي، ثنا محمد بن عبد الله البيع","part":6,"page":849},{"id":851,"text":"إجازة، أنا أبو النضر الفقيه أحمد بن محمد العنزي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا أبو مسلم، عن عبد الرحمن بن يونس المستلمي، نا معن بن عيسى، حدثني زهير أبو المنذر التميمي، ثنا عبيد الله بن عمر بن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الاشعري قال: قال رسول الله (ص): يخرج ناس من المشرق في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة وقال عالم أهل المدينة.\rحدثنا أحمد بن عمر، ثنا فهر، نا ابن أحمد بن إبراهيم بن فراس، ثنا ابن الاعرابي، ثنا محمد بن إسماعيل الصوفي، ثنا علي بن المديني، ثنا سفيان بن عيينة، فذكر الحديث فقال ابن عيينة: وضعناه على مالك بن أنس، قال ابن فراس: ثنا محمد بن أحمد اليقطيني، نا محمد بن أحمد بن سلم الحراني، ثنا أبو موسى الانصاري وذكر هذا الحديث فقال: بلغني عن ابن جريج أنه كان يقول: نرى أنه مالك بن أنس.\rقال أبو محمد: هذا حديث لم يقنعوا بقبيح فعلهم في التقليد، حتى أضافوا إلى ذلك الكذب على رسول الله (ص) في الصفة المذكورة في الحديث المذكور،\rعلى أن في سنده أبو الزبير وهو مدلس ما لم يقل: حدثنا أو: أخبرنا ومع ذلك فليست تلك الصفة موجودة في عصر مالك، لانه كان في عصره ابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن الماجشون، وسفيان الثوري، والليث، والاوزاعي، وكل هؤلاء لا يمكن لمن له أقل إنصاف وعلم أن يفضله في علمه وورعه على واحد منهم، ولا في فهمه للقرآن، ولا لحديث النبي (ص)، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، وليت شعري ما الذي دلهم على أنه مالك، دون أن يقولوا إنه سعيد ابن المسيب الذي كان أفقه من مالك وأفضل ؟.\rوذكروا عن سفيان بن عيينة أنه قال: كانوا يرونه مالكا، قالوا: فإنما عنى سفيان بذلك التابعين.\rقال أبو محمد: فزادوا كذبة، وما دليلهم على أن سفيان عنى بذلك التابعين ؟ لو صح عن سفيان ؟ ولعله عنى بذلك مقلدي مالك من صغار أصحابه.","part":6,"page":850},{"id":852,"text":"قال أبو محمد: هذا بارد وكذب، وليت شعري أي شئ من إدراك سفيان للتابعين مما يوجب أنه عناهم بهذا القول ؟ فكيف يصح عن سفيان إلا ما رويناه آنفا من أنه ظن منه، ومثل هذا من الاقدام على القطع بالظنون لا يستسهله إلا من يستسهل الكذب، نعوذ بالله من ذلك.\rومما يوضح كذبهم في هذا على سفيان بن عيينة ما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس العذري، ثنا أحمد بن عيسى بن إسماعيل البلوي، ثنا غندر، ثنا خلف بن القاسم الحافظ، ثنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي، ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري، قال محمد بن أبي عمر: قال سفيان بن عيينة: لو سئل أي الناس أعلم ؟ لقالوا سفيان،\rيعني الثوري، فهذا سفيان بن عيينة يقطع بأنهم كانوا يقولون سفيان أعلم الناس، فدخل في ذلك مالك وغيره.\rوأما الرواية عن أبي جريج فلا يدرى عمن هي، وإنما هي بلاغ ضعيف كما ترى.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوقد ضربت آباط الابل أيام عمر في طلب العلم حقا، الذي هو العلم بالحقيقة وهو القرآن وسنن رسول الله (ص)، وهاجر الناس في خلافته إلى المدينة، متعلمين للعلم، ومتفقهين في الدين، وما كان في أقطار البلاد يومئذ أحد يقطع على أنه أعلم من عمر، لا سيما مع شهادة النبي (ص) له بالعلم والدين، وأقصى ما يمكن أن يشك، هل يساويه في العلم علي وعائشة ومعاذ وابن مسعود ؟ وأما أن يقطع بأنهم أعلم منه جملة، فلا أصلا.\rوأما الاكثار من الرأي فليس علما أصلا، ولو كان علما لكان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن أعلم من مالك، لانهم أكثر فتيا ورأيا منه فإذا ليس الرأي علما، وإنما العلم حفظ سنن رسول الله (ص) وأقوال الصحابة والتابعين، فقد كان في عصر مالك من هو أوسع علما منه كشعبة وسفيان، ومن هو مثله كسفيان بن عيينة والاوزاعي وهشيم وغيره، فظهر كذب من كذب في الحديث المذكور، وبالله تعالى التوفيق.\rثم لو صح، وصح أنه مالك باسمه ونسبه، لكان إنما فيه أنه لا يوجد أعلم منه قط، وليس فيه أنه لا يوجد مثله في العلم، فبطل احتجاجهم، ولم يمنع وجود","part":6,"page":851},{"id":853,"text":"مثله في العلم، وعارضهم بعض الشافعيين بما حدثناه هشام بن سعيد الخير بن فتحون قال: ثنا عبد الجبار المقرئ بمصر، نا الحسن بن الحسين النجيرمي، ثنا جعفر بن محمد الاصبهاني، نا يونس بن حبيب، نا أبو داود الطيالسي، نا جعفر بن سليمان، عن النضر ابن معبد، عن الجارود، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (ص): لا تسبوا\rقريشا فإن عالمها يملا الارض علما، اللهم إنك أذقت أولها عذابا أو وبالا فأذق آخرها نوالا.\rفقالوا: هذه صفة الشافعي، فما ملا الارض علما قرشي غيره، وحدثنا أحمد بن محمد بن الجسور قال: نا ابن أبي دليم، نا ابن وضاح، نا أبو بكر ابن أبي شيبة، عن عبد الاعلى، عن معمر الازهري، عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله (ص) قال: تعلموا من قريش ولا تعلموها، وقدموا قريشا ولا تؤخروها.\rفإن للقرشي قوة الرجلين من غير قريش.\rقال أبو محمد: وهذا حديث صحيح، أصح من حديثهم الذي شنعوا به.\rوأما الحقيقة في ذلك الحديث فهي: أن الصفة التي بين (ص) في ذلك الحديث لم تأت بعد هذا، إن صح الحديث المذكور، لان الزمان إلى الآن لم تكن قط فيه البلاد عارية من عالم يضاهي علماء المدينة، فقد كان في عصر الصحابة بالعراق ابن مسعود وعلي وسليمان، وكان بالشام معاذ وأبو الدرداء، وكان بمكة ابن عباس، ولا يحل لذي ورع وعلم أن يقول: إن عمر وعائشة وأبي بن كعب وزيد بن ثابت كانوا أفقه من علي وابن مسعود ومعاذ وما ابن عباس بمتأخر عمن ذكرنا.\rثم أتى التابعون، فلا يقدر ذو ورع وعلم أن يقول: إن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار كانا أفقه من عطاء والحسن وعلقمة والاسود، ثم أتى صغار التابعين، فلا يقدر ذو ورع وعلم أن يقول: إن ربيعة والزهري وأبا الزناد كانوا أفقه من إبراهيم النخعي، وعامر والشعبي وسعيد بن جبير وأيوب السختياني وعمر بن عبد العزيز، ثم أتى عصر مالك، فكان معه ابن أبي ذئب وسفيان الثوري والاوزاعي وابن جريج والليس، وليس أحد ممن ذكرنا دونه في رواية ولا دراية ولا ورع، ثم هكذا إلى أن انقطع الفقه من المدينة جملة.\rواستقر في الآفاق.","part":6,"page":852},{"id":854,"text":"فإنما ذلك الحديث، إن صح، إذا قرب قيام الساعة، وأرز الايمان إلى\rالمدينة ومكة، وغلب الدجال على الارض حاشا مكة والمدينة، فحينئذ يكون ذلك، وإنما حتى الآن فلم تأت صفة ذلك الحديث، وهذا بين ظاهر.\rوأما الانذار بما ذكرنا فكما حدثنا حمام بن أحمد عن عبد الله بن إبراهيم، عن أبي زيد المروزي، عن محمد بن يوسف، عن محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا إبراهيم ابن المنذر، نا أنس بن عياض، حدثني عبيد الله، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: إن الايمان ليأزر إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها.\rوكما حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، ثنا محمد بن رافع والفضل بن سهل الاعرج، ثنا شبابة بن سوار قال: ثنا عاصم بن محمد العمري، عن أبيه عن ابن عمر عن النبي (ص): إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها.\rوكما حدثنا حمام بن أحمد، عن عبد الله بن إبراهيم، عن أبي زيد، عن الفربري، عن البخاري، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا أبو عمرو الاوزاعي، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك، عن النبي (ص) قال: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة وذكر باقي الحديث.\rثم نقول لهم، هبكم، حتى لو صح الحديث المذكور، ثم لو صح أنه مالك بلا شك، أي شئ كان يكون فيه مما يوجب اتباعه دون غيره من العلماء ؟ ولا شك عند أحد من نقلة الحديث في صحة الحديث المسند إلى رسول الله (ص) أنه رأى رؤيا فيها: أنه أعطي قدحا فشرب منه حتى رأى الري يجري في أظفاره ثم ناول فضله عمر، فقيل له: يا رسول الله ما أولت ذلك فقال عليه السلام: العلم وصحة الحديث، أنه (ص): أري أمته وعليهم قمص\rبعضها إلى الثديين، وعلى عمر قميص يجره، وأنه (ص) أخبر أن ذلك الدين فقد صح عن النبي (ص) أن عمر من أعلم أمته وأصحابه، ومن أئمتهم دينا.","part":6,"page":853},{"id":855,"text":"ولا خلاف بين أحد المسلمين أن عمر وعليا وابن مسعود وعائشة.\rأعلم من مالك بلا شك، وليس ذلك يوجب تقليد أحد ممن ذكرنا، ولا اتباعه على جميع أقواله، كما فعلوا هم بمالك، فبطل تعلقهم بالحديث المذكور لو صح، وتأولهم فيه كذب بحت، لا يحل لاحد نسبته إلى رسول الله (ص).\rوما الفرق بينهم في الاقدام وبين الشافعيين لو استحلوا أن يقولوا: إن قول رسول الله (ص): الناس تبع لقريش في هذا الامر برهم لبرهم وفاجرهم لفاجرهم - إن المراد بهذا هو الشافعي، لانه قرشي النسب، فيجب أن يكون الناس تبعا له ؟ وبين الداوديين لو أنهم استحلوا فقال: إن قول رسول الله (ص): لو أن العلم - أو هذا الدين - بالثريا لتناوله رجل أو رجال من أبناء فارس المراد بهذا داود وأبو حنيفة، لانهما من أبناء فارس ؟ هذا على أن هذين الحديثين صحيحان لا شك في صحتهما، وحديث عالم المدينة معلول لا يصح.\rفإن قالوا: قد كان في قريش علماء غير الشافعي، وفي الفرس علماء غير داود وأبي حنيفة، قيل لهم: وقد كان بالمدينة علماء غير مالك بلا شك، وكان هذا استحلال للكذب على رسول الله (ص)، لا يستجيزه ذو ورع.\rقال أبو محمد: وأما احتجاجهم بقول مالك: هذا العمل ببلدنا، فهذا لا معنى له، لان العمل بالمدينة قبل مولد مالك بثلاث وعشرين سنة لم يجز إلا بالظلم والجور والفسق، ولا وليهم إلا الفساق من عمال بني مروان، ثم عمال بني العباس كالحجاج وحبيش بن دلجة، وطارق وعبد الرحمن بن الضحاك وغيرهم ممن لا يعتد بهم.\rوما أدرك مالك قط بالمدينة بعقله عمل أمير ووال يقتدي به أصلا، ولقد كان التغيير\rبدأ في السنن من قبل ما ذكرنا كقول مروان: ذهب ما هنالك.\rودليل ما ذكرنا تركهم عمل عمر وعثمان في نصوص الموطأ، فبطل الاحتجاج بالعمل جملة، ولا يبق إلا الرواية التي رواها ثقات العلماء عن أمثالهم، إذ لم يمكن","part":6,"page":854},{"id":856,"text":"الظالمين أن يحولوا بينهم وبين ألسنتهم، كما حالوا بينهم وبين العمل، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: ومن البرهان اللائح على بطلان التقليد أن أهل العصر الاول والعصر الثاني والعصر الثالث: وهي القرون التي أثنى عليها النبي (ص) كما حدثنا عبد الله بن ربيع، عن محمد بن إسحاق بن السليم، عن ابن الاعرابي، عن أبي داود، عن مسدد وعمرو بن عون قالا: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله (ص): خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، والله أعلم أذكر الثالث أم لا، ثم يظهر قوم يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويحربون ولا يؤتمنون، ويفشون فيهم السمن.\rقال أبو محمد: وهكذا في كتابي، والصواب: يخونون ولا يؤتمنون.\rوبلفظة يخونون، رويناه من طريق مسلم، عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن أبي حمزة، عن زهدم، عن عمران، عن رسول الله (ص) - فكان أهل هذه القرون الفاضلة المحمودة يطلبون حديث النبي (ص) والفقه في القرآن، ويرحلون في ذلك إلى البلاد، فإن وجدوا حديثا عنه (ص) عملوا به واعتقدوه، ولا يقلد أحد منهم أحدا البتة، فلما جاء أهل العصر الرابع تركوا ذلك كله، وعولوا على التقليد الذي ابتدعوه ولم يكن قبلهم، فاتبع ضعفاء أصحاب أبي حنيفة أبا حنيفة، وأصحاب مالك مالكا، ولم يلتفتوا إلى حديث يخالف قولهما،\rولا تفقهوا في القرآن والسنن، ولا بالوا بهما، إلا من عصمه الله عزوجل وثبته على ما كان عليه السلف الصالح في الاعصار الثلاثة المحمودة، من اتباع السنن عن رسول الله (ص) والتفقه في القرآن وترك التقليد.\rوأما أفاضل أصحاب أبي حنيفة ومالك فما قلدوهما، فإن خلاف ابن وهب وأشهب وابن الماجشون والمغيرة وابن أبي حازم، لمالك أشهر من أن يتكلف إيراده، وقد خالفه أيضا ابن القاسم، وكذلك خلاف أبي يوسف وزفر ومحمد والحسن بن زياد لابي حنيفة أشهر من أن يتكلف إيراده، وكذلك خلاف أبي ثور","part":6,"page":855},{"id":857,"text":"والمزني للشافعي رحمه الله.\rوكذلك خالف أصبغ وسحنون ابن القاسم، وخالف ابن المواز أصبغ، وكذلك خالف محمد بن علي بن يوسف المزني فكثير، وكذلك خالف الطحاوي أيضا أبا حنيفة وأصحابه، فإن كان النظر حقا فقد أخطؤوا في التقليد، وإن كان التقليد حقا فقد أخطؤوا النظر وترك التقليد، فقد ثبت الخطأ عليهم على كل حال، والخطأ واجب أن يجتنب.\rقال أبو محمد: وقد سألناهم فقلنا لهم: أنتم مقرون معنا بأن عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله عليه السلام ينزل إذا خرج الدجال اللعين، فيدبر أهل الاسلام بملتهم لا بملة أخرى، فقالوا لنا: أبرأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن أو بتقليد مالك وابن القاسم وسحنون -: يحكم بين المسلمين ويقضي في الدين، ويفتي المستفتين ؟ ألا إن هذا هو الضلال المبين.\rولقد نكس الاسلام، وذلت النبوة، وهانت الرسالة وخزي الحق وأهله: إن كان رسول الله (ص) وروحه وكلمته يرجع تابعا لمثل هؤلاء الذين لا يقطع لهم بنجاة، ولا يضمن ما هم عليه عند الله تعالى فلا والله، بل ما يقضي ويحكم ويفتي إلا بما أتى به أخوه في الرسالة، وصاحبه في النبوة، وقسيمه في نزول\rالوحي، محمد بن عبد الله (ص)، وليبطلن الآراء الفاسدة فلا خوف من أحد.\rفمن أضل طريقه ممن يدين بشئ هو موقن أنه لم يكن أول الاسلام، ولا يكون عند نزول المسيح عليه السلام ومن يضلل الله فما له من هاد.\rحدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا ابن مفرج ثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، ثنا محمد بن علي بن علي بن زيد، نا سعيد بن منصور، نا هشيم، أنا ابن أبي ليلى، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل: أن رجلا مات وترك ابنته وابنة ابنه وأخته لابيه وأمه، فأتوا أبا موسى الاشعري فسألوه عن ذلك فقال: لابنته النصف، والنصف الباقي للاخت، فأتوا ابن مسعود فذكروا ذلك له فقال: لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين إن أخذت بقول الاشعري وتركت قول رسول الله (ص).\rفهذا ابن مسعود يسمي القول من الصاحب إذا خالف النص: ضلالا وخلافا للهدى.\rوحدثنا أحمد بن عمر، نا أبو ذر، نا عبد الله بن أحمد، نا إبراهيم بن خزيم، نا","part":6,"page":856},{"id":858,"text":"عبد بن حميد، نا أبو نعيم، عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري قال: سئل حذيفة عن قوله تعالى: * (اتخذوا أحباركم ورهبانكم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم) * قال: لم يكونوا يعبدونهم، ولكن إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه.\rقال أبو محمد: هذه صفة المقلدين لابي حنيفة ومالك والشافعي، ولا يحرمون إلا ما جاء عن صاحبهم تحريمه، ولا يحلون إلا ما جاءهم عن صاحبهم تحليله، نبرأ إلى الله تعالى من مثل هذا الاعتقاد، ونعوذ به منه في أحد من ولد آدم، حاشا رسول الله (ص).\rحدثنا عبد الرحمن بن سلمة، نا أحمد بن خليل، نا خالد بن سعد، أخبرني\rأسلم بن عبد العزيز القاضي، وسعيد بن عثمان العناني قالا: نا يونس بن عبد الاعلى، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ليس من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي (ص).\rكتب إلي يوسف بن عبد الله النمري، أنا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، نا ابن وضاح، نا دحيم، نا ابن وهب، نا ابن لهيعة، عن بكير بن الاشج أن رجلا قال للقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: عجبا لعائشة كانت تصلي في السفر أربعا ورسول الله (ص) كان يصلي ركعتين، فقال: يا ابن أخي عليك بسنة رسول الله (ص) حيث وجدتها، فإن من الناس من لا يعاب.\rكتب إلي النمري: ثنا سعيد بن نصر، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن إسماعيل الترمذي، ثنا الحميدي، نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: قال عمر بن الخطاب: إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شئ إلا الطيب والنساء.\rقال سالم: قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله (ص) لحله قبل أن يطوف بالبيت، قال سالم: فسنة رسول الله أحق أن تتبع.\rقال أبو محمد: فنحن نسألهم أن يعطونا في الاعصار الثلاثة المحمودية، عصر الصحابة وعصر التابعين وعصر تابعي التابعين، رجلا واحدا قلد عالما كان قبله، فأخذ بقوله كله ولم يخالفه في شئ، فإن وجدوه، ولن يجدوه والله أبدا لانه لم","part":6,"page":857},{"id":859,"text":"يكن قط فيهم، فلهم متعلق على سبيل المسامحة، ولم يجدوه فليوقنوا أنهم قد أحدثوا بدعة في دين الله تعالى لم يسبقهم إليها أحد.\rوليعلموا أن عصابة من أهل العصر الرابع ابتدعوا في الاسلام هذه البدعة الشنعاء إلا من عصم الله تعالى منهم، والبدع محرمة، وشر الامور محدثاتها،\rوليعلموا أن طلاب سنن رسول الله (ص) حيث كانت، والعاملين بها والمتفقهين في القرآن الذين لا يقلدون أحدا، هم على منهاج الصحابة والتابعين والاعصار المحمودة، وأنهم أهل الحق في كل عصر، والاكثرون عند الله تعالى، بلا شك، وإن قل عددهم، وبالله تعالى التوفيق.\rوليعلم من قرأ كتابنا أن هذه البدعة العظيمة، نعني التقليد، إنما حدثت في الناس وابتدئ بها بعد الاربعين ومائة من تاريخ الهجرة، وبعد أزيد من مائة عام وثلاثين عاما بعد وفاة رسول الله (ص) وأنه لم يكن قط في الاسلام قبل الوقت الذي ذكرنا مسلم واحد فصاعدا على هذه البدعة، ولا وجد فيهم رجل يقلد عالما بعينه، فيتبع أقواله في الفتيا، فيأخذ بها ولا يخالف شيئا منها، ثم ابتدأت هذه البدعة من حين ذكرنا في العصر الرابع في القرن المذموم، ثم لم تزل تزيد حتى عمت بعد المائتين من الهجرة عموما طبق الارض، إلا من عصم الله عزوجل، وتمسك بالامر الاول الذي كان عليه الصحابة والتابعون، وتابعو التابعين بلا خلاف من أحد منهم، نسأل الله تعالى أن يثبتنا عليه، وأن لا يعدل بنا عنه، وأن يتوب على من تورط في هذه الكبيرة من إخواننا المسلمين، وأن يفئ بهم إلى منهاج سلفهم الصالح.\rحدثنا عبد الله بن ربيع التميمي، قال: نا محمد بن إسحاق بن السليم قال: نا ابن الاعرابي، عن أبي داود، نا أبو بكر بن شيبة، نا وكيع، عن الاوزاعي، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي قلابة قال: قال أبو مسعود، وهو البدري، لابي عبد الله، وهو حذيفة، أو قال أبو عبد الله، وهو حذيفة، لابي مسعود البدري.\rما سمعت رسول الله (ص) يقول في زعموا ؟ قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: بئس مطية الرجل.","part":6,"page":858},{"id":860,"text":"وقد نص رسول الله (ص) في حديث عذاب القبر على أن المنافق أو المرتاب يقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فهذا التقليد مذموم في التوحيد، فكيف ما دونه.\rوقال ابن مسعود: لا تكن إمعة.\rفسئل: ما هو ؟ فقال: الذي يقول أنا مع الناس.\rحدثنا محمد بن سعيد بن نبات، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا بشار بندار، نا ابن أبي عدي، أنبأنا شعبة، عن الاعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي الاحوص عن عبد الله بن مسعود قال: لا يكونن أحدكم إمعة، يقول: إنما أنا مع الناس، ليوطن أحدكم نفسه إن كفر الناس ألا يكفر، وبه إلى بندار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يقول: سمعت هبيرة وأبا الاحوص عن ابن مسعود قال: إذا وقع الناس في الشر، قل: لا أسوة لي في الشر.\rوبه إلى بندار قال: ثنا سعيد بن عامر، نا شعبة عن الحكم قال: ليس أحد من الناس إلا وأنت آخذ من قوله أو تارك إلا النبي (ص).\rوبه إلى بندار: نا أبو داود، نا شعبة عن منصور، عن سعيد بن جبير أنه قال في الوهم: يعيد، قال: فذكرت ذلك لابراهيم، فقال: ما تصنع بحديث سعيد بن جبير مع قول رسول الله (ص) ؟.\rحدثنا محمد بن سعيد، عن القلعي، عن الصواف،: عن بشر بن موسى، عن الحميدي قال: قال سفيان: ما زال أمر الناس معتدلا حتى غير أبو حنيفة بالكوفة والبتي بالبصرة، وربيعة بالمدينة.\rقال أبو محمد: وصدق سفيان، فإن هؤلاء أول من تكلم بالآراء، ورد الاحاديث، فسارع الناس في ذلك واستحلوه، والناس سراع إلى قبول الباطل والحق مر ثقيل.\rوقد أوردنا قبل هذا المكان بأوراق يسيرة أن النبي (ص) لما تلا: * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) * قال له عدي بن حاتم - وكان قبل ذلك نصرانيا -: يا رسول الله ما كنا نعبدهم ؟ فقال له (ص) كلاما معناه: إنهم كانوا يحرمون ما حرموا عليهم، ويحلون ما أحلوا لهم، وأخبر عليه","part":6,"page":859},{"id":861,"text":"السلام أن هذه هي العبادة.\rقال أبو محمد: ولا جرم، فقد حرم مقلدو مالك شحوم البقر والغنم إذا ذبحها يهودي، وحرموا الجمل والارنب، إذا ذكاهما يهودي، تقليدا لخطأ مالك في ذلك، وردوا قول الله تعالى في ذلك بعينه: * (وطعامكم حل لهم) *.\rوأحل أصحاب أبي حنيفة ثمن الكلب الذي حرمه رسول الله (ص)، وحرم من اتبعه منهم المساقاة التي أحلها الله تعالى، تقليدا لخطأ أبي حنيفة في ذلك، وردوا كلام النبي (ص) وإخباره في ثمن الكلب أنه سحت وتحريمه إياه، وهذا نص ما حرم الله تعالى ورسوله (ص) من فعل اليهود والنصارى، وقد أنذر (ص) بذلك وقال: لتركبن سنن من كان قبلكم فقيل له: يا رسول الله: اليهود والنصارى ؟ فقال (ص) كلاما معناه: نعم.\rحدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود، نا ابن دحيم بن حماد، نا إسماعيل بن إسحاق، نا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، نا عطاء بن السائب، عن أبي البختري، أن سلمان قال لزيد بن صوحان وأبي قرة، كيف أنتما عند زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، ودنيا مطغية تقطع الاعناق ؟ ثم قال: أما زلة العالم فإن اهتدى فلا تحملوه دينكم، وإن زل فلا تقطعوا منه أناتكم، وأما جدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، فإن للقرآن منارا كمنار الطريق، فما أضاء لكم فاتبعوه، وما شبه عليكم فكلوه إلى الله عزوجل، وذكر باقي الحديث.\rقال أبو محمد: فهذا سلمان ينهى أن يقلد العلماء، ويأمر باتباع ظاهر القرآن\rالذي هو كمنار الطريق، وينهى عن التأويلات والمتشابه منه، وهذا نص قولنا والحمد لله رب العالمين.\rحدثنا يوسف بن عبد الله النمري، أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، هو ابن الزيات، نا محمد بن أحمد القاضي المالكي البصري، نا موسى بن إسحاق.\rنا إبراهيم بن المنذر الخزامي قال: نا معن بن عيسى القزاز، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه، فهذا مالك ينهى عن تقليده، وكذلك أبو حنيفة وكذلك الشافعي، فلاح الحق لمن لم يغش نفسه، ولم تسبق إليه الضلالة، نعوذ بالله منها.","part":6,"page":860},{"id":862,"text":"فصل قال أبو محمد: فإن قال قائل: فكيف يفعل العالم إذا سئل عن مسألة فأعيته، أو نزلت به نازلة فأعيته ؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق: يلزمه أن يسأل الرواة عن أقوال العلماء في تلك المسألة النازلة، ثم يعرض تلك الاقوال على كتاب الله تعالى، وكلام النبي (ص) كما أمره الله تعالى إذ يقول: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * وإذ يقول: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * وقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * ولم يقل تعالى فردوه إلى مالك وأبي حنيفة والشافعي، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليرد ما اختلف فيه من الدين إلى القرآن والسنة الواردة عن النبي (ص) وليتق الله، ولا يرد ذلك إلى رجل من المسلمين لم يؤمر بالرد عليه، ومن أبى فسيرد ويعلم.\rوقد قال الله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * فلم يجعل البيان إلا لنبيه (ص) فمن رد إلى سواه فقد عدم البيان، وحصل على الضلالة،\rونعوذ بالله منها.\rفالتقليد كله حرم في جميع الشرائع، أولها عن آخرها، من التوحيد والنبوة والقدر والايمان والوعيد والامامة والمفاضلة وجميع العبادات والاحكام.\rفإن قال قائل: فما وجه قوله تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * قيل له وبالله تعالى التوفيق: إنه تعالى أمرنا أن نسأل أهل العلم عما حكم به الله تعالى في هذه المسألة، وما روي عن رسول الله (ص) فيها، ولم يأمرنا أن نسألهم عن شريعة جديدة يحدثونها لنا من آرائهم، وقد بين ذلك (ص) بقوله: فليبلغ الشاهد الغائب وبينه تعالى بقوله: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) * فالدين قد كمل، فلا مدخل لاحد فيه بزيادة ولا نقص ولا تبديل، وكل هذا كفر ممن أجازه.\rوقد أمر تعالى المتفقهين أن ينفروا لطلب أحكام الدين، ولم يأمرهم أن يقولوا من عند أنفسهم شيئا، بل حرم تعالى ذلك بذمه قوما شرعوا لهم في الدين ما لم يأذن به الله وبقوله عزوجل: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) *.","part":6,"page":861},{"id":863,"text":"فإنما نحن دعاة إلى تفهم القرآن وكلام النبي (ص)، ومبلغون من ذلك إلى من تقدمناه في الطلب، ما بلغه إلينا من تقدمنا، ومعلمون إياه، ومعاذ الله من التزيد في هذا أو من تبديله أو من النقص منه.\rفإن قال قائل: فكيف يصنع العامي إذا نزلت به النازلة ؟.\rقال أبو محمد: فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إنا قد بينا تحريم الله تعالى للتقليد جملة، ولم يخص الله تعالى بذلك عاميا من عالم، ولا عالما من عامي، وخطاب الله تعالى متوجه إلى كل أحد، فالتقليد حرام على العبد المجلوب من بلده، والعامي، والعذراء المخدرة، والراعي في شعف الجبال، كما هو حرام على العالم المتبحر ولا فرق، والاجتهاد في طلب حكم الله تعالى ورسوله (ص)، في كل ما خص\rالمرء من دينه، لازم لكل من ذكرنا، كلزومه للعالم المتبحر ولا فرق، فمن قلد من كل من ذكرنا فقد عصى الله عزوجل، وأثم ولكن يختلفون في كيفية الاجتهاد فلا يلزم المرء منه إلا مقدار ما يستطيع عليه، لقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * ولقوله تعالى: * (فاتقوا الله ما استطعتم) * والتقوى كله هو العمل في الدين بما أوجبه الله تعالى فيه، ولم يكلفنا تعالى منه إلا ما نستطيع فقط، ويسقط عنا ما لا نستطيع، وهذا نص جلي على أنه لا يلزم أحدا من البحث على ما نزل به في الديانة إلا بقدر ما يستطيع فقط، فعلى كل أحد حظه من الاجتهاد، ومقدار طاقته منه، فاجتهاد العامي إذا سأل العالم على أمور دينه فأفتاه أن يقول له: هكذا أمر الله ورسوله ؟ فإن قال له: نعم، أخذ بقوله، ولم يلزمه أكثر من هذا البحث، وإن قال له: لا، أو قال له: هذا قولي، أو قال له: هذا قول مالك أو ابن القاسم أو أبي حنيفة أو أبي يوسف أو الشافعي أو أحمد أو داود أو سمى له أحد من صاحب أو تابع فمن دونهما غير النبي (ص)، أو انتهزه أو سكت عنه: فحرام على السائل أن يأخذ بفتياه، وفرض عليه أن يسأل غيره من العلماء وأن يطلبه حيث كان، إذ إنما يسأل المسلم من سأل من العلماء عن نازلة تنزل به ليخبره بحكم الله تعالى وحكم محمد (ص) في ذلك، وما يجب في","part":6,"page":862},{"id":864,"text":"دين الاسلام في تلك المسألة، ولو علم أنه يفتيه بغير ذلك لتبرأ منه وهرب عنه.\rوفرض على الفقيه إذا علم أن الذي أفتاه به هو في نص القرآن والسنة عن رسول الله (ص) أو الاجماع أن يقول له: نعم، هكذا أمر الله تعالى رسوله (ص)، وحرام عليه أن ينسب إلى الله تعالى وإلى رسوله (ص) شيئا، قاله بقياس أو استحسان أو تقليد لاحد دون النبي (ص)، فإنه إن فعل ذلك كان بذلك كاذبا على رسوله عليه السلام، ومقولا له ما لم يقل، وقد وجبت له النار\rيقينا، بنص قوله (ص): من كذب علي فليلج النار وهذا الذي قلنا لا يعجز عنه واحد وإن بلغ الغاية في جهله، لانه لا يكون أحد من الناس مسلما حتى يعلم أن الله تعالى ربه، وأن النبي عليه السلام، وهو محمد بن عبد الله، رسول الله بالدين القيم.\rفإن قال قائل: فإن أفتاه الفقيه بفتيا منسوخة أو مخصوصة، أو أخطأ فيها فنسبها إلى النبي (ص) وليست من قوله، سهوا أو تعمد ذلك، فما الذي يلزم العامي من ذلك ؟ وقد روينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لابي رحمه الله الرجل تنزل به النازلة وليس يجد إلا قوما من أصحاب الحديث والرواية لا علم لهم بالفقه، وقوما من أصحاب الرأي من يسأل ؟ فقال يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث خير من الرأي.\rقال أبو محمد: فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن هذا ينقسم ستة عشر قسما، وهي: من بلغه خبر منسوخ، أو آية منسوخة، ولم يعلم بنسخ ذلك، فالعامي والعالم في ذلك سواء، والواجب عليهما بلا شك العمل بذلك المنسوخ، ولم يؤمرا قط بتركه إلا إذا بلغهما النسخ، قال تعالى: * (لانذركم به ومن بلغ) *، فأخبر تعالى أنه لا تلزم النذارة إلا من بلغه الامر، فما دام النسخ لم يبلغه فلم يلزمه.\rوإذا لم يلزمه فلم يؤمر به: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) *، وليس في وسع أحد أن يعلم ما لم يعلم في حين جهله به، ولا أن يعرف الشريعة قبل أن تبلغه، وقد لزمه الامر الاول بيقين، فلا يسقط عنه إلا ببلوغ الناسخ إليه بنص القرآن.\rوهكذا كان الصحابة الذين بأرض الحبشة، والصلاة قد فرضت بمكة إلى بيت المقدس وعرفوا","part":6,"page":863},{"id":865,"text":"ذلك فصلوا كذلك بلا شك، ثم حولت القبلة إلى الكعبة بالمدينة بعد ستة عشر\rشهرا من الهجرة، ولا خلاف بين أحد أنهم لم يلزمهم التحول إلى الكعبة ولا سقط عنهم فرض الصلاة، ولا كان لهم أن يصلوا إلى غير القبلة التي صح عندهم الامر بها، ما لم يبلغهم النسخ، وقد سمى الله تعالى صلاة من مات قبل أن يبلغهم بالنسخ إيمانا، فقال تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * وهكذا فعل أهل قباء صلوا نصف صلاتهم إلى بيت المقدس، ولا شك أنهم لم يبتدئوها إلى بيت المقدس إلا والقبلة قد نسخت، لكن لما لم يعلموا ذلك، لم يلزمهم ما لم يعلموا، ولا سقط عنهم ما كان لزمهم إلا بعد بلوغ النسخ إليهم.\rوهكذا القول في كل ما صح نسخه، ولم يصح عند بعض الناس.\rوأما إن قامت عليه الحجة فعاند تقليدا ففاسق، وهذا في غاية البيان فيما قلنا والحمد لله رب العالمين.\rوأما من بلغه الخبر المنسوخ أو الآية المنسوخة ولم يعرف أنهما منسوخان فأقدم على تركهما بغير علم الناسخ، فهو عاص لله تعالى، لانه ترك الفرض الواجب عليه لما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق.\rفهذا وجهان في النص المنسوخ الذي لم يبلغ المرء نسخه.\rثم وجهان آخران في عكس هذه المسألة: وهما نص غير منسوخ من آية أو كلام النبي (ص) ظنه عالم من العلماء منسوخا، فترك العمل به، وأفتى بذلك عاميا، وأخبره أن الحديث أو الآية منسوخان، فتركه العامي أو عملا به وهما يظنان ويقدران أنه منسوخ، وهذا خلاف ما تقدم، لانهما ههنا تركا العمل بما أوجبه الله تعالى عليهما، إلا أن من ترك ذلك مجتهدا - يرى أن الذي فعل هو الحق، ولم يتبين له غيره بعد - فهو مخطئ له أجر واحد ومن ترك ذلك مقلدا فهو عاص لله عزوجل آثم، لاحظ له في الآخرة أصلا لانه ترك الحق للباطل دون اجتهاد.\rفهذه أربعة أوجه: ثم وجهان آخران، وهما: من بلغه حديث صحيح فلم يصح عنده فعمل به","part":6,"page":864},{"id":866,"text":"أو تركه، فأما الذي عمل بحديث صحيح وهو يعتقد فيه أنه غير صحيح، فإنه مقدم على ما يرى أنه باطل فهو عاص لله تعالى بنيته في ذلك، فإن تركه وهو عنده غير صحيح، ولم تقم الحجة عليه بصحته، فهو محسن مأجور، ولا شئ عليه، لانه لم يبلغه بعد ما يلزمه اتباعه.\rوأما من صح عنده الخبر فتركه، فإنه لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون مقدما مستجيزا لخلاف ما صح عنده عن الله تعالى وعن نبيه صلى الله عليه وسلم فهذا فاسق في هذه النية عاص لله عزوجل ولا إثم عليه في نفس عمله بما وافق الحق، فهذا قسم.\rوقسم ثان وهو أن يستحل خلاف رسول الله (ص)، فهو كافر مشرك، لقول الله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) *.\rثم وجهان آخران: وهما عكس اللذين قبلهما، وهما: من بلغه حديث غير صحيح فظنه صحيحا فعمل به، فهذا مأجور على نيته واجتهاده أجرا واحدا، ولا إثم عليه فيما خالف فيه الحق، لانه لم يقصد، والاعمال بالنيات فلو تركه عمدا لكان متسهلا لخلاف ما صح عنده عن الله تعالى أو عن رسوله (ص) فهو عاص لله تعالى بهذه النية فقط، آثما فيها، فإن لم يكن مستسهلا لذلك لكن اتفق له ترك العمل بذلك.\rفلا إثم عليه، لانه لم يترك حقا وهذا حكم من أفتاه فقيه بفتيا غير صحيحة.\rفإنها لا تلزمه، ولا هو مأمور بها.\rولو كان عاصيا بترك العمل بها لكان مأمورا بها وهي باطل.\rفكان يكون مأمورا بالباطل.\rوهذا خطأ متيقن.\rلكنه إن تركها مستسهلا لترك العمل بالواجب عليه، فهو عاص بهذه النية فقط لا بتركه للعمل بغير الواجب.\rوبالله تعالى التوفيق.\rومن أفتى آخر بفتيا صحيحة إلا أنه لم يأته عليها بدليل، فإنه إن عمل بها مقلدا فهو آثم في تقليده مأجور - إن شاء الله تعالى - بعمله بها إن أراد الله تعالى.\rثم وجهان: وهما: من بلغه نص مخصوص فعمل به على عمومه، ولم يبلغه الخصوص، وترك العمل بعمومه، فوافق الحق وهو لا يعلمه، أو بلغه نص عام فتأول فيه الخصوص.","part":6,"page":865},{"id":867,"text":"فأما الذي عمل بالعموم في الخصوص ولم يبلغه الخصوص وهو يظنه عموما، فمأجور أجرين، لان فرضه أن يعمل بما بلغه حتى يبلغه خلافه، إذ وجوب الطاعة لله تعالى فرض عليه، فلو تأول أنه مخصوص دون دليل يقوم له على ذلك، لكن مطارفة، فعمل بالخصوص فوافق الحق، فإن كان مستسهلا لمخالفة ظاهر ما يأتيه عن الله تعالى أو عن رسوله (ص) بلا دليل، فهو فاسق عاص بهذه النية فقط غير عاص فيما فعل، لانه لم يخطئ في ذلك، فإن فعل ذلك باتفاق دون قصد إلى خلاف ما بلغه من الظواهر عن الله تعالى ورسوله عليه السلام فلا إثم عليه البتة.\rوالقياس وقول من دون النبي (ص) بغير نص ولا إجماع والرأي، كل ذلك خطأ، ولم يكن قط حقا البتة.\rثم وجهان: وهما حاكم شهد عنده رجلان - هما عنده عدلان - فوافق أن شهدا بباطل، إما عمدا وإما غلطا، فإنه حق مأمور بالحكم بشهادتهما.\rلانه قد ورد النص بقبول شهادة العدول عندنا.\rولم نكلف علم غيبهما، وقد قال رسول الله (ص): فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع\rله قطعة من النار فقد أخبر (ص) أنه يحكم بظاهر الشهادة أو اليمين، ولعل الباطن خلاف ذلك، وهو (ص) لا يحكم إلا بالحق الذي لا يحل خلافه.\rففرض على الحاكم أن يحكم بشهادة العدول عنده، وإن كانوا كاذبين أو مغفلين، وهو في ذلك مأجور أجرين، ولا إثم عليه فيما خفي عنه، فإن لم يحكم بتلك الشهادة فهو عاص لله عزوجل.\rفاسق بتلك النية وبعمله معا، والاثم عليه في تركه الحكم بها.\rثم وجهان: وهما: حاكم شهد عنده عدلان بحق فلم يعرفهما، فهو غير مأمور بالحكم بشهادتهما، ولا يحل له أن يحكم بها أصلا، وهما عنده مجهولان ولا إثم عليه فيما خفي عنه من ذلك، فلو حكم بها فهو آثم عاص بهذه النية وبعمله فاسق بها والاثم عليه في نفس حكمه، وإن كان بما وافق الحق.\rوعمدة القول في هذا الباب كله: أن الاثم ساقط عن المرء فيما لم يبلغه، والاثم لازم له فيما بلغه فخالفه عمدا أو تقليدا، وأنه لا يجب على المرء إلا ما جاء به النص أو الاجماع حقا، لا ما أفتاه به المفتون، مما لم يأت به نص ولا إجماع، وأخبر بأنه","part":6,"page":866},{"id":868,"text":"نص أو إجماع، وأنه مأجور على نيته ومثاب عليها، فإن كانت خيرا، فخير وإن كانت شرا فشر، وإن المرء لا يأثم بعمل ما أمر به وإن لم يعلم أنه مأمور به ولا يأثم بترك ما لم يؤمر به.\rوإن لم يعلم أنه ليس مأمورا به، وإن ظن أنه مأمور به لان النية غير العمل، إلا أن يبلغه نص فيخالفه، وإن كان مخصوصا أو منسوخا بعد أن يبلغه الناسخ أو المخصص.\rومن هذا الباب: من لقي امرأة فراودها عن نفسها فأجابته فوطئها، وهو يظنها أجنبية، فإذا بها امرأته، ولم يكن عرفها بعد ولا كان دخل بها، أو لقي إنسانا فقتله وهو يظنه مسلما حرام الدم، فإذا به قاتل أبيه عمدا أو كافر حربي، أو انتزاع مالا من مسلم كرها، فإذا به ماله نفسه، فكل هذا إن كان\rمستسهلا للزنى أو لغصب المال وقتل النفس فهو آثم بتلك النية فاسق بها عاص لله عزوجل، ولا إثم عليه في وطئه، ولا أخذه ماله.\rولا قتله الحربي ولا قاتل أبيه، لانه لم يواقع في ذلك إلا مباحا له.\rوقد يظن ظان أن المستسهل للاثم وإن لم يواقعه لا يكتب عليه إثم ذلك لما صح عن النبي (ص) من قوله: من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة.\rقال أبو محمد: وهذا الحديث بين أن الذي لا يكتب عليه إثم فهي السيئة التي لم يعملها، وهذا ما لا شك فيه، ولم يقل (ص) إن إثم الهم بالسيئة لا يكتب عليه، والهم بالشئ غير العمل به، قال ضابئ بن الحارث البرجمي: هممت ولم أفعل وكدت وليتني * * تركت على عثمان تبكي حلائله ثم استدركنا هذا، وتأملنا النصوص فوجدناها مسقطة حكم الهم جملة، وأنه هو اللمم المغفور جملته.\rفإن قال قائل: فقد صح عن النبي (ص) أنه أخبر أن: من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة قيل له: قد صح ذلك، وأخبر (ص) أن: الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن هم بسيئة ثم تركها قاصدا بتركها إلى الله تعالى، كتبت له حسنة بهذه النية الجميلة، فإن تركها لا لذلك لكن ناسيا أو مغلوبا أو بدا له فقط، فإنها غير مكتوبة عليه، لانه لم يعملها ولا أجر له في تركها، لانه","part":6,"page":867},{"id":869,"text":"لم يقصد بذلك الله تعالى.\rولا يكون من هم بالسيئة مصرا إلا من تقدم منه مثل ذلك الفعل، قال الله تعالى: * (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) * فصح أن لا إصرار إلا على من قد عمل بالشئ الذي هو مصر عليه، وهو عالم بأنه حرام عليه، وأما من هم بقبيح ولم يفعله قط، فهو هام به لا مصر عليه، بالنصوص التي ذكرنا.\rفإن قال قائل: ما تقولون في حربي كافر لقي مسلما فدعاه المسلم إلى الاسلام فأسلم، ثم علمه الشرائع، وقال له: هذه شرائع الاسلام، أيلزمه العمل بما أخبره من ذلك أم لا ؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق: الكلام في هذا كالكلام فيما تقدم.\rوهو أن ما كان مما أمره به موافقا للنص أو الاجماع، فهو واجب عليه قبوله، ومأجور فيه إن عمله أجران، وعاص فيه إن لم يفعله، وما كان من ذلك بخلاف النص فهو غير واجب عليه، ولا يأثم في ترك العمل به، إلا إن استسهل خلاف ما ورد عليه من النص، فهو آثم في هذه النية فقط، فلو عمل بذلك أجر أجرا واحدا بقصده إلى الخير فقط، ولم يؤجر على ذلك العمل، ولا إثم فيه، لانه ليس حقا فيؤجر عليه، ولم يقصد عمل الخطأ وهو يعلمه فيأثم عليه، وهذا حكم العامي في كل ما أفتاه فيه فقيه من الفقهاء.\rوهذا حكم العالم فيما اعتقده، وأفتى به، باجتهاد لا يوقن فيه أنه مصيب للحق عند الله عزوجل.\rفهي أربع مراتب هو: إنسان عمل بالحق وهو يدري أنه حق، فله أجران: أجر النية وأجر العمل، وآخر عمل الباطل وهو يدري وهو يدري أنه باطل، فله إثمان: إثم النية وإثم العمل، وقال تعالى: * (هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) *.\rفالنية عمل النفس المجرد، والعمل على الجوارح بتحريك النفس لها، فهما عملان متغايران، وثالث عمل بالحق وهو يظنه باطلا، أو ترك الباطل وهو يظن أن ذلك الباطل الذي ترك حق، فلا إثم عليه فيما عمل، ولا فيما ترك، لانه لم يعمل محرما عليه، ولا ترك واجبا عليه، ولا يؤجر أيضا في شئ من ذلك، لانه لم يقصد بنيته في ذلك وجه الله تعالى، فإن نوى في ذلك استسهال مخالفة الحق فهو آثم بهذه النية فقط، لا بما فعل ولا بما ترك.\rورابع عمل بالباطل وهو يظنه حقا أو ترك الحق وهو يظنه باطلا، فهذا مأجور في نيته للخير أجرا واحدا، ولا إثم عليه فيما فعل ولا فيما ترك ولا أجر أيضا، لانه لم يعمل صوابا فيؤجر.","part":6,"page":868},{"id":870,"text":"ولا قصد الباطل وهو يعلمه باطلا فيأثم، فهذه حقيقة البيان في هذه المسألة واليقين فيها والحق عند الله بلا شك، وما عدا هذا فحيرة ودعوى بلا دليل.\rفإن سأل العامي فقيهين فصاعدا فاختلفوا عليه، فقد قال قوم: يأخذ بالاخف، وقال قوم: يأخذ بالاثقل، وقال قوم: لا يلزمه منها، وقال قوم: هو مخير يأخذ ما يشاء من ذلك.\rقال أبو محمد: أما من قال: هو مخير، فقد أمره باتباع الهوى، وذلك حرام وأخطأ بلا شك، وجعل الدين مردودا إلى اختيار الناس يعمل بما شاء، وأجاز فيه الاختلاف، والله تعالى يقول: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * وقال تعالى: * (ولا تنازعوا فتفشلوا) * وقال تعالى: * (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) * فالاختلاف ليس من أمر الله تعالى الذي أباحه وأمر به.\rوقد علمنا أن حكم الله تعالى في الدين حكم واحد، وأن سائر ذلك خطأ وباطل، فقد خيره هذا القائل في أخذ الحق أو تركه، وأباح له خلاف حكم الله تعالى، وهذا الباطل المتيقن بلا شك، فسقط هذا القول بالبرهان الضروري.\rوأما من قال: يأخذ بالاثقل فلا دليل على صحة قوله أيضا، وكذلك قول من قال: يأخذ بالاخف، وكل قول بلا دليل فهي دعوى ساقطة، فإن احتج بقول الله عزوجل: * (يريد الله بكم اليسر) * فقد علمنا أن كل ما ألزم الله تعالى فهو يسر، وبقوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) *.\rقال أبو محمد: والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق: إنه إن أفتاه فقيهان فصاعدا بأمور مختلفة نسبوها إلى رسول الله (ص)، فهو غير فاسق بتركه قبول شئ منها، لانه إنما يلزمه ما ألزمه النص في تلك المسألة، وهو لم يدره بعده، فهو غير آثم بتركه ما وجب مما لم يعلمه، لكنه يتركهم ويسأل غيرهم، ويطلب الحق.\rمثال ذلك: رجل سأل: كيف أحج ؟ فقال له فقيه: أفرد، فهكذا فعل رسول الله (ص) في حجته التي لم يكن له بعد الهجرة غيرها.\rوقال له آخرون: اقرن، فهكذا فعل رسول الله (ص) في حجته التي لم تكن له بعد الهجرة غيرها.\rوقال له آخرون: تمتع، فهكذا فعل رسول الله (ص) في حجته التي","part":6,"page":869},{"id":871,"text":"لم يكن له بعد الهجرة غيرها، ففرض عليه أن يتركهم ويستأنف سؤال غيرهم، ثم يلزمه ما قلنا آنفا، قبل هذا من موافقته للحق أو حرمانه إياه بعد اجتهاده.\rويكون العامي حينئذ بمنزلة عالم لم يبين له وجه الحكم في مسألة ما، إما بتعارض أحاديث أو آي أو أحاديث وآي، فحكمه التوقف والتزيد من الطلب والبحث، حتى يلوح له الحق، أو يموت وهو باحث عن الحق، عالي الدرجة في الآخرة في كلا الامرين، ولا يؤاخذه الله تعالى بتركه أمرا لم يلح له الحق فيه لما قدمنا قبل من أن الشريعة لا تلزم إلا من بلغته وصحت عنده.\rوالاصل إباحة كل شئ بقوله تعالى: * (خلق لكم ما في الارض جميعا) * وبقوله (ص): أعظم الناس جرما في الاسلام من سأل عن أمر لم يحرم فحرم من أجل مسألته.\rوالاصل ألا يلزم أحدا شئ إلا بعد ورود النص وبيانه، وبقوله تعالى: * (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) * وبقوله عليه السلام: لو قلتها لوجبت فاتركوني ما تركتكم وبقوله (ص) في قيام رمضان: خشيت أن يفرض عليكم فمن علم أن عليه الحج ولم يدر كيف يقيمه، فلا يؤاخذ من تركه ما وجب عليه من عمل الحج إلا بما علم، لا بما لا يعلم، ولكن عليه التزيد في البحث حتى يدري كيف يعمل ثم حينئذ يلزمه الذي علم، ولا يؤاخذ الله تعالى أحدا بشئ لم تقم عليه الحجة، ولا صح عنده وجهه، لانه لم يبلغه ذلك الحكم،\rقال تعالى: * (لانذركم به ومن بلغ) *.\rوأما من قال: إن الفرض على العامي أن يقبل ما أفتاه به الفقيه - ولم يفسر كما فسرنا - فقد أخطأ.\rونحن نسأل قائل هذا القول فنقول له: إن كنت شافعيا فماذا تقول في عامي سأل مالكيا أو حنفيا عن رجل أعتق أمته وتزوجها وجعل عتقها صداقها ؟.\rفأفتاه بأنها ليست له بزوجة، وأن نكاحه فاسد، أتجيز له أن يعتر بغير طلاق، فيزوجها من غيره، فيبيح له فرجا حرمه الله عليه ؟ أو تراه عاصيا إن قام معها ؟.\rوإن كان مالكيا قلنا له: ما تقول في عامي سأل شافعيا أو حنبليا عن","part":6,"page":870},{"id":872,"text":"نكاح امرأة أمه أرضعته رضعتين فأفتاه بنكاحها، أتبيح له ذلك، وتقول: إنه لازم الاخذ بقوله.\rأو سأل حنفيا عن المساقاة، أتجوز ؟ فحرمها عليه، أيكون الاخذ بتحريم المساقاة واجبا عليه ؟.\rفإن قال نعم، قيل له: من أوجب عليه تحريم ذلك ؟، إذ يقول: إنه واجب عليه أن يأخذ بقول الفقيه الذي يفتيه، أنت أم الله عزوجل ؟ فإن قال: الله عزوجل، كذب على الله تعالى، وأقر مع ذلك أن الله تعالى أوجب عليه خلاف مذهبه، وإن قال: أنا أوجبت ذلك ترك مذهبه، وزادنا أنه يحرم ويحلل، وهذا خروج عن الاسلام.\rوكذلك يسأل الحنفي عن عامي استفتى مالكيا عن كلام الامام في الصلاة بما فيه إصلاحها، فأفتاه بجواز ذلك، أيلزمه الاخذ بقوله فيصير له الكلام في الصلاة مباحا ؟ ثم يلزمه كل ما ذكرنا آنفا.\rوهكذا نسأل كل معتقد لمسألة يستعظم مخالفة من خالفه فيها من عامي سأل فقيها فأفتاه بما يستعظمه هذا الذي نسأله نحن، أفرض الله تعالى عليه قبول ذلك المعنى أم لا ؟ فإن قال: لا، ترك قوله الفاسد: إن العامي قد فرض الله تعالى عليه قبول ما أفتاه الفقيه المسؤول، وإن لج وقال: نعم، صار حاكما بتحريم شئ وتحليله في وقت واحد على إنسان واحد من وجه واحد وبإيجابه وسقوطه في وقت واحد وجعل حكم الله تعالى مردودا إلى حكم ذلك المفتي، وجعل حكم ذلك المفتي مبطلا لحكم الله تعالى، ولحكم رسوله (ص) وجعل دين الله تعالى موكولا إلى آراء الرجال، ومتبدلا بتبدل الفتاوى، فمرة ساقطا ومرة لازما، وفي هذا مفارقة الاسلام، ومكابرة العقل، وإبطال الحقائق، وبالله تعالى التوفيق.\rوالناس فيما يعتقدونه ولا يخلون من أحد أربعة أوجه لا خامس لها: إما أن يكون المرء طلب الصواب فأداه اجتهاده إلى الصواب حقا فاعتقده على بصيرة، وإما أن يكون طلب الصواب فحرم إدراكه لبعض العوارض التي سبقت له في علم","part":6,"page":871},{"id":873,"text":"الله تعالى، وإما أن يكون قلد فوافق في تقليده الصواب، وإما أن يكون قلد فوافق في تقليده الخطأ.\rفأما الوجهان الاولان فقد قضى رسول الله (ص) بأن من اجتهد فأصاب فله أجران، وأن من اجتهد فأخطأ فله أجر، وقوله (ص): إذا اجتهد الحاكم عموم لكل مجتهد، لان كل من اعتقد في مسألة ما حكما ما فهو حاكم فيها لما يعتقد، هذا هو اسمه نصا لا تأويلا، لان الطلب غير الاصابة، وقد يطلب من لا يصيب على ما قدمنا، ويصيب من لا يطلب، فإذا طلب أجر فإذا أصاب فقد فعل فعلا ثانيا، يؤجر عليه أجرا ثانيا أيضا.\rفإن أشكل عليه بعد طلبه، فلم يأت محرما عليه ولا اعتمد معصية، فلا إثم عليه ولم يفعل ما أمر به من الاصابة فلا أجر له فيما لم يفعل، وله بالطلب أجر واحد.\rولكن الطلب يختلف، فمنه طلب أمر به، وطلب لم يؤمر به، فالطلب الذي أمر به هو الطلب في القرآن والسنن ودليلهما، فمن طلب في هذه المعادن الثلاثة فقد طلب كما أمر.\rفله أجر الطلب، لانه مؤد لما أمر به منه على ما ذكرنا.\rوالطلب الذي لم يؤمر به هو الطلب في القياس، وفي دليل الخطاب وفي الاستحسان وفي قول من دون النبي (ص)، فلم يطلب كما أمر، فلا أجر له على طلب ذلك لكن لما كانت نيته بذلك القصد إلى الله عزوجل وطلب الحق وابتغاءه، كان غير قاصد إلى الخطأ وهو يدري أنه خطأ، فله من ذلك نية من هم بخير وهم بحسنة، وهي الطلب الذي لم يفعله.\rوقد صح عن رسول الله (ص) أنه قال: من هم بحسنة ولم يعملها فإنها تكتب له حسنة والحسنة بلا شك أجر، فالاجر هنا يتفاضل، فمن هم بالطلب ثم طلب كما أمر فله عشر حسنات، لانه هم بحسنة فعملها، ومن هم بالطلب كما أمر، فله حسنة واحدة، لانه لم يعملها كما أمر.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد ابن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم، ثنا أبو كريب، ثنا أبو خالد الاحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة","part":6,"page":872},{"id":874,"text":"ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت.\rوبه إلى مسلم: حدثنا شيبان بن فروخ، ثنا عبد الوارث - هو ابن سعيد التنوري، عن الجعد أبي عثمان، ثنا أبو رجاء العطاري، عن ابن عباس، عن رسول الله (ص)\rفيما يروي عن ربه تعالى قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة.\rقال أبو محمد: وأما القسم الثالث: وهو المقلد المصيب، فهو في تقليده عاص لله عزوجل، لانه فعل أمرا قد نهاه الله عنه وحرمه عليه، فهو آثم بذلك ويبعد عنه أجر المعتقد للحق، لانه لم يصبه من الوجه الذي أمره الله تعالى به، وكل من عمل عملا بخلاف أمر الله تعالى فهو باطل.\rولا شك أن المجتهد المخطئ أعظم أجرا من المقلد المصيب وأفضل، لان المقلد المصيب آثم بتقليده غير مأجور بإصابته والمجتهد المخطئ مأجور باجتهاده غير آثم لخطئه، فأجر متيقن وأجر مضمون أفضل من أجر محروم وإثم متيقن بلا شك.\rفإن قال قائل: فردوا شهادة كل مسلم لم يعرف الاسلام من طريق الاستبدال لانه مقلد، والمقلد عاص، قيل له: ليس من اتبع من أمره الله تعالى باتباعه مقلدا، بل هو مطيع فاعل ما أمر به، محسن، وإنما المقلد من اتبع من لم يأمره الله تعالى باتباعه.\rفهذا عاص لله تعالى، ثم لو علمنا أن هذا المسلم إنما اعتقد من الاسلام تقليدا لابيه وجاره ولمن نشأ معه، ولو أنه نشأ من غير المسلمين لم يكن مسلما، لما جاز قبول شهادته، وهذا لا يبعد من الكفر، بل إن عقد نيته على هذا فهو كافر بلا شك.\rوكذلك أخبر النبي (ص) إذ وصف فتنة الناس في قبورهم، فقال (ص): وأما المنافق أو المرتاب - لا ندري أسمى أي ذلك قال - فيقول: لا أدري.\rسمعت الناس يقولون شيئا فقلته وهذا نص ما قلنا، والمسلمون - بحمد الله - في أغلب أمورهم مبعدون عن هذا، بل تجد منهم الاكثر من عقد قلبه على أنه لو كفر أبوه وأهل مصره ما كفر هو ولو أحرق\rبالنار فهذا ليس مقلدا والحمد لله رب العالمين.","part":6,"page":873},{"id":875,"text":"وكذلك من قلد في فتيا أو نحلة وقامت عليه الحجة فعند فهو فاسق مردود الشهادة، ولو لم يفهمها فهو معذور، ولا يضر ذلك شهادته، قال الله تعالى: * (يجادلونك في الحق بعدما تبين) * فذم عزوجل من عند بعد أن تبين له الحق، وعذر النبي (ص).\rعمر إذ لم يفهم آية الكلالة، فهذا فرق ما بين الامرين، وبالله تعالى التوفيق، وأما القسم الرابع، وهو المقلد المخطئ، فله إثم معصية التقليد، وإثم المعصية باعتقاده الخطأ، فعليه إثمان.\rوقد يخرج على القسم الثالث الحديث المأثور عن النبي (ص): إن الرجل ليصلي الصلاة وما له منها إلا نصفها، ثلثها، ربعها فيكون ذلك على قدر ما وافق فيه الحق من أحكام صلاته.\rوقد بينا فيما خلا كيفية اجتهاد طالب الفقه، وما يلزمه من معرفة الرواة والثقات والمجرحين والمسند المرسل، وبناء النصوص بعضها على بعض من الآي والاحاديث والاستثناء، والاضافة، وزيادات العدول، والناسخ والمنسوخ، والمحكم، والعام، والخاص، والمجمل والمفسر، والاجماع والاختلاف وكيفية الرد إلى القرآن والسنة، وفهم البراهين والشغب، على حسب ما تنتهي إليه طاقته، وبينا في هذا الباب وجه اجتهاد العامي.\rوأما من أباح للعامي أن يقلد فقد أخطأ بالبراهين التي قدمنا، من نهي الله تعالى عن التقليد جملة، ومع خطئه فقد تناقض، لان القائل بما ذكرنا قد أوجب على العامي البحث عن أفقه أهل بلده، وهذا النوع من أنواع الاجتهاد، فقد فارق التقليد وتركه، ولم يقل أحد أن العامي يقلد كل من خرج إلى يده.\rفقد صح معنى ترك التقليد من العامي وغيره بإجماع لما ذكرنا آنفا، وإن أجاز\rلفظه مجيزون ناقضون في إجازتهم إياه، وكل من أقر بلفظ وأنكر معناه فقد أقر بفساد مذهبه، وأيضا فإنه إن بحث عن أفقه أهل بلده لم يكد يجد اتفاقا على ذلك، بل في الاغلب يدله قوم على رجل، ويدله آخرون على آخر.\rوأيضا فقد يحمل اسم التقدم في الفقه في بلد ما عند العامة من لا خير فيه،","part":6,"page":874},{"id":876,"text":"ومن لا يعلم عنده، ومن غيره أعلم منه، وقد شهدنا نحن قوما فساقا حملوا اسم التقدم في بلدنا، وهم ممن لا يحل لهم أن يفتوا في مسألة من الديانة، ولا يجوز قبول شهادتهم.\rوقد رأيت أنا بعضهم، وكان لا يقدم عليه في وقتنا هذا أحد في الفتيا، وهو يتغطى الديباج الذي هو الحرير المحض لحافا، ويتخذ في منزله الصور ذوات الارواح من النحاس والحديد تقذف الماء أمامه، ويفتي بالهوى للصديق فتيا، وعلى العدو فتيا ضدها، ولا يستحي من اختلاف فتاويه على قدر ميله إلى من أفتى وانحرافه عليه، شاهدنا نحن هذا عيانا، وعليه جمهور أهل البلد، إلى قبائح مستفيضة، لا نستجيز ذكرها لاننا لم نشاهدها.\rهذا مع ما فشا في الناس من فتيا من يسمونه في الفقه: بالتقليد والقياس والاستحسان، وإنما أوقع العامة في سؤالهم حسن الظن بهم أنهم لا يقدمون على الفتيا بغير علم، ولا بما لا يصح عندهم عن النبي (ص)، ولو علمت العامة أنهم ليس عندهم في أكثر ما يفتونهم به علم عن الله عزوجل، ولا عن رسول الله (ص) وأنهم يوقعونهم في مخالفة القرآن والسنة، ما سألوهم ولا استفتوهم، بل لعلهم كانوا يقدمون عليهم إقداما يتلفهم.\rفمن استفتى فقيهين فأفتاه كل واحد منهما بفتيا غير الذي أفتى به الآخر، وقال له أحدهما: كذا قال الله عزوجل، وقال الآخر: كذا قال رسول الله (ص) فاللازم له أن يأخذ بقول رسول الله (ص) لقوله عزوجل: * (لتبين للناس\rما نزل إليهم) *، ولانه (ص) لا يخالف ربه عزوجل، لكنه يبين مراده تعالى، ولانه لولا رسول الله (ص) لم نعلم أن القرآن كلام الله تعالى، ولا درينا دين الله تعالى، ولا عرفنا مراد ربنا تعالى، ولا أوامره ولا نواهيه، ولا خلاف بين أحد المسلمين في وجوب المصير إلى قوله (ص) وترك ما أمرنا أن نترك العمل به من القرآن.\rفمن ذلك أنه لا خلاف بين أحد من المسلمين - حاشا الازارقة - في وجوب الرجم على الزاني المحصن، وليس ذلك في القرآن، ولا في عدد الصلوات وكيفية أخذ الزكوات، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها - إلا من شذ عن الحق في ذلك، وليس في القرآن شئ من ذلك أصلا.\rوهكذا سائر الاحكام والعبادات كلها، وبالله","part":6,"page":875},{"id":877,"text":"تعالى التوفيق، وبرهان قولنا في هذا ما حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي، ثنا محمد بن إسحاق بن السليم، عن ابن الاعرابي عن أبي داود، نا أحمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه عن النبي (ص) أنه قال: لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الامر بما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري، ما وجدناه في كتاب الله تبعناه.\rفصل وقال قوم بتقليد أهل المدينة، وقد ذكرنا في باب الكلام في الاخبار من كتابنا هذا وفي باب الاجماع من كتابنا هذا بطلان من احتج بعمل أهل المدينة وإجماعهم، فأغنى عن تردده، ولكن لا بد أن نذكر ههنا طرفا نشاكل غرضنا في هذا الباب إن شاء الله تعالى.\rاحتج قوم في تقليد أهل المدينة بقبول قولهم في المد، والصاع، وهذا لا حجة لهم فيه، لان هذا داخل فيما نقلوه مسندا بالتواتر، على أن ذلك أيضا مما قد\rاختلفوا فيه، فقد روي عن موسى بن طلحة بن عبيد الله - وهو مدني - ما يخالف قولهم ويوافق قول أبي حنيفة.\rولو كان قبول قولهم في المد والصاع موجبا لقبول قولهم في غير ذلك، لوجب تقليد أهل مكة في جميع أقوالهم، لاتفاق الامة كلها يقينا بلا خلاف من أحد منهم، على قبول قولهم في موضع عرفة، وموضع مزدلفة، وموضع منى، وموضع الجمار، وموضع الصفا، وموضع المروة، وحدود الحمى.\rفما خالف أحد من جميع فرق الاسلام، لا قديما ولا حديثا، قول أهل مكة.\rان هذه المواضع هي التي تعبدنا بها بما جاءت به النصوص وهذا أكثر من المد والصاع، على أن الامة لم توافق قولهم في المد والصاع.","part":6,"page":876},{"id":878,"text":"وأيضا فإن قولهم في المد والصاع هو أقل ما قيل، فهو حجة عندنا من هذه الجهة، كما لو قال غيرهم ذلك سواء ولا فرق، لان ما قالوا: الصاع ثمانية أرطال، وقال قوم: أكثر من ذلك، وقال جمهور أهل المدينة وقوم من غيرهم: خمسة أرطال ونيف.\rفكان هذا المقدار متفقا على وجوب إخراجه في زكاة الفطر، وجزاء الصيد، وكفارة الواطئ في رمضان، والمظاهر، وحلق الرأس للمحرم قبل بلوغ الهدي محله، فوجب الوقوف عند الاجماع في ذلك، وكان ما زاد مختلفا فيه لم يجب القول به إلا بنص.\rولا نص مسندا صحيحا في ذلك، فلم يجب القول بإخراج الزيادة على ذلك، بغير نص ولا إجماع، وأجمعت الامة كلها، بلا خلاف في أحد منها، على أن المد والصاع المذكورين في زكاة الفطر هما المذكوران في المقدار الذي تلزم فيه الزكاة من الحب والتمر، وأنهما سواء، فلما صح المقدار المذكور في زكاة الفطر، صح أنه يعينه في زكاة الحب والتمر، ولا فرق، ويكفي من هذا أنه نقل مبلغ إلى رسول الله (ص) بالكافة.\rوأما الخلاف في المد والصاع، فإنما هو خلاف رأي، لا خلاف رواية عن النبي (ص)، فسقط ذلك الخلاف، والحمد لله رب العالمين.\rواحتجوا في ذلك بما روي من قول عبد الرحمن بن عوف لعمر رضي الله عنهما: إن الموسم يجمع رعاع الناس، فاصبر حتى تأتي المدينة فتخلو بوجوه الناس.\rفالجواب: أن رسول الله (ص) أولى أن يتبع من عبد الرحمن بن عوف، وهذا رسول الله (ص) لم يجعل التبليغ الذي أمره الله به إلا في مكة في حجة الوداع في الموسم الجامع لكل عالم وجاهل.\rوهنالك قال رسول الله (ص): ألا هل بلغت فقال الناس: اللهم نعم فقال (ص): اللهم اشهد ولم يجعل (ص) ذلك التبليغ العام الذي أقام به الحجة، في المدينة ولا في خاص من الناس، ولا بحضرة وجوه الناس خاصة دون الرعاع وكذلك لم يكتف رسول الله (ص) بقراءة سورة براءة في المدينة، وهي آخر سورة نزولا، وهي الجامعة للسير وأحكام الخلافة والامامة، حتى يبعث بها عليا ليقرأ في الموسم بمكة، في حجة أبي بكر رضي الله عنهما، بحضرة كل من حضر.\rوإنما يكون الانفراد بوجوه الناس في الآراء التي تدار، ويستضر بكشفها","part":6,"page":877},{"id":879,"text":"وتجري مجرى الاسرار، ومثل هذا كانت مقالة عمر، التي حضه عبد الرحمن على تأخيرها إلى أن يخلو بوجوه الناس، ولم تكن من الشرائع الواجب معرفتها، من الفرض والحرام والمباح، ونحن إنما نتكلم مع خصومنا في الشرائع التي تلزم أهل صين الصين والخالدات ومن في حوزارين وأقاضي الزنج، وأقاضي بلاد الصقالبة.\rكما يلزم الصحابة وأهل المدينة لزوما مستويا لا تفاضل فيه ولم ننازعهم في إدارة رأي، وفي تحذير من طالب خلافة.\rفلو تركوا التمويه لكان أولى بهم ولو كانت تلك المقالة من واجبات الشرائع ما أخرها عمر ولا أمره ابن عوف بتأخيرها.\rوالعجب أن القائلين بهذا قد خالفوا إجماع أهل المدينة حقا فمن ذلك سجودهم مع عمر في * (إذا السماء انشقت) * يوم جمعة، فقالوا: ليس عليه العمل فتركوا إجماع أهل المدينة.\rومن ذلك اشتراكهم في الهدي يوم الحديبية.\rفقالوا: ليس عليه العمل فتركوا إجماع أهل المدينة الصحيح، وادعوه حيث لا يصح، وهكذا يكون عكس الحقائق والامور في الديانة لا تؤخذ إلا من نص منقول، ولا نص على وجوب اتباع أهل المدينة دون غيرهم، فإذا كان ذلك دعوى بلا برهان فهو افتراء على الله عز وجل أنه أوجب ذلك.\rوهو تعالى لم يوجبه، وهذا عظيم جدا ونسأل الله التوفيق.\rوإذا كان نقل أهل المدينة وغيرهم إنما حكمه أن يراعى الفاسق فيجتنب نقله، والعدل فيقبل نقله، ففي المدينة عدول وفساق ومنافقون، وغيرهم شر خلق الله تعالى وفي الدرك الاسفل من النار، وقال تعالى: * (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين) * وقال تعالى: * (إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار) *.\rوفي سائر البلاد أيضا عدول وفساق ومنافقون ولا فرق.\rوكيف يدعي هؤلاء المغفلون تقليد أهل المدينة وهم يخالفون عمر بن الخطاب في نيف وثلاثين قضية من موطأ مالك خاصة، وخالفوا أبا بكر، وعائشة وابن عمر وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري وغيرهم من فقهاء المدينة في كثير من أقوالهم جدا، فإن كان تقليد أهل المدينة واجبا فمالك مخطئ في خلافه لهؤلاء فيجب عليهم أن يتركوه إذا خالف من أهل المدينة.","part":6,"page":878},{"id":880,"text":"والحقيقة التي لا شك فيها هي أن مرادهم بالدعاء إلى أهل المدينة، والتشييع بوجوب طاعتهم، إنما هو دعاء إلى قول مالك وحده، لا يبالون بأحد سواه من أهل المدينة، وأعجب من هذا أنهم فيما يدعون فيه إجماع أهل المدينة من المسائل،\rليس عندهم في صحة ذلك إلا نقل مالك وحده ومن المحال أن يثبت الاجماع بنقل واحد لا برهان بيده وكل ما جوزوه على سائر الثقات من رواة الحديث عن النبي (ص) وعمن دونه إلى قيام الساعة، فهو جائز على مالك ولا فرق، فظهر بطلان قولهم لكل ذي حس سليم.\rوأيضا فإن مالك بن أنس رحمه الله لم يد إجماع أهل المدينة في موطئه إلا في نحو ثمان وأربعين مسألة فقط، مع أن الخلاف موجود من أهل المدينة في أكثر تلك المسائل بأعيانها، وأما سائرها فلا خلاف فيها بين أحد لا مدني ولا غيره، ولم يدع إجماعا في سائر مسائله فاستجاز أهل الجهل على الحقيقة من اتباعه الكذب المجرد والجهل الفاضح، ونعوذ بالله من الخذلان، في إطلاق الدعوى على جميع أقوالهم أو أكثرها، أنها إجماع أهل المدينة.\rوحتى لو صح لهم هذا القول الفاسد، لوجب ألا تقبل رواية القاسم وأشهب وابن عبد الحكم وسائر المالكيين قديما وحديثا، لانهم ليسوا مدنيين.\rفإن قال قائل: إنهم أخذوا عن أهل المدينة.\rقيل: وكذلك أهل البصرة والكوفة والشام ومصر ومكة واليمن، أخذوا عن أصحاب رسول الله (ص) الذين هم أفضل وأعلم من الذين أخذ عنهم المذكورون وأخذوا عن رسول الله (ص) الذي به هدى الله تعالى من شاء من أهل المدينة وغيرهم والقرآن واحد مشهور في غير المدينة كما هو بالمدينة وسنن الرسول (ص) معروفة منقولة في غير المدينة كما هي بالمدينة، والدين واحد ويهب الله من يشاء، من أهل المدينة وغير أهل المدينة، ما شاء من الحظ في دينه والفهم في كتابه وأهل المدينة وغيرهم سواء، ولا فرق بينهم وما عدا هذا القول فإفك وزور وكذب وبهتان وبالله التوفيق.\rوقد ذكرنا أن مالكا وأبا حنيفة والشافعي لم يقلدوا، ولا أجازوا لاحد أن يقلدهم، ولا أن يقلد غيرهم.","part":6,"page":879},{"id":881,"text":"وروي أن مالكا أفتى في مسألة في طلاق البتة: أنها ثلاث، فنظر إلى أشهب قد كتبها، فقال: امحها، أنا كلما قلت قولا جعلتموه قرآنا ما يدريك لعلي سأرجع عنها غدا فأقول: هي واحدة.\rوهذا ابن القاسم لا يرى بيع كتب الرأي، لانه لا يدري: أحق فيها أم باطل ؟ ويرى جواز بيع المصاحف وكتب الحديث، لانها حق.\rوقال مالك عند موته: وددت أني ضربت بكم مسألة تكلمت فيها برأيي سوطا على أنه لا صبر لي على السياط.\rوذكر الشافعي حديث عن النبي (ص)، فقال له بعض جلسائه: يا أبا عبد الله أنأخذ به ؟ فقال له يا هذا أرأيت علي زنارا ؟ أرأيتني خارجا من كنيسة ؟ حتى تقول لي في حديث النبي (ص) أنأخذ بهذا، ولم يزل رحمه الله في جميع كتبه ينهي عن تقليده وتقليد غيره، وهكذا حدثني القاضي أبو بكر حمام بن أحمد عن عبد الله بن محمد الباجي، عن القاضي أسلم بن عبد العزيز بن هشام، عن أبي إبراهيم المزني عن الشافعي.\rفترك هؤلاء القوم ما أمرهم به أسلافهم، وعصوهم في الحق، واتبعوا آراءهم تقليدا وعناد للحق.\rحدثنا القاضي يونس بن عبد الله، ومحمد بن سعيد بن نبات، قال يونس: نا يحيى بن مالك بن عائن، نا أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل الخشاب، نا أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، نا إبراهيم بن أبي الجحيم، نا محمد بن معاذ، نا سفيان بن عيينة، وقال محمد بن سعيد: نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا أبو موسى الزمن - هو محمد بن المثنى - ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، ثم اتفق ابن عيينة والثوري\rواللفظ للثوري: عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: قال معاوية لابن عباس: أنت على ملة علي ؟ قال: لا، ولا على ملة عثمان، أنا على ملة النبي (ص).\rقال محمد بن المثنى: وثنا مؤمل، نا سفيان الثوري، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال لي معاوية: أنت قلت ما أنا بعلوي ولا عثماني ولكني على ملة رسول الله (ص).","part":6,"page":880},{"id":882,"text":"حدثنا يونس بن عبد الله، نا يحيى بن مالك بن عائذ، حدثنا الحسين بن أحمد بن أبي حنيفة، نا أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، نا يوسف بن يزيد القراطيسي، نا سعيد بن منصور، نا هشيم عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي قال: كان يكره أن يقال: سنة أبي بكر وعمر، ولكن سنة الله عزوجل، وسنة رسوله (ص).\rقال أبو محمد: فإذا كان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم لا يستجيزون نسبة ما يعبدون به ربهم ولا مذاهبهم إلى أبي بكر، ولا إلى عمر، ولا إلى عثمان، ولا إلى علي، ولا ينتسبون إلى أحد دون رسول الله (ص)، فكيف بهم لو شاهدوا ما نشاهده من المصائب الهادمة للاسلام على من امتحنه الله به من الانتماء إلى مذهب فلان وفلان، والاقبال على أقوال مالك وأبي حنيفة والشافعي، وترك أحكام القرآن وكلام النبي (ص) ظهريا والحمد لله على تثبيته إيانا على دينه وسنته التي مضى عليها أهل الاعصار المحمودة، قبل أن تحدث بدعة التقليد وتفشو، وبالله نعتصم.\rكتب إلي النمري يوسف بن عبد الله الحافظ، نا سعيد بن نصر، نا قاسم بن أصبغ، ثنا ابن وضاح، نا موسى بن معاوية، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان الثوري، عن يزيد بن أبي زيادة، عن إبراهيم - هو النخعي - عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم عليها الكبير، وتتخذ سنة مبتدعة جرى عليها الناس، فإذا غير منها شئ قيل، غيرت السنة ؟ قيل: متى\rذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: إذا كثر قراؤكم، وقل فقهاؤكم، وكثر أمراؤكم، وقل أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين.\rحدثنا أحمد بن عمر العذري، نا أبو ذر عبد بن أحمد، نا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، نا إبراهيم بن خزيم بن مهر، نا عبد بن حميد، نا محمد بن الفضل، ثنا الصعق بن حزن، عن عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود أن رسول الله (ص) قال له: يا عبد الله بن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: أتدري أي الناس أفضل ؟ قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإن أفضل الناس أفضلهم عملا إذ فقهوا في دينهم، ثم قال: يا عبد الله بن مسعود قلت: لبيك يا رسول الله قال: هل تدري أي الناس أعلم ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرا في العمل، وإن كان تزحف على استه.","part":6,"page":881},{"id":883,"text":"كتب إلي النمري: نا سعيد بن سيد، نا عبد الله بن محمد، نا أحمد بن خالد، نا ابن وضاح، نا إبراهيم بن محمد الشافعي، نا أبو عصام رواد الجراح العسقلاني، عن سعيد بن بشر، عن قتادة قال: من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه.\rكتب إلي النمري: ثنا أحمد بن سعيد بن بشر، نا أحمد بن أبي دليم، نا ابن وضاح، ثنا إبراهيم بن يوسف الفريابي، نا ضمرة بن ربيعة، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه أنه قال: لا ينبغي لاحد أن يفتي أحدا من الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه، هكذا روينا عن سعيد بن جبير.\rوهكذا قال أحمد بن حنبل وغيره.\rكتب إلي النمري قال: روى عيسى بن دينار عن أبي القاسم قال: سئل مالك قيل له: لمن تجوز الفتيا ؟ قال: لا تجوز الفتيا إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه، قيل له: اختلاف أهل الرأي ؟ قال: لا، اختلاف أصحاب محمد (ص)\rوعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن، وحديث النبي (ص) وكذلك يفتي ولا يجوز لمن لم يعلم الاقاويل أن يقول: هذا أحب إلي قال النمري: وقال يحيى بن سلام: لا ينبغي لمن لم يعرف الاختلاف أن يفتي، ولا يجوز لمن لا يعلم الاقاويل أن يقول: هذا أحب إلي.\rكتب إلي النمري: نا خلف بن القاسم، نا الحسن بن رشيق، نا علي بن سعيد الرازي، نا محمد بن المثنى، نا عيسى بن إبراهيم، سمعت يزيد زريع يقول: سمعت: سعيد بن أبي عروبة يقول: من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالما.\rكتب إلي النمري: أخبرني خلف بن القاسم، نا محمد بن شعبان القرظي، نا إبراهيم بن عثمان، نا عباس الدوري قال: سمعت قبيصة بن عقبة يقول: لا يفلح من لم يعرف الاختلاف.\rكتب إلي النمري: أخبرني قاسم بن محمد، نا خالد بن سعيد، نا محمد بن فطيس، نا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت أشهب يقول: سئل مالك عن اختلاف أصحاب رسول الله (ص) ؟ فقال، خطأ وصواب فانظر في ذلك.\rكتب إلي النمري: وذكر يحيى بن إبراهيم بن مزين، حدثني أصبغ قال: قال ابن القاسم، سمعت مالكا والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله (ص)","part":6,"page":882},{"id":884,"text":"ليس كما قال ناس، فيه توسعة، ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب.\rكتب إلي النمري: أخبرني عبد الرحمن بن يحيى، أنا أحمد بن سعيد، نا محمد ابن ريان، نا الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك أنه قال في اختلاف أصحاب رسول الله (ص): مخطئ ومصيب، فعليك بالاجتهاد، وذكره إسماعيل في المبسوط عن أبي ثابت المدني عن ابن القاسم عن مالك.\rكتب إلي النمري: نا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، نا أحمد بن\rزهير، حدثني أبي، عن سعيد بن عامر، ثنا شعبة، عن الحاكم بن عتيبة قال: ليس أحد من خلق الله تعالى إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي (ص).\rكتب إلي النمري: ثنا خلف بن القاسم، نا ابن أبي العقب بدمشق، نا أبو زرعة، ثنا ابن أبي عمر، نا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ليس أحد من خلق الله عزوجل إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي (ص).\rكتب إلي النمري: نا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، نا أحمد بن زهير، أنا الغلاقي، نا خالد بن الحارث قال: قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله.\rكتب إلي النمري: نا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، نا ابن وضاح، ثنا يوسف بن عدي، نا أبو الاحوص، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري في قوله عزوجل: * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) * قال: أما أنهم لو أمروهم أن تعبدوهم من دون الله تعالى ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله تعالى حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية.\rقال ابن وضاح، وحدثنا موسى بن معاوية، نا وكيع، نا سفيان والاعمش جميعا، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري قال: قيل لحذيفة بن اليمان في قول الله تعالى: * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) * أكانوا يعبدونهم ؟ قال: لا ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه.\rكتب إلي النمري: أنا سعيد بن نصر، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا ابن وضاح، ثنا موسى ابن معاوية، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: قال معاذ بن جبل: يا معشر العرب، كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع","part":6,"page":883},{"id":885,"text":"أعناقكم، وزلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن ؟ فسكتوا، فقال: أما العالم فإن\rاهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن افتتن فلا تقطعوا منه أناتكم، فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب، وأما القرآن فله منار كمنار الطريق، لا يخفى على أحد فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه ما شئتم فيه فكلوه إلى عالمه.\rوذكر باقي الحديث.\rقال أبو محمد: هذا هو نص ما ذهبنا، والحمد لله رب العالمين، في اتباع الظاهر وترك تقليد.\rكتب إلي النمري: ثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن أحمد بن مفرج، ثنا أبو سعيد البصري بمكة، ثنا الحسن بن عفان العامري، ثنا الحسين الجعفي، عن زائدة، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري قال: قال سليمان الفارسي.\rكيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم ؟ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وأما مجادلة منافق بالقرآن فإن للقرآن منارا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فخذوا، وما لم تعرفوا فكلوه إلى عالمه.\rكتب إلي النمري: ثنا عبد الوارث بن سفيان، ويعيش بن سعيد قالا: أنا قاسم ابن أصبغ، ثنا بكر بن حماد، ثنا بشر بن حجر، أنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن عطاء، يعني ابن السائب، عن أبي البختري، عن علي بن أبي طالب، قال: إياكم والاستنان بالرجال، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، ثم ينقلب لعلم الله عزوجل فيه، وذكر الحديث.\rكتب إلي النمري قال: ذكر ابن مزين، عن عيسى بن دينار، عن ابن القاسم، عن مالك قال: ليس كل ما قال رجل قولا، وإن كان له فضل، يتبع عليه، يقول الله عزوجل: * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) *.\rقال أبو محمد: لو اتبع مقلدوه وهذا القول منه لاهتدوا.\rونعوذ بالله من الخذلان.\rوقالوا أيضا: إن جمهور الصحابة كانوا بالمدينة، وإنما خرج عنها الاقل ومن المحال أن تغيب السنة عن الاكثر، ويدريها الاقل.\rكتب إلي النمري قال: ذكر ابن مزين، عن عيسى بن دينار، عن ابن القاسم، عن مالك قال: ليس كل ما قال رجل قولا، وإن كان له فضل، يتبع عليه، يقول الله عزوجل: * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) *.\rقال أبو محمد: لو اتبع مقلدوه وهذا القول منه لاهتدوا.\rونعوذ بالله من الخذلان.\rوقالوا أيضا: إن جمهور الصحابة كانوا بالمدينة، وإنما خرج عنها الاقل ومن المحال أن تغيب السنة عن الاكثر، ويدريها الاقل.\rقال أبو محمد: وهذا فاسد من القول جدا، لان الرواية إنما جاءت عن ألف صاحب وثلاثمائة صاحب ونيف، أكثرهم من غير أهل المدينة، وجاءت الفتيا عن","part":6,"page":884},{"id":886,"text":"مائة ونيف وثلاثين منهم فقط، أكثرهم من غير أهل المدينة، وهذه الامور لا تطلق جزافا، ولا يؤخذ الدين عمن لا يبالي أن يطلق لسانه بما لا يدري، ولا اهتبل به يوما من دهره قط، ولا شغل بالبحث عنه ليلة من عمره، وإنما يؤخذ ممن جعله وكده وعمدته، وآثره على طلب رياسة الدنيا، وأعده حجة ليلقى بها ربه، إذا سئل يوم القيامة.\rثم إن كل قولة قلدوا فيها مالكا، من تلك الآراء المضطربة، وتلك المسائل التي فيها القولان والثلاثة، وهي أكثر أقواله، فليس كل واحدة منها شهدها جميع أصحابه الباقين بالمدينة، نعم، ولا سائر الاحكام التي أسندها إلى من أسندها إليه إنما هي حكم حكم بها حاكم، إما رضيه غيره منهم، وإما سخطه، ومن ادعى إجماعهم على كل حكم حكم به بين أظهرهم أو علمهم به كلهم فضلا عن اجماعهم عليه، فقد ادعى الكذب الذي لا يخفى على أحد، إذ لا شك أنهم لم يكونوا كلهم ملازمين لكل حكم حكم به الامام هنالك أو قاضيه، فظهر سقوط ما احتجوا به، وبالله تعالى التوفيق.","part":6,"page":885},{"id":887,"text":"الاحكام - ابن حزم ج 7\rالاحكام\rابن حزم ج 7","part":7,"page":0},{"id":888,"text":"الجزء السابع بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الباب السابع والثلاثون في دليل الخطاب قال أبو محمد: هذا مكان عظيم فيه خطأ كثير من الناس وفحش جدا، واضطربوا فيه اضطرابا شديدا، وذلك أن طائفة قالت: إذا ورد نص من الله تعالى أو من رسوله (ص) معلقا بصفة ما أو بزمان ما أو بعدد ما، فإن ما عدا تلك الصفة، وما عدا ذلك الزمان.\rوما عدا ذلك العدد، فواجب أن يحكم فيه بخلاف الحكم في هذا المنصوص، وتعليق الحكم بالاحوال المذكورة دليل على أن ما عداها مخالف لها، وقالت طائفة أخرى، وهم جمهور أصحاب الظاهريين وطوائف من الشافعيين منهم أبو العباس بن سريج وطوائف من المالكيين، إن الخطاب إذا ورد كما ذكرنا لم يدل على أن ما عداه بخلافه، بل كان موقوفا على دليل.\rقال أبو محمد: هذا القول هو الذي لا يجوز غيره، وتمام ذلك في قول أصحابنا الظاهريين، أن كل خطاب وكل قضية فإنما تعطيك ما فيها، ولا تعطيك حكما في غيرها، لا أن ما عداها موافق لها، ولا أنه مخالف لها، لكن كل ما عداها موقوف على دليله.\rوتحير في هذا بعض أصحاب القياس من الحنفيين والشافعيين والمالكيين، كأبي الحسين القطان الشافعي، وأبي الفرج القاضي المالكي، لما رأوا عظيم تناقضهم في هذا الباب فقالوا: دليل الخطاب على مراتب، فمنه ما يفهم منه أن ما عدا القضية التي خوطبنا بها فحكمها كحكم هذه التي خوطبنا.\rومنه ما لا يفهم منه أن ما عدا القضية التي\rخوطبنا بها فحكمها بخلاف حكم هذه التي خوطبنا.\rومنه ما لا يفهم أن ما عدا","part":7,"page":887},{"id":889,"text":"القضية التي خوطبنا بها موافق لحكم هذه التي خوطبنا بها ولا مخالف.\rومثلوا القسم الاول بقوله تعالى: * (ولا تقل لهمآ أف) * قالوا: ففهمنا أن غير * (أف) * بمنزلة إف وبآيات كثيرة سنذكرها في باب القياس من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، لان ذلك المكان أمكن بذكرها.\rومثلوا القسم الثاني بأمثلة اضطربوا فيها، فقال الشافعيون والحنفيون: من ذلك قول رسول الله (ص): في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة قالوا: فدل ذلك على أن ما عدا السائمة لا زكاة فيها وأنها ليست بمنزلة السائمة وأدخل المالكيون هذا الحديث في القسم الاول وقالوا: بل مادل إلا أن غير السائمة بمنزلة السائمة، وقال الالوان: هذا بمنزلة من قال إذا دخل زيد الدار فأعطه درهما فيعلم أن هذا شرط فيه، وإنه إن دخل أعطى درهما وإن لم يدخل لم يعط شيئا.\rومثل المالكيون هذا القسم الآخر بقوله تعالى: * (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) * قالوا: فدل ذكر الركوب والزينة على أن ما عداهما ممنوع كالاكل ونحوه.\rقال أبو محمد: فأما هؤلاء المتحيرون الذين ذكرنا آخرا، يعني الذين قالوا: إن الخطاب قد يدل في مواضع على أن ما عداه بخلافه، ويدل في مواضع أخر على أن ما عداه ليس بخلافه، فإنهم لعبوا في هذا المكان بالخطاب كما يلعب بالمخراق، فمرة حكموا لغير المنصوص بأن المنصوص يدل على أن حكمه كحكمه، ومرة حكموا بأن المنصوص يدل على أن حكمه ليس كحكمه، فليت شعري كيف يمكن أن يكون خطابان يردان بالحكم في اسمين، فيفهم من أحدهم أن غير الذي ذكر مثل الذي ذكر، ويفهم من الآخر أن غير الذي ذكر بخلاف الذي ذكر ؟ وهذا ضد\rما فهم من الاول، وتالله ما خلق الله تعالى عقلا يقوم فيه هذا إلا عقل من غالط نفسه فتوهم ما لا يصح بدعوى لا يعجز عن مثلها أحد بلا دليل، وكل من لم يبال بما قال يقدر أن يدعي أنه فهم من هذا اللفظ غير ما يعطي ذلك اللفظ.\rقال أبو محمد: وأما أكياسهم فإنهم سموا القسم الاول قياسا وسموا الثاني دليل الخطاب، فقد رأوا إذ فرقوا بين معنى واحد باسمين أنهم قد سلموا بذلك من التناقض، وهم من التورط فيه بمنزلة من سمى كل ذلك دليل الخطاب ولا فرق.","part":7,"page":888},{"id":890,"text":"ونحن نسألهم من كلامهم فنقول لهم: ما الفرق بينكم إذ قالت طائفة منكم: إن ذكر السائمة يدل على أن غير السائمة بخلاف السائمة، وقالت طائفة أخرى، بل ذكر السائمة إلا على أن غير السائمة موافق لحكم السائمة ؟ ما الفرق بينكم وبين من عكس عليكم قولكم إن قول الله تعالى: * (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) *...إن ذكر القنطار يدل على أن ما عدا القنطار مثل القنطار، فقال: بل ما يدل ذكر القنطار إلا على أن ما عدا القنطار بخلاف القنطار فقد يفزع الخائن من خيانته إذا كانت كثيرة، وقد يحتقر اليسير فلا يخونه، فهلا جعلتم القنطار ههنا حدا للكثير كما جعلت طوائف منكم ذكره (ص) المائتي درهم في وجوب الزكاة فيها دليلا على أن العشرين دينارا كثير، فلا يحلف عند المنبر أحد في أقل منها، وأن ما دونها قليل فلا يحلف فيها إلا في مجلس الحاكم ؟ وجعلت طوائف أخر منكم ذكره (ص) ربع الدينار في قطع السارق دليلا على أن ربع الدينار كثير وأن ما عداه قليل، فلا يستباح فرج بأقل منه، ولا يحلف عند المنبر في أقل منه، وجعلت طوائف أخر ما رووا من ذكره (ص) عشرة دراهم في قطع السارق دليلا على أن العشرة دراهم كثيرة، وإن ما دونها قليل، فلا يستباح فرج بأقل منها، حتى جعلوا ذلك حدا فيما يسقط مما بين\rقيمة العبد ودية الحر.\rقال أبو محمد: ومما ادعوا فيه أنهم فهموا منه أن المسكوت عنه بخلاف حكم المنصوص عليه قوله تعالى: * (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) * قالوا: فهذا يدل على أن غير الحامل بخلاف الحامل.\rقال أبو محمد: هذا خطأ، لان المطلقة لا تخلو من أن يكون طلاقها رجعيا أو غير رجعي، فإن كان رجعيا فلها النفقة إذا كانت ممسوسة، كانت حاملا أو كانت غير حامل، باتفاق من جميعنا، وإن كان غير رجعي، فلا نفقة لها بنص السنة سواء كانت حاملا أو غير حامل، وإنما جاء النص المذكور في الطلاق الرجعي وبنص الآيات في قوله تعالى في الآية التي ابتدأ فيها في هذه السورة بتعليم الطلاق.\rثم عطف سائر الآيات عليها: * (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) * وهذا لا يكون إلا في رجعي، وأمسك تعالى عن ذكر غير الحامل في","part":7,"page":889},{"id":891,"text":"هذه السورة، فبينت السنة أن التي هي موطوءة وليست حاملا بمنزلة الحامل ولا فرق، ولا يحل لاحد أن يقول: لم سكت عن ذكر غير الحامل ههنا ؟ فإن قال ذلك مقدم، قيل له: سكت عن ذلك كما سكت فيها عن ذكر الخلع وعن ذكر المتوفى عنها زوجها وعن الفسخ وغير ذلك.\rفإن قالوا: قد ذكر الله تعالى ذلك في آيات أخر قيل: وكذلك أيضا قد ذكر وجوب النفقة لغير الحامل بسنة نبيه محمد (ص) ومن أراد أن يجد جميع الاحكام كلها في آية واحدة فهو عديم عقل متعلل في إفساد الشريعة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.\rوادعوا أن جماعة من أهل اللغة منهم المبرد وثعلب قالوا بذلك.\rقال أبو محمد: أما إدخال هذا الباب في اللغة فتمويه ضعيف وإيهام ساقط، لان\rاللغة إنما يحتاج فيها إلى أربابها في معرفة الحروف المجموعة التي تقوم منها الكلمات، وأن يخبرونا على ماذا تركبت من المسميات فقط.\rوأما معرفة هل يدخل في حكم الخبر عن الاسم ما قد أقروا لنا أنه ليس يقع عليه ذلك الاسم أو لا يدخل في حكمه، فليس هذا في قوة علم اللغة ولا من شروطها، إنما يظن هذا من اختلطت عليه العلوم ولم تبلغ قوته أن يفرق بينها.\rوهذا أمر موجود في طبائع العرب والعجم، وحتى لو صح ذلك عن ثعلب وعن المبرد وعن الاصمعي وخلف معهم - لكان قولهم مع قول جميع أهل اللغة أولهم عن آخرهم بلا خلاف منهم، بل قول أهل كل لغة للناس من عرب وعجم إن اسم حجر لا يفهم منه فرس، وإن اسم جمل لا يفهم منه كلب.\rوإن من قال: ركبت اليوم سفينة أنه لا يفهم منه أنه ركب أيضا حمارا، أو أنه لم يركبه، وأن من قال أكلت خبزا أنه لا يفهم منه أكل لحما مع الخبز أم لم يأكله ؟ ولكان في شهادة العقول كلها باتفاقها على صحة ما ذكرنا كغاية في إبطال قول من قال بخلاف ذلك كائنا من كان ومبين صدق من قال إنما عدا الخبر المخبر به موقوف على دليله.\rقال أبو محمد: واعترض بعضهم بما روي عن رسول الله (ص) من قوله في الاستغفار لمن مات من المنافقين: لازيدن على السبعين فقال هذا القائل: في هذا دليل على أن ما عدا السبعين يغفر لهم به ولا بد.","part":7,"page":890},{"id":892,"text":"قال أبو محمد: وهذا خطأ من وجهين: أحدهما أن ذلك دعوى بلا دليل، ولو قطع (ص) بذلك لكان حقا، ولكنه لم يقطع على ذلك، وأنه لما يئس من المغفرة لهم بالسبعين رجا بالزيادة، وهذا الحديث من أعظم حجة عليهم في دعواهم التي نسوا أنفسهم فيها فقالوا: إن ما عدا القنطار في قوله تعالى: * (وآتيتم إحداهن قنطارا) *، وما عدا الاف من قوله تعالى: فلا تقل لهمآ أف) * بمنزلة القنطار والاف\rفهلا قالوا: إن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين، كما قالوا: إن ما عدا القنطار بمنزلة القنطار أو هلا قالوا: إن ما عدا القنطار بخلاف القنطار.\rكما قالوا: إن ما عدا السبعين بخلاف السبعين، بل قد أكذب الله تعالى قولهم بإنزاله: * (سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) * وبنهيه تعالى نبيه (ص) عن الصلاة عليهم جملة، فبين تعالى بهذه الآية العامة أن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين.\rولا يظن جاهل أننا بهذا القول يلزمنا أن ما عدا المنصوص عليه له حكم المنصوص، ومعاذ الله من ذلك، ولو ظننا ذلك كما ظنوا لكنا مخالفين لرسول الله (ص) إذ رجا أن يكون ما عدا السبعين بخلاف السبعين، فإننا لم نقل إن بذكر السبعين وجب أن يكون ما عدا السبعين موافقا للسبعين ولا مخالفا لها، بل قلنا: ممكن أن يكون ما عدا السبعين موافقا للسبعين في ألا يغفر لهم، وممكن أن يكون بخلاف السبعين في أن يغفر لهم.\rوإنما ننتظر في ذلك ما يرد في البيان، كما فعل رسول الله (ص) ولا فرق، ثم ينزل الله تعالى ما شاء إما بموافقة لما قد ذكر وإما بمخالفة له، وكان الاصل إباحة الاستغفار جملة بقوله عزوجل: * (وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم) * والصلاة ههنا الدعاء بلا خلاف، والاستغفار دعاء، وهو نوع من أنواع الدعاء، فلما نص على خروج السبعين من جملة الدعاء لهم، كان ما بقي على ظاهر الاباحة المتقدمة، حتى نهى عن الاستغفار لهم جملة، وعن الصلاة عليهم البتة.\rوقد جاء نص الحديث هكذا كما قلنا من أخباره (ص) أنه مخير في ذلك فأخذ بظاهر اللفظ، حدثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب ابن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، نا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا","part":7,"page":891},{"id":893,"text":"أبو أسامة، نا عبيد الله بن عمير، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله (ص)\rقال حين اعترضه عمر في الصلاة على عبد الله بن أبي: إنما خيرني الله فقال: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) *، وسأزيد على السبعين فأخذ (ص) بظاهر اللفظ في التخيير، والاصل المتقدم في إباحة الاستغفار، حتى نهى عن ذلك جملة.\rوقال بعضهم: ما عدا الاسم المذكور فبخلاف المذكور إلا أن تقترن إليه دلالة.\rقال أبو محمد: فنقول له: ما الفرق بينك وبين من عارضك من أهل مذهبك ؟ أراد أن ينصر القياس نفسه، كما أردت أنت أن تنصر دليل الخطاب فنسيت نفسك، فقال لك: ما عدا الاسم المذكور فهو داخل في حكم المذكور ما لم تقترن إليه دلالة.\rقال أبو محمد: وهكذا يعرض للحمل المائل المرتب على غير اعتدال، وبخلاف القوام إذا أراد صاحبه أن يعدل أحد شقيه مال عليه الآخر، ثم يقال لهم جميعا: ما هذه الدلالة المقترنة التي يشير كل واحد منكما إليها ؟ أهي كهانة منكم، أم هي طبيعية توجب ضرورة، فهم ما ذكر كل واحد منكما على تضادكما ؟، أم هي نص واحد فهم لا يدعون كهانة، فلم يبق إلا أن يقولوا هي ضرورة توجب فهم كل ما لم يذكر أو أن يقولوا هو نص يبين حكم ما لم يذكره في هذا النص الآخر، فأي ذلك قالوا فقد وافقونا في قولنا: إنه لا يدل شئ مذكور على شئ لم يذكر، وإن الذي لم يذكر في هذا النص فإنما ننتظر فيه نصا آخر، إلا أن توجب ضرورة ما أن نعرف حكمه كما أوجبت ضرورة الحس في قوله تعالى: * (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) * إننا لا نقدر أن نمشي في الهواء ولا في السماء ولا أن نأكل من غير رزقه.\rواحتج بعضهم في قول أبي عبيد في قوله (ص): لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا وأنكر أبو عبيد قول من قال: إن ذلك إنما هي في الشعر الذي هجي به رسول الله (ص) فقال أبو عبيد:\rلو كان ذلك لكان قد أباح القليل من الشعر الذي هجي به رسول الله (ص) وذلك لا يحل.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، بل هو على خلاف ما ظنوا، وهو أن","part":7,"page":892},{"id":894,"text":"الاصل أن رواية الشعر حلال باستنشاد النبي (ص) للاشعار وسماعه إياها.\rوأما رواية ماهجي به (ص) فحرام سماعه وقراءته وكتابته وحفظه بقول الله تعالى: * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) * وبقوله تعالى آمرا بتعزيره وتوقيره في غير ما آية.\rفلما جاء النهي عن امتلاء الجوف من الشعر كان ذلك مخرجا لكثير منه من جمله كله المباح، وبقي ما دون الامتلاء مما سوى هجو النبي (ص) على الاباحة، وحد الامتلاء هو ألا يكون للانسان علم إلا الشعر فقط، وحدما دون الامتلاء أن يعلم المرء ما يلزمه ويروي مع ذلك من الشعر ما شاء.\rواحتجوا أيضا بقول أبي عبيد فيما روي عن النبي (ص): لي الواجد يحل عرضه وعقوبته أن ذلك مخرج لغير الواحد عن إحلال العرض والعقوبة.\rقال أبو محمد: وليس هذا كما ظنوا، ولكن لما أخبر (ص) أن أعراضنا علينا حرام، وأن المسلم أخو المسلم لا يسلمه لا يظلمه.\rكان كل أحد حرام العرض والعقوبة، فلما جاء النص بتغيير المنكر باليد وكان لي الواجد منكرا لانه منهي عنه، كان ذلك مدخلا لعقوبته في جملة تغيير المنكر المأمور به، ومخرجا له مما حرم من أعراض الناس جملة وعقوباتهم، هذا الذي لا يفهم ذو لب سواه، ولا ينفقه غيره، واحتجوا بأن الشافعي أحد أئمة أهل اللغة وقد قال: إن ذكره (ص) السائمة دليل على أن ما عدا السائمة بخلاف السائمة.\rقال أبو محمد: أما إمامة الشافعي رحمه الله في اللغة والدين فنحن معترفون بذلك،\rولكنه رضي الله عنه بشر يخطئ ويصيب، وليت شعري أين كان الشافعي رحمه الله عن هذا الاستدلال، إذ قال جل ذكره في رقبة القتل أن تكون مؤمنة دليل على أن المسكوت عنه من دين الرقبة في الظهار، بمنزلة المنصوص في رقبة القتل أن تكون أيضا مؤمنة ؟ وليت شعري أي فرق بين ذكره تعالى الايمان فرقبة القتل وذكره (ص) السائمة في حديث أنس.\rفبقول قائل: رقبة الظهار التي سكت عن ذكر دينها بمنزلة رقبة القتل التي ذكر دينها، وأما غير السائمة من الغنم، وإن كان السوم لم يذكر في حديث ابن عمر، فبخلاف السائمة، وما الفرق بين من عكس الحكم ؟ فقال: بل غير السائمة بمنزلة السائمة كما قال المالكيون.","part":7,"page":893},{"id":895,"text":"وأما الرقبة المسكوت عن دينها فبخلاف الرقبة المنصوص على دينها، فتجزئ في الظهار كافرة كما قال الحنفيون ؟ وفي هذا كفاية.\rوأما نحن فنقول: لو لم يرد في السائمة إلا حديث أنس لما أوجبنا زكاة في غير السائمة، لان الاصل أن لا زكاة على أحد إلا أن يوجبها نص، فلو لم يأت نص إلا في السائمة لما وجبت زكاة إلا فيها، لكن لما ورد حديث ابن عمر بإيجاب زكاة كل أربعين من الغنم، كان حديث السائمة بعض الحديث الذي فيه ذكر الغنم جملة، فأوجبنا الزكاة في الغنم سائمة كانت أو غير سائمة، ولما نص تعالى في القتل على رقبة مؤمنة قلنا: لا يجزئ في القتل إلا مؤمنة، كما أمر الله تعالى، ولما لم يذكر الايمان في رقبة الظهار، قلنا: يجزي الظهار أي رقبة كانت كما قال تعالى سواء كانت كافرة أو مؤمنة، إلا أن المؤمنة أحب إلينا لقوله تعالى: * (ولعبد مؤمن خير من مشرك) *، * (ولامة مؤمنة خير من مشركة) * إلا أن الكافرة تجزئ لعموم ذكره تعالى الرقبة فقط.\rواحتجوا أيضا بإجماع المسلمين على أن ما عدا المنصوص عليه من عدد\rالزوجات أن يكون أربعا حرام.\rقال أبو محمد: وليس هذا من الوجه الذي ظنوا، ولكنه لما أمر تعالى بحفظ الفروج جملة حرم النساء البتة إلا ما استثنى منهن فقط، أيضا فإن رسول الله (ص) قد فسخ نكاح الزائدة على أربع، فكفى حكمه (ص) من كل دليل سواه، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بقوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لانه تعالى قد أباح لهن النكاح بالنص فقال عزوجل: * (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) *.\rقال أبو محمد: والنكاح المباح من المعروف.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه.\rلان الام إن أرادت أن ترضعه أقل من حولين أو أكثر من حولين فذلك مباح لها، ما لم يكن في الفطام قبل الحولين ضرر","part":7,"page":894},{"id":896,"text":"على الرضيع.\rوكنا نقول إنه لا يحرم إلا ما كان في الحولين من الرضاع، لان الاصل أن الرضاع لا يحرم شيئا، فلما حرم تعالى نكاح النساء بالرضاع ووجدناه تعالى قد جعل حكم الرضاع الذي أمر به حولين وما زاد عن الحولين فليس مأمورا، به ولكنه مباح، وجب أن يكون الرضاع المحرم هو الرضاع المأمور به لا ما سواه، إلا أن يقوم دليل على ما سواه من نص أو إجماع فيصار إليه.\rولكن المصير إلى قول الله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) * وحمل ذلك على عمومه.\rوكلام رسول الله (ص) إذ أخبر أن سالما وهو رجل ذو لحية تحرم عليه التي أرضعته لا يجوز مخالفة شئ من ذلك وبالله تعالى التوفيق.\rهذا على أن أكثر القائلين بدليل الخطاب المذكور قد جعلوا ما زاد على\rالحولين، بشهر، وقال بعضهم: بستة أشهر، وقال بعضهم: بسنة كاملة، بمنزلة الحولين، وحرموا بكل ذلك، تناقضا لما أصلوه، وهدما لما أسسوه، وبيانا منهم أن حكمهم بذلك من عند غير الله تعالى.\rواحتجوا فقالوا: قد أعطي رسول الله (ص) جوامع الكلم، فمحال أن يذكر الله عزوجل أو رسوله (ص) لفظة إلا لفائدة، وقد ذكر عليه السلام السائمة، فلو لم يكن لها فائدة لما ذكرها.\rقال أبو محمد: وهذا سؤال أهل الالحاد، وهو مع ذلك غث وتمويه شديد، ونحن مقرون أن الله تعالى لم يذكر لفظه إلا لفائدة، وكذلك رسوله (ص) ولكنا نخالفهم في ماهية تلك الفائدة، فنحن نقول: إن الفائدة في كل لفظة هي الانقياد لمعناها والحكم بموجبها، والاجر الجزيل في الاقرار بأنها من عند الله عزوجل، وألا نسأل لاي شئ قبل هذا ؟ وألا نقول لم لم يقل تعالى كذا ؟ وأن لا نتعدى حدود ما أمرنا الله به فنضيف إلى ما ذكر ما لم يذكره، أو نحكم فيما لم يسم من أجل ما سمي بخلاف أو وفاق، وألا تخرج مما أمرنا به شيئا بآرائنا بل نقول: إن هذه كلها أقوال فاسدة واعتراضات كل جاهل زائغ عظيم الجرأة، فلا فائدة أعظم مما أدى إلى الجنة وأنقذ من النار.\rوأما هم فهم أعرف بالفوائد التي يبطلونها من غير ما ذكرنا.\rوقالوا: قد كان يغني ذكر الغنم جملة عن ذكر السائمة.","part":7,"page":895},{"id":897,"text":"قال أبو محمد: فيقال لهم: هذا تعليم منكم لربكم عزوجل، كيف ينزل وحيه ولنبيه (ص) كيف يبلغ عن ربه تعالى، فمن أضل ممن ينزل نفسه في هذه المنزلة ويقال لهم: ما الفرق على مذهبكم الفاسد بين ذكره تعالى في الاستغفار سبعين مرة، ومراده تعالى بلا خوف منا ومنكم أن ما فوق السبعين بمنزلة السبعين بما بين\rفي الآية الاخرى، وبين ذكره (ص) السائمة ومراده أيضا مع السائمة غير السائمة بما بين في حديث آخر ؟ وهلا اكتفى بذكر النهي عن الاستغفار جملة عن السبعين مرة ؟.\rويقال لهم في سؤالهم: فما معنى ذكر السائمة، وقد كان يغني ذكر الغنم جملة ؟: ما معنى ذكره تعالى جبريل وميكائيل بعد ذكره الملائكة في قوله تعالى: * (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) * وقد كان يغني ذكر الملائكة جملة ؟ وما معنى قوله تعالى: * (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) * أترى إسماعيل لم يكن حليما أواها ؟ وما معنى قوله تعالى في إسماعيل: * (إنه كان صادق الوعد) * أترى إبراهيم وموسى وعيسى لم يكن وعدهم صادقا ؟.\rويقال لهم: قد وجدنا الله تعالى يأتي في القرآن، وهو المعجز نظمه، بذكر قصة من خبر أو شريعة أو موعظة، فيذكر من كل ذلك بعض جملته في مكان، ثم يذكر تعالى ذلك الخبر بعينه، وتلك الشريعة بعينها، وتلك الموعظة بعينها في مكان آخر بأتم مما ذكرها به في غير ذلك الموضع، ولا يعترض في هذا إلا طاعن على خالقه عزوجل، لان الذي ذكرنا موجود في أكثر من مائة موضع في القرآن، في قصة موسى ونوح وإبراهيم وآدم، وصفة الجنة والنار، وأمر الصلاة والحج والصدقة والجهاد وغير ذلك.\rوقد كان (ص) يكرر الكلام إذا تكلم به ثلاثا، ولا فرق بين تكرار جميعه، وبين تكرار بعضه، فكرر (ص) ذكر الغنم السائمة في مكان، وذكر في مكان آخر الغنم جملة، كما كرر قوله تعالى: * (ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا) *.\rوكما كرر تعالى ذكر موسى عليه السلام في القرآن في مائة وثلاثين موضعا، وإبراهيم عليه السلام في أربع وستين موضعا، ولم يذكر إدريس واليسع وإلياس وذا الكفل إلا في موضعين من القرآن فقط، وكما كرر تعالى: * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) * أكثر من آية) في سورة واحدة إحدى وثلاثين مرة فهل لاحد أن يعترض فيقول هلا بلغها أكثر ؟ أو هلا اقتصر على عدد منها أقل ؟","part":7,"page":896},{"id":898,"text":"أو ما كان يكفي مرة واحدة ؟ كما قال هؤلاء المخطئون: هلا اكتفى بذكر الغنم عن ذكر السائمة ؟ وقد بينا أنه لا فائدة لله تعالى في شئ مما خلق ولا في تركه ما ترك، وأن الفائدة لنا في ذلك الاجر العظيم في الايمان بكل ذلك كما قاله تعالى: * (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون) * وأخبر تعالى أن الكفار قالوا: * (ماذآ أراد الله بهذا مثلا) * فنحن نزداد إيمانا بما أوردنا، ولا نسأل ماذا أراد الله بهذا مثلا، فليختاروا لانفسهم أي السبيلين أحبوا، كما قال علي بن عباس: أمامك فانظر أي نهجيك تنهج طريقان شتى: مستقيم وأعوج وقد يمكن أن تكون الفائدة في تكرار السائمة والاقتصار عليها في بعض المواضع فائدة زائدة على ما ذكرنا، وهي أننا قد علمنا أن بعض الفرائض أوكد من بعض، مثل الصلاة فإنها أوكد من الصيام.\rوليس ذلك بمخرج صيام رمضان على أن يكون فرضا، ومثل القتل والشرك فإنهما أوكد في التحريم من لطمة المرء المسلم ظلما، وليس ذلك بمخرج للطمة ظلما من أن تكون حراما، وإنما المعنى فيما ذكرنا من التأكيد أن هذا أعظم أجرا، وهذا أعظم وزرا، وما استواء كل ذلك في الوجوب وفي التحريم فسواء، لا تفاضل في شئ من ذلك.\rوكل ذلك سواء إن هذا حرام وهذا حرام، وإن هذا واجب وهذا واجب، فيكون على هذا أجر المزكي غير للسائمة أعظم من أجر المزكي غير السائمة، وكل مؤد فرضا ومأجور على ما أدى ويكون إثم مانع زكاة السائمة أعظم من إثم مانع زكاة غير السائمة، وكلاهما مانع فرض، ومحتقب إثم، فلتخصيص السائمة بالذكر في بعض المواضع على هذا فائدة عظيمة، كما أن الزاني بامرأة جاره أو امرأة المجاهد والحريمة أعظم إثما من الزاني بامرأة أجنبية، أو امرأة أجنبي ذمي أو حربي، وكل زان وآت كبيرة وآثم إلا أن الاثم يتفاضل.\rومثل هذا قوله تعالى: * (وبالوالدين إحسانا) * وكقوله تعالى:\r* (فأما اليتيم فلا تقهر ئ وأما السائل فلا تنهر) * فهل في هذا إباحة قهر غير اليتيم ونهر غير المسكين، أو المنع من الاحسان إلى غير الآباء من ذوي القربى والجيران وسائر المسلمين ؟ ولكنه لما كان قهر اليتيم ونهر المسكين وترك الاحسان إلى الوالدين أعظم وزرا وأعظم أجرا، خصوا بالذكر في بعض المواضع، وعموا مع سائر الناس في مواضع أخر، فلعل السائمة مع غير السائمة كذلك، وكذلك","part":7,"page":897},{"id":899,"text":"ذكره تعالى الصلوات إذ يقول عز من قائل: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فيسأل هؤلاء المقدمون كما سألوا: فيقال لهم: المعنى في تخصيص النبي (ص) السائمة بالذكر في بعض الاحاديث كالمعنى في تخصيصه تعالى الصلاة الوسطى بالمحافظة دون سائر الصلوات في لفظ مفرد، وقد عمهما تعالى في سائر الصلوات كما عم رسوله عليه السلام السائمة مع غير السائمة في حديث ابن عمر فبطل بما ذكرنا اعتراضهم بطلب الفائدة في تكرار السائمة، وبأن ذكر الغنم جملة كان يكفي، ولاح أن سؤالهم سؤال إلحاد وشر.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوقد يكفي من هذا قوله تعالى: * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * وما روي عن رسول الله (ص): هلك المتنطعون ولا تنطع أعظم من قول قائل: لم قال الله تعالى أمرا كذا ولم يقل أمرا كذا ؟ وبالله تعالى نستعين.\rوقالوا إن قول رسول الله (ص): إنما الولاء لمن أعتق دليل على أن لا ولاء لمن لم يعتق.\rقال أبو محمد: وليس كما ظنوا، ولكن لما كان الاصل أن لاولاء لاحد على أحد بقوله تعالى: * (يا بني آدم) *.\rوبقوله تعالى: * (إنما المؤمنون إخوة) * وبقوله عليه السلام: كل المسلم على المسلم حرام، ثم جاء الحديث المذكور وجب به الولاء لمن أعتق، وبقي من لم يعتق على ما كان عليه مذ خلق من أن لا ولاء لاحد عليه\rإلا من أوجب عليه الاجماع، المنقول المتيقن إلى حكم النبي (ص)، ولولا، مثل من تناسل من المعتق من أصلاب أبنائه الذكور من كل من يرجع إليه نسبه، ممن حمل به بعد الولاء المنعقد على الذي ينتسب إليه، كأسامة بن زيد وغيره، ولولا قوله (ص): إنما الولاء لمن أعتق ما وجب المعتق ولاء على المعتق، لان ذلك إيجاب شريعة وشرط، والشرائع لا تكون إلا بإذن من الله تعالى على لسان رسوله (ص) وكل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل ووجدنا هذا الحديث الذي احتجوا به لم يمنع من وجوب الولاء لغير من أعتق، مثل ما ذكرنا من وجوب ولاء ولد المعتق، ولم يعتقه أحد، ولا ولدته أمه، ولا حمل به إلا وهو حر، لولد معتق أبيه وهو لم يعتقه قط، ولا ملكه قط، ولا أعتق أباه ولا جده ولا ملكهما قط، ولا أعتقه أبو هذا الذي ولاؤه الآن، ولا جده ولا ملكاه قط، فبطل ما ادعوه من القول","part":7,"page":898},{"id":900,"text":"بدليل الخطاب.\rومن اعجب الاشياء: أن هؤلاء المحتجين بهذا الحديث في تصحيح الحكم بدليل الخطاب أشد الناس نقضا لاصولهم في ذلك، وهدما لما احتجوا به لانهم قد حكموا بالولاء لغير المعتق على من لم يعتق قط بلا دليل، لا من نص ولا من إجماع لكن تحكما فاسدا، فأوجبت طوائف منهم أن الولاء يجزه العم والجد إذا أعتقا.\rوأوجبوه ينتقل كانتقال الكرة في اللعب بها، وقد أكذبهم رسول الله (ص) بقوله: الولاء لحمة كلحمة النسب والنسب لا ينتقل، فوجب ضرورة أن الولاء كالنسب لا ينتقل.\rوهم يقولون في العبد ينكح معتقة فتلد له: إن ولاء ولدها لسادتها.\rقالوا: أعتق أبوهم يوما ما عاد ولاء والدها إلى معتق أبيهم.\rقال أبو محمد: أفيكون أعجب من هذا بينما المرء من بني تميم، لكون أمه مولاة منهم، ويقول رسول الله (ص) الذي حملوه على غير وجهه: مولى القوم منهم.\rإذ صار بلا واسطة من الازد بعتق رجل من الازد لابيه ؟ أفيكون في خلاف رسول الله (ص) المبلع عن ربه تعالى أكثر من هذا ؟ أو يكون في إكذابهم أنفسهم أن قالوا، قوله (ص): إنما الولاء لمن أعتق دليل على أن لا ولاء لمن لم يعتق ؟ وهذا الذي حروا ولاءه مرة من اليمانية إلى المضرية، ومرة من الفرس إلى قريش، لم يعتقه أحد ولا ملك قط، ولا حملته أمه إلا وهو حر.\rوأوجبوا الولاء لموالي الام على ولدها من حربي، وعلى ولد الملاعنة بلا نص ولا إجماع، فأين احتجاجهم بدليل الخطاب ؟ ولكن غرض القوم إقامة الشغب في المسألة التي هم فيها فقط، ولا يبالون أن ينقضوا على أنفسهم ألف مسألة بما يريدون به تأييد هذه، حتى إذا صاروا إلى غيرها لم يبالوا بإبطال ما صححوا به هذه التي انقضى الكلام فيها في نصرهم للتي صاروا إليها، فهم دأبا ينقضون ما أبرموا، ويصححون ما أبطلوا، ويبطلون ما صححوا، فصح أن أقوالهم من عند غير الله عزوجل، لكثرة ما فيها من الاختلاف والتفاسد، وإنما هم قوم توغلوا فانتسبوا في التقليد لاقوال فاسدة يهدم بعضها بعضا، فألفوها ألفة كل ذي دين لدين أبيه، ودين من نشأ معه، فلا يبالون بما قالوا في إرادتهم نصر ما لم ينصره الله تعالى من تلك المذاهب الفاسدة.","part":7,"page":899},{"id":901,"text":"وقالوا: قوله (ص): إنما الاعمال بالنيات دليل على أن لا عمل إلا بنية وأن: ما عمل بغير نية باطل.\rقال أبو محمد: ليس ذلك كما ظنوا، ولكن لما قال الله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) * وقال تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * كان قد بطل كل أمر إلا تأدية ما أمرنا به من العبادة بإخلاص القصد بذلك إلى الله تعالى فبهذه الآية بطل أن يجزى عمل بغير نية إلا ما أوجبه نص أو\rإجماع، فكان مستثنى من هذه الجملة، مثل ما ثبت بالاجماع المنقول إلى رسول الله (ص) من جواز لحاق دعاء الحي للميت بالميت، ومثل لحاق صيام الولي عن الميت بالميت وصدقته عنه، والحج عنه، وتأدية الديون إلى الله تعالى وللناس عنه، وإن لم يأمر هو بذلك ولا نواه، ولحاق الاجر من كل عامل بمن علمه ذلك العمل أو سنه، ولحاق الوزر من كل عامل بمن علمه ذلك العمل أو سنه.\rوإنما وجب بالحديث الذي ذكروا أن من عمل شيئا بنية ما فله ما نوى، فإن نوى به الله تعالى وتأدية ما أمر به من كيفية ذلك العمل فله ذلك، وقد أدى ما لزمه، وإن نوى غير ذلك فله أيضا ما نوى، فإن لم ينو شيئا فلا ذكر له في هذا الحديث، لكن حكمه في سائر ما ذكرنا قبل.\rوالعجب ممن احتج بهذا الحديث من أصحاب القياس وهم أترك الناس له فأما الحنفيون فينبغي لهم التقنع عند ذكر هذا الحديث والاحتجاج به، فإنهم يجيزون تأدية صيام الفرض بلا نية أصلا بل بنية الفطر، وتأدية فرض الوضوء بغير نية الوضوء لكن بنية التبرد.\rوقالوا كلهم وأصحاب الشافعي وأصحاب مالك: إن كثيرا من فرائض الحج التي يبطل الحج بتركها تجزي بغير نية.\rفأما الحنفيون فقالوا: من أحرم وحج ينوي التطوع أجزأه ذلك عن حج الاسلام.\rوقال الشافعيون: أعمال الحج كلها، حاشا الاحرام، تجزيه بلا نية أداء الفرض.\rوقال المالكيون: الوقوف بعرفة يجزي بلا نية، وأن الصيام لآخر يوم من رمضان يجزي بنية كانت قبله بنحو ثلاثين يوما، والصلاة تجزيه بلا نية مقترنة بها وقال بعضهم: غسل الجمعة يجزي من غسل الجنابة.\rوقال بعضهم: دخول","part":7,"page":900},{"id":902,"text":"الحمام بلا نية يجزي من غسل الجنابة.\rفأبطلوا احتجاجهم بالحديث المذكور،\rوأكذبوا قولهم في دليل الخطاب، وأوجبوا جواز أعمال بلا نية حيث أبطلها الله تعالى ورسوله (ص)، وأبطلوا صيام الولي عن الولي والحج عن الميت وأداء ديون الله تعالى عنه وقد أوجبها الله تعالى.\rواحتجوا أن لا عمل إلا بنية العامل، ولا نية للمعمول عنه في ذلك فاستدركوا على ربهم ما لم يستدركوه على أنفسهم، وهذا غاية الخذلان.\rواحتجوا بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن يعلى بن منبه رحمة الله عليه إذ سأل عن قصر الصلاة وقد ارتفع الخوف، قالوا: فلما جاء القصر في القرآن في حال الخوف دل ذلك على أن الامر بخلاف الخوف.\rقال أبو محمد: وقد غلط في ذلك من أكابر أصحابنا أبو الحسن، عن عبد الله بن أحمد ابن المغلس: فظن مثل ما ذكرنا، وهذا لا حجة لهم فيه، لان الاصل في الصلوات كلها على ظاهر الامر الاتمام، وقد نص رسول الله (ص) على عدد ركعات كل صلاة، ثم جاء النص بعد ذلك في القصر في حال السفر مع الخوف، فكان ذلك مستثنى من سائر الاحوال، فلما رأى عمر القصر متماديا مع ارتفاع الخوف، أنكر خروج الحال التي لم تستثن في علمه عن حكم النص الوارد في إتمام الصلاة في سائر الاحوال غير الخوف، فأخبر (ص) أن حال السفر فقط مستثناة أيضا من إيجاب الاتمام، وإن لم يكن هنالك خوف، فكان هذا نصا زائدا في استثناء حال السفر مع الامن، فإنما أنكر ذلك من جهل أن هذه الصدقة الواجب قبولها قد نزل بها الشرع، وهو عمر رضي الله عنه، ولسنا ننكر مغيب الواحد من الصحابة أو الاكثر منهم عن نزول حكم قد علمه غيره منهم.\rوأما الحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها فرضت الصلاة فلا حجة فيه علينا، بل هو حجة لنا، وقد يظن عمر إذا نقلت صلاة الحضر إلى أربع ركعات أن صلاة السفر أيضا منقولة، والغلط غير مرفوع عن أحد بعد رسول الله (ص).\rقال أبو محمد: وتعلل بعض من غلط في هذا الباب من أصحابنا بأن قالوا: قوله عليه السلام: استنشق اثنتين بالغتين إلا أن تكون صائما في حديث لقيط بن صبرة الايادي، في ذلك مانع من مبالغة الصائم في الاستنشاق.","part":7,"page":901},{"id":903,"text":"قال أبو محمد: وليس ذلك كما ظنوا، ولكن حديث لقيط فيه إيجاب المبالغة على غير الصائم فرضا لا بد له من ذلك، وفيه استثناء الصائم من إيجاب ذلك عليه، فسقط عن الصائم فرض المبالغة وليس في سقوط الفرض ما وجب المنع منها، فليس في الحديث المذكور منع الصائم منها، لكنه له مباحة لا واجبة ولا محظورة لان الاباحة واسطة بين الحظر والايجاب.\rفإذا سقط الايجاب لم ينتقل إلى الحظر إلا بنهي وارد، لكن ينتقل إلى أقرب المراتب إليه وهي الاباحة أو الندب، وإذا سقط التحريم ولم ينتقل إلى الوجوب إلا بأمر وارد، لكنه ينتقل إلى أقرب المراتب إليه وهي الاباحة أو الكراهة وقد بينا هذا في باب النسخ من هذا الكتاب.\rقال أبو محمد: وقال بعض من غلط في هذا الفصل أيضا من أصحابنا: إن أمر رسول الله (ص) في حديث صفوان بن عسال المرادي ألا ينزع المسافرون الخفاف ثلاثا، إيجاب لنزعها بعد الثلاث، وإيجاب على المقيم نزعها بعد يوم وليلة، فأوجبوا من ذلك أن يصلي الماسح بعد انقضاء الامدين المذكورين، حتى ينزع خفيه، ولم يوجبوا عليه بعد ذلك أن يجدد غسل رجليه، ولا إعادة وضوئه، وأنكر ذلك أبو بكر بن داود رحمهما الله وأصاب في إنكاره.\rقال أبو محمد: وليس في الحديث المذكور إيجاب نزع الخفين ولا المنع من نزعهما وإنما فيه المنع من إحداث مسح زائد فقط، وهو الخيار بعد انقضاء أحد الامدين بين أن ينزع ويصلي دون تجديد وضوء ولا غسل رجليه، وبين ألا ينزعهما ويصلي بالمسح المتقدم ما لم ينتقض وضوءه، فإذا انتقض وضوءه فقد حرم\rعليه المسح، وإذا حرم عليه المسح لزمه فرض الوضوء، فلا بد حينئذ من غسل الرجلين، وإذا لم يكن بد من غسل الرجلين فلا سبيل إلى ذلك إلا بإزالة الخفين فحينئذ لزم نزع الخفين، لا قبل أن يحدث.\rوبلغنا عن بعض أصحابنا أنه يقول: إن قول رسول الله (ص): الماء لا ينجسه شئ دليل على أن ما عداه ينجس، فيقال له وبالله تعالى التوفيق: هذا ليس بشئ لوجوه: أولها أنها دعوة مجردة بلا دليل، ويقال: ما الفرق بينك وبين من قال: بل ما هو إلا دليل على أنه مثل الماء في أنه لا ينجس ؟ فإن قال: هذا قياس والقياس باطل، قيل له: هل كان القياس باطلا إلا لانه حكم بغير نص ؟","part":7,"page":902},{"id":904,"text":"فلا بد له من: نعم، فنقول له: وهكذا حكمك لما عدا الماء أنه بخلاف الماء، حكم بغير نص ولا فرق، ومنها أننا نقول به: أرأيت قوله (ص): الطعام بالطعام مثلا بمثل، أفيه منع من بيع ما عدا الطعام مثل بمثل ؟ أرأيت قوله عليه السلام: نعم الادام الخل أفيه حكم على أن ما عداه بئس الادام ؟ أرأيت قوله عليه السلام: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث أو لم ينجس على أنه أصح من حديث بئر بضاعة - أيصح منه أن ما دون القلتين ينجس ؟ ومثل هذا كثير لو تتبع، فلو قال: قد جاء فيما عدا ما ذكر في هذه الاحاديث نصوص صح بها عندنا حكمها، قلنا له: وقد جاء فيما عدا الماء نص على إباحته بقوله تعالى: * (فكلوا مما في الارض حلالا طيبا) * فلا سبيل إلى تحريم شئ من ذلك إلا بنص وارد فيه، ولا إلى تنجيس شئ منه من أجل نجاسة حلته إلا بنص وارد فيه، ولا فرق، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: واحتجوا بأن الناس مجمعون على أن من قال لآخر: لا تعط غلامي درهما حتى يعمل شغلا كذا، قالوا: فهذا يقتضي أنه إذا عمله وجب أن\rيعطي الدرهم.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ، وإن أعطاه المقول له هذا القول الدرهم بعد انقضاء ذلك الشغل، وكان ذلك الدرهم من مال السيد:، فعليه ضمانه إن تلف الدرهم ولم يوجد المدفوع إليه، ودليل ذلك إجماع الناس على أن المقول له ذلك يسأل الآمر فيقول له: إذا عمل ذلك الشغل أعطيه الدرهم أم لا ؟ فلو اقتضى هذا الكلام إعطاءه الدرهم بعمل الشغل المذكور ما كان للاستفهام المأمور به معنى، وأيضا فإن الامة مجمعة على أن الآمر لو قال للمأمور عند استفهامه إياه: لا تعطه إياه حتى أجد لك ما تعمل فيه، أن ذلك حسن في الخطاب ولازم للمأمور، وإنما في الكلام المذكور المنع من إعطاء الدرهم قبل عمل الشغل، وليس فيه بعد عمل الشغل لا إعطاؤه ولا منعه، وذلك موقوف على أمر له حادث إما بمنع وإما بإعطاء.\rفإن قالوا: فقول الله تعالى: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * أليس إعطاؤهم الجزية مانعا من قتلهم ؟.","part":7,"page":903},{"id":905,"text":"قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: إنما في الآية الامر بقتلهم إلى وقت إعطاء الجزية، ثم ليس فيها إلا المنع من قلتهم بعد إعطائها، ولا إيجاب قتلهم، ولكن لما قال رسول الله (ص): ولا يقتل ذا عهد في عهده وقال (ص): لمن كان يبعث من قواده: فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم.\rهذا نص كلامه (ص) لكل من يبعثه إلى كتابي حربي، حدثناه عبد الله ابن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن هاشم، قال أبو بكر: ثنا وكيع بن الجراح وقال إسحاق: ثنا يحيى بن آدم، وقال عبد الله، ثنا عبد الرحمن بن مهدي كلهم قالوا: ثنا سفيان الثوري، عن\rعلقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي (ص).\rقال أبو محمد: فلما قال (ص) ذلك مبينا أن دماءهم وأموالهم وأذاهم بالظلم، وسبي عيالهم وأطفالهم -، حرام بإعطائهم الجزية، بنص قوله عليه السلام: كف عنهم فالكف يقتضي كل هذا، وكثير ممن يحتج علينا بما ذكرنا قد نسوا أنفسهم، فقالوا في نهيه (ص) عن بيع الزرع حتى يشتد: إن ذلك غير مبيح لبيعه بعد اشتداده، ولكن حتى يضفى من تبنه ويداس.\rقال أبو محمد: وبيع الزرع عندنا بعد اشتداده مباح، وإن لم يصف ولا ديس، لقوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * فلا يخرج من هذه الجملة إلا ما جاء نص أو إجماع بتحريمه، ولهذه الجملة أجزنا بيع منخل بعد أن تزهى، والعنب بعد أن يسود، والثمر بعد أن يبدو فيه الطيب، وليس لان هذه النواهي توجب إباحة البيع بعد حلول الصفات المذكورة فيها.\rوكذلك قلنا في قوله تعالى: * (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) *، وإنما حرم الاكل من حين يتبين طلوع الفجر بالامر المتقدم لهذا النسخ، فإن الامر قد كان ورد بتحريم الاكل والشرب والوطئ مذ ينام المرء إلى غروب الشمس من غد، ثم نسخ ذلك وأبيح لنا الوطئ، والاكل والشرب إلى حين يتبين طلوع الفجر الثاني، فبقي ما بعده على الاصل المتقدم في التحريم، وبنصوص وردت في ذكر تحريم كل ذلك بطلوع الفجر الثاني، وبقوله","part":7,"page":904},{"id":906,"text":"تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * ولو لم يكن ههنا إلا قوله تعالى: * (حتى يتبين لكم الخيط الابيض) * ما كان فيه إيجاب الصيام ولا المنع منه.\rوكذلك قوله عليه السلام: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله إنما حرم القتال بقوله عليه السلام: فإذا قالوها عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وهكذا سائر\rالنصوص التي وردت على هذا الحسب، وبالله تعالى التوفيق.\rوذكروا في ذلك قوله (ص): من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع أو كما قال (ص).\rقالوا: فدل ذلك على أن التي لم تؤبر بخلاف التي أبرت وأنها للمبتاع.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لاننا لم نقض من هذا الحديث أن الثمرة التي تؤبر للمبتاع، لكن لما كانت التي تؤبر غائبة لم تظهر بعد كانت معدومة، وكانت بعض ما في عمق النخلة المبيعة كانت داخلة في المبيع لانها بعضه.\rثم نقول لهم: وبعد أن بينا بطلان ظنكم فنحن نريكم إن شاء الله تعالى تناقضكم في هذا المكان فنقول: إن كنتم إذا قضيتم بأن المسكوت عنه بخلاف المذكور، فما قولكم لمن قال لكم: بل ما المسكوت عنه ههنا إلا في حكم المذكور قياسا عليه ؟ فتكون الثمرة التي لم تؤبر للبائع أيضا قياسا على التي أبرت ؟ وقد قال أبو حنيفة: لا فرق بين الابار وعدمه، فنسي قوله، لم يذكر (ص) السائمة إلا لانها بخلاف غير السائمة، ولولا ذلك لما كان في زكاة السائمة فائدة، وجعل ههنا ذكره عليه السلام الابار لا لفائدة، وجعله كترك الابار فبان اضطراب هؤلاء القوم جملة وبالله تعالى التوفيق.\rواحتج الطحاوي في إسقاط الزكاة عما أصيب في أرض الخراج بقول رسول الله (ص): منعت العراق قفيزها ودرهمها الحديث قال: فلو كان في أرض الخراج شئ غير الخراج لذكره (ص).\rقال أبو محمد: فيقال للطحاوي: أرأيت إن قال لك قائل: إن قوله (ص): فيما سقت السماء العشر دليل على أن لا خراج على شئ من الارض لانه لو كان فيها خراج لذكره في هذا الحديث فإن قال: قد ذكر الخراج في الحديث","part":7,"page":905},{"id":907,"text":"الذي قدمنا آنفا، قيل له: وقد ذكرالعشر ونصف العشر في الحديث الذي ذكر آنفا.\rفإن قال قائل: ما تقولون فخطاب ورد من الله تعالى أو رسوله (ص) معلقا بشرط ؟ قيل له: ينظر، أتقدمت ذلك الخطاب جملة حاظرة لما أباح ذلك الخطاب، أو مبيحة لما حظر، أم لم يتقدمه جملة بشئ من ذلك، لكن تقدمت جملة تعمه وتعم معه غيره موافقة لما في ذلك النص.\rولا بد من أحد هذه الوجوه، لان الجملة التي نص عليها بقوله تعالى: * (خلق لكم ما في الارض جميعا) * مبيحة عامة لا يشذ عنها إلا ما نص عليه، وفصل بالتحريم، فلا سبيل إلى خروج شئ من النصوص عن هذه الجملة.\rولا بد لكل نص ورد من أن يكون مذكورا فيه بعض ما فيها بموافقة أو يكون مستثنى منها بتحريم، فإن وجدنا النص الوارد، وقد تقدمته جملة مخالفة له، استثنيناه منها، وتركنا سائر تلك الجملة على حالها، ولم نحظر إلا ما حظر ذلك النص فقط.\rولم نبح إلا ما أباح فقط، ولم نتعده، وإن وجدناه موافقا لجملة تقدمته، أبحنا ما أباح ذلك الخطاب، وأبحنا أيضا ما أباحته الجملة الشاملة له ولغيره معه، أو حظرنا ما حظره لك الخطاب، وحظرنا أيضا ما حظرته الجملة الشاملة له ولغيره معه، ولم نسقط من أجل ذلك الشرط شيئا مما هو مذكور في الجملة الشاملة له ولغيره، وهذا هو مفهوم الكلام في الطبائع في كل لغة من لغات بني آدم - عربهم وعجمهم - ولا يجوز غير ذلك.\rوقد ذكرنا في باب الاخبار من كتابنا هذا بيان هذا العمل، ونظرناه بمسائل جمة، ولكن لا بد لنا أيضا ههنا من تشخيص شئ من ذلك ليتم البيان بحول الله وقوته، فليس كل أحد يسهل عليه تمثيل مسائل تقضيها الجملة التي ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق.\rوليس قولنا آنفا: تقدمته جملة بمعنى تقدم وقت النزول، فليس لذلك عندنا معنى إلا في النسخ وحده، وإلا فالقرآن والحديث كله عندنا ككلمة واحدة،\rوكأن نزل معا، لوجوب طاعة جميع ذلك علينا، وإنما نعني بقولنا: تقدمته أي عمت ذلك الخطاب وغيره معه، ولكن لما كنا نجعل تلك الجملة مقدمة يستثنى منها ذلك النص أو نضيفه إليها على معنى البيان لها: سمينا ورودها من أجل ما ذكرنا تقدما.","part":7,"page":906},{"id":908,"text":"قال أبو محمد: فمما ذكرنا قوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * الجملة المتقدمة لهذا الشرط هي أمره تعالى باستعمال الماء فرضا على كل حال لمن أراد الصلاة الواجبة أو التطوع، فإن تيمم مع وجود الماء والصحة ولم يستعمل الماء كان عاصيا، لانه لم يأت بما أمر به، ولانه لم يستعمل ما أمر باستعماله في غسل أعضائه المذكورة في آية الوضوء والغسل، فإن تيمم مع وجود الماء والصحة واستعمل الماء أيضا، كان متكلفا لم يؤمر به، والمتكلف لذلك إن سلم من سلم من الاسم لم يسلم من الفضول وسوء الاختيار، وقد أمر الله تعالى فيه (ص) أن يقول * (وما أنا من المتكلفين) * فإن اعتقد وجوب التيمم مع استعمال الماء في حال الصحة ووجود الماء كان عاصيا كافرا، لاعتقاده ما لا خلاف أنه لم يؤمر به وزيادته في الدين وتعديه حدود الله تعالى، فلما بطلت هذه الوجوه كلها لم يبق إلا استعمال التيمم عند عدم الماء المقدور عليه في السفر وعند المرض.\rوهكذا القول في قوله تعالى: * (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) * إلى منتهى قوله (لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم) * قال أبو محمد: فنظرنا هل نجد جملة متقدمة لاباحة نكاح الفتيات المؤمنات بالزواج، فوجدنا قبلها متصلا بها ذكر ما حرم الله تعالى من النساء من قوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم) * إلى منتهى قوله: * (والمحصنات من النساء) * فحرم الله تعالى بهذا\rالنص كل محصنة، والاحصان يقع على معان، منها العفة، ومنها الزوجية، ومنها الحرية، فلم يجز لنا إيقاع لفظة * (ة على بعض ما يقع تحتها دون بعض، بالبراهين التي ذكرنا في باب العموم، فحرم بقوله تعالى: كل عفيفة من أمة أو حرة، وكل حرة، وكل ذات زوج، وقد حرم الزواني من الاماء والحرائر بقوله تعالى: * (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) * فحرمت كل امرأة في الارض بهذين النصين إلا ما استثنى من ذلك بنص أو إجماع.\rثم قال تعالى متصلا بالتحريم المذكور غير مؤخر لبيان مراده تعالى: * (الا ملكت","part":7,"page":907},{"id":909,"text":"أيمانكم) * فأباح تعالى ما شاء مما ملكت أيماننا، وليس في هذا إباحة الزواج، ثم زادنا تعالى بيانا متصلا فقال: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) * فاستثنى تعالى الزواج أيضا بالاباحة المذكورة.\rوالعمل في هذا يكثر إلا أن اختصار القول والغاية في ذلك قول الله تعالى: * (خلق لكم ما في الارض جميعا) * فهذه آية لو تركنا وظاهرها، لكان كل ما خلق الله تعالى في الارض حلالا لنا، لكن حرم الله تعالى أشياء مما في الارض فكانت مستثناة من جملة التحليل، فمن ذلك قوله تعالى: * (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) * * (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهم ويحفظن فروجهن) * مع الآية التي تلونا آنفا من قوله تعالى في آية التحريم: * (والمحصنات من النساء) * فلو تركنا وهذين النصين لحرم النساء كلهن وكن مستثنيات من جملة التحليل.\rثم قال تعالى: * (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) * فاستثنى الله عزوجل من جملة النساء المحرمات، الازواج وملك اليمين، فلو تركنا وهذه الآية\rلحلت كل امرأة بالزواج خاصة، وبملك اليمين فقط، لا بالزنى من أم أو إبنة أو حريمة، لان المتزوجات والمملوكات بعض النساء وكانت هذه الآية موافقة لقوله تعالى: * (فأنكحوا ما طاب لكم من النساء) * ولقوله تعالى: * (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) * ولا فرق بين شئ من هذه الآيات، ثم قال تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) * إلى منتهى قوله: * (وأن تجمعوا بين الاختين) * وقال تعالى: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) * وقال تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * وقال تعالى: * (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) *.\rوحرم النبي (ص) الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وحرم بالرضاعة ما يحرم من النسب، وحرم النص فعل قوم لوط، ونكاح الزواني ونكاح الزناة للمسلمات، وحرم بالاجماع والنص بقوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) * إلى قوله تعالى: * (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) * ووطئ البهائم، والمشركة، وبدليل النص أيضا، فكان كل ما ذكرنا مستثنى مما أبيح","part":7,"page":908},{"id":910,"text":"من النساء بالزواج وملك اليمين، لان ما في هذه النصوص أقل مما ذكر في آية إباحة الازواج وملك اليمين.\rوقال تعالى: * (اليوم أحل لكم الطيبات) * إلى قوله عزوجل: * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن) * فاستثنى تعالى الكتابيات بالنكاح خاصة، وهذا يقع على الاماء منهن والحرائر وبقيت الامة الكتابية حراما وطؤها بملك اليمين خاصة، وبقوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * ولما يأت في شئ من النصوص ما يبيحها.\rثم نظرنا في قوله تعالى: * (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات\rفمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) * فوجدناه تعالى إنما ذكر في هذه الآية إباحة نكاح الامة لمن لم يجد طولا، وخشي العنت وبقي حكم واحد الطول الذي لا يخاف العنت فلم نجده تعالى ذكر في هذه الآية إباحة ولا تحريما عليه، فرجعنا إلى سائر الآي فوجدناه تعالى قد أباح نكاح الاماء المؤمنات لكل مسلم، ولم يخص فقيرا من غني، ولا من عنده حرة ممن ليست عنده حرة، بقوله تعالى: * (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) * فكان للعبد مباحا أن ينكح حرة وأمة، وللحر أيضا كذلك ولا فرق وكذلك الامة الكتابية نكاحها للمسلم حلال بقوله تعالى: * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن) * وهذا قول عثمان البتي وغيره.\rوالعجب من الحنفيين في منعهم الزكاة عن غير السائمة بذكره (ص) السائمة في حديث أنس وإباحتهم ههنا نكاح الامة المسلمة لمن وجد طولا لحرة مسلمة فهلا سألوا أنفسهم عن الفائدة في ذكره تعالى: * (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات) * كما سألوا هناك عن الفائدة في ذكر السائمة ؟ ولكن هكذا يكون من اتبع رأيه وقياسه وهواه المضل.\rوالعجب من المالكيين في عكسهم ذلك فقالوا: ليس في قوله (ص) (في السائمة) ما يوجب أن يسقط الزكاة من غير السائمة، وقالوا ههنا: ذكره تعالى عادم الطول والامة المؤمنة موجب التحريم الامة الكتابية ثم في الوقت أباحوا الامة المؤمنة لواجد الطول.","part":7,"page":909},{"id":911,"text":"قال أبو محمد: فكلا الفريقين تناقض كما ترى، وحرم بعضهم نكاح الامة المؤمنة على واجد الطول بحرة كتابية وليس هذا في نص الآية أصلا، وإنما منع من منع من ذلك قياسا للكتابية على المسلمة، وقد أكذب الله تعالى هذا القياس الفاسد\rبقوله: * (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ئ ما لكم كيف تحكمون) * فلو كان القياس حقا لكان ههنا باطلا، وإذا قاسوا واجد الطول للحرة الكتابية على واجد الطول للحرة المسلمة، ولم ينص تعالى إلا على واجد الطول للحرة المسلمة فقط، فهلا فعلوا مثل ذلك، فقاسوا إباحة الامة الكتابية بالنكاح لعادم الطول لحرة وخائف العنت على إباحة الامة المؤمنة لخائف العنت وعادم الطول كما فعلوا في التي ذكرنا قبل ؟.\rقال أبو محمد: وهذا مما تركوا فيه القول بدليل الخطاب، لانه كان يلزمهم على أصلهم أن يقولوا: إن ذكره تعالى: المحصنات المؤمنات دليل على أن الكافرات بخلافهن، ولكن أكثرهم لم يفعلوا ذلك فنقضوا أصلهم في دليل الخطاب.\rونحن وإن وافقنا أبا حنيفة في بعض قوله ههنا، فلسنا ننكر اتفاقنا مع خصومنا في هذه المسائل، وقد يجتمع المصيب والمخطئ في طريقهما الذي يطلبانه، أحدهما بالجد والبحث والعلم بيقين ما يطلب، والثاني بالجد والبحث والاتفاق، وغير منكر أن يخرجهم الرؤوف الرحيم تعالى إلى الغرض المطلوب وإن تعسفوا الطريق نحوه، ولكنهم مع ذلك تحكموا بلا دليل أصلا فقالوا: من كانت عنده حرة فحرام عليه نكاح الامة، وهذا قول ليس في النص ما يوجبه أصلا، وقولنا في هذا هو قول عثمان البتي وغيره.\rوقد روي عن مالك إجازة نكاح الامة على الحرة إذا رضيت بذلك الحرة، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه نكاح المسلمة والكتابية لواجد طول لحرة مسلمة، وإن لم يخش العنت إذا لم تكن عنده حرة، فيؤخذ من قول كل واجد ما أصاب فيه، فبان بما ذكرنا تحليل الله تعالى حرائر أهل الكتاب وإماءهم في الزواج، وبقي ما ملكت منهن على التحريم لبراهين ذكرناها في باب الاخبار من كتابنا هذا.\rويقال لهم: إنكم منعتم من نكاح الامة الكتابية، وقلتم: ليست كالامة المسلمة فنقيسها عليها، وقد تناقضتم فأبحتم نكاح الحرة الكتابية لواجد طول لحرة مسلمة\rوإن لم يخف عنتا، وحرمتم عليه نكاح الامة المسلمة حتى أن بعضهم قال: إن","part":7,"page":910},{"id":912,"text":"من وجد طولا لحرة كتابية لم يحل له نكاح الامة المسلمة وحتم أن بعضهم لم يقتل الحر الكتابي المسلم، ولا خلاف بين مسلمين أن الامة المسلمة خير عند الله عزوجل وعند كل مسلم من كل حرة كتابية كانت في الدنيا أو تكون إلى يوم البعث.\rفإن قالوا: فأي معنى أو أي فائدة في قصد الله تعالى بالذكر في الآية المذكورة آنفا عادم الطول وخائف العنت والمحصنة المؤمنة والامة المؤمنة إذا كان واجد الطول وآمن العنت والامة الذمية والمحصنة والكافرة سواء في كل ذلك ؟.\rقال أبو محمد: فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق: هذا سؤال إلحاد، وقد ذكر الله تعالى في بعض الآيات التي تلونا بعض ما ذكره في غيرهن، فلم يكن ذلك متعارضا، وقد قال تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله) * وليس تخصيصه الذين آمنوا بالذكر ههنا موجبا أن طاعة الله عزوجل لا تلزم الذين كفروا، بل هي لازمة للكفار كلزومها للمؤمنين ولا فرق وقد ذكرنا طرقا من هذا في باب الاخبار وفي باب العموم من كتابنا هذا.\rقال أبو محمد: وكذلك قوله تعالى: * (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) * وهم كلهم قد وافقونا على أن كل من لم يخف أيضا ألا يعدل فمباح له الاقتصار على واحدة وعلى ما ملكت يمينه، فتركوا ههنا مذهبهم في دليل الخطاب، وكان يلزمهم ألا يبيحوا الواحدة فقط إلا لمن خاف ألا يعدل.\rفإن قالوا: إن ذلك إجماع، قيل لهم: قد أقررتم أن الاجماع قد صح بإسقاط قولكم في دليل الخطاب.\rويقال لهم: سلوا أنفسكم ههنا فقولوا: أي فائدة وأي معنى لقصد الله تعالى\rبالذكر من خاف أن يعدل ؟ كما قلتم لنا: أي فائدة، وأي معنى لقصد الله تعالى بالذكر لمن خاف العنت وعدم الطول ؟ وهذا ما لا انفكاك منه، والحمد لله.\rفإن قالوا: فهلا قلتم مثل هذا في قوله تعالى: * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) * وقوله تعالى أيضا: * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) * وقوله تعالى: * (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) * فتوجبوا إباحة الصيام من وجد الرقبة والهدي ؟ قلنا: لا سواء، والاصل أنه لا يلزمنا صيام فرض أصلا إلا ما أوجبه نص، كما أن","part":7,"page":911},{"id":913,"text":"الاصل إباحة نكاحة الاماء بقوله تعالى: * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) * وقوله تعالى: * (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) * فلم نوجب الصوم فرضا إلا حيث أوجبه النص، وأحللنا النكاح في كلتا الآيتين لانهما معا نص واجب وطاعته.\rوأيضا فإن حكم واجد الرقبة في كفارة الوطئ، وواجد النسك من الهدي في التمتع، وواجد الغنى في الاطعام والكسوة، والرقبة في كفارة اليمين، منصوص على لزوم كل ذلك لهم، فلو صام كان عاصيا لله عزوجل تاركا لما نص على وجوبه عليه، وليس كذلك واجد الطول وآمن العنت، لانه لا نص على منعه من نكاح الاماء أصلا، لا في نص ولا في إجماع فبين الامرين أعظم الفرق.\rوقد ذهب بعضهم - وهو أبو يوسف - إلى المنع من صلاة الخوف على ما جاءت به الروايات، ولقوله تعالى: * (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) * قال: فدل ذلك على أنه (ص) إذا لم يكن فينا لم نصل كذلك.\rقال أبو محمد: فأول ما يدخل عليه أنه لا يلزمه ألا يأخذ الائمة زكاة من أحد، لان الله تعالى قال: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) * فإنما خوطب بذلك\rالنبي (ص) كما خوطب بتعليمه كيفية صلاة الخوف ولا فرق فقد ظهر تناقضه.\rوأيضا فإن قول النبي (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي ملزم لنا أن نصلي صلاة الخوف وغير صلاة الخوف كما رئي (ص) يصليهما، وكذلك قوله (ص): أرضوا مصدقيكم وقوله (ص) في كتابه الزكاة: فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فرقها فلا يعط موجب لاخذ الائمة الزكاة بإرسال المصدقين، وبالله تعالى التوفيق.","part":7,"page":912},{"id":914,"text":"فصل من هذا الباب قال أبو محمد: كل لفظ ورد بنفي ثم استثني منه بلفظة إلا أو لفظة حتى فهو غير جار إلا بما علق به، مثل قول رسول الله (ص): لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ.\rومثل: لا صلاة إلا بأم القرآن ولا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وهذا هو المفهوم من الخطاب بالضرورة، لانه نفى قبول الصلاة إلى أن يتوضأ، ووجب قبولها بعد الوضوء بالآية التي فيها: * (إذا قمتم إلى الصلاة) * وبالحديث: من توضأ كما أمر ونفى الصلاة إلا بأم القرآن وأثبتها بأم القرآن، لانه لا بد لكل مصل من أن يقرأ أم القرآن أو لا يقرؤها.\rولا سبيل إلى وجه ثالث أصلا بوجه من الوجوه، والصلاة فرض، فلما لم يكن بد من الصلاة ولم يكن فيها بد من قراءة أم القرآن أو ترك قراءتها، وكان من لم يقرأها ليس مصليا، فمن قرأها فيها فهو مصل بلا شك، وفرض على كل مسلم بالغ أن يصلي كما أمر، ففرض عليه أن يقرأ أم القرآن وهذا برهان ضروري قاطع.\rوكذلك نفيه (ص) القطع جملة، ثم أوجبه مستثنى في ربع دينار فصاعدا إلا أن هذا لو لم يتقدم فيه نص أو إجماع لم قطعنا إلا في الذهب فقط.\rولكن لما قال تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * وقال رسول الله (ص): لعن\rالله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده وأجمعت الامة على أن حديث ربع دينار لم يقصد به (ص) إبطال القطع في غير الذهب وجب علينا أن نستعمل الآية على عمومها، فلا يخرج منها إلا سارق أقل من ربع دينار ذهب فقط.\rفمن سرق أقل من ربع دينار ذهب فلا قطع عليه، ومن سرق من غير الذهب شيئا، قل أو كثر، أي شئ كان له قيمة وإن قلت، فعليه القطع بالآية والحديث الذي فيه: لعن الله السارق.\rقال أبو محمد: ومن أبى هذا فإنما يلجأ أن يقول: المراد بقوله (ص) في ذكره ربع الدينار إنما عنى القيمة.\rقال أبو محمد: وهذه دعوى لا دليل عليها، وأن من ظن النبي صلى الله عليه","part":7,"page":913},{"id":915,"text":"وسلم سها عما تنبه له هذا المتعقب فقد عظم غلطه * (وما كان ربك نسيا) * وليت شعري أي شئ كان المانع لرسول الله (ص) أن يقول: لا قطع إلا في قيمة ربع الدينار فصاعدا، فيكشف عنا الاشكال، وقد أمره ربه تعالى بالبيان والذي نسبوه إلى رسول الله (ص) من أنه أراد القيمة ولم يبينها فإنما هو تلبيس لا بيان، وقد أعاذ الله تعالى من ذلك.\rوالحديث الذي فيه ذكر القيمة ليس فيه بيان بأن القطع من أجل القيمة، فليس لاحد أن يقول: إن التقويم كان من أجل القطع، إلا كان لآخر أن يقول: بل لتضمين السارق ما جنى في ذلك.\rقال أبو محمد: ثم يقنعوا إلا بأن نسبوا إلى الذي وصفه ربه تعالى بأنه رؤوف بنا رحيم، وأنه عزيز عليه ما عنتنا، إنه زادنا تلبيسا بقوله (ص): لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده إنه إنما في بيضة الحديد التي يقاتل بها، وأنه (ص) عنى حبلا مزينا يساوي ربع دينار، هذا مع أنها دعاوى بارية\rعارية من الادلة، فهي أيضا فاسدة، لانه (ص) لم يرد بهذا عذر السارق وكيف يريد عذره وهو يلعنه ؟ وإنما أراد (ص) شدة مهانة السارق ورذالته وأنه يبيح يده فيما لا خطب له من بيضة أو حبل، وهذا الذي لا يعقل سواه.\rولهم من مثل هذا، ما ينسبونه إلى مراد الله تعالى ومراد رسوله (ص) غثائث جمة يوقرون أنفسهم عن مثلها، فمن ذلك ما ينسبون إلى الآية التي في الوصية في السفر أن قول الله تعالى: * (وآخران من غيركم) * أي من غير قبيلتكم، وهذا من الهجنة بحيث لا يجوز أن ينسب إلى من له أدنى معرفة باللغة ومجاري الكلام، فكيف بخالق الكلام والبيان ؟ لا إله إلا هو.\rومن ذلك قول بعض المالكيين في قوله (ص): للذي خطب المرأة وهو لا شئ معه: التمس ولو خاتما من حديد قال هذا القائل: إنما كلفه عليه السلام خاتما مزينا مليحا يساوي ربع دينار.","part":7,"page":914},{"id":916,"text":"وهذا وهم يسمعون كلام الرجل أنه لا يملك إلا إزاره فقط، وأنه لا يقدر على حيلة، فيقول له (ص): ولو خاتما من حديد أفيسوغ عن عقل من له مسكة أن يظن أن رسول الله (ص) يكلف من هذه صفته خاتما بديعا يساوي ربع مثقال ؟ وهذا مع ما فيه من الافتراء على رسول الله (ص) والكذب عليه، فقول مفضوح ظاهر العوار، لانه لم يكن بلغ عن غلاء الحديد بالمدينة، ومنه مساحيهم ومناحلهم لعمل النخل، ودروعهم للقتال، أن يساوي خاتم منه قريبا من وزنه من الذهب، ولو نطقت بهذا مخدرة غريرة لاضحكت بقولها، وبالله عزوجل نستعين.\rقال أبو محمد: وقد اعترض بعض الحنفيين على قوله (ص): لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا فقال: هذا اللفظ لا يوجب قطعا في الربع دينار.\rقال أبو محمد: وهذه قحة ظاهرة، ومجاهرة لا يرضاها لنفسه من في وجهه حياء وهو بمنزلة من قال: * (حرمت عليكم الميتة) * أن هذا اللفظ لا يوجب نهيا ولا منعا ومن قال في مثل هذا أن هذا الخطاب لا يوجب القطع في ربع دينار وأن لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن ان لا يوجب القراءة ثم قال في الاوامر انها غير لازمة وانها على الندب ثم قال في الالفاظ انها على الخصوص ثم قال في الكلام أنه ليس على ظاهره ثم ترك النص فلم يحكم به ثم أتى إلى أشياء لم تنص فحرمها وأحلها برأيه فما نعلم أحدا ولا الحلاج ولا الغالية من الروافض أشد كيدا للاسلام منه وأما الجاهل فهو معذور وأما من قامت عليه الحجة فتمادى فهو فاسق بلا شك وسيرد فيعلم وما توفيقنا الا بالله.\rفإن قال قائل ان هذا مثل قوله عليه السلام لا إيمان لمن لا أمانة له قيل له وبالله تعالى التوفيق هذا على ظاهره ونعم لا إيمان اصلا لمن لا امانة له ولا يجوز ان نخص بذلك امانة دون امانة والاسلامك هو الامانة التى عرضها الله تعالى على السماوات والارض وقبول الشرائع فمن عدم هذه الامانة التى هي بعض","part":7,"page":915},{"id":917,"text":"الامانات فلا إيمان له ومن قيل فيه لا أمانة له فهو محمول على كل أمانة لا على بعضها دون بعض.\rوأما قوله (ص): لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه فكذلك نقول: إن الفعل المذموم منه ليس إيمانا، لان الايمان هو جميع الطاعات، والمعصية إذا فعلها فليس فعله إياها إيمانا، فإذا لم يفعل الايمان فلم يؤمن، يعني في تركه ذلك الفعل خاصة، وإن كان مؤمنا بفعله للطاعات في سائر أفعاله، وقد بينا هذا في كتاب الفصل والايمان هو الطاعات كلها، وليس التوحيد وحده إيمانا فقط، فمعنى: لا إيمان له أي لا طاعة، وكذلك إذا عصى فلم يطع، وإذا لم يطع فلم يؤمن،\rوليس يلزمنا أنه إذا لم يؤمن في بعض أحواله أنه كفر، ولا أنه لا يؤمن في سائرها لكن فإن قال: أنه إذا لم يطع فلم يؤمن في الشئ الذي عصى به وآمن فيما أطاع فيه فإن قال يلزمكم بهذا أن تقولوا: إنه مؤمن لا مؤمن، قلنا نعم، هو مؤمن بما آمن به، غير مؤمن فيما لم يؤمن به، وهذا شئ يعلم ضرورة، ولم نقل إنه مؤمن لا مؤمن على الاطلاق، وهكذا يلزم خصومنا في مسئ ومحسن ولا فرق.\rفإن قلتم: من أحسن في جهة وأساء في أخرى فهو مسئ عاص فيما أساء فيه، ومحسن طائع فيما أحسن فيه، أفترى يلزمكم من هذا أن تقولوا: هو عاص طائع ومحسن مسئ على الاطلاق ؟ ونحن لا نأبى هذا إذا كان من وجهين مختلفين ولا نعيب به أحدا.\rوأما من قال: لا صلاة لمن لم يقرأ و: لا صيام لمن لن يبيته من الليل إنما معناه لا صلاة كاملة، فهذه دعوى لا دليل عليها، وأيضا فلو صح قولهم لكان عليهم لا لهم، لان الصلاة إذا لم تكن كاملة فهي بعض صلاة، وبعض الصلاة لا تقبل إذا لم تتم، كما أن صيام بعض يوم لا يقبل حتى يتم اليوم، فإن قال: إنما معناه أنها صلاة كاملة، إلا أن غيرها أكمل منها، فهذا تمويه، لان الصلاة إذا تمت بجميع فرائضها فليس غيرها أكمل منها في أنها صلاة، ولكن زادت قراءته وتطويله الذي لو تركه لم يضر، ولا سميت صلاته دون ذلك ناقصة، وقد أمر تعالى بإتمام الصيام وإقامة الصلاة، فمن لم يقمها ولا أتم صيامه فلم يصل ولا صام، لانه لم يأت بما أمر به، وإنما فعل غير ما أمر به، والناقص غير التام.\rوقد قال (ص): من عمل","part":7,"page":916},{"id":918,"text":"عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وليس هذا مما يكتفى به في إقامة الصلاة وإتمام الصيام فقط، لكن كل ما جاءت به الشريعة زائد أبدا ضم إلى هذا.\rومن العجب العجيب أن قوما لم يبطلوا الصلاة بما أبطلها به (ص)\rمن عدم القراءة لام القرآن، ومن ترك إقامة الاعضاء في الركوع والسجود، ومن فساد الصفوف، وأبطلوها بما لم يبطلها به الله تعالى ولا رسوله (ص) من وقوف الامام في موضع أرفع من المأمومين، ومن اختلاف نية الامام والمأموم.\rثم فعلوا مثل ذلك في الصيام، فلم يبطلوه بما أبطله به الله تعالى، من عدم النية في كل ليلة، ومن الغيبة والكذب، ثم أبطلوه بما لم يبطله به الله تعالى، من الاكل ناسيا، ومن الحقنة، ومن الكحل بالعقاقير، فقلبوا الديانة كما ترى، وحرموا الحلال، وأحلوا الحرام وبالله تعالى نعوذ من الخذلان، وإياه نسأل التوفيق، لا إله إلا هو.\rقال أبو محمد: وكذلك نقول في حديث أبي ذر رضي الله عنه فيما يقطع الصلاة فذكر الكلب الاسود وأنه سأل النبي (ص): ما بال الاسود من الاحمر من الاصفر من الابيض ؟ فقال (ص): الكلب الاسود شيطان فليس في هذا الحديث أن سائر الكلاب لا تقطع الصلاة ولا أنها تقطع، فلما ورد حديث أبي هريرة عن النبي (ص): تقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب كان هذا عموما لكل كلب، وهو قول أنس وابن عباس وغيرهما.\rومن أنكر هذا علينا من الشافعيين والمالكيين فليتفكروا في قولهم في قول النبي (ص): ومن تولى رجلا بغير إذن مواليه فيلزمهم أن يبيحوا له تولي غير مواليه بإذنهم وهذا قول عطاء وغيره وهم يأبون ذلك، ومثل هذا من تناقضهم كثير.","part":7,"page":917},{"id":919,"text":"فصل في إبطال دعواهم في دليل الخطاب قال أبو محمد: والمفهوم من الخطاب هو أن التأكيد إذا ورد فإنه رفع للشغب وحسم لظن من ظن أن الكلام ليس على عمومه، وقد ضل قوم في قوله تعالى: * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) * فقالوا: إن حملة العرش ومن غاب عن ذلك\rالمشهد لم يسجد.\rقال أبو محمد: ويكفي من إبطال هذا الجنون قوله تعالى: * (مآ أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا) * فليت شعري من أين استحلوا أن يقولوا إن أحدا من الملائكة لم يسجد مع قوله تعالى: * (كلهم أجمعون إلا إبليس) * ومثل هذا من الاقدام يسئ الظن بمعتقد قائله، إذ ليس فيه إلا رد قول الله تعالى بالميت.\rوقد رام بعض الشافعيين أن يجعل قول الله تعالى: * (من استطاع إليه سبيلا) * بعد قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * من استطاع إليه على معنى أن ذلك ليس بيانا للذين ألزموا الحج، ولا على أنه موافق لقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * وقال: إن هذا خطاب فائدة أخرى، موجب أن الاستطاعة من غير قوة.\rقال أبو محمد: ولسنا نأبى أن تكون الاستطاعة أيضا شيئا غير القوة للجسم، لكنا نقول: إن الاستطاعة كل ما كان سببا إلى تأدية الحج، من زاد وراحلة أو قوة جسم، ولا نقول كما قال المالكيون: إن الاستطاعة هي قوة الجسم فقط، وإن من عدمها وقدر على زاد وراحلة فهو غير مستطيع، ولا كما قال الشافعيون: إنما الاستطاعة إنما هي الزاد والراحلة فقط، وأن قوة الجسم ليست استطاعة، بل نقول: إن قوة الجسم دون الراحلة استطاعة، وإن الزاد والراحلة وإن كان واجدهما مقعد الرجلين مبطل اليدين أعمى، أنه مستطيع بماله، حملا للآية على عمومها مع شهادة قول الله تعالى وحديث النبي (ص) لصحة قولنا يعني حديث الخثعمية، وقوله تعالى: * (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر) *.\rقال أبو محمد: وقد ذكرنا فيما خلا أن النبي (ص) إذا سئل عن شئ فأجاب، أن ذلك الجواب محمول على عموم لفظه لا على ما سئل عنه عليه السلام فقط، لانه عليه السلام إنما بعث معلما، فلا فرق بين ابتدائه بأمر","part":7,"page":918},{"id":920,"text":"وتعليم، وبين جوابه عما سئل، ومخبرا أيضا عما لم يسأل عنه.\rفإن قال قائل: فاحملوا قوله (ص): الخراج بالضمان على عمومه فاجعلوا الخراج للغاصب بضمانه، قيل له وبالله تعالى التوفيق: الحديث في ذلك لا يقوم بمثله حجة، لانه عن مخلد بن خفاف، وعن مسلم بن خالد الزنجي وكلاهما ليس قويا في الحديث، وأيضا فلو صح لمنع من حمله على الغاصب قوله عليه السلام من الطريق المرضية: ليس لعرق ظالم حق.\rحدثنا عبد الله بن ربيع التميمي، عن محمد بن إسحاق، عن ابن الاعرابي، عن سليمان ابن الاشعث، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، هو الثقفي، حدثنا أيوب، هو السختياني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد عن رسول الله (ص).\rقال أبو محمد: فخص هذا الحديث الظالمين من جملة الضامنين، فنفى الخراج للمشتري بحق، وأيضا فقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * مانع من أكل مال بغير حق جملة، وبالله تعالى التوفيق.\rوقد أمر (ص) بالبيان فلفظه كله، جوابا كان أو غير جواب، محمول على عمومه، فإن لم يعط الجواب عموما غير ما سئل عنه لم يحمل على ما سواه حينئذ، كما أفتى (ص) الواطئ في رمضان بالكفارة، فوجب ألا يجعل على غير الواطئ لانه ليس في لفظه (ص) ما يوجب مشاركة غير الواطئ للواطئ في ذلك، وكذلك أمره (ص) لمن أساء الصلاة، أو صلى خلف الصفوف منفردا بالاعادة، أمر لمن فعل مثل ذلك الفعل، وحكم في ذلك الفعل متى وجد، وأمره (ص) بغسل المحرم أمر في كل ميت في حال إحرام، وذكره (ص) أو ذكر ربه تعالى المسجد الحرام حكما في المسجد الحرام أنه لا يشركه فيه غيره، لانه ليس ههنا مسجد حرام غيره، وليس ولكل لفظ إلا\rمقتضاه ومفهومه فقط، وكذلك قوله (ص): الائمة من قريش حكم في قريش لا يشاركهم فيه غيرهم، ولا يقتصر به على بعضهم دون بعض، إلا من منع منه إجماع، من امرأة أو مجنون أو من لم يبلغ، وكذلك حب الانصار فضل في","part":7,"page":919},{"id":921,"text":"جميع الانصار لا يعدوهم إلى غيرهم، ولا يقتصر به على بعضهم دون بعض.\rوكذلك ذو القربى وكذلك فضل أبي بكر لا يشركه فيه غيره، وكذلك فضل علي لا يشركه فيه غيره، لان الحكم على الاسماء، فكل اسم مسماه لا يعدي به إلى غيره، ولا يبدل منه غيره، ولا يقتصر به على بعض مسماه دون بعض ولا في الاحوال دون بعض.\rفصل في إبطال دعواهم في دليل الخطاب قال أبو محمد: قد أو عينا، بحول خالقنا تعالى لا بحولنا، الكلام في كل ما شغبوا به، وأبنا حل شكوكهم جملة، ثم نأتي بالبراهين المبطلة لدعواهم في ذلك إن شاء الله عزوجل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rيقال لهم: أرأيتم قول الله عزوجل: * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) * أفيه إباحة أن يقرب مال من ليس يتيما بغير التي هي أحسن ؟ فإن قالوا: لا، ما فيه إباحة لذلك تركوا قولهم الفاسد إن ذكر السائمة دليل على أن غير السائمة بخلاف السائمة، ولا فرق بين ذكره (ص) السائمة في موضع، والغنم جملة في موضع آخر، وبين قوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * في مكان ثم قال في آخر: * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) *، وكذلك لا فرق بين من قال: إن الحديث الذي فيه ذكر السائمة بيان للحديث الذي فيه ذكر الغنم جملة، وبين من قال: إن ذكر مال اليتيم في الآية بيان للاموال المحرمة، ويعلم أن المراد بها مال اليتيم خاصة.\rويقال لهم: أترون قول الله تعالى: * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منهآ أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) * مبيحا للظلم في سائر الاشهر غير الحرم ؟ أو ترون قوله تعالى: * (الملك يومئذ لله) * مانعا من أن يكون الملك في غير يومئذ لله ؟ وكذلك قوله تعالى: * (ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصنا) * أتراه مبيحا للبغاء إن لم يردن تحصنا.\rوكذلك قوله تعالى: * (ولكن لا تواعدوهن سرا) * أتراه مبيحا لمواعدتهن في العدة جهرا وكذلك قوله تعالى: * (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) * أتراه مانعا من لعن من كفر من غير بني إسرائيل، وكذلك قوله تعالى: * (أحل لكم صيد البحر","part":7,"page":920},{"id":922,"text":"وطعامه متاعا لكم) * أتراه مانعا من أكل الثمار والحبوب وما ليس من صيد البحر ولا طعامه كما قال المالكيون إن قوله تعالى: * (لتركبوها وزينة) * مانع من أكل الخيل إذ لم يذكر الاكل، وإذا عارضوا بهذه الآية الحديث الذي فيه إباحة للخيل فهلا عارضوا بالآية التي ذكرنا إباحة كل ما اختلف فيه فحرموه بها.\rويقال لهم أترون قوله (ص): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها مسقطا لقتلهم إن جحدوا نبوة موسى وعيسى عليهما السلام ؟.\rويقال لهم: لو كان قولكم حقا إن الشئ إذا علق بصفة ما، دل على أن ما عداه بخلافه، لكان قول القائل: مات زيد كذبا، لانه كان يوجب على حكمهم أن غير زيد لم يمت، وكذلك زيد كاتب، وكذلك محمد رسول الله (ص) إذا كان ذلك يوجب ألا يكون غيره رسول الله، ويلزمهم أيضا، إذ قالوا بما ذكرنا، أن يبيحوا قتل الاولاد لغير الاملاق، لان الله تعالى إنما قال: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) * ويلزمهم في قوله تعالى: * (ولا تشتروا بآياتي\rثمنا قليلا) * إن ذلك مبيح لان يشترى بها ثمن كثير.\rفلما تركوا مذهبهم في كل ما ذكرنا، وكان قول القائل: مات زيد وزيد كاتب ومحمد رسول الله (ص) ومسيلمة كذاب، حقا ولم يكن في ذلك منع من أن غير زيد قد مات، وأن غير زيد كتاب كثير، وأن موسى وعيسى وإبراهيم رسل الله، وأن الاسود العنسي والمغيرة الجلاح وبناتا كذابون، بطل قول هؤلاء القوم إن الخطاب إذا ورد بصفة ما وفي اسم ما أو في زمان ما أن ما عداه بخلاف.\rولا يغلط علينا من سمع كلامنا هذا، فيظن أننا إذ أنكرنا قولهم: إن غير المذكور بخلاف المذكور، إننا نقول: إن غير المذكور موافق للمذكور، بل كلا الامرين عندنا خطأ فاحش، وبدعة عظيمة، وافتراء بغير هدى.\rولكنا نقول: إن الخطاب لا يفهم منه إلا ما قضي لفظه فقط، وأن لكل قضية حكم اسمها فقط، وما عداه فغير محكوم له، لا بوفاقها ولا بخلافها لكنا نطلب دليل ما عداها من نص وارد اسمه، وحكم مسموع فيه، أو من إجماع، ولا بد من أحدهما، وبالله تعالى التوفيق.","part":7,"page":921},{"id":923,"text":"فصل في عظيم تناقضهم في هذا الباب قال أبو محمد: وبالجملة فإن مذهبهم في القياس، ومذهبهم في دليل الخطاب ومذهبهم في الخصوص، مذاهب يبطل بعضها بعضا ويهدم بعضها بعضا، وذلك أنهم قالوا في القياس: إذا نص على حكم ما فنحن ندخل ما لا ينص عليه في حكم المنصوص عليه، ونتبع السنة ما لا سنة فيه، فإذا أوجب الربا في البر بالبر أوجبناه نحن في التبن بالتبن، وإذا وجبت الكفارة، على العامد في الصيد أوجبناه نحن على المخطئ، وقالوا في دليل الخطاب: إذا نص على حكم ما فنحن نخرج\rما لم ينص عليه من حكم المنصوص عليه، ولا نتبع السنة ما لا سنة فيه.\rفقالت طوائف منهم لا نزكي غير السائمة، لانه ذكرت السائمة في بعض الاحاديث.\rوقالت طائفة منهم: لا نأكل الخيل، لانه إنما ذكر في الآية الركوب والزينة.\rوقالت طوائف منهم: لا نقضي بالمتعة إلا التي طلقت ولم تمس ولا فرض لها لان هذه قد ذكرت بصفتها في بعض الآيات.\rقال أبو محمد: وهذا ضد قولهم في القياس وإبطاله.\rوقالوا في الخصوص: لا نقضي لجميع ما اقتضاه النص، لكن نخرج منه بعض ما يقع عليه لفظ، فقالوا في قوله تعالى: * (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت) * إنما عنى الذكر من الاولاد دون الاناث.\rوقالوا في قوله تعالى: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) *: إنما عنى من الاحرار لا من العبيد، ومن الاباعد لا من الاخوة والآباء والابناء والازواج.\rوقالوا في قوله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * وفي قوله تعالى: * (والجروح قصاص) * لا قصاص من جرح إلا من الموضحة فقط ولا قصاص من متلف ولا من لطم ولا من نتف شعر.\rقال أبو محمد: وهذا مذهب يبطل قولهم في القياس وفي دليل الخطاب معا ونحن نرى إن شاء الله تعالى تناقضهم في مذاهبهم هذه في مسألة واحدة.","part":7,"page":922},{"id":924,"text":"روى المالكيون حديث القطع في ربع دينار، فقالوا: لا يستباح فرج زوجة بأقل من ربع دينار، قياسا على ما يقطع فيه يد السارق، وذكر ربع الدينار في القطع موجب ألا يكون الصداق أقل منه، ثم قالوا: لا يقطع المستعير لانه ليس سارقا، وذكر الله تعالى السارق موجب ألا يقطع من ليس سارقا.\rثم قالوا: من سرق شيئا فأكله قبل أن يخرج من حرزه، وإن كان يساوي دنانير، فلا قطع عليه، فخصوا بالقطع بعض السراق دون بعض.\rوكذلك فعل الحنفيون سواء بسواء، إلا أنهم قالوا: لا يقطع سارق لحم ولا مصحف ولا فاكهة ولا زرنيخ.\rوروى محمد بن المغيرة المخزومي عن مالك: أن الاناء يغسل من ولوغ الخنزير سبعا، قياسا على الحديث الوارد في الكلب، ثم قالوا: لا يغسل من لعاب الكلب ثوب ولا جسد، لانه إنما ذكر في الحديث الاناء ولم يذكر غيره، ثم روى ابن القاسم عنه أنه قال: لا يهرق الاناء إلا أن يكون فيه ماء وأما غير الماء فلا يضره ولوغ الكلب.\rوأما الشافعيون فأتوا إلى آية الظهار فقاسوا على الام والاخت، وقالوا: ذكر الله تعالى الام دليلا على أن الاخت مثلها، ثم قالوا: ذكر الله تعالى المظاهر دليل على أن المرأة إذا ظاهرت من زوجها بخلاف ذلك، ثم قالوا: ومن ظاهر من أمته فلا كفارة عليه، فخصوا بعض النساء المذكورات في الآية بلا دليل، كل ذلك ومثل هذا في أقوالهم كثير، بل هو أكثر أقوالهم، وما سلم منها من التناقض إلا الاقل، وكلها يهدم بعضها بعضا، ويدل هذا دلالة قطع على أن أقوالهم من عند غير الله تعالى، إذا ما كان من عند الله تعالى فلا اختلاف فيه ولا تعارض، وبعضه يصدق بعضا.\rفصل من تناقضهم في ذلك أيضا قال أبو محمد: نص الله تعالى على إيجاب الدية والكفارة في قتل المؤمن خطأ، فأوجبها القياسيون قتل المؤمن الذمي خطأ، ولا ذكر له في الآية أصلا، ثم اختلفوا: فطائفة أوجبت الكفارة في قتل العمد قياسا على قتل الخطأ، وطائفة","part":7,"page":923},{"id":925,"text":"منعت من ذلك، وكان تناقض هذه الطائفة أعظم، لانهم أوجبوا الكفارة على قاتل الصيد خطأ: قياسا على قاتله عمدا، ومنعوا من الكفارة في قتل المؤمن عمدا، ولم يقيسوه على قتله خطأ، هذا وكلهم يسمع قول الله تعالى: * (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * وقول رسول الله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فوجب بهذين النصين أن لا يؤخذ أحد بخطأ من فعله، إلا ما جاء به النص من إيجاب الكفارة على المخطئ في قتل المؤمن، وما أجمعت الامة عليه من ضمان الخطأ في إتلاف الاموال، وأن الوضوء ينتقض بالاحداث الخارجة من المخرجين بالنسيان كالعمد فقط.\rومن تناقضهم أن قالت طوائف منهم في قول النبي (ص): من باع نخلا وفيها تمر قد أبر فهو للبائع إلا أن يشترط المبتاع فقال بعضهم: إذا ظهر، أبر أو لم يؤبر، فهو للبائع، وهذا قول أبي حنيفة، وقد كثر تناقض أصحابه في دليل الخطاب جدا.\rوقالت طوائف منهم: واجب أن تكون الرقبة في الظهار إلا مؤمنة، لان الرقبة التي ذكرت في كفارة القتل لا تكون إلا مؤمنة، فوجب أن تكون الرقبة المسكوت عن ذكر دينها في الظهار مثل الرقبة المذكور دينها في القتل.\rثم قال بعض هذه الطائفة لما ذكر (ص) القلتين في قوله: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا وجب أن يكون لها ما دون القلتين بخلا ف القلتين.\rقال أبو محمد: فهلا قالوا في الرقبة كذلك، وأوجبوا أن يكون المسكوت عنها بخلاف المذكور دينها، كما جعلوا المسكوت عنه فيما دون القلتين بخلاف المذكور من القلتين ؟ أو هلا جعلوا المسكوت عنه مما دون القلتين مثل القلتين، كما جعلوا المسكوت عن دينها في الظهار مثل المذكور دينها في القتل ؟.\rوقالت طائفة أخرى منهم: لا يقول المأموم: سمع الله لمن حمده، لان ذلك\rلم يذكر في بعض الاحاديث، ولا يقول الامام: آمين، لانه لم يذكر ذلك في بعض الاحاديث، وإن كان قد ذكر في غيرها، لكن يغلب المسكوت ههنا، فلا نقول إلا ما جاء في كلا الحديثين ذكره.\rثم قالت: الجزية من غير أهل الكتاب، وإن كان الله تعالى لم يأمر بأخذها إلا من أهل الكتاب، وادعوا","part":7,"page":924},{"id":926,"text":"ذلك على عثمان رضي الله عنه.\rقال أبو محمد: وهذا لا يصح عن عثمان أصلا، وأول من أخذ الجزية من غير أهل الكتاب، فالقاسم بن محمد الثقفي قائد الفاسق الحجاج أخذها من عباد البد من كفرة أهل السند، وأما عثمان رضي الله عنه فلم يتجاوز إفريقية وأهلها نصارى، ولا تجاوز في الشرق خراسان وفي الشمال أذربيجان وأهلها مجوس.\rومن عجائبهم التي تغيظ كل ذي عقل ودين، والتي كان يجب عليهم أن يراقبوا الله تعالى في القول بها، أو يستحيوا من تقليد من أخطأ فيها، إطباقهم على أن قول الله تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) * فليس يدخل فيه القاتل خطأ وأن القاتل خطأ بخلاف القاتل عمدا في ذلك، ثم أجمع الحنفيون والشافعيون والمالكيون على قول الله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا) * إلى منتهى قوله تعالى: * (ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه) * فقالوا كلهم: إن القاتل الصيد وهو محرم خطأ تحت هذا الحكم وهم يسمعون هذا الوعيد الشديد الذي لا يستحقه مخطئ بإجماع الامة، فيكون في عكس الحقائق والتحكم في دين الله تعالى أعظم من هذا التلاعب في حكمين وردا بلفظ العمد، ففرقوا بينهما كما ترى ؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوقالوا: ذكر الله تعالى: * (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم) * فقالوا:\rنقيس من يظاهر بجريمته أو بشئ محرم على الام، ونلحق المسكوت عنه بالمذكور.\rثم قالوا: لا نقيس تظاهر المرأة من زوجها بتظاهره منها، ولا نلحق عنه بالمذكور ثم قالوا: نوجب الكفارة على المرأة الموطوءة نهارا في رمضان قياسا على الرجل الواطئ في رمضان، فيلحق المسكوت عنه بالمذكور، وقد قالوا كما ذكرنا: نلحق الرقبة المسكوت عنها في الظهار بالرقبة المذكور دينها في القتل، ثم قالوا: نوجب في التعويض من الصيام في كفارة القتل إطعاما، وإن كان","part":7,"page":925},{"id":927,"text":"قد عوض من الصيام بالاطعام في كفارة الظهار التي قسنا آنفا رقبتها على رقبة القتل، وقاس بعضهم التيمم على الوضوء، أن لا بد من بلوغ التيمم إلى المرفقين وأبوا أن يقيسوا مسح الرأس في التيمم على مسحه في الوضوء.\rوقالوا: الحكم المسكوت عنه بحكم المذكور ههنا، ثم لم يقيسوا قوله تعالى في الرجعة: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * على قوله تعالى في الدين: * (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) * فقالوا: هذا لا نحكم عنه للمسكوت عنه بحكم المذكور، وقالوا هنالك: نحكم للمسكوت عنه بحكم المذكور.\rوأما الحنفيون فحكموا في آيتي الشهادة المسكوت عنه بحكم المذكور، فقبلوا النساء في الرجعة والطلاق والنكاح وفي آية التيمم، فأوجبوا إلى المرفقين، ولم يحكموا في رقب الظهار والقتل والكفارة للمسكوت عنه بحكم المذكور، ولا حكموا لغير السائمة بحكم السائمة، ففرقوا ههنا بين المسكوت عنه وبين المذكور، فكل طائفة منهم تحكمت في دين الله بعقولها وتقليدها الفاسد، بلا برهان.\rوقد احتج بعضهم علي حيث وافق هواه، بأن البدل حكمه حكم المبدل منه فأعلمته بأن ذلك باطل بلغة العرب التي خوطبنا بها في القرآن والسنة، وبحكم الشريعة، أما اللغة فإن البدل على أربعة أضرب: بدل البعض من الكل، وبدل\rالبيان، وبدل الغلط، وبدل الصفة من الموصوف، فليس في هذه الوجوه بدل يكون حكمه حكم المبدل منه إلا بدل البيان وحده، كقولك: مررت بزيد رجل صالح على أن أحدهما نكرة الآخر معرفة، وأما القرآن فقد أبدل الله تعالى من عتق رقبة الكفارة، صيام ثلاثة أيام، ومن عتق رقبة الظهار صيام شهرين متتابعين، وأبدل من عتق رقبة الكفارة إطعام عشرة مساكين، ومن هؤلاء العشرة صيام ثلاثة أيام، وأبدل من صيام الشهرين إطعام ستين مسكينا، وأبدل تعالى من هدي المتعة صيام عشرة أيام، ومن هدي الاذى صيام ثلاثة أيام فبطل ما ادعوه.\rوقالت طائفة منهم في قوله (ص): من مس فرجه فليتوضأ لا ينقض الوضوء إلا من مسة بباطن يده دون ظاهرها، فلم يحكموا في ذلك بكل ما يقع عليه اسم مس.","part":7,"page":926},{"id":928,"text":"ثم قالوا في ذلك بحديث لا يصح فيه من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ.\rقال أبو محمد: ولو صح لما كان مانعا من إيجاب الوضوء في مسه بغير اليد، لانه إنما يكون في هذه الرواية التي احتجوا بها ذكر الافضاء باليد فقط، وكان يكون في الحديث الآخر المس جملة، كما لم يكن في قوله (ص): من مس فرجه فليتوضأ ما يوجب إسقاط الوضوء من الريح والغائط، بل كان مضافا إليه ومجموعا معه.\rثم نقضوا هذا فقالوا في حديثين وردا: أحدهما: إذا وقعت الحدود فلا شفعة والآخر: إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فاستعملوا كلا اللفظين ولم يجعلوهما حديثا واحدا، بل أوجبوا قطع الشفعة بتحديد الحدود وإن لم تصرف الطرق، وقالوا: نعم إذا حدث الحدود فلا شفعة وإذا زيد في ذلك\rفصرفت الطرق فلا شفعة أيضا.\rقال أبو محمد: ولم يفعل ذلك الحنفيون ههنا ولكنهم قد نقضوه فيما ذكرنا آنفا من مس الفرج، ونقضه بعضهم في حديثين رويا عن رسول الله (ص) في أحدهما: أنه عليه السلام مسح بناصيته، وفي الآخر: أنه مسح على العمامة فقالوا: هذا حديث واحد، ولا يجزئ المسح على العمامة دون الناصية.\rقال أبو محمد: وهذا خلاف ما فعلوا في الشفعة مع أن كون الحديث الذي فيه ذكر الناصية غير الحديث الذي فيه ذكر العمامة، أبين من أن يحتاج فيه كلفة، لان راوي الناصية المغيرة بن شعبة، وراوي العمامة فقط بلال وعمرو بن أبي أمية الضمري معا، فمن ادعى أنهما حديث واحد فقد افترى وقفا ما ليس له به علم، وذلك لا يحل وقد كان ينبغي لهم أن يحكموا المسكوت عنه من المسح على الرأس المستور، بحكمهم على الرجلين المستورين كما حكموا بالمسح على الجرموقين قياسا على الخفين، وكما قاسوا المسح على الجبائر في الذراعين على المسح على الخفين في الرجلين، والجبائر لم يأت ذكرها في نص صحيح أصلا، وإذا جاز عندهم تعويض المسح عليها من غسل الذراعين فتعويض المسح على العمامة من مسح الرأس أولى، لان هذا مسح عوض من مسح، وذلك مسح عوض من غسل، وكان قياس الرأس على الرجلين، لانهما طرفا الجسد، ولانهما جميعا يسقطان في التيمم:","part":7,"page":927},{"id":929,"text":"أولى من قياس الذراعين بالجبائر على الرجلين، ولكن القوم ليسوا في شئ، وإنما يقولون ما خرج إلى أفواههم دون تعقب، وقلدهم من تلاهم.\rوأتوا إلى قوله تعالى: * (الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى) * فتناقضوا فقالوا: هذه الآية موجبة أنه لا يقتل الحر بالعبد وليست موجبة ألا يقتل الذكر بالانثى، أفيكون أقبح تحكما ممن يقول: إن قوله تعالى: * (الحر بالحر) *\rموجب ألا يقتل حر بعبد ويقولون: إن قوله تعالى: * (والانثى بالانثى) * موجبا ألا تقتل الانثى بالذكر والذكر بالانثى ؟ وأما نحن فإن قوله (ص): المؤمنون تتكافأ دماؤهم عموم موجب عندنا قتل الحر بالعبد والعبد بالحر، والذكر بالانثى والانثى بالذكر، وكذلك قوله تعالى: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * موجب القصاص بين الحر والعبد، والذكر والانثى، فيما دون النفس، يقص فيه للحر من العبد، وللعبد من الحر، والاماء والحرائر فيما بينهن، ومع الرجال كذلك ولا قصاص لكافر من مؤمن أصلا، لنصوص أخر ليس هذا مكان ذكرها.\rوقال بعضهم: قوله تعالى: * (قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس) * يدل على أن الدم الذي يكون مسفوحا ليس حراما.\rقال أبو محمد: وهم قد نسوا أنفسهم في هذه الآية، لانه إذا كان ذكر المسفوح موجبا أن يكون غير المسفوح مباحا، فوجب أن يكون ذكر لحم الخنزير في الآية نفسها موجبا إباحة جلده، وشعره، وهم لا يقولون هذا، فقد تناقضوا، فإن ادعوا إجماعا كذبوا، لان كثيرا من الفقهاء يبيحون بيع جلده، والانتفاع به إذا دبغ والخرز بشعره، فهذا تناقض لم يبعد عنهم فينسوه.\rوأيضا فإن قوله تعالى في سورة المائدة في آية منها من آخر ما نزل: * (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالازلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) * مبين أن كل دم فهو حرام ويدخل في ذلك المسفوح وغير المسفوح وهذا بين وبالله تعالى التوفيق.","part":7,"page":928},{"id":930,"text":"الباب الثامن والثلاثون في إبطال القياس في أحكام الدين قال أبو محمد: علي بن أحمد رضوان الله عليه: ذهب طوائف من المتأخرين من أهل الفتيا إلى القول بالقياس في الدين، وذكروا أن مسائل ونوازل ترد لا ذكر لها في نص كلام الله تعالى، ولا في سنة رسول الله (ص) ولا أجمع الناس عليها قالوا: فننظر إلى ما يشبهها مما ذكر في القرآن، أو في سنة رسول الله (ص)، فنحكم فيما لا نص فيه ولا إجماع، بمثل الحكم الوارد في نظيره في النص والاجماع، فالقياس عندهم هو أن يحكم لما لا نص فيه ولا إجماع، بمثل الحكم فيما فيه نص أو إجماع، لاتفاقهما في العلة التي هي علامة الحكم، هذا قول جميع حذاق أصحاب القياس وهم جميع أصحاب الشافعي وطوائف من الحنفيين والمالكيين، وقالت طوائف من الحنفيين والمالكيين: لاتفاقهما في نوع من الشبه فقط.\rوقال بعض من لا يدري، ما القياس ولا الفقه من المتأخرين، وهو محمد بن الطيب الباقلاني: القياس هو حمل أحد المعلومين على الآخر في إيجاب بعض الاحكام لهما أو إسقاطه عنهما من جمع بينهما بأمر أو بوجه جمع بينهما فيه.\rقال علي: وهذا كلام لا يعقل، وهو أشبه بكلام المرورين منه بكلام غيرهم، وكله خبط وتخليط، ثم لو تحصل منه شئ، وهو لا يتحصل، لكان دعوى كاذبة بلا برهان، وأطرف شئ قوله: أحد المعلومين فليت شعري، ما هذان المعلومان ومن علمهما ؟ ثم ذكر إيجاب بعض الاحكام أو إسقاطه وهما ضدان، ثم قال: من جمع بينهما بأمر أو بوجه جمع بينهما فيه وهذه لكنه وعي وتخليط ونسأل الله السلامة، وإنما أوردناه ليقف على تخليطه كل من له أدنى فهم، ثم نعود إلى ما يتحصل منه معنى يفهم، وإن كان باطلا من أقوال سائر أهل القياس وقال أبو حنيفة: الخبر المرسل والضعيف عن رسول الله (ص) أولى من القياس،\rولا يحل القياس مع وجوده قال: والرواية عن الصاحب الذي لا يعرف له مخالف منهم، أولى القياس: قال: ولا يجوز الحكم بالقياس في الكفارات، ولا في الحدود، ولا في المقدرات.\rوقال الشافعي: لا يجوز القياس مع نص قرآن، أو خبر","part":7,"page":929},{"id":931,"text":"صحيح مسند فقط، وأما عند عدمهما فإن القياس واجب في كل حكم، وقال أبو الفرج القاضي، وأبو بكر الابهري المالكيان: القياس أولى من خبر الواحد المسند والمرسل، وما نعلم هذا القول عن مسلم، يرى قبول خبر الواحد قبلهما.\rوقسموا القياس بثلاثة أقسام: فقسم هو قسم الاشبه والاولى، وهو إن قالوا: إذا حكم في أمر كذا بحكم كذا، فأمر كذا أولى بذلك الحكم، وذلك نحو قول أصحاب الشافعي: إذا كانت الكفارة واجبة في قتل الخطأ وفي اليمين التي ليست غموسا، فقاتل العمد وحالف اليمين الغموس أولى بذلك وأحوج إلى الكفارة، وكقول المالكي والشافعي: إذا فرق بين الرجل وامرأته لعدم الجماع، فالفرقة بينهم العدم النفقة التي هي أوكد من الجماع أولى وأوجب، وكقول الحنفي والشافعي والمالكي: إذا لزمت المظاهر بظهر الام الكفارة، فالمظاهر بفرج أمه أولى.\rوقسم ثان وهو قسم المثل، وهو نحو قول أبي حنيفة ومالك: إذا كان الواطئ في نهار رمضان عمدا تلزمه الكفارة، فالمتعمد للاكل مثله في ذلك، وإذا كان الرجل يلزمه في ذلك الكفارة فالمرأة، الموطوءة باختيارها عامدة، في وجوب الكفارة عليها مثل الرجل، وكقول من قال من التابعين ومن بعدهم: إذا كان ظهار الرجل من امرأته يوجب عليه الكفارة فالمرأة المظاهرة من زوجها في وجوب الكفارة عليها مثل الرجل.\rوكقول الشافعي: إذا وجب غسل الاناء من ولوغ الكلب فيه سبعا فهو من الخنزير كذلك.\rوكقول المالكيين: إذا وجب على الزاني الذي ليس محصنا جلد مائة وتغريب عام، فقاتل العمد إذا عفي له عن دمه مثله،\rوكقول الحسن: إذا ورثت المطلقة ثلاثا في المرض، فهو في وجوب الميراث له منها إن ماتت كذلك أيضا.\rوالقسم الثالث قسم الادنى، وهو نحو قول مالك وأبي حنيفة: إذا وجب القطع في مقدار ما في السرقة، وهو عضو يستباح، فالصداق في النكاح مثله، وكقول أبي حنيفة: إذا كان خروج البول والغائط وهما نجسان ينقض الوضوء فخروج الدم وهو نجس متى خرج من الجسد أيضا كذلك، وكقول الشافعي: إذا كان مس الذكر ينقض الوضوء فمس الدبر الذي هو عورة مثله كذلك، وكقول المالكي: إذا كان قول: أف عمدا في الصلاة يبطلها، فالنفخ فيها عمدا كذلك.","part":7,"page":930},{"id":932,"text":"قال أبو محمد: فهذه أقسام القياس عند المتحذلقين القائلين به.\rوذهب أصحاب الظاهر إلى إبطال القول بالقياس في الدين جملة، وقالوا: لا يجوز الحكم البتة في شئ من الاشياء كلها، إلا بنص كلام الله تعالى، أو نص كلام النبي (ص)، أو بما صح عنه (ص) من فعل أو إقرار، أو إجماع من جميع علماء الامة كلها، متيقن أنه قاله كل واحد منهم، دون مخالف من أحد منهم، أو بدليل من النص أو من الاجماع المذكور الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا، والاجماع عند هؤلاء راجع إلى توقيف من رسول الله (ص) ولابد، من لا يجوز غير ذلك أصلا، وهذا هو قولنا الذي ندين الله به، ونسأله عزوجل أن يثبتنا فيه، ويميتنا عليه بمنه ورحمته.\rآمين.\rوشغب أصحاب القول بالقياس بأشياء موهوا بها، ونحن إن شاء الله تعالى ننقض كل ما احتجوا به، ونحتج لهم بكل ما يمكن أن يعترضوا به، ونبين بحول الله تعالى وقوته بطلان تعلقهم بكل ما تعلقوا به في ذلك، ثم نبتدئ بعون الله عزوجل بإيراد البراهين الواضحة الضرورية على إبطال القياس،\rولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rفما شغبوا به أن قالوا: قال الله عزوجل: * (ولا تقل لهمآ أف) * فوجب إذ منع من قول: * (لهمآ) * للوالدين أن يكون ضربهما أو قتلهما ممنوع، لانهما أولى من قول: * (أف) * وقال تعالى: * (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) * قالوا: فوجب أن ما فوق القنطار وما دونه داخل كل ذلك في حكم القنطار في المنع من أخذه.\rوقال تعالى: * (وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها) * قالوا: فعلمنا أن ما دون مثقال حبة وما فوقها داخلان في حكم مثقال حبة الخردل، أنه تعالى يأتي بها، وقال تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ير ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * قالوا: فعلمنا أن ما فوق مثقال الذرة وما دونها يرى أيضا.\rوقال تعالى: * (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * قالوا: فعلمنا أن ما فوق القنطار والدينار وما دونهما في حكم القنطار والدينار، وقال تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * قالوا:","part":7,"page":931},{"id":933,"text":"فعلمنا أن ما عدا الاكل من اللباس وغيره حرام إذا كان بالباطل، وقال تعالى: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) * فعلمنا أن قتلهم لغير الاملاق حرام، كما هو خشية الاملاق، قالوا: وقول الناس: لا تعط فلانا حبة، فإنه مفهوم منه أن ما فوق الحبة وما دونها داخل كل ذلك في حكم الحبة، قالوا: ومن ادعى من هذه الآي فهم ما عدا ما فيها من غيرها فهو خارج عن المعقول وعن اللغة.\rقالوا: وأنتم توافقوننا في كل ما قلنا في هذه الآيات وهذا الفصل، وتقرون معنا بأن ما عدا هذه المنصوصات فإنه داخل في حكمها، قالوا: وهذا إقرار منكم بالقياس، وترك لمذهبكم في إبطاله.\rقال أبو محمد: قال الله عزوجل: * (أم للانسان ما تمنى) * وكل ما ذكروا فلا\rحجة لهم فيه أصلا، بل هو أعظم حجة عليهم، لانه ينعكس عليهم في القول بدليل الخطاب، فإنهم، على ما ذكرنا في بابه في هذا الديوان، يقولون: إن ما عدا المنصوص فهو مخالف للمنصوص، فيلزمهم على ذلك الاصل أن يقولوا ههنا: إن ما عدا * (أف) * فإنه مباح، وما عدا الدينار والقنطار، والاكل، ومثقال الخردلة والذرة، وخشية الاملاق، بخلاف حكم ذلك، فقد ظهر تناقضهم وهدم مذاهبهم بعضها لبعض، ثم نعود فنقول وبالله تعالى التوفيق: أما قول الله تعالى: * (ولا تقل لهمآ أف) * فلو لم يرد غير هذه اللفظة لما كان فيها تحريم ضربهما ولا قتلهما.\rولما كان فيها إلا تحريم قول * (أف) * ؟ فقط.\rولكن لما قال الله تعالى في الآية نفسها: * (وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) *.\rاقتضت هذه الالفاظ من الاحسان والقول الكريم وخفض الجناح والذل والرحمة لهما، والمنع من انتهارهما، وأوجبت أن يؤتى إليهما كل بر وكل خير وكل رفق، فبهذه الالفاظ وبالاحاديث الواردة في ذلك وجب بر الوالدين بكل وجه وبكل معنى، والمنع من كل ضرر وعقوق بأي وجه كان، لا بالنهي عن قول: * (أف) * ؟ وبالالفاظ التي ذكرنا وجب ضرورة","part":7,"page":932},{"id":934,"text":"أن من سبهما أو تبرم عليهما أو منعهما رفده في أي شئ كان من غير الحرام، فلم يحسن إليهما ولاخفض لهما جناح الذل من الرحمة.\rولو كان النهي عن قول: * (أف) * ؟ مغنيا عما سواه من وجوه الاذى لما كان لذكر الله تعالى في الآية نفسها، مع النهي عن قول: * (أف) * ؟، النهي عن النهر والامر بالاحسان، وخفض الجناح والذل لهما معنى، فلما لم يقتصر تعالى على ذكر الاف وحده، بطل قول من ادعى أن بذكر الاف علم ما عداه.\rوصح\rضرورة أن لكل لفظة من الآية معنى غير سائر ألفاظها، ولكنهم جروا على عادة لهم ذميمة من الاقتصار على بعض الآية والاضراب عن سائرها، تمويها على من اغتر بهم، ومجاهرة لله تعالى بما لا يحل من التدليس في دينه.\rكما فعلوا في ذكرهم في الاستنباط قول الله تعالى: * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * وأضربوا عن أول الآية في قوله تعالى: * (ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الامر منكم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * وأول الآية مبطل للاستنباط.\rوكما فعل من فعل منهم في قول الله تعالى: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) * وأضربوا عما بعدها من قوله تعالى: * (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) *.\rقال أبو محمد: ومن البرهان الضروري على أن نهي الله تعالى عن أن يقول المرء لوالديه: (أف ليس نهيا عن الضرب ولا عن القتل ولا عما عدا الاف، أن من حدث عن إنسان قتل آخر أو ضربه حتى كسر أضلاعه وقذفه بالحدود، وبصق في وجهه فشهد عليه من شهد ذلك كله، فقال الشاهد: إن زيدا، يعني القاتل أو القاذف أو الضارب، قال لعمرو: يعني المقتول أو المضروب أو المقذوف، لكان بإجماع منا ومنهم كاذبا آفكا شاهد زور مفتريا مردود الشهادة فكيف يريد هؤلاء القوم بنا أن نحكم بما يقرون أنه كذب ؟.\rفكيف يستجيزون أن ينسبوا إلى الله تعالى الحكم بما يشهدون أنه كذب ؟ ونحن نعوذ بالله العظيم من أن نقول: إن نهي الله عزوجل عن قول: للوالدين يفهم منه النهي عن الضرب لهما أو القتل أو القذف، فالذي لا شك فيه عند كل من له معرفة بشئ من اللغة العربية أن القتل والضرب والقذف لا يسمى شئ من ذلك فبلا شك يعلم","part":7,"page":933},{"id":935,"text":"كل ذي عقل أن النهي عن قول ليس نهيا عن القتل ولا عن الضرب\rولا عن القذف، وأنه إنما هو نهي عن قول: فقط.\rوأما ذكره تعالى القنطار في آية الصداق وآية وفاء أهل الكتاب، فما فهمنا قط أن ما عدا القنطار فهو حكم القنطار من هاتين الآيتين، لكن لما قال تعالى: * (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) *.\rقال أبو محمد: فبهذه الآية حرم على الزوج أن يأخذ مما أعطى زوجته شيئا، وسواء قل أو كثر، إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، أو تطيب نفسها كما قال تعالى: * (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) * لولا هذه الآية، وما في معناها من سائر الآيات والاحاديث التي فيها تحريم الاموال جملة وتحريم العود في الهبات، لما كان في آية القنطار مانع مما عدا القنطار أصلا.\rوبرهان عن ذلك أنه لو شهد شاهدان لزيد: أن له على عمرو قنطارا، وكان في علمهما الصحيح أنه له عليه قنطارين أو أكثر من قنطار أو أقل من قنطار، لكانا شاهدي زور كذابين آفكين، وما علمنا في طبيعة بشر أحدا يفهم من قول القائل أخذ لي عمرو قنطارا، أنه آخذ له أكثر من قنطار، ومدعي هذا مفتر على اللغة ومكابر للحس، داخل في نصاب الموسوسين مبطل للحقائق، ويقال له: لعله تعالى إذا ذكر سبع سموات، إنما أراد بها خمس عشرة أو أكثر من ذلك، وهذا هو بطلان الحقائق، وفساد العقل على الحقيقة.\rوأما الآية التي فيها ذكر الدينار والقنطار في ائتمان أهل الكتاب فقد أخبرنا تعالى أنهم يقولون أو من قال منهم: * (ليس علينا في الاميين سبيل) * ففي هذا استجازة أهل الكتاب لخون أماناتنا، قلت أو كثرت، وقد علمنا بضرورة العقل\rوالمشاهدة، وعلم الناس قبل نزول هذه الآية المذكورة، أن في أهل الكتاب وفي المسلمين أوفياء، يفون بالقليل والكثير، وغدرة يغدرون بالقليل والكثير، لان هذا من صفات الناس، وإن في الناس من يفي بالقليل تصنعا ويخون الكثير","part":7,"page":934},{"id":936,"text":"رغبة، وأن فيهم من يغدر بالقليل خسة نفس واستهانة، ويفي بالكثير مخافة الشهرة أو انقطاع رزقه إن كان لا يعيش في مكسبة إلا بائتمان الناس إياه وهذا كله موجود مشاهد، معلوم بالحس.\rفإن قالوا: فما فائدة الآية إذن ؟ قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: الفائدة فيها عظيمة، فأول ذلك الاجر العظيم في تلاوتها في التصديق أنها من عند الله عز وجل.\rوأيضا فالتنبيه لنا على التفكر في عظيم القدرة في ترتيبه لنا طبائع الناس، فمنهم الوفي الكافر، والخائن الكافر، وأيضا فائتمانهم على المال فإن ذلك مباح لنا إذا قدرنا فيهم الامانة، وإبطال قول من منع من الوصية إليهم بالمال وهذا مثل قوله تعالى: * (أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت) * ومثل قوله تعالى: * (وأنزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد) * وقد علمنا ذلك قبل نزول القرآن ولكنه تنبيه ووعظ وتحريك إلى اكتساب الاجر بالاعتبار والفكرة في قدرة الله عزوجل وذكره تعالى القنطار ههنا كذكره السبعين استغفارة في قوله تعالى: * (إن تستغفر لهم سبعين مرة) * وقد سبق في علم الله تعالى أنه سيبين مراده من ذلك أنه تعالى لا يقبل استغفاره لهم أصلا، وقد قلنا غير مرة إن مثل هذا السؤال فاسد، وأنه تعالى لا يسأل عما يفعل، ونحن نسأل عن كل فعلنا وقولنا.\rوأما قوله تعالى: * (وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) *، وقوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * فإنما علمنا عموم ذلك كله فيما دون الذرة وما فوقها من قوله تعالى: * (ما لهذا الكتاب\rلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا) * وبقوله تعالى: * (أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) * وبقوله تعالى * (ووفيت كل نفس ما كسبت) * فهذه الآيات بينت أن ما فوق الذرة والخردلة وما دونها محسوب كل ذلك ومجازي به، وكذلك قوله تعالى: * (ان تكن مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الارض يأت بها الله) * فإنما علمنا العموم في ذلك من قول الله تعالى: * (وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها) * فشمل تعالى جميع أرزاق الحيوان في هذه الآية، فدخل في ذلك ما هو دون الخردلة وما فوقها.","part":7,"page":935},{"id":937,"text":"وقد أجاب أبو بكر بن داود عن هذا السؤال أن قال: إن الذي هو فوق الذرة ذرة وذرة وهكذا ما زاد لانه زاد على الذرة بعض ذرة، فذاك البعض إذا أضيف إلى أبعاض الذرة جاء من ذلك مقدار الذرة، وأما ما دون مثقال الذرة فحكمه مأخوذ من غير هذا المكان.\rقال علي: وهذا جواب صحيح ضروري والذي نعتمد عليه عموما في جميع هذا الباب، فهو الذي قلنا آنفا، وأن المرجوع إليه في كل ما جرى هذا المجرى نصوص أخر، أو إجماع متيقن أو ضرورة المشاهد بالحواس والعقل فقط، فإن لم نجد نصا ولا إجماعا ولا ضرورة اقتصرنا على ما جاء به النص، وقفنا حيث وقف ولا مزيد وإلا فإن ذكره تعالى لما ذكر من هذه المقادير، وهذه الاحوال في هذه الآيات كذكره تعالى أخبار بعض الانبياء عليهم السلام في مكان، وذكره تعالى لهم في مكان آخر بأكمل مما ذكرهم به في غيرها، ولا يسأل عما يفعل.\rوأما قوله عزوجل: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * فإنما علمنا أن ما عدا الاكل حرام بقول رسول الله (ص) في حجة الوداع: دماؤكم وأموالكم\rوأعراضكم عليكم حرام وبآيات أخر وأحاديث أخر، فبالحديث المذكور حرم التصرف في أموال الناس بغير ما أمر الله تعالى به بالاكل وغير الاكل، ولو تركنا والآية المذكورة ما حرم بها شئ غير الاكل، ولكان ما عدا الاكل موقوفا على طلب الدليل فيه إما بمنع وإما إباحة من غيرها، ولما وجب أن تحكم فيما عدا الاكل من الآية لا بتحريم ولا بتحليل كما يقولون معنا: إن الله حرم الاكل على الصائم ولم يحل عليه تملك الطعام، ولا ما عدا الاكل من بيه وهبة وغير ذلك فأي فرق بين الاكل المحرم على الصائم، وبين الاكل المحرم على الناس في أموالهم ؟ وكما أباحوا هم ونحن الاكل من بيت الاب والام والصديق والاقارب المنصوصين، فهلا أباحوا أخذ ما وجدوا للاقارب ما عدا الاكل قياسا على الاكل المباح أهلا حرموا على الصائم تملك الطعام وبيعه قياسا على ما صح من تحريم الاكل عليه ؟ كما زعموا أنهم إنما حرموا تملك الاموال بالظلم والباطل قياسا على تحريم الله تعالى أكلها بالباطل، فإذ لم يفعلوا","part":7,"page":936},{"id":938,"text":"ذلك، فقد تركوا القياس الذي يقرون أنه حق، فظهر تناقضهم والحمد لله رب العالمين.\rوحتى لو لم يرد نص جلي في تحريم الاموال جملة، لكان الاجماع على تحريمها كافيا، ولعلمنا حينئذ أن اسم الاكل موضوع على أخذ منقول عن موضوعه المختص له في اللغة كما تقول العرب، أكلتنا السنة أي أفنت أموالنا، وكما قال الشاعر: فإن قومي لم تأكلهم الضبع يريد لم تفنهم.\rوأما قوله تعالى: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) * فإنما حرم قتلهم جملة لغير الاملاق من آيات أخر، وهي قول الله تعالى: * (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم) * وبقوله تعالى: * (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) * وبقوله تعالى: * (وإذا الموءودة سئلت ئ بأى ذنب قتلت) * وبقول رسول الله (ص): إن\rدماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام.\rوأما قوله تعالى: * (ما يملكون من قطمير) * فإنما أخبر عزوجل في موضع آخر على أنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع، وما كان هذا فبالضرورة نعلم أنها لا تملك شيئا.\rوهكذا الحكم في كل ما موهوا به، فإن الله تعالى قد بين لنا مراده، ولو لم يرد غير النصوص التي ذكرنا لوجب ألا نتعدى البتة إلى ما لم يذكر بها وللزم أن لا نحكم بها أصلا إلا فيما وردت فيه، ومن تعدى هذا فإنه متعد لحدود الله تعالى: * (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * نعوذ بالله من ذلك.\rوأما قول الناس: لا تعط فلانا حبة، فإنما يعلم مراد القائل في ذلك، أمجدا قال ذلك أم هازلا أم مقتصرا على الحبة أم لاكثر منها، بما يشهده من حال الامر في امتناعه وتسهله، وأكثر ذلك فهذا القول من قائله لا يتأتى مجردا البتة.\rولا بد ضرورة من أن يقول: لا تعطه البتة شيئا ولا حبة، وربما زاد لا قليلا ولا كثيرا، فهذا هو المعهود من تخاطب الناس فيما بينهم، ومن ادعى غير هذا فهو مجاهر مدع على العقل ما ليس فيه، بل هو مخالف لموجب العقل ولمقتضى اللغة على الحقيقة، وبالله تعالى نعتصم.\rفإن ذكروا قول الله تعالى: * (فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) * فقد قال تعالى في آية أخرى * (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لامسكتم خشية الانفاق) * فنص","part":7,"page":937},{"id":939,"text":"تعالى على الامساك، والامساك على عمومه يقتضي النقير وغير النقير، وأقل من النقير وأكثر منه.\rواحتجوا في ذلك أيضا بقول الله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * وبقوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * قالوا: فلم يخص الله تعالى ما قال أولو الامر منا\rبتوقيف من النبي (ص) مما قالوه بقياس.\rقال أبو محمد: هذا الاحتجاج منهم جمع الشناعة والاثم لان الله تعالى لم يأمر قط أولي الامر منا أن يقولوا بآرائهم ولا بقياساتهم، ولا أن يقولوا ما شاؤوا، وإنما أمرهم الله تعالى أن يقولوا ما سمعوا، أو يتفقهوا في الدين الذي أنزله الله تعالى على نبيه (ص) وينذروا بذلك قومهم، وهذا بين في قوله تعالى: * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) *، وفي قوله تعالى: * (تلك حدود الله فلا تعتدوها) *، وفي قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) *، وفي قوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) *.\rقال أبو محمد: ومن قال بقياسه فقد تعدى حدود الله، وقفا ما لا علم به، وأخبر عن الله تعالى بما لا يعلم أحد ما عند الله تعالى إلا بإخبار من الله تعالى بذلك، وإلا فهو باطل، وقد بينا فيما خلا أن قول الله تعالى: * (أولي الامر منكم) * إنما هو جميع أولي الامر لا بعضهم ولم يجمعوا قط على القول بالقياس، فكيف نكون نحن مأمورين باتباعهم فيما افترقوا فيه ؟.\rوهذا ضد أمر الله تعالى في القرآن وبرهان قاطع وهو أن الله تعالى قال: * (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * وحدود الله تعالى هي كل ما حد وبين فصح أنه ليس لاحد أن يتعدى في شئ من الدين ما حده الله تعالى في القرآن، وعلى لسان رسوله (ص) بالوحي فبطل أن يحمل أولوا الامر على تعدي حدود الله تعالى، لانه باطل فقد اتفقنا أنهم لا يجمعون على باطل، وكل ما لم يكن من حدود الله تعالى، ووحيه فهو من عند الله ضرورة لا بد من ذلك، وقد قال تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) *.","part":7,"page":938},{"id":940,"text":"فصح بهذه الآية أنه لا يمكن أن يكون إجماع أبدا إلا على ما جاء من عند الله تعالى بالوحي الذي لا يعلم ما عند الله تعالى إلا به، والذي قد انقطع بعد رسول\rالله (ص) فبطل بهذه النصوص يقينا أن يجمعوا على غير نص صحيح.\rواحتجوا بقول الله تعالى في آية الكلالة: * (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لهآ ولد) * قالوا: فأنتم تقولون: إن الميراث ههنا إنما هو بعد الدين والوصية، قالوا: وليس هذا في الآية فإنما قلتموه قياسا على سائر آيات المواريث التي فيها أنها بعد الوصية والدين.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ عظيم، ونعوذ بالله تعالى من أن نثبت الميراث في مواريث الاخوة بعد الوصية والدين من طريق القياس، وما أثبتنا ذلك إلا بنص النبي (ص) إذ كان يقدم إلى الجنازة فيسأل (ص): أعليه دين ؟ فإن قيل له: لا صلى عليه، وإن قيل له: نعم سأل (ص): أعليه وفاء ؟ فإن قيل له: نعم صلى عليه، وإن قالوا: لا قال (ص): صلوا على صاحبكم ولم يصل هو عليه، وبقوله (ص): إن الشهيد يغفر له كل شئ إلا الدين أو كلاما هذا معناه، وقوله (ص): إن صاحبكم مرتهن بدينه وبأمره عليه السلام بالوصية جملة لمن عنده شئ يوصي فيه، وبأمره (ص) بالوصية بالثلث فدون.\rوقال (ص) في الوصية بالثلث والنهي عن الوصية بأكثر: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة أو كما قال (ص) فعم صلى الله عليه وسلم الورثة كلهم، ولم يخص أخا ولا أختا من غيرهما، فصح ضرورة أن لا ميراث لاحد إلا بعد الدين ثم الوصية، فسقط تمويههم بذكر الآية المذكورة.\rثم نعكس عليهم هذا السؤال المذكور بعينه، فنقول لهم: إذا فعلتم أنتم ذلك في آية الكلالة قياسا على سائر المواريث، فيلزمكم أن توجبوا الاطعام في كفارة القتل لمن عجز عن الصيام والرقبة، قياسا على كفارة الظهار، وقياسا على كفارة الواطئ في نهار رمضان، ولا تفرقوا بين الامرين، فقد ذكر الله تعالى في كلتا\rالآيتين عتق الرقبة ثم الصيام لشهرين متتابعين، ثم ذكر تعالى في أحدهما تعويض الاطعام من الصيام، فافعلوا ذلك في المسكوت عنه من الآية الاخرى، لا سيما وأنتم","part":7,"page":939},{"id":941,"text":"قد قستم، أو بعضكم، المسكوت عنه من دين الرقبة في الظهار على المنصوص عليه من أن تكون مؤمنة في قتل الخطأ، فما الذي جعل قياس الرقبة في الظهار على التعويض في القتل حقا وجعل قياس التعويض بالاطعام من الصيام في كفارة قتل الخطأ على التعويض بالاطعام من الصيام في كفارة الظهار، باطلا ؟ ولولا التخليط والموق ونعوذ بالله من الخذلان.\rواحتج بعضهم بأن قال: إن ثبات العشرين منا للمائتين من الكفار منسوخ بالقياس على نسخ ثبات المائة منا للالف من الكفار.\rقال أبو محمد: وهذا تخليط وكذب، وعكس الخطأ على الخطأ، وما نسخ قط ثبات المائة للالف، ولا ثبات العشرين للمائتين، وقد بينا هذه المسألة في باب الكلام في النسخ من ديواننا هذا، وبالجملة لا يحل لمسلم أن يقول في آية ولا حديث بالنسخ إلا عن نص صحيح، لان طاعة الله وطاعة رسوله (ص) واجبة، فإذا كان كلامهما منسوخا فقد سقطت طاعته عنا، وهذا خطأ، ومن ادعى سقوط طاعة الله تعالى، وسقوط طاعة نبيه (ص) في مكان ما من الشريعة فقوله مطروح مردود، ما لم يأت على صحة دعواه بنص ثابت، فإن أتى به فسمعا وطاعة، وإن لم يأت به فهو كاذب مفتر، إلا أن يكون ممن لم تقم عليه الحجة، فهو مخطئ معذور باجتهاده، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا أيضا بقول الله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) * وهذا عمدة ما موهوا به في إثبات القياس مع آية الاعتبار، ومع قوله تعالى: * (كذلك يحيي الله الموتى) *.\rقال أبو محمد: وهذا من أطرف ما شغبوا به من الجرأة على التمويه بكلام الله تعالى، ووضعه في غير موضعه، فهذا عظيم جدا نعوذ بالله من الخذلان، وما فهم أحد قط له عقل أن للقياس في هذه الآية مدخلا أو طريقا، أو نسبة بوجه من الوجوه، وما هذه الآية إلا نص جلي، أمر تعالى ذوي عدل من المؤمنين أن يحكما في الصيد المقتول بما يشبهه من النعم، فهذا نص لا قياس، وإنما كان يكون قياسا","part":7,"page":940},{"id":942,"text":"لو قالوا كما أمرنا تعالى إذا قتلنا الصيد المحرم علينا قتله أن نجزيه بمثله من النعم.\rفكذلك إذا قتلنا شيئا من النعم حراما علينا لملك غيرنا له، فواجب علينا أن نجزيه بمثله من الصيد، وأيضا فكما قاسوا ملك الله تعالى الصيود فأوجبوا الجزاء على قاتلها مخطئا، وخالفوا القرآن في ذلك قياسا على ملك الناس، فواجب عليهم على أصلهم الفاسد أن يقيسوا ملك الناس من النعم، ومن الصيد إذا قتله فيلزموه أن يجزيه بمثله، إن كان صيدا فمن النعم، وإن كان من النعم فمثله من الصيد.\rفهذا حقيقة القياس الذي إن قالوه كفروا، وإن تركوا القياس وتناقضوا ووفقوا في تركهم له، وأيضا فإن كانت هذه الآية متيحة للقياس، فينبغي ألا يكون إلا حتى يحكم فيه ذوا عدل منا، أو يكون عدل ذلك صياما.\rفهكذا هو الحكم في الآية، وأما الآية المذكورة فلا نسبة بينها وبين القياس البتة، وإنما فيها أن الصيد يكون مثلا للنعم وهذا أمر لا ننكره، فالعالم كله متماثل في بعض أوصافه، وإنما أنكرنا أن نحكم في الديانة شئ لم يأت فيه ذلك الحكم من الله تعالى بمثل الحكم المنصوص فيما يشبهه، فهذا هو الباطل والخطأ والحرام الذي لا يحل وبالله تعالى نتأيد.\rواحتج أيضا بعضهم بقول الله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * وبقوله تعالى: * (فتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) * قالوا: فقستم واجد الثمن للماء والثمن للرقبة، وإن لم يكن عنده رقبة ولا ماء، على من عنده الرقبة والماء،\rفلم تجيزوا لهما التيمم ولا الصيام.\rقال أبو محمد: وهذا من ذلك التمويه المعهود، ويعيذنا الله تعالى أن نقول بالقياس في شئ من الدين، وليس ما ذكروا قياسا ولكنه نص جلي بلا تأويل فيه البتة، لان الله تعالى إنما قال في آية كفارة قتل الخطأ والعود للظهار بعد إيجاب الرقبة.\r* (فمن لم يجد فصيام شهرين) * ولم يقل تعالى فمن لم يجد رقبة، ولكنه تعالى أطلق الوجود، فكل وجود يتوصل به إلى عتق الرقبة، فإنه مانع من الصيام، فالواجب اتباعه، لانه موافق لظاهر الآية الذي لا يجوز خلافه، وهكذا القول في كفارة الواطئ في نهار رمضان، وأما التيمم لمن لم يكن له ماء وعنده ثمن يبتاع به الماء، فإن أصحابنا قالوا ما ذكر هؤلاء، ورأوا واجبا على من وجد ماء للشراء أن يبتاعه بقيمته في الوقت لا بأكثر.\rوقال غيرهم: بأكثر من قيمته ما لم يجحف به.","part":7,"page":941},{"id":943,"text":"وقال الحسن البصري: يبتاعه بكل ما يملك إن لم يبع منه بأقل.\rقال أبو محمد: ولعل من حجة أصحابنا أن يقولوا: إن قوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء) * يقتضي بعموم هذا اللفظ واجده بالابتياع والاستيهاب كما يقول القائل: أمر كذا موجود في السوق، فيقولوا إن واجده بالابتياع والاستيهاب واجد للماء.\rقال أبو محمد: وأما نحن فلا يجوز عندنا بيع الماء البتة بوجه من الوجوه، ولا بحال من الاحوال، لنهي النبي (ص) عن بيع الماء، فهذا عندنا على عمومه، وقولنا هذا هو قول إياس بن عبد الله المزني، صاحب رسول الله (ص) وغيره.\rفلا يجوز ابتياع الماء للوضوء البتة ولا للغسل، لانه منهي عن ابتياعه، وهو غير واجد للماء، فحكمه التيمم إلا أن يتطوع عليه صاحب الماء بأن يهبه إياه، فذلك جائز، وهو حينئذ واجد للماء مالك له، ففرضه التطهر به، وأما من اضطر إلى شرب الماء، وخشي الهلاك من العطش، ولم يجد من يتطوع له بماء يحيي\rبه رمقه، ففرض عليه إحياء نفسه كيف أمكن، بغلبة أو بأخذه سرا مختفيا بذلك، أو بابتياعه، فإذا لم يقدر على غير البيع فابتاعه فهو حينئذ جائز له، والثمن حرام على البائع، وهو باق على ملك المبتاع المضطر، وهو بمنزلة من اضطر إلى ميتة أو لحم خنزير فلم يجده مع ذلك إلا بثمن، ففرض عليه أن يبتاعه لاحياء نفسه.\rوكذلك ما يبذل من المال في فدى الاسرى، وفي الرشوة لدفع المظلمة، فهذا كله باب واحد، وهو مباح للمعطي وحرام على الآخذ، لان المعطي مضطر، والآخذ آكل مال بالباطل، عاص لله تعالى، نعوذ بالله.\rثم نعكس عليهم اعتراضهم هذا فنقول لهم، وبالله تعالى التوفيق: إن كان هذا عندهم قياسا فيلزمهم أن يقولوا بقول الحسن في ابتياع الماء بكل ما يملك، لانه واجد له، فلا يسعه التيمم مع وجود الماء، كما يقولون فيمن لم يجد رقبة إلا بكل ما يملك، وهو قادر على اكتساب ما يقوم بقوته وقوت عياله بعد ذلك، فإنه لا يجزيه عندهم إلا ابتياع الرقبة بملكه كله، فإن لم يقولوا في الماء كذلك فقد تناقضوا وتركوا القياس الذي يزعمون أنه دين، وهذا ما لا انفكاك منه.\rواحتجوا بقوله تعالى: * (أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم) *،","part":7,"page":942},{"id":944,"text":"قالوا: ولم يذكر تعالى بيوت الاولاد، فوجب إباحة الاكل من بيوت الاولاد قياسا على الاباحة من بيوت الآباء.\rقال أبو محمد: وهذا في غاية الفساد والكذب، ومعاذ الله أن تكون الاباحة للاكل من بيوت الاولاد قياسا على إباحة ذلك من بيوت الآباء والاقارب، وما أبحنا الاكل من بيوت الاولاد إلا بنص جلي وهو قول رسول الله (ص): إن أطيب ما أكل أحدهم من كسبه وإن ولد أحدكم من كسبه فبهذا أبحنا الاكل من بيوت الاولاد، ولكن يلزمهم إذا فعلوا ذلك قياسا بزعمهم على بيوت\rالآباء، أن يسقطوا الحد على الابن الواطئ أمة أبيه.\rكما أسقطوا الحد عن الاب إذا وطئ أمة ولده ولزمهم أن يسووا في جميع الاحكام بين الابناء والآباء وسائر القرابات، كما فعلوا ذلك قياسا على الاكل، وإلا فقد تناقضوا، وتركوا القياس واحتجوا بقول الله تعالى: * (لا جناح عليهن في آبآئهن ولا أبنائهن) * الآية بقوله تعالى * (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن) *، قالوا: فأدخلتم من لم يذكر في الآيتين المذكورتين من الاعمام والاخوال في حكم من ذكر فيهما.\rقال أبو محمد: وهذا ليس قياسا بل هو نص جلي لان النبي (ص) قال لعائشة: إنه عمك فليلج عليك وقال (ص): لا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم فأباح لكل ذي محرم أن يسافر معها، وإذا سافر معها فلا بد له من رفعها ووضعها ورؤيتها فدخل ذو المحارم كلهم بهذا النص في إباحة رؤية المرأة فبطل ظنهم أن ذلك إنما هو قياس، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بقول الله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) * قالوا: فأدخلتم بنات البنين وإن سفلن، وبنات البنات وإن سفلن، والجدات وإن علون، وعمات الآباء والاجداد وخالاتهم وعمات الامهات والجدات وخالاتهن، وإن بعدن في التحريم، وإن لم يذكرن في آية التحريم.\rقالوا: وهذا قياس، وكذلك أدخلتم تحريم ما نكح الاجداد وإن علوا وبنو البنين وإن سفلوا، قياسا على تحريم ما نص عليه من نكاح نساء الآباء وحلائل الابناء.\rقال أبو محمد: وهذه دعوى فاسدة، بل هذا نص جلي، وبنو البنين وبنو البنات","part":7,"page":943},{"id":945,"text":"وإن سفلوا، وبنات البنين وبنات البنات وإن سفلن، فإنه يقع عليهن في اللغة بنص القرآن اسم البنين والبنات وإن سفلن.\rقال الله تعالى: * (يا بني آدم) * فجعلنا\rبنين له وبنو البنين بنون بالنص، والجد والجدة وإن بعدا فاسم الاب والام يقع عليهما كما قال تعالى: * (كمآ أخرج أبويكم من الجنة) * يعني آدم وحواء، وهكذا القول فيمن سفل من أولاد الاخوة والاخوات، ومن علا من الاعمام والاخوال، والعمات والخالات، فمن كنت من ولد أخيه فهو عمك وعمتك، وأنت ابن أخيه وأخيها، ومن كنت من ولد أخته فهو خالك وخالتك، وأنت ابن أخته وأختها، وإنما فرقنا بين أحكام بعض من يقع عليه الاسم الواحد في المواضع التي فوق النص أو الاجماع المنقول المتيقن بينهم فيها، وهذا أيضا الذي ذكروا إجماع، والاجماع لا يجوز خلافه.\rثم نقول لهم: إذا فعلتم ذلك - بزعمكم - قياسا فيلزمكم أن تسووا أيضا قياسا بين كل من ذكرنا في الانكاح والمواريث، ووجوب الانفاق، وهم لا يفعلون ذلك، فقد نقضوا أصلهم، وأقروا بترك القياس، وهكذا تكون الاقوال الفاسدة، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بقول الله تعالى في المطلقة ثلاثا: * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا) * قالوا: فقستم وفاة هذا الزوج الثاني وفسخ نكاحه عنها على علاقة لها في كونها إذا مسها في ذلك حلالا المطلق ثلاثا، قالوا لنا: بل لم تقنعوا بذلك حتى قلتم إن كانت ذمية طلقها مسلم ثلاثا فتزوجها ذمي، فطلقها بعد أن وطئها لم تحل بذلك لمطلقها ثلاثا، ولا تحل إلا بموته عنها، أو بفسخ نكاحه منها.\rقال أبو محمد: فالجواب وبالله تعالى التوفيق: أننا أبحنا لها الرجوع إليه بالوفاة وبالفسخ لوجهين: أحدهما: الاجماع المتيقن، والثاني: النص الصحيح الذي عنه تم الاجماع، وهو قول رسول الله (ص) للقرظية المطلقة ثلاثا: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك.\rقال علي: فهذا الحديث أعم من الآية، وزائد على ما فيها، فوجب الاخذ به، ووجب أن كل ما كان بعد ذوق العسيلة، مما يبطل به النكاح، فهي به حلال","part":7,"page":944},{"id":946,"text":"رجوعها إلى الزوج المطلق ثلاثا، لانه (ص) إنما جعل الحكم الرافع للتحريم ذوق العسيلة في النكاح الصحيح، فإذا ارتفع بذلك التحريم فقد صارت كسائر النساء، فإذا خلت من ذلك الزوج بفسخ أو وفاة أو طلاق كان لها أن تنكح من شاءت من غير ذوي محارمها، ولم يشترط النبي (ص) بعد ذوق العسيلة طلاقا من فسخ من وفاة، وأيقنا أنه (ص) لم يبحها للزوج الاول، وهي بعد في عصمة الزوج الثاني، ولا خلاف بين أحد في ذلك.\rوأما طلاق الذمي وسائر الكفار، فليس طلاقا، لان كل ما فعل الكافر، وقال غير اللفظ بالاسلام، فهو باطل مردود إلا ما أوجب إنفاذه النص أو الاجماع المتيقن المنقول، أو أباحه له النص أو الاجماع، كذلك فإذا لفظ بالطلاق فهو لغو لانه لا نص ولا إجماع في جواز طلاقه، فليس مطلقا وهو بعد في عصمته، لصحة نكاحهم بالنص من إقرار النبي (ص) للكفار، لما أسلموا مع نسائهم، على نكاحهم معهن، ولانه (ص) من ذلك النكاح خلق، وقد علمنا أنه (ص) مخلوق من أصح نكاح، ولا يحل لمسلم أن يمر بباله غير هذا، ولم يمنع تعالى في الآية من إباحة رجعتها بعد وفاة الزوج، أو فسخ نكاحه، وإنما ذكر تعالى الطلاق، فقط، وعم رسول الله (ص) بإجمال لفظه الطلاق وغيره، وقد كان يلزم من قال بذلك الخطاب منهم ألا يبيحها إلا بعد الطلاق لا بعد الفسخ والوفاة، فهذه الآية حجة عليهم لا لهم، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) * قالوا: فقستم الكافرات في ذلك على المؤمنات.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ، وقد بينا، في باب مفرد من كتابنا هذا، لزوم شريعة الاسلام لكل كافر ومؤمن مستويا بقوله تعالى: * (وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله) * فهذا لازم في كل حكم، حاشا ما فرق النص والاجماع المتيقن فيه بين أحكامنا وأحكامهم، وما كان كرامة لنا، فإنه ليس لهم فيه حظ لقول الله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * والصغار لا يجتمع مع الكرامة أصلا.\rوأيضا فالامة كلها مجمعة على أن حكم العدة في الطلاق وسقوطها على الذمية","part":7,"page":945},{"id":947,"text":"كحكمها على المسلمة، والاجماع لا يجوز خلافه.\rوأيضا فإن الآيات التي أوجب الله تعالى فيها العدد على المطلقات معلومة محصورة، لا خلاف بين المسلمين أن المراد بها الممسوسات، وأصل الناس كلهم على البراءة من وجوب الاحكام عليهم، حتى يلزمهم الحكم نص أو إجماع، وإلا فلا يلزم أحدا حكم إلا أن يلزمه إياه نص أو إجماع، فبقيت الذمية المطلقة غير الممسوسة لم يأت قط بإيجاب عدة عليها، فلم يجز لاحد أن يلزمها عدة لم يأت بها نص ولا إجماع، ووجب المتعة لها، ونصف الصداق بإيجاب الله تعالى ذلك لكل مطلقة فرض لها صداق المتعة خاصة لكل مطلقة، وهي إحدى المطلقات فبطل ظن هؤلاء القوم، والحمد لله رب العالمين.\rواحتجوا بما في القرآن من الآيات التي فيها خطاب النبي (ص) وحده، مثل قوله تعالى: * (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) * ومثل قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * وما أشبه ذلك.\rقالوا: فقلتم: هي لازمة لنا ومباحة، كلزومها النبي (ص) وإباحتها له.\rقال أبو محمد: وهذا من التخليط ما هو، لان النص حكم علينا بذلك إذ يقول: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * وبقوله (ص): عليكم بسنتي\rوبغضبه (ص) على من تنزه عن أن يفعل مثل فعله، فبطل تمويههم بأن هذا قياس، وصح وجوب كل شريعة خوطب بها (ص): علينا ما لم ننه عن ذلك، كقول النبي (ص) في الوصال: لست كهيئتكم.\rفلو قال قائل: إن الذين تعلقوا به مما ذكروا هو حجة عليهم في إبطال القياس، لكان حقا، لنص النبي (ص) على أنه ليس كهيئتنا، ولا كأحدنا، ولا مثلنا، وإذ ليس مثلنا والقياس عند القائلين به إنما هو قياس الشئ على مثله لا على ما ليس مثله.\rفقد بطل القياس ههنا فيلزمهم أيحكموا على الناس بشئ خوطب به النبي (ص) وحده، وإن فعلوا ذلك خرجوا من الاسلام، فصح أنه لا مدخل لهذه الآيات، ولا لهذا المعنى في القياس البتة، وبالله تعالى التوفيق.","part":7,"page":946},{"id":948,"text":"واحتجوا أيضا بقول الله تعالى: * (فاعتبروا يأولي الابصار) *.\rقال أبو محمد: وهذه هي قاعدتهم بظنهم في القياس، وما كانوا أبعد قط من القياس منهم في هذه الآية، وما فهم قط ذو عقل من قول الله تبارك وتعالى: * (فاعتبروا يأولي الابصار) * تحريم مد بلوط بمدي بلوط وما للقياس مجال على هذه الآية أصلا بوجه من الوجوه، ولا علم أحد قط في اللغة التي بها نزل القرآن أن الاعتبار هو القياس، وإنما أمرنا تعالى أن نتفكر في عظيم قدرته في خلق السموات والارض، وما أحل بالعصاة كما قال تعالى في قصة إخوة يوسف عليه السلام: * (لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب) * فلم يستح هؤلاء القوم أن يسموا القياس اعتبارا وعبرة على جاري عادتهم في تسمية الباطل باسم الحق ليحققوا بذلك باطلهم.\rوهذا تمويه ضعيف، وحيلة واهية، وقد قال تعالى: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أم للانسان ما تمنى) * فأبطل الله تعالى كل\rتسمية إلا تسمية قام بصحتها برهان، إما من لغة مسموعة من أهل اللسان، وإما منصوصة في القرآن وكلام النبي (ص)، وما عدا ذلك فباطل.\rوهل هذه الطريقة، التي سلكوا من التمويه والغش بقلع الاسماء عن مواضعها وتحريف الكلم عن مواضعه، إلا كمن سمى من النخاسين أواريهم بأسماء المدن، ثم يحلف بالله لقد جاءت هذه الدابة أمس من بلد كذا تدليسا وغشا ؟ وأهل القياس جارون على هذه الطريقة في تسميتهم القياس عبرة واعتبارا.\rونسألهم في أي لغة وجدوا ذلك ؟ وقد أكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: * (لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب) * فليت شعري أي قياس في قصة يوسف عليه السلام أترى أنه أبيح لنا بيع إخوتنا كما باعه إخوته ؟ أو ترى أن من باعه إخوته يكون ملكا على مصر ويغلو الطعام في أيامه.\rأو ترى إذ قال الله تعالى: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يأولي الابصار) * أنه أمرنا قياسا على ذلك أن نخرب بيوتنا بأيديهم وأيدينا قياسا","part":7,"page":947},{"id":949,"text":"على ما أمرنا الله تعالى أن نعتبر به من هدم بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين أما سمعوا قول الله تعالى: * (وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) *.\rأفيجوز لذي مسكة عقل أن يقول: إن العبرة ههنا القياس وإن معنى هذه الآية: * (وإن لكم في الانعام) * لقياسا أما يرى كل ذي حس سليم أن هذه الآية مبطلة للقياس لما قص تعالى عليه أنه يخرج من بين فرث حرام ودم لبنا حلالا، وأننا نتخذ من تمر النخيل والاعناب مسكرا حراما خبيثا، ورزقا حلالا، وهما من شئ واحد، فظهر أن تساوي الاشياء لا يوجب تساوي حكمها، وصح أن معنى العبرة التعجب\rفقط، هذا أمر يدريه النساء والصبيان والجهال، حتى حدث من كابر الحس، وادعى أن الاعتبار القياس مجاهرة بالباطل، تالله ما قدرنا أن عاقلا يرضى لنفسه بهذه الخساسة، وبهذا الكذب في الدين، وبعاجل هذه الفضيحة نعوذ بالله.\rوالقوم كالفريق يتعلق بما وجد، ولو لم يكن في إبطال القياس إلا هذه الآية لكفى، لان أولها قوله تعالى: * (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يأولي الابصار) * فنص الله تعالى كما نسمع على أنه أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم، وأن المؤمنين لم يظنوا قط ذلك، وأن الكفار لم يحتسبوا قط ذلك، فثبت يقينا بالنص في هذه الآية أن أحكام الله عز وجل جارية على خلاف ما يحتسب الناس كلهم، مؤمنهم وكافرهم، والقياس إنما هو يحتسبه القائسون، لا نص فيه ولا إجماع كظن المالكي أن علة الربا الادخار في المأكولات في الجنس، وظن الحنفي أنها الوزن أو الكيل في الجنس، وظن الشافعي أنها الاكل في الجنس، وهذه كلها ظنون واحتسابات، فصح أن أحكام الله تعالى تأتي بخلاف ما يقع في النفوس، فهذه الآية أبين شئ في إبطال القياس والحمد لله رب العالمين.\rوقد قوى بعضهم احتجاجهم بما ذكرنا في قوله: * (المؤمنين) * بما روي عن","part":7,"page":948},{"id":950,"text":"ابن عباس من قوله في دية الاصابع، ألا اعتبرتم ذلك بالاسنان، عقلها سواء وإن اختلفت منافعها.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لان ابن عباس إنما أراد بقوله: هلا اعتبرتم أي هلا تبينتم ذلك بالاصابع فاستبنتم، لان العبارة عن الشئ هوما يتبين\rبه الشئ، أي هلا تبينتم أن اختلاف المنافع لا يوجب اختلاف الدية، أو هلا فكرتم وعجبتم في الاصابع، ورأيتم أن اختلاف منافعها لا يوجب اختلاف دياتها ولا اختلاف أحكامها، كما أن الاسنان أيضا كذلك، وهذا نص جلي من ابن عباس على إبطال القياس، والعلل الموجبة عند القائلين بالقياس لاستواء الاحكام، لانهم يقولون: إن الدية إنما هي عوض عن الاعضاء المصابة، فيقيسون فقد السمع على فقد البصر في الدية، لان المنفعة بذلك متساوية فأبطل ابن عباس ذلك ورد إلى نص، ولم يجد الاصابع أصلا للاسنان يقاس عليه، ولا جعل الاسنان أصلا للاصابع يقاس عليه، بل سوى بين كل ذلك تسوية واحدة، وهذا هو ضد القياس، لان القياس عند القائلين به إنما هو رد الفرع إلى الاصل، وليس ههنا أصل وفرع، بل النص ورد أن الاصابع سواء وأن الاسنان سواء ورودا مستويا فبطل تمويههم الذي راموا به تصحيح أن القياس يسمى عبرة.\rولقد ناظرني كبيرهم في مجلس حافل بهذا الخبر فقلت له: إن القياس عند جميع القائلين به، وأنت منهم، إنما هو رد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه أو رد ما لا نص فيه إلى ما فيه نص، وليس في الاصابع ولا في الاسنان إجماع، بل الخلاف موجود في كليهما، وقد جاء عن عمر المفاضلة بين دية الاصابع وبين دية الاضراس، وجاء عنه وعن غيره التسوية بين كل ذلك، فبطل ههنا رد المختلف فيه إلى المجمع عليه والنص في الاصابع والاسنان سواء، ثم من المحال الممتنع أن يكون عند ابن عباس نص ثابت عن النبي (ص) في التسوية بين الاصابع وبين الاضراس ثم يفتي هو بذلك قياسا.\rفقال لي: وأين النص بذلك عن ابن عباس ؟ فذكرت له الخبر الذي حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي: ثنا عمر بن عبد الملك الخولاني، ثنا محمد بن بكر، ثنا سليمان ابن الاشعث السجستاني، ثنا عباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا عبد الصمد بن","part":7,"page":949},{"id":951,"text":"عبد الوارث، ثنا شعبة بن الحجاج، ثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): الاصابع سواء، الاسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء يعني الابهام والخنصر.\rفانقطع وسكت.\rوزاد بعضهم جنونا فاحتج في إثبات القياس بقول الله تعالى: * (إن كنتم للرؤيا تعبرون) *.\rقال أبو محمد: وهذا من الجنون ما هو: لان العبارة إنما هي في اللغة البيان عن الشئ تقول: هذا الكلام عبارة عن كذا، وعبرت عن فلان إذا بينت عنه ولا مدخل للحكم في شئ من ذلك لشئ لم يذكر اسمه في الشريعة بالحكم في شئ ذكر فيها اسمه، فعارضوا بأن قالوا: العبور هو الجواز والتجاوز من شئ إلى شئ، تقول: عبرت النهر.\rقالوا: والقياس تجاوز شئ منصوص إلى شئ لا نص فيه.\rقال أبو محمد: هذا من المكابرة القبيحة، لان هذا من الاسماء المشتركة التي هي مثل ضرب من ضراب الجمل وهو سفادة الناقة وضرب بمعنى الايلام بإيقاع جسم على جسم المضروب بشدة والضرب العمل.\rوهكذا عبرت الرؤيا فسرتها، وعبرت النهر أي تجاوزته، فهذان معنيان مختلفان، ليس أحدهما من الآخر في ورد ولا صدر، ومصدر عبرت النهر إنما هو العبور ومصدر عبرت الرؤيا إنما هو العبارة ومصدر اعتبرت في الشئ إذا فكرت فيه الاعتبار والعبرة الاسم والعبرة والاستعبار التأهب للبكاء والاخذ فيه، والعبرى نبات يكون على شطوط الانهار، والعبرانية لغة بني إسرائيل، والعبير ضرب من الطيب.\rفإذا قلنا: إن معنى عبرت النهر إنما هو تجاوزته، ومعنى عبرت الرؤيا إنما هو فسرتها، فقد وضح أن هذا غير هذان ولو أن المعبر للرؤيا تجاوزها لما كان مبينا لها، بل يكون تاركا لها آخذا في غيرها، كما فعل عابر النهر إذا تجاوزه إلى البر،\rوالاعتبار أيضا معنى ثالث غير هذين بلا شك، فخلط هؤلاء القوم وأتوا بالسفسطة المجردة، وهو أن يأتي بألفاظ مشتركة تقع على معاني شتى، فيخلط بها على الناس ليوهم أهل العقل أشياء تخرجهم عن نور الحق إلى ظلمة الباطل، وقد حذر الاوائل من هذا الباب جدا، وأخبروا أنه أقوى الاسباب في دخول الآفات على الافهام، وفي إفساد الحقائق، وقد نبهنا نحن عليه في مواضع كثيرة من كتابنا هذا، ومن سائر","part":7,"page":950},{"id":952,"text":"كتبنا، وقد بينا ذلك في كتاب التقريب، ولم نبق فيه غاية، وبالله تعالى التوفيق.\rثم مع ذلك لم يقنعوا بهذا الباب من الباطل، حتى زادوا عليه زيادة كثيرة، وهو أنهم سموا القياس عبرة جرأة وتمويها، والتسمية في اللغة والكلام المستعمل بيننا كله لا تخلو من وجهين لا ثالث لهما: أحدهما: اسم سمع من العرب، والعرب لا تعرف القياس في الاحكام في جاهليتها، لانهم لم يكن لهم شريعة كتابية قبل محمد (ص)، فبطل أن يكون للقياس عندهم اسم.\rوالقسم الثاني: اسم شرعي أوقعه الله تعالى ورسوله (ص) على بعض أحكام الشريعة، كالصلاة والزكاة والايمان والكفر والنفاق، وما أشبه ذلك، وتعالى الله ورسوله عن أن يقيسا، فبطل أن يكون الله تعالى ورسوله (ص) سميا القياس عبرة، فهذان القسمان من الاسماء لازمان لكل متكلم بهذه اللغة، ولكل مسلم، وأما الاسماء التي يتفق عليها أقوام من الناس التفاهم في مرادهم، فلذلك لهم مباح بإجماع، إلا أنهم ليس لهم أن يلبسوا بذلك على الناس.\rوهم في أعظم إثم وحرج إن سموا ما يخالفهم فيه غيرهم باسم واقع على معنى حقيقي ليلزموا خصومهم قبول ما خالفهم فيه، تمويها على الضعفاء، وعدوانا كمن سمى الخمر عسلا يستحلها بذلك، لان العسل حلال، فبطل أن يسمي القياس عبرة\rأو اعتبارا، وعلمنا أن أصحاب القياس الذي أحدثوا هذه البدعة هم الذين أحدثوا له هذا الاسم كما أنذر النبي (ص) بقوم يأتون في آخر الزمان يسمون الخمر بغير اسمها ليستحلوها بذلك، فقد فعل أصحاب القياس ذلك بعينه، وسموا الباطل عبرة واعتبارا لهم ليصبح لهم باطلا بذلك لان العبرة حق: * (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) *، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بآبدة أنست ما قبلها، وهو أن بعضهم استدل على صحة القياس بقول الله تعالى واصفا لامر آدم عليه السلام، إذ تكشفت عورته عند أكل الشجرة فقال تعالى: * (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) *.\rقال أبو محمد: إنما شرطنا أن نتكلم فيما يعقل، وأما الهذيان فلسنا منه في شئ","part":7,"page":951},{"id":953,"text":"ولا ندري وجه القياس في تغطية آدم عورته بورق الجنة، وليت شعري لو قال لهم خصمهم، مجاوبا لهم بهذا الهذيان: إن هذه حجة في إبطال القياس بماذا كانوا ينفكون منه ؟ وهل كان يكون بينه وبينهم فرق.\rواحتجوا أيضا بقول الله تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام إذ قال: * (رب أرني كيف تحيي الموتى) *.\rقال أبو محمد: وهذه كالتي قبلها، وما يعقل أحد من إحياء الله عزوجل الطير قياسا، ولا أنه يوجب أن يكون الارز بالارز متفاضلا حراما، وأن الاحتجاج بمثل هذا مما ينبغي المسلم أن يخاف الله عزوجل فيه، وما بين هذا وبين من احتج في إثبات القياس وفي إبطاله بقول الله تعالى: * (قل أعوذ برب الناس) * فرق، ولكن من لم يبال بما تكلم سهلت عليه الفضائح، وليس العار عارا عند من يقلده، واحتجوا بقول الله تعالى: * (كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم) * وبقوله تعالى: * (كأنهن الياقوت والمرجان) *.\rقال أبو محمد: وهذا من نحو ما أوردناه آنفا من العجائب المدهشة، بينما نحن في\rتحريم شئ لم يذكر تحريمه في القرآن والسنة ولا في الاجماع، من أجل شبهه لشئ آخر حرم في النص، حتى خرجنا إلى تشبيه الحور العين بالياقوت والمرجان، فكل ذي عقل يدري أن الياقوت والمرجان يباع ويدق ويسرق، ويخرج من البحر الملح، وأنه لا يعقل ولا هو حيوان، أفترى الحور العين يفعل بهن هذا كله ؟ تعالى الله عن ذلك، وقد علم كل مسلم أن الحور العين عاقلات أحياء ناطقات، يوطأن ويأكلن ويشربن، فهل الياقوت والمرجان كذلك ؟ وإنما شبه الله تعالى الحور العين بالياقوت والمرجان في الصفاء فقط، ونحن لا ننكر تشابه الاشياء وإنما ننكر أن نحكم المتشابهات بحكم واحد في الشريعة بغير نص ولا إجماع، فهذا هو الزور والافك والضلال، وأما تشابه الاشياء فحق يقين.\rوكذلك شبه الله تعالى بطلان أعمال الكفار ببطلان الزرع بالريح التي فيها الصر فأي مدخل للقياس ههنا ؟ أترى من بطل زرعه خالدا في جهنم كما يفعل بالكافر ؟ أو ترى الكافر إذا حبط عمله ذهب زرعه في فدانه، كما يذهب زرع من أصاب زرعه ريح فيها صر ؟ هذا ما لا يقوله أحد ممن له طباخ.","part":7,"page":952},{"id":954,"text":"وأما الحقيقة فإن هاتين الآيتين تبطلان القياس إبطالا صحيحا، لان الله تعالى مثل الحور العين بالياقوت والمرجان، ومثل أعمال الكفار بزرع أصابته ريح فيها صر.\rولم يكن تشبيه الحور بالياقوت والمرجان يوجب للياقوت والمرجان الحكم أحكام الحور العين، ولا للحور العين الحكم بأحكام الياقوت والمرجان، ولا كان شبه عمل الكفار بالزرع الذاهب يوجب للزرع الحكم بأحكام أعمال الكفار، من اللعين والبراءة والوعيد، ولا لاعمال الكفار بأحكام الزرع من الانتفاع بتبنه في علف الدواب وغير ذلك.\rفصح أن تشابه الاشياء لا يوجب لها التساوي في أحكام الديانة، ولا شئ\rأقوى شبها من شيئين شبه الله عزوجل بعضها ببعض، فإذا كان الشبه الذي أخبرنا الله تعالى به لا يوجب لذينك المتشابهين حكما واحدا فيما لم ينص فيه، فبالضرورة تعلم أن الشبه المكذوب المفترى من دعاوى أصحاب القياس أبعد عن أن يوجب لما شبهوا بينهما حكما واحدا، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بقول الله تعالى: * (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ئ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ئ الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذآ أنتم منه توقدون ئ أو ليس الذي خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم) *.\rقال أبو محمد: وهذا من عجائبهم وطوامهم، ليت شعري ما في هذه مما يوجب القياس أو أن يحكم في ألا يكون الصدق أقل مما يقطع فيه اليد، وأن يرجم اللوطي كما يرجم الزاني المحصن ؟ ولكاد احتجاجهم بهذه الآية أن يخرجهم إلى الكفر، لانه تعالى لم يوجب أنه يعيد العظام من أجل أنه أنشأها أول مرة، ولا أخبر تعالى أن إنشاءه لها أول مرة يوجب أن يعيدها، ومن ظن هذا فقد افترى.\rومع ذلك فلو كان إنشاء الله تعالى للعظام، أولا يوجب أن يحييها ثانية، لوجب ضرورة إذا أفناها أيضا بعد أن أنشأها أولا أن يفنيها ثانية بعد أن أنشأها ثانية، وهذا ما لا يقولونه، ولا يقول به أحد من المسلمين إلا جهم بن صفوان وحده.\rولو كان ذلك أيضا لوجب أن يعيدهم إلى الدنيا ثانية كما ابتدأهم ونشأهم فيها","part":7,"page":953},{"id":955,"text":"أول مرة، وهذا كفر مجرد، لا يقول به إلا أصحا ب التناسخ، فقبح الله كل احتجاج يفر صاحبه من الانقطاع والاذعان للحق إلى ما يؤدي إلى الكفر، فبطل تمويههم بهذه الآية، وصح أن معناها هو اقتضاء ظاهرها فقط، وهو أن القادر على خلق الاشياء ابتداء قادر على إحياء الموتى.\rوقد بين الله تعالى\rنصا إذ يقول: * (ومن آياته أنك ترى الارض خاشعة فإذآ أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحى الموتى إنه على كل شئ قدير) * فبين عزوجل أنه إنما بين ذلك قدرته على كل شئ.\rوإنما عارض الله تعالى بهذا قوما شاهدوا إنشاء الله تعالى للعظام من مني الرجل والمرأة أقروا بذلك وأنكروا قدرته تعالى على إنشائها ثانية وإحيائها، فأراهم الله تعالى فساد تقسيمهم لقدرته كما قال في أخرى: * (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والارض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شئ قدير) * فهذه كتلك، وليس في شئ منها أن نحكم لما لا نص فيه بالحكم بما فيه نص من تحريم أو إيجاب أو إباحة أصلا وأن هذا كله باب واحد، ليس بعضه مقيسا على بعض، ولا أصلا والآخر فرعا، وإقدام أصحاب القياس وجرأتهم متناسبة في مذاهبهم وفيما يؤيدونها، نعوذ بالله من الخذلان.\rواحتجوا أيضا بقول الله تعالى: * (حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) * وبقوله تعالى: * (فإذآ أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ان الذي أحياها لمحى الموتى) * وبقوله تعالى: * (فأحيينا به بلدة ميتا كذلك النشور) * وبقوله تعالى: * (وأنزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد) * إلى قوله: * (كذلك الخروج) * وبقوله تعالى: * (فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة) *.\rقال أبو محمد: وهذا كله من جنس ما ذكرناه آنفا والمحتج بهذه الآيات في إثبات القياس في الاحكام، إما جاهل أعمى لا يدري ما القياس، وإما مموه لا يبالي ما قال: ولا ما أطلق به لسانه في استدامة حاله، ولو كان هذا قياسا لوجب أن يحيي الله الموتى كل سنة في أول الربيع، ثم يموتون في أول الشتاء كما تفعل الثمار","part":7,"page":954},{"id":956,"text":"وجميع النبات، وهذا مما لا يقوله إلا ممرو، وإنما أخبر تعالى في كل هذه الآيات بأنه يحيي الارض ويحيي الموتى ويقدر على كل ذلك، لا على أن بعض ذلك مقيس على بعض البتة.\rوذكروا أيضا في ذلك قول الله تعالى: * (ويقول الانسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر إلانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا) *، وبقوله تعالى: * (يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم قال أبو محمد: هذا هو إبطال القياس على الحقيقة، لانه لا سبيل إلى أن يخلق ثانية من نطفة، ولا من علقة، ولا من مضغة، فإنما معنى هذه الآية: من الله تعالى علينا وتذكيره لنا بقدرته على ما يشاء لا إله إلا هو.\rوكذلك الآية التي قبلها: أن الانسان لم يك شيئا، ثم خلق، ولا سبيل إلى أن يعود لا شئ أبدا، بل نفسه عائدة إلى حيث رآها النبي (ص) ليلة أسري به، ويعود الجسم ترابا، ثم يجمعان يوم القيامة فيخلد حيا باقيا أبد الابد بلا نهاية ولا فناء، في نعيم أو عذاب فبطل القياس ضرورة من حيث راموا إثباته تمويها على اغترابهم.\rوهذه الآيات كلها هي بمنزلة قوله تعالى: * (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها) * فإنما بين قدرته على ما شاهدنا، وعلى ما أخبرنا به مما لم نشاهد وهذا إبطال للقياس ولظنون الجهال، لان الله تعالى نص على تشابه الاشياء كلها بعضها لبعض، ولم يوجب من أجل ذلك التشابه أن تستوي في أحكامها، وهذا هو نفس قولنا في إبطال القياس في تسوية الاحكام بين الاشياء المشتبهات، وبالله التوفيق.\rومثل ذلك قوله تعالى: * (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح) * وكقوله تعالى: * (إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون) * الآيات\rإلى قوله تعالى: * (كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) *.\rقال أبو محمد: ولا شبه أقوى من شبه شهد الله تعالى بصحبته، فإذا كان الله تعالى قد شبه الحياة الدنيا بالنبات النابت من الماء النازل من السماء، فهي أشبه الاشياء","part":7,"page":955},{"id":957,"text":"به، وشبه تلف جثث أولئك العصاة بالعدل، وذلك لا يوجب استواءهما في شئ من الحكم في الشريعة غير الذي نص الله تعالى عليه من البلى بعد الجدة فقط، فبطل ظنهم الفاسد، والحمد لله رب العالمين.\rوكذلك أيضا قوله تعالى: * (مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ) *.\rقال أبو محمد: وذلك الزرع يرعى، وليس متعبدا ولا جزاء عليه، في الآخر والقوم الذين شبهوا به ولا شك أنهم خلاف ذلك، وأنهم متعبدون مجازون بالجزاء التام في الآخرة.\rوأن العجب ليكثر من عظيم تمويههم في الدين، وتدليسهم فيه باحتجاجهم بهذه الآيات في القياس وما عقل قط ذو مسكة عقل أنه يجب في هذه الآيات تحريم بيع التبن بالتبن متفاضلا، إذا حرم بيع التمر بالتمر متفاضلا وما قائل هذا إلا قريب من الاستخفاف بالقرآن والشرائع، ونعوذ بالله من هذا.\rواحتج بعضهم في إثبات القياس بآبدة أنست ما تقدم، وهو أنه قال من الدليل على صحة القياس قول الله تعالى: * (والمرسلات عرفا) * قال: فأشار إلى العرف.\rقال أبو محمد: وهذا دليل على فساد عقل المحتج به في إثبات القياس وقلة حيائه ولا مزيد، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان، ونسأله التوفيق، ولا عرف إلا ما بين الله تعالى نصا أنه عرف، وأما عرف الناس فيما بينهم فلا حكم له ولا معنى، وما عرف الناس مذ نشؤوا إلا الظلم والمكوس.\rواحتجوا أيضا بأن قالوا: قال الله عزوجل: * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * قالوا: فإنما جاء النص بجلد قاذف المحصنات، وأنتم تجلدون قاذف الرجال المحصنين كما تجلدون قاذف المحصنات من النساء، وهذا قياس.\rقال أبو محمد: وهذا ظن فاسد منهم، وحاشا لله أن يكون قياسا، ونحن نبدأ فنبين، بحول الله وقوته، من أين أوجبنا جلد قاذف الرجال من نص القرآن والسنة، فإذا ظهر البرهان على ذلك لائحا، بحول الله وقوته، وأنه من النص عدنا","part":7,"page":956},{"id":958,"text":"إلى بيان أنه لا يجوز أن يكون قياسا، وأنه لو استعمل ههنا القياس لكان حكمه غير ما قالوا، وبالله تعالى التوفيق، فنقول وبالله تعالى نتأيد: إن قول الله عزوجل: * (والذين يرمون المحصنات) * عموم لا يجوز تخصيصا إلا بنص أو إجماع، فممكن أن يريد الله تعالى النساء المحصنات كما قلتم، وممكن أن يريد الفروج المحصنات، وهذا غير منكر في اللغة التي بها نزل القرآن، وخاطبنا بها الله تعالى، قال الله عزوجل: * (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا) * يريد من السحاب المعصرات، فقلنا نحن: إنه أراد الفروج المحصنات، وقلتم أنتم: إنه أراد النساء المحصنات، فوجب علينا ترجيع دعوانا بالبرهان الواضح، فقلنا: إن الفروج أعم من النساء، لان الاقتصار بمراد الله تعالى على النساء خاصة تخصيص لعموم اللفظ، وتخصيص العموم لا يجوز إلا بنص أو إجماع.\rوأيضا فإن الفروج هي المرمية لا غير ذلك من الرجال والنساء، برهان ذلك ما قاله تعالى: * (والذين هم لفروجهم حافظون ئ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) * وقال تعالى: * (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) * * (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) * وقال\rتعالى: * (والحافظين فروجهم والحافظات) * وقال تعالى: * (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها) * فصح أن الفرج هو المحصن وصاحبه هو المحصن له بنص القرآن.\rحدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد ابن محمد نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - أنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما رأيت أن شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة: أن النبي (ص) قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.\rوبه إلى مسلم: ثنا إسحاق بن منصور، أنا هشام المخزومي، هو ابن سلمة، ثنا وهيب بن خالد، ثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي (ص)","part":7,"page":957},{"id":959,"text":"قال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدرك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والاذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه.\rقال أبو محمد: فصح يقينا أن المرمية هي الفروج خاصة، وأن المحصنة على الحقيقة هي الفروج إلا ما عداها، وصح أن الزنى الواجب فيه الحد هو زنى الفروج خاصة لا زنا سائر الاعضاء، ولا زنى النفس دون الفرج، فلا حد في النص كما أوردنا، في زنى العينين، ولا في الرجلين، ولا في زنى اللسان، ولا في زنى الاذنين، ولا في زنى القلب الذي هو مبعث الاعمال، وصح أن من رمى العينين بالزنى أو رمى الرجلين بالزنا أو رمى القلب بالزنى، أو رمى الاذنين بالزنى، أو رمى اليدين بالزنى، أو رمى أي عضو كان بالزنى ما عدا الفرج - فليس راميا، ولا حد عليه بالنص، لان الفرج إن كذب فهو كله لغو.\rفصح يقينا أن الرمي الذي يحد فيه الحدود ورد\rالشهادة والتفسيق، إنما رمي الفروج بلا شك، بيقين لا مرية فيه، فإذ ذلك كذلك فقد صح أن مراد الله تعالى بالحدود ورد الشهادة في الآية المتلوة، إنما هي رمي الفروج فقط، فصح قولنا بيقين لا مجال للشك فيه، وهذا إذ هو كذلك ففروج الرجال والنساء داخلات في الآية دخولا مستويا.\rثم نسألهم فنقول لهم أخبرونا عن قول الله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات) * إذ قلتم أنه تعالى أراد بهذه اللفظة ههنا النساء فقط، هل أراد الله أن يحد قاذف الرجل أم لا ؟ ولا بد من إحداهما، فإن قالوا: لم يرد بقوله تعالى فقد حكموا على أنفسهم أنهم يحكمون بخلاف ما أراد الله تعالى، وكفونا أنفسهم.\rوإن قالوا: إن الله تعالى أراد أن يحد قاذف الرجل، قلنا لهم: إن هذا عجب أن يكون تعالى يريد في دينه وعلمه من عباده أن يحد قاذف الرجل، ثم لا يأمرنا إلا بحد قاذف النساء فقط، حاشا لله من ذلك، فإنه تلبيس لا بيان، فإن قالوا: اقتصر على النساء ونبهنا بذلك على حكم قاذف الرجال قلنا لهم: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، ولم تأتوا بأكثر من الدعوى الكاذبة التي فيها خالفناكم، فإن كانت عندكم حجة من نص جلي على صحة هذه الدعوى، وإلا فهي كذب بحت، ولستم بصادقين فيها بنص القرآن، قالوا: الاجماع قد صح على وجوب حد قاذف الرجل.","part":7,"page":958},{"id":960,"text":"قلنا لهم: وأي دليل لكم في الاجماع ؟ والاجماع لنا لا لكم لان الاجماع إنما كان من هذا النص المذكور، فهاتوا دليلا على أنه كان عن قياس، ولا سبيل لهم إلى دليل ذلك أصلا، لا برهاني ولا إقناعي ولا شغبي، وظهر بطلان قولهم، والحمد لله رب العالمين.\rثم نعود إلى إبطال أن يكون حد قاذف الرجل قياسا جملة ولا بد، فنقول وبالله تعالى نتأيد: إننا وجدنا أحكام الرجال والنساء تختلف في\rمواضع، فالرجال عليهم الجمعات والجماعات فرضا، والنساء لا تلزمهن جمعة ولا جماعة فرضا، وقد استووا في حكم سائر الصلاة والزكاة، والمرأة لا تسافر في غير واجب إلا مع زوج أو ذي محرم، والرجل يسافر حيث شاء دون زوجة، ودون ذي محرم، والخوف عليه من أن يزني كالخوف عليها من أن تزني ولا فرق، لان زناها لا يكون إلا مع رجل، وحكمهن في اللباس مخالف لحكم الرجل.\rفلا يجوز للرجال لباس القمص والعمائم والسراويل في الاحرام، وهذا مباح للنساء، واستووا في تحريم الطيب عليهم وعليهن في الاحرام، والرجال عليهم الصلاة مع الامام بمزدلفة صلاة الصبح، ومباح للنساء السفر قبل ذلك فاستووا فيما عدا ذلك، والجهاد على الرجال، ولا جهاد على النساء، وشهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل، وخصومنا ههنا لا يقبلون النساء أصلا إلا في الاموال مع رجل ولا بد، وفي عيوب النساء والولادات فقط.\rويقبلون الرجال فيما عدا ذلك، ولا يقيسون الرجال عليهن ولا يقيسوهن على الرجال، وليس هذا إجماعا، ودية المرأة نصف دية الرجل، وكثير من الحاضرين من خصومنا ههنا يسوون بينهن وبين الرجال في مقدور محدود من الديات، ويفرقون بين أحكامهم وأحكامهن في سائر ذلك، ولا يقيسون النساء على الرجال، ولا الرجال على النساء، وحد المرأة كحد الرجل في القذف والخمر والزنى والقتل والقطع في السرقة، وفرق بين الحاضرين من خصومنا في التغريب في الزنى بين الرجال والنساء، وفرق آخرون منهم في حد الردة، بين الرجال والنساء فرأوا قتل الرجل في الردة، ولم يروا قتل المرأة في الردة، وتركوا القياس ههنا، وللرجل أن ينكح أربعا ويتسرى، ولا يحل للمرأة","part":7,"page":959},{"id":961,"text":"أن تنكح إلا واحدا ولا تتسرى، ولم يقيسوا عليهن، إلى كثير مثل هذا اكتفينا منه بهذا المقدار.\rفلما وجدنا أحكام الرجال، وأحكام النساء تختلف كثيرا، وتتفق كثير، على حسب ورود النص في ذلك فقط، بطل أن يقاس حكم الرجال على النساء، إذا اقتصر النص عن ذكرهن، أو أن تقاس النساء على الرجال،: إذا اقتصر النص على ذكرهم.\rإذ ليس الجمع بين أحكامهن وأحكام الرجال حيث لم يأت النص بالتفريق قياسا على ما جاء النص فيه متساويا بين أحكامهن وأحكامهم، أولى من التفريق بين أحكامهن وأحكام الرجال، حيث لم يأت النص بالجمع قياسا على ما جاء النص فيه مفرقا بين أحكامهن وأحكامهم، وهذا في غاية الوضوح.\rوالحقيقة بلا شك فيها، فلو كان القياس حقا لكان قياس قاذف الرجل في إيجاب الحد عليه على قاذف المرأة باطلا متيقنا لا يجوز الحكم به أصلا فارتفع توهمهم جملة، والحمد لله رب العالمين.\rومن أوضح برهان على أن حد قاذف الرجل ليس عن قياس على قاذف المرأة بالزنا أن بعد أمر الله بجلد قاذف المحصنات بسطر واحد فقط قوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) * الآيات...فلا خلاف بين أحد من الامة أنه لا يقاس قاذفة زوجها أن تلاعن على قاذف زوجته أن يلاعن، فلو كان القياس حقا، لما كان قياس قاذف الرجل على قاذف المرأة أن يجلد الحد: أولى ولا أصح من قياس قاذفة زوجها على قاذف زوجته أن تلاعنه أيضا، ولا يجد أحد فرق بين الامرين أصلا، فصح أن القياس باطل إذ لو كان حقا لاستعمله الناس في الملاعنة، وصح أن جلد قاذف الرجل ليس عن قياس وأنه عن نص كما ذكرنا، وبالله التوفيق.\rواحتج بعضهم بقول الله تعالى: * (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) *.\rقال أبو محمد: وجمجم هذا المحتج ولم يصرح على ههنا أشياء من القرآن مفتقرة إلى القياس.\rقال أبو محمد: وهذا كلام يسئ الظن بمعتقد، قائله، ولا قول أسوأ من قول من قال: إن الله تعالى شبه على عباده فيما أراد منهم وفيما كلفهم، وإن رسول الله","part":7,"page":960},{"id":962,"text":"(ص) لم يبين تلك الاشياء وتركها مهملة، واحتاجوا فيها إلى قياسهم الفاسد.\rوقد بينا الكلام في باب مفرد في ديواننا هذا، وأخبرنا أنه لا يحل لاحد أن يتبع متشابه القرآن، ولا أن يطلب معنى ذلك المتشابه، وليس إلا الاقرار به، وأنه من عند الله تعالى، كما قال عزوجل في آخر الآية المذكورة: * (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * وأخبر تعالى فيها فقال: * (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) * فنص تعالى على أن من طلب تأويل المتشابه فهو زائغ القلب، مبتغي فتنة.\rونحن نبرأ إلى الله من هذه الصفة، فثبت بالنصوص، ضرورة، أن تأويل المتشابه، لا يعلمه أحد إلا الله عزوجل وحده فقط، لان ابتغاء معرفته حرام، وما حرم ابتغاء معرفته فقد سد الباب دون معرفته ضرورة، إذ لا يوصل إلى شئ من العمل إلا بعد ابتغائه، فما حرم ابتغاؤه فلا سبيل إلى الوصول إليه، وهذا بين لا خفاء فيه، وطرق المعارف معروفة محصورة، وهي: الحواس والعقل اللذان ركبهما الله في المتعبدين من الحيوان، وهم الملائكة والجن، ومن وضع من ذلك فيه شئ من الانس، ثم ما أمر الله بتعرفه وتعرف حكمه فيه، مما جاء من عنده عزوجل، وهو القرآن والسنة فقط، وهذه كلها طرق أمرنا بسلوكها والاستدلال بها، وقد نهينا عن طلب معنى المتشابه، فصح أنه لا يوصل إلى معرفة معناه من جهة شم الحواس، ولا من المعقول ولا من القرآن ولا من السنة، فإذا كان الامر كذلك فلاسبيل لمخلوق إلى معرفته إلا أن الذي صح في الآي المحكمات التي أمرنا الله بتدبرها وبتعلمها، وبطلب تأويلها والتفقه فيها.\rفطاعة القرآن فيما أمر الله تعالى فيه ونهى، وطاعة الرسول\r(ص) في الذي أمر فيه ونهى وترك التعدي لهذه الحدود، وبطلان ما عداها، فبطل القياس ضرورة لانه غير هذه الحقائق، والحمد لله رب العالمين.\rواحتجوا فقالوا: حرم الله تعالى لحم الخنزير فحرمتم شحمه والانثى منه، وهذا قياس.\rقال أبو محمد: وهذا ظن فاسد منهم، ومعاذ الله أن نحرم شحم الخنزير وأنثاه بقياس، بل بالاجماع الصحيح وبالنص في القرآن، ولو كان الشحم كحكم اللحم لوجب، إذ حرم على بني إسرائيل الشحم، أن يحرم عليهم اللحم، فإذا لم يكن ذلك فقد صح أن الشحم لم يحرم من الخنزير قياسا على اللحم.","part":7,"page":961},{"id":963,"text":"ومن الطرائف أن المحتجين بهذا يقولون، أو أكثرهم، إن الشحم جنس غير اللحم ويجيزون رطل لحم برطلي شحم، حتى إن جمهورهم، وهم صحاب أبي حنيفة، يرون شحم الظهر غير شحم البطن، فيجيزون رطل شحم بطن برطلي شحم الظهر والمالكيون والشافعيون والحنفيون يجيزون رطل شحم الغنم برطلي شحم الاوز فأين هذيانهم، إنه إنما حرم شحم الخنزير قياسا على لحمه ؟.\rوالشافعيون والحنفيون والمالكيون يقولون: من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما فإنه لا يحنث، ولا خلاف بينهم أن من قال لآخر: ابتع لي بهذا الدرهم لحما فابتاع له به شحما فإنه ضامن.\rفبطل قياسهم البارد إن الشحم من الخنزير مقيس على لحمه، ولا خلاف بينهم أن العظم لا نسبة بينه وبين اللحم، ولا يجوز أن يقاس عليه، ونحن وهم مجمعون على أن من سحق عظم الخنزير فاستفه فقد عصى الله تعالى، فصح ضرورة أنه لم يحرم شحمه قياسا على لحمه، ولا أنثاه قياسا على ذكره، وبطل تمويههم والحمد لله.\rوإنما حرم شحم الخنزير وغضروفه ودماغه ومخه وعصبه، وعروقه وجلده وشعره وعظمه وعضله وسنه وظلفه، وملكه والانثى منه ولبنها، بقول الله تعالى: * (أو لحم خنزير فإنه رجس) * والضمير في لغة العرب راجع إلى أقرب مذكور.\rوقد أفردنا لذلك بابا في كتابنا هذا وأقرب مذكور إلى الضمير الذي في\r(فإنه) هو الخنزير لا اللحم، فالخنزير كله بالنص رجس والرجس كله خبيث محرم بقول الله تعالى: * (إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) * فرجع الضمير في قوله تعالى: إلى الرجس، لانه تعالى لو أراد الاربعة المذكورة في أول الآية لقال: فاجتنبوها، فلما لم يقل تعالى ذلك، ولم يجز أن يكون الضمير راجعا في قوله تعالى: * (فاجتنبوه) * إلى الشيطان.\rلاننا غير قادرين على اجتنابه، صح ضرورة أنه راجع إلى الرجس وعمل الشيطان، فكان الرجس كله محرما، وهو من وعمل الشيطان محرم مأمور باجتنابه، فكل ما كان رجسا فهو باجتنابه، والخنزير رجس فكله محرم مأمور باجتنابه، وكذلك الخمر والميسر والانصاب، والازلام، وكل رجس بالنص المذكور، وبالله تعالى التوفيق.","part":7,"page":962},{"id":964,"text":"وإنما قلنا هذا حسما للاقوال، وإنما فالضمير راجع إلى عمل الشيطان، والرجس، بنص الآية، من عمل الشيطان، فهو مأمور باجتنابه بيقين، والخنزير رجس بنص القرآن، والخنزير كله حرام، والخنزير في لغة العرب، التي بها خوطبنا، اسم للجنس يقع تحته الذكر والانثى والصغير والكبير، فبطل ما ظنوا أن تحريم الشحم إنما هو جهة القياس، وبالله تعالى التوفيق.\rثم نقول لهم: أخبرونا عن قول الله تعالى: * (أو لحم خنزير فإنه رجس) * ماذا أراد به عندكم ؟ اللحم وحده دون الشحم ؟ فإن قلتم ذلك فقد أباح الشحم على قولكم، وهذا خلاف الاسلام، وخلاف قولكم، أ أراد به الشحم واللحم والعظم واللبن ؟ فهذا باطل، لان كل ذلك يقع عليه عند أحد اسم لحم، فقد حصل قولكم بين كذب وكفر، لا بد من إحداهما، فإن قالوا: حرم اللحم ودل بذلك على الشحم قلنا: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، وفي هذا خالفناكم\rوكذبنا دعواكم، فحصلوا في ضلال محض.\rواحتج بعضهم بأن قال: يلزمكم ألا تبيحوا قتل الكفار إلا بضرب الرقاب فقط، لقول الله تعالى: * (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) *.\rقال أبو محمد: والجواب بأن الله تعالى إنما قال هذا في المتمكن منهم من الكفار، وهذا فرض بلا شك، ولا يحل خلافه، فمن أراد الامام قتله من الاسارى لم يحل قتله إلا بضرب الرقبة خاصة، لا بالتوسيط ولا بالرماح ولا بالنبل ولا بالحجارة ولا بالخنق ولا بالسم ولا بقطع الاعضاء.\rوأما من لا يتمكن منه فقد قال تعالى: * (فاضربوا منهم كل بنان) * وقال تعالى: * (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * فقتل هؤلاء واجب كيف ما أمكن بالنص المذكور، وهذا ما لا نعلم فيه خلافا، وهو ظاهر الآيات المذكورات ويبين أن المراد بالآية التي فيها ضرب رقاب الاسرى فقط قوله تعالى في تلك الآية بعينها: * (فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء) * فاستثنى الاسرى من جملة قوله تعالى: * (واضربوا منهم كل بنان) * و: * (اقتلوا المشركين) *.\rوقال بعضهم أيضا: يلزمكم ألا تجيزوا أن يبدأ في غسل الذراعين في الوضوء إلا من الانامل، لقول الله تعالى: * (إلى المرافق) *.","part":7,"page":963},{"id":965,"text":"قال أبو محمد: وهذا خطأ وقول فاسد، لان الله تعالى لم ينص على أن يبدأ في ذلك من مكان من اليدين بعينه، وإنما جعل عزوجل المرافق نهاية موضع الغسل لا نهاية عمل الغسل، فكيف ما غسل الغاسل ما بين أطراف الانامل إلى نهاية المرافق فقد فعل ما أمر به في النص ولا مزيد.\rواحتج بعضهم بقول الله تعالى: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * قالوا: وإنما قال ذلك تعالى في الطلاق والرجعة، يعني اشتراط العدالة، واشترط تعالى\rالرضا في الرجل والمرأتين في الديون فقط، فكان ذلك في سائر الاحكام قياسا على الطلاق والرجعة.\rقال أبو محمد: وهذا الاحتجاج من غريب نوادرهم فأول ذلك أن المحتج بهذا إن كان مالكيا فقد نسي نفسه في إباحتهم شهادة الطبيب الفاسق، وفي شهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة، وهم غير موصوفين بعدالة، ولم يقس على ذلك الصبايا ولا تحريق الثياب.\rوإن كان حنفيا فقد نسي نفسه في قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض، ونقضهم كلهم هذا الاصل في رد شهادة العبيد العدول والاقارب العدول، وأما نحن فلم نأخذ قبول شهادة العدول فيما عدا الطلاق والرجعة والديون قياسا على ذلك، ونعوذ بالله من هذا، وإنما لزم قبول العدول في كل موضع حاشا ما استثناه النص من قبول شهادة الكفار في الوصية في السفر فقط، فمن قول الله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) * فنهانا الله تعالى عن قبول الفاسق، ليس في البالغين العقلاء، إلا فاسق أو عدل، فوجب علينا التبين في كل شاهد، وكل مخبر حتى نعلم أفاسق هو فلا نعمل بخبره ولا بشهادته إذا أنبأنا بها، أو نعلم أهو عدل ؟ فنعمل بخبره وشهادته فبطل ظن هذا الجاهل.\rوأما قبول عدلين في سائر الاحكام، فقد كان يلزم هذا الجاهل، إن التزم القياس، أن يقيس جميع الشهادات في السرقة والقذف والخمر والقصاص والقتل على الشهادة في الزنى فلا يقبل في شئ مما ذكرنا إلا أربعة شهداء لا أقل، لان الحدود بالحدود أشبه من الحدود بالطلاق والرجعة والديون، والزنى حد، وكل ما ذكرناه في السرقة والقذف والخمر حد.","part":7,"page":964},{"id":966,"text":"وكان يلزمه أيضا أن يقيس على الديون فيقبل في سائر الاشياء رجلا وامرأتين\rكما جاء النص في الاموال، وإلا فلاي معنى وجب أن يقاس على الرجعة والطلاق دون أن يقاس على الديون ؟ فإن ادعى الاجماع، قيل له: كذبت وجهلت فالحسن البصري لا يقبل في القتل إلا أربعة شهداء عدول، وهذا عمر بن الخطاب وعطاء بن ابن أبي رباح يقبلان في الطلاق النساء دون الرجال، وعطاء يقبل في الزنى ثماني النسوة، وأبو حنيفة يقبل في الطلاق والرجعة والنكاح رجلا وامرأتين، ولا يقبل ذلك في الحدود، وقول الحسن أدخل في القياس، لان القتل أشبه بالزنى الذي يكون فيه القتل في الاحصان، فهو قتل وقتل، فالقتل بالقتل أشبه من القتل بالطلاق.\rوقول عمر وعطاء أشبه بالقياس، لانهما جعلا مكان كل رجل امرأتين، وجلد الزنا جلد، وجلد القذف والخمر جلد، فالجلد بالجلد أشبه من الجلد بالرجعة في النكاح.\rوهذا ما لا يحل يخيل على من له أدنى حس سليم، لا سيما المالكيين الذين يقولون بقياس القتل على الزنى: أنه إن عبر عن القاتل أن يجلد مائة سوط ويغرب سنة، قياسا على الزاني غير المحصن، فهلا قلدوه عليه فيما يقبل عليه من عدد الشهود ولكن هكذا يكون من سلك السبل فتفرقت به عن سبيل الله تعالى.\rوالعجب أن مالكا أجاز في القتل شاهدا واحدا وأيمان الاولياء، وهذا قياس على الشاهد واليمين في الاموال، فلا أجاز ذلك في الطلاق والنكاح والعتق وغير ذلك وأي فرق بين هذه الوجوه نعوذ بالله من التخليط والآراء والمقاييس الفاسدة في دين الله تعالى.\rواحتج بعضهم في ذلك بالآية الواردة في تعبير الرؤيا، وهذا تخليط ما شئت والرؤيا قتل كل كلام لا يقطع بصحتها، وقد تكون أضغاثا، والحكم في الدين استباحة للدماء، والفروج، والاموال وإيجاب العبادات، وإسقاط لكل ذلك، ولا يجوز الحكم في شئ من ذلك برؤيا أحد دون رؤيا النبي (ص)، وإذا كانت هذه الرؤيا التي جعلها هذا المحتج أصلا لتصحيح القياس لا يجوز القطع بها في\rدين الله تعالى.\rفالقياس الذي هو فرعها أبعد من ذلك على قضيته الفاسدة التي رضيها لنفسه، وأيضا فإن كثيرا من الرؤيا يفسر فيها الشئ بضده ؟ فيحمد القيد والسواد، ويذم العرس، وليس هذا من القياس في ورود ولا صدر، ولو كان","part":7,"page":965},{"id":967,"text":"ذلك في القياس لوجب إذا جاء النص بالامر أن يفهم منه النهي، أو بالنهي أن يفهم منه ضده، وهذا عكس الحقائق، وبالجملة فهذا شغب فاسد ضعيف، لان الحكم بالقياس عندهم إنما هو أن يحكم المسكوت عنه بحكم المنصوص عليه، وهذا هو غير العمل في الرؤيا جملة، ومن شبه دينه بالرؤيا، وفيها الاضغاث وما تتحدث به النفس، فقد كفى خصمه مؤنته، وبالله تعالى التوفيق.\rوذكروا أيضا قول الله تعالى: * (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا) * وقوله تعالى: * (وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) *.\rقال أبو محمد: صدق الله تعالى وكذب أصحاب القياس، وما أنكر ضرب الله تعالى الامثال إلا كافر، بل قد ضرب الله عزوجل الامثال في إدبار الدنيا بالزرع، وفي أعمال الكفار بسراب بقيعة، وفي الظالمين بالامم السالفين فهذا لا يعقله فيغبط به إلا العالمون.\rولعمري إن من صرف هذا الامثال عما وضعها الله تعالى له، إلى تحريم القديد بالقديد، إلا مثل بمثل، أو البتة وإلى أن على المرأة الموطوءة في نهار رمضان عتق رقبة، وإلى أن الصداق لا يكون إلا عشرة دراهم أو ربع دينار، وإلى أن من لاط حد حد الزنى، لجرئ على القول على الله تعالى بغير علم.\rوليت شعري لو ادعى خصمهم عليهم واستحل ما يستحلونه، فادعى في هذه الآيات أنها تقتضي ضد مذاهبهم فيما ذكرنا، أكان بينه وبينهم فرق ؟\rونعوذ بالله من الخذلان.\rوكما نقول: إن الله تعالى ضرب لنا الامثال، وإن أمثاله المضروبة كلها حق، لانه تعالى قال ذلك فيها.\rفكذلك نقول: لا يحل لنا ضرب الامثال لله تعالى، لانه قال تعالى: * (فلا تضربوا لله الامثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) * والقياس ضرب أمثال الله تعالى بيقين منا ومنهم، فهو حرام وباطل، لنهي الله تعالى عنا نصا، وبالله تعالى التوفيق.\rفهذا كل ما شغبوا به من القرآن، ووضعهوه في غير مواضعه، وقد أوردناه وبينا ذلك لكل ذي حس سليم أنه لا حجة لهم في شئ منه، وأن أكثره مانع من القول","part":7,"page":966},{"id":968,"text":"في الدين بغير نص من الله تعالى.\rواحتجوا من الحديث بما كتب به إلي يوسف ابن عبد الله النمري، حدثنا سعيد ابن نصر، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن وضاح، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة بن سوار المدائني، عن الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الاشج، عن عبد الملك بن سعيد الانصاري، عن جابر بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب قال: هششت إلى المرأة فقبلتها وأنا صائم، فأتيت النبي (ص) فقلت: يا رسول الله أتيت أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله (ص): أرأيت لو مضمضت بماء وأنت صائم ؟ قلت: لا بأس.\rقال: ففيم ؟.\rقال أبو محمد: لو لم يكن في إبطال القياس إلا هذا الحديث لكفى، لان عمر ظن أن القبلة تفطر الصائم قياسا على الجماع، فأخبره (ص) أن الاشياء المماثلة والمتقاربة لا تستوي أحكامها، وأن المضمضة لا تفطر، ولو تجاوز الماء الحلق عمدا لافطر، وأن الجماع يفطر، والقبلة لا تفطر، وهذا هو إبطال القياس حقا.\rولا شبه بين القبلة والمضمضة فيمكنهم أن يقولوا: إنه (ص) قاس القبلة على المضمضة، لانهم لا يرون القياس إلا بين شيئين مشتبهين، وبضرورة\rالعقل والحس نعلم أن القبلة من الجماع أقرب شيئا، لانهما من باب اللذة، فهما أقرب شبها من القبلة إلى المضمضة.\rثم إن الحديث عائد للمالكيين، لانهم يستحبون المضمضة للصائم في الوضوء، ويكرهون له القبلة، فقد فرقوا بإقرارهم بين ما زعموا أنه عليه السلام سوى بينهما، وفي هذا ما فيه، فبطل شغبهم بهذا الحديث، وعاد عليهم حجة، والحمد لله رب العالمين.\rواحتجوا بما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكي، ثنا ابن مفرج، ثنا محمد بن أيوب الصموت، ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، ثنا إبرهيم بن نصر، ثنا الفضل ابن دكين، ثنا طلحة بن عمر، عن عطاء، عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: إذا كنت إماما فقس الناس بأضعفهم.\rقال أبو محمد: طلحة بن عمرو ركن من أركان الكذب متروك الحديث، قاله أحمد ويحيى وغيرهما، وهذا حديث مشهور من طريق أبي هرير وعثمان بن","part":7,"page":967},{"id":969,"text":"أبي العاص، ليس في شئ منه هذه اللفظة البتة إلا من هذه الطريق الساقطة.\rولو صحت ما كانت لهم فيه حجة أصلا، لانه ليس هنا شئ مسكوت قيس بمنصوص عليه، وإنما أمر (ص) الامام أن يخفف الصلاة على قدر احتمال أضعف من خلفه، وليس يخرج من هذا تحريم البلوط بالبلوط متفاضلا، والنص قد جاء بإيجاب أن يخفف الامام الصلاة رفقا بالناس كلهم.\rفكيف وإنما جاء هذا الخبر بلفظين: اقتد بأضعفهم واقدر الناس بأضعفهم كما حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية، ثنا أحمد بن شعيب، ثنا أحمد بن سليمان، ثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، ثنا سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف ابن الشخير، عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية، ثنا أحمد بن شعيب، نا قتيبة، نا مالك، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، عن النبي (ص) قال: إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء.\rوهكذا رواه أيضا أبو سلمة عن أبي هريرة.\rواحتجوا أيضا بما حدثناه عبد الله بن ربيع، نا عمر بن عبد الملك، ثنا محمد بن بكر، نا أبو داود، نا قتيبة، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.\rقال أبو محمد: وقد قلنا مرارا إننا لا ننكر نقل لفظ إلى معنى آخر، إذا صح ذلك بنص آخر أو إجماع، ولكن إذا كان عندهم هذا قياسا فإنه يلزمهم أنه متى سمعوا ذكر جحر في أي شئ ذكر، أن يقيسوا عليه كل ما في العالم، كما جاء النهي عن البول في الجحر فلم يقيسوا عليه غيره.\rفإذا لم يفعلوا فلا شك أنه إنما انتقل إلى ههنا لفظ الجحر إلى كل ما عداه بالاجماع، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا أيضا بقوله (ص) للخثعمية وللمستفتية التي ماتت وعليها صوم.\rوهو","part":7,"page":968},{"id":970,"text":"حديث مشهور رويناه من طرق، ومن بعضها ما حدثناه عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، حدثني أحمد بن عمر الوكيعي ثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن سليمان الاعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها ؟.\rقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها ؟ قال: نعم.\rقال: فدين الله أحق أن يقضى قال الاعمش: فقال الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل\rجميعا ونحن جلوس حين حدث مسلم هذا الحديث فقال: سمعنا مجاهدا يذكر هذا الحديث عن ابن عباس.\rومنها ما حدثناه عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية: ثنا أحمد بن شعيب، حدثنا خشيش بن أصرم النسائي، عن عبد الرزاق، أنا معمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا نبي الله إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه ؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين كنت قاضيه ؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق.\rأخبرني محمد بن سعيد بن نبات، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر غندر، نا شعبة، عن أبي بشر، هو جعفر بن أبي وحشية، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس: أن امرأة نذرت أن تحج فماتت ؟ فأتى أخوها النبي (ص) فسأله عن ذلك، فقال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه ؟ قال: نعم.\rقال: فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء.\rقال أبو محمد: وهذا من أعجب ما احتجوا به وأشده فضيحة لاقوالهم، وهتكا لمذاهبهم الفاسدة.\rأما الشافعيون والحنفيون والمالكيون فينبغي لهم أن يستحوا من ذكر حديث الصوم الذي صدرنا به، لانهم عاصون له، مخالفون لما فيه من قضاء الصيام عن الميت.\rفكيف يسوغ لهم أو تواتيهم ألسنتهم بإيجاب القياس من هذا الحديث ؟ وليس فيه للقياس أثر البتة ؟ ويقدمون على خلافه، فيقولون:","part":7,"page":969},{"id":971,"text":"لا يصوم أحد عن أحد.\rوأما المالكيون والحنفيون فإنهم زادوا إقداما، فلا يقولون بقضاء ديون الله تعالى من الزكاة والنذور والكفارات من رأس مال أحد.\rويقولون: ديون الناس أحق بالقضاء من ديون الله تعالى، واقضوا الناس فهم أحق بالوفاء، وإن ديون الناس من رأس المال، وديون الله تعالى من الثلث،\rإن أوصى بها، وإلا فلا تؤدى البتة، لا من الثلث ولا من غيره، والله إن الجلود لتقشعر من أن يكون الرسول (ص) يقول: اقضوا الله فهو أحق بالوفاء و: دين الله أحق أن يقضى فيقول هؤلاء المساكين بآرائهم المخذولة، تقليدا لمن لم يعصم من الخطأ، ولا أتته براءة من الله تعالى بالصواب، من أبي حنيفة ومالك وأصحابهما، دعوا كلام نبيكم (ص)، ولا تلتفتوه وخذوا قولنا: فاقضوا ديون الناس، فدينهم أحق من دين الله تعالى.\rقال أبو محمد: ما نعلم في البدع أقبح من هذا ولا أشنع منه، لان أهل البدع لم يصححوا الاحاديث فهم أعذر في تركها، وهؤلاء يقولون بزعمهم بخبر الواحد العدل، وأنه حق لا يجوز خلافه، وليس لهم في هذه الاسانيد مطعن البتة ثم يقدمون على المجاهرة بخلافها.\rوالذي لا يشك فيه، أن من بلغته هذه الآثار.\rوصحت عنده، ثم استجاز خلاف ما صح عن رسول الله (ص) إتباعا لقول أبي حنيفة ومالك فهو كافر مشرك حلال الدم والمال، لاحق باليهود النصارى.\rوأما من صحح مثل هذا الاسناد وحكم به في الدين، ثم قال في هذه لا يصح، فهو فاسق وقاح قليل الحياء بادي المجاهرة، نعوذ بالله من كلتي الخطتين فهما خطتا خسف.\rثم تركهم كلهم أن يقيسوا الصوم عن الميت، وإن أوصى به على الحج عنه إذا أوصى به، وهم يدعون أنهم أصحاب قياس، فهم أول من ترك القياس، في الحديث الذي احتجوا به مع تركهم لحديث الصوم، وقياسهم عليه وهم لا يأخذون به.","part":7,"page":970},{"id":972,"text":"ثم نقول وبالله تعالى التوفيق: إنه ليس في هذا الحديث قياس أصلا، ولا دلالة على القياس، ولكنه نص من الله تعالى أخبر في آية المواريث\rفقال: * (بعد وصية يوصى بها أو دين) * فعم الله عزوجل الديون كلها.\rوبضرورة العقل علمنا أن ما أوجبه الله علينا في أموالنا فإنه يقع عليه اسم دين بلا شك، ثم بالنصوص علمنا، وبضرورة العقل.\rأن أمر الله أولى بالانقياد له، وأحق بالتنفيذ، وأوجب علينا من أمر الناس.\rوكان السائل والسائلة للنبي (ص) مكتفين بهذا النص لو حضرهما ذكره، فأعلمها للنبي (ص) بأن كل ذلك دين، وزادهم علما بأن دين الله تعالى أحق بالقضاء من ديون الناس، وهذا نص جلي فأين للقياس ههنا أثر أو طريق لو أن هؤلاء القوم أنصفوا أنفسهم ونظروا لها ؟.\rولكن ما في المصائب أشنع من قول من قال: إذا أمر النبي (ص) بأن يصام عن الميت ويحج عنه، وأخبر أنه دين الله تعالى وهو أحق بالقضاء من سائر ديون الناس، فترك ذلك واجب، فلا يجوز أن يصام عن ميت، ولا يستعمل هذا الحديث فيما جاء فيه، لكن منه استدللنا على أن بيع العسل في قيره بعسل في قيره لا يجوز، أو أن بيع رطل لحم تيس برطلي لحم أرنب لا يجوز، أو أن رطل قطن برطلي قطن لا يجوز تبارك الله ما أقبح هذا وأشنعه لمن نظر بعين الحقيقة ونعوذ بالله من الخذلان.\rواحتجوا بما روى الحديث المشهور: أن رجلا قال لرسول الله (ص): يا رسول الله، إن امرأتي ولدت ولدا أسود، وهو يعرض لنفيه، فقال رسول الله (ص): هل لك من إبل ؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها ؟ قال: حمر.\rقال: هل فيها من أورق ؟ قال: إن فيها لورقا، فقال رسول الله (ص): أنى ترى ذلك أتاه ؟ - أو كلاما هذا معناه - فقال له الرجل: لعل عرقا نزعه، فقال عليه السلام: لعل هذا عرقا نزعه قالوا: وهذا قياس وتعليم للقياس.\rقال أبو محمد: وهذا من أقوى الحجج عليهم في إبطال القياس، وذلك لان الرجل جعل خلاف ولده في شبه اللون علة لنفيه عن نفسه، فأبطل رسول\rالله (ص) حكم الشبه، وأخبره أن الابل الورق قد تلدها الابل الحمر، فأبطل (ص) أن تتساوى المتشابهات في الحكم، ومن المحال الممتنع أن يكون","part":7,"page":971},{"id":973,"text":"من له مسكة عقل يقيس ولادات الناس على ولادات الابل، والقياس عندهم إنما هو رد فرع إلى أصله، وتشبيه ما لم ينص بمنصوص، وبالضرورة نعلم أنه ليس الابل أولى الولادة من الناس ولا الناس أولى من الابل، وأن كلا النوعين في الايلاء والالقاح سواء، فأين ههنا مجال للقياس وهل من قال: إن توالد الناس مقيس على توالد الابل، إلا بمنزلة من قال: إن صلاة المغرب إنما وجبت فرضا لانها قيست على صلاة الظهر ؟ وإن الزكاة إنما وجبت قياسا على الصلاة ؟.\rوهذه حماقة لا تأتي بها عضاريط أصحاب القياس، لا يرضون بها لانفسهم، فكيف أن يضاف هذا إلى رسول الله (ص)، الذي آتاه الله الحكمة والعلم دون معلم من الناس، وجعل كلامه على لسانه ما أخوفنا أن يكون هذا استخفافا بقدر النبوة وكذبا عليه (ص).\rولقد كنا نعجب من إقدام أصحاب القياس في نسبتهم إلى عمر وعلي وعبد الرحمن رضي الله عنهم قياس حد الشارب على حد القاذف، ونقول إن هذا استنقاص للصحابة، إذ ينسب مثل هذا الكلام السخيف إليهم.\rحتى أتونا بالثالثة الاثافي والتي لا شوى لها فنسبوا إلى رسول الله (ص) أنه قاس ولادة الناس على ولادة الابل فأذكرنا هذا الفعل منهم قول بشر بن أبي حازم الاسدي.\rغضبت تميم أن تقتل عامر * * يوم النسار فأعقبوا بالصيلم هذا مع أن بعضهم لا يأخذ بهذا الحديث فيما ورد فيه ويروى في التعريض الحد وهو يسمع فيه أن الاعرابي كان يعرض بنفي ولده، فلم يزده النبي (ص) على أن أراد بطلان ظنه، ووجوب الحكم بظاهر المولد والفراش، ولم ير عليه حدا،\rأفيكون أعجب ممن يترك الحديث فيما ورد فيه، ويطلب فيه ما لا يجده أبدا، ومن أن القاتل إذا عفي عنه ضرب مائة سوط ونفي سنة، قياسا على الزاني، إن هذا العجب ونسأل الله العصمة والتوفيق.\rواحتجوا أيضا بقول النبي (ص) إذ سئل عن الابل تكون في","part":7,"page":972},{"id":974,"text":"الرمل كأنها الظباء فيدخل فيها البعير الاجرب فتجرب كلها، فقال (ص) ومن أعدى الاول ؟.\rقال أبو محمد: وهذا كما قبله وأطم، وما فهم قط أحد أن هذا القياس وجها، بل فيه إبطال القياس حقا، لانهم أرادوا أن يجعلوا الابل إنما جربت من قبل الاجرب الذي انتقل حكمه إليها، فأبطل رسول الله (ص) هذا الظن الفاسد، وأخبر أن كل ذلك وارد من قبل الله عزوجل، وأنه فعل ذلك بالابل والنعم ولافرق.\rوذكروا ما حدثناه أحمد بن قاسم، ثنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم، ثنا جدي قاسم بن أصبغ، ثنا إسماعيل - هو ابن إسحاق، ثنا علي - هو ابن المديني - ثنا عبد الاعلى بن عبد الاعلى، ثنا هشام - هو ابن حسان - عن الحسن، عن عمران ابن الحسن قال: أسرينا مع رسول الله (ص) في غزاة، فلما كان من آخر السحر عرسنا، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل يثب دهشا فزعا فقال رسول الله (ص).\rاركبوا.\rفركب وركبنا، فسار حتى ارتفعت الشمس، ثم نزل فأمر بلال فأذن، قضى حاجاتهم، وتوضؤوا فصلينا ركعتين قبل الغداة، ثم أقام فصلى بنا فقلنا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد ؟ فقال: لا ينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم قالوا: فقاس (ص) حكم قضاء صلاتين مكان صلاة على الربا.\rقال أبو محمد: وهذا باطل من وجوه أحدها: أنه قد تكلم في سماع الحسن\rمن عمران بن الحصين، فقيل: سمع منه، وقيل لم يسمع منه، وأيضا فإنه قد صح من طريق جابر عن النبي (ص)، قال جابر: كان على رسول الله (ص) دين فقضاني وزادني فهذا أشبه بالربا من صلاتين مكان صلاة، إلا أن هذا حلال والربا حرام، وأيضا فقد صح عن النبي (ص) فيمن جامع عامدا في يوم رمضان أن يصوم مكانه ستين يوما أو ثمانية وخمسين يوما أو تسعة وخمسين يوما، فلو كان القياس كما ذكروا لكان هذا عين الربا على أصلهم، وأيضا","part":7,"page":973},{"id":975,"text":"فإن هذا الحديث لا يقول به المالكيون والشافعيون، لانهم لا يرون تأخير القضاء في الصلاة الفائتة إلى ارتفاع الشمس والمالكيون لا يرون أن يؤذن للصلاة الفائتة، ولا يصلي ركعتا الظهر قبل صلاة الصبح إذا فاتت، ولا أقبح من قول من يحتج بخبر ثم هو أول مخالف لنصه وحكمه.\rوالقول الصحيح هو أن هذا الخبر حجة في إبطال القياس، لانهم رضي الله عنهم أرادوا أن يصلوا مكان صلاة صلاتين، وقد نهاهم الله تعالى عن تعدي حدوده ومن تعدي الحدود أن يزيد أحد شرعا لم يأمر الله تعالى به، والربا في لغة العرب الزيادة، فصح بهذا الخبر نهي النبي (ص) عن ربه تعالى عن الزيادة على ما أمر به فقط.\rوبيقين يدري كل ذي حس أن القول بالقياس زيادة في الشرع على ما أمر الله تعالى به، فلما حرم الله تعالى الاصناف الستة متفاضلة في ذاتها، زادوا هم ذلك في المأكولات أو المكيلات أو الموزونات أو المدخرات، فزيادتهم هذه هي الربا حقا، والله تعالى قد نهى عنه، فهذا الخبر حجة، لو صح، في إبطال القياس، وإلا فلا نسبة بين الصلاة والبيع، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا فإن هذا الخبر نص جلي، لا مدخل للقياس فيه أصلا، ولا بينه وبين\rشئ من القياس نسبة، لانه اسم الربا يجمع الزيادة في الدين، والزيادة في الصلاة بنص هذا الخبر، فتحريم الربا مقتضى لتحريم الامرين وكل ما جاء به النص فصحيح، وكل ما أرادوا هم أن يريده مما ليس منصوصا عليه فهو باطل، فظهر أن من احتج بهذا الخبر فمموه بما ليس مما يريد في شئ، بل هو حجة عليه، والحمد لله رب العالمين.\rثم لو صح لهم نصوصا من القرآن والسنن ووردت باسم القياس وحكمه، وهذا لا يوجد أبدا، لما كان لهم في شئ من ذلك حجة، لانه كان يكون الحكم حينئذ أن ما قاله الله تعالى ورسوله (ص) فهو الحق، وإنما ما يقولونه هم، مما لم يقله الله تعالى ولا رسوله (ص) فهو الباطل الذي لا يحل القول به.\rوفي هذا كفاية لمن عقل.\rوقد أوجب الله تعالى وحرم على لسان رسوله (ص) وفي كتابه، ولم يحل لاحد أن يحرم ولا أن يوجب ولا أن يحل ما لم يحله الله تعالى ولا أوجبه ولا","part":7,"page":974},{"id":976,"text":"حرمه، لان الله تعالى حرم وأوجب وأحل، وكل ذلك تعد لحدود الله تعالى.\rوموهوا أيضا بأن قالوا: لو كان العلم كله جلي لاستوى العالم والجاهل في البيان، ولو كان العلم كله خفيا لاستوى العالم والجاهل في الجهل به، فصح أن بعضه جلي وبعضه خفي، فوجب أن يقاس الخفي على الجلي.\rقال أبو محمد: وهذا كلام في غاية الفساد، لانه إذا كان بعضه جليا وبعضه خفيا، فالواجب على أصلهم هذا الفاسد أن يستوي العالم والجاهل في تبين الجلي منه، وأن يستوي الجاهل والعالم في خفاء الخفي منه عليهما أيضا، فبطل العلم على أصلهم الخبيث الظاهر الفساد.\rوأما نحن فنقول إن العلم كله جلي بين، نعني علم الديانة، قال تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * وقال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * فصح أن رسول الله (ص)\rقد بين للناس ما نزل إليه، ومن قال غير هذا فهو كافر بإجماع الامة فإذا قد صح أنه عليه السلام قد بين ما نزل إليه والمبين بين، والحمد لله رب العالمين، لمن يعلم اللغة التي بها خوطبنا.\rوإنما خفي ما خفي من علم الشريعة على من خفي عليه، لاعراضه عنه وتركه النظر فيه وإقباله على وجود الباطل، التي ليست طريقة إلى فهم الشريعة، أو لنظره في ذلك بفهم كليل، إما لشغل بال أو مرض أو غفلة، ولو لم يكن علم الدين جليا كله ما أمكن الجهل فهم شئ منه أبدا، نعني مما يدعون أنه خفي، فلما صح أن العالم ممكن له إقامة البرهان وإيضاح ما خفي على الجاهل حتى يفهمه ويتبين له، صح أن العلم كله جلي بين نعني علم الديانة، والحمد لله رب العالمين.\rوموهوا أيضا بما روي من قول نسب إلى رسول الله (ص) وهو ما حدثناه عن عبد الله بن ربيعة التميمي، ثنا محمد بن إسحاق بن السليم، ثنا ابن الاعرابي، ثنا سليمان بن الاشعري، ثنا حفص بن عمر العوضي، عن شعبة، عن أبي عون، عن الحارث ابن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة، عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ، أن رسول الله (ص) لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال: أقضي بكتاب الله عزوجل، قال: فإن لم تجد في كتاب الله عزوجل ؟ قال: فبسنة رسول الله (ص)، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله ؟ قال: اجتهد رأيي ولو آلو: قال: فضرب","part":7,"page":975},{"id":977,"text":"رسول الله (ص) في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله.\rقال أبو محمد: وحدثنا أيضا عبد الله بن ربيع، ثنا عمر بن عبد الملك الخولاني، ثنا محمد بن بكر، ثنا داود، ثنا مسدد، ثنا يحيى - هو القطان - عن شعبة بن أبي عون، عن الحارث بن عمر، عن ناس من أصحاب معاذ، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله (ص) بعثه إلى اليمن فذكر معناه.\rقال أبو محمد: هذا حديث ساقط، لم يروه أحد من غير هذا الطريق، وأول سقوطه أنه عن قوم مجهولين لم يسموا، فلا حجة فيمن لا يعرف من هو، وفيه الحارث بن عمر وهو مجهول لا يعرف من هو، ولم يأت هذا الحديث قط من غير طريقه.\rأخبرني أحمد بن عمر العذري، ثنا أبو ذر الهروي، ثنا زهر بن أحمد الفقيه زنجويه بن النيسابوري، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، هو جامع الصحيح، قال فذكر سند هذا الحديث، وقال رفعه في اجتهاد الرأي، قال البخاري: ولا يعرف الحارث إلا بهذا، ولا يصح.\rهذا كلام البخاري رحمه الله.\rوأيضا فإن هذا الحديث ظاهر الكذب والوضع، لان من المحال البين أن يكون الله تعالى يقول: * (اليوم أكملت لكم دينكم) *، و * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) *، و * (تبيانا لكل شئ) * ثم يقول رسول الله (ص): إنه ينزل في الديانة ما لا يوجد في القرآن.\rومن المحال البين أن يقول الله تعالى مخاطبا لرسوله (ص): * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * ثم يقول رسول الله (ص): إنه يقع في الدين ما لم يبينه عليه السلام، ثم من المحال الممتنع أن يقول رسول الله (ص): فاتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بالرأي فضلوا وأضلوا جاء هذا بالسند الصحيح الذي لا اعتراض فيه، وقد ذكرنا في باب الكلام في الرأي.\rثم يطلق الحكم في الدين بالرأي فهذا كله كذب ظاهر لا شك فيه.\rوقد كان في التابعين الراوين عن الصحابة رضي الله عنهم خبث كثير وكذب ظاهر، كالحارث","part":7,"page":976},{"id":978,"text":"الاعور وغيره ممن شهد عليه بالكذب، فلا يجوز أن تؤخذ رواية عن مجهول لم يعرف من هو ولا ما حاله.\rولقد لجأ بعضهم إلى أن ادعى في هذا الحديث أنه منقول نقل الكافة قال أبو محمد: ولا يعجز أحد عن أن يدعي في كل حديث مثل هذا، ولو قيل\rله: بل الحديث الذي جاء من طريق ابن المبارك: إن أشد الفرق فتنة على أمتي قوم يقيسون الامور برأيهم فيحرمون الحلال ويحلون الحرام هو من نقل الكافة أكان يكون بينه وبين فرق ؟.\rولكن من لم يستح قال ما شاء، ولكن الذي لا شك فيه أنه من نقل الكواف كلها نقل تواتر يوجب العلم الضروري، فقول الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) *.\rفهذا هو الذي لا شك في صحته، وليس فيه الرد عند التنازع إلا إلى الله تعالى، وهو القرآن، وإلى الرسول، وهو كلامه (ص) ولا أذكر القياس في ذلك، فصح أن ما عدا القرآن والحديث لا يحل الرد إليه عند التنازع، والقياس أصلا ليس قرآنا ولا حديثا، فلا يحل الرد إليه أصلا، وبالله تعالى التوفيق.\rمع أن هذا الحديث الذي ذكرنا من طريق معاذ لا ذكر للقياس فيه البتة بوجه من الوجوه، ولا بنص ولا بدليل، وإنما فيه الرأي، والرأي غير القياس، لان الرأي إنما هو الحكم بالاصلح والاحوط والاسلم في العاقبة، والقياس هو الحكم بشئ لا نص فيه بمثل الحكم في شئ منصوص عليه، وسواء كان أحوط أو لم يكن أصلح، أو لم يكن كان أسلم أو أقتل، استحسنه القاتل له أو استشنعه.\rوهكذا القول في قوله (ص): إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران ليس فيه للقياس أثر، لا بدليل ولا بنص ولا للرأي أيضا لا يذكر ولا بدليل بوجه من الوجوه، وإنما فيه إباحة الاجتهاد فقط.\rوالاجتهاد ليس قياسا ولا رأيا، وإنما الاجتهاد: إجهاد النفس، واستفراغ الوسع في طلب حكم طلب النازلة في القول والسنة، فمن طلب القرآن وتقرأ آياته، وطلب في السنن وتقرأ الاحاديث في طلب ما نزل به، فقد اجتهد، فإن وجدها منصوصة فقد أصاب فله أجران أجر الطلب وأجر الاصابة، وإن طلبها في القرآن","part":7,"page":977},{"id":979,"text":"والسنة فلم يفهم موضعا منهما، ولا وقف عليه، وفاتت إدراكه، فقد اجتهد فأخطأ فله أجر.\rولا شك أنها هنالك إلا أنه قد يجدها من وفقه الله لها، ولا يجدها من لم يوفقه الله تعالى لها، كما فهم جابر وسعد وغيرهما آية الكلالة ولم يفهمها عمر، وكما قال عثمان في الاختين بملك اليمين: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فأخبر أنه لم يقف على موضع حقيقة حكمهما، ووقف غيره على ذلك بلا شك، ومحال أن يغيب حكم الله تعالى عن جميع المسلمين، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا أيضا بما حدثناه أحمد بن قاسم، ثنا أبي قاسم بن محمد، ثنا جدي قاسم ابن أصبغ، نا محمد بن إسماعيل الترمذي، نا سعيد بن أبي مريم، أنا سلمة بن علي حدثني الاوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: حض رسول الله (ص) على تعلم العلم قبل ذهابه.\rقال صفوان بن عسال: وكيف وفينا كتاب الله ونعلمه أولادنا ؟ فغضب رسول الله (ص) حتى عرف ذلك فيه، ثم قال: أليست التوراة والانجيل في أيدي اليهود والنصارى ؟ فما أغنت عنهم حين تركوا ما فيهما.\rقال أبو محمد: هذا الحديث من أعظم الحجج عليهم في وجوب إبطال القياس، لانه (ص) أخبر أن من ترك القرآن والعمل به فقد ترك العلم، أو سلك سبيل اليهود والنصارى وأصحاب القياس أهل هذه الصفة، لانهم تركوا القرآن والعمل به، وأقبلوا على قياساتهم الفاسدة، ونعوذ بالله من الخذلان.\rثم يقال لهم: إنما تعلقتم بتشبيه النبي (ص) فعل من حرم التوفيق من أمته في ذلك، بفعل اليهود والنصارى، إذ نبذوا كتابهم، ونحن نقر بصحة هذا التشبيه، وإنما ننكر أن يكون حكم من فعل ذلك من المسملين كحكم من أشبه فعله من اليهود والنصارى.\rوأما أهل القياس فيلزمهم لزوما ضروريا، إذ حكموا للمشتبهين بحكم واحد، أن يحكموا فيمن ترك أحكام القرآن منا بما نحكم به في اليهود والنصارى، من القتل والسبي للذراري والنساء، وأخذ الجزية إن سالموا، فإن تمادوا على قياسهم لحقوا بالصفرية الازارقة، وعاد هذا من الحكم عليهم في تركهم لاحكام القرآن، والعمل بالقياس وإن جحدوا عن ذلك تناقضوا وتركوا القياس، وبالله تعالى التوفيق.","part":7,"page":978},{"id":980,"text":"فهذا كل ما موهوا به من إيراد الحديث الذي قد أوضحنا، بحول الله تعالى وقوته، أنه كله حجة عليهم، وموجب لابطال القياس، وكل من له أدنى حس يرى أن إيرادهم ما أوردوا لا طريق للقياس فيه، ولانهم يوهمون الضعفاء أننا ننكر تشابه الاسماء ونحن، ولله الحمد، أعلم بتشابه الاسماء منهم وأشد إقرارا به منهم.\rوإنما ننكر أن نحكم في الدين للمتشابهين في بعض الصفات بحكم واحد من إيجاب أو تحريم أو تحليل بغير إذن من الله تعالى، أو من رسوله (ص)، فهذا أنكرنا، وفي هذا خالفنا، لا في تشابه الاشياء، فلو تركوا التمويه الضعيف لكان أولى بهم.\rوادعى بعضهم، دون مراقبة، إجماع الصحابة رضي الله عنهم على القول بالقياس، وهذه مجاهرة لا يعدلها في القبح شئ أصلا، وباليقين نعلم أن ما روي قط عن أحد من الصحابة القول بأن القياس حق بوجه من الوجوه، لا من طريق تصح، ولا من طريق ضعيفة، إلا حديثا واحدا، نذكره إن شاء الله تعالى بعد فراغنا من ذكر تمويههم بدلائل الاجماع، وهو لا يصح البتة.\rولو أن معارضا يعارضهم، فقال: قد صح إجماع الصحابة على إبطال القياس، أكان يكون بينه وبينهم فرق في أنها دعوى ودعوى ؟ بل إن قائل هذا، من إجماعهم على إبطال القياس، يصح قوله ببرهان نذكره إن شاء الله تعالى.\rوهو أنه قد صح بلا شك عند كل أحد من ولد آدم يدري الاسلام والمسلمين، من مؤمن أو كافر، أن جميع الصحابة مجمعون على إيجاب ما قال الله تعالى في القرآن مما لم يصح نسخه، وعلى إيجاب ما قال رسول الله (ص) وعلى أنه لا يحل لاحد أن يحرم ولا يحلل، ولا أن يوجب حكما لم يأت به الله تعالى، ولا رسوله (ص) في الديانة، وعلى أن رسول الله لم يلبس على أمته أمر دينها، وأنه (ص) قد بينه كله للناس، وهذا كله مجمع عليه من جميع الصحابة أولهم عن آخرهم بلا شك.\rولولا ذلك ما كانوا مسلمين، فإن هذا مجمع عليه بلا شك، فهذه المقدمات مبطلة للقياس، لانه عند القائلين به حوادث في الدين لم ينزل الله تعالى فيها حكما في القرآن بينا، ولا بين رسول الله (ص) ما حكمها بنصه عليها، وهذا ما لا يشك مسلم أن الصحابة لو سمعوا قائلا يقول بهذا لبرئوا منه.","part":7,"page":979},{"id":981,"text":"وأيضا فالصحابة عشرات ألوف، روى الحديث منهم ألف وثلاثمائة ونيف مذكورون بأسمائهم، وروى الفقه والفتيا منهم عن نحو مائة ونيف وأربعين، مسمين بأسمائهم، حاشا الجمل المنقول عن أكثرهم أو جميعهم، كإقامة الصلاة وأداء الزكاة، والسجود فيما سجد بهم إمامهم فيه من سجود القرآن، والاشتراك في الهدى، والصلاة الفريضة خلف التطوع، ومثل هذا كثير، وإنما أوردنا بنقل الفتيا من ذكر عنه باسمه أنه أجاز أمر كذا أو نهى عن أمر كذا، أو أوجب كذا، أو عمل كذا، فما منهم أحد روي عنه إباحة القياس، ولا أمر به البتة بوجه من الوجوه، حاشا الحديث الواحد الذي ذكرنا آنفا، وسنذكره إن شاء الله تعالى بإسناده، ونبين وهيه وسقوطه.\rوروي أيضا نحو عشر قضايا، فيها العمل بما يظن أنه قياس، فإذا حقق لم يصح أنه قياس، منها صحيح السند، ومنها ساقط السند، ويروى عنهم أكثر\rمن ذلك وأصح في إبطال القياس نصا.\rوأما القول بالعمل التي يقول بها حذاق القياسيين عند أنفسهم، ولا يرون القياس جائزا إلا عليها، فباليقين ضرورة تعلم، أنه لم يقل قط بها أحد من الصحابة بوجه من الوجوه، ولا أحد من التابعين، ولا أحد تابعي التابعين، وإنما هو أمر حدث في أصحاب الشافعي، واتبعهم عليه أصحاب أبي حنيفة، ثم تلاهم فيه أصحاب مالك.\rوهذا أمر متيقن عندهم وعندنا، وما جاء قط في شئ من الروايات عن أحد من كل من ذكرنا أصلا، لا في رواية ضعيفة ولا سقيمة، أن أحدا من تلك الاعصار علل حكما بعلة مستخرجة يجعلها علامة للحكم، ثم يقيس عليها ما وجد تلك العلة فيه، مما لم يأت في حكمه نص، وإذا لا يجوز القياس عند جمهور أصحاب القياس إلا على علة جامعة بين الامرين هي سبب الحكم وعلامته، وإلا فالقياس باطل، ثم أيقنوا هم ونحن على أن ليس أحد من الصحابة ولا من تابعيهم، ولا من تابعي تابعيهم نطق بهذا اللفظ، ولا نبه على هذا المعنى، ولا دل عليه ولا علمه، ولا عرفه، ولو عرفوه ما كتموه فقد صح إجماعهم على إبطال القياس بلا شك.\rوقد اضطر هذا الامر وهذا البرهان طائفة من أصحاب القياس إلى الفرار من ذكر العلل وتعليل الاحكام جملة، وعن لفظ القياس، ولجؤوا إلى التشبيه","part":7,"page":980},{"id":982,"text":"والتمثيل والتنظير، وهو المعنى الذي فروا منه بعينه، لانه لا بد لهم من التعريف بالشبه بين الامرين الموجب تسوية حكم ما لم ينص عليه مع ما نص عليه منهما، فكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار، وكمحلل الخمر باسم النبيذ وأكثر ما هي هذه الطائفة فمن أصحاب مالك وأحمد، ومن لم يقلد أحدا من علماء أصحاب الحديث، ومنهم نبذ من أصحاب مالك، ويسير من أصحاب أبي حنيفة، فكيف يستحل من له علم وورع وفرار عن الكذب أن يدعي الاجماع فيما هذه صفته وفي\rأمر قد روي عن أصحابه أزيد من عشرين ألف قضية، ليس فيها ما يدل على القياس، إلا قضية واحدة لا تصح، ونحو عشر قضايا يظن أنها قياس، وليست عند التحقيق قياسا، وهم مجمعون معنا على أنه لم يحفظ قط عن أحد من الصحابة قياس في حياة النبي (ص).\rفإذ ذلك كذلك فنحن نبرأ إلى الله تعالى من كل دين حدث بعده (ص) ولو كان القياس حقا لما أغفل رسول الله (ص) بيانه العمل به، ثم من الباطل المتيقن أن يكون القياس مباحا في الدين ثم لا يعلمنا رسول الله (ص): أي شئ نقيس ؟ ولا على ما نقيس ؟ ولا أين نقيس ؟ ولا كيف نقيس ؟ فصح أن القياس باطل لا شك فيه.\rوأما القول والرأي والاستحسان والاختيار فكثير عنهم رضي الله عنهم جدا، ولكنه لا سبيل إلى أن يوجد لاحد منهم أن جعل رأيه دينا أوجبه حكما، وإنما قالوا إخبارا منهم بأن هذا الذي يسبق إلى قلوبهم، وهكذا يظنون على سبيل الصلح بين المختصمين، ونحو هذا، مع أن أصحاب القياس قد كفونا، ولله الحمد، التعلق بهذا الباب لانهم، نعني حذاقهم ومتكلميهم، مبطلون للرأي والاستحسان إلا أن يكون قياسا على علة جامعة.\rوقد أصفق على هذا أكابر المتأخرين من الحنفيين المالكيين وسلكوا في ذلك مسلك الشافعيين، وتركوا طرائق أسلافهم في الاعتماد على الرأي والاستحسان، وقياس التمثيل المطلوب والتشبيه، ولو لم يفعلوا لكان أمرهم أهون مما يظن، لانه لم يبق إلا بالرأي وحده مجردا، والاستحسان المطلق، فليس رأي زيد أولى من رأي عمرو، ولا استحسان زيد أولى من استحسان عمرو.\rفحصل الدين - وأعوذ بالله لو كان ذلك - هملا غير حقيقة","part":7,"page":981},{"id":983,"text":"وحراما حلالا معا وحقا باطلا معا، وتخليطا فاسدا.\rوهذا أبين من أن\rيغلط فيه من له حس، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بإجماع الامة على تقديم أبي بكر إلى الخلافة، وأن ذلك قياس على تقديم النبي (ص) له إلى الصلاة، وأن عمر قال للانصار: ارضوا لامامتكم من رضيه رسول الله (ص) لصلاتكم وهي عظم دينكم.\rقال أبو محمد: وهذا من الباطل الذي لا يحل، ولو لم يكن في تقديم أبي بكر حجة إلا أن رسول الله (ص) قد استخلف عليا على المدينة في غزوة تبوك.\rوهي آخر غزواته عليه السلام.\rفقياس الاستخلاف على الاستخلاف اللذين يدخل فيهما الصلاة والاحكام أولى من قياس الاستخلاف على الصلاة وحدها.\rفإن قالوا: إن استخلاف النبي (ص) أبا بكر هو آخر فعله.\rقيل لهم وبالله تعالى التوفيق، إن عليا لم ينحط فضله بعد أن استخلفه رسول الله (ص) على المدينة في غزوة تبوك.\rبل زاد خيرا بلا شك.\rفلم يكن استخلاف النبي (ص) أبا بكر على الصلاة لاجل نقيصة حدثت في علي، لم تكن فيه إذ استخلفه على تبوك.\rكما لم يكن استخلافه عليه السلام عليا على المدينة في عام تبوك لانه كان أفضل من أبي بكر، فليس استخلاف أبي بكر على الصلاة حاطا لعلي.\rوإنما العلماء في خلافة أبي بكر على قولين: أحدهما أن النبي (ص) نص عليه، وولاه خلافته على الامة وأقامه بعد موته مقامه (ص) في النظر عليه ولها، وجعله أميرا على جميع المؤمنين بعد وفاته (ص).\rوهذا هو قولنا الذي ندين الله تعالى به.\rونلقاه إن شاء الله تعالى - عليه مقرونا منا بشهادة التوحيد.\rوحجتنا الواضحة في ذلك إجماع الامة حينئذ جميعا على أن سموه خليفة","part":7,"page":982},{"id":984,"text":"رسول الله (ص)، ولو كانوا أرادوا ذلك أنه خليفة على الصلاة، لكان أبو بكر مستحقا لهذا الاسم في حياة النبي (ص)، والامة كلها مجمعة على أنه لم يستحق أبو بكر هذا الاسم في حياة النبي (ص) وأنه إنما استحقه بعد موت النبي (ص)، إذ ولي خلافته على الحقيقة.\rوأيضا: فلو كان المراد بتسميتهم إياه خليفة رسول الله (ص) على الصلاة، لا على الامة لما كان بهذا الاسم في ذلك الوقت أولى من أبي زهم وابن أم مكتوم وعلي، فكل هؤلاء فقد استخلفه النبي (ص) على المدينة، ولا من عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، وقد استخلفه (ص) على مكة، ولا من عثمان بن أبي العاص الثقفي، فقد استخلفه (ص) على الطائف، ولا من خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس فقد استخلفه عليه السلام على صنعاء.\rفلما اتفقت الامة كلها على أنه لا يسمى أحد ممن ذكرنا خليفة رسول الله لا في حياة النبي (ص) ولا بعد موته يسمى بذلك علي إذ ولي الخلافة، علمنا ضرورة أنه سمي أبو بكر خليفة رسول الله (ص) لانه استخلفه على الخلافة التامة بعد موته في ولاية جميع أمور الامة وهذا بين.\rوبالله تعالى التوفيق.\rومعنى خليفة فعيلة من مخلوف وهذا الهاء للمبالغة، كقولك عقير وعقيرة منقول عن معقورة، فهذا قول.\rوالقول الثاني: أنه إنما قدمه المسلمون لانه كان أفضلهم، وحكم الامامة أن يكون في الافضل.\rواحتجوا بامتناع الانصار في أول الامر، وبقول عمر: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن لا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني، يعني النبي (ص).","part":7,"page":983},{"id":985,"text":"قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، بل بعضه عائد عليهم، لان الانصار لم يكونوا ليتركوا رأيهم، وهم أهل الدار والمنعة السابقة، الذين لم يبالوا بمخالفة أهل المشرق والمغرب، وحاربوا جميع العرب حتى أدخلوهم في الاسلام طوعا وكرها، إلا لنص من النبي (ص) لا لرأي أضافهم النزاع إليهم من المهاجرين.\rوأما قول عمر فظن منه، وقد قال رضي الله عنه، إذ بشره ابن عباس عند موته بالجنة: والله إن علمك بذلك يا ابن عباس لقليل فخفي عليه شهادة النبي (ص) بالجنة، مع ما في القرآن من ذلك لاهل الحديبية، وهم منهم فهكذا خفي عليه نص النبي (ص) على أبي بكر، وهذا من عمر مضاف إلى ما قلنا آنفا، ومضاف إلى قول يوم مات النبي (ص).\rوالله ما مات رسول الله، وإلى قوله يوم أراد رسول الله (ص) أن يكتب في مرضه الذي مات فيه.\rكما حدثنا حمام بن أحمد، ثنا عبد الله بن إبراهيم، ثنا أبو زيد المروزي، ثنا محمد بن يوسف، ثنا البخاري، ثنا يحيى بن سليمان الجعفي، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: لما اشتد برسول الله (ص) وجعه قال: ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي، فقال عمر: إن النبي (ص) غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، فقال: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع.\rفخرج ابن عباس يقول: إن الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه.\rوحدثناه عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية، ثنا أحمد بن شعيب، أنا محمد بن منصور، عن سفيان الثوري، سمعت سليمان - هو الاحول - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر الحديث وفيه: إن قوما قالوا عن النبي (ص) في ذلك اليوم، ما شأنه ؟ هجر.\rقال أبو محمد: هذه زلة العالم التي حذر منها الناس قديما، وقد كان في سابق علم الله تعالى أن يكون بيننا الاختلاف، وتضل طائفة وتهتدي بهدى الله أخرى.\rفلذلك","part":7,"page":984},{"id":986,"text":"نطق عمر ومن وافقه بما نطقوا به، مما كان سببا إلى حرمان الخير بالكتاب الذي لو كتبه لم يضل بعده، ولم يزل أمر هذا الحديث مهما لنا وشجى في نفوسنا، وغصة نألم لها، وكنا على يقين من أن الله تعالى لا يدع الكتاب الذي أراد نبيه (ص) أن يكتبه، فلن يضل بعده دون بيان، ليحيا من حي عن بينة، إلى أن من الله تعالى بأن أوجدناه فانجلت الكربة، والله المحمود.\rوهو ما حدثناه عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا عبيد الله بن سعيد، ثنا يزيد بن هارون، ثنا إبراهيم بن سعد، ثنا صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله (ص) في مرضه: ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر.\rقال أبو محمد: هكذا في كتابي عن عبد الله بن يوسف، وفي أم أخرى، ويأبى الله والمؤمنون.\rوهكذا حدثناه عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية، ثنا أحمد بن شعيب، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام الطرسوسي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبي (ص) بمثله، وفيه: إن ذلك كان في اليوم الذي بدئ فيه عليه السلام بوجعه الذي مات فيه بأبي هو وأمي.\rقال أبو محمد: فعلمنا أن الكتاب المراد يوم الخميس قبل موته (ص) بأربعة\rأيام، كما روينا عن ابن عباس يوم قال عمر ما ذكرنا، إنما كان في معنى الكتاب الذي أراد (ص) أن يكتبه في أول مرضه قبل يوم الخميس المذكور بسبع ليال.\rلانه (ص) ابتدأه وجعه يوم الخميس في بيت ميمونة أم المؤمنين، وأراد الكتاب الذى قال فيه عمر ما قال يوم الخميس بعد ان اشتد به المرض ومات عليه السلام يوم الاثنين، وكانت مدة علته (ص) اثني عشر يوما، فصح أن ذلك الكتاب كان في استخلاف أبي بكر لئلا يقع ضلال في الامة","part":7,"page":985},{"id":987,"text":"بعده (ص)، فإن ذكر ذاكر معنى ما روي عن عائشة إذ سئلت من كان رسول الله مستخلفا لو استخلف ؟ فإنما معناه: لو كتب الكتاب في ذلك.\rقال أبو محمد: فهذا قول ثان، وقالت الزيدية: إنما استخلف أبو بكر استيلانا للناس كلهم، لانه كان هنالك قوم ينافرون عليا، فرأى علي أن قطع الشغب أن يسلم الامر إلى أبي بكر، وإن كان دونه في الفضل.\rقال أبو محمد: وأما أن يقول أحد من الامة: إن أبا بكر إنما قدم قياسا على تقديمه إلى الصلاة فيأبى الله ذلك، وما قاله أحد قط يومئذ، وإنما تشبث بهذا القول الساقط المتأخرون من أصحاب القياس، الذين لا يبالون بما نصروا به أقوالهم، مع أنه أيضا في القياس فاسد، لو كان القياس حقا، لما بينا قبل، ولان الخلافة ليست علتها علة الصلاة، لان الصلاة جائز أن يليها العربي والمولى والعبد، والذي لا يحسن سياسة الجيوش والاموال والاحكام والسير الفاضلة، وأما الخلافة فلا يجوز أن يتولاها، إلا قرشي صليبة، عالم بالسياسة ووجوهها.\rوإن لم يكن محكما للقراءة.\rوإنما الصلاة تبع للامامة، وليست الامامة تبعا للصلاة، فكيف يجوز عند أحد من أصحاب القياس أن تقاس الامامة التي هي أصل، على الصلاة التي هي فرع من فروع الامامة ؟ هذا ما لا يجوز عند أحد من القائلين بالقياس.\rوقد كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم أكابر المهاجرين، وفيهم عمرو وغيره أيام النبي (ص) ولم يكن ممن تجوز له الخلافة، فكان أحقهم بالصلاة، لانه كان أقرأهم، وقد كان أبو ذر، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وابن مسعود أولى الناس بالصلاة إذا حضرت، إذا لم يكونوا بحضرة أمير أو صاحب منزل، لفضل أبي ذر وزهده وورعه وسابقته، وفضل سائر من ذكرنا وقراءتهم ولم يكونوا من أهل الخلافة، ولا كان أبو ذر من أهل الخلافة، ولا كان أبو ذر من أهل الولايات ولا من أهل الاضطلاع بها.\rوقد قال له رسول الله (ص): يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي وإنك ضعيف، فلا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم","part":7,"page":986},{"id":988,"text":"وقد أمر رسول الله (ص) خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأسامة بن زيد على من هو أفضل منهم وأقرأ، وأقدم هجرة وأفقه وأسن، وهذه هي شروط الاستحقاق للامامة في الصلاة، وليست هذه شروط الامارة.\rوإنما شروط الامارة حسن السياسة، ونجدة النفس، والرفق في غير مهانة، والشدة في غير عنف، والعدل والجود بغير إسراف، وتمييز صفات الناس في أخلاقهم وسعة الصدر، مع البراءة من المعاصي، والمعرفة بما يخصه في نفسه في دينه، وإن لم يكن صاحب عبارة، ولا واسع العلم، ولو حضر عمرو وخالد وأسامة مع أبي ذر - وهم غير أمراء - ما ساغ لهم أن يؤموا تلك الجماعة، ولا أن يتقدموا أبا ذر ولا أبي بن كعب.\rولو حضروا في مواضع يحتاج فيها إلى السياسة في السلم والحرب لكان عمرو وخالد وأسامة أحق بذلك من أبي ذر وأبي ولما كان لابي ذر وأبي من ذلك حق مع عمرو وخالد وأسامة.\rوبرهان ذلك استعمال رسول الله (ص) خالدا وأسامة وعمرا دون أبي ذر وأبي، وأبو ذر وأبي أفضل من عمرو وأسامة وخالد بدرج عظيمة جدا.\rوقد حضر الصحابة يوم غزوة مؤتة فقتل الامراء وأشرف المسلمون على الهلكة، فما قام منهم أحد مقام خالد بن الوليد، كلهم، إلا الاقل، أقدم إسلاما وهجرة ونصرا، وهو حديث الاسلام يومئذ، فما ثبت أحد ثباته، وأخذ الراية ودبر الامر، حتى انحاز بالناس أجمل انحياز، فليست الامامة والخلافة من باب الصلاة في ورد ولا صدر، فبطل تمويههم بأن خلافة أبي بكر كانت قياسا على الصلاة أصلا.\rفإن قالوا: لو كانت خلافة أبي بكر منصوصا عليه من النبي صلى الله عليه وسلم ما اختلفوا فيها ؟.\rقال أبو محمد: فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق: هذا تمويه ضعيف لا يجوز إلا على جاهل بما اختلف فيه الناس، وهل اختلف الناس إلا في المنصوصات.\rوالله العظيم - قسما برا - ما اختلف اثنان قط فصاعدا في شئ من الدين إلا في","part":7,"page":987},{"id":989,"text":"منصوص بين في القرآن والسنة، فمن قائل: ليس عليه العمل، ومن قائل: هذا تلقى بخلاف ظاهره، ومن قائل: هذا خصوص، ومن قائل: هذا منسوخ.\rومن قائل: هذا تأويل، وكل هذا منهم بلا دليل في أكثر دعواهم كاختلافهم في وجوب الوصية لمن لا يرث من الاقارب والاشهاد في البيع، وإيجاب الكتابة، وقسمة الخمس، وقسمة الصدقات وممن تؤخذ الجزية، والقراءات في الصلوات والتكبير فيها، والاعتدال، والنيات في الاعمال والصوم، ومقدار الزكاة وما يؤخذ فيها المتعة في الحج، والقرآن والفسخ، وسائر ما اختلف الناس فيه، وكل ذلك منصوص في القرآن والصحيح عن رسول الله (ص).\rفعلى هذا وعلى النسيان للنص كان اختلاف من اختلف في خلافة أبي بكر.\rوأما الانصار فإنهم لما ذكروا، وكان قبل ذلك قد نسوا، حتى قال\rقائلهم: منا أمير ومنكم أمير، ودعا بعضهم إلى المداولة، وبرهان ما قلنا أن عبادة بن الصامت الانصاري روى عن رسول الله (ص): أن الانصار بايعوه على ألا ينازعوا الامر أهله، وأنس بن مالك الانصاري روى عن رسول الله (ص)، أن الائمة من قريش.\rفبهذا ونحوه رجعت الانصار عن رأيهم، ولا ذلك ما رجعوا إلى رأي غيرهم، ومعاذ الله أن يكون رأي المهاجرين أولى من رأي الانصار، بل النظر والتدبير بينهم سواء، وكلهم فاضل سابق.\rوقد قال عمر يوم مات النبي (ص): والله ما مات رسول الله، وهو يحفظ قول الله عزوجل: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * فلما ذكر بها خر مغشيا عليه، وهكذا عرض للانصار.\rوقد روينا ذلك نصا.\rكما حدثنا عبد الله بن ربيع، نا عبد الله بن محمد بن عثمان الاسدي، نا أحمد بن خالد، نا علي بن عبد العزيز، نا الحجاج بن المنهال، ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الاودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري - فذكر حديث وفاة رسول الله (ص) - قال: فقال رجال أدركناهم - فذكر باقي الحديث - وفيه، أن أبا بكر قال: وقد علمت يا سعد أن رسول الله (ص) قال وأنت قاعد: إن الائمة من قريش، والناس برهم تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم قال: صدقت أو قال: نعم.","part":7,"page":988},{"id":990,"text":"قال أبو محمد: ومن أعاجيب أهل القياس: أنهم في هذا المكان يحتجون بأن إمامة أبي بكر كانت قياسا لا نصا، ثم نسوا أنفسهم - أو تناسوا عمدا ؟ فإذا أرادوا إثبات التقليد للمصاحب قالوا: قال رسول الله (ص) اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.\rقال أبو محمد: وهذا اعجب ما شئت منه فإن كان هذا الحديث صحيحا فقد\rصح النص من رسول الله (ص) على خلافة أبي بكر بعده، ثم على خلافة عمر بعد أبي بكر، وبطل قولهم: إن بيعة أبي بكر كانت قياسا على صلاته بالناس، وإن كان هذا الحديث لا يصح فلم احتجوا به في تقليد الامام من الصحابة ؟ أفيكون أقبح من هذه المناقضات بما يبطل بعضه بعضا ؟ ولكن إنما شأن القوم نصر المسألة التي يتكلمون فيها بما أمكن، من حق أو باطل أو ضحكة، أو بما يهدم عليهم سائر مذاهبهم، ليوهموا من بحضرتهم من المغرورين بهم أنهم غالبون فقط، فإذا تركوها وأخذوا في غيرها، لم يبالوا أن ينصروها أيضا بما يبطل قولهم في المسألة التي تركوا، وهكذا أبدا ونعوذ بالله من الخذلان.\rواحتجوا بأن أبا بكر قاتل أهل الردة مع جميع الصحابة قياسا على منع الصلاة، واحتجوا في ذلك بما روي من قوله: لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، حتى إن بعض أصحاب القياس قال: على هذا عول أبو بكر، لا على الآية التي في براءة.\rقال أبو محمد: وهذا من الجرأة واستحلال الكذب، ونسب الضلال إلى أبي بكر بحيث لا مرمى وراءه، ومن نسب هذا إلى أبي بكر فقد نسب إليه الضلالة، وقد أعاذه الله من ذلك، وبيان كذبهم في هذا الاعتراض أوضح من كل واضح لان أبا بكر لم يقل لاقاتلنهم لانهم فرقوا بين الصلاة والزكاة وإنما قال: لاقاتلن المفرقين بين الصلاة والزكاة، وإنما فعل ذلك - بلا شك - وقوفا عند إلزام الله تعالى لنا وللمسلمين قديما وحديثا إذ يقول تعالى: * (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) * فلم يبح الله تعالى لنا ترك سبيلهم إلا بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فهذا الذي حمل أبا بكر على قتالهم لا ما يدعونه من الكذب المفضوح من القياس الذي لا طريق له ههنا.","part":7,"page":989},{"id":991,"text":"وصدق أبو بكر في إيجابه قتال من فرق بين الصلاة والزكاة، لان نص الله تعالى عليهما سواء، وليست إحداهما أصلا والاخرى فرعا فيجب قياس الفرع على الاصل.\rوهذا تخليط ما شئت منه ولو اتعظوا بهذا القول من أبي بكر، فلم يفرقوا ما ساوى النص بينه، لكان أولى بهم، لكنهم لم يفعلوا، بل قالت طائفة منهم، الزكاة تجزئ إلا بنية، والصلاة لا تجزئ الا بنية والصلاة تلزم العبد، والزكاة لا تلزمه وإن كان ذا مال.\rوأما في سائر النصوص فلا يبالون أن يقولوا في بعض النص: هذا مخصوص، وفي بعضه: هذا عموم، وفي بعضه: هذا واجب، وفي بعضه هذا ندب، ومثل هذا لهم كثير.\rوقد عارض الصحابة أبا بكر بقول النبي (ص): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.\rقال أبو محمد: ونسبوا - رضي الله عنهم - الآية التي ذكرنا آنفا في براءة، وكلهم قد سمعها لانها في سورة براءة التي قرئت على الناس كلهم في الموسم في حجة أبي بكر سنة تسع.\rوفي الجملة أيضا أبو هريرة وابن عمر، وكلاهما قد روى عن رسول الله (ص) الامر بقتال الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، كما حدثنا ابن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا أبو غسان مالك بن عبد الواحد المسمعي، ثنا عبد الملك ابن الصباح، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (ص): أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا\rالزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله.\rقال مسلم: وحدثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زريع، نا روح، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله (ص) قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا","part":7,"page":990},{"id":992,"text":"فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.\rقال أبو محمد: فلولا هذه النصوص من القرآن وكلام النبي (ص) ما ترك الصحابة الحديث الذي تعلقوا به، ولكن ليس كل أحد يحضره في كل حين ذكر كل ما عنده، واحتجوا بإجماع الامة على استخلاف إمام إذا مات إمام ولا نص على المستخلف.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لان النص قد صح بطاعة أولي الامر منا، وجاءت الآثار الصحاح عن النبي (ص) بوجوب الطاعة للائمة ولزوم البيعة، وهذا ما يوجب استخلاف إمام إذا مات الامام، فهو نص صحيح على وجوب الاستخلاف لمن يوثق بدينه ويقوم بأمور المسلمين من قريش، نصوصا بينة على وجوب العدل على الامام، والرفق بالرعية، والنصح لهم، فصفات الامام منصوصة عن رسول الله (ص) بينة واضحة.\rفمن كانت فيه تلك الصفات فقد نص على تقديمه وإفراده بالامر ما عدل.\rكالامر بالعتق، ولا حاجة بنا إلى تسمية المعتق، وإيجاب الاضحية والنسك، ولا حاجة بنا إلى صفة لونها، وهكذا جمع الشريعة، وليت شعري أي مدخل للقياس في هذا ؟ إن هذا الامر كان ينبغي لكل ذي عقل أن يستحي من الاحتجاج بمثله.\rواحتجوا بقول رسول الله (ص): لا نبي بعدي قالوا لنا فقولوا إنه يكون بعده رسول، لانه أخبر بأنه لا يكون بعده نبي، ولم يقل لا رسول بعدي.\rقال أبو محمد: وهذا جهل مظلم ممكن أتى بهذا، لان هذا من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله (ص)، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، فلو قال عليه السلام: لا رسول بعدي، لامكن أن يقول بعده نبي، لكن إذ قال: لا نبي بعدي فقد صح أنه لا رسول بعده، لان كل رسول فهو نبي بلا شك.\rولا سبيل إلى وجود رسول ليس نبيا، فبطل هذا التمويه الضعيف على أن هذا كله لو صح لهم كما ادعوه، ومعاذ الله من ذلك، لما كان من شئ منه دليل على قياس التين على البر، ولا على وجوب القياس في الشرائع، فكيف وكل ما أوتوا به عليهم هو لا لهم، والحمد لله رب العالمين.\rوقد حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن، ثنا وهب بن مسرة، ثنا ابن وضاح، حدثنا","part":7,"page":991},{"id":993,"text":"أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس الاودي، عن المختار بن فلفل، عن أنس قال: قال النبي (ص): إن النبوة والرسالة قد انقطعت فجزع الناس، فقال: قد بقيت مبشرات، وهن جزء من النبوة.\rقال أبو محمد: واحتجوا بأن الحائض إنما أمرت بالتيمم إذ عدمت الماء في السفر قياسا على الجنب.\rقال أبو محمد: هذا تمويه ضعيف، ومعاذ الله أن نأمر الحائض بذلك قياسا، بل بالنص، وهو قوله تعالى إذ أمر باعتزال الحيض حتى يطهرن: * (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله) * فأمرهن الله تعالى بالطهور جملة، وقال رسول الله (ص): جعلت لي الارض مسجدا وطهورا فالتراب طهور، والماء طهور بالنص، وفسر الاجماع أن التراب لا يستعمل ما دام يوجد الماء لغير المريض، أو من أوجبه له النص، فدخلت الحائض في هذا النص، ولقد كان ينبغي لمن فرق بين الحائض والجنب فيما أباح لها من قراءة القرآن، ومنعه الجنب من ذلك،\rأن يعلم أنه ترك القياس.\rواحتجوا أيضا بإيجاب الزكاة في الجواميس، وأنه إنما وجب ذلك قياسا على البقر.\rقال أبو محمد: وهذا شغب فاسد، لان الجواميس نوع من أنواع البقر، وقد جاء النص بإيجاب الزكاة في البقر، والزكاة في الجواميس، لانها بقر، واسم البقر يقع عليها.\rولولا ذلك ما وجدت فيها زكاة، وكذلك البخت والمهاري والفوالج، هي أنواع من الابل، وكذا الضأن والماعز يقع عليها اسم الغنم.\rوقد قال بعض الناس: البخت ضأن الابل، والجواميس ضأن البقر، وقد رأينا الحمر المريسية، وحمر الفجالين، وحمر الاعراب المصامدة نوعا واحدا وبينها من الاختلاف أكثر مما بين الجواميس وسائر البقر، وكذلك جميع الانواع.\rواحتجوا بأن الناس قاسوا على ذي الحليفة، وأنهم قاسوا ذات عرق على قرن.\rقال أبو محمد: وهذا كذب وباطل، لان الحديث في توقيت ذات عرق لاهل العراق مشهور ثابت مسند لا يجهله من له بصر بالحديث.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن إسحاق بن السليم القاضي، ومحمد بن معاوية، قال ابن إسحاق، ثنا أبو سعيد الاعرابي، ثنا سليمان بن الاشعث، ثنا هشام بن بهرام،","part":7,"page":992},{"id":994,"text":"وقال ابن معاوية: ثنا أحمد بن شعيب، أخبرني محمد بن عبد الله عمار، ثنا أبو هاشم محمد بن علي، قال بهرام: ثنا المعافى بن عمران، وقال أبو هاشم: عن المعافى بن عمران، ثم اتفقا: عن أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة أن رسول الله (ص) وقت لاهل العراق ذات عرق.\rقال أبو محمد: هشام بن بهرام ثقة، والمعافى ثقة جليل، وأفلح بن حميد كذلك، وأما قياسهم على ذي الحليفة فهذيان لا يدرى ما هو ؟ ولا ماذا قيس عليه ؟ والمواقيت مختلفة، فمنها ذو الحليفة على عشر ليال، ومنها الجحفة على ثلاث ليال،\rومنها قرن على أكثر من ليلة، ومنها يلملم على ليلة، فعلى أي هذا يقاس ؟ إن هذا لامر لا يفهمه إلا ذو لب ؟.\rواحتجوا بما روي من قول ابن عمر: فعدل الناس بصاع من شعير مدين من بر.\rقال أبو محمد: وهذا من طرائف ما احتجوا به لان المحتج بهذا إن كان مالكيا أو شافعيا فهو مخالف لهذا الاجماع عنده، ومن أقر على نفسه بأنه مخالف للاجماع فأقل ما عليه اعترافه بأنه مخالف للحق، ثابت على الباطل غير تائب عنه، وهذا فسق مجرد.\rومن أعجب العجب احتجاج المرء بما لا يراه حجة ولكن هذا غير بديع منهم فهذا أبو حنيفة يحتج أن الخيار لا يكون إلا ثلاثة أيام لا أكثر، بحديث المصراة، فإذا قيل له فهذا الذي تحتج به أتأخذ به ؟ قال: لا.\rوهذا مالك احتج في تضمين القائد والسائق ما تجنيه الدابة المسوقة والمقودة، بأن عمر غرم بني سعد بن ليث نصف دية رجل من جهينة، أصاب أصبعه رجل من بني سعد بن ليث، كان يجري فرسه فمات الجهني، فإذا سئل أتبدي المدعى عليهم في هذا المكان كما فعل عمر ؟ قال: لا يجوز ذلك، وإذا قيل له: أتغرم المدعى عليهم بغير أن يحلف المدعون كما فعل عمر في هذا المكان ؟ قال: لا يجوز ذلك، وإذا قيل له: أتقتصر في هذا المكان على نصف الدية كما فعل عمر ؟ قال: لا يجوز ذلك، وإذا قيل له: أتجعل ما جنى الذي يجري فرسه على عاقلته في هذا المكان كما فعل عمر ؟","part":7,"page":993},{"id":995,"text":"قال: لا يجوز ذلك، ثم يجعل هذا الحديث نفسه حجة في تضمين القائد والسائق قياسا على الراكب وهذا عجب عجيب.\rثم تلاه في ذلك ابن الجهم، فاحتج أنه لا يجزئه من ذبح الهدي أو الاضحية ليلا بالنهي عن حصاد الليل وجذاذه، فإذا قيل له: أتمنع من حصاد الليل\rوجداده ؟ قال: لا، فهو يخالف ما أقر أنه حجة فيما ورد فيه، ويحتج به فيما ليس منه في ورد ولا صدر.\rثم تلاه في ذلك ابن أبي زيد، فاحتج في مخالفته نهي النبي (ص) عن الصلاة على القبر بصلاته (ص) على قبر المسكينة السوداء رضي الله عنها.\rفإذا سئل: أتأخذ بصلاته (ص) على قبر المسكينة السوداء ؟ قال: لا.\rقال أبو محمد: وهذا كثير منهم جدا، كاحتجاج المالكيين في شق زقاق الخمر، وكسر أوانيها بالحديث الوارد في إحراق رجل الغال، فإذا قيل لهم: أتحرقون رجل الغال ؟ قالوا: لا.\rوقد رأيت لرجل منهم يدعى الابهر، ويكنى بأبي جعفر احتجاجا أن الصداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم بحديث رواه: إن الصداق لا يكون أقل من عشرة دراهم.\rومثل هذا من نوادرهم كثير، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rثم نرجع إلى ما احتجوا به من قول ابن عمر: فعدل الناس بصاع من شعير نصف صاع بر فأول ذلك أن ابن عمر الذي يروون عنه هذا القول لا يرضى به ولا يقول به.\rحدثنا أحمد بن محمد الجسور، ثنا أحمد بن مطرف، نا عبد الله بن يحيى، نا أبي، ثنا مالك عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر مرة واحدة، فإنه أخرج شعيرا.\rحدثنا محمد بن سعيد بن نبات، نا عبد الله بن نصر الزاهد، نا قاسم بن أصبغ، ثنا ابن وضاح، نا موسى بن معاوية، نا وكيع بن عمران بن حدير، عن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: إن الله تعالى قد أوسع والبر أفضل من التمر، قال: إن أصحابي","part":7,"page":994},{"id":996,"text":"سلكوا طريقا فأنا أحب أن أسلكه.\rحدثنا أحمد بن عمر بن أنس، نا عبد الله بن حسين بن عقال، نا إبراهيم بن محمد الدينوري، نا ابن اجهم، نا معاذ بن المثنى، نا مسدد، نا إسماعيل بن إبراهيم، نا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض ابن سعد قال: ذكرت لابي سعيد الخدري صدقة الفطر، فقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله (ص): صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاع زبيب أو صاع أقط، فقلت له: أو مدين من قمح ؟ قال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها، ولا أعمل بها.\rقال أبو محمد: أفيكون أعجب ممن يدعى الاجماع على قول يقول به ابن عمر أن الصحابة على خلاف ذلك الاجماع كما ذكرنا، وإنه لا يخرج البر أصلا اتباعا لطريق أصحابه ثم يقول أبو سعيد: تلك قيمة معاوية، لا أقبلها ولا أعمل بها فأين الاجماع لولا الجنون وقلة الدين.\rومن طرائف الدهر قول الطحاوي ههنا: إنما أنكر أبو سعيد المقوم لا القيمة فيكون أعجب من هذه المهاجرة وهو يذكر أنه قال أبو سعيد - وقد ذكر القيمة - لا أقبلها ولا أعمل بها، فهل ضمير المؤنث راجع إلى القيمة ؟ وهذا ما لا يشك فيه ذو بصر بشئ من مخاطبات الناس، ولكن الهوى يعمي ويصم.\rحدثنا أحمد بن عمر العذري، ثنا عبد الله بن حسين بن عقال، ثنا إبراهيم بن محمد الدينوري، ثنا محمد بن أحمد بن الجهم، ثنا موسى بن إسحاق الانصاري، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الاسود، عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان الناس يعطون زكاة رمضان نصف صاع، فأما إذا وسع الله تعالى على الناس فإني أرى أن يتصدق بصاع.\rفصح بما ذكرنا أن قول ابن عمر وعائشة فعدل الناس بذلك مدين من بر إنما هو على الانكار لفعل من فعل ذلك وبرهان هذا ثبات ابن عمر وعائشة\rعلى صاع صاع، لا على ما ذكروا من عمل الناس، فلو كان عمل الناس عندهما حقا لما وسعهما خلافه، فبطل تمويههم، وبالله تعالى التوفيق.\rمع أن عائشة لم تقل نصف صاع من بر، ولعلها عنت من لا يجد أكثر من","part":7,"page":995},{"id":997,"text":"نصف صاع شعير، إلا أنه لا شك أن ما حكته من فعل الناس في ذلك لم يكن عندها حجة، ولا عملا مرضيا، ولكن كقولها، إذا أمرت هي وأمهات المؤمنين أن يخطر على حجرهن بجنازة سعد، فأنكر الناس ذلك، فقالت: ما أسرع الناس إلى إنكار ما لاعلم لهم به.\rوقالوا: وقد وجدنا مسائل مجمع عليها ولا نص فيها، فصح أنها قياس.\rقال أبو محمد: قد ذكرنا هذه المسألة في باب الاجماع من ديواننا هذا وتكلمنا عليها، وبيناها - بعون الله تعالى - غاية البيان، وأرينا البراهين الضرورية، على أن ذلك لا يجوز البتة، وأنها إنما هي أحوال كانت على عهد رسول الله (ص) فأقر بها وقد علمها.\rومن ذلك القراض، وليس ههنا شئ يقاس عليه جواز القراض، بل القياس يمنع من جوازه، لانه إجازة إلى غير أجل، وعلى غير عمل موصوف، وبأجرة فاسدة، وربما لم يأخذ شيئا فضاع عمله، وربما أخذ قليلا أو كثيرا، وهكذا القول في سائر الاجماعيات من المسائل.\rمع أن قولهم: إنها عن قياس، خبر كاذب، ودعوى بلا دليل، والبرهان قد قام على أن الرسول (ص) قد بين جميع واجبات الاسلام وحلاله وحرامه، فكل ما أجمع عليه فعن الرسول وبيانه بلا شك، هذا هو اليقين، إذ لا يجوز إجماع الناس على شريعة لم يأت بها نص، فبطل أن يكون قياس وبالله تعالى التوفيق.\rواعترضوا ههنا على من أجاب من أصحابنا في هذه المسألة بأن قال: الناس مختلفون في القياس بلا شك، فكيف يجوز أن يجمعوا على ما اختلفوا فيه ؟ وهذا تخليط ظاهر.\rقال أبو محمد: وهذا جواب صحيح عياني، لا مجال للشك فيه، فاعترض بعض أصحاب القياس فيه بأن قال لنا: إنكم تجيزون الاجماع عن سنن كثيرة أتت في أخبار الآحاد، وقد علمتم أن أخبار الآحاد مختلف في قبولها، وهذا هو الذي أنكرتم.\rقال أبو محمد: وهذا تمويه ضعيف منحل ظاهر الانحلال، لاننا لم ندع إجماع الناس على ما اختلفوا عليه من قبول خبر الواحد وإنما قلنا ونقول: إن","part":7,"page":996},{"id":998,"text":"الامة كلها مجمعة على قبول ما قاله رسول الله (ص) لا خلاف بين أحد ممن ينتمي إلى الاسلام في ذلك من جميع الفرق أولها عن آخرها، ثم اختلفوا في الطريق المؤدية إلى معرفة صحة ما قاله رسول الله (ص)، فقلنا نحن: خبر الواحد العدل من جملة ذلك.\rوقال آخرون: ليس من جملة ذلك، ثم تأتي سنن قلنا نحن: صحت عندنا من طريق من الآحاد، وقال من خالفنا، إنما صحت عندنا من طريق التواتر، ولو لم تأت إلا من طريق الآحاد فقط ما أخذنا بها.\rفهذه الصفة النقل هو الذي اتفق الناس كلهم من المسلمين على قبوله، وأجمعوا على الاخذ به، كإجماع الناس على أن في خمس من الابل شاة، وعلى أن فيما سقي بالنضح من القمح والشعير نصف العشر، وسائر ما أجمعوا عليه من آيات النبوة التي جاءت من طريق الكافة، وجاءت أيضا من طريق الآحاد، وليس هكذا أمر القياس الذي ادعوه.\rولكنا لا ننكر أن تأتي مسائل تستوي في حكم القياس على أصولهم، وقد صح بها نص أو إجماع أيضا، فأخذنا نحن بها، لان النص أتى بها، أو لانها إجماع ولم\rنبال وافقت القياس أو خالفته.\rوأيضا فإن من ينكر القياس ينكره على كل حال، وبكل وجه، وفي كل وقت، وليس في فرقة من فرق المسلمين أحد ينكر الخبر جملة، بوجه من الوجوه، بل كلها مجمعة - بلا خلاف - عن أن الديانة لا تعرف إلا بالخبر، وإنما أنكرت طوائف خبر الواحد وقالت بخبر التواتر.\rوقال آخرون بالخبر المشتهر، وقال آخرون بخبر الواحد العدل، فالفرق بين ما أنكرنا وبين ما نظروه به بين واضح، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بإيجاب التحرير على المسئ قالوا: وهذا قياس.\rقال أبو محمد: وهذا من ذلك المرار، ليت شعري على أي شئ قيس التعزير إن كانوا إنما قالوا به قياسا ؟ وأما نحن فإنما قلنا به للنص الوارد في ذلك عن رسول الله (ص): ألا يجلد أحد في غير حد أكثر من عشر جلدات، وأما السجن فإنما هو منع المسجون من الاذى للناس، أو من الفرار بحق لزمه، وهو قادر على أدائه فقط، وهذا وقع تحت قوله تعالى: * (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) * وله حد لا يتجاوز، وهو توبة المسجون وإقلاعه","part":7,"page":997},{"id":999,"text":"أو خروجه عما لزمه من الحق، أو موته إن فعل به ذلك قصاصا.\rواحتجوا أيضا بالتوجه إلى القبلة عند المعاينة، فإذا غبنا عنها فبالاجتهاد.\rقال أبو محمد: وهذا من ذلك التخليط، وليس ههنا شئ قيس عليه ذلك بوجه من الوجوه، ولا هو أيضا موكول إلى الرأي، ولا إلى الاستحسان، ولكنه نص من الله تعالى إذ يقول * (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * فأما وصولنا إلى معرفة جهة القبلة فبالدليل الذي أنكروه علينا، ولم يعرفوا ما هو وظنوه قياسا، وهذه مسألة يلوح فيها، لمن له أدنى حس، الفرق بين الدليل والقياس، لان جهة طلب القبلة ليس قياسا أصلا، ولا ههنا شئ يقاس عليه، ولا هو موكول\rإلى رأي كل إنسان، فيستقبل أي جهة شاء، ولا إلى استحسانه، فصح أنه يتوصل إلى ذلك بدليل ليس رأيا ولا قياسا ولا استحسانا، وإنما كان يكون قياسا إذا خفيت عنا الكعبة توجهنا إلى بيت المقدس قياسا عليها، لانها قد كانت أيضا قبلة، أو إلى المدينة، وهذا كفر من قائله، وهذا نحو قولكم لما حرم البر بالبر نسيئة حرمنا التبن بالتبن نسيئة، وإنما الدليل على جهتها مطالع الكواكب والشمس ومعرفة نسبة العرض من الطول.\rوقالوا أيضا: قد أسقطتم الزكاة عن الثياب، قياسا على سقوطها عن الحمير وتركتم أخذ الزكاة من الثياب بعموم قول الله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * وقوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) *.\rقال أبو محمد: وكذبوا في ذلك ما شاؤوا، ومعاذ الله أن نترك أخذ الزكاة من الثياب قياسا على الحمير، ولكن لما كانت الآيتان المذكورتان لم ينص عزوجل فيهما على مقدار ما يؤخذ في الزكاة، ولا متى يؤخذ، لم يحل لاحد العمل بما لم يبين له، إذ لا يدري أيأخذ الاقل أو الاكثر، أو كل يوم أو كل شهر أو كل سنة أو مرة من الدهر، ووجب عليه طلب بيان الزكاة في نص آخر، فوجدناه (ص) قد قال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام قال هذا في حجة الوداع، بعد نزول: * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * بيقين وبعد نزول * (خذ من أموالهم صدقة) * بيقين لا شك فيه عند أحد من المسلمين، لان هاتين الآيتين نزلتا في صدر الهجرة، فوجب بهذا النص أن لا يؤخذ من مال أحد شئ إلا بنص على ما أخذه","part":7,"page":998},{"id":1000,"text":"باسمه، فما نص (ص) في واجب أخذه في الزكاة وجب قبوله، وما لم ينص على وجوبه فلا يحل أخذه لاحد، فهكذا سقطت الزكاة عن الثياب والعروض كلها على كل حال.\rوأيضا فقد قال (ص): ليس فيما دون خمسة أوسق من حب أو تمر\rصدقة ودون في لغة العرب بمعنى: غير، وبمعنى أقل، قال تعالى: * (من دون الله أولياء) * يريد من غير الله، فوجب بهذا الحديث أن لا يؤخذ شئ من غير التمر والحب إلا ما جاء النص على وجوب أخذه بعينه واسمه وليس حمل لفظه دون على بعض ما تقتضيه أولى من حملها على كل ما تقتضيه.\rوأيضا: فإن سقوط الزكاة عن الثياب المتخذة لغير التجارة إجماع لا خلاف فيه من أحد، والاجماع الانقياد وكان يلزمهم، وهو الموجبون لاستعمال القياس والتدين به، أن يوجبوا الزكاة في الثياب، قياسا على وجوبها في القمح والتمر والذهب والفضة، لان هذا كله موات لا حيوان، فالثياب بالذهب والفضة والقمح والتمر أشبه منها بالحمير، وليت شعري ما الذي أوجب عندهم قياس الثياب على الحمير، دون أن يقيسوها على الغنم والابل، فيوجبوا فيها الزكاة ؟ لان الثياب لا تكون إلا من جلود أو نبات، إلا من شذ كالحرير، وهو أيضا من حيوان، فقياسها على ما هي مأخوذة منه أولى من قياسها على ما لا شبه بينها وبينه.\rهذا إن كان القياس حقا بل ههنا قياس هو أقرب وأشبه على أصولهم، وهو قياس المنتقاة على الثياب المتخذة للتجارة، وكما أوجب المالكيون الزكاة في غير السائمة قياسا على السائمة، وكما قالوا: يجمع بين الذهب والفضة في غير التجارة، كما يجمع بينهما في التجارة وبين سائر العروض المتخذة للتجارة، فبطل تمويههم والحمد لله رب العالمين.\rواحتجوا أيضا بوجوب الزكاة في الذهب، وقالوا: هو قياس على الفضة.\rقال أبو محمد: وهذا في الفساد كالذي قبله، لان الخبر في زكاة الذهب ووجوب","part":7,"page":999},{"id":1001,"text":"حق الله تعالى فيه، أشهر من أن يجهله ذو علم بالآثار، ثم اختلف العلماء فقالت طائفة: بيان المأخوذ منه مرجوع فيه إلى الاجماع، إذ لم يصح فيه أثر فما أجمع المسلمون على وجوب تزكيته من الذهب قلنا به، وما اختلفوا فيه لم نوجبه إلا بنص،\rوما اتفقوا فيه ثم اختلفوا لم نزل عن إجماعهم إلا بنص وبالله التوفيق.\rوقالت طائفة: بل في المقدار الذي يجب فيه الزكاة من المذهب نص صحيح، فالواجب الوقوف عنده بهذا نقول: واحتجوا أيضا بتسويتنا في حديث عتق الشقص واشتراط مال العبد، بأننا سوينا بين العبد والامة في ذلك، وهذا خطأ، بل النص قد جاء في ذلك بلفظ مملوك، وهذا اسم يقع على الامة كوقوعه على العبد.\rوأيضا: فإن لفظة العبد واقعة على الجنس، وقولنا عبيد يقع على الذكور والاناث، لانك تقول: عبد وعبدة بلا خوف من أهل اللغة، ولهم علينا في خاصتنا اعتراض ننبه عليه، وهو: أن أصحابنا لا يجوزون المزارعة، ونحن نجيزها، وهذا الاعتراض علينا على أصحابنا في المساقاة، فإنهم يقولون إن الشروط فاسدة بقوله (ص): كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل فأنتم إذا أجزتم المساقاة والمزارعة على النصف فكلم مقال.\rلفعله (ص) في خيبر، فلم أجتموها بالثلث والربع ؟ وقد جاء النهي نصا عن ذلك، فهل هذا إلا قياس الثلث والربع على النصف ؟.\rقال أبو محمد: ومعاذ الله أن نقول قياسا، وما قلنا ذلك اتباعا للاجماع، فإن الامة كلها، بلا خلاف من أحد منها، مساوية بين النصف وبين سائر الاجزاء يقينا، فمن مانع من كل ذلك، قاطع على أن حكم كل ذلك سواء، مبيح لكل ذلك، قاطع على أن كل ذلك سواء، فقد صح الاجماع يقينا على أن حكم النصف وسائر الاجزاء سواء، ثم وجدنا النص قد جاء بالمساقاة والمزارع على النصف، فوجب القول به، وصح بالاجماع أن حكم سائر الاجزاء كحكم النصف، والنصف حلال، فسائر الاجزاء حلال، وهذا برهان متيقن، لا يجوز خلافه.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا: فإن المتعاقدين على النصف والنصف، فقد تعاقدا على ما دون النصف","part":7,"page":1000},{"id":1002,"text":"بدخول ذلك في النصف، فإذا اقتصر أحدهما على بعض ماله أن يعاقد عليه مع سائره فذلك جائز له بالنص المجيز له أن يعاقد على ما دون النصف مع قوله تعالى: * (ولا تنسوا الفضل بينكم) * فتجافيه عن بعض ماله أن يشترطه فضل منه.\rواحتجوا بقيم المتلفات ومهر المثل، ومقدار المتعة والنفقات، وإن كل ذلك لا نص فيه، قالوا: فوجب الرجوع إلى القياس.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه البتة، ولا للقياس هنا مدخل أصلا لانه ليس ههنا شئ آخر منصوص عليه يقيسون عليه هذه الاشياء، وهذا هو القياس عندهم، فبطل تمويههم، إن هذا القياس، وما هو إلا نص جلي، لا داخلة فيه، وهو قول الله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * فهل في البيان أكثر من هذا ؟ وهل هذا إلا نص على كل قصة وجب فيها ضمان المثل ؟.\rفأي معنى للقياس فيمن أتلف الآخر ثوبا قيمته دينار فقضى عليه بثوب مثله، فإن لم يوجد فمثله من القيمة في سوق البلد الذي وقع فيه الغصب، أو الذي وقع فيه الحكم ؟.\rوكذلك امرأة وجب لها مهر مثلها بالنص، فعلم مقدار ما تطيب به نفس مثلها في المعهود الذي أحالنا الله تعالى عليه على لسان نبيه (ص).\rوكذلك نص الرسول (ص) على أن للازواج والاقارب والمماليك النفقة والكسوة بالمعروف، وساوى في ذلك بين الاقارب وبين من ذكرنا وأحالنا على المعروف، والمعروف هو غير المنكر، فهو ما تعارفه الناس في نفقات من ذكرنا، وما فيه مصالحهم من كسوة معروفة لامثالهم، وإسكان وغير ذلك، مما لا قوام للمعاش إلا به، مما لا جوع فيه ولا عري ولا عطش ولا برد، ولا شهرة\rولا اتضاع، ولا إسراف ولا تبذير، ولا تقصير ولا تقتير، فهذا هو المنكر، وضده هو المعروف، فأين القياس ههنا ؟ وعلى أي شئ قاسوا ما ذكرنا فإذ ليس ههنا شئ يقاس عليه ما ذكرنا البتة فقد بطل أن يكون قياسا، وبطل تمويههم في ذلك.\rواحتجوا أيضا بأروش الجراحات والجنايات والديات.\rقال أبو محمد: وهذا في التمويه كالذي قبله، وقولنا في ذلك: إن كل ما أوجبه من ذلك نص وقف عنده، وما لم يوجبه نص فهو ساقط لا يقضى به للنص الوارد:","part":7,"page":1001},{"id":1003,"text":"إن دماءنا وأموالنا علينا حرام، وما تيقن أنه أجمع عليه واختلف في مقداره: وجب من ذلك أقل ما قيل فقط، وما عدا ذلك فتحكم في الدين لا يحل.\rوأي شئ في معرفة مقدار شبع الناس في الجمهور في أقواتهم في ذلك البلد، مما يكون فيه للقياس معنى، وكذلك ما اتفقوا على وجوبه في المتعة، وهل شئ من هذا يوجب تحريم البلوط بالبلوط متفاضلا، إن انطلاق اللسان بمثل هذا لعظيم، ونعوذ بالله من نصر الباطل والتمادي عليه.\rفهذا كل ما احتجوا به من دلائل الاجماع، فقد بينا بحول الله وقوته أنه عائد عليهم، ومبطل للقياس، والحمد لله كثيرا كما هو أهله.\rواحتجوا أيضا بأحاديث وردت عن الصحابة رضي الله عنهم، كرسالة منسوبة إلى عمر رضي الله عنه، ذكروا أنه كتب بها إلى أبي موسى، وكقول ابن عباس: ولا أرى كل شئ إلا مثله، ولو لم يعتبروا ذلك إلا بالاصابع، أرأيت من ادهن، وعن سعد: أينقض الرطب إذا يبس، وعن معمر بن عبد الله أخشى أن يضارع، وعن أبي سعيد، فأيما أولى، التمر أو الورق، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا سكر هذى، وعن علي وزيد في الجد، وعن علي: لو كان هذا كان رسول الله (ص) قاتل حمزة.\rوعن ابن عباس: قد أمر الله بالتحكيم بين الزوجين،\rوفي أرنب قيمتها ربع درهم، وعن علي في احتجاجه بمحو اسمه من الصحيفة، بمحو النبي (ص) اسمه يوم الحديبية من الصحابة، وعن علي وعمر في قتل الجماعة بالواحد، وبالقطع في السرقة.\rقال أبو محمد: هذا كل ما يحضرنا ذكره مما يمكنهم أن يتعلقوا به، ونحن إن شاء الله تعالى، نذكر كل ما يحضرنا ذكر كل ذلك بأسانيده، ونبين، بعون الله عزوجل، أنه لا حجة لهم في شئ منه لو صح، فكيف وأكثر ذلك لا يصح.\rفأما رسالة عمر، فحدثنا بها أحمد بن عمر العذري، نا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي، ثنا أبو سعيد الخليل بن أحمد القاضي السجستاني، نا يحيى بن محمد بن صاعد، نا يوسف","part":7,"page":1002},{"id":1004,"text":"بن موسى القطان، نا عبيد الله بن موسى، نا عبيد الله بن موسى، نا عبد الملك بن الوليد بن معدان، عن أبيه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الاشعري - فذكر الرسالة وفيها: الفهم الفهم، يعني فيما يتلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الامثال والاشكال، فقس الامور عند ذلك، ثم اعمد إلى أشبهها بالحق، وأقربها إلى الله عزوجل، وذكر باقي الرسالة.\rوحدثناها أحمد بن عمر، نا عبد الرحمن بن الحسن الشافعي، نا القاضي أحمد بن محمد الكرخي، نا محمد بن عبد الله العلاف، نا أحمد بن علي بن محمد الوراق، نا عبد الله بن سعد، نا أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نا سفيان، عن إدريس بن يزيد الاودي، عن سعيد بن أبي موسى الاشعري بن أبي بردى عن أبيه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى، فذكر الرسالة وفيها، الفهم فيما يتلجلج في نفسك مما ليس في الكتاب ولا السنة، ثم قس الامور بعضها ببعض، ثم انظر أشبهها بالحق وأحبها إلى الله تعالى فاعمل به.\rوفيها أيضا: المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجريا عليه شهادة زور، أو ظنينا\rفي ولاء أو قرابة وذكر باقيها.\rقال أبو محمد: وهذا لا يصح، لان السند الاول فيه عبد الملك بن الوليد بن معدان، وهو كوفي متروك الحديث ساقط بلا خلاف، وأبوه مجهول، وأما السند الثاني فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهولون، وهو أيضا منقطع، فبطل القول به جملة.\rويكفي من هذا أنه لا حجة في قول أحد دون النبي (ص)، وكم قصة خالفوا فيها عمر.\rوأيضا: فلا يخلو من أن تكون صحيحة أو غير صحيحة، فإن كانت غير صحيحة، فهو قولنا ولا حجة علينا فيها، وإن كانت صحيحة تقوم بها الحجة، فقد خالف أبو حنيفة ومالك والشافعي والحاضرون من خصومنا المحتجين بها، ما فيها،","part":7,"page":1003},{"id":1005,"text":"فأجازوا شهادة المجلود في الخمر والزنى إذا تاب.\rوأجاز مالك والشافعي شهادة المجلود في حد القذف إذا تاب، وهذا خلاف ما في رسالة عمر، وإن ادعوا إجماعا كذبهم الاوزاعي، فإنه لا يجيز شهادة مجلود في شئ من الحدود أصلا، كما في رسالة عمر التي صححوا.\rوأجازوا شهادة الاخ لاخيه، والمولى لذي ولائه، ولم يجعلوهما ظنينين في ولاء وقرابة، وردوا شهادة الاب العدل لابنه، وجعلوه ظنين في قرابة، وليس إجماعا، لان عثمان البتي وغيره يجيز شهادته له، وردوا شهادة العبد وهو مسلم.\rوكل هذا خلاف ما في رسالة عمر، ومن الباطل المحال أن تكون حجة علينا في القياس، ولا تكون حجة عليهم فيما خالفوها فيه، ويكفي في هذا إقرارهم بأنها حق وحجة، ثم خلافهم ما فيها، فقد أقروا بأنهم خالفوا الجن والحجة، ونحن لا نقر بها.\rولله الحمد.\rوالصحيح عن عمر غير هذا من إنكار القياس، مما سنذكره في هذا الباب\rإن شاء الله تعالى.\rوأما الرسالة التي تصح عن عمر فهي غير هذه، وهي التي حدثنا بها عبد الله بن ربيع التميمي، نا محمد بن معاوية المرواني، نا أحمد بن شعيب النسائي، نا محمد بن بشار، نا أبو عامر العقدي، نا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله، فكتب إليه عمر: أن اقض بما في كتاب الله تعالى، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة رسول الله (ص) فإن لم يكن في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله (ص) فاقض بما قضى الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله، ولم يقض به الصالحون، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك، والسلام.\rقال أبو محمد: وهذا ترك الحكم بالقياس جملة، واختيار عمر لترك الحكم إذا لم يجد المرء تلك النازلة في كتاب ولا سنة ولا إجماع، فسقطت الرواية عن عمر في الامر بالقياس، لسقوط راويها.\rولوجه ثان ضروري مبين لكذب تلك الرسالة، وأنها موضوعة بلا شك، وهو اللفظ الذي فيها، ثم اعمد لاشبهها بالحق","part":7,"page":1004},{"id":1006,"text":"وأقربها إلى الله عزوجل، وأحبها إليه تعالى فاقض به.\rقال أبو محمد: وهذا باطل موضوع: وما يدري القايس إذا شبهت الوجوه أيها أحب إلى الله عزوجل، أو أيها أقرب إليه ؟ وهذا ما يقطعون به، ولا يقطع به أحد له حظ من علم.\rثم قوله: اعمد إلى أشبهها بالحق، ولا نعلم إلا حقا أو باطلا، فما أشبه الحق فلا يخلو من أن يكون حقا أو باطلا، فالباطل لا يحل الحكم به، وإن كان حقا فلا يجوز أن يقال في الحق إنه أشبه طبقته ونظرائه بالحق، ولكن يقال في الحق إنه حق بلا شك، ولا يجوز أن يقال فيه يشبه الحق، فصح أن\rالقياس باطل بلا شك، وبطلت تلك الرسالة بلا شك.\rوبالله تعالى التوفيق.\rفإن قال قائل: افتقطعون في خبر الواحد العدل أنه حق إذا قضيتم به أم تقولون: إنه باطل، أم تقولون: إنه يشبه الحق، وهذا نفس ما دخلتم علينا ؟.\rقال أبو محمد: والجواب، وبالله التوفيق: إن خبر الواحد العدل المتصل، وشهادة العدلين حق عند الله عزوجل، مقطوع به، إلا أننا نحن نقول: إن كل خبر صح مسندا بنقل من اتفق على عدالته، فهو حق عند الله، بخلاف الشهادات، وقال غيرنا: إن كل شخص من أشخاص الاخبار وأشخاص الشهادات، إما حق عند الله فهو حق مطلق، وإما باطل عند الله فهو باطل مطلق.\rولا يجوز أن يقال: إنه يشبه الحق، ولا إنه أشبه بالحق من غيره، ولسنا نوقفهم في هذه المراجعة على مذهبهم في أشخاص القياس، وإنما نتكلم على ما رووا عن عمر من لفظ، أشبهها بالحق، فعلى هذه اللفظة تكلمنا، وفسادها بينا لنرى بعون الله كذب الرواية في ذلك عن عمر.\rوأما: ولا أحسب كل شئ إلا مثله فحدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد الاشقر، ثنا أحمد بن علي القلانسي، ثنا مسلم، ثنا قتيبة، ثنا حماد - وهو ابن زيد - عن عمر بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس ان رسول الله (ص) قال: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه قال ابن عباس: واحسب كل شئ مثله.","part":7,"page":1005},{"id":1007,"text":"قال أبو محمد: ولا حجة لهم في هذا، لان كثيرا من أصحاب القياس لا يقولون بهذا، ولا يرون غير الطعام داخلا في حكم الطعام في ذلك، بل يرون ما عدا الطعام جائز بيعه قبل أن يستوفى، وهذا قول المالكيين، فمن المحال أن يحتج امرؤ وأيضا فإن ابن عباس لم يقطع بصحة ظنه بشئ يقر أنه خطأ لا يجوز أن يؤخذ به.\rوأيضا فإن ابن عباس لم يقطع بصحة ظنه في ذلك، وانما أخبر أنه يحسب كل شئ مثل الطعام في ذلك، وهذا هو الذي قلنا\rعنهم رضي الله عنهم: إنهم لا يقطعون برأيهم فيما رأوه، وإنما هو ظن لا يثبتونه دينا، وليس حكم القياس عند القائلين به من باب الحسبان الذي ذكره ابن عباس في هذا الحديث، فصح يقينا أنه لا مدخل للقياس في هذا الحديث، فاحتجاجهم به باطل، وبالله تعالى التوفيق.\rوأما: لو لم تعتبروا ذلك إلا بالاصابع فحدثناه حمام بن أحمد، ثنا محمد بن أبن مفرج، ثنا ابن الاعرابي، ثنا أبو يعقوب الدبري، ثنا عبد الرزاق، ثنا مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان، أن مروان أرسله إلى ابن عباس يسأله: ماذا جعل في الضرس، قال: فيه خمس من الابل، قال: فردني إلى ابن عباس: فقال: أتجعل مقدم الفم مثل الاضراس، فقال ابن عباس: لو أنك لا تعتبر ذلك إلا بالاصابع عقلها سواء.\rقال أبو محمد وهذا لا مدخل للقياس فيه البتة، بل هو إبطال للتعليل جملة، لان مروان علل الدية بأنها عرض من العضو المصاب، فينبغي أن تكون دية العضو الافضل أكثر، وهذه هي علل أصحاب القياس على الحقيقة، فأراه ابن عباس بطلان هذا، وتناقضه في قوله: بأن الاصابع منافعها متفاضلة، وديتها سواء.\rوهذا إبطال العلل على الحقيقة وفي إبطال العلل إبطال للقياس، إذ لا قياس إلا على علة جامعة عند حذاق القائلين به، فهذا الحديث مبطل للقياس كما ذكرنا، وراد إلى النص، وألا يتعقب بتعليل، وبالله تعالى التوفيق، وبرهان واضح فيما ذكرنا هو أن القياس بلا خلاف، إنما هو أن يحكم لما نص فيه بالحكم فيما نص، أو فيما اختلف فيه بالحكم فيما اجتمع عليه، وليس في الاصابع إجماع، فيقاس عليه الاضراس، بل الخلاف موجود فيها كما هو في الاضراس، وليس في الاصابع نص دون الاضراس، بل النص فيهما جميعا، فبطل أن تكون الاصابع أصلا يقاس عليه الاضراس.","part":7,"page":1006},{"id":1008,"text":"فأما الخلاف في كل ذلك فكما حدثنا حمام بن أحمد، ثنا ابن مفرج، ثنا ابن الاعرابي، ثنا الديري، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، أخبرني يحيى بن سعيد - هو الانصاري - قال: قال ابن المسيب قضى عمر بن الخطاب فيما أقبل من الفم أعلى الفم وأسفله خمس قلانص، وفي الاضراس بعير بعير.\rوقال عبد الرزاق أيضا: عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب جعل في الابهام خمس عشرة، وفي السبابة والوسطى عشرا عشرا، وفي البنصر تسعا، وفي الخنصر سبعا.\rفبطل أن يكون ههنا إجماع في الاصابع يقاس عليه أمر الاسنان والاضراس.\rوأما النص فإن عبد الله بن ربيع ثنا قال: حدثنا عمر بن عبد الملك، ثنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود السجستاني، ثنا عباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث التنوري، ثنا شعبة، حدثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله (ص) قال: الاصابع سواء والاسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء.\rفصح أن النص عند ابن عباس في الاضراس، كما هو في الاصابع، بأصح إسناد وأجوده، وشعبة لم يسمع قتادة حديثا إلا فقه على سماعه، إلا حديثا واحدا في الصلاة، فبطل أن يكون ابن عباس أراد بقوله: ولو لم تعتبروا ذلك، بالاصابع، قياسا البتة، وبالله تعالى التوفيق.\rنعم: قد روى التسوية أيضا بين الاضراس والاسنان، وبين الاصابع، عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده مسندا: وفي كتاب عمرو بن حزم أيضا فبطل ما ظنوه بيقين، والحمد لله رب العالمين.\rوأما: أرأيت لو ادهن فحدثناه حمام بن أحمد، حدثنا ابن مفرج، حدثنا ابن الاعرابي، حدثنا الديري، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن جعفر بن يرقان","part":7,"page":1007},{"id":1009,"text":"قال: كان أبو هريرة يتوضأ مما مست النار، فبلغ ذلك ابن عباس، فأرسل إليه: أرأيت لو أخذت دهنة طيبة فدهنت بها لحيتي أكنت متوضئا ؟ قال أبو هريرة: يا ابن أخي، إذا حدثت بالحديث عن النبي (ص) فلا تضرب له الامثال جدلا.\rقال أبو محمد: وليس ههنا للقياس مدخل البتة بوجه من الوجوه، وابن عباس قد روى عن النبي (ص) أنه شاهده أكل شيئا مما مست النار فلم يتوضأ، وهذا الحديث عنه مشهور، فلم يترك ابن عباس الوضوء مما مست النار قياسا، لكن اتباعا للنص، وإنما عارض أبا هريرة بأمر الدهن في هذا الحديث ليعلم: أيطرد أبو هريرة قوله، أم لا يرى الوضوء من الدهن فقط، فإنما هو استفهام عن مذهب أبي هريرة في الدهن: أيوجب الوضوء أم لا ؟ ليس في هذا الحديث شئ غير هذا البتة، ولكن في قول أبي هريرة: إذا حدثت بالحديث عن النبي (ص) فلا تضرب له الامثال جدلا، إبطال صحيح للقياس، لان القياس ضرب أمثال في الدين لم يأذن بها الله تعالى.\rوقد نهى أبو هريرة عن ذلك، وأمره باتباع الحديث والتسليم له، فهذا الحديث عليهم لا لهم، والصحيح عن ابن عباس إبطال القياس، على ما ذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى.\rوأما: أينقص الرطب إذا يبس فحدثناه أحمد بن محمد الجسور، نا أحمد ابن سعيد بن حزم، نا عبيد الله بن يحيى، نا أبي عن مالك بن أنس، عن عبد الله ابن زيد، أن زيدا أبا عياش أخبره: أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت.\rقال له سعد: أيتهما أفضل ؟ فقال: البيضاء، فنهاه عن ذلك، وقال: سمعت رسول الله (ص) يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال (ص): أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا: نعم فنهاه عن ذلك.","part":7,"page":1008},{"id":1010,"text":"قال أبو محمد: فأول هذا إن هذا خبر لا يصح، لان زيدا أبا عياش مجهول، فارتفع الكلام فيه، وأيضا فلو صح لما كانت لهم فيه حجة، لان جميع أصحاب القياس، أولهم عن آخرهم، لا يرون هذا قياسا ولا يمنعون من البيضاء بالسلت فمحال أن يحتج قوم بما لا يقولون به.\rوأيضا فإن هذا ليس قياسا عند القائلين به، لانه تنظير للافضل بما ينقص إذا يبس، وهذا ليس شبها البتة، عند من يقول بالقياس، فسقط تعلقهم بهذا الاثر، والحمد لله رب العالمين.\rوأما: أخاف أن يضارع فحدثناه عبد الله بن يوسف بن نامي، نا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم، حدثني أبو الطاهر، أخبرني ابن وهب، عن عمرو بن الحارث أن أبا النضر حدثه أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبد الله: أنه أرسل غلامه بصاع قمح، فقال: بعه ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك.\rفقال له معمر: لم فعلت ذلك ؟ انطلق فرده، ولا تأخذ إلا مثلا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله (ص) يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير، فقيل: إنه ليس بمثله ؟ قال: إني أخاف أن يضارع.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه أصلا، وإنما هو تورع من معمر بن عبد الله، لا إيجاب، ولا أنه قطع بذلك.\rوبيان ذلك: إخبار معمر بأنه يخاف أن يضارع، ولم يقطع بأنه يضارع، وأيضا فإن الحنفيين والشافعيين لا يقولون بهذا، وهم يجيزون القمح بالشعير متفاضلا، فلا وجه لاحتجاج المرء بما لا يراه صحيحا، ولا ممن يخطئ ويصيب ممن لا يلزم اتباعه.\rولعل من جهل يظن أن احتجاجنا بمن دون النبي (ص) هو أننا نرى من دونه (ص) حجة لازمة، فليعلم من ظن ذلك أن ظنه كذب، وأننا لا نورد قولا عمن دون النبي (ص) إلا على أحد وجهين لا ثالث لهما: إما\rخوف جاهل يدعي علينا خلاف الاجماع، فنريه كذبه، وفساد ظنونه، وأنه","part":7,"page":1009},{"id":1011,"text":"لا إجماع فيما ظن فيه إجماعا، وإما لنرى من يحتج بمن دون النبي (ص) أن الذي يحتج به مخالف له، فنوقفه على تناقضا في أنه يخالف من يراه حجة.\rحاشا موضعا واحدا، وهو حكم الحكمين بجزاء الصيد، فإننا نورده احتجاجا به، لقول الله تعالى: * (يحكم به ذوا عدل منكم) * فألزمنا الله عزوجل قبول العدلين ههنا، فنحن نورد قول العدلين من السلف رضي الله عنهم، احتجاجا بقولهما، لان الله تعالى أوجب ذلك.\rوأما حديث: أيما أولى ؟ فحدثناها بن نامي، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب ابن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الاعلى، أنا داود، عن أبي نضر قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا، فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري، إذ جاءه رجل فسأله عن الصرف فقال: مزاد فهو ربا.\rفأنكرت ذلك لقولهما.\rفقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله (ص): جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر جنيب، وكان تمر النبي (ص) غير هذا اللون، فقال النبي (ص): أنى لك هذا ؟ قال: انطلقت بصاعين واشتريت به هذا الصاع، فإن سعر هذا في السوق كذا وسعر هذا كذا، فقال رسول الله (ص): ويلك أرأيت إذا أردت ذلك فبع تمرا بسلعة ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أما الفضة بالفضة ؟.\rقال أبو محمد: وهذا ليس قياسا، لان النهي عن التفاضل في الفضة بالفضة عند أبي سعيد الخدري، عن النبي (ص)، كما روينا وبالسند المذكور إلى مسلم: حدثنا محمد بن رمح: ثنا الليث بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر قال: ذهب ابن عمر وأنا معه حتى دخل على أبي سعيد الخدري، فذكر سؤال ابن عمر لابي سعيد عن\rالصرف، فقال - أبو سعيد - وأشار بأصبعه إلى عينيه وأذنيه - فقال: أبصرت عيناي، وسمعت أذناي، رسول الله (ص) يقول: لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تفشوا بعضه على بعض وذكر الحديث.","part":7,"page":1010},{"id":1012,"text":"وبه إلى مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، نا إسماعيل بن مسلم العبدي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح - مثلا بمثل فمن زاد واستزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء.\rقال أبو محمد: فمن المحال البين أن يكون نهى النبي (ص) عن الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل عند أبي سعيد سماعا من لفظ النبي (ص)، ويعول في تحريمه على القياس.\rفصح أن هذا الاثر لا مدخل للقياس فيه أصلا، لان القياس عند القائلين به، إنما هو: حكم في شئ ولا نص فيه، على نحو الحكم في نظيره، مما جاء فيه النص، والنص عند أبي سعيد مسموع في الفضة بالفضة، كما هو في التمر بالتمر، فبطل ضرورة إقرار أصحاب القياس أن يكون أحد الامرين عنده قياسا على الآخر.\rفإن قيل: فما وجه قول أبي سعيد إذن هو القول، فنقول وبالله تعالى التوفيق: إننا لا نشك أن أبا نضرة مسخ لفظ أبي سعيد، وحذف منه ما لا يقوم المعنى إلا به.\rكما فعل في صدر هذا الحديث نفسه، من قوله: سألت ابن عباس وابن عمر عن الصرف فلم يريا به بأسا، وهذا كلام مطموس، لان الصرف لا بأس به عند كل أحد من الامة، إذا كان على ما جاء به النص، من التماثل والتعاقد في الفضة بالفضة وفي الذهب بالذهب، ومن التفاضل والتناقد في الذهب بالفضة، فطمس أبو نضرة كل هذا.\rوكذلك فعل بلا شك في كلام أبي سعيد، ويجوز\rغير هذا أصلا، إذ من الباطل أن يروي من هو أوثق من أبي نضرة، عن أبي سعيد أنه سمع النبي (ص) يوجب أن التفاضل في الفضة بالفضة ربا، ثم لا يعول أبو سعيد في تحريم ذلك إلا على تحريم التمر بالتمر متفاضلا، هذا ما لا يدخل في عقل أحد.\rوجميع أصحاب القياس لا يجوزون هذا القياس، ولا يدخلون الصفر بالصفر، قياسا على الربا في التمر بالتمر، فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة والحمد لله رب العالمين، وبالله تعالى نعتصم.\rوأما: سكر هذى فحدثناه حمام بن أحمد، ثنا ابن مفرج، ثنا ابن الاعرابي، ثنا الدبري، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، أن عمر بن","part":7,"page":1011},{"id":1013,"text":"الخطاب شاور الناس في حد الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها واجترؤوا عليها، فقال له علي: إن السكران إذا سكر هذى، وهذى افترى، فاجعله حد الفرية فجعله عمر حد الفرية ثمانين.\rوحدثناه أيضا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا أحمد بن سعيد بن حزم، ثنا عبيد الله بن يحيى بن يحيى، ثنا أبي، ثنا مالك، عن ثور بن زيد الديلي: أن عمر ابن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن نجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، أو كما قال، فجلد عمر في الخمر ثمانين.\rحدثناه محمد بن سعيد بن نبات، ثنا عبد الله بن نصر، نا قاسم بن أصبغ، ثنا ابن وضاح، نا موسى بن معاوية، نا وكيع، نا ابن أبي خالد، عن عامر الشعبي قال: استشارهم عمر في الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: هذا رجل افترى على القرآن رأى أن تجلده ثمانين.\rحدثنا عبد الله بن ربيع التميمي، نا عبد الله بن محمد بن عثمان الاسدي، ثنا أحمد\rابن خالد، نا عبد الله بن عبد العزيز، نا الحجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثا: إن ناسا من أصحاب رسول الله (ص) شربوا الخمر بالشام، وإن يزيد بن أبى سفيان كتب فيهم إلى عمر، فذكر الحديث، وفيه: إنهم احتجوا على عمر بقول الله تعالى: * (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) *.\rفشاور فيهم الناس، فقال لعلي: ماذا ترى ؟ فقال: أرى قد شرعوا في دين الله تعالى ما لم يأذن به الله تعالى، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، فإنهم قد أحلوا ما حرم الله، وإن","part":7,"page":1012},{"id":1014,"text":"زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين، فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبر الله تعالى بحد ما يفتري به بعضنا على بعض.\rحدثنا عبد الله بن ربيع، نا محمد بن معاوية، نا أحمد بن شعيب، نا محمد بن عبد الله ابن عبد الرحيم البرقي، ثنا سعيد بن عفير، ثنا يحيى بن فليح بن سليمان المدني، عن ثور ابن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن الشراب كانوا يضربون في عهد رسول الله (ص) بالايدي والنعال والعصي، حتى توفي رسول الله (ص) فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله (ص) فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حدا، فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد رسول الله (ص)، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر فجلدهم كذلك أربعين، حتى أتي برجل من المهاجرين الاولين قد شرب، فأمر به أن يجلد، فقال: لم تجلدني، بيني وبينك كتاب الله ؟ فقال عمر: وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك ؟ قال له: إن الله تعالى يقول في كتابه: * (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) *، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله (ص) بدرا وأحدا والخندق والمشاهد.\rفقال عمر:\rألا تردون عليه ما يقول ؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين، وحجة على الباقين، فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن يحرم عليهم الخمر، وحجة على الباقين، لان الله تعالى يقول: * (يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان) *، ثم قرأ الاخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا) * فإن الله نهاه أن يشرب الخمر.\rفقال عمر: صدقت فما ترون ؟ فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر به عمر فجلد ثمانين.","part":7,"page":1013},{"id":1015,"text":"قال محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وحدثنا سعيد بن أبي مريم، أنا يحيى ابن فليح بن سليمان، حدثني ثور بن زيد الديلمي، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر هذا الحديث، وفي آخر: ثم سأل من عنده عن الحد فيها ؟ فقال علي بن أبي طالب: إنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، فاجلده ثمانين فجلده عمر ثمانين.\rحدثنا حمام، نا عباس بن أصبغ، نا محمد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، نا يوسف بن سليمان، نا حاتم بن إسماعيل، نا أسامة ابن زيد، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن أزهر قال: رأيت رسول الله (ص)، يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران، فأمر من كان عنده فضربوه بما كان في أيديهم، وحث رسول الله (ص) التراب عليه، ثم إن أبا بكر أتي بسكران فتوخى الذي كان يومئذ من ضربهم: فضرب أربعين، ثم ضرب عمر أربعين.\rقال ابن شهاب: ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن وبرة الكلبي قال: بعثني خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته وعنده علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، متكئون معه في المسجد، فقلت له: إن خالد\rابن الوليد يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن الناس انتهكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة، فما ترى ؟ فقال عمر: هم هؤلاء عندك، قال: فقال علي: أراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون، فأجمعوا على ذلك.\rفقال عمر: بلغ صاحبك ما قالوا، فضرب خالد ثمانين، وضرب عمر ثمانين.\rقال: وكان عمر إذا أتي بالرجل القوي المنهمك في الشراب ضربه ثمانين، وإذا أتي بالرجل الذي كان منه زلة الضعيف ضربه أربعين، وفعل ذلك عثمان أربعين وثمانين.\rقال أبو محمد: فهذا كل ما ورد في ذلك قد تقصيناه وكله ساقط لا حجة فيه مضطرب ينقض بعضه بعضا.\rأما الآثار التي صدرنا بها من طريق الثقات: أيوب ومالك والشعبي ومحارب ابن دثار فمرسلات كلها، لا يدري عمن هي في أصلها، فسقط الاحتجاج بها.\rوأما المتصلان فمن طريق يحيى بن فليح بن سليمان، وهو مجهول البتة، والحجة","part":7,"page":1014},{"id":1016,"text":"لا تقوم بمجهول، وأبو فليج متكلم فيه مضعف، والثاني عن أسامة بن زيد وهو ضعيف بالجملة، فسقط كل ما في هذا الباب، مع أنه لو صح هذان الاثران المتصلان لكان حجة عليهم قاطعة، لان في رواية يحيى بن فليح أن أبا بكر فرض الحد في الخمر أربعين، فلو جاز لعمر أن يزيد على ما فرض أبو بكر، لمن بعد عمر أن يزيد ويحيل الحد الذي فرض عمر، أو يسقط منه، ولا فرق، فإن لم يكن فرض أبي بكر بحضرة جميع الصحابة حجة، وعمر وغيره بالحضرة، وفي أقل من هذا يزعمون أنه إجماع، ففرض عمر، وقد مات كثير من الصحابة قبل ذلك الفرض، أحرى ألا يكون حجة، وهذا على أقوالهم إجازة لمخالفة.\rوفي هذا ما فيه، وأن من يرى ما في هذا الخبر من فعل أبي بكر بحضرة الصحابة إجماعا، ثم يرى رسالة مكذوبة من عمر إلى الاشعري إجماع، لمنحرف عن الحق.\rوأما الذي من طريق أسامة بن زيد، ففيه بيان جلي، على أن عمر لم يجعل ذلك فرضا واجبا، وأنه إنما كان منه تعزيرا، وذلك أنه ذكر فيه إذا أتي بالمنهمك في الشراب جلده ثمانين جلدة، وإذا أتي بالذي كانت منفي ذلك زلة الضعيف جلده أربعين، وأن عثمان أيضا جلد أربعين وثمانين فباليقين يعلم كل ذي عقل أنه لو كانت الثمانون فرضا لما جاز أن يحال في بعض الاوقات، فسقط احتجاجهم بالجملة، وعاد عليهم مسقطا لقولهم، فكيف ولا يصح من ذلك كله شئ.\rوقد نزه الله عزوجل عليا رضي الله عنه عن هذا الكلام الساقط الغث الذي ليس وراءه مرمى في السقوط والهجنة، لوجوه: أحدها أنه لا يحل لمسلم أن يظن أن عمر وعليا يضعان شريعة في الاسلام لم يأت بها النبي (ص)، ولكانا في ذلك كالذين أنكرا عليهم في الحديث نفسه أنهم شرعوا ما لم يأذن به الله تعالى، فمن المحال أن ينكر على علي من شرع في الدين ما لم يأذن به الله تعالى، ويشرع هو في الحين نفسه شريعة لم يأذن بها الله تعالى، وهذا ما لا يظنه بعلي ذو عقل ودين، ولا فرق بين وضع حد في الخمر، وبين إسقاط حد الزنى أو الزيادة فيه، أو إسقاط ركعة من الظهر، أو زيادة فيها، أو فرض صلاة غير الصلوات","part":7,"page":1015},{"id":1017,"text":"المعهودة، أو وضع حد مفترض في أكل الربا، وكل هذا كفر ممن أجازه.\rثم المشهور عن علي: رضي الله عنه بالسند الصحيح، أنه جلد الوليد بن عقبة في الخمر أربعين، في أيام عثمان رضي الله عنه، فبطل يقينا أن يكون يرى الحد ثمانين، ويجلد هو أربعين فقط، وهذا الحديث يكذب كل ما عن علي بخلافه.\rوأيضا فليس كل من يشرب الخمر يسكر، وشارب الجرعة لا يسكر، والحد عليه، ولا كل من يسكر يهذي، ففي الناس كثير يغلب عليهم السكون حينئذ، نعم وذكر الله تعالى الآخرة والبكاء والدعاء والتأدب الزائد، ولا كل من\rيهذي يفتري، فالمبرسم يهذي ولا يفتري، ولا كل من يفتري يلزمه الحد، فقد يفتري المجنون والنائم، فلا يحدان، فوضح أن هذا الكلام المنسوب إلى علي، وقد نزهه الله تعالى عنه، من الكذب في منزله ينزه عنها كل ذي عقل فكيف مثله رحمة الله عليه.\rوأيضا، فإن كان يجلد لفرية لم يفترها بعد، فهذا ظلم بإجماع الامة، ولا خلاف بين اثنين أنه لا يحل لاحد أن يؤاخذ مسلما أو ذميا بما لم يفعل، ولا أن يقدم إليه عقوبة معجلة لذنب لم يفعله، عسى أن يفعله، أو عسى ألا يفعله، وإنما عندنا هذا من فعل ظلمة الملوك ذوي الاعياث، المشتهرين بأتباعهم من السخفاء المتطايبين بمثل هذا، وشبه من السخف، ومثل هذا الجنون لا يضيفه إلى عمر وعلي إلا جاهل بهما وبمحلهما من الفضل والعلم رضي الله عنهما.\rوعهدنا بهؤلاء القوم يقولون ادرؤوا الحدود بالشبهات، فصاروا ههنا يقيمون الحدود وينسبون إلى عمر، وعلى إقامتها بأضعف الشبهات، لان لا شبهة أحمق من","part":7,"page":1016},{"id":1018,"text":"شبهة من يقيم حد القذف على شارب الخمر.\rخوف أن يفتري، وهو لم يفتر بعد.\rوأيضا: فإن كان حد الشارب إنما هو للفرية فأين حد الخمر ؟ وإن كان للخمر فأين حد الفرية ؟ ولا يحل سقوط حد لاقامة آخر.\rوأيضا، فإنه إذا سكر هذى، وإذا هذى كفر، فينبغي لهم أن يضربوا عنقه، وإذا شرب سكر.\rوإذا سكر زنى، فينبغي لهم أن يرجموه ويجلدوه، وإذا شرب سكر، وإذا سكر سرق فينبغي لهم أن يقطعوا يده، وإذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى خرج فأفسد أموال الناس، وأقر في ماله لغيره، فينبغي لهم أن يلزموه كل هذه الاحكام، فإن لم يفعلوا فقد أبطلوا حدهم إياه ثمانين، لانه إذا هذى افترى، وهذا كله جنون، نبرأ إلى الله تعالى منه، ونقطع\rيقينا بلا شك أنه كذب موضوع مفترى على علي رضي الله عنه: لم يقله قط.\rوكذلك الرواية التي ذكرنا أيضا عن عبد الرحمن بن عوف فهالكة جدا، ومبعد عن مثله أن يقول: افترى على القرآن اجلده ثمانين.\rوهذا محال ظاهرا وكيف يمكن أن يفتري أحد على الله تعالى، أو على القرآن فرية توجب ثمانين جلدة والفرية الموجبة لذلك إنما هي في القذف بالزنى فقط، وهذا ما لا سبيل إلى إضافته إلى القرآن، لانه ليس إنسانا.\rفإن صحح أهل القياس هذه القضية، فليوجبوا ثمانين جلدة حدا واجبا لا يتعد على كل من افترى على أحد بكذبة، مثل أن يرميه بكفر، أو بتهمة أو بسرقة، أو كذب على القرآن، أو على الله تعالى، وهذا ما لا يقولونه، فقد أقروا بضعف هذا القياس الذي جعلوه أصلهم وبنوا عليه، أو أنهم تركوا القياس في سائر ما ذكرنا.\rولا بد لهم من أحد الوجهين ضرورة، وأول من كان يلزمهم هذا فهم، لانهم مفترون فيما يدعونه من القياس، وبالله تعالى التوفيق.\rوالصحيح في هذا الباب: هو ما حدثناه عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح،","part":7,"page":1017},{"id":1019,"text":"ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، نا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس: أن النبي (ص) أتي برجل شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين وفعله أبو بكر.\rفلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر.\rقال أبو محمد: فصح أنه تعزير لا حد، نعني الاربعين الزائدة.\rوقد حدثنا حمام، ثنا ابن مفرج، نا ابن الاعرابي، ثنا الدبري، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، ثنا عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبيد بن عمير يقول: كان الذي\rيشرب الخمر يضربونه بأيديهم ونعالهم ويصكونه، فكان ذلك على عهد النبي (ص) وأبي بكر وبعض إمارة عمر، حتى خشي أن يغتال الرجال فجعله أربعين سوطا، فلما رآهم لا يتناهون جعله ستين، فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين، ثم قال: هذا أدنى الحدود.\rحدثنا أحمد بن عمر العذري، نا عبد الله بن حسين بن عقال، نا إبراهيم بن محمد الدينوري، ثنا ابن الجهم، نا موسى بن إسحاق، نا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد، عن حجاج، عن الاسود بن هلال، عن عبد الله - هو ابن مسعود - أنه أتي برجل قد شرب خمرا في رمضان، فضربه ثمانين، وعزره عشرين.\rوقد فعل ذلك أيضا علي بالنجاشي.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، ثنا أبو إسحاق البلخي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، أنا خالد بن الحارث، ثنا سفيان الثوري، ثنا أبو حصين قال: سمعت عمير بن سعد النخعي قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما كنت لاقيم حدا على أحد فيموت، فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله (ص) لم يسنه هكذا رويناه من طريق الهمداني وغيره عمير بن سعد والصواب سعيد كما رويناه من طريق يزيد بن زريع.","part":7,"page":1018},{"id":1020,"text":"حدثنا عبد الله بن نامي، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم، ثنا إسحاق بن راهويه، ثنا يحيى بن حماد، ثنا عبد العزيز ابن المختار، ثنا عبد الله بن فيروز الديباج مولى ابن عامر، نا حصين بن المنذر أبو ساسان قال: شهدت عثمان أتي بالوليد، صلى الصبح ركعتين فقال: أزيدكم ؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حمران: أنه شرب الخمر، والثاني أنه قاءها.\rفقال\rعثمان: يا علي فاجلده.\rفقال علي للحسن: قم فاجلده، فقال الحسن ول حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه علي، فقال علي: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده، فجلده، وعلي يعد، حتى بلغ أربعين، فقال أمسك، جلد النبي (ص) أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين وكل سنة.\rقال أبو محمد: فهذه الاحاديث مبينة ما قلنا، من أن زيادة عمر على الاربعين التي هي حد الخمر، إنما هي تعزير، فمرة زاد عشرين فقط، ومرة زاد أربعين ومرة زاد علي وابن مسعود ستين، وأخبر علي أن النبي (ص) لم يسن ذلك، يعني الزيادة على الاربعين فقط، ومن ظن غير هذا فإنه يكذب النقل الصحيح، ويصدق الواهي الضعيف الساقط.\rوهذا علي يجلد في أيام عثمان، بحضرة الحسن وعبد الله بن جعفر وسائر من هنالك من الصحابة وغيرهم، أربعين فقط.\rوقال عمر وعبد الرحمن: بأخف الحدود، فصح يقينا أن تلك الزيادة على الاربعين لم يوجبوها فرضا ولا حدا البتة، ونعيذهم بالله تعالى من ذلك.\rولو أخبار مرسلة وردت بأن النبي (ص) جلد في الخمر ثمانين، لكفر من يقول: إن حد الخمر ثمانون، ولكن من تعلق بخبر عن النبي (ص) فقد اجتهد، فإن وفق لخبر صحيح فله أجران، وإن يسر لخبر غير صحيح - وهو لا يدري وهيه - فهو معذور، وله أجر واحد وهو مخطئ، وإنما الشأن والبلية في اثنين هالكين: وهو من قامت عليه حجة صحيحة فتمادى، فهو ضال فاسق، أو مقلد بغير علم متجاسر في دين الله عزوجل، فهو أيضا ضال فاسق، ونعوذ بالله من الخذلان.\rوأما القياس في الجد: فحدثنا حمام بن أحمد القاضي بالغرب، ثنا ابن مفرج","part":7,"page":1019},{"id":1021,"text":"القاضي برية، نا عبد الاعلى بن محمد بن الحسن البوسي قاضي صنعاء، نا أبو يعقوب الدبري، نا عبد الرزاق، نا سفيان الثوري، عن عيسى - هو ابن أبي عيسى الخياط - عن الشعبي قال: كره عمر الكلام في الجد حتى صار جدا فقال: إنه كان من أبي بكر أن الجد أولى من الاخ، وذكر الحديث، وفيه، فسأل عنه زيد ابن ثابت فضرب له مثلا: شجرة خرجت لها أغصان، قال: فذكر شيئا لا أحفظه، فجعل له الثلث.\rقال الثوري: وبلغني أنه قال: يا أمير المؤمنين، شجرة نبتت فانشعب منها غصن، فانشعب من الغصن غصنان، فما جعل الغصن الاول أولى من الغصن الثاني، وقد خرج الغصنان من الغصن الاول ؟ قال: ثم سأل عليا، فضرب له مثلا، واديا سال فيه سيل فجعله أخا فيما بينه وبين ستة، فأعطاه السدس، وبلغني عنه أن عليا حين سأله عمر جعله سيلا.\rقال: فانشعب منه شعبة، ثم انشعبت شعبتان، فقال: أرأيت لو أن ماء هذه الشعبة الوسطى يبس ؟ أما كان يرجع إلى الشعبتين جميعا ؟ قال الشعبي: فكان زيد يجعله أخا حتى يبلغ ثلاثة وهو ثالثهم، فإن زادوا على ذلك أعطاه الثلث، وكان علي يجعله أخا ما بينه وبين ستة وهو سادسهم، ويعطيه السدس، فإن زادوا على ستة أعطاه السدس، وصار ما بقي بينهم.\rوحدثناه أيضا أحمد بن عمر العذري، عن عبد الرحمن بن الحسن العباسي، عن أحمد بن محمد الكرجي، أنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاف النصيبي، ثنا إسماعيل ابن إسحاق القاضي، نا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب لما استشار في ميراث بين الجد والاخوة، قال زيد: وكان رأيي يومئذ أن الاخوة أحق بميراث أخيهم من الجد وعمر بن الخطاب يرى يومئذ، الجد أولى بميراث ابن ابنه من إخوته.\rفتحاورت أنا وعمر محاورة شديدة، فضرب له في ذلك مثلا فقلت:\rلو أن شجرة تشعب من أصلها غصن ثم تشعب في ذلك الغصن خوطان، ذلك الغصن يجمع الخوطين دون الاصل ويغدوهما، ألا ترى يا أمير المؤمنين أن أحد","part":7,"page":1020},{"id":1022,"text":"الخوطين أقرب إلى أخيه منه إلى الاصل ؟.\rقال زيد: فأنا أعبر له وأضرب له هذه الامثال، وهو يأبى إلا أن الجد أولى من الاخوة ويقول: والله لولا إني قضيته اليوم لبعضهم لقضيت به للجد كله.\rولكن لعلي لا أخيب سهم أحد، ولعلهم أن يكونوا كلهم ذي حق، وضرب علي وابن عباس يومئذ لعمر مثلا معناه: لو أن سيلا سال فخلج من خليج، ثم خلج من ذلك الخليج شعبتان.\rقال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لوجهين: أحدهما: أن كلا من هذين الاسنادين ضعيف، في الاول عيسى بن أبي عيسى الخياط وهو ضعيف، ومع ذلك منقطع لان الشعبي لم يدرك عمر.\rوالثاني: فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف البتة، فهذا وجه.\rوالثاني أنهما صحا لما كان فيهما للقياس مدخل بوجه من الوجوه، ولا بمعنى من المعاني، لان السيل لا يستحق ميراثا أصلا، لا سدسا ولا ثلثا وكذلك الغصن، ولا فرق، ومن أنوك النوك أن يظن أحد بمثل علي وزيد رضي الله عنهما.\rإن أحدهما قاسم الجد مع الاخوة إلى خمسة وهو سادسهم، ثم له السدس وإن كثروا، وإن الثاني قاسم بالجد الاخوة إلى اثنين هو ثالثهما.\rلا ينقضه من الثلث ما بقي أو السدس من رأس المال - قياسا على غصنين تفرعا من غصن شجرة، وأن إدخال أصحاب القياس لهذا في القياس في القحة الظاهرة والاستخفاف البادي.\rفإن قال قائل: فما وجه هذين الصاحبين لهذين المثلين في هذه المسألة ؟ فالجواب، وبالله تعالى التوفيق: إن هذا باطل، بلا شك ونحن نبت أنهم رضي الله عنهم ما قالوا قط شيئا من هذا.\rولقد كانوا أرجح عقولا، وأثقب نظرا، وأضبط\rلكلامهم في الدين، من أن يقولوا شيئا من هذا الاختلاط، ولكن عيسى الخياط وعبد الرحمن بن أبي الزناد غير موثوق بهما، ولعل الشعبي سمعه ممن لا خير فيه، كالحارث الاعور وأمثاله.\rثم لو قال قائل: إن وجه ذلك لو صح بين ظاهر لا خفاء به، وهو أن زيدا وعليا رضي الله عنهما يذهبان من رأيهما، الذي لم يوجباه حتما على أحد، إلى","part":7,"page":1021},{"id":1023,"text":"أن الميراث يستحق بالدنو في القرابة، فإذا كان ذلك والاخوة عندهما أقرب من الجد، فإذ هم أقرب من الجد، فلا يجوز أن يمنعوا من الميراث معه، وللجد فرض بإجماع، فلم يجز أن يمنع أيضا من أجلهم، وخالفهما غيرهما في قولهما إن الاخ أقرب من الجد.\rفههنا ضربا هذين المثلين، ليريا أن قربى الاخ من الاخ المتولدين من الاب، كقربى الغصن والغصن المتفرعين من غصن واحد ومن شجرة، أو كقربى جدول من جدول تفرعا جميعا من خليج من واد، لكان قولا، وهذا تشبيه حسي عياني ضروري لا شك فيه، إلا أنه ليس من قبل التشبيه بقرب الولادة تستحق الميراث فالعم وابن الاخ أقرب من الجد، ولا خلاف بيننا وبين خصومنا أنهما لا يرثان معه شيئا، وابن البنت أقرب، ابن العم، الذي يلتقي مع المرء إلى الجد العاشر وأكثر، ولا يرث معه شيئا بإجماع الامة.\rونحن لم ننكر الاشتباه، وإنما أنكرنا أن نوجب أحكاما لم يأذن بها الله تعالى ولا رسوله (ص) من أجل الاشتباه في الصفات، فبطل أن يكون لهذا الخبر مدخل في القياس، أو تعلق به بوجه من الوجوه، ولكن تمويه أصحاب القياس في قياسهم وفيما يحتجون به لقياسهم، متقارب كله في الضعف والسقوط والتمويه على الضعفاء المغترين بهم.\rنسأل الله أن يفئ بهم إلى الهدى والتوفيق بمنه.\rوأما قول علي، إذ بلغه أن معاوية قال إذ قتل عمار فذكر له قول رسول الله (ص): تقتل عمارا الفئة الباغية فقال معاوية: إنما قتله من أخرجه فبلغ ذلك عليا فقال - فرسول الله (ص) إذن هو قتل حمزة فلا أعجب من تجليح من أدخل هذا القياس وهل هذا إلا الائتساء بالنبي (ص) في قتل الصالحين بين يديه، ناصرين له ؟ ومن استجاز أن يقول، إن هذا قياس فليقل: إن قول لا إله إلا الله قياس، لانه إذا قيل لنا: لم تقولون ذلك ؟ قلنا: لان رسول الله (ص) قالها.","part":7,"page":1022},{"id":1024,"text":"وأن الاشتغال بمثل هذا لعناء لولا الرجاء في الاجر الجزيل في بيان تمويه هؤلاء القوم الذين اختدعوا الاغمار بمثل هذه الدعاوى، وإنما هذا من علي رضي الله عنه ليري معاوية تناقض قوله إنه إنما قتل عمارا من أخرجه.\rوهذا مثل قول المالكي والحنفي: إن نكاح من اعتق أمته وتزوجها وجعل عتقها صداقها، نكاح فاسد، فيقول لهم أصحابنا والشافعيون: فنكاح رسول الله (ص) إذن صفية فاسد فإن أقدموا على ذلك كفروا وإن كعوا عنه تناقضوا، وكقول الحنفي: إن الحكم باليمين مع الشاهد مخالف للقرآن، فنقول لهم، نحن والشافعيون والمالكيون، فحكم النبي (ص) بذلك إذن مخالف للقرآن فإن قالوا بذلك كفروا وإن كعوا تناقضوا.\rوكقول المالكيين: إن صلاة الصحيح المؤتم بإمام مريض قاعدة فاسدة، فنقول لهم، نحن والشافعيون والحنفيون: فصلاة الناس خلف رسول الله (ص) في مرضه الذي مات فيه كذلك وأمره (ص) الناس إذا صلى إمامهم قاعدا أن يصلوا قعودا فاسد كل ذلك باطل فإن قالوه كفروا وإن كعوا عنه تناقضوا، وإن من ظن أن هذا قياس لمخذول أعمى القلب.\rومن هذا الباب هو قول علي: فرسول الله (ص) إذن هو قتل حمزة إذ أخرجه، وأي قياس ههنا لو عقل هؤلاء القوم وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوكذلك قصة علي رضي الله عنه يوم القضية بينه وبين أهل الشام إذ أراد أن يكتب علي أمير المؤمنين فأنكر ذلك عمرو، ومن حضر من أهل الشام وقالوا: اكتب اسمك واسم أبيك، ففعل.\rفقالت الخوارج لما محا أمير المؤمنين: قد خلعت نفسك، فاحتج عليهم بأن رسول الله (ص) فعل ذلك، إذ أنكر سهيل بن عمرو حين القضية يوم الحديبية أن يكتب في الكتاب محمد رسول الله فمحا رسول الله (ص) وكتب محمد بن عبد الله فقال علي: أترون رسول الله (ص) محا نفسه من النبوة إذ محا رسول الله من الصحيفة ؟.\rقال أبو محمد: وهذا كالذي في قصة عمار سواء بسواء، ولا مدخل للقياس","part":7,"page":1023},{"id":1025,"text":"ههنا، وإنما هو إئتساء بالنبي (ص)، وكلا الامرين محو من رق، ليس أحدهما مقيسا على الآخر، وهكذا الامر حديثا وقديما وإلى يوم القيامة، وليس إذا كتبت نار ثم محى امحت النار من الدنيا.\rوهذا من جنون الخوارج، وضعف عقولهم، إذ كانوا أعرابا جهالا، بل قولهم في هذا هو القياس المحقق، لانهم قاسوا محو الخلافة عن علي، على محو اسمه من الصحيفة وهذا قياس يشبه عقولهم، وقد علم كل ذي مسكة عقل أنه إذا محيت سورة من لوح فإنها لا تمحى بذلك من الصدور.\rومن ظن أن بين القياس وبين قول علي نسبة، فإنما هو مكابر للعيان، لان القياس إنما هو، تحريم أو إيجاب أو إباحة في شئ غير منصوص تشبيها له بشئ منصوص، وليس في هذه القضية تحريم ولا إيجاب ولا تحليل وبالله تعالى التوفيق.\rوأما قول ابن عباس للخوارج، إذ أنكروا تحكيم الحكمين يوم صفين:\rإن الله تعالى أمر بالتحكيم بين الزوجين، وفي أرنب قيمتها ربع درهم، فإن هذا الخبر حدثناه أحمد بن محمد الجسور، ثنا وهب بن مسرة، ثنا محمد بن وضاح، ثنا عبد السلام بن سعيد التنوخي، ثنا سحنون، ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عن بكير بن الاشج، عمن حدثه، عن ابن عباس قال: أرسلني علي إلى الحرورية لاكلمهم، فلما قالوا: لا حكم إلا لله، قلت: أجل صدقتم، لا حكم إلا لله، وإن الله قد حكم في رجل وامرأته، وحكم في قتل الصيد، فالحكم في رجل وامرأته والصيد أفضل، أو الحكم في الامة يرجع بها ويحقن دماؤها ولم شعثها ؟.\rقال أبو محمد: وهذا لا يصح البتة،: لانه عمن لم يسم ولا يدري من هو ؟ ثم هبك أنه أصح من كل صحيح، وأننا شهدنا ابن عباس يقول ذلك، فإنه ليس من القياس من ورد ولا صدر بل هو نص جلي.\rومعاذ الله أن يظن ذو عقل بأن عليا ومعاوية ومن معهما من الصحابة حكموا في النظر للمسلمين قياسا على التحكيم في الارنب، وبين الزوجين فما يظن هذا إلا مجنون البتة وهل تحكيم الحكمين إلا نص قول الله عزوجل: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * فنص تعالى","part":7,"page":1024},{"id":1026,"text":"على أن كل تنازع في شئ من الدين، فإن الواجب فيه تحكيم كتاب الله عزوجل، وكلام رسوله (ص)، والتنازع بين علي ومعاوية لا يجهله من له أقل معرفة في بالاخبار، ففرض عليهما تحكيم القرآن كما فعلا، فأي قياس ههنا لو أنصف هؤلاء القوم عقولهم ؟.\rفإن كان هذا عندهم قياسا فقد ضيعوه وتركوه، ويلزمهم إن تحاكم إليهم اثنان في بيع أو دين أو غير ذلك، فليبعثوا من أهل كل واحد منهما حكما، وإلا فقد تركوا القياس بزعمهم.\rفإن قالوا: فهلا كفاهم حكم واحد حتى احتجوا إلى اثنين، قيل لهم، وبالله تعالى التوفيق: إن أهل العراق لم يرضوا حكما من أهل الشام، ولا رضي أهل الشام حكما من أهل العراق، فلذلك اضطروا إلى حكم من كلتا الطائفتين.\rوأما الرواية عن علي وعمر في قتل الجماعة بالواحد فكما حدثنا حمام، نا ابن مفرج، ثنا ابن الاعرابي، نا الدبري، نا عبد الرزاق، نا ابن جريج، أخبرني عمرو قال: قال أخبرني حيي بن يعلى بن أمية أنه سمع أباه يعلى يقول: وذكر قصة الذي قتله امرأة أبيه وخليلها، أن عمر بن الخطاب كتب إلي: اقتلهما فلو اشترك في دمه أهل صنعاء كلهم لقتلتهم، قال ابن جريج: فأخبرني عبد الكريم وأبو بكر قالا جميعا: إن عمر كان يشك فيها حتى قال له علي: يا أمير المؤمنين أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضوا، وأخذ هذا عضوا، كنت قاطعهم ؟ قال: نعم، قال: فذلك حين ليس أحدهما أصلا للآخر، لان النص قد ورد بقتل من قتل، وكما ورد بقطع من سرق ليس أحد النصين في القرآن بأقوى من الآخر، قال تعالى: * (ولكم في القصاص حياة) * وقال تعالى: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * وقال تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * ولم يخص تعالى من كلا الامرين منفرد من مشارك، فلو صح لكان علي إنما أنكر على عمر اختلاف حكمه فقط، وتركه أحد النصين وأخذه بالآخر.\rوهذا هو الذي ننكره نحن سواء بسواء، فخرج هذا الخبر، لو صح، من أن يكون له في القياس مدخل أو أثر أو معنى، والحمد لله رب العالمين.","part":7,"page":1025},{"id":1027,"text":"ثم قد روينا عن علي: أنه كان لا يرى قتل اثنين بواحد، فلو قاله لكان قد تركه ورجع عنه، ورآه باطلا من الحكم.\rفهذا كل ما ذكروه مما روي عن الصحابة، قد بيناه بأوضح بيان، بحول الله\rتعالى وقوته، أنه ليس لهم في شئ منه متعلق، وهو أنه إما شئ بين الكذب لم يصح، وإما شئ لا مدخل للقياس فيه البتة.\rفإذا الامر كما ترون، ولم يصح قط عن أحد من الصحابة القول بالقياس، وأيقنا أنهم لم يعرفوا قط العلل التي لا يصح القياس إلا عليها عند القائل به، فقد صح الاجماع منهم رضي الله عنهم على أنهم لم يعرفوا ما القياس، وبأنه بدعة حدثت في القرن الثاني، ثم فشا وظهر في القرن الثالث، كما ابتدأ التقليد والتعليل للقياس في القرن الرابع، وفشا وظهر في القرن الخامس.\rفليتق الله امرؤ على نفسه وليتداركها بالتوبة والنزوع عمن هذه صفته، فحجة الله تعالى قد قامت باتباع القرآن والسنة، وترك ما عدا ذلك من القياس والرأي والتقليد.\rولقد كان من بعض الصحابة نزعات إلى القياس، أبطلها رسول الله (ص) نذكرها إن شاء الله تعالى في الدلائل على إبطال القياس إذا استوعبنا بحول الله تعالى وقوته كل ما اعترضوا به.\rوبقيت أشياء من طريق النظر موهوا بها، ونوردها إن شاء الله تعالى، ونبين بعونه عزوجل بطلان تعلقهم، وأنه لا حجة لهم في شئ منها، كما بينا، بتأييد الله تبارك وتعالى، ما شغبوا به من القرآن، وما موهوا به من كلام النبي (ص)، وما لبسوا به من الاجماع وما أوهموا به من آثار الصحابة، وبالله تعالى التوفيق.\rفمن ذلك: أنهم قالوا: إن القياس هو من باب الاستشهاد على الغائب بالحاضر، فإن لم يستشهد بالحاضر على الغائب فلعل فيما غاب عنا نارا باردة.","part":7,"page":1026},{"id":1028,"text":"قال أبو محمد: هذه شغبية فاسدة، فأول تمويههم ذكرهم الغائب والحاضر في\rباب الشرائع، وقد علم كل مسلم أنه ليس في شئ من الديانة شئ غائب عن المسلمين، وإنما بعث رسول الله (ص) ليبين للناس دينهم اللازم لهم، قال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * فلا يخلو رسول الله (ص) من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون لم يبلغ ولا بين للناس، فهذا كفر ممن قاله بإجماع الامة بلا خلاف.\rوإما أن يكون (ص) بلغ كما أمر به، وبين للناس جميعهم دينهم وهذا هو الذي لا شك فيه، فأين الغائب من الدين ههنا لو عقل هؤلاء القوم ؟ إلا أن يكون هؤلاء القوم، وفقنا الله وإياهم، يتعاطون استخراج أحكام في الشريعة لم ينزلها الله تعالى على رسوله (ص)، فهي غائبة عنا، فهذا كفر ممن أطلقه واعتقده، وتكذيب لقول الله عزوجل: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * ولقول رسول الله (ص): ألا هل بلغت قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد.\rوأما تمويههم بذكر النار، ولعل في الغائب نارا باردة، فكلام غث في غاية الغثاثة، لان لفظة نار إنما وقعت في اللغة على كل حار مضئ صعاد، فإن كنتم تريدون أن ههنا مضيئا باردا غير صعاد فنعم وهو البلور وإن كنتم تريدون أن شيئا حارا يكون باردا، فهذا تخليط وعين المحال.\rوأما لفظة نار فقد وقعت أيضا في اللغة على ما لا يحرق، فالنار عند العرب اسم الميسم الذي توسم به الابل، فيقولون: ما نارها، بمعنى ما وسمها، فليس الاسم مضطرا إلى وجوده كما هو ولا بد، ولكنه اتفاق أهل اللغة، وليس من قبل أننا شاهدنا النار محرقة صعادة مضيئة، وجب ضرورة أن تسمى نارا ولابد، بل لو سموها باسم آخر ما ضر ذلك شيئا.\rوليس أيضا من قبل أننا شاهدنا النار على هذه الهيئة، عرفنا أن ما غاب عنا منها كذلك أيضا، بل قد علمنا أن أهل اللغة لم يوقعوا اسم نار في الغائب والحاضر إلا على الحار المضئ المحرق الصعاد.\rفإن قلتم: فلعل في الغائب جسما مضيئا باردا صعادا قلنا لكم: هذا ما لا\rدليل عليه، والقول بما لا دليل عليه غير مباح، وقد عرفنا صفات العناصر كلها إلا إن قلتم: لعل الله تعالى عالم بهذه الصفة، فالله تعالى قادر على ذلك، ولكنه","part":7,"page":1027},{"id":1029,"text":"تعالى لم يخلق في هذا العالم، مما شاهدنا بالحواس أو بالعقل أو بالمقدمات الراجعة إلى الحواس والعقل، غير ما شاهدنا بذلك، ولعله تعالى قد خلق عوالم بخلاف صفة عالمنا هذا، إلا أن هذا أمر لا نحققه ولا نبطله، ولكنه ممكن والله أعلم، ولا علم لنا إلا ما علمنا الله، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا أيضا فقالوا: إن في النصوص جليا وخفيا، فلو كانت كلها جلية لاستوى العالم والجاهل في فهمها، ولو كانت كلها خفية لم يكن لاحد سبيل إلى فهمها، ولا إلى علم شئ منها، قالوا: فوجب بذلك ضرورة أن نستعمل القياس من الجلي على معرفة الخفي.\rقال أبو محمد: وهذه مقدمة فاسدة، والاحكام كلها جلية في ذاتها، لان الله تعالى قال لنبيه (ص): * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * ولا يحل لمسلم أن يعتقد أن الله تعالى أمر رسوله (ص) بالبيان في جميع الدين فلم يفعل ولا بين، وهذا ما لا يجوز لمسلم أن يخطره بباله، فإذ لا شك في هذا، ونوقن أنه (ص) قد بين الدين كله.\rفالدين كله بين، وجميع أحكام الشريعة الاسلامية كلها جلية، واضحة، وقد قال عمر رضي الله عنه: تركتم على الواضحة، ليلها كنهارها، أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وقال أيضا رضي الله عنه: سننت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، إلا أن يضل رجل عن عمد.\rقال أبو محمد: إلا أن من الناس من لا يفهم بعض الالفاظ الواردة في القرآن وكلام النبي (ص)، لشغل بال أو غفلة أو نحو ذلك، وليس عدم هذا الانسان فهم ما خفي عليه بمانع أن يفهمه غيره من الناس، وهذا أمر مشاهد يقينا، وهكذا\rعرض لعمر رضي الله عنه إذا لم يفهم آية الكلالة وفهمها غيره، وقال عمر رضي الله عنه: اللهم من فهمته إياها فلم يفهمها عمر.\rوقال: ما راجعت رسول الله (ص) في شئ ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي بشئ ما أغلظ لي فيها، إلى أن طعن بأصبعه في صدري وقال لحفصة: ما أراه يفهمها أبدا أو كما قال (ص)، فصح ما قلناه يقينا، وأخبر (ص) أن آية الصيف كافية الفهم وأن عمر لم يفهمها، ليس لانها غير كافية، بل هي كافية بينة، ولكن لم ييسر لفهمها.","part":7,"page":1028},{"id":1030,"text":"وكذلك أخبر (ص): أن الحلال بين، وأن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فلم يقل (ص): إنها مشتبهات على جميع الناس، وإنما هي مشتبهة على من لا يعلمها، وإذ هذا كذلك فحكم من لا يعلم أن يسأل من يعلم.\rكما قال تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * ولم يقل فارجعوا إلى القياس، فوضع دعوى هؤلاء القوم وصح أن الدين كله بين واضح، وسواء كله في أنه جلي مفهوم إلا أن من الناس من يخفى عليه الشئ منه بعد الشئ لاعراضه عنه، وتركه النظر فيه فقط.\rوقد يخفى على العالم الفهم أيضا، إذا نظر في مقدماته وقضاياه بفهم كليل إما لشغل بال، وإما لطلبه في اللفظ ما لا يقتضيه فقط حتى يعلمه إياه العلماء الذين هو عندهم بين جلي، ولو لم يكن الامر هكذا لما عرف الجاهل صحة قول مدعي الفهم أبدا.\rفصح أنه لما أمكن العالم إقامة البرهان حتى يفهم الجاهل من القضايا كالذي فهم العالم فإن العلم كله جلي، ممكن فهمه لكل أحد، ولولا ذلك ما فهم الجاهل شيئا، ولا لزم من لا يفهم، العمل بما لا يفهم.\rوأيضا فيلزم فيما كان منه خفيا ما ألزموه لو كان كله خفيا، وفي الجلي منه ما يلزم لو كان كله جليا ولا فرق، وليس للقياس ههنا طريق\rالبتة، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا فقالوا: لما رأينا البيضتين إذا تصادمتا تكسرتا، علمنا أن ذلك حكم كل بيضة لم تنكسر، قالوا وهذا قياس.\rقال أبو محمد: وهذا خطأ، ولم نعلم ذلك قياسا، ولكن علمنا بأول العقل وضرورة الحس أن كل رخص الملمس فإنه إذا صدمه ما هو أشد اكتنازا منه أثر فيه، إما بتفريق أجزائه، وإما بتبديل شكله، ولم نقل قط، إن البيضة لما أشبهت البيضة وجب أن تنكسر إذا لاقت جرما صليبا، بل هذا خطأ فاحش.\rوفي هذا القول إبطال القياس حقا، فبيضة الحنش وبيضة الوزعة وبيضة صغار العصافير لا تشبه بيضة النعام البتة في أغلب صفاتها، إلا أنهما جميعا واقعان تحت","part":7,"page":1029},{"id":1031,"text":"نوع البيض وكلاهما ينكسر إذا لاقا جسما صليبا مكتنزا.\rونحن لو خرطنا صفة بيضة من عاج أو من عود البقس حتى تكون أشبه ببيضة النعامة من الماء بالماء، ولم تشبه بيضة الحجلة إلا في الجسمية فقط ثم ضربنا بها الحجر لما انكسرت.\rفصح أن الشبه لا معنى له في إيجاب استواء الاحكام البتة، وبطل قولهم: إننا علمنا انكسار ما بأيدينا من البيض لشبهها بما شاهدنا انكساره منها، وصح أنه من أجل الشبه بينهما وجب انكسار هذه كانكسار تلك.\rوإنما الذي يصح بهذا فهو قولنا: إن كل ما كان تحت نوع واحد فحكمه مستو وسواء اشتبها أو لم يشتبها.\rفقد علمنا أن العنب الاسود الضخم المستطيل أو المستدير أشبه بصغار عيون البقر الاسود منه بالعنب الابيض الصغير، لكن ليس شبهه به موجبا لتساويهما في الطبيعة، ولا بعده عن مشابهة العنب بموجب لاختلافهما في الطبيعة، فبطل حكم التشابه جملة، وصح أن الحكم للاسم الواقع على النوع الجامع لما تحته.\rوهكذا قلنا نحن: إن حكمه (ص) في واحد من النوع حكم منه في جميع النوع، وأما القياس الذي ننكر فهو: أن يحكم لنوع لا نص فيه بمثل الحكم في نوع آخر قد نص فيه، كالحكم في الزيت تقع فيه النجاسة بالحكم في السمن يقع فيه الفأر، وما أشبه هذا، فهذا هو الباطل الذي ننكره، وبالله التوفيق.\rومعرفة المرء بأول طبيعته لا ينكرها إلا جاهل أو مجنون، فنحن نجد الصغير يفر عن الموت، وعن كل شئ ينكره وعن النار، وإن كان لم يحترق قط، ولا رأى محترقا، وعن الاشراف على المهواة ونجده يضرب بيده إذا غضب، وهو لا يعلم أن الضرب يؤلم، ويعض بفمه قبل نبات أسنانه وهو لم يعضه قط أحد فيدري ألم العض.\rنعم حتى نجد ذلك في الحيوان غير الناطق، فنجد الصغير من الثيران ينطح برأسه قبل نبات قرنيه، والصغير من الخنازير يشتر بفمه قبل كبر ضرسه، والصغير من الدواب يرمح قبل اشتداد حافره، وهذا كثير جدا.","part":7,"page":1030},{"id":1032,"text":"فبمثل هذا الطبع علمنا أن كل رخص المجسمة فإنه يتغير بانكسار أو تبدل شكل إذا لاقى جسما صليبا، وبه علمنا أن كل نار في الارض وفيما تحت الفلك فهي محرقة، لا بالقياس البارد الفاسد، وليس هذا في شئ من الشرائع البتة بوجه من الوجوه، لانه لم تكن النار قط منذ خلقها الله تعالى إلا محرقة، حاشا نار إبراهيم لابراهيم عليه السلام وحده، لا لغيره بالنص الوارد فيها، ولم يجز أن يقاس عليها غيرها، ولا كانت البيضة قط إلا متهيئة للانكسار إذا لاقت شيئا صلبا، وقد كان البر بالبر حلالا متفاضلا برهة من الدهر، وكذلك كل شئ من الشريعة واجب فقد كان غير واجب، حتى أوجبه النص، وغير حرام حتى حرمه النص، فليست ههنا شئ أن يجب أن يقاس عليه ما لم يأت بإيجابه نص ولا تحريم أصلا، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بأن قالوا: إن علمنا بما في داخل هذه الجوزة والرمانة على صفة ما إنما هو قياس على ما شاهدنا من ذلك، وإلا فلعل داخلهما جوهر أو شئ مخالف لما عهدناه، وكذلك أن في رؤوسنا أدمغة، وفي أجوافنا مصرانا، وأن هذا الصبي لم تلده حمارة، وأن الاحياء يموتون، إنما علمنا ذلك قياسا على ما شاهدنا.\rقال أبو محمد: وهذا من أبرد ما موهوا به وما علم قط ذو عقل أن من أجل علمنا بأن ما في داخل هذه الرمانة كالذي في داخل هذه وأن في أجوافنا مصرانا، وفي رؤوسنا أدمغة، وأن الناس لم تلدهم الاتن، وأن الاحياء يموتون، علمنا أن الزيت ينجس إذا مات فيه عصفور، ولا ينجس إذا مات فيه مائة عقرب وأن التمرة بالتمرة حرام والتفاحة بالتفاحة حلال.\rوأن البئر إذ مات فيها سنور نزح منها أربعون دلوا فإن سقط فيها نقطة بول نزحت كلها.\rوأن من مس دبره انتقض وضوءه، وأن من مس أنثييه لم ينتقض وضوءه وهل بين هذه الوجوه والتي قبلها تشبيه ؟.\rوإن المشبه بين هاتين الطريقتين لضعيف التمييز، وتلك أمور طبيعية ضرورية تولى الله عزوجل إيقاعها في القلوب.\rلا يدري أحد كيف وقع له علمها.\rوهذه الاخر: إما دعاوى لا دليل عليها، وإما سمعية لم تكن لازمة ثم ألزم الله منها بالنص لا بالكهانة ولا بالدعوى.","part":7,"page":1031},{"id":1033,"text":"ونحن نجد الصغير الذي لم يحب بعد، وإنما هو حين هم أن يجلس، إذا رأى رمانة قلق وشره إلى استخراج ما فيها وأكلها.\rوكذلك الجوز وسائر ما يأكله الناس، فليت شعري متى تعلم هذا الصبي القياس، بأن ما في هذه الرمانة كالتي أطعمناه عام أول، أو قبل هذا بشهر.\rولقد كان ينبغي لهم أن يعرفوا على هذا أحكام القياس بطبائعهم، دون أن\rيأخذوها تقليدا عن أسلافهم.\rولو أنهم تدبروا العالم وتفكروا في طبائعه وأجناسه وأنواعه وفصوله وخواصه وأعراضه، لما نطقوا بهذا الهذيان، فإن كانوا يريدون أن يسموا جري الطبائع على ما هي عليه: قياسا، فهذه لغة جديدة، ولم يقصدوا بها وجه الله تعالى، لكن قصدوا الشغب والتخليط، كمن سمى الخنزير أيلا ليستحله، والايل خنزيرا ليحرمه.\rوكل هذه حيل ضعيفة لا يتخلصون بها مما نشبوا فيه من الباطل، وإنما تكلمهم عن المعنى، لا على ما بدلوه برأيهم من الاسماء فإذ حققوا معنا المعنى الذي يرمون إثباته ونحن نبطله، فحينئذ يكلف البرهان من ادعى أمرا منا ومنهم، فمن أتى به ظفر، ومن لم يأت به سقط، وليسموه حينئذ بما شاؤوا.\rويكفي من سخف هذا الاحتجاج منهم أن يقال لكل ذي حس: هل نسبة التين من البر كنسبة الجوزة من الجوزة ؟ وكنسبة الرمانة من الرمانة ؟ وكنسبة الانسان من الانسان ؟ فإن وجد في العالم أحمق يقول: نعم، لزمه إخراج البلوط والتين عن زكاة البر كيلا بكيل، وهذا ما لا يقوله مسلم، ولزمه أن يقول فيمن حلف لا يأكل برا فأكل تينا: أن يحنث، ولزمه أكثر من هذا كله، وهو الكذب، إن التين بر، وإن قالوا: لا، تركوا قولهم في تشبيه القياس في الشرائع لمعرفتنا بأن ما في هذه الرمانة كهذه.\rوالذي لا نشك فيه فهذا الاحتجاج منهم مبطل لقولهم، ومثبت لقولنا، لان الرمانة من الرمانة، والجوزة من الجوزة، والانسان من الانسان،","part":7,"page":1032},{"id":1034,"text":"كالسمن من السمن والفأر من الفأر وكل نوع من نوعه والجوز مخالف للرمان كخلاف السنور من الفأر، وخلاف الزيت للسمن.\rوهذا هو الذي ينكره ذو عقل، وأنه إذا حكم النبي (ص) بتحريم البر بالبر متفاضلا لزم ذلك في\rكل بر، ولم يجب فيما ليس ببر إلا بنص آخر، وإذا أمر بهرق السمن المائع الذي مات فيه الفأر، وجب ذلك في كل سمن مات فيه فأر، ولم يجب ذلك في غير السمن الذي مات فيه الفأر، وهذا هو الذي لا تعرف العقول غيره وبالله تعالى التوفيق.\rوأما تحريم البلوط قياسا على البر وهرقهم الزيت قياسا على السمن، فهو كمن قال: الذي داخل اللوز كالذي داخل الرمان ولا فرق، فبطل قولهم بالبرهان الضروري.\rوصح أن القياس إنما هو قياس نوع على نوع آخر وهذا باطل بنفس احتجاجهم وبالله تعالى التوفيق.\rويقال لهم: أمعرفتكم بأنكم تموتون، وهو شئ يستوي في الاقرار به كل ذي حس، هو مثل معرفتكم بالشرائع كالصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك مما يحرم في البيوع والنكاح وما يحل ؟ فإن قالوا: لا، كفونا أنفسهم، وأبطلوا ما استدلوا به ههنا، وإن قالوا: نعم كابروا ولزمهم أن يكونوا مستغنين عن النبي (ص)، وأنهم كانوا يدرون الشريعة بطبائعهم قبل أن يعلموها، وهذا ما لا يقوله ذو عقل.\rويقال لهم هل كان على قشر الرمان قط على لوز: فإن قالوا: نعم، لحقوا بسكان المارستان، وإن قالوا: لا، سألناهم، أكانت الخمر قط حلالا، وكان بيع البر بالبر متفاضلا غير محرم في صدر الاسلام أو لم يزل ذلك والخمر حلالا مذ خلق الله الخمر وللبر بينة الطبع ؟ فإن قالوا كانت الخمر وبيع البر متفاضلا غير حرام برهة من الاسلام، ثم حرم ذلك أقروا بأن ذلك ليس من باب ما في قشر اللوز والرمان في ورد ولا صدر، لان الطبائع قد استقرت مذ خلق الله تعالى العالم على رتبة واحدة، هذا معلوم بأول العقل والحس اللذين يدرك بهما علم الحقائق، وأما الشرائع فغير مستقرة ولم يزل تعالى مذ خلق الخلق ينسخ شريعة بعد شريعة، فيحرم في هذه ما أحل في تلك ويسقط في هذه ما أوجب\rفي تلك ويوجب في هذه ويحل فيها ما أسقط في تلك، وما حرم إلى أن نص الله","part":7,"page":1033},{"id":1035,"text":"تعالى أنه لا تبدل هذه الملة أبدا.\rفصح أن من شبه الطبائع التي تعلم بالحس والعقل بالشرائع التي لا تعلم إلا بالنص، لا مدخل للعقل ولا للحس في تحريم شئ منها، ولا في إيجاب فرض منها إلا بعد ورود النص بذلك، فهو غافل جاهل، ولو احتج بهذا يهودي لا يرى النسخ، لكان هذا الاحتجاج أشبه بقوله، منه بقول أصحاب القياس.\rوأما الموت فهو حكم كل جسم مركب من العناصر إلى نفس حية فقد رتب الله تعالى في العالم هذا اصطحابهما مدة، ثم افتراقهما، ورجوع كل عنصر إلى عنصره، وليس هذا قياسا يوجب موت أهل الجنة والنار فبطل تمويههم، وبالله تعالى التوفيق.\rوقالوا: القياس فائدة زائدة على النص.\rقال أبو محمد: لا فائدة في الزيادة على ما أمر الله تعالى به، ولا في النقص، منه، بل كل ذلك بلية ومهلكة، وتعد لحدود الله تعالى، وظلم وافتراء، وبالله تعالى نعوذ من ذلك، ولا أعظم جرما ممن يقر على نفسه أنه يزيد على النص الذي أذن الله به، ولم يأذن في تعديه.\rوبالله تعالى نعوذ من الخذلان.\rواحتج بعضهم فقال لمن سلف من أصحابنا فقهكم في اتباع الظاهر يشبه فعل الغلام الذي قال له سيده: هات الطست والابريق، فأتاه بهما ؟ ولا ماء في الابريق، فقال له: وأين الماء ؟ لم تأمرني، وإنما أمرتني بطست وإبريق فهاهما، وأنا لا أفعل إلا ما أمرتني.\rقال أبو محمد: فقال لهم، وبالله تعالى التوفيق: بل فقهكم أنتم يشبه فعل المذكور على الحقيقة إذ قال له سيده، إذا أمرتك بأمر فافعله وما يشبهه، فعلمه سيده القياس حقا على وجهه، وحفظ الغلام ذلك، وقبله قبولا حسنا، فوجد\rسيده حرارة فقال: سق إلي الطبيب، فإني أجد التياثا، فلم ينشب أن أتاه، بعض إخوانه فزعا، فقال له: يا فلان، من مات لك ؟ فقال: ما مات لي أحد، فقال له: فإن الغاسل والمغتسل والنعش وحفار القبور عند الباب، فدعا غلامه فقال له: ما هذا بالباب ؟ فقال له ألم تأمرني إذا أمرتني بأمر أن أفعله وما","part":7,"page":1034},{"id":1036,"text":"يشبهه ؟ قال: نعم، قال: فإنك أمرتني بسوق الطبيب لالتياثك، وليس يشبه العلة وإحضار الطبيب إلا الموت، والموت يوجب حضور الغاسل والنعش والحفار لحفر القبر، فأحضرت كل ذلك، وفعلت ما أمرتني وما يشبهه.\rفنحن نقول: إن هذا الغلام أعذر في الائتمار لامر مولاه في الابريق الفارغ، إذ لعله يريد أن يعرضه على جليسه أو يبيعه أو يقبله لمذهب له فيه: منه في جلب الحفار والغاسل والنعش، قياسا على العلة والطبيب، ولقد كان الغلام قوي الفهم في القياس، إذ لا قياس بأيديكم إلا مثل هذا.\rوهو أن تشبهوا حالا بحال في الاغلب، فتحكمون لهما بحكم واحد، وهو باب يؤدي إلى الكهانة الكاذبة، والتخرص في علم الغيب، والتحذلق في الاستدراء على الله تعالى، وعلى رسوله (ص) فيما لم يأذن به عزوجل، وبالله تعالى نعوذ من ذلك.\rواحتجوا فقالوا: أنتم تقولون: إذا حكم رسول الله (ص) في عين ما، فهو حكم واحد في جميع نوع تلك العين التي يقع عليها اسم نوعها.\rوهذا قياس.\rقال أبو محمد: هذا تمويه زائف، وقد بينا وجه هذه المسألة وهو أنه عليه السلام بعث إلى كل من يخلق إلى يوم القيامة، من الانس والجن، وليحكم كل نوع من أنواع العالم بحكم ما أمره به ربه تعالى، ولا سبيل إلى أن يخاطب عليه السلام من لم يخلق بعد بأكثر من أن يأمر بالامر، فيلزم النوع كله، إلا أن يخص عليه السلام كما خص أبا بردة بن نيار بقوله: يجزيك ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك.\rقالوا: فهلا قلتم في أمره (ص) فاطمة بنت حبيش بما أمرها به إذا استحيضت - إنه لازم لكل امرأة تسمى فاطمة.\rفيقال لهم وبالله تعالى التوفيق: لم ينص عليه السلام على أن ذلك حكم كل امرأة تسمى فاطمة، وإنما نص (ص) على أن دم الحيض أسود يعرف، فإذا أقبل فافعلي كذا.\rوإذا أدبر فافعلي كذا، فنص (ص) على صفة الحيض والطهر والاستحاضة، وعلى حكم كل ذلك متى ظهر، فوجب التزام ذلك متى وجد الحيض أو الطهر أو الاستحاضة.","part":7,"page":1035},{"id":1037,"text":"ثم ينعكس هذا السؤال عليهم بعد أن أريناه أنه حجة لنا فنقول لهم، وبالله تعالى التوفيق: أنتم، أهل القياس وتفتيش العلل في الديانة، وتعدي القضايا عما نص الله تعالى ورسوله (ص) إلى ما لم ينصا عليه، وأنتم أهل الكهانة والاستدراك في الديانة ما لم يذكر الله تعالى ولا رسوله (ص) فاستعملوا مذهبكم في هذا الحديث.\rفقد قال عليه السلام في دم الاستحاضة عندكم إنما هو عرق وبين أن دم الحيض أسود يعرف، فكما قستم الحمرة والصفرة والكدرة على الدم الاسود فجعلتموه كله حيضا، فكذلك قيسوا كل عرق يسيل من بدن المرأة من رعاف أو جرح على عرق الاستحاضة، وأحكموا لها حينئذ بحكم الاستحاضة وإلا كنتم متناقضين وتاركين للقياس.\rولا شك عند كل ذي حس - إن كان القياس حقا - إن قياس عرق يدمي عن عرق يدمي أشبه وأولى من قياس الدلاع أو الشاه بلوط على البر والتمر، على أن بعضهم قد فعل ذلك وهم الحنفيون، وأوجبوا أن الوضوء ينتقض بكل عرق دمي، قياسا على عرق المستحاضة عندهم، فيلزمهم أن يوجبوا من ذلك الغسل، كما جاء النص على المستحاضة، وهذا ما لا انفكاك لهم منه، وبالله تعالى التوفيق.\rوقالوا: لم نعلم أن أجسام أهل الصين كأجسامنا إلا قياسا منا بالشاهد على الغائب.\rقال أبو محمد: وهذا من الجنون المكرر.\rوقد بينا آنفا أن علمنا بهذا علم ضروري أولي، يعرف ببديهة العقل، ولم يكن المميز قط من الناس إلا وهو عالم بطبعه أن كل من مضى أو يأتي أو غاب عنه من الناس فعلى هيئتنا بلا شك ولا يتشكل في عقل أحد سوى هذا.\rوبالضرورة يعلم كل ذي عقل أن علمنا أن المطلقة ثلاثا لا تحل لمطلقها إلا بعد زواج يطؤها، ليس من علمنا بأن أهل الصين من الناس هم على هيئاتنا، بل كان جائزا أن تحل له بعد ألف طلقة دون زوج ولولا النص.","part":7,"page":1036},{"id":1038,"text":"وهكذا القول في البئر وسائر ما وردت به النصوص، لانه قد كانت هذه الاعيان موجودة آلافا من السنين ليس فيها شئ من هذا التحريم، ولا هذا الايجاب ولم تكن الاجسام قط خالية من حركة أو سكون، ولا كانت أجسام الناس على خلاف هذا الشكل الذي هم عليه والمشبه للشرائع بالطبائع مجنون أو في أسوأ حالا من الجنون لان من سلك سبيل المجانين وهو مميز فالمجنون أعذر منه.\rولو أنصفوا أنفسهم لعلموا أن الذي قالوا حجة عليهم، لان علمنا بأن أجسام الناس في الصين، وفيما يأتي إلى يوم القيامة، على هيئة أجسامنا هو كعلمنا بعد ورود النص، بأن كل بر في الصين والهند وكل بر يحدثه الله تعالى إلى يوم القيامة فحرام بيع بعضه ببعض متفاضلا.\rوأما هم فإنه يلزمهم، إذ نقلوا حكم البر المذكور إلى التين والارز، أن ينقلوا حكم أجسام الناس إلى أجسام البغال، فيقولوا: إن بغال الصين على هيئة أجسام الناس، لان نسبة الارز إلى البر، كنسبة البغال إلى الناس ولا فرق وكل ذلك\rأنواع مختلفة.\rويلزمهم أيضا، إذا قاسوا الغائب على غير نوعه من الشاهد - أن يقولوا: إن الملائكة والحور العين لحم ودم، قياسا على الناس، وأنهم يمرضون ويفيقون ويموتون، وأن فيهم حاكة وملاحين وفلاحين وحجامين وكرباسيين، قياسا على الشاهد، وإلا فقد نقضوا وبطلوا قياسهم للغائب على الشاهد.\rوالحق من هذا أن لا غائب عن العقل من قسمة العالم التي تدرك بالعقل، ولا غائب عن السمع من الشريعة وبالله تعالى نعتصم وكل ذلك ثابت حاضر معلوم والحمد لله رب العالمين.\rوقالوا: إن كل مشتبهين فوجب أن يحكم لهما بحكم واحد من حيث اشتبها.\rقال أبو محمد: وهذا تحكم بلا دليل ودعوى موضوعة وضعها غير مستقيم والحقيقة في هذا أن الشيئين إذا اشتبها في صفة ما، فهما جميعا فيها مستويان استواء واحدا، ليس أحدهما أولى بتلك الصفة من الآخر، ولا أحدهما أصل","part":7,"page":1037},{"id":1039,"text":"والثاني فرع، ولا أحدهما مردود إلى الآخر، ولا أحدهما أولى بأن يكون قياسا على الآخر، من أن يكون الآخر قياسا كزيد ليس أولى بالآدمية من عمرو، ولا حمار خالد أولى بالحمارية من حمار محمد، والغراب الاسود والسح ليس أحدهما أولى بالسواد من الآخر، وهذا كله باب واحد في جميع ما في العالم.\rوكذلك الشرائع ليس بر بغداد بأولى بالتحريم في بيع بعضه ببعض متفاضلا من بر الاندلس، ولا سمن المدينة إذا مات فيه الفأر وهو مائع بأولى أن يهراق من سمن مصر، فهذا هو الذي لا شك فيه.\rوأما ما يريدون من دس الباطل ومالا يحل جملة الواجب فلا يجوز لهم بعون الله تعالى إلا على جاهل مغتر بهم، أهلكوه إذ أحسن الظن بهم، وذلك أنهم\rيريدون أن يأتوا إلى ما ساوى نوعا آخر في بعض صفاته فيلحقونه به فيما لم يستو معه، وهذا هو الباطل المحض الذي لا يجوز البتة.\rأول ذلك، أنه تحكم بلا دليل، وما كان هكذا فقط سقط، وقد صح عن رسول الله (ص): لعن المؤمن كقتله وكل مسلم يعلم أنه لا تشابه أقوى من تشابه أخبر به (ص)، فإذا لا شك في هذا، وصح يقينا أن لعن المؤمن كقتله وأجمعت الامة، بلا خلاف، أن لعن المؤمن لا يبيح دم اللاعن كما يبيح القتل دم القاتل، ولا يوجب دية كما يوجب القتل دية فبطل قول من قال إن الاشتباه بين الشيئين يوجب لهما في الشريعة حكما واحدا فيما لم على اشتباههما فيه.\rوبعد، فإن البرهان يبطل قولهم من نفس هذه المقدمة التي رتبوا وذلك أنه ليس في العالم شيئان أصلا، بوجه من الوجوه، إلا وهما مشتبهان من بعض الوجوه، وفي بعض الصفات، وفي بعض الحدود لا بد من ذلك، لانهما في محدثان أو مؤلفات، أو جسمان أو عرضان، ثم يكثر وجود التشابه على قدر استواء الشيئين تحت جنس أعلى، ثم تحت نوع فنوع، إلى أن تبلغ نوع الانواع الذي يلي الاشخاص، كقولنا: الناس، أو الجن، أو الخيل، أو البر، أو التمر، وما أشبه ذلك،","part":7,"page":1038},{"id":1040,"text":"ذلك فواجب على هذه المقدمة الفاسدة التي قدموا، إذا كانت عين ما مما في العالم حراما، إما أن يكون ما في العالم أوله عن آخره حراما، قياسا عليه، لانه يشبهه ولا بد في بعض الوجوه، إن تمادوا على هذا سخطوا وكفروا، وإن أبوا منه تركوا مذهبهم الفاسد في قياس الحكم فيما لم ينص عليه من الانواع على ما نص عليه منها.\rثم نلزمهم إلزاما آخر وهو: أننا نجد أيضا شيئا آخر حلالا فيلزم أن يكون كل ما في العالم حلالا، قياسا على هذا، لانه أيضا يشبهه من بعض الوجوه،\rوهذا إن قالوه، حمقوا وخرجوا عن الاسلام، وإن أبوا منه، تركوا مذهبهم الفاسد، في قياس الحكم فيما لم ينص عليه من الانواع على ما نص عليه منها.\rثم تجمع عليهم هذين الالزامين معا، فيلزمهم أن يجعلوا الاشياء كلها حراما حلالا معا، قياسا على ما حرم وما حلل، وهذا تخليط، ولا شك في فساد كل قول أدى إلى مثل هذا السخف، فإذ لا شك في بطلان هذا الهذيان، فالواجب ضرورة أن يحكم بالتحريم فيما جاء فيه النص بالتحريم، وأن يحكم بالتحليل فيما جاء فيه النص بالتحليل، وأن يحكم بالايجاب فيما جاء فيه النص بالايجاب ولا يتعدى حدود الله تعالى، فلم يبق لهم إلا أن يقولوا: إن النص لا تستوعب كل شئ.\rقال أبو محمد: وهذا قول يؤول إلى الكفر، لانه قول بأن الله تعالى لم يكمل لنا ديننا، وأنه أهم أشياء من الشريعة، تعالى الله عن هذا، والله تعالى أصدق منهم حيث يقول: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * و: * (اليوم أكملت لكم دينكم) *، و: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * فبطل قولهم بالقياس، والحمد لله رب العالمين.\rوما نعلم في الارض، بدع السوفسطائية، أشد إبطالا لاحكام العقول من أصحاب القياس، فإنهم يدعون على العقل ما لا يعرفه العقل، من أن الشئ إذا حرم في الشريعة وجب أن يحرم من أجله شئ آخر، ليس من نوعه ولا نص الله تعالى ولا رسوله (ص) على تحريمه، وهذا ما لا يعرفه العقل ولا أوجب العقل قط تحريم شئ ولا إيجابه، إلا بعد ورود النص، ولا خلاف في شئ من العقول، أنه لا فرق بين الكبش والخنزير.\rولولا أن الله حرم هذا وأحل هذا، فهم يبطلون حجج العقول جهارا، ويضادون حكم العقل صراحا، ثم","part":7,"page":1039},{"id":1041,"text":"لا يستحبون أن يصفوا بذلك خصومهم، فهم كما قال الشاعر: ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه مراد لعمري ما أراد قريب\rوأيضا: فإنه يقال لهم: إذا قلتم: إن كل شيئين اشتبها في صفة ما، فإنه يجب التسوية بين أحكامهما في الايجاب والتحليل وبالتحريم في الدين، فما الفرق بينكم وبين عكس من عليكم هذا القول بعينه، فقال: بل كل شيئين في العالم إذا افترقا في صفة ما، فإنه يجب أن يفرق أحكامهما في الايجاب والتحليل والتحريم في الدين ؟.\rفأجاب بعضهم بأن قال: هذا لا يجب دون أن يأتي بفرق.\rقال أبو محمد: وهذا تحكم عاجز عن الفرق، ويقال له: بل قولك هو الذي لا يجب، فما الفرق ؟.\rوقال بعضهم: هذا قياس منكم، فإنكم ترومون إبطال القياس بالقياس، فأنتم كالذين يرومون إبطال حجة العقل بحجة العقل.\rقال أبو محمد: فيقال لهم، وبالله تعالى التوفيق، لم نحتج عليكم بهذا تصويبا منا له ولا للقياس، لكن أريناكم أن قولكم بالقياس ينهدم بالقياس، ويبطل بعضه بعضا وليس في العالم أفسد من قول من يفسد بعضه بعضا، فأنتم إذا أقررتم بصحة القياس فنحن نلزمكم ما التزمتم به ونحجكم به، لانكم مصوبون له، مصدقون لشهادته، وهو قولكم بالفساد وعلى مذاهبكم بالتناقض، أقررتم به أو أنكرتموه، وأما نحن فلم نصوبه قط، ولا قلنا به، فهو يلزمكم ولا يلزمنا، وكل أحد فإنما يلزمه ما التزم، ولا يلزم خصمه، كما أن أخبار الآحاد المتصلة بنقل الثقات لازم لنا للاحتجاج بها علينا في المناظرة، ولا نلزم من أنكر ها، فمن ناظرنا بها لم ندفعه عما يلزمنا بها، وهذا هو فعلنا بكم في القياس.\rوأما تشبيهكم إيانا في ذلك بمن جنح في إبطال حجة العقل بحجة العقل، فتشبيه فاسد، لان المحتج علينا في إبطال حجة العقل لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يصوب ما يحتج به ويحققه فقد تناقض، أو يبطل ما يأتي به فقد كفانا مؤنته، ولسنا نحن كذلك في احتجاجنا عليكم بالقياس، لكنا نقول لكم: إن كان\rالقياس حقا عندكم فإنه يلزمكم منه كذا وكذا، وليس يقول لنا المبطلون لحجج العقول هكذا، لكنهم محققون لما يحتجون به، فيتناقضون إذا حققوا ما أبطلوا، كما","part":7,"page":1040},{"id":1042,"text":"تناقضتم أنتم في إبطالكم ما حققتموه من نتائج القياس، فطريقكم هي طريقهم.\rونحن نقول: إن هذا الذي نعارضكم به من القياس أنتم التزمتم حكمه، وهو عندنا باطل، كقولكم سواء بسواء، فإن التزمتموه أفسد قولكم، وإن أبيتموه فكذلك لانكم تقرون حينئذ بإبطال ما قد صوبتموه، ولا فساد أشد من فساد قول أدى إلى التزام الباطل، وليس من يبطل قضايا العقل كذلك، لانه لا يصح شئ أصلا إلا بالعقل أو بالحواس مع العقل، أو ما أنتج من ذلك، فمن أبطل حجة العقل ثم ناظر في ذلك بحجة العقل، فإن صححها رجع إلى الحق ودخل معنا، وإن أبطلها سقط القول معه، لانه يقر أنه يتكلم بلا عقل، وليس القياس هكذا بإقراركم.\rويكفي من هذا: أن من رام إبطال حجة العقل بحجة فقد رام ما لا يجده أبدا، وحجة العقل لا تبطل حجة العقل أصلا، بل توجبها وتصححها، وكذلك من رام إبطال خبر الواحد بخبر الواحد، فإنه لا يجد أبدا خبرا صحيحا يبطل خبر الواحد.\rوهكذا كل شئ صحيح، فإنه لا يوجد شئ صحيح يعارضه أبدا، هذا يعلم ضرورة، ولو كان ذلك لكان الحق يبطل الحق، وهذا محال في البنية، وليس كذلك القياس لانه يبطل بالقياس جهارا وبأسهل عمل، فصح أنه باطل، وهكذا كل باطل في العالم فإنه يبطل بعضه بعضا بلا شك.\rوقال بعضهم: من الدليل على أن حكم المماثلين حكم واحد أن الله عز وجل قد تحدى العرب بأن يأتوا بمثل هذا القرآن وأعلم أنهم لو أتوا بمثله لكان باطلا، لان مثل الباطل لا يكون إلا باطلا، ومثل الحق لا يكون إلا حقا.\rقال أبو محمد: هذا قول صحيح، وهو حجة عليهم، لان المشبه للباطل في أنه باطل\rهو بلا شك باطل، وبهذا أبطلنا القياس بالقياس، ورأينا أنه كله باطل، وليس ما أشبه الباطل في أنه مخلوق مثله، وأنه كلام مثله، يكون باطلا بل هذا حكم يؤدي إلى الكفر، لان الكفر كلام، والكذب كلام، والقرآن كلام، والحق كلام.\rوليس ذلك بموجب اشتباه كل ذلك في غير ما اشتبه فيه يرومون.\rوأيضا فهذا من ذلك التمويه الذي إذا كشف عاد مبطلا لقولهم بعون الله عزوجل، وذلك أننا لم ننكر قط أن ما وقع عليه مع غيره اسم يجمع تلك الاشخاص، فإنها كلها مستحقة لذلك الاسم، بل نحن أهل هذا القول.","part":7,"page":1041},{"id":1043,"text":"ونقول: إن كل ما يوضع من الكلام في غير مواضعه التي وضعها الله تعالى فيها في الشرائع أو في غير المواضع التي وضعه فيها أهل اللغات للتفاهم فهو باطل وتحريف للكلم عن مواضعه، وتبديل له، وهذا محرم بالنص وتدليس بضرورة العقل، وكل ما كان من الكلام موضوعا في مواضعه التي ذكرنا فهو حق.\rفإذ لا شك في هذا، فلم نحكم لشئ من الباطل بأنه باطل من أجل شبهه بباطل آخر، بل ليس أحد الباطلين أولى أن يكون باطلا من سائر الاباطيل، بل كل الاباطيل في وقوعها تحت الباطل سواء، ولا أحد الحقين أولى أن يكون حقا من حق آخر، بل كل حق فهو، في أنه حق، سواء مع سائر الحقوق كلها، وليس شئ من ذلك مقيسا على غيره.\rوالقول مطرد هكذا بضرورة العقل في كل ما في العالم من الشرائع وغيرها فكذلك كل بر فهو بر، وكل تمر فهو تمر، وكل ما أشبه البر مما ليس برا، فليس برا، وكل ما أشبه الذهب مما ليس ذهبا فليس ذهبا، وكل ما أشبه الحرام مما لم ينه النص عنه فليس حراما، وهكذا جميع الاشياء أولها عن آخرها، فهذا الذي أتوا به مبطل للقياس لو عقلوا وأنصفوا أنفسهم، وبالله تعالى التوفيق.\rوإنما عول القوم على التمويه والكذب والتلبيس على من اغتر بهم، فقالوا: إن أصحاب الظاهر ينكرون تماثل الاشياء، ثم جعلوا يأتون بآيات وأحاديث ومشاهدات فيها تماثل أشياء.\rوهذا خداع منهم لعقولهم وما أنكرنا قط تماثل الاشياء، بل نحن أعرف بوجوه التماثل منهم، لاننا حققنا النظر فيها، فأبانها الله تعالى لنا، وهم خلطوا وجه نظرهم، فاختلط الامر عليهم، وإنما أنكرنا أن نحكم للمتماثلات في صفاتهما من أجل ذلك في الديانة بتحريم أو إيجاب أو تحليل، دون نص من الله تعالى أو رسوله (ص)، أو إجماع من الامة، فهذا الذي أبطلنا، وهو الباطل المحض، والتحكم في دين الله تعالى بغير هدى من الله، نعوذ بالله من ذلك، وقالوا أيضا: إن أصحاب الظاهر يبطلون حجج العقول.\rقال أبو محمد: وكذبوا بل نحن المثبتون لحجج العقول على الحقيقة، وهم المبطلون لها حقا، لان العقل يشهد أنه يحرم دون الله تعالى، ولا يوجب دون الله تعالى شريعة، وأنه إنما يفهم ما خطب الله تعالى به حامله، ويعرف الاشياء","part":7,"page":1042},{"id":1044,"text":"على ما خلقها الله تعالى عليه فقط، وهم يحرمون بعقولهم ويشرعون الشرائع بعقولهم، بغير نص من الله تعالى، ولا من رسوله (ص)، ولا إجماع من الامة، فهذا هو إبطال حجج العقول على الحقيقة، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بالموازنة يوم القيامة.\rقال أبو محمد: وهذا من أغرب ما أبدوا فيه عن جهلهم، وهل هذا إلا نص جلي ؟ وأي شئ من موازنة أعمال العباد ؟ وجزاء المحسن بإحسانه، والمسئ بإساءته، والعفو عن التائب بعد أن أجرم، والعفو عن الصغائر باجتناب الكبائر، والمؤاخذة بها لمن فعل كبيرة وأصر عليها، مما يحتج به في إيجاب تحريم الارز\rبالارز متفاضلا، وهل يعقل وجوب هذا من موازنة الاعمال يوم القيامة، وجزاء الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، وجزاء السيئة بمثلها، إلا مجنون مصاب.\rوقالوا: أخبرونا عن قولكم بالدليل: أبنص قلتموه، أم بغير نص ؟ فإن قلتم: قلناه بنص، فأروناه، وإن قلتم: بغير نص، دخلتم فيما عبتم من القياس.\rقال أبو محمد: وقد أفردنا فيما خلا من كتابنا هذا بابا لبيان الدليل الذي نقول به فأغني عن ترداده، إلا أننا نقول ههنا جوابا لهم، وبالله تعالى التوفيق، ما لا يستغني هذا المكان عن إيراده وهو أن الدليل نقول: هو المقصود بالنص نفسه وإن كان بغير لفظه، كقول الله تعالى: * (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) * فبالضرورة نعلم أنه ليس بسفيه، ومثل قول رسول الله (ص): كل مسكر خمر وكل خمر حرام فصح ضرورة من هذا اللفظ أن كل مسكر حرام.\rفدليلنا هو النص والاجماع نفسه، لا ما سواهما، وبالله تعالى التوفيق.\rوقالوا: لا نص في ميراث من بعض حر وبعضه عبد، ولا في حده، ولا في ديته، فما تقولون في ذلك ؟ وكذلك نكاحه وطلاقه والجناية عليه ومنه.\rقال أبو محمد: وصاحب هذا الكلام كان أولى به أن يتعلم قبل أن يتكلم، وذلك أن النص ورد بعموم ميراث الابناء والبنات والآباء والامهات، والاخوة والاخوات، والعصبة والازواج، فواجب ألا يخرج عن النص أحد فيمنع الميراث إلا بنص، والنص قد صح من حديث علي، وابن عباس: إن المكاتب إذا","part":7,"page":1043},{"id":1045,"text":"أصاب حدا أو دية أو ميراثا، ورث وورث منه، وأقيم عليه الحد، وودي بمقدار ما أدى دية وميراث حر، وبمقدار ما لم يؤده دية عبد وميراث عبد، فصح أن العبد لا يرث.\rوقد قال قوم من العلماء: إن لهما من الميراث بمقدار ما فيهما من الحرية، وقال\rآخرون: لا شئ لهما من الميراث فكان قول هؤلاء مساقطا لمخالفته النص، ولانه دعوى بلا دليل، فلم يبق قول من قال: إن لهما من الميراث بمقدار ما فيهما من الحرية فقلنا به.\rفهكذا القول في حده وديته إذ قد بطل قول من قال: إن حده كحد الحر بحديث ابن عباس في المكاتب، إذا في نص ذلك الحديث الفرق بين حد الحر وحد العبد.\rوأما نكاحه فإن النص جاء بأن كل عبد نكح بغير إذن مواليه فنكاحه عهر، والمعتق بعضه ليس عبدا كله ولا حرا كله، ولا ينتقل عن حكمه المجمع عليه، والثابت عليه بالنص إلا بنص آخر أو إجماع، فهو غير خارج عن هذا النص فليس له أن ينكح كسائر المسلمين إلا بإذن من له فيه ملك، وطلاقه جائز على عموم النص في المطلقين.\rوأما جنايته والجناية عليه وشهادته فكالاحرار، ولا فرق إذ لم يمنع من ذلك نص ولا إجماع هذا مع صحة حديث ابن عباس في ميراث المكاتب وديته وحدوده، وإن ذلك بمقدار ما فيه من الحرية والرق.\rوقسموا أنواع القياس فقال بعضهم: من القياس قياس المفهوم، مثل قياس رقبة الظهار على رقبة القتل، قالوا: ومنه قياس العلة، كالعلة الجامعة بين النبيذ والخمر وهي الاسكار والشدة، ومنه قياس الشبه، ثم اختلفوا في هذا النوع من القياس، فقالوا: هو على الصفات الموجودة في العلة، وذلك مثل أن يكون في الشئ خمسة أوصاف من التحليل وأربعة من التحريم، فيغلب الذي فيه خمسة أوصاف على الذي فيه أربعة أوصاف، وقال آخرون منهم: وهو على الصور، كالعبد يشبه البهائم في أنه سلعة متملكة، ويشبه الاحرار في الصور الآدمية، وأنه مأمور منهي بالشريعة.","part":7,"page":1044},{"id":1046,"text":"قال أبو محمد: وكل هذا فاسد باطل متناقض لانه كله دعاوى باردة بلا دليل على صحة شئ منها ثم تسميتهم قياس الرقبة في الظهار على الرقبة في القتل أنه مفهوم، وليت شعري بماذا فهموه حتى علموا أنها لا تجزئ إلا مؤمنة ؟ هذا وقد خالفهم إخوانهم من القائسين في ذلك من أصحاب أبي حنيفة، فلم يفهموا من هذا القياس العجيب ما فهم الشافعي والمالكي، وكل ما فهم من كلام فأهل اللغة متساوون في فهمه بلا شك، فصار دعواهم للفهم كذبا، ثم هلا إذا فهموا أن كلتا الرقبتين سواء، مشوا في قياسهم ففهموا أنه يجب التعويض من الصيام في القتل إطعام ستين مسكينا كالتعويض لذلك من صيام الظهار، كما تساوى التعويض من رقبتي الظهار والقتل، صيام شهرين متتابعين، فما هذا التباين في فهم ما لا تقضيه الآية ولا اللغة ؟.\rوأما قولهم: قياس العلة، وأن النبيذ مقيس على الخمر - فكذب مجرد بارد سمج، وجرأة على الله تعالى، وقد قال رسول الله (ص): كل مسكر خمر وكل مسكر حرام فساوى (ص) بين كل مسكر، ولم يخص من عنب ولا تمر ولا تين ولا عسل ولا غير ذلك، ثم أخبر أن كل مسكر حرام، فليست خمر العنب في ذلك بأولى من خمر التين، ولا خمر العنب أصلا وغيرها فرعا، بل كل ذلك سواء بالنص فظهر برد قولهم وفساده.\rفإن قالوا: فهلا كفرتم من استحل نبيذ التين المسكر، كما تكفرون مستحل عصير العنب المسكر ؟.\rقيل له، وبالله تعالى التوفيق: إنما كفرنا من استحل عصير العنب المسكر لقيام الحجة بالاجماع، ولو استحله جاهل لم يعرف الاجماع في ذلك ما كفرناه حتى يعرفه بالاجماع، وكذلك لم نكفر مستحل نبيذ التين لجهله بالحجة في ذلك، ولو\rأنه يصح عنه قول النبي (ص) في تحريم كل مسكر على عمومه، ثم يستجيز مخالفة النبي (ص)، لكان كافرا بلا شك وقد أفردنا بعد هذا بابا ضخما في إبطال قولهم في العلل، وبالله تعالى التوفيق.\rوأما قولهم في موازنة صفات التحليل وصفات التحريم، فإنا نقول لهم: هبكم، لو سامحناكم في هذا الهذيان المفترى، وماذا تصنعون إذا تساوت عندكم صفات","part":7,"page":1045},{"id":1047,"text":"التحريم وصفات التحليل ؟ فإن قالوا: نغلب التحريم احتياطا.\rقلنا لهم: ولم لا تغلبوا التحليل تيسيرا ؟ لقول الله تعالى: * (يريد الله بكم اليسر) * وإن قالوا: نغلب التحليل، قيل لهم: وهلا غلبتم التحريم ؟.\rولقول الله تعالى: * (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) * فظهر بطلان قولهم وفساده، وبالجملة فليس تغليب أحد الوجهين أولى من الآخر، وقد قال تعالى: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام) * فنص تعالى على أن كل محرم ومحلل بغير نص من الله تعالى فهو كاذب ومفتر، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا: فلو كانت صفة شبه التحريم توجب التحريم، وصفة شبه التحليل توجب التحليل، لما وجد كلا الامرين في شئ واحد البتة، لانه كان يجب من ذلك أن يكون الشئ حراما حلالا معا، وهذا حمق محال.\rفصح أن الشبه لا يوجب تحريما ولا تحليلا، كثرت الاوصاف بذلك أو قلت.\rوقد أقدم بعضهم فقال: إن الله تعالى قال: * (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) * قالوا: غلب تعالى الاثم فحرمها.\rقال أبو محمد: هذا من الجرأة على القول على الله تعالى بغير علم، وهذا يوجب إن الله تعالى اعترضه في الخمر والميسر أصلان: أحدهما المنافع، والثاني الاثم، فغلب الاثم، هذا هو نص كلامهم وظاهره ومقتضاه، وليت شعري، من رتب\rهذا الاثم في الخمر والميسر ؟ وقد كانا برهة قبل التحريم حلالين لا إثم فيهما، وقد شربها أفاضل الصحابة رضي الله عنهم، وأهديت إلى النبي (ص) وتنادم الصالحون عليها أزيد من ستة عشر عاما، في الاصل صح ذلك عن عبد الرحمن ابن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وحمزة، وأبي عبيدة بن الجراح، وسهيل بن بيضاء، وأبي بن كعب، وأبي دجانة، وأبي طلحة، وأبي أيوب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وغيرهم كلهم شربوا الخمر بعد الهجرة، واصطحبها جماعة يوم أحد ممن أكرمهم الله تعالى في ذلك اليوم بالشهادة، فهل أحدث الاثم فيها بعد أن لم يكن إلا الله تعالى ؟ فأين قول هؤلاء النوكى: إن الله تعالى حرمها لاجل الاثم الذي فيها، أو لاجل الشدة والاسكار ؟ وهل هذا إلا كذب بحت ؟ وهل حدث الاثم إلا بعد حدوث التحريم بلا فصل ؟ وهل خلط قط","part":7,"page":1046},{"id":1048,"text":"عن الشدة والاسكار مذ خلقها الله تعالى، فبطل قولهم بتجاذب الاوصاف، والحمد لله كثيرا.\rوأما قولهم في تغليب الصورة الآدمية في العبيد على شبهة البهائم، إنه سلعة مملوكة، فقول بارد وهلا، إذ فعلوا ذلك، قبلوا شهادته إذ غلبوا شبهة الاحرار على شبهة البهائم ؟ وهل هذا كله إلا لهو ولعب، وشبيه بالخرا فات ؟ نعوذ بالله من الخذلان، ومن تعدي حدوده، ومن القول في الدين بغير نص من الله تعالى أو رسوله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوإذا أبطلوا حكم الشبه من أجل شبه آخر أقوى منه، فقد صاروا إلى قولنا في إبطال حكم التشابه في إيجاب حكم له في الدين لم يأت به نص، ثم تناقضوا في إثباته مرة وإبطاله أخرى بلا برهان.\rوشنع بعضهم بأن قال: إن إبطال القياس مذهب النظام، ومحمد بن عبد الله\rفقول بارد وهلا، إذ فعلوا ذلك، قبلوا شهادته إذ غلبوا شبهة الاحرار على شبهة البهائم ؟ وهل هذا كله إلا لهو ولعب، وشبيه بالخرا فات ؟ نعوذ بالله من الخذلان، ومن تعدي حدوده، ومن القول في الدين بغير نص من الله تعالى أو رسوله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوإذا أبطلوا حكم الشبه من أجل شبه آخر أقوى منه، فقد صاروا إلى قولنا في إبطال حكم التشابه في إيجاب حكم له في الدين لم يأت به نص، ثم تناقضوا في إثباته مرة وإبطاله أخرى بلا برهان.\rوشنع بعضهم بأن قال: إن إبطال القياس مذهب النظام، ومحمد بن عبد الله الاسكافي، وجعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، وعيسى المراد، وأبي عفار، وبعض الخوارج، وإن من هؤلاء من يقول: إن بنات البنين حلال، وكذلك الجدات، وكذلك دماغ الخنزير.\rقال أبو محمد: ولسنا ننكر أن تقول اليهود لا إله إلا الله، ونقولها أيضا نحن، ولكن إذا ذكروا هؤلاء فلا تنسوا القائلين بقولهم القياس، أبا الهذيل العلاف، وأبا بكر بن كيسان الاصم، وجهم بن صفوان، وبشر بن المعتمر، ومعمرا وبشرا المريسي، والازارقة، وأحمد بن حائط، ومن هؤلاء من يقول بقياس الاطفال على الكبار، وأنهم نسخت أرواحهم في الاطفال، وبالقياس على قوم نوح، فأباحوا قتل الاطفال، وقاسوا فناء الجنة والنار على فناء الدنيا، وغير ذلك من شنيع الاقوال.\rفهذا كل ما موهوا به في نص القياس قد تقصيناه والحمد لله، ولم ندع منه بقية، وبينا - بعون الله - أنه لا حجة لهم بوجه من الوجوه، ولا متعلق في شئ منه البتة، وأنه كله عائد عليهم، ومبطل لقولهم في إثبات القياس، وقد كان هذا يكفي من تكلف إبطال القياس، لان كل قول لا يقوم بصحته برهان فهو دعوى ساقطة ولكنا لا نقطع بذلك حتى نورد - بحول الله - البراهين القاطعة على إبطال القياس والقول به.","part":7,"page":1047},{"id":1049,"text":"الاحكام - ابن حزم ج 8\rالاحكام\rابن حزم ج 8","part":8,"page":0},{"id":1050,"text":"الجزء الثامن بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم فصل وهذا حين نأخذ في إبطال القياس بالبراهين الضرورية إن شاء.\rقال أبو محمد: ويقال للقائلين بالقياس: أليس قد بعث الله عزوجل محمدا (ص) رسولا إلى الانس والجن، فأول ما دعاهم إليه فقول لا إله إلا الله ورفض كل معبود دون الله تعالى، ومن وثن وغيره، وأنه رسول الله فقط لم يكن في الدين شريعة غير هذا أصلا، لا إيجاب حكم، ولا تحريم شئ ؟.\rفمن قولهم وقول كل مسلم وكافر: نعم، هذا أمر لا شك فيه عند أحد، فإذ هذا لا خلاف فيه ولا شك فيه، ولا ينكره أحد، فقد كان الدين والاسلام لا تحريم فيه، ولا إيجاب، ثم أنزل الله تعالى الشرائع، فما أمر به فهو واجب، وما نهى عنه فهو حرام، وما لم يأمر به ولا نهى عنه فهو مباح مطلق، حلال كما كان، هذا أمر معروف ضرورة بفطرة العقول من كل أحد ففي ماذا يحتاج إلى القياس أو إلى الرأي ؟.\rأليس من أقر بما ذكرنا ثم أوجب ما لا نص بإيجابه، أو حرم ما لا نص بالنهي عنه، قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله تعالى ؟ وقال ما لا يحل القول به ؟ وهذا برهان لائح واضح وكاف لا معترض فيه.\rثم يقال لهم أيضا وبالله تعالى التوفيق: فماذا يحتاج إلى القياس ؟ أفيما نص عليه الله تعالى ورسوله (ص) ؟ أم فيما لم ينص عليه ؟ فإن قالوا: فيما نص عليه، فارقوا الاجماع، وقاربوا الخروج عن الاسلام، لانه لم يقل بهذا أحد، وهو مع ذلك قول لا يمكن أحد أن يقوله، لانه لا قياس إلا على أصل يرد ذلك الفرع إليه، ولا أصل إلا نص أو إجماع، فصح على قولهم أن القياس إنما هو مردود إلى النص.\rوإن قالوا: فيما لم ينص عليه، فقلنا وبالله تعالى التوفيق: قال الله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) * وقال تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب","part":8,"page":1049},{"id":1051,"text":"من شئ) * وقال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * وقال (ص) في حجة الوداع: اللهم هل بلغت ؟ قالوا: نعم.\rقال: اللهم اشهد...حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشني، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مرة الهمداني قال: قال عبد الله بن مسعود: من أراد العلم فليثر القرآن، فإن فيه علم الاولين والآخرين، هكذا رويناه عن مسروق والزهري، أنه ليس شئ اختلف فيه إلا وهو في القرآن، فصح بنص القرآن أنه لا شئ من الدين وجميع أحكامه إلا وقد نص عليه، فلا حاجة بأحد إلى القياس.\rفإن قالوا: إنما نقيس النوازل، من الفروع على الاصول.\rقال أبو محمد: وهذا، لانه ليس في الدين إلا واجب أو حرام أو مباح، ولا سبيل إلى قسم رابع البتة، فأي هذه أصل، وأي هذه فرع فبطل قولهم، وصح أن أحكام الدين كلها أصول لا فرع فيها، وكلها منصوص عليه، فلما اختلف الناس قط إلا في الاصول، كالوضوء والصلاة والزكاة والحج، والحرام من البيوع والحلال منها، وعقود النكاح والطلاق وما أشبه ذلك.\rفإن قالوا: لسنا ننكر أن الله تعالى لم يفرط في الكتاب من شئ، ولا أن النبي (ص) بين، ولكن النص والبيان ينقسم قسمين: أحدهما نص على الشئ باسمه، والثاني نص عليها بالدلالة، وهذا هو الذي نسميه قياسا، وهو التنبيه على علة الحكم، فحيثما وجدت تلك العلة حكم بها.\rقالوا: وهذا هو الاختصار وجوامع الكلم التي بعث بها رسول الله (ص).\rقيل لهم: وبالله تعالى التوفيق: هذا هو الباطل، لان الذي تذكرون دعوى بلا دليل، وتلك الدلالة تخلو من أن تكون موضوعة في اللغة، التي بها خوطبنا وبها نزل القرآن، لذلك المعنى بعينه.\rفهذا غير قولكم، وهذا هو القسم الاول من النص على الشئ باسمه، فلا تموهوا فتجعلوا النص قسمين، أو تكون تلك الدلالة غير موضوعة في اللغة، التي بها خوطبنا وبها نزل القرآن، لذلك المعنى، فإن كانت كذلك فهذا هو التلبيس والتخليط الذي تنزه الله تعالى، ونزه رسوله (ص) عنه، ولا يحل لاحد أن ينسب هذا إلى الله تعالى، ولا إلى رسوله (ص).","part":8,"page":1050},{"id":1052,"text":"وهذا برهان ضروري، ولا محيد عنه، بين لا إشكال فيه على من له أقل فهم، وليس هذا طريق اختصار، ولا تنبيه ولا بيان، ولكنه خبط وإشكال وإفساد وتدليس.\rولا تنبيه ولا بيان فيمن يريد أن يعلمنا حكم الصداق، فلا يذكر صداقا ويدلنا على ذلك بما نقطع فيه اليد، أيريد الاكل فيذكر الوطئ، أو يريد الجوز فيذكر الملح، أو يريد المخطئ فيذكر المتعمد، وهذا تكليف ما لا يطاق، وإلزام لعلم الغيب والكهانة، وإيجاب للحكم بالظن الكاذب، تعالى الله عن ذلك وتنزه رسول الله (ص) عنه.\rوإنما الاختصار وجوامع الكلم والتنبيه أن يأتي إلى المعنى الذي يعبر عنه بألفاظ كثيرة فيبينه بألفاظ مختصرة جامعة يسيرة، لا يشذ عنها شئ من المراد بها البتة، ولا تقتضي من غير المراد بها شيئا أصلا، فهذا هو حقيقة الاختصار والبيان والتنبيه.\rوذلك مثل قول الله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * فدخل تحت هذا اللفظ مالو تقصى لملئت منه أسفار عظيمة، من ذكر قطع الاعضاء عضوا عضوا، وكسرها عضوا عضوا، والجراحات جرحا جرحا، والضرب هيئة هيئة، وذكر أحد الاحوال وسائر ما يقتضيه هذا المعنى\rمن تولي المجني عليه للاقتصاص، ونفاذ أمره في ذلك.\rومثل قوله (ص): جرح العجماء جبار وسائر كلامه (ص).\rوأما من إسقاط معاني أرادها، فلم يذكرها بالاسم الموضوع لها في اللغة التي بها خوطبنا، وطمع أن يدل عليها باسم غير موضوع لها في اللغة:، فهذا فعل الشيطان المريد إفساد الدين والتخليط على المسلمين، لا فعل رب العالمين، وخاتم النبيين.\rوبالله تعالى نستعين.\rفإن قالوا: لسنا نقول: إنه تنزل نازلة لا توجد في القرآن والسنة، لكنا نقول إنه يوجد حكم بعض النوازل نصا وبعضها بالدليل.\rقيل لهم، وبالله تعالى التوفيق: إن هذا حق، ولكن إذا كان هذا الدليل الذي تذكرون لا يحتمل إلا وجها واحدا.\rفهذا قولنا لا قولكم، وأما إن كان ذلك الدليل يحتمل وجهين فصاعدا فهذا ينقسم على قسمين: إما أن يكون هنالك نص آخر بين مراد الله تعالى من ذينك الوجهين فصاعدا بيانا جليا أو إجماع كذلك،","part":8,"page":1051},{"id":1053,"text":"فهذا هو قولنا، والنص بعينه لم نزل عنه، وإما ألا يكون هنالك نص آخر ولا إجماع يبين بأحدهما مراد الله عزوجل من ذلك - فهذا إشكال وتلبيس، تعالى الله عن ذلك، ولا يحل لاحد أن ينسب هذا إلى شئ من دين الله تعالى، الذي قد بينه غاية البيان رسوله (ص).\rفإن قالوا: إن التشابه بين الادلة هو أحد الادلة على مراد الله تعالى.\rقيل لهم: هذه دعوى تحتاج إلى دليل يصححها، وما كان هكذا فهو باطل بإجماع، ولا سبيل إلى وجود نص ولا إجماع يصحح هذه الدعوى، ولا فرق بينها وبين من جعل قول إنسان من العلماء بعينه دليلا على مراد الله تعالى في تلك المسألة، وكل هذا باطل وافتراء على الله تعالى.\rوأيضا فإنهم في التشابه الموجب للحكم مختلفون، فبعضهم يجعل صفة ما علة لذلك الحكم، وبعضهم يمنع من ذلك ويأتي بعلة أخرى، وهذا كله تحكم بلا دليل.\rوقد صحح بعضهم العلة بطردها في معلولاتها، وهذا تخليط تام، لان الطرد إنما يصح بعد صحة العلة، لان الطرد إنما هو فرع يوجبه صحة العلة، وإلا فهو باطل ومن المحال ألا يصح الاصل إلا بصحة الفروع.\rوأيضا فإنهم إذا اختلفوا في طرد تلك العلة، فليس من طردها ليصححها بأولى ممن لم يطردها ليبطلها وطرد غيرها، وهذا كله تحكم في الدين لا يجوز، وذلك نحو طرد الشافعي علة الاكل في الربا، ومنع أبي حنيفة ومالك من ذلك، وطرد أبي حنيفة علة الوزن والكيل، ومنع مالك والشافعي من ذلك، وطرد مالك علة الادخار والاكل، ومنع أبي حنيفة والشافعي من ذلك.\rفإن قالوا: فأرونا جمع النوازل منصوصا عليها.\rقلنا لو عجزنا عن ذلك لما كان عجزنا حجة على الله تعالى، ولا على رسوله (ص) إذ لم ندع لكم - الواحد فالواحد منه - الاحاطة بجميع السنن، لكن حسبنا أننا نقطع بأن الله تعالى بين لنا كل ما يقع من أحكام الدين إلى يوم القيامة، فكيف ونحن نأتيكم بنص واحد فيه كل نازلة وقعت أو تقع إلى يوم القيامة، وهو الخبر الصحيح الذي ذكرناه قبل بإسناده وهو قوله (ص): دعوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على","part":8,"page":1052},{"id":1054,"text":"أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه فصح نصا أن ما لم يقل فيه النبي (ص) فليس واجبا، لانه لم يأمر به، وليس حراما لانه لم ينه عنه، فبقي ضرورة أنه مباح، فمن ادعى أنه حرام مكلف أن يأتي فيه بنهي من النبي (ص)، فإن جاء سمعنا وأطعنا، وإلا فقوله باطل، ومن ادعى\rفيه إيجابا كلف أن يأتي فيه بأمر من النبي (ص) فإن جاء به سمعنا وأطعنا، وإن لم يأت به فقوله باطل، وصح بهذا النص أن كل ما أمر به (ص) فهو فرض علينا إلا ما لم نستطع من ذلك، وأن كل ما نهانا عنه فحرام حاشا ما بينه (ص) أنه مكروه أو ندب فقط، فلم يبق في الدين حكم إلا وهو ههنا منصوص جملة.\rثم نعكس عليهم هذا السؤال وهذا القول فنقول لهم: أنتم تقولون: لا نازلة إلا ولها نظير في القرآن أو السنة، فنحن نعكس السؤال عن تلك النوازل التي تريدون سؤالنا عنها، من دينار وقع في محبرة وسائر تلك الحماقات، فأرونا نظائرها في القرآن والسنة، وأنتم تقرون أنه لا نصوص فيها، فخبرونا كيف تصنعون فيها أتحكمون فيها بقولكم ؟ فهذا دينكم لا دين الله ففي هذا ما فيه، فظهر فساد كل سؤال لهم والحمد لله رب العالمين كثيرا.\rوقال من سلف من أصحابنا رحمهم الله: يقال لمن قال بالقياس قد أجمعتم - أنتم وجميع المسلمين بلا خلاف من أحد منهم، على أن الاحكام كلها في الديانة جائز أن تؤخذ نصا، واتفقوا كلهم - بلا خلاف من واحد منهم لا من القائلين بالقياس ولا من غيرهم، على أن أحكام الديانة كلها لا يجوز أن تؤخذ قياسا، ولا بد عندهم من نص يقاس عليه، فيقال لاصحاب القياس، عندكم حقا فمن ههنا بدؤوا به فقيسوا ما اختلفنا فيه من المسائل التي جوزتم القياس فيها، ومنعنا نحن منها، على ما اتفقنا عليه من المسائل التي أقررتم أنها لا يجوز أن تؤخذ قياسا، فإن لم تفعلوا فقد تركتم القياس، وإن فعلتم تركتم القياس، ولسنا نقول إن هذا العمل صحيح عندنا ولكن صحيح على أصولكم ولا أبطل من قول نقض بعضه بعضا.","part":8,"page":1053},{"id":1055,"text":"ويقال لهم وجدنا مسائل كثيرة قد أجمعتم وأنتم وجميع الامة على ترك القياس\rفيها، كقاتل تاب قبل أن يقدر عليه وندم، فلا يسقط عنه القصاص عند أحد، ولم تقيسوا ذلك على محارب تاب قبل أن يقدر عليه، فالحد في الحرابة عنه ساقط، وكذلك اتفقوا على ألا يقاس الغاصب على السارق، وكلاهما أخذ مالا محرما عمدا، أو كترك قياس تعويض الاطعام من الصيام في قتل الخطأ على تعويضه من الصيام في الظهار، ومثل هذا كثير جدا، بل هو أكثر مما قاسوا فيه، فلو كان القياس حقا ما جاز الاجماع على تركه، كما لا يجوز الاجماع على ترك الحق الذي هو القرآن، أو كلام الرسول (ص) مما صح عنه، فإنه لم يجمع قط على ترك شئ منه إلا لنص آخر ناسخ له فقط، وهذا يوجب بطلان القياس ضرورة.\rويقال لهم أخبرونا عن القياس، أيخلو عندكم أن يحكم للشئ الذي لا نص فيه ولا إجماع بمثل الحكم الذي فيه نص أو إجماع، إما لعلة فيهما معا، هي في المحكوم فيه علامة الحكم، وإما لنوع من الشبه بينهما، وإما مطارفة لا لعلة ولا لشبه ولا سبيل إلى قسم رابع أصلا ؟ فإن قالوا: مطارفة لا لعلة ولا لشبه كفونا مؤنتهم، وصار قائل هذا ضحكة ومهزأة، ولم يكن أيضا أولى بما يحكم به من غيره، يحكم في ذلك الامر بحكم آخر، وهذا ما لا يقوله أحد منهم.\rفإن قالوا: بل لنوع من الشبه، قيل لهم: وما دليلكم على أن ذلك النوع من الشبه يجب به ذلك الحكم، ولا سبيل إلى وجود ذلك الدليل، وتعارضون أيضا بشبه آخر يوجب حكما آخر، وهذا أبدا.\rفإن قالوا: بل لعلة جامعة بين الحكمين، سألناهم: ما الدليل على أن الذي تجعلونه علة الحكم هي علة الحقيقة ؟ فإن ادعوا نصا فالحكم حينئذ للنص، ونحن لا ننكر هذا إذا وجدناه.\rفإن قالوا: غير النص قلنا: هذا الباطل والدعوى التي لا برهان على صحتها وما كان هكذا فهو ساقط بنص القرآن، وبحكم الاجماع والعقول، وإن قالوا: طرد حكم العلة دليل على صحتها، قيل لهم: طردكم أنتم،\rأو طرد أهل الاسلام.\rفإن قالوا: طرد أهل الاسلام، قيل: هذا إجماع لا خلاف فيه، ولسنا نخالفكم في صحة الاجماع إذا وجد يقينا، وإن قالوا: بل طردنا نحن قيل لهم: ما طردكم","part":8,"page":1054},{"id":1056,"text":"أنتم حجة على أحد، فهاتوا برهانكم على صحة دعواكم إن كنتم صادقين، وهذا ما لا مخلص منه أصلا.\rوالحمد الله رب العالمين.\rقال أبو محمد وقال جاءت نصوص بإبطال القياس.\rفمن ذلك قول الله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * وقال تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) * وقال تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * وقال تعالى: * (وما كان ربك نسيا) * وهذه نصوص مبطلة للقياس، وللقول في الدين بغير نص، لان القياس على ما بينا قفو لما لا علم لهم به، وتقدم بين يدي الله تعالى ورسوله (ص) واستدراك على الله تعالى ورسوله (ص) ما لم يذكراه.\rفإن قال أهل القياس: فلعل إنكاركم للقياس قول بغير علم، وقفو لما لا علم لكم به، وتقدم بين يدي الله ورسوله.\rقيل لهم، وبالله تعالى التوفيق: نحن نريكم إنكارنا للقياس أنه قول بعلم وبنص وبيقين، وذلك أن الله عزوجل قال: * (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) * فصح يقينا لا شك فيه أن الناس خرجوا إلى الدنيا لا يعلمون شيئا أصلا بنص كلام الله عزوجل.\rوقال تعالى: * (كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) * فصح يقينا أن الله أرسل محمدا رسوله (ص) إلينا ليعلمنا ما لم نعلم.\rفصح ضرورة أن ما علمنا الرسول (ص) من أمور الدين فهو الحق، وما لم يعلمنا منها فهو الباطل،\rوحرام القول به وقال تعالى يعني به إبليس اللعين: * (إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * وقال تعالى: * (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) *.\rفصح بنص القرآن أننا خرجنا إلى الدنيا لا نعلم شيئا ثم حرم علينا القول على الله تعالى بما لا نعلم، وأخبرنا تعالى أن إبليس يأمرنا بأن نقول على الله ما لا نعلم، فقد صح بهذه النصوص، ضرورة أن القول بقياس وبغير القياس، كمن أثبت العنقاء والغول والكيميا وكقول الروافض في الامام، وكقول من قال بالالهام","part":8,"page":1055},{"id":1057,"text":"وكل هذا، فالقول به على الله تعالى في الدين حرام.\rمقرون بالشرك أمر من أمر إبليس.\rإلا ما علمنا رسول الله (ص).\rفهو الحق الذي نقوله على الله تعالى.\rولا يحل لنا أن نقول عليه غيره، فإذ لم يأمرنا عليه السلام بالقياس فهو حرام من أمر الشيطان بلا شك، وقد بينا فيما خلا، كل ما شغبوا مما أرادوا التمويه به فيه بالحديث فحرم القول بالقياس البتة.\rوبهذا بطل كل قول بلا برهان على صحته، حتى لو لم يقيم برهان بإبطاله، فلو لم يكن لنا برهان على إبطال القياس لكان عدم البرهان على إثباته برهانا في إبطاله، لان الفرض علينا ألا نوجب في الدين شيئا إلا ببرهان، وإذ ذلك كذلك فالفرض علينا أن نبطل كل قول قيل في الدين، حتى يقوم برهان بصحته، وهذا برهان ضروري لا محيد عنه، وبالله تعالى التوفيق.\rوقد اعترض بعضهم في قول الله تعالى * (اليوم أكملت لكم دينكم) * بما روي عن رسول الله (ص) يوم الخميس قبل موته (ص) بأربعة أيام: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا من بعدي وبما روي عن عائشة رضي الله\rعنها قولها: لم يكن الوحي قط أكثر منه قبيل موت النبي (ص) فقالوا: هذه أشياء زائدة على ما كان حين قوله تعالى في حجة الوداع: * (اليوم أكملت لكم دينكم) *.\rواعترض آخرون من أهل الجهل على الحديث المذكور بالآية المذكورة، وصوبوا فعل عمر وقوله في ذلك اليوم.\rقال أبو محمد: وهذان الاعتراضان من هاتين الطائفتين لا يشبهان اعتراض المسلمين، وإنما يشبهان اعتراض أهل الكفر والالحاد، وبعيد عندنا أن يعترض بهما مسلم صحيح الباطن، لان الطائفة الاولى مكذبة لله عزوجل في قوله إنه أكمل ديننا، مدعية أنه كانت هنالك أشياء لم تكمل، والطائفة الثانية مجهلة لرسول الله (ص) مدعية عليه الكذب في أمر الكتاب الذي أراد أن يكتبه، أو التخطيط في كلامه، وأن قول عمر أصوب من قول رسول الله (ص) وكلا هذين القولين كفر مجرد.\rوكل هذه النصوص حق لا تعارض بين شئ منها بوجه من الوجوه، لان","part":8,"page":1056},{"id":1058,"text":"الآية المذكورة نزلت يوم عرفة في حجة الوداع قبل موته (ص) بثلاثة أشهر، وحتى لو نزلت بعد ذلك شرائع لما كان نزولها معارضا للآية المذكورة، لان الدين في كل وقت تام كامل، ولله تعالى أن يمحو من الدين ما يشاء، وأن يزيد فيه، وأن يثبت وليس ذلك لغيره، بل قد صح أمر النبي (ص) قبيل موته بساعة بإخراج الكفار من جزيرة العرب، وألا يبقى فيها دينان، ولمن يكن هذا الشرع ورد قبل ذلك.\rولو ورد لما أقرهم رسول الله (ص)، وإنما غرضنا من هذه الآية أن الله تعالى تولى إكمال الدين، وما أكمله الله تعالى فليس لاحد أن يزيد فيه رأيا ولا قياسا لم يزدهما الله تعالى في الدين، وهذا بين.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوأما أمر الكتاب الذي أراد رسول الله (ص) أن يكتبه يوم الخميس قبل وفاته (ص) بأربعة أيام، فإنما كان في النص على أبي بكر رضي الله عنه، ولقد وهل عمر وكل من ساعده على ذلك، وكان ذلك القول منهم خطأ عظيما، ولكنهم الخير أرادوا، فهم معذورون مأجورون، وإن كانوا قد عوقبوا على ذلك بأمر رسول الله (ص) إياهم بالخروج عنه، وإنكاره عليهم التنازع بحضرته.\rولقد ولد الامتناع من ذلك الكتاب من فرقة الانصار يوم السقيفة ما كاد يكون فيه بوار الاسلام، لولا أن الله تداركنا بمنه، وولد من اختلاف الشيعة وخروج طوائف منهم عن الاسلام، أمرا يشجي نفوس أهل الاسلام، فلو كتب ذلك الكتاب لانقطع الاختلاف في الامامة، ولما ضل أحد فيها، لكن يقضي الله أمرا كان مفعولا.\rوقد أبى ربك إلا ما ترى.\rوهذه زلة عالم، نعني قول عمر رضي الله عنه يومئذ، قد حذرنا من مثلها، وعلى كل حال فنحن نثبت ونقطع ونوقن، ونشهد بشهادة الله تعالى، ونبرأ من كل من لم يشهد، بأن الذي أراد (ص) أن يمله في ذلك اليوم، في الكتاب الذي أراد أن يكتبه، لو كان شرعا زائدا من تحريم شئ لم يتقدم تحريمه، أو تحليل شئ تقدم تحريمه، أو إيجاب شئ لم يتقدم إيجابه، إو إسقاط إيجاب شئ تقدم إيجابه، لما ترك (ص) بيانه ولا كتابه لقول عمر، ولا لقول أحد","part":8,"page":1057},{"id":1059,"text":"من الناس.\rفصح ضرورة أنه فيما قد علم بوحي الله تعالى إليه أنه سيتم من ولاية أبي بكر، وذلك بين قوله (ص) في حديث عائشة الذي قد ذكرنا قبل: ويأبى الله والمؤمنون وروي أيضا والنبيون إلا أبا بكر فوضح البرهان بصحة قولنا يقينا.\rوالحمد لله كثيرا.\rوأما تتابع الوحي فإنما كان بلا شك تأكيدا في التزام ما نزل من القرآن قبل ذلك.\rومثل ما روي من: * (إذا جاء نصر الله والفتح ئ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) * ونزول: * (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) * وآية الكلالة التي قد تقدم حكمها.\rفصح أنه لا تعارض بين شئ من هذه النصوص.\rوالحمد لله رب العالمين.\rفإن قالوا: فأرونا كل نازلة تنزل على ما تقولون في نص القرآن والسنة.\rقلنا لهم: نعم، وبالله تعالى التوفيق، وهذا واجب علينا وأول ذلك: أن نقرر ما الديانة ؟ وهي أن نقول: إن أحكام الشريعة كلها - أولها عن آخرها - تنقسم ثلاثة أقسام لا رابع لها: وهي فرض لا بد من اعتقاده، والعمل به مع ذلك، وحرام لا بد من اجتنابه قولا وعقدا وعملا، وحلال مباح فعله ومباح تركه.\rوأما المكروه والمندب إليه فداخلان تحت المباح على ما بينا قبل، لان المكروه لا يأثم فاعله، ولو أثم لكان حراما، ولكن يؤجر فاعله.\rوالمندوب إليه لا يأثم تاركه، ولو أثم لكان فرضا، ولكن يؤجر فاعله.\rفهذه أقسام الشريعة بإجماع من كل مسلم، وبضرورة وجود العقل في القسمة الصحيحة، إلى ورود السمع بها، فإذ لا شك في هذا، فقد قال الله عزوجل: * (خلق لكم ما في الارض جميعا) * وقال تعالى: * (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) * فصح بهاتين الآيتين أن كل شئ في الارض، وكمل عمل فمباح حلال، إلا ما فصل الله تعالى لنا تحريمه اسمه نصا عليه في القرآن، وكلام النبي (ص) المبلغ عن ربه عزوجل والمبين لما أنزل عليه.\rوفي إجماع الامة كلها المنصوص على اتباعه في القرآن، وهو راجع إلى النص على ما بينا قبل، فإن وجدنا شيئا حرمه النص بالنهي عنه أو الاجماع باسمه حرمناه، وإن لم نجد شيئا منصوصا على","part":8,"page":1058},{"id":1060,"text":"النهي عنه باسمه ولا مجمعا عليه فهو حلال بنص الآية الاولى.\rوقد أكد الله تعالى هذا في غير ما موضع من كتابه فقال عزوجل: * (يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) * فبين الله تعالى أن كل شئ حلال لنا إلا ما نص على تحريمه، ونهانا عن اعتداء ما أمرنا تعالى به، فمن حرم شيئا لم ينص الله تعالى ولا رسوله (ص) على تحريمه والنهي عنه، ولا أجمع على تحريمه، فقد اعتدى وعصى الله تعالى، ثم زادنا تعالى بيانا فقال: * (هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم) * فصح بنص هذه الآية صحة لا مرية فيها أن كل ما لم يأت النهي فيه باسمه من عند الله تعالى على لسان رسوله (ص) فهو حلال لا يحل لاحد أن يشهد بتحريمه.\rوقال تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * وقال تعالى: * (يأيها الذين آمنوا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ئ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) * فبين الله تعالى أن ما أمرنا به في القرآن أو على لسان نبيه (ص) فهو واجب طاعته، وضد الطاعة المعصية فمن لم يطع فقد عصى، ومن لم يفعل ما أمر به فلم يطع، ونهانا عن أن نسأل عن شئ جملة البتة ولم يدعنا في لبس أن يقول قائل: إن هذه الآية نزلت في السؤال عن مثل ما سأل عنه عبد الله بن حذافة: من أبى ؟ فأكذب الله ظنونهم لكن قال الله تعالى: * (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) * فصح أن ذلك في الشرائع التي يكفر في جحدها، ويضل من تركها، فصح أن ما لم يأت به نص أو إجماع فليس واجبا علينا.\rفأي شئ بقي بعد هذا ؟ وهل في العالم نازلة تخرج من أن يقول قائل: هذا واجب ؟ فنقول له: إن أتيت على إيجابه بنص من القرآن أو بكلام صحيح عن رسول الله (ص) أو إجماع، فسمعا وطاعة، وهو واجب، ومن أبى عن إيجابه حينئذ فهو كافر، وإن لم يأت على إيجابه بنص ولا إجماع، فإنه كاذب وذلك القول ليس بواجب أو يقول قال: هذا حرام، فنقول له: إن أتيت","part":8,"page":1059},{"id":1061,"text":"على النهي عنه بنص أو إجماع فهو حرام، وسمعا وطاعة، ومن أراد استباحته حينئذ فهو آثم كاذب عاص، وإن تأت على النهي عنه بنص ولا إجماع فأنت كاذب، وذلك الشئ ليس حراما.\rفهل في العالم حكم يخرج عن هذا ؟ فصح أن النص مستوعب لكل حكم يقع أو وقع إلى يوم القيامة، ولا سبيل إلى نازلة تخرج عن هذه الاحكام الثلاثة، وبالله تعالى التوفيق.\rثم قد جاءت الاحاديث عن رسول الله (ص) بمثل ما جاءت به هذه الآيات، كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمذاني، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البلخي، ثنا محمد بن يوسف، ثنا محمد باسماعيل، ثنا إسماعيل هو ابن أبي أويس، ثنا مالك ابن أنس، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، عن النبي (ص) قال: دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.\rقال أبو محمد: فهذا حديث جامع لكل ما ذكرنا، بين فيه (ص) أنه إذا نهى عن شئ فواجب أن يجتنب، وأنه إذا أمر بأمر فواجب أن يؤتى منه حيث بلغت الاستطاعة، وأن ما لم ينه عنه، ولا أمر به، فواجب ألا يبحث عنه في حياته عليه السلام، وإذ هذه صفته ففرض على كل مسلم ألا يحرمه ولا يوجبه، وإذا لم يكن حراما، ولا واجبا، فهو مباح ضرورة، إذ لا قسم إلا هذه الاقسام\rالثلاثة، فإذا بطل منها اثنان وجب الثالث، ولا بد ضرورة، وهذه قضية النص، وقضية السمع، وقضية العقل التي لا يفهم العقل غيرها، إلا الضلال والكهانة والسخافة التي يدعيها أصحاب القياس أنهم يفهمون من الوطئ الاكل ومن الثمر الجلوز ومن قطع السرقة مقدار الصداق، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rثم نعكس عليهم سؤالهم فنقول لهم: إذا جوزتم وجود نوازل لا حكم لها في قرآن ولا سنة، فقولوا لنا: ماذا تصنعون فيها ؟ فهذا لازم لكم وليس يلزمنا، لان هذا عندنا باطل معدوم لا سبيل إلى وجوده أبدا، فأخبرونا إذا وجدتم تلك النوازل أتتركون الحكم فيها ؟ فليس هذا قولكم، أم تحكمون فيها ؟ ولا سبيل","part":8,"page":1060},{"id":1062,"text":"إلى قسم ثالث، فإن حكمتم فيها فأخبرونا عن حكمكم فيها أبحكم الله تعالى وحكم رسوله (ص) حكمتم فيها ؟ فإن قلتم: نعم، قلنا: قد تناقضتم لانكم قلتم ليس فيها نص بحكم الله تعالى ولا لرسوله (ص)، وقد كذب آخر قولكم أوله، وإن قلتم: بغير حكم الله تعالى أو بغير حكم رسوله (ص)، نحن برآء إلى الله تعالى من كل حكم في الدين لم يحكم به الله عزوجل، وفي هذا كفاية لمن عقل فوضح لنا وبطل ما سواه، والحمد لله رب العالمين.\rوبهذا جاءت الاحاديث كلها مؤكدة متناصرة، كما ثنا حمام بن أحمد، ثنا عبد الله ابن إبراهيم، ثنا أبو زيد المروزي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله بن زيد المقرئ، ثنا سعيد، ثنا عقل، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه أن النبي (ص) قال: إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته فنص (ص) كما تسمع أن كل ما لم يأت به تحريم من الله تعالى فهو غير محرم.\rوهكذا أخبر (ص) في الواجب أيضا، كما ثنا عبد الله بن يوسف بن\rنامي، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد الفقيه الاشقر، ثنا أحمد بن علي القلانسي، ثنا مسلم بن الحجاج، حدثني زهير بن حرب، ثنا يزيد بن هارون، ثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله (ص) فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا.\rفقال رجل: أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله (ص): لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه.\rقال أبو محمد: فنص رسول الله (ص) على أن ما لم يوجبه فهو غير واجب، وما أوجبه بأمره فواجب ما أستطيع منه، وأن ما لم يحرمه فهو حلال، وأن ما نهى عنه فهو حرام، فأين للقياس مدخل ؟ والنصوص قد استوعبت كل ما اختلف الناس فيه، وكل نازلة تنزل إلى يوم القيامة باسمها وبالله تعالى التوفيق.","part":8,"page":1061},{"id":1063,"text":"وقال تعالى: * (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) *.\rقال أبو محمد: فصح بالنص أن كل ما لم ينص عليه، فهو شئ لم يأذن به الله تعالى، وهذه صفة القياس، وهذا حرام.\rوقال تعالى: * (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) *.\rقال أبو محمد: فكل ما ليس في القرآن والسنة منصوصا باسمه، واجبا مأمورا به أو منهيا عنه، فمن أوجبه أو جرمه، أو خالف لما جاء به النص، فهو من عند غير الله تعالى، والقياس غير منصوص على الامر به فيهما، فهو من عند غير\rالله تعالى، وما كان من عند غير الله تعالى فهو باطل.\rوقال تعالى: * (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * وقد علمنا ضرورة أن الله تعالى إذا حرم بالنص شيئا فحرم إنسان شيئا غير ذلك، قياسا على ما حرم الله تعالى، أو أحل بعض ما حرم الله قياسا، أو أوجب غير ما أوجب الله تعالى قياسا، أو أسقط بعض ما أوجب الله تعالى قياسا، فقد تعدى حدود الله تعالى، فهو ظالم بشهادة الله تعالى عليه بذلك.\rوقد قال تعالى: * (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) *.\rقال أبو محمد: وهذه كالتي قبلها سواء بسواء.\rوقال تعالى: (قل أأنتم أعلم أم الله) *.\rقال أبو محمد: ومن استدرك برأيه وقياسه على ربه تعالى شيئا من الحرام والواجب لم يأت بتحريمها ولا إيجابها نص فقد دخل تحت هذه العظيمة المذكورة في هذه الآية، ونحمد الله تعالى على توفيقه، لا إله إلا هو.\rوقال تعالى يصف كلامه: * (تبيانا لكل شئ) * وقال تعالى: * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) * وقال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) *.\rقال أبو محمد: فنص الله تعالى على أنه لم يكل بيان الشريعة إلى أحد من الناس، ولا إلى رأي ولا إلى قياس، لكن إلى نص القرآن، وإلى رسوله (ص) فقط، وما عداهما فضلال وباطل ومحال.\rوقال تعالى: * (أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا","part":8,"page":1062},{"id":1064,"text":"ليضل الناس بغير علم) *.\rقال أبو محمد: فصح أن كل ما لم يأتنا به وصية من عند الله عزوجل فهو افتراء على الله كذب، وناسبه إلى الله تعالى ظالم، ولم تأتنا وصية قط من قبله تعالى بالحكم بالقياس، فهو افتراء وباطل، وكذب، بل جاءتنا وصاياه\rعزوجل بألا نتعدى كلامه وكلام رسوله (ص)، وألا نحرم ولا نوجب إلا ما أوجبا وحرما ونهيا فقط، فبطل كل ما عدا ذلك، والقياس مما عدا ذلك فهو باطل.\rوقال تعالى: * (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) * فأوجب تعالى أن يكتفى بتلاوة الكتاب، وهذا هو الاخذ بظاهره، وإبطال كل تأويل لم يأت به نص أو إجماع، وألا نطلب غير ما يقتضيه لفظ القرآن فقط.\rوقال تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * وقال تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * فلم يبح الله تعالى عند التنازع والاختلاف أن يتحاكم أو يرد إلا إلى القرآن وكلام الرسول (ص) فقط، لا إلى أحد دون النبي (ص)، ولا إلى رأي ولا قياس، فبطل كل هذا بطلانا متيقنا، والحمد لله رب العالمين على توفيقه، هذا مع شدة شرط الله تعالى بقوله: * (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * فلقد يجب على كل مسلم قامت عليه الحجة أن يهاب لحقوق هذه الصفة به، وفرض عليه أن لا يقتدي بمن سلف ممن تأول فخطأ، فليس من قامت عليه الحجة كمن لا ندري أقامت عليه الحجة أم لم تقم ؟ إلا أننا نحسن الظن بهم، كما نحسنه بسائر المؤمنين والله أعلم بحقيقة أمر كل أحد.\rوقال تعالى: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) * فحرم تعالى الحكم في الشئ من الدين بتحريم أو تحليل، وسمى من فعل ذلك كاذبا، وفعله كذبا إلا أن يحرمه الله أو يحلله الله في النص أو الاجماع، وقال تعالى: * (قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ء آلله أذن لكم أم على الله تفترون) * فسمى تعالى من حرم بغير إذن من الله تعالى في تحريم ذلك الشئ، أو حلل بغير إذن من الله في تحليله: مفتريا،\rوهذه صفة القائسين المحرمين المحللين الموجبين بالقياس بغير إذن من الله تعالى.","part":8,"page":1063},{"id":1065,"text":"وقال تعالى: * (فلا تضربوا لله الامثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) * فنص تعالى على ألا تضرب له الامثال، وهذا نص جلي على إبطال القياس وتحريمه، لان القياس ضرب أمثال للقرآن، وتمثيل ما لا نص فيه بما فيه النص، ومن مثل ما لم ينص الله تعالى على تحريمه أو إيجابه بما حرمه الله تعالى وأوجبه، فقد ضرب له الامثال، وواقع المعصية، نعوذ بالله من ذلك، ونص تعالى على أنه يعلم ونحن لا نعلم، فلو علم تعالى أن الذي لم ينص عليه مثل الذي نص عليه لاعلمنا بذلك وما أغفله وما ضيعه، قال تعالى: * (وما كان ربك نسيا) * وقال تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء) * فصح أن العربية بها أرسل الله تعالى رسوله (ص)، فبهذا بين لنا، وقال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * فكل ما بينه رسول الله (ص) فعن الله تعالى بينه، وقد علمنا يقينا وقوع كل اسم في اللغة على مسماه فيها وأن البر لا يسمى تبنا، وأن الملح لا يسمى زبيبا، وأن التمر لا يسمى أرزا، وأن الشعير لا يسمى بلوطا، ولا الواطئ آكلا، ولا الآكل واطئا، ولا القاتل مظاهرا، ولا المظاهر قاتلا، ولا المعرض قاذفا.\rفإذ قد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره، ولم يبعث محمدا (ص) بالعربية التي ندريها.\rفقد علمنا يقينا أنه (ص) إذا نص في القرآن أو كلامه على اسم ما بحكم ما، فواجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم فقط، ولا نتعدى به الموضع الذي وضعه رسول الله (ص) فيه، وألا يخرج عن ذلك الحكم شئ مما يقتضيه الاسم ويقع عليه فالزيادة على ذلك في الدين وهو القياس، والنقص منه نقص من الدين، وهو التخصيص، وكل ذلك حرام بالنصوص التي ذكرنا، فسبحان من خص\rأصحاب القياس بكلا الامرين فمرة يزيدون إلى النص ما ليس فيه، ويقولون هذا قياس، ومرة يخرجون من النص بعض ما يقتضيه ويقولون: هذا خصوص، ومرة يتركونه كله ويقولون: ليس عليه العمل، والعبرة معترضة عليه كما فعل الحنفيون في حديث المصراة والاقراع بين الاعبد، وكما فعل المالكيون في حديث تمام الصوم لمن أكل ناسيا، وحديث الحج على المريض البائس والميت","part":8,"page":1064},{"id":1066,"text":"وغير ذلك، وحسبنا الله ونعم الوكيل وقال الله تعالى: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن) *.\rقال أبو محمد: والقياس اسم في الدين لم يأذن به الله تعالى، ولا أنزل به سلطانا، وهو ظن منهم بلا شك، لتجاذبهم علل القياسات بينهم، كتعليلهم الربا بالاكل، وقال آخرون منهم: بالكيل والوزن، وقال آخرون: بالادخار، وهذه كلها ظنون فاسدة، وتخاليط وأسماء لم يأذن تعالى بها، ولا أنزل بها سلطانا.\rوقال تعالى: * (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق *، وقال تعالى: * (ويحق الله الحق بكلماته) * فنص تعالى على ألا يقال عليه إلا الحق، وأخبر تعالى أنه يحق الحق بكلماته، فما لم يأتنا كلام الله تعالى بأنه حق من الدين فهو باطل، لا حق.\rوقال تعالى حكاية عن رسله صلى الله عليهم وسلم: * (إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله) *.\rقال أبو محمد: فنص الله تعالى عن الانبياء الصادقين أنه ليس لهم أن يأتوا بسلطان إلا بإذن الله تعالى، والسلطان الحجة بلا شك، فكل حجة لم يأذن الله تعالى بها في كلامه فهو باطل، ولم يأذن قط تعالى في القياس فهو باطل.\rوقال تعالى: * (ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل\rأدعياءكم أبنائكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) * وقال تعالى: * (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا) *.\rفأنكر تعالى غاية الانكار أن يجعل أحد أمه غير التي ولدته، ولا أن يجعل ابنه إلا ولده، وهو تعالى قد جعل أمهاتنا من لم تلدنا، كنساء النبي (ص) واللواتي أرضعتنا، وجعل أبناءنا من لم تلده، كنحن لنساء النبي (ص)، وكمن أرضعه نساءنا بألباننا.\rفصح بالنص أن الشئ إذا حكم الله تعالى به فقد لزم دون تعليل، وأن من أراد أن يحكم بمثل ذلك بما لا نص فيه فقد قال منكرا من القول وزورا، وأنه","part":8,"page":1065},{"id":1067,"text":"ليس لاحد أن يقول بغير ما لم يقل الله تعالى به.\rوفي هذا كفاية لمن وجعلنا - نحن وهم - نساء النبي (ص) أمهاتنا في التحريم كما جاء النص فقط.\rثم لم نقس على ذلك رؤيتهن كما نرى أمهاتنا، بل حرم ذلك علينا، ولا قسنا إخوتهم وبنيهم على أخوال الولادة وإخوة الولادة.\rبل حل لهم نكاح نساء المسلمين، وحل لرجال المسلمين نكاح إخواتهن وبناتهن، فبطل حكم القياس يقينا وصح لزوم النص فقط، وألا يتعدى أصلا.\rوفي آية واحدة مما ذكرنا كفاية لمن اتقى الله عزوجل ونصح نفسه، فكيف، وقد تظاهرت الآيات بإبطال ما يدعونه من القياس في دين الله تعالى.\rوكذلك أيضا جاءت الاحاديث الصحاح عن رسول الله (ص) بإبطال القياس كما حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد ابن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم، ثنا ابن نمير، ثنا روح بن عبادة، ثنا شعبة، مسلم: وحدثني زهير بن حرب، ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: أخبرني\rأبو بكر بن حفص عن سالم بن عمر قال: إن عمر رأى على رجل من آل عطارد قباء من ديباج أو حرير، فقال لرسول الله (ص): لو اشتريته فقال: إنما يلبس هذا من لا خلاق له، فأهدي لرسول الله (ص) حلة سيراء فأرسل بها إلي فقلت: أرسلت بها إلي وقد سمعتك قلت فيها ما قلت ؟ قال: إنما بعثتها إليك لتستمتع بها.\rوقال ابن نمير في حديثه: إنما بعثتها إليك لتنتفع بها، ولم أبعث بها إليك لتلبسها.\rوبالسند المذكور إلى مسلم قال: حدثنا شيبان بن فروخ، ثنا جرير بن حازم، ثنا نافع عن ابن عمر قال: رأى عمر عطاردا اليمني يقيم بالسوق حلة سيراء، فقال عمر: يا رسول الله، إني رأيت عطاردا يقيم في السوق حلة سيراء، فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذ قد مرا عليك ؟ فقال رسول الله (ص): إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله (ص) بحلل سيراء، فبعث إلى عمر بحلة، وإلى ابن زيد بحلة، وأعطى علي بن أبي طالب حلة، وقال: اشققها خمرا بين نسائك فذكر","part":8,"page":1066},{"id":1068,"text":"أمر عمر قال: وأما أسامة فراح في حلته، فنظر إليه رسول الله (ص عرف أن رسول الله (ص) قد أنكر ما صنع، فقال: يا رسول الله: ما تنظر إلي، فأنت بعثت بها إلي ؟ فقال: إني لم أبعثها إليك لتلبسها، ولكن بعثت بها لتشققها خمرا بين نسائك.\rفأنكر رسول الله (ص) على عمر تسويته بين الملك والبيع والانتفاع، وبين اللباس المنهي، وأنكر على أسامة تسويته بين الملك واللباس أيضا، وكل واحد منهما قياس، فأحدهما حرم قياسا، والآخر أحلى قياسا، فأنكر عليه السلام القياسين معا، وهذا هو إبطال القياس نفسه.\rولا بد في هذين الحديثين من أحد مذهبين: إما أن يقول قائل: إن النبي\r(ص) إذ نهى عن لباس الحرير، ثم وهبهما حلل الحرير، أن يكون لبس عليهما وهذا كفر من قائله، أو أنه (ص) بين عليهم المحرم من الحرير وهو اللباس المنصوص عليه فقط، وبقي ما لم يذكر على أصل الاباحة، فأخطأ رضي الله عنهما إذا قاسا، وهذا هو الحق الذي لا يحل لاحد أن يعتقد غيره.\rوبالله تعالى التوفيق.\rحدثنا أحمد بن قاسم، ثنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم، ثنا جدي قاسم بن أصبغ، ثنا بكر بن حماد، نا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله (ص): إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان لها - رحمة لكم - فلا تبحثوا عنها.\rكتب إلي النمري يوسف بن عبد الله، نا أحمد بن عبد الله بن محمد علي الباجي، ثنا الحسين بن إسماعيل، نا عبد الملك بن يحيى، نا محمد بن إسماعيل، ثنا سنيد بن داود، نا محمد بن فضيل، عن داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله (ص): إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها.\rوعفا عن أشياء - رحمة لكم لا عن نسيان - فلا تبحثوا عنها.","part":8,"page":1067},{"id":1069,"text":"حدثنا أحمد بن قاسم قال: نا أبي القاسم بن محمد بن قاسم، قال: نا جدي قاسم بن أصبغ، نا محمد بن إسماعيل الترمذي، نا نعيم بن حماد، نا عبد الله بن المبارك، ثنا عيسى ابن يونس، عن جرير - هو ابن عثمان - عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الاشجعي قال: قال رسول الله (ص): تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الامور برأيهم،\rفيحلون الحرام ويحرمون الحلال.\rقال أبو محمد: حريز بن عثمان ثقة، وقد روينا عنه أنه تبرأ مما أنسب إليه من الانحراف، عن علي رضي الله عنه، ونعيم بن حماد قد روى عن البخاري في الصحيح، وفي الاحاديث التي ذكرنا في هذا الفصل، وفيما قبل هذا، من أمره عليه السلام بأن يتركوا ما تركهم، وأن ينتهوا عما نهاهم، وأن يفعلوا ما أمرهم به ما استطاعوا كفاية في إبطال القياس لمن نصح نفسه.\rوقد قال بعض أصحاب القياس: إنما أنكر في هذه الاحاديث من يقيس برأيه، وأما من يقيس على تشابه المنصوص فلم يذم.\rقال أبو محمد: فقلنا لهم: من أين فرقتم هذا الفرق ؟ وهل رددتموها على الدعوى المفتراة الكاذبة شيئا ؟ وقولكم هذا من أشد المجاهرة بالباطل.\rوقد وجدنا للصحابة فتاوى كثيرة بالرأي يتبرؤون فيها من خطأ، إن كان إلى الله تعالى، ولا يوجدون شيئا منها دينا، ولا يقولون إنه الحق، بل يذمون القول بالرأي في خلال ذلك، خوف أن يظن ظان أنه منهم على سبيل الايجاب والقطع بأنه حق، فمن تعلق بالرأي هكذا فله متعلق.\rوأما القياس الذي ذكر هذا القائل على التعديل، واستخراج، علة الشبه، فما نطق بذلك قط أحد من الصحابة، ولا قال به، فالذي فر إليه أشد مما فر عنه.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، وعمن بعدهم إبطال القياس نصا.\rكالذي ذكرنا عن أبي هريرة من قوله لابن عباس: إذ أتاك الحديث عن رسول الله (ص) فلا تضرب له الامثال.\rوهذا نص من أبي هريرة على إبطال القياس.","part":8,"page":1068},{"id":1070,"text":"حدثنا عبد الله بن يوسف نامي، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا أحمد بن عبد الله بن\rيونس، ثنا زهير، ثنا منصور، عن هلال بن يساف، عن ربيع بن عميلة، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله (ص): أحب الكلام إلى الله عزوجل أربع فذكر الحديث وفي آخره: لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح، فإنك تقول أثم هو ؟ فيقول لا: إنما هن أربع، فلا تزيدوا علي.\rقال أبو محمد: فهذا سمرة بن جندب لم يستجز القياس، وأخبر أنه زيادة في السنة، ولم يستجز أن يقول: ومثل هذا يلزم في خيرة وسعد وفرج، فتقول: أثم سعد أثم فرج، أثم خيرة ؟ فيقول: لا.\rهذا وقد نص على السبب المانع من التسمية بالاسماء المذكورة التي يسمون مثلها التي يكذبون في استخراجها علة يقيسون عليها، فقد كان ينبغي، لو اتقوا الله عزوجل، أن يقولوا: إن التي نص عليها رسول الله (ص) أولى أن يقاس عليها ما يشبهها لكن لم يفعلوا ذلك، ولا فعل ذلك رسول الله (ص)، إذ خص هذه الاسماء، ولا سمرة بعده، وهذا إبطال صحيح للقياس.\rفإن قالوا: لعل هذا الكلام: إنما هن أربع، فلا تزيدون علي هو من لفظ النبي (ص) قيل لهم: فذلك أشد عليهم وأبطل، لقولكم أن يكون رسول الله (ص) نهى عن القياس والتعليل، وأمر بالاقتصار على ما نص عليه فقط.\rحدثنا عبد الله بن ربيع التميمي، نا محمد بن معاوية المرواني، نا أحمد بن شعيب النسائي، نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، وأبو داود الطيالسي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو الوليد الطيالسي، ومحمد بن أبي عدي قالوا: ثنا شعبة قال: سمعت سليمان بن عبد الرحمن قال: سمعت عبيد بن فيروز قال: قلت للبراء بن عازب: حدثني ما كره أن نهى عنه رسول الله (ص) من الاضاحي، فقال هكذا بيده، ويده أقصر من يد رسول الله (ص) أربع لا تجزئ في الاضاحي وذكر الحديث قال: فإني أكره أن يكون نقص في القرن والاذن\rقال: فما كرهت منه فدعه ولا تحرمه على أحد.\rوروينا نحو ذلك عن عتبة ابن عبد السلمي ألا يتعدى ما نهى عنه رسول الله (ص).","part":8,"page":1069},{"id":1071,"text":"حدثنا أحمد بن عمر العذري، ثنا عبد الله بن حسين بن عقال الفريسي، نا إبراهيم ابن محمد الدينوري، نا محمد بن أحمد بن الجهم، نا أحمد بن الهيثم، نا محمد بن شريك عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه (ص) وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وذكر الحديث.\rوقال محمد بن أحمد بن الجهم: ثنا أحمد بن الهيثم، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد ابن زيد، نا المعلى بن زياد، عن الحسن قال: بينما عمر بن الخطاب يمشي في بعض طرق المدينة، إذ وطئ رجل من القوم عقبه فقطع نعله، فأهوى له ضربة.\rفقال: يا أمير المؤمنين، لطمتني وظلمتني، لا والله ما هذا أردت، فألقى إليه الدرة.\rفقال: دونك فاقتص، فقال بعضهم: اغفرها لامير المؤمنين، فقال: لا والله ما أريد مغفرتها، لقد كتبت وحفظت، ولكن إن شئت دللتك على خير من ذلك، * (فمن تصدق به فهو كفارة له) * قال: فإني قد تصدقت، فجاء عمر رقيق فأعطاه خادما وذكر الحديث.\rقال أبو محمد: فهذا عمر لم يستجز قياس المغفرة على الصدقة، والعلة عند القائسين واحدة، ولا أرى أن يفارق ظاهر النص.\rحدثنا يوسف بن عبد الله النمري، نا عبد الوارث بن جبرون، نا قاسم بن أصبغ، ثنا أبو بكر بن أبي خيثمة، نا أبي - هو زهير بن حرب - نا جرير، عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد: أن عمر بن الخطاب نهى عن المكايلة، قال مجاهد:\rيعني المقايسة.\rحدثنا محمد بن سعيد بن نبات، نا إسماعيل بن إسحاق البصري، ثنا عيسى بن حبيب، نا عبد الرحمن بن عبد الله بن يزيد المقرئ، نا جدي محمد ابن عبد الله بن يزيد، نا سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب، عن سلمة بن كهيل قال: قال عمر بن الخطاب: وقد وضحت الامور، وسنت السنن، ولم يترك لاحد متكلم إلا أن يضل عبد عن عمد.","part":8,"page":1070},{"id":1072,"text":"حدثنا ابن نبات، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة: أن رجلا وامرأته أتيا ابن مسعود في تحريم فقال: إن الله تعالى بين فمن أتى الامر من قبل وجهه فقد بين له، ومن خالف فوالله ما نطيق خلافه، وربما قال: خلافكم.\rقال أبو محمد: فهذا ابن مسعود يجعل كل ما ليس في النص خلافا لله تعالى، ويخبر أن البيان قد تم، وهذا إبطال القياس.\rأخبرنا المهلب التميمي، نا بن مناس، نا محمد بن مسرور القيرواني، أنا يونس بن عبد الاعلى، نا عبد الله بن وهب قال: سمعت سفيان بن عيينة يحدث عن المجالد بن سعيد عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ليس عام إلا والذي بعده شر منه لا أقول عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الامور برأيهم فينهدم الاسلام وينثلم.\rوكتب إلي النمري أحمد بن فتح الرسان، نا أحمد بن الحسن بن عتبة الرازي، ثنا عبيدالله بن محمد بن عبد العزيز العمري، نا الزبير بن بكار، حدثني سعيد بن داود ابن أبي زببر عن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن طاوس، عن عبد الله بن\rعمر قال: العلم ثلاثة أشياء: كتاب ناطق وسنة ماضية، ولا أدري.\rحدثنا أحمد بن عمر، حدثنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي، حدثنا أحمد بن عبدان بن محمد الحافظ النيسابوري بالاهواز، نا محمد بن سهل بن عبد الله المقرئ نزيل فسا، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري مؤلف الصحيح قال: قال لي صدقة، عن الفضل ابن موسى، عن ابن عقبة، عن الضحاك، عن جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر قال: يا جابر إنك من فقهاء البصرة، وستستفتى، فلا تفتين إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية.\rقال أبو محمد: وهذا نص المنع من القياس والرأي والتقليد.\rحدثنا عبد الرحمن بن سلمة الكتاني، نا أحمد بن خليل، نا خالد ابن سعد","part":8,"page":1071},{"id":1073,"text":"، نا طاهر بن عبد العزيز، نا أبو القاسم مسعدة العطار بمكة - وكان طاهر وأحمد بن خالد يحسنان الثناء عليه - قال: أنا الخزامي - يعني إبراهيم بن المنذر، حدثنا طاهر بن عصام - كان طاهرا وكان ثقة - عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: العلم ثلاثة: كتاب الله الناطق، وسنة ماضية، ولا أدري.\rحدثنا محمد بن سعيد، نا أحمد بن عبد البصير، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن عبد السلام الخشني، نا المثنى، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان الثوري، عن سليمان الشيباني - هو أبو إسحاق - سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: نهى رسول الله (ص) عن نبيذ الجر الاخضر، قلت: فالابيض ؟ قال: لا أدري.\rقال أبو محمد: فلو جاز القياس عند ابن أبي أوفى لقال: ما الفرق بين الاخضر والابيض كما يقول هؤلاء: الفرق بين الزيت والسمن ؟ وبين الفأر الميت والسنور الميت، وبين الارز والبر، وسائر ما قاسوا فيه لكنه وقف عند النص، وهذا الذي لا يجوز غيره.\rحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، نا إبراهيم بن أحمد، نا الفريري، حدثنا البخاري، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أنا شعيب - هو ابن حمرة - عن الزهري، قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أن رجالا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله تعالى، ولا تؤثر عن رسول الله (ص)، فأولئك جهالكم، وذكر باقي الكلام والخبر.\rحدثنا عبد الله بن ربيع بن محمد بن عثمان، نا أحمد بن خالد، نا علي بن عبد العزيز، نا الحجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، أنا أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن زيد بن عميرة، عن معاذ بن جبل قال: تكون فتن يكثر فيها الملل، ويفتح فيها القرآن حتى يقرؤه الرجل والمرأة، والصغير والكبير، والمؤمن والمنافق، فيقرؤه الرجل فلا يتبع، فيقول: والله لاقرأنه علانية، فيقرؤه علانية فلا يتبع فيتخذ مسجدا، ويبتدع كلاما ليس من كتاب الله ولا من سنة رسوله (ص) فإياكم وإياه، فإنها بدعة ضلالة، قالها ثلاث مرات.","part":8,"page":1072},{"id":1074,"text":"فهؤلاء عمر وابن عمر، وابن مسعود وأبو هريرة، ومعاذ بن جبل، وسمرة بن جندب، وابن عباس والبراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى ومعاوية، كلهم يبطل القياس، وما ليس موجودا في القرآن، ولا في السنة عن رسول الله (ص)، وهذه صفة الرأي والقياس والتعليل، وقد قدمنا أنه لا يصح خلاف هذا عن أحد من الصحابة بوجه من الوجوه، وبالله تعالى التوفيق.\rوأما التابعون ومن بعدهم، فحدثنا يونس بن عبد الله القاضي، نا يحيى بن مالك ابن عائذ، نا هشام بن محمد بن قرة المعروف بابن أبي حنيفة، نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، نا ابن غليب، حدثني عمران بن أبي عمران، ثنا يحيى بن\rسليمان الطائفي، حدثني داود بن أبي هند قال: سمعت محمد ين سيرين يقول: القياس شؤم، وأول من قاس إبليس فهلك، وإنما عبدت الشمس والقمر بالقياس.\rحدثنا المهلب، نا ابن مناس، نا محمد بن مسرور القيرواني، نا يونس بن عبد الاعلى، نا ابن وهب قال: أخبرني مسلمة بن علي أن شريحا الكندي، هو القاضي، قال: إن السنة سبقت قياسكم.\rكتب إلى النمري قال: قال أبو ذر الهروي: نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني بالري، نا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا محمد بن إسماعيل الاحمسي، نا وهب ابن إسماعيل، عن داود الاودي قال: قال لي الشعبي: احفظ عني ثلاثا لهما شأن: إذا سئلت عن مسألة فأجبت فيها فلا تتبع مسألتك: أرأيت فإن الله تعالى قال في كتابه: * (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) * حتى فرغ من الآية.\rوالثانية: إذا سئلت عن مسألة فلا تقس شيئا بشئ، فربما حرمت حلالا أو حللت حراما.\rوالثالثة: إذا سئلت عما لا تعلم فقل لا أعلم، وأنا شريكك.\rكتب إلى يوسف بن عبد الله: نا خلف بن قاسم، نا ابن شعبان، نا محمد بن محمد، نا أبو همام، نا الاشجعي، عن جابر، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئا بشئ.\rقلت: لم ؟ قال: أخاف أن تزل رجلي.\rكتب إلى النمري: نا عبد الرحمن بن يحيى بن محمد العطار، نا علي بن محمد بن مسرور، حدثنا أحمد، نا سحنون، نا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عيسى بن أبي عيسى، عن الشعبي أنه سمعه يقول: إياكم والمقايسة، فوالذي نفسي بيده لئن","part":8,"page":1073},{"id":1075,"text":"أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام، ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم عن أصحاب رسول الله (ص) فاحفظوه.\rحدثنا يونس بن عبد الله القاضي، نا يحيى بن مالك بن عائذ، نا أبو عبد الله ابن\rأبى حنيفة، نا أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، نا يوسف بن يزيد القراطيسي، ثنا سعيد بن منصور، نا جرير بن عبد الحميد، عن المغيرة بن مقسم، عن الشعبي قال: السنة لم توضع بالمقاييس.\rوحدثنا أيضا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي، نا محمد بن أحمد بن يحيى، نا ابن مفرج، نا إبراهيم بن أحمد بن فراس العبقسي، نا محمد بن علي بن زيد الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، نا جرير - هو عبد الحميد - عن المغيرة، عن الشعبي قال: السنة لم توضع بالمقاييس.\rحدثنا يونس بن عبد الله القاضي، نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن العنان - ثقة - ثنا أحمد بن خالد، نا أحمد بن عبد السلام الخشني محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد القطان نا صالح بن مسلم قال: قال لي عامر الشعبي يوما وهو آخذ بيدي: إنما هلكتم حين تركتم الآثار، وأخذتم بالمقاييس، لقد بغض إلي هذا المسجد - فلهو أبغض إلي من كناسة داري، هؤلاء الصفافقة.\rكتب إلي النمري: نا محمد بن خليفة - شيخ فاضل جدا واسع الرواية - ثنا محمد بن الحسين الآجري، ثنا أحمد بن سهل الاشناني، نا الحسين بن علي بن الاسود، نا يحيى بن آدم، نا المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء ابن أبي رباح، في قول الله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * قال: كتاب الله تعالى وإلى سنة رسول الله (ص).\rكتب إلي النمري: أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، ثنا ابن وضاح، ثنا موسى بن معاوية، ثنا وكيع، ثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران في قول الله تعالى: * (فردوه إلى الله والرسول) * قال: إلى الله، إلى كتاب الله تعالى، وإلى الرسول ما دام حيا، فإذا قبض قال: سنته.","part":8,"page":1074},{"id":1076,"text":"حدثنا يونس بن عبد الله بن مغيث، نا محمد بن الحسن الزبيدي، نا أحمد - هو\rابن سعيد بن حزم الصدفي - نا أحمد - هو ابن خالد - نا مروان - هو ابن عبد الملك الفحار - نا العباس بن الفرج الرياشي، عن الاصمعي: أنه قيل له: إن الخليل بن أحمد يبطل القياس، فقال الاصمعي: أخذ هذا عن إياس بن معاوية.\rحدثني أبو العباس العذري، نا الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فراس، أنا عمر بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، نا علي بن عبد العزيز، نا أبو الوليد القرضي، نا محمد بن عبد الله بن بكار القرشي، نا سليمان بن جعفر، نا محمد بن يحيى الربعي، عن ابن شبرمة، أن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن قال لابي حنيفة: اتق الله ولا تقس، فإنا نقف غدا نحن ومن خالفنا بين يدي الله تعالى، فنقول، قال رسول الله (ص)، قال الله تبارك وتعالى، وتقول أنت وأصحابك: سمعنا ورأينا، فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء.\rحدثنا محمد بن سعيد بن نبات، نا أحمد بن عبد البصير، نا قاسم بن أصبغ، ثنا ابن عبد السلام الخشني، نا محمد بن المثنى، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان الثوري، عن هارون بن إبراهيم البربري قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال أبي: الله لا يدع شيئا أن يبينه أن يكون نسبه، فما قال الله عزوجل فهو كما قال الله وما قال رسول الله (ص) فهو كما قال رسول الله (ص)، وما لم يقل الله ورسوله فبعفو الله ورحمته فلا تبحثوا عنه.\rحدثنا أحمد بن عمر بن أنس، نا علي بن الحسن بن فهر، ثنا محمد بن علي، نا محمد ابن عبد الله الحفاظ إجازة، نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنا وهب سمعت مالك بن أنس يقول: ألزم ما قاله رسول الله (ص) في حجة الوداع: أمران تركتهما فيكم لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص).\rحدثنا أحمد بن عمر، نا علي بن الحسن بن فهر، أنا الحسن بن علي بن شعبان،\rوأبو حفص عمر بن محمد بن عراك نا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي، نا علي بن عبد العزيز: نا الزبير بن بكار قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سألت مالك بن أنس عن رجل أحرم من المدينة، أو من وراء الميقات ؟ فقال مالك: هذا رجل","part":8,"page":1075},{"id":1077,"text":"مخالف لله تعالى ولرسوله (ص) أخشى عليه الفتنة في الدنيا، والعذاب الاليم في الآخرة، أما سمعت قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) * ثم ذكر حديث المواقيت.\rحدثنا عبد الرحمن بن سلمة، نا أحمد بن خليل، نا خالد بن سعد، نا أحمد بن خالد، نا يحيى بن عمر، نا الحارث بن مسكين، أنا ابن وهب قال: قال لي مالك: كان رسول الله (ص) - إمام المرسلين وسيد المرسلين - يسأل عن الشئ فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء.\rقال أبو محمد: فإذا كان رسول الله (ص) لا يجيب إلا بالوحي وإلا لم يجب، فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب في الدين برأي أو قياس، أو استحسان أو احتياط أو تقليد، إلا بالوحي وحده، وبالله تعالى التوفيق.\rحدثنا أحمد بن عمر بن أنس، نا أحمد بن عيسى غندر، نا خلف القاسم، نا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي، حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمر، نا يزيد بن عبد ربه قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوحاظي: يا أبا زكريا احذر الرأي فإني سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم.\rحدثنا القاضي حمام بن أحمد، نا عبد الله بن علي الباجي اللخمي، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا عبيد بن محمد الكشوري، ثنا محمد بن يوسف الحذافي، حدثنا عبد الرزاق قال: قال لي حماد بن أبي حنيفة قال: أخبرني أبي: من لم يدع\rالقياس في مجلس القضاء لم يفقه.\rقال أبو محمد: فهذا أبو حنيفة يقول: إنه لا يفقه من لم يترك القياس في موضع الحاجة إلى تصريف الفقه، وهو مجلس القضاء، فتبا لكل شئ لا يفقه المرء إلا بتركه، وقد ذكرنا أيضا قول مالك آنفا في إبطال القياس، فإن وجد لهذين الرجلين بعد هذا القول منهما قياس، فهو اختلاف من قولهما، وواجب عرض القولين على القرآن والسنة، فلايهما شهد النص أخذ به، والنص شاهد لقول من أبطل القياس على ما قدمنا، لا سيما وهذان الرجلان لم يعرفا قط القياس الذي ينصره أصحاب القياس، ومن استخراج العلل، ولكن قياسهما","part":8,"page":1076},{"id":1078,"text":"كان بمعنى الرأي الذي لم يقطعا على صحته، وكذا صدر الطحاوي في اختلاف العلماء بأن أبا حنيفة قال: علمنا هذا رأي، فمن أتانا بخير منه أخذناه، أو نحو هذا القول.\rوالمتحققون بالقياس لا يقرون بهذا ولا يرضوه، ولا يقولون به، وهكذا جميع أهل عصرها، وبالله تعالى التوفيق.\rولا معنى لفشو القول بالقياس وغلبته على أكثر الناس، فهذا برهان بطلانه وفساده، وقد أنذر رسول الله (ص) بغلبة الباطل وظهوره، وخفاء الحق ودثوره.\rكما حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، حدثنا أحمد بن محمد الفقيه الاشقر، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا محمد بن عياد، وابن أبي عمر جميعا، عن مروان الفزاري، عن يزيد - يعني بن كيسان - عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء.\rوقال مسلم: ثنا محمد بن رافع، والفضل بن سهيل الاعرج قال: ثنا شبابة بن سوار، ثنا عاصم - هو ابن محمد العمري - عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي (ص) قال:\rإن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأزر بين المسجدين تأرز الحية إلى حجرها.\rحدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا ابن أبي دليم، ووهب بن مسرة، حدثنا ابن وضاح، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص عن غياث، عن الاعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الاحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال رسول الله (ص): إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء ؟ قال: نزاع القبائل.\rقال أبو محمد: وأما الاجماع فقد بيناه على ترك القياس من وجوه كثيرة، وهي إجماع الامة كلها على وجوب الاخذ بالقرآن، وبما صح عن رسول الله (ص) وبما أجمعت الامة كلها على وجوبه أو تحريمه من الشرائع، وأجمعت على أنه ليس لاحد أن يحدث شريعة من غير نص أو إجماع، وأجمعت على تصديق قول الله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * وعلى قوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) *","part":8,"page":1077},{"id":1079,"text":"وهذا إجماع على ترك القياس، وأن لا حجة لاحد إليه حتى نقص من نقص بالغفلة المركبة في البشرية في التفصيل، والخطأ لم يعصم منه أحد بعد النبيين صلى الله عليهم وسلم، فإنما يوجد القياس ممن وجد منه على سبيل الخطأ والغفلة عن الواجب عليه، هي زلات علماء، كمن قال بالتقليد وما أشبه ذلك.\rوأيضا فقد قلنا وبينا أنه لم يصح قط عن أحد من الصحابة القول بالقياس، يعني باسمه وباليقين، فإنه يتكلم قط أحد منهم بلا شك ولا من التابعين بلا شك باستخراج علة يكون القياس عليها، ولا بأن القياس لا يصح إلا على جامعة بين الحكمين، فهذا أمر مجمع عليه، ولا شك فيه البتة، إلا عند من أراد أن يطمس عين الشمس، وهذا أمر إنما ظهر في القرن الرابع فقط مع ظهور التقليد، وإنما\rظهر القياس في التابعين على سبيل الرأي والاحتياط والظن، لا على إيجاب حكم به، ولا أنه حق مقطوع به، ولا كانوا يبيحون كتابه عنهم.\rوأيضا فقد وجدنا مسائل كثيرة جدا اتفقوا هم فيها، ونحن وجميع المسلمين على خلاف جميع وجوه القياس، وعلى ترك القياس كله فيها، ومسائل كثيرة جاء النص بخلاف القياس كله فيها، ولم نجد قط مسألة جاء النص بالامر بالقياس فيها، ولا مسألة اتفق الناس على الحكم فيها قياسا، فلو كان القياس حقا لما جاز الاجماع على تركه في شئ من المسائل، ولا جاء النص بخلافه البتة، فالاجماع لا يجوز على ترك الحق، ولا يأتي النص بخلاف الحق، وهذا إجماع صحيح على ترك القياس، وسنبين طرفا من المسائل التي ذكرنا.\rولعل قياس الورع يعارض هذا القول بأن يقول: قد جاء الاجماع على ترك بعض النصوص.\rفليعلم الناس أن من قال ذلك كاذب آفك، وما جاء قط نص صحيح بخلاف نص صحيح السند متصل، وهو الحق عندنا لا ما عداه، وما جاء قط نص صحيح بخلاف الاجماع، فإن قال سوفسطائي: فقد جاء نص بخلاف نص قلنا، نعم، ينسخ له وهو نص على كل حال، ولم نذكر لكم قياسا خلاف قياسا، وإنما قلنا بأنه قد وجد إجماع على ترك جميع وجوه القياس، وورود نص مخالف لجميع وجوه القياس، وهكذا هي جميع الشرائع، ككون الظهر أربعا والصبح ركعتين، والمغرب ثلاثا،","part":8,"page":1078},{"id":1080,"text":"وكصوم رمضان دون شعبان، وكالحدث من أسفل، فيغسل له الانواع، وكأنواع الزكاة وسائر الشرائع كلها، وليس أحد من القائلين بالقياس إلا وقد تركه في أكثر مسائله وسنبين من هذا إن شاء الله تعالى في آخر هذا الباب طرفا يدل على المراد.\rوأما من براهين العقول فإنه يقال لهم: أخبرونا، أو شئ هو القياس الذي\rتحكمون به في دين الله تعالى ؟.\rفإن قالوا: لا ندري، أو تلجلجوا، فلم يأتوا فيه بحد حاصر: أقروا بأنهم قائلون بما لا يدرون، ومن قال بما لا يدري فهو قائل بالباطل وعاص لله عزوجل إذ يقول: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * مع الرضا لنفسه بهذه الصفة الخسيسة التي لا تكون إلا في النوكي، وإن قالوا: حكم جامع بين شيئين بعلة يستخرجه، أو قالوا بكثرة التشابه، كانوا قائلين بما لا دليل على صحته، وبما لم يقل به قط صاحب ولا تابع، وإن قالوا: بما يقع في النفس كانوا شارعين بالظن، وفي هذا ما فيه.\rوقد أقروا كلهم، بلا خلاف منهم، أنه جائز أن توجد الشريعة كلها أولها عن آخرها نصا، وأقروا كلهم، بلا خلاف من أحد منهم، أنه لا يجوز أن توجد الشريعة كلها قياسا البتة، ومن البراهين الضرورية عند كل ذي حس وعقل أن ما لزم الكل لزم البعض، فالشرائع كلها لا يمكن البتة، ولا يجوز أن توجد قياسا من أحد فبعضها لا يجوز أن يوجد قياسا، وليس هذا قياسا، ولكنه برهان ضروري كقول القائل: إن كان الناس كلهم أحياء ناطقين فكل واحد منهم حي ناطق، ولا يموه مموه فيقول: بعض الناس أعور وليس كلهم أعور، فليس هذا مما ألزمناهم في صفة لكن كل الناس ممكن أن يوجدوا عورا وليس ذلك بممتنع في البقية.\rوأما أخذ الشرائع كلها قياسا فممتنع في البتة إذ لا بد عندهم من نص يقاس عليه، ولا هذا أيضا من قول القائل: لا يجوز أن يكذب الناس كلهم، وجائز أن يكذب بعضهم، بل كل أحد على حدته، فالكذب عليه ممكن، وليس كل شريعة على حدتها جائز أن توجد قياسا، وهذا بيان يوضح كل ما أرادوا أن يموهوا به في هذا المكان، وبرهان آخر وهو أنه يقال لاصحاب القياس: إذا قلتم لما حرم الله تعالى","part":8,"page":1079},{"id":1081,"text":"القطع في أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة دراهم حرم أن يكون الصداق أقل من\rثلاثة دراهم.\rولما وجبت الكفارة على الوطئ عمدا في نهار رمضان، وجبت على الاكل عمدا في نهار رمضان، ولما حرم حلق الشعر في الرأس بغير ضرورة في الاحرام، حرم حلق العانة في الاحرام كما حرم مد بر بمدي بر نقدا، حرم مد شعير بمد سلت نقدا، وقال آخرون منكم: لا، ولكن حرم رطل حديد برطل حديد نقدا.\rوقال آخرون: لا، ولكن حرم أصل كرنب بأصل كرنب نقدا، ولما أبيح اتخاذ كلب الصيد والغنم بعد تحريمه أبيح ثمنه بعد تحريمه.\rولما أبيح الثلث في الوصية للموصي أبيح بيع الثمر قبل صلاحه إذا كان أقل من ثلث كراء الدار وسائر ما أوجبتموه قياسا، وحرمتموه قياسا، وأبحتموه من هذا الموجب لهذا كله ؟ ومن هو المحرم لهذا كله ؟ إذ لا بد لكل فعل من فاعل، ولكل تحريم من محرم، ولكل إيجاب من موجب، ولكل إباحة من مبيح.\rفإن قالوا: الله تعالى ورسوله أباحا ذلك وحرماه وأوجباه كذبوا على الله تعالى وعلى رسوله (ص)، وجاهروا بالفرية عليهما، وهم لا يقدمون على أن ينسبوا ما حكموا فيه بقياسهم إلى الله تعالى ورسوله (ص) مع أنه إن أقدم منهم قليل الدين على ذلك أكذبه سائرهم، لانه إنما سألناهم عن مسائل يخالف فيها بعضهم بعضا، ووقع حينئذ بأسهم بينهم، وكفونا مؤنتهم، فلم يبق بالضرورة إلا أن يحيلوا في التحريم والايجاب والاباحة على أنفسهم، أو على أحد دون الله تعالى، ودون رسوله (ص)، وهذا كما تراه بلا مؤنة ولا تكلف تأويل، إقرار بإحداث دين وشريعة لم يأت بها الرسول (ص) ولا أذن بها الله تعالى.\rفإن سألونا عن مثل هذا فيما أوجبناه أو حرمناه أو أبحناه بخبر الواحد العدل المسند ؟ فلسنا نقنع بأن نقول لهم: إن هذا السؤال لازم لكم كلزومه لنا لاننا لا نتكثر بهم، ولا نبالي وافقونا في ذلك، أو خالفونا لكن نقول وبالله تعالى التوفيق: إن الله تعالى حرم وأوجب وأباح كل ما صح به الخبر عن رسول الله\r(ص) لا شك في ذلك كما نقول فيما أمر الله تعالى به من قبول شهادة العدول في الاحكام وبالله تعالى التوفيق.","part":8,"page":1080},{"id":1082,"text":"ويقال لهم أيضا: أخبرونا أكل قياس قاسه قائس من أصحاب القياس حق وصواب ؟ أم من القياس خطأ وصواب ؟ ولا بد من أحد الوجهين، فإن قالوا: كل قياس في الارض فهو صواب، تركوا مذهبهم وأوجبوا المحال، وكون الشئ حراما حلالا فرضا مباحا على إنسان واحد في وقت واحد، وإن قالوا: من القياس خطأ ومنه صواب، قلنا لهم: بأي شئ تعرفون الحق من الباطل في القياس ؟ فإن تلجلجوا وقالوا: لا نأتي بذلك إلا في كل مسألة.\rقلنا: هذا لو إذ عما لزمكم مما لا سبيل لكم إلى وجوده، كمن قاس أن يقبل امرأتان حيث تجوز عنده شهادة النساء مفردات على قبول رجلين، حيث يقبل الرجال، وكمن قاس وجود أربع في ذلك على تعويش امرأتين بدل رجل، حيث يقبل النساء مع الرجال، وقلما تخلو لهم مسألة من مثل هذا.\rفإذا بطل وجود برهان يصحح الصحيح من القياس ويبطل الباطل منه فقد صح أن ما لا سبيل إلى الفرق بين باطله وبين ما يدعي قوم أنه منه حق، فهو باطل كله.\rفإن قالوا لنا: فكل الاخبار عندكم حق أو فيها باطل وحق.\rقلنا: بل كل ما اتصل برواية الثقات إلى النبي (ص) حق لا يحل تركه إلا بيقين نسخ أو بيقين تخصيص.\rولا نسخ في القياس أصلا.\rفصل قال أبو محمد: ونحن نرتب إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا به، طريقة لا يتعدى بها على أحد من أهل الحق إفساد كل قياس يعارض به أحد من أصحاب القياس، أو يحتج منهم، وذلك أنه إذا احتج محتج ممن يقول بالقياس\rبأن هذه المسألة تشبه مسألة كذا، فواجب أن نحكم لها بمثل حكمها، فليطلب من يعارضه من أصحابنا صفة في المسألة التي شبهها خصمه بالمسألة الاخرى، مما يشبه فيه مسألة ثالثة، ثم يلزمه أن يحكم لها أيضا بمثل ذلك الحكم، وهذا أمر موجود في جميع مسائلهم أولها عن آخرها، وهذا وجه يفسد مسائلهم في القياس، وسنذكر من هذا طرفا كافيا في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى، ونذكر ههنا مسألة واحدة تدل على المراد إن شاء الله تعالى، وبالله تعالى التوفيق.","part":8,"page":1081},{"id":1083,"text":"قالوا: لا يكون صداق إلا ما تقطع فيه اليد، لانه عضو يستباح كعضو يستباح فيقال لهم: وهلا قسمتموه على استباحة الظهر في جرعة خمر لا تساوي فلسا ؟ فهو أيضا عضو يستباح، فما الذي جعل قياس الفرج على اليد أولى من قياسه على الظهر ؟ وهو إلى الظهر أقرب منه إلى اليد، وليس يقطع الفرج كما لا يقطع الظهر ؟.\rوأما تعليلهم في الربا، فكل طائفة منهم قد كفتنا الاخرى إذ كل واحد منهم يبطل علة صاحبه التي قاس عليها، وهكذا في كل ما قاسوا فيه وبالله تعالى التوفيق.\rوقال بعضهم: إنما نقيس في النصين المتعارضين فننظر أشبههما بما اتفق عليه في النصوص فنأخذ به.\rقال أبو محمد: وهذا أمر قد تقدم إفسادنا له في باب الكلام في الاخبار وأحكمناه وبالله تعالى التوفيق.\rولكننا نذكر ههنا من بعض قولهم ما لا غنى بهذا المكان عنه: وهو أنا نقول، هذا عمل فاسد، ولا مدخل للقياس ههنا، لان كل حديثين تعارضا، أو آيتين تعارضتا، أو كل حديث عارض آية، فليس أحد هذين النصين أولى بالطاعة من الآخر، ولا الذي يردون إليه حكم هذين النصين أولى بالطاعة له من كل واحد من هذين، وكل من عند الله تعالى، ولا\rيقوي النص إجماع الناس عليه، ولا يضعفه، اختلاف الناس فيه فقد أجمع على بعض الاخبار واختلف في آيات كثيرة.\rوالنص إذا صح فالاخذ به واجب ولا يضره من خالفه، فسقط ما أرادوا في ذلك من رد النصين المتعارضين إلى نص ثالث، ووجب استعمال كل ذلك ما دام يمكن، فإن لم يمكن أخذ بالزائد لانه شرع متيقن رافع لما قبله، ولم نتيقن أنه رفعه غيره.\rمع أنهم لم يفعلوا ما ذكروا بل جاء: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وجاء: لعن السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الجمل فتقطع يده فلم يردوهما إلى الآية المتفق على ورودها من الله تعالى وهي: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله) * بل غلبوا: لا قطع إلا في ربع دينار وهو نص مختلف في الاخذ به، على الآية وعلى الحديث الآخر، ثم تناقضوا في حديث: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، فتركوه وأخذوا بظاهر الآية، وهذا خلاف ما فعلوا في آية القطع","part":8,"page":1082},{"id":1084,"text":"وكلا الحديثين صحيح وكلاهما مختلف فيه مع صحته، فإن عللوا أحدهما بأنه اختلف فيه الرواة فالآخر كذلك ولا فرق وأما حديث الحنفيين فيما تقطع فيه اليد فساقط جدا.\rوقد قال بعضهم: إذا سألناهم عن معارضة قياسهم بقياس آخر، وتعليلهم بتعليل آخر، فما الذي جعل أحد القياسين أولى من الآخر ؟ أو أحد التعليلين أولى من الآخر ؟ ولا سبيل إلى وجود قياس لهم أو تعليل لهم تتعذر معارضتهما بقياس آخر أو تعليل آخر كما وصفنا فقال هذا القائل: العمل حينئذ في هذا كالعمل في الحديثين المتعارضين.\rقال أبو محمد: فقلنا هذا باطل لان النصين أو الحديثين المتعارضين لا بد من جمعهما واستعمالهما معا، لان كليهما حق وواجب الطاعة إذا صحا من طريق السند،\rولا يمكن هذا في القياسين المتعارضين، ولا في التعليلين المتعارضين بوجه من الوجوه، فإن تعذر هذا في الحديثين أو الآيتين أو الآية والحديث فالواجب الاخذ بالناسخ أو بالزائد إن لم يأت تاريخ يبين الناسخ منهما، لان الوارد بالزيادة شريعة من الله تعالى، لا يحل تركها، وليس يمكن هذا في القياسين المتعارضين، ولا في التعليلين المتعارضين بوجه من الوجوه، لانه ليس فيهما نسخ أصلا.\rولا يوجد في القياسين زيادة من أحدهما على الآخر في أكثر الامر، لان التعارض فيهما إنما هو يتعلق أحد القياسين بصفة، ويتعلق آخر إلا بأخرى، فبطل تمويه هذا القائل، وبقي الالزام يحسبه لا مخلص منه البتة.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوقد زاد بعض مقدميهم، ممن لم يتق الله عزوجل، ولا أبالي الفضيحة في كلامه، فقال: إن القياس أقوى من خبر الواحد ورأيت هذا لابي الفرج المالكي، والمعروف بالابهري واحتجا في ذلك بأن الخبر الواحد يدخله السهو وتعمد الكذب، وأما القياس فلا يدخله إلا خوف الخطأ في التشبيه فقط قالا: فما يدخله عيب واحد أولى مما يدخله عيبان.\rقال أبو محمد: وما يعلم في البدع أشنع من هذا القول ثم هو مع شناعته بارد سخيف متناقض.","part":8,"page":1083},{"id":1085,"text":"ويقال لهذا الجاهل المقدم: أخبرنا عنك أتقيس على خبر الواحد أم لا ؟ فإن قال: لا، كذب وأفصح، وأريناهم خزيهم في قياسهم صداق النكاح على القطع في عشرة دراهم وهو خبر واهي ساقط، والآخرون منهم قاسوا على خبر في ذلك، وإن كان صحيح السند فهو خبر واحد، وأريناهم قولهم في تقويم الملتفات بالقيمة لا بالمثل على الخبر في عتق الشقص، ومدة الخيار في البيع على حديث المصراة، والاستطهار في المستحاضة على حديث المصراة، وهذا أكثر قياساتهم.\rوإن قال: أقيس على خبر الواحد فضح نفسه وأبان عن جهله، وقلة ورعه في إقراره بأنه يقيس على ما هو أضعف من القياس وفي هذا غاية الجنون والتناقض، وهم يقولون إن الاصل أقوى من الفرع، والمقيس عندهم فرع، والمقيس عليه أصل، هذا ما لا يختلفون فيه، فإذا كان خبر الواحد هو المقيس عليه عندهم فهو الاصل، والقياس هو الفرع، فعلى قول هذين المذكورين إذا كان القياس أقوى من خبر الواحد فالفرع أقوى من الاصل وقد قالوا: إن الاصل أقوى من الفرع، وهذا تناقض فاحش وبناء وهدم ونعوذ بالله من الخذلان.\rوأيضا فإنهم يتركون في أكثر أقوالهم ظاهر القرآن بخبر الواحد، ثم يتركون خبر الواحد للقياس، فقد حصل من كلامهم وعملهم أنهم غلبوا القياس على الحديث، وغلبوا الحديث على القرآن فقد صار القياس على هذا أقوى من القرآن ولا قياس البتة إلا على قرآن أو حديث وهذا كله تخليط، وسخنة عين وغباوة جهل وإقدام واستحلال لما لا يحل ولا يخفى على ذي بصر، وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا: فهم كثيرا ما يقولون، فيما يرد عليهم من أقوال موقوفة على بعض الصحابة مما يوافق مما قلدوا فيه مالكا وأبا حنيفة، مثل هذا لا يقال بالقياس فيغلبونه على ما يوجبه القياس عندهم كقولهم فيمن باع شيئا إلى أجل، ثم ابتاعه بأقل إلى أقل من ذلك الاجل، وفي البناء في الصلاة على الرعاف والحدث، وفي مواضع كثيرة جمة، وهذا ترك منهم للقياس وتغليب للظن أنه خبر واحد على القياس، لانهم لا يقطعون على أن هذه الاقوال توقيف، وإنما يظنون ذلك ظنا،","part":8,"page":1084},{"id":1086,"text":"فقد صار الظن أنه خبر واحد عندهم أقوى من القياس الذي هو عندهم أقوى من يقين أنه خبر واحد، فقد صار الظن أقوى من اليقين وفي هذا عجب عجيب ونعوذ بالله من الخذلان.\rوأما الحقيقة فإن الظن باطل.\rبنص حكم النبي (ص) بأنه أكذب الحديث، وبنص قول الله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * فالظن بنص القرآن ليس حقا، فإذ ليس حقا فهو باطل، فإذا كان الظن الذي هو الباطل أقوى من القياس، فالقياس بحكمهم أبطل من كل باطل.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوجملة القول: أن قولهم: إن خبر الواحد يدخله السهو والغلط، والكذب، إنما هو من اعتراضات من لا يقول بخبر الواحد من المعتزلة.\rوالخوارج وقد مضى الكلام في إيجاب خبر الواحد العدل، وقد وجب قبوله بالبرهان، فاعتراض المعترض بأنه قد يدخله السهو، وتعمد الكذب اعتراض بالظن، وبعض الظن إثم والظن أكذب الحديث.\rوقولهم: إن القياس يدخله خوف خطأ التشبيه إقرار منهم بأنهم لا يثقون بجملته، وهذا هو الحكم بالظن، وهو محرم بنص القرآن ويسألون عن إنسان مشهور بالباطل، معروف بادعائه قد كثر ذلك منه وفشا فتقدم إلى قاضي يخاصم عنده ؟.\rفإن الامة كلها مجمعة عن ألا يقاس أمره الآن على ما عهد منه، فإذا خرم أن يقاس حكم المرء اليوم على حكمه بنفس أمس، فهو أبعد من أن تقاس على غيره وهذا هدم من القياس للقياس، وتفاسد منه بعضه لبعض، وما كان هكذا فهو فاسد كله، وبالله تعالى التوفيق.\rوقال قائل منهم: هل يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بالقياس ؟.\rقال أبو محمد: فالجواب إن كان جائزا قبل نزول قول الله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * وكان يكون ذلك لو كان حمل إصر كما حمله على الذين من قبلنا، وتحميلا لما لا طاقة لنا به، وكما قال تعالى: * (ولو شآء الله لاعنتكم) * وأما بعد نزول الآيتين اللتين ذكرنا، وبعد أن أمننا الله تعالى من أن يكلفنا الحكم بالتكهن وبالظنون، وبعد أن نهانا عن أن نقول عليه تعالى ما لم نعلم، فلا يجوز البتة أن يتعبدنا بالقياس،\rلان وعد الله تعالى حق لا يخلف البتة، وقوله الحق.\rوبالله تعالى التوفيق.","part":8,"page":1085},{"id":1087,"text":"فصل في ذكر طرق يسير من تناقض أصحاب القياس في القياس، يدل على فساد مذهبهم في ذلك إن شاء الله تعالى قال أبو محمد علي بن أحمد رضي الله عنه: أكثرهم لم يقس الماء الوارد على النجاسة على الماء الذي ترد عليه النجاسة، وفرقوا بينهما بغير دليل.\rوبعضهم لم يقس وجوب إراقة ما ولغ فيه الكلب على وجوب غسل الاناء من ولوغ الكلب فيما ولغ فيه، ولم يقيسوا الماء في ذلك على غير الماء.\rوأكثرهم فرق بين الماء الذي تقع فيه النجاسة، وبين المائعات التي تقع فيها النجاسات، فيجدوا مقدارا إذا بلغه الماء لم ينجس، ولم يجدوا في سائر المائعات شيئا البتة وإن كثرا.\rوبعضهم قاس سائر المائعات في ذلك على الماء في حد المقدار وهو أبو ثور.\rوبعضهم فرق بين حكم الماء في البئر، وبين الماء في غير البئر، ولم يقس أحدهما على الآخر اتباعا، زعم، لقول بعض العلماء في ذلك.\rوهو قد عصى قول رسول الله (ص) وجماعة من الفقهاء، في المصراة والمسح على العمامة، وفي أزيد من ألف قضية، نعم وحكم القرآن، وفرق أيضا بين أحكام الجيف الواقعة في التيار، وبين أحكامها وأحكام سائر النجاسات ولم يقس بعضها على بعض.\rوبعضهم قاس الخنزير على الكلب في حكم الغسل مما ولغ فيه كلاهما في الواحد أو السبع، وبعضهم لم يقس أحدهما على الآخر، وبعضهم قاس الماء بحكم الوالغ فيه مما يحرم أكله أو يحل أو يكره، وبعضهم لم يقس ذلك، وبعضهم قاس ما لا دم له من الميتات على ماله دم.\rفرأى كل ذلك ينجس ما مات فيه، وبعضهم لم ير ذلك وبعضهم قاس العقارب والخنافس والدود المتولد في القول\rعلى الذباب، ولم يقسها على الوزغ وشحمة الارض والعظماء وصغار الفيران.\rوبعضهم قاس عذر ما يؤكل لحمه من الدواب وأبوالها على لحومها، ولم يقسها على دمائها، ولم يقسها على لحومها.\rوبعضهم قاس ذنب الكلب ورجله على لسانه، وبعضهم لم يقس ذلك.\rوأكثرهم قاس إباحة المسح على الجبائر على المسح على الخفين، ولم يقيسوا","part":8,"page":1086},{"id":1088,"text":"إباحة مسح العمامة على الرأس، وعلى المسح على الخفين، وبعضهم قاس ذلك، وكلهم فيما نعلم لم يقس نزع الخفين بعد المسح على حلق الشعر وقطع الاظفار بعد المسح والغسل وبعضهم لم يقس إباحة الصلاة الفريضة بتيمم النافلة على إباحة الصلاة النافلة بتيمم الفريضة، وبعضهم قاس ذلك، وتناقض الاولون فقاسوا جواز صلاة المتوضئين خلف المتيمم على جواز صلاة المتيممين خلف المتوضئ، على أن الخلاف في تسوية كلا الامرين مشهور.\rومن طرائف قياس بعضهم إيجابه أن تستطهر الحائض بثلاث قياسا على انتظار ثمود صيحة العذاب ثلاثا، على المصراة، أفلا يراجع بصيرته من يقيس هذا القياس السخيف.\rفيمنع به خمس عشرة صلاة فريضة، ويوجب به إفطار ثلاثة أيام من رمضان، من أن يقيس مسح العمامة على مسح الخفين.\rوبعضهم قاس بول ما يأكل لحمه بعضه على بعض، وبعضهم قاس البول المذكور على ما يتولد منه، فإن تولد من ماء نجس فهو نجس، وإن تولد من ماء طاهر فهو طاهر، وكذلك فعل بنحوه، ولم يقس اللحم المتولد فيه على ما تولد منه، بل رأى ذلك حلالا أكله وإن تولد من ميتة ولحم خنزير وعذرة.\rوبعضهم لم يقس نبيذ التين على نبيذ التمر في جواز الوضوء به عند عدم الماء في السفر، وبعضهم قاس الحظر عليه في الاباحة، وهو الحسن بن حي، وقد\rروى أيضا قياس نبيذ التين على نبيذ التمر عن أبي حنيفة.\rومنع أكثرهم من الكلام في الاذان، قياسا على الصلاة، ولم يقيسوه عليها إذ أجازوه بلا وضوء، وأجاز بعضهم تنكيس الوضوء، ولم يجز تنكيس الاذان ولا تنكيس الطواف، ولم يقس أحدهما على الآخرين، وقاس ذلك كله، بعضهم في المنع في الكل، أو في الاباحة في الكل.\rوفرق بعضهم بين صلاة الفريضة والنافلة، فأجاز أن يؤم النافلة من لا يجوز أن يؤم في الفريضة، ثم لم يجز أن تؤم المرأة النساء في شئ منهما، وبعضهم قاس كل ذلك بعضه على بعض.\rوبعضهم لم يقس جواز صلاة النفل خلف من يصلي الفرض على جواز صلاة من يصلي الفرض خلف المتنفل، وبعضهم قاس كل ذلك بعضه على بعض، وكلهم،","part":8,"page":1087},{"id":1089,"text":"فيما أعلم، لم يقس المنع من إتمام المسافر خلف المقيم على المنع من قصر المقيم على المسافر.\rوأطرف من هذا أن بعضهم لم يقس إتمام أهل مكة بمنى على إتمام أهل منى بمكة وهذا عجيب ما شئت ولم يقيسوا جواز الحج على العبد إذا حضره على جواز الجمعة عنه إذا حضرها.\rوبعضهم لم يقس جواز صلاة الفرض خلف الفاسق من الامراء على جواز صلاة الجمعة خلفه، وبعضهم قاس كل ذلك وجعله سواء.\rوبعضهم لم يقس حكم ابتداء التكبير للقائم من الركعتين على حكم ابتداء التكبير في الركوع والسجود والرفع من السجود، وبعضهم ساوى بين ذلك كله وقاس بعضه على بعض.\rوبعضهم لم يقس إيجاب البناء على المحدث على إيجاب البناء على الراعف،\rوبعضهم ساوى بينهما.\rوبعضهم لم يقس وجوب البناء قبل تمام السجدتين على وجوب البناء بعد تمام السجدتين، وبعضهم قاس كلا الامرين على السواء.\rوبعضهم لم يقس وقوع الجبهة والرجلين على نجاسة الصلاة على وقوع اليدين والركبتين على نجاسة في الصلاة، وبعضهم قاس كل ذلك بعضه على بعض، وهؤلاء الذين قاسوا بعض ذلك على بعض تناقضوا، فلم يقيسوا جواز وقوع الرجلين والركبتين على غير الارض، أو ما تنبت على جواز وقوع الجبهة واليدين على ذلك، وفرقوا بين الامرين.\rوبعضهم لم يقس الثبات على يقين الحدث لمن شك في الوضوء على الثبات على يقين الوضوء لمن شك في الحدث، وبعضهم ساوى بين الامرين.\rوبعضهم لم يقس كثير السهو على قليله، فرأى من قليله السجود فقط، ومن كثيره الاعادة ومنهم من رأى من السلام ساهيا السجود فقط ورأى من الكلام ساهيا الاعادة، ورأى بعضهم على من تكلم في صلاته ساهيا أنها قد بطلت، فإن أحدث بغلبة لم تبطل صلاته، فإن أكل ساهيا وهو صائم لم يبطل صيامه وقلب غيره منهم الامر، فرأى إن تكلم ساهيا في صلاته لم تبطل، فإن أحدث بغلبة","part":8,"page":1088},{"id":1090,"text":"بطلت، وإن أكل ناسيا وهو صائم بطل صومه، وفرقوا بين من نسي صلاة يوم وليلة وبين من نسي أكثر ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، وبعضهم قاس كل ذلك على السواء.\rوقاس بعضهم الجمع بين الذهب والفضة في الزكاة، على الجمع بين المعز والضأن في الزكاة، ولم يقسه على التفريق بين التمر والزبيب في الزكاة، وبعضهم قاسه على التفريق المذكور لا على الجمع، وأعجب من ذلك أن من ذكرنا رأى إخراج ذهب\rعن فضة، وفضة عن ذهب، ولم ير إخراج عنز عن ضانية، ولا ضانية عن عنز، ولا برا عن شعير، ولا شعيرا عن بر، ولم يقس بعض ذلك على بعض أو بعضهم أجاز كل ذلك بالقيمة قياسا.\rوفرق بعضهم بين غلة ما ابتيع للتجارة وبين الربح المتولد في ذلك، فرأى في الغلة الاستئناف، ورأى في الربح ضمه إلى أصل الحول في رأس المال، ولم يقس أحدهما على الآخر، وقاس غيره منهم بعض ذلك ببعض في الاستئناف أو في الضم، وأوجبوا ديون الناس من رأس المال، ولم يوجبوا ديون الله تعالى إلا من الثلث، ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، وساوى بعضهم بين الامرين.\rولم يقس بعضهم الحلي، وإن كان لكراء أو لباس، على العوامل المعلوفة من الابل والبقر والغنم، فبعضهم أوجب الزكاة في الحلي وأسقطها عن العوامل، وبعضهم أوجب الزكاة في العوامل، وأسقطها عن الحلي، وبعضهم قاس أحدهما على الآخر في إسقاط الزكاة عن كل ذلك، والعجب أن الذي أسقط الزكاة عن الحلي الكراء لم يقس عليه الحلي المبتاع للتجارة ورأى فيه الزكاة.\rوبعضهم فرق بين عبيد العبيد فلم يرهم كسادتهم، ولا كسادات ساداتهم في وجوب زكاة الفطر المأخوذة، ورأى على عبيد أهل الذمة أن يؤخذ منهم ما يؤخذ من سادات ساداتهم إذا اتجروا إلى غير أفقهم.\rوبعضهم رأى الزكاة في زيت الفجلة، ولم يرها في الترمس، ولم يقس أحدهما على الآخر، وبعضهم الزكاة في جب الآس، ولم يرها في البلوط ولم يقس أحدهما على الآخر.\rوبعضهم لم يقس الدين على الرهن في الكفن، فرأى الكفن فيه أولى","part":8,"page":1089},{"id":1091,"text":"من الدين، ولم يره أولى من الرهن إذا كان رهنا، وبعضهم ساوى بين الامرين.\rوبعضهم لم يقس المدبر على المحتكر، وبعضهم قاسه عليه.\rوبعضهم لم يقس الخليطين في الثمار والزرع والعين، على الخليطين في المواشي، وبعضهم ساوى بين كل ذلك قياسا.\rوفرق بعضهم بين من أعطى آخر مالا ليأكل ربحه والاصل لصاحب المال، وأعطاه غنما ليأكل نسلها ورسلها والاصل لصاحب المال، فرأى في الغنم الزكاة، ولم ير في ربحه زكاة، وهو مال تجارة، لا على التاجر ولا على الذي له الأصل، ولم يقس أحدهما بالآخر، وقاس غيره أحدهما على الآخر.\rولم يقس بعضهم فائدة العين على فائدة الماشية، فرأى في فائدة الماشية الزكاة إذا كان عنده نصاب منها، ولم ير في فائدة العين الزكاة وإن كان عنده نصاب منه، وقاس غيره منهم بعض على بعض في إيجاب الزكاة في الكل، وفي إسقاطها عن الكل.\rولم يقس بعضهم فائدة الكسب على فائدة الولادة في إيجاب الزكاة في كل ذلك، وقاس كل ذلك بعضهم، فرأى في الكل الزكاة ولم يقس بعضهم فائدة المعدل على سائر الفوائد، وقاسه بعضهم عليها.\rوقال بعضهم: لا يجزئ في زكاة الغنم إلا الجذع من الضأن فصاعدا.\rوالثني فصاعدا من الماعز قياسا على ما يجيز منها الاضحية، وأجازوا في البقر والابل الجذع ودون الجذع، ولم يقيسوا ذلك على ما يجوز منهما في الاضحية، ولا قاسوا حكم الغنم في ذلك على الابل والبقر، ولا حكم الابل والبقر على حكم الغنم.\rوقال بعضهم من بادل ذهبا بفضة زكى الآخر بحول الاول، ولم يقس ذلك على من بادل بقرا بإبل، وقاسه على ما بادل غنما بماعز.\rوقال بعضهم: تؤخذ الزكاة من الزيتون قياسا على التمر والعنب، ولم يقسه عليهما في الخرص في الزكاة.\rوقال بعضهم: يخرج الارز والذرة في زكاة الفطر قياسا على الشعير والبر، ولم\rيجز أن يخرج فيها الزيتون قياسا على التمر والزبيب، ولم يجز أن يخرج فيها الدقيق","part":8,"page":1090},{"id":1092,"text":"قياسا على البر، وقد قاسه على البر في تحريم بيع بعضه ببعض متفاضلا، وأجاز بيعه بالبر متماثلا.\rوأسقط بعضهم زكاة التجارة على الماشية المشتراة للتجارة لزكاة الاصل، ولم يقس على ذلك سقوط زكاة التجارة عن الدقيق المشترى للتجارة من أجل زكاة الفطر فيهم.\rوأوجب بعضهم الزكاة في العسل وفي الحبوب وفي الثمار إذا كانت في أرض غير خراجية وأسقط الزكاة عن كل ذلك في الارض الخراجية، ولم يسقط الزكاة عن الماشية وإن رعت في أرض خراجية، فلم يقس رعي النحل على رعي الماشية، ولا رعي الماشية على رعي النحل.\rوأسقط بعضهم الزكاة في العين والماشية عن الصغير والمجنون، قياسا على سقوط الصلاة عنهما ولم يسقط الزكاة عن ثمارهما وزرعهما قياسا على سقوط الصلاة عنهما.\rوقال آخرون منهم في هذا: إن حق الزكاة ثابت مع الزرع والثمر.\rقال أبو محمد: وهذا كذب، لان قائل هذا لا يرى فيما دون خمسة أوسق صدقة فلم ير الزكاة ثابتة مع هذه الثمرة، ولم يقيسوا وجوب الزكاة في ذلك عليهما على وجوب زكاة الفطر عليهما، وقياس زكاة على زكاة، أولى من قياس زكاة على صلاة، ولا قاسوا وجوب الزكاة، وهي حق المال، على وجوب سائر الحقوق في الاموال على الصغار والمجانين، من النفقات والاروش وقياس مال على مال، أولى من قياس زكاة على صلاة ولم يقس سقوط الصلاة عن الفقراء على سقوط الزكاة عنهم.\rوفرق بعضهم بين حكم من رأى هلال شوال وحده، وبين حكم من رأى هلال رمضان وحده، ولم يقس أحدهما على الآخر، وبعضهم قاس كل واحد منهما على الآخر، ولم يقس بعضهم حكم الحائض تطهر، والكافر يسلم، والمسافر يقدم في نهار رمضان على حكم من بلغه بعد الفجر إن هلال رمضان رؤى البارحة، فأوجبوا على هذا ألا يأكل باقي النهار، ولم يوجبوا ذلك على الآخرين،","part":8,"page":1091},{"id":1093,"text":"ثم قاسوا بعضهم على بعض في وجوب القضاء عليهم، حاشا الكافر يسلم، فلم يقيسوه عليهم في وجوب القضاء.\rوقاسه بعضهم عليهم، فأوجبوا عليه القضاء.\rوأطرف من هذا قياس بعضهم من غلبته ذبابة فدخلت حلقه، على الاكل عمدا في إيجاب القضاء فقط عليه، ولم يقس على ذلك من أخرج بلسانه من بين أسنانه الجريدة - ولعلها من مقدار الذبابة - فيبلعها عمدا في نهار رمضان.\rفقالوا: صومه تام ولا قضاء عليه.\rوقاس بعضهم: المجنون على الحائض في إيجاب قضاء رمضان عليهما، ولم يقيسوه عليها في وجوب الحدود عليها.\rوقاس بعضهم من لمس عمدا فأمنى على المجامع عمدا في القضاء والكفارة، ولم يقس من استعط عمدا فوجد طعم ذلك في حلقه على الاكل عمدا لم يوجب فيه كفارة.\rوقاس بعضهم المغمى عليه في رمضان على المريض في إيجاب القضاء عليه، ولم يقسه عليه في إيجاب قضاء ما ترك من الصلوات عليه وقاسه بعضهم في إيجاب الصلوات.\rوأوجب بعضهم على من أكره امرأته على الجماع في نهار رمضان أن يكفر عنها فيصوم عنها ولم يقس على ذلك إيجاب الصوم على من مات وعليه صوم.\rوقاس بعضهم الاكل عمدا في نهار رمضان على الواطئ عمدا في نهار رمضان وأوجب عليهما الكفارة، ولم يقيسوه على المتقيئ عمدا في نهار رمضان في إسقاط الكفارة عنه، وقياس الاكل على القئ أولى من قياسه على الوطئ، وقاسه بعضهم على المتقيئ فيما ذكرنا.\rوفرقوا بين الواطئ والآكل بأن قالوا: الوطء يوجب أحكام لا يوجبها الاكل، فالوطء يوجب الغسل والحد والصداق، ولا يوجب شيئا من ذلك الاكل ولا الشرب، والاكل يوجب الغرامة، ولا يوجبها الوطئ، والاكل من مال الصديق مباح، ولا يجوز وطئ ملكه، فقاسوا ترك الكفارة في الاكل على هذه الفروق.","part":8,"page":1092},{"id":1094,"text":"وقال بعضهم: إنما القياس على التشابه، لا على عدم التشابه.\rقال أبو محمد: وكل هذا تحكم كما ترى، ولا دليل.\rولم يقس بعضهم من أفطر عمدا في قضاء رمضان - وهو فرض - في وجوب الكفارة عليه على إفطاره عمدا في رمضان، وكلاهما فرض، وقد أوجب ذلك عليهما بعض السلف.\rوأوجب الكفارة على المظاهر من زوجته، وعلى المرأة الموطوءة في رمضان طائعة، وقد سمع النبي (ص) أمرها فلم يوجب عليها شيئا، ولم يقيسوا المرأة المظاهرة من زوجها في إيجاب الكفارة عليها على المظاهر، ولا على المرأة الموطوءة، وقد أوجب الكفارة على المرأة المظاهرة من زوجها جمهور من السلف ومن بعدهم، وقاسوا الاكل عمدا في رمضان، في إيجاب الكفارة عليه، على الواطئ في رمضان عمدا.\rولم يقيسوا على ذلك مفسد صلاته عمدا، والصلاة أعظم حرمة من الصوم.\rومن طرائف بعضهم إيجابه قياس من أفطر ناسيا في رمضان على من أفطر\rعمدا، في إيجاب القضاء عليهما، ولم يقسه عليه في إيجاب الكفارة عليهما، نعم، ولم يقس الاكل ناسيا على المتقيئ ناسيا أو مغلوبا، فأسقط على هذا ولم يسقطه عن الآخر.\rوفرق بعضهم بين أحكام النيات ولم يقس بعضها على بعض فأجاز بعضهم الطهارات بلا نية، ولم يجز الصلاة إلا بالنية، وبعضهم لم يجز الطهارات إلا بنية وأجاز الصوم في الواجبات بلا نية محدثة لكل يوم منه، وبعضهم أوجب النية في كل ذلك، ولم يوجبها في أعمال الحج.\rوأما تناقضهم في أعمال الحج فأكثر من أن يجمع في سفر وذلك فيما أوجبوا فيه الفدية، وما أسقطوها فيه، ولم يقيسوا بعض ذلك على بعض.\rوأيضا فإن بعضهم قال: من طرح القراد عن نفسه لم يطعم، فإن طرحه عن بعيره أطعم، ولم يقس أحدهما على الآخر.\rولم يقس بعضهم إباحة قتل الفأرة وإن لم تؤذه، على نهيه عن قتل الغراب والحدأة إن لم تؤذياه.","part":8,"page":1093},{"id":1095,"text":"ورأى بعضهم الجزاء على قاتل السنور ولم يره على قاتل الفهد، ولم يقس أحدهما على الآخر، ورأى قتل الفهد قياسا على قتل السبع، ولم ير قتل الصقر البري قياسا على الغراب والحدأة، بل رأى في الصقر البري الجزاء.\rولم يقس بعضهم استظلال المحرم في المحمل على استظلاله في الخباء في الارض، ورأى على المستظل في المحمل الفدية، وكذلك في السفينة، ولم يقس على ذلك من مشى في ظل المحمل، فلم ير عليه الفدية.\rولم يقس بعضهم على دهن باطن يديه وباطن قدميه بسمن أو زيت، فلم ير عليه فدية، على من دهن بذلك ظاهرهما، فرأى عليه الفدية.\rولم يقس بعضهم تحريمه ما ذبح المحرم من الصيد على ما ذبحه السارق أو الغاصب فأباحه، وقاس بعضهم بعض ذلك على بعض فأباح الكل.\rولم يقس بعضم من دل من الحرمين حلالا على صيد أو أعطاه سيفا يقتله به فلم يوجب عليه الفدية: على محرم آكل من صيد صيد من أجله فأوجب عليه الجزاء، وقاس بعضهم عليه فأوجب الجزاء في كل ذلك.\rولم يقس بعضهم حكمه بأن جناية العبد في رقبته على قوله، أن أقتله الصيد ليس في رقبته.\rوقاس بعضهم بيض الصيد على جنين المرأة، ولم يقسه بعضهم عليه، ولم يقس بعضهم تحريمه على المحرم ذبح صيد صاده حلال على إباحته ذبح الصيد في الحرام إذا دخل من الحل.\rوقاس بعضهم قاتل الاسد على قاتل الذئب، فلم ير فيه جزاء، ولم يقس قاتل النسر والعقاب على قاتل الحدأة والغراب، فرأى أن في النسر والعقاب الجزاء، ولم يقس بعضهم قاتل الاسد والخنزير على قاتل الذئب، فرأى في الاسد والخنزير الجزاء.\rوقاس بعضهم: إن أصاب القارن صيدا فجزاء واحد، ولم يقسه على القارن يفسد حجه، فرأى عليه هديين، وقاس بعضهم بعض ذلك على بعض فبعض أوجب في كل ذلك هديين، وبعض أوجب في كل ذلك هديا واحدا.\rوأطرف من هذا أن بعضهم قال: على العبد الفار إذا دخل مكة أن","part":8,"page":1094},{"id":1096,"text":"يحرم وليس ذلك على الاعجمي المسلم، ولا على الجارية المصونة للبيع، وله مثل ذلك في الفرق بين الشريعة والدنية في النكاح بغير الولي وهذا أشنع مما أنكروه من ترك القياس، لان هذا فرق بين الناس فأين هذا مما استعملوه من التسوية بين الزاني والقتل في جلد مائة وتغريب عام ؟ وبين الصداق والقطع في السرقة ؟\rوبين المستحاضة والمصراة ؟ وهل في التخليط أكثر من هذا ؟.\rوفرقوا - أو أكثرهم - بين صوم المرء عن غيره وحجه عنه، فلم يروا ذلك ولم يقيسوه على الصدقة عنه والعتق عنه واحتجوا في ذلك ب * (أن ليس للانسان إلا ما سعى) * وهذا إن منعت من الصيام منعت من الصدقة ولا فرق ثم لم يقيسوا وصيته بالحج على وصيته بالصوم.\rولم يقس بعضهم من وقف بعرفة قبل غروب الشمس، ثم دفع منها ولم يعد إليها تلك الليلة فقالوا: بطل حجه على من يقف بمزدلفة حتى طلعت الشمس من يوم النحر.\rولم يقس بعضهم من لم يدفع عن عرفة مع الامام، في إباحة الجمع له بمزدلفة، على من لم يدرك الصلاة بعرفة مع الامام، في إباحتهم له الجمع بين الصلاتين بعرفة، وقاس بعضهم قصر أهل منى بعرفة، وأهل عرفة بمنى، على قصر أهل مكة بمنى وعرفة، ولم يقيسوا على ذلك في سائر البلاد وقاس بعضهم كل ذلك في سائر البلاد.\rوقاس بعضهم الهدي على الاضحية فيما يجزي منها، ولم يقسه عليها في الذبح والنحر قبل الامام، فأي ذلك يجزئ قبل الامام في الهدي ولا يجزئه في الاضحية، وقاس غيره منهم بعض ذلك على بعض في الاباحة.\rولم يقس بعضهم الاعمى في وجوب الحج عليه على المقعد في سقوط الحج عنه وقاسه بعضهم عليه.\rوقال بعضهم سكان ذي الحليفة وهم على نحو مائتي ميل وخمسين ميلا من مكة، على سكان يلملم، وهو على نحو ثلاثين ميلا من مكة إنها لا هدي عليهما إن تمتعا، ولم يقسم على ما بينهم وبين مكة كالذي بينهم وبينها، ولم يقس","part":8,"page":1095},{"id":1097,"text":"أهل يلملم على أهل ذي الحليفة في قصر الصلاة والافطار في الصوم، وساوى غيرهم منهم بين كل ذلك في إيجاب الهدي عليهم كلهم التمتع ولم يسو بينهم في قصر الصلاة، ولم يقس بعضهم لابس المخيط في الاحرام يوما من غير ضرورة على لابسه أقل من يوم لغير ضرورة.\rولم يقس بعضهم قوله في تحريم قتل المحرم للسبع الذي لا يؤذيه، وإيجاب الجزاء في ذلك، على قوله في إباحة قتله للذئب ومن لم يؤذه ولم يجعل في ذلك جزاء وهم مع ذلك - قليلا منهم - يقيسون قاتل الصيد خطأ على قاتله عمدا، وعلى قاتل حيوان وغيره خطأ، فأوجبوا الجزاء في ذلك ولم يقيسوا - إلا قليلا منهم - قاتل النفس عمدا على قاتلها خطأ، فلم يروا في قاتلها عمدا كفارة.\rوقاس بعضهم سقوط الجزاء على قاتل السبع العادي عليه على سقوط الضمان عنه في البعير العادي فيقتله، ولم يقس بعضهم ذلك فرأى الضمان على قاتل البعير العادي عليه، ولم ير الجزاء على قاتل السبع العادي عليه، وقد قاسوا بعض ذلك على بعض في إيجاب الجزاء في قتل الخطأ.\rولم يقس بعضهم الحلال بقتل الصيد في الحرام - في حكم الجزاء - على المحرم بقتل الصيد في الحل، فرأى الصيام على المحرم، ولم يجزه للحلال إلا بالمثل والاطعام فقط وساوى الامرين.\rولم يقيسوا قاتل الصيد في حرم المدينة - في إيجاب الجزاء عليه - على قاتله في حرم مكة، وقد أوجب ذلك بعض السلف والخلف.\rولم يقس بعضهم من اشترى أحد أربعة أثواب بغير عينه على أن يأخذ أيها شاء بدينار بالخيار ثلاثا، فلم يجز هذا العقد، على إجازته إذا اشترى أحد ثلاثة أثواب بغير عينه على أن يأخذ أيها شاء بدينار بالخيار ثلاثا، وسوى بعضهم بين كل ذلك من المنع أو الجواز.\rولم يقس بعضهم قوله في تحريم بيع لبن النساء محلوبا في قدح على إباحته بيع سائر الالبان محلوبة في قدح.\rولم يقس بعضهم تحريم البيع قبل تمام القبض قبل التفرق في الذهب بعينه بالذهب بغير عينه، وفي الفضة بالفضة كذلك، على إباحة تمام البيع قبل تمام","part":8,"page":1096},{"id":1098,"text":"القبض قبل التفرق في البر بالبر كذلك، والشعير بالشعير كذلك، والتمر بالتمر كذلك، والملح بالملح كذلك، فأبطل البيع في الذهب بالذهب، والفضة بالفضة على كل حال، وأجازه في هذه الاربعة إذا قبض الذي بغير عينه ولم يقبض الذي بعينه، وقاس بعضهم كل ذلك في المنع من جوازه.\rولم يقس بعضهم قوله في المنع من جواز بيع شحم البطن باللحم متفاضلا على إباحته جواز بيع شحم الظهر باللحم متفاضلا، وسوى بعضهم بين كل ذلك.\rولم يقس بعضهم قوله: إن الالية يجوز أن تباع باللحم متفاضلا على منعه من بيع سائر الاعضاء باللحم متفاضلا، وسوى بعضهم بين كل ذلك.\rوقاس بعضهم جواز بيع الرطب بالتمر، على جواز بيع التمر الحديث بالتمر القديم.\rوقاس بعضهم جواز بيع الدقيق بالبر متماثلا على المنع من انتباذ الرطب والتمر، وقال: هما صنفان.\rوقاس بعضهم منعه من بيع الدقيق بالبر البتة على النهي عن بيع الرطب بالتمر وقال هما صنف واحد مجهول تماثله.\rولم يقس بعضهم رجوع من أعتق مملوكا اشتراه، ثم اطلع على عيب بأرش العيب على منعه من ابتاع طعاما فأكله ثم اطلع على عيب كان به من الرجوع بأرش العيب.\rولم يقس بعضهم من باع مال غيره بغير إذن على من اشترى له شيئا بغير إذنه، وساوى بعضهم بين كلا الامرين.\rولم يقس بعضهم بيع من طرأ عليه الخرس على بيع من ولد أخرس فأجازه ههنا وأبطله هنالك.\rولم يقس بعضهم بيع السكران على طلاقة، فأجاز طلاقه وأبطل بيعه وقاسه بعضهم فأبطل كل ذلك، وقد أجاز كل ذلك بعضهم.\rولم يقس بعضهم جواز السلم في الشحم على جوازه في اللحم، وقاس ذلك بعضهم فأجاز كل ذلك.\rولم يقس بعضهم جواز السلم في السمك المالح على قوله في المنع من السلم في السمك الطري، وقاس بعضهم بعض ذلك على بعض في المنع من الكل أو جواز الكل.","part":8,"page":1097},{"id":1099,"text":"ولم يقس بعضهم على جواز سلم الذهب والفضة في سائر الموزونات، جواز سلم الموزونات بعضها على بعض، وقاس ذلك بعضهم فأجازه فيما عدا ما يؤكل.\rولم يقس بعضهم جواز السلم في قوله بتأخير النقد لرأس المال اليوم واليومين بشرط وبغير شرط، على منعه من ذلك في الايام الكثيرة بشرط وبغير شرط، وقاس غيره بعض ذلك على بعض في المنع من الكل.\rولم يقس بعضهم جواز السلم في القمح والفاكهة والكناش واللبن، على أن يأخذ منه كل يوم مقدارا معلوما، واشترطا تأخير نقد الثمن إلى الاجل البعيد على سائر قوله في المنع من تأخير النقد في السلم، ومن منعه الدين بالدين.\rولم يقس بعضهم قوله في إباحة دقيق البر بالبر متماثلا، والمنع منه متفاضلا، على قوله: إن من سلم في قمح موصوف فحل الاجل فجائز عنده أن يأخذ مكان القمح شعيرا أو سلتا مثل كيل قمحه، ولا يأخذ دقيق قمح ولا علسا مثل مكيلة قمحه، وكل ذلك عنده صنف واحد.\rولم يقس بيع البر بالشعير والتمر والملح جزافا، على بيع الذهب والفضة جزافا، وأطرف من ذلك أنه لم يقس جواز بيع المصوغ من الذهب والفضة جزافا على قوله في المنع من بيع المسكوك منهما جزافا..ولم يقس بعضهم من سلم في طعام إلى أجل مسمى، فأتاه به الذي هو عليه قبل الاجل، فقال: لا يجيز على قبوله قبل أجله، على قوله فيمن أقرض آخر طعاما إلى أجل فأتاه به قبل الاجل، قال: يجيز على قبضه، وقاس غيره منهم أحدهما على الآخر: أن يجيز على القبض قبل الاجل.\rولم يقس بعضهم تعين الدنانير والدراهم في المغصوب والبيوع على تعين سائر العروض، وقاس غيره منهم بعض ذلك على بعض في تعيين كل ذلك.\rولم يقس بعضهم قوله فيمن ابتاع طعاما فعاب عليه فأباح الاقامة فيه من جميعه","part":8,"page":1098},{"id":1100,"text":"ولم يبح من بعضه، على قوله فيه إذا لم يعب عليه فأجاز الاقالة من كله ومن بعضه.\rولم يقس بعضهم قوله في بطلان الصرف التفرق قبل تمام القبض، من قوله في جواز الاقالة مع التفرق قبل القبض التفرق اليسير، ولا قاس إباحة ذلك في الاقالة بالتفرق اليسير على التفرق الكثير.\rولم يقس بعضهم منعه من التفاضل في الدقيق بالبر على إباحة التفاضل في السويق بالبر، وكلاهما بر مطحون، لم يسق الدقيق السويق، ولا السويق الدقيق، وأطرف من هذا أنه لم يقس جواز بيع البلح الصغار بالتمر عنده متفاضلا على المنع البلح الكبار بالتمر.\rولم يقس بعضهم ما يبس من الزفيرف وعيون البقر والخوخ والكمثرى، في حكم جواز بعضه ببعض من جنس واحد متفاضلا، على منعه من بيع الزبيب والبر والتين والبلوط بعضه ببعض من جنس واحد متفاضلا، ثم قاس الاصناف\rالاول على الاصناف الاخر في المنع من بيع كل ذلك قبل أن يقبض، وقاس غيره منهم كل ذلك بعضه ببعض، حتى السقمونيا والهليلج.\rوقاس بعضهم المأكول على المأكول في الربا، ولم يقس المعادن بالمعادن في الربا، فأباحوا رطل حديد برطلي حديد، والحديد بالنحاس والذهب والفضة والرصاص والقصدير والزئبق معدنيات كلها.\rولم يقس بعضهم قوله: إن القطنية كلها جنس واحد في الزكاة، على أنها أصناف متفرقة في البيوع.\rولم يقس بعضهم قوله في المنع من بيع الزبد باللبن، أو الجبن باللبن، أو السمن باللبن جملة، ولا الزيت بالزيتون جملة، على قوله في جواز بيع البر بالدقيق من البر متماثلا، ولا على قوله في جواز بيع السويق في البر بالبر متفاضلا.\rولم يقس بعضهم قوله: إن سمن البقر وسمن الغنم صنف وقولهم إن لحم الخروف من الضأن ولحم الحمار الوحشي صنف واحد، وكذلك لحم الارنب على قوله: إن زيت الزيتون وزيت الجلجلان وزيت الفجل أصناف متفرقة،","part":8,"page":1099},{"id":1101,"text":"يجوز بعضها ببعض متفاضلا يدا بيد، ولا يجوز ذلك في نبيذ التمر بنبيذ الزبيب ولا يجوز ذلك في لحم الجمل بلحم الارنب، ولا في لحم حمار الوحش بلحم الخروف، ولا فرق بين تعليله بأن كل ذلك ذو أربع وبين تعليل غيره أن كل ذلك من الطير ومن غيره لحم، ومن تعليل غيره بالتأنس في الطير وذي الاربع، والتوحش أيضا فيهما، لان الله تعالى جزى الصيد بالانعام.\rولم يقس بعضهم قوله في المنع من بيع العنب بالعصير البتة على قوله في إجازة بيع العنب بخل العنب متفاضلا، وقد يخرج الخل من العنب دون توسط كونه عصيرا.\rولم يقس بعضهم قوله: لا يباع اللبن بالسمن أصلا، لانهما صنف واحد\rمجهول نماثله، ولا الشاة اللبون باللبن أصلا، على إجازته مع الشاة اللبون بالسمن، ولا اللبن بالقمح إلى أجل على إجازته الشاة اللبون بالقمح إلى أجل.\rولم يقيسوا قولهم في المنع من بيع القمح بالقمح بالتحري دون كيل ولا وزن على جواز ذلك عندهم في اللحم باللحم من صنفه، نعم ولم يجيزوا الذهب بالفضة بالتحري وأجازوه في القمح بالتمر بالتحري.\rولم يقس بعضهم جواز القمح بالقمح عنده وزنا على منعه من سحالة الذهب بالذهب كيلا.\rوأطرف من هذا أن بعضهم لم يقس منعه من اللحم المشوي باللحم النئ جملة على قول في إباحة اللحم المطبوخ باللحم النئ متماثلا ومتفاضلا، وكلاهما يدخله ملح وصنعة وأغرب حكم من ذكرنا بأن اللحم والشحم صنف واحد، وأن لحم النعامة والكركي ولحم الزرزور صنف واحد وأن لحم النعامة المطبوخ ولحمها النئ صنفان يجوز فيهما التفاضل.\rولم يقس بعضهم جواز دجاجة بدجاجتين على قوله في لحم دجاجة بلحم دجاجتين.","part":8,"page":1100},{"id":1102,"text":"ولم يقس بعضها منعه من ابتياع شاة واستثناء جلدها في الحضر على قوله في إباحة ذلك في السفر.\rوأغرب من هذا أن بعضهم لم يقس قوله في إباحة ابتياع شاة واستثناء أرطال خفيفة منها، أو استثناء رأسها، على قوله في التحريم أن يستثني منها أرطالا كثيرة أو أن يستثنى جنينها ولعله ليس فيه نصف رطل أو أن يستثنى يدها أو رجلها أو فخذها، ولم يقس بعضهم منه من ابتياع لحم هذه الشاة الحية على إباحته ابتياعها، واستثناء البائع جلده، والعجب أن هذا الذي منع هو الذي أباح بعينه ليس هو\rشيئا آخر، لانه في كلتا المسألتين إنما اشترى مسلوخها فقط ولا مزيد.\rولم يقس بعضهم قوله في جواز بيع صغار الحيتان جزافا على منعه من بيع كباره جزافا وقد يكون تكلف عد الكبار لكثرتها أصعب من عد الصغار لقلتها.\rولم يقس بعضهم قوله في المنع من ابتياع رطل لحم من هذه الشاة وإن شرع في ذبحها على قوله في إباحه ابتياع رطل من لبنها إذا شرع في حلبه.\rولم يقس بعضهم قوله في المنع من بيع لبن هذه الشاة شهرا على إباحة بيع لبنها كيلا، وعلى إباحة بيع لبن هذه الغنم شهرا ولم يقس بعضهم قوله في منع اقتسام الزرع والقمح بالتحري على قوله في إجازة قسمة اللحم بالتحري.\rولم يقس بعضهم بيع بطن بعد بطن جملة، شجر تحمل بطنين في السنة، على قوله في إجازة بيع المقاثي بطنا بعد بطن، والفصيل كذلك.\rوقاس بعضهم جواز السلم في المعدود والمزروع وغير ذلك على جواز السلم في المكيل والموزون، ولم يقيسوا جواز السلم حالا على جوازه إلى أجل وقاس بعضهم كل ذلك بالجواز.\rولم يقس بعضهم جواز إنكاح اليتيمة بنت عشر سنين للفاقة على منعه في إباحة الفروج للضرورة.","part":8,"page":1101},{"id":1103,"text":"وقاس بعضهم فاعل فعل قوم لوط على الزاني، ولم يقس واطئ البهيمة على الزاني، وكلاهما واطئ في مكان محرم.\rولم يقيسوا الغاصب على السارق ولا على المحارب، وكلاهما أخذ مالا بغير حق، والغاصب بالمحارب أشبه من اللوطى بالزانى لأن الدبر غير الفرج والغاصب والمحارب مستويان في الاخافة وأخذ المال، ولا سيما بعضهم يقول\rبقياس الشارب على القاذف، فقد بان تناقضهم.\rفإن قالوا: إن الصحابة قاسوا الشارب على القاذف، فقد تقدم تكذيب هذه الدعوى لا سيما وقد كفانا بعضهم المؤنة في هذا، فنسوا أنفسهم وقالوا: الحدود لا تؤخذ قياسا، وقد علمنا أن كل ما جاز للصحابة فهو جائز لمن بعدهم، وما حدث دين جديد بعد موت النبي (ص) وأين الائتساء بالصحابة رضوان الله عليهم حتى يتركوا النصوص لقول بعضهم إذا وافق تقليدهم ؟ فيلزمهم أن يوجبوا حدا على شارب الدم وأكل الميتة ولحم الخنزير.\rوقد قاس بعض الفقهاء هؤلاء على شارب الخمر، فرأى على كل واحد منهما ثمانين جلدة، وهو الاوزاعي، مع أن قياس شرب الدم على شرب الخمر، لو جاز القياس، أولى من قياس شرب الخمر على قذف محصنة.\rووجدنا بعضهم قد قاس من سرق أو شرب أو زنى ثم تاب واعترض على المحارب في سقوط الحد عنه.\rحدثنا يحيى بن عبد الرحمن، حدثنا أحمد بن دحيم، حدثنا إبراهيم بن حماد، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا نصر بن علي، ثنا محمد بن بكر - هو البرساني - عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: إذا سرق اللص ثم جاء تائبا فلا قطع عليه.\rوبعضهم لم يقس هؤلاء على المحارب، وقاسهم على القاتل، والقاتل أبعد شبها من الحدود الواجبة من المحارب.\rوقد قاس بعضهم القاتل إذا عفي عنه على الزاني غير المحصن، ولم يقس المرتد إذا راجع الاسلام، ولا المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه، أو إذا عفا الامام عن قتله، أو اقتصر على ما دون ذلك، وكل هذا تناقض.\rوقد ساوى الله تعالى بين الخمر والميسر، والانصاب والازلام، فهلا قاسوا","part":8,"page":1102},{"id":1104,"text":"وأوجبوا على لاعب القمار والميسر، وعلى المستقسم بالازلام حدا كحد الخمر ثانيا.\rوبعضهم لم يقس قوله في جواز بيع جزء مشاع على قوله في المنع من جواز رهنه وهبته والصداق به.\rوأكثرهم قاس البيع حين النداء للجمعة، على النكاح حينئذ والاجازة في جواز كل ذلك أو في إبطال كل ذلك.\rقاس بعضهم دخول حمل الجارية من غير سيدها، وابن الشاة، وحمل الشجر في الرهن على كون الحوامل لكل ذلك في الرهن، ولم يقس سقوط ما قابل الحوامل إذا تلفت من الشئ المرتهن فيه على قوله: إنه لا يسقط من الحق شئ يتلف الولد والحمل واللبن.\rوبعضهم لم يقس قوله في بيع القاضي دنانير الغرم في ديونه التي هي دراهم أو دراهمه في ديونه التي هي دنانير، على قوله في المنع من بيع ما هذا ما عدا ذلك في شئ من ديونه.\rوبعضهم لم يقس قوله في المنع من بيع مال الحي، على قوله في إباحة بيع مال الميت في ديونهما.\rوبعضهم لم يقس قوله في جواز النكاح بشهادة حرين فاسقين، على قوله في إبطال النكاح بشهادة عبدين عدلين.\rوأكثرهم لم يقس الكافر الوثني يسلم فيعرض على امرأته الاسلام فتأبى، فيفسخ النكاح عنده، على قوله في امرأة الكافر تسلم فيستأني عنده بفسخ نكاحه ما لم تنقض عدتها، ولم يسلم هو، وبعضهم ساوى بين الامرين.\rوبعضهم لم يقس قوله في كل كافر تزوج كافرة على خمر بعينها أو خنزير بعينه، ثم أسلما فلا شئ لها غير ذلك - على قوله: إن أصدقها خمرا بغير عينها، أو خنزيرا بغير عينه، ثم أسلما فقال: لها في الخمر قيمتها، ولها في الخنزير مهر مثلها.\rوبعضهم لم يقس الحر يتزوج المرأة على خدمته لها شهرا - فقال: لها مهر مثلها - على العبد يتزوجها على ذلك، وقال: ليس لها إلا خدمته لها.\rولم يقس بعضهم إيجابه الطلاق على الذمي على قوله في إسقاط العدة عن الذمية يطلقها الذمي.","part":8,"page":1103},{"id":1105,"text":"ولم يقس بعضهم قوله: إن أجل العبد في العنة ستة أشهر، وأجله في الايلاء شهران، وأجل الامة في المفقود سنتان، وطلاق العبد تطليقتان، وعدة الامة حيضتان، على قوله: إن للعبد أن يتزوج أربعا، وعلى قوله: إن صيامه في الظهار شهران، وفي الوطئ في نهار رمضان كذلك، وفي قتل الخطأ كذلك، وشهادة العبد والامة أربع شهادات في اللعان كالحر والحرة، وعدة المستحاضة الامة سنة كالحرة.\rوقاس كل ذلك بعضهم فجعل حكم العبد كل ذلك على نصف حكم الحر.\rوقال آخرون منهم: أجل العبد في الايلاء أربعة أشهر، ولا يتزوج إلا امرأتين، فأبو حنيفة يقول: عدة الامة حيضتان، ومن الوفاة نصف عدة الحرة، وبالشهور في الطلاق نصف عدة الحرة، وتحرم الامة على زوجها الحر أو العبد بتطليقتين إلا بعد زوج، ولا يتزوج العبد إلا امرأتين فقط، وأجل العبد يولي من زوجته الامة نصف أجل الحر، في إيلائه وأجل الحر في إيلائه من الامة نصف أجل إيلائه من الحرة.\rقال أبو حنيفة: صيام العبد في ظهاره من زوجته الحرة والامة كصيام الحر في ظهاره من الزوجة الحرة والامة، ولا تحرم الحرة على زوجها العبد إلا بثلاث طلقات، وأجل العبد على زوجته الحرة أو الامة كأجل الحر في ذلك، وأجل العبد يولي من الزوجة الحرة كأجل الحر.\rوقال مالك: عدة الامة حيضتان، ومن الوفاة نصف عدة الحرة، وتحرم الزوجة الحرة والامة على العبد بتطليقتين، وأجل العبد يولي من زوجته الحرة والامة نصف أجل الحر، في إيلائه وأجل العبد يعن عن زوجته الحرة والامة نصف أجل الحر.\rوقال مالك: يتزوج العبد أربعا من الحرائر، والاماء وصيام العبد في ظهاره من زوجته الحرة والامة، كصيام الحر، وعدة الامة في الطلاق بالشهور ثلاثة أشهر كالحرة.\rوقال الشافعي: عدة الامة حيضتان، وفي الوفاة وبالشهور في الطلاق نصف عدة الحرة، وتحرم الحرة والامة على العبد بتطليقتين، ولا يتزوج العبد إلا اثنتين،","part":8,"page":1104},{"id":1106,"text":"وأجل العبد يعن أيولي من الحرة أو الامة كأجل الحر في كل ذلك، وصيامه في الظهار كصيام الحر.\rفاعجبوا لتناقض قياساتهم وهكذا في سائر الاحكام ولا فرق.\rفاتفقوا في صوم الظهار على ألا يقيسوه على سائر أحكام العبد، ولا إجماع في ذلك، لان قتادة وغيره يقول: هو على نصف صيام الحر، ولم يتفقوا على نصف حكم العبد من حكم الحر إلا في عدة الوفاة، وعدة الحيض وطلاق العبد والامة، ولا إجماع في ذلك، لان ابن سيرين يرى عدة الامة كعدة الحرة في الوفاة وفي الاقراء، وصح عن ابن عباس أنه أمر عبده بمراجعة زوجته، وهي أمة بعد طلقتين، ولم يقس بعضهم قوله: من نظر إلى فرج امرأة طلقها طلاقا رجعيا في العدة بشهوة فهي رجعة، على قوله: فإن نظر إلى شئ من بدنها غير الفرج بشهوة فليست رجعة، ولا على قوله إنه إن لمسها في بدنها بشهوة فهي رجعة.\rولم يقس بعضهم قوله فيمن قال لامرأته: لست لي بامرأة ونوى الطلاق ولم يره طلاقا، على قوله لها: قومي ونوى الطلاق فهو طلاق.\rولم يقس بعضهم قوله فيمن قال لامرأته: اختاري، فقالت: أنا أختار نفسي، قال: فهي بذلك طالق: على قوله لها: طلقي نفسك فقالت: أنا أطلق نفسي، أو قالت: قد اخترت نفسي، فلم ير ذلك كله طلاقا، ولا على قوله: لو قال لها: لا ملك لي عليك، قال: هو طلاق.\rولا قاس بعضهم قوله لمن قال لامرأته: أنت طالق مثل الجبل، فجعلها واحدة رجعية على قوله: إن قال لها أنت طالق مثل عظيم الجبل فجعلها واحدة بائنة.\rولا قاس بعضهم قوله فيمن قال لامرأته: اختاري اختاري، اختاري فقالت: قد اخترت نفسي بالاولى أو قالت بالوسطى أو قالت بالآخرة فهي طلقة واحدة، على قوله فيمن قال لامرأته: اختاري اختاري اختاري، فقالت: قد اخترت نفسي بالواحدة، أو قالت واحدة، قال: فهي طالق ثلاثا.\rولا قاس بعضهم قوله في التخيير على قوله في التمليك.\rولا قاس بعضهم قوله فيمن قال لامرأته المدخول بها، أنت علي حرام مثل الخنزير والميتة والدم، فقال: هي ثلاث ولا بد، على قوله ذلك في غير المدخول بها","part":8,"page":1105},{"id":1107,"text":"وقال بعد ذلك: لم أنو إلا واحدة فإنه يحلف، وتكون واحدة ويراجعها إن أحبا، ولم يقس ذلك كله على قوله: قال لمدخول بها أو لغير مدخول بها: أنت بتة، أو أنت البتة، فقال: هي ثلاث على حال فيهما معا.\rولم يقس بعضهم قوله فيمن قال لامرأته المدخول بها وغير المدخول بها: قد خليت سبيلك، إنه ينوي ويحلف على ما نوى، على قوله لمن قال لامرأته: حبلك على غاربك، إنها في المدخول بها ثلاث ولا بد، وفي غير المدخول بها ينوي وتكون واحدة، ولا قاس أكثرهم في قوله في التحريم في الزوجة على قوله في التحريم في الامة وقد سوى بعضهم بين كل ذلك.\rولا قاس بعضهم قوله فيمن شك أطلق زوجته أم لم يطلق وهي تقول له: لم تطلق أنه تطلق عليه ولا بد.\rعلى قوله فيمن قال لامرأته: إن كتمتني أمرا كذا فأنت طالق، أوقال لها: إن أبغضتني فأنت طالق، فأخبرته بخبر لا يدري أكتمه ما حلف عليه أم، وقالت له: لست أبغضك وهو لا يدري أصدقت أم كذبت أنه طلاق عليه.\rولا قاس بعضهم قوله في إباحة جميع كفارات الايمان قبل الحنث على قوله: إن كفارة يمين الايلاء لا تكون إلا بعد الحنث.\rولا قاس بعضهم جواز تسري العبد عبده على منعه من التفكير بالعتق فيما لا يجزي فيه إلا العتق لواجد الرقبة، وهو واجد رقابا يطؤهن.\rولا قاس بعضهم قوله فيمن قال لامرأته: كل امرأة أتزوجها عليك فهي كظهر أمي، قال: ليتزوج عليها واحدة أو اثنتين معا أو ثلاثا معا، وليس عليه في كل ذلك إلا كفارة واحدة على قوله لها: ومتى تزوجت عليك فالتي أتزوج عليك كظهر أمي، فرأى عليه لكل امرأة يتزوجها كفارة.\rولم يقس بعضهم سقوط اللعان على الاعمى والمحدودة لسقوط شهادتها على قوله: إن اللعان لا يسقط عن الفاسق المعلن لسقوط شهادته.\rولم يقس بعضهم قوله: من أعسر النفقة أجل شهرين أو نحوهما وإلا فرق بينهما، على قوله: فإن أعسر بالصداق أجل عامين أو نحوهما ثم فرق بينهما.\rولم يقس بعضهم عدة المستحاضة من الطلاق سنة، ميزت الدم أم لم تميز كانت","part":8,"page":1106},{"id":1108,"text":"لها أيام معهودة أو لم تكن، على قوله: عدتها من الوفاة أربعة أشهر وعشر.\rولم يقس بعضهم قوله: من قتل أمة أو عبدا قيمة كل واحد منهما مائة ألف درهم لم يغرم في العبد إلا عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم، وفي الامة خمسة\rآلاف درهم غير خمسة دراهم، فإن كانت القيمة أقل من عشرة آلاف في العبد وخمسة آلاف في الامة غرم القيمة كلها، على قوله: إن غصب عبدا أو أمة فماتا عنده غرم قيمتهما، ولو بلغت ألف درهم، ولم يقس هذا الهذيان على سائر أقواله: إن أحكام العبد على نصف أحكام الحر، في النكاح والطلاق وغير ذلك.\rولم يقس قوله: إنه يقص بين الحر والعبد والكافر والمؤمن في النفس على قوله: إن ما دون النفس يقص فيه بين المؤمن والكافر، ولا يقص فيه بين العبد والحر.\rولم يقس بعضهم قوله: يقتل عشرة بواحد على قوله: لا تقطع يدان بيد، ولا عينان بعين.\rولم يقس بعضهم قوله: لا يستقاد من أحد بحجارة ولا بطعنة رمح، على قوله: يقتل الزاني المحصن بالحجارة والمحارب بالطعن بالرمح.\rولم يقس بعضهم إباحته قتل المرأة في الزنى وفي القود على قوله في منع قتلها إذا ارتدت.\rقال أبو محمد: فيما ذكرنا كفاية على أننا لم نكتب من تناقضهم في القياس، وتركهم في القياس، وتركهم له إلا جزءا يسيرا جدا من أجزاء عظيمة جدا، ولو تقصينا ذلك لقام منه ديوان أعظم من جميع ديواننا هذا كله.\rوكل ما ذكرنا فإنهم إن احتجوا فيه بإجماع على تركه لم ينفكوا من أحد وجهين: إما أن يدعوه بغير علم فيكذبوا، وإما أن يصدقوا في ذلك، فإن كانوا قد صدقوا أقروا أن الاجماع جاء بترك القياس، ولو كان حقا ما جاء الاجماع بتركه، وإن ادعوا أنهم تركوا القياس حيث تركوه لنص وارد في ذلك، فاعلموا أن كل قياس خالفناهم فيه، فإن النص قد ورد بخلاف ذلك القياس، لا بد من ذلك، وإن قالوا بتركنا القياس حيث تركناه لدليل غير النص، قلنا لهم هذا ما لا نعرفه ولا ندريه، وأي دليل يكون أقوى من النص ؟ هذا عدم لا سبيل إلى وجوده أبدا.\rوبالجملة فكل واحد منهم إنما استعمل القياس في يسير من مسائله جدا، وتركه","part":8,"page":1107},{"id":1109,"text":"في أكثرها، فإن كان القياس حقا فقد اخطؤوا بتركه وهم يعلمونه، وإن كان باطلا فقد اخطؤوا باستعماله، فهم في خطأ متيقن إلا في القليل من أقوالهم.\rوقال بعضهم: لا نقيس على شاذ.\rقال أبو محمد: وهذا تحكم فاسد، لانه ليس شئ في الشريعة شاذا، تعالى الله أن يلزمنا الشواذ، بل كل ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله (ص) فهو حق، والحق لا يكون شاذا، وإنما الشاذ الباطل.\rوقال بعضهم: لا نقيس على فرع.\rقال أبو محمد: وهذا كالاول، ولا فرع في الشريعة، وكل ما جاء نصا أو إجماعا فهو أصل، فأين ههنا فرع ؟ لو أنصف القوم أنفسهم ؟.\rوقال بعضهم: الحدود والكفارات لا تؤخذ قياسا.\rقال أبو محمد: وما الفرق بينهم وبين من قال بل العبادات وأحكام الفروج لا تؤخذ قياسا، وكل من فرق بين شئ من أحكام الله تعالى فهو مخطئ، بل الدين كله لا يحل أن يحكم في شئ منه بقياس، على أنهم قد تناقضوا وقاسوا في البابين، وأوجبوا حد اللوطي قياسا، وأوجبوا كفارات كثيرة قياسا، والقوم متناقضون تناقضا يشبه اللعب والهزل: أعوذ بالله مما امتحنوا به.\rفإن قال قائل: وأنتم قد تركتم حديثا كثيرا.\rقلنا لهم: وبالله تعالى التوفيق: كذبتم وأفكتم، ولا يوجد ذلك من أحد منا أبدا إلا أربعة أوجه لا خامس لها: إما لقيام البرهان على نسخه أو تخصيصه بنص آخر، وهذا لا يحل لاحد.\rوإما أنه لم يبلغ إلى الذي لم يقل به منا، وهذا عذر ظاهر و * (لا يكلف الله\rنفسا إلا وسعها) *.\rوإما أن بعضنا يرى ترك كل ما رواه المدلس إلا ما قال فيه حدثنا أو أنبأنا وهذا خطأ، وبعضنا يرى قبول جميع روايته إذا لم يدلس المنكرات إلى الثقات، إلا ما صح فيه تدليسه، وبهذا نقول وعلى كل ما ذكرنا البرهان، والبرهان لا يتعارض، والحق لا يعارضه حق آخر.\rوإما أن بعضنا يرى ترك الحديثين المتعارضين، لانه لم يصح عنده الناسخ،","part":8,"page":1108},{"id":1110,"text":"وإذ لم يصح عنده الناسخ منهما فهو منهي أن يقفو ما لا علم له به، وهذا خطأ، وبعضنا يرى ههنا الاخذ بالزائد، وبه نقول.\rفليس منا أحد - ولله الحمد - ترك حديثا صحيحا بلغه بوجه من الوجوه لقول أحد دون رسول الله (ص)، ولا لرأي ولا لقياس ونعوذ بالله من ذلك.\rوأما هم فإنهم يتركون نصوص القرآن لآرائهم وأهوائهم وتقليدهم، ويتركون الصحيح من الحديث عندهم كذلك، ويتركون القياس وهم يعرفونه ويعلمونه وهو ظاهر إليهم كذلك، فالقوم لم يتمسكوا إلا باتباع الهوى والتقليد فقط، ونعوذ بالله من الخذلان.\rوقد انتهينا من إيضاح البراهين على إبطال الحكم بالقياس في دين الله تعالى إلى حيث أعاننا الله تعالى عليه، راجين الاجر الجزيل على ذلك، ولاح لكل من ينصف نفسه: أن القياس ضلال ومعصية وبدعة، لا يحل لاحد الحكم به في شئ من الدين كله، فليتق كل امرئ ربه.\rولا يحمله اللجاج على الاعراض عن الحق، ولا يقتحم به حب استدامة رياسة قليلة على تحمل ندامة طويلة، فعن قريب يقف في مواقف الحكم بين يدي عالم الخفيات، فليفكر من حكم في دين الله تعالى بغير ما عهد به إليه في كلامه وكلام رسول الله (ص) إلينا: ماذا\rتكون حجته إذا سئل عن ذلك ؟.\rوليوقن أن من سئل يوم القيامة بماذا حكمت ؟.\rفقال: بكلامك يا رب وكلام رسوله إلي، فقد برئ من التبعة من هذا الوجه جملة، ومن زاد على ذلك أو تعداه فلينظر في المخلص، وليعد المسألة في حكمه بتقليد الآباء ورأيه وقياسه جوابا و: * (فستذكرون مآ أقول لكم وأفوض أمري إلى الله) * وحسبي الله ونعم الوكيل.","part":8,"page":1109},{"id":1111,"text":"الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين قال أبو محمد علي بن أحمد، رضي الله عنه: ذهب القائلون بالقياس من المتحذلقين المتأخرين إلى القول بالعلل، واختلف المبطلون للقياس، فقالت طائفة منهم: إذا نص الله تعالى على أنه جعل شيئا ما سببا لحكم ما، فحيث ما وجد ذلك السبب وجد ذلك الحكم، وقالوا: مثال ذلك قول رسول الله (ص)، إذ نهى عن الذبح بالسن: وأما السن فإنه عظم.\rقالوا: فكل عظم لا يجوز الذبح به أصلا، قالوا: ومن ذلك قول رسول الله (ص) في السمن تقع فيه الفأرة: فإن كان مائعا فلا تقربوه قالوا: فالميعان سبب أن لا يقرب، فحيث ما وجد مائع حلت فيه نجاسة فالواجب ألا يقرب.\rقال أبو محمد: وهذا ليس يقول به أبو سليمان رحمه الله، ولا أحد من أصحابنا، وإنما هو قول لقوم لا يعتد بهم في جملتنا كالقاساني وضربائه.\rوقال هؤلاء: وأما ما لا نص فيه فلا يجوز أن يقال فيه: إن هذا لسبب كذا.\rوقال أبو سليمان، وجميع أصحابه رضي الله عنهم: لا يفعل الله شيئا من الاحكام وغيرها لعلة أصلا بوجه من الوجوه، فإذا نص الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم على أن أمر كذا لسبب كذا أو من أجل كذا، ولان كان كذا أو لكذا،\rفإن ذلك كله ندري أنه جعله الله أسبابا لتلك الاشياء في تلك المواضع التي جاء النص بها فيها.\rولا توجب تلك الاسباب شيئا من تلك الاحكام في غير تلك المواضع البتة، قال أبو محمد: وهذا هو ديننا الذي ندين به، وندعو عباد الله تعالى إليه، ونقطع على أنه الحق عند الله تعالى.\rفأما الحديث الذي ذكروا في السن أنه عظم، فكل عظم ما عدا السن فالتذكية به جائزة، لان النبي (ص) لم يكن عاجزا عما قدر عليه هؤلاء المتخرصون، ولو كانت الذكاة بالعظام حراما لما اقتصر (ص) على ذكر السن وحده، ولما رضي بهذا العي من ذكر شئ وهو يريد غيره، ولقال: ما أنهر الدم وفرى الاوداج فكلوا ما لم يكن عظما أو ظفرا، وصح ضرورة أنه لو كانت العظمة","part":8,"page":1110},{"id":1112,"text":"مانعة من الذبح لما هي فيه، لما كان لذكر السن معنى، ولكان تلبيسا لا بيانا، فوضح يقينا أن العظمة ليست ما من الذبح بالجرم الذي هي فيه، إلا أن يكون في سن فقط، وكذلك القول في الحديث الآخر ولا فرق.\rوالقائلون بخلاف قولنا قد تناقضوا في الحديث المذكور نفسه، ولم يعنونا في طلب تناقضهم إلى مكان بعيد، لكن أتوا إلى قوله (ص) في ذلك الحديث نفسه: وأما الظفر فإنه مدى الحبشة فكان يلزمهم - إذا جعلوا قوله (ص) فإنه عظم سببا مانعا من الذبح بكل عظم - أن يجعلوا قوله عليه السلام: وأما الظفر فإنه مدى الحبشة مانعا من التذكية بكل مدية كانت لحبشي، وهذا ما لا يقولونه، بل اقتصروا على المنع من الذبح بالظفر فقط.\rفلو فعلوا كذلك في السن فمنعوا من الذبح به ولم يتعدوه إلى سائر العظام لكان اهدى لهم، ولكن هكذا يتناقض أهل الخطأ.\rوأما أصحاب مالك وأبي حنيفة، وهم المغلبون للقياس على نصوص القرآن\rوالحديث في كثير من أقوالهم، فإنهم تركوا القياس ههنا جملة، فأجازوا الذبح بكل عظيم، لم يقنعوا بهذا إلا حتى تجاوزوا ذلك إلى تخصيص النص بلا دليل، فأجازوا الذبح بكل سن نزعت، واقتصروا على المنع من الذبح بالسن التي لم تنزع، وأجازوا الذكاة بكل ظفر قلع وهذا خطأ منهم.\rوالناقص من الدين كالزائد فيه ولا فرق.\r* (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * فلو كان التعليل صوابا لكان ما له نص الله تعالى عليه ورسوله (ص) بأن جعله سببا للحكم أولى، عند كل من له مسكة عقل ودين، من علة يتكهنون في استخراجها بلا دليل فهم قد قلبوا ذلك كما ترى.\rقال أبو محمد: وأما الصواب الذي لا يجوز غيره فهو أن السن والظفر لا يحل الذبح بهما ولا النحر، منزوعين كانا أو غير منزوعين، فأما ما عداهما، من عظم ومن مدي الحبشة أو غير ذلك مما يفري، فحلال الذبح به والنحر والتذكية.\rفإن قالوا: إن الاجماع منعنا أن يطرد التعليل في مدي الحبشة في الحديث المذكور، قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: قد ثبت الاجماع على صحة قولنا، وعلى إبطال التعليل، وإلا نتعدى السبب المنصوص عليه إلى ما لم ينص عليه، ولو كان التعليل حقا ما جاز وجود الاجماع بخلافه.","part":8,"page":1111},{"id":1113,"text":"قال أبو محمد: وحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، ثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله بن الصباح، ثنا أبو علي الحنفي، ثنا قرة بن خالد قال انتظرنا الحسن فجاء فقال: دعانا جيراننا هؤلاء، ثم قال: قال أنس بن مالك نظرنا النبي (ص) ذات ليلة حتى إذا كان شطر الليل يبلغه جاء فصلى لنا ثم خطبنا فقال: ألا إن الناس قد صلوا رقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة.\rقال أبو محمد: فقد جعل رسول الله (ص) من الاسباب التي يختار لها\rتأخير العتمة انتظار الصلاة، فيكون المنتظر لها في صلاة ما انتظرها، ولم يكن هذا علة عند القائلين بالعلل في اختيار تأخير العصر والمغرب، فإذا كان ما نص النبي (ص) عندهم ليس علة يبنى عليها، فالتي ولدوها بآراهم الكاذبة أولى أن لا يبنى عليها.\rوقد تعدى بعضهم ممن لم يتق الله عزوجل إلى أطم من هذا.\rفقال: إن النبي (ص) يأمر بالامر ويقول بالقول مما لا يجوز، لكن لعلة شئ آخر أراده.\rقال: وذلك مثل قوله (ص): لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم ذكر أن يحرق بيوت المتخلفين عن الصلوات في الجماعات فقالوا هذا لا يجوز، وإنما قاله (ص) تغليظا، لا أنه أراد ذلك.\rوقالوا: إن أمره (ص) بغسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا ليس على إيجاب ذلك، وإنما فعله ليزدجر الناس عن اتخاذها، لانها كانت تؤذي المهاجرين.\rقالوا: ومن ذلك قوله (ص) للذي دخل المسجد بهيئة بذة ورسول الله (ص) يخطب يوم الجمعة فقال: قم فاركع ركعتين قالوا: والركوع حينئذ لا يجوز، وإنما أمره بذلك ليفطن له الناس فيتصدقوا عليه.\rوقالوا: من ذلك أيضا أمره (ص) بفسح الحج، إنما أمر به، وهو لا يجوز، ليريهم جواز العمرة في أشهر الحج ولهم من هذا التخليط المهلك كثير.\rقال أبو محمد: وقائل هذا لولا أنه يعذر بشدة ظلمة الجهل، وضعف العقل لما كان أحد أحق بالتفكير منه، وبضرب العنق وباستيفاء المال، لانهم ينسبون إلى رسول الله (ص) أنه يأمر بالباطل وبما لا يجوز، ويصفونه بالكذب.","part":8,"page":1112},{"id":1114,"text":"وليت شعري أعجز النبي (ص) عن أن يأمر بقتل الكلاب، كما فعل إذ أمره الله تعالى، حتى يحلق هذا التحليق السخيف ؟ الذي يشبه عقول المعللين\rلأمره بغسل الاناء من ولوغها سبعا ؟.\rأما من كان لهم عقل يعلمون به أنه أن من عصى أمره بألا تتخذ الكلاب، وأن من اتخذ كلبا لم يبح له اتخاذه نقص من عمله كل يوم قيراطان، فهو لامره بغسل الاناء سبعا، أعصى وأترك ؟ تعالى الله عن هذا، وتنزه نبيه (ص) عن هذا الوصف الساقط، والصحابة رضي الله عنهم أطوع وأجل لله تعالى ولرسوله (ص) من أن تكون هذه صفتهم، أو تراه (ص) عجز عن أن يأمر أصحابه بالصدقة كما صرح لهم بذلك غير مرة حتى يأمر بركوع لا يجوز ؟.\rأترى الصحابة لم يعقلوا أن العمرة في أشهر الحج جائزة، وقد اعتمد بهم النبي (ص) قبل ذلك في أشهر الحج عمرتين متصلتين بعد ثالثة لم تتم، عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، بعدها، وعمرته من الجعرانة بعد فتح مكة، كلهن في أشهر الحج قبل حجة الوداع: أما اكتفوا بهذا وبأمره (ص) لهم في حجة الوداع: فمن شاء منكم أن يهل بعمرة فليفعل فأهل بالعمرة نساؤه وكثير من أصحابه أما يكفي هذا من البيان بأن العمرة في أشهر الحج جائزة ؟ حتى يحتاج إلى أمرهم بما لا يحل ؟ بزعم من لا زعم له من فسخ الحج.\rأما لمن نسب هذا إلى الصحابة رضي الله عنهم عقل أو حس يردعه عن هذا السخف والجنون ؟.\rإن من ظن هذا بهم لفي الغاية القصوى من الاستخفاف بأقدارهم، أو في غاية الشبه بالانعام، بل هو أضل سبيلا.\rوتراه (ص) لو لم يكن يريد إحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة حقا ؟ أما كان يكتفى بأن يأمر بهجرهم، كما فعل بالمتخلفين عن تبوك ؟ أو بطردهم، كما طرد الحكم وهيثا المخنث، أو بأدبهم كما أدب في الخمر قبل استقرار الحد فيها بالاربعين ؟ حتى يتعد إلى الكذب والاخبار بما لا يحل ؟ اللهم إنا\rنبرأ إليك من هذا القول الفاحش المهلك.\rحدثنا حمام بن أحمد، ثنا ابن مفرج، ثنا ابن الاعرابي، ثنا الدبري، ثنا عبد الرزاق،","part":8,"page":1113},{"id":1115,"text":"عن معمر قال: قلت لعبيد الله بن عمر: أعلمت أن رسول الله (ص) أفاد بالقسامة ؟ قال: لا.\rقلت: فأبو بكر ؟ قال: لا.\rقلت: فعمر ؟ قال: لا.\rقلت: فيم تجترئون على ذلك، فسكت، قال: فقلت: ذلك لمالك ؟ فقال: لا تضع أمر رسول الله (ص) على الحيل ثم ذكر باقي الكلام.\rقال أبو محمد: وهذا هو الحق الذي لا يجوز خلافه، وهذا مذهب الائمة وكل من في قلبه إسلام، ثم يقع لهم الخطأ والوهلات التي لم يعصم منها بشر، فأتى هؤلاء الاوباش المقلدون فقلدوهم في خطئهم الذي لم ينتبهوا له، وعصوهم في الحقيقة التي ذكرنا من أن لا يحمل أمر النبي (ص) على الحيل.\rقال أبو محمد: فإن ذكروا في ذلك مواصلة النبي (ص) بهم، وقد نهاهم عن الوصال ؟ فليعلموا.\rأن ذلك كان منه عليه السلام صياما مقبولا، لان الوصال له مباح بالنص من قوله (ص): لست كأحد منكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني وكان منهم عقوبة لهم لا صياما، وهكذا في نص الحديث، أنه كان كالتنكيل بهم، وجائز للامام أن يمنع المرء الطعام اليوم والليلة، ومقدارا يدري أنه لا يبلغ به الموت على سبيل النكال، كما فعل (ص).\rوبالله تعالى التوفيق.\rونحن إن شاء الله تعالى موردون مشاغب أصحاب العلل، على حسب ما التزمنا لجميع خصومنا، ومبينون، بحول الله واهب القوة لا إله إلا هو وعونه لنا إن شاء الله تعالى، تمويههم بها وحل شغبهم الفاسد، ثم موردون البراهين الضرورية الصادقة عن إبطال العلل جملة، إن شاء الله تعالى وبه نعتصم.\rاحتج القائلون بالعلل بآيات ظاهرها كون بعض الاحكام من أجل بعض الاحوال،\rفمن ذلك قول الله عزوجل وقد ذكر قتل أحد ابني آدم عليه السلام لاخيه: * (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا) *.\rقال أبو محمد: فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق.\rهذا أعظم حجة عليكم، لان الله تعالى لم يلزم هذا الاصر غير بني إسرائيل فقط، ولو أن ذلك علة مطردة كما يدعوا للزم جميع الناس.\rفإن قالوا: هو لازم لجميع الناس، سألناهم ما تقولون في جميع الكبائر","part":8,"page":1114},{"id":1116,"text":"أهي فساد في الارض أم ليست فسادا في الارض إلا ما سمي فسادا في الارض وليس هذا واقعا إلا على المحاربة فقط ؟ ولا بد من أحد الجوابين.\rفإن قالوا: الكبائر كلها فساد في الارض، أريناهم شارب الخمر والسارق، والمرابي وآكل أموال اليتامى، والزاني غير المحصن، وآكل لحم الخنزير والدم والميتة، والغاصب والقاذف، مفسدين في الارض ولا يحل قتلهم، بل من قتلهم قتل بهم قودا، فقد نقضوا قولهم إن حكم الآية المذكورة جار علينا، لان في نص تلك الآية إباحة قتل كل مفسد في الارض.\rفإن قالوا: ليس شئ من الكبائر فسادا في الارض حاشا المحاربة.\rأريناهم الزاني المحصن يقتل، وليس مفسدا في الارض، فانتفضت العلة التي ادعوها علة لان في الآية المذكورة ألا تقتل نفس بغير نفس أو فساد في الارض، الزاني المحصن لم يقتل نفسا، ولا أفسد في الارض، وهو يقتل ولا بد، ولا يكون قاتله كأنه قتل الناس جميعا.\rفإن قالوا: إن زنى المحصن وحده ووطئ امرأة الاب، وردة المرتد، وشرب المحدود ثلاث مرات في الخمر مرة رابعة، فساد في الارض وما عدا هذا\rفليس فسادا في الارض كابروا وتحكموا بلا دليل، وقد جعل النبي (ص) الزاني وهو شيخ أو بامرأة جاره أو بامرأة المجاهد في سبيل الله أعظم جرما من سائر الزناة، وسواء كانوا محصنين أو غير محصنين، إلا أن غير المحصن على كل حال لا يقتل وإن كان أعظم جرما من المحصن في بعض الاحوال التي ذكرنا، والمحصن على كل حال يقتل، وإن كان غير المحصن أعظم جرما منه في بعض الاحوال التي ذكرنا.\rوأيضا: فإن هذا القول الذي قالوه ناقض لاصولهم في العلل، وموجب أن لا يكون الشئ علة إلا حيث نص الله عزوجل على أنه علة لانهم يقولون إن الكبيرة لا تكون فسادا إلا حيث نص على أنها فساد، وحيث أمر الله تعالى بقتل فاعلها، وبطل إجراؤهم العلة حيث وجدت، وهذا قولنا نفسه حاشا التسمية بعلة أو سبب، فإنا لا نطلقه، لان النص لم يأت به، وإذ ليس بيننا إلا التسمية فقط فقد ارتفع الخلاف إذ إنما تضايق في تصحيح المعنى المسمى أو إبطاله، ولا معنى","part":8,"page":1115},{"id":1117,"text":"للاسم ولا للمضايقة فيه إذا حققنا المعنى، وإنما نمنع منه خوف التشكيك به والتلبيس، وتسمية الباطل باسم الحق، فهذا توقف على فساد عمله، ونبين له قبح مغبته وبالله تعالى التوفيق.\rواحتج بعضهم بقول الله عزوجل حكاية عن المنافقين أنهم قالوا: * (لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا) *.\rقال أبو محمد: وهذه الآية كافية في إبطال العلل، لان الله تعالى أخبر أن جهنم ذات حر وأن الدنيا ذات حر ثم فرق تعالى بين حكميها وأمرهم بالصبر على حر الدنيا وأنكر عليهم الفرار عنه وأمرهم الفرار عن حر جهنم، وألا يصبروا عليها أصلا نعوذ بالله منها.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (لئلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لانه نص على أن النبي (ص) إذ تزوج امرأة زيد وهو قد كان استلحقه، ونحن مأمورون باتباعه (ص) في تحليل ما أحل وتحريم ما حرم، فنكاحه (ص) إياها موجب علينا تحليل أزواج المستلحقين في الجاهلية غير استلحاق الولادة، لكن الاستلحاق المنسوخ فقط، وهذا الذي قلنا هو نص الآية، ولو كان علة كما ادعوا للزم كل أحد أن ينكح امرأة دعيه ولا بد، فلما لم يكن ذلك بلا خلاف، سقط ظنهم أن إنكاحه عز وجل لرسوله (ص) زينب أم المؤمنين علة لما راموا تعليله بذلك.\rوصح قولنا: أنه نص على إيجاب تحليل ما أحل الله تعالى لرسوله عليه السلام فقط، وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بقوله تعالى: * (مآ أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم) *.\rقال أبو محمد: وهذا أيضا لا حجة لهم فيه والقول في هذه الآية كالقول في الآية التي ذكرنا آنفا ولا فرق، لاننا قد وجدنا أموالا كثيرة لم تقسم هذه القسمة بل قسمت على رتبة أخرى فلو كان عليه قسمة هذا الذي أفاء الله تعالى على رسوله (ص) إنما هي ألا يكون دولة بين الاغنياء لكان ذلك أيضا علة في قسمة سائر الاموال من الغنائم وغيرها كذلك فبطل ما توهموا وصح","part":8,"page":1116},{"id":1118,"text":"أن الله تعالى أراد فيما أفاء الله تعالى على رسوله (ص)، من أهل القرى مما لو يوجف عليه بخيل ولا ركاب خاصة، ألا يكون دولة بين الاغنياء منهم فلا يتعدى بهذا الحكم هذا الموضع، وإلا حيث نص الله تعالى عليه أيضا في قسمة خمس الغنائم ولا مزيد، وهذا قولنا لا قولهم في إجراء العلل وبالله تعالى نتأيد\rواحتجوا بقوله تعالى: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لانه لم يكن لاحد على الله تعالى قط حجة لا قبل الرسل ولا بعدهم، بل لله الحجة البالغة: * (لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون) * وقد أخبر تعالى أنه لم ينذر آباء هم وإن لم ينذروا فلا حجة لهم على الله عزوجل، ولكن الله تعالى أراد الاحسان إلى من آمن من المنذرين بالرسل، وأراد الاعذار إلى من لم يؤمن منهم، فهذا غرض الله عزوجل فيهم ومراده، وليس هذا علة وسنبين بعد انقضاء ذكر حجاجهم إن شاء الله تعالى فرق ما بين العلة والسبب والغرض، ببيان جلي لا يحيل على من له أدنى فهم وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (كذلك جزيناهم ببغيهم) *.\rقال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه بل هي حجة عليهم لانه تعالى نص على أنه جزى أولئك ببغيهم بأنواع العذاب المعجل في الدنيا من السخف والصيحة وعذاب الظلة والرجم وغير ذلك.\rفلو كان البغي علة في إيجاب الجزاء بذلك لكان ذلك واجبا أن يجزى به البغاة منا ومن غيرنا فلما رأينا كفار زماننا بغاة كأولئك، وفينا نحن أيضا أهل بغي كبغي أولئك نفسه ففينا تطفيف الميزان.\rوفينا فعل قوم لوط، وفينا الكفر الصريح كما كان في أولئك في المؤمنين منا وفي الكافرين من الحربيين والكتابيين ولم نجاز ولا جوزوا بشئ بما جوزي به أولئك - علمنا أن البغي ليس علة للجزاء بما جوزي به أولئك، لان العلة مطردة في معلوماتها أبدا، لا تجوز أصلا، وصح أن البغي من أولئك كان سببا لجزائهم بما جوزوا به، وليس سببا في غيرهم، لان يجازوا بمثل ذلك، فصح قولنا إن الاسباب لا يتعدى بها المواضع التي نص الله تعالى ورسوله عليه السلام عليها، ولا يوجب في كل مكان الحكم الذي وجب من أجلها في بعض","part":8,"page":1117},{"id":1119,"text":"الامكنة، وسقط قولهم سقوطا لا إشكال فيه.\rوالحمد لله رب العالمين.\rوهذا قد ظهر كما ترى في الاسباب الصحيحة، فما الظن بالاسباب الكاذبة التي يدعونها في الاحكام، ويضعونها وضعا مختلفا متخاذلا بلا برهان، إلا المجاهرة بالقربة، وما لا يصح بوجه من الوجوه ؟ وبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا أيضا بقول الله تعالى: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يأولي الابصار) * الآيات إلى قوله: * (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) * الى قوله (شديد العقاب).\rقال أبو محمد: وهذه حجة عليهم لا لهم، لان المحاربين فيما بيننا وأهل الالحاد منا فهم مشاقون لله عزوجل ورسوله (ص) وأهل الكتاب منا، كذلك وهم يخربون بيوتهم بأيديهم وبأيدي المؤمنين، ولا يهدمون بل يبنونها فصح يقينا أن المشاقة لله تعالى ورسوله (ص) ليست علة لخراب البيت وأصلا، ولا سببا في خراب بيوت المشاقين ما عدا أولئك الذين نص الله تعالى على أنه عاقبهم بإخرابهم بيوتهم من أجل مشاقهم، وهذا هو نفس قولنا: إن الشئ إذا نص الله تعالى عليه بلفظ يدل على أنه سبب لحكم ما في مكان ما، فلا يكون سببا البتة في غير ذلك الموضع لمثل ذلك الحكم أصلا.\rوبالله تعالى التوفيق.\rواحتجوا بقوله تعالى: * (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) * قالوا: فكانت هذه علل في وجوب تحريمها، أو الانتهاء عنها، قال أبو محمد: وهذه حجة عليهم لا لهم من وجوه: أحدها: أن كسب المال والجاه في الدنيا أصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وأوقع العداوة والبغضاء فيما بيننا من الخمر والميسر وليس ذلك محرما إذا بغى على وجهه، وقد أخبر النبي (ص) أصحابه رضي الله عنهم بنص قولنا إذ قال (ص): والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوا فيها فتهلككم كما أهلكت من كان من قبلكم أو كما قال (ص) مما هذا\rحقيقة معناه فلا يظن جاهل أننا نقول شيئا من عند أنفسنا أو برأينا أو بغير ما أتى به النبي (ص).\rوأيضا فالميسر ما عهد منه قبل أن يحرم إيقاع عداوة بذاته ولا فقد عقل،","part":8,"page":1118},{"id":1120,"text":"ولا كان إلا وافقا للناس ونافعا لهم، وكذلك قليل الخمر ليس فيه مما ذكر في الآية، ولا في كل من يشربها تفسد أخلاقهم، بل نجد كثيرا من الناس يبكون إذا سكروا ويكثرون ذكر الآخرة والموت والاشفاق من جهنم وتعظيم الله تعالى والدعاء في التوبة والمغفرة، ونجدهم يكرمون حينئذ ويحلمون، ويزول عنهم كثير من سفههم وتؤمن غوائلهم.\rفصح بكل ما ذكرنا أن الله تعالى لم يجعل إرادة الشيطان لما ذكر تعالى في الآية سببا إلى تحريمها قط، لكن شاء تعالى أن يحرمها إذ حرمها، وقد كانت حلالا مدة ستة عشرة عاما في الاسلام، وقد كان كل ذلك موجودا من الشيطان فينا وفي كثير الخمر وهي، حلال يشربها الصالحون بعلم النبي (ص) ولا ينكر ذلك.\rفلو كان ما وصفها الله تعالى به من الصد عن الصلاة، وعن ذكر الله تعالى، وإيقاع الشيطان العداوة والبغضاء بها علة للتحريم، لما وجدت قط إلا محرمة، لانها لم تكن قط إلا مسكرة، ولم يكن الشيطان قط إلا مريدا لالقاء العداوة والبغضاء بيننا فيها، وكانت حلالا وهي بهذه الصفة فبطل أن يكون إسكارها علة لتحريمها، أو سبب، لا في الوقت الذي نص الله عزوجل على تحريمها فيه ولا قبله البتة، لان قوله عز وجل: * (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) * إنما هو إخبار عن سوء معتقد الشيطان فينا، ولم يقل قط تعالى إن إرادة الشيطان لذلك هو علة تحريمها، ولا أنه سبب تحريمها، ولا يحل لاحد أن يخبر عن الله تعالى بما لم يخبر به عزوجل عن نفسه، ولا أخبر به عنه رسوله (ص) وهذا\rهو قولنا: إن المراعى هو النص لا ما عداه أصلا.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوقد قال بعض أصحابنا: إن إرادة الشيطان إيقاع العداوة والبغضاء بيننا في الخمر، إنما كان بعد تحريمها، لان شاربها بعد التحريم صاد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، مبغض من الصالحين ومعاد لهم.\rقال أبو محمد: وهذا أيضا قد اقتضاه الذي ذكرناه، وزاد عليه وبالله تعالى نتأيد، وقد أدى تعليلهم، هذا الفاسد المفترى، جماعة من الجهال إلى","part":8,"page":1119},{"id":1121,"text":"الضلال المبين، فإذا رأوا سكرانا معربدا متلوثا في أقذاره وأهذاره، جعلوا يقولون في مثل هؤلاء حرمت الخمر نعوذ بالله من هذا القول، ومما سببه من التعليل الملعون.\rواحتجوا بقوله تعالى: * (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) *.\rقال أبو محمد: وهذه حجة عليهم لا لهم، لاننا نحن نظلم من بكرة إلى المساء، ولم يحرم علينا طيبات أحلت لنا، فصح أن الظلم ليس علة في تحريم الطيبات، ولا سببا له إلا حيث جعله الله تعالى بالنص سببا له فقط، لا فيما عدا ذلك المكان البتة.\rواحتجوا بقوله تعالى: * (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا) *.\rقال أبو محمد: وهذا عليهم لان الحكم المذكور لم يوجب استيقان جميع أهل الكتاب، بل فيهم غير مستيقن، وفيهم من تمادى على شكه وإفكه وشركه، ولو كان علة لاستيقانهم لما وجد فيهم أحد غير مستيقن، فبطل ظنهم والحمد لله رب العالمين.\rواحتجوا بقوله تعالى لموسى عليه السلام: * (اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) *.\rقال أبو محمد: وهذا حجة عليهم لان الكون بالواد المقدس طوى لو كان علة لخلع النعال أو سببا له، لوجب علينا خلع نعالنا بالوادي المقدس وبالحرم وبطوى، فلما لم يلزم ذلك بلا خوف صح قولنا: إن الشئ إذا جعله الله سببا لحكم ما، في مكان ما، فلا يكون سببا إلا فيه وحده لا في غيره،\rفهذا كل ما راموا تبديله من وجهه من آيات القرآن، وقد أريناهم بعون الله تعالى، أنه كله حجة عليهم مبطل لقولهم بالتعليل الموجب عندهم للقياس، والحمد لله رب العالمين واحتجوا بقول رسول الله (ص) في نهيه عن إدخار لحوم الاضاحي أكثر من ثلاث: إنما فعلت ذلك من أجل الدابة.\rقال أبو محمد: أحق الناس أن يستحي من الله تعالى عند ذكر هذا الحديث فأصحاب القياس القائلون بالعلل لانهم يبطلون هذا السبب الذي يعدونه علة في المكان الذي ورد فيه، ولا يقيسون عليه شيئا أصلا نعم، ولا يأخذون بذلك","part":8,"page":1120},{"id":1122,"text":"الحكم بعينه، بل يعصونه ويجيزونه ادخار لحوم الاضاحي ما شاء المرء من الدهور، وإن دفت الدواف أفلا يستحي من يبطل قول رسول الله (ص) في نهيه إذا دفت دافة أن يدخر لحوم الاضاحي، أكثر من ثلاث ويستجيز خلافه في ذلك، من أن يحتج بذلك القول المطرح عنده في إثبات العلل الكاذبة لو أن الجوز باللوز إلى أجل لا يحل ؟ إن هذا لخلق فاسد، منتج من رذائل جمة منها الجهل وقلة الحياء وقلة الورع وشدة العصبية، وقلة المبالاة بالصدق، وشدة الجور وقلة النصيحة والضعف والعقل، ونعوذ بالله من كل ذلك.\rوأما نحن فنقول: إن النبي (ص) جعل السبب في النهي عن إدخار لحوم الاضاحي أكثر من ثلاث ليال أن دافة دفت بحضرة الاضحى، فإذا كان ذلك أبد الابد حرم إدخار لحومها أكثر من ثلاث ليال، فإن لم تدف دافة بحضرة الاضحى فليدخل الناس لحومها ما شاؤوا، وانقيادا لامر رسول الله (ص) الذي لم يأت ما ينسخه، وهذا الذي قلنا به هو قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر، واحتجوا بقوله (ص): إنما جعل الاذان من أجل البصر.\rقال أبو محمد: وهذا موافق لقولنا لا لقولهم، لاننا لم ننكر وجود النص حاكما\rبأحكام ما لاسباب منصوصة، لكنا أنكرنا تعدي تلك الحدود إلى غيرها، ووضع تلك الاحكام في غير ما نصت فيه، واخترع أسباب لم يأذن بها الله تعالى.\rوأيضا فهذا الحديث حجة عليهم، لانهم أول عاص له أكثر أهل القياس، مخالفون لما في هذا الحديث، من أن من اطلع على آخر ففقأ المطلع عليه عين المطلع فلا شئ عليه.\rوقالوا: إن قول المظاهر لامرأته: أنت علي كظهر أمي، لما كان منكرا من القول وزورا كان ذلك علة لوجوب الكفارة.\rقال أبو محمد: وقد أبطلوا تعليلهم هذا فكفوا مؤنة أنفسهم، فأقروا أن قول المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي، منكر من القول وزورا، ولم يوجب ذلك عليها الكفارة، وقال تعالى: * (ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبنائكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق) * فسوى الله تعالى بين قول الرجل لامرأته، أنت علي كظهر أمي، وبين ادعائه ولد","part":8,"page":1121},{"id":1123,"text":"غيره، ولم يجعل في أحد الوجهين كفارة، وجعل في الآخرة الكفارة، فصح أن المساواة في الشبه لا توجب المساواة في الحكم، وبطل قولهم في التعليل إذا وجب في أحد المنكرين كفارة ولم يجب في الآخر.\rوقد قال غيره من الفقهاء: إيجاب الكفارة على المرأة المظاهرة من زوجها ككفارة المظاهر ولا فرق.\rفهذا كل ما موهوا به من الحديث لاح أنه حجة عليهم، وبالله تعالى التوفيق.\rوجملة القول: إن كل شئ نص الله تعالى ورسوله (ص) فهو حق، وكل ما أوردوه بآرائهم مما ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله (ص) فهو باطل وإفك، وهم كمن قال: لما حرم الله تعالى وفرض ما شاء حرمت أنا أيضا وفرضت\rما شئت، لانه تعالى حرم وفرض ولا فرق.\rوقد صح على رسول الله (ص) من طريق عمر بن عنبسة في نهيه (ص) عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها: إن تلك ساعة تطلع ومعها قرن الشيطان ويسجد لها الكفار حينئذ وعن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس: و: إن تلك الساعة تسجر فيها النار لو كان هذا على بادئ الرأي وظاهر الاحتياط لكانت الصلاة حينئذ أحرى وأولى، معارضة الكفار، فإذا سجدوا للشمس صلينا نحن لله تعالى، وإذا سجرت النار صلينا، ونعوذ بالله منها.\rهذه صفة عللهم المفتراة الكاذبة، وهذا ما جاء به النص فصح أنه لا يحل لاحد تعليل في الدين، ولا القول بأن هذا سبب هذا الحكم، إلا أن يأتي به نص فقط.\rفصل قال أبو محمد: واحتج بعضهم في إيجاب القول بالعلل، وأن الاحكام إنما وقعت العلل - بأن الاسماء مشتقة في اللغة.\rوهذا لو صح لما كان لهم فيه حجة، إذ لا سبب في الاشتقاق يتوصل به إلى إثبات العلل في الاحكام، فكيف وهو باطل.","part":8,"page":1122},{"id":1124,"text":"الاشتقاق الصحيح إنما هو اختراع اسم لشئ ما مأخوذ من صفة فيه، كتسمية الابيض من البياض، والمصلي من الصلاة، والفاسق من الفسق، وما أشبه ذلك.\rوليس في ذلك من هذا ما يوجب أن يسمى أبيض ما لا بياض فيه، ولا مصليا من لا يصلي، ولا فاسقا، من لا فسق فيه، فأي شئ في هذا مما يتوصل به إلى إيجاب القياس، والقول بأن البر إنما حرم أن يباع البر متفاضلا، لانه مأكول، أو لانه مكيل، أو لانه مدخر ؟ وهل يتشكل هذا الحمق في عقل ذي عقل ؟ وبالله تعالى التوفيق.\rوأما ما عدا هذا من الاشتقاق ففاسد البتة وهو كل اسم علم وكل اسم جنس أو نوع أو صفة، فإن الاشتقاق في كل ذلك مبطل ببرهان ضروري، وهو أننا نقول لمن قال: إنما سميت الخيل خيلا لاجل الخيلاء التي فيها، وإنما سمي البازي بازيا لارتفاعه، والقارورة قارورة لاستقرار الشئ فيها، والخابية خابية لانها تخبأ ما فيها، إنه يلزمك في هذا وجهان ضروريان لا انفكاك لك منهما البتة.\rأحدهما: أن تسمي رأسك خابية، لان دماغك مخبوء فيها وأن تسمي الارض خابية، لانها تخبئ كل ما فيها، وأن تسمي أنفك بازيا لارتفاعه، وأن تسمي السماء والسحاب بازيا لارتفاعهما، وكذلك القصر والجبل، وأن تسمي بطنك قارورة لان مصيرك مستقر به، وأن تسمي البئر قارورة لان الماء مستقر فيها، وأن تسمي المستكبرين من الناس خيلا، للخيلاء التي فيهم، ومن فعل هذا لحق بالمجانين المتخذين لاضحاك سخفاء الملوك في مجالس الطرب، وصار ملهى وملعبا وضحكة يتطايب بخبره، وكان للحرمة ومداواة الدماغ أولى منه بغير ذلك، فإن أبى ترك اشتقاقه الفاسد.\rوالوجه الثاني: أن يقال: إن اشتققت الخيل من الخيل أو القارورة من الاستقرار والخابية من الخب ء: فمن أي شئ اشتققت الخيلاء والاستقرار والخب ء، وهذا يقتقضي الدور الذي لا ينفك منه، وهو أن يكون كل واحد منهما اشتق من صاحبه، وهذا جنون، أو وجود أشياء لا أوائل لها ولا نهاية، وهذا مخرج إلى الكفر والقول بأزلية العالم، ومع أنه كفر فهو محال ممتنع.\rوأيضا: فإذا بطل الاشتقاق في بعض الاسماء كلف من قال به في بعضها أن يأتي ببرهان، وإلا فهو مبطل.","part":8,"page":1123},{"id":1125,"text":"وأيضا: فليس قول من قال: إن الخيل مشتقة من الخيلاء، أولى بالقبول\rمن قول من قال: إن الخيلاء مشتقة من الخيل، وكلا القولين دعوى فاسدة زائفة لا دليل على صحتها، في البرهان الضروري قد قام على بطلانها، لانه لم توجد قط الخيلاء إلا والخيل موجودة، ولا وجدت الخيل إلا والخيلاء موجودة ولم يوجد قط أحدهما قبل الآخر، فبطل قولهم، وبالله تعالى نتأيد.\rولو كان ما قالوا لكانت الاسد أولى أن تسمى خيلا، لانهم أكثر خيلاء من الخيل، ولكانت النسور أولى أن تسمى بزاة من الصقور، لانها أشد ارتفاعا منها، وإلا فما الذي جعل القوارير أولى بهذا الاسم من الرمان والعتائد والادراج والقلال.\rوقد عارضت بهذا وشبهه أذكر من لقينا من شيوخنا في اللغه وهو أبو عبيدة حسان بن مالك رحمه الله فما وجدت عنده مدفعا ولا اعتراضا وكان رحمه الله النهاية في علم اللغه، مع تحريه فيما يورده منها وتثبته وشدة إنصافه.\rوقالوا: لما وجدنا العصير حلو لا يسمى خمرا وهو حلال، ثم حدثت فيه الشدة فسمي خمرا فحرم، ثم ارتفعت الشدة فلم يسم خمرا، لكن سمي خلا، علمنا أن العلة المحرمة، والتي حرم من أجلها، والتي من أجلها سمي خمرا، هي الشدة.\rقال أبو محمد: هذا كلام فاسد في غاية الفساد.\rفأول ذلك أن يقال لهم: في أي عقل وجدتم أن كون الشدة فيه أوجبت أن يسمى بالخاء والميم والراء ؟ ولكن لا بد لكل عين فيها صفات مخالفة لصفات عين أخرى أن يوقع على كل واحد منها اسم غير اسم العين الاخرى، ليقع التفاهم فيها بين المخاطبين، فعلق على ما فيه الشدة اسم ما، وعلى ما لا شدة فيه اسم آخر، لا لشئ إلا ليفهم الناس مراد من كلمهم وخاطبهم، وكذلك موجود في العالم، إلا ما ضاقت اللغة عن تسميته، أو عجز أهلها عن ذلك، أو لم يرد الله تعالى أن يكون له في هذه اللغة اسم.","part":8,"page":1124},{"id":1126,"text":"وأيضا: فإن اللغة العربية أول من نطق بها إسماعيل، والخمر أقدم من كون إسماعيل في الارض، لانهما من الاشياء التي علم آدم أسماءها، قال تعالى * (وعلم آدم الاسماء كلها) * فعم تعالى ولم يخص فقد كانت الخمر على حالها من الاسكار والشدة وهى حلال وهى لا تسمى خمرا فظهر كذب هذا القائل وإثمه.\rوأيضا فإن الخمر تسمى خمرا في كل لغة بغير اسم الخمر عندنا فما وجدنا ألسنتهم تلتوى لذلك ولا أحكامهم تنطوى ولا الخمر حلت لهم لأجل أن اسمها عندهم غير اسمها في اللغة العربية ولم نجد قط تلك العين المسماة خمرا إلا وهى مسكرة في كل وقت وفى كل أمة وفى كل مكان حاشا خمر الجنة فقط فبطل قولهم في العلل وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا: فإن العرب تسمي الخمر بخمسة وستين اسما ما وجدناها تضطر إلى ترك شئ منها، ولا اضطرت إلى وضعه، وقد بينا الكلام في كيفية أصل اللغات في باب مفرد من كتابنا هذا ولله الحمد.\rوكذلك قالوا إن كون البر مطعوما محرما متفاضلا هو علة تسمية ذلك ربا والقول عليهم في ذلك كالقول في الخمر ولا فرق وبالله لا إله إلا هو التوفيق.\rوقالوا العلة في الوجوب كون الرقبة في الظهار مؤمنة هي وجوب كونها سليمة الاعضاء كرقبة القتل.\rقال أبو محمد وهذا تحكم فاسد واحتجاج للخطأ بالخطأ والدعوى بالدعوى ومثلهم في هذا القول كإنسان قال لي على زيد درهم فقيل له ألك بينة ؟ فقال نعم فقيل وما هي ؟ قال إن لى على عمرو درهما فقيل له: وما بينتك على أن لك على عمرو درهما ؟ فقال بينتي على ذلك أن لى على زيد درهما فهو يريد يجعل دعواه صحة لدعوى له أخرى وكلتاهما ساقطة إذ لا دليل عليها\rوليس هذا الفعل من أفعال أهل العقول ودعواهم أن الرقبة في كلا الموضعين لا تجزى إلا أن تكون سليمة دعوى زائفة لا تصح فكيف أن يقاس عليها أن تكون إلا مؤمنة ؟","part":8,"page":1125},{"id":1127,"text":"وقال بعضهم العلة في ذلك أنها كفارة عن ذنب.\rقال أبو محمد وليس على قاتل الخطأ ذنب أصلا فبطل تعليلهم الفاسد وأيضا فهذه دعوى كالاولى لا دليل عليها وما الفرق بينهم وبين من قال إنما وجبت في القتل أن تكون الرقبة مؤمنة لانها كفارة عن قتل فما عدا القتل فلا تجب فيه مؤمنة وهذا لا انفكاك منه فكل هذه دعوى لا دليل عليها ولا ينفكون ممن يبطل ما أثبتوا ويثبت ما أبطلوا واعلم أنه لا يمكن أحدا منهم أن يدعى علة في شئ من الاحكام الا أمكن لخصمه ان ياتي بعلة أخرى يدعى أن الحكم انما وجب لها وهذا ما لا مخلص لهم منه وبالله تعالى نعتصم.\rفصل قال أبو محمد هذا كل ما شغبوا به قد بينا عواره ولاح اضمحلاله والحمد لله رب العالمين ونحن الآن بعون الله تعال وقوته لا إله إلا هو شارعون في إبطال القول بالعلل في شئ من الشرائع وبالله تعالى التوفيق.\rفيقال لمن قال ان أحكام الشريعة انما هي لعلل.\rأخبرونا عن هذه العلل التى تذكرون أهى من فعل الله تعالى وحكمه أم من فعل غيره وحكم غيره ؟ أم لا من فعله تعالى ولا من فعل غيره ؟ ولا سبيل الى قسم رابع أصلا.\rفإن قالوا من فعل غير الله ومن غير حكمه جعلوا ههنا خالقا غيره وفاعلا\rللحكم غيره وجعلوا فعل ذلك الفاعل موجبا عل الله تعالى أن يفعل ما فعل وأن يحكم بما حكم به وهذا شرك مجرد وكفر صريح وهم لا يقولون ذلك فإن قالوا ليست من فعله ولا من فعل غيره أوجبوا ان في العالم أشياء لا فاعل لها أو أنهم هم الحاكمون على الله تعالى بها وهم الذين يحللون ويحرمون ويقضون عل الباري عز وجل وهذا كفر مجرد ومذهب أهل الدهر وهم لا يقولون ذلك.","part":8,"page":1126},{"id":1128,"text":"فإن قالوا: بل هي من فعل الله عز وجل وحكمه قلنا لهم أخبرونا عنكم أفعلها الله تعالى لعلة أم فعلها لغير علة فإن قالوا فعلها تعالى لغير علة تركوا اصلهم وأقروا أنه تعالى يفعل الاشياء لا لعلة أو قيل لهم أيضا ما الذى أوجب أن تكون الاحكام الثواني لعلل وتكون الافعال الاول التى هي علل هذه الاحكام لا لعلل ؟ وهذا تحكم بلا دليل ودعوى ساقطة لا برهان عليها وإن قالوا بل فعلها تعالى لعلل اخر سئلوا في هذه العلل أيضا كما سئلوا في التى قبلها وهكذا أبدا فلا بد لهم ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما إما ان يقفوا في أفعال ما فيقولون إنه فعلها لغير علة فيكونون بذلك تاركين لقولهم الفاسد إنه تعالى لا يفعل شيئا إلا لعلة أو يقولون بمفعولات لا نهاية لها وبأشياء موجودة لا أوائل لها وهذا كفر وخروج عن الشريعة بإجماع الأمة.\rوقبح الله قولا لا يضطر قائله الى مثل هذه المواقف فبطل قولهم في العلل وصح قولنا إن الله تعالى يفعل ما يشاء لا لعلة أصلا بوجه من الوجوه بهذا البرهان الضرورى الذى لا انفكاك عنه وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: ويكفى من هذا كله أن جميع الصحابة رضى الله عنهم أولهم عن آخرهم وجميع التابعين أولهم عن آخرهم وجميع تابعي التابعين ولهم عن\rوإنما ابتدع هذا القول متأخروا القائلين بالقياس.\rوأيضا فدعواهم إن هذا الحكم به الله تعالى لعلة كذا فرية ودعوى لا دليل عليها ولو كان هذا الكذب على أحد من الناس لسقط قائله فكيف على الله عز وجل.\rولسنا ننكر وجود اسباب لبعض أحكام الشريعة بل نثبتها ونقول بها لكنا نقول إنها لا تكون أسبابا إلا حيث جعلها الله تعالى أسبابا ولا يحل أن يتعدى بها المواضع التى نص فيها عل أنها أسباب لما جعلت أسبابا له وقد بينا أكثيرا من ذلك في اول هذا الباب.\rقال أبو محمد ومن عجائب هؤلاء القوم أنهم لو قيل لهم تعمدوا الباطل","part":8,"page":1127},{"id":1129,"text":"ما قدروا على أكثر مما فعلوا ومن ذلك أنهم أتوا الى حكم لم ينص الله تعالى ولا رسوله (ص) على ان له سببا وهو تحريم البر بالبر متفاضلا فجعلوا له سببا وعلة وحرموا من أجله الحديد بالحديد متفاضلا وبيع الارز بالارز متفاضلا وبيع السقمونيا بالسقمونية متفاضلا ثم أتوا الى حكم جعل له رسول الله (ص) سببا، وأخبر أنه حكم بذلك من أجله، فعصوه وأطرحوه وهو قوله عليه السلام أنه نهى عن ادخار لحوم الاضاحي فوق ثلاث لاجل الدافة فقالوا ليست الدافة سببا ولا يجب من أجلها ترك ادخار لحوم الاضاحي وهكذا يكون عكس الحقائق وبالله تعالى نعوذ من الخذلان.\rقال أبو محمد فإن قال قائل أنتم تنكرون القول بالعلل وتقولون بالاسباب فما الفرق بين الامرين ؟.\rفالجواب وبالله تعالى التوفيق إن الفرق بين العلة وبين السبب وبين العلامة وبين الغرض فروق ظاهرة لائحة واضحة وكلها صحيح في بابه وكلها لا يوجب تعليلا في الشريعة ولا حكما بالقياس أصلا، فنقول وبالله تعالى التوفيق.\rإن العلة هي اسم لكل صفة توجب أمرا ما إيجابا ضروريا، والعلة لا تفارق المعلول البتة، ككون النار علة الاحراق، والثلج علة التبريد الذي لا يوجد أحدهما دون الثاني أصلا، وليس أحدهما قبل الثاني أصلا ولا بعده.\rوأما السبب فهو كل أمر فعل المختار فعلا من أجله لو شاء لم يفعله، كغضب أدى إلى انتصار، فالغضب سبب الانتصار، ولو شاء المنتصر ألا ينتصر لم ينتصر، وليس السبب موجبا للشئ المسبب منه ضرورة، وهو قيل الفعل المتسبب منه ولا بد، وأما الغرض فهو الامر الذي يجري إليه مفاعل ويقصده ويفعله، وهو بعد الفعل ضرورة، فالغرض من الانتصار إطفاء الغضب وإزالته وإزالة الشئ هي شئ غير وجوده، وإزالة الغضب غير الغضب، والغضب هو السبب في الانتصار، وإزالة الغضب هو الغرض في الانتصار، فصح أن كل معنى مما ذكرنا غير المعنى الآخر فالانتصار بين الغضب وبين إزالته وهو مسبب للغضب وإذهاب الغضب هو الغرض منه.\rوأما العلامة فهي صفة يتفق عليها الانسانان، فإذا رآها أحدهما علم الامر الذي","part":8,"page":1128},{"id":1130,"text":"اتفقا عليه، ومثل قول رسول الله (ص) لابن مسعود: إذنك على أن يرفع الحجاب وأن تستمع سوادي حتى أنهاك فكان رفع الحجاب واستماع حركة النبي (ص) علامة الاذن لابن مسعود، وكقوله (ص): إني لاعرف أصوات رفقة الاشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار فكانت أصوات الاشعريين بالقرآن علامة لموضع نزولهم، ومن هذا أخذت الاعلام الموضوعة في الفلوات لهداية الطريق، والاعلام في الجيوش لمعرفة موضع الرئيس.\rوقال أبو محمد: وهذا معنى رابع.\rوقد سمي أيضا العلل معاني، وهذا من عظيم شغبهم، وفاسد متعلقهم، وإنما المعنى تفسير اللفظ، مثل أن يقول قائل: معنى الحرام ؟ فتقول له هو كل ما لا يحل فعله، أو يقول: معنى الفرض، فنقول: هو كل ما لا يحل تركه، أو يقول: ما الميزان ؟.\rفنقول له: آلة يعرف بها تباين مقادير الاجرام، فهذا وما أشبه هو المعاني وهذا أيضا شئ خامس.\rوكل هذا لا يثبت علة الشرائع ولا يوجب قياسا، لان العلامة إذا كانت موضوعة لان يعرف بها شئ ما، فلا سبيل إلى أن يعرف بها شئ آخر بوجه من الوجوه، لانه لو كان ذلك لما كانت علامة لما جعلت له علامة، ولوقع الاشكال.\rقال أبو محمد: فلما كانت هذه المعاني المسماة الخمسة التي ذكرنا، مختلفة متغايرة كل واحد منها غير الآخر، وكانت كلها مختلفة الحدود والمراتب، وجب أن يطلق على كل واحد منها اسم غير الاسم الذي لغيره منها.\rليقع الفهم واضحا، ولئلا تختلط فيسمى بعضها باسم آخر منها، فيوجب ذلك وضع معنى في غير موضعه، فتبطل الحقائق.\rوالاصل في كل بلاء وزعماء تخليط وفساد، اختلاط أسماء ووقوع اسم واحد على معاني كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني التي تحته فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء والاشكال، وهذا في الشريعة أضر شئ وأشده هلاكا لمن اعتقد الباطل، إلا من وفقه الله تعالى.\rفإذا قد بينا هذه الاسماء الاربعة، وهي: العلة والغرض والسبب والعلامة، وبينا","part":8,"page":1129},{"id":1131,"text":"أن معانيها مختلفة، وأن مسمياتها شتى، وحسمنا داء من أراد إيقاع اسم العلة في الشريعة على معنى السبب، فيخرج بذلك إلا ما لا يحل اعتقاده، من أن الشرائع شرعها الله تعالى لعلل أوجبت عليها أن يشرعها، أو إلى الفرية على الله تعالى في\rالادعاء أنه شرع عللا لم ينص عليها هو تعالى ولا رسوله (ص) ولا أذنا بها، ولا بد لاهل العلل من أحد هذين السبيلين.\rوكلاهما مهلك.\rولسنا ننكر أن يكون الله تعالى جعل بعض الاشياء سببا لبعض ما شرع من الشرائع، بل نقر بذلك ونثبته حيث جاء به في النص، كقوله (ص): أعظم الناس جرما في الاسلام من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته وكما جعل تعالى كفر الكافر وموته كافرا سببا إلى خلوده في نار جهنم، والموت على الايمان سببا لدخول الجنة، وكما جعل السرقة بصفة ما سببا للقطع، والقذف بصفة ما سببا للجلد والوطئ بصفة ما للجلد والرجم، وكما نقر بهذه الاسباب المنصوص عليها، فكذلك ننكر أن يدعي أحد سببا حيث لم ينص عليه.\rولسنا نقول: إن الشرائع كلها لاسباب، بل نقول: ليس منها شئ لسبب إلا ما نص منها أنه لسبب، وما عدا ذلك فإنما هو شئ أراده الله تعالى الذي يفعل ما شاء، ولا نحرم ولا نحلل، ولا نزيد ولا ننقص، ولا نقول إلا ما قال ربنا عزوجل، ونبينا (ص)، ولا نتعد ما قالا، ولا نترك شيئا منه، وهذا هو الدين المحض الذي لا يحل لاحد خلافه ولا اعتقاده سواء.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوقد قال الله تعالى واصفا لنفسه: * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * فأخبر تعالى بالفرق بيننا وبينه وأن أفعاله لا يجزئ فيها لم...؟ وإذا لم يحل لنا أن نسأله عن شئ من أحكامه تعالى وأفعاله لم كان هذا فقد بطلت الاسباب جملة وسقطت العلل البتة إلا ما نص الله تعالى عليه أنه فعل أمرا كذا لاجل كذا.\rوهذا أيضا مما لا يسأل عنه فلا يحل لاحد أن يقول لم كان هذا السبب لهذا الحكم ولم يكن لغيره ؟ ولا أن يقول: لم جعل هذا الشئ سببا دون أن يكون غيره سببا أيضا، لان من فعل هذا السؤال فقد عصى الله عز وجل، وألحد في الدين وخالف قوله تعالى: * (لا يسأل عما يفعل) * فمن سأل عما يفعل فهو فاسق\rفوجب أن تكون العلة كلها منفية عن الله تعالى ضرورة، وفي قوله تعالى:","part":8,"page":1130},{"id":1132,"text":"* (وهم يسألون) * بيان جلي أنه لا يجوز لاحد منا أن يقول قولا لا يسأل عنه، ولزمنا فرضا سؤال كل قائل من أين قلت كذا ؟ فإن بين لنا أن قوله ذلك حكاية صحيحه من ربه تعالى وعن نبيه (ص)، لزمنا طاعته وحرم عليه التمادي في سؤاله، وإن لم يأت به مصححا عن ربه تعالى، ولا عن نبيه (ص)، ضرب برأيه عرض الحائط، ورد عليه أمره متروكا غير مقبول معه، ولا مرضي عنه.\rفهذا حكم السبب وفعله والعلامة والغرض والمعنى قد بينا كل ذلك غاية البيان ولم نقل إلا ما قاله الله ربنا عزوجل، وليست العبارة بالالفاظ المخالفة خلافا إذا حقق المعنى فلم يبعث محمد (ص) إلى العرب فقط، بل إلى أهل كل لغة من الانس والجن، فلا بد ضرورة لكل أحد من عبارة يفهم بها كلام ربه تعالى، ومعنى مراده في الدين اللازم له، وإنما أوردنا هذا لئلا يتعلق جاهل فيقول: إن كلامك هذا ليس منصوصا في القرآن فأرينا، أن حقيقة مفهومه كلها، ومعناه الذي لا يتحمل كلامنا معنى غيره منصوص في القرآن نصا جليا ظاهرا وبالله تعالى التوفيق.\rفاعلم الآن أن العلل كلها منفية عن أفعال الله تعالى وعن جميع أحكامه البتة، لانه لا تكون العلة إلا في مضطر.\rواعلم أن الاسباب كلها منفية عن أفعال الله تعالى كلها، وعن أحكامه.\rحاشا ما نص تعالى عليه أو رسوله (ص).\rوأما الغرض في أفعاله تعالى وشرائعه فليس هو شيئا غير ما ظهر منها فقط، والغرض في بعضها أيضا أن يعتبر بها المعتبرون، وفي بعضها أن يدخل الجنة من شاء إدخاله فيها، وأن يدخل النار من شاء إدخاله فيها.\rوكل ما ذكرنا من غرضه تعالى في الاعتبار، ومن إدخاله الجنة من شاء ومن\rإدخاله النار من شاء، وتسبيبه ما شاء لما شاء، فكل ذلك أفعال من أفعاله، وأحكام من أحكامه لا سبب لها أصلا، ولا غرض له فيها البتة، غير ظهورها وتكوينها فقط * (لا يسأل عما يفعل) * لولا أنه تعالى نص على أنه أراد منا الاعتبار وأراد إدخال الجنة من شاء، ما قلنا به، ولكنا صدقنا ما قال ربنا تعالى، وقلنا ما علمنا ولم نقل ما لم نعلم.\rفهذه حقيقة الايمان الذي تعضده البراهين الحسية والعقلية.","part":8,"page":1131},{"id":1133,"text":"ودليل ذلك أن السبب والغرض لا يخلوان من أنهما مخلوقان لله تعالى، أو أنهما غير مخلوقين أصلا، أو أنهما مخلوقان لغيره، فمن جعلهما غير مخلوقين أصلا كفر، لانه يجعل في العالم شيئا لم يزل، ومن قال: إنهما مخلوقان لغير كفر، لانه يجعل خالقا غير الله تعالى، فثبت أنهما مخلوقان له تعالى وقد قام البرهان على أن كل ما دون الله تعالى فهو خلق الله، فإذا قد ثبت أن الغرض والسبب مخلوقان لله تعالى، فلا يخلو من أن يكون خلقهما لسبب أيضا، ولغرض أو لا لسبب ولا لغرض، فإن كان فعلها لسبب آخر، وغرض آخر، لزم أيضا فيهما مثل ذلك، حتى تنتهي بقائل هذا إلى إثبات معدودات ومخلوقات لا نهاية لها.\rوهذا كفر من قائله، وإن كان تعالى فعلهما لا لسبب ولا لغرض، فهذا هو قولنا إنه تعالى يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه، لا لسبب ولا لغرض، حاشا ما نص تعالى عليه فقط أنه فعله للغرض أراده، أو لسبب، وأما ما لم ينص ذلك فيه فإنا نقطع على أنه تعالى فعله كما شاء لا لغرض ولا لسبب، وأما ما لم ينص ذلك فيه فإنا نقطع على أنه تعالى فعله كما شاء لا لغرض ولا لسبب ولولا النصوص الواردة بذلك في بعض المواضع ما حل لمسلم أن يقول: إن الله تعالى فعل كذا لسبب كذا، ولا إن له عزوجل في فعل كذا إرادة كذا * (تلك حدود الله فلا تعتدوها) *.\rقال أبو محمد: ويقال لمن قال بالعلل وجعلها صفات في أشياء توجد فتشتبه بها، فيوجب ذلك أن يحكم لها بحكم واحد: إنك لا تعدم معارضا بصفات أخر توجب غير الاحكام التي أوجبتم، فإن أنتم أبطلتم حكم التشابه الذي يعارضكم به خصومكم فقد أقررتم أن الاتباع لا معنى له، ولا يوجب حكما، وليس قول خصومكم فيما أتوا به من ذلك بأولى بالسقوط من قولكم.\rومثال ذلك: أن تقولوا: لما أشبه النبيذ الخمر في أنه شديد ملذ مسكر وجب له التحريم من أجل ذلك، فيعارضكم خصومكم فيقولون: لما أشبه النبيذ المسكر العصير في أنه لا يفكر مستحله، وجب له التخليل من أجل ذلك، فإن أبطلتم التشبيه الذي أتى به خصومنا فقد أقررتم أن التشبيه لا يوجب حكما، وهذا عائدا على تشبهكم الذي شبهتم ولا فرق.","part":8,"page":1132},{"id":1134,"text":"وقال بعضهم: علة تحريم البر بالبر متفاضلا أنه مطعوم.\rوقال بعضهم: العلة في ذلك أنه مكيل.\rوقال بعضهم: العلة في ذلك أنه مدخر.\rقال أبو محمد: وكل واحد من هذه الطوائف مبطلة لما عدت به الاخرى، فكلهم قد اتفق على إبطال التعليل بلا خلاف بينهم، فليس ما أثبتت هذه الطائفة من التعليل بأثبت مما أثبتت الاخرى، ولا بعض هذه العلل أولى بالسقوط من سائرها، بل كلها دعوى زائفة ساقطة لا برهان عليها، وهكذا جميع عللهم.\rوليت شعري كيف يسهل على من يخاف سؤال الله تعالى يوم القيامة أن يأتي بعلة لم يجدها قط لا لله تعالى ولا لرسوله (ص) فيثبتها في الدين، فإنما ينسبها إلى الله تعالى فيكذب عليه، أو إلى رسوله (ص) فيقوله ما لم يقل، أو لا ينسب ذلك إلى الله تعالى ولا إلى رسوله (ص) فيحصل في أن يحدث دينا من عنده نفسه، ولا بد من إحداهما، وهما خطتا خسف، نعوذ\rبالله منهما، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: ومنهم طوائف يمنعون من تخصيص العلل، ثم يجعلون علة الربا في التمر بالرطب مخصوصة يحدث العرايا.\rفيقرون أن النص أبطل علتهم، ولو كانت حقا ما أبطلها، لان الحق لا يبطل الحق، وكذلك لا يمكن أن يبطل حديث صحيح حديثا صحيحا إلا على سبيل النسخ فقط، وأما على معنى أن لا يقبل فلا سبيل إلى ذلك البتة.\rوالحق لا يكذب بعضه بعضا أبدا.\rقال أبو محمد: وقد سألهم من سلف من أصحابنا فقالوا: لو كانت العلة التي تدعون في الشرائع موجبة لما ادعيتم من تحليل أو تحريم، لكانت غير مختلفة أبدا، كما أن العلل العقلية لا تختلف أبدا.\rمثال ذلك: أن الشدة والاسكار لو كانا علة لتحريم لكانت الخمر حراما مذ خلقها الله تعالى، فالخمر لم تزل مذ خلقها الله تعالى شديدة مسكرة، وقد كانت حلال في الاسلام سنين، وهي على الصفة هي الآن لم تبدل، ولا حدثت لها حال لم تكن قبل ذلك فبطل بهذا أن تكون الشدة علة التحريم، كما أن الباري تعالى جعل النارية علة الاحراق وتصعيد الرطوبات، فلا تزال كذلك أبدا،","part":8,"page":1133},{"id":1135,"text":"حاشا ما خص عزوجل منها من نار إبراهيم الخليل عليه السلام، ولم تزل كذلك مذ خلقها تعالى حتى في جهنم، أعاذنا الله تعالى منها: قال الله تعالى: * (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) *.\rقال أبو محمد: فتفسخوا تحت هذا السؤال، وتضوروا منه، لانه صحيح لا مخرج منه البتة.\rفقال بعضهم: إنما تكون العلة علة إذا جعلها الله تعالى علة.\rقال أبو محمد: وهذا ترك منهم لقولهم في العلل جملة، وترك منهم للقياس\rورجوع إلى النص، وإذ قد راجعوا إلى هذا فلم يبق بيننا وبينهم إلا تسميتهم الحكم علة فقط، فلو قالوا: لا يجب الحكم إلا إذا نصه الله عزوجل لوافقونا البتة، ولكنهم تعلقوا باسم العلة، لانه مشترك، ليرجعوا من قريب إلى تخليطهم، وليتعدوا النص إلى ما لا نص فيه، وهذا ما لا يسوغونه.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوقال بعضهم: هذا خبر الواحد هو حجة في إيجاب العمل، وليس حجة في إيجاب العلم، فلا تنكروا علينا كون الشئ علة في مكان، وغير علة في مكان آخر.\rفيقال له وبالله تعالى التوفيق: هذا تمويه منكم، لا تتخلصون به مما ألزمناكم إياه لاننا لم ننكر نحن عليكم أن يكون الشئ حجة في مكانه وبابه، وغير حجة فيما ليس بمكانه ولا ببابه، وإنما أنكرنا عليكم أن يكون ما ادعيتموه علة حجة موجبة للحكم في بعض مكانها وبابها بغير نص، وغير حجة في سائر بابها، وبعض أماكنها من غير نص أيضا فهذا الذي أنكرنا عليكم لا ما سواه.\rوأما خبر الواحد المسند من طريق العدول فهو حجة في إيجاب العمل أبدا إذا كان عن النبي (ص) عند جميعنا، ثم اختلفنا، فقالت طائفة منهم: ومنه ما لا يضطر إلى العلم فهو غير موجب للعلم أبدا، وما كان منه يضطر إلى العلم بأسباب معروفة فيه فهو موجب للعلم أبدا.","part":8,"page":1134},{"id":1136,"text":"وقالت طائفة: هو موجب للعلم أبدا إذا كان عن رسول الله (ص) فبطل تشبيههم للعلة بالخبر.\rقال أبو محمد: واحتج عليهم من سلف من أصحابنا فقالوا: ما تقولون في إنسان قال في حياته أو عند موته: أعتقوا عبدي ميمونا لانه أسود، وله عبيد سود كثير، أتعتقونهم لعلة السواد الجامعة لهم، والتي جعلها علة في عتق ميمون قياسا على ميمون ؟ أم لا تعتقون منهم أحدا حاشا ميمون وحده، فإن قلتم:\rنعتقهم، نقضتم فتاويكم، وخالفتم الاجماع، وإن قلتم.\rلا نعتقهم تركتم القول بإجراء العلل وبالقياس وعدتم إلى قولنا.\rقال أبو محمد: وهذا إلزام صحيح، ونحن نزيده بيانا فنقول، وبالله تعالى التوفيق: إن رسول الله (ص) قال لامراء سراياه: إذا نزلتم بأهل حصن أو مدينة فأرادوا أن تنزلوهم على حكم الله تعالى فلا تفعلوا، فإنكم لا تدرون أتوافقون حكم الله تعالى فيهم أم لا، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم ما شئتم، فإذا سألوكم أن تعطوهم ذمة الله عزوجل وذمة رسوله (ص) فلا تعطوهم ذمة الله ولا ذمة رسوله (ص) ولكن أعطوهم ذمتكم، فإن تخفروا ذمتكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، أو كلاما هذا معناه، فهذا نص جلي من رسول الله (ص) على أن الاقدام على نسبة شئ إلى الله تعالى بغير يقين لا يحل، وأن نسبة ذلك إلى الانسان أهون وإن كان كل ذلك باطلا، وقد قال رسول الله (ص): إن كان كذبا علي ليس ككذب على أحد، فلو جاز أن يقال بالقياس وبالفعل لكان الاقدام به على كلام الناس، وأحكامهم أولى من الاقدام به على الله عزوجل ورسوله (ص) فلما اتفقوا على أن من قال: اعتقوا عبدي سالما لانه أسود، وله عبيد سود أنه لا يعتق غير سالم وحده الذي نص عليه، اتقاء أن يعتقه، وخوفا من تبديل أمر الموصي وكلامه، فإن الاولى بهم أن يتقوا الله عزوجل في قوله (ص) في النهي عن الذبح بالسن: فإنه عظم.\rوفي أمره (ص) بهرق السمن إذا مات فيه الفأر، فلا يتعدوا ذلك إلى كل عظم وكل زيت وكل دهن وكل كلب وكل سنور.\rوفي أمره (ص) البائل في الماء الراكد الذي لا يجزي","part":8,"page":1135},{"id":1137,"text":"أن لا يتوضأ منه ولا يغتسل، فلا يتعدوه إلى المحدث في الماء، ولا إلى ما لم يبل\rفيه أصلا، فإن الاوجب عليهم ألا ينسبوا إلى الله تعالى ولا إلى رسوله (ص) تعليلا لم ينصا عليه، وأحكاما لم يأذنا بها ولا ذكراها أصلا، ولا في كلامهما ما يوجبهما البتة، ولكنهم اتقوا أن ينسبوا إلى الناس ما لا يقولون، ولم يتقوا أن ينسبوا إلى الله تعالى ورسوله (ص) ما لم يقولا، وحسبك بهذا عظيمة، نعوذ بالله منها.\rوقد شغب بعضهم في هذا السؤال بأن قال: كنا نعتق سائر عبيده السودان لو أن الموصي يقول لنا بعقب قوله: اعتقوا عبدي سالما لانه أسود واعتبروا - فكنا حينئذ نعتق كل عبد له أسود.\rقال أبو محمد: وهذا جواب فاسد من وجهين: أحدهما: أنه حتى لو قال ذلك ما جاز أن يعتق كل عبد له أسود، لانه ليس قوله اعتبروا أولى بأن يكون معناه قيسوا منه بأن يكون معناه واعتبروا بحالي التي أنا فيها فبادروا إلى طاعة ربكم ولا تخالفوا وصيتي.\rوأيضا فيلزم من أجاب بهذا الجواب الفاسد ألا يقيس على شئ من الاحكام إلا حتى يكون إلى جنب كل حديث فيه حكم أو كل آية فيها حكم، واعتبروا واعتبروا وهذا غير موجود في شئ من الاحكام ولا في الحديث ولا في صلة شئ من الآيات، فبطل القياس جملة بنص قوله هذا المجيب، ولله تعالى الحمد.\rقال أبو محمد: والسؤال باق بحسبه عليهم ونزيدهم فيه فنقول: حتى لو قال: فاعتبروا، ثم لما كان نهارا آخر قال: اذبحوا كبشي الفلاني، لانه أعرج وله كباش عرج، أيذبحون كل كبش له أعرج، من أجل قوله بالامس في أمر عتق عبد واعتبروا ؟.\rأم لا يقدمون على ذلك إلا حتى يكون عند وصيته به واعتبروا ؟.\rفإن قالوا: نكتفي بقوله: واعتبروا مرة واحدة، خرقوا الاجماع، وهذا أمر لا يقولونه، ولو قالوه لكانوا حاكمين بلا دليل، ومدعين بلا برهان، وإن لم\rيقولوا بذلك فقد تركوا القياس جملة، ولزمهم طلب هذه اللفظة إلى جنب كل آية وحديث وهذا لا يجدونه أبدا.\rقال أبو محمد: وقد قال بعضهم في جواب هذا السؤال، إذ تتبعنا عليهم إدخالهم","part":8,"page":1136},{"id":1138,"text":"في أحكام الله تعالى وحكم رسوله (ص) ما لم يأت به نص، لكن تعليلا منهم وقياسا ثم يتحرون تجنب مثل هذا في أقوال أبي حنيفة ومالك والشافعي، فلا يتعدون نصوص أقوالهم، فقالوا: خطاب الآدميين وقد يكون فاسدا ولا حكمة فيه، وخطاب الله تعالى حكمة.\rقال أبو محمد: وهذا تمويه لا ينفك به من السؤال المذكور، ويقال له: أي فساد في خطاب امرئ موص في ماله بما أباحه له الله تعالى والرسول (ص) وإجماع الامة، ولم يتعد إلى مكروه ؟ فلو جاز ألا يحمل كلامه على موجبه ومفهومه خوف فساده، لما جاز تنفيذ تلك الوصية جملة خوف فسادها فلما اتفقوا معنا على تجويز تلك الوصية وحملها على ظاهرها، صح أنها حق، وبطل تمويه من رام الفرق بين ما سألناهم عنه، من حملهم كلام الناس على ظاهره ومفهومه وحملهم كلام ربهم تعالى على الكهانات بالدعاوي والظنون، وما ليس فيه ولا مفهوما منه وقلنا لهم: فيم غلبتم ما لم يؤمن فساده وما لا حكمة فيه، من أقوال أبي حنيفة المتخاذلة، وأقوال مالك المتناقضة، وأقوال الشافعي المتعارضة، على المضمون فيه الحكمة من كلام الله تعالى وكلام رسوله (ص) ؟ حتى صرتم لا تأخذون من النصوص إلا ما وافق كلام أحد المذكورين، ولا تزالون تتحيلون في إبطال حكم ما خالف قولهم من القرآن السنة بأنواع الحيل الباردة الغثة ؟ والسؤال يعد لهم لازم لا انفكاك عنه أصلا، وبالله تعالى التوفيق.\rومما احتج به عليهم أصحابنا في إبطال العلل والقياس نهي الله تعالى الناس عن\rسؤالهم النبي (ص)، وأمرهم الاقتصار على ما يفهمون مما يأمرهم به فقط، فلو كان المراد من النص غير ما سمع منه لكان السؤال لهم لازما، ليتبينوا ويتعلموا، فلما منعوا من السؤال أيقنا أنهم إنما لزمهم ما أعلموا به فقط.\rفأجاب بعض أصحاب القياس فقال: إنما نهوا عن سؤال من سأل عن أبيه.\rقال أبو محمد: وهذا الكذب بعينه لان نص الآية يكذب هذا القائل في قوله تعالى بعقب النهي عن السؤال: * (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) وبين ذلك طلحة رضي الله عنه في قوله: كنا نهينا أن نسأل النبي (ص) عن شئ فكان يعجبنا أن يأتي بالرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونسمع،","part":8,"page":1137},{"id":1139,"text":"وقال النواس بن سمعان: أقمت بالمدينة سنة لا أهاجر، يريد لا أبايع على الهجرة، لاننا كنا إذا هاجر أحدنا لم يجز له أن يسأل النبي (ص) عن شئ أو كلاما هذا معناه.\rوقد قال النبي (ص): أعظم الناس جرما في الاسلام من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته، وقد قال (ص): اتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ولكن إذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم فبطل اعتراض هذا المعترض.\rفصل قال أبو محمد: ونحن موردون إن شاء الله تعالى ما في القرآن من النهي عن القول بالعلل في أحكام الله عزوجل وشرائعه، فكتاب الله تعالى هو الحق الذي يقذف بالحق عن الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ومن أبى ذلك ختمنا له الآية، وهو قوله تعالى: * (ولكم الويل مما تصفون) *.\rقال أبو محمد: قال الله تعالى: * (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون\rماذآ أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء) * فأخبر تعالى أن البحث عن علة مراده تعالى ضلالا، لانه لا بد من هذا، أو من أن تكون الآية نهيا عن البحث عن المعنى المراد، وهذا خطأ لا يقوله مسلم، بل البحث عن المعنى الذي أراده الله تعالى فرض على كل طالب علم، وعلى كل مسلم فيما يخصه فصح القول الثاني ضرورة ولا بد.\rوقال الله تعالى: * (فعال لما يريد) *، وقال تعالى: * (لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون) *.\rقال أبو محمد: وهذه كافية في النهي عن التعليل جملة، فالمعلل بعد هذا عاص لله عزوجل، وبالله نعوذ من الخذلان.\rوقال تعالى: * (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ئ فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوأتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ئ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ئ فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما وطفقا يخصفان عليهما من","part":8,"page":1138},{"id":1140,"text":"ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطآن لكما عدو مبين ئ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) *.\rقال أبو محمد: وقال الله تعالى حاكيا عن إبليس إذ عصى وأبى عن السجود أنه قال: * (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) *.\rفصح أن خطأ آدم عليه السلام إنما كان من وجهين: أحدهما: تركه حمل نهي ربه تعالى عن الوجوب.\rوالثاني: قبوله قول إبليس أن نهي الله عن الشجرة إنما هو لعلة كذا.\rفصح يقينا بهذا النص البين أن تعليل أوامر الله تعالى معصية، وأن أول ما عصى الله تعالى به في عالمنا هذا القياس، وهو قياس إبليس على أن السجود لآدم ساقط عنه، لانه خير منه، إذ إبليس من نار وآدم من طين،\rثم بالتعليل للاوامر كما ذكرنا، وصح أن أول من قاس في الدين وعلل في الشرائع فإبليس.\rفصح أن القياس وتعليل الاحكام دين إبليس، وأنه مخالف لدين الله تعالى، نعم ولرضاه، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القياس في الدين، ومن إثبات علة لشئ من الشريعة، وبالله تعالى التوفيق.\rوقال الله عزوجل حاكيا عن قوم من أهل الاستخفاف أنهم قالوا إذا أمروا بالصدقة: * (أنطعم من لو يشآء الله أطعمه) *.\rقال أبو محمد: فهذا إنكار منه تعالى للتعليل، لانهم قالوا: لو أراد الله تعالى إطعام هؤلاء لاطعمهم دون أن يكلفنا نحن إطعامهم.\rوهذا نص لا خفاء به، على أنه لا يجوز تعليل شئ من أوامره، وإنما يلزم فيها الانقياد فقط وقبولها على ظاهرها.\rوقال تعالى: * (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) * فهم ظلموا فحرمت عليهم، ونحن نظلم فلم تحرم علينا الطيبات التي أحلت لنا، وقال عليه السلام: إننا سنركب سنن أهل الكتاب لو دخلوا جحر ضب لدخلناه فصح أننا ظلمنا كظلمهم، ولم يحرم علينا ما حرم عليهم، فبطل التعليل جملة، إذ لو كان ظلمهم علة التحريم لوجب أن يكون ظلمنا علة فينا لمثل ذلك، فلما لم يكن هذا كذلك، علمنا أن الله تعالى جعل ظلمهم سببا لان حرم عليهم ما حرم، ولم يجعل ظلمنا سببا لان يحرم علينا مثل ذلك، فصح أنه يفعل ما يشاء في مكان ما من أجل شئ ما، ولا يفعل ذلك في مكان آخر من أجل مثل ذلك الشئ بعينه، وهذا","part":8,"page":1139},{"id":1141,"text":"بطلان ما ادعاه خصومنا من العلل القياس نصا، وقال تعالى لموسى عليه السلام: * (اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) *.\rفكان كون موسى عليه السلام بالوادي المقدس سببا لخلع نعليه، ونحن نكون بذلك الوادي، وبكل مكان مقدس كمكة والمدينة وبيت المقدس، ولا يلزمنا خلع نعالنا، ولو كان دخول الوادي المقدس علة للخلع للزمنا ذلك.\rوقال تعالى: * (وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا) *.\rقال أبو محمد: هذه آية كافية إنه لا يحل التعليل في شئ من الدين، ولا أن يقول قائل: لم حرم هذا وأحل هذا ؟ فقد صح قولنا: إن قول القائل: حرم البر بالبر لانه مكيل، أو أنه مدخل، أو أنه مأكول، بدعة نعوذ بالله منها.\rفصل قال أبو محمد: ونحن نورد - إن شاء الله تعالى - طرفا يسيرا من تناقضهم في التعليل، لندل بذلك عن إفساد مذهبهم، فتناقضهم لو تتبع لدخل في أزيد من ألف ورقة، ولعل الله تعالى يعيننا على تقصى ذلك في كتاب الاعراب إن شاء الله تعالى.\rفمن ذلك أن رسول الله (ص) قال لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها فكان يلزمهم أيجعلوا ما حرم أكله محرما بيعه، لكنهم لم يفعلوا ذلك، بل كثير منهم يبيحون بيع الزبول ولا خلاف أن أكل الحيوان حيا كما هو محرم ولا خلاف في جواز بيع أكثره.\rوكذلك فعلوا في قوله (ص) في الاستحاضة، فإنه عرق، فكان يلزمهم أن يجعلوا كل عرق يسيل من الجسد في مثل حكم المستحاضة، كما جعلوا الميعان في الزيت علة لتحريمه إن مات فيه فأر قياسا على السمن، لكنهم تناقضوا في ذلك.\rوهذا إجماع منهم على ترك الحكم بالعلل والقياس، وهكذا يكون الباطل مرة مصحوبا ومرة متروكا، وصح قولنا: إن ما كان سببا في مكان نص عليه لحكم ما فلا يكون سببا في مكان آخر لم ينص عليه لمثل ذلك الحكم.\rفقالوا: معنى التعليل هو إجراء صفة الاصل في فروعه.","part":8,"page":1140},{"id":1142,"text":"قال أبو محمد: وهذا قول فاسد، لان جميع أحكام الشريعة كلها أصول، فإن كانوا عنوا بذلك أن الصلاة جملة أصل جامع ثم النوازل فيها فروع فهذا سوء\rعبارة لان اسم الصلاة يقع على عملها كله فتلك النوازل إنما هي أجزاء من الصلاة، ولا تسمى أجزاء الشئ فروعا له، لان الفرع غير الاصل، والاجزاء ليست غير الكل.\rفبطل ما موهوا به من تقسيمهم الشريعة على فروع وأصول، وصح أن جميع أحكام الشريعة كلها سواء وأصول، ولا يوجد شئ منها إلا عن قرآن أو عن الرسول (ص) أو عن إجماع.\rونص تعالى عن ألا يقرب المشركون المسجد الحرام، فقال بعضهم: إن علة ذلك تطهير المسجد الحرام منهم، فأجروا ذلك في كل مسجد، فكان يلزمهم وإذا لزم الحج إلى مكة، أن يلزم إلى المدينة لان مسجد المدينة والمدينة عند القائلين بما ذكرنا أفضل من مسجد مكة ومن مكة، وهذا إن طردوا فيه أصولهم كفروا، فإذا ادعوا الاجماع المانع لهم من ذلك قيل لهم: لا عليكم قيسوا إيجاب جزاء الصيد بالمدينة وحرمه، فقد قال بذلك بعض التابعين من الائمة.\rوقيسوا الجزاء فيما حرم قطعة من شجر الحرم على الجزاء فيما حرم صيده من صيد الحرم، فإن لم يفعلوا فقد تناقضوا وتركوا إجراء العمل، وتركوا القياس، وتركوا أن يتعدو ا النص، ولو فعلوا هذا في كل مسائلهم لاهتدوا ولنجوا من ضلال القياس وفتنته.\rوقالوا: إن علة الحدود الزجر والردع.\rقال أبو محمد: كذبوا في ذلك إذا كان ذلك لما جاز العفو في قتل النفس ولم يجز العفو في الزنى بالامة وفي السرقة، ولو كان ذلك لما كانت السرقة أولى بوجوب حد محدود فيها من الغضب، ولا كانت الخمر أولى بذلك من لحم الخنزير ومن الربا، ولا كان الزنى أولى بذلك من القذف بالكفر، أو بترك الصلاة، ولا كان الزنى بذلك أولى من ترك الصلاة، فظهر كذب دعواهم في ذلك، والحمد لله رب العالمين.\rوقالوا: إن علة القصر في الصلاة في السفر إنما هي المشقة، فلذلك حدت بيوم ويومين وثلاثة أيام، على اختلافهم في ذلك.","part":8,"page":1141},{"id":1143,"text":"قال أبو محمد: وهذا أمر كان ينبغي لاهل التقوى ألا يمروه على خواطرهم فكيف أن يحلوا به ويحرموا ويتركوا له قول ربهم تعالى ؟ فأول ذلك الكذب البحث أن أصل القصر المشقة.\rولو كان ذلك لكان المريض المدنف المثبت العلة كالمبطون، والذي به ناقض الحمى والموم والسل ممن تثقل عليه الكلمة يسمعها ويصعب عليه رد الجواب بكلمة فما فوقها، أولى بالقصر لعظيم مشقة الصلاة عليه وتكلف القراءة فيها والايماءة والتشهد صرف ذهنه إليها، من المراكب في عمارية ومعه مائة عبد يتمشى في أيام الربيع على ضياعه من روضة إلى نهر، ومن نهر إلى صيد، ومن صيد إلى نزهة، ومن كل منظر بديع إلى منظر حسن ينزل إذا شاء ويرجل إذا شاء، إلا أنه من ذلك قاصد مسافة أكثر من ثلاثة أيام من وطنه.\rوهذا ما لا يحيل على صبي له أدنى فهم، فكيف على من يتعاطى التحريم والتحليل، ويستدرك على ربه تعالى أشياء لم يذكرها ربه تعالى ولا رسوله (ص)، إن هذا لهو الضلال المبين.\rهذا والمريض والمسافر قد سوى الله عزوجل بينهما في الفطر في رمضان، وفي إباحة متيمم، فهلا ساوى القياسيون المعللون بينهما في قصر الصلاة للذي المريض أحوج عليه من المسافر، لانه أكثر مشقة منه وأحوج إلى الراحة ؟ فأين قياسهم وعللهم ؟ ثم هلك، لو صح ما قالوه، إن العلة في قصر الصلاة مشقة السفر، وأعوذ بالله من ذلك فأي تمام للمشقة في ثمانية وأربعين ميلا في سهل وأمن وظلال أشجار، وفي أيام الربيع في آذار وفي نيسان، ولفارس مريح قوي، على سبعة وأربعين ميلا في أوعار وشعار، وفي حارة القيظ في تموز، وفي خوف شديد\rلراجل مكدود كبير السن ضعيف الجسم ؟ فأباحوا للفارس الذي ذكرنا أن يفطر في رمضان ويقصر الصلاة، ومنعوا الرجل المكدود في الوعر والحر من ذلك.","part":8,"page":1142},{"id":1144,"text":"وقالوا: لا بد له من الصيام والاتمام، أفترى الميل الواحد هو الذي حصلت فيه المشقة ؟ أو ترى نصف اليوم الذي به تمت الثلاثة هو الذي حصلت المشقة دون اليومين ونصف يوم ؟.\rهذا لا يحتمل مثله إلا من الله تعالى، الذي لا يسأل عما يفعل، وأما نحن فنسأل، أو من رسوله (ص) المبين مراد ربه تعالى، ثم لم يكفهم إلا أن ادعوا على العقل هذا البهتان، لانهم عند أنفسهم أهل الحكمة في الشريعة بما توجبه عقولهم.\rوقد موه بعضهم بأنه إنما تعلق في ذلك الحديث عن النبي (ص): لا تسافر امرأة يوما وليلة إلا مع ذي محرم.\rقال أبو محمد: إن احتجاجهم بهذا الحديث في إيجاب الفطر والقصر والقريب من تحديدهم المذكور، فليت شعري: أي شئ في منع المرأة من السفر يوما وليلة مما يوجب القصر في يوم وليلة ؟ ومشي يوم وليلة يختلف ؟ ففي أيام كانون الاول لا يكمل الراحل ثلاثين ميلا إلى الليل.\rوفي أيام صدر حزيران - في طيب الهواء وطول الايام والشمس في آخر الجوزاء وأول السرطان - يكمل أربعين ميلا والركبان كذلك، والسير يختلف، فمن أين لهم أن يجدوا اليوم والليلة بأربعة برد ؟.\rوقد علمنا أن بين مشي شيخ ضعيف وحمار أعرج، وبين مشي العساكر، وبين مشي الرفاق، وبين مشي المسافر الراكب دابة مطيقة، وبين مشي البريد في اختلاف الازمان، أشد الاختلاف وأعظم التباين، فكيف يستجيز ذو لب أن يجد ما يقصر فيه ويفطر بثلاثة أيام، أو باليوم التام ؟ ولا خلاف أن ما تمشيه العساكر في أربعة أيام الشتاء يمشيه\rالبريد في يوم واحد في آخر الربيع وأول الصيف، وهذا معروف بالمشاهدة.\rوأيضا، فإن ذلك الحديث قد جاء بألفاظ شتى ففي بعضها أكثر من ثلاثة أيام وفي بعضها ثلاثة أيام وفي بعضها ليلتين وفي بعضها يوم وليلة وفي بعضها يوم وفي بعضها بريد وفي بعضها لا تسافر على الاطلاق دون تحديد شئ أصلا، فبطل احتجاجهم به.\rفإن تعلقوا بابن عمر وابن عباس، فقد خالفهم ابن مسعود وعائشة ودحية بن خليفة، وشرحبيل بن السمط وغيرهم من الصحابة، نعم، وابن عمر نفسه، فقد","part":8,"page":1143},{"id":1145,"text":"صح عنه القصر في الاميال اليسيرة جدا.\rوفي الميل وفي سفر ساعة.\rوعللوا الشفعة في الارضين والحكم على الشريك يعتق شقصه في العبد والامة يعتق الباقي: بأن ذلك الضرر بالشريك.\rوتناقضوا في ذلك في قولهم: لا شفعة في الجوهر ولا في العبيد ولا في الحيوان ولا في الثياب ولا في السيوف، وقد علم كل ذي عقل أن الضرر في ذلك بالشركة وانتقال الملك بالصدقة أو البيع أعظم من الضرر في الارضين.\rفهلا قاسوا ههنا كما قاس المالكيون الشفعة في التين والرطب على الشفعة في الارضين خوف الضرر الداخل على الشريك ؟.\rوهلا قاسوا هبة الشريك على بيعه ؟ فيقولوا: شريكه أولى بالهبة لئلا يدخل عليه ضرر ؟.\rفإن قالوا: لم يرد أن يهبه، قيل لهم: وكذلك لم يرد أن يبيع منه.\rفإن رجعوا إلى النص فقد امتدوا، ولزمهم ألا يقيسوا أصلا، ولا يتعدوا حدود الله في النصوص، ولا يقيسوا الشفعة في التين والثمار - دون سائر العروض على وجوبها في الارضين والاشجار عندهم.\rوهلا قاسوا من حبس شقصا له في أرض مشارعه على من أعتق شقصا له في عبد، لاجتماعهما في الضرر ؟ ولكن هكذا يفضح الباطل أهله.\rوكذلك يكون تناقض أهله.\rوهل قاسوا المعسر بعتق شقصه على الموسر بعتق شقصه، لان الضرر في ذلك واحد، وهم يقيسون عليه كل من أتلف شيئا فيوجبون عليه فيما عدا المكيلات والموزونات القيمة لا المثل، قالوا: نفعل ذلك قياسا على تقويم الشقص على المعتق، فهلا قوموا على المعسر إذا أعتق كما يقومون عليه فيما أتلف ويتبعه به دينا ؟.\rقال أبو محمد: وفيما ذكرنا كفاية، وقلما تخلو لهم مسألة من مثل ما أوردنا وبالله تعالى التوفيق.\rوقال بعض حذاقهم: قد تكون علة الخصم علة لخصمه عليه في إبطال قوله.","part":8,"page":1144},{"id":1146,"text":"مثال ذلك: أن يقول الحنفي والمالكي لما كان الوقوف بعرفة لا يصح إلا بمعنى آخر يقترن إليه وهو الاحرام، وجب ألا يصح الاعتكاف إلا بمعنى آخر يقترن إليه وهو الصيام، فيقول الشافعي: لما كان الوقوف بعرفة لا يقتضي الصيام، وجب أن يكون الاعتكاف لا يفتقر إلى الصيام، وعلتهم كلهم فيما ذكروا أن الوقوف بعرفة والاعتكاف لبث وإقامة في موضع مخصوص.\rقال أبو محمد: ومثل هذا لا يعجز أن يأتي به من استجاز الهذيان في حال صحته من البرسام ولو تتبعنا ترجيحاتهم العلل لاوردنا من ذلك مضاحك تغني عن كل ملهى وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rومن تأمل كتب متأخريهم ومناظراتهم، وتكلفهم إخراج العلل لكل حكم مختلف فيه أو مجتمع عليه في الشريعة، كان فيه نص يعرفونه أو لم يعرفوا فيه نصا،\rرأى كلاما لا يأتي بمثله سالم لدماغ أصلا، إلا أن يكون سالكا سبيل المجون والسخافة ونعوذ بالله من الخذلان.\rفصل قال أبو محمد: وقالوا: الحكيم بيننا لا يفعل إلا لعلة صحيحة، والسفيه هو الذي يفعل لا لعلة، فقاسوا ربهم تعالى على أنفسهم، وقالوا: إن الله تعالى لا يفعل شيئا إلا لمصالح عباده، وراموا بذلك إثبات العلل في الديات.\rقال أبو محمد: وتكاد هذه القضية الفاسدة - التي جعلوها عمدة لمذهبهم وعقدة تنحل عنها فتاويهم - تكون أصلا لكل كفر في الارض.\rوأما على التحقيق فهي أصل لقول الدهرية الذين جعلوا برهانهم في إبطال الخالق، لما رأوا الامور لا تجري على المعهود فيما يحسن في عقولهم، وأنه لا بد من علة للمفعولات، وإذ لا بد من علة فلا بد لتلك العلة من علة، وهكذا أبدا حتى يوجبوا كون أشياء لا أوائل لها.\rوهي أيضا أصل لقول من قال: إن الفاعل للعالم إنما هو النفس، وأما الله تعالى فيحل عن أن يحدث هذه الاقذار في العالم، وهذا الظلم الظاهر من استطالة بعض الحيوان على بعض.","part":8,"page":1145},{"id":1147,"text":"وهي أيضا أصل لقول من قال: إن للعالم لم يزل وخالقه تعالى لم يزل، لانهم جعلوا علة الخلق وجوده تعالى، ووجوده لم يزل، فخلقه لم يزل.\rوهي أيضا أصل لقول من قال: بأن العالم له خالقان، من المانية والديصانية لانهم قالوا: تعالى الله عن أن يفعل شيئا من غير الحكمة، ولغير مصالح عباده، فصح بذلك عندهم أن خالق السفه والشر ومضار العباد خالق آخر، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.\rوهي أيضا أصل لقول من قال بالتناسخ، لانهم قالوا: محال أن يعذب الحكيم من لم يذنب، وأن يفعل شيئا إلا لعلة، ومحال أن يعذب أقواما ليعظ آخرين، أو ليجازي بذلك آخرين، أو ليجازيهم بذلك، وهو قادر على المجازاة بلا أذى، ذلك هذا عبث فيما بيننا، فلما رأيناه تعالى يعذب الاطفال بالجدري والقروح والجوع، ويسلط بعض الحيوان على بعض، علمنا أن ذلك لذنوب تقدمت لانفس ذلك الحيوان وأولئك الصبيان، وأنهم قد كانوا بالغين عصاه قبل أن تنسخ أرواحهم في أجسام الصبيان والحيوان.\rوهي أيضا أصل لقول من أبطل النبوات كالبراهمة ومن اتبعها، فإنهم قالوا: ليس من الحكمة أن يبعث الله تعالى نبيا إلى من يدري أنه لا يؤمن به.\rقال أبو محمد: ثم حسدتهم المعتزلة على هذه القضية فأخرجوا على حكم الله تعالى وعن خلقه وقدرته وجميع أفعال العباد، فضلوا ضلالا بعيدا، وأثبتوا خالقين كثيرا غير الله تعالى.\rوسلم الله تعالى من هذه البلية أهل الاثبات، فنفس عليهم إبليس اللعين عدو الله السلامة، فبغي لهم الغوائل، ونصب لهم الحبائل، ووسوس لهم القول بالعلل في الاحكام، فوقعوا في القضية الملعونة التي ذكرنا.\rوأصحب الله تعالى عصمته منها أصحاب الظاهر فثبتوا على الجادة المثلى، وتبرؤوا إلى الله تعالى من أن يتعقبوا عليه أحكامه أو أن يسألوه لم فعل كذا، أو أن يتعدوا حدوده، أو أن يحرموا غير ما حرم ربهم، أو أن يوجبوا غير ما أوجب تعالى، أو أن يحلوا غير ما أحل عزوجل، ولم يتجاوز ما أخبرهم به نبيهم (ص) فاهتدوا بنور الله التام، الذي هو العقل، الذي به تعرف الامور على ما هي عليه،","part":8,"page":1146},{"id":1148,"text":"ويمتاز الحق من الباطل، ثم بنص القرآن وبيان رسول الله (ص) للدين، إذ\rلا سبيل إلى السلامة في الآخرة إلا بهذين السبيلين.\rوالحمد لله رب العالمين، وهو المسؤول أصحاب الهداية حتى نلقاه على أفضل أحوالنا، آمين.\rقال أبو محمد: وكل هذه المقالات الفاسدة التي ذكرنا قد بينا بطلانها بالبراهين الضرورية في كتابنا المرسوم بكتاب الفصل في الملل والنحل والحمد لله رب العالمين.\rونقول في ذلك ههنا قولا كافيا، يليق بغرض كتابنا هذا إن شاء الله تعالى فنقول وبالله تعالى التوفيق.\rإن أول ضلال هذه المسألة قياسهم الله تعالى على أنفسهم في قولهم: إن الحكم بيننا لا يفعل شيئا إلا لعلة، فوجب أن يكون الحكيم عزوجل كذلك.\rقال أبو محمد: وهم متفقون على أن القياس هو تشبيه الشئ بالشئ، فوجب أنهم مشبهون الله تعالى بأنفسهم، وقد أكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: * (ليس كمثله شئ) * ولو أن معارضا عارضهم فقال: لما كنا نحن لا نفعل إلا لعلة، وجب أن يكون تعالى بخلافنا، فوجب ألا يفعل شيئا لعلة لكان أصوب حكما وأشد اتباعا لقوله: * (ليس كمثله شئ) * وبالله تعالى التوفيق.\rوأيضا: فإنهم بهذه القضية الفاضحة قد أدخلوا ربهم وتحت الحدود والقوانين، وتحت رتب متى خالفها لزمه السفه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهذا كفر مجرد دون تأويل، ولزمهم - إن طردوا هذا الاصل الفاسد - أن يقولوا: لما وجدنا الفعل منا لا يكون إلا جسما مركبا ذا ضمير وفكرة وجب أن يكون الفعال الاول جسما مركبا ذا ضمير وفكرة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\rقال أبو محمد: فهذا يلزمهم كما ذكرنا.\rثم نبين بالبرهان الضروري بطلان قضيتهم من غير طريق إلزامهم طردها فنقول بالله تعالى التوفيق: إن الحكيم منا إنما صار حكيما لانه انقاد لاوامر ربه تعالى، ولتركه نواهيه، فهذا\rهو السبب الموجب على الحكيم منا ألا يفعل شيئا إلا لمنفعة ينتفع بها في معاده أو لمضرة يستدفعها في معاده.\rوأما الباري تعالى فلم يزل وحده ولا شئ معه ولا مرتب قبله فلم يكن على الله تعالى رتبة توجب أن يقع الفعل منه على صفة ما دون","part":8,"page":1147},{"id":1149,"text":"غيرها، بل فعل ما فعل كما شاء، ولم يفعل ما لم يفعل كما لم يشأ فبطل تشبيههم أفعال الحكيم منا بأفعال الباري تعالى.\rوأيضا: فإنا لم نسم الله تعالى حكيما من طريق الاستدلال أصلا، ولا لان العقل أوجب أن يسمى تعالى حكيما، وإنما سميناه حكيما لانه سمى بذلك نفسه فقط، وهو اسم علم له تعالى لا مشتق، ويلزم من سمى ربه تعالى حكيما من طريق الاستدلال أن يسميه عاقلا من طريق الاستدلال، وقد بينا فساد هذه الطريقة وبطلانها وضلالها في كتاب الفصل فبطلت قضيتهم الفاسدة جملة، وصح أنها دعوة فاسدة منتقضة.\rوأما قولهم: إنه تعالى يفعل الاشياء لمصالح عباده فإن الله تعالى أكذبهم بقوله: * (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) * فليت شعري أي مصلحة للظالمين في إنزال ما لا يزيدهم إلا خسارا، بل ما عليهم في ذلك إلا أعظم الضرر وأشد المفسدة، ولقد كان أصلح لهم لو ينزل، وما أراد الله تعالى بهم مصلحة قط، ولكنهم من الذين قال تعالى فيهم: * (ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) *.\rقال أبو محمد: ويقال لهم المصلحة جميع عباده فعل تعالى ما فعل ؟ أم لمصلحة بعضهم.\rفإن قالوا لمنفعة جميعهم كابروا وأكذبهم العيان، لان الله تعالى لم يبعث قط موسى عليه السلام لمنفعة فرعون ولا لمصلحته، ولا بعث محمدا (ص) لمنفعة أبي جهل ولا لمصلحته، بل لمضرتهما ولفساد آخرتهما ودنياهما، وهكذا القول في\rكل كافر، لو لم يبعث الله من كذبوه من الانبياء لكان أصلح لدنياهم وآخرتهم.\rوأيضا فلا شئ في العالم فيه مصلحة لانسان إلا وفيه مضرة لآخر، فليت شعري ما الذي جعل الصلاح على زيد بفساد عمرو حكمه ؟ وكل من فعل هذا بيننا فهو سفيه، بل هو أسفه السفهاء، والله تعالى يفعل كل ذلك وهو أحكم الحكماء، فيلزمهم على قياسهم الفاسد.\rوأصلهم الفاضح أن يسفهوا ربهم تعالى، لانه عزوجل يفعل ما هو سفه بيننا لو فعلناه نحن، وقد وجدنا من أغرى بين","part":8,"page":1148},{"id":1150,"text":"الحيوانات بيننا حتى تتقابل كالديكة والكباش والقبج وقتلها لغير أكل أنه غاية السفه، والباري تعالى يفعل كل ذلك ويقتل الحيوانات لغير أكل، ويسلط بعضها دون مثوبة للقاتل منهما ولا المقتول، وهو أحكم الحاكمين.\rوهذا خلاف الرتبة بيننا فبطل قوله: إن الله تعالى لا يفعل شيئا إلا لمصالح عباده، وصح بالضرورة أنه يفعل ما يشاء لصلاح ما شاء، ولفساد ما شاء، ولنفع من شاء، ولضر من شاء، ليس ههنا شئ يوجب إصلاح من صلح، ولا إفساد من أفسد، ولا هدي من هدى ولا إضلال من أضل، ولا إحسان إلى من أحسن إليه.\rولا الاساءة إلى من أساء إليه، لكن فعل ما شاء * (لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون) * وهم دائبا يسألون ربهم.\rلم فعلت كذا، كأنهم لم يقرؤوا هذه الآية نعوذ بالله من الخذلان.\rونجده عزوجل قد حبب بين زوجين حتى أطاعاه وحبب بين آخرين حتى عصياه واشتغلا بما هما فيه عن الصلاة في أوقاتها وجذم صالحا وطالحا، وسلم صالحا وطالحا وابتلى قوما فصبروا وابتلى قوما فكفروا وعافى قوما فصبروا وشكروا، وعافى آخرين فبطروا وكفروا، وعمر صالحا وطالحا أقصى العمر، واخترم صالحا وطالحا في حداثة السن، وجعل عيسى عليه السلام نبيا حين سقوطه\rمن بطن أمه، وآتى يحيى الحكم صبيا، وبسط لفرعون أنواع الغرور حتى قال: أنا ربكم الاعلى، وخلق قوما ألباء فهماء كفارا كالفيومي اليهودي، وأبي ريطة اليعقوبي، وقوما ألباء فهماء مسلمين، وقوما بلداء كفارا، وقوما بلداء مسلمين، فبأي شئ استحق عنده هؤلاء أن يرزقهم الفهم ؟ وهؤلاء أن يمنعهم إياه ؟.\rفإن قالوا: لو رزق بلداء الكفار الفهم لكانوا ضررا على المسلمين، أريناهم من ذكرنا ممن كان ضررا عليهم، فصح تناقضهم وأكذبهم الباري عز وجل بقوله: * (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما).\rبقوله تعالى * (أنما نمهدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات) * فأخبر تعالى أنه أنما أملى لهم لضررهم لا لنفعهم ولا لمصلحتهم وكذلك يكذبهم أيضا قوله تعالى * (إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة","part":8,"page":1149},{"id":1151,"text":"الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) * وكذلك قال تعالى * (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) * فأبان الله تعالى كذبهم في قولهم: إن الله تعالى إنما يفعل الشرائع لمصالح عباده وأيضا فقد كان أصلح لهم أن يدخلهم الجنة دون تكليف عمل ولا مشقة واحتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننساأها فأنت بخير منها أو مثلها) *.\rقال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه، لان الناسخة إنما صارت خيرا لنا معشر المؤمنين بها خاصة إذ جعلها الله تعالى خيرا لنا لا قبل ذلك ولم يكن قط هنا سبب يوجب أن تكون خيرا لنا إلا أنه تعالى شاء ذلك بلا سبب ولا علة أصلا ويقال لهم وبالله تعالى التوفيق متى كانت الناسخة خيرا لنا ؟ إذ نسخ بها ما تقدم أو قد كانت خيرا لنا قبل أن ينسخ ما تقدم ؟ فإن قالوا كانت خيرا قبل ان يخاطبنا بها نقضوا أصلهم وأثبتوا أنه تعالى قد منعنا ما هو خير لنا مدة طويلة وإن قالوا بل ما صارت خيرا لنا\rإلا إذ نسخ تعالى بها ما تقدم وإذ خاطبنا وأبطل بها الرتبة الاولى.\rقيل لهم: وما الذى أوجب ان تصير حينئذ خيرا لنا ؟ وما الذى أوجب أن تنتقل الرتبة الاولى عن كونها خيرا لنا ؟ أعلة متقدمة حكمت على الباري تعالى بذلك ؟ أم أنه شاء ذلك فقط ؟ فإن قالوا بل علة أوجبت ذلك على الباري عز وجل كفروا بإجماع الامة وجعلوا الله تعالى مدبرا مصرفا تعالى الله عن ذلك.\rفإن قالوا بل إنه شاء ذلك فقط، رجعوا إلى أنه تعالى شاء ما فعل بلا علة أصلا ولم يشأ ما لم يفعل وأنه تعال يريد ضلال من ضل ولم يرد به الهدى ولا المصلحة أصلا وبالله تعالى التوفيق.\rوقد بين تعالى ذلك بقوله نعوذ بالله من أن يريد منا ما أراد بهؤلاء.\rونقول لمن قال إنه تعالى أراد صلاحهم أن يدعو ربه أن يريد به من الصلاح ما أراد بهم.","part":8,"page":1150},{"id":1152,"text":"ونجده تعال خلق الكلب مضروبا به المثل في الرذيلة والخنزير رجسا وخلق الخيل في نواصيها الخير فأى علة وأى سبب أوجب على هذه الحيوانات أن يرتبها هكذا ؟ وما الذى أوجب أن يخترع بعضها نجسا وبعضها مباركا وبأى شئ استحقت ذلك قبل أن تكون منها فعل أو قبل أن توجد وأى علة أوجبت ان يخلق من الاشياء على عدد ما دون ان يخلق أكثر من ذلك العدد أو أقل وأن يخلق الخلد أعمى والسرطان صارفا بصره أمام ووراء أي ذلك شاء والافعى أضر من الخلد ولها بصر حاد.\rفإن قالوا خلقها ليعتبر بها وعذب الاطفال بالامراض ليعوضهم أو ليأجر آباءهم فهذا كله فاسد لانه قد كان يعتبر ببعض ما خلق كالاعتبار بكله ولو\rزاد في الخلق لكان الاعتبار أكثر فلزم التقصير على قولهم تعالى الله عن ذلك ولا فساد فيما بيننا أعظم من فعل من عذب آخر ليعطيه على ذلك مالا أو من فعل من عذب إنسانا لا ذنب له ليعظ به آخر أو ليثيب على ذلك آخر وكل هذا يفعله الباري تعالى وهو أحكم الحاكمين فبطل قولهم إن الحكيم لا يفعل شيئا الا لعلة قياسا على ما بيننا.\rوأى فرق بين ذبح صغار الحيوان لمنافعنا وبين ذبح صغارنا لمنافعنا ؟ فيذبح ولد عمر ولمصلحة زيد ؟ الا أن الله تعالى شاء ذلك فأباحه ولم يشأ هذا فحرمه ولو أحل هذا وحرم ذلك لكان عدلا وحكمة واذ لم يفعله تعالى فهو سفه وجور ولا علة لكل ذلك أصلا.\rوقد أباح تعالى سبي نساء المشركين وأطفالهم واسترقاقهم قهرا وتملكنا رقابهم وأخذنا أموالهم غصبا لذنوب وقعت من آبائهم والدليل على ان ذلك لذنوب آبائهم ان آبائهم لو اسلموا لحرم علينا سبي اولادهم وتملكهم فما الذى جعل الابناء مؤاخذين بذنوب غيرهم ؟ أو ما الذى جعل مصلحة ابنائنا اولى من","part":8,"page":1151},{"id":1153,"text":"مصلحة ابنائهم وكل لا ذنب له ؟ وهل لو فعل ذلك فاعل بيننا لغير نص من الله تعالى أما كان يكون أظلم الظالمين وأسفه السفهاء ؟.\rوما الذى جعل ان يخص أجسامنا بالانفس الناطقة دون أجسام الاسد أو الحمير أو الخيل فإن قالوا في سبي اولادهم صلاح لهم لانهم يصيرون مسلمين قيل لهم فأبيحوا سبي أولاد الذمة ليصيروا مسلمين فذلك أصلح لهم فإن قالوا هم سكان بيننا قيل لهم فسكنوا أولاد أهل الحرب بينكم ولا تتملكوهم عبيدا محكوما فيهم وإلا فقد تركتم القياس ولم تجروا العلل فصح بكل ما قلنا ان الله تعالى يفعل ما شاء لا لعلة أصلا.\rولا خلاف عن كل ذى عقل أنه لو خلقنا في الجنة وعرفنا قدر النعمة\rفي ذلك وضاعف عقولنا في الزجاجة وإحساسنا في قبول اللذة كما فعل بالملائكة لكان أصلح لنا إلا ان يقولوا إنه تعالى غير قادر على غير ما فعل فيخرجون بذلك عن الاسلام.\rوعلى كل حال فقد سقطت العلل على كل وجه وبكل قول فقد رأيناه تعالى خلق قوما في عصر نبيه عليه السلام فشاهدوا آياته فآمنوا وخلق آخرين في أقاصى بلاد الزنج وأقاصي بلاد الروم حيث لم يسمعوا قط ذكر محمد صلى الله عليه وسلم.\rمتبعا بأقبح الذكر وأسوا الوصف وكل هذا لا عله له إلا أنه شاء ذلك لا إله إلا هو وبه تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد ثم حداهم هذا القول الفاسد إلى ان قال بعضهم بتضمين الصناع وقالوا في ذلك صلاح للمستصنعين.\rقال أبو محمد وليت شعرى ما الذى جعل المستصنعين أولى بالنظر لهم من الصناع إلا إن كان ذلك اتباعا لمصلحة الكثرة وعلى قول الفساق الذين يقولون قتل الثلث في صلاح الثلثين صلاح فهذه أقوال الشيطان الرجيم وأتباعه وما جعل الله تعالى قط جيمع عباده أولى بالنظر لهم من مسلم واحد يضيع من أجلهم ولو شاء الله تعالى أن يأمرنا بقتل الامة كلها في مصلحة واحد لكان ذلك حكمة وقد امر تعالى بقتل كل من خالف محمدا صلى الله عليه وسلم وهو رجل واحد أو إصغاره إن كان كتابيا بالجزية ومخالفوه كثير فخصه بهذه المرتبة دونهم","part":8,"page":1152},{"id":1154,"text":"كما شاء لا معقب لحكمه وقد أمرنا تعالى بأخذ الجزية من أهل التثليث القائلين بان الآلهة ثلاثة وهم النصارى وحرم علينا قتلهم وحرم علينا أموالهم وأجراهم في المحاكمة مجرانا وأمرنا أن نقرهم على كفرهم وهم مع ذلك يستحلون قتلنا وحرم علينا استبقاء الثنوية الذين لا يقولون إن الآلهة اثنان\rقتلنا وقتالنا وحرم علينا الكفر من التثنية والثنوية لا يستحلون أذانا ولا قتلنا ولا ظلمنا في أموالنا ولا أنفسنا فألزمنا تعالى قتلهم حيث ظفرنا بهم إن لم سيسلموا وأمرنا ان لا نقبل منهم شيئا غير الاسلام أو القتل.\rفإن قال مجنون لان المثلثة أصل دينهم حق قلنا له كذبت ما كان التثليث قط حقا وما هو إلا إفك مفترى كالتثنية ولا فرق إلا أن النص هو المفرق بين النصارى واليهود والمجوس وبين سائر فرق الكفر فقط ولا مزيد.\rومن قال إن قبض أرواح المشركين مصلحة لهم لحق بمن لا يكلم وكفى بالمصير الى هذا القول ذلا وانقطاعا.\rفإن قال لو أبقاه لزاد كفرا قيل له أيما كان أصلح له ؟ أن يقبض روحه وهو صغير لم يكفر بعد ؟ أو وهو في أول كفره قبل أن يزداد ما ازداد ؟ أو تأخيره إلى الوقت الذى أخره تعالى إليه ؟.\rوفى هذا حسم لشعبهم وترك لقولهم بالمصالح جملة وقد أخبر تعالى فقال * (انما نملي لهم ليزدادوا اثما) * فأكذب قولهم في المصالح جملة وأخبر انه قصد بابقائهم ضد المصلحة لهم وهذا نص قولنا انه تعالى يفعل ما يشاء لا لعلة أصلا.\rوقال بعض أصحاب العلل ان الله تعالى انما حرم الخنزير لانه فاسد الغذاء قال أبو محمد فيقال لهذا البارد الجاهل المفترى أيما أفسد غذاء الخنزير أم التيس الهرم فلا بد له ان يقول أن التيس الهرم أفسد غذاء وقد أحله الله تعالى وحرم الخنزير وقد أباح تعالى الدجاجة وهى آكل للقذر من الخنزير وهذا كله فاسد من القول وتكلف بارد وتنطع محرم وبالله تعالى التوفيق.\rوموه بعضهم بأن قال قد اتفقتم معنا على وجوب شكر المنعم وعلى وجوب شكر الباري عز وجل وهذا موافقة منكم لنا على ان العقل يوجب به الشرع قال أبو محمد وهذا كذب منهم وما وافقناهم قط على إن شكر الله عز وجل","part":8,"page":1153},{"id":1155,"text":"واجب علينا الا بعد قوله تعالى * (أن اشكر لى ولوالديك) * وقوله تعالى * (انه يحب الشاكرين) * وقوله * (لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي شديد) * وكذلك نقول ان شكر المحسن فيما بيننا لا يلزم المحسن إليه الا حيث أوجبه الله تعالى وحيث جاء النص بايجابه وبعد ان قال رسول الله (ص) من أسديت إليه نعمة فلشكرها ولولا هذه النصوص ما لزم الشكر أحدا إذ اللزوم يقتضى فاعلا له ملزما اياه علينا والعقل عرض محمول في النفس والعرض لا يفعل شيئا وانما يفعل الجسم الحامل له والنفس لا تشرع الشرائع قبل ان يرد بها السمع وتبلغ الى العاقل المميز فلا ينكر قول من قال من الخوارج ان النبي ساعة يبعث فإنه قد الزم أهل المشرق والمغرب التزام جميع ما بعث به ومعرفة الدين الذى جاء به من البيوع وانواعها والطلاق والنكاح والعبادات كلها وان من مات اثر مبعثه بساعة في أقطار الدنيا غير عالم بكل ما ذكرنا فقد مات كافرا الى النار.\rقال أبو محمد وهذا كما ترى من تكليف ما لا يطاق كقول من أراد الزام الشرائع بغير نص من الله تعالى.\rثم نسألهم ما تقولون فيمن استنقذ صبيا حين الولادة ممن أراد وأده ثم استنقذه من سبع ثم من يد كافر سباه ثم رباه فأحشن تربيته ثم علمه الدين والعلم فلما بلغ الصبى مبلغ الرجال ولى الاحكام بين المسلمين فتعدى الذى أحسن إليه على رجل ففقأ عينه وقطع يديه ورجليه وجدع أنفه وأذنه وقلع جميع أسنانه وجب مذاكيره فقدمه المفعول به ذلك الى هذا الحاكم الذى أحسن إليه هذا المتعدى وطلب القصاص وهو عدو للحاكم وقد أساء إليه قديما وضربه ولطمه أتأمرون الحاكم ان يعفو عن المحسن إليه ؟ أم توجبون عليه ان يقطع\rيدى المحسن إليه ورجليه ويقلع أسنانه ويفقأ عينيه ويجدع أذنيه وأنفه ويجب مذاكيره انتصارا لعدوه الظالم له من وليه المحسن إليه ؟ فإن قالوا لا يفعل به شيئا من ذلك كفروا ان اعتقدوا صحة هذا الجواب وفسقوا ان قالوه غير معتقدين له وان قالوا بل يفعل به مثل ما فعل تقضوا","part":8,"page":1154},{"id":1156,"text":"أصلهم في وجوب شكر المنعم فإن قالوا أخذ القصاص منه إحسان إليه وشكر له قلنا إن كان هذا المحسن ذميا فما نراه عجل له قتله قصاصا إلا النار فأين الاحسان والشكر فإن قالوا قتل الكافر إحسانا إليه كابروا العيان لان التعجيل الى النار وأنقطاع الرجاء من الايمان ليس إحسانا بل هو غاية الاساءة قال أبو محمد فصح بكل ما ذكرنا أنه لا علة لشئ من أوامر الله تعالى ولا لشئ من أفعاله كلها أولها عن آخرها ولا يجوز ان يشبه حكم بحكم آخر لم يأذن الله تعالى في الجمع بينهما.\rوهذه المسألة أصل خطأ القوم وبعدهم عن الحقائق وهى بدعة محدثة حدثت في القرن الرابع لم ينطق بها قط صحابي ولا تابعي بوجه من الوجوه وهى مسألة ألقاها الشيطان بين المسلمين نعوذ بالله من الخذلان ونسأله ان يثبتنا على ما هدانا إليه من اتباع كلامه وكلام نبيه (ص) وإجماع أولى الامر منا والرد عند التنازع الى كلامه تعالى وكلام نبيه (ص) ونسأله لاخواننا ان يتوب عليهم من بدعة القياس والتقليد والاستدراك على ربهم تعالى وعلى نبيهم (ص) ما لم يأت عنهما ولا قالاه وسؤالهم لم فعل الله تعالى كذا وكذا ؟ وأن يفئ بهم الى ما أمروا به من طريق الحقائق آمين يا رب العالمين وصلى الله على محمد وحسبنا الله ونعم الوكيل.\r{ الباب الموفى أربعين } وهو باب الكلام في الاجتهاد ما هو ؟ وبيانه ومن هو معذور باجتهاده ومن ليس معذورا به ومن يقطع على أنه أخطأ عند الله تعالى فيما أداه إليه\rاجتهاده ومن لا يقطع أنه مخطئ عند الله عز وجل وان خالفناه.\rقال أبو محمد على بن أحمد رحمه الله لفظة الاجتهاد مما يجب معرفة تفسيرها لان أكثر المتكلمين في الاجتهاد وحكمه لا يعلمون معناه وبالله تعالى التوفيق ان حقيقة بناء لفظة الاجتهاد أنه افتعال من الجهد وحقيقة معناها انه استنفاد الجهد في طلب الشئ المرغوب ادراكه حيث يرجى وجوده فيه أو","part":8,"page":1155},{"id":1157,"text":"حيث يوقن بوجوده فيه هذا ما لا خلاف بين أهل اللغة فيه والجهد بضم الجيم الطاقة والقوة تقول هذا جهدي أي طاقتي وقوتى والجهد بفتح الجيم سوء الحال وضيقها تقول القوم في جهد أي في سوء حال فإذ ذلك كذلك فالجتهاد في الشريعة هو استنفاد الطاقة في طلب حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم هذا ما لا خلاف بين أحد من أهل العلم بالديانة فيه قال أبو محمد وانما قلنا في تفسير الاجتهاد العام حيث يرجى وجوده فعلقنا الطلب بمواضع الرجاء وقلنا في تفسير الاجتهاد في الشريعة حيث يوجد ذلك الحكم فلم نعلقه بالرجاء لان أحكام الشريعة كلها متيقن ان الله تعالى قد بينها بلا خلاف ومن قال ان الله تعالى ورسوله عليه السلام لم يبين لنا الشريعة التى أرادها الله تعالى منا وألزمنا اياها فلا خلاف في أنه كافر فأحكام الشريعة كلها مضمونة الوجود لعامة العلماء وان تعذر وجود بعضها على بعض الناس فمحال ممتنع ان يتعذر وجوده على كلهم لان الله تعالى لا يكلفنا ما ليس في وسعنا وما تعذر وجوده عى الكل فلم يكلفنا الله تعالى اياه قط قال الله سالى * (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) * وقال تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وبالضرورة ندرى ان تكليف اصابة ما لا سبيل الى وجوده حرج فصح قولنا وبالله التوفيق.\rثم اتفق العلماء على أن القرآن وما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قاله أو فعله أو أقره وقد علمه مواضع لوجود أحكام النوازل واختلفوا في نقل السنن على ما ذكرناه قبل وبينا الرهان هنالك يحول الله تعالى وقوته على وجوب قبول الخبر المسند بنقل العدول.\rثم اختلفوا فقالت طائفة لا موضع البتة لطلب حكم النازل من الشريعة ولا لوجوده الا هذه المعادن التى ذكرنا اما نص على اسم تلك النازلة واما دليل منها على حكم تلك النازلة لا يحتمل الا وجها واحدا وهذا قول جميع أهل الاسلام قطعا وان اختلفوا في الطرق التى توصل الى معرفة السنن وهو قول جميع أصحابنا الظاهرين وبه نأخذ وقد بينا أقسام الدين المذكور فيما سلف من ديوننا هذا وحصرناها هنالك والحمد لله رب العالمين.\rوقال آخرون بل ههنا مواضع أخر يطلب فيها حكم النازلة وهى الخبر المرسل","part":8,"page":1156},{"id":1158,"text":"وقول الصاحب الذى لا يعرف له مخالف من الصحابة إذا اشتهر وقال آخرون وإن لم يشتهر وقول الامام الوالى منهم ودليل الخطاب والقياس والرأى المجرد والاستحسان وقول أكثر العلماء وعمل أهل المدينة والاخذ بقول عالم وإن كان له مخالف مثله وقد شرحنا معاني هذه الاسماء وابطلنا الحكم بكلها أو شئ منها بالبراهين الضرورية فيما سلف من كتابنا هذا والحمد لله رب العالمين فأما تعلق قوم اعتقدوه من أحكام بعض النوازل بقول صاحب له مخالفون أو بقول تابع أو بقول فقيه من القفقهاء المتقدمين وإن خالفه غيره من أهل العلم فهذا هو التقليد الذى قد تلكمنا في أبطاله فيما سلف من كتابنا هذا والحمد لله رب العالمين.\rقال أبو محمد وليس للمتكلمين في الديانة اليوم قول يكون عندهم اجتهادا\rغير ما ذكرنا وقد كانت اقوال في ذلك لقوم من اهل الكلام قد درست مثل قول بعضهم ان ما وقع في النفس في اول الفكر فهو الواجب ان يقال به وقال بعضهم الواجب ان يقال بالاثقل لانه خلاف الهوى وقال بعضهم بل بالاخف منها لقول الله تعالى * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) *.\rقال أبو محمد وهذه اقوال فاسدة لانها كلها دعاوى يعارض بعضها بعضا ولك ما الزمنا الله تعالى فهو يسر وان ثقل علينا وكل شريعة نتكلف فهى خلاف الهوى لان تركها كان موافقا للهوى ولان قد يقع في اوائل الفكر الوسواس وقال تعالى ذاما لقوم * (شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) * ومن قطع بشئ مما يقع في نفسه من الدين فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى وقال تعالى * (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) * فنص تعالى على ان من لا برهان له فليس بصادق وقال تعالى * (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم) * فهذا يدفع قول من قال بالاخف وقال تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وهذا يدفع قول من قال بالاثقل وصح انه لا لازم الا ما الزمنا الله تعالى وسواء وقع في النفس أو لم يقع.\rس.\rاء كان أخف أو أثقل.\rقال أبو محمد وإذا قد انحصرت وجوه الاحتهاد الى ما قد أوضحنا براهينه من","part":8,"page":1157},{"id":1159,"text":"القرآن أو الخبر المسند بنقل الثقات الى النبي (ص) إما نصا على الاسم وإما دليلا من النص لا يحتمل الا معنى واحدا وسقط كل ما عداها من الوجوه التى قد حصرت فالواجب ان ننظر في أقسام المجتهدين فنظرنا في ذلك فوجدنا اقسام المجتهدين بقسمة العقل الضرورية لا تخرج عن ثلاثة أقسام عندنا و.\rأما عند الله تعالى فقسمان لا ثالث لهما\rفالقسمان هما مصيب أو مخطئ لا بد ان يكون كل مجتهد عند الله تعالى واقعا في أحد النعتين اما مصيب واما مخطئ وقد أوضحنا فيما سلف من كتابنا هذا البراهين الضرورية على ان الحق لا يكون في قولين مختلفين في الحكم واحد في وقت واحد في إنسان واحد في وجه واحد.\rوأما الثلاثة الاقسام التى عندنا فمصيب نقطع على صوابه عن الله عز وجل أو مخطئ نقطع على خطئه عن الله عز وجل أو متوقف فيه لا ندرى أمصيب عند الله تعالى ام مخطئ وإن ايقنا انه في احد الحيزين عن الله عز وجل بلا شك لان الله تعالى لا يشك بل عنده علم حقيقة كل شئ لكنا نقول مصيب عندنا أو مخطئ عندنا دليل اصلا وما كان من هذه الصفة فلا تحل الفتيا فيه لمن لم يلح له وجهه إذ لا شك في أن عند غيرنا بيان ما جهلناه كما ان عندنا بيان كثير مما جهله غيرنا ولم يعر بشر من نقص أو نسيان أو غفلة.\rفإذا قام البرهان عند المرء على صحة قول ما قياما صحيحا فحقه التدين به والفتيا به والعمل به والدعاء إليه والقطع انه الحق عند الله عز وجل لما ذكرنا قبل وليس من هذا الحكم بالشهادة من العدلين وقد يكونان في باطن امرهما عند الله تعالى كاذبين أو مغفلين إذ يكلفنا الله تعالى معرفة باطن ما شهدا به لكن كلفنا الحكم بشهادتهما.\rوقد علمنا انه لا يمكن ان يخفى الحق في الدين على جميع المسلمين بل لا بد ان تقع طائفة من العلماء عل صحة حكمه بيقين لم اقدمنا في كتابنا في هذا من ان الدين مصمون بيانه ورفع الاشكال عنه بقول الله تعالى * (تبيانا لكل شئ) * وبقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) *.","part":8,"page":1158},{"id":1160,"text":"ولكن قد قال الله تعالى * (وليس عليكم جناح فيما اخطائتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * فصح بالنص ان الخطأ مرفوع عنا فمن حكم بقول ولم يعرف انه خطأ وهو عند الله تعالى خطأ فقد أخطأ ولم يتعمد الحكم بما يدرى انه خطأ فهذا لا جناح عليه في ذلك عند الله تعالى وهذه الآية عموم دخل فيه المفتون والحكام والعاملون والمعتقدون فارتفع الجناح عن هؤلاء بنص القرآن فيما قالوه أو عملوا به مما هم مخطئون فيه وصح ان الجناح انما هو على من تعمد بقلبه الفتيا أو التدين أو الحكم أو العمل بما يدرى انه ليس حقا أو بما لم يقده إليه دليل اصلا وصح بهذه الآية ان من قام عنده برهان عل بطلان قول فتمادى عليه فهو في جناح لانه قد تعمد بقلبه ذلك وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا احتهد فأصاب فله أجران وقد ذكرنا بإسناده فيما سلف من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته فنص رسول الله (ص) على ان الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده فله أجر فيما أداه اجتهاده الى انه حق عنده وأسقط عنه بذلك الاثم وإن كان مخطئا في الحقيقة عند الله تعالى.\rقال أبو محمد واعتقاد الشئ والعمل به والفتيا به حكم به فدخل هؤلاء تحت لفظ الحديث المذكور وعمومه فصح ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد: ثم ينقسم المخطئ المجتهد قسمين لا ثالث لهما إما مخطئ معذور كما قلنا وما مخطئ غير معذور على ما شهد به قول الله تعالى * (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * ان المخطئ المعذور هو الذى لم يتعمد الخطأ وهو الذى يقدر انه على حق باجتهاده وان المخطئ غير المعذور هو من تعمد بقلبه ما صح عنده انه خطأ أو قطع بغير اجتهاده.\rقال أبو محمد فإذا قد صح كل هذا بالنص فلنعده باختصار فنقول\rوبالله تعالى التوفيق.\rإن المجتهدين قسمان إما مصيب مأجور مرة وهو الذى أداه اجتهاده الى انه على حق عنده ومخطئ غير معذور ولا مأجور ولكن في جناح وإثم وهو من تعمد القول","part":8,"page":1159},{"id":1161,"text":"بما صح عنده الخطأ فيه أو بما لم يقم عنده دليل باجتهاده على انه حق عنده.\rقال أبو محمد ثم وجدنا من قامت عليه حجة في بطلان ما اعتقده ولم تكن عنده حجة تعارض تلك الحجة الواردة فانه لا يخلوا من أحد وجهين لا ثالث لهما اما ان يكون اجتهاده اداه الى ما اعتقد من ذلك ببرهان واضح يقين قد ارتفع به الشك فإن البرهان لا يعارضه برهان فلو جاز ذلك لكان الحق في المتضادين فهذا باطل بيقين فهو وان عجز عن معارضة ذلك الشغب الوارد عليه فليس عجزه عن ذلك بمسقط لما ثبت بالبرهان فواجب عليه التمادي على ما قام به البرهان وإما ان يكون اداه اجتهاده الى ذلك باقناع أو شغب فكان في اعتقاده إياه مسامحا لنفسه مدافعا للخواطر التى تعارضه غير محقق للبحث عن البرهان في ذلك فهذا إذا قامت عليه حجة برهانية من النص يلوح له فساد اجتهاده ففرض عليه ترك ما كان عليه والرجوع الى الحق فإن لم يفعل فهو عاص لله عز وجل فاسق مجرح ساقط الشهادة لانه مغلب للظن على اليقين وهذه من الكبائر قال عز وجل * (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا) * وقال الله تعالى * (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) *.\rقال أبو محمد: فهذا نص ما قلنا آنفا إن من جاءه من ربه تعالى الهدى وهو البرهان الحق فلا يحل له تركه واتباع ما هويت نفسه وظن انه الحق وانه لا يحل له الثبات على ما هويت نفسه وظن انه الحق وترك اتباع الحق لوارد من عند الله تعالى\rقال أبو محمد وسواء في هذا المقام عليه البرهان في فتياه أو في معتقده في اعتزاله أو تشيعه أو إرجائه أو شرايته ومن جوز الشك في البرهان وتمادى على مخالفته وقطع بظنه في أنه لعل ههنا برهانا آخر يبطل هذا البرهان الذى أقيم عليه: فهذا مبطل للحقائق كلها وقوله يقود الى ان لا يحقق شيئا من الشرائع الا بالظن فقط وهذا أفسق الفاسقين.\rقال أبو محمد وأما من اعتقد قولا بغير اجتهاد أصلا لكن اتباعا لمن نشأ بينهم فهذا مقلد مذموم بيقين أصاب أو أخطأ وهو آثم على كل حال عاص","part":8,"page":1160},{"id":1162,"text":"لله عز وجل بذلك فاسق مجرح الشهادة صادق الحق أو لم يصادفه لانه لم يقصده من حيث أمر من اتباع النصوص وقد بينا برهان هذا فيما سلف من ديواننا هذا وبالله تعالى التوفيق.\rفإن قال قائل: فإنكم على هذا يلزمكم أن كل من قال من الصحابة أو من التابعين وفقهاء الامة وخيارها بقول يخالف قولكم في كل مسألة، فإنه داخل فيما ذكرتم من التكفير أو التفسيق أو الكذب، وفي هذا ما فيه.\rقلنا: هذه دعوى منكم كاذبة، بل هو اللازم لكم، ولكل من قال: إن الحق في واحد من الاقوال، لانكم في قوله لكم تزعمون في نصركم إياها أنها موافقة لما جاءه من عند الله تعالى، إما لقرآن أو لسنة مسندة أو مرسلة، وهما عندكم سواء في أمر الله تعالى بقبوله، أو لقياس، بل هو عندكم مما أمر الله تعالى به، فيلزمكم أن كل من خالفكم فيها من صاحب أو تابع أو فقيه: مخالف لما جاء من عند الله تعالى، والمخالف لما جاء من عند الله تعالى عندكم إما كافر وإما فاسق.\rفإن قال: لا يكون كافرا ولا فاسقا ولا عاصيا إلا أن يعاند الحق الذي جاء من عند الله تعالى وهو يدري أنه حق.\rقلنا: هذا نفس قولنا ولله الحمد، فإن كل من خالف قرآنا أو سنة صحيحة أو إجماعا متيقنا وهو لا يلوح له أنه مخالف لشئ من ذلك، فليس كافرا ولا عاصيا ولا فاسقا، بل هو مأجور أجرا واحدا، كما قال رسول الله (ص) فيمن اجتهد فأخطأ، ولا خطأ في شئ من الشريعة إلا في خلاف قرآن أو سنة صحيحة، فهذا برهاننا من السنة.\rوأما من القرآن فقوله تعالى للمسلمين: * (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * ومن الاجماع أنه لا خلاف بين أحد من الامة أن من قرأ فبدل من القرآن بلفظ آخر أو أسقط كلاما أو زاد ساهيا مخطئا فإنه لا يكفر ولا يبتدع ولا يفسق ولا يعصي، وإنما الشأن فيمن قامت عليه الحجة، فعند وخالف الآية بعد أن وقف عليها، مقلدا أو متبعا لهواه، أو خالف السنة بعد أن عرفها كذلك، فهؤلاء هم الذين يقع عليهم التكفير والتفسيق، على حسب خلافهم لذلك إن استحلوا خلاف ذلك كفروا، وإن خالفوه معاندين غير مستحلين فسقوا.","part":8,"page":1161},{"id":1163,"text":"وهكذا القول في الشريعة كلها، ووطئ الفرج الحرام، وأكل الحرام واستباحة العرض الحرام والبشرة الحرام ونحو ذلك، كل هذا من فعله مخطئا غير عالم أنه خالف ما جاء من عند الله تعالى على لسان نبيه (ص) فلا يكفر ولا يفسق ولا يعصي، ومن فعله عامدا غير معتقد لاباحة ما حرم الله تعالى من ذلك فهو فاسق، ومن فعله عامدا مستحلا خلاف الله تعالى فهو كافر، وقد نزه الله تعالى كل صاحب وكل فاضل عن هاتين المنزلتين، وأوقع فيهما كل فاسق متبع هواه قاصد إلى نصر الباطل، والثبات عليه وهو يدري أنه باطل، وبالله تعالى التوفيق.\rقال أبو محمد: فإذا قد صح كل ما قلناه فلنبين بحول الله تعالى وقوته وجوه الاجتهاد التي قدمنا، وحكم من أخذ بوجه منها وفي أي خبر يقع عندنا من\rالقطع بصوابه أو القطع بخطئه، أو التوقف في أمره، وبالله تعالى نعتصم.\rفأول ذلك من تعلق بآية منسوخة، فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن تكون تلك الآية قد جاء نص منقول نقل تواتر بأنها منسوخة، أو قال دليل متيقن النص أو الحال بأنها منسوخة، فإن كان نسخها ثبت أحد هذه الوجوه، فحكمها الثبات على ما بلغه من المنسوخ عند الله عزوجل بلا شك، ما لم يثبت البرهان عنده بنسخها معذور مأجور مرتين.\rفإذ قام عليه البرهان المذكور بأنها منسوخة فتمادى على ذلك - من الاخذ بالمنسوخ معتقدا لصوابه في ذلك، فهو كافر مشرك حلال الدم كمن تمادى على القول بأن المتوفى عنها وصية إلى الحول، أو على القول بالصلاة إلى بيت المقدس، وما أشبه ذلك.\rوأما إن قام الدليل عنده على أنها منسوخة - من النص المتيقن كما ذكرنا - إلا أنها مما اختلف الناس في نسخها، فتمادى على القول بالمنسوخ، وهو يعلم خلاف","part":8,"page":1162},{"id":1164,"text":"ذلك، فهو فاسق عاص لله تعالى، لتعمد قلبه القول بمخالفة الحق الصحيح، فهو عامد كبيرة وبالله تعالى التوفيق.\rفإن كانت تلك الآية مما قام الدليل على نسخها من نقل الآحاد، وهو ممن يصحح مثل ذلك النقل، فتمادى على القول بها، فهو فاسق بتعمده مخالفة ما هو الحق عنده، وإن كنا لا نقطع على أنه مخطئ، وليس هذا فيما لم يأت من جهة الثقات مسندا فقط، لكن من جهة من اختلف في توثيقه ولا بد ولا مزيد، وهذا كمن رد شهادة العدلين من الحكام فيما يقبلان فيه بغير شئ يوجب رد شهادتهما، فهذا فاسق لرده ما هو الحق عنده، ولعله في باطن الارض مصيب في ردها إذ لعلهما كاذبان أو مغفلان أو غاب عنهما سر تلك الشهادة فهذا أفضل.\rوفصل ثان: وهو أن يتعلق بآية مخصوصة مثل قوله: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * فهذه خاصة فيمن مات كافرا ببرهان نص آخر، فهذه أيضا ما لم يقم عنده برهان بأنها مخصوصة، فحكمه الثبات على المخصوص الذي بلغه، وهو مأجور مرتين حتى إذا قام عليه الدليل البرهاني بأنها مخصوصة، فكما قلنا في الفصل الذي قبل هذا.\rوفصل ثالث: وهو أن يتعلق بآية قد خص منها بعضها كقوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به) * وكقوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم) * إلى قوله: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * وكقوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * فهذا أيضا حكمه الثبات على ما بلغه، وهو مأجور مرتين، فإن قام عليه البرهان فتمادى، فإن كان صحيحا عنده فهو كافر، كمن أحل الخمر بعموم هذه الآية، أو أحل العبيد بملك اليمين.\rوفصل رابع: وهو أن يتعلق بآية مزيد عليها نص آخر، كمن تعلق بقوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم) * الاية الى قوله * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * وقد","part":8,"page":1163},{"id":1165,"text":"زيد في هذه الآية تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وخالتها.\rومثل هذا كثير، فهذا أيضا حكمه الثبات على ما بلغه وهو مأجور مرتين ما لم يقل عليه دليل بالزيادة، فإن كان الدليل صحيحا عنده فخالفه معتقدا خلاف النص فهو كافر.\rوفصل خامس: وهو أن يتعلق بآية فيصرفها عن وجهها.\rكمن ادعى في قول الله عزوجل: * (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) * وقوله تعالى: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * أنهما مخالفان لما صح عن النبي (ص) من الحكم باليمين مع الشاهد وموجبان ألا يحكم\rبأقل من شاهدين أو شاهد وامرأتين.\rقال أبو محمد: وهذا تمويه تعمدوه أو جاز عليهم بغفلة.\rأو صرف للآيتين عن وجههما وتمويه بوضعهما في غير موضعهما، لانه ليس في الآيتين المذكورتين أمر بالحكم بالشاهدين.\rأو الشاهد والمرأتين أصلا.\rولا دليل على ذلك بوجه من الوجوه.\rوإنما فيهما الامر باستشهاد الشاهدين أو الشاهد والمرأتين المداينة والطلاق والرحمة فقط مع ما فيهما من قوله تعالى: * (وأشهدوا إذا تبايعتم) * دون ذكر عدد إشهاد واحد يقع عليه اسم إشهاد وقوعا صحيحا في اللغة بلا شك فهو جائز بنص القرآن.\rوكمن تعلق في إيجاب الزكاة بقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * وهذا خطأ لان إيتاء حق الزكاة فيما أنبتت الارض لا يمكن يوم الحصاد، وهي أيضا مكية والزكاة مدنية.\rفصح أن من احتج بهذه الآية في أحكام الزكاة فصارف للآية عن وجهها، فمن جهل هذه النكتة واحتج بهاتين الآيتين فيما ذكرنا فهو مخطئ، لانه لم يأمره الله تعالى قط بما ذهب إليه، لكنه بجهله مأجور مرة معذور، فإن وقف على ما ذكرنا فتمادى على قوله فهو فاسق أو كافر، على ما قسمنا قبل: مخطئ عند الله تعالى بيقين لما ذكرنا قبل.\rقال أبو محمد: وهذه الفصول كلها داخلة على من تعلق بالاحاديث كما ذكرنا قبل سواء بسواء، كمن تعلق بحديث منسوخ أو مخصوص، أو مخصوص منه أو","part":8,"page":1164},{"id":1166,"text":"مزيد عليه، فهذا كما قلنا في الآيات سواء بسواء إلا أنه لا يكفر إلا برد حديث ثبت عنده، وإن كان مختلفا في الاخذ به فكما قلنا في الآيات، إن خالف في ذلك ما هو الحق عنده معتقدا لذلك فهو كافر مخطئ عند الله تعالى، وإن خالف ذلك بلسانه دون قلبه فهو فاسق.\rومما ذكرنا أيضا قول من احتج في إباحة الصلاة في المقبرة بصلاة النبي (ص) على قبر المسكينة السوداء، وهو لا يبيح الصلاة على القبر، وأما لو اتخذ بهذا لكان هذا منه قياسا، لا صرفا للخبر عن وجهه.\rوكمن احتج بقوله (ص): إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث في رد الحج عن الميت وترك للصيام عنه وترك كشف رأسه إن مات محرما.\rومنها أن يدعي المرء في عموم آية نسخا أو تخصيصا، أو تخصيصا منها أو ندبا، فإن حق له دعواه في ذلك بنص صحيح فقوله حق مقطوع على صحته عند الله عزوجل، ومن قال: إن هذه الآية أو الخبر قد نسخها الله عزوجل أو خصهما أو خصص منهما أو يلزمنا ما فيهما أو أراد بهما غير ما يفهم منهما ولم يأت على دعواه بنص صحيح - فقد قال الله ما لم يعلم.\rقال أبو محمد: وليس هؤلاء كمن تقدم ذكرنا لهم، لان من تعلق بنص لم يبلغه ناسخه ولا ما خصه ولا ما زيد به عليه - فقد أحسن ولزم ما بلغه، وليس عليه غير ذلك حتى يبلغه خلافه من نص آخر، ومن ذكرنا في هذا الفصل فلم يتعلق بشئ أصلا، بل تحكم في الدين كما اشتهى، وهذا عظيم جدا، فمن قال بهذا ممن نشاهده - ساهيا غير عارف بما اقتحم فيه من الدعوى - فهو معذور بجهله، ما لم ينبه على خطئه، فإن نبه عليه فثبت على خلاف ما بلغه عامدا فهذا غير معذور، لانه خالف الحق بعد بلوغه إليه.\rوأما من روي عنه شئ من ذلك من الصحابة أو التابعين أو ممن سلف، ممن يمكن أن يظن به أنه سمع في ذلك نصا شبه له فيه - فهؤلاء معذورون لاننا لا نظن بهم إلا أحسن الظن، وقد حضنا الله تعالى على أن نقول: * (ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) *.\rقال أبو محمد: ولا يقين عندنا أنهم تحكموا في الدين بلا شبهة دخلت عليهم،","part":8,"page":1165},{"id":1167,"text":"ولا شك أنهم لم يتبين لهم الحق في ذلك.\rوأما من نشاهده أو لم نشاهده - ممن صح عندنا بيقين حاله ومقدار عمله - فنحن على يقين أنه ليس عنده في ذلك أكثر من الدعوى، والقول على الله تعالى بما لا يعلم، فهؤلاء فساق راكبون أعظم الكبائر ونعوذ بالله من الخذلان.\rوكذلك من ادعى في حديث صحيح قد اقر بصحته مثله في اسناده نسخا أو تخصيصا أو تخصيصا منه أو ندبا فكما قلنا في مدعى ذلك في الآيات ولا فرق ومنها من تعلق بقوله لم يجد فيه مخالفا ولم يقطع بأنه اجماع فهذا ان ترك لذلك عموم نص صحيح أو خصوص نص صحيح فمعذور مأجور مرة وان اخطأ ما لم يوقف على ذلك النص فإن وقف عليه فتمادى على خلافه فهو فاسق لرده ما اقر بثباته أو كافر ان اعتقد خلاف الحق بعد بلوغه إليه بقلبه.\rومنها ان لا يتعلق في خلاف النص الثابت بإقراره الا بقول صاحب لا يعرف له منهم مخالف اما منتشر مشتهر واما غير منتشر ولا مشتهر أو تعلق في ذلك بقول اكثر العلماء وقد وجد الخلاف في ذلك من بعضهم أو تعلق في ذلك بعمل اهل المدينة وقد وجد الخلاف من غيرهم فهذا ضعيف من التعلق جدا لان الخطأ لا يؤمن على احد منت الصحابة ولا على الأكثر من العلماء ولا على عمل أهل المدينة الا أنه قد يغلب الظن على المرء حتى يتوهمه يقينا لسهوه عن صحيح النظر فهذا من النسيان والخطأ المرفوع فيه الجناح حتى إذا نبه على ذلك فإن تمادى فهو فاسق لتماديه على مخالفة أمر الله تعالى وتعلقه بما لم يأمر الله تعالى بقط بالتعلق به فهو بذلك شارع في الدين ما لم يأذن به الله أو كافر ان تعمد خلاف الحق بقلبه بعد بلوغه إليه.\rومنها: أن يتعلق بدليل الخطاب أو بالقياس، فهذا أيضا معذور مأجور\rمخطئ عند الله تعالى بيقين، إلا أنه لا يفسق، ما لم تقم عليه الحجة في بطلان هذين العلمين، فإن قام بذلك عنده البرهان - من النصوص الثابتة المتظاهرة فتمادى على القول بالقياس أو بدليل الخطاب، فهو فاسق، لانه ثابت على ما لم يأذن به الله تعالى ولا رسوله (ص) كما قدمنا.\rومنها: أن يتعلق بالرأي والاستحسان، وهذا أضعف من كل ما تقدم.","part":8,"page":1166},{"id":1168,"text":"إذ الشبهة المتعلق بها في هذين الوجهين في غاية الوهاء لانه دليل على صحتهما، بل البرهان قائم على بطلانهما، إلا أنهم قد تعلقوا في ذلك بأثرين واهيين ساقطين مصروفين أيضا عن وجههما، أحدهما الحديث المنسوب إلى معاذ، إلا أن من شبه عليه فظن أنه مصيب في ذلك فهو معذور مأجور، فإن قامت عليه الحجة بطلان الرأي والاستحسان فثبت على القول بهما فهو فاسق، لحكمه في الدين بما ليأذن به الله تعالى.\rومنها أن يتعلق بقول صاحب قد خالفه غيره من الصحابة، أو بقول عالم ممن دونه ممن قد خالفه غيره من العلماء، فهذا هو التقليد بعينه، وليس من فعل هذا مجتهدا أصلا، وهو حرام لا يحل، فمن قد رأته معذور في ذلك ولم يبلغه المنع منه ولا بلغه أن ههنا عالما آخر مخالفا لهذا الذي تعلق به فهو معذور، لانه يظن أن هذا هو الحق وأما إذا بلغه أن عالما آخر مخالفا للذي تعلق هو به فهو فاسق.\rلانه ليس بيده شبهة أصلا يتعلق بها في اتباع رجل بعينه دون غيره، بل هو ضلال مبين.\rونعوذ بالله من الخذلان.\rوأما الوجوه التي لا تقع فيها على تفسيق المخالف لنا ولا على أنه مخطئ عند الله تعالى، بل نقول نحن على الحق عند أنفسنا ومخالفنا عندنا مخطئ مأجور والله أعلم، فأدق ذلك وأغمضه أن ترد آيتان عامتان، أو حديثان صحيحان عامان،\rأو آية عامة وحديث صحيح، وفي كل واحدة من الآيتين، أو في كل واحد من الحديثين، أو في كل واحد من الآية والحديث - تخصيص لبعض ما في عموم النص الآخر منهما وذلك مثل قوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف) * مع قوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانكم) * وكقول رسول الله (ص): لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن مع قوله (ص): وقد ذكر الامام: وإذا قرأ القرآن فأنصتوا ومثل قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * مع قول رسول الله (ص): لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم فإن خصومنا يقولون: * (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) * وقد خص منه الاختين بملك اليمين قوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانكم) * وقلنا نحن إن قوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانكم)","part":8,"page":1167},{"id":1169,"text":"خص منه الاختين بملك اليمين قوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الأختين) *.\rوقال خصومنا: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن خص منه المأموم قوله عليه السلام: إذا قرأ القرآن فأنصتوا وقلنا نحن: قوله (ص): وإذا قرأ القرآن فأنصتوا خص أم القرآن منه قوله: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن.\rوقال خصومنا: قول الله تعالى: خص النساء منه قوله (ص): لا تسافر امرأة إلا مع زوج أو ذي محرم وقلنا نحن إن قوله (ص): لا تسافر امرأة إلا مع زوج أو ذي محرم خص سفر الحج قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) *.\rقال أبو محمد: فهذا وإن رجعنا استعمالنا للحديثين بدليل لازم صحيح، فإن متعلق خصومنا هنا قوي، ووجه خطأ من أخطأ ههنا خفي جدا، دقيق البتة، لا يؤمن في مثله الغلط على أهل العلم الواسع والفهم البارع والانصاف الشائع\rوليس كسائر ما قدمنا مما تقود إليه العصبية ولا يخفى وجه الخطأ فيه على من أنصف أو تورع.\rهذا ما لم يوجد فيه نص يشهد لاحد الاستعمالين، فإن وجد نص صحيح بذلك عاد الامر إلى ما قد ذكرناه في الفصول المتقدمة، ولا بد من وجوده لان الله تعالى قد ضمن لنا بيان الدين بقوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * فلا يجوز البتة أن يبقى في الدين شئ مشكل، بل هو كله مقطوع على أنه بين بيانا جليا، والحمد لله رب العالمين.\rالوجه الثاني: أن يرد حديثان صحيحان متعارضان، أو آيتان متعارضتان أو آية معارضة لحديث صحيح تعرضا مقاوما، في أحد النصين منع وفي الثاني إيجاب في ذلك الشئ بعينه، لا زيادة في أحد النصين على الآخر، ولا بيان في أيهما الناسخ من المنسوخ، كالنص الوارد أن رسول الله (ص) شرب قائما، والنص الوارد أنه (ص) نهى عن الشرب قائما، فإن من ترك الخبرين معا ورجع إلى الاصل الذي كان يجب لو لم يرد ذلك الخبران أو رجع أحد الخبرين على المعارض له بكثرة رواته أو بأنه رواه من هو أعدل ممن روى الآخر، وأحفظ وما أشبه هذا من وجوه الترجيحات التي قد أوردناها في باب الكلام في الاخبار من ديوننا هذا وبيان وجوه الصواب منها من الخطأ، فإن هذا أيضا","part":8,"page":1168},{"id":1170,"text":"مكان يخفى بيان الخطأ فيه جدا، وأما نحن فنقول بالاخذ الزائد شرعا إلا أننا نقول وبالله تعالى التوفيق: إن من مال إلى أحد هذه الوجوه في مكان ثم تركه في مثل ذلك المكان وأخذ بالوجه الاخر مقلدا أو مستحسنا فما دام لم يوقف على تناقضه وتفاسد حكمه فمعذور مأجور، حتى إذا وقف على ذلك فتمادى فهو فاسق عاص لله عزوجل لاتباعه الهوى قال الله تعالى: * (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) * وكل من قال في الدين بقول لم يأت عليه ببرهان لكن بما وقع\rفي نفسه الميل فإنه بيقين متبع لهواه.\rوالوجه الثالث: أن يتعلق بحديث ضعيف لم يتبين له ضعفه، أو بحديث مرسل أو ادعى تجريحا في راوي حديث صحيح، إما بتدليس أو نحوه أو ادعى أن الناقل أخطأ فيه، فمن اعتقد صحة ما ذكر من ذلك معذور مأجور، حتى إذا ترك في مكان آخر مثل ذلك الحديث، أو رد مرسلا آخر لارساله فقط، وأخذ بحديث آخر فيه من التعليل كالذي فيما قد رده في مكان آخر، ووقف على ذلك - فإن تمادى فهو فاسق، وإن لم تقطع على أنه مخطئ عند الله عزوجل لكن لاقدامه على الحكم في الدين بما قد شهد لسانه ببطلانه في موضع آخر، فهو متبع هواه، فهو ضال بالنص، كمن حكم شهادة فاسقين يعلم فسقهما فيما لا يدري هو صحة شهادتهما به أو رد شهادة عدلين يعلم عدالتهما بغير حرج ثبت عنده بل ولا علم منه ببطلان ما شهدا به، فهذا فاسق بإجماع الامة كلها، وإن كان في الممكن أن يكون قد صادف الحق عند الله تعالى ولكن لما أقدم على خلاف ما أمر به بغير يقين كان عاصيا لله تعالى ونعوذ بالله من الخذلان.\rفإن قال قائل: فكيف تقولون فيمن بلغه نص قرآن أو سنة صحيحة بخبر ليس من باب الامر أنه قد جاء ذلك الخبر في نص آخر باستثناء منه أو زيادة عليه ولم يبلغه النص الثاني ؟.\rفجوابنا وبالله تعالى التوفيق: إن هذا بخلاف الامر، لان الاوامر قد ترد ناسخا بعضها بعضا، فيلزمه ما بلغه حتى يبلغه ما نسخه، وليس الخبر كذلك، بل يلزمنا تصديق ما بلغنا في ذلك، لان الله تعالى لا يقول إلا الحق وكذلك","part":8,"page":1169},{"id":1171,"text":"رسوله (ص)، وعليه أن يعتقد مع ذلك أن ما كان في ذلك الخبر من تخصيص لم يبلغه أو زيادة لم تبلغه في حق، ولا نقطع بتكذيب ما ليس\rناسخا بعضها بعضا، فيلزمه ما بلغه حتى يبلغه ما نسخه، وليس الخبر كذلك، بل يلزمنا تصديق ما بلغنا في ذلك، لان الله تعالى لا يقول إلا الحق وكذلك","part":8,"page":1170},{"id":1172,"text":"رسوله (ص)، وعليه أن يعتقد مع ذلك أن ما كان في ذلك الخبر من تخصيص لم يبلغه أو زيادة لم تبلغه في حق، ولا نقطع بتكذيب ما ليس في ذلك الخبر أصلا.\rوكذلك أمر رسول الله (ص) إذ قال: لا تصدقوا أهل الكتاب إذا حدثوكم ولا تكذبوهم، تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل أو كلاما هذا معناه.\rفهذا حكم الاخبار الواردة في الوعظ وغيره.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوما كان من الاخبار لا يحتمل خلاف نصه صدق كما هو، ولزم تكذيب كل ظن خالف نص ذلك الخبر.\rوبالله تعالى التوفيق.\rوهو حسبنا ونعم الوكيل لا إله إلا هو عليه توكلت.\rقال أبو محمد: علي بن أحمد رضي الله عنه.\rقد انتهينا من الكلام في الاصول إلى ما أعاننا الله تعالى عليه، ويسرنا له على حسب ما شرطنا، في أول كلامنا في ديواننا هذا من التقصي والاستيعاب، نسأل الله عزوجل أن يجعله لوجهه، ودعاء إليه ونصرا له.\rوأن يدخلنا بما من به علينا من ذلك، في جملة من أثنى عليهم بقوله تعالى: * (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) * وبقوله تعالى: * (ولينصرن الله من ينصره) *.\rقال أبو محمد: فلنختم كلامنا بما ابتدأنا به فنقول: والحمد لله رب العالمين.\rوصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله وسلم تسليما ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","part":8,"page":1170}],"titles":[{"id":1,"title":"الجزء 1","lvl":1,"sub":0},{"id":135,"title":"الجزء 2","lvl":1,"sub":0},{"id":261,"title":"الجزء 3","lvl":1,"sub":0},{"id":394,"title":"الجزء 4","lvl":1,"sub":0},{"id":588,"title":"الجزء 5","lvl":1,"sub":0},{"id":745,"title":"الجزء 6","lvl":1,"sub":0},{"id":887,"title":"الجزء 7","lvl":1,"sub":0},{"id":1049,"title":"الجزء 8","lvl":1,"sub":0}]}