{"pages":[{"id":1,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالباب الأول\rفي بدائع بدائه الأجوبة\rفمن ذلك ما أخبرني به الشيخ الفقيه الأجل أبو محمد عبد الخالق ابن زيدان المسكي\rوكتب لي بخطه قال: أملى على الشيخ العلامة أبو محمد بن برى - رحمه الله - قال: لقي عبيد بن الأبرص امرأ القيس، فقال له عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال: ألق ما أحببت؛ فقال عبيد:\rما حبة ميتة أحيت بميتها ... درداء ما أنبتت سنا وأضراسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك الشعيرة تسقى في سنابلها ... فأخرجت بعد طول المكث أكداسا\rفقال عبيد:\rما السود والبيض والأسماء واحدة ... لا يستطيع لهن الناس تساسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك السحاب إذا الرحمن أرسلها ... روى بها من محول الأرض أيباسا\rفقال عبيد:\rما مرتجاة على هول مراكبها ... يقطعن طول المدى سيراً وإمراسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك النجوم إذا حانت مطالعها ... شبهتها في سواد الليل أقباساً\rفقال عبيد:\rما القاطعات لأرضٍ لا أنيس بها ... تأتي سراعاً وما ترجعن أنكاساً\rفقال امرؤ القيس:\rتلك الرياح إذا هبت عواصفها ... كفى بأذيالها للترب كناساً\rفقال عبيد:\rما الفاجعات جهاراً في علانيةٍ ... أشد من فيلقٍ مملوءة باساً\rفقال امرؤ القيس:\rتلك المنايا فما يبقين من أحدٍ ... يكفتن حمقى وما يبقين أكياساً\rفقال عبيد:\rما السابقات سراع الطير في مهلٍ ... لا تستكين ولو ألجمتها فاساً\rفقال امرؤ القيس:\rتلك الجياد عليها القوم قد سبحوا ... كانوا لهن غداة الروع أحلاساً\rفقال عبيد:\rما القاطعات لأرض الجو في طلقٍ ... قبل الصباح وما يسرين قرطاساً\rفقال امرؤ القيس:\rتلك الأماني تتركن الفتى ملكاً ... دون السماء ولم ترفع به راساً\rفقال عبيد:\rما الحاكمون بلا سمعٍ ولا بصرٍ ... ولا لسانٍ فصيح يعجب الناسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك الموازين والرحمن أنزلها ... رب البرية بين الناس مقياساً\rومثل هذا وإن تفاوت ما بين الأعصار ولم يكن من باب الألغاز\rما ذكر أن الشريف أبا جعفر مسعود بن الحسن العباسي - وهو من ولد العباس - بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ويعرف بالبياضى - كان يتعشق قينةً ببغداد اسمها بدور، وتعرف بجارية بنت الملك، وفيها يقول:\rشكا القلب ظلمته في الحشى ... إلي فأسكنت فيه بدورا\rوكانت تنزل ببغداد في القطيعة، فاجتمع يوماً هو وأبو تراب هبة الله بن السريجي - وكان شاعراً - فقال بديهاً يخاطب الشريف:\rأسلوت حب بدور أم تتجلد ... وسهرت ليلك أم جفونك ترقد؟\rفقال الشريف بديهاً:\rلا، بل هم ألفوا القطيعة مثلما ... ألفوا نزولهم بها فتبعدوا\rفقال أبو تراب:\rفإلام تصبر والفؤاد متيم ... ولظى اشتياقك في الحشى يتوقد!\rفقال الشريف:\rما دام لي جلد فلست بجازعٍ ... إذ كان صبري في العواقب يحمد\rفقال أبو تراب:\rأحسنت، كتمان الهوى مستحسن ... لو كان ماء العين مما يجمد\rفقال الشريف:\rإن كان جفني فاضحي بدموعه ... أظهرت للجلساء أني أرمد\rفقال أبو تراب:\rفهب الدموع إذا جرت موهتها ... فيقال: لم أنفاسه تتصعد؟\rفقال الشريف:\rأمشي وأسرع كي يظنوا أنها ... من ذلك المشي السريع تولد\rفقال أبو تراب:\rهذا يجوز ومثله مستعمل ... لكن وجهك بالمحبة يشهد\rفقال الشريف:\rإن كان وجهي شاهداً بهوىً فما ... يدرى إلى من بالمحبة أقصد\rفقال أبو تراب:\rقد رجم الناس الظنون وأجمعوا ... أن التي ذكرت إليها المقصد\rفقال الشريف:\rلو يجمعون كما زعمت لما رووا ... لي في سواها ما نظمت وأنشدوا\rفقال أبو تراب:\rقد كان حبك غيرها متحققاً ... والأمر يحدث الهوى يتجدد\rفقال الشريف:\rحقت حبي غيرها وجعلتها ... مظنونةً، ذا كله لى جيد","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"فقال أبو التراب:\rلو لم تقل ألفوا القطيعة جاز أن ... تنفى به بدر التمام وتجحد\rفقال الشريف:\rما قلت لى جلد نفيت به الهوى ... عنى ولكن قلت: في تجلد\rفقال أبو التراب:\rفإلى متى هذا وطرف رقيبها ... مغضٍ وطيف خيالها متردد\rفقال الشريف:\rأنا دائباً أبغي الوصال فإن أبت ... منه على عاداتها فسأجهد\rفقال أبو التراب:\rاخضع وذل لمن تحب فليس في ... حكم الهوى أنف يشال ويعقد\rفقال الشريف:\rذا لا يكون مع الحبيب وإنما ... مع ساقطٍ متحيلٍ يتعمد\rأنبأني الشيخان\rالأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي والشيخ جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري المعروف بابن الحرستاني قاضي دمشق الآن - أيدهما الله تعالى - إجازة، قالا: أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عساكر الدمشقي قراءة عليه - ونحن نسمع - قال: أخبرنا أبو السعادات أحمد بن أحمد بن عبد الواحد المتوكلي، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو عبد الله بن أبي الفتح الفارسي، حدثنا محمد بن حميد الخراز، أخبرنا الصولي، حدثني أبو الفضل بل مخلد بن أبان، حدثنا إسحاق الموصلي، قال: حدثنا الأصمعي قال: أول ما تكلم به النابغة - يعني الذبياني - من الشعر، أنه حضر مع عمه عند رجل، وكان عمه يحب أن يحاضر به الناس، ويخاف أن يكون عيياً، فوضع الرجل كأساً في يده، وقال:\rتطيب نفوسنا لولا قذاها ... ونحتمل الجليس على أذاها\rفقال النابغة:\rقذاها أن صاحبها بخيل ... يحاسب نفسه بكم اشتراها\rومن ذلك ما روى\rأن جريراً دخل على الوليد بن عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي - ولم يكن جرير رآه من قبل ذلك - فقال الوليد: أتعرف هذا يا جرير؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين، فقال: هو ابن الرقاع، فقال جرير: شر الثياب الرقاع، فمن هو؟ قال: هو رجل من عاملة، فقال جرير: هو من الذين قال الله فيهم: \" عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية \" . قال: ويلك يا ملعون! فأنشأ جرير يقول:\rيقصر باع العاملي عن الندى ... ولكن أير العاملي طويل\rفابتدر عدي فقال:\rأأمك يا ذا أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول!\rفقال جرير: امرؤ لم أدر كيف أقول. فوثب عدي فأكب على رجل الوليد يقبلها ويقول: أجرني منه يا أمير المؤمنين. فالتفت الوليد إلى جرير وقال: وتربة عبد الملك لئن هجوته لألجمنك ولأسرحن عليك ولأطيفنك بدمشق. فيعيرك الشعراء بذلك، فخرج جرير فصنع قصيدته التي أولها:\rحي الهدملة من ذات المواعيس ... فالحنو أصبح قفراً غير مأنوس\rافتخر فيها بنزار وعدد أيامهم، وهجا قحطان، وعرض بعدي ولم يسمه، فقال:\rأقصر فإن نزاراً لا يفاخرهم ... فرع لئيم وأصل غير مغروس\rوابن اللبون إذا مالز في قرنٍ ... لم يستطع صولة البزل القناعيس\rومن ذلك ما رواه عوانة بن الحكم ويحيى بن عنبسة القرشي\rقالا: اجتمع جرير والفرزدق عند بشر بن مروان، فقال لهما: إنكما قد تقارضتما الأشعار، وتطالبتما الآثار، وتقاولتما الفخار، وتهاجيتما؛ فأما الهجاء فلا حاجة لي فيه، ولكن جددا بين يدي فخراً، ودعا ما مضى، فقال الفرزدق:\rنحن السنام والمناسم غيرنا ... ومن ذا يسوى بالسنام المناسما!\rفقال جرير:\rعلى مقعد الأستاه أنتم زعمتم ... وكل سنام تابع للغلاصم\rفقال الفرزدق:\rعلى محرثٍ للفرث أنتم زعمتم ... ألا إن فوق الغلصمات الجماجما\rفقال جرير:\rوأنبأتمونا أنكم هام قومكم ... ولا هام إلا تابع للخراطم\rفقال الفرزدق:\rفنحن الزمام القائد المقتدى به ... من الناس، ما زلنا فلسنا لهازما\rفقال جرير:\rفنحن بنو زيد قطعنا زمامها ... فتاهت كسارٍ طائش الرأس عارم\rفقال بشر: يا جرير غلبته بقطعك الزمام وذهابك بالناقة. ثم أحسن جائزتهما، وفضل جريراً.\rومن ذلك ما ذكره ابن سلام في طبقات الشعراء","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"قال: اجتمع جرير والفرزدق والأخطل في مجلس عبد الملك، فأحضر بين يديه كيساً فيه خمسمائة دينار، وقال لهم: ليقل كل منكم بيتاً في مدح نفسه، فأيكم غلب فله الكيس، فبدر الفرزدق فقال:\rأنا القطران والشعراء جربى ... وفي القطران للجربى شفاء\rفقال الأخطل:\rفإن تك زق زاملةٍ فإني ... أنا الطاعون ليس له دواء\rفقال جرير:\rأنا الموت الذي آتى عليكم ... فليس لهاربٍ مني نجاء\rفقال عبد الملك: خذ الكيس، فلعمري إن الموت أتى على كل شئ.\rومن ذلك ما روى\rأن جريراً اجتمع مع الفرزدق في مجلس عبد الملك، فقال الفرزدق: النوار بنت مجاشع طالق ثلاثاً إن لم أقل بيتاً لا يستطيع ابن المراغة أن ينقضه أبداً، ولا يجد في الزيادة عليه مذهباً، فقال عبد الملك: ما هو؟ فقال:\rفإني أنا الموت الذي هو واقع ... بنفسك فنظر كيف أنت مزاوله\rوما أحد يا بن الأتان بوائلٍ ... من الموت إن الموت لاشك نائله\rفأطرق جرير قليلاً ثم قال: أم حرزة طالق منه ثلاثاً إن لم أكن نقضته وزدت عليه. فقال عبد الملك: هات فقد - والله - طلق أحد كما لا محالة، فأنشد:\rأنا البدر يعشى نور عينيك فالتمس ... بكفيك يا بن القين هل أنت نائله\rأنا الدهر يفني الموت والدهر خالد ... فجئني بمثل الدهر شيئاً يطاوله\rفقال عبد الملك: فضلك - والله - يا أبا فراس، وطلق عليك. فقال الفرزدق: فما ترى يا أمير المؤمنين؟ فقال: وأيم الله لا تريم حتى تكتب إلى النوار بطلاقها. فتأنى ساعة، فزجره عبد الملك، فكتب بطلاقها وقال في ذلك:\rندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقةً نوار\rوكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار\rولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان لها على القدر الخيار\rوقد أفضى الحال إلى ذكر خبر الكسعي الذي تمثل به الفرزدق في الندامة\rإذ الحديث شجون، واللسان غير مسجون، وهو أنه خرج يرعى إبلاً له في واد فيه حمض وشوحط، فرأى قضيب شوحطٍ نابتاً في صخرة صماء ملساء، فقال: نعم منبت العود، في قرار الجلمود. ثم أخذ سقاءه فصب ما كان فيه من ماء في أصله، فشربه لشدة ظمئه، وجعل يتعاهده بالماء سنة حتى سبط العود وبسق واعتدل فقطعه، وجعل يقومه، ويقوم أوده حتى صلح، فبراه قوساً وهو يرتجز، ويقول:\rأدعوك فاسمع يا إلهي جرسي يارب سددني لنحت قوسي\rوانفع بقوسي ولدي وعرسي ... فإنها من لذتي لنفسي\rأنحتها صفراء لون الورس ... صلداء ليست كقسى النكس\rثم يرى بقيته خمسة أسهم وهو يرتجز، ويقول:\rهن لعمري خمسة حسان ... يلذ للرامي بها البنان\rكأنما قومها ميزان ... فأبشروا بالخصب يا صبيان\rإن لم يعقني الشؤم والحرمان ... أو يرمني بكيده الشيطان\rثم أخذ قوسه وأسهمه، وخرج إلى مكمن كان مورداً لحمرٍ في الوادي، فوارى شخصه حتى إذا وردت رمى عيراً منها بسهم، فمرق منه بعد أن أنقذه، وضرب صخرة فقدح منها ناراً، فظن أنه قد اخطأ، فقال:\rأعوذ بالله العزيز الرحمن ... من نكد الجد معاً والحرمان\rمالي رأيت السهم فوق الصفوان ... يرمي شراراً مثل لون العقيان\rفأخلف اليوم رجاء الصبيان\rثم وردت حمر أخرى فرمى عيراً فصنع سهمه كالأول وظنه أخطأ، فقال:\rأعوذ بالرحمن من شر القدر ... أأخطأ السهم لإرهاف الوتر\rأم ذاك من سوء احتيال ونظر ... وإنني عهدي لرام ذو ظفر\rمطعم بالصيد في طول الدهر\rثم وردت حمر أخرى، فرمى عيراً منها بسهم ففعل سهمه كالأول، وظنه أخطأ فقال:\rيا حسرتا للشؤم والجد النكد ... قد شفني القوت لأهلي والولد\rوالله ما خلقت في ذاك العمد ... لصعبتي من سبدٍ ولا لبد\rأذهب بالحرمان مع طول الأمد\rثم وردت أخرى حمر أخرى، فصنع كالأول، فقال:\rما بال سهى يوقد الحباحبا ... وكنت أرجو أن يكون صائبا\rإذ أمكن العير وأبدى جانباً ... وصار ظني فيه ظناً كاذبا","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"وخفت أن أرجع يومي خائبا ... إذ أفلتت أربعة ذواهبا\rثم وردت أخرى، فصنع كالأول، فقال:\rأبعد خمسٍ قد حفظت عدها ... أحمل قوسي وأريد ردها!\rأخزى الإله لينها وشدها ... والله لا تسلم عندي بعدها\rولا أرجى ما حييت رفدها ... قد أعذرت نفسي وأبلت جهدها\rثم خرج من مكمنه، فاعترضته صخرة، فضرب بالقوس عليها حتى كسرها، ثم قال: أبيت ليلتي، ثم آتي أهلي. فبات، فلما أصبح رأى خمسة حمرٍ مصرعة، ورأى أسهمه مضرجة بالدم، فندم على ما صنع، وعض على أنامله حتى قطعها وقال:\rندمت ندامةً لو أن نفسي ... تطاوعني إذاً لقتلت نفسي\rتبين لي سفاة الرأي مني ... لعمر الله حين كسرت قوسي\rوقد كانت بمنزلة المفدى ... لدي وعند صبياني وعرسي\rفلم أملك غداة رأيت حولي ... حمير الوحش أن ضرجت خمسي\rوقد روى في طلاق الفرزدق غير هذا، وليس هذا موضع ذكره.\rوروى الحاتمي في كتاب حلية المحاضرة وغيره\rقال: خرج جرير والفرزدق من العراق طالبي الرصافة لهشام بن عبد الملك وقد مدحاه، فلما كانا ببعض الطريق نزل جرير ليبول، فتلفتت ناقة الفرزدق، فضربها بالسوط وقال:\rعلام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي!\rمتى تردي الرصافة تستريحي ... من الأنساع والدبر الدوامي\rثم قال لرواتهما: الساعة يجئ ابن المراغة فأنشده البيتين، فينقضهما بأن يقول:\rتلفت إنها تحت ابن قينٍ ... إلى الكيرين والفأس الكهام\rمتى ترد الرصافة تخز فيها ... كخزيك في المواسم كل عام\rفرجع جرير، فوجد القوم يضحكون، فقال: ما الخبر؟ فقال أحد الرواة: يا أبا حرزة، إن أخاك أبا فراس وقع له كيت وكيت وأنشده البيتين الأولين، فارتجل البيتين الآخرين، فعجب القوم من ذلك الاتفاق، وقالوا: والله يا أبا حرزة، لهكذا زعم أنك تقول، فقال: أو ما علمتم أن شيطاننا واحد!\rوروى أن معن بن أوس المزني\rكان قد قدم البصرة وجلس بالمربد ينشد الناس، فوقف عليه الفرزدق وقال: يا معن؛ من الذي يقول:\rلعمرك ما مزينة رهط معنٍ ... بأخفاف يطأن ولا سنام\rفقال معن: هو الذي يقول:\rلعمرك ما تميم أهل فلجٍ ... بأرداف الملوك ولا كرام\rفقال الفرزدق: حسبك، فإنما جربتك، فقال: قد جربت وأنت أعلم. فانصرف عنه الفرزدق.\rوروى مثل هذا\rأن خلف بن خليفة الشاعر كان قد سرق، فقطعت يده، فصنع كفاً وأصابع من جلود، واتفق أن مر بالفرزدق في بعض الأيام، فأراد العبث به، فقال: يا أبا فراس، من القائل:\rهو القين وابن القين لاقين مثله ... لفطح المساحي أو لجدل الاداهم\rفقال الفرزدق: هو الذي يقول:\rهو اللص وابن اللص لا لص مثله ... لنقب جدارٍ أو لطر دراهم\rفانصرف مخزياً.\rوروى لنا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه\rأنه قال: كنت في مجلس عبد الملك والأخطل ينشده، إذ دخل الجحاف بن حكيم السلمي، فقطع الأخطل إنشاده، والتفت إليه وقال:\rألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليمٍ وعامر!\rقال: فنفض الجحاف يده في وجهه وقال:\rنعم سوف ننكيهم بكل مهندٍ ... وننكى عميراً بالرماح الشواجر\rوكان ذلك عقب مقتل عمير بن الحباب، م قال: لقد ظننت - يا بن النصرانية - أنك لا تجسر علي بهذا القول، ولو وجدتني أسيراً في يدك. فما برح الأخطل حتى حم، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه. فقال: هبك أجرتني منه يقظة، فمن يجيرني منه مناماً! فضحك عبد الملك.\rقال علي بن ظافر: وجرى هذا القول يوم البشر على تغلب.\rومن ذلك ما رواه أبو عبيدة وابن عائشة\rمن سؤال عبد الملك ابن مروان عمر بن أبي ربيعة المخزومي عن مناقضته للفضل بن العباس اللهبى وغلبة الفضل عليه، فقال عمر: نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا جالس في المسجد الحرام في جماعة من قريش إذ دخل علينا الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب، فوافقني وأنا أتمثل بهذا البيت:\rوأصبح بطن مكة مقشعراً ... كأن الأرض ليس بها هشام","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"فأقبل علي، وقال: يا أخا بني مخزوم، إن بلدة نتج بها عبد المطلب، وبعث منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقر بها بيت الله عز وجل لحقيقة بألا تقشعر لهشام، وإن أشعر من هذا البيت وأصدق قول الذي يقول:\rإنما عبد منافٍ جوهر ... زين الجوهر عبد المطلب\rفأقبلت عليه وقلت: يا أخا بني هاشم، وإن أشعر من صاحبك الذي يقول:\rإن الدليل على الخيرات أجمعها ... أبناء مخزوم للخيرات مخزوم\rفقال: أشعر والله من صاحبك الذي يقول:\rجبريا أهدى لنا الخيرات أجمعها ... إذ أم هاشم لا أبناء مخزوم\rفقلت في نفسي: غلبني والله، ثم حملني الطمع في انقطاعه على مخاطبتي، فقلت: بل أشعر منه الذي يقول:\rأبناء مخزومٍ الحريق إذا ... حركت نيرانه ترى ضرما\rيخرج منه الشرار مع لهبٍ ... من حاد عن حره فقد سلما\rفوالله ما تلعثم إلى أن أقبل بوجهه وقال: أشعر من صاحبك يا أخا بني مخزوم الذي يقول:\rهاشم بحر إذا همى وطمى ... أخمد حر الحريق واضطرما\rواعلم وخير المقال أصدقه ... بأن من رام هاشماً هشما\rفقال: يا أمير المؤمنين! فتمنيت والله أن الأرض ساخت بي، ثم تجلدت وقلت: يا أخا بني هاشم، أشعر من صاحبك الذي يقول:\rأبناء مخزوم أنجم طلعت ... للناس تجلو بنورها الظلما\rتجود بالنيل قبل تسأله ... جوداً هنيئاً وتضرب البهما\rفأقبل على أسرع من البرق، وقال: أشعر من صاحبك وأصدق الذي يقول:\rهاشم شمس بالسعد مطلعها ... إذا بدت أخفت النجوم معاً\rاختار منها ربي النبي فمن ... قارعنا بعد أحمدٍ قرعا\rفاسودت الدنيا في عيني، وأدبر بي، وانقطعت فلم أحر جواباً، فقلت: يا أخا بني هاشم، إن كنت تفخر علينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما تسعنا مفاخرتك، فقال: كيف لا أم لك! والله لو كان منك لفخرت به علي، فقلت: صدقت وأستغفر الله، والله إنه لموضع الفخار صلى الله عليه وسلم. وداخلني السرور لقطعة الكلام، ولئلا ينالني عجز عن إجابته فأفتضح، ثم إنه ابتدأ المناقضة فأفكر هنيهة، ثم قال: قد قلت فلم أجد بداً من الاستماع فقلت: هات، فقال:\rنحن الذين إذا سما لفخارهم ... ذو الفخر أقعده الزمان القعدد\rفافخر بنا إن كنت يوماً فاخراً ... تلق الألى فخروا بفخرك أفردوا\rقل يا بن مخزومٍ لكل مفاخرٍ ... منا المبارك ذو الرسالة أحمد\rماذا يقول ذوو الفخار هنا لكم ... هيهات ذلك، هل ينال الفرقد!\rفحصرت وتبلدت، وقلت: لك عندي جواب فأنظرني، وأفكرت ملياً، ثم أنشأت أقول:\rلا فخر إلا قد علاه محمد ... فإذا فخرت به فإني أشهد\rأن قد فخرت وفقت كل مفاخرٍ ... وإليك في الشرف الرفيع المعمد\rولنا دعائم قد بناها أول ... في المكرمات جرى عليها المولد\rمن رامها حاشا النبي وأهله ... بالفخر غطمطه الخليج المزبد\rدع ذا ورح لغناء خودٍ بضةٍ ... مما نطقت به وغنى معبد\rمع فتيةٍ تندى بطون أكفهم ... جوداً إذا علج الحرون الأنكد\rيتناولون سلافةً عانيةً ... لذت لشاربها وطاب المقعد\rفوالله يا أمير المؤمنين لقد أجابني بجوابٍ كان أشد على من الشعر، فقال: يا أخا بني مخزوم، أريك السها وتريني القمر! قال أبو عبد الله اليزيدي: يريد: أدلك على الأمر الغامض وأنت لم تبلغ أن ترى الأمر الواضح! وهو مثل ثم قال: تخرج من الفاخرة إلى شرب الخمر المحرمة. فقلت له: أما علمت - أصلحك الله - أن الله تعالى يقول في الشعراء: \" وأنهم يقولون مالا يفعلون \" ؟ فقال: قد صدقت، وقد استثنى الله - عز وجل قوماً منهم فقال: \" إلا الذين آمنوا وعملوا","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"الصالحات وذكروا الله كثيراً \" ، فإن كنت منهم فقد دخلت في الاستثناء واستحققت العقوبة بدعائك إليها، وإن لم تكن منهم فالشرك بالله - عز وجل - عليك أعظم من شرب الخمر. فقلت: أصلحك الله! لا أرى للمستجدي شيئاً أعظم من السكوت، فضحك وقال: أستغفر الله، ثم قام عني. فضحك عبد الملك حتى كاد يموت، ثم قال: يا بن أبي ربيعة، أما علمت أن لبني عبد مناف ألسنة لا تطاق! ثم قضى حوائج عمر وصرفه.\rقال علي بن ظافر: وأحسب الحكاية مصنوعة؛ لأن أشعارها ضعيفة.\rوروى ورقاء العامري\rأن الحجاج قال لليلى الأخيلية لما وفدت عليه: إن شبابك قد هرم فولى، واضمحل أمرك وأمر توبة بن الحمير فأقسم عليك إلا ما صدقتني، هل كان بينكما ريبة قط، أو خاطبك في ذلك قط؟ فقالت: لا والله أيها الأمير، إلا أنه قال لي مرة كلمة فيها بعض الخضوع فقلت له:\rوذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل\rلنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل\rفلا والله ما سمعت بعدها منه نغمة فيها ريبة حتى فرق الموت بيننا. فقال لها الحجاج. فما كان منه بعد ذلك؟ فقالت: وجه صاحباً له إلى حاضرنا فقال: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل، فاعل شرفاً، ثم اهتف بهذا البيت:\rعفا الله عنها هل أبيتن ليلةً ... من الدهر لا يسري إلي خيالها!\rفلما فعل الرجل ذلك، عرفت المعنى فقلت له:\rوعنه عفا ربي وأحسن حفظه ... عزيز علينا حاجة لا ينالها\rومن ذلك ما روى أبو صالح الفزارى\rقال: أقبل شقران مولى سلامان من البصرة بتمر قد امتاره، فلقيه ابن ميادة الرماح بن أبرد فقال ما هذا الذي معك؟ قال: تمر امترته لأهلي يقال له زب رباح، فقال ابن ميادة:\rكأنك لم تقفل لأهلك مرةً ... إذا أنت لم تقفل بزب رباح\rفقال شقران:\rفإن كان هذا زبه فانطلق به ... إلى نسوةٍ سود الوجوه قباح\rفغضب ابن ميادة، وانحنى عليه بالسوط يضربه، ثم انصرف معضبا.\rوكان المغيرة بن حبناء يهاجي زياداً الأعجم العبقسيوكان بالمغيرة وضح\rفقال فيه زياد يصف بياضه:\rعجبت لأبيض الخصيين عبدٍ ... كأن عجانه الشعري العبور\rفقيل له: يا أبا أمامة! لقد شرفته، ورفعت من قدره، إذ تقول كأن عجانه الشعرى، فقال: أو هكذا ظنكم! لأزيدنه شرفاً ورفعة، ثم صنع فيه من قطعة، فقال:\rلاتبصر الدهر منهم حارثاً أبداً ... إلا وجدت على باب استه قمرا\rواتفق أنهما اجتمعا يوماً بمجلس المهلب\rفجرى بينهما مهاترة، فقال المغيرة لزياد:\rأقول له وأنكر بعض ما بيألم تعرف رقاب بني تميم؟\rفقال زياد:\rبلى لعرفتهن مقصراتٍ ... جباه مذلةٍ وسبال لوم\rفانقطع المغيرة.\rومن ذلك ما ذكره المدائني\rقال: كان أرطاة بن سهية المرئى يهاجي الربيع بن قعنب، فاجتمعا يوماً للمهاترة والمناقضة، فقال أرطاة للربيع:\rلقد رأيتك عرياناً ومؤتزراً ... فما دربت أأنثى أنت أم ذكر!\rفقال الربيع:\rلكن سهية تدري إذ أتيتكم ... على عريجاء لما انحلت الأزر\rفانقطع ابن سهية.\rويروى إن صح وجود مجنون بني عامر\rأنه لما تزوجت ليلى عظم ذلك عليه، واشتد همه وحزنه، وأراد ابن عمٍ له سفراً، وكان طريقه على منزل ليلى، فأتاه المجنون، وقال له: إذا مررت على منزل ليلى فارفع صوتك بهذا البيت قائلاً:\rأما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكريك ما نهنهت للعين مدمعا\rفلما بلغ منزلها صنع ما سأله إياه، فخرجت ليلى إليه وقالت:\rبلى وجلال الله ذكراً لو أنه ... تضمنه صلد الصفا لتصدعا\rقال علي بن ظافرٍ: والصحيح أن هذين البيتين من قصيدة للصمة القشيري؛ ولكن نقلت هذه الحكاية من كتاب الأجوبة للقمى\rروى الحسن بن صاعد السكوني\rقال: حدثني حولان الأسدي قال: نزلنا على ماء يعرف بماء السيال، ونزل بجانب الماء حي آخر، فعلق رجل منا بامرأة من ذلك الحي، فلما أزمعنا الرحيل أخذ الرجل غلاماً منا فرواه هذا البيت وهو:\rوما بين ذا الحيين أن يتفرقا ... من الدهر إلا ليلة وضحاها","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"حتى حفظه، وقال له: قم بإزاء ذلك البيت الذي فيه الجارية وردد هذا البيت، واحفظ ما يرد عليك، ففعل الغلام، وكانت الجارية جالسة وفي حجرها رأس أخ لها كبير تفليه، وأخ لها صغير يصلح شيئاً، فقالت:\rلقد كان في عيشٍ رخى لو أنه ... حوى حاجةً في نفسه فقضاها\rفقال أخوها الصغير:\rأما سمع المفلى لا در دره ... رسالة صبٍ بالسلام نحاها\rفقال الكبير:\rلحى الله من يلحى المحب على الهوى ... ومن يمنع النفس اللجوج هواها\rثم دعا الرجل فزوجه إياها.\rوحدث المدائني\rقال: كان بين يحيى بن زياد الحارثي وحماد الراوية ومعلى بن هبيرة، ما يكون مثله بين الشعراء والرواة من المنافسة، وكان معلى يحب أن يطرح حماداً في لسان بعض الشعراء، قال حماد: فقال لي يوماً يحضره يحيى بن زياد: أتقول لأبي عطاء السندي: قل: زج وجرادة ومسجد بني شيطان؟ قال علي بن ظافر: وكان أبو عطاء يرتضخ لكنةً سندية يجعل فيها الجحيم زاياً، والشين سيناً، والطاء والضاد ذالاً، والعين همزة، والحاء هاء - قال: قال حماد: فقلت: ما تجعل لي على ذلك؟ قال: بغلتي بسرجها ولجامها. قلت: وعدلها على يدي يحيى بن زياد. ففعل، وأخذت عليه بالوفاء موثقاً، وجاء أبو عطاء فجلس لينا وقال: مرهباً مرهباً؛ هياكم الله! فرحبنا به، وعرضنا عليه العشاء فأبى، وقال: هل من نبيذ؟ فأحضرناه، فشرب حتى احمرت عيناه، فقلت له: يا أبا عطاء، طرح علينا رجل أبياتاً فيها لغز، ولست أقدر على إجابته، ففرج عني، فقال: هات، فقلت:\rأبن لي إن سئلت أبا عطاءٍ ... يقيناً كيف علمك بالمعاني\rفقال مسرعاً:\rخبير آلم فاسأل تزدني ... بها دبا وآيات المثاني\rفقلت:\rفما اسم حديدةٍ في رأس رمح ... دوين الكعب ليست بالسنان؟ٍ\rفقال:\rهو الزز الذي إن بات ضيفاً ... لقلبك لم يزل لك أو لتان\rفقلت:فرج الله عنك، تعني الزج\rفما صفراء تدعى أم عوفٍ ... كأن رجيلتيها منجلان؟\rفقال:\rأردت زرادةً وأزن زناً ... بأنك ما قصدت سوى لساني\rفقلت:فرج الله عنك، وأطال بقاءك؛ تريد جرادة وأظن ظناً ثم قلت:\rأتعرف مسجداً لبني تميمٍ ... فويق الميل دون بني أبان؟\rفقال:\rبنو سيطان دون بني أبانٍ ... كقرب أبيك من أبد المدان\rقال حماد: ورأيت عينيه قد احمرتا وعرفت الغضب في وجهه، فتخوفته فقلت: يا أبا عطاء، هذا مقام المستجير بك، ولك النصف مما أخذت، قال: فاصدقني، فأخبرته الخبر، فقال: أولى لك! قد سلمت وسلم لك جعلك، وانقلب يهجو معلى بن هبيرة، فأفحش.\rوروى العسكري هذه الحكاية على غير هذا السياق، فذكر أن حماد الراوية وحماد عجرد وحماد بن الزبرقان وبكر بن مصعب الزهري اجتمعوا فقالوا: لو بعثنا إلى أبي عطاء السندي - ولم يذكر السبب الذي من أجله اقترح حماد على ابي عطاء ما اقترح - وذكر البيت الثاني:\rتزدني والقرآن بها عليمًابصيراً بالمقاطع والمباني\rوذكر البيت الثالث:\rفما اسم حديدةٍ في رأس رمحٍ ... دوين الصدر ليست بالسنان\rوذكر البيت الثامن:\rوذلك مسزداً أنساه قدماً ... بنو سيطان مأروف المكان\rمدح بشار بن برد يعقوب بن داود وزير المهدي فلم يعبأ به وحرمه فوفد عليه وطال مقامه ببابه وهو لا يأذن فأحس به في بعض الأيام\rفرفع بشار صوته فأنشد:\rطال الوقوف على رسوم المنزل\rفأجابه يعقوب مسرعاً:\rفإذا تشاء أبا معاذٍ فارحل\rفرحل بشار، فهجاه بقوله فيه وفي المهدي:\rبني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود\rضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود\rوهجا أخاه صالح بن داود\rوكان قد ولى ولاية، فسقط به المنبر، فقال فيه من قطعة:\rهم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك، فضجت من أخيك المنابر\rفلما اشتهر هجاؤه دخل يعقوب على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا المشرك هجاك بما لا أستطيع أن أذكره؛ فلم يزل المهدي به حتى كتب له قوله:\rخليفة يزنى بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"أبدلنا الله غيره ... ودس موسى في حر الخيزران\rفجر ذلك إلى قتل بشار بن برد.\rوذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب القيان والمغنين\rقال: كانت بالكوفة جارية مغنية يقال لها سعاد جارية السكوني، وكان مولاها من الظرفاء وفتيان طبقته، مروءة وحسن وعشرة ومساعدة، فحضرت سعاد في مجلسٍ فيه مطيع بن إياس وحماد عجرد، فقال مطيع:\rقبليني سعاد بالله قبلهواسأليني بها فديتك نحله\rفورب السماء لو قلت صل ... لوجهي جعلت وجهك قبله\rفقالت الجارية لحماد: اكفينه: ياعم، فقال يجيبه بديهاً:\rإن خلاً لها سواك وفيًا ... لا غدوراً بها ولا فيه مله\rلايباع التقبيل بيعاً ولا ير ... شى ولا يجعل التعاشق عله\rفقال له مطيع: هذا هجاء؛ وما أرادت الجارية هذا كله، ولقد اشتفيت مني على لسان غيرك؛ فقال الجارية - وكانت ظريفة بارعة: صدق؛ ما أردنا أن نسبه؛ فقال حماد:\rأنا والله أشتهي مثلها من ... ك ببذل والبذل في ذاك حله\rفأجيبي وأنعمي وخذي البذ ... ل وأطفي لعاشقٍ منك غله\rقال: فرضي مطيع وخجلت الجارية. وقالت: أنا عائذة بكما من شركما فاكفيانيه، وخذا فيما جئتما له.\rحدث المدائني\rقال: كان عثمان بن شيبة مبخلاً، وكان حماد عجرد يهجوه، فجاء رجل كان يقول الشعر إلى حماد فقال له:\rأعني من غناك ببيت شعرٍ ... على فقري لعثمان بن شيبه\rفقال حماد مسرعاً:\rفإنك إن رضيت به خليلا ... ملأت يديك من فقرٍ وخيبه\rفقال الرجل: جزاك الله خيراً؛ فقد عرفتني من أخلاقه ما قطعني عنه، وصنت ماء وجهي عن بذله.\rوروى إسماعيل بن يحيى اليزيدي عن أبيه\rقال: كنت جالساً أكتب كتاباً، فنظر فيه سلم الخاسر، فقال:\rأير يحيى أخط من كف يحيى ... إن يحيى بأيره لخطوط\rقال: فقلت مسرعاً:\rأم سلمٍ أدرى بذلك منه ... إنها تحت أيره لضروط\rولها تحته إذا ما علاها ... أزمل من وداقها وأطيط\rليت شعري ما بال سلم بن عمرٍو ... كاسف البال حين يذكر لوط!\rلايصلي عليه حين نصلي ... بل له عند ذكره تثبيط\rوذكر أبو مروان صاحب كتاب المقتبس في أبناء أهل الأندلس\rأن أبا المخشي عاصم بن زيد بن يحيى بن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدي بن زيد بن حماد العبادي، شاعر الأندلس في زمانه، كان خبيث اللسان، كثير الهجاء، وهو الذي قطع هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ابن مروان لسانه؛ لأنه عرض به في قصيدة مدح بها أخاه أبا أيوب المعروف بالشامي، وكان بين الأخوين تباعد مفرط، والبيت الذي عرض فيه قوله:\rوليس كمن إذا ماسيل عرفاً ... يقلب مقلةً فيها اعورار\rوكان هشام في إحدى عينيه نكتة بياض كجد أبيه هشام بن عبد الملك. ثم اتفق لأبي المخشي أن مدح هشاماً ووفد عليه على ماردة، وهو يومئذٍ يتولى حربها لأبيه، فلما مثل بين يديه قال له: يا عاصم، إن النساء اللاتي هجوتهن لمعاداة أولادهن وهتكت أستارهن، قد دعون عليك، فاستجاب الله لهن، فبعث عليك مني من يدرك منك ثأرهن وينتقم لهن. ثم أمر به فقطع لسانه، ثم نبت بعد ذلك وتكلم به. وكان أبو المخشي هذا يسكن بوادي شوس، وكان بين وبين ابن هبيرة مهاجاة شديدة، فاجتمعا يوماً للمناقضة فيه، فقال له ابن هبيرة وعيره بأن نسبه إلى النصرانية لأجل أن آباءه كانوا نصارى بقوله:\rأقلفتك التي قطعت بشوشٍ ... دعتك إلى هجائي وانتقالي!\rالانتقال: الشم، فقال أبو المخشي مسرعاً:\rسألت وعند أمك من ختاني ... جواب كان يغني عن سؤالي\rفقطعه.\rوعلى ذكر أبي المخشي وقطع لسانه، كان مالك رضوان الله عليه يفتي فيمن قطع لسان رجل عمداً بقطع لسانه من غير انتظار - ثم رجع لما انتهت إليه قصة أبي المخشي، وأنه نبت لسانه بعد أن قطع بمقدار سنة وأنه تكلم به، فقال: ينتظر سنة، فقد ثبت عندي أن رجلاً بالأندلس نبت لسانه بعد أن قطع في نحو هذه المدة.\rونقلت من خط الفقيه أبي محمد عبد الخالق المسكي\rقال بشار لعنان:","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"عنان يا منيتي ويا سكني ... أما تريني أجول في سككك\rحرمت منك الوفا معذبتي ... فعجلي بالسجل من صككك\rإني ورب السماء مجتهد ... في حل ما قد عقدت من تككك\rفقالت مجاويةً له:\rلم يبق مما تقول قافية ... يقولها قائل سوى عككك\rفقال:\rبلى وإن شئت قلت فيشلة ... تسكن الهائجات من حككك\rقال علي بن ظافر: عنا لم يدركها بشار، وإنما كان يشاغبها أبو نواس، ولهما في مثل هذا أخبار كثيرة وهذء القافية مما يعايا به.\rكان بمصر رجل زجلي كثير الوسخ\rقذر الجلد والثوب، لا تكاد تفارقه قفة فيها كراريس، يعرف بالمفشراتي، ويلقب أديب القفة، وكان يصنع مقامات مضحكة فيها غرائب وعجائب، يزعم أنه يضاهي بها مقامات الحريري، وكان يقول: أنا موازنه في كل شيء حتى في اسمه ولقبه، هو أبو القاسم محمد، وأنا القاسم أبو محمد وهو ابن علي وانا ابن علي وهو الجريرى وانا الجريرى وهو البصري، ويجعل هذا من أوضح البراهين وأقوى الأدلة على مساواته في كل قصيدة. ومما أنشدنيه لنفسه - وأنا أذكره على سبيل الإطراف، فلقد كان عجيب الشأن - قوله:\rيا سابحاً في بركك ... وصائداً في شبكك\rلا تحقرن ككتي ... فككتي كككتك\rوالككة: مركب من مراكب صعيد مصر ليس فيها مسمار.\rوروى أن أبا نواس خرج يوماً وهو مخمور إلى الكناسة\rفاستقبله أعرابي ومعه غنم فقال أبو نواس :\rأيا صاحب الذود اللواتي تسوقها ... بكم ذلك الكبش الذي قد تقدما؟\rفقال الأعرابي:\rأبيعكه إن كنت تبغى شراءه ... ولم تك مزاحاً بعشرين درهما\rفقال أبو نواس:\rأخذت هداك الله رجعى جوانبا ... فأحسن إلينا إن أردت تكرما\rفقال الأعرابي:\rأحط من العشرين خمساً لأنني ... أراك ظريفاً أخرجنها مسلما\rفقيل للأعرابي: أتدري من يكلمك منذ اليوم؟ فقال: لا، فقيل: أبو نواس؛ فرجع فلحقه، وحلف بصدقه غنمه إن لم يقبله.\rوروى أنه مر أعرابي ومعه نعجة وكبش وجمل صغير\rفقال أبو نواس لمن معه: ما رأيكم في تخجيله؟ فقالوا له: افعل، فقال\rبكم النعجة التي ... خلفها الكبش والجمل؟\rفقال الأعرابي:\rبثلاثين درهماً ... جدداً أيها الأجل\rوروى أنه دخل على عنان، فكتب رقعة وناولها إياها\rفإذا فيها:\rماذا تقولين فيمن ... يريد منك نظيره؟\rفكتبت تحتها عجلةً:\rإياي تعنى بهذا! ... عليك فاجلد عميره\rثم ناولته الرقعة، فكتب تحتها عجلاً:\rأريد هذا وأخشى ... على يدي منك غيره\rفخجلت، وقالت: تعست وتعس من يغار عليك!\rوروى الجماز أنه دخل عليها قبل تعارفهما\rفأنشد:\rإن لي أيراً خبيثاً ... عارم الرأس فلوتا\rلو رأى الحر ببحرٍ ... عاد للغلمة حوتا\rأو رآه فوق جو ... لنزى حتى يموتا\rأو رآه جوف بيتٍ ... صار فيه عنكبوتا\rفقالت ارتجالا:\rزوجوا هذا بألفٍ ... وأظن الألف قوتا\rإنني أخشى عليه ... إن تمادى أن يموتا\rبادروا ما حل بالمسكين خوفاً أن يفوتا\rقبل أن ينعكس الحا ... ل فلا يأتي ويوتى\rفعجب الحاضرون منهما؛ واستظرف كل منهما صاحبه، ودامت صحبتهما بعد ذلك.\rوروى المدائني\rقال: اجتمع أبو نواس وإسماعيل بن نوبخت وأبو الشمقمق في بيت أذين - قال علي بن ظافر: هو عبد الله الجماز - فبينما هم عنده ؛ إذ جاء أبو العتاهية يسأل عن ابن أذين - وكان بينه وبين أبي الشمقمق شر، فخبئوه من أبي العتاهية في بيت، ودخل أبو العتاهية، فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث، فظنه جارية، فقال لابن أذين: متى استطرفت هذه؟ فقال: قريباً يا أبا إسحاق، فقل فيها شيئاً، فمد أبو العتاهية يده إلى الغلام، وقال:\rمددت كفي نحوكم سائلاً ... ماذا تردون على السائل؟\rفصاح أبو الشمقمق من داخل البيت قائلاً:\rيرد في كفك ذا فيشةٍ ... تشفي جوىً في استك من داخل","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"فقام أبو العتاهية مغضباً، وهو يطلب الباب، ويقول: أبو الشمقمق والله! وضحك القوم حتى كادوا يهلكون!\rوذكر الخالديان\rفي كتاب أخبار مسلم بن الوليد هذه الحكاية، وذكرها غيرهما بأبسط مما ذكراها، فكتبناها بلفظ الأكثر.\rقال دعبل بن علي الخزاعي: بينما أنا بباب الكرخ، إذ أنا بفتاة تسمى قرة، معروفة بظرفٍ وجمالٍ وشعر وأدب وغناء، وقد اجتازت، فتعرضت لها وقلت:\rدموع عيني لها انبساط ... ونوم عيني به انقباض\rفقالت:\rوذا قليل لمن دهته ... بسحرها الأعين المراض\rفقلت:\rفهل لمولاى عطف قلبٍ ... أو للذي في الحشى انقراض؟\rفقالت مسرعة من غير تلبث:\rإن كنت تبغي الوصال منا ... فالوصل في ديننا قراض\rقال دعبل: فلا أعلم أني خاطبت جارية تقطع الأنفاس بعذوبة ألفاظها، وتختلس الأرواح ببلاغة منطقها، وتذهل الألباب برخيم نغمها؛ مع تلاعة جيد، ورشاقة قد، وكمال عقل، وبراعة شكل، واعتدال خلق، قبلها. فحار والله البصر، وذهل اللب، وجل الخطب، وتلجلج اللسان، وتعلقت الرجلان، وما ظنك بالحلفاء أدنيت من النيران! ثم ثاب إلى عقلي، وراجعني حلمي، وذكرت قول بشار:\rلا يؤنسك من مخبأةٍ ... قول تغلظه وإن جرحا\rعسر النساء إلى مياسرةٍ ... والصعب يمكن بعدما جمحا\rهذا لمن حاول ما دون الطمع فيه اليأس منه، فكيف بمن وعد دون المسألة، وبذل قبل الطلبة! فنقلتها من تلك القافية، وقلت:\rأترى الزمان يسرنا بتلاق ... ويضم مشتاقا إلى مشتاق!\rفقلت مسرعة:\rما للزمان تقول فيه وإنما ... أنت الزمان فسرنا بتلاق\rقال دعبل: فاستتبعتها - وذلك في زمن إملاقي - فقلت: ليس لي إلا بيت مسلم بن الوليد صريع الغواني؛ فصرت إلى بابه، فاستوقفتها وناديته، فقلت: أحمل إليك الخير؛ معي وجه مليح، تقل له الدنيا بما فيها؛ مع ما أنا فيه من ضيقة وعسر، فقال: والله لقد شكوت ما كدت أبادرك بشكواه! إيت بها.\rفلما دخلت قال: والله ما أملك سوى هذا المنديل؛ فقلت: هو البغية، ناولنيه، فقال: خذه، لابارك لك الرحمن فيه! فأخذته فبعته بدينار وكسر، واشتريت به لحماً وخبزاً ونبيذاً، ثم صرت إليهما، فإذا هما يتساقطان حديثاً كأنه الدر، فقال: ما صنعت؟ فأخبرته، فقال كيف يصلح طعام وشراب وجلوس، مع وجه مليح بعير نقل ولا ريحان ولا طيب! اذهب فألطف بتما ما كنت في أوله.\rقال: فخرجت، فاضطربت في ذلك حتى أتيت به؛ فألفيت باب الدار مفتوحاً، فدخلت فلم أر لهما، ولا لشيءٍ مما كنت جئت به أثراً. فأسقطت في يدي، وقلت: أرى صاحب الربع أخذهما، وبقيت متلهفاً حائراً، أرجم الظن، وأجيل الفكر سائر يومي؛ فلما أمسيت قلت في نفسي: أفلا أدور في البيت لعل الطلب يوقعني على أثرٍ! ففعلت، ووقعت على سرداب، وإذا بهما قد نزلا فيه، وأنزلا معهما ما احتاجا إليه؛ فلما أحسست بهما، دليت رأسي، ثم صحت: مسلم! ثلاثا، فكان من إجابته أن غرد بصوته، وقال:\rبت في درعها وبات رفيقي ... جنب القلب طاهر الأطراف\rقال دعبل فقلت: ويلك! من يقول هذا؟ قال:\rمن له في حر أمه ألف قرنٍ ... قد أنافت على علو مناف\rقال: فضحكا ثم سكتا، واستجلبت كلامهما، فلم يجيباني بشيء، وباتا في لذتهما، وبت ليلة يقصر عمر الدنيا عن ساعة منها طولاً وغما وهما، حتى أصبحت ولم أكد.\rفخرج إلى مسلم، وهي معه، فجعلت أشتمه وأفتري عليه، فلما أكثرت قال: يا أحمق، منزلي دخلت، ومنديلي بعت، ودراهمي أنفقت، فعلى من تثرب يا قواد! فقلت: مهما كذبت علي، فما كذبت في الحمق والقيادة. وانصرفت وتركتهما.\rوذكر صاحب كتاب نجباء الأنباء\rأن الرشيد اطلع من مستشرفٍ له على قصره، فرأى ولده عبد الله المأمون يكتب على حائط وهو صغير، فقال للخادم: انطلق حتى تنظر ماذا يكتب عبد الله، واحرص على ألا يفطن لك، فذهب الخادم فتسلل حتى قام من خلفه، وهو مقبل على الحائط، فنظر وعاد إلى الرشيد، فأخبره أنه كتب:\rقل لابن حمزة ما ترى ... في زيرياجٍ محكمه؟","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"قال الخادم: إني تسللت عليه، حتى قمت من خلفه وهو لا يعلم لغلبة الفكر عليه، فقال له الرشيد، ارجع فسله عما يكتب، فسيقول لك: إني مفكر في التتميم على هذا البيت، فقل له: اكتب تحته:\rقال ابن حمزة يا بني هزلت مجترئاً فمه\rفانطلق الخادم إلى الرشيد فكان ما ظنه الرشيد، ففعل الغلام ما أمره به، فأطرق المأمون قليلا؛ ثم قال، لو لا أنك مأمور لم تنج من يدي.\rفرجع الخادم إلى الرشيد فأخبره فقال: نجوت. ثم دعا على بن حمزة الكسائي وقال له: من اين علم عبد الله أن الخادم مأمور؟ فقال الكسائي: علمه من قوله: هزلت مجترئاً فمه، إذ كان الخادم لا يقدر على مخاطبته بذلك إلا عن أمر.\rوذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتاب الوزراء\rقال: ذكر أبو الفضل بن عبد الحميد في كتابه، أن الأحول المحرر، شخص مع محمد بن يزداد عند شخوص المأمون إلى دمشق، وأنه شكا يوماً إلى أبي هارون خليفة محمد بن يزداد الوحدة والغربة وقلة ذات اليد، وسأله في أن يسأل له ابن يزداد أن يكلم المأمون في أمره فيبره بشيء. ففعل أبو هارون ذلك، ورأى محمد بن يزداد من المأمون طيب نفس، فكلمه له وعطفه عليه، فقال له المأمون: أنا أعرف الناس به، إنه لا يزال بخير ما لم يكن معه شيء، فإذا رزق فوق القوت بذرة أفسده ذلك، ولكن قد أمرنا له - لشفاعتك - بأربعة آلاف درهم. فدعا ابن يزداد بالأحول؛ فعرفه بما جرى ونهاه عن الفساد، وأمر له بالمال؛ فلما قبضه ابتاع غلاماً بمائة دينار، واشترى سيفاً ومتاعاً، أسرف فيما معه، حتى لم يبق معه شيء. فلما رأى الغلام ذلك أخذ كل ما كان في بيته وهرب، فبقي عرياناً بأسوأ حال، فجاء إلى أبي هارون خليفة محمد بن يزداد فأخبره، فأخذ أبو هارون نصف طومار فكتب في آخره:\rفر الغلام فطار قلب الأحول ... وأنا الشفيع وأنت خير مؤمل\rثم ختمه وقال له: امض إلى محمد بن يزداد، فمضى وأوصله إليه. فلما رآه محمد قال له: ما في كتابك؟ قال: لا أدري، قال: وهذا من حمقك، تحمل كتاباً لا تدري ما فيه! ثم فضه فلم ير شيئاً، فجعل ينشره وهو يضحك حتى انتهى إلى آخره، فوقف على البيت، فكتب تحته:\rلو لا تعبث أحولٍ بغلامه ... كان الغلام ربيطةً في المنزل\rثم ختمه، وناوله إياه، وأمره أن يرده إلى خليفته. فقال: الله الله في، جعلني الله فداك! ارحمني من الحالة التي قد صرت إليها. فرق له ووعده أن يكلم المأمون، فكلمه وشرح له الحال، ووصف له ضعف عقل الأحول ووهى عقدته، فأمر المأمون بإحضاره؛ فلما مثل بين يديه، قال له: يا عدو الله! تأخذ مالي وتشتري به غلاماً حتى يفر منك! فارتاع لذلك وتلجلج لسانه، فقال: جعلني الله فداك! ما فعلت، فقال: ضع يدك على رأسي واحلف أنك لم تفعل، فارتاع، وجعل ابن يزداد يأخذ بيده لذلك، والمأمون يضحك ويشير إليه أن ينحيها، ثم أمر بإجراء رزق واسع له كل شهر، ووصله مرة بعد مرة حتى أغناه الله، لأنه كان يعجبه خطه.\rأنبأنا الفقيه الحافظ التقى أبو محمد عبد الخالق المسكي إجازة أنبأنا الحافظ السلفي إجازة أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن بعلان الكبير\rقالا: أنبأنا أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا النجيرمي أبو يعقوب، حدثنا المهلبي، قال: لما حضرت المأمون الوفاة، جلست عند رأسه جارية كان بها مشغوفاً، وقد أخذته غشية، فجعلت تبكيه، وأنشأت تقول:\rيا ملكاً لست بناسيه ... وليتني بالنفس أفديه\rفأفاق من غشيته، ونظر إليها، وأنشأ يقول:\rباكيتي من جزعٍ أقصرى ... قد غلق الرهن بما فيه\rومن حسن الجواب بالشعر بديهاً\rما روى طماس قال: جاء ابن دنقش الحاجب إلى دار محمد بن عبد الملك الزيات يستدعيه، وقد كان المعتصم طلبه، فدخل المجلس ليلبس ثيابه، فرأى ابن دنقش في صحن الدار غلاماً، له روقة؛ فقال - وهو يظن أن محمد بن عبد الله لا يسمعه:\rوعلى اللواط فلا تلومن كاتباً ... إن اللواط سجية الكتاب\rفقال محمد مسرعاً:\rوكما اللواط سجية الكتاب ... فكذا الحلاق سجية الحجاب\rفاستحيا ابن دنقش، واعتذر بأن هذا شيء جرى على لسانه من غير قصد، فقال له محمد بن عبد الملك: إنما يحسن الاعتذار، إذا لم يقع قصاص.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"وذكر الصولي في كتاب الوزراء\rقال: حدثنا محمد بن موسى اليزيدي قال: دخل الحسن بن وهب على محمد بن عبد الملك وهو في بستان، وأقبل غلام لمحمد بن عبد الملك، حسن الوجه، فقال للحسن: أجز:\rكيف ترى هذا الغلام الذي ... أقبل يحكي البدر في المطلع\rفقال الحسن:\rلا تسألني يا أبا جعفرٍ ... عن مثله في مثل ذا الموضع\rفقال أبو الجهم أحمد بن سيف وكان حاضراً:\rأتيت والله بها جملةًوخيمة المربع والمرتع\rفقال الحسن يعرض بأبي الجهم:\rإذا ما حامت العقبان يوماً ... تسترت الجوارح بالغياض\rفقال أبو الجهم يجيبه:\rألم يخفق فؤادك يا بن وهبٍ ... لذكري دون رميك في عراضي\rوهل ثبتت عقاب في مكان ... إذا نسر تحامل في انقضاض!\rفأقسم عليها محمد بأن يمسكا، وأقبل يردد بيت الحسن الذي أوله: لا تسألني فقال: الحسن:\rنعم وإن أحببت يا سيدي ... فسرت ما أجملته فاسمع\rفقال محمد:\rإن كنت تهواه فخذه فقد ... جدت لك الآن به فاقطع\rفقال الحسن:\rإن كنت تهوى الصدق فأذن لهيخرج إذا حان خروجي معي\rقال: اخرج معه يا غلام، فأنت له.\rوروى علي بن الجهم\rقال: كنت يوماً عند فضل الشاعرة فلحظتها لحظة رابتها، فقالت:\rيا رب رامٍ حسنٍ تعرضه ... يرمي ولا أشعر أني غرضه\rفقلت:\rأي فتى لحظك ليس يمرضه ... وأي عهدٍ محكمٍ لا ينقضه!\rفضحكت وقالت: خذ في غير هذا الحديث.\rوكان أبو الفضل بن المضاء أحد أمراء بني الأغلب يخضب\rفأنشده يوماً أبو شراحيل شريح بن عبد الله بن غانم بن العاص يعرض به:\rلعمرك ما الخضاب إذا تولى ... شباب المرء إلا كالسراب\rفقال يعقوب يجيبه بديهاً:\rفلا تعجل رويدك عن قريبٍ ... كأنك بالمشيب وبالخضاب\rوذكر الصولي في كتاب الوزراء حدثني محمد بن العلاء السجزي\rقال: دخل أبو ناضرة إلى عبيد الله بن سليمان، فقال:\rأيظعن في جملة الظاعنين ... غداً أم يقيم أبو ناضرة؟\rفقال الوزير:\rيقيم يقيم على رغمه ... وتحلق لحيته الوافرة\rفقال عبيد الله بن الفرج، كاتب سر عبد الله سراً:\rويصفع من غير ما حشمةٍ ... وتؤتى حليلته الفاجرة\rوذكر أبو عبد الله التنوخي في كتاب نشوار المحاضرة\rقال: حدثني محمد بن الحسن البصري، قال: حدثني الهمداني الشاعر، قال: قصدت ابن الشملغاني في ما درايا، فأنشدته قصيدةً قد مدحته بها، وتأنقت فيها، وجودتها؛ فلم يحفل بها. فسكنت أغاديه كل يوم، وأحضر مجلسه إلى يتقوض الناس؛ فلا أرى للثواب طريقاً. فحضرته يوماً، وقد احتشد مجلسه، فقام شاعر؛ فأنشد نونية، إلى أن بلغ فيها إلى بيت هو:\rفليت الأرض كانت مادرايا ... وليت الناس آل الشلمغاني\rفعن لي في هذا الوقت هذا البيت، فقمت إليه مسرعاً:\rإذا كانت بطون الأرض كنفاً ... وكل الناس أولاد الزواني\rفضحك، وأمرني بالجلوس، وقال: نحن أحوجناك لهذا، وأمر لي بجائزة سنية، فأخذتها وانصرفت.\rوكان أبو عمر أحمد بن عبد ربه صديقاً لمحمد بن يحيى بن القلفاظ الشاعر\rثم فسد ما بينهما وتهاجيا؛ وكان سبب الفساد بينهما أن ابن عبد ربه مر يوماً، وكان في مشيته اضطراب؛ فقال: يا أبا عمر؛ ما علمت أنك آدر إلا اليوم لما رأيت مشيتك، فقال له ابن عبد ربه: كذبتك عرسك أبا محمد! فعز على القلفاظ كلامه، وقال له: أتتعرض للحرم! والله لأرينك كيف الهجاء! ثم صنع قصيدة أولها:\rيا عرس أحمد إني مزمع سفرا ... فودعيني سراً من أبي عمرا\rثم تهاجيا بعد ذلك. وكان القلفاظ يلقبه بطلاس، لأنه كان أطلس لا لحية له؛ ويسمى كتابع العقد حبل القوم؛ فاتفق اجتماعهما مرة عند بعض الوزراء، فقال الوزير للقلفاظ: كيف حالك اليوم مع أبي عمر؟ فقال مرتجلاً:\rحال لي طلاس عن رائه ... وكنت في قعدد أبنائه\rفبادره ابن عبد ربه، فقال:\rإن كنت في قعدد أبنائه ... فقد سقى أمك من مائه\rفانقطع القلفاظ خجلاً.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"أنبأنا الشيخ النبيه الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن عبد الله الحميدي\rقال: أخبرني أبو محمد علي بن أحمد الفقيه بن حزم، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الحسن، قال: وجدت بخط أبي قال: أمرنا الحاكم المستنصر بالله بمقابلة كتاب العين للخليل بن أحمد مع أبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي وابني سعيد في دار الملك التي بقصر قرطبة، وأحضر من الكتاب نسخاً كثيرة، في جملتها نسخة القاضي منذر بن سعيد التي رواها بمصر عن ابن ولاد، فمر لنا صدر من الكتاب بالمقابلة، فدخل علينا المستنصر في بعض الأيام فسألنا عن النسخ، فقلنا له: إن نسخة القاضي التي كتبها بخطه محرفة، وأريناه مواضع مغيرة وأبياتاً مكسورة، وأسمعناه ألفاظاً مصحفة ولغات مبدلة. فعجب من ذلك وسأل أبا علي، فقال له نحو ذلك، واتصل المجلس بالقاضي، فكتب إلى المستنصر رقعة فيها:\rجزى الله الخليل الخير عنا ... بأفضل ما جزى فهو المجازي\rوما خطأ الخليل سوى المغيلي ... وعضروطين في دار الطراز\rفصار القوم زرية كل زارٍ ... وسخرية وهزأة كل هازٍ\rفلما دخلنا على المستنصر قال لنا: أما القاضي فقد هجاكم، وناولنا الرقعة بخط القاضي - وكانت تحت شيء بين يديه - فقرأناها وقلنا: يا مولانا نحن نجل مجلسك الكريم عن انتقاص أحدٍ فيه، لا سيما مثل القاضي في سنه ومنصبه، فإن أحب مولانا أن يقف على حقيقة ما استدركناه فليحضره وليحضره الأستاذ أبا علي، ثم نتكلم على كل كلمة استدركناها عليه؛ فقال: قد ابتدأكم والبادي أظلم، وليس على من انتصر لوم، قال أبي: فمددت يدي إلى الدواة وكتبت بين يديه:\rهلم فقد دعوت إلى البراز ... وقد ناجزت قرناً ذا نجاز\rولا تمش الضراء فقد أثرت ال ... أسود الغلب تخطو باحتفاز\rوأصحر للقاء تكن صريعاً ... بماضي الحد مصقولٍ جراز\rرويت عن الخليل الوهم جهراً ... لجهلك بالحقيقة والمجاز\rدعوت له بخيرٍ ثم أخنت ... يداك على مفاخره العزاز\rتهدمها وتجعل ما علاها ... أسافلها ستجزيك الجوازي\rجزى الله الإمام العدل عنا ... جزاء الخير فهو له مجازي\rبه وريت زناد العلم قدماً ... وشرف طالبيه باعتزاز\rوجلى عن كتاب العين دجناً ... وإظلاماً بنورٍ ذي امتياز\rبأستاذ اللغات أبي علي ... وأخدانٍ بناحية الطراز\rبهم صح الكتاب وصيروه ... من التصحيف في ظل احتراز\rقال الحميدي: وأسقطنا نحن منها أبياتاً تجاوز الحد فيها. قال: ثم أنشدتها المستنصر بالله، فضحك وقال: قد انتصرت وزدت، وأمر بها فختمت ثم وجه بها إلى القاضي فلم تسمع له بعد كلمة.\rأنبأنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي\rقال: نزلت من قرافة مصر أودع الشيخ الأجل أبي الحسين بن جبير، فقال لي: كنت على المجيء إليك. فقلت: همة سيدنا هي التي أتت بي، فسألني عن القرافة فقلت: هي موضع يصلح للخير وللشر، من طلب شيئاً وجده. فقال: خذ هذه الحكاية، قال لي بعض مشايخنا عن ابن الفرضي: كنت في موضع يتفرج فيه، وبت به، ثم أقبلت باكراً منه، فلقيني بعد من يقرأ علي، فقال:\rمن أين أقبلت يا من لا نظير له ... ومن هو الشمس والدنيا له فلك\rفأجبته مسرعاً:\rمن موضع تعجب النساك خلوته ... وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا\rقال بديع الزمان الهمذاني\rكنت عند الصاحب كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد يوماً، وقد دخل عليه شاعر من شعراء العجم، فأنشده قصيدةً يفضل فيها قومه على العرب، وهي:\rغنينا بالطبول عن الطلول ... وعن عنسٍ عذافرةٍ ذمول\rوأذهلني عقار عن عقارٍ ... ففي است أم القضاة مع العذول\rفلست بتاركٍ إيوان كسرى ... لتوضح أو لحومل فالدخول\rوضبٍ بالفلا ساعٍ وذئبٍ ... بها يعوي وليث وسط غيل","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"يسلون السيوف لرأس ضب ... حراشاً بالغداة والأصيل\rإذا ذبحوا فذلك يوم عيدٍ ... وإن نحروا ففي عرسٍ جليل\rأما لو لم يكن للفرس إلا ... نجار الصاحب القرم النبيل\rلكان لهم بذلك خير فخرٍ ... وجيلهم بذلك خير جيل\rفلما وصل إلى هذا الموضع من إنشاده، قال له الصاحب: قدك. ثم اشرأب ينظر إلى الزوايا وأهل المجلس - وكنت جالساً في زاوية من البهو فلم يرني - فقال أين أبو الفضل؟ فقمت وقبلت الأرض وقلت: أمرك! قال: أجب عن ثلاثتك، قلت: وما هي؟ قال: أدبك، ونسبك، ومذهبك. فأقبلت على الشاعر فقلت: لا فسحة للقول ولا راحة للطبع إلا السرد كما تسمع. ثم أنشأت أقول:\rأراك على شفا خطرٍ مهول ... بما أودعت لفظك من فضول\rتريد على مكارمنا دليلا ... متى احتاج النهار إلى دليل!\rألسنا الضاربين الجزى عليكم ... وإن الجزي أولى بالذليل\rمتى قرع المنابر فارسي ... متى عرف الأغر من الحجول!\rمتى عرفت وأنت بها زعيمأكف الفرس أعراف الخيول!\rفخرت بملء ما ضغتيك هجراً ... على قحطان والبيت الأصيل\rوتفخر أن مأكولا ولبساً ... وذلك فخر ربات الحجول\rففاخرهن في خد أسيلٍ ... وفرعٍ في مفارقها رسيل\rوأمجد من أبيك إذا تزيا ... عراة كالليوث على الخيول\rقال: فلما أتممت إنشادي التفت إليه الصاحب، وقال له: كيف رأيت؟ قال: لو سمعت به ما صدقت. قال: فإذن جائزتك جوازك؛ إن رأيتك بعدها ضربت عنقك. ثم قال: لا أرى أحداً يفضل العجم على العرب إلا وفيه عرق من المجوسية ينزع إليها.\rقال العميد أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي في كتابه المعروف بدمية القصر وعصرة أهل العصر\rجرى بين القاضي أبي سعيد علي بن عبد الله الناصحي وبين الحاكم أبي سعد دوست مبادهة، قال له القاضي:\rوما وصل الكتاب إلي حتى ... أجبت إلى الذي استدعاه مني\rفقال أبو سعد:\rجزاك الله عن مولاك خيراً ... وخفف ثقل هذا الشكر عني\rفقال القاضي:\rوأولى الشيخ عزاً مستفاداً ... وحقق فيه مأمولي وظني\rفقال أبو سعد:\rوكم لك نعمة من غير ذكرٍ ... وكم لك منة من غير من\rوكان حسان بن عجل الكلبي المعروف بعرقلة أعور\rوكان يجلس على حانوت خياط بدمشق يعرف بأبي الحسين الأعرج، وكان له طبع في قول الشعر، فقال له عرقلة يوماً يداعبه:\rألا قل للرقيع أبي حسينٍ ... أراني الله عينك مثل عيني\rفقال الأعرج مجاوباً له:\rألا قل لابن كلبٍ لا ابن عجلٍ ... أراني الله رجلك مثل رجلي\rفخجل عرقلة من قوله وانصرف.\rالباب الثاني\rفي بدائع بدائه الإجازة\rالإجازة أن ينظم الشاعر على شعر غيره في معناه ما يكون به تمامه وكماله. وقد يكون بين متعاصرين وغير متعاصرين؛ وهي مشتقة من الإجازة في السقي، يقال: أجاز فلان فلاناً إذا سقاه أو سقى له، فكأنهم شبهوا عمل الشاعر المجيز لعمل الشاعر المجاز شعره، بسقي الشخص للشخص، قال يعقوب بن السكيت: يقال للذي يرد الماء: مستجيز، وأنشد:\rوقالوا فقيم قيم الماء فاستجز ... عبادة إن المستجيز على قتر\rقال أبو علي حسن بن رشيق مولى الأزد: ويجوز أن يكون من أجزت عن فلان الكأس إذا صرفتها عنه - دون أن يشربها - إلى من يليه، وكأنهم شبهوا الشاعر لما تعدى إتمام شعره بمجيز الكأس، قال أبو نواس:\rوقلت لساقيها أجزها فلم يكن ... لينهى أمير المؤمنين وأشربا\rفجوزها عني عصاراً ترى لها ... على الشرف الأعلى شعاعاً مطنبا\rوقد ذكرنا أن الإجازة تكون بين عصرين وغير عصرين، ونحن الآن نجعلها لك في فصلين، ونذكر ما ورد في كل فصل من الأخبار على ترتيب الأعصار، وهو شرطنا في هذا الكتاب.\rالفصل الأول\rفي إجازة الشاعر لمعاصره\rفمن هذا القسم ما تكون الإجازة فيه بقسيم لقسيم\rكما روى الزبير بن بكار قال: استنشد عبد الله بن عباس - رضوان الله عليه - عمر بن أبي ربيعة فأنشده:","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"تشط غداً دار جيراننا\rفبدره ابن عباسٍ، فقال:\rوللدار بعد غدٍ أبعد\rفقال له عمر: كذلك قلت، أصلحك الله! أفسمعته؟ قال: لا، ولكن كذلك ينبغي أن يكون.\rوروى عمران بن عبد العزيز الزهري\rأن عمر بن أبي ربيعة شبب بزينب بنت موسى، أخت قدامة بن موسى الجمحي، وكان سبب تشبيبه بها أن ابن أبي عتيق ذكرها له، فأطنب في وصفها بالحسن والجمال، فصنع فيها قصيدته التي أولها:\rيا خليلي من ملامٍ دعاني ... وألما الغداة بالأظعان\rفبلغ ذلك ابن أبي عتيق. فلامه في ذكرها، فقال له:\rلا تلمني عتيق حسبي الذي بي ... إن عندي عتيق ما قد كفاني\rلا تلمني فأنت زينتها لي\rفبدره ابن أبي عتيق فقال:\rأنت مثل الشيطان للإنسان\rفقال عمر: هكذا ورب الكعبة قلته، فقال ابن أبي عتيق: إن شيطانك - ورب العزة - ربما ألم بي، فيجد عندي من عصيانه خلاف ما يجد عندك من طاعته، فيصيب مني وأصيب منه.\rومن ذلك ما روى أبو عبيدة\rأن راكباً أقبل من اليمامة، فمر بالفرزدق وهو جالس، فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من اليمامة. فقال: هل أحدث ابن المراغة بعدي من شيء؟ قال: نعم، قال: هات، فأنشد:\rهاج الهوى بفؤادك المهتاج\rفقال الفرزدق:\rفانظر بتوضح باكر الأحداج\rفأنشد الرجل:\rهذا هوى شغف الفؤاد مبرح\rفقال الفرزدق:\rونوى تقاذف غير ذات خلاج\rفأنشد الرجل:\rإن الغراب بما كرهت لمولع\rفقال الفرزدق:\rبنوى الأحبة دائم التشحاج\rفقال الرجل: هكذا والله قال، أفسمعتها من غيري؟ قال: لا، ولكن هكذا ينبغي أن يقال، أوما علمت أن شيطاننا واحد! ثم قال: أمدح بها الحجاج؟ قال: نعم. قال: إياه أراد.\rومن ذلك ما اخبرنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي\rأخبرنا أبو طاهر السلفي إجازة، أنبأنا أبو صادق مرثد بن يحيى بن القاسم المديني، قال: كتبت إلى القاضي أبو الحسين علي بن محمد بن صخر الأزدي أن أبا القاسم عمر بن محمد بن سيف أذن لهم في الرواية عنه، أخبرنا أبو خليفة عن ابن سلام قال: قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لابن عبد الأعلى: أتمم هذا البيت وأنت أشعر العرب:\rنروح ونغدو كل يومٍ وليلةٍ\rفقال مجيباً:\rوعما قليلٍ لا نروح ولا نغدو\rومن ذلك ما روى سلمة النميري\rقال: حضرت مجلس هشام بن عبد الملك، وبين يديه جرير والفرزدق والأخطل، فأحضرت بين يدي هشام ناقة، فقال متمثلاً:\rأنيخها ما بدا لي، ثم أرحلها\rأيكم أتمه كما أريد فهي له، فبدر جرير فقال:\rكأنها نقنق تعدو بصحراء\rفقال: لم تصنع شيئاً، فقال الفرزدق:\rكأنها كاسر بالدو فتخاء\rفقال: ولا أنت، فقال الأخطل:\rترخى المشافر واللحيين إرخاء\rفقال: اركبها لا حملك الله!\rومن ذلك ما روي أن بعض الشعراء قال لأبي العتاهية أجز\rبرد الماء وطابا\rفقال أبو العتاهية:\rحبذا الماء شرابا\rومن ذلك ما روي عن دعبل بن علي الخزاعي\rأنه قال: كنت أنا ومحمد بن وهيب نسمر عند معقل بن عيسى بن إدريس العجلي، أخي أبي دلف، فطلعت الثريا ليلةً، فقال:\rأما ترون الثريا\rفبدر محمد بن وهيب، فقال:\rكأنها عقد ريا\rومن ذلك ما روى محمد بن إسحاق\rعن أبيه قال: قلت:\rوصف الصد لمن أهوى فصد\rثم أجبلت، فمكثت عدة ليالٍ لا أقدر على تمامه، فدخل علي عبد الله بن عمار التيمي، فرآني مفكراً، فقال لي: ما قصتك؟ فأخبرته، فقال في الحال:\rوبدا يمزح بالهجر فجد\rقال إسحاق: ثم تممتها بعد فقلت:\rما له يعدل عني وجهه ... وهو لا يعدله عندي أحد!\rومن ذلك ما روى محمد بن داود بن الجراح\rقال: كان أبو تمام حبيب بن أوس الطائي عند الحسن بن وهب، فدخل عليهما أبو نهشل بن حميد، فلما رآه أبو تمام، قال:\rأعضك الله أبا نهشل\rثم قال للحسن: أجز فقال:\rبخد ريمٍ أبيضٍ أكحل\rثم قال: أجز يا أبا نهشل، فقال:\rيطمع في الوصل فإن رمته ... صار مع العيوق في منزل\rوهذا أيضاً فيه إجازة بيت ببيت.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"ومن ذلك ما روي أن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان وهو المنعوت بين ملوك الأندلس بالأمير\rصنع في بعض غزواته قسيماً، وهو:\rنرى الشيء مما يتقى فنهابه\rثم أرتج عليه - وكان عبد الله بن الشمر نديمه وشاعره غائباً - فأحضر بعض قواده محمد بن سعيد الزجالي، وكان يكتب له، فأنشده القسيم، فقال:\rومالا نرى مما يقي الله أكثر\rفاستحسنه وأجازه وحمله استحسانه على أن استوزره\rومن ذلك ما روى النميري\rقال: دخل أبي على المعتز بالله - وكان من جلسائه - فوقع بين الجلساء تنازع، فنهاهم حتى أضجروه؛ قال النميري: فقال له أبي:\rعادتك الصفح، والذنوب لنا\rفقال المعتز:\rكذاك فعل العبيد الملك\rقال القاضي الفقيه جمال الدين\rسمع الناس يذكرون حكايةً لا أتقلد صحتها، وهي أن أبا تمام لقي ديك الجن وهو طفل يلعب، ويدعي قول الشعر، فقال: إن كنت شاعراً كما تقول، فأجز:\rفرقوا بين من أحب وبيني\rفقال: أبعد أم أقرب؟ فقال أبو تمام بعد، فقال:\rمثل بعد السماك والفرقدين\rفقال له: قرب، فقال:\rمثل مابين حاجبي وعيني\rوذكر عبيد الله بن أحمد بن طاهر في تاريخه الذي ذيل به كتاب أبيه\rقال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن المنجم، أنه أول ما قال الشعر: حضر أبو الصقر إسماعيل بن بلبل عند أبيه في مجلس فيه أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن ووالدي أحمد بن أبي طاهر وجماعة من أهل الأدب، فاستنشدني أبو الصقر شيئاً من شعري، فأنشدته، فاستنكره أبو الصقر، ثم قال: أريد أن أمتحنك في شيء تجيزه، فقلت له: ذلك لك، ففكر، ثم قال:\rأنت غلام شاعر خبيث\rفقلت من غير تلبث:\rأنت امرؤ بجوده يغيث\rيعجل ما يعطي ولا يريث\rلك القديم ولك الحديث\rفقال أبو عبد الله بن أبي فنن: اذهب يا غلام، فأنت أشعر الأولين والآخرين، ثم حضرت المائدة، وحضر عليها كباب رشيدي، فقال ابن أبي فنن:\rكباب رشيدي إذا ما رأيته\rثم قال: أجز، فقلت:\rوإن كنت شبعاناً قرمت إلى الأكل\rثم قال ابن أبي فنن: ما سمعت أحسن من هذا، ما لهذا الصدر عجز أولى به من هذا.\rوهذه الحكاية صدرها من باب الأجوبة وآخرها من هذا الباب.\rوذكر الرئيس هلال بن المحسن بن الصابي في كتاب الوزراء والكتاب\rقال: حدث أبو الفرج الأصفهاني قال: سكر الوزير المهلبي ليلة، ولم يبق بحضرته من ندمائه غيري؛ فقال له: يا أبا الفرج، أنا أعلم أنك تهجوني سراً؛ فاهجني الساعة جهراً؛ فقلت: الله في أيها الوزير، إن كنت قد ثقلت عليك، فمرني فلا أعود أجيبك أبداً، وإن كنت تريد قتلي فبالسيف أهون؛ فقال: دع هذا، فلا بد أن تهجوني - وكنت قد سكرت - فقلت:\rأير بغلٍ مكوكب\rفبدر فقال:\rفي حرام المهلبي\rهات مصراعاً آخر، فقلت: الطلاق لازم لي، إن زدت على هذا كلمة.\rوروى عبد الجبار بن حمديس الصقلي\rقال: صنع عبد الجليل ابن وهبون المرسي الشاعر نزهة بوادي إشبيلية، فأقمنا فيه يومنا، فلما دنت الشمس للغروب هب نسيم ضعيف غضن وجه الماء، فقلت للجماعة: أجيزوا:\rحاكت الريح من الماء زرد\rفأجازه كل بما تيسر له، فقال لي أبو تمام غالب بن رباح الحجام: كيف قلت يا أبا محمد؟ فأعدت القسيم له، فقال:\rأي درعٍ لقتالٍ لو جمد\rفحفظ القسيمان، ونسى ما عداهما.\rقال علي بن ظافر: وقد أنبأني الفقيه أبو محمد المسكي إجازة\rقال: كتب إلى الحافظ السلفي، أنشدني أبو الفضل أحمد بن عبد الكريم بن مقاتل المقري الصنهاجي بالإسكندرية: قال: أخبرني أبو محمد بن حمديس قال: كنا مع المعتمد بن عباد بحمص الأندلس، فمر على أضاة، قد راح عليها الصبا، فأثبت على وجهه الماء مثل الزرد، فقال:\rنسج الريح على الماء زرد\rوطلب الإجازة من شعرائه فلم يجبه أحد، فقلت أنا:\rأي درع لقتالٍ لو جمد\rفاستحسن ذلك مني؛ وكنت وقت الإنشاد رابعاً فجعلني ثانياً، وأمر لي بجائزة سنية.\rقال علي بن ظافر: والحكاية الأولى منصوصة في ديوان ابن حمديس الذي دونه لنفسه، وهو موجود في أيدي الناس.\rوالحكاية الثانية رويناها من هذا الطريق، وقد نقله ابن حمديس إلى غير هذا الموصوف فقال:","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"نثر الجو على الترب برد ... أي در لنحور لو جمد\rفتناقض المعنى بقوله: البرد، وقوله: لو جمد؛ إذ ليس البرد إلا ما جمده البرد، اللهم إلا أن يريد بقوله: لو جمد: لو دام جموده، فيصح ويبعد عن التحقيق.\rومثل هذا قول المعتمد بن عباد يصف فوارة:\rولربما سلت لنا من مائها ... سيفاً وكان عن النواظر مغمدا\rطبعته لجياً فذابت صفحة ... منه ولو جمدت لكان مهندا\rقال علي بن ظافر: وقد أخذت أنا هذا المعنى، فقلت أصف روضاً:\rفلو دام ذاك النبت كان زبرجداً ... ولو جمدت أنهاره كن بلورا\rوهذا المعنى مأخوذ عن قول علي بن التونسي الإيادي من قصيدته الطائية المشهورة:\rألؤلؤ قطر هذا الجو أم نقط ... ما كان أحسنه لو كان يلتقط\rوهذا المعنى كثير للقدماء، قال: قال علي بن الرومي من قطعة في العنب الرازقي:\rلو أنه يبقى على الدهور ... قرط آذان الحسان الحور\rأنبأنا الشيخان\rالأجل العلامة أبو اليمن تاج الدين الكندي، والشيخ الفقيه جمال الدين بن الحرستاني إجازة، عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر سماعاً، قال: أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي الصوري؛ حدثني أبي، قال: سمعت بكار بن علي الرياحي بدمشق يقول: لما وصل عبد المحسن الصوري إلى هنا، جاءني المجدي الشاعر فعرفني به وقال: هل لك في أن نمضي إليه ونسلم عليه! فأجبت وقمت معه؛ حتى أتينا إلى منزله، وكان ينزل دائماً إذا قدم في سوق القمح، وكان بين يديه دكان قطان، وفيها رجل أعمى، فوقفت به عجوز كبيرة، فكلمها بشيء وهي منصتة له، فقال المجدي في الحال:\rمنصتة تسمع ما يقول\rفقال عبد المحسن في الحال:\rكالخلد لما قابلته الغول\rفقال له المجدي: أحسنت والله يا أبا محمد! أتيت بتشبيهين في نصف بيت. أعيذك بالله!\rقال علي بن ظافر\rوأخبرني من أثق به - هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني الزجال بما معناه، قال: ركب المعتمد على الله أبو القاسم بن عباد للتنزه بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه وخواص شعرائه، فلما أبعد أخذ في المسابقة بالخيول، فجاء فرسه بين البساتين سابقاً، فرأى شجرة تين قد أينعت وأزهرت، وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت، فسدد إليها عصا كانت في يده، فأصابها، وثبتت في أعلاها، فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها، والتفت ليخبر من لحقه من أصحابه، فرأى ابن جاخ الصباغ أول لا حق به، فقال: أجز:\rكأنها فوق العصا\rفأجاب مسرعاً:\rهامة زنجي عصى\rفزاد طربه وسروره بحسن ارتجاله، وأمر له بجائزة سنية.\rقال علي بن ظافر\rوأخبرني أيضاً أن سبب اشتهار ابن جاخ هذا، أن الوزير أبا بكر بن عمار كان كثير الوفادة على ملوك الأندلس، لا يستقر ببلد، ولا يستفزه عن وطره وطن، وكان كثير التطلب لما يصدر من أرباب المهن من الأدب الحسن، فبلغه خبر ابن جاخ هذا قبل اشتهاره، فمر على حانوته وهو آخذ في صناعة صباغته، والنيل قد جر على مده ذيلاً، وأعاد نهاره ليلاً، فأراد أن يعلم سرعة خاطره، فأخرج زنده ويده بيضاء من غير سوء، وأشار إلى يده فقال:\rكم بين زندٍ وزند\rفقال:\rما بين وصلٍ وصد\rفعجب من سرعة ارتجاله مع مضيه في عمله واستعجاله، وجذب يضبعه، وبالغ في الإحسان إليه غاية وسعه.\rوأخبرني أيضاً\rأنه دخل سرقسطة، فبلغه خبر يحيى القصاب السرقسطي، فمر عليه ولحم خرفانه بين يديه، فأشار ابن عمار إلى اللحم، وقال:\rلحم سباط الخرفان مهزول\rفقال:\rيقول للمفلسين: مه زولوا\rوأخبرني الشيخ الأجل الفقيه الزاهد أبو عبد الله محمد القرطبي أيده الله قال\rقال أبو محمد عبد المؤمن بن علي صاحب قرطبة والمغرب يوماً في مجلسه، وقد عوفي من مرضه:\rالحمد لله رب العالمين على\rثم طلب إجازته من أهل المجلس، فلم يجبه أحد، فقال أبو العباس ابن حيوس:\rبرء الإمام الذي في الآمنين علا\rقال لي الحافظ ذو النسبتين أبو الخطاب عمر بن دحية: صنع شيخنا قاضي الجماعة أبو العباس بن مضاء إجازة له:\rبرء الإمام الذي في الناس قد عدلا\rثم عمل فيها أبياتاً","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"وأخبرني الأجل شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير الصدر الكبير نجم الدين أبي الفتح يوسف بن المجاور أدام الله عزه\rقال أخبرني البهاء الحسن بن علي بن محمد الخراساني المعروف بابن الساعاتي قال: سايرت الفقيه مرتضى الدين نصر الشيرازي - رحمه الله تعالى - فجرى في الحديث ما أوجب أن قال:\rإن هذي النفوس للموت تسعى\rواستجازني، فقلت:\rفإذا قيل مات لم يك بدعا\rوأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي بن الديباجي الكاتب قال\rأنشدني القاضي السعيد أبو القاسم بن سناء الملك رحمه الله تعالى:\rإذا مت مهجوراً فلا عاش عاشق\rقال: وقد أعياني إتمامه على هذا النمط من الجناس، فقلت:\rولا طار للأحباب بعدي طارق\rفقال: إنما مرادي أن يكون الجناس متصلاً مثل الأول فقلت:\rوبعدي للأحباب لا طار طارق\rقال علي بن ظافر\rسايرت في بعض أسفاري سنة ثلاث وستمائة ابن الحرستاني، وأنا عائد من ميا فارقين إلى ماردين، وكان الشتاء كلباً، والبرد قوياً، والوحل شديداً، فلقينا في تلك العقاب عشاً، فقال:\rعقاب في ثناياها عقاب\rواستجازني، فقلت للوقت: فما هي بالعذاب بل العذاب\rقال علي بن ظافر\rوبتنا ليلة بالقرافة، فرأى بعض أصحابنا الزهرة، وقد قارنت المشتري، وهما مشرقان في حندس الظلماء، فأفرط في استحسانها، فقال أبو الفضل الوجيه جعفر بن جعفر الحموي:\rمقارن الزهرة والمشتري\rفقلت: كالزج واللهذم في السمهري فأفرط الجماعة في استحسانه، ثم وقع لي أن أشبههما بلهذمٍ من ذهب وزجٍ من فضة لاصفرار الزهرة وشدة بياض المشتري، فقلت:\rأما ترى المشتري وقد قارن الز ... هرة يبغي دنو مقترب\rكصعدةٍ زجها ولهذمها ... ذاك لجين، وذا من الذهب\rقال علي بن ظافر\rاجتمعت أنا والقاضي الأعز أبو الحسن علي ابن المؤيد العساني - رحمه الله - يوماً بالرصد، فرأينا شعاع الأصيل فوق بياض الماء، فقلت له: أجز:\rأذكت الشمس على الماء لهب\rفقال:\rفكست فضته منها ذهب\rوقلت له يوما أجز\rطار نسيم الروض من وكر الزهر\rفقال: وجاء مبلول الجناح بالمطر\rوذكر أبو علي الحسن بن رشيق في كتاب الأنموذج حكاية مطبوعة\rقال: جلست في دكان أبي لقمان الصفار - وكان يتهم في شعره - مع جماعة من الشعراء، وأبو لقمان والدركادوا الشاعر يلعبان بالشطرنج، ونحن نضحك لما يجري بينهما من غريب المهاترة، فقال الدركادوا: أجز يا أبا لقمان:\rحيتان حبك في طنجير بلوائي\rفقال أبو لقمان:\rوفحم وجهك في كانون أحشائي\rفقال له أحمد بن إبراهيم الكموني: أحسنت يا أبا لقمان، قسيمك خير من قسيمه؛ فزهي أبو لقمان وقال: أدافع في بديع الشعر، وهذا شعري في الهتف.\rوإنما لم أورد هذه الحكاية مرتبة في نظام الحكايات المتقدمة على ترتيب الأعصار والأزمنة، إذ كان حقها أن تكون بين الحكايات المنسوبة إلى أبي الفرج والمهلبي والمنسوبة إلى ابن حمديس؛ لأنها ليست من بدائع البدائه، ولم أر إخلاء الكتاب منها لما فيها من الحلاوة.\rومن الإجازة إجازة قسيم بقسيم وبيت\rكما يروى لنا أن الرشيد هارون - رحمه الله تعالى - صنع قسيما وهو:\rالملك لله وحده\rثم أرتج عليه، فقال: استدعوا من بالباب من الشعراء، فدخل عليه جماعة منهم الجماز، فقال أجيزوا - وأنشدهم القسيم - فبدر الجماز فقال:\rوللخليفة بعده\rفقال له الرشيد: زد، فقال:\rوللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده\rفقال له الرشيد: أحسنت ولم تعد ما في نفسي؛ وأجازه بعشرة آلاف درهم.\rوذكرعبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد\rقال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم، قال: استزارني أحمد بن سعيد الدمشقي وأنا صغير، وسأل أبي أبا الحسن الإذن لي في المسير إليه، وأخبره أن أحمد بن أبي طاهر وأبا طالب بن مسلمة وعلي بن مهدي وجماعة من أهل العلم والأدب عنده؛ فأذن له فصرت إليه، فصادفت عنده أبا الحسن جحظة فلما أردنا القيام إلى صفة في داره للأكل لبس الجماعة نعالهم، وبقي جحظة بغير نعلٍ، فسمعته يقول:\rيا قوم من لي بنعل\rفقلت:\rفي بيت تصحيف نعل\rفضحكت الجماعة وغضب الدمشقي؛ فقلت:","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"وليس ذا قول جد ... لكنه قول هزل\rفضحك، وتعجب القوم من بديهتي.\rقال علي بن ظافر\rصنع المتوكل علي بن الأفطس صاحب بطليوس من بلاد الأندلس قسيما، وهو:\rالشعر خطة خسف\rوأرتج عليه، فاستدعى أبا محمد عبد المجيد بن عبدون، أحد وزراء دولته وخواص حضرته، فاستجازه إياه، فقال:\rلكل طالب عرف\rللشيخ عيبة عيبٍ ... وللفتى ظرف ظرف\rوقد أنبأني الشيخ الأجل الحافظ العلامة ذو النسبتين أبو الخطاب عمر بن الحسن بن دحية الكلبي إجازة عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خير بقراءته عليه، عن الحافظ أبي القاسم خلف بن يوسف الشنتريني - عرف بابن الأبرش - عن أبي الحسن بن بسام في كتاب الذخيرة؛ أن قائل القسيم الأول الأستاذ أبو الوليد ضابط، وأن عبد المجيد أجازه ارتجالا، وهو ابن ثلاث عشرة سنة.\rوبهذا الإسناد قال ابن بسام\rذكر أبو علي الحسين بن الغليظ المالقي، قال: قلت يوماً للأديب أبي عبد الله بن السراج المالقي ونحن على جرية ماء، أجز:\rشربنا على ماء كأن خريره\rفقال مبادراً:\rبكاء محب بان عنه حبيبه\rفمن كان مشغوفاً كئيباً بإلفه ... فإني مشغوف به وكئيبه\rوبه أيضاًما ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة قال\rاجتمع ابن عبادة وعبد الله ابن القابلة السبتي بالمرية فنظر إلى غلام وسيم يسبح في البحر، وقد تعلق بسكان بعض المراكب، فقال: ابن عبادة: أجز:\rانظر إلى البدر الذي لاح لك\rفقال ابن القابلة:\rفي وسط اللجة تحت الحلك\rقد جعل الماء سماءً له ... وصير الفلك مكان الفلك\rقال علي بن ظافر: وكل ما أسنده إلى ابن بسام فبهذا الإسناد.\rومنها إجازة قسيم بقسيم وأكثر من بيت\rأنبأني الشيخان تاج الدين أبو اليمن الكندي وجمال الدين بن الخراساني عن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر سماعاً عليه، أخبرنا أبو بكر بن المرزوقي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز العسكري، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الصلت المحبر، حدثنا أبو الفرج الأصبهاني، أخبرني جعفر بن قدامة، حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال: دخلت يوماً على نبت جارية مخفرانة - وكانت حسنة الوجه والغناء - فقلت لها: قد قلت مصراعاً فأجيزيه، فقالت لي: قل، فقلت:\rيا نبت حسنك يعشي بهجة القمر\rفقالت:\rقد كاد حسنك أن يبتزني بصري\rثم وقفت أفكر، فسبقتني، فقالت:\rوطيب نشرك مثل المسك قد نسمت ... ريا الرياض عليه في دجى السحر\rفزاد فكري، فبادرتني، فقالت:\rفهل لنا منك حظ في مواصلةٍ ... أو لا فإني راضٍ منك بالنظر\rفقمت عنها خجلاً، ثم عرضت بعد ذلك على المعتمد؛ فاشتراها بمشورة علي بن يحيى بثلاثين ألفاً.\rوذكر أحمد بن الطيب، عن بعض الكتاب، أنها عرضت بعد ذلك على المعتمد فامتحنها في الغناء، فرضي بما ظهر منها، وكان أول ما غنته لحناً غريباً - والشعر في المعتمد - فقالت:\rسنةً وشهراً قابلا بسعود\rفطرب المعتمد وتبرك بغنائها. ثم قال لأحمد بن حمدون: قارضها، فقال:\rوهبت نفسي للهوى\rفقالت:\rفجار لما أن ملك\rفقال:\rفصرت عبداً خاضعاً\rفقالت:\rيسلك بي حيث سلك\rفأمر المعتمد بابتياعها، فاشتريت بثلاثين ألفاً.\rوبالإسناد المتقدم عن ابن بسام قال\rروى أبو عامر بن شهيد قال: لما قدم زهير الصقلي حضرة قرطبة من المرية، وجه أبو جعفر بن عباس وزيره إلى لمة من أصحابنا، منهم ابن برد وأبو بكر المرواني وابن الحناط والطبني فحضروا، فسألهم عني وقال: وجهوا إليه، فوافاني رسوله مع دابة بسرج محلى، فسرت إليه ودخلت المجلس - وأبو جعفر غائب - فتحرك المجلس لدخولي، وقاموا جميعاً إلي، حتى طلع أبو جعفر علينا ساحباً ذيلاً لم أر أحداً سحبه قبله، وهو يترنم. فسلمت عليه سلام من يعرف قدر الرجال، فرد رداً لطيفاً، فعلمت أن في أنفه نعرة لا يخرج إلا بسعوط الكلام، ولا تراض إلا بمستحصد النظام، ورأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه. فقال لي ابن الحناط - وكان كثير الإنحاء علي، جالباً في المحافل ما يسوء الأولياء إلي - : الوزير حضره قسيم، وهو يسألنا إجازته، فعلمت أني المراد، فاستنشدته فأنشد:","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"مرض الجفون ولثغة في المنطق\rفقلت لمن حضر: لا تجهدوا نفوسكم؛ فما المراد غيري، ثم أخذت الدواة فكتبت:\rسببان جرا عشق من لم يعشق\rمن لي بألثغ لا يزال حديثه ... يذكي على الأكباد جمرة محرق\rينبي فينبو في الكلام لسانه ... فكأنه من خمر عينيه سقي\rلا ينعش الألفاظ من عثراتها ... ولو أنها كتبت له في مهرق\rثم قمت عنهم، فلم يلبثوا أن وردوا علي، وأخبروني أن أبا جعفر لم يرض بما جئت به من البديهة، وسألوني أن أحمل مكاوي الهجاء على حقارة - وزعموا أن إدريس بن اليماني هجاه فأحسن، فقلت:\rأبو جعفر كاتب شاعر ... مليح سنى الخط حلو الخطابة\rتملأ شحماً ولحماً وما ... يليق تملؤه بالكتابة\rله عرق ليس ماء الجباه ... ولكنه رشح ماء الجنابة\rجرى الماء في سفله جرى لينٍ ... فأحدث في العلو منه صلابة\rقال علي بن ظافر: وأحسب أن الذي هجاه به إدريس وأفحش فيه قوله، وقد كان وفد عليه بالمربة وامتدحه بقصيدة، فلم يحفل به، فأنفذ إليه عند خروجه منها يقول:\rإيهٍ أبا جعفر المرجى ... ما بال طيري خلاف طيرك!\rأهديت رقراقة المعاني ... لم أهد أمثالها لغيرك\rفلم تمرها ولم تمرني ... ولم تمرها بفضل ميرك\rفصار شعري لديك بكراً ... قد يئست من فلاح أيرك\rوذكر العميد أبو الحسين علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي\rفي كتابه: دمية القصر وعصرة العصر قال: حدثني الأديب يعقوب بن أحمد، قال: أنشدت بحضرة أبي كامل مفرج بن دغفل الطائي:\rصهل الكميت فقلت مالك تصهل\rفغيره بعض الحاضرين فقال:\rنعب الغراب فقلت مالك تنعب\rفقال أبو كامل بديهاً:\rأنأى أليفك أم لحالٍ ترهب\rأم بت تخبرنا بفرقة جيرةٍ ... قد آن في شعبان أن يتشعبوا\rعزموا على ترك النفوس ورابهم ... ماء يسيل على لظى يتلهب\rوأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي وقال\rأنبأني الفقيه أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن سعيد السرقطي، عن عبد الحافظ أبي عبد الله محمد بن عمر الأشبوني، قال: قصد ابن جاخ الشاعر فخر الدولة أبا عمرو عباد بن محمد بن عباد، فلما وصل إليه، قال: أجز:\rإذا مررت بركب العيس حييها\rفقال ابن جاخ في الحال:\rيا ناقتي فعسى أحبابنا فيها\rثم زاد فقال:\rيا ناق عوجي على الأطلال عل بها ... منهم غريباً يراني كيف أبكيها\rأم كيف أرفض طيب العيش بعدهم ... أم كيف أسكب دمعاً في مغانيها\rإني لأكتم أشواقي وأسترها ... جهدي ولكن دموع العين تبديها\rوذكر الوزير أبو بكر بن اللبانة الداني في كتاب سقيط الدرر ولقيط الزهر\rصنع المعتمد على الله بن عباد - رحمه الله تعالى - قسيماً في القبة المعروفة بسعد السعود فوق المجلس المعروف بالزاهي، وهو:\rسعد السعود يتيه فوق الزاهي\rثم استجاز الحاضرين فعجزوا، فصنع ولد عبد الله الرشيد:\rوكلاهما في الحسن متناه\rومن اغتدى سكناً لمثل محمدٍ ... قد جل في العليا عن الأشباه\rلا زال يخلد فيهما ما شاءه ... ودهت عداه من الخطوب دواه\rوكذلك ما روى أن القاضي الفقيه أبا الحسن علي بن القاسم ابن محمد بن عشرة\rأحد رؤساء المغرب الأوسط تنزه مع جماعة من أصحابه منهم محمد بن عيسى بن سوار الأشبوني، ورجل يسمى بأبي موسى، خفيف الروح، ثقيل الجسم، فجعل يعبث بالحاضرين بأبيات من الشعر يصنعها فيهم، فصنع القاضي أبو الحسن معابثاً له:\rوشاعرٍ أثقل من جسمه\rثم استجاز ابن سوار فقال:\rتأتني معانيه على حكمه\rيهجو ولا يهجى فهل عندكم ... ظلامة تعدي على ظلمه؟\rلسانه في هجوه حية ... منية الحية في سمه\rأما أبو موسى ففي كفه ... عصا ابنه والسحر في نظمه\rيصيب سر المرء في رميه ... كأنما العالم في علمه\rوأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره رحمه الله قال","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"أخبرني الشيخ أبو الحسن على بن عمر المفسر الأندلسي، قال: كتب أبو بكر البلنسي إلى الأديب أبي بحر صفوان ابن إدريس هذين البيتين يستجيزه القسم الأخير منهما، وهما:\rخليلي أبا بحرٍ وما قرقف اللمىبأعذب من قولي: خليلي أبا بحر\rأجز غير مأمور قسيماً نظمته ... تأمل على بحر المياه حلى الزهر\rفأجازه بقوله:\rكعهدك بالخضراء والأنجم الزهر\rوقد ضحكت للياسمين مباسم ... سروراً بآداب الوزير أبي بكر\rوأصغت من الآس النضير مسامع ... لتسمع ما تتلوه من سور الشعر\rقال: وهذان الرجلان من الفضلاء في عصرنا هذا.\rومنها إجازة بيت ببيت\rفمن ذلك ما روى يونس بن حبيب، قال: لما بنى يوسف بن زياد داره بالساحة صنع طعاماً، ودعا أصحابه فدخلوا الحمام المعروف بحمام فيل، ثم خرجوا فتغدوا عنده، وركبوا المهاليج والمقاريف والبغال، واجتازوا بحارثة بن بدر الغداني وأبي الأسود، وهما جالسان، فقال أبو الأسود:\rلعمرو أبيك ما حمام كسرى ... على الثلثين من حمام فيل\rفقال حارثة:\rولا إيجافنا خلف الموالي ... بسنتنا على عهد الرسول\rوروى حبيب بن نصر المهلبي قال\rسافر يزيد بن معاوية بالأخطل، فاشتاق يزيد أهله، فقال:\rبكى كل ذي شجوٍ من الشام شاقه ... تهام فأنى يلتقي الشجيان!\rوقال: أجز يا أخطل، فقال:\rيغور الذي بالشام أو ينجد الذي ... بغور تهاماتٍ فيلتقيان\rوروى عمر بن عبد الله العتكي عن الرقاشي\rعن أبي عبيدة، قال: كان حارثة بن بدر بدير كوار يتنزه فقال:\rألم تر أن حارثة بن بدر ... أقام بدير أبلق من كوارا\rثم قال للجند الذين كانوا معه: من أجاز هذا البيت فله حكمه، فقال رجل منهم: على أن تجعل لي الأمان من غضبك، وتجعلني رسولك إلى البصرة، وتطلب لي النفل من الأمير. قال: ذلك لك، ثم ردد عليه البيت، فقال:\rمقيم يشرب الصهباء صرفاً ... إذا ما قلت تصرعه استدرارا\rفقال له حارثة: لك شرطك؛ ولو كنت قلت لنا قولاً تسرنا لسررناك.\rوروى أبو روح الراسبي قال\rلما ولي خالد بن عبد الله القسري مالك بن المنذر شرطة البصرة قال الفرزدق:\rيبغض فينا شرطة المصر أنني ... رأيت عليها مالكاً أثر الكلبي\rقال: فقال مالك: علي به، فبلغه فقال:\rأقول لنفسي إذ تغص بريقها ... ألا ليت شعري مالها عند مالك!\rقال: فسمع قوله حائك يطلع من طرازه، وقال:\rلها عنده أن يرجع الله ريقها ... إليها وتنجو من عظيم المهالك\rقال الفرزدق: هذا أشعر الناس، أو ليعودن مجنوناً يصيح به الصبيان، فكان كما قال:\rوروي أن عبد العزيز بن عمر عبد العزيز رحمه الله\rخرج وهو أمير المدينة ومعه عبد الله بن الحسن، فنزلوا تحت سرحة وتغدوا، وأخذ عبد الله حجراً، وكتب به على ساق السرحة يقول:\rخبرينا خصصت بالغيث يا سر ... ح بصدقٍ فالصدق فيه شفاء\rفأخذ عبد العزيز الحجر، وكتب تحته:\rهل يموت المحب من ألم الحب ... ويشفى من الحبيب اللقاء!\rثم ركبوا دوابهم، ومضوا غير بعيد، فإذا السماء قد أقبلت عليهم، فرجعوا مسرعين إلى السرحة، فأضافوا تحت ما كتبوا:\rإن جهلاً سؤالك السرح عما ... ليس يوماً به عليك خفاء\rليس للعاشق المحب من العش ... ق سوى لذة الوصال دواء\rفعجبوا وانصرفوا.\rحدث المدائني قال\rوهب نصر بن سيار لأبي عطاء السندي جارية، فبات معها، فلما أصبح غدا على نصر، فقال له: كيف كانت ليلتك معها؟ قال: كان بيني وبينها ما شرد منامي، وقضى مرامي، قال: فهل قلت من ذلك شعراً؟ قال: نعم، وأنشد:\rإن النكاح وإن هزلت لصالح ... خلفاً لعينك من لذيذ المرقد\rفقال نصر:\rذاك الشقاء فلا تظنن غيره ... ليس المجرب مثل من لم يشهد\rوروى زحر بن حصن، قال\rخرجنا من مكة مع المنصور في زمان صائف، فلما كان بزبالة ركب نجيباً، والشمس تلعب بين عينيه، وعليه جبة وشى، فالتفت إلينا وقال: إني قائل بيتاً، فمن أجازه فله جبتي هذه، قلنا: يقول أمير المؤمنين، فأنشد:","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"وهاجرةٍ نصبت لها جبيني ... يقطع حرها ظهر العظاية\rفبدر بشار، فقال:\rوقفت لها القلوص ففاض دمعي ... على خدي وأقصر واعظايه\rفخرج له عن الجبة، ثم لقيته، فذكر أنه باعها بخمسمائة دينار.\rوقد ذكرها الصولي في كتاب الأوراق على غير هذا السياق.\rوروى أن رسول علية بنت المهدي أو عائشة بنت الرشيد\rخرج يوماً إلى الشعراء، فقال: تقرئكم سيدتي السلام، وتقول: من أجاز هذا البيت منكم، فله مائة دينار، فقالوا: وما هو؟ فأنشد:\rأنيلي نوالاً وجودي لنا ... فقد بلغت نفسي الترقوة\rفبدرهم مسلم بن الوليد الصريع فقال:\rوإني لكالدلو في حبكم ... هويت إذا انقطعت عرقوه\rفخرجت له المائة دينار.\rوروى محمد بن حسن الحاتمي عن أبي العيناء عن العتبي\rقال: دخل يحيى بن خالد بستان داره، ومعه جاريته دنانير، فرأى بهجة الورد على شعره، فقال: أجيزي:\rالورد أحسن منظراً ... فتمتعوا باللحظ منه\rفقالت مسرعة:\rفإذا انقضت أيامه ... ورد الخدود ينوب عنه\rفاستحسن ذلك منها، وأمر لها بمال جزيل، بعد أن قبل خدها.\rوروى الحسين بن الضحاك قال\rكنت أمشي مع أبي العتاهية فمررنا بمقبرة، فإذا امرأة تبكي ولداً لها، فقال أبو العتاهية:\rفما تنفك باكيةً بعينٍ ... غزير دمعها كمد حشاها\rأجز يا حسين، فقلت:\rتنادي حفرةً أعيت جواباً ... فقد ولهت وصم بها صداها\rوروى أن أبا نواس دخل على عنان جارية الناطفي في بعض أيام الربيع فقال\rأجيزي:\rكل يومٍ عن أقحوانٍ جديدٍ ... تضحك الأرض من بكاء السماء\rفقالت مسرعةً:\rفهو كالوشي من ثياب عروسٍ ... جلبتها التجار من صنعاء\rقال علي بن ظافر، والبيت الأول أظنه لابن مطير من قصيدة؛ إلا أنه منسوب في الموضع الذي نقلت منه إلى أبي نواس، فأوردته كما وجدته.\rوروي أنه دخل عليها يوماً وهي تبكي، وقد كان مولاها ضربها فقال\rبكت عنان فجرى دمعها ... كلؤلؤ ينسل من خيطه\rفقالت:\rفليت من يضربها ظالماً ... تجف يمناه على سوطه\rوقد روى أبو الفرج الأصبهاني هذه الحكاية عن مروان بن أبي حفصة، وانه الذي استجازها البيت الأول.\rوروى محمد بن الأشعث قال\rقال دعبل بن علي الخزاعي: مررت أنا ورزين العروضي بقوم من بني مخزوم، فلم يقرونا فقلت فيهم:\rعصابة من بني مخزوم بت بهم ... بحيث لا تطمع المسحاة في الطين\rثم قلت لرزين: أجز: فقال:\rفي مضغ أعراضهم من خبزهم عوض ... بنو النفاق وآباء الملاعين\rقال ابن الأشعث: وكان هذا أقوى الأسباب في مهاجاته لأبي سعيد المخزومي.\rوروي لنا أن العباس بن الأحنف\rدخل على الذلفاء جارية ابن طرخان فقال لها: أجيزي:\rأهدى له أصحابه أترجةً ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر\rفقالت ارتجالاً:\rخاف التلون في الوداد لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر\rفجن استحساناً، وحلف لها - وكانت تعزه - إن ادعته ما دخل دارها. فتركته له فاستلحقه.\rوذكر ابن القمي في كتاب النباهة قال\rدخل أبو السمراء على نخاس، فسمع بكاء من داخل البيت وقائلة تقول:\rوكنا كزوجٍ من قطاً في مفازةٍ ... لدى خفض عيشٍ مونق معجبٍ رغد\rأصابهما ريب الزمان فأفردا ... ولم نر شيئاً قط أوحش من فرد\rفقال للنخاس: أخرجها، فقال: إن صاحبها مات، وهي شعثة مغبرة.\rقال: فخرجت فقال لها: قولي في معنى هذا، قالت: أي معنى؟ قال: في معنى هذين البيتين اللذين تمثلت بهما، فقالت:\rوكنا كغضى بانةٍ وسط روضةٍ ... نشم جنى الجنات في عيشة رغد\rفأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع ... فيا فردةً باتت تحن إلى فرد!\rفكتب الأمير أبو السمراء عبد الله بن طاهر بخبرها، فكتب: إن أجازت هذا البيت فاشترها، وهو:\rبعيد وصلٍ بديع صد ... جعلته في الهوى ملاذا\rفقالت مسرعةً:\rفعاتبوه فزاد شوقاً ... فمات عشقاً، فكان ماذا؟\rفاشتراها أبو السمراء، فماتت من الغد.\rوروى إبراهيم بن محمد اليزيدي، قال","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"كنت عند المأمون يوماً وبحضرته عريب، فقالت لي - على سبيل الولع والعبث - ياسعلوس - وكانت جواري المأمون يلقبنني بها عبثاً - فقلت:\rفقل لعريب لا تكوني مسعلسه ... وكوني كتتريفٍ وكوني كمؤنسه\rقال: فبدرني المأمون فارتجل:\rفإن كثرت منك الأقاويل لم يكن ... هنالك شك أن ذا منك وسوسه\rفقالت له: كذا والله يا أمير المؤمنين أردت أن أقول وعجبت من ذهن المأمون وجودة طبعه.\rوأنبأنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي عن السلفي قال\rأنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن بغلان الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، حدثنا ابن سيف، قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عم أبي أحمد بن محمد اليزيدي، قال - واللفظ من رواية أخرى قريب من لفظ هذا الإسناد - قال: دعا المعتصم أخاه المأمون ذات يوم إلى داره، فأتاه فأجلسه في بيت على سقفه جامات، فوقع ضوء الشمس من وراء تلك الجامات على وجه سيما التركي غلام المعتصم، وكان أحسن تركي على وجه الأرض، وكان المعتصم أوجد خلق الله به، فصاح المأمون لأحمد بن محمد اليزيدي، فقال انظر ويلك إلى ضوء الشمس على وجه سيما، أرأيت أحسن من هذا قط! وقد قلت:\rقد طلعت شمس على شمس ... فزالت الوحشة بالأنس\rفأجز يا أحمد، فقال أحمد:\rقد كنت أشنا الشمس من قبل ذا ... فصرت أرتاح إلى الشمس\rقال: ففطن المعتصم، فعض شفته لأحمد، فقال أحمد للمأمون: والله يا أمير المؤمنين، إن لم يعلم الأمير حقيقة الأمر منك لأقعن معه فيما أكره. فدعاه المأمون فأخبره الخبر، فضحك المعتصم، فقال له المأمون: أكثر يا أخي في غلمانك مثله، إنما استحسنت شيئاً فجرى ما سمعت لا غير.\rوقد وقعت لنا هذه الحكاية بإسنادٍ أخصر من هذا عن ابن سيف، هو مذكور في إجازة قسيم بقسيم.\rوحكى صاحب كتاب المقتبس أن الأمير عبد الرحمن ابن الحكم بن هشام صاحب الأندلس\rخرج في بعض أسفاره، فطرقه خيال جاريته طروب أم ولده عبد الله، وكانت أعظم حظاياه عنده وأرفعهن لديه، لا يزال كلفاً بها هائماً بحبها، فانتبه وهو يقول:\rشاقك من قرطبة الساري ... في الليل لم يدر به الداري\rثم انتبه عبد الله بن الشمر نديمه، فاستجازه كمال البيت، فقال:\rزار فحيا في ظلام الدجى ... أحبب به من زائرٍ سار\rوذكر الصولي في كتاب الأوراق برواية تنتهي إلى جعفر بن محمد بن عبد الواحد الهاشمي قال\rدخلت على المتوكل على الله لما توفيت أمه معزياً، فقال: يا جعفر، إني ربما قلت البيت الواحد، فإذا جاوزته توقفت وقد قلت:\rتذكرت لما فرق الدهر بيننا ... فعزيت نفسي بالنبي محمد\rقال: فأجازه بعض من حضر المجلس، فقال:\rوقلنا لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد\rقال الصولي: فظننا أن جعفر بن محمد بن عبد الواحد قائل البيت.\rقال مروان بن الجنوب\rدخلت على المتوكل، فرمى إلي برقعةٍ فيها بيت شعر، وهو:\rأدرت الهوى حتى إذا صار كالرحى ... جعلت محل القلب في موضع القطب\rوتحت البيت: أجز يا مروان، فكتبت تحته:\rفلما جعلت القلب تحت رحى الهوى ... ندمت وصار القلب في موضعٍ صعب\rوذكر يزيد بن محمد المهلبي، قال\rكان ابن المعتز يشرب يوماً في بستان مملوء بالنمام وشقائق النعمان، فدخل عليه يونس بن بغا، وعليه قباء أخضر، فقال ابن المعتز لما رآه ارتجالا:\rشبهت حمرة خده في ثوبه ... بشقائق النعمان في النمام\rثم قال: أجيزو، فبدر بنان المغني - وكان ربما عبث بالبيت بعد البيت - فقال:\rوالقد منه وقد بدا في قرطقٍ ... بالغصن في لين وحسن قوام\rفطرب ابن المعتز، وقال له: إن فيه الآن، فصنع فيه لحناً.\rوذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخه قال\rحدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن المنجم، قال: صرت إلى أبي زيد عمر بن شبة، فقال لي: قد قلت بيتاً تعذر على ثان له، فأحب أن تجيزه، فقلت: وما هو؟ قال:\rكبرت وغالتني خطوب تتابعت ... ومن يصحب الأيام لابد يهرم\rفقلت:","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"ومن يصحب الأيام تنقص خطوبها ... قواه، ويجهل بعض ما كان يعلم\rفأعجب به، وحدث الناس بما بيننا، فكتبوه عنه.\rأنبأني الفقيه النبيه\rأبو الحسن بن المقدسي عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن عبد الله الحميدي، قال: حدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن عبد الأعلى بن هاشم القاضي المعروف بابن الغليظ، أن صهيب بن منيع - قال علي بن ظافر: وكان قاضياً ببعض بلاد الأندلس، ومات بها في أيام الناصر عبد الرحمن، سنة ثمان وعشرين وثلثمائة - كان نقش خاتمه:\rيا عليماً كل غيب ... كن رؤفاً بصهيب\rوأنه كان يشرب النبيذ - لعله كان يذهب مذهب أهل العراق - فشرب مرة عند الحاجب موسى بن حدير - وكان من عظماء الدولة الأموية - فسكر ونام، فأمر موسى باختلاس خاتمه، وأحضر نقاشاً، فنقش تحت البيت المذكور:\rواستر العيب عليه ... إن فيه كل عيب\rورد الخاتم عليه، وختم به زماناً حتى فطن له.\rوأنبأني الشيخان\rالأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي، والفقيه جمال الدين بن الحرستاني عن الشيخ الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر سماعاً، أخبرنا أبو النجم بدر الدين عبد الله السنجي، أخبرنا أبو البكر الخبيب، أنبأنا علي بن أبي علي المعدل، حدثني أبي حدثني عبد العزيز بن أبي بكر المحرف العلاف الشاعر - وكان أحد ندماء المعتضد - قال: كنت ليلة في دار المعتضد، وقد أطلنا الجلوس بحضرته، ثم نهضنا إلى مجلسنا في حجرةٍ كانت مرسومة بالندماء. فلما أخذنا مضاجعنا، وهدأت العيون، أحسسنا بفتح الأبواب وتفتيح الأقفال بسرعة، فارتاعت الجماعة لذلك، وجلسنا في فرشنا، فدخل إلينا خادم من خدم المعتضد، فقال لنا: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة بعد انصرافكم، فعلمت هذا البيت:\rولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذ الدار قفر والمزار بعيد\rوقد أرتج علي إتمامه فأجيزوه، ومن أجازه بما يوافق غرضي أجزلت عطيته - وفي الجماعة كل شاعر مجيد مذكور، وأديب فاضل مشهور - فأفحمت الجماعة، أطالوا التفكير، فقلت مبتدراً:\rفقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالاً طارقاً سيعود\rفرجع الخادم إليه بهذا الجواب، ثم عاد، فقال: أمير المؤمنين يقول لك: أحسنت وما قصرت، وقد وقع بيتك الموقع الذي أريده، وقد أمرت لك بجائزة وها هي، فأخذتها، فازداد غيظ الجماعة مني.\rوقال يزيد بن أبي اليسر الرياضي في كتابه الأمثال\rدخل رحمون الفارسي على أبي وهو مريض، فقال له: كيف أصبحت؟ فقال:\rيكاد جسمي من نحول الضنى ... تحمله أنفاس عوادي\rفقال رحمون: هل ترى أن أزيد عليه يا أبا اليسر؟ فقال: نعم، فقال: رحمون:\rلم يبق إلا الروح في مهجةٍ ... يروح أو يغدو بها الغادي\rأنبأني القاضي الفقيه الإمام نبيه الدين أبو الحسن بن علي ابن المفضل المقدسي رحمه الله قال\rأخبرني الشيخ الفقيه أبو القاسم علي بن مهدي بن قلنبا الإسكندري، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الجبار ابن سلامة الهذلي قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن جعفر بن علي الصقلي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسن التميمي، قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل ابن محمد النيسابوري، قال: أخبرنا أبو منصور الثعالبي في كتاب اليتيمة؛ أن الصاحب بن عباد اتهم بعض المرد في مجلسه بسرقة بعض كتبه، فقال:\rسرقت يا ظبي كتبي ... ألحقت كتبي بقلبي\rوأمر أبا محمد الحسن بن أحمد البروجردي بإجازته، فقال:\rفلو فعلت جميلاً ... رددت قلبي وكتبي\rوكل ما أسنده إلى اليتيمة فبهذا الإسناد.\rوذكر الرئيس هلال بن الصابي أن الصاحب بن عباد قال\rأرسل إلي الأستاذ الرئيس أبو الفضل بن العميد، يستدعيني في وقت لم تجر عادته باستدعائي في مثله، فتهيأت للمضي، فجاءني رسول ثانٍ، فركبت فلقيني ثالث يستحثني، فارتبت وارتعت، فلما دخلت عليه قال: قلت بيتاً ثم أعييت عن إتمامه، وهو:\rوجاءوا بظبي كمثل الغزال ... يناك على الرسم في مثله\rفقلت في الحال:","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"فأدخلت بعضي في بعضه ... فياليت كلي في كله\rفجعل يكثر التعجب مني، ثم انصرفت.\rوأنبأنا العماد أبو حامد الأصفهاني، قال\rذكر السمعاني في تاريخه، قال: سمعت أبا المظفر منصور بن محمد بن سعيد بن مسعود المسعودي المروزي في مذاكرتي إياه يقول: دخلت على العزيز الخشاب - وشبل الدولة عنده حاضر - فقال العزيز: قلت اليوم بيتاً - وأنشده:\rصفو دن العمر في عصر الصبا ... وزمان الشيب دردي محيل\rوقال لشبل الدولة: أجز، فقال مبادراً:\rوالذي يطلب صفواً بعده ... إنما يطلب شيئاً مستحيل\rأخبرني الشيخ أبو عبد الله بن علي اليحصبي القرموني قال\rسمعت أبا بكر اليكي الشاعر - وهو بجامع عدوة القرويين بفاس - يحكى لأبي ولجماعة معه، قال: خرجت من فاس قاصداً تلمسان، فدخلت في بعض الخانات ، وكانت ليلة مطيرة جداً، فأنزلني صاحب الخان في بيتٍ مفرد، وأوقد لي قنديلاً، فبينما أنا جالس، وإذا برجل قد فتح الباب، ودخل علي وعلى وجهه سلهامة قد سترته، فجلس وقد عرفني ولم أعرفه، فسألته عن صناعته، فقال: أنا شاعر، فقلت له كالمستهزئ به: أجز - وضربت بعيني إلى شيءٍ أصفه، فلم أجد غير القنديل فقلت:\rوقنديلٍ كأن الضوء فيه ... محيا من أحب إذا تجلى\rفقال في الحال:\rأشار إلى الدجى بلسان أفعى ... فشمر زيله هرباً وولى\rفجننت استحساناً لما أتى، فكشف السلهامة عن وجهه، فإذا هو أبو العباس البني الشاعر فقال: كيف ترى هذا الكهن وما فجأك منه! وبتنا بأطيب ليلة، فلما قام الركب للسفر سار هو إلى فاس، وسرت أنا إلى تلمسان.\rوأخبرني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك رحمه الله\rقال: أخبرني الشريف الجليل الوافد من العراق على الدولة المصرية، قال: اجتمعت في بعض الأيام بأمين الدولة أبي الحسن هبة الله ابن صاعد - قال علي بن ظافر: هو المعروف بابن التلميذ وإنما أمه من بنات التلميذ فعرف بذلك - قال: فأخذنا في ذم الدهر وإخنائه على أهل الفضل، وإذا بكلاب الصيد التي برسم الخليفة قد أبرزت في جلال الوشي والديباج، فحرك ذلك ماكناً نتجاذب أهدابه في ذم الدهر، فقلت:\rمن كان يكسو الكلب وش ... ياً ثم يقنع لي بجلدي\rواستجزته فقال:\rالكلب خير عنده ... مني وخير منه عتدي\rوأخبرني الأجل بهاء الدين بن الساعاتي المقدم ذكره\rقال: حضرت مجلس سماعٍ عند بعض الرؤساء، فغنى مغن قبيح النغمة، سيء الضرب، فقال بعض الحاضرين:\rمن منصفي ممن إذا ... ما ناح نحت لقبح نغمة\rواستجازني، فقلت:\rهو خارج وقت الغنا ... ء وداخل في رحم أمه\rوأخبرني الفقيه أبو ثابت بن حسن الكربوني بالإسكندرية\rقال: حضرت أنا والأديب عبد المنعم بن صالح الجزيري صاحبنا ببعض الأماكن، ورجل يقرأ المقامات التي صنفها الحريري على رجل آخر، وهما يصحفان فيها، فقال عبد المنعم:\rياأيها الثور البهيم الذي ... يقرأ المقامات على الثور\rثم استجازني، فقلت:\rدع المقامات لأربابها ... وعد إلى النافات والدور\rقال علي بن ظافر\rحضر عندي وأنا برأس العين في خدمة الملك الأشرف - أدام الله أيامه - الأديب الموفق علي بن محمد البغدادي الساكن بها والفقيه بهاء الدين بن كساء الشاعران، وعندنا رجل يعرف بالضياء بن الزراد - مصري معروف - وكانوا يمجنون، فعمل ابن كساء بديهةً وقال:\rرأيت الضياء وفي دبره ... قمد كزند البعير الشديد\rثم استجاز الموفق، فقال في الحال:\rكأن جهنم في دبره ... تقول لآتيه: هل من مزيد!\rثم صنع الموفق فيه بديهاً:\rزمان الضياء رعاه الإله عيد ولكن به يرتزق\rفطوراً بأعلاه رمى القبق ... وطوراً بأدناه طعن الحلق\rبنا وبه أعظم الحالتين ... فمنه البغاء ومنا الشبق\rفلو جمعتنا به خلوة ... لقد قيل وافق شن طبق\rوهذا المعنى الذي فيه ذكر الحلق والقبق معنى مطبوع؛ إلا أنه لم يحسن نظمه، وقد نظمته أنا على سبيل التجريب للخاطر، فقلت:\rلقد عيد الترك في ذا الرقيع ... وعاطوه باللعب أكواسه","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"بنيك يقطع أعفاجه ... وصفعٍ يزعزع أضراسه\rفكم جعلوا حلقة دبره ... وكم جعلوا قلبقاً راسه\rوقلت أيضاً في المعنى:\rأصبح عيداً للترك من هو كالمأتم في عين من رأى خلقه\rوفوه بالنيك تارةً وبمر ... الصفع أخرى من لعبهم حقه\rإن قر فالطعن بالأيور وإن ... فر أجادت نعالهم رشقه\rفللسراميز رأسه قبق ... وللفياشي خناره حلقه\rقال علي بن ظافر\rكان يصحبني وأنا في خدمة الأشرف - أبقاه الله - رجل كاتب حسن الخط من أهل العلم والخبرة، هاجر إلى دمشق، يقال له جمال الدين علي بن أبي طالب، فلما رأيت ما عليه الأحوال من الاختلال، وقويت في نفسي شهوة الانفصال؛ كنت ليلي ونهاري مكباً على الدعاء بتسهيل ذلك وتعجيله، وتيسير ما أرجوه منه؛ وأقمت على هذا مدة طويلة، بحيث كان الأمر مشهوراً عند كل أحد من الحاشية، فأخبرني أنه بات مشغول القلب بما يسمعه مني في ذلك؛ فرأى كأنه في جامع دمشق تحت النسر، وإلى جانبه شيخ؛ وكأنهم ينتظرون الصلاة، وإذا برجل شاب قد أقبل من الباب الغربي، فقال له الشيخ: يا أبا العباس، أجز:\rإن ابن ظافر سوف يظ ... فر بالذي يرجوه عاجل\rفقال:\rظفرت عداه بخيبةٍ ... وغدا لما قد شاء نائل\rفسررت بذلك، فلم يكن شيء أسرع من عود الملك الأشرف - أبقاه الله - من دمشق، وانفصالي من خدمته على الوجه الجميل، وكان ذلك - والله - أعظم ظفرٍ، وأرفق قدر، ولو لم يكن في إلا الرجوع إلى الباب الذي منه درجت، وفي خدمته تخرجت؛ والوطن الذي هو أول أرضٍ مس ثراها جلدي، وعلقت فيها تمائمي، فالله تعالى يحقق الرجاء ويكمل الأمل، بمنه وطوله.\rوكنت أنا وابن المؤيد يوماً عائدين إلى مصر\rفثار قتام شديد، ترب وجه الأرض، وأقذى عين الشمس، فقال:\rوقتامٍ إذا رآه بصير ... عاد مما يقذيه مثل الضرير\rثم استجازني فقلت:\rرد ثوبي مصندلاً بعدما كا ... ن شديد النقاء كالكافور\rواجتمعت يوماً بالأجل شهاب الدين ابن أخت الوزير نجم الدين العزيزي رحمه الله\rفأنشدني لنفسه في غلام رآه في الحمام مؤتزراً بإزارٍ أخضر:\rومرتج ردفٍ أزروه بأخضرٍ ... كما ماج ماء قد تردى بطحلب\rواستجازني، فقلت:\rيخيل لي مرآه نعمان أطلعت ... قضيباً على حقفٍ ليبرين معشب\rقال القاضي الفقيه جمال الدين: وهاتان حكايتان قرأتهما في بعض المجاميع، ولم أعرف رواتهما، فأستدل بهم على عصرهم، فلذلك أفردتها ها هنا، ولم أضعهما في نظام الحكايات المرتبة على ترتيب الأعصار، خوفاً من نقد منتقد:\rإحداهما: قال أبو سليمان الواسطي\rمر بنا موسوس كان يؤثر عنه أدب، والسماء مغيمة، فتعرضت له وقلت:\rأرى يومنا يوماً تكامل حسنه ... ويوشك أن اليوم لا شك ماطر\rوقلت له: أجز؛ فوقف وقال:\rوقد سترت فيه السحائب شمسه ... كما سترت ورد الخدود المعاجر\rوالأخرى قال أبو علي\rاجتمعنا في بعض الأيام جماعة من أهل الأدب؛ وخرجنا إلى منتزه، فوقفنا في ظل قصر لنستريح، فوقعت علينا منه وقعة فيها: أجيزوا هذا لبيت:\rولي مقلة عهدها بالكرى ... بعيد وبالدمع عهد قريب\rفكتبت تحته:\rيحار إذا مر فيها المنام ... كما حار في الحي ضيف غريب\rثم صرفنا الرقعة مع بواب القصر، فأخرج إلينا سفرة فيها طعام كثير وأشياء فيها عون لنا على نزهتنا.\rقال علي بن ظافر: وأحسب أن أبا علي هذا، الحاتمي، فإن صح الحديث، فينبغي أن يكون بعد حكاية الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى.\rومن إجازة بيت ببيت ما يكون الشاعر قد عمل بيتاً\rواستجاز له أولاً، أو عمل بيتين وأراد إبدال أحدهما أو الاختبار فيه، مثل ما أنبأنا به العماد أبو جعفر الأصبهاني، قال: أخبرني الأمير الأجل نجم الدين بن مصال، أن شاباً يعرف بأحمد الآبي من أهل الإسكندرية سافر إلى الشيخ الأجل أبي بكر أحمد بن محمد العيذبي التميمي الكاتب فاضل اليمن ورئيسه، وانتفع من جانبه، وأن أحمد ذكر عنه أنه عمل أبياتاً يهنئ فيها الداعي بطهور أولاده، من جملتها قوله:","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"كذبالة المصباح يقضى قطعها ... عند الخمود لها بقوة ناره\rقال: فقال الأديب العيذبي: يصلح أن يكون لهذا البيت توطئه من قبله، فقال:\rأخذ من العضو الشريف قضى له التأ ... ثير فيه بمقتضى آثاره\rقال العماد\rونقلت من مجموع أبي المعالي الكتبي لأبي القاسم الهمداني:\rتعيرني وخط الشيب بعارضي ... ولولا الحجول البيض لم تحسن الدهم\rحنى الشيب ظهري واستمرت عزيمتي ... ولولا انحناء القوس لم ينفذ السهم\rقال: فنظمت المعنى، وقلت:\rيفيد العقل اليقظ التغابي ... ليدرك في الغني حظ الغبي\rفلم تصب السهام على اعتدال ... بها لولا اعوجاج في القسي\rقال: وأنشدتها للأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، فصنع في الحال بدل الأول من البيتين وهو:\rأرى أن الحليم به افتقار ... إلى جهل الفتى الغر الغبي\rقال بن ظافر\rوبالإسناد المتقدم عن أبي الحسن على ابن بسام الشنتريني مما أورده في كتاب الذخيرة ما هذا معناه، واللفظ لي: أن المعتمد على الله أبا القاسم محمد بن عباد صاحب إشبيلية وغرب الأندلس جلس يوماً للشرب، وذلك في وقت مطر أجرى كل وهدةٍ نهرا؛ وحلى جيد كل غصن من الزهر جوهراً، وبين يديه ساقية تخجل الزهر بطيب العرف والريا، وتقابل بدر وجهها بشهاب الكاس في راحة الثريا، فاتفق أن لعب البرق بحسامه، وأجال سوطه المذهب ليسوق به ركاب ركامه، فارتاعت لخطفته، وذعرت من خيفته، فقال بديهاً:\rروعها البرق وفي كفها ... برق من القهوة لماع\rعجبت منها وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع!\rوحين صنعهما أطربه معناهما وهزه، وحركه استحسانهما واستفزه، فاستدعى عبد الجليل بن وهبون المرسي، وأنشده البيت الأول، فقال عبد الجليل:\rولن ترى أعجب من آنسٍ ... من مثل ما يمسك يرتاع\rفاستحسنه، وأمر له بجائزة. وبيته أحسن من بيت المعتمد عندي.\rوأخبرنا القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك رحمه الله بما هذا معناه\rقال: تذاكرنا في بعض الأيام بديوان الإنشاء، فأفضى بنا الحديث إلى ذكر الناشي الأصغر وقوله في وردة:\rووردة في بنان معطار ... حيا بها في خفي إسرار\rكأنها وجنة الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينار\rفقلت: تشبيه الصفرة بالدينار فيه بعض تقصير، وعليه نقد خفي لا يدركه إلا الناقد البصير، وهو كون الصفرة في رأى العين أصغر من الدينار، ولو قال:\rكمثل وجنة خودٍ ... قد نقطت برباع\rلكان أخصر وأحسن؛ فاستحسنته الجماعة، فقال السديد هبة الله بن سراج منشئ الديوان: يا قوم، أنا أجيزه ببيتٍ أول، ثم صنع جارياً على عادته في التجنيس:\rووردةٍ نالت الحس ... ن إذ زهت في الرباع\rوأخبرني صاحبنا الفقيه أبو الفضل جعفر الحموي\rقال: مر بي في بعض الأيام يهودي يعرف بأبي الخير، أقبح الناس صورة، وأشدهم تنافر خلقة، قصير القامة، طويل اللحية، بارز الأنف، فحين رأيته وقع لي بيت على شبه الارتجال؛ وهو:\rلحية طولها ذراع، وأنف ... طول شبر، وقامة طول إصبع\rثم أرتج على؛ فمر بي الأديب فاضل بن راحبي الله المنبوز بمداد، فأنشدته إياه، فقال: أعمل له أولاً؟ فقلت: إن شئت؛ فقال:\rما رأينا ولا سمعنا بشخصٍ ... كأبي الخير في الخلائق أجمع\rومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو محمد الخالق بن زيدان المسكي المقدم ذكره\rقال: أخبرني صاحبنا الأديب أبو الحسن علي ابن خروف القرطبي - المقدم ذكره في هذا الكتاب - قال: رأيت في المنام منشداً ينشدني:\rإذا كنت في الدنيا حليف تكبرٍ ... فإنك في الأخرى أقل من الذر\rقال: فانتبهت وقد حفظته، فأجزته بقولي:\rتنزه عن الدنيا وكن متواضعاً ... عفيفاً ولا تسحب ذيولاً من الكبر\rومنها إجازة بيت بأكثر من بيت\rفمن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصبهاني في أخبار بشار بن برد، وهو ن المهدي أشرف يوماً من أعلى القصر، فرأى جارية من جواريه تغتسل، فحين رأته استترت منه فقال:\rنظرت من القصر عيني ... نظراً وافق حيني","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"ثم ارتج عليه، فأمر بإحضار من يجيزه، فأحضر بشار، فأنشده البيت فقال:\rسترت لما رأتني ... دونه بالراحتين\rفضلت منه فضول ... تحت طي المكنتين\rفقال المهدي: قبحك الله! أكنت ثالثنا؟ ثم قال: ثم ماذا؟ فقال:\rفتمنيت وقلبي ... للهوى في زفرتين\rأنني كنت عليه ... ساعةً أو ساعتين\rفضحك المهدي، وأمر له بجائزة، فقال له: يا أمير المؤمنين! أقنعت في مثل هذه الصفة بساعة أو ساعتين؟ قال: فبم ويحك! قال: سنة أو سنتين! فضحك وقال: أخرج عني قبحك الله!\rومثله ما روى من أن الرشيد أنشد الأصمعي بيتاً وهو\rليتني عقدك أو يا ليتني ... تكة موشية من تككك\rواستجاره فقال:\rامنحيني الوصل يا سيدتي ... واطمعيني عسلاً من عككك\rما على قومك أو ما ضرهم ... لو وقفنا ساعة في سككك\rوقد تقدم قريب منهما في باب المجاوبة.\rقال يزيد بن أبي يسر الرياضي في كتابه الأمثال\rسمعت سيبويه يقول: دخل عبد الله بن طاهر الرى سحراً، فسمع قمرية تنوح فقال: لله در الهلالي حيث يقول:\rألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح!\rوكان معه عوف بن محلم الشاعر، فقال له: أجز هذا البيت، فقال:\rوأرقني بالليل صوت حمامةٍ ... فنحت وذو الشوق القديم ينوح\rعلى أنها ناحت ولم تذر دمعةً ... ونحت وأسراب الدموع سفوح\rوناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح\rأنبأني الشيخان\rالأجل العلامة تاج الدين الكندي وابن الحرستاني إجازة عن أبي القاسم بن عساكر سماعاً منه، أخبرنا أبو بكر المرزوقي، أنبأنا أبو منصور العكبري، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد الصلت المحبر، حدثنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، حدثني علي بن صالح، عن أحمد بن أبي طاهر، حدثه أنه ألقى على فضل الشاعرة\rعلم الجمال تركتني ... في الحب أشهر من علم\rفقالت:\rوأبحتني يا سيدي ... سقماً يزيد على السقم\rوتركتني غرضاً فدي ... تك للعواذل والتهم\rوذكر أبو العباس المروزي\rقال: صنع المتوكل بيتاً وطالب فضل الشاعرة أن تجيزه وهو:\rلاذ بها يشتكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا\rفصنعت بديهة:\rولم يزل ضارعاً إليها ... تهطل أجفانه رذاذا\rفعاتبوه فزاد شوقاً ... فمات عشقاً فكان ماذا\rفطرب المتوكل وقال: أحسنت - وحياتي - يافضل، وأمر لها بمائتي دينار، وأمر عريب فغنت به.\rقال علي بن ظافر: وقد ذكرنا البيت الأخير من بيتي فضل في حكاية أبي السمراء في إجازة بيت ببيت، إلا أن هذه الحكاية أثبت رواية من تلك، وهي من رواية أبي الفرج في الأغاني.\rوبالإسناد المتقدم ذكر الثعالبي في كتاب اليتيمة\rقال: جلس سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان يوماً مع جماعة من خواص كتابه وأصحابه، فقال: أيكم يجيز قولي:\rلك جسمي تعله ... فدمي لم تحله\rوليس لها إلا سيدي - يعني ابن عمه أبا فراس بن أبي العلاء بن حمدان - فارتجل أبو فراس:\rلك من قلبي المكا ... ن فلم لاتحله\rولئن كنت مالكاً ... فلك الأمر كله\rفاستحسنهما ووهب له ضيعة منبج، تغل ألفي دينار في كل سنة.\r141 - وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب النشوار قال: أنشدني أبو القاسم عبد الله بن محمد الضروي لنفسه بالأهواز يقول:\rإذا حمد الناس الزمان ذممنه ... ومن كان فوق الدهر لايحمد الدهرا\rوزعم أنه حاول أن يضيف إليه شيئاً فتعذر عليه مدة طويلة، وضجر منه وتركه مفرداً، وكان عنده أبو القاسم المصيصي المؤدب، فسمع القول، فعمل في الحال إجازة له، وأنشدها لنفسه:\rوإن أوسعتني النائبات مكارهاً ... ثبت ولم أجزع وأوسعتها صبرا\rإذا ليل خطبٍ سد طرق مذاهبي ... لجأت إلى عزمي فأطلع لي فجرا\rوبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"أن المعتمد بن عباد جلس يوماً في بعض دور الحرم، فمر عليه بعض حظاياه في غلالة لايكاد يفرق بينها وبين جسمها، وذوائب تبدي إياة الشمس في مدلهما، فسكب عليها إناء ماء ورد كان بين يديه، فامتزج الكل ليناً واسترسالاً، وطيباً وجمالاً، وأدركت المعتمد أريحية الطرب، ومادت بعطفيه راح الأدب، فقال:\rوهويت سالبة النفوس عزيزةً ... تختال بيت أسنةٍ وبواتر\rوتعذر عليه المقال، فال لبعض الخدم القائمين على رأسه: سر أبي الوليد النحلي، وخذه بإجازة هذا البيت ولا تفارقه حتى يفرغ، فأضاف إليه لأول وقوع الرقعة بين يديه:\rراقت محاسنها ورق أديمها ... فتكاد تبصر باطناً من ظاهر\rوتمايلت كالغصن بلله الندى ... يختال في ورق الشباب الناضر\rتبدى بماء الورد مسبل شعرها ... كالطل يسقط من جناح الطائر\rتزهى برونقها وحسن جمالها ... زهو المؤيد بالثناء العاطر\rملك تضاءلت الملوك لقدره ... وعنا له صرف الزمان الجائر\rوإذا لمحت جبينه ويمينه ... أبصرت بدراً فوق بحرٍ زاخرٍ\rفلما قرأها المعتمد استحضره وقال له: أحسنت، أو كنت معنا؟ فأجابه النحلي بكلام معناه: ياقاتل المحل، أو ماتلوت: \" وأوحى ربك إلى النحل \" !\rومن ذلك،بالإسناد المتقدم أيضاً لكتاب الذخيرة ما رورى ابن بسام\rأن المعتمد أيضاً أمر بصنع غزال وهلال من ذهب، فصيغا، فجاء وزنهما سبعمائة مثقال، فأهدى الغزال للسيدة ابنة مجاهد، والهلال لابنه الرشيد، فوقع له أن قال:\rبعثنا بالغزال إلى الغزال ... وللشمس المنيرة بالهلال\rواصطبح، وحضر الرشيد فدخل عليه، وجاء الندمان والجلساء، وفيهم أبو القاسم بن مرزقان، فحكى لهم المعتمد البيت، وأمر بإجازته، فبدر ابن مرزقان فقال:\rفذا سكني أسكنه فؤادي ... وذا نحلي أقلده المعالي\rشغلت بذا وذا خلدي ونفسي ... ولكني بذاك رخى بال\rزففت إلى يديه زمام ملكي محلى بالصوارم والعوالي\rفقام يقر عيني في مضاءٍ ... ويسلك مسلكي في كل حال\rفدمنا للعلاء ودام فينا ... فإنا للسماح وللنزال\rوذكر أبو الفتح بن خاقان في كتاب القلائد\rقال: خرجت من إشبيلية لوداع كبير من المرابطين، فوجدت معه الوزير أبا محمد ابن مالك، فلما انصرفنا عدنا متسايرين، فمررنا بمرجٍ حسن النبات، بديع النوار، فبادر مملوك من مماليكه وضيء الوجه إلى زهرةٍ بديعة، فقطفها، وأتاه بها لتعجبه من حسنها، فاقترح على أن أصفه: فقلت:\rوبدرٍ بدا والطرف مطلع حسنه ... وفي كفه من رائق النور كوكب\rفقال مجيزاً له:\rيروح لتعذيب النفوس ويغتدي ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب\rويحسد منه الغصن أي مهفهفٍ ... يحئ على مثل الكثيب ويذهب\rقال علي بن ظافر\rومن هذا القسم ما تكون الإجازة لبيت بأبيات تجعل قبله أو بعده وقبله كما أنبأني العماد أبو حامد قال: قال عمارة اليمني الشاعر في كتابه في شعراء اليمن: إن الفقيه أبا العباس أحمد بن محمد الآبي حدثه، قال: أذكر ليلة وأنا أمشي مع الأديب أبي بكر العدني على ساحل عدن، وقد تشاغلت عن الحديث معه، فقال لي: في أي شيء أنت تفكر؟ فقلت: في بيت عملته، وهو:\rوأنظر البدر مرتاحاً لرؤيته ... لعل طرف الذي أهواه ينظره\rفقال: لمن هذا البيت؟ فقلت: لي، فأنشد مرتجلاً:\rيا راقد الليل بالإسكندرية لي ... من يسهر الليل وجداً حين أسهره\rألاحظ النوم تذكاراً لطلعته ... وإن جرى دمع أجفاني تذكره\rقال علي بن ظافر\rاتفق أن خرجنا للقاء القاضي الفاضل، فرأيت في الموكب رجلا أسود اللون، وعليه جبة حمراء، فأنكرته ولم أعرفه، ولقيت القاضي الأسعد أبا المكارم أسعد بن الخطير أطال الله بقاءه، فقلت له: من هذا الأسود الذي كأنه فحمة من دم حجامة؟ فقال لي:\rكأنه ناظر طرفٍ أرمد\rفقلت: يصلح أن يكون قبله:\rوأسود في ثوبه المورد\rوبعده:\rأو مثل خالٍ فوق خد أمرد","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"ثم لقيت بعد ذلك القاضي السعيد بن سناء الملك - رحمه الله تعالى - فأنشدته إياهما، وكتمته الأول، وقلت: قد صنعت لهما أولاً، فاصنع أنت أيضاً، وقصدت بذلك اختبار القافية وتمكنها؛ إذ كل خاطر إنما يبادر إليها، فقال:\rوأسود في ملبسٍ مورد\rفعجبت من توارد الخاطرين لما كانت القافية متمكنة غير مستدعاة ولا مجتلبة، إلا أن قوله: في ملبس أحسن من قولي: في ثوبه.\rقال علي بن ظافر\rوخرجت أنا وشهاب الدين يعقوب ابن أخت ابن المجاور ونحن بالإسكندرية أيام حلول الملك العزيز - رحمه الله - بها، إلى جزيرتها المباركة لزيارة قبر صاحبنا القاضي الأعز أبو الحسن علي بن المؤيد المردد ذكره في هذا الكتاب؛ وقد كان توفي أغبط ما كان بالحياة، وأبعد ما كان من تخوف الوفاة، وغصن شبابه رطيب، والزمان على منبر فضله خطيب، فلما نزلنا بفناء قبره، وأسبلنا سيل المدامع لذكره، أنشدني شهاب الدين بيتين صنعهما في الطريق، وهما:\rأيا قبر الأعز سقيت غيثاً ... كجود يديه أو دمعي عليه\rفلا وإخائه الصافي وداداً ... وددت الموت من شوقي إليه\rفقال: إن بين الأول والثاني فرجة، تريد بيتاً ليسدها، فلعلك أن تسعدني، فقلت:\rوحلت جانبيك مروج زهر ... تحاكي طيب أوقاتي لديه\rومنه إجازة بيت وقسيم بقسيم\rكما روى إسحاق الجصاص، قال: صنع زهير بن أبي سلمى بيتاً وقسيماً، وهما:\rتراك الأرض إما مت خفاً ... وتحيا إن حييت بها ثقيلا\rنزلت بمستقر العز منها\rثم أكدى، فمر به النابغة الذبياني فقال له: أجز يا أبا أمامة، وأنشده فأكدى لنابغة، وأقبل كعب بن زهير، وإنه لغلام، فقال له أبوه: أجز يا بني، فقال: وما أجيز؟ فأنشده فقال:\rوتمنع جانبيها أن يزولا\rفضمه زهير إليه وقال له: أنت ابني حقاً\rومن ذلك، ما رواه إسحاق الموصلي\rقال: ولد للفضل بن يحيى بن خالد مولود، فدخل عليه أبو النضير عمر بن عبد الملك ولم يكن علم الخبر، فلما مثل بين يديه ورأى الناس يهنئونه نثراً ونظماً وقف وأنشد ارتجالاً:\rويفرح بالمولود من آل برمكٍ ... بغاة الندى والسيف والرمح والنصل\rوتنبسط الآمال فيه لفضله\rثم أرتج عليه، فلم يدر ما يقول، فقال الفضل يلقنه:\rولا سيما إن كان من ولد الفضل\rفاستحسن الناس بديهته، وأمر لأبي النضير بصلة.\rأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي\rقال: أنبأني الفقيه أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أخبرني أبو زكريا يحيى بن علي الأنصاري فيما أظن، وقد كتبت منه - قال: أخبرني عمر بن الصيرفي المقري، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن أبيه، أنه سمع أبا عمرو الكلبي قال: كنت جالساً عند أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، فأتاه من بعض إخوانه طبق فيه أنابيب من قصب السكر، وكتاب معه، فحول ابن عبد ربه الكتاب، وجاوبه بديهة وكتب في الجواب:\rبعثت يا سيدي حلو الأنابيب ... عذب المذاقة مخضر الجلابيب\rكأنما العسل الماذي شيب به\rقال الكلبي: ثم توقف، فقال: يا كلبي، أجز هذا البيت فإني لا أجد له تماماً، فقلت:\rلا بل يزيد على المازي في الطيب\rفقال: أحسنت يا كلبي، ثم أخذ القلم وأراد أن يكتبه على ما قلت، ثم كره الاستعارة فأطرق قليلاً ثم قال:\rأو ريق محبوبةٍ جادت لمحبوب\rقال الكلبي: فقمنا وقبلنا رأسه سروراً منا بقوله.\rوأخبرني القاضي السعيد ابن سناء الملك\rقال: صنعت:\rقد كان لي منديل كم ساذجٍ ... ما جاز مسح يدي به في مذهبي\rفاعتضت عنه بخد من أحببته\rوأرتج علي، فلم أستطع أكمل البيت، فاستجزت القاضي تاج الدين ابن الجراح، فقال:\rفمسحت في منديل كم مذهب\rومنه إجازة بيتين ببيت\rفمن ذلك ما روى لنا أن أبا دلامة زيد بن الجون مولى بني أسد دعا السيد الحميري إلى منزله، فبكت ابنة له، فحملها على عاتقه، فبالت عليه فوضعها مغضباً، وقال:\rبللت علي لا حييت ثوبيفبال عليك شيطان رجيم\rفما ولدتك مريم أم عيسى ... ولا رباك لقمان الحكيم","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"ثم استجاز السيد الحميري، فقال:\rولكن قد تضمك أم سوءٍ ... إلى لباتها وأب لئيم\rفضحك أبو دلامة وقال: عليك لعنة الله؛ ما دعاك إلى هذا كله! ثم حلف لا ينازعه بيتاً بعدها، فقال له السيد: يكون الهرب من جهتك لا من جهتي.\rوقد روى أبو الفرج هذه الحكاية بإسناد ينتهي إلى علي بن إسماعيل؛ قال: كنت أسقي أبا دلامة والسيد...ولم يذكر سوى البيت الثاني من بيتي أبي دلامة.\rورواها أبو الفرج أيضاً بإسناد ينتهي إلى الهيثم بن عدي، وأنها كانت بين أبي دلامة وأبي عطاء السندي، وأن أبا عطاء أجاز بيته بأن قال:\rصدقت أبا دلامة لم تلدها ... مطهرة ولا فحل كريم\rولكن قد حوتها أم سوءٍ ... إلى لباتها وأب لئيم\rوعلى هذه الرواية تدخل في باب المجاوبة.\rوذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج\rقال: اجتمعت بأبي حديدة الشاعر يوماً وأنا سكران، فسألني عن حال المكان الذي كنت فيه، فوصفته له، وأفضت بي صفته إلى ذكر غلام كان ساقياً، فقلت في عرض الكلام ولم أرد الوزن:\rفشربتها من راحتي ... ه كأنها من وجنتيه\rوكأنها في فعلها ... تحكي الذي في ناظريه\rوقلت له: أجز، فقال:\rوشممت وردة خده ... نظراً ونرجس مقلتيه\rفقلت له: أحسنت في شمك بالنظر؛ كما سمع أبو الطيب بالبصر حيث يقول:\rكالخط يملأ مسمعي من أبصرا\rواجتمع أبو عبد الله بن شرف الجذامي يوماً بأبي علي بن رشيق فوصف له منزلاً ضيقاً كان فيه، ثم صنع في صفته\rفقال:\rومنزلٍ قبح من منزلٍ ... النتن والظلمة والضيق\rكأنني في وسطه فيشة ... ألوطه والعرق الريق\rوكان ابن شرف أعور أصلع، فقال: ابن رشيق يداعبه على طريق الإجازة:\rوأنت أيضاً أعور أصلع ... فوافق التشبيه تحقيق\rولو قال ابن شرف: كأنني في وسطه فيشة في فقحة... لكان أوضح في تشبيه المنزل.\rقال علي بن ظافر\rوأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد رحمه الله، بما هذا معناه: أنه كان عند أبي المعالي بن الشماس كاتب القاضي الأسد ابن مماتي في ليلة اصطلى فيها بالجمر، من كئوس الخمر، واجتلى بها النجوم الزهر، من مجتنى نجوم الزهر؛ قال: فأفضت في ذمها، وذكر عظيم إثمها، ثم ندمت على ما فرط، واعتذرت اعتذار من فرط، فقلت:\rشربتم قهوةً وشربت ماءً ... فأغناني اللجين عن النضار\rومن بانت أحبته وساروا ... تعلل بالتشاغل بالديار\rثم استجزته فقال:\rوكنت نظيركم بالشم منها ... ولكني سلمت من الخمار\rقال علي بن ظافر\rبتنا ليلةً على المقياس عند مبالغة النيل في نقصه واحتراقه، وانفراجه عما لم يزل مستوراً من أرصفه وانفراقه، والمراكب قد انتظمت في لبته، ور كدت بالإرساء فوق لجته، وأحاطت به إحاطة المحيط بنقطته، وسفهاء الرياح تعبث بها حتى كادت تذهب بورقها، وأجسادها قد لبست لفقد الماء حداد قارها وهي في أوكارها، من المراسي مزمومة، وأجنحة قلوعها لعارض الليل مضمومة، فقلت بديهاً:\rأو ما ترى المقياس قد حفت به ... سود المراكب فوق ظهر اللجة\rيسمو وقد حفت به كقلادةٍ ... سبحيةٍ في لبةٍ فضية\rواستجزت القاضي الأعز بن المؤيد - رحمه الله - فقال:\rوكأنه حصن عليه عسكر ... للزنج لف بنوده للحملة\rومنه إجازة بيتين بأكثر من بيت كما روى العباس ابن الفضل بن الربيع\rقال: غضب الرشيد على جارية له، فحلف لا يدخل إليها، ثم ندم فقال:\rصد عني إذ رآني مفتن ... وأطال الصد لما أن فطن\rكان مملوكي فأضحى مالكي ... إن هذا من أعاجيب الزمن\rثم قال لجعفر بن يحيى: اطلب لي من يزيد في هذين البيتين؛ فقال: ليس لهما إلا أبو العتاهية - وكان محبوسا - فبعثوا إليه، فكتب إلى الرشيد:\rيا بن عم النبي سمعاً وطاعةً ... قد خلعنا الكساء والدراعة\rورجعنا إلى الصناعة لما ... كان سخط الإمام ترك الصناعة\rفأمر بإطلاقه وصلته، فقال: الآن طاب القول؛ ثم قال يجيزهما:\rعزة الحب أرته ذلتي ... في هواه وله وجه حسن","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"فلهذا صرت مملوكاً له ... ولهذا شاع ما بي وعلن\rفقال الرشيد: أحسنت والله وأصبت ما في نفسي، وأضعف صلته.\rوذكرها الصولي في الأوراق بقريب من هذا، وأنه كتب إليه لما أمر بالإجازة يقول:\rضعف المسكين عن تلك المحن ... لهلاك الروح منه والبدن\rولقد كلفت شيئاً عجباً ... زاد في النكبة واستوفى المحن\rقيل فرحنا وأبى فرح ... أن يوافيني في بيت الحزن\rولم يذكر العينية: وأما يزيد بن محمد المهلبي فإنه روى البيتين اللذين هما على قافية العين لموصولين بالهاء لإسحاق الموصلي، وذلك أنه كتب بهما إلى المأمون، وكان قد ترك الغناء والمنادمة فسجنه.\rوذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه الكبير\rقال: خرج كوثر خادم الأمين لينظر الحرب أيام محاصرة طاهر بن الحسين وهزيمة ابن أعين لبغداد، فأصابه سهم غرب فجرحه، فدخل على الأمين وهو يبكي لألم الجراحة، فلم يتمالك الأمين أن جعل يمسح عنه الدم ويقول:\rضربوا قرة عيني ... ومن أجلي ضربوه\rأخذ الله لقلبي ... من أناسٍ أوجعوه\rثم ارتج عليه، فاستدعى الفضل بن الربيع، وأمره بإحضار شاعر يجيز البيتين، فاستدعى لذلك عبد الله بن محمد بن أيوب التيمي، وأنشدهما له فقال:\rما لمن أهوى شبيه ... فبه الدنيا تتيه\rوصله حلو ولكن ... هجره مر كريه\rمن رأى الناس له الف ... ضل عليهم حسدوه\rمثل ما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه\rفأمر الأمين له بوقر ثلاثة أبغل دراهم؛ فلما ولى المأمون الخلافة واستقر الأمر له توسل إليه عبد الله بالحسن بن سهل، فلما دخل عليه، قال: ألست القائل:\rما لمن أهوى شبيه\rفقال: بل أنا القائل:\rنصر المأمون عبد الل ... ه لما ظلموه\rنقضوا العهد الذي كا ... نوا قديماً أكدوه\rلم يعامله أخوه ... بالذي أوصى أبوه\rوأنشده في مدحه قصيدة أولها:\rجزعت ابن تيم أن علاك مشيب ... وبان شباب والشباب حبيب\rفأمره له بعشرة آلاف درهم.\rوذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب القيان والمغنين\rأن المأمون قال يوماً لمتيم الهاشمية، جارية على بن هشام: أجيزي:\rتعالى تكون الكتب بيني وبينكم ... ملاحظة نومي بها ونشير\rفعندي من الكتب المشومة حيرة ... وعندي من شؤم الرسول أمور\rفقالت:\rجعلت كتابي عبرةً مستهلةً ... ففي الخد من ماء الجفون سطور\rورسلي لحاجاتي وهن كثيرة ... إليك إشارات بها وزفير\rأنبأني الشيخان\rالشيخ الأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي، والشيخ الأجل الفقيه جمال الدين بن الحرستاني إجازة، قالا: أخبرنا الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد ابن الحسين، أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت، حدثنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني، أخبرني حعفر بن قدامة، قال: اشترى أبو عبادة جاريته سلمى اليمانية، من نخاس مكي قدم بها عليه، فلما جاءه بها أراد أن يمتحنها، فأنشده:\rمن لمحب أحب في صغره ... فصار أحدوثةً على كبره\rمن نظرٍ شفه فأرقه ... وكان مبد هواه من نظره\rثم قال لها: أجيزي، فقالت مجيبة غير متوقفة:\rلولا التمني لمات من كمدٍ ... مر الليالي يزيد في فكره\rما إن له مسعد فيسعده ... بالليل في طوله وفي قصره\rالجسم يبلى فلا حراك به ... والروح فيما أرى على أثره\rأنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي، عن الحافظ السلفي إجازة","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن السراج اللغوي وابن بعلان الكبير، قالا: حدثنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، حدثنا أبو الحسين المهلبي عن أبي الفوارس، عن يعقوب ابن السكيت، قال: عزم محمد بن عبد الله بن طاهر على الحج، فخرجت جارية إليه شاعرة، فبكت لما رأت آلة السفر، فقال محمد بن عبد الله:\rدمعة كاللؤلؤ الرط ... ب من الطرف الكحيل\rهطلت في ساعة البي ... ن على الخد الأسيل\rفقالت الجارية:\rحين هم القمر الزا ... هر عنا بالأفول\rإنما يفتضح العش ... اق في وقت الرحيل\rقال علي بن ظافر\rذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج ما معناه، قال: خرج أبو العباس بن حديدة القيرواني في جماعة من رفقائه طالباً للتنزه، فحلوا بروضةٍ قد سفرت عن وجنات الشقيق، وأطلعت في زبرجد الأرض الخضراء نجوماً من عقيق، والجو قد أفرط في تعبيسه، ونثر لغيظه جميع ما كان من لؤلؤ القطر في كيسه، فقال ابن حديدة:\rأو ما ترى الغيث المعرس باكياً ... يذري الدموع على رياض شقيق\rفكأن قطر دموعه من فوقها ... در تبدد في بساط عقيق\rقال: وأنشدنيهما، فأجزتهما بأن قلت:\rفاجمع إلى شكليهما بزجاجةٍ ... شكلين من حببٍ وصفو رحيق\rفكأنما انتصرا لعبرة عاشق ... مهراقةٍ في وجنتي معشوق\rوبالإسناد المتقدم عن ابن بسام\rقال في كتاب الذخيرة - ورواه الفتح بن خاقان في كتاب قلائد العقيان - قال: ذكر أبو إسحاق بن خفاجة الحريري الأندلسي قال: اجتمعت مع عبد الجليل بن وهبون المرسي، ونحن نريد المرية أيام مقام العدو بحصن بلبيط، فبتنا بلزقه نتجاذب أذيال المذاكرة إلى أن قام السفر في السحر، للسرى والسفر، وقد شهروا سلاحهم، وأظهروا عددهم لقربهم من العدو، فظهر من عبد الجليل الجزع، والارتياع والهلع، مما ألجأني إلى تسكينه بإنشاد عجائب الأشعار، وإيراد غرائب الأخبار، وهو لا يفهم ما أورده، ولا يعقل معاني ما أسرده، فمررنا في الطريق بمشهدين متقابلين، وعليهما رأسان منصوبان فقلت:\rألا رب رأسٍ لا تزاور بينه ... وبين أخيه والمزار قريب\rأناف به صلد الصفا فهو منبر ... وقام أعلاه فهو خطيب\rثم استجزته باستطالةٍ فقال:\rيقول حذار الإغترار فطالما ... أناخ قتيل بي وفر سليب\rوينشدنا إنا غريبان ها هنا ... وكل غريب للغريب نسيب\rفإن لم يزره صاحب أو خليله ... فقد زاره نسر هناك وذيب\rوها هو أما منظراً فهو ضاحك ... إليك وأما نصبه فكئيب\rقال أبو إسحاق: فما أتم إنشاده حتى طلعت سرية العدو فأوقعت بالركب، فأناخ قتيلاً، وبحوت مسلوباً، فعجبت من هذا الاتفاق.\rقال وصنع يوماً الأعز أبو الحسن بن المؤيد رحمه الله تعالى بديهاً في مغنٍ\rمغن صوته يحكيه في حسن وفي لين\rيغنيني فيغنيني ... ويحيا إذ يحييني\rواستجاز شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير نجم الدين بن المجاور فقال:\rويسقيني سلاف الرا ... ح من فيه فيشفيني\rتعجلت به أجري ... ولم أعطف على ديني\rومنه إجازة أبيات ببيت\rكما أنبأني الشيخان تاج الدين أبو اليمن زيد بن حسن الكندي وجمال الدين الحرستاني إجازة عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر، قال: أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد، أخبرنا أبو الفرج سهل بن بشر، أخبرنا أبو الحسين علي بن عبد الله الهمداني إجازة، أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن خيران، أخبرنا ابن الأنباري، قال: دخل الزبير بن بكار على أمير المؤمنين المعتز بالله وهو محموم، فقال له: يا أبا عبد الله إني قد قلت في ليلتي هذه أبياتاً، وقد أعيا على إجازة بعضها، وأنشدني:\rإني عرفت علاج الجسم من وجعي ... وما عرفت علاج الحب والجزع\rجزعت للحب، والحمى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي\rمن كان يشغله عن حبه وجع ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي\rفقال أبو عبد الله:","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"وما أمل حبيبي، ليتني أبداً ... مع الحبيب، ويا ليت الحبيب معي\rفأمر له على هذا البيت بألف دينار.\rوبهذا الإسناد عن الإمام الحافظ ابن عساكر\rقال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن المحسن بن أحمد الملحي لفظاً - وكتبه لي بخطه - قال: حدثني السابق أبو اليمن محمد بن الخضر المعري، قال: اجتمعت بأبي عبد الله ابن الخياط - يعني الشاعر الدمشقي بطرابلس - وكنت أنا وهو نجلس في دكان عطار نصراني، يعرف بأبي المفضل، فيه ذكاء ومحبة للأدب، فخرجنا يوماً إلى ظاهر البلد، فاخترنا موضعاً نجلس فيه على غدير هناك، فقال ابن الخياط بديهياً:\rأو ما ترى قلق الغدير كأنه ... يبدو لعينك منه حلى مناطق\rمترقرق لعب الشعاع بمائه ... فتراه يخفق مثل قلب العاشق\rفإذا نظرت إليه راقك لمعه ... وعللت طرفك من سراب صادق\rولم يفتح الله على السابق ولا بلفظة، فقال العطار:\rقد كنت أرجو أن تكون مصلياً ... حتى رأيتك سابقاً للسابق\rفاستحسنا ما أتى به العطار، وجعلناه من مأثور الأخبار.\rقال أبو عبد الله: وكان السابق لا يحفظ من شعره بيتاً واحداً، وأبو عبد الله بن الخياط بخلافه، يحفظ شعره منذ عمله إلى أن مات.\rومنه إجازة أكثر من بيت بأكثر من بيت\rفمن ذلك ما ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة من حكاية أبي الفرج الببغاء في دير مران، ووصفها بأن قال: وهي وإن كان فيها بعض طول، فالبديع غير مملول؛ وكل ما أرويه وأسنده إلى اليتيمة في هذا الكتاب فهو مما أجازه لي القاضي الفقيه نبيه الدين أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي - رحمه الله تعالى - قال: أخبرنا الشيخ الفقيه أبو القاسم علي بن مهدي الإسكندري، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن سلامة الهذلي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسن التميمي، قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن محمد النيسابوري، قال: أخبرنا أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي - وقد تقدم ذكر هذا الإسناد - قال الثعالبي: قال أبو الفرج واللفظ له: تأخرت عند سيف الدولة بدمشق مكرهاً، وقد سار عنها في بعض وقائعه، وكان الخطر شديداً على من أراد اللحوق به من أصحابه، حتى إن ذلك كان يؤدي إلى الهب وطول الاعتقال، فاضطررت إلى إعمال الحيلة والسلامة بخدمة من بها من رؤساء الدولة الإخشيدية، وكانت سني في ذلك الوقت عشرين سنة، وكان انقطاعي منهم إلى أبي بكر علي بن صالح الروذباري لتقدمه في الرياسة، ومكانه من الفضل والصناعة فأحسن تقبلي وبالغ في الإحسان إلي وحصلت تحت الضرورة والمقام، فتوفرت على قصد البقاع المستحسنة، والمتنزهات المطروقة، تسلياً وتعللا، فلما كان في بعض الأيام، عملت على قصد دير مران - وهذا الدير مشهور الموقع في الجلالة وحسن المنظر - فاستصحبت بعض من كنت آنس به، وتقدمت بحمل ما يصلحنا، وتوجهت نحوه، فلما حصلنا تحته أخذنا في شأننا. وقد كنت اخترت من رهبانه لعشرتنا من توسمت فيه رقة الطبع، وسجاحة النفس، حسبما جرى به الرسم والعادة في غشيان الأغمار، وطروق الديرة من التظرف بعشرة أهلها والأنسة بسكانها، ولم تزل الأقداح دائرة بين مطرب الغناء ومزاهر المذاكرة إلى أن فض اللهو ختامه، ولوح السكر لصحبي أعلامه، فحانت مني التفاتة إلى بعض الرهبان، فوجدته إلى خطابي متوثباً، ولنظري إليه مترقباً، فلما أخذته عيني أكب يزعجني بخفى الرمز ووحي الإيماء، فاستوحشت لذلك وأنكرته، ونهضت عجلاً واستحضرته، فأدرج لي رقعة مختومة، وقال لي: قد لزمك فرض الأمانة فيما تتضمنه هذه الرقعة وسقط ذمام كاتبها في سترها بك عني، ففضضها فإذا فيها مكتوب بأحسن خط وأملحه وأقواه وأوضحه: بسم الله الحمن الرحيم. لم أزل فيما تؤديه هذه الرقعة - يا مولاي - بين حزم يحث على الانقباض عنك؛ وحسن ظن يحض على التسامح بنفيس الحظ منك، إلى أن استنزلتني الرغبة فيك على حكم الثقة بك من غير خبرة، فرفعت سجف الحشمة، وأطعت في الانبساط أوامر الأنسة، وانتهزت في التوصل إلى مودتك فأنت الفرصة. والمسماح منك - جعلني الله فداك - زورة أرتجع بها ما اغتصبتنيه الأيام من المسرة، مهنأة بالإنفراد إلا من غلامك، الذي هو مادة مسرتك.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"وما ذاك عن خلق بضيق بطارقٍ ... ولكن لأخذي باحتياطٍ على حالي\rفإن صادف ما خطبته منك أيدك الله قبولا ولديك نفاقاً فمنية غفل الدهر عنها، إذ فارق مذهبه فيما أهداه إلى منها، وإن جرى على رسمه في المضايقة فيما أوثره وأهواه، وأترقبه من قربك وأتمناه، فذمام المروءة يلزمك رد هذه الرقعة وسترها وتناسيها، واطراح ذكرها إن شاء الله تعالى. وإذا بأبيات تتلو الخطاب وهي:\rياعامر العمر بالفتوة وال ... قصف وحث الكئوس والطرب\rهل لك في صاحبٍ تناسب في ال ... غربة أخلاقه وفي الأدب\rأوحشه الدهر فاستراح إلى ... قربك مستنصراً على النوب\rفإن تقبلت ما أتاك به ... لم تشب الظن فيك بالكذب\rوإن أبي الدهر دون رغبته ... فكن كمن لم يقل ولم يجب\rقال أبو الفرج: فورد على ما حيرني، واسترد ما أخذه الشراب من تمييزي، وحصل لي في الجملة أن أغلب الأوصاف على صاحبها في الكتابة خطا وترسلاً ونظماً، وشاهدته بالفراسة من ألفاظه، وحمدت أخلاقه قبل الاختبار من رقعته، فقلت للراهب: ويحك! من هذا؟ وكيف السبيل إلى لقائه؟ فقال: أما ذكر حاله فإليه إذا اجتمعنا، وأما السبيل إلى لقائه فسهل إن شئت، قلت: دلني، قال: تظهر فتوراً، وتنصب عذراً تفارق به أصحابك منصرفاً؛ فإذا صرت بباب الدير عدلت بك إلى باب صغير تدخل منه. فرددت الرقعة عليه وقلت: أدفعها إليه ليتمكن أنسه بي وسكونه إلي، ثم عرفته أن التوفر على إعمال الحيلة المبادرة إلى حضرته على ما آثره من التفرد أولى من التشاغل بإصدار جواب وقطع وقت بكتابته.\rومضى الراهب وعدت إلى أصحابي بغير النشاط الذي ذهبت به؛ فأنكروا ذلك مني، فاعتذرت إليهم بشيء عرض لي، واستدعيت ما أركبه، وتقدمت إلى من كان معي من الخدم بالتوفر على خدمتهم؛ وقد كنا عولنا على المبيت، فأجمعوا على تعجيل السكر والانصراف، وخرجت من باب الدير ومعي صبي صغير كنت آنس به وبخدمته، وتقدمت إلى الشاكري برد الدابة وستر خبري ومباكرتي. وتلقاني الراهب، فعدل بي إلى طريق في مضيق، وأدخلني الدير من طريق غامض، وصار بي إلى باب قلايةٍ يتميز عما يجاوره من الأبواب نظافةً وحسناً، فقرعه بحركات مختلفة كالعلامة بينهما، فابتدرنا منه غلام كأن البدر ركب على أزراره: مهفهف الكشح مخطفه، معتدل القوام أهيفه، تخال الشمس برقعت غرته، والليل ناسب أصداغه وطرته.\rفي غلالة تم على ما تستر، وتجفو مع رقتها عما يظهر، وعلى رأسه مجلسية، فصمته فبهر عقلي، واستوقف نظري، ثم أجفل كالظبي المذعور، وتلوته والراهب إلى صحن القلاية، فإذا أنا ببيت فضي الحيطان، رخامي الأركان، يضم طارمة خيش مفروشة بحصير مستعمل، فوثب إلينا منه فتى مقتبل الشبيه، حسن الصورة، ظاهر النبل والهيئة، متزى من اللباس بزي غلامه، فلقيني حافياً يعثر في سراويله، واعتقني، ثم قال: إنما استخدمت هذا الغلام في تلقيك يا سيدي لأجعل ما لعلك استحسنته من صورته، مصانعاً لما يرد عليك من مشاهدتي.\rفاستحسنت اختصاره الطريق إلى بسطى، وارتجاله إلى النادرة على نفسه حرصاً على تأنيسي. وأفاض في شكري على المسارعة إلى امتثال أمره، مكدود بمن كان معك، والتمكن من الأنس بك لا يتم إلا براحتك.\rوقد كان الأمر على ما ذكر، فاستلقيت يسيراً ثم نهضت، فخدمت في حالتي النوم واليقظة الخدمة التي عهدتها في دار الملوك وجلة الرؤساء. ثم جاءنا خادم لم أر أحسن وجهاً، ولا أتم سواداً منه، يضم ما يتخذ للعشاء مما خف ولطف، فقال: يا سيدي العشاء مني للحاجة، ومنك للمؤانسة. فنلنا شيئاً.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وأقبل الليل وطلع القمر، ففتحت مناظر ذلك البيت إلى فضاءٍ أدى إلينا محاسن الغوطة، وحبانا بذخائر رياضها من المنظر الجناني، والنسيم العطري، وجاءنا الراهب من الأشربة بما وقع اتفاقنا عليه، واقتعدنا غارب اللذة، وجرينا في ميدان المفاوضة، وأخذ يناهبني نوادر الأخبار وملح الأشعار، ويخلط ذلك من المرح بأظرفه، ومن التودد بألطفه، فلما توسطنا الشرب التفت إلى غلامه وقال: يا مترف، إن مولاك لم يدخر عنا ممكناً من السرور بحضرته فينبغي لنا ألا ندخر ممكناً من تمام مسرته. فامتقع وجه الغلام حياء وخفراً، فأقسم عليه بحياته، وأنا لا أعلم ما يريد، فمضى ثم عاد يحمل طنبوراً، وجلس فقال لي: تأذن لي يا سيدي في خدمتك؟ فهممت بتقبيل يديه، لما داخلني من عظم المسرة بذلك، فأصلح الغلام الطنبور، وضرب وغنى يقول:\rيا مالكى وهو ملكي ... وسالبي ثوب نسكي\rنزه يقين الهوى في ... ك عن تعرض شك\rلولاك ما بت أبكي ... إلى الصباح وأبكي\rفنظر إلى الغلام وتبسم، فعلمت أن الشعر له، وكدت - والله - أن أطير طرباً وفرحاً لملاحة خلقه وجودة ضربه، وعذوبة منطقه، وتكامل حسنه. فاستدعيت كيزاناً، فأحضر الغلام عدة قطع من البلور وجيد الجام المحكم فشربت سروراً بوجهه، وشرب بمثل ما شربت به. ثم قال: أنا - والله - يا سيدي أحب ترفيهك، ألا أقطعك عما أنت متوفر عليه، ولكن حيث عرف الاسم والنسب والصناعة واللقب، فلا بد أن تسم ليلتنا هذه بشيء يكون لها طرازاً، ولذكرها علماً. فجذبت الدواة وكتبت ارتجالاً، وقد أخذ الشراب مني:\rوليلة أوسعتني ... لهواً وحسناً وأنسا\rما زلت ألثم بدراً ... بها، وأشرب شمسا\rإذ أطاع الدير سعداً ... لم يبق مذآب نحسا\rفصار للروح مني ... روحاً وللنفس نفسا\rفطرب لقولي: ألثم بدراً وأشرب شمسا، وجذب غلامه فقبله، وقال: لم أجهل يا سيدي ما يجب لك من التوقير، وإنما اعتمدت تصديقك فيما ذكرته، فبحياتي إلا فعلت مثل ذلك بغلامك، فاتبعت آثاره خوفاً من احتشامه، ثم أخذ الأبيات وجعل يرددها، ثم أخذ الدواة وكتب إجازة لها:\rولم أكن لغريمي ... والله أبذل فلسا\rلو ارتضى لي غريمي ... بدير مران حبسا\rفقلت له: إذاً - والله - ما كان أحد يؤدي حقاً ولا باطلا.\rوداعبته في هذا المعنى بما حضرني، وعرفت في الجملة أنه مستتر من دين قد ركبه، فقال لي: يا سيدي، قد خرج لك أكثر الحديث، فإن عذرت وإلا ذكرت لك القصة. فآثرت مراده في كتمان أمره. فقلت يا سيدي! كل ما لا يتعرف بك نكرة، وقد أغنت المشاهدة عن الاعتذار، ونابت الخبرة عن الاستخبار، وجعل يشرب وينتخب من غير إكراه ولا إبطاء، إلى أن رأيت الشراب قد دب فيه، وأكب على محادثة غلامه والفطنة تثنيه في الوقت بعد الوقت، فأظهرت السكر وحاولت النوم، وجاء الغلام ببرذعة ففرشها بإزاء برذعته، فنهضت إليها، فقام وتفقد أمري بنفسه، فقلت له: إن لي مذهباً في تقريب غلامي مني، واعتمدت في ذلك تسهيل ما يختاره من غلامه في هذه الحال، فتبسم وقال لي بسكره: وجمع الله لك المسرة كما جمعه لي بك. وأظهرت النوم، وعاد يحادث غلامه بأعذب لفظ وأحلى معاتبة، ويخلط ذلك بمواعيد تدل على سعة حال وانبساط يد، وغلامه تارة يقبل يده وتارة يقبل فمه.\rوغلبني عيناي إلى أن أيقظني هواء السحر، فانتبهت وهما متعانقان مما عليهما من اللباس فأوردت توديعه، وكرهت إنباهه وإزعاجه، فخرجت، فلقيني الخادم يريد إيقاظه وتعريفه انصرافي، فأقسمت عليه ألا يفعل، ووجدت غلامي قد بكر بما أركبه كما كنت أمرته، فركبت منصرفاً، وعازماً على العودة إليه والتوفر على مواصلته، وأخذ الحظ من معاشرته، ومتوهماً أن ماكنت فيه منام لطيبه، وقرب آخره من أوله.\rواعترضتني أسباب أدت إلى اللحاق بسيف الدولة، فسرت على أتم حسرة لما فاتني من معاودة لقائه، وقلت في ذلك:\rويومٍ كأن الدهر سامحنا به ... فصار اسمه ما بيننا هبة الدهر\rجرت فيه أفراس الصبا بارتياحنا ... إلى دير مران المعظم والعمر\rبحيث هواء الغوطتين معطر ال ... نسيم بأنفاس الرياحين والزهر","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"فمن روضة بالحسن ترفد روضةً ... ومن نهرٍ بالفيض يجري إلى نهر\rوفي الهيكل المعمور منه افترعتها ... وصحبي حلالاً بعد توفية المهر\rونزهت عن غير الدنانير قدرها ... فما زلت منها اشرب التبر بالتبر\rوحل لنا ما كان منها محرماً ... وهل يحظر المحظور في بلد الكفر!\rفأهدت لي الأيام منها مودةً ... دعتني إلى ستر فلبيت في ستر\rأتى من شريف الطبع أصدق رغبة ... يخاطبني عن معدن النظم والنثر\rفلاقيت ملء العين نبلاً وهمةً ... محلى السجايا بالطلاقة والبشر\rوكان جوابي طاعةً لا مقالةً ... ومن ذا لايستجيب إلى اليسر!\rوأحشمني بالود حتى ظننته ... يريد اختداعي عن حياتي ولا أدري\rونزه عن غيري الصفاء اجتماعنا ... فكنت وإياه كقلبين في صدر\rوشاء سرور أن يلينا بثالث ... فلاطفنا بالبدر أو بأخي البدر\rبمعطٍ عيوناً ما اشتهت من جماله ... ومضنٍ قلوباً بالتجنب والهجر\rجنينا جنى الورد في غير وقته ... وزهر الربا من ورد خديه والثغر\rوقابلنا من وجهه وشرابه ... بشمسين في جنحي دجا الليل والشعر\rوغنى فصار السمع كالطرف آخذاً ... بأوفر حظ من محاسنه الزهر\rوأمتعنا من وجنتيه بمثل ما ... تمزج كفاه من الماء والخمر\rسرور شكرنا منة الصحو إذ دعا ... إليه، ولم نشكر به منة السكر\rكأن الليالي نمن عنه فعندما ... تنبهن نكبن الوفاء إلى الغدر\rمضى فكأني كنت منه مهوماً ... يحدث عن طيف الخيال الذي يسري\rوهل يحصل الإنسان من كل ما به ... تسامحه الأيام إلا عن الذكر!\rولم أزل على أتم قلق، وأعظم حسرة وأشد أسف، على ما سلبته من عظيم النعمة بفراق الفتى؛ لاسيما ولم أحصل منه على حقيقة علم، ولا نص خبر؛ يؤديان إلى الطمع في لقائه إلى أن عاد سيف الدولة إلى دمشق، وأنا في جملته؛ فما بدأت بشئ قبل مصيري إلى الراهب، وقد كنت حفظت اسمه فخرج إلي مرعوباً؛ وهو لا يعلم ما السبب.\rفلما رآني استطار فرحاً، وأقسم لا يكلمني إلا بعد النزول والمقام عنده يرمى ذلك؛ فلما جلسنا للمحادثة قال لي: أراك لا تسألني عن صاحبك! قلت: والله ما لي فكر ينصرف عنه، ولا أسف يتجاوز ما حزته منه، ولا سررت بعودي إلى هذا البلد إلا من أجله، ولذلك بدأت بقصدك، فاذكر لي خبره.\rفقال أما الآن فنعم؛ هذا فتى من المارداتيين، جليل القدر، عظيم النعمة، كان قد ضمن من سلطانه بمصر ضياعاً بمال عظيم، فخاس به ضمانه لقعود السعر عنه، وأشرف على الخروج من نعمته، فاستتر. ولما اشتد البحث عنه خرج مستخفياً إلى أن ورد دمشق بزي تاجر، وكان استتاره عند بعض إخوانه ممن لي به ارتباط، فإني كنت عنده يوماً إذ ظهر لي وقال لصديقه: إني أريد الانتقال إلى هذا الراهب إن كان مأموناً إذ ظهر لي وقال لصديقه مذهبي، وأظهرت له السرور بما رغب فيه من الأنس بي، وأنا لا أعرفه؛ غير أن صديقي قد أمرني بخدمته.\rفلما حصل في قلايتي واصل الصوم، فلما كان بعد أيام، جاءنا الرسول من عند صديقنا، ومعه الغلام والخادم وقد لحقا به، ومعهما سفاتج، وعليهما ثياب رثة، فلما نظر إلى الغلام والخادم قال: يا راهب قد حل الفطر، وجاء العيد. ووثب إلى الغلام فاعتنقه، وجعل يقبل عينيه ويبكي، ثم وقف على السفاتج، فأنفذها مع رقعة إلى صديقه.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"فلما كان بعد يومين حمل إليه ألفى دينار وما يحتاج إليه من فرش وملبوس؛ ولم يزل مكبا على ما رأيت إلى أن ورد عليه البغال والآلات السنية الحسنة من مصر، وكتب إليه أهله باجتماعهم بصاحب مصر وتعريفهم إياه الحال في بعده عن وطنه لضيق ذات يده عما يطالب به والتوقيع بحطيطة المال فلما أعمل المسير قال لغلامه: سلم جميع مابقى معك من النفقة إلى الراهب ليصرفه في مصالح الدير إلى أن نواصل تفقده في مستقرنا، وسار وماله حسرة غيرك، ولا أسف إلا عليك، يقطع الأوقات بذكرك؛ ولا يشرب إلا على ما يغنيه الغلام من شعرك، وهو الآن بمصر على أحسن الأحوال وأجملها ما يخل بتفقدي، ولا يغب بري.\rقال أبو الفرج: فتعجلت بعد السلوة بما عرفت من حقيقة خبره، وأتممت يومي عند الراهب، وكان آخر العهد به.\rقال علي بن ظافر: أقسم بالله إن هذه الحكاية - وإن طالت - لحقيقة أن تكتب بالمقل السود، على صفحات الخدود؛ ولقد أزرت بمرأى العقود بين الترائب والنهود؛ فرحم الله أبا الفرج وصاحبه؛ فلقد استحقا منا بهذه الحكاية حمداً وشكراً، وأبقيا لهما في الظرفاء ذكراً، ولقد بلغ من طربي بها، وارتياحي عند قراءتها، ما أنى أوسع هذا الفتى المارداني دعاءً وترحيماً، وأتبع ذكره صلاة عليه وتسليماً، حتى أني أكثر قصد ترب الماردانيين بالزيارة والدعاء؛ أملا أن يكون في جملتهم وطمعا أن يكون مدفونا معهم وما أنا وإياهم إلا كما قال خالد بن يزيد:\rأحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا\rوهذه غاية جهدي، مع تربة دائرة ورمةٍ بالية، فرحمة الله كلما غرب نجم وطلع، ونبت نجم وأينع، بحرمة محمد صلى الله عليه وسلم!\rأنبأني العماد أبو حامد، أخبرني علي الحسن بن سعد الشاتاني\rقال لي نجم الدين بن الشهرزوري قاضي الموصل؛ دخل إلى شاب من أهل بغداد فأنشدني هذه الأبيات:\rفي نهر عيسى والهواء معنبر ... والماء فضي القميص صقيل\rوالطير إما هاتف بقرينه ... أو نادب يشكو الفراق ثكول\rوالدهر كالليل البهيم وأنتم ... غرر تضئ ظلامه وحجول\rواستاجازني فقلت:\rوالغصن مهزوز القوام كأنما ... هبت عليه من الشمال شمول\rوكأنما السرو التحفن بسندسٍ ... ورقصن فارتفعت لهن ذيول\rقال علي بن ظافر\rواتفقت لي وللقاضي الأجل شهاب الدين يعقوب سفرة إلى البيت المقدس للتبرك بما هناك من البقاع المقدسة، والمشاهد المعظمة، وأجداث الأنبياء المباركة الطيبة؛ فلما جد بنا المسير، وسهل من فراق الأهل والأوطان العسير، وقطعت المطايا بنا الربا والوهاد، ولم يسمع إلا هيد وهاد، صنع الشهاب:\rيا رب كالشهاب المحرق\rقدحته من زند عودٍ أورق\rيسير في الخرق مسير الأخرق\rفهل رأت عيناك عدو النقنق\rحتى إذا ماافتر ثغر المشرق\rثم استجازني فقلت:\rولاح في الجو احمرار الشفق\rكالخمر صبت في زجاجٍ أزرق\rبدا على الآل قطار الأينق\rكمثل سطرٍ في بياض مهرق\rأو كالمدارى في مشيب المفرق\rكم بازلٍ في بحره كالزورق\rأو كهلالٍ مشرقٍ في زبرق\rوهذه أيضاً حكاية بديعة، تشتمل على نوعي الإجازة\rالقديم والعصري، قصدت بإيرادها في هذا الموضع أن تكون دهليزاً للخروج من القسم الأول، والدخول في القسم الثاني لما بينهما من الاشتراك فيها:","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"روى من طرق مختلفة كتبت أكملها وأتمها، أن الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر ارتاح منادمة من بعد عهده بمنادمته، أو من لم يره، وحضره صاحبه الحسن بن محمد بن طالوت - وكان أخص الناس به - فقال له: لابد لنا في يومنا هذا من ثالث، نطيب بمعاشرته، ونلتذ بصحبته ومؤانسته، فمن ترى أن يكون طاهر الأعرق، غير دنس الأخلاق؟ فأعمل فكره، وأمعن نظره، وقال: أيها الأمير؛ قد خطر ببالي رجل ليست علينا في مجالسته كلفة، قد خلا من إبرام المجالسة، وبرئ من ثقل المؤانسة، خفيف الوقفة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أمرت، قال: ومن ذاك؟ قال: ماني الموسوس، قال: أحسنت والله. فتقدم إلى أصحاب الأرباع بطلبه، فما كان أسرع من أن اقتنصه صاحب ربع الكرخ، فصار به إلى باب الأمير فأدخل الحمام، وأخذ من شعره، وألبس ثياباً نظافاً، ثم أدخل عليه، فقال: السلام عليك أيها الأمير؛ فقال: وعليك السلام يا ماني، ألم يأن أن تزورنا على حين توقان منا إليك، ومنازعة قلوبنا نحوك! فقال ماني: الشوق شديد والمزار بعيد، والحجاب عتيد والبواب فظ، ولو سهل الإذن لسهلت علينا الزيارة، قال: لقد ألطفت في الاستئذان، فلا تمنع في أي وقت جئت من ليل أو نهار! ثم أذن له فجلس، ثم دعا بالطعام فأكل، ثم غسل يده وأخذ مجلسه، وكان محمد قد تشوق إلى السماع من تنوسة جارية ابنة المهدي، فأحضرت، فكان أول ما غنت:\rولست بناس إذ غدوا فتحملوا ... دموعي على الأحباب من شدة الوجد\rوقولي وقد زالت بليلٍ حمولهم ... بواكر تخدى: لا يكن آخر العهد\rفقال ماني: أحسنت والله، بحق رأس الأمير إلا ما زدت فيه:\rأقمت أناجي الفكر والدمع حائر ... بمقلة موقوفٍ على الجهد والصد\rولم يعدني هذا الأمير بعزه ... على ظالم قد لج في الهجر والصد\rفاندفعت تغنيه، فرق محمد عبد الله له وقال: أعاشق أنت يا ماني؟ قال: فاستحيا، وغمزه ابن طالوت لئلا يبوح له بشئ فيسقط من عينه، فقال: بل هلع مطرب أعز الله الأمير، وشوق كان كامناً فظهر، وهل بعد المشيب من صبوة! ثم اقترح محمد على تنوسة هذا الصوت من شعر أبي العتاهية:\rحجبوها عن الرياح لأني ... قلت يا ريح بلغيها السلاما\rلو رضوا بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرحيل الكلاما!\rفغنته، فطرب محمد، فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه:\rفتنفست ثم قلت لطيفي: ... آه لو زرت طيفها إلماما\rخصها بالسلام سراً وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما\rفكان أبعث للصبابة بين الأحشاء، وألطف تغلغلاً على كبد الظمآن من زلال الماء، مع حسن تأليف نظامه، وانتهائه إلى غاية تمامه.\rقال محمد: أحسنت والله يا ماني، ثم أمر تنوسة بإلحاقها هذين البيتين من شعر أبي نواس:\rيا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابةٍ فأقيما\rما مررنا بدار زينب إلا ... فضح الدمع سرها المكتوما\rفاستحسنه محمد، فقال ماني: لولا رهبة التعدي لأضفت إلى هذي البيتين بيتين لا يردان على سمع ذي لب إلا صدر استحسانه لهما، فقال محمد: الرغبة فيما تأتي به حائلة دون كل رهبة؛ فهات ما عندك، فقال:\rظبية كالغزال لو تلحظ الصخ ... ر بطرفٍ لغادرته هشيماً\rوإذا ما تبسمت خلت ما تب ... دى من الثغر لؤلؤاً منظوما\rفقال محمد: أحسنت والله، فأجز هذا الشعر:\rلم تطب اللذات إلا لمن ... طابت له لذة تنوسة\rغنت بصوتٍ أطلقت عبرة ... كانت بحسن الصبر محبوسة\rفقال ماني:\rوكيف صبر النفس عن غادةٍ ... تظلمها إن قلت: طاووسة\rوجرت إن شبهتها بانةً ... في جنة الفردوس مغروسة\rثم سكت، فقال محمد: فأعد لي وصفك لها، فقال:\rوغير عدلٍ إن قرنا بها ... جوهرةً في التاج ملموسة\rجلت عن الوصف فما فكرة ... تلحقها بالنعت محسوسة\rفقالت تنوسة: وجب علينا يا ماني شكرك، فساعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله تعالى يديم لنا السرور ببقاء من بقائه اجتمع شملنا، وطاب يومنا، فأنشأ يقول:","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"ليس لي إلف فيقطعني ... فارقت نفسي الأباطيل\rأنا موصول بنعمة من ... حبله بالحمد موصول\rأنا مشمول بمنة من ... منه في الخلق مبذول\rأنا مغبوط زورة من ... ربعه بالمجد مأهول\rفأومأ إليه ابن طالوت بالقيام، فنهض وهو يقول:\rملك عز النظير له ... زانه الغر البهاليل\rطاهري في مركبه ... عرفه للناس مبذول\rدم من يشقى بصارمه ... مع هبوب الريح مطلول\rفقال محمد: وجب جزاؤك، لشكرك على غير نعمة سلفت منا إليك. ثم أقبل على ابن طالوت فقال: يا هذا، ليست خساسة ثوب المرء واتضاع المنظر ونبو العين بمذهبةٍ جوهر الأدب المركب فيه، ولله در صالح بن عبد القدوس حيث يقول:\rلايعجبنك من يصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول\rفلربما افتقر الفتى فرأيته ... وسخ الثياب وعرضه مغسول\rقال ابن طالوت: فما رأيت أحداً أحضر دهناً منه، إذ تقول له الجارية: عطف عليك إلفك، فينفيها بقوله:\rليس لي إلف فيقطعني\rقال: ولم يزل مجريا عليه رزقاً سنياً إلى أن مات.\rالقسم الثاني ما تكون الإجازة فيه لشعر قديم فمنه إجازة بيت ببيت\rكما روى إسحاق الموصلي، قال أبو المجيب شداد بن عقبة: دعا رجل من الحي - يقال له أبو سفيان - رجلا من حيه اسمه القتال الكلابي إلى وليمة، فجلس القتال ينتظر رسوله، ولا يأكل حتى ارتفع النهار، وكانت عند امرأته فقرة من حوار؛ فلما يئس قال:\rفإن أبا سفيان ليس بمولمٍ ... فقومي فهاتي فقرةً من حوارك\rقال إسحاق، فقلت له: ثم ماذا؟ قال: لم يأت بعده بشئ؛ إنما أرسله يتيماً، فقلت: أفلا أزيدك إليه بيتاً آخر ليس بدونه؟ قال: بلى، فقلت:\rفبيتك خير من بيوتٍ كثيرة ... وقدرك خير من وليمة جارك\rفقال: بأبي أنت وأمي! والله لقد أرسلته مثلا وما انتظرت به العرب وإنك لبز طراز، ما رأيت في العراق مثله، وما يلام الخليفة على أن يدنيك ويؤثرك ويتملح بك؛ ولو كان السباب يشتري لابتعته لك بإحدى يدي، ويمنى عيني؛ على أن فيك بحمد الله منه بقيةً تسر الودود، وترغم الحسود.\rهذا من رواية الأصبهاني تتصل بعمر بن شبة وحماد عن إسحاق. وفي رواية له تتصل بالأخفش ويزد المهلبي، أن إسحاق قال: أخبرني أبو زياد الكلابي، قال: أولم جار لي...، وذكر الحكاية. والبيت الأول فيها لأبي زياد؛ فعلى هذا تكون من إجازة بيت عصري ببيت.\rومن ذلك ما روى أحمد بن أبي فنن\rقال : دخل أبو نواس على الذلفاء جارية ابن طرخان، ودخل على إثره مروان بن أبي حفصة، فرفعه مولاها عنه، فغضب، وقال: أجيزي لجرير:\rغيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا\rفقالت - وكانت تشبب بالرشيد:\rهيجت بالبيت الذي أنشدتني ... حبا بقلبي للإمام دفينا\rفقام أبو نواس عند ذلك، وخرج وهو ينشد:\rعجباً من حماقة الذلفاء ... تتشهى فياشل الخلفاء\rقال ابن أبي فنن: فأجزت أنا قول أبي نواس، وأكثر الناس يروونه له:\rلو تشهيت غيره كان أولى ... من أيور الدناة والضعفاء\rإن أدنى الأمور عندي منالاً ... شهوات الأكفاء للأكفاء\rوروى أحمد بن معاوية\rقال: قال لي رجل: تصفحت كتباً، فوجدت فيها بيتاً جهدت جهدي أن أجد من يجيزه، فلم أجد، فقال لي صديقي: عليك بعنان جارية الناطفي، فجئها فقلت: أجيزي:\rفما زال يشكو الحب حتى رأيته ... تنفس في أحشائه وتكلما\rفلم تلبث أن قالت:\rويبكى فأبكى رحمةً لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما\rوروى العباس بن رستم\rقال: دخلت مع أبان اللاحقي على عنان في خيشها، فقال:\rالعيش في الصيف خيش\rفقالت مسرعة:\rإذ لا قتال وجيش\rقال: فأنشدتها لجرير:\rظللت أواري صاحبي صبابتي ... وقد علقتني من هواك علوق\rفقالت:\rإذا أغفل الخوف اللسان تكلمت ... بأسراره عين عليه نطوق\rوذكر الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"حدث محمد بن الفضل الهاشمي قال: حدث أحمد بن سلمة الكاتب، أنه قال لعياش بن القاسم: اجتمعت مع عمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف في مجلس فيه قينة، فغنت:\rأناس مضوا كانوا إذا ذكر الألي ... مضوا قبلهم صلوا عليهم وسلموا\rفقال عمرو: هو - والله - حسن، إلا أنه مفرد، فأضيفوا إليه بيتاً آخر، فإنه أحسن له وأطول للقافية، وأطوع للغناء فيه، فقال أحمد بديهاً:\rوما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلاً بعدهم وتقدموا\rفغنت بهما المغنية، فطربوا وشربوا عليهما بقية يومهم.\rوروى علي بن الحسن الباخرزي في كتاب دمية القصر\rأن أبا جعفر محمد بن إبراهيم المعدني، معدن زوزن؛ رأى على جدارٍ بيتاً مكتوباً:\rلكل شئ من فقده عوض ... وما لفقد الشباب من عوض\rوليس في الدهر من شدائده ... أشد من فاقةٍ على مرض\rوذكر أحمد بن أبي طاهر قال\rألقى بعض أصحابنا على فضل الشاعرة:\rومستفتح باب البلاء بنظرةٍ ... تزود منها قلبه حسرة الدهر\rفقالت مسرعة:\rفوالله ما ندري: أتدري بما جنت ... على قلبه أم أهلكته ولا تدري!\rوروى الفضل بن العباس الهاشمي عنها وعن بنان الشاعرة\rقالت: توكأ المتوكل على يدي ويد فضل وقال: أجيزا قول الشاعر:\rتعلمت أسباب الرضا خوف سخطه ... وعلمه حبي له كيف يغضب\rفقالت فضل:\rيصد وأدنو بالمودة جاهداً ... ويبعد عني بالوصال وأقرب\rفقلت أنا:\rوعندي له العتبى على كل حالةٍ ... فما منه لي بد ولا عنه مذهب\rقال علي بن ظافر\rأنشدني أبو القاسم الصيرفي في قول عبد الله ابن السمط:\rحار طرف تأملك ... ملك أنت أم ملك!\rفقلت بديهاً:\rبل تعاليت رتبةً ... فلك الأرض والفلك\rوأخبرني بهاء الدين بن الساعاتي المقدم ذكره\rقال: غنى مغنٍ في مجلس كنت به حاضراً:\rيا بدر عذالي عليك كثيرة ... والمسعدون على هواك قليل\rفأجزته بديهاً فقلت:\rفي الصبر عن هذا القوام ولينه ... قصر وفي شرح الصبابة طول\rوأخبرني الأديب أبو القاسم العداس المنبوز بالراوية\rقال: قصد الشيخ أبو الخير سلامة الأنباري الضرير النحوي تعجيزي بين يدي الشيخ العلامة أبي محمد بن بري، لسرٍ كان بيني وبينه، فقال لي: إن كنت شاعراً كما تزعم فأجز:\rأدرجت في أثناء نسيانكم ... حتى كأني ألف الوصل\rفقلت بديهاً:\rوكنت عين الفعل في قربكم ... فصرت لام الجر في الفعل\rقال علي بن ظافر\rأنشدني بعض أصحابنا هذا البيت من شعر ابن منير، وسألني إجازته:\rيجل عن التشبيه في الحسن وجهه ... فبدر الدجى من حسنه يتعجب\rفقلت في قصيدةٍ اقتضاها سؤاله:\rومن كان بدر التم يعجب أن رأى ... محاسنه بالبدر كيف يلقب\rومنه ما تكون الإجازة فيه لبيت بأكثر من بيت\rروى أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين أن بذلاً الكبيرة جارية عبد الله بن موسى الهادي غنت بين يدي المأمون:\rألا لا أرى شيئاً ألذ من الوعد ... ومن أملٍ فيه وإن كان لا يجدي\rفصنع المأمون بيتين بديهاً وقال: زيديهما فيه:\rومن غفلة الواشي إذا ما لقيته ... ومن زورتي أبياتها خالياً وحدي\rومن ضحكةٍ في الملتقى ثم سكتةٍ ... وكلتاهما عندي ألذ من الشهد\rوبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام في الذخيرة\rقال: غنى يوماً بيت يدي العالي الإدريسي بمالقة ببيت لعبد الله بن المعتز:\rهل ترين البدر يختال ... إن غدت للسير أجمال\rفأمر الفقيه أبا محمد غانم بن الوليد المالقي بإجازته، فقال بديهاً:\rإنما العالي إمام هدى ... جلبت في عصره الخال\rملك إقبال دولته ... لذوي الأفهام إقبال\rقل لمن أكدت مطالبه ... راحتاه الجاه والمال\rوأخبرني أبو الحسن بن الساعاتي المقدم ذكره\rقال: غنى مغن في بعض المجالس:\rأسفي على بان القدود ... ريان أثمر بالنهود","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"وكان عندنا بالمجلس رجل كبير الأنف، يتطايب، وكان ينعت بالسديد، فأردت العبث به، فقلت بديهاً:\rيا مانعي صفو الوصا ... ل وما نحى كدر الصدود\rما ضاقت الدنيا علي وقد حوت أنف السديد\rوغنى بعض القوالين يوما\rسلام على من لست أرجو وصاله ... وغير الصبا مالي إليه رسول\rفأجابه الشهاب بن المجاور بديهاً بقوله:\rيراجعني عن خده وهو عاطر ... ويرجع عن عطفيه وهو بليل\rوما كنت لولا هجره بمروعٍ ... ولو صدني عنه قناً ونصول\rأناهٍ فإني لا أصيخ للائمٍ ... ولو أن حد المشرفي عذول\rسأصبر لايدري هواي فينثني ... ولا أنا أرجو عطفه فأقول\rوأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي الديباجي كاتب الدست الشريف\rقال: أنشدنا مولانا السلطان الملك الكامل - خلد الله ملكه - قول الشاعر:\rترحل من حياتي في يديه ... فيا أسفي ويا شوقي إليه!\rواستجاز الجماعة، فقلت:\rومن هذا يكون عليه مثلي ... وهذي الريح أخشاها عليه\rوقال الأمير الأجل الكبير صلاح الدين أدام الله توفيقه:\rألا يا ليته إن كان يأتي ... حياتي ثم موتي في يديه\rومنه ما تكون الإجازة فيه لأكثر من بيت؛ ذكر أبو العتاهية\rقال: حبسني الرشيد لتركي الشعر، وغلقت على الأبواب، فبقيت دهشا كما يدهش مثلي لتلك الحال، فإذا رجل جالس في جانب السجن، وهو مقيد، فجعلت أنظر إليه ساعة، فتمثل بقوله:\rتعودت مر الصبر حتى ألفته ... فأسلمني حسن العزاء إلى الصبر\rوصيرني يأسى من الناس راجياً ... لحسن صنيع الله من حيث لا أدري\rفقلت له: أعد - أعزك الله - هذين البيتين، فقال لي: ويلك يا أبا العتاهية! ما أسوأ أدبك وأقل عقلك! دخلت على السجن، فما سلمت تسليم المسلم على المسلم، ولا سألت مسألة الحر للحر، ولا توجعت توجع المبتلى للمبتلى، حتى إذا سمعت بيتين من الشعر الذي لا فضيلة فيك سواه، لم تصبر عن استعادتهما، ولم تقدم قبل مسألتك عنهما عذراً لنفسك في طلبهما! فقلت: يا أخي، إني دهشت من هذه الحال، فلا تعذلني واعذرني متفضلاً فقال: أنا والله بالدهش والحيرة أولى منك؛ لأنك حبست على أن تقول الشعر الذي به ارتفعت وبلغت ما بلغت، وإذا قلته أمنت؛ وأنا حبست على أن أدل على ابن رسول صلى الله عليه وسلم؛ ليقتل أو أقتل دونه! والله لا أدل عليه أبداً، والساعة يدعى بي فأقتل، فأينا أحق بالدهش! فقلت: أنت والله أولى، سلمك الله وكفاك، ولو علمت أن هذه حالك ما سألتك، فقال: إذاً لا أبخل عليك؛ ثم أعاد على البيتين؛ حتى حفظهما، وأجزتهما بقولي:\rإذا أنا لم أقبل من الدهر كل ما ... تكرهت منه طال عتبي على الدهر\rثم سألته عن اسمه؛ فقال: أنا أبو حاضرة داعية عيسى بن زيد وابنه أحمد. قال: فلم نلبث إلا قليلاً حتى سمعنا صوت الأقفال، فقام فسكب عليه ماءً من جرة كانت عنده، ولبس ثوباً نظيفاً، ودخل الحرس ومعهم الشموع، فأخرجونا جميعاً. وقدم قبلي إلى الرشيد، فسأله عن أحمد بن عيسى، فقال: لا تسألني عنه، وافعل ما بدا لك؛ فلو أنه تحت ثوبي ما كشفت عنه.\rفأمر به، فضربت عنقه، ثم قال: أظنك يا إسماعيل ارتعت! فقلت: دون ما رأيت تسيل منه النفوس؛ فقال: ردوه إلى محبسه، فردوني.\rوذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد\rقال: صنع أبو دلف القاسم بن إسماعيل العجلي.\rأنا أبو دلف البادي بقافية ... جوابها يعجز الداهي من الغيظ\rمن زاد فيها له رحلي وراحلتي ... وخاتمي والمدى فيها إلى القيظ\rفظن أنه لا ثالث لهاتين القافيتين، فصنعت:\rقد زدت فيها ولو أمسى أبو دلفٍ ... والنفس قد أشرفت منه على الفيظ\rقال علي بن ظافر: تذاكرنا بهذه القطعة فقال بعض الحاضرين: لم يبق رابعه، فصنعت:\rأزيد فيها ولو ماتا بغيظهما ... ما ألقت النمل أحياناً من البيظ\rوذلك أن كل بيض لطائر أو حيوان فبالضاد إلا بيظ النمل فإنه بالظاء؛ وكل ما يفيض من إناء وغيره فبالضاد إلا فيظ النفس، فإنه بالظاء.\rثم صنع القاضي الأعز بن المؤيد رحمه الله بعد ذلك بديهاً:","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"ذو الحزم لا يتعدى في فعائله ... ما دام للناس تكوين من البيظ\rوالبيظ ها هنا: ماء الرجل.\rثم صنع شهاب الدين ابن أخت الوزير نجم الدين - رحمه الله:\rيا سادتي في القوافي قل ما تركوا ... كماتح البئر لم يترك سوى البيط\rحازت قوافيكم الظاآت أجمعها ... كمثل ما حيز مح البيظ بالبيظ\rلكن مواعيد باديكم أبي دلف ... لا صدق فيها كمثل الآل والبيظ\rالبيظ في القافية الأولى: بقية الماء في نقرة البئر، وهي الحفرة التي يبقى فيها الماء بعد نزحها، وفي القافية الثانية: قشرة البيض الرقيقة فوق المح وهو الغرقئ، قال زهير:\rكأن البيظ لفعه قناعاً ... على الهامات كرات الدهور\rوفي القافية الثانية خيال وجه الإنسان في السيف، قال عبيد:\rكأن وجوه نسل بني نمير ... مثال البيظ في السيف اليماني\rقالوا: وجميعها بالظاء، ولست على يقين من صحة ذلك، وأظن أن صاحب العقد قد وهم في كون قائل البيتين أبا دلف المجلى، فإن أبا دلف أفضل وأفصح وأعلم وأشرف من أن يقع في مثل هذا، وأظن قائلهما أبا دلف هاشم بن محمد الخزاعي الوالي، كان بالبصرة للمقتدر بالله سنة خمس وثلثمائة وهذا كله إنما وقع في المختصرات، وأما الأمهات فلم تذكر فيها إلا القوافي الثلاث الأول\rوبالإسناد المتقدم ذكره\rذكر صاحب اليتيمة أن الصاحب أمر أبا محمد الحسن بن محمد البروجردي بإجازة هذين البيتين:\rيا نسيم الريح من بلدي ... خبري بالله كيف هم\rليس لي صبر ولا جلد ... ليت شعري كيف صبرهم!\rفقال:\rولسان الدمع يشهد لي ... وهو ممن ليس يتهم\rوأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المقدسي إجازة\rقال: أنبأني الشيخ أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن عبد الله الحميدي، قال: أخبرني أبو الوليد الحسين بن محمد الكاتب المعروف بابن الفراء، قال: حضرت عند عمي وعنده أبو عمر القسطلي - يعني ابن دراج - وأبو عبد الله المتيطي، فغنى المتيطي:\rمروع منك كل يوم ... محتمل فيك كل لوم\rيا غايتي في المنى وسؤلي ... ملكت رقي بغير سوم\rفأعجبنا بهذين البيتين، فقال أبو عمر: أنا أضيف إليهما ثالثاً لا يتأخر عنهما، ثم قال:\rتركت قلبي بغير صبرٍ ... فيك وعيني بغير نوم\rوذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة\rأن المعتمد بن عباد غنى بين يديه يقول ابن المعتز:\rوحمارةٍ من بنات المجوس ... ترى الزق في بيتها سائلا\rوزنا لها ذهباً جامداً ... فكالت لنا ذهباً سائلا\rفأجازهما بديهاً بقوله:\rوقلنا خذي جوهراً ثابتاً ... فقالت خذوا عرضاً زائلا\rونقلت من خط عبد الجليل بن عبد المحسن الكتامي الشاعر الأسيوطي\rقال: غنى لنا يوماً بعض القوالين هذين البيتين، وهما لأبي العلاء الأسدي من شعراء اليتيمة:\rلا لعمري ما أنصفوا حين بانوا ... حلفوا لي ألا يخونوا فخانوا\rشتتوا بالفراق شمل اتصالي ... جمع الله شملهم أين كانوا\rقال: فأجزتهما بقولي بديهاً:\rأنا ممن يدبن في الرجعة الآ ... ن تراهم بمذهب الصب دانوا\rقال علي بن ظافر\rومما هو من هذا الباب إلا أن الإجازة فيه لسد فرجة بين البيتين ما ذكره صاحب المقتبس من أن أبا الحسن زرياباً المغني مولى المهدي المرواني غنى يوماً بين يدي الأمير عبد الرحمن الداخل ملك الأندلس بهذين البيتين:\rقالت ظلوم سمية الظلم: ... مالي رأيتك ناحل الجسم!\rيا من رمى قلبي فأقصده ... أنت الخبير بموقع السهم\rفقال عبد الرحمن: هذان البيتان منقطعان، فلو كان بينهما ما يوصلهما لكان أبدع، فقال عبد الحمن بن قزمان بديها:\rفأجبتها والدمع منحدر ... مثل الجمان هوى من النظم\rفاستحسنه وأمر له بجائزة.\rومما يجري مجرى الطرف","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"ما أخبرني به الأديب أبو القاسم ابن نفطويه، أنه جلس أيام اشتغاله على الشيخ الأستاذ العلامة أبي محمد بن بري مع جماعة من تلامذته، فتذاكروا ما يعانيه الشيخ من بلادة بعض طلبته - وهو رجل كرهت ذكره مع فرط اعتنائه بتعليمه وشدة عنائه في تفهيمه - فأنشد أحدهم قول أبي العباس المبرد:\rأقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصب إلى الصب\rلو قرأ النحو على الرب ... ما زاده إلا عمى القلب\rقال: فقلت ارتجالا:\rقد عذب الله به شيخنا ... في هذه الدنيا بلا ذنب\rفضحك الجماعة واستطرفوا البيت.\rومنه ما تكون الإجازة فيه بأكثر من بيت لأكثر من بيت\rفمن ذلك ما ذكره إسحاق الموصلي قال: أنشدني شداد بن عقبة لجميل:\rبثين سليني بعض مالي فإنه ... يبين عند المال كل بخيل\rوإني وتكراري الزيارة نحوكملبين يدي هجربثينطويل\rقال: فقلت لشداد: أفلا أزيدك فيهما؟ قال: بلى، فقلت مسرعاً:\rألا ليت شعري هل تقولين بعدنا ... إذ نحن أجمعنا غداً لرحيل:\rألا ليت أياماً مضين رواجع ... وليت النوى قد ساعفت بجميل!\rفقال: أحسنت - والله - إن لهو الشعر الضائع، فقلت: وكيف؟ قال: نفيته عن نفسك بتسميتك جميلاً فيه، ولم يلق برتبة شعر جميل، فضاع بينكما جميعاً.\rأنبأني الشيخان: الأجل العلامة تاج الدين الكندي والفقيه جمال الدين بن الحرستاني إجازة\rقالا: أخبرنا الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي سماعاً عليه، قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، عن أبي القاسم التنوخي، أخبرني أبو عبد الله محمد بن عثمان الخرقي الفارقي الحنبلي التميمي قال: كنت بالرملة سنة ثلثمائة وخمس وستين، وقد ورد إليها القرمطي أبو علي القصير الثياب، فاستدناني منه، وقربني إلى خدمته، فكنت ليلة عنده إذ حضر الفراشون بالشموع، فقال لأبي نصر بن كشاجم - وكان كاتبه - : يا أبا نصر، ما يحضرك في صفة هذه الشموع؟ فقال: إنما نحضر مجلس السيد لنسمع كلامه، ونستفيد من أدبه، فقال أبو علي في الحال بديهاً:\rومجدولةٍ مثل صدر القتاة ... تعرت وباطنها مكتس\rلها مقلة هي روح لها ... وتاج على الرأس كالبرنس\rإذا غازلتها الصبا حركت ... لساناً من الذهب الأملس\rوإن رنقت لنعاسٍ عرا ... وقطعت من الرأس لم تنعس\rوتنتج في وقت تلقيحها ... ضياءً يجلي دجا الحندس\rفنحن من النور في أسعدٍ ... وتلك من النار في أنحس\rتكيد الظلام وما كادها ... فتفنى وتفنيه في مجلس\rفقام أبو نصر بن كشاجم، وقبل الأرض بين يديه، وسأله أن يأذن له في إجازة الأبيات فأذن له فقال:\rوليلتنا هذه ليلة ... تشاكل أشكال إقليدس\rفيا ربة العود غني لنا ... ويا حامل الكأس لا تجلس\rفتقدم بأن يخلع عليه، وحملت إليه صلة سنية، وإلى كل من الحاضرين.\rوأخبرني الأمير شمس الدولة عبد الرحمن بن محمد بن ورشد بن علي بن منقذ بن نصر بن منقذ رحمه الله تعالى\rقال: جرت بيني وبين القاضي المهذب أبي محمد الحسن بن علي بن الزبير مفاوضة في قول الشعر بديهاً، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بدار الوزارة بالقاهرة؛ قال: كنت في مبدأ عمري أملي الشعر إملاء - كالمحفوظ - على من يكتبه، فربما سبقته بالإملاء ول أتوقف. فجعلت أتعجب من قوله تعجباً يظهر منه الاستعباد، فقال: وكأنك تستصعب هذا! إنما الصعب أن تقترح على الشاعر العمل في معنى مخصوص على قافية شاذة في وزن معين، وإن أردت أن تقف على حقيقة ما قلته ليزول عنك الشك وتدركه بالرؤية لا بالرواية، فأنشدني ما أعمل لك عليه، قال: فأنشدته من شعر الحماسة:\rفإن يحجبوها أو يحل دون وصلها ... لقاء عدو أو وعيد أمير\rفلن يمنعوا عيني من دائم البكا ... ولن يظهروا ما قد أجن ضميري\rفأنشد مبادراً كأنه يحفظ ما ينشده:\rصبرت على جور الزمان وصرفه ... وإن كنت يوم البين غير صبور\rوإن الذي يبغى اعتلاقاً بودها ... لمستمسك منها بحبل غرور","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"أرى الناس قد فكوا العناة تحرجاً ... فهل لك يوماً في فكاك أسير!\rإذا أظلمت أيامنا من صدودكم ... جلوتم بدوراً في ظلام شعور\rولم أر فيمن أستعين به سوى ... عذولٍ فمن لي فيكم بعذير\rوإن ظباء الوحش تحسب منكم ... بحسن نفورٍ عندها ونحور\rوما كنت ممن يصبح الحب قادراً ... عليه ولكن ذاك فعل قدير\rقال الأمير: فجننت استحساناً لما أتى به وتعجباً من سرعته؛ فقال: أنشدني غير هذا لئلا تقول إنه محفوظ لي، تحرجاً من ذلك، فأبى إلا أن أنشد فأنشده:\rوما فارقت لبني عن تقالٍ ... ولكن شقوة بلغت مداها\rفاسترسل مع آخر إنشادي قائلاً:\rوكل مني النفوس إلى انقطاعٍ ... إذا بلغت لعمرك منتهاها\rأناديها وليس تجيب قولي ... كأني قد دعوت بها سواها\rسألقى دونها نبل الأعادي ... وأرمي منهم من قد رماها\rوأصبر للتجني كل يومٍ ... وما أنا الصبور على قلاها\rسلاها حين مال القلب عنها ... ولم يعلق سواها، هل سلاها!\rومن هذا الذي عني حماها ... على قربٍ ولم يدخل حماها\rوضنت بالسلام على بخلاً ... وقد ضمنت لطارقها قراها\rوعين حل فيها السحر لما ... أحلت في نواظرها قذاها\rغدا الإعراض حظ مؤمليها ... وأمسى اليأس غاية من رجاها\rأود ومهجتي في راحتيها ... مدى الأيام لو جعلت فداها\rقال الأمير: وحين انتهى إلى هذا الحد، ورأيت شدة تجمعه وفرط تحفزه، وما يعانيه في إحضار ذهنه، قطعته إشفاقاً عليه.\rومما وقع من هذا الباب وكانت الإجازة في وسط الشعر صلةً لمعنى منقطع\rما أخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني، قال: أنشد والدي الشيخ أبو الحسن علي بن محمد اليحصبي القرموني قول ابن الرومي:\rشهر الصيام مبارك ... ما لم يكن في شهر آب\rخفت العذاب فصمته ... فوقعت في نفس العذاب\rفقال: هذان البيتان منقطعان، ويحتاجان إلى ما يصل بينهما. فقال بديهاً:\rاليوم فيه كأنه ... من طوله يوم الحساب\rوالليل فيه كأنه ... ليل التواصل والعتاب\rالباب الثالث\rفي بدائع بدائه التمليط\rالتمليط هو أن يجتمع شاعران فصاعداً على تجريد أفكارهم، وتجريب خواطرهم في العمل في معنى واحد.\rوأما اشتقاقه فذكر ابن رشيقٍ أنه من أحد شيئين؛ إما أن يكون من الملاطين؛ وهما جانبا السنام في مرد الكتفين؛ قال جرير:\rظللن حوالي خدر أسماء وانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح\rفكأن كل قسيم أو بيت ملاط، أي جانب من البيت أو القطعة.\rوالآخر أن يكون من الملاط، وهو الطين يدخل في البناء، ويملط به الحائط تمليطاً، أي يدخل بين اللبن حتى يصير شيئاً واحداً.\rوأما الملط؛ وهو الذي لا يبالي ما صنع، والأملط؛ وهو الذي لا شعر له في جسده؛ فليس لاشتقاقه منهما وجه.\rقال علي بن ظافر: فمن التمليط ما يكون بين شاعرين؛ ومنه ما يكون بين شعراء، ومنه ما يكون بقسيمٍ لقسيمٍ، ومنه ما يكون بيت لبيت، ومنه ما يكون ببيتين لبيتين.\rوالفرق بينه وبين الإجازة أن التمليط يتفق فيه الشعراء قبل العمل على العمل، أو يندبون لذلك، وتتكرر منهم المناوبة؛ وهذا ليس من شروط الإجازة.\rفمما وقع من التمليط بين شاعرين بقسيم لقسيم وهذا النوع يسمى المماتنة","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"ما أنبأني به الشيخان تاج الدين الكندي وجمال الدين الحرستاني إجازة عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي، قال أخبرنا محمد بن طاووس، أخبرنا عاصم بن الحسن، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا الحسن بن صفوان، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني أبو عدنان البصري، حدثني الصامت بن مخبل اليشكري سنة إحدى وتسعين ومائة؛ وأخبرني به أبو عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: أقبل امرؤ القيس حتى لقي التوءم اليشكري - وكان اسمه الحارث بن قتادة، ويكنى أبا شريح فقال امرؤ القيس: إن كنت شاعراً كما تقول فملط أنصاف ما أقول، فقال امرؤ القيس:\rأحار ترى بريقاً هب وهناً\rفقال التوءم:\rكنار مجوس تستعر استعارا\rفقال امرؤ القيس:\rأرقت له ونام أبو شريح\rفقال التوءم:\rإذا ما قلت قد هدأ استطارا\rفقال امرؤ القيس:\rكأن حنينه والرعد فيه\rفقال التوءم:\rعشار وله لاقت عشارا\rفقال امرؤ القيس:\rفلم يترك ببطن الأرض ظبياً\rفقال التوءم:\rولم يترك بجلهتها حمارا\rفقال امرؤ القيس:\rفلما أن دنا لقفاً أضاحٍ\rفقال التوءم:\rوهت أعجاز ريقه فحارا\rفقال امرؤ القيس: لا أتعنت على أحد بعد ذلك بالشعر، فقيل إنه عز على ابن حجرٍ مماتنته ومساواته له، وآلى ألا ينازع شاعراً أبداً. وكان أبو عبيدة يقول: هي محمولة عليه.\rوروى ابن الكلبي عن أبيه\rقال: حدثني شيخ من بني زياد بن عبد المدان - وكان عالماً بقومه - قال: نشأ غلام من بني جنب يقال له رفاعة، ويقال له المحترش، فنبغ في الشعر وماتن شعراء قومه حتى أبر عليهم، فلما وثق من نفسه بذلك قال لأبيه: لأخرجن في قبائل اليمن، فإن وجدت أحداً يماتنني رجعت إلى بلادي، وإن لم أصادف من يماتنني تقريت قبائل العرب. فنزل بصرم من بني فهد والحي خلوف، فأتى حجرة عن جنب الحواء، فإذا عجوز حيزبون قد أقبلت معتمة تتوكأ على محجن فقالت: عم ظلاماً، فقال: نعم ظلامك، فقالت: ممن الرجل؟ قال: فقلت: من مذجج، قالت: من أيهم؟ قلت: من جنب. قالت: أضيف أنت؟ فقلت: نعم، قالت: فلا حملك الله، ما عدوت أن بخلتنا، وأسأت أحدوثتنا. ثم أثارت ناقتي وكنتها في خبائها، وأمرت وليدة لها فجاءت بعتودٍ يمرح في إهابه سمناً ومدية، وقالت: اذبح أيها الرجل. واعتجنت وامتلت وطبخت، وقربت طعاماً، وجلست أنا وهي والوليدة: فلما تعشينا قالت: ما رمى بك إلى هذه البلاد؟ فأخبرتها خبري، فضحكت وقالت: بت فسأجيئك غداً بعشر خرائد تماتنك دون الرجال، فإن غلبت فارجع إلى بلادك، واعلم أنك ترمي من مرام، فبت فلما أصبحنا إذا العجوز قد أقبلت، ومعها ثلاث فتيات كالمهرات، فابتدرن إلى الحجرة، وأقبلت العجوز فحيتني، وسألتني عن مبيتي، ثم أومأت إلى إحداهن، فأقبلت كالعيدانة يميلها الصبا، فقالت: أنت المتحدي بالمماتنة؟ فقلت: نعم، فقالت: قل أسمع، فقلت:\rسوام تداءت سومها وعجافها\rفقالت:\rحوامل أثقالٍ تنوء فترزح\rفقلت:\rإذا أيهت في حجرتيها رعاؤها\rفقالت:\rسمت فرق منها شوامر لقح\rفقلت:\rنواء تداعى بالجنين عشارها\rفقالت:\rفتبرح ناراُ أو تبيت فتسنح\rفقلت:\rإذا وصلت أرضاً سقتها بدرها\rفقالت:\rأفاويق رسل محصنة لا تضيح\rفقلت:\rإذا انسفحت أخلافها خلت ما جرى\rفقالت:\rعلى الأرض منه لجة تتضحضح\rفقلت: أمطلقة أم ذات بعل؟ فقالت:\rعقال لعمر الله لو شئت بتهشرادى ولكن التكرم أجدر\rفقمت إلى راحلتي، فقالت العجوز: رويت أم أحلب لك أخرى؟ فقلت: أروتني الأولى، فقالت: الحق الآن بأرضك.\rفخرجت أريد لرجوع إلى قومي، فأبى بي اللجاج إلا قصد ما خرجت إليه، فدفعت إلى صرم من جرم، فإذا صبيان على غدير يرتجزون، فدعوت غلاماً منهم من أبشرهم. فقلت: يا غلام! هل في صرمكم من يماتنني؟ فإني قد برزت على شعراء العرب، فقال: أنا. فقلت: أنت أيها الفصيل! فقال: قل ودع عنك ما لا يجدي، فقلت:\rأوابد كالجزع الظفاري أربع\rفقال:\rحماهن جون الطرتين مولع\rفقلت:\rيرود بهن الروض في الأمن جاره\rفقال:\rوأحلى لهن المنتضى والمودع\rفقلت:\rفلما اشتكت أمات قردانه السفا\rفقال:\rوحب على البيد السفير الممذع\rفقلت:","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"وشبت على الأكابد نار من الصدى فقال:\rتظل لنا بين الحيازيم تسفع\rفقلت: أولى لك! وامتطيت راحلتي، حتى دفعت إلى شيخ يرعى غنيماتٍ له، فاستقريته، فقام مبادراً إلى قعب له، فاحتلب ما كان في ضروعهن، ثم جاءني به، فشربت، فلما اطمأننت قال: ما رمى بك إلى هذا القطر؟ فأخبرته، وكتمت ما لاقيت. فكشر وصاح بغلمةٍ يرعون قريباً منه، فأقبل غلام منهم، فقال: ادع عشرقة. فما لبث أن أقبلت جويرية عجفاء كأنها وبيلة خيسفوج، حتى وقفت بين يديه. فقال: إن ابن عمك هذا خرج من بلاده يتحدى بالمماتنة، فهل عندك شيء؟ فقالت: قل أيها المتحدي - وإنها لتقلب عينيها كعيني الأرقم - فقلت:\rفما بسرة زرقاء في ظل صخرةٍ\rفقالت:\rذخيرة غراء الذرى جونة النضد\rفقلت:\rنفى سيلان الريح عن متنها القذى\rفقالت:\rوذادت غصون الأيك عن متنها الوقد\rفقلت:\rسياب مجاج أخلص الدبر أريه\rفقالت:\rبصهباء صرفٍ جيب عن صفوها الزبد\rفتركت ما قصدت له، وملت إلى وجهة أخرى ووصفت ناقة، فضحكت وقالت: أغوصت، فقلت:\rإذا انشنج الحرباء في رأس عوده\rفقالت:\rوألجأ أم الحسل في مائها الصخد\rفقلت:\rأثارت بموماتين تحت حجاجها\rفقالت:\rحوانك أشباهٍ كرانية الجلد\rقال: فرحت وآليت ألا أماتن أحداً ما عشت.\rتفسير ما في الكلام والشعر العتود: الجذع من الغنم أو فوق ذلك.\rوالعيدانة: النخلة الطويلة، قال الشاعر:\rوإذا مشين مشين غير جوارب ... هز الجنوب نواعم العيدان\rوالشوامر: التي قد شالت بأذيالها، أي رفعها.\rوالنواء: السمان، الواحدة ناوية، قال الشاعر:\rألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء\rوالبارح: الذي يمر ومياسره عن مياسرك، والسامح: الذي يمر وميامنه عن ميامنك، وأهل نجد يتيامنون بالسامح، ويتشاءمون بالبارح، وأهل الحجاز يخالفونهم في ذلك.\rوأفاويق: جمع فواق، ويمكن أن يكون جمع فيقة، وهي السكتة بين المطرتين، والسكتة بين الحلبتين، قال:\rحتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت ... جاءت لترضع شق النفس لو رضعا\rوالضيح: اللبن الذي صب فيه ماء، وكذلك المذق، قال الراجز:\rفامتضحا وسقياني ضيحاً ... فقد كفيت صاحبي الميحا\rوانسفحت: انصبت، وبه سمي السفاح التغلبي؛ لأنه سفح ماء أصحابه وقال: لا ماء لكم دون الكلاب. قال:\rوأخوهما السفاح ظمأ خيله ... حتى وردن جبا الكلاب نهالا\rالجبا: الماء بعينه، والجبا: الحوض أيضاً.\rوالضحضاح: الماء القليل يضطرب على وجه الأرض.\rوالخيسفوج: القطوف والخشب اليابس.\rومن ذلك ما رواه أبو عزبة\rقال: أقبل النابغة الذبياني يريد سوق بني قينقاع، فلحق الربيع بن أبي الحقيق نازلاً من أطمه، فلما أشرفا على السوق سمعا الضجة، وكانت سوقاً عظيمة، فحاصت بالنابغة ناقته. فقال:\rكادت تهلل من الأصوات راحلتي\rثم قال: يا ربيع أجز. فقال:\rوالنفر منها إذا ما أوجست حلق\rفقال: ما رأيت كاليوم شعراً! ثم قال: أجز:\rلو لا أنهنهها بالزجر لاجتذبت\rفقال:\rمتى الزمام وإني راكب لبق\rفقال النابغة:\rقد ملت الحبس في الآطام واشتعفت\rفقال:\rإلى مناهلها لو أنها طلق\rفقال النابغة: يا ربيع أنت أشعر الناس.\rومن ذلك ما رواه إبراهيم بن المدبر\rعن إبراهيم بن العباس الصولي، قال: وحدثني به دعبل أيضاً - وكانا متفقين - قال: كنا نطلب جميعاً بالشعر، فخرجنا سنة وكانت محلاً، فابتدأت أقول في المطلب ابن عبد الله:\rأمطلب أنت مستعذب\rفقال دعبل:\rلسمر المنايا ومستقبل\rفقلت:\rفإن أشف منك تكن سبة\rفقال دعبل: وإن أعف عنك فما تفعل\rوقد ذكر الصولي في كتاب الوزراء\rقال: حدثني محمد بن يحيى، قال: قدم أعرابي اسمه عتبة يقول الشعر، وكان ظريفاً من الأعراب، فضمه الحسن بن وهب إليه، فاجتمع الحسن يوماً وإبراهيم بن العباس، فقال لهما عتبة هذا: إن كنتما تقولان الشعر بالعجلة، فاهجواني، فقال الحسن:\rلمن طلل في رأس عتبة مقمل\rفقال إبراهيم:\rعفته رياح الصفع تعلو وتسفل\rفقال الحسن:\rشكا ما يلاقيه من الصفع رأسه\rفقال إبراهيم:","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"تناوبه منه جنوب وشمأل\rفقال الأعرابي: والله لئن لم تمسكا لأخرجن من البلد.\rوذكر الصابي في كتاب الوزراء والكتاب\rقال: روى أبو الفتح منصور بن محمد بن المقتدر الأصفهاني، قال: كان أبو القاسم ابن أبي العلاء الشاعر من وجوه أهل أصفهان وأعيانهم ورؤسائهم؛ فحدثني أنه رأى في منامه قائلاً يقول له: لم لم ترث الصاحب بن عباد، مع فضلك وشعرك؟ فقلت: ألجمتني كثرة فضائله، فلم أدر بما أبدأ منها! وخفت أن أقصر، وقد ظن بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقول، قلت: قل، قال:\rثوى الجود والكافي معاً في حفيرةٍ\rفقلت:\rليأنس كل منهما بأخيه\rفقال:\rهما اصطحبا حيين ثم تعانقا\rفقلت: ضجيعين في قبر بباب دريه فقال:\rإذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم\rفقلت:\rأقاما إلى يوم القيامة فيه\rوباب دريه، المحلة التي فيها تربته، وهي ما يستقبل المسافر من أصفهان إذا توجه من الري.\rومن ذلك\rما أخبرنا به أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في كتابه المسمى الحديقة قال: أخبرني محمد بن حبيب القلانسي الشاعر، قال: حضرنا ليلة بمجلس السلطان أبي يحيى تميم بن المعز بن باديس، فالتفت حميد بن سعيد الشاعر إلى مملوكين من مماليكه قد جمعا بين رأسيهما متناجين، فقال لي: ملط:\rانظر إلى اللمتين قد حكتا\rفقلت:\rجنحي ظلامٍ على صباحين\rفقال:\rفاعجب لغصنين كلما انعطفا\rفقلت:\rماسا من اللين في وشاحين\rفقال:\rظبيان يحمى حماها أسد\rفقلت:\rلولا كانا لنا متاحين\rفقال:\rفلو تدانيت منهما لدنت\rفقلت:\rمني في الحين أسهم الحين\rومن ذلك\rما روى أن المعتمد بن عباد ركب في يوم قاصداً الجامع، والوزير أبو بكر بن عمار يسايره، فسمع أذان المؤذن، فقال المعتمد:\rهذا المؤذن قد بدا بأذانه\rفقال ابن عمار:\rيرجو بذاك العفو من رحمانه\rفقال المعتمد:\rطوبى له من شاهدٍ بحقيقةٍ\rفقال ابن عمار:\rإن كان عقد ضميره كلسانه\rأخبرني الفقيه الأجل السعيد أبو الحسن علي بن عبد الوهاب بن خليف بالإسكندرية\rقال: أخبرني الأديب المعروف بابن رزين، قال: أخبرني عبد الجبار بن حمديس الصقلي، قال: أقمت بإشبيلية لما قدمتها وافداً على المعتمد بن عباد مدةً لا يلتفت إلى، ولا يعبأ بي، حتى قنطت لخيبتي، مع فرط تعبي، وهممت بالنكوص على عقبي؛ فإني لكذلك ليلةً من الليالي في منزلي، إذ أتاني غلام، ومعه شمعة ومركوب، فقال لي: أجب السلطان، فركبت من فوري ودخلت عليه، فأجلسني على مرتبةٍ فنل، وقال لي: افتح الطاق الذي يليك، ففتحته فإذا بكور زجاج على بعد، والنار تلوح من بابيه، وواقده يفتحها تارةً، ويسدهما أخرى، ثم أدام سد أحدهما وفتح الآخر، فحين تأملتهما قال لي: ملط:\rانظرهما في الظلام قد نجما\rفقلت:\rكما رنا في الدجنة الأسد\rفقال:\rيفتح عينيه ثم يطبقها\rفقلت:\rفعل امرئ في جفونه رمد\rفقال:\rفابتزه الدهر نور واحدةٍ\rفقلت:\rوهل نجا من صروفه أحد!\rفاستحسن ذلك، وأمر لي بجائزة سنية، وألزمني خدمته.\rوأخبرني رجل من التجار بمصر يعرف بأبي الفضل ابن فتوح المصري\rقال: سكنت بدار في الخطة المعروفة بدويرة خلف، فرأيت جميع جدران المنزل مكتوبةً بأخبار بديعة، وأشعار مستحسنة السبك، ووجدت في جملتها: لما دخلت بجاية عند عبوري، اجتزت في بعض الأيام بصديق لي من المعلمين وهو في مكتبه، وصبيانه قد حفوا به، فأحضر صبياً منهم، وقال لي: اختبره فإنه يقول الشعر الجيد، فقلت له: أجز:\rوشادنٍ ذي شطاط\rفقال:\rحجي له ورباطي\rفقلت:\rموكل بضميري\rفقال:\rمعلق بنياطي\rفعجبت من سرعة بديهته مع صغر سنه، ثم تمادى الأمر، فاشتهر بقول الشعر، فنمي إلى السلطان تميم بن المعز أنه هجاه، وأنه قال فيه:\rبلد مظلم وملك ظلوم ... وهما فيح حمةً وتميم\rهو فيها كمالك والمقيمو ... ن بها المجرمون وهي الجحيم\rفاستحضره السلطان، واستخبره عما قال فيه، فأنكره وقال: إنما قلت:\rعرجا بي فذا مناخ كريم ... هذه حمنة وهذا تميم\rهذه الجنة التي وعد الل ... ه وهذا صراطه المستقيم","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"فاستظرفه تميم واستلطفه وأكرمه ثم صرفه.\rقال المخبر بهذه الحكاية: ثم تقصيت عن المنزل، فقيا لي: إنه كان منزل أبي الصلت حين قدومه إلى مصر.\rقرأت في بعض المجاميع أن شاعراً من أهل تنس من بلاد إفريقية\rقصد المعتمد على الله بن عباد؛ وهو بسبته أيام جوازه للقاء أمير المؤمنين ابن تاشفين للاستنجاد به، فوصف له، فحضر، فأنشده، فقال: هذا يصلح لمنادمتنا الليلة، وأمر بإمساكه، فسقى، وجرى في المجلس حديث فرس أدهم كان مشهوراً بالأندلس، وعزيز المحل عند المعتمد.\rواتفق أن الرجل سكر ونام، فخرج منه ريح بصوت شديد؛ فقال المعتمد ارتجالاً:\rفيا عجباً من ضعيف القوى ... تزلزلت الأرض من ضرطته\rثم قال لندمائه: لا يشعره أحد بما جرى، واستيقظ الرجل فقال كالمعتذر من نومه: إن هذا النوم سلطان؛ فقال بعض الندماء الحاضرين: صدقت، قد سمعنا طبله؛ فجعل الرجل يقول: رأيت في منامي كأن السلطان أعزه الله قد حملني على فرس أدهم؛ من صفته كذا ومن صفته كذا؛ فقال المعتمد: صدقت، قد سمعنا تحتك صهيله، ثم قال المعتمد: قولوا في هذا شيئاً؛ فقال بعض الحاضرين:\rوضرطةٍ كالجرس\rفقال المعتمد:\rأو كصهيل الفرس\rفقال الشاعر: أفلتها صاحبنا فقال المعتمد:\rعند انصرام الغلس\rفقال الشاعر:\rسمعتها من سبتةٍ\rفقال المعتمد:\rوأصلها من تنس\rوأخبرني الأديب أبو عبد الله محمد التوزورى\rقال: حدثني الشيخ الباغاني النحوي قال: تذاكرت مع الشيخ الزاهد اليشكري رضي الله عنه أمر أبي الهيثم الشاعر، فقال: اجتمعت به ليلةً، وكان نديمنا فيها فتى رامياً وضئ الوجه، فقلت له مستخبراً قريحته، وسالكاً به من التصنع غير مذهب: أجز ما أقول:\rنشبت نشائب حب هذا الناشب\rفقال:\rبحشىً حشاه نار وجدٍ غالب\rفقلت:\rتصمى رمايته القلوب كأنما\rفقال:\rيرمى الورى عن قوس ذاك الحاجب\rقال الشيخ أبو الفضل: فقلت: إنما تظهر القرائح في التشبيه، ونظرت إلى السماء، فإذا الجوزاء متوسطة، فقلت:\rوكأنما الجوزاء في وسط السما\rفقال:\rدر تنائر من قلادة كاعب\rقال الشيخ أبو الفضل: ومررت به يوماً وهو مطرق يفكر، فقلت:\rأراك تصنع شعرا\rفقال:\rنعم لحبي بدرا\rفقلت:\rقد حار وصفي فيه\rفقال:\rفتركي الوصف أخرى\rفقلت:\rهذا على أن شعرى\rفقال:\rمن عاصف الريح أجرى\rوأخبرني العماد أبو حامد\rقال: روى السمعاني في تاريخه عن محمد بن علي بن أحمد بن جعفر بن الحسين البندنيجي أنه قال: سمعت والدي يقول: سمعت عم والدي أبا سعيد ن عقيل بن الحسين يقول: أتاني آت في المنام، فقال: هل لك أن تمصرع وأتمم، أو تتمم وأمصرع؟ فقلت: لا، بل أمصرع وتتمم. فقال لي: ياعيار، هربت من القافية، ولكن قل، فقلت:\rهل عندكم رحمة يرجو عواطفها\rفقال:\rصب تشكت إلى الشكوى جوارحه\rفقلت:\rأغلقتم كل باب في مودته\rفقال:\rوفي يدى ظبيكم كانت مفاتحه\rفقلت:\rما أمسكت قلبه إذ لم يطر جزعاً\rفقال:\rمن فرط حر الجوي إلا جوانحه\rثم استيقظت.\rوأخبرني القاضي الأعز أبو الحسن علي بن المؤيد رحمه الله\rقال: أخبرني والدي، قال: كان الصالح طلائع بن رزيك الوزير لا يزال يحضر مجلسه في ليالي الجمع جلساؤه وبعض أمرائه لسماع قراءة مسلم والبخاري وأمثالهما من كتب الحديث، وكان الذي يقرأ رجلاً أبخر، فلعهدي به، وقد حضر المجلس مع الأمير على بن الزبير والقاضي الجليس أبي محمد عبد العزيز ابن الحباب وقد أمال وجهه إلى القاضي المهذب بن الزبير، وقال له:\rوأبخر قلت: لاتجلس بجنبي\rفقال الأمير:\rإذا قابلت بالليل البخاري\rفقال الجليس: ولم؟ فبدره المهذب فقال:\rفقلت وقد سئلت بلا احتشامٍ:لأنك دائماً من فيك خارى\rقال علي بن ظافر\rأخبرني أيضاً هو وشهاب الدين يعقوب المقدم ذكره بما هذا معناه: قالا: جلسنا في الأيام لاجتناء زهر المحادثة، واقتناء دور المنافقة، فسمعنا صوت شبابة تذكر الأشيب الهرم زمان الشبيبة، وتحرك من الخرف الهم غزله وتشبيبه، وصوتها أشجى من أنين المشتاق لفرط الأشواق، وأرق من نوح العشاق عند عزم الفريق على الفراق؛ فقال شهاب الدين:","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"وشبابةٍ شبت لظى الشوق في قلبي\rفقال الأعز:\rتذكرني عهد الصبابة والحب\rفقال شهاب الدين:\rحبتني على بعدٍ بترجيعها الهوى\rفقال الأعز:\rفأحيت فؤادي المسهام على قرب\rوأخبرني الشهاب قلب\rانفردت ببوصير يوماً بالفقيه رضى الدين أبي إسحاق بن عبد الباري رحمه الله، وكنا خرجنا إليها في خدمة الوزير نجم الدين رحمه الله - وكان قد مضى إليها متنزهاً؛ فجلس إلينا غلام من أولاد بعض الرؤساء الذين كانوا في خدمته، حسن الوجه، ثم انصرف، فقال الرضى:\rلله يوم مضى ببوصير\rفقلت:\rوالعيش صفو بغير تكدير\rفقال:\rنديمنا فيه شادن غنج\rفقلت: مكتحل جفنه بتفتير\rقال علي بن ظافر\rووجدت يوماً بالجامع الأنور بالقاهرة لانتظار الجمعة، وكان يجلس بالقرب من مكاننا صبي وضئ، نهب وجهه وشعره من البدر نوره، ومن الليل ديجوره، واغتصب طرفه وعطفه من الظبي كحله، ومن الغصن تميله، ينعت بالشمس، فتأخر حضوره يوماً، فتعاطينا القول في غيبته، فقلت:\rأفدي الذي غاب فغاب السرور\rفقال الشهاب:\rواتسع الهم بضيق الصدور\rفقلت:\rوأظلم الأنوار من بعده\rفقال الشهاب:\rوليس بعد الشمس للأفق نور\rواتفق لي أني اجتمعت مع القاضي أبي الحسن بن النبيه ومعنا جماعة من شعراء مصر\rفأنشدهم قول مؤيد الدين الطفرائي في الهلال:\rقوموا إلي لذاتكم يا نيام ... وأترعوا الكأس بصفو المدام\rهذا هلال العيد قد جاءنا ... بمنجل يحصد شهر الصيام\rفقال المذكور: لو شبهه بمنجل ذهب يحصد نرجس النجوم لكان أولى، ثم قال نظماً:\rانظر إلى حسن هلالٍ بدا\rفقلت:\rيذهب من أنواره حندسا\rفقال:\rكمنجلٍ قد صيغ من عسجدٍ\rقلت:\rيحصد من شهب الدجى نرجسا\rثم زدت على هذا المعنى زيادتين بديعتين، يدركهما الناقد البصير، فقلت:\rأما ترى الهلال يخفى أنجم ... الأفق بنور وجهه الوسيم\rكمنجل من ذهبٍ يحصد من ... روض الظلام نرجس النجوم\rثم ولدت منه معنىً آخر ذكرته بعد هاتين القطعتين في كتاب التنبيهات وعجائب التشبيهات.\rومن التمليط الواقع بين شاعرين ببيت لبيت ويسمى هذا النوع الإنفاذ\rما ذكره أبو الفرج برواية تتصل بحماد الراوية، قال: تحرك كعب بن زهير يقول الشعر، فنهاه زهير مخافة أن يكون لم يستمكن شعره، فيروى له ما لا خير فيه، فكان يضربه في ذلك فيغلبه، فلما طال عليه أخذه فحبسه، ثم قال: والذي أحلف به لا يبلغني أنك قلت بيتاً إلا نكلت بك؛ فبلغه أنه يقول، فضربه ضرباً مبرحاً، ثم أطلقه وسرحه في بهمة وهو غليم صغير فانطلق فزعاً، ثم روح عشيةً، وهو يرتجز:\rكأنما أحدو ببهمي عيراً ... من القرى موقرة شعيرا\rفغضب زهير، فركب ناقته وأردفه، وهو يريد أن يعنته ليعلم ما عنده من الشعر، فقال زهير حين برز من الحي منشداً:\rوإني لتعديني على الهم جسرة ... تخب بوصالٍ صرومٍ وتعنق\rثم ضرب كعباً، وقال: أجز يا لكع، فقال:\rكبنيانة القرئى موضع رحلها ... وآثار نسعيها من الدف أبلق\rفقال زهير:\rعلى لاحبٍ مثل المجرة خلته ... إذا ما علا نشزاً من الأرض مهرق\rثم ضربه وقال أجز، فقال:\rمنير هداه ليله كنهاره ... جميع إذا يعلو الحزونة أفرق\rقال: ثم بدأ زهير في وصف النعام، وترك حركة القاف يتعسفه بذلك ليعلم ما عنده، فقال:\rوظل بوعساء الكثيب كأنه ... خباء على صقبي بوانٍ مروق\rبوان عمود من أعمدة البيت، فقال كعب:\rتراخى به حب الضحاء وقد أرى ... سماوة قشراء الوظيفين عوهق\rفقال زهير:\rتحن إلى مثل الحبابير جثمٍ ... لدى منتجٍ من قيضها المتفلق\rالحبابير: جمع حبارى ويجمع أيضاً على حباريات، فقال كعب:\rتحطم عنها قيضها عن خراطمٍ ... وعن حدقٍ كالنبخ لم يتفتق\rالنبخ: الجدري؛ شبه عيون أولاد النعام به.\rقال: فأخذ زهير بيده وقال: قد أذنت لك في قول الشعر يا بني؛ فلما نزل وانتهى إلى أهله قال قصيدته وهو صغير يومئذ، وهي أول شعر روي له:","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبع ... بعرض أبيه في المعاشر ينفق\rومن ذلك ما أنبأني به الشيخان\rالشيخ الأجل العلامة تاج الدين الكندي، والشيخ الفقيه جمال الدين الحرستاني، قالا: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو القاسم بن عساكر سماعاً عليه، أخبرنا أبو العز بن باديس، أخبرنا أبو يعلى بن الفراء، أنبأنا أبو القاسم إسماعيل بن سعيد بن المعدل بن سويد، أنبأنا أبو علي الحسين بن القاسم بن جعفر الكوكبي، أنبأنا دعبل بن ذكوان، أخبرنا الثوري، عن الأصمعي، عن ابن أبي طرفة، قال: جلس حسان بن ثابت ليلةً ومعه ابنته ليلى، فجعل يريد شعراً يقوله، فقال:\rمتاريك أدبار الأمور إذا اعترت ... تركنا الفروع واجتثثنا أصولها\rثم أجعل يريد الزيادة فلم يقدر، فقالت له ابنته: كأنك قد أجبلت! قال: نعم، قالت: أفأجيز عنك؟ قال: نعم، فقالت:\rمقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها\rفحمي حسان، فقال:\rوقافية مثل السنان رزينةٍ ... تناولت من جو السماء نزولها\rفقالت:\rيراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها\rفقال: والله لا قلت بيت شعر ما دمت حية. قالت: أو أؤمنك؟ قال: فذاك، قالت: فأنت آمن أن أقول بيت شعر ما بقيت!\rوروى عقيل بن خالد عن ابن شهاب\rأن مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير اجتمعا ذات يوم في حجرة عائشة - رضي الله تعالى عنها - والحجاب بينهما وبينها، يحدثانها ويسألانها، فجرى الحديث بين مروان وابن الزبير ساعةً وعائشة تسمع، فقال مروان:\rفمن يشأ الرحمن يخفض بقدره ... وليس لمن لم يرفع الله رافع\rفقال ابن الزبير:\rففوض إلى اله الأمور إذا اعترت ... وبالله لا بالأقربين أدافع\rفقال مروان:\rوداو ضمير القلب بالبر والتقى ... فلا يستوي قلبان: قاسٍ وخاشع\rفقال ابن الزبير:\rولا يستوي عبدان، هذا مكذب ... عتل لأرحام العشيرة قاطع\rفقال مروان:\rوعبد يجافي جنبة عن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو خاشع\rفقال ابن الزبير:\rوللخير أهل يعرفون بهديهم ... إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع\rفقال مروان:\rوللشر أهل يعرفون بشكلهم ... تشير إليهم بالفجور الأصابع\rفسكت ابن الزبير ولم يجب، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا عبد الله، مالك لم تجب صاحبك! فوالله ما سمعت تجادل رجلين تجادلاً في نحو ما تجادلتما فيه، أعجب إلى من تجادلكما؛ فقال ابن الزبير: إني خفت عوار القول فكففت، فقالت عائشة رضي الله عنها: أما إن لمروان إرثاً في الشعر ليس لك من قبل صفوان بن المحرث الكناني - وكانت أم مروان آمنة بنت علقمة بن صفوان.\rوروى أبو عبد الله الجماز\rقال: كنت أنا وأبو نواس جالسين عند باب عثمان، إذ مر بنا أحمد بن عبد الوهاب الثقفي - وهو غلام حسن - فقال له أبو نواس: قبلني قبلة، فقال: لا، حتى تقول في شيئاً، فقال:\rحبك يا أحمد أضناني ... يا قمراً في زي إنسان\rفقبله، فقلت: وأنا فما شأني؟ فقال: حتى تقول في، فقلت:\rبذلت للأول ما يشتهي ... فجد أبا العباس للثاني\rفقبلني، فقال أبو نواس: وهذا بيت يكون عندك ديناً، وأنشد:\rيا وردةً أعجلها قاطف ... مرت بنا في باب عثمان\rوذكر الأصبهاني في كتاب الأغاني\rقال: دخل أبو نواس على عنان جارية الناطفي وهي تبكي، وقد كان سيدها ضربها، فأومأ إليه الناطفي أن يحركها بشئ، فقال:\rعنان لو جدت يا مناي بما ... آمل لم تقطر السماء دما\rفقالت مسرعة:\rفإن تمادى ولا تماديت في ... منعك أصبح بقفرةٍ رمما\rفقال:\rعلقت من لو أتى على أنفس ال ... باقين والغابرين ما رحما\rفقالت:\rلو نظرت عينها إلى حجرٍ ... ولد فيه فتورها سقما\rقال أبو الفرج\rوقرأت في بعض الكتب: دخل بعض الشعراء على عنان، فقال لها مولاها: عانتيه، فقالت:\rسقياً لبغداد لا أرى بلداً ... يسكنه الساكنون يشبهها\rفقال:\rكأنها فضة مموهة ... أخلص تمويهها مموهها\rفقالت:","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"أمن وخفض ولا كبهجتها ... أرغد أرضٍ عيشاً وأرفهها\rفانقطع.\rوذكر الصولي في كتاب الوزراء\rقال: قال علي بن يحيى المنجم: كنت عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل، فقال:\rحمد يتيه علينا ... بشكله وبقده\rفقلت:\rجزاؤه كلما تا ... ه أن يهان بصده\rفقال:\rوقد ملا الأرض طراً ... بتيهه وببرده\rفقلت:\rيا رب فامنن علينا ... قبل الممات بفقده\rوذكر محمد بن أيوب الغرناطي في كتاب فرحة الأنفس في أخبار الأندلس\rأن الناصر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، جلس في جماعة من خواصه، ومعهم أبو القاسم لب، وكان يعده للمجون والتطايب، فقال له: اهج عبد الملك بن جهور؛ أحد وزرائه، فقال: أخافه، فقال لعبد الملك، فاهجه أنت، فقال: أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت؛ ثم صنع:\rلب أبو القاسم ذو لحيةٍ ... طويلة في طولها ميل\rفقال عبد الملك:\rوعرضها ميلان إن كسرت ... والعقل مأفون ومخبول\rفقال الناصر للب: اهجه فقد هجاك، فقال بديهاً:\rقال أمين الله في عصرنا ... لي لحية أزرى بها الطول\rوابن جهيرٍ قال قول الذي ... مأكوله القرضيل والفول\rلو لا حيائي من إمام الهدى ... نخست بالمنخس شو...\rثم سكت، فقال الناصر: هات تمام البيت. فامتنع، فقال له: قولو يعني تمام البيت؛ قالها الناصر مسترسلاً غير متحفظ من زيادة الواو وإبدال الهاء واواً؛ إذ صوابه قله على حكم المشي مع الطبع والراحة من التكلف. فقال لب: يا مولانا! أنت هجوته. ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا وأمر له بجائزة.\rالقرضيل: شوك له ورق عريض تأكله البقر، وشو: اسم ذكر الرجل بالرومية. وقولو: اسم للاست. فكأنه قال: لو لا حيائي من إمام الهدى نخست بالمنخس - الذي هو الذكر - استه.\rقال علي بن ظافر\rأخبرني من أثق به، وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن القرموني بما معناه: اجتمع الوزير أبو بكر بن القبطرنة، والأستاذ أبو العباس بن سارة في يوم جلا ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند نزول الماء، فترافدا في صفتها، فقال ابن سارة:\rهذي البسيطة كاعب أبرادها ... حلل الربيع وحليها النوار\rفقال ابن القبطرنة:\rوكأن هذا الجو فيها عاشق ... قد شفه التعذيب والإضرار\rفقال ابن سارة:\rفإذا شكا فالبرق قلب خافق ... وإذا بكى فدموعه الأمطار\rفقال ابن القبطرنة:\rمن أجل ذلة ذا وعزة هذه ... يبكي الغمام وتضحك الأزهار\rقال علي بن ظافر\rوأخبرني أبو يحيى بن أحمد الستولي بما معناه: أخبرني كل من الأديب أبي عبد الله المتيطي، وأبي العباس أحمد ابن خمير أنهما اجتمعا بمنار سبتة في بعض العشايا، والشمس قد آذنت بالرواح، ونثرت زعفرانها على مسك البطاح، فقال ابن خمير:\rعشيتنا وقد لبست ردائي ... شحوبٍ للتفرق والوداع\rفقال المتيطي:\rفيا شمس الأصيل أراك تشكو ... كشكوائي، أطبعك من طباعي!\rفقال ابن خمير:\rفلا تجزع لعل الدهر يوماً ... يجود على التفرق باجتماع\rقال علي بن ظافر\rوقال لي الستولي ما معناه: وأخبراني أيضاً أنهما مرا على صبي نجار ينجر أخشاب سفينة، كأن البدر يبسم عن محياه، والزهر ينسم عن رياه، وهو يبذل من أخشابه ما كان مصوناً، ويعاقبها بالقطع لسرقتها حركات أعطافه حين كان غصوناً، فتجاريا القول فيه؛ فقال المتيطي:\rورب ظبيٍ غريرٍ ... يروع بالهجر روعي\rفقال ابن خمير:\rذلت له الخشب طوعاً ... كذلتي وخضوعي\rفقال المتيطي:\rفقلت: حبي، ماذا ... تبغي بهذا الصنيع؟\rفقال ابن خمير:\rفقال أنشي سفيناً ... لرحلتي ونزوعي\rفقال المتيطي:\rفقلت: دونك فاجعل ... سفينةً من ضلوعي\rفقال ابن خمير:\rشراعها من فؤادي ... وبحرها من دموعي\rقال علي بن ظافر","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"وأخبرني القاضي أبو المكارم أسعد بن الخطير المقدم ذكره، قال: اجتمعت مع الوجيه أبي الحسن علي بن الذروي رضي الله تعالى عنه، ومعنا رجل سيء الخلق، كثير الضجر والحنق، ذو صدرٍ يضيق عن مثقال الذرة، ويتسع عنه اتساع الأفق لسم الإبرة، فترافدنا في ذمة، فقال ابن الذروى:\rلو كان سرمك مثل صدرك ضيقةً ... طال اشتياق حتاره للفيشل\rفقلت:\rولكنت أول من يقال بأنه ... بغاء إلا أنه لم يدخل\rوأخبرني الأديب عبد المنعم بن صالح الجزيري\rقال: اجتمع عندي ابن المنجم والوجيه أبو الحسن بن الذروي، والفقيه الأديب أبو الفضل المنبوز بطيري، وجلسوا للحديث، فدخل علينا أبو الربيع سليمان بن تنين الطحان، وذكر أنه رأى رجلاً مصلوباً بأعلى الجسر، وطعن بعد صلبه، فقال الوجيه ابن الذروي: يا أصحابنا، اصنعوا في هذا شيئاً، فقال ابن المنجم: إنما يصنع فيه من يتهم بأنه لا يشعر، وليس ها هنا من يتهم إلا الشيخ أبو الفضل والشيخ أبو الربيع، فليصنعا بيتين على حرف الذال على سبيل المرافدة؛ ليثبت لهما ما ادعياه من قول الشعر، فصنع طيري في الحال:\rومفجعٍ تخذ الجذوع مطيةً ... فتقطعت لركوبها أفخاذه\rوأطال أبو الربيع التفكر وافتضح في تمادي التأمل، فدس إليه ابن المنجم رقعة صغيرة فيها:\rوبدا لسن الرمح فيه نفاذة ... أخنى على أفلاذه فولاذه\rوناولها له بحيث فطنت الجماعة وتغافلوا، وخفى الأمر على طيري لسوء بصره، فقال: بيتي خير من هذا البيت؛ وأكثر الصياح والجلبة، فقال له ابن الذروي: دع عنك هذا القول، ألست القائل في بيتك: تخذ الجذوع... فهذا صلب على جذع أو مائة! وقلت: أفخاذه، فله فخذان أو عشرة! وأوحى إليه بالقصة. فأقصر عن الكلام، ثم التفت ابن الذروي إلى سليمان وقال له: قد ثبت اليوم عملك للشعر. فانصرف، وقد ألزموه بعمل دعوة سروراً بذلك.\rوأخبرني الأديب أبو القاسم عبد الرحمن العداس\rقال: اجتمع في منزلي أبو الفضل جعفر المنبوز بشلعلع، والمهذب وابن سعدان الدمشقي، فأنشدنا ابن سعدان قصيدتين مفرطتي الطول، وقال: صنعتهما وبيضهما وحملتهما للممدوحين في يومي هذا. وكان الظهر لم يؤذن به بعد، فرددنا عليه قوله، فأخذ يدعي قوة الارتجال وسرعة البديهة، فقال له جعفر: هذا مكان يمكن فيه إقامة البينة من كل مدع، ثم أطرق وقال:\rولقد قطعت اليوم مغصصٍ ... بمهذبين محلق ومقصص\rوقال له: اصنع على هذا البيت والزم الصادين. فقال ابن سعدان: هذا ينبغي أن يقوله صاحب المنزل؛ وصدق، لأن جعفراً عنى بقوله: محلق نفسه وعنى بقوله: مقصص ابن سعدان، لأنه كان يفرط في قص لحيته، فقال له جعفر: قل، فلم يصنع شيئاً، فقلت أنا:\rوطفقت أغتنم السرور كأنما ... قد فزت من لذاته بتلصص\rثم استدعينا منه القول فما أمكن، وكأنما يبس، أو اعتراه الخرس، فقال المهذب:\rفكأنما أسقيتها من خاتمٍ ... ورقٍ بياقوت المدام مفصص\rثم استدعيناه فلم يقل شيئاً، فقلت: أنا أصنع عنك، وقلت - وقد نزلت عن تكرير الصاد - :\rأشنى المفند في المدام فدامةً ... وأحب كل مسامحٍ ومرخص\rوانقضى المجلس ولم يصنع شيئاً.\rقال علي بن ظافر\rوكتب إلى القاضي الأعز ابن المؤيد من الإسكندرية - ولفظ الخبر له - قال: تسايرت أنا والقاضي المخلص أبو العباس أحمد بن يحيى بن عوف بشاطئ خليج الإسكندرية من جهة القنطرة المعروفة بقنطرة السواري، وقد رقصت أشجاره على غناء أطياره، وملأ لها ساقي الغمام كئوس جلناره، فبينما نحن نتناشد من نفيس رقيق الأشعار، ونتعاطى من كئوس رحيق الأخبار، ونتعجب من سماء ذلك الماء كيف خلت من البدور، ومن نجوم تلك الأزهار مع طلوع شمس النهار كيف لا تغور؛ إذا بجوارٍ هناك جوار، وبدور من قبل السواري سوار، فقلت:\rلله أي بدورٍ ... من السواري سوار!\rفقال المخلص:\rمن كل هيفاء خرسا ال ... وشاح خرسا السوار\rفقلت:\rلاحت فجلت وحلت ... قلبي وعقد اصطباري\rفقال:\rتنوب فرعاً ووجهاً ... عن الدجى والنهار\rفقلت:\rفناظرها وقلبي ... ما بين راضٍ وضار\rفقال:","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"وخدها وفؤادي ... من جلنارٍ ونار\rفقلت:\rتحكى الغزالة في به ... جةٍ وحسن منار\rفقال:\rوالظبي في حسن جيدٍ ... ومقلةٍ ونفار\rقال علي بن ظافر\rوأخبرني شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير نجم الدين المقدم ذكره بما معناه: جلسنا على بركة في منظرة السيد الصاحب بالجزيرة، وقد ألقى عليها ورداً أحمر ملأ بكثرة نجومه فسحة سمائها، ونقبت حمرة خدوده صفحة مائها، وأهدى رمدة إلى مقلتها الزرقاء فصح سرورنا بدائها؛ فقال رضى الدين إسحاق بن عب الباري:\rوبركةٍ صادقة الصفاء\rفقلت:\rبريئةٍ من دنس الأقذاء\rفقال:\rنقب فيها الورد وجه الماء\rفقلت: فأبصرت من مقلةٍ رمداء\rوأخبرني أيضاً\rهو والشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي أنهما كانا مجتمعين، فمر عليهما صبي من أبناء السواديين يسوق بقراً - وكان وضئ الوجه، حسن القد - فتعاطينا القول في صفته، فقال الشهاب:\rبنفسي غزالاً يسوق البقر ... ويقتل عمداً نفوس البشر\rفقال الشريف:\rبدا فبدا الغصن فوق الكثيب ... وبدر الدجى في ظلام الشعر\rفقال الشهاب:\rتقل الغزالة عن وجهه ... ويصغر تشبيهه بالقمر\rفقال الشريف\rشكوت إليه غرامي به ... فأعرض عني دلالاً ومر\rفقال الشهاب:\rحلا لي لما انثنى قده ... ولكنه لحياتي أمر\rقال علي بن ظافر\rكنت في بعض العشايا بالقرافة، أنا والأعز بن المؤيد المقدم ذكره - رحمه الله - في منزل قد انعطفت قدود أشجاره، وابتسمت ثغور أزهاره، وذاب كافور مائه على عنبر طينه، ومدت بكاسات الجلنار بنان غصونه، والنسيم قد خفت فاعتل، وسقط رداؤه في الماء فابتل، ووهت قواه فضعف عن السير، واشتد مرضه حتى ناحت عليه نوائح طير، فاقترح علينا أصحاب لنا كانوا معنا أن نصنع في صفة تلك العشية على هذه القافية، فقال الأعز:\rجاء النسيم إلى الغصون رسولا ... ومشى يجر على الرياض ذيولا\rفقلت:\rنشوان يعثر في الخمائل عابثاً ... بالزهر مبلول الرداء عليلا\rفقال:\rفتمايلت قاماتها فكأنما ... شربت بكاسات الشمائل شمولا\rفقلت:\rفكأنه قد هز رايات له ... خضراً وسل من المياه نصولا\rفقال:\rقد أطلعت من زهرها غرراً ومن ... جاري المياه يسوقها تحجيلا\rفقلت:\rتحكى العرائس في القلائد للثرى ... لبست خلاخل فضةٍ وحجولا\rفقال:\rضحكت مباسم زهرها ولطالما ... بكيت بدمع الهاطلات طويلا\rفقلت:\rوبدا عليها الجلنار كأنه ... وجنات خودٍ سمتها التقبيلا\rفقال:\rسلت عليهن البروق صوارماً ... فكسونها منه دماً مطلولا\rفقلت:\rوتناظرت أطيارها فيه وقد ... أكثرن قالاً في الهديل وقيلا\rقال علي بن ظافر\rومررت أنا وهو رحمه الله يوماً بدولاب يئن أنين ثكالى فقدت أطفالها، والنواعج أضلت آفالها، ويبكي بكاء صب آلمه هواه، وصارمه من يهواه، وفرق البين بينه وبين محبوبه فراقاً لا يرجى انقطاعه، ولا يمكن استرداد ما سلبه منه ولا استرجاعه، فقلبه قد ملأته أوجاعه، وجفنه قد ضاق مجراه عن دمعه فتفتحت به أضلاعه، فقلت:\rوساقيةٍ تئن أنين ثكلى ... شكت بأنينها حر الأوار\rفقال:\rتحن ولا تزال تطوف عجلى ... كرازمةٍ تحن إلى حوار\rفقلت:\rغدت تحكي محباً ذا انتحابٍ ... يطوف باكياً في رسم دار\rفقال:\rحكت فلكاً لجلب اللهو دارت ... عليه من قوادسه دراري\rوبصرنا بساقية تتلوى تلوي الأفعوان\rوتخفق خفقات قلب الجبان، والزهر قد نظم بلبتها عقودا فوق أثوابها الممسكة، والنسيم يكسوها ويلبسها غلائل مفركة، فقلت:\rأساقية أم أرقم فر هارباً\rفقال:\rأم الريح قد هزت من الماء قاضبا\rفقلت:\rحصىً مثل در الثغر أجرى زلاله ... رضاباً وأبدى نبته النضر شاربا\rفقال:\rيوشحها زهر الرياض قلائداً ... ويلبسها مر الرياح جلاببا\rواجتمعت أنا وشهاب الدين يوماً","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"فتعاطينا القول في صبيٍ ينعت بالشمس، قد مضى ذكره، فقال:\rوشمسٍ متى أشرقت يكسها الحيا ... شقيقاً ويلبسني الهوى حلة الورس\rفقلت:\rيلوح فأبكى حين أنظر وجهه ... وبالقسر يبكي من يحدق للشمس\rقال علي بن ظافر\rواجتمعنا بالقرافة في ليلة وقد عم السرور الأرض بسحابه، وغمرها بفائض انسكابه، فأنبتت نواحيها زاهي جلنار، من شعل النار، في غصونٍ مائساتٍ، كحبال القرقيسات، وكشف بها النور سجف الظلماء، ونقل طرف الليل إلى الشية الشقراء، عن الشية الدهماء، وزهت الأرض بشهب النيران على جو السماء، فترافدنا القول، فقلت:\rأنعت ليلا مدلهما أقتما\rفقال:\rأشعل بالنار وكان أدهما\rفقلت:\rأضحى من الحسن منيراً مظلما\rفقال:\rكاثرت النيران فيه الأنجما\rفقلت:\rفلم نكد نعرف أرضاً من سما\rقال علي بن ظافر\rواجتمعنا يوماً على أن نتغزل في غلام رأيناه كأن الشمس من أزراره أشرقت، وكأن النار من وجناته أنارت وما أحرقت، ذي تخيلانٍ قد انبثت دهم خيلها في محياه، وتفرقت لاقتناص فرسان القلوب التي كسرها هواه، وقد حفت وجناته بالشقيق، ولففت فصوص السبج بالعقيق، فقال:\rبي رشأ أصداغه كالأوراق\rبل غصن من وشيه في أوراق\rبل قمر من شعره في أغساق\rفقلت:\rأجفانه مثل جسوم العشاق\rوقرطه مثل القلوب خفاق\rيرمقنا شرراً فينفى الأرماق\rفقال:\rفي خده ماء الجمال رقراق\rعجبت منه شيم ذو إحراق\rيريك خيلاناً حيال الأحداق\rقال علي بن ظافر\rواجتمعنا بالجامع، فرأينا غلاماً مائس العطف، ذابل الطرف، قد عانق أفعوان شعره غصن قده، وطابق بين مبيض وجهه ومسوده، فقلت فيه:\rيارب ظبى عطر الأنفاس\rيسكن قلبي بدل الكناس\rوجنته تزهر كالنبراس\rوشعره في قده المياس\rمثل لواء لبني العباس\rفقال: لو شبهته بعلم الخطيب، لا سيما إذا ذكرت حلوله بالجامع، ثم صنع فقال:\rيا رب غصنٍ أهيفٍ رطيب\rأنبته الحسن على كثيب\rقام مقام الخاشع المنيب\rيفتك في الجامع بالقلوب\rوقده في شعره الغربيب\rيميس مثل علم الخطيب\rثم قال: زد عليه فقلنا:\rوشادنٍ ساجي اللحاظ أحور\rفقال:\rأبيض يحكيه قوام الأسمر\rفقلت:\rوقده تحت أثيث الشعر\rفقال:\rمن فوق ردفٍ كالكثيب الأعفر\rفقلت:\rكعلم الخطيب فوق المنبر\rقال علي بن ظافر\rولما أعرس ابن الأمير إياس المصري الأسدي بابنة الأمير سيف الدين أيار كوخ مقدم الأسدية، احتفل الأمراء والأجناد، وبلغوا في الحشد غاية الاجتهاد، وأبرزوا من ضروب آلات الحرب ما يفوق الوصف، ويروق الطرف، وظهرت من مرد المماليك بدور سماء الغبار، وغصون من زغفهم في غدران ومن سيوفهم بين أنهار، يسبون النواظر، بالقدود النواضر، ويستملكون الخواطر، بالثغور العواطر، فكانت أوقات ذلك الزفاف مشهورة مشهودة، وأيامه في أيام الأعياد المعدومة النظير معدودة، فخرجت أنا والشهاب لننظر ذلك الاحتشاد، ونتأمل تلك الظباء الظاهرة بزي الآساد، فقال:\rنقبوا بالغبار وجه ذكاء ... ثم نابوا عن حسنها بالبهاء\rفقلت:\rوأرونا من سحر أعينهم منهم شموساً للنقع في ظلماء\rفقال:\rطاولوا بالنقا السماء اقتداراً ... وتبدوا من زغفهم في سماء\rفقلت:\rكل بدرٍ يسير تحت ثريا ... مغفرٍ خلف كوكب السمراء\rفقال:\rمل سكنى البروج فاعتاض عنها ... بسروجٍ على متونٍ ظباء\rفقلت:\rما تثنى في الدرع إلا أرانا ... غصناً مائساً بجدول ماء\rقال علي بن ظافر","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"واتفق أن مضى السلطان الملك الأشرف أبقاه الله - في أوائل خدمتي له وأواخر سنة ثمان وستمائة إلى مدينة نصيبين، وضرب خيمته على تل بين بساتينها يعرف بتل أبي نواس، وهو تل مشرف في غاية العلو، مستدير الشكل أحسن استدارة، قد استقبل جرية نهر الهرماس، حتى إذا وصل النهر إليه، تفرق حواليه، وتلوى تلوى الحيات من جانبيه، والبساتين محيطة به قد ملأت أكثر مرمى البصر، وهو في نفسه قد تأزر بالأعشاب، واكتسى بغرائب الأزهار، التي أدناها شقائق النعمان، وباسم الأقحوان. وكنت أنا مقيماً بالبلد لتدبير أحوالها، وتزجية وجوه أموالها، وأنا أتكرر إليه. وإنما نقطع المسافة إلى الخيام في جنات ذات أنهار، وظلال تمنع الحرور وتأذن للنسيم والأنوار، فعن لي أن قلت في بعض خرجاتنا ونحن سائرون على ظهور دوابنا:\rاجلس بتل أبي نواس ... ما بين باطيةٍ وكاس\rوابتع سروراً باعه ... منك الزمان بلا مكاس\rفي ظل غيثٍ ذي ارتجا ... زٍ بالرواعد وارتجاس\rواستدعيت من شهاب الدين المذكور المساعدة وهو يسايرني، فقال:\rتل تطلع مشرفاً ... بين المزارع والغراس\rبالنهر منتطق على ... زهرٍ كموشى اللباس\rمن قاس ربوة جلقٍ ... بذاره أخطأ في القياس\rفقلت:\rأضربته بعصاك يا ... موسى فأصبح ذا نبجاس\rفالماء يفرى المحل سي ... ف منه مكفوف الدياس\rوالقضب أمثال القنا ... والورد أمثال التراس\rفقال:\rوالثم خدود الورد في ... ه فتحتها أصداغ آس\rوابن اصطباحك إن أرد ... ت من الغبوق على أساس\rفقلت:\rواسمع غناءً كالغنى ... قد جاء من بعد الإياس\rشدواً إذا أدوى القلو ... ب أسىً فمنه لهن آس\rفقال:\rلاتقتنع بالكاس واب ... غ الري من جام وكاس\rواكرع فما حق المدا ... مة أن تراك وأنت حاسي\rفقلت:\rخذها لها إن ساورت ... عقل الفتى أي افتراس\rواترك على الأعراب ما اخ ... تاروه من لبن العساس\rفقال:\rمن كف ظبي لين ال ... أعطاف صلد القلب قاسي\rظبي ولكن القلوب ... ب تكنه بدل الكناس\rفقلت:\rيحنى بلا سكرٍ ويك ... سر جفنه لا من نعاس\rيهوى ويذكر وهو سا ... ل للذي يهواه ناسي\rثم شغلنا بالوصول، واستدعاني السلطان فدخلت إليه، فعمل الشهاب تمامها وأنا عنده، وكتبها على هذه الصورة وأنفذها إلى:\rسهل الخلائق رطبها ... صعب الشكيمة والمراس\rلا يستجيب ولا يطي ... ع ولا يجود ولا يواسي\rما بين ندمانٍ ظرا ... فٍ حين تخبر كياس\rواشرب برأس التل لا ... تحفل بغمدانٍ براس\rواهنأ بدولة سيف ذي ... يزنٍ ودولة ذي نواس\rفلقد فضلتهما بمج ... دٍ شامخٍ وندى وباس\rورواق ملكٍ ثابت ال ... أركان سامي الفخر راس\rفالعمر ما تم السرو ... ر به كقول أبي فراس\rلا زال يخدمك الزما ... ن ومن حواه من أناس\rواتفق يوماً\rوقد اجتمعنا بثغر الإسكندرية أيام حلول السلطان الملك العزيز به إلى جزيرة الثغر لزيارة قبر أخينا الأعز بن المؤيد - رحمه الله - وقد كان توفي أغبط ما كان بالحياة، وأيأس ما كان من الوفاة، وغصن شبابه رطيب، والزمان بالثناء على فضله الخطير خطيب، فلما حللنا بفناء قبره، وأرسلنا سيل المدامع لذكره، قال الشهاب:\rأيا قبر الأعز سقيت غيثاً ... كجود يديه أو دمعي عليه\rوقلت:\rوحلت جانبيك مروج زهرٍ ... تحاكي طيب أوقاتي لديه\rفقال الشهاب:\rلفقد إخائه الصافي وداداً ... وددت الموت من شوق إليه\rومن التمليط الواقع بين ثلاثة من الشعراء مما كان بقسيم لقسيم:\rروى المدائني\rقال: خطب أويس القرني رضي الله عنه أم الشماخ ومزرد وجزء، بني ضرار، وحضر إليهم، فقال الشماخ:\rنبئتها ناكحةً أويسا","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"فقال مزرد: يهدي إليها أعنزاً وتيسا فقال جزء: حمقا ترى ذاك بها أم كيسا فقال أويس: لعن الله من يكون رابعكم.\rوما أحسب أويساً رضي الله عنه خطب امرأة قط، ولعله غيره، أو في الرواية وهم.\rومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني عن رجاله\rوتتصل روايته بالحرمازي؛ قال: نزل شبيب بن البرصاء المري وأرطأة بن زفر وعويف القوافي برجلٍ من أشجع، كثير المال يسمى علقمة، فأتاهم بشربة لبن ممذوقة، ولم يذبح لهم؛ فلما رأوا ذلك منه قاموا إلى مطيهم ورواحلهم فركبوها، ثم قالوا تعالوا حتى نهجو هذا الكلب، فقال شبيب:\rأفي حدثان الدهر أم في قديمه ... تعلمت ألا تقري الضيف علقما\rفقال أرطاة:\rلبثنا طويلاً ثم جاء بمذقةٍ ... كماء السلا في جانب القعب أثلما\rفقال عويف:\rفلما رأينا أنه شر منزلٍ ... رمينا بهن الليل حتى تصرما\rوروي أيضاً أن عقيل بن علفة المري\rخرج هو وابناه جثامة وعلفة وابنته الجرباء حتى أتو بنتاً له ناكحاً في بني مروان بالشام آمت. ثم إنهم قفلوا بها حتى كانوا ببعض الطريق قال عقيل:\rقضت وطراً من دير سعدٍ وربما ... على عرضٍ ناطحنه بالجماجم\rإذا هبطت أرضاً يموت غرابها ... بها عطشاً أعطينهم بالخزائم\rثم قال: أجز يا علفة، فقال:\rإذا علم غادرنه بتنوفةٍ ... تذارعن بالأيدي لآخر طاسم\rثم قال: أجز يا جثامة، فقال:\rوأصبحن بالموماة يحملن فتيةً ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم\rثم قال: أجيزي يا جرباء، فقالت: وأنا آمنة؟ قال: نعم، فقالت:\rكأن الكرى سقاهم صرخديةً ... عقاراً تمشت في المطا والقوائم\rفقال عقيل: شربتها ورب الكعبة! لولا الأمان لضربت بالسيف ما تحت قرطيك، أما وجدت من الكلام غير هذا! فقال جثامة: وهل أساءت؟ إنما أجازت، وليس غيري وغيرك! فرماه عقيل بسهم، فأصاب ساقه والرحل، ثم شد عليها، وقال: لو لا يعيرني بنو مرة بعد اليوم ما ذقت الحياة. ثم خرج متوجهاً إلى أهله. ثم نحر عند جثامة جزوراً وتركه وقصد قومه، وقال: لئن أخبرت أهلك بشأن جثامة، أو قلت لهم إنه أصابه غير الطاعون أتيت عليك. فلما قدموا على أهل أبير وهم بنو القين ندم عقيل على ما فعله بجثامة، فقال لهم: هل لكم في جزورٍ انكسرت؟ قالوا نعم، قال: الزموا إثر هذه الرواحل حتى تجدوا الجزور. فخرج القوم حتى انتهوا إلى جثامة، فوجدوه وقد أنزفه الدم، فحملوه واقتسموا الجزور، وأنزلوه عليهم، وعالجوه حتى برأ، وألحقوه بقومه، فلما احتملوه وقرب الحي تغنى جثامة بقوله:\rأيعذر لاهينا ويلحين في الصبا ... وما هن والفتيان الاشقائق\rفقال له القوم: إنما أفلت من الجراحة التي جرحك أبوك آنفاً، وقد عاودت ما يكرهه، فأمسك عن هذا ونحوه إذا لقيته، لا يلحقك منه شر وعر.\rفقال: إنها خطرة خطرت، والراكب إذا سار يترنم.\rوقد ذكر ابن قتيبة في كتاب الأشربة هذه الحكاية على غير هذه الصفة، وذكر لعقيل البيت الأول من بيتيه، وجعل بدل علفة أخاه عملس، وأنشد له البيت الأول أيضاً من بيتيه، ثم ذكر أنه أنحى على ابنته الجرباء يضربها بالسوط، فلما رأى ذلك بنوه وثبوا عليه، فشلوا فخذه بسهم، فقال:\rإن بني زملوني بالدم ... من يلق آساد الرجال يكلم\rشنشنة أعرفها من أخزم\rوذكر أبو الفرج هذا الرجز في حكاية أخرى تتصل بزيد ابن عياش التغلبي والربيع بن نمير\rقال: غدا عقيل بن علفة على أفراس له عند بيوته، فأطلقها، ثم رجع فوجد بنيه وأمهم مجتمعين، فشد بسيف، فحاد عنه، وتغنى بقوله:\rقفي يا بنة المري نسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتنا قبل\rنخبرك إن لم تنجزي الوعد أننا ... ذواخله لم يبق بينهما وصل\rفإن شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... وإن شئت لا يفنى التكارم والبذل\rفقال عقيل: يا بن اللخناء، متى منتك نفسك هذا! وشد عليه بالسيف - وكان عملس أخاه لأمه، فحال بينه وبينه - فشد على عملس بالسيف، فرماه علفة بسهم، فأصاب ركبته، فسقط عقيل، وجعل يتمعك في دمه، ويزمجر بالرجز المقدم. وبعده:","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"من يلق أبطال الرجال يكلم ... ومن يكن ذا أودٍ يقوم\rقال المدائني: وأخزم فحل لرجل كان منجباً، فضرب في إبل رجل آخر، ولا يعلم صاحبه، فرأى بعد ذلك من نسله جملاً، فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، فأرسلت مثلاً.\rقال علي بن ظافر: ذكر الحريري في تفسير بعض مقاماته، أن أخزم جد حاتم الطائي، وأن جده الأدنى سعدا ضربه له مثلا، لما رأى منه تخلقه بأخلاقه وآثاره، والشنشنة: الشبه.\rوالصحيح ما ذكره أبو الفرج، وهذه الفعلة من علفة كانت سبب تفريق عقيل أولاده وطردهم عنه، وكانوا يقصدون أذاه بإنشاد الغزل بحضرة أخواتهم، لأنه كان مفرط الغيرة مبالغاً في الظنة، شديد الرقاعة، وهم من شياطين العرب.\rوذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق المعروف بالوراق بن يعقوب النديم في كتاب الفهرست قال\rصار جناد وإسحاق الجصاص إلى أبي عرار العجلي أحد رواة اللغة، فقال له جناد: اسمع شيئاً قلته، وأجزه، قال: قل، فقال جناد:\rفإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى دير هندٍ كيف خطت مقابره\rفقال إسحاق:\rتري عجباً مما قضى الله فيهم ... رهائن حتفٍ أوجبته مقادره\rفقال أبو عرار:\rبيوت ترى أثقالها فوق أهلها ... ومجمع زورٍ لا يكلم زائره\rوذكر محمد بن سنان\rمما رواه أبو الفرج، أن مطيع ابن إياس وحماد عجرد ويحيى بن زياد خرجوا في سفر، فلما نزلوا ببعض القرى عرفوا، فأنزلوا منزلاً، وأتوا بطعام وشراب، وبينما هم يشربون في صحن الدار، إذ أشرفت بنت دهقان من سطحٍ لها بوجهٍ مشرق رائق، فقال مطيع لحماد: ما عندك يا حماد؟، فقال حماد: خذ فيما شئت، فقال مطيع:\rألا يا بأبي النا ... ظر من بينهم نحوي\rفقال حماد: ألا يا ليت فوق الحقو منها لاصقاً حقوي فقال مطيع:\rوأن البضع يا حما ... د منها شوبك المروي\rفقال يحيى بن زياد:\rويا سقياً لسطح أش ... رقت من بينهم حذوي\rوروى محمد بن خلف المرزباني\rعن بعض شعراء الكوفة، قال: قال لي محمد بن كناسة: قد اشتهت دنانير - يعني جاريته المشهورة جمالاً وأدباً - أن تنظر إلى الحيرة، فهل لك أن تساعدنا؟ - وكان الزمان ربيعاً - فقلت: نعم، فقال: تقدمنا لنلحق بك، فقصدت الخورنق وجلست في بعض المواضع المعشبة، وإذا به قد أقبل على بغلة ومعه دنانير على حمار فأخذ غلامه دابتيهما، فنزلا، وجلسنا وقد ستر بعض وجهها مني، فقلت أداعبها - وكان محمد يأنس بي، ويسكن إلي - : إنما تسترين وجهك عن شيخ، فقالت: طماح عين، قال: فضحكنا، ثم أخذنا ننظر إلى رياض الحيرة وبقاعها، ونتذكر ما مضى لها من الزمان، ونستحسن حمرة الشقائق على ائتلاف تلك الأنوار والألوان وطيب روائح النوار، فأخذ محمد عوداً وكتب على الأرض:\rالآن حين تزين القطر ... أنجاده ووهاده العفر\rثم قال لدنانير: أجيزيه فقالت:\rبسط الربيع بها الرياض كما ... بسطت ثياب في الثرى خضر\rفقلت: أحسنت والله، فقال: أجز، فكتبت تحتهما:\rبرية في البحر نابتة ... يجبى إليها البر والبحر\rفكتبت:\rوسرى الفرات على مياسرها ... وجرى على أيمانها النهر\rوبدا الخورنق في مطالعها ... فرداً يلوح كأنه الفجر\rكانت منازل للملوك ولم ... يعمل بها لمملك قبر\rوقد ذكر أبو الفرج هذه الحكاية، ورواها عن عبيد الله بن الحسين، وعزا جميع أبياتها لابن كناسة.\rقال الأصمعي\rما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد إلا مرة واحدة، دخلت عليه أنا وأبو حفص الشطرنجي، فقال: استبقا إلى بيت، فمن أصاب غرضي، فله عشرة آلاف درهم، قال: فأشفقت ومنعتني هيبته، وبدر الشطرنجي بجراءة العميان، فقال:\rكلما دارت الزجاجة زادت ... ه اشتياقاً وحرقةً فبكاك\rفاستحسنه وأجازه، فزالت عني الهيبة، فقلت:\rلم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك\rفقال: لله درك! لك عشرون ألفاً، ثم أطرق ورفع رأسه، وقال: أنا - والله - أشعر منكما، وأنشد:\rفتمنيت أن يغشيني الل ... ه نعاساً لعل عيني تراك!\rوقد أنبأني التقي أبو محمد عبد الخالق المسكي","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"عن أبي طاهر السلفي، قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن السراج وابن يعلان الكبير قالا: أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، عن أبي يعقوب النجيرمي قال: حدثنا الأزدي عن ابن دريد عن أبي حاتم، عن الأصمعي، قال: دخلت على الرشيد، وعنده أبو حفص الأعمى المعروف بالشطرنجي، فقال: استبقا إلى آخره، فوقع في نفسي أنه يريد جارية الناطفي، فهبته وبدرني أبو حفص، فقال:\rمجلس ينسب السرور إليه ... لمحب ريحانه ذكراك\rفقال: قد قاربت، ولك العشرة، وتهيبته، فقال: كلما دارت الزجاجة ... وذكر باقي الحكاية بنحو ما في الأولى.\rوحدث رزين العروضي\rقال: أصبحت مخموراً فتفكرت فيمن آنس به، فذكرت عنان، فاستأذنت عليها، فإذا عندها أعرابي. فقالت: يا عم، قد أتاني الله بك على فاقة، إن هذا الأعرابي قصدني، فقال: قد بلغني أنك شاعرة، فقولي حتى أجيز، وقد أرتج علي، فقلت:\rلقد قل العزاء وعيل صبري ... عشية عيسهم للبين زمت\rفقال الأعرابي:\rنظرت إلى أوائلهن صبحاً ... وقد رفعت لها حدج فحنت\rفقالت عنان:\rكتمت هواهم في الصدر مني ... ولكن الدموع علي نمت\rفقال الأعرابي: أنت أشعرنا، ولو لا أنك حرمة لقبلتك.\rقال وروى محمد بن عيسى بن عبد الرحمن\rقال: خرج إبراهيم بن عباس الصولي ودعبل بن علي الخزاعي وأخوه رزين، في نظراء من أهل الأدب رجالة إلى بعض البساتين في خلافة المأمون، وذلك في زمن خمول إبراهيم، فلقوا جماعةً من أهل السواد من حمال الشوك، فأعطوهم شيئاً وركبوا حميرهم، فأنشأ إبراهيم يقول:\rأعيضت من حمول الشو ... ك أحمالاً من الحرف\rنشاوى لا من الصهبا ... ء بل من شدة الضعف\rفقال رزين:\rفلو كنتم على ذاك ... تميلون إلى قصف\rتساوت حالكم فيه ... ولم تبقوا على خسف\rفقال دعبل:\rوإذ فات الذي فات ... فكونوا من أولى الظرف\rومروا نقصف اليوم ... فإني بائع خفي\rفانصرفوا عنه، وباع خفه، وأنفق ثمنه عليهم.\rوذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في كتابه الأمثال\rالذي جمعه للمعز بن تميم صاحب القاهرة، قال: أخبرني سيبويه قال: اجتمع محمد بن مقبل ومحمد بن مجمع وأبو نصر الأشعثي في بستان لابن مقبل، وفي البستان نرجس تميس به الريح، فقال ابن مقبل:\rشموس وأقمار من الزهر طلع ... لذي اللهو في أكنافها متمتع\rفقال محمد بن مجمع:\rتجاذب أعلاها الرياح فتنثني ... فيلم بعض بعضها ثم يرجع\rفقال الأشعثي:\rكأن عليها من مجاحة ظلها ... لآلئ إلا أنها هي ألمع\rويحدرها عنها الصبا فكأنها ... دموع براها البين والبين يفجع\rوذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد\rقال: اجتمع عند أبي الحسن علي بن يحيى بن المنجم أحمد بن أبي طاهر وأبو هفان عبد الله بن أحمد العبدي وأبو يوسف يعقوب بن يزيد، على نبيذ فقال أبو هفان بديهاً يمدح علياً:\rوقائلٍ إذ رأى عزمي على الطلب ... أتهت أم نلت ما ترجو من الأدب\rإن ابن يحيى علياً قد تكفل بي ... وصان عرضي كصون الدين والحسب\rفابتدر التمار فقال:\rتذكى لزواره نار منورة ... على يفاعٍ ولا تذكى على صبب\rمن فارس الخيل في أبيات مملكةٍ ... وفي الأكارم من جرثومة النسب\rفقال أحمد بن أبي طاهر:\rله خلائق لم تطبع على طبعٍ ... ونائل وصلت أسبابه سببي\rكالغيث يعطيك بعد الري نائله ... وليس يعطيك ما يعطيك عن طلب\rومنه قال اجتمع عند أحمد بن أبي طاهر أبو الضياء القيني وأبو سليمان النابلسي الضرير في أيام أبي الصقر على نبيذ\rفقال أحمد بن أبي طاهر:\rكأنما التف بريحانه ... ثوب من النرجس مشقوق\rفقال القيني:\rأو روضة خضراء نوارها ... بالمزن مصبوح ومغبوق\rفقال النابلسي:\rله نسيم بيننا ساطع ... كأنه بالمسك مفتوق\rكأنه يا بن أبي طاهرٍ ... من طيب أخلاقك مخلوق\rوذكر أبو حفص عمر بن علي المطوعي","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"في كتاب درك الغرر ودرج الدرر في محاسن نظم الأمير أبي الفضل الميكالي، قال: سمعت الأمير أبا الفضل يقول: سمعت أبا القاسم الكرخي يقول: كنت ليلة عند الصاحب بن عباد، ومعنا أبو العباس الضبي، وقد وقف على رءوسنا غلام كأنه فلقة قمر، فقال الصاحب مرتجلاً:\rأين ذاك الظبي أينه\rفقال أبو العباس الضبي:\rشادن في زي قينة\rفقال الصاحب:\rبلسان الدمع تشكو ... أبداً عيناي عينيه\rفقال أبو القاسم:\rلي دين في هواه ... ليته أنجز دينه\rفزاد الأمير أبو الفضل عند إنشاد أبي القاسم فقال:\rلا قضى الله ببينٍ ... أبداً بيني وبينه\rوأخبرت أن الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة السلمي وأبا محمد عبد الله بن محمد بن سعد الخفاجي الحلبي\rاجتمعنا عند الأمير سديد الملك أبي الحسين علي بن المقلد بن نصر بن منقذ الكناني، فتفاوضوا في فنون الأدب، فقال ابن أبي حصينة:\rقمر إن غاب عن بصري\rفقال الخفاجي:\rففؤادي حد مطلعه\rفقال ابن أبي حصينة:\rلست أنسى أدمعي ولهاً\rفقال الخفاجي:\rخلطت في فيض أدمعه\rفقال سديد الملك:\rقلت زرني قال مبتسماً ... طمع في غير موضعه\rقال علي بن ظافر\rأخبرني من أثق به بما معناه، قال: خرج الوزير أبو بكر بن عمار والوزير أبو الوليد بن زيدون، ومعهما الوزير ابن خلدون من إشبيلية إلى منظرةٍ لبني عباد بموضع يقال له الغيث، تحف به مروج مشرقة الأنوار، منتسمة النجود والأغوار، مبتسمة عن ثغور النوار، في زمن ربيع سقت السحب الأرض فيه بوسميها ووليها، وجلتها في زاهر ملبسها وباهر حليها وأرداف الربا قد تأزرت بالأزر الخضر من نباتها، وأجياد الجداول قد نظم النور قلائده حول لباتها ومجامر الزهر تعطر أردية النسيم عند هباتها، وهناك من البهار ما يزري بمداهن النضار ومن النرجس الريان ما يهزأ بنواعس الأجفان، وقد نووا الانفراد باللهو والطرب، والتنزه في روضتي النبات والأدب، وبعثوا صاحباً لهم يسمى خليفة هو قوام لذتهم، ونظام مسرتهم ليأتيهم بشراب يذهبون الهم بذهبه في لجين زجاجه، ويرمونه منه بما يقضي بتحريكه للهرب عن القلوب وإزعاجه، وجلسوا لانتظاره، وترقب عوده على آثاره. فلما بصروا به مقبلاً من الفج بادروا إلى لقائه، وسارعوا إلى نحوه وتلقائه. واتفق أن فارساً من الجند ركض فرسه فصدمه، ووطئ عليه فهشم أعظمه وأجرى دمه، وكسر قمعل الشراب الذي كان معه، وفرق من شملهم ما كان الدهر قد جمعه، ومضى على غلوائه راكضاً، حتى خفى عن العين خائضاً، وحين وصل الوزراء إليه، تأسفوا عليه، وأقاضوا في ذكر الزمن وعدوانه، والخطب وألوانه، ودخوله بطوام المضرات على توام المسرات، وتكديره الأوقات المنعمات، بالآفات المؤلمات، فقال ابن زيدون:\rأنلهو والحتوف بنا مطيفة ... ونأمن والمنون لنا مخيفة\rوقال ابن خلدون:\rوفي يومٍ وما أدراك يوم ... مضى قمعا لنا ومضى خليفه\rوقال ابن عمار:\rهما فخارتا راحٍ وروحٍ ... تكسرتا فشقفات وجيفه\rوأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله المقدم ذكره\rقال: أخبرني الشيخ تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، قال: أخبرني بن الدهان القرطبي، قال: مضيت أنا وأبو الفضل البغدادي وابن صلاح إلى دار أمين الدولة أبي الحسن هبة الله بن صاعد، ابن التلميذ، فأساء لنا حاجبه قنبر، وأفرط في منعنا من الدخول إليه، فقال أبو الفضل:\rقد بلينا في دار أس ... عد خلقٍ بمدبر\rفقلت:\rبقصيرٍ مطولٍ ... مستطيلٍ مقصر\rفقال ابن الصلاح:\rكم تقولون قنبر! ... قطعوا رأس قنبر\rثم أذن لنا، فدخلنا نضحك، فسألنا عن سبب ضحكنا فأخبرناه بالسبب، فقال: أنشدوني الأبيات جملة أميز لكم قول كل واحد منكم، فأنشدناه الأول، فقال: هذا لأبي الفضل لأنه شاعركم، ثم أنشدناه الثاني، فقال: هذا لك لأن فيه شيئاً من ألفاظ المهندسين، وأنت رجل مهندس، ثم قال: والثالث لابن الصلاح لأنه مخضرم.\rقال علي بن ظافر","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"مضيت أنا وشهاب الدين المقدم ذكره والقاضي الأعز بن المؤيد - رحمه الله - في جماعة من أصحابنا إلى الدير المعروف بالقصير، إيثاراً لنظر تلك الآثار، فلما تنزهنا في حسن منظره، وقضينا الوطر من نظره، تعاطينا القول فيه جريا على عادة الخلعاء والبلغاء، وظرفاء الأدباء ومجان الشعراء، الذين نبذوا الوقار بالعراء، فقطعوا طريق الأعمار، بطروق الأغمار، وضيعوا العين والعقار في تحصيل العين والعقار، فقال الشهاب:\rسقى الله يومي بدار القصير ... قصير العزالى طويل الذيول\rمحل إذا لاح لي لم أقف ... بصحبي على حوملٍ فالدخول\rفقلت:\rفكم فيه من قمرٍ في دجىً ... على غصنٍ في كثيب مهيل\rبلحظٍ صحيحٍ وطرف سقيمٍ ... وروحٍ خفيفٍ وردف ثقيل\rفقال الأعز:\rقطعت به العيش مع فتيةٍ ... صباح الوجوه كرام الأصول\rبكل كريم قصير المرا ... ء حاز المعالي بباعٍ طويل\rفقال الشهاب:\rإذا فمه سل سيف المدام ... فكم من سليبٍ وكم من قتيل\rفقال الأعز:\rوكم من خليعٍ كريم الفعال ... يجدد بالجود غيظ البخيل\rفقلت:\rنوافيه ذا ذهب جامدٍ ... فيفنيه في ذائب للشمول\rثم صنع الشهاب فيه على غير هذا الروي والوزن، فقال:\rعلى عمر القصير قصرت عمري ... وصنت خلاعتي وأزلت وقري\rفقال الأعز:\rولم أسمع لعمري قول زيدٍ ... إذا ما لامني أو قول عمرو\rفقلت:\rظفرنا فيه من شفةٍ وكأسٍ ... بمشروبين من ريقٍ وخمر\rفقال الشهاب:\rودافعنا يقين الدين فيه ... بمظنونين من خمرٍ وخصر\rفقال الأعز:\rكسوت به كئوس البيض حمراً ... من القمص اشتريناها بصفر\rفقلت:\rوظلت بمارق للهو أتلو ... بهز البيض فيه عناق سمر\rقال علي بن ظافر\rوجلسنا يوماً في روضٍ قد ماست قدوده، واخضرت بروده، وخجل ورده من عيون نرجسه فاحمرت خدوده، والروض يهدي إلى الآفاق طيب عرفه، والنسيم يركض في ميادين الأزهار بطرفه، فقلت:\rبعث النسيم إلى الرياض رسولا ... يوحي إليه بكرةً وأصيلا\rفقال الأعز:\rيدعو إلى شرب المدام فليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا\rفقال الشهاب:\rياويلتا ذهب الشباب فليتني ... لم أتخذ فيه العفاف خليلا\rومما روي في مثل هذا إلا أنه روي عن قوم مجاهيل\rفأخرنا ذكره، حتى انتهى الترتيب، ولم نر إخلاء الكتاب من ذكره؛ لأنه يجري مجرى الملح، ما روي أن ثلاثة من الكتاب خرجوا إلى متنزه، فبينما هم يأكلون طعاما كان معهم، إذا بمتطفل جلس إليهم، وابتدأ في تلقف ما في الطبق مما بين أيديهم، فقالوا له: هل عرفت منا أحداً؟ قال نعم، هذا - وأشار إلى الطعام - فتعاطوا صفتهم، فقال أحدهم:\rلم أر مثل جذبه ومطه\rفقال الآخر:\rوالأكل من دجاجه وبطه\rفقال الثالث:\rكأن جالينوس تحت إبطه\rفقال: أما نحن فوصفنا من شدة أكله ما عايناه، فما معنى كون جالينوس من تحت إبطه؟ فقال: يلقمه جوارش الكمون لئلا يتخم.\rومن التمليط الواقع بين أربعة شعراء:\rما روى الأصبهاني بسندٍ يتصل بإسحاق الموصلي عن رجاله\rأن عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزوميين وأبا ربيعة المصطلقي ورجلاً من بني مخزوم - وهو ابن أخت الحارث - خرجوا يشيعون بعض خلفاء بني أمية، فلما انصرفوا نزلوا بسرف، فلاح لهم برق، فقال الحارث: كلنا شعراء، فهلموا نصف البرق، فقال أبو ربيعة:\rأرقت لبرق في دجى الليل لامعٍ ... جرى من سناه ذو الربا فمتالع\rفقال الحارث:\rأرقت له ليل التمام ودونه ... مهامه موماة وأرض بلاقع\rفقال ابن أخته:\rيضيء عضاه الشوك حتى كأنه ... مصابيح أو فجر من الصبح ساطع\rفقال عمر بن أبي ربيعة:\rأيا رب لا آلو المودة جاهداً ... لأسماء فاصنع بي الذي أنت صانع\rثم قال: مالي وللبرق والشوك!\rوأنبأني الفقيه التقي عبد الخالق المسكي","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"عن السلفي قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن يعلان الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرني أبو يعقوب يوسف بن يعقوب النجيرمي قال: ذكر أبو بكر الصولي أنه وجد بخط ابن خرداذبة، أن أبا نواس ومسلم بن الوليد الصريع والحسين بن الضحاك الخليع والعباس بن الأحنف خرجوا إلى متنزه، ومعهم يحيى بن معاذ، فأدركتهم صلاة المغرب، فقدموا ابن معاذ للصلاة، فنسي الحمد، وأرتج عليه في \" قل هو الله أحد \" فقطعوا الصلاة، ثم تعاطوا القول فيه، فقال أبو نواس:\rأكثر يحيى غلطا ... في قل هو الله أحد\rفقال مسلم بن الوليد:\rقام طويلاً ساهياً ... حتى إذا أعيا سجد\rفقال العباس بن الأحنف:\rيزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد\rفقال الحسين بن الضحاك الخليع:\rكأنما لسانه ... شد بحبلٍ من مسد\rقال ابن رشيق في كتاب العمدة: وأخبرني بهذه الحكاية بعض أصحابنا، فقلت: وما على أحدٍ لو قال:\rونسي الحمد فما ... مرت له على خلد\rوسمع هذه الحكاية أيضاً العباس بن الحطيئة، فقال:\rورام شيئا غير ذا ... يقرؤه فما وجد\rوذكر أبو الفرج\rقال: أولم محمد بن خالدفدعا أبان بن عبد الحميد اللاحقي وسهل بن عبد الحميد وعبيد الله بن عمرو العتبي والحكم ابن قنبر، وأخر عنهم الغداء، ثم جاء فوقف وقال: ما لكم أعزكم الله! ألكم حاجة؟ يمازحهم، فقال أبان:\rحاجتنا فاعجل علينا بها ... من الحشاوي كل طردين\rوقال الحكم:\rومن خبيصٍ قد حكى عاشقاً ... صفرته زينت بتلوين\rفقال العقبى:\rوأتبعوا ذاك بأبيةٍ ... فإنكم أصحاب أبين\rفقال سهل:\rدعنا من الشعر وأوصافه ... واعجل علينا بالأخاوين\rفأمر بإحضار الغداء وخلع عليهم ووصلهم.\rومن ذلك ما أنبأنا به العماد أبو محمد الأصبهاني\rقال: حدثني صديقي النجيب محمد بن مسعود القسام بأصفهان، قال: حضرت مجلس مؤيد الدين أبي علي محمد بن اسبهسلار رئيس جرباذقان، وعنده شمس الدين احمد بن شداد الغزنوي ومجد الدين إسماعيل بن أحمد اليماني، فأحضر بين يديه ورد أحمر، فابتدر الغزنوي فقال:\rالورد فاح كأنه ... خلق الأمير أبي علي\rفقلت:\rأوصيته بين الأنا ... م وذكره في المحفل\rفقال اليماني:\rفاحمر من خجلٍ ومن ... فضحته دعوى يخجل\rفقال مؤيد الدين:\rفي عمره كعدوه ... في عزفه مثل الولي\rفنظم به ورد الثنا ... وانثر عليه من عل\rوأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي الديباجي\rقال: كنا بالعسكر المنصور الكاملي - أعزه الله - على العباسة، وعندي في خيمتي القاضي السعيد أبو القاسم بن سناء الملك - رحمه الله - والمهذب ابن الخيمي، وأقبل بعض الشعراء من أصحابنا على أكديش، وتحته على السرج خرج مشقوق، فتعاطينا العمل فيه، فقال ابن سناء الملك - رحمه اله - :\rبط خراج خرجه ... عن قربوس سرجه\rفقال المهذب ابن الخيمي:\rلا ترجه لصالحٍ ... يأتى ولكن أرجه\rفقلت:\rفإنما آفته ... من بطنه وفرجه\rوأقول: قد بقى عليهم من تمام المعنى والقوافي أن يقول أحدهم:\rفهو كذا في دخله ... يفكر لا في خرجه\rومن التمليط الواقع بين خمسة ما ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة بالإسناد المتقدم\rأن الأستاذ الرئيس أبا الفضل بن العميد\rجلس يوماً وعنده أبو محمد بن هندو وأبو الحسين بن فارس صاحب مجمل اللغة، وأبو عبد الله الطبري، وأبو الحسن البديهي، فجاءه بعض الخدم بأترجة فقال لهم: تعالوا نتجاذب أذيال وصفها، فقالوا: إن رأى سيدنا أن يبدأنا نفعل، فقال:\rوأترجةٍ فيها طبائع أربع\rفقال أبو هندو:\rوفيها فنون اللهو والشرب أجمع\rفقال ابن فارس:\rيشبهها الرائي سبيكة عسجدٍ\rفقال البديهي:\rعلى أنها من فأرة المسك أضوع\rفقال الطبري:\rوما أصفر منها اللون للعشق والهوى ... ولكن أراها للمحبين تجمع\rوعلى ذكر هذه الحكاية ذكر القزويني في كتاب الروضة","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"قال أبو الفرج - وذكر هذه الحكاية وما قال فيها الرئيس أبو الفضل وعمه أبو محمد بن هندو وعيرهم: كان الوزراء والصدور في ذلك الزمان من ذكرنا وشرحنا ووصفنا، وصرنا الآن إلى الزمان الخرف الهم، للذي لا فضل في أهله ولا إفضال، وأنموذجة ذلك أي حضرت ضيافة وزير الري أبي العلاء اللنكي، منصرفي من العراق، وقد احتشد لي ليريني فضل عظمته في الوزارة بعد ما رأيت حاله الأولى، وحضر معي الوزير أبو العلاء بن حسوك، فلما صرنا إلى مجلس الأنس، ودارت الكئوس، وأخذت منه الخمر، وقد كان انتهى إليه حكاية الرئيس أبي الفضل بن العميد مع عمي، فدعا بدواة ودرج، وكتب حتى عرق جبينه، ولطخ الدرج بكثرة ما سود، ثم تبادل أترجة وقلبها، يعلمنا أنه عمل فيها شيئاً، ثم قال:\rكأنها لون فتىً عاشقٍ ... من برده قد لبس المخملا\rفالتفت إلى أبو العلاء بن حسوك وقال لي سراً: لابد من إجازة هذا البيت بما يشاكل سخنة عين الوزراء، ولو عزلني عن عملي وقطع ضياعي، ثم أقبل عليه كأنه يصل كلامه فقال:\rأو لون حاجي من خرسان ومن ... إسهاله قد ركب المحملا\rفتوهم الوزير أنه جد، فأخذ يحرك رأسه مستحسناً لهذه الإجازة، ومتعجباً من سرعة البديهة، وملكني وأبا العلاء الضحك حتى تهتكنا، ونبه على سخريتنا منه، فظهرت منه حركات العربدة، فانصرفنا إشفاقاً من حال مكروهةٍ تجرى علينا.\rالباب الرابع\rفي بدائع بدائه الاجتماع\rعلى العمل في مقصود واحد من شاعرين فصاعداً\rوقد يكون اجتماعهما لشيئين: أحدهما، أن يكون ذلك لأمر ملك أو وزير، واقتراح رئيس أو كبير، وسؤال صديق أو رفيق.\rوالثاني أن يقصد تبين فضلهما إن كانا متوافقين، أو يقصد أحدهما تعجيز صاحبه إن كانا متنازعين أو متدافعين. أو يقصد أحدهما تعجيز صاحبه إن كانا متنازعين أو متدافعين.\rويقع ما يصدر عنهما أيضاً على وجهين: أحدهما أن يكونا فيما نظما متباعدي الغرضين مختلفي المقصدين، وهو الأكثر. والثاني أن يتفقا على معنىً واحدٍ وهو الأقل، ربما اشتركا في كثير من الألفاظ واتفقا في القافية، وهذا إنما يكون عند اشتراكهما في جودة طبع وصفاء ذهن، وحدة خاطر، وقوة فكر واتقاد قريحة. وبالجملة أن يكونا واردين على شريعة واحدة.\rوها أنا اذكر ما مر بي من الأخبار على هذين الوجهين في فصلين، وأبدأ بما وقع الاتفاق فيه فأقول:\rلفصل الأول\rفيما وقع الاتفاق فيه\rقال علي بن ظافر\rأكثر ما يقع هذا الاتفاق الغريب والتوارد العجيب، إذا ضيق المقترح على الشاعرين بأن يعين الوزن والقافية.\rذكر أبو عبد الله بن شرف القيرواني في كتاب أبكار الأفكار، قال: استدعاني المعز بن باديس يوماً واستدعى أبا علي الحسن بن رشيق الأزدي - وكنا شاعري حضرته وملازمي ديوانه - فقال: أحب أن تصنعا بين يدي قطعتين في صفة الموز على قافية الغين، فصنعنا حالا من غير أن يقف أحدنا على ما صنعه الآخر، فكان الذي صنعته:\rيا حبذا الموز وإسعاده ... من قبل أن يمضغه الماضع\rلأن إلى أن لا مجس له ... فالفم ملآن به فارغ\rسيان قلنا مأكل طيب ... فيه و إلا مشرب سائغ\rوالذي صنعه ابن رشيق:\rموز سريع أكله ... من قبل مضغ الماضغ\rمأكلة لآكلٍ ... ومشرب لسائغ\rفالفم من لينٍ به ... ملآن مثل فارغ\rيخال وهو بالغ ... للحلق غير بالغ\rفأمرنا للوقت أن نصنع على حرف الذال، فعملنا ولم ير أحدنا صاحبه ما عمل، فكان ما عملته:\rهل لك في موز إذا ... ذقناه قلنا حبذا\rفيه شراب وغذا ... يريك كالماء القذى\rلو مات من تلذذا ... به لقيل ذا بذا\rوما عمله ابن رشيق:\rلله موز لذيذ ... يعيذه المستعيذ\rفواكه وشراب ... به يداوي الوقيذ\rترى القذى العين فيه ... كما يريها النبيذ\rقال ابن شرف: فأنت ترى هذا الاتفاق لما كانت القافية واحدة والقصد واحداً، ولقد قال من حضر ذلك اليوم: ما ندري مم نتعجب، أمن سرعة البديهة أم من غرابة القافية، أم من حسن الاتفاق!\rقال أبو عبد الله بن شرف","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"واستخلانا المعز يوماً وقال: أريد أن تصنعا شعراً تمدحان به الشعر الرقيق الخفيف الذي يكون على سوق بعض النساء، فإني أستحسنته، وقد عاب بعض الضرائر بعضاً به، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أريهن هذا، وأدعي أنه قديم لأحتج به على من عابه، وأسر به من عيب عليه؛ فانفرد كل منا، وصنع في الوقت؛ فكان الذي قلت:\rوبلقيسيةٍ زينت بشعرٍ ... يسيرٍ مثلما يهب الشحيح\rرقيق في خدلجةٍ رداحٍ ... خفيف مثل جسم فيه روح\rحكى زغب الخدود كل خد ... به زغب فمعشوق مليح\rفإن يك صرح بلقيسٍ زجاجاً ... فمن حدق العيون لها صروح\rوكان الذي قال ابن رشيق:\rيعيبون بلقيسية أن رأوا بها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا\rوقد زادها التزغيب ملحاً كمثل ما ... يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا\rفنتقد المعز على ابن رشيق قوله: يعيبون، وقال: قد أجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس عابه. وهذا نقد ما كنت فطنت له.\rوروى ابن بسام في كتاب الذخيرة\rوهو روايتي عنه بالإسناد المتقدم قال: حكى أبو صفوان العتكي قال: كان أو إسحاق الحصري يختلف إلى بعض المشيخة من القيروان، وكان ذلك الشيخ كلفاً بالمعذرين، وهو القائل فيهم:\rومعذرين كأن نبت عذارهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا\rقرنوا البنفسج الشقيق ونظموا ... تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا\rقال وكان يختلف إليه غلام من أبناء أعيان أهل القيروان وكان به كلفاً فبينا هو يوماً والحصري جالس عنده\rوقد أخذ في الحديث إذا أقبل الغلام:\rفي صورةٍ كملت تخال بأنها ... بدر السماء لستةٍ وثمان\rيعشى العيون ضياؤها فكأنها ... شمس الضحى تعشى بها العينان\rفقال له الشيخ: يا أبا إسحاق، ما تقول فيمن هام، في هذا الغلام، وصبا لهذا القد والقوام؟ فقال الحصري: الهيمان به والله غاية الظرف، والصبوة إليه من تمام اللطف؛ لا سيما وقد شاب كافور خده هذا المسك الفتيت، وهجم على صبحه هذا الليل البهيم، والله ما خلت بياضه في سواده إلا بياض الإيمان في سواد الكفر، أو غيهب الظلماء في منير الفجر؛ فقال: صفه يا حصري، فقال: من ملك رق القول حتى ذلت له صعابه، وانقاد له جموحه وسطع له شهابه، أقعد مني بوصفه؛ فقال: صفه فإني معمل فكري في ذلك. ثم أطرق كل منهما لحظة؛ فكان الذي صنعه الحصري:\rأورد قلبي الردى ... لام عذارٍ بدا\rأسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى\rفقال الشيخ: أتراك اطلعت على ضميري، أم خضت بين جوانحي! فقال له: ولم ذلك أيها الشيخ؟ قال: لأني قلت:\rحرك قلبي فطار ... صولج لام العذار\rأسود كالليل في ... أبيض مثل النهار\rوأنبأني العماد أبي حامد\rقال: حكى أن شرف الدين أبا المنذر بن الوزير عون الدين بن هبيرة نظر إلى القمر في بعض الليالي وهو يدخل تحت السحاب تارة، وينكشف أخرى، فقال للحاضرين: ليقل كل منكم في وصفه شيئاً، فقال الأديب مقبل:\rكأنما البدر حين يبدو ... لنا ويستحجب السحابا\rخريدة من بني هلالٍ ... لاثت على وجهها نقابا\rوقال شرف الدين:\rإذا تطلع بدر التم من فرجٍ ... دون السحاب وحالت دونه سحب\rتخاله في رثيثٍ من ملاءته ... خرقاء تسفر أحياناً وتنتقب\rوقال عمه الأكرم أبو العباس عبد الواحد بن محمد بن هبيرة:\rوكأن هذا البدر حين تظلمه ... سحب فيخفى تارة ويئوب\rحسناء تبدو من خلال سجوفها ... طوراً فتنظر نحونا وتغيب\rوقال ابن ظافر","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"أخبرني أبو عبد الله بن المنجم بما معناه: صعدت إلى سطوح الجامع بمصر آخر شهر رمضان مع جماعة، فصادفت الأديب الأعز أبا الفتوح بن قلاقس وعلي بن مفرج بن المنجم وابن مؤمن وشجاعاً المغربي، فانضفت إليهم، فلما غابت الشمس وفاتت، ودفنت في المغرب حين ماتت، وتطرز حداد الظلام بعلم هلاله، وتجلى زنجي الليل بخلخاله، اقترح الجماعة علي ابن قلاقس وابن المنجم أن يصنعا في صفة الحال، فأطرق كل منهما مفكراً، وميز ما قذفه إليه بحر خاطره من جواهر المعاني متخيراً، فلم يكن إلا كرجعة طرف، أو وثبة طرف حتى أنشدا، فكان ما صنعه ابن المنجم:\rوعشاء كأنما الأفق فيه ... لازورد مرصع بنضار\rقلت لما دنت لمغربها الشم ... س ولاح الهلال للنظار\rأقرض الشرق صنوه الغرب دينا ... راً فأعطاه الرهن نصف سوار\rوكان الذي صنعه أبو الفتوح بن قلاقس:\rلا تظن الظلام قد أخذ الشم ... س وأعطى النهار هذا الهلالا\rإنما الشرق أقرض الغرب دينا ... راً فأعطاه رهنه خلخالا\rوقطعة ابن المنجم أحسن من قطعة الأعز لتنصيفه السوار؛ وعل كل حال فقد أبدعا، ولم يتركا للزيادة في الإحسان موضعا.\rقال ابن ظافر\rوقد لي مثل ذلك مع القاضي الأعز ابن أبي الحسن علي بن المؤيد - رحمه الله - وذلك أنا مررنا في عيشة على بستان مجاور للنيل، فرأيناه فيه بئراً عليها دولابان يتجاذبان، قد دارت عليهما أفلاكهما بنجوم القواديس، ولعبت بقلوب ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس، وهما يئنان أنين أهل الأشواق، ويفيضان ماءً أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين زبرجده، والأصيل قد راقه حسنه فنثر عليه عسجده، والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون، والسواقي قد أذالت من سلاسل قبضها كل مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه، وطرف النسيم قد ركضه في ميادين الزهر راكضه، ورضاب الماء قد استتر من الظل في لمى، وحيات المجاري حائرة تخاف من زمرد النبات أن يدركها العمى، والنهر قد صقل صيقل النسيم درعه، وزعفران العشى قد ألقى في ذيل الجو ردعه، فاستحوذ علينا ذلك الموضع استحواذا، وملأ أبصارنا حسناً وقلوبنا التذاذ، وملنا إلى الدولابين شاكين أزمرا حين سجعت قيان الطير بألحانها، وشدت على عيدانها، أم ذكر أيام نعمى وطابا، وكانا أغصانا رطابا، فنفينا عنهما لذة الهجوع، ورجعا النوح وأفاضا الدموع طلباً للرجوع، وجلسنا نتذاكر ما في تركيب الدواليب من الأعاجيب، وتناشدنا ما وصفت به من الأشعار الغالية الأسعار، فأفضى بنا الحديث الذي هو شجون، إلى ذكر الأعمى التطيلي، وقوله في أسد نحاس يقذف الماء:\rأسد ولو أني أنا ... قشه الحساب لقلت صخره\rفكأنه أسد السما ... ء يمج من فيه المجره\rفقال لي - رحمه الله - يتولد من هذا معنى في الدولاب يأخذ بمجامع المسامع، ويطرب الرائي والسامع، فتأملته فملئت إطرباً، وأوسعت إغرابا، وأخذ كل منا ينظم ما جاش به غمر بحره، وأنبأه به شيطان فكره، فلم يكن إلا كنقر العصفور، الخائف من الناطور، حتى كمل ما أردناه من غير أن يقف أحد منا على صنعه الآخر، فكان الذي قال:\rحبذا ساعة المجرة والدو ... لاب يهدي النفوس مسره\rأدهم لا يزال يعدو ولكن ... ليس يعدو مكانه قدر ذره\rذو عيون من القواديس تبدى ... كل عين من فائض الماء عبره\rفلك دائر يرينا نجوماً ... كل نجمٍ منها يرينا المجره\rوكان الذي قلت:\rودولابٍ يئن أنين ثكلى ... ولا فقداً شكاه ولا مضره\rترى الأزهار في ضحكٍ إذا ما ... بكى بدموع عينٍ منه ثره\rحكى فلكاً تدور به نجوم ... تؤثر في سرائرنا المسره\rيظل النجم يغرب بعد نجمٍ ... ويطلع بعد ما تجري المجره\rفعجبنا من اتفاقنا، وقضى العجب منا سائر رفاقنا.\rقال ابن ظافررحمه الله","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"ومن هذا الاتفاق أيضاً ما أخبرني به ابن المؤيد رحمه الله - بمعناه، قال: اجتمعت مع جماعة من أدباء أهل الإسكندرية في بستان لبعض أهلها، فحللنا روضاً تثنت قامات أشجاره، وتغنت قينات أطياره، وبين أيدينا بركة ماء كجو سماء، أو مرقعة مراء، فنثر عليها بعض الحاضرين ياسميناً زان سماءها بزواهر منيرة، وأهدى إلى لجتها جواهر نثيرة، فتعاطينا القول في تشبيهه، وأطرق كل منا لتحريك خاطره وتنبيهه، ثم أظهرنا ما حررنا، ونشرنا ما حبرنا، فأنشد العباس بن طريف الخراط الإسكندري:\rنثروا الياسمين لما جنوه ... عبثاً فاستقر فوق الماء\rفحسبنا زهر الكواكب تحكي ... زهر الأرض في أديم السماء\rوأنشد الأديب أبو الحسن علي بن سيف الدين الحصري:\rنثروا الياسمين لما جنوه ... فوق ماءٍ أحبب به من ماء!\rفحكى زهره لنا إذ تبدى ... زهر الشهب في أديم السماء\rقال: وكان الذي صنعته:\rنثروا الياسمين في لجة الما ... ء فخلنا النجوم وسط السماء\rفكأن السماء في باطن الأر ... ض أو الدر طف فوق الماء\rقال: وسمع أبو عبد الله بن الزين النحوي القصة، ولم يكن حاضراً معنا فقال:\rنثر الغلام الياسمين ببركةٍ ... مملوءةٍ من مائها المتدفق\rفكأنما نثر النجوم بأسرها ... في يوم صحوٍ في سماء أزرق\rقال علي بن ظافر: وسألني الأعز - رحمه الله تعالى - أن أصنع في مثله، فصنعت:\rزهر الياسمين ينثر في الما ... ء أم الزهر في أديم السماء\rأم هما مبسم شنيب شتيت ... في رضاب الخريدة الحسناء\rظل يحكي عقود در على صد ... ر فتاةٍ في حلة زرقاء\rوإذا خلته حباباً حسبت السماء طيباً كالقهوة الصهباء\rوهذا آخر ما وقع لي مما فيه توارد للمعاني وتوافق المباني.\rومما يشبه هذا الباب أن يتفق الشعراء على نظم معنى مخصوص:\rأنبأنا العماد أبو حامد الأصبهاني إجازة\rقال: صنع الشريف أبو المحاسن بن الشريف ضياء الدين فضل الله بن علي بن عبد الله الحسني الراوندي القاشاني في تعريب شعر أعجمي:\rإني لأحسد فيه المشط والنشفه ... لذاك فاضت دموع العين مختلفة\rهذا يعلق في صدغيه أنمله ... وذا يقبل رجليه بألف شفه\rقال: وتسامع الناس بهذا المعنى، فاجتمع على العمل فيه جماعة منهم شمس الدين شاد الغزنوني، وكان حينئذ بأصبهان، فقال:\rأني أغار على مشطٍ يعالجه ... ونشفةٍ حظيت من قربه زمنا\rهذا يغازل صدغيه وأحرمه ... وذا يقبل رجليه ولست أنا!\rوقال أيضاً:\rالمشط والنشفة المحمود شأنهما ... كلاهما في الهوى بالسعد ملحوظ\rفتلك باللثم من رجليه فائزة ... وذاك بالمسك من صدغيه محظوظ\rوقال فخر الدين القسام:\rأغار منه على مشطٍ ومنشفةٍ ... حتى أغص بدمعٍ فيه منسجم\rفذا يمد يديه نحو طرته ... وذي يقبل فوها صفحة القدم\rقال العماد: وعملت وأنا في سن الصبا، وشعري حينئذ لا أرضاه:\rمشط ومنشفة فيه حسدتهما ... دمعي لذا بهما فياض عارضة\rفتلك حاظية من مس إخصمه ... وذاك مستغرق في مسك عارضه\rوأخبرني بعض أصحابنا الممصرين\rأن بعض جلساء الصالح بن رزيك أنشد بمجلسه بيتاً من الأوزان التي يسميها المصريون الزركالش، وسميها العراقيون كان وكان:\rالنار بين ضلوعى ... ونا غريق في دموعي\rكنى فتيله قنديل ... أموت غريق وحريق\rوكان عنده القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحباب، والقاضي المهذب بن الزبير فتقدم إليهما بنظم معناه، فصنعا بديهاً؛ فكان مما صنعه الجليس:\rهل عاذر إن رمت خلع عذاري ... في شم سالفةٍ ولثم عذار\rمتألف الأضداد فيه ولم تزل ... في سالف الأيام ذات نفار\rوله من الزفرات لفح صواعق ... وله من العبرات لج بحار\rكذبالة القنديل قدر هلكها ... ما بين ماء في الزجاج ونار\rوكان ما صنعه ابن الزبير:","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"كأني وقد سالت سيول مدامعي ... فأذكت حريقاً في الحشا والترائب\rذبالة قنديلٍ تعوم بمائها ... وتشعل فيها النار من كل جانب\rوصنع الصالح:\rوإذا تشب النار بين أضالعي ... قابلتها من عبرتي بسيول\rفأنا الحريق بل الغريق أموت في ... هذا وذا كذبالة القنديل\rقال علي بن ظافر\rأخبرني الأمير الأجل عضد الدين مرهف ابن أسامة بن منقذ، قال: كان لي مملوك اسمه ياقوت، فقصدت أنا وابن عمي عبد الرحمن بن محمد نظم المعنى المشهور من أن النار لا تعدو على الياقوت، فكان الذي قلته:\rأسكنته قلبي وأصبح حبه ... من دون أقوات البرية قوتي\rقالوا: وكيف يقيم من أحببته ... في نار قلبٍ بالجوي منعوت\rفأجبتهم لا تعجبوا لمقامه ... فالنار ليس تضر بالياقوت\rوكان الذي قاله ابن عمي:\rيا عجباً للذي كلفت به ... تدنيه مني إن غاب أفكاري\rيسكن قلباً من الجحيم ويزدا ... د ضراماً بدمعي الجاري\rلا تعجبوا منه حين يسكنه ... فما يبالي الياقوت بالنار\rالفصل الثاني\rفيما لم يقع فيه توارد\rفمن ذلك ما ذكره صاحب العقد والعهدة عليه\rقال: بينما الأمير محمد بن زبيدة يطوف في قصره إذ بصر بجارية له سكرى، وعليها كساء خز نسجت أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا على ما ترى، ولكن في غدٍ إن شاء الله. فلما كان من الغد سار إليها، فقال لها: الميعاد! فقالت: يا أمير المؤمنين؛ أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار، فضحك ثم خرج إلى مجلسه، فقال: من بالباب من الشعراء؟ فقيل له: مصعب والرقاشي والحسن بن هانئ، فأمر بهم فأدخلوا؛ فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل كل منكم شعرا يكون آخره: كلام الليل يمحوه النهار؛ فمن أصاب ما في نفسي فله حكمه؛ فارتجل الرقاشي:\rمتى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار\rوقد تركتك صبا مستهاماً ... فتاة لا تزور ولا تزار\rإذا استنجزت منها الوعد قالت: ... كلام الليل يمحوه النهار\rوقال مصعب:\rأتعذلني وقلبي مستطار ... كئيب ما يقر له قرار!\rبحب مليحةٍ صادت فؤادي ... بألحاظ يخالطها احورار\rولما أن مددت يدي إليها ... لألمسها بدا منها نفار\rفقلت لها عديني منك وعداً ... فقالت في غدٍ منك المزار\rفلما جئت مقتضياً أجابت ... كلام الليل يمحوه النهار\rوقال أبو نواس:\rوليلة أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار\rوهز الريح أردافاً ثقالاً ... وغصناً فيه رمان صغار\rوقد سقط الردا عن منكبيها ... من التكريه وانحل الإزار\rفقلت: الوعد سيدتي فقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار\rفقال: أخزاك الله! أكنت معنا مطلعا علينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عرفت ما في نفسك فعبرت عما في ضميرك. فأمر له بأربعة آلاف دينار، ولصاحبيه بمثليهما.\rومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن حمدون الصوري\rعن الإمام الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله، عن أبي غالب شجاع الذهلي، قال لنا أبو منصور بن أبي الضوء العلوي: كنت في قريةٍ يقال لها بشيناء، وبها أبو محمد النامي، وهناك ناعورتان للزرع، فقال فيها وأنا حاضر:\rأنا عورتي شطى بشيناء إنني ... نظير كما في الوجد والهيمان\rأنينكما يحكى أنيني وعبرتي ... كمائكما في شدة الجريان\rفلا زلتما في خفض عيش يمده ... أمان من التفريق والحدثان\rوعملت أنا في الحال:\rبشيني لها ناعورتان كلاهما ... تسح بدمعٍ دائم الهملان\rمخافة دهرٍ أن يصيب بعينه ... لإحداهما يوماً فيفترقان\rوذكر أبو علي بن رشيق في كتاب الأنموذج\rقال: كان لمحمد بن حبيب التنوخي معشوق لا يزال يزوره إذا غاب عن منزله، فإذا حضر لم يأته؛ وكثر ذلك منهما، فقال لي يوماً: تعال حتى نضع في ذلك، فصنعت:","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"ما بالنا نجفى فلا نوصل ... إلا خلافاً مثلما تفعل\rتأتي إذا غبنا فإن لم نغب ... جعلت لا تأتي ولا تسأل\rكهاجرٍ أحبابه زائرٍ ... أطلالهم من بعد أن يرحلوا\rوصنع هو:\rيا تاركاً إن لم أغب زورتي ... وزائري دأباً إذا غبت\rوددت أن ودك لا ينثني ... يزور فقداني لم مت\rقال علي بن ظافر: وذكرت بهاتين القطعتين قول ابن خفاجة الأندلسي في مثل هذه الواقعة، وهو أحسن ما سمعت فيها:\rصح الهوى منك ولكنني ... أعجب من بينٍ لنا يقدر\rكأننا في فلك دائرٍ ... فأنت تخفى وأنا أظهر\rقال ابن رشيق\rوكان كثيراً ما ينتابني غلام وضيء الوجه، وخال تحت لحيته، فنظر إليه يوماً بعض أصحابي، ثم أطرق، فعلمت أنه يعمل فيه، فصنعت بيتين وسكت عنهما خوف الوقوع دونه، فلما رفع رأسه قال: اسمع، وأنشد:\rيقولون لي من تحت صفحة خده ... تنزل خال كان مسكنه الخد\rفقلت:\rرأى ذاك الجمال فهابه ... فحط خضوعاً مثل ما خضع العبد\rفقلت : أحسنت، ولكن اسمع، وأنشدت:\rحبذا الخال كامناً منه بين الجيد والخد رقبةً وحذرا\rرام تقبيله اختلاساً ولكن ... خاف من سيف لحظه فتوارى\rفقال: فضحتني، قطع الله لسانك، واشتد ضجره.\rوذكر الباخرزي في كتاب الدمية\rأنه اجتمع هو وأبو عاصم الفضل بن محمد الفضيلي الهرري في مجلس الإمام عبد الله الأنصاري - قال: وكان غايةً في الكلام على المنبر، فتعاطينا القول، فقال الفضيلي:\rعيون الناس لا تلقى ... من الناس كعبد الله\rولا ينكر هذا غير من مال عن المله\rفقال الباخرزي:\rمجلس الأستاذ عبد الله روض العارفينا\rألحق الفخر بنا بعد احتكام العارفينا!\rقال علي بن ظافر\rوذكر الفتح بن خاقان، قال: ركب عبد الجليل بن وهبون المرسي وأبو الحسن الحكم بن محمد المعروف بغلام البكري زورقاً بنهر إشبيلية في ليلة أظلم من قلب الكافر، وأشد سواداً من طرف الظافر، ومعهما غلام وضيء قد أطلع وجهه البدر ليلة تمامه، على غصن بانٍ من قوامه، وبين أيديهم شمعتان قد أزرتا بنجوم السماء، ومزقتا رداء الظلماء، وموهتا بذهب نورهما لجين الماء، فقال عبد الجليل ارتجالاً:\rكأنما الشمعتان إذا سمتا ... خدا غلامٍ مجانس الغيد\rوفي حشا النهر من شعاعهما ... طريق نار الهوى إلى كبدي\rفقال غلام البكري:\rأحبب بمنظر ليلةٍ ليلاء ... تجنى بها اللذات فوق الماء\rفي زورقٍ يزهى بغرة أغيدٍ ... يختال مثل البانة الغناء\rقرنت يداه الشمعتين بوجهه ... كالبدر بين النسر والجوزاء\rوالتاج فوق الماء ضوء منهما ... كالبرق يخفق في أديم سماء\rوبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام\rقال: دخل الأديبان أبو جعفر ابن هريرة التطيلي المعروف بالأعيمي، وأبو بكر بن بقي الحمام، فتعاطيا العمل فيه، فقال الأعيمي:\rيا حسن حمامنا وبهجته ... مرأى من السحر كله حسن\rماء ونار حماهما كنف ... كالقلب فيه السرور والحزن\rثم أعجبه المعنى فقال:\rليس على لهونا مزيد ... ولا لحمامنا ضريب\rماء وفيه لهيب نارٍ ... كالشمس في ديمةٍ تصوب\rوأبيضٍ تحته رخام ... كالثلج حين ابتدا يذوب\rوقال ابن بقي:\rحمامنا فيه فصل القيظ يحتدم ... وفي للبرد عسر غير ذي ضرر\rضدان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ينعم بين الشمس والمطر\rوقال الأعيمي وقد نظر فيه إلى فتى صبيح:\rهل استمالك جسم ابن الأمين وقد ... سالت عليه من الحمام أنداء\rكالغصن باشر حر النار من كثبٍ ... فظل يقطر من أعطافه الماء\rقال علي بن ظافر\rوذكر لي أن جماعةً من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام ليروا عجائب مبانيها، ويقرءوا ما سطر الدهر من العبر فيها، فصنع أبو الصلت أمية بن عبد العزيز، وأنشد:","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"بعيشك هل أبصرت أعجب منظراً ... على ما رأت عيناك من هرمي مصر\rأنافا بأكنان السماء وأشرفا ... على الجو إشراف السماك على النسر\rوقد وافيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما نهدان قاما على صدر\rوصنع أبو منصور ظافر بن الحداد:\rتأمل هيئة الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب\rكعمارتين على رحيلٍ ... بمحبوبين بينهما رقيب\rوفيض البحر عندهما دموع ... وصوت الريح بينهما نحيب\rوظاهر سجن يوسف مثل صبٍ ... تخلف، فهو محزون كئيب\rوأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي\rقال: اجتمع مهذب الدين أبو الحسين بن منير والشيخ أبو عبد الله محمد بن صغير القيسراني، الشاعران بحلب، فمر عليهما صبي سراج يسمى يوسف، مشهور بالحسن، فسئلا القول فيه فصنعا، فكان ما صنع ابن منير:\rيا سمي المرمي في ظلمة الج ... ب لمن ساقه القضاء إليها\rوالذي قطع النساء له الأي ... دي ومكن حبله من يديها\rلك وجه مياسم الحسن فيه ... سكة تطبع البدور عليها\rوكان مما صنع القيسراني:\rلاتخدعن فما الحسام المرهف ... إلا الذي يحويه جفن أوطف\rوإذا رأيت اللحظ يعمل في الحشى ... عمل الأسنة فالقوام مثقف\rويح المحب أما يخالس نظرةً ... إلا هفا بالقلب ظبي أهيف\rبالله يا نفحات أنفاس الصبا ... ما بال غصن البان لا يتعطف!\rيا مسكري وجداً بخمر جفونه ... قل لي: أتلك لواحظ أم قرقف!\rبادر جمالك بالجميل فربما ... ذوت المحاسن، أو أبل المدنف\rواسبق عذارك باعتذارك قبل أن ... يأتي بعزل هواك منه ملطف\rإن جاز أن يرث الملاحة باسمه ... أحد فإنك يوسف يا يوسف\rقال علي بن ظافر\rوروي أن الأعز أبا الفتوح بن قلاقس، ونشو الملك علي بن مفرج بن المنجم، اجتمعا في منار الجامع ليلة فطر، ظهر بها الهلال للعيون، وبرز في صفحة بحر النيل كالنون، ومعهما جماعة من غواة الأدب، الذين ينسلون من كل حدب، فحين رأوا الشمس فوق النيل غاربة، وإلى مستقرها جارية ذاهبة، قد شمرت للمغيب الذيل، واصفرت خوفاً من هجوم الليل، والهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو زورق الورق، اقترحوا عليهما وصف تلك الحال، فصنع ابن قلاقس:\rانظر إلى لشمس فوق النيل غاربة ... وانظر لما بعدها من حمرة الشفق\rغابت وأبقت شعاعاً منه يخلفها ... كأنما احترقت بالماء في الغرق\rوللهلال فهل وافى لينقذها ... في إثرها زورق قد صيغ من ورق\rوصنع نشو الملك:\rيا رب ساميةٍ في الجو قمت بها ... أمد طرفي في أرضٍ من الأفق\rحيث العشية في التمثيل معركة ... إذا رآها جبان مات للفرق\rوالشمس هاربة للغرب دارعة ... بالنيل مصفرة من هجمة الغسق\rوللهلال انعطاف كالسنان بدا ... من سورة الطعن ملقىً في دم الشفق\rوهذا - لعمري - من البديع لذي لا يلحظ سواه، ولا يحفظ إلا إياه.\rقال علي بن ظافر\rوالحكاية المشهورة عن ابن قلاقس، والوجيه أبي الحسن علي بن الذروي، أنهما طلعا منارة الإسكندرية، والوجيه يومئذ في عنفوان شبابه وصباه، وهبوب شماله في الجمال وصباه.\rوابن قلاقس مغرىً به، دائب في تهذيبه، مبالغ في تفضيض شعره وتذهيبه، ولم تكن وقعت بينهما تلك الهناة، ولا استحكمت بينهما أسباب المهاجاة، فاقترح عليه ابن قلاقس أن يصف المنارة، فقال بديهاً:\rوسامية الأرجاء تهدى أخا السرى ... ضياءً إذا ما حندس الليل أظلما\rلبست بها برداً من الأنس ضافياً ... فكان بتذكار الأحبة معلما\rوقد ظلتني من ذراها بقيةٍ ... ألاحظ فيها من صحابي أنجما\rفخيلت أن البحر تحتي غمامة ... وأني قد حيمت في كبد السما","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"فحين رأى الأعز ما أتى به، اشتد سروره وفرحه، وقال يصفها ويمدحه:\rومنزلٍ جاوز الجوزاء مرتقباً ... كأنما فيه للنسرين أوكار\rراسي القرار وسامي الفرع، في يده ... للنون والنور أخبار وآثار\rأطلقت فيه عنان الفكر فاطردت ... خيل لها في بديع الشعر مضمار\rولم يدع حسناً فيه أبو حسنٍ ... إلا تحكم فيه كيف يختار\rحلى المنارة لما حل ذروتها ... بجوهر الشعر بحر منه زخار\rوما زال يذكى بها نار الذكاء إلى ... أن أصبحت علماً في رأسه نار\rوأخبرني الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي وابن شيث من أصحابنا\rقالا: مضى الوجيه علي بن الذروي، والنجيب هبة الله بن وزير في جماعة إلى الحمام المعروف بأبي فروة، فجرى بينهما تنازع أدى إلى تناكر فضيلة الأدب، ثم تراضيا بأن يحكم بينهما الشريف العروف بأنكدودة، فحكم بأن يصنعا قطعتين في صفة الحمام على البديهة، ثم يقع التفضيل بينهما بقدر التفاوت بين القطعتين، فصنع ابن الذروي بديهاً\rإن عيش الحمام عيش هنئ ... غير أن المقام فيه قليل\rجنة تكره الإقامة فيها ... وجحيم يطيب فيه الدخول\rفكأن الغريق فيه كليم ... وكأن الحريق فيه خليل\rوصنع ابن وزير - بعد بطء:\rلله يوم بحامٍ نعمت به ... والماء من حوضها ما بيننا جار\rكأنه فوق شفاف الرخام بها ... ماء يسيل على أثواب قصار\rفانتقد عليه الجماعة تشبيهه الماء بالماء، واستبردوا ما أتى به، فقال ابن الذروي:\rوشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... أوكاد يحرقه من فرط إذ كاء\rأقام يجهد أياماً رويته ... وفسر الماء بعد الجهد بالماء\rوأخبرني الفقيه شجاع الغزلي رحمه الله\rقال: جلست يوماً بالوراقين على دكان الأديب أبي الفضل جعفر بن مفضل القرشي المنبوز بشلعلع، وثالثنا ذخيرة الملك المشهور خبره، المشكور أثره، وهو شيخ كان يغني ويلفق كلاماً من جنس كلام الحمقى والمعتوهين تلفيقاً موزوناً على أنه شعر؛ إلا أنه بلغ به عند الصالح وذويه ما لم يبلغه الأخطل عند عبد الملك وبنيه، وقد اجتمع الناس عليه، ووقفوا صفوفاً بين يديه، وهو يطرفهم بشعره، ويملأ آذانهم بنعره. قال: فمر بنا ابن وزير، فلما رأى الجمع جلس إلينا، ثم أخذ يقول أنصافاً من الشعر، وأبياتاً متفرقة في مدح ذخيرة الملك تارة والطنز به أخرى، يتباهى بها على العوام، ويملأ بها قلوب أولئك الطغام، ففهم الأديب أبو الفضل مقصده، وأراد أن يفضحه، ويظهر عيبه ويوضحه، فقال له: ما هذا الفتور، والشعر المقذور؟ والعجب منك أن تتباهى بالشعر ونحن حضور! وجر هذا الكلام خصاماً كان آخره أن استقر الأمر على أن يصنع كل منا قطعة في مدح ذخيرة الملك على روي يختاره أول خارج من الجامع، فكان حرف الذال، فابتدر جعفر وقال:\rمن كان في درك الغرام ولم يكن ... لحشاه من أسر الهوى إنقاذ\rفذخيرة الملك الأجل بشعره ... ترقى القلوب من الهوى وتعاذ\rوإذا بدا مترنماً فله على ... كل القلوب بشدوه استحواذ\rقال: وصنعت:\rذخيرة الملك أنت شاعرنا ... فكل شعرٍ عداك منبوذ\rوكل لفظٍ فمنك مسترق ... وكل معنى فعنك مأخوذ\rقال: وأبى ابن وزير أن ينشد ما عمله، بل كتبه في رقعة وقال: إنما أنشده بحضرة أبي الحسن بن بري - رحمه الله - فأتيناه جميعاً، فأنشدته أنا وجعفر ما صنعنا، فأثنى خيراً، ثم ناوله ابن وزير الرقعة فإذا أولها يقول:\rهذا الفتى ذخي ... رة الملك نعيذه\rفلما قرأه الشيخ جمع وجهه، ثم قرأ الثاني، فإذا هو:\rإذا تغنى منشداً ... قلوبنا منفوذه\rفزاد في تجمعه، ثم قرأ الثالث، فإذا هو:\rمن كل هم بيننا ... يبدو لنا شذوذه\rفرمى الرقعة من يده، فكأنما ألقمه حجراً. ثم ادعى أننا غيرنا سبكه، وكتب بذلك محضراً منظوماً كتب عليه الشعراء شهاداتهم بقطع من الشعر، أنشدني كثيراً منها، ثم توفى قبل أن أكتبها عنه.","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"وأخبرني بهاء الدين أسعد بن يحيى بن منصور بن عبد العزيز ابن وهبان السلمى المعروف بابن السنجاري بحماة، وكتبه لي بخطه\rقال: اجتمع عندي جماعة منهم جمال الدين بن رواحة وعلم الدين الشاباني الشاعر المعروف بقاع، وضياء الدين سعيد بن حياة المقري، وضياء الدين الحوراني، وهو في ذلك الوقت مشهور بعشق البهاء على بن محمد الخرساني المعروف بابن الساعاتي؛ فبينما نحن مجتمعون إذ دخل علينا ابن الساعاتي، وهو في عنفوان شبابه، ونهاية حسنه، وسنه حينئذ أربع عشرة سنة، فداعبناه، فجرد سيفا، وجعل يريد ضرب عنق الضياء الحوراني مداعباً له، وذلك بعد أن عصب عينيه بطرف عمامته، فكشف الضياء عن وجهه، وقال: أنتم كلكم تدعون أنكم فضلاء الوقت، فقولوا في هذا شيئاً، فعمل كل منا قطعة، وخبأها في بيقاره، فقال الضياء - وكانت فيه دعابة: أراكم قد عملتم عمل القطاط، فأنشدونا ما علمتم، فقلنا على سبيل الهزء: لا يتقدم أحد على علم الدين، فجعل الشاباني يصف شعره ويقول: قد علمت بيتين ما يقدر أحد أن يعمل مثلهما، وزاد في الدعوى، ثم أنشد:\rقمر عندنا به ... نهر جيرون كوثر\rلو تراءى لسنجرٍ ... قبل الأرض سنجر\rفجرى بينه وبيت الحوراني من المشاغبة ما ضاق به الوقت، وقال له: ويحك! أين هذا مما نحن فيه! وأي مناسبةٍ بينه وبين المعنى الذي اقترح عليك! وكان جمال الدين بن رواحة فاضلاً لطيفاً، فقال لي: بالله عليك إلا أنشدت قبلي، فقد رأيتك عملت أكثر مني، وكنت إلى جانبه فأنشدت ما قلت، وهو:\rختام عذلك قد اسرفت في عذلي ... قلبي من الوجد ملآن وأنت خلي\rأعاذك الله من وجدي ومن كلفي ... ومن غرامي ومن خوفي ومن وجلي\rلو كان يا سعد لطوفان ما ذرفت ... عيناي ما استعصم المغرور بالجبل\rبمهجتي راشق لي قوس حاجبه ... كأنما الطرف رامٍ من بني ثعل\rيميل عطفاه من سكر الصبا مرحاً ... كما تمايل عطف الشارب الثمل\rما لاحت الشمس في رأد الضحى وبدا ... للشمس إلا رماها الطفل بالطفل\rيا حامل الصارم الهندي منتصراً ... ضع السلاح قد استغنيت بالكحل\rما يفعل الظبي بالسيف الصقيل وما ... ضرب الصوارم مع ضربٍ من المقل!\rقد كنت في الناس سنياً فما برحت ... بي شيعة الحسن حتى صرت عبد علي\rوأخبرني الأديب راجح بن إسماعيل الحلي\rقال: خرجنا مع مهذب الدين أبي الحسن علي بن نظيف أيام كتابته للملك المعز إسحاق بن عبد الملك الناصر - رحمه الله تعالى - إلى الأهرام للتنزه، ومعه الأديب بهاء الدين ابن الساعاتي، والجمال؟ ابن تاج البغدادي والمهذب ابن الخيمي والأوحد المعروف بالواسطي، فاتفق أن كبت به بغلته، ثم وثبت ورفعت يديها، فتعاطينا القول في ذلك، فبدر بهاء الدين ابن الساعاتي، فقال:\rقيل مادت من تحت ذا السيد الأر ... ض ولم تأتنا بمثال\rهو طود النهى ومن أعجب الأشياء أرض تميد تحت الجبال\rوقال ابن التاج:\rجلست بغلة الأمين ترينا ... صدق حس كأنه إلهام\rأظهرت ميزة على النوع إذ أصبح في الحسن ذا علا لا يرام\rنحن في خدمة قيام لديه ... ثم بغلاتنا لديه قيام\rوقال الواسطي:\rلم تكب بغلتك الخضراء من خورٍ ... يا من هو اليوم للإسلام مسعده\rلكنما الأرض مادت تحتها طرباً ... إذ شرفت بك يامن طاب محتده\rوقال ابن الخيمي:\rأقسمت بغلة الرئيس المفدى ... حين حطت لعجزها عنه صدرا\rإنما رفعت يديها قنوتاً ... بعد أن قبلت ثرى الأرض عشرا\rإذ غدت من حجاه حاملةً طو ... داً ومن جود كفه العذب بحراً\rقال: وقلت أنا:\rوحسام ملكٍ يستضاء برأيه ... ويفل حد النائبات بحده\rلم تكب بغلته لخون قوائمٍ ... تطأ الصفا فترض صفحة صلده\rلكنها حملت مشرع سودد ... بذ الأكارم في إمامة مجده\rسجدت وقد ظلت صفوف وفوده ... من خلفه يتلون آية حمده","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"قال علي بن ظافر: وقد رأيت هذه القطعة التي نسبها الحلي لنفسه في ديوان الساعاتي، وكان الحلي مع جودته كثير الإغارة عليه.\rوأخبرني الأديب أبو القاسم بن نفطويه\rقال أنشدني بعض أصحابنا بيتاً وسألني أن أضمنه، وهو:\rفليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي\rفصنعت بديهاً:\rولما أن تلاقينا بكينا ... بكاء القرب من بعد التنائي\rوسمت دوام طيب الوصل منه ... فأعرض عند ذاك عن اقتضائي\rوواعدني إذا ما الشمس غابت ... وولت لا سبيل إلى اللقاء\rفليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي\rقال: ثم مر بي القاضي أبو الحسن على بن النبيه فأنشدته البيت وسألته أن يضمنه فقال بديهاً:\rعسى العيس التي ظعنت بسلمى ... تعود بها وننعم باللقاء\rتوالت بالعشي ولا عجيب ... مغيب الشمس في وقت العشاء\rفليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي\rثم جاء الأديب أبو العز الأعيمي، فسألته تضمنيه، فقال بديهاً:\rبدت شمس النهار فخيلت لي ... بأنك قد رفعت إلى السماء\rفصرت أذوب وهي تزول عني ... إلى أن صرت في حد الفناء\rفليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي\rقال: ثم مر بي الفقيه أبو محمد القلعي فسألته تضمينه، فقال بديهاً:\rإذا هزم الظلام سنا الضياء ... قضى ترحال وصلك بانقضائي\rفليت الشمس لو بقيت قليلاً ... ففيها كلما بقيت شفائي\rواجتمع يوماً شهاب الدين يعقوب والشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي على أن يصنعا هجاء في صبي مستحسن يسمى يونس فصنع الشريف بديهاً:\rيونس يا متلفي بهجرٍ ... قد لج فيه بلا انتهاء\rإن بلع الحوت لابن متى ... ثمت ألقاه بالعراء\rفرب حوتٍ بلعت أضحى ... مكتسياً منك بالخراء\rوصنع الشهاب، وعرض بالحلي:\rأدار نون الصدغ في خده ... حتى غدا يونس ذا النون\rوأنبت الحلي من فوقه ... لما علاه أصل يقطين\rثم صنع فيه هذا البيت، وهو:\rإن بلعت يونس حوت فكم ... بلعت يا يونس من حوت\rوكنت في صدر العمر وابتداء قول الشعر\rصنعت قطعةً في صدر نارنج عليه طلع مفروط وهي\rانظر إلى النارنج والطلع الذي ... جاء الغلام بطلعه متمايلا\rفكأنما النارنج قد صاغوه من ... ذهبٍ قناديلاً وذاك سلاسلا\rثم زدت عليه، فقلت:\rأتانا بصدر واسعٍ لو بدا لمن ... تعبد أحيا صورة المتعبد\rحكى طلعه فيه سلاسل فضةٍ ... ونارنجه يحكى قناديل عسجد\rثم اختصرته، فقلت:\rأيا حسن صدرٍ فيه مفروط طلعةٍ ... يقارن نارنجاً به متلالي\rلقد أحسن الشخص الذي جمعتها ... يداه وأهدى فيه كل جمال\rقناديل تبرٍ في سلاسل فضةٍ ... وإلا عقيق في سموط لآلي\rواتفق إنشاد القطع في بعض الليالي بالجامع لجماعة من أصحابنا فيهم ابن الذروي\rفقال: يتولد من هذا معنى في صدر فيه نارنجتان وطلع مفروط، ويشبه ذلك بنهدين في صدر عليهما أسماط در. فاستحسنت المعنى وأطرق كل منا لنظمه، ثم أنشدت:\rوصدر به نارنجتان تبدتا ... ومفروط طلع بالملاحة حالي\rفخلت بذاك الصدر نهدى خريدةٍ ... وقد وشحت زهواً سموط لآلي\rثم أنشد هو:\rأرسلت لي نارنجتين على صد ... رٍ وحفتهما بطلعٍ نضيد\rثم قالت تسل عني فهذا ... مثل صدري والدر فوق نهودي\rثم ذكر معنى آخر فأطرقنا لنظمه، فقلت كالمرتجل:\rألست ترى النارنجتين وقد بدا ... يحفهما طلع نضيد منظم\rكخدي غلامٍ قد تأمل حسنه ... جماعة عشاقٍ له فتبسموا\rفلم يصنع فيه شيئاً، ثم اقترح معنى غيره، فنظمت فيه:\rوطلعٍ بدا المفروط فيه مقارناً ... لنارنجتين يجتلى الحسن منهما","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"كدمع جرى من جفن ظبيٍ منعم ... فأضحى على الخدين منه منظما\rوصنع هو هذا البيت:\rوطلعٍ على نارنجتين كأنه ... دموع محب فوق خدي حبيبه\rوفي هذه الليلة أمطرت السماء مطراً خفيفاً صقل رخام الصحن حتى لمع وجهه وتعارضت أشعة القناديل عليه فتعاطينا وصفه\rفصنعت:\rانظر إلى حسن القناديل التي ... لاحت كشهب في متون سماء\rوالصحن قد أبدى شهاب شعاعه ... إذ صار مصقولا بمر الماء\rفكأنما هي أسطر من عسجدٍ ... كتبت بظهر صحيفةٍ بيضاء\rثم صنع ابن الذروي:\rأيا حسن جامع مصرٍ وقد ... تروى من الوابل المغدق\rوضوء القناديل من فوقه ... كأسطر تبرٍ على مهرق\rقال علي بن ظافر\rحضرنا يوماً عند الصاحب صفي الدين بمعسكر المنصور على بلبيس عند بروز السلطان لسفرته الثانية حين حوصرت دمشق الحصار الثاني في خيمته بمجلس حفل، لم يعدم فيه أحد من مشايخ الدولة ووجوهها وهم إذ ذاك متوفرون، لم ينقص لهم عدد، ولا فقد منهم أحد، فأنشدني ابن أبي حفصة قصيدة عاتبته في بعض أبياتها، وارتقى الأمر إلى أن قال أسعد بن الخطير - رحمه الله تعالى: إن هاهنا جماعة كلهم يقول الشعر، فلو اقترح عليهم أن يصنعوا شيئاً في بعض ما يقع تعيين الصاحب عليه، لبان الجرئ الجنان من العاجز الجبان؛ ومن جملة من معنا في المجلس ممن يقول الشعر ابن سناء الملك والأسعد أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث، فاقترح الصاحب أن نعمل في منجنيق الشمعة - وكان الهواء عاصفاً - فقلت:\rأرى شمعةً ضمها المنجنيق ... فجاءتك بالمنظر الأعجب\rيجول عليها احمرار الغشاء ... كما جال برق على كوكب\rوتبعنى ابن شيث فقال:\rوشمعةٍ في المنجني ... ق وهي فيه تشرق\rكأنها من تحته ... شمس علاها شفق\rولم يفتح على أحد بكلمة، وانتقدوا عليه تشبيهها بالشمس، وقالوا: النجم أليق. ثم قال الصاحب: فيها معنى آخر، لو نظم لكان مليحاً، وهو أن يشبه بالروح في الجسد، لأن إنارة الجسد وإضاءته بالروح التي في باطنه. فارتجلت وقلت:\rوشمعةٍ في المنجني ... ق تلتظى وتتقد\rتنير فيه مثلما ... ينير بالروح الجسد\rفاستحسن الجماعة ذلك على حسب الوقت، ثم بعد افتراق المجلس صنعت في الشمعة والمنجنيق، وباكرت الصاحب به فأنشدته:\rومجلس أنسٍ ضم شمل جماعةٍ ... تعاطوا من الآداب خير رحيقٍ\rلدى شمعةٍ في منجنيقٍ غشاؤه ... كما أخجل التقبيل خد عشيقٍ\rترى نارها من خلفه كبهاره ... تراءت لنا من خلف ثوب شقيقٍ\rكما جليت خود بتاجٍ ودونها ... معصفر سترٍ للعيون رقيق\rويحكى عموداً من لجين مقمعاً ... بتبرٍ بدا في وسط بيت عقيق\rقال علي بن ظافر\rومما يشبه هذا الباب وليس به، ما ذكره ابن بسام في الذخيرة ورويته بالإسناد المتقدم في أن المتوكل بن الأفطس كان له فرس أدهم أغر محجل، على كفله ست نقط بيض، قندب المتوكل الشعراء لوصفه، فصنع النحلى أبو الوليد فيه بديهاً:\rركب البدر جواداً سابحاً ... تقف الريح لأدنى مهله\rلبس الليل قميصاً سابغاً ... والثريا نقط في كفله\rوغدير الصبح قد حيض به ... فبدا تحجيله من بلله\rكل مطلوبٍ وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله\rوصنع ابن اللبانة:\rلله طرف جال يا بن محمدٍ ... فجنت به حوباؤه التأميلا\rلما رأى أن الظلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا\rوكأنما في الردف منه مباسم ... تبغى هناك لرجله تقبيلا\rوقال فيه عبد الله بن عبد البر الشنتريني من قطعة:\rوكأنما عمر على صهواته ... قمر تسير به الرياح الأربع\rوأخبرني بعض أصحابنا\rأن نشو الملك بن المنجم المقدم ذكره، دخل مجلس القاضي الأجل الفاضل - رحمه الله تعالى - فأنشده لنفسه في ممسحة القلم:\rممسحة نهارها ... يجن ليل الظلم\rكأنها قد خلقت ... منديل كم القلم","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"ثم أمره بالعمل فيها، فصنع بديهاً:\rوآلةٍ تضمر النهار فما ... تبديه إلا لوافد الظلم\rتودع فيها الأقلام فضلة ما ... تنفثه في مصالح الأمم\rوقد وقف القاضي الفاضل على هذه الحكاية في نسخة كان استنسخها من هذا الكتاب وهو يومئذ رسالة لا تتجاوز عشرة كراريس لطاف، فلم ينكرها.\rوأخبرني صاحبنا فخر القضاة أبو الفرج نصر الله بن القاضي عز القضاة أبي العز هبة الله بن بصاقة الكاتب المعظمى\rقال: ضرط بعض أصحابنا ونحن مجمتعون في بعض منازلات الفريج، وتبعه آخر؛ فصنع بعضنا في الأول، وصنع بعضنا فيهما جميعاً؛ فصنع بهاء الدين علي بن الساعاتي بديهاً في الأول:\rيا من صبوت إلى محا ... سنه، وأصل الحب صبوه\rإن كنت خنتك في الهوى ... ما بين يوم نوى ونبوه\rفبليت منك بكل ما ... أخشاه من صد وجفوه\rأو شاع سرى في الأنا ... م كضرطة الشرف ابن عروه\rوصنع المولى الملك المعظم:\rالشرف ابن عروةٍ ... تحللت عروته\rأحمق من ضراطه ... تعلمت بغلته\rقال: ولما ضرط الآخر قلت:\rرأيت ابن عروة يتلو الظهير ... وقد ضرطا لاشتداد الجزع\rفقلت: أللخوف هذا الضراط؟ ... كأن فؤادكما ينتزع\rفقالا: إذا دهمت غارة ... فلا بد من ضرب بوق الفزع\rوصنع فيهما شمس الدين إسماعيل بن منكورس - وكان ربما عبث بالبيت أو البيتين:\rقد ضرط الفسلان يوم النوى ... عند اشتداد الضنك والضيق\rفقلت من عظم ضراطيهما: ... لابد للحرب من البوق\rقال علي بن ظافر\rواجتمعنا ليلةً في رمضان بالجامع، فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث، وقد وقد فانوس السحور، فاقترح بعض الحاضرين على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي المنبوز بالنعجة، أن يصنع فيه - وإنما طلب بذلك تعجيزه، فصنع وأنشد:\rونجمٍ من الفانوس يشرق ضوءه ... ولكنه دون الكواكب لا يسري\rولم أر نجماً قط قبل طلوعه ... إذا غاب ينهي الصائمين عن الفطر\rفانتدبت له من بين الجماعة؛ وقلت: هذا تعجب لا يصح، لأني والحاضرين قد رأينا نجوماً لا تدخل تحت الحصر ولا تحصى بالعد، إذا غابت تنهي الصائمين عن الفطر؛ وهي نجوم الصباح. فأسرف الجماعة بعد ذلك في تقريعه، وأخذوا في تمزيق عرضه وتقطيعه؛ فصنع وأنشد:\rهذا لواء سحورٍ يستضاء به ... وعسكر الشهب في الظلماء جرار\rوالصائمون جميعاً يهتدون به ... كأنه علم في رأسه نار\rفلما أصبحنا سمع من كان غائباً من أصحابنا في ليلتنا ما جرى، فصنع الرشيد أبو عبد الله محمد بن متانو رحمه الله تعالى، وأنشدنيه:\rأحبب بفانوسٍ غدا صاعداً ... وضوءه دانٍ من العين\rيقضى بصوم وبفطر معا ... فقد حوى وصف الهلالين\rوصنع الفقيه أبو محمد القلعي:\rوكوكبٍ من ضرام الزند مطلعه ... تسري النجوم ولا يسري إذا رقبا\rيراقب الصبح خوفاً أن يفاجئه ... فإن بدا طالعاً في أفقه غربا\rكأنه عاشق وافى على شرفٍ ... يرعى الحبيب فإن لاح الرقيب خبا\rثم صنعت بعد حين:\rألست ترى شخص المنار وعوده ... عليه لفانوس السحور لهيب\rكحامل منظوم الأنابيب أسمرٍ ... عليه سنان بالدماء خضيب\rترى بين زهر الزهر منه شقيقةً ... لها العود غصن والمنار كثيب\rوتبدو كخد أحمرٍ والدجى لمى ... بدا فيه ثغر للنجوم شنيب\rكأن لزنجي الدجى من لهيبه ... ومن خفقه قلباً عراه وجيب\rتراه يراعي الصبح ليلاً، فإن دنا ... طلوع صباحٍ حان منه غروب\rفهل كان يرعاها لعشقٍ ففر إذ ... درى أن رومي الصباح قريب!\rوقلت في اختصار هذا المعنى:\rانظر إلى المنار وال ... فانوس فيسه يرفع\rكحاملٍ رمحاً، سنا ... نه خضيب يلمع\rوقلت أيضاً:","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"ألست ترى حسن المنار وضوءه ... يرفع من جنح الدجنة أستارا\rتراه إذا جن الظلام مراقباً ... له مضرماً في قلب فانوسه نارا\rكصب بخودٍ من بني الزنج سامها ... وصالاً وقد أبدى لترغب دينارا\rوقلت فيه:\rوليلة صومٍ قد سهرت بجنحها ... على أنها من طولها تعدل الدهرا\rحكى الليل فيها سقف ساج مسمرا ... من الشهب قد أضحت مساميره تبرا\rوقام المنار المشرق اللون حاملاً ... لفانوسه، والليل قد أظهر الزهرا\rكما قام رومي بكأس مدامة ... وحياً بها زنجية وشحت درا\rقال: ولما صنعت هذه القطع ندبت أصحابنا للعمل، فصنع شهاب الدين يعقوب:\rرأيت المنار وجنح الظلام ... من الجو يسدل أستاره\rوحلق في الجو فانوسه ... فذهب بالنور أقطاره\rفقلت المحلق قد شب في ... ظلام الدجى للقرى ناره\rوخلت الثريا يداً والنجو ... م ورقاً غدا البدر قسطاره\rوخلت المنار وفانوسه ... فتى قام يصرف ديناره\rوأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه:\rحبذا في الصيام مئذنة الجا ... مع والليل مسبل أذياله\rخلتها والفانوس إذ رفعته ... صائداً واقفاً لصيد الغزاله\rوأنشدني ابن نفطويه:\rيا حبذا رؤية الفانوس في شرفٍ ... لمن أراد سحوراً وهو يتقد\rكأنما الليل والفانوس متقد ... في الجو أعور زنجي به رمد\rوأنشدني أيضاً لنفسه:\rنصبوا لواء للسحور وأوقدوا ... في رأسه ناراً لمن يترصد\rفكأنما سبابة قد قمعت ... ذهباً وقامت في الدجى تتشهد\rوأنشدني الفقيه أبو يحيى الستولي - رحمه الله تعالى - لنفسه:\rوليلةٍ ملئت أسدافها لعساً ... واستوضحت غرر من ثغرها شنبا\rولاح كوكب فانوس السحور على ... إنسان مقلتها النجلاء واشتهبا\rحتى كأن دجاها وهو ملتهب ... زنجية حملت في كفها ذهبا\rوصنع الأديب أبو العز مظفر الأعمى، وكتب بها عنه إلى، وقد كان سمع جميع المقاطيع فأخذ معانيها وقال:\rأرى علماً للناس في الصوم ينصب ... على جامع ابن العاص أعلاه كوكب\rوما هو في الظلماء إلا كأنه ... على رمح زنجي سنان مذهب\rومن عجبٍ أن الثريا سماؤها ... مع الليل تلهى كل من يترقب\rفطوراً تحييه بباقة نرجسٍ ... وطوراً يحييها بكأس تلهب\rوما الليل إلا قانص لغزالةٍ ... بفانوس نارٍ نحوها يتطلب\rولم أر صياداً على لبعد قبله ... إذا قربت منه الغزالة يهرب\rوأنشدني الشريف أبو الفضل جعفر لنفسه:\rكأنما الفانوس في ... صاريه لما اتقدا\rلواء نصرٍ مذهب ... في رأس رمحٍ عقدا\rوكان الملك العزيز رحمه الله تعالى\rقد غني بين يديه دوبيت بالعجمية، معناه أنه جعل الليل برد داراً للحبيب ليحجب الشمس؛ فاستحسن المعنى وأرسل إلى وزيره الأجل نجم الدين أبي الفتح يوسف بن المجاور - رحمه الله تعالى - يأمره أن يصنع المعنى في شعر، وأن يأمر الشعراء بالعمل في ذلك، فصنع بديهاً وأرسله إليه:\rقال له الليل انصرف راشداً ... فإنه استخدمني برددار\rثم صنعوا بعده، فمن مروٍ ومن باده.\rوأخبرني الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير\rقال: كنت عند الفاضل - رحمه الله تعالى - إذ دخل الوزير نجم الدين، فأخبره بما طلب السلطان وأنشده ما صنع، فقال الفاضل: هذا معنى كنت نظمته قديماً إلا أني استخدمت الليل بواباً، فقلت:\rبتنا على حالٍ تسوء العدا ... وربما لا يمكن الشرح\rبوابنا الليل وقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح\rقال الأسعد: ولم أكن صنعت شيئاً، فصنعت بديهاً:\rقلت لليل عندما زارني البد ... ر وأوجست خيفةً للرواح\rأنت يا ليل برددار حبيبي ... فتأهب لدفع صدر الصباح","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"قال: فاستحسن الوزير القسيم الثاني، فقلت: برددار المولى نعلم منه حسن الخلق، يقول: انصرف راشداً، وهذا البرددار فظ غليظ يدفع في الصدر.\rوأخبرني أبو الحسن بن النبيه\rقال: دخلت على الأجل نجم الدين الوزير - رحمه الله تعالى - فأمرني بالعمل فيما رسمه السلطان فاستمهلته، فأبى فصنعت وأنشدت:\rقلت لليل إذ حباني حبيباً ... وغناء يسبي النهى وعقارا\rأنا سلطان مجلس فاحجبوا الصب ... ح وكن أنت يا دجى برددارا\rوأنشدني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك لنفسه:\rأباحني الليل وصف طيفٍ ... عهدته منه لا يباح\rوحجب العالمين عني ... فلا غدو ولا رواح\rيا ليل أمسيت بردداري ... إياك أن يهجم الصباح\rوأنشدني شهاب الدين يعقوب ابن أخت نجم الدين - رحمه الله تعالى - لنفسه:\rقلت إذ زار من أحب وجنح ال ... ليل روض أبدى النجوم نهارا\rملك الحب زاره ملك الحس ... ن فزادا على الحسود اقتدارا\rفافرشوا الورد أطلساً حين يمشي ... واجعلوا عسجد الكؤوس نثارا\rواصرفوا حاجب الهلال فقد نم ... بسرى إلى العيون سرارا\rواحجبوا قيصر الصباح وقولوا ... لنجاشي الظلام كن برددارا\rوأنشدني القاضي الأسعد عبد الرحيم بن شيث ناظر القدس الشريف لنفسه:\rزار وقد آنس للقلب نار ... وليس إلا وجهه إذ أنار\rطيف وقل ضيف كما أنني ... أبحته قلبي قرى أو قرار\rلم أنسه خاض إلى الدجى ... وجاب من شوق إلى القفار\rفانشق قلب الصبح غيظاً به ... وغار نجم الأفق منه فغار\rوذات قد كالقضيب انثنى ... وأين منها الغصن لولا الثمار\rبديعة كم لي بها غرة ... وكم لها في مهجتي من غرار\rورب ليل طاب لي وصلها ... به فلولا وصلها قلت طار\rرأيتها ليلاً وصبحاً فما ... عرفت بالليل ولا بالنهار\rبتنا ضجيعي عفةٍ ما درت ... منا يد ما يحتويه إزار\rيسكرني لثمى لأصداغها ... فهي عناقيد ولثمى اعتصار\rيحجب عنا الصبح ستر الدجى ... كأنما الليل لنا برددار\rوبعدها فليطل الليل ما ... شاء على رغم الليالي القصار\rوبرز أمر الملك العزيز رحمه الله تعالى إلى وزيره\rالأجل نجم الدين - رحمه الله تعالى - أن يصنع غزلا في جارية صنعت على خدها بالمسك صورة حية وعقرب، فصنع أبقاه الله بديها:\rفديتها من غادةٍ ... مخلوقة من طرب\rسألتها في قبلةٍ ... في خدها المذهب\rفجاوبت معجبه ... بكفها المخضب:\rوابأبى! وابأبىً ... من عظم هذا المطلب\rوليس هذا ممكناً ... على ممر الحقب\rروضة خدي حرست ... بحيةٍ وعقرب\rمن رام أن يلثمها ... فلير قها بالذهب\rوليشرب الدرياق من ... رضاب ثغري الشنب\rوصنع أيضاً:\rجعل العذول يقول لي لما بدت ... كالشمس في بعدٍ وفى إحراق\rلا نطمعن بوصلها وبلثمها ... هذي مذيبة انفس العشاق\rتفاح خديها حمته بعقربٍ ... وبحيةٍ خوفاً من الأحداق\rفحذار ثم حذار يا عشاقها ... فلديغها ما إن له من راق\rقلت اتئد هذي وتلك تولدا ... في ماء خد مائرٍ رقراق\rوالله لا خوف على بلثمها ... ما دام خمر رضابها درياقي\rثم أمر الناس بالعمل فأكثروا، وصنع ابن مماتي قطعا كثيرة، تزيد على العشرين، من أحسنها قوله:\rنقشت حيةً على ... ورد خد مزخرف\rفبدت آية الكلي ... م على وجه يوسف\rوقال أيضاً:\rفي خدها عقرب وحيه ... وأنت يا نفس بعد حيه\rقد جال ماء الشباب فيه ... وأرسل الصدغ فيه فيه","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"وقال ابن سناء الملك أدام الله نعمته:\rصفا العيش في ملك العزيز بن يوسفٍ ... فلم يبق فيه للشوائب باق\rفلا عقرب إلا بخد مليحةٍ ... ولا جور غلا في ولاية ساق\rوقال أيضاً:\rظهرت معجزات ملك العزيز ... فهي في وقته ذوات بروز\rحية تحت عقربٍ فوق خد ... أحمرٍ كاللجين والإبريز\rفهما مثل قبضةٍ بحسامٍ ... ركبوها في صارمٍ مهزوز\rوأخبرني بهاء الدين حسن الخرساني المعروف بابن الساعاتي\rقال: أمرني السلطاني أن أصنع فيما رسم من ذلك بديها على وزن قطعة كانت تغنى في ذلك الوقت، فصنعت:\rأمعنفى فيمن هويت جهالةً ... انظر بعين العدل فيمن تعذل\rأرأيت درياقاً كبرد رضابها ... بعث الصدى وهو الرحيق السلسل\rوكحيةٍ وكعقرب في خدها ... أبداً تسئ فعالها وتقبل\rتحيا إذا ما باشرت فم عاشقٍ ... وإذا تقابل من بعيد تقتل\rقال: ثم صنعت:\rوخريدةٍ بيضاء ليلة هجرها ... من شعرها، وجبينها من وصلها\rرقمت مواشطها على وجناتها ... صوراً تعبدني الغرام لأجلها\rأو ماعجبت لحيةٍ في جنةٍ ... دوني تفوز بمائها وبظلها\rفحذار منها ما استطعت فقبلها ... مكرت بآدم أختها في مثلها\rقال: ثم صنعت أيضاً:\rيا ضرة القمرين في شرفيهما ... من أي شيء منك لم أتعجب\rأقبلت مثل الشمس في غسق الدجى ... وحملت صبحاً ضاحكاً عن كوكب\rمن حيث لا ماء الشباب مكدر ... كلا ولا برق السلاف بخلب\rكتبت بخديك المواشط فتنةً ... عمت عموم هواك من لم يكتب\rوكأنما رقم الجمال بكفه ... وجه الضحى بحريرةٍ من غيهب\rجاء الكليم بآيةٍ من حية ... وأراك جئت بحيةٍ وبعقرب\rوصنع شهاب الدين ابن أخت الوزير النجم من قصيدة، وأنشدنيها لنفسه:\rخود جلا غرتها شعرها ... بدر بهى في ظلامٍ يهيم\rيطيب ذكر الشعر من لفظها ... كأنما ذاك النسيب النسيم\rقد رقمت وجنها أرقما ... بالمسك في مذهب ثوب طميم\rما ذاق من قابله غفوة ... واعجباً من ساهرٍ بالرقيم!\rمرسلةٍ بالحسن قد أظهرت ... في نار إبراهيم آي الكليم\rوصنع القاضي أبو العباس أحمد بن القطرسي، وأنشدنيه:\rوغادةٍ زينت بأفعى ... مسكٍ على خدها المصون\rفقلت يغنيك سحر لحظٍ ... أنفذ سهماً من المنون\rقالت رأيت القلوب ليست ... تطيق ما فيه من فتون\rفصاغها الحسن فوق خدي ... تلقف السحر من جفوني\rوأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه:\rوغادةٍ قالت وفي خدها ... حية مسكٍ سلبتني المنام\rحمرة خدي إذا قارنت ... سواد أصداغي هام الهوام\rأما ترى الحية تسعى إلى النا ... ر إذا ما أضرمت في الظلام!\rوأنشدني أيضاً لنفسه:\rفي ورد خديك بدت عقرب ... وحية تلسع جانيها\rيقول من بات سليماً بها ... يا ويح من أصبح حاويها\rوصنع المخلص أبو العباس أحمد، ابن بنت الفقيه أبي الطاهر بن عوف، وأنشدنيه:\rحمت ورد خديها بأفعى وعقربٍ ... فردت يدي جانيه عن جلناره\rأليس محياها المزخرف جنةً ... فلا غرو أن حفت لنا بالمكاره\rوقال أيضاً - رحمه الله تعالى - :\rسألتها تصفح عن هفوةٍ ... من عاشق أقسم ألا يعود\rفصورت ملغزةً حية ... وعقرباً من فوق ورد الخدود\rفكان تصحيف الذي ألغزت ... خيفةً أن يفهم عنها الحسود\rغفرت ما أسلف فلتهنه ... جنة وصلي بعد نار الصدود\rوأنشدني الرضى بن أبي حفصة الأحدب لنفسه:\rقالوا ترى عقرباً قد قابلت أفعى ... في خد ظبية أنسٍ قط ما ترعى","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"فقلت لما بدا سحر الجفون لها ... جاءت له حية في خدها تسعى\rوتلك عقرب خديها فلا برحت ... لا أنها العقرب المؤذي بها طبعا\rفانظر إلى حيةٍ مع عقربٍ ظهرت ... بروض وجنها لم يقتلا شرعا\rوزادتا حسنها نفعاً فواعجباً ... من أهل ضر لها قد أظهروا النفعا\rلو يكن ريقها الترياق ما سلمت ... وكان لأئمها لا يأمن اللسعا\rفقل لمن سامني ترك الغرام بها ... لم أسلها والذي قد أخرج المرعى\rقال علي بن ظافر: وصنعت:\rقضيب قدك هذا الرطب من هصره ... وخمر ريقك هذا العذب من عصره!\rوأطلس الخد من بالمسك صور في ... محمره حبةً بالمسك مقتدره\rيا حسنه أفعواناً لا يعض وإن ... أضحى على عضه لعاشقين شره\rفلا تظننه رقشاء لاسعةً ... تنساب من وجهها في روضةٍ نضره\rبل نفث ألحاظها بالسحر خيل ثعبانا على خدها يلهى الذي نظره\rيا ليت شعري مع أني الكليم هوىً ... لم أظهرت آيتي ألحاظها السحرة!\rقال: وقلت أيضاً:\rوغادةٍ رقمت في خدها صوراً ... لتسلب الناس ألبابا وأذهانا\rهل عقرب الصدغ خافت فيك أعيننا ... فاستنجدت عقرباً أخرى وثعبانا!\rأم العقارب والحيات قد ألفت ... من وجنتيها بحكم الطبع بستانا\rالباب الخامس\rفي بقية بدائع البدائه\rوفيه فصلان\rأحدهما ما كان من البدائه باقتراح مقترح كما تقدم في أول الباب الراب\rوثانيهما ما ليس باقتراح مقترح\rالفصل الأول\rفيما كان باقتراح مقترح\rفمن ذلك ما روى\rأن جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة؛ وهو مرثد بن عمرو بن عامر بن ماء السماء، وهو آخر ملوك جفنة بالشام قال لحسان: حب هذا المدامة، قد استحوذ على فبغضها إلى، فصنع حسان ارتجالا:\rولولا ثلاث هن في الكأس لم يكن ... لها ثمن من شاربٍ حين يشرب\rلما نزق مثل الجنون ومصرع ... دنى وأن العقل ينأى ويذهب\rفقال: حرمتني لذتها، فحببها إلي، فارتجل وقال:\rولولا ثلاث هن في الكأس أصبحت ... من أكسد شي يستفاد ويجلب\rأمانيها والكأس يظهر طيبها ... على حزنها، والهم ينأى ويذهب\rفأمر له جبلة بجائزة وحلةٍ من حلله.\rومن ذلك ما روى\rأن الفرزدق دخل على عبد الملك في بعض وفاداته عليه، فامتدحه فحباه وأكرمه وأحسن جائزته، فلما خرج من عنده ركب راحلته، وأنشد:\rما حملت ناقة من معشرٍ رجلا ... مثلي إذا الريح ألقتني على الكور\rفأنهى ذلك إلى عبد الملك، فأرسل وراءه من رده، فلما دخل عليه قال: إيه يا فرزدق! أنت الذي تقول: ما حملت ناقة... البيت.؟ قال: نعم ا أمير المؤمنين، قال: لتخرجن منها يا بن اللخناء أو لآتين عليك! فقال مرتجلا:\rإلا قريشاً فإن الله فضلها ... مع النبوة بالإسلام والخير\rترى وجوه بني مروان مشرقةً ... يوم الندى كشرفات الدنانير\rفقال عبد الملك: أولى لك! ورضي عنه.\rومن ذلك ما روى أن أبا الخطاب عمر بن عامر السعدي المعروف بابن الأشد موسى الهادي\rيا خير من عقلت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر\rفقال له الهادي: إلا من؟ فقال واصلا كلامه:\rإلا النبي رسول الله إن له ... فخراً وأنت بذاك الفخر تفتخر\rفظن الهادي والحاضرون أن البيت مستدرك، ونظر في صحيفته فلم يجده. فأضعف صلته.\rوروى أن علي بن جبلة الأعمى العكوك لقي طاهر بن الحسين وهو في حراقة له\rفقال له طاهر: إنك قد قلت في أبي دلف:\rإنما الدتيا أبو دلفٍ ... بين مبداه ومحتضره\rفإذا ولى أبو دلفٍ ... ولت الدنيا على أثره\rفاصنع لي مثلهما ولك بكل بيت ألف، فصنع بديهاً:\rعجبت لحراقة ابن الحسي ... ن كيف تعوم ولا تغرق\rوبحران، من تحتها واحد ... ومن فوقها آخر مطبق","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"وأعجب من ذاك أعوادها ... وقد مسها كيف لا تورق!\rفأمر له بثلاثة آلاف درهم، فأخذها وانصرف.\rوذر الصولي في كتاب الوزراء\rقال: حدثنا عيسى بن حماد، قال: شرب الحسن بن وهب عند عبد الله بن طاهر، فعرضت سحابة فأبرقت ثم أمطرت، فقال بعض من حضر المجلس: قل في هذا شيئاً، فقال:\rهطلتنا السماء هطلاً دراكا ... عارض المر زمان فيه السماكا\rقلت للبرق إذ توقد فيها: ... يا زناد السماء من أوراكا\rأحبيباً نأيته فجفاً كا ... فهوذا العارض الذي أبكاكا\rأم تشبهت بالأمير أبي العباس في جوده، فلست هناكا؟\rوذكر ابن المثنى\rقال: قلت لخالد الكاتب: أخبرني عن قولك:\rهذا حبيبك مطروق على كمده ... حرى مدامعه تجري على جسده\rله يد تسأل الرحمن راحته ... مما به، ويد أخرى على كبده\rيا من رأى كلفاً مستبعداً دنفاً ... كانت منيته في عينه ويده\rألا قلت كما قال أبو نواس:\rسماه مولاه لاستملاحه سمجاً ... فاختال عجباً بهذا الاسم وابتهجا\rظبي كأن الثريا دون مفرقه ... والمشتري وضياء الشمس والسرجا\rمحكم الطرف يدني سيف ناظره ... إذا انتضاه لفتك قال لا حرجا\rلا فرج الله عني إن مددت يدي ... إليه أسأله من حبه فرجاً\rفصنع بديهاً:\rقل لظبيٍ كله حسن ... ارث لي من فعلك السمج\rعينه سفاكة المهج ... من دمي في أحرج الحرج\rأسهرتني وهي راقدة ... باحورار الطرف والدعج\rلا أتاح الله لي فرجاً ... يوم أدعو منك بالفرج\rوروى أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن المعتصم في حياة أبيه بحضرة يعقوب بن الصباح الكندي فيلسوف العرب قصيدته التي أولها\rما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي رسوم الأربع الأدراس\rوانتهى إلى قوله:\rإقدام عمر في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس\rقال له الكندي: ما زدت أن شبهت الأمير بصعاليك العرب، ومن هؤلاء الذين ذكرت ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟وما قدرهم ؟فأطرق أبو تمام يسيراً ثم أنشد:\rلا تعجبوا ضربي له من دونه ... مثلا شروداً في الندى والبأس\rفالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس\rفجن الحاضرون استحساناً مما أتى به، وأجزل أحمد صلته. ولما خرج قال ابن الصباح: إن هذا الفتى قصير العمر؛ لأنه ينحت من قلبه؛ فكان كذلك.\rوروى حماد بن أحمد الكندي\rقال: كان على بن الجهم يقع في مروان بن أبي الجنوب ويثلبه، حسداً له على قبوله ومنزلته عند المتوكل. فقال له المتوكل يوماً: أيكما أشعر يا علي؟ وأراد أن يغري بينهما. فقال علي: أنا أشعر منه. فقال: ما تقول يا مروان؟ كل أحد أشعر مني، وإذا أصيب عرضي في أمير المؤمنين لا أبالي. فقال المتوكل: هذا عدول عن الجواب، قد زعم أنه أشعر منك؛ فإن كان صادقاً قد مناه عليك، وإلا فبرهن عن نفسك. فقال مروان: يا علي، أنت أشعر مني؟ قال: أو تشك في ذلك؟ قال: لشد ما شككت! قال: فالناس يعملون صدقي، قال: فأمير المؤمنين بيننا، قال: إنه يميل إليك. فقال المتوكل: هذا من عيك يا علي. ثم التفت إلى حمدون بن عيسى، وقال له: اقض بينهما. قال: مالي ولما ضغي الأسد! فقال المتوكل: قد أبحت كلاً منكما هجاء صاحبه، فليبين عن نفسه: فقال علي: إنه قد كظني النبيذ فما أقدر على قول الشعر حتى أفيق. فقال مروان: لكنني أقدر يا أمير المؤمنين، قال: قل وعجل، قال:\rإن ابن جهمٍ في المغيب يعيبني ... ويقول لي حسناً إذا لاقاني\rويكون حين أغيب عنه شاعراً ... ويضل عنه الشعر حين يراني\rوإذا خلونا ناك شعري شعره ... ونزا على شيطانه شيطاني\rعظمت حواياه وأربى بطنه ... فكأنما في بطنه ولدان\rإن ابن جهم ليس يرحم أمه ... لو كان يرحمها لما هاجاني\rفضحك المتوكل والندامى، وانخزل ابن الجهم، فقال المتوكل: بحياتي زد ما حضرك، فقال:\rبنت جهمٍ يا عليه ... صرت بعدي قرشيه","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"قلت ما ليس بحق ... اسكتي يا حلقيه\rاسكتي يابنت جهم ... اسكتي يا نبطيه\rفجعل المتوكل يضحك ويضرب الأرض برجليه، فقال ابن الجهم: لعمري إن هذا الشعر يشبه قائله. فقال مروان: صدقت إنه لهزل ولكنني أجد بك، ثم قال:\rلعمرك ما جهم بن بدر بشاعر ... وهذا علي نجله يدعي الشعرا\rولكن أبي قد كان جاراً لأمه ... فلما ادعى الأشعار أوهمني أمرا\rففضحه في ذلك المجلس. ولم يحر جواباً، إلا أنه قال بعد ذلك بيتين يعنيه بهما، وهما:\rبلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين\rيبيحك منه عرضاً لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون\rقال علي بن ظافر\rولما قدم مؤيد الدولة بن ركن الدولة أتى أبي علي الحسن بن بويه الديلمي إلى بغداد في حياة والده وعمه معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه ليعقد على ابنته زبيدة قدم معه الصاحب القاسم ابن عباد، وهو يومئذ في حداثة سنه وريعان عمره، وفي هذه السنة كتب كتاب الروزنامجه إلى الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد، وفي فصل منه ما معناه: أنه حضر عند الأستاذ أبي محمد المهلبي في ليلة طلعت نجوم سعدها، وأنجزت بها سجف المسرة صادق وعدها، وألحت الكؤوس خاطف برقها، وأسمعت المثاني حثيث رعدها، فجعلوا يتنقلون في شجون، المجون ويعقدون نكاح ابن الغدير على ابنة الزرجون، فاقترح عليه المهلبي أن يصنع شعراً في صفة هذا الحال، فقال بديهاً:\rتركت لساقي الريح يا بنة عرعرا ... وزرت لصافي الراح حانة عكبرا\rوقلت لعلج يعبد الراح: زفها ... مشعشعةً قد شاهدت عهد قيصرا\rفأوسعني آساً وورداً ونرجساً ... وأسمعني ناياً وطبلاً ومزهرا\rهنالك أعطيت البطالة حقها ... وألفيت هتك الستر كنزاً ومفخرا\rكأنى الصبا جريا إلى حومة الصبا ... أناغي صبياً من جليد مزنرا\rفعانقته والراح قد أغبقت بنا ... وكررت تقبيلاً وقد أقبل الكرى\rوصد عن العينين النعاس وصدني ... إلى أن تصدى الصبح يلمع مسفرا\rوهبت شمال نظمت شمل بعثتي ... فطارت بها عني الشمل تطيرا\rوكان الذي لولا الحيا لأذعته ... ولا عيش يصفو للفتى إن تسترا\rوذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب النشوان\rقال: حدثني أبو طاهر عبد العزيز بن حامد الواسطي الملقب سيدوك، قال: كنت بحضرة بعض الرؤساء في مجلس شراب، فرمى إلي بنارنجة نصفها أخضر، ونصفها أصفر، وقال: قل في هذه شيئاً، فارتجلت:\rوطيبة النشر مسكية ... مرصعة بالسجايا الطياب\rفأصفر في لون شمس المسا ... وأخضر في لون قوس السحاب\rفلون كوجنة مرعوبةٍ ... ولون كإثر نصول الخضاب\rفهذا كمصة خد الحبيب ... وذاك كما عل صرف الشراب\rقال وكنت أنا وأبو الفرج الببغاء نشاهد بركة ملئت\rوجعل فوقها ورد وبهار وشقائق حتى غطى أكثر الماء، وحضر أبو علي الهائم، فسأل أبا الفرج أن يعمل في ذلك شيئاً، فعمل بحضرتنا، وأنشد:\rخجل الورد من جوار البهار ... فمشى باحمراره في اصفرار\rوحكى الماء فيهما أحمر اليا ... قوت حسناً مرصعاً بنضار\rجمعا بالكمال في بركةً تمت ... ع حسناً نواظر الحضار\rأضرم الماء بالشقيق بها النا ... ر وعهدي بالماء ضد النار\rفوجدنا أخلاق سيدنا الزه ... ر ذكاء يربي على الأزهار\rظلت منه ومن نداماه للأن ... س نديم الشموس والأقمار\rقال وكنت بحضرة عضد الدولة في مجلس أنس في عشية من العشايا\rفغنى له من وراء ستارة الخاصة صوت هو:\rنحن قوم من قريش ... ما هممنا بفرار\rوبعد أبيات ركيكة، فقال: أتعرفون لمن هذه؟ فقال أبو عبد الله بن المنجم: بلغني أن الشعر للمطيع بالله واللحن له، فقال لي اصنع أبياتاً على وزنها وقافيتها ليكون هذا اللحن المليح في شعر جيد، فتباعدت عن المجلس، واستدعيت دواة ودرجاً وعملت:","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"أيهذا القمر الطا ... لع من دار القماري\rرائحاً من خيلاء الحس ... ن في أبهى إزار\rوالذي يجني ولا يتبع ذنباً باعتذار\rأوضح العذر عذارا ... ك على خلع العذار\rأنا من هجرك في بع ... دٍ على قرب مزار\rفاستحسنها جداً، وأنشد:\rنحن قوم نحفظ العه ... د على بعد المزار\rونمير السحب سحبا ... من أكف كالبحار\rأبداً ننحر للضي ... ف بدوراً من نضار\rوبلغني عن بعض أهل المجلس أنه أمر الستارة بنقل اللحن إلى هذا الشعر، فنقل وغنى به، وبعد هذا أتممت أنا أبيات القصيدة وامتدحته بها.\rقال على بن ظافر\rوبالإسناد المتقدم ذكر صاحب اليتيمة ما معناه، أن أبا الحسن السلامي الشاعر دخل على الأمير عز الدولة أبي ثعلب فضل الله بن ناصر الدولة بن عبد الله حمدان وبين يديه درع كأنما جمعت من عيون الدبي أو غدير غضنت وجهه الصبا، فقال له: صفها، فارتجل:\rيا رب سابغةٍ حبتني نعمةً ... كافأتها بالسوء غير مفند\rأضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وغدوت أبذلها لكل مهند\rفاستحسن بديهته، وأحسن جائزته.\rوذكر ما معناه\rأن السلامي سافر في صباه إلى الموصل، وبه جماعة من الشعراء، فلما أنشدهم شعره اتهموه واستصغروا سنه واستعظموه، فقال لهم أبو عثمان الخالدي: أنا أكفيكم أمره، ثم صنع دعوة وجمعهم بها، فلما اجتمعوا أخذوا في سبر صناعته، والبحث عن قدر بضاعته، فاتفق أن أمطرت السماء مطراً أشبه الثغور في لونها وبردها، وجانس بمنثوره منظوم عقدها،، فبادر الخالدي فألقى عليه نارنجاً كأنه كرات ذهب، أو شعل لهب. ثم قال: يا أصحابنا، صفوا هذا ، فارتجل السلامي:\rلله در الخالد ... ي الأوحد الندب الخطير\rأهدي لماء المزن عن ... د جموده نار السعير\rحتى إذا صدر العتا ... ب إليه عن حنق الصدور\rبعثت إليه بعذره ... عن خاطري أيدي السرور\rلا تعذلوه فإنه ... أهدى الخدود إلى الثغور\rفاعترفوا بفضله، وعرفوا عند ذلك مقدار علمه وعقله\rوأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي\rقال: أخبرني الإمام الحافظ السلفي الأصبهاني - رحمه الله تعالى - قال: أخبرني الرئيس أبو سعد محمد بن عقيل بن عبد الواحد الدسكري في سنة ست وتسعين وأربعمائة، قال: حدثني القاضي التنوخي قال: أصعد أبو الفرج الببغاء هو وجماعة من الشعراء الكبار يمتدحونه، فأخرج يوماً خازنه قدحاً من ياقوت أزرق، فملأه ماء وتركه يتشعشع، فقال له أبو الفرج: يا مولانا، ما رأيت أحسن من هذا! فقال: قل فيه شيئاً وهو لك، فقال أبو الفرج في الحال:\rكم منةٍ للظلام في عنقي ... بجمع شملٍ وضم معتنق\rوكم صباحٍ للراح أسلمني ... من فلقٍ ساطعٍ إلى فلق\rفعاطنيها بكراً مشعشعةً ... كأنها في صفائها خلقي\rفي أزرق كالهواء يخرقه اللح ... ظ وإن كان غير منخرق\rكأن أجزاءه مركبة ... حسناً ولطفاً من زرقة الحدق\rما زلت منه منادماً لعبا ... مذ أسكرتها المدام لم تفق\rتختال قبل المزاج في أزرق ال ... فجر وبعد المزاج في شفق\rأدهشها سكرنا فإن يكن الصم ... ت حديثاً فذاك عن فرق\rتغرق في أبحر المدام فيس ... تنقذها شر بنا من الغرق\rونحن باللهو بين مصطبحٍ ... يمرح أمناً وبين مغتبق\rفلو ترى راحتي وصبغتها ... في لونها في معصفرٍ شرقٍ\rلخلت أن الهوا لاطفني ... بالشمس في قطعةٍ من الأفق\rفاستحسنها سيف الدولة وأعطاه إياه.\rوذكر أن السرى الرفاء الموصلي\rدخل على أبي الحسن باروخ بن عبد الله صاحب ناصر الدولة بن حمدان، وبين يديه ستارة تستر من يجلس برسم الغناء، فأمره أن يصنع ما يكتب عليها، فصنع بديهاً:\rتبين لي سبق الأمير إلى العلا ... وما زال سباقاً إلى الفضل منعما","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"فصيرني بين القيان إذا شدت ... وبين نداماه حجاباً مكرما\rلأظهر من حسن الغناء محللا ... وأستر من حسن الوجوه محرما\rوذكر العميد الباخرزي في كتاب دمية القصر، أن أبا الحسن أحمد بن علي البستي أمره بهاء الدولة أن يعمل ما يكتب على تكة إبريسم، فقال ارتجالاً:\rلم لا أتيه ومضجعي ... بين الروادف والخصور\rوإذا انسجمت فإنني ... بين الترائب والنحور\rولقد نشأت صغيرة ... بأكف ربات الخدور\rومن ذلك ما روى ابن بسام في كتاب الذخيرة\rورويته بالإسناد المتقدم ورواه لي أيضاً جماعة من الأندلسيين متفرقاً، أن أبا الفضل صاعداً اللغوى دخل على المنصور بن أبي عامر المعافري كفيل المؤيد بن الحكم بن الناصر الأموي والمتغلب على دولته، فأهدى إلى المنصور وردة منطبقة في غير أوانها، فقال لصاعد: قل فيها شيئاً، فارتجل:\rأتتك أبا عامر وردة ... يذكرك المسك أنفاسها\rكعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها\rفأفرط المنصور في استحسانها، فحسده ابن العريف أحد الندماء، وقال: إنهما ليسا له، وقد أنشدنيها بعض البغداديين بمصر لنفسه، وهما عندي على ظهر كتاب بخطه. فقال المنصور: أرنيه، فخرج ابن العريف وركب، وجعل يحث حتى أتى مجلس ابن بدر - وكان أحسن أهل وقته بديهة - فوصف له ماجرى، فقال هذه الأبيات ودس فيها بيتي صاعد:\rعشوت إلى قصر عباسة ... وقد جدل النوم حراسها\rفقالت: أسارٍ على هجعةٍ ... فقلت: نعم، فرمت كاسها\rومدت يديها إلى وردةٍ ... يحاكي لك المسك أنفاسها\rكعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها\rفوليت عنها على عفةٍ ... وما خنت ناسي ولا ناسها\rفطار ابن العريف بها وعلقها على ظهر كتاب بخط مشرقي، وتحيل حتى غير المداد، ودخل بها على المنصور، فلما رآها اشتد غيظه على صاعد، وقال للحاضرين: غداً أمتحنه، فإن فضحه الامتحان لم يقم في مكان لي فيه سلطان. فلما أصبح طلب فحضر، وأحضر جميع القدماء، فدخل به وبهم إلى مجلس حفل، قد أعد فيه طبقاً عظيما فيه سقائف مصنوعة من جميع النوار، عليها لعب من ياسمين في شكل الجواري، وتحتها بركة ماء قد ألقي فيها لؤلؤ مثل الحصباء، وفيها حية تسبح، فقال لصاعد: بلغنا أنك تكذب في شعرك، وقد وقفنا على حقيقة ذلك، وهذا يوم إما أن تسعد فيه عندنا وإما أن تشقى، وهذا طبق ما أظنه حضر بين يدي ملك قبلي، فصفه حالا، فقال صاعد يديها:\rأبا عامر هل غير جدواك واكف ... وهل غير من عاداك في الأرض خائف!\rيسوق إليك الدهر كل غريبةٍ ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف\rوشائع نورٍ صاغها هامر الحيا ... عليها فمنها عبقر ورفارف\rولما تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع الملاهي الوصائف\rوأعجب منها أنهن نواظر ... إلى بركة ضمت إليها الظرائف\rحصاها اللآلي سابح في عبابها ... من الرقش مسموم اللعابين راجف\rترى ما تشاء العين في جنباتها ... من الوحش حتى بينهن السلاحف\rفاستغربت له يومئذ تلك البديهة في مثل ذلك الموضع، وكتبها المنصور بخطه، وكان إلى ناحية من تلك السقائف سقيفة، فيها جارية من النوار تجدف بمجاديف من ذهب لم يرها صاعد؛ فقال له المنصور: إلا أنك لم تصف هذه الجارية، فارتجل:\rوأعجب منها غادة في سفينةٍ ... مكللة تصبو إليها المهاتف\rإذا راعها موج من الماء تتقي ... بسكانها ما أنذرته الرواجف\rمتى كانت الحسناء ربان مركبٍ ... تصرف في الكفين منها المجاذف!\rولم تر عيني في البلاد حديقةً ... زهتها أزاهير الربا والزخارف\rولا غرو أن شاقت معاليك روضة ... تقلبها في الراحتين الوصائف\rفأنت امرؤ لو رمت نقل متالعٍ ... ورضوى ذرتها من سطاك العواصف\rإذا رمت قولاً أو طلبت بديهة ... فكلني لها إني لمجدك واصف","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب، وأجرى عليه في كل شهر ثلاثين دينارا، وألحقه في ديوان الندماء.\rوروى أنه خرج معه يوماً إلى الزهراء\rفمد المنصور يده إلى شيء من الريحان المعروف بالترنجان، فرمى به، وأشار إليه أن يقول فيه، فارتجل:\rلم أدر قبل ترنجانٍ عبثت به ... أن الزمرد أغصان وأوراق\rمن طيبه سرق الأترج نكهته ... يا قوم حتى من الأزهار سراق!\rكأنما الحاجب المنصور علمه ... فعل الجميل فطابت منه أخلاق\rمن ليس يقعده عن سؤددٍ قدم ... ولا تقوم له في سوءة ساق\rوروى أيضاً\rقال: دخل صاعد اللغوي على بعض أصحابه في مجلس شراب، فملأ الساقي قدحاً من إبريق، فتكونت قطرة من الراح في فم الإبريق ووقفت ولم تبرح، فاقترح عليه الحاضرون وصف ذلك، فقال بديهاً:\rوقهوةٍ من فم الإبريق صافيةٍ ... كدمع مفجوعةٍ بالإلف معبار\rكأن إبريقنا والراح في فمه ... طير تزقق ياقوتاً بمنقار\rوقد أخذه من قول الشريف أبي البركات علي بن الحسن العلوي:\rكأن ريح الروض لما أتت ... فتت علينا مسك عطار\rكأنما إبريقنا طائر ... يحمل ياقوتاً بمنقار\rوذكر ابن بسام أيضاً\rأن أبا عامر بن شهيد حضر ليلةً عند الحاجب بن أبي عامر المظفر بن المنصور بن أبي عامر بقرطبة، فقامت تسقيهم وصيفة صغيرة ظريفة الخلق، ولم تزل تسهر في خدمتهم إلى أن هم جند الليل بالانهزام، وأخذ في تقويض خيام الظلام، وكانت تسمى أسيماء، فعجب الحاضرون من مكابدتها السهر طول ليلها على صغر سنها، فسأله المظفر وصفها، فصنع ارتجالا:\rأفدي أسيماء من نديمٍ ... ملازم للكئوس راتب\rقد عجبوا في السهاد منها ... وهي لعمري من العجائب\rكيف تجافى الرقاد عنها ... فقلت لاترقد الكواكب\rوذكر ابن بسام أيضاً\rأنه كان يوماً مع جماعة من الأدباء عند القاضي ابن ذكوان، فجئ بباكورة باقلاء، فقال ابن ذكوان: لا ينفرد بها إلا من وصفها، فقال ابن شهيد: أنا لهما، وارتجل:\rإن لآليك أحدثت صلفاً ... فاتخذت من زمردٍ صدفا\rتسكن ضراتها البحور وذي ... تسكن للحسن روضةً أنفا\rهامت بلحف الجبال فاتخذت ... من سندسٍ في جنانها لحفا\rشبهتها بالثغور في لطفٍ ... حسبك هذا من زمر من لطفا\rحاز ابن ذكوان في مكارمه ... حدود كعبٍ وما به وصفا\rقدم در الرياض منتخباً ... منه لأفراس مدحه علفا\rأكل ظريفٍ وطعم ذي أدبٍ ... والفول يهواه كل من ظرفا\rرخص فيه شيخ له حسب ... فكان حسبي من المنى وكفى\rقال ابن بسام\rوحكى أن جماعة من أصحاب ابن شهيد قالوا له: يا أبا عامر إنك لآت بالعجائب، وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتى منك، هاز لعطفك عند النادر يتاح لك، ونحن نريد منك أن تصف لنا مجلسنا هذا. وكان الذي طلبوه منه زبدة التعنيت، لأن المعنى إذا كان جلفاً ثقيلاً على النفس، قبيح الصورة عند الحس، كملت الفكرة عنه وإن كانت ماضية، وأساءت القريحة في وصفه وإن كانت محسنة، وكان في المجلس باب مخلوع معترض على الأرض، ولبد أحمر مبسوط قد صففت نعالهم عند حاشيته، فقال مسرعاً:\rوفتيةٍ كالنجوم حسنا ... وكلهم شاعر نبيل\rمتقد الجانبين ماضٍ ... كأنه الصارم الصقيل\rراموا انصرافي عن المعالي ... والحد من دونها كليل\rفالشد في أمرها فسيح ... كل كثير له قليل\rفي مجلسٍ زانه التصابي ... وطاردت وصفه العقول\rكأنما بابه أسير ... تعرض من دونه النصول\rيراد منه المقال قسراً ... وهو على ذاك لايقول\rينظر من لبده لدينا ... بحر دمٍ تحتنا يسيل\rكأن أخفافنا عليه ... مراكب مالها دليل\rضلت فلم تدر أين تجري ... فهي على شطه تقيل","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"فعجب القوم من أمره، ثم خرج من عندهم فمر على بعض معارفه من الطوافين وبين يديه زنبيل ملآن حرشفا، فجعل يده في لجام بغلته وقال: لا أتركك حتى تصف الحرشف فقد وصفه صاعد فلم يحسن، فقال له ابن شهيد: ويحك! أعلى مثل هذه الحال؟ قال: نعم فثنى رجله ثم قال:\rهل أبصرت عيناك يا خليلي ... قنافذاً تباع في زنبيل\rكأنها أنياب بنت الغول ... لو نسخت في است أمري ثقيل\rلقفزته نحو أرض النيل ... ليست ترى طي حشا منديل\rنقل السخيف المائق الجهول ... وأكل قوم نازحي العقول\rأقسمت لاأطعمها أكيلي ... ولا طعمها على شمول\rوأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن بن المقدسي عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني السرقسطي عن الحميدي\rقال: ذكر أبو عامر بن سلمة أن إسحاق بن إسماعيل المنادي حضر مجلساً من أهل الأدب، فدخل عليهم فتى يكنى أبا الوليد، وبيده تفاحة غضة، فتنافسوا فيها، وجعل كل يستهديها. فقال: لا يستحقها بالأصالة إلا من وصفها فأحسن وصفها، فقال المنادي: هاتها فأنا زعيم بما أردته فيها، فأعطاه إياها فقال:\rمجال العين في ورد الخدود ... يذكر طيب جنات الخلود\rوأطيب ما تمنى النفس إلف ... يجدد وصله بعد الصدود\rوآرجةٍ من التفاح تزهو ... بطيب النشر والحسن الفريد\rفقلت لها: فضحت المسك طيباً ... فقالت لي: بطيب أبي الوليد\rوروى ابن بسامٍ في كتاب الذخيرة ورويناه بالإسناد المتقدم\rقال: حدث أبو عبد الله الصفار لصقلي قال: كنت ساكناً بصقلية وأشعار ابن رشيق ترد على، فكنت أتمنى لقاءه حتى قدم الروم علينا، فخرجت فاراً بمهجتي، تاركا لكل ما ملكت يدي، وقلت: أجتمع بأبي علي، فبرقة شمائله، وطيب مشاهدته، سيذهب عني بعض ما أجد من الحزن على مفارقة الأهل والوطن. فجئت القيروان، ولم أقدم شيئاً على الدخول إلى منزله، فاستأذنت ودخلت، فقام إلى وهو ثاني اثنين، فأخذ بيدي، وجعل يسألني، فأخبرته بأمري فارتمض. وبعد أن تمكن أنسى بمجالسته، قال لي يوماً: يا أبا عبد الله، إن هاهنا بالقيروان غلاماً قد سلب كبدي، واستولى هواه على خلدي منذ عشرة أعوام، فانهض بنا إليه، فإن أنت ساعدتني عليه، قدمت عندي يداً لا يعدلها إلا رضاه. فقلت: سمعاً وطاعة، وسرت معه، حتى جئنا صاغة الجوهريين، فإذا غلام كأنه بدر تمام، صافي الأديم، عطر النسيم، كأنما يبسم عن در، ويسفر عن بدر، قد ركب كافور عارضيه، على بياض يحرحه الوهم بخاطره، ويدميه الطرف بناظره، فأنشدته قول الصنوبري:\rإنه من علامة العشاق ... اصفرار الوجوه عند التلاقي\rوانقطاع يكون من غير عي ... وولوع بالصمت والإطراق\rفقال لي: والله ما واجهته قط قبل يومي هذا إلا غشي على، ولكني أنست بك، وشغلت بعذوبة لفظك، مع أني لم أرو طرفي عن وجهه المقمر، ولا متعته بفده المثمر، لتنكيسه رأسه عند طلوعي إليه، فقلت: ولم ينكس رأسه؟ فوالله ما رأيت أشبه بالبدر منه خداً، وبالغصن قداً، ولا بالدر ثغرا، ولا بالمسك شعرا! فقال: يا أبا عبد الله، ما أصبرك بمحاسن الغلمان؛ لاسيما من فضضت كف الجمال صفحته، وذهبت وجنته، وخفت على تفاح خده العيون، فوكلت بها الجفون. يا أبا عبد الله، ينكس رأسه لأني علقته وحده هلالي، وطرفه غزالي، وفرعه ظلامي، ولحظه بابلي، وقده قضيبي، وردفه كثيبي، وخصره ساجي، وصدره عاجي؛ فكأن طرفي يشوب كافوره بالعقيق، فيحرج لذلك صدر العشيق؛ حتى بدا عداره فأبدي من يميمه نقشا على فضى أديمة، فتوهم لذلك الطاهر الأعراق، الطيب الأخلاق، أن ذلك مما يضعف قوى محبته، ويمحو رسوم مودته، فقلت له: بحقي عليك يا أبا علي، ألا قلت في هذا المعنى شيئا! فأطرق قليلاً ثم أنشد:\rوأسمر اللون عسجدي ... يكاد يستمطر الجهاما\rضاق بحمل العذار ذرعاً ... كالمهر لا يعرف اللجاما\rونكس الرأس إذ رآني ... كآبة واكتسى احتشاما\rوظن أن العذار مما ... يزيح عن قلبي الغراما\rوما دري أنه نبات ... أنبت في جسمي السقاما","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"وهل ترى عارضيه إلا ... حمائلا حملت حساما!\rوهذا كما قال ابن المعتز:\rومستحسنٍ وصلي جعلت وصاله ... شعاري، فما أنفك دأباً أوصله\rكأن بعينيه إذا ما أدارها ... حساماً صقيلاً والعذار حمائله\rقال علي بن ظافر\rوذكر أن أبا علي حسن بن رشيق دخل على المعز بن بادبس يوماً، وفي يده أترجة كأنها واسطة ذهب، أو جذوة لهب، فأشار إلى وصفها، فارتجل:\rأترجة سبطة الأطراف ناعمة ... تلقى النفوس بحظ غير منحوس\rكأنما بسطت كفاً لخالقها ... تدعو بطول بقاءٍ لابن باديس\rوذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج\rأن كتاب الخراج بالقيروان اجتمعوا في الديوان يوماً، فوقعت بينهم جرادة، فوضعها بعضهم في يده، وقال: من يصفها؟ فقال عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي قد علمتم أني امرء مرو، ولست بصاحب بديهة، فبدرهم يعلى بن إبراهيم الأريس، وهو أصغرهم سناً إذ ذاك، فقال:\rوخيفانةٍ صفراء مسودة القرا ... أتتك بلون أسودٍ تحت أصفر\rوأجنحةٍ حمر كأمثال ردنةٍ ... تقاصر عن أطراف بردٍ محبر\rوروى أن الشيخ أبا الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي\rدخل على بعض الرؤساء، وبين يديه طبق قد ملئ ورداً أحمر وأبيض فاستدعى منه وصفه، فقال بديهاً:\rكأنما الورد الذي نشره ... يعبق من طيب معانيكا\rدماء أعدائك مسفوكة ... قد قارنت بيض أياديكا\rوذكر صاحب الدمية الباخرزي أن الشريف محمد ابن علي بن الحسين الهمداني\rقال: دخلت على عمي الرئيس أبي الحسن وقد دخل عليه غلام فحياه بنرجسة، فقال لي: قل فيه شيئاً صفه به، فقلت:\rومكحلٍ بالسحر أحور شادنٍ ... حيا بنرجسةٍ أوان بكور\rفكأنه وكأنها في كفه ... بدر يريك التبر في الكافور\rوتركبت فوق الزبرجد حلقة ... تحكي فتور اللحظ من مخمور\rقال علي بن ظافر\rوبالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة أن أبا الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي البغدادي، حضر مجلس المعز بن باديس يوماً، وبالمجلس ساقٍ وسيم، قد مسك عذاره ورد خديه، وعجزت الراح أن تفعل في الندمان فعل عينيه، فأمر المعز بوصفه، فقال بديهاً:\rومعذرٍ نقش الجمال بمسكة ... خدا له بدم القلوب مضرجا\rلما تيقن أن سيف جفونه ... من نرجس جعل النجاد بنفسجا\rقال علي بن ظافر\rذكر ابن خاقان في كتاب قلائد العقيان ما معناه قال: حضر الاستاذ. أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي عند المأمون ابن ذي النون ببعض متنزهاته، في يوم طاب نسيمه، وسرت بالسعود نجومه، والروض قد أجاد وشيه راقمة، والماء قد جرت بين الأعشاب أرقامه؛ وثم بركة مملوءة، كأنها مرآة مجلوة، قد اتخذت سباع الطير بشاطها غاباً، ومجت بها من سائغ الماء لعابا، لا تزال تقذف الماء ولا تفتر، وتنظم لآلئ الحباب بعدما تنثر، فأمره بوصف ذلك الموضع الذي تحب، إليه ركاب القلوب وتوضع، فقال بديهاً:\rيا منظراً إن نظرت بهجته ... ذكرني حسن جنة الخلد\rتراب مسكٍ وجو عنبرةٍ ... وغيم بد وطل ما ورد\rوالماء كاللازورد قد نظمت ... فيه اللآلي فواغر الأسد\rكأنما جائل الحباب به ... يلعب في جانبيه بالنرد\rتراه يزهو إذ يحل به المأمون زهو الفتاة بالعقد\rتخاله إن بدا به قمراً ... تماً بدا في مطالع السعد\rكأنما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمةٍ ومن مجد\rكأنما جادها وأمطرها ... بوابلٍ من يمينه رغد\rوأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي\rقال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن مروان بن أبي الحجاج بن علي القضاعي، قال: اقترحت على أبي محمد عبد الجبار بن أبي بكر بن حمديس الصقلي الأزدي، وقد وقف ليود عنى، وكنت عازماً على سفر أن يصنع لي أبياتاً غزلية في الوداع فصنع في الحال، وقال:\rولما رأت طير الفراق نواعباً ... وقد هم بالتوديع كل مودع","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"شكت ما شكا المخزون من غربة النوى ... وأبكت لها عيني غزالٍ مروع\rولم أر في خد يزرر قبلها ... من الغيد شمساً في غمامة برقع\rوقد سفرت عن برقع عبر الأسى ... لعيني بها عن وجد قلب مفجع\rوأقبل در البحر من فوق نحرها ... يصافحه من خدها در مدمعي\rفيارب إن البين أخنت صروفه ... علي ومالي من معينٍ فكن معي\rعلى قرب عذالي وبعد أحبتي ... وأمواه أجفاني ونيران أضلعي\rقال علي بن ظافر\rوبالإسناد المتقدم روى ابن بسام في كتاب الذخيرة ما معناه، قال: دخل الوزير أبو العلاء زهر بن الوزير أبي مروان عبد الملك بن زهر، على الأمير عبد الملك بن رزين في مجلس أنس وبين يديه ساق يسقي خمرين من كأسه ولحظه، ويبدي من حبابه ولفظه، وقد بدا عذاره في صفحة خده، وكمل حسنة باجتماع الضد مع ضده، فكأنه بسحر لحظه أبدي ليلا في شمس، وجعل يومه في الحسن أحسن من أمس، فسأله ابن رزين أن يصنع فيه، فقال بديهاً:\rتضاعف وجدى إذ تبدى عذاره ... ونم فخان القلب مني اصطباره\rوقد كان ظني أن سيمحق ليله ... بدائع حسن هام فيها نهاره\rفأظهر ضد ضده إذ وشت به ... بعنبره في صفحة الخد ناره\rوزاد بجفنيه ذبولاً بنرجسٍ ... زها فيه لما أمه جلناره\rواستزاده، فقال بديهاً:\rمحيت آية النهار فأضحى ... بدر تم وكان شمس نهار\rكان يغشى العيون نوراً إلى أن ... شغل الله خده بالعذار\rثم استزاده فقال:\rعذار ألم فأبدى لنا ... بدائع كنا لها في عما\rولو لم يجن النهار الظلا ... م لم يستبن كوكب في السما\rثم استزاده فقال:\rتمت محاسن وجهه وتكاملت ... لما استدار به عذار مونق\rوكذلك البدر استنار جماله ... في أن تكنفة غمام أزرق\rوأنبأني العماد أبو حامد\rقال: ذكر لي صفوة الدين النابلسي أن الأمير أبا الحسن علي بن منقذ كان راكباً في جماعة منهم ابن حيوس، فنزلوا بروضة غناء فيها شقائق وأقحوان، فاستحسنوها وقالوا: ننظم فيها شعراً، وقالوا للأمير: ابدأ أنت، فقال في الحال:\rكأن الشقائق والأقحوان ... خدود تقبلهن الثغور\rفهاتيك يخجلهن الحياء ... وهاتيك يضحكهن السرور\rقال العماد وذكر لي أن معز الدولة قال علي بن ظافر\rيعنى تمثال بن صالح الكلابي صاحب حلب - جلس على نهر قويق زمن المد وقد خيم به، فذكر ابن النوت الشاعر وهو الرضى عبد الواحد بن الفرج بن النوت المعري، وذكر سرعة بديهته واقتداره على الارتجال، فأرسل إليه على البر فحضر، فقال بديهاً:\rرأيت قويقاً إذ تجاوز حده ... له زجل في جريه وضجيج\rوكان ثمال جالساً بشفيره ... فشبهته بحراً لديه خليج\rفقال معز الدولة: قد زعم الحلبيون أن هذا ليس بشعرك - وكان فيهم ابن سنان الخفاجي - فإن قلت بديهة أعطيتك جوائزهم، ثم نظر إلى غرابين على نشز، فقال: صفهما، فقال:\rيا غرابين أنتما سبب البي ... ن فكيف اجتمعتما بمكان!\rإنما قد وقفتما في خلو ... في فراق الأحباب تشتوران\rفاحذرا أن تفرقا بين إلفي ... ن فما تدريان ما يلقيان\rقال علي بن ظافر\rوكان أبو سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول، مفرط النسيان ظاهر التغفل، على جودة نظمه ورطوبة طبعه، وكان كثيراً ما يسلك سكة الخفافين على بغلته، فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادة لها، فعبر السكة يوماً مع أصحابه راجلاً، فلما رأى الجلود الملقاة نفر ونكص على عقبه، فقال له أصحابه: ما هذا أيها الأستاذ! فقال: البغلة نفرت بي. فعجبوا من تغفله، كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي أنه راكب، وأن حركته الاختيارية منه هي حركة البغلة الاضطرارية له، فكان تغفله ربما أوقعه في مهمةٍ عند من لا يعرفه. واقترح عليه بعض الأمراء أن يضع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذيب، وأول الثاني جوارح وآخره أنابيب، فصنع بديهاً:","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"كتابي نجيع لاح في حومة الوغى ... وقارنه نسر هناك وذيب\rجوارح أهليه حروف وربما ... تولته من نقط الطعان أنابيب\rقال علي بن ظافر\rوذكر لي بعض أصحابنا ما معناه، أن القاضي الموفق محمود بن قادوس، دخل على الأمير فرج الظهير، فعرض عليه دبوس صيني الحديد، عديم النظير والنديد لا تحصن منه خوذة ولا نثرة، ولا تقال لضربته عثرة، تجفل لصولته آساد الحرب إجفال الأنعام، وتتضاءل لهيبته البيض حتى تعود أوهى من بيض النعام، فأمره بوصفه، فقال على لسانه:\rما ضر من كنت في الهيجاء عدته ... ألا يعوج على بيض ولا أسل\rإذ لا تحصن مني البيض لابسها ... ولا الدروع ولا مستأخر الأجل\rقال علي بن ظافر\rودخل أبو خالد بن صغير القيسراني على الأمير تاج الملوك أبي سعيد نوري بن أتابك طغتكين صاحب دمشق، وبين يديه بركة فسيحة الفناء، صحيحة البناء، قد راق ماؤها وصفاً، وجر النسيم عليها ما رق من أذياله وصفا، فهو تارةً يرشف رضابها، ويجعد ثيابها، وتارة يسبكها مبرداً ويحكيها مسرداً، فأمر بوصفها فقال:\rأو ما ترى طرب الغدير إلى النسيم إذا تحرك\rبل لو رأيت الماء يلعب في جوانبه لسرك\rوإذا الصبا هبت عليه أتاك في ثوبٍ مفرك\rوأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي الكاتب\rقال: أخبرني القاضي كمال الدين أبو فخر عبد القاهر ابن المهنأ التنوخي المعري المعروف بخصى البغل قال: كنت بحماة، فأتيت حانوت رجل يعرف بالحكيم أبو الخير، فصادفت عنده رجلا يعرف بالسديد، فطلبت منه يرنية ورد مربى، فقال: لن تراها حتى تقول في شعرا، فقلت: أما المدح فلا، وأما الهجاء فنعم، فقال: هات، فقلت:\rأبو الخير أبي الخير ... فلا خير ولا مير\rضئيل ناحل الجسم ... ولكن كله أير\rفقال: اصنع في السديد - وكان كبير الأنف، فقلت:\rكما أن سديد الدين أنف بس لا غير\rتراه بين عينيه ... كناقوسٍ على دير\rفقال: وفيك أيضاً، فقلت:\rفخذها من خصى البغل ... كمثل البرق في السير\rقال علي بن ظافر\rودخل الأعز أبو الفتوح بن قلاقس على بلال بن رافع بن بلال الفزاري، فعرض عليه سيفاً قد نظم الفرند في صفحته جوهره ناره وجمد نهره، وألبسه من جلد الأفاعي رداء، وجسمه ردىً أو داء، لا يمنع من برقه بدر مجن ولا ثريا مغفر، ولا يسلم من حده من ثبت ولا ينجو لطوله من فر، وهو يبكي للنفاق ويضحك، ويرعد للغيظ ويفتك، فأمره بصفة شأنه، فقال بديهاً على لسانه:\rأروق كما أروع فإن تصفني ... فإني رائق الصفحات رائع\rتدافع بي خطوب الدهر حتى ... نقلت إلى بلال عن مدافع\rوقال أيضاً:\rرب يومٍ له من النقع سحب ... ماله غير سائل الدم ودق\rقد جلته يمنى بلالٍ بحدي ... وكأني في راحة الشمس برق\rوقال فيه:\rأنا في الكريهة كالشهاب الساطع ... من صفحةٍ تبدو وحد قاطع\rفكأنما استمليت تلك وهذه ... من وصف كف بلالٍ بن مدافع\rوقال أيضاً:\rانظر لمطرد المياه بصفحتي ... ولنار خدي كم لها من وصال\rقد عاد شدي في المضايق شيمتي ... كبلالٍ بن مدافع بن بلال\rوسأله صاحب له وصف مشط عاج قد أشبه الثريا شكلاً ولوناً وشق ليلاً من الشعر جوناً فقال\rومتيمٍ بالآبنوس وجسمه ... عاج ومن أدهانه شرفاته\rكتمت دياجي الشعر منه بدرها ... فوشت به للعين عيوقاته\rوقال فيه:\rوأبيض ليل الآبنوس إذا سرى ... تمزق عن صبح من العاج باهر\rوإن غاص في بحر لشعور رأيته ... تبشرنا أطرافه بالجواهر\rوقال فيه:\rومشرقٍ يشبه لون الضحى ... حسناً ويسرى في الدجى الفاحم\rوكلما قلب في لمةٍ ... أضحكها عن ثغرٍ باسم\rقال وجلس بمصر في دار الأنماط يوما مع جماعة","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"فمرت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك، كشمس تحت سحاب الثقاب، وغصن في أوراق الشباب، فحدقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب، فجعلت تتلفت تلفت ظبي مذعور، أفرقه القانص فهرب، وتتثنى تثنى غصن ممطور، عانقه النسيم فاضطرب، فسالوه وصفها، فقال: هذا يصلح أن يعكس فيه قول ابن القطان الأزدي القيرواني:\rأعرضن لما أن عرضن فإن يكن ... حذراً فأين تلفت الغزلان\rثم صنع فقال:\rلها ناظر في ذرى ناضرٍ ... كما ركب السن فوق القناة\rلوت حين ولت لنا جيدها ... فأي حياةٍ بدت من وفاة\rكما ذعر الظبي من قانصٍ ... فمر وكرر في الالتفات\rثم صنع بديهاً:\rولطيفة الألفاظ لكن قلبها ... لم أشك منه لوعةً إلا عتا\rكملت محاسنها فود البدر أن ... يحظى ببعض صفاتها أو ينعتا\rقد قلت لما أعرضت وتعرضت: ... يا مؤيساً يا مطعماً قل لي متى!\rقالت أنا الظبي الفريد وإنما ... ولي وأوحش نبوة فتلفتا\rقال علي بن ظافر\rوحضر يوماً عند بني خليف بظاهر الإسكندرية في قصرٍ رسا بناؤه وسما، وكاد يمزق بمزاحمته أثواب السما، وقد ارتدى جلابب السحائب ولاث عمائم الغمائم، وابتسمت ثنايا شرفاته، واتسمت بالحسن حنايا غرفاته، وأشرق على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته السحائب بما ائتمنت عليه من ودائع أمطارها، والرمل بفنائه قد نثر تبره في زبرجد كرومه، والجو قد بعث إليه لطيمةً نسيمة، والنخل قد أظهرت جواهرها، ونثرت غدائرها، والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعد غيظاً من عبث الرياح به. فسئل وصف ذلك الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه، فجاشت لذلك لجج بحره، فألقت إليه جواهرها لترصيع لبة ذلك القصر ونحره، فقال:\rقصر بمدرجة النسيم تحدثت ... فيه الرياض بسرها المستور\rخفض الخورنق والسدير سموه ... وثنى قصور الروم ذات قصور\rلاث الغمام عمامة مسكيةً ... وأقام في أرضٍ من الكافور\rغنى الربيع به محاسن وجهه ... فافتر عن نورٍ يروق ونور\rفالروض يسحب حلةً من سندس ... تزهو بلؤلؤ طله المنثور\rوالنحل كالغيد الحسان تقرطت ... بسبائك المنظوم والمنثور\rوالرمل في حبك النسيم كأنما ... أبدى غصون سوالف المهجور\rوالبحر يرعد متنه فكأنه ... درع يشن بمعطفي مقرور\rوكأننا والقصر يجمع شملنا ... في الأفق بين كواكب وبدور\rوكذاك دهر بني خليف لم يزل ... يثني المعاطف في حبير حبور\rوأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطرسي المعروف بابن السيوري الإسكندري النحوي بما هذا معناه\rقال: كنت مع الأعز ابن قلاقس في جماعة، فمر بنا أبو الفضائل بن فتوح المصري وه عائد من المكتب، ومه دواته، وهو في تلك الأيام قرة العين ظرفاً وجمالاً، وراحة القلب قرباً ووصالا، كل عينٍ إلى وجهه محدقة، ولمشهد خديه بخلوق الخجل محملقة، فاقترحنا عليه أن يتغزل فيه، فصنع بديهاً:\rعلقته متعلقاً ... بالخط منعكفاً عليه\rحمل الدواة ولا دوا ... ء لعاشقٍ يرجى لديه\rفدماء حبات القلو ... ب تلوح صبغاً في يديه\rلم أدر ما أشكو إليه: ... أهجره أم مقلتيه؟\rوالحب يخرسني على ... أني ألكع سيبويه\rمالي إذا قابلته ... شغل سوى نظري إليه\rوأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني بدمشق\rقال: اصطحبت أنا والوزير أبو عبدا لله محمد بن الشيخ الأجل أبي الحسن بن عبد ربه حفيد صاحب كتاب العقد في مركب إلى الإسكندرية، فلما قربنا منها هاج علينا البحر حتى أشرفنا على الغرق، فلاح لنا ونحن على هذا الحال منار إسكندرية، فسررنا برؤيته، وطمعنا في السلامة، فقال لي: لابد أن أعمل في المنارة شيئاً، فقلت له: أعلى مثل هذا الحال الذي نحن فيه! قال: نعم، فقلت: فاصنع، فأطرق ثم عمل:","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"لله در منار الإسكندرية كم ... يسمو إليه على بعد من الحدق\rمن شامخ لأنف في عرنينه شمم ... كأنه باهت في دارة الأفق\rيكسر الموج منه جانبي رجلٍ ... مشمر لذيل لا ينجو من الغرق\rلا يبرح الدهر من ورد على سفن ... ما بين مصطبحٍ منها ومغتبق\rللمنشآت الجواري عند رؤيته ... كموقع النوم من أجفان ذي أرق\rتهوى إليه وعنه الفلك طائرة ... بمثل أجنحة صيغت من الخرق\rكأنه وعليه الفلك حائمة ... برج الحمام، فمن آتٍ ومنطلق\rوأخبرني القاضي الأسعد بن الخطير رحمه الله\rقال: أمرني الملك العزيز رحمه الله تعالى أن أصنع له في فرس أشهب قطعةً أشبهه فيها بالقمر في لونه وسرعته وقال رحمه الله: ان الناس شبهوه باشهاب والقمر اسرع أسرع جرياً منه فصنعت في الحال:\rوأشهب يقطع عر ... ض الأرض في لمح البصر\rما مثله في لونه ... وجريه إلا القمر\rوأخبرني القاضي الأسعد أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث\rقال: اجتمعا ليلة عند القاضي محيى الدين ولد قاضي القضاة صدر الدين بن درباس - رحمه الله - فتذاكرنا البديهة، فاقترح على أن أصنع له في شمعة كانت بين أيدينا، فصنعت:\rوأنيسةٍ باتت تساهر مقلتي ... تبكي وتبدي فعل صب عاشق\rسرقت دموعي والتهاب جوانحي ... فغدا لها بالقط قطع السارق\rوأخبرني الشريف أبو الفضل جعفر الشاعر المنبوز بالقرطم\rقال: لقيت القاضي النفيس أبا العباس أحمد بن عبد الغني القطرسي، وأنا عائد من الحمام، ومعي سطل نحاس أحمر، فمر بنا بعض الشعراء، فسألتهما أن يصنعا شعراً في صفة السطل، فصنع النففيس بديهاً:\rأنا كافل للري إن بخل الحيا ... ومهدي الحميا من مراشفي اللعس\rإذا حملتني راحة فكأنني ... هلال منيرٍ حامل كرة الشمس\rقال علي بن ظافر\rدخلت مع جماعة من أصحابنا على صديق لنا نعوده، وبين يديه بركة قد راق ماؤها، وصحت سماؤها، وقد رص تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضار، وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما رفعت صوالج فضة على كرات من النضار. فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقلت بديهاً:\rأبدعت يابن هلال في فسقيةٍ ... جاءت محاسنها بما لم يعهد\rعجباً لأمواه الدساتير التي ... فاضت على نارنجها المتوقد\rفكأنهن صوالج من فضةٍ ... رفعت لضرب كرات خالص عسجد\rقال ومن أعجب ما دهيت به ورميت إلا أن الله بفضله نصر وأعطى الظفر وأعان خاطري الكليل حتى مضى مضاء السيف الصقيل\rأني كنت في خدمة مولانا الملك العادل خلد الله ملكه بالإسكندرية، سنة إحدى وستمائة، مع من ضمته حاشية العسكر المنصور من الكتاب، ودخلت سنة اثنتين ونحن مقيمون بالخدمة، مرتضعون لأفاويق النعمة، فحضرت مع من حضر للهناء، من الفقهاء والعلماء والمشايخ والكبراء، وجماعة الديوان والأمراء، في يوم من أيام الجلوس للأحكام، والعرض لطوائف الأجناد بالتمام، فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من العسكر، إلا حضر مهنئاً، ومثل شاكراً وداعياً. فلما غص المجلس بأهله، وشرق بجمع الناس وحفله، وخرج مولانا السلطان - خلد الله ملكه - إلى محله، واستقر في دسته، أخرج كتاباً ناوله إلى الصاحب الأجل صفي الدين أبي محمد عبد الله بنعلي وزير دولته وكبير حملته، وهو مفضوض الختام، مفكوك الفدام، ففتحه فإذا فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظم - أبقاه الله - كتبها إليه يتشوقه ويستعطفه لزيارته ويرققه، ويستحث عود ركابه إلى الشام للمثاغرة بها وقمع عدوها، ويعرض بذكر مصر وشدة حرها ووقد جمرها، وذلك بعد أن كان وصل إلى خدمته بالثغور ثم رجع:\rأروى رماحك من دماء عداكا ... وانهب بخيلك من أطاع سواكا\rواركب خيولاً كالسعالي شزباً ... واضرب بسيفك من يشق عصاكا\rواجلب من الأبطال كل سميدعٍ ... يفري بعزمك كل من يشناكا\rواسترعف السمر اللدان وروها ... واسق المنية سيفك السفاكا","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"وسر الغداة إلى العداة مبادراً ... بالضرب في هام العدو دراكا\rوانكح رماحك للثغور فإنها ... مشتاقة أن تبتني بعلاكا\rفالعز في نصب الخيام على العدا ... تردى الطغاة وتدفع الملاكا\rوالنصر مقرون بهمتك التي ... قد أصبحت فوق السماك سماكا\rفإذا عزمت وجدت من هو طائع ... وإذا نهضت وجدت من يخشاكا\rوالنصر في الأعداء يوم كريهة ... أحلى من الكأس الذي رواكا\rوالعجز أن تمسي بمصر مخيماً ... وتحل من تلك العراص عراكا\rفأرح حشاشتك الكريمة من لظى ... مصرٍ لكي نحظى الغداة بذاكا\rفلقد غدا قلبي عليك بحرقةٍ ... شغفاً، ولا حر البلاد هناكا\rوانهض إلى راجي لقاك مسارعاً ... فمناى من كل الأمور لقاكا\rوابرد فؤاد المستهام بنظرةٍ ... وأعد عليه العيش من رؤياكا\rواشف الغداة غليل صب هائمٍ ... أضحى مناه من الحياة مناكا\rفسعادتي بالعادل الملك الذي ... ملك الملوك وقارن الأفلاكا\rفبقيت لي يا مالكي في غبطةٍ ... وجعلت في كل الأمور فداكا\rفلما تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها، وجلا منها العروس التي حازت من المحاسن أبعد غاياتها، أخذوا في استحسان نظامها، وتناسق غريب التئامها والثناء على الخاطر الذي نظم محكم ابياتها وأطلع من مشرق فكره آياتها. فقال السلطان - خلد الله ملكه: نريد من يجيب عنها بأبيات على قافيتها. فالتفت مسرعاً إلى وأنا على يمينه وقال: يا مولانا مملوكك فلان وهو فارس هذا الميدان، والمعتاد للتخلص في مضايق هذا الشان. ثم قطع وصلا من درج كان بين يديه، وألقاه إلي، وعمد إلى دواته فأدارها بين يدي، فقال السلطان - خلد الله ملكه - : على مثل هذه الحال؟ قال: نعم، أنا جربته فوجدته متقد الخاطر حاضر الذهن، سريع إجابة الفكر. فقال السلطان: وعلى كل حال، قم إلى هاهنا لتنكف عنك أبصار الناظرين، وتنقطع غاغاء الحاضرين. وأشار إلى مكان عن يمين البيت الخشب الذي هو منفرد به. فقمت وقد فقدت رجلي انخزالا، وذهني اختلالا، لهيبة المجلس في صدري، وكثرة من حضره من المترقبين لي، المنتظرين حلول فاقرة الشماتة بي، فما هو إلا أن جلست حتى ثاب إلى خاطري، وانثال الشعر على ضمائري، فكنت أرى فكري كالبازي الصيود، لايرى كلمة إلا أنشب فيها منسره، ولا معنى إلا شك فيه ظفره، فقلت في أسرع وقت:\rوصلت من الملك المعظم تحفة ... ملأت بفاخر درها الأسلاكا\rأبيات شعرٍ كالنجوم جلالةً ... فلذا حكت أوراقها الأفلاكا\rعجباً وقد جاءت كمثل الروض إذ ... لم تذوها بالحر نار ذكاكا\rجلت الهموم عن الفؤاد كمثل ما ... تجلو بغرة وجهك الأحلاكا\rكقميص يوسف إذ سفت يعقوب رباه، شفتني مثله رياكا\rقد أعجزت شعراء أهل زماننا ... حسناً فلم لا تعجز الأملاكا!\rما كان هذا الفضل يمكن مثله ... أن يحتويه من الأنام سواكا\rلم لا أغيب عن الشآم وهل له ... من حاجةٍ عندي وأنت هناكا\rأم كيف أخشى والبلاد جميعها ... محمية في جاه طعن قناكا\rيكفي الأعادي حر بأسك فيهم ... أضعاف ما يكفي الولي نداكا\rمازرت مصر لغير ضبط ثغورها ... فلذا صبرت فديت عن رؤياكا\rأم البلاد علا عليها قدرها ... لا سيما مذ شرفت بخطاكا\rطابت وحق لها ولم لا وهي قد ... حوت المعلى في الفخار أخاكا\rأنا كالسحاب أزور أرضاً ساقياً ... حيناً وأمنح غيرها سقياكا\rمكثي جهاد للعدو لأنني ... أغذوه بالرأى السديد دراكا\rلولا الرباط وفضله لقصدت بال ... سير الحثيث إليك نيل رضاكا\rولئن أتيت إلى الشآم فإنما ... يحتثني شوقي إلى لقياكا","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"إني لأمنحك المحبة جاهداً ... وهواي فيما تشتهيه هواكا\rفافخر فقد أصبحت بي وببأسك ال ... حامي وكل مملكٍ يخشاكا\rلا زلت تقهر من يعادي ملكنا ... أبداً، ومن عاداك كان فداكا\rوأعيش أنظر إبنك الباقي أباً ... وتعيش تخدم في السعود أباكا\rثم عدت إلى مكاني، وقد بيضتها وحليت بزهرها ساحة القرطاس الأبيض وروضتها. فلما رآني السلطان - خلد الله ملكه - قد عدت قال: أعملت شيئاً؟ ظنا منه أن العمل في تلك اللمحة متعذر، وبلوغ الغرض فيها غير متصور، فقلت: نعم، فقال: أنشدنا. فصمت الناس وحدقت الأبصار، وأصاخت الأسماع، وظن الناس بي الظنون، وترقبوا مني ما يكون. فما هو إلا أن توالي إنشادي حتى صفقت الأيدي إعجاباً، وتغامزت الأعين استغراباً، وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الملك الكامل بأنه المعلى إذ ضربت قداحهم، وسردت أمداحهم. اغرورقت عيناه لذكره، وبان منه نخفى المحبة فأعلن بسره. وحين انتهيت إلى آخرها فاض دمعه ولم يمكنه دفعه، فمد يده مستدعياً للورقة، فناولتها إلى يد الصاحب، فناولها له ثم نهض.\rوإنما حمل الصاحب على هذا الفعل الذي غرر بي في التعريض له، أمور كان يقترحها علي فأنفذ فيها بين يديه، ويخف الأمر منها على، لدالتي عليه؛ منها أنني كنت معه في سنة تسع وتسعين وخمسمائة بدمشق، فورد كتاب من الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة، وقد بعث صحبته نسخة من ديوان شعره، فتشاغل بتسويد كتابه جوابه، فلما كتب بعضه التفت إلي وقال: اصنع أبياتاً أكتبها إليه في صدر الجواب، وأذكر فيها شعره، فقلت له: على مثل هذا الحال؟ قال: نعم. فقلت: بقدر ما أنجز بقية النسخة:\rأيا ملكاً قد أوسع الناس نائلاً ... وأغرقهم بذلاً وعمهم عدلا\rفديناك هب للناس فضلاً يزينهم ... فقد حزت دون الناس كلهم الفضلا\rودونك فامنحهم من العلم والحجا ... كما منحتهم كفك الحود والبدلا\rإذا حزت أوفى الفضل عفواً فما الذي ... تركت لمن كان القريض له شغلا!\rوماذا عسى من ظل بالشعر قاصداً ... لبابك أن يأتي به قل أو جلا\rفلا زلت في عز يدوم ورفعة ... تحوز ثناءً يملأ الوعر والسهلا\rقال وكنت عند المولى الملك الأشراف أبقاه الله تعالى في سنة ثلاث وستمائة بالرها\rوقد وردت إليه في رسالة، فجعلني بين سمعه وبصره، وأنزلني في بعض دوره بالقلعة بحيث يقرب عليه حضوري في وقت طلبتي، أو إرادة الحديث معي. فلم أشعر في بعض الليالي - وأنا نائم في فراشي - إلا وهو قائم على رأسي، والسكر قد غلب عليه، والشموع تزهو بين يديه، وقد حفت به مماليكه كأنهم الأقمار الزواهر، في ملابس كرياض ذات أزاهر. فقمت مروعاً، فأمسكني وبادر بالجلوس إلى جانبي، ومنعني من القيام عن الوساد، وأبدى من جميله ما أبدلني بالنفاق بعد الكساد. ثم قال: غلبني الشوق إليك، ولم أرد بإزعاجك التثقيل عليك ثم استدعى من بمجلسه من المغنين فحضروا وأخذوا من الغناء فيما يملأ المسامع التذاذاً، ويجعل القلوب من الوجد جذاذا. وكان له في ذلك الوقت مملوكان هما نيرا سماء ملكه، وواسطتا در سلكه، وقطبا فلك طربه وزهوه، وركنا بيت سروره ولهوه، وكانا يتناوبان في خدمته، فحضر أحدهما في تلك الليلة وغاب الآخر، وكان كثيراً ما يداعبني في شأنهما، ويستدعي مني القول فيهما، والكلام في التفضيل بينهما، فصنعت في الوقت:\rيا مالكاً لم يحك سيرته ... ماضٍ ولا آتٍ من البشر\rاجمع لنا تفديك أنفسنا ... في الليل بين الشمس والقمر\rفطرب، وأمر في الحال باستدعاء الغائب منهما، فحضر، والنوم قد زاد أجفانه تفتيرا، ومعاطفه تكسيرا، فقلت بين يديه بديها في صفة المجلس:\rسقى الرحمن عصراً قد مضى لي ... بأكناف الرها صوب الغمام\rوليلاً باتت الأنوار فيه ... تعاون في مدافعة الظلام\rفنور من شموعٍ أو ندامى ... ونور من سقاةٍ أو مدام\rيطوف بأنجم الكاسات فيه ... سقاة مثل أقمار التمام","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"تريك به الكثوس جمود ماء ... فتحسب راحها ذوب الضرام\rيميل به غصوناً من قدودٍ ... غناء مثل أصوات الحمام\rفكم من موصلي فيه يشدو ... فينسى النفس عادية الحمام\rوكم من زلزلٍ للضرب فيه ... وكم للزمر فيه من زنام\rلدى موسى بن أيوب المرجي ... إذا ماضن غيث بانسجام\rومن كمظفر الدين المليك ال ... أجل الأشرف الندب الهمام\rفما شمس تقاس إلى نجوم ... تحاكي قدره بين الكرام\rفدام مخلداً في الملك يبقى ... إذا ما ضن دهر بالدوام\rفلما أنشدتها قام، فوضع فرجية من خاص ملابسه كنت عليه على كتفي، ووضع شربوسة بيده على رأس مملوك صغير كان لي.\r؟؟؟؟؟قال: ومررت أيضاً عليه وقد أنفذني السلطان خلد الله تعالى ملكه في رسالة إلى الموصل في سنة سبع وستمائة\rفلما عدت أمسكني عنده نحو شهر بالرها، وجرت لي عنده بدائه كثيرة، من جملتها أنه غنى بين يديه بشعر أعجمي ليس على أوزان العروض، فأعجبه واقترح على أن أصنع له على وزنه ليغني له به ما يفهمه، وأرسل إلي بذلك، فعملت في الوقت بالمعنى الذي اقترحه:\rمالذة المعنى ... إلا مدامته\rووصل من عليه ... قامت قيامته\rظبي صريعه ... ما ترجى سلامته\rوالٍ على غرامي ... دامت ولا يته\rفي السلم لينه ... وفي الهيجا صرامته\rكالسيف مقلتاه ... كالرمح قامته\rكالبدر وجهه ... والأصداغ هالته\rكالغصن حين تز ... هو به غلالته\rكالليث حين تب ... دو عليه لامته\rوليس مثل قلبي تخشى سآمته\rإن الوفاء منه ... والصبر عادته\rوولائمي عليه ... بانت لآمته\rكالريح لم تؤثر ... عندي ملامته\rفقم أدر شراباً ... لذت مرارته\rقد جلت الدياجي ... عنا إنارته\rفما السرور عندي ... إلا إدارته\rوأنفذته إليه وهو في مجلس أنه مع مملوك لي للوقت، فعاد مخلوعاً عليه خلعة خاصة\rالفصل الثاني\rفيما وقع من بدائع البدائه من غير اقتراح\rروى مرة أن بن محكان السعدي تميم\rقدم بين يدي مصعب بن الزبير أيام ولايته العراق لأخيه عبد الله بن الزبير - وأظن ذلك بعد وقعة الحرة، ودخول مصعب البصرة - فأمر رجلا من بني أسد بقتله، فقال مرة بن محكان بديهاً:\rبني أسدٍ إن تقتلوني تحاربوا ... تميماً إذا الحرب العوان اشمعلت\rولست وإن كانت إلى حبيبةً ... بباكٍ على الدنيا إذا ما تولت\rوذكر الطبري\rأن الوليد بن عبد الملك - أو سليمان - مضى إلى الحج، فلما وصل إلى المدينة أتى له بجماعة من أسرى الروم ففرقهم على أشرافها ليقتلوهم، فأعطى عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أسيراً منهم ليقتله، فقام وحسر عن ساعديه، وطلب سيفاً فلم يجسر أحد أن يعطيه سيفاً، فناوله بعض الحرس سيفاً كليلا، فضرب به الأسير ضربةً أطارت رأسه وبعض كتفه، فعجب الناس وقالوا: ما قطعها إلا حسبه. ثم أعطى أسيراً لجرير، فقام إليه بعض بني عبس سيفاً صارماً فضرب به الأسير فأطار رأسه، ثم أعطى أسيراً للفرزدق. فدس اليه بعض بني عبس سيفاً كهاماً ضرب به الأسير نباً فضحكوا وخجل الفرزدق ثم قال: يا أمير المؤمنين، هبه لي ففعل. فأعتقه، ثم قال مرتجلا يعتذر، ويعير بني عبس:\rفإن يك خان أو قدر نبا ... لتأخير نفسٍ حينها غير شاهد\rفسيف بني عبسٍ وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد\rكذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحياناً مناط القلائد\r- عيرهم بنبو سيف ورقاء بن زهير بن جذيمة عن رأس خالد بن جعفر الكلابي قاتل أبيه زهير، وقد كان ضربه عدة ضربات، وهو ملقٍ نفسه على زهير، فلم يصنع شيئاً، وفي ذلك يقول جرير يهجو الفرزدق:\rبسيف أبي رغوان سيف مجاشعٍ ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"فأجابه الفرزدق بقوله:\rولا تقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم\rوروى أنه سكر يوماً فتكشف فمرت به امرأة فسخرت منه\rفأنشأ يقول:\rوأنت لو باكرت مشمولةً ... صهباء مثل الفرس الأشقر\rعدت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر\rوروى أبو الغراف\rقال: إن الحجاج قال لجرير والفرزدق، وهو في قصره بجزيز البصرة: ائتياني في لباس آبائكما في الجاهلية؛ فلبس الفرزدق الديباج والخز، وقعد في قبة وشاور جرير دهاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: مالباس آبائنا إلا الحديد. فلبس درعاً، وتقلد سيفا، وتابط رمحاً، وركب فرساً لعباد بن الحصين الحبطى، وأقبل في أربعين فارساً، من بني يربوع، وجاء الفرزدق في هيئته، فقال جرير:\rلبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاح كرجٍ وخلاخله\rأعدوا مع الخز الملاب فإنما ... جرير لكم بعل وأنتم حلائله\rثم رجعا، فوقف جرير في مقبرة بني حصن، ووقف الفرزدق في المربد.\rوروى أن الحجاج لما أتى بالحكم بن المنذر الجارود\rقال: أنت الذي قال فيك الشاعر:\rياحكم بن المنذر الجارود ... سرادق العز عليكً ممدود\rقال: نعم، قال: والله لأجعلن سرادقك السجن، فقال الحكم مرتجلا:\rمتى ماأكن في السجن في حبس ماجدٍ ... فإني على ريب الزمان صبور\rفلو كنت النكث والغدر لم أجب ... دعاك؛ ولو منك الأمان غرور\rلقد كنت دهراً لا أخوف بالتي ... أخاف، ولايسطو على أمير\rفقال الحجاج: لله أبوك! إن زعارة العرب لبنية فيك؛ خلوا سبيله.\rوروى عن عبد الأعلى الشيباني أن حماد عجرد ومطيع ابن إياس اجتمعا في مجلس محمد بن خالد، وهو أمير الكوفة للسفاح، فتمازحا\rفقال حماد:\rيا مطيع يا مطيع ... أنت إنسان رقيع\rوعن الخير بطئ ... وإلى الشر سريع\rفقال مطيع:\rإن حماداً لئيم ... سفلة الأصل عديم\rلا تراه الدهر إلا ... بهن العير يهيم\rفقال له حماد: ويحك! أترميني بدائك! والله لولا كراهتي لتمادى الشر ولجاج الهجاء، لقلت لك قولا يبقى، ولكن لا أفسد مودتك، ولا أكافئك إلا بالمدح، ثم قال:\rكل شيء لي فداء ... لمطيع بن إياسٍ\rرجل مستملح في ... كل لينٍ وشماس\rعدل روحي بين جنبي ... وعيني وراسي\rغدس الله له ... كبدي أوفي غراس\rذاك إنسان له فضل على كل أناس\rوروى إسحاق الموصلي أن يحيى بن زياد الحارثي قال لمطيع بن إياس\rامض بنا إلى فلانة صديقتي، فإن بيني وبينها مغاضبة، لتصلح بيننا، ولكن - بئس المصلح أنت! فدخلا إليهما، وجعلا ملياً يتعاتبان ومطيع ساكت، حتى إذا أكثرا قال له يحيى: ما يسكتك أسكت الله نأمتك! فقال مطيع:\rأنت معتلة عليه وما زا ... ل مهيناً لنفسه في رضاك\rفأعجب يحيى ما سمع وهش، فقال مطيع:\rفدعيه وواصلي ابن إياسٍ ... جعلت روحه الغداة فداك\rفقام يحيى بوسادة في البيت، فما زال يصدع بها رأسه ويقول: ألهذا جئت بك يابن الزانية! ومطيع يغوث، والجارية تضحك منهما.\rوروى أن أبا دلامة تاب وعزم على الحج\rفلما صار بطبرتاباذ لقيه علج من الخمارين الذين كان يألفهم، اسمه أبو بشر، فدعاه إلى منزله وأضافه وأحضر له نبيذاً، فامتنع أبو دلامة منه وأخبره بتوبته، وما عزم عليه، فقال العلج: إنه مطبوخ، فشرب منه، فلم يلبث أن دبت فيه سورته، فرفع عقيرته وأنشد:\rسقاني أبو بشرٍ من الراح شربةً ... لها سورة ما ذقها لشراب\rوما طبخوها غير أن غلامهم ... مشى في نواحي كرمها بشهاب\rوروى انه كان منحرفاً عن علي بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس\rفاتفق أن خرج المهدي إلى الصيد، ومعه علي وأبو دلامة، فرمى المهدي ظبيا عن له فأنفذ مقاتله، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلباً من كلاب الصيد، فارتجل أبو دلامة:\rقد رمى المهدي ظبياً ... شك بالسهم فؤاده\rوعلى بن سليما ... ن رمى كلباً فصاده","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"فهنيئاً لهام ك ... ل فتىً يأكل زاده\rفخجل علي بن سليمان، وضحك المهدي، وأمر له بجائزة.\rوذكر دعبل بن علي\rقال: كان لأبي الشمقمق على بشار مائتا درهم في كل سنة، فأتاه أبو الشمقمق في بعض السنين فقال: هلم الجزية يا أبا معاذ، فقال: ويحك! أوجزية هي؟ قال: نعم هو ما تسمع، فقال له بشار يمازحه: أنت أفصح أو أحكم مني؟ قال: لا، قال: فلم أعطيك؟ قال: لئلا أهجوك، قال: لئن هجوتني لأهجونك، قال أبو الشمقمق: أو هكذا هو؟ قال: نعم ما بدالك. فقال أبو الشمقمق:\rإني إذا ما شاعر هاجانيه ... ولج في القول له لسانيه\rأدخلته في است أمه علانيه ... بشار يا بشار...\rأراد أن يقول: يا بن الزانية. فوثب إليه بشار وأمسك فاه، ثم قال: أراد والله أن يشتمني، ثم دفع إليه مائتي درهم وقال: لا يسمع هذا منك الصبيان.\rوروى أن أبا نواس لما وفد على الخصيب\rقال له مرة يمازحه وهو بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في قول الشعر، ولكنك لا تخطب، فقام من فوره وصعد المنبر وأنشد مرتجلا:\rمحضتكمم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصحٍ بنصيب\rرماكم أمير المؤمنين بحيةٍ ... أكولٍ لحيات البلاد شروب\rفإن يك باق سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب\rثم التفت إليه وقال: لا يأتى بها والله خطيب مصقع. فاعتذر إليه، وحلف أنه إنما كان يمازحه.\rوروى أنه كان تنزه مرة مع عيسى بن الرشيد بالقفص في أواخر شعبان\rفلما كان في اليوم الموفى ثلاثين قيل لأبي نواس: هذا يوم شك، وبعض الناس يصومه احتياطاً. فقال: ليس الشك حجة على اليقين، حدثنا أبو جعفر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته \" ، ثم التفت إلى عيسى وارتجل:\rلو شئت لم نبرح من القفص ... نشربها حمراء كالفص\rنسرق هذا اليوم من شهرنا ... فالله قد يعفو عن اللص\rوذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في أمثاله\rقال: حدثنا أبو سهل الحاسب، ونحن معه في بعض حوانيت الفسطاط، قال: كان أكثر قعود الحسن بن هانئ في هذا الحانوت، فمر به في بعض الأيام ابن عبد الحكم، وكان في يده سوط، فسلم علينا به، فقال الحسن:\rسلم السوط إذ مررت علينا ... فعلى السوط لا عليك السلام\rفقال ابن عبد الحكم لمن معه: من هذا؟ فقيل: هذا الحسن بن هانئ. فرجع إليه ونزل واعتذر، فقبل الحسن بن هانئ عذره وألطفه.\rوذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين\rأنه كان بالكرخ مغن يقال له أبو عمير، وكان له قيان حسان، وكان عبد الله بن محمد. أظنه التيمي - قد عشق جارية منهن، يقال لها عبادة فكان يغشى منزله وينفق فيه. ثم أضاق إضافة شديدة حملته على انقطاع عنهم، وكره أن يقصر عما كان عليه من برهم، ثم نازعته نفسه إلى لقائها وزيارتها، فأتاها فأصاب عندها جماعة ممن كان يألف منزل مولاها، فرحبت به الجارية وسيدها، واستبطئو زيارته وعاتبوه على تأخره عنهم، فجعل يجمجم في عذره، ولا يصرح، فلما سكر رفع عقيرته منشداً:\rلو تشكى أبو عمير قليلاً ... لأتيناه من طريق العياده\rوقضينا من الزيارة حقا ... ونظرنا لمقلتي عباده\rفقال له أبو عمير: مالي ولك يا بن أخي! انظر إلى مقلتي عبادة كيف شئت غير ممنوع...، ولا تتمن لي المرض.\rوذكر أيضاً فيه برواية تتصل بعلي بن هشام\rقال: قدمت على جدتي شاهك من خراسان، فقالت لي: اعرض على جواريك، فعرضتهن عليها، ثم جلسنا على الشراب، ومتيم تغني، فأطالت جدتي الجلوس عندنا، فلم أنبسط للجواري إجلالاً لها، فأخذت الدواة وصنعت في الحال، وكتبت به رقعة ورمت بها إلى متيم:\rأنبقى على هذا وأنت قريبة ... وقد منع الزوار بعض التكلم!\rسلام عليكم لا سلام مودعٍ ... ولكن سلام من محب متيم\rفأخذته ثم نهضت إلى الصلاة، وعادت وقد صنعت لحناً فغنته، ففطنت جدتي، وقالت: أظن أننا ثقلنا عليكم، وأمرت الخدم فحملوا محفتها، وأمرت للجواري بصلاتٍ، وأمرت لمتيم بثلاثين ألف درهم.\rأنبأني الفقيه النبيه","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"أبو الحسن المفضل علي بن الحسين المقدسي عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس البغدادي. قال: حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيري، حدثنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: لما وصل المأمون إلى بغداد، وقر بها، قال ليحيى ابن أكثم: وددت لووجدت رجلا مثل الأصمعي ممن يعرف أخبا العرب وأيامها وأشعارها، فيصحبني كما صحب الأصمعي الرشيد؛ فقال يحيى: ها هنا شيخ يعرف الأخبار، يقال له غياث بن ورقاء الشيباني، قال: أحضره، فلما حضر قال له يحيى: إن أمير المؤمنين يرغب في حضورك مجلسه فقال: أنا شيخ كبير، لاطاقة لي بذلك؛ لأنه قد ذهب مني الأطيبان، فقال له المأمون: لابد من ذلك؛ فقال الشيخ: فاسمع ما حضرني، وأنشد اقتضاباً:\rأبعد شيبي أصبو ... والشيب للمرء حرب\rشيب وسن وإثم ... أمر لعمرك صعب\rيابن الإمام فهلا ... أيام عودي رطب\rوإذ شفاء الغواني ... منى حديث وقرب\rوإذ مشى قليل ... ومنهل العيش عذب\rوالآن حين رأى بي ... عواذلي ما أحبوا\rآليت أشرب راحاً ... ماحج لله ركب\rفقال المأمون: اكتبوها بالذهب؛ وأمر له بجائزة وتركه.\rوبهذا الإسناد عن الحميدي\rقال: أخبرنا أبو محمد على بن أحمد، قال: أخبرنا عبد الله بن ربيع التيمي، قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي، قال: حدثني أبو معاذ عبدان الخوبي المتطبب، قال: دخلنا يوماً بسر من رأى علي عمرو بن بحر الجاحظ نعوده، وقد فلج، فلما أخذنا مجالسنا أتى رسول المتوكل إليه فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل، ولعاب سائل! ثم أقبل علينا فقال: ما تقولون في رجل له شقان، أحدهما لو غرر بالمسال ما أحسن، والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث! وأكثر ما أشكوه الثمانون، ثم أنشدنا بيتاً من قصيدة عوف بن ملحم الخزاعي. قال أبو معاذ: وكان سبب هذه القصيدة أن عوفاً دخل على عبد الله بن طاهر، فسلم علي عبد الله فلم يسمع فأعلم بذلك، فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة وأنشد:\rيابن الذي دان له المشرقان ... طرا وقد دان له المغربان\rإن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان\rوبدلتني بالشطاط الحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان\rوأبدلتني من زمان الفتى ... وهمتي هم الجبان الهدان\rوقاربت مني خطاً لم تكن ... مقارباتٍ وثنت من عنان\rوأنشأت بيني وبين الورى ... عنانةً من غير نسج العنان\rولم تدع في لمستمتعٍ ... إلا لساني، وبحسبي لسان\rأدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبي الهجان\rفقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان\rوقبل منعاي إلى نسوةٍ ... أوطانها حران والرقتان\rوذكر أن تميم بن جميل التغلبي عاث ببعض الأعمال\rفحمله مالك بن طوق إلى المعتصم، فلما قدم بين يديه، وأحضر السيف والنطع لقتله،رآه المعتصم جميلا وسيما، فاحب أن يعلم كيف منطقة، فقال له: تكلم، فقال بعد أن حمد الله تعالى ودعا للمعتصم: إن الذنوب تخرس الألسنة، وتعمي الأفئدة، وقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن، ولم يبق إلا العفو أو الانتقام، وأرجو أن يكون أقربهما مني وأسرعهما إليك، أشبهها بك، وأولاك يكرمك ألقيهما بك، ثم ارتجل:\rأرى الموت بين النطع والسيف كامناً ... يلاحظني من حيثما أتلفت\rوأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... ومن ذا الذي مما قضى الله يفلت\rوأي امرئ يدلي بعذرٍ وحجةٍ ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت!\rيعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل على السيف فيه وأسكت","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"وما جزعي من أن أموت، وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت\rولكن خلفي صبيةً قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت\rكأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا\rفإن عشت عاشوا سالمين بغبطةٍ ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا\rوكم قائل: لا يبعد الله داره ... وآخر جذلانٍ يسر ويشمت\rفعفا عنه المعتصم وقلده عملا.\rوهذه بديعة لو وقعت لمرو ثابت الجأش، مع طول المدة وحصول الأمن لكانت عظيمة، فكيف بالبديهة في هذه الساعة التي يحول فيها الجريض دون القريض، وحسبك بحال لم يقدر عبيد بن الأبرص فيها على الروية. وكذلك على بن الجهم قال ارتجالا وقد صلب:\rلم يغصبوا بالشاذياخ عشيةال ... إثنين مسبوقاً ولا مجهولا\rنصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... حسناً وملء قلوبهم تبجيلا\rما ضره أن بز عنه ثيابه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا\rوهذا من أحسن شعره وأبدعه.\rوروى عن خالد الكاتب أنه\rقال: دخلت الدير يوماً فإذا أنا بشاب مغلول مربوط إلى سارية، فملت إليه وسلمت عليه، فقال: من تكون؟ قلت: خالد الكاتب، قال: صاحب المقطعات؟ قلت: نعم، قال: أنشدني، فأنشدته:\rترشفت من شفتيه عقاراً ... وقبلت من خده جلنارا\rوعانت منه قضيباً رطيباً ... وردفاً مهيلاً وبدراً أنارا\rوعاينت من حسنه في الظلام ... إذا ما تبدى نهاراً جهارا\rفأطرق ثم أنشد:\rرب ليلٍ أمد من نفس العا ... شق طولاً قطعته بانتخاب\rونعيم ألذ من وصل معشو ... ق تبدلته بيوم عتاب\rقال خالد: فوالله إني منذ ثلاثين سنة لا أحسن إجازتهما.\rوروى أبو الفرج\rأن شحنة بغداد كسر نبيذاً كثيراً حتى ملأ الطريق، فمر به بكر بن خارجة، فلما رآه جلس يبكي فمر عليه بعض أصحابه، فسأله عن سبب بكائه، فقال بديهاً:\rيا لقومي لما جنى السلطان ... لم يكن للذي أهان هوان\rصبها في الطريق من حلب الكر ... م عقاراً كأنها زعفران\rصبها في مكان سوءٍ لقد أد ... رك سعد السعود ذاك المكان\rقال الكرماني: أنشدتها الجاحظ فقال: إن من حق الفتوة والمروءة ألا أكتبها إلا قائما، فعمدته لأنه كان مفلوجاً حتى كتبها.\rوذكر ابن العباس بن إبراهيم الصولي\rكان قد ولى بعض النواحي للمتوكل، فأخرج إليه أحمد بن المدبر جملة كبيرة، وجلسا للمناظرة بين يدي المتوكل، ولم يكن إبراهيم من رجال أحمد في كتابة الخراج، ولا واحدٍ من رجاله في البلاغة والشعر؛ فكاد يفتضح، فوقعت قضية للمتوكل أوجبت أن ارتجل إبراهيم:\rصد عني وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا\rأتراه يكون شهر صدودٍ ... وعلى وجهه رأيت الهلالا\rفطرب المتوكل، وأقره على عمله، وسوغه ما عليه.\rوذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين\rانه كان يعشق جارية لبعض الهاشميين يقال لها أمل، فدعا إخواناً له من أجلاء الكتاب، ودعاها ودعا قياناً غيرها، فحضروا وتأخرت، فتنغص عليه يومه من أجلها، ثم جاءت فسرى عنه، وطرب وشرب، وكتب ارتجالا:\rألم تريا يومنا إذ نأت ... فلم تأت من بين أترابها\rوقد غمرتنا دواعي السرور ... بإلهائها وبإطرابها\rومدت علينا خيام النعيم ... وكان المني بعض أطنابها\rونحن فتور إلى أن دنت ... وبدر الدجى بين أثوابها\rفلما نأت كيف كنا لها ... ولما دنت كيف صرنا بها\rوقرئت عليها الأبيات، فقالت: ليس الأمر كذلك، قد كنتم قبلي في لذة، وإنما تجملتم بهذا لما حضرت، فقال:\rيامن حنيني إليه ... ومن فؤادي لديه\rومن إذا غاب من بي ... نهم أسفت عليه\rمن غاب غيرك منهم ... فإذنه في يديه\rفرضيت عنهم، وأتموا يومهم.\rوحكى أن علي بن الجهم","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"قال: كنت بين يدي المتوكل، وقد أتاه رسول برأس إسحاق بن إسماعيل، فقال علي بن الجهم يخطر بين يدي الرسول، وهو يرتجز:\rأهلاً وسهلا بك من رسول ... جئت بما يشفى من الغليل\rبرأس إسحاق بن إسماعيل\rفقال المتوكل: التقطوا هذا الجوهر لا يضيع.\rقال علي بن ظافر: إسحاق بن إسماعيل هذا مولى لبني أمية، خرج بتفليس في سنة سبع وثلاثين ومائتين، حين وثب أهل أرمينية بعاملهم من جهة المتوكل يوسف بن محمد بن يوسف. وتولى قتل إسحاق هذا بغا الكبير في سنة سبع وثلاثين؛ ولم يكن بين اغتباط المتوكل بعلى هذا الاغتباط وبين نفيه إلا نحو سنة، لأنه نفاه إلى خرسان في سنة ثمان وثلاثين.\rوذكر ابن أبي طاهر في أخبار بغداد\rعن محمد بن عبدوس الفارسي أنه قال: سرت يوماً إلى علي بن الجهم، فأنشدني لنفسه في العناق:\rولم أنسى ليلاً ضمنا بعد فرقةٍ ... وأدنى فؤاداً من فؤادٍ معذب\rوبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الراح فيما بيننا لم تسرب\rفانقدح زني لإيراد مثله، فأطرقت وقلت بديهاً:\rلا والمنازل من نجدٍ وليلتنا ... بفيد إذ جسدانا في الهوى جسد\rكم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... سيراً فما أنفك لاخد ولا عضد\rما أنصفوني، دعوني فاستجبت لهم ... حتى إذا قربوني منهم بعدوا\rأنبأني المقدسي\rعن القيروان عن السرقسطي عن الحميدي، قال: حكوا أن عبد الله بن عاصم صاحب الشرطة كان أديباً شاعراً سريع البديهة، كثير النوادر من جلساء الأمير عبد الرحمن - ذكره غير واحد - وحكوا أنه دخل عليه في يوم غيم، وبين يديه غلام حسن المحاسن، جميل الزي، لين الأخلاق. فقال له: ما يصلح ليومنا هذا؟ فقال: عقار تنفر الذبان وتؤنس الغزلان، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤنة التحفظ وأرخي علي عنان التبسط، يديرها هذا الأغيد المليح. فضحك ثم أمر بالغناء وآلات الصهباء، فلما دارت الكئوس واستمطر الأمير نوادره واستطرد بوادره. وأشار إلى الغلام أن يلح عليه، فلما أكثر رفع رأسه إليه وقال على البديهة:\rيا حسن الوجه لا تكن صلفاً ... ما لحسان الوجوه والصلف\rتحسن أن تحسن القبيح ولا ... ترثي لصبٍ متيمٍ دنف\rفاستبدع الأمير بديهته، وأمر له ببدرة. ويقال إنه خيرة بينها وبين الوصيف فاختارها نفياً للظنة عنه.\rوذكر أن الخليع حضر مجلس المتوكل في جملة الندماء\rوقد كبر سنه، وضعف جسمه، وبين يديه شفيع خادمه ينضد ورداً، وعليه قراطق موردة، ولم يكن في عصره خادم أحسن منه، فأمره المتوكل أن يحييه بوردة، ويغمز يده ليحرك خاطره، ففعل فارتجل:\rوكالوردة البيضاء حيا بوردةٍ ... من الحمر يمشي في قراطق كالورد\rسقاني بعينيه وكفيه شربةً ... فأذكرني ما قد نسيت من العهد\rله عبثات عند كل تحيةٍ ... بكفيه تستدعي الخلي إلى الوجد\rسقى الله دهراً لم أبت فيه ليلةً ... من الدهر إلا من حبيب على وعد\rقال علي بن ظافر\rوهذه الحكاية تشبه حكاية ذكرها الفتح ابن خاقان في قلائد العقيان أوردتها ها هنا قاطعاً ترتيب الحكايات طلباً للمجانسة حتى إذا نجزت عدنا لترتيب الأخبار على ترتيب الأعصار، قال الفتح بن خاقان: أخبرني الوزير أبو عامر بن يشتغير أنه حضر مجلس القائد أبي عيسى بن لبون في يوم سفرت فيه أوجه المسرات، ونامت عنه أعين المضرات، وأظهر سقاته غصونا تحمل بدوراً، وتطوف من المدام بنار مازحت من الماء نوراً، وشموس الكاسات تشرق في أكف سقاتها كالورد في السوسان، وتغرب بين أقاحي نجوم الثغور فتذبل نرجس الأجفان. وعنده الوزير أبو الحسن بن الحاج اللورقي، وهو يومئذٍ قد بذل الجهد، في التحلي بالزهد، فأمر القائد ساقيه أن يعرض عليه ذهب كاسه، ويحييه بزبرجد آسه، ويغازله بطرفه، ويميل عليه بعطفه، ففعل ذلك عجلا، فأنشد أبو الحسن مرتجلا:\rومهفهفٍ مزج الفتور بشدة ... وأقام بين تبذلٍ وتمنع\rيثنيه من فعل المدامة والصبا ... سكران: سكر طبيعةٍ وتصنع\rوالله لو لا أن يقال هوى الهوى ... منه بفضل عزيمةٍ وتمنع","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"لأخذت في تلك السبيل بمأخذي ... فيما مضى ونزعت فيها منزعي\rأخبرنا المسكي\rعن السلفي، عن جعفر بن أحمد بن السراج، وابن يعلان الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجستاني،قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، حدثنا أبو الجود العروضي، عن جحظة البرمكي، قال: حدثنا أبو عبادة البحتري الشاعر - وكان المتوكل أدخله في ندمائه - قال: دخلت على المتوكل يوماً، فرأيت في يديه درتين، ما رأيت أشرق من نورهما، ولا أنقى بياضاً ولا أكبر، فأدمت النظر إليهما، ولم أصرف طرفي عنهما، ورآني المتوكل، فرمى إلى التي كانت في يده اليمنى، فقبلت الأرض، وجعلت أفكر فيما يضحكه طمعاً في الأخرى، فعن لي أن قلت:\rبسرمرا لنا إمام ... تغرف من كفه البحار\rخليفة يرتجى ويخشى ... كأنه جنة ونار\rالملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار\rيداه في الجود ضرتان ... هذي على هذه تغار\rوليس تأتي اليمين شيئاً ... إلا أتت مثله اليسار\rفرمى بالدرة التي كانت في يده اليسار وقال: خذها يا عيار.\rوحكى النميري\rقال: كنت عند الأمير عبد الله بن المعتز وعنده قينة قبيحة الصورة، فجعلت أتبرم بها، وجعل يظهر شغفاً بها وعشقاً لها، ليغايظني بذلك، فلما اشتد غيظي منه خلوت به فقلت له: نشدتك الله أيها الأمير، أعشقتها؟ فقال مضاحكاً: نعم، فقلت: ألست ترى قبح وجهها وسماجة خلقها! فارتجل:\rقلبي وثاب إلى ذا وذا ... ليس يرى شيئأً فيأباه\rيهيم بالحسن كما ينبغي ... ويرحم القبح فيهواه\rفسكت عنه تعجباً من سرعة بديهته.\rوروى أنه جاء يوماً إلى أبي العباس ثعلب أحمد بن يحيى وهو في المسجد الجامع ليسلم عليه\rفقام إليه هو والحاضرون، وأجلسه مكانه، فداس قلماً فكسره، فقال:\rلكفي وتر عند رجلي لأنها ... أبادت قتيلاً مالأعظمه جبر\rفعجبوا من بديهته وحسنها.\rقال يزيد الرياضي في كتابه في الأمثال\rسمعت أبا الطيب الكاتب يقول: ذكر المازري أنه كان في مجلس ابن المعتز، وغلام على رأسه يذب، فوقعت المذبة على رأس بعض الجلساء، فقال ابن المعتز:\rقل لمن ذب ذب نفسك عنا ... حسبنا منك، أو فحسبك منا\rحدثنا المسكي، بالإسناد المتقدم عن النجيرمي\rقال: حدثنا العروضي، عن الصولي وذكره. وبهذا الإسناد عن أبي الحسن بندقة، قال: أنشدنا عبد الله بن المعتز بيتي أبي نواس في الخمر وهما:\rوعاشقٍ دنفٍ نبهته سحراً ... فقام للكأس والصهباء قاصطبحا\rودارت الكأس من صهباء صافيةٍ ... فما حسا قدحاً إلا بكى قدحا\rفاستمد فكتب:\rوقهوةٍ كشعاع الشمس صافيةٍ ... مثل السراب يرى من دقةٍ شبحا\rإذا تعاطيتها لم تدر من دهشٍ ... راحاً بلا قدحٍ أعطيت أم قدحا\rقال يزيد الرياضي: حدثنا أبو عبد الله الكرماني\rقال: حدثنا الصولي قال: ذكر المرادي أنه كان في بعض الأيام عند ابن المعتز على شراب، فأكثر القوم كلامهم، فقال:\rإذا فتح القوم أفواههم ... لغير شرابٍ ولا مطعم\rفلا خير فيهم لشرب المدام ... فدعهم يناموا مع النوم\rقال: وذكر المرادي أنه دخل إليه يهنيه ببرء من علة\rفقال:\rأتاني برء لم أكن واثقاً به ... كحل أسير فك بعد وثاقه\rوكان لأحد بني المنجم جارية صفراء مولدة، فبلغ به الوجد بها إلى أن مرض ونحل، فدخل عليه الطبيب فجسه، فقال: هذا الفتى قد أحرقته الصفراء، فقال: أصبت وأحسنت من حيث لا تشعر، واستدعى دواة وكتب في الحال:\rقال الطبيب وقد تبين سحنتي ... قد أحرقت هذا الفتى الصفراء\rفعجبت منه إذ أصاب وما درى ... والحق أبلج ليس فيه مراء\rومثل هذه الحكاية ما روى من أن العباس الفارسي\rكان يهوى مدام الشاعرة الكوفية، وكان مداوماً للشرب، فاعتل واشتدت حماه، فدخل عليه صديق له طبيب يكنى بأبي بشر، فجس يده فوجد حماه حادة، فقال له: ما يتلفك إلا مداومتك مدامك. فقال للوقت:","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"عجبت من قول أبي بشر ... وقوله ضرب من السحر\rمدامك الهلك فلا تكثرن منها وأني لي بالكثر!\rأصابك في اللفظ ولكنه ... أخطأ في المعنى ولم يدر\rقال القاضي علي التنوخي في كتاب النشوان، أخبرني أبي\rقال: حدثني المعوج الرقي، قال: كبا الفرس ببدر الجمالي فافتصد، فدخلت عليه فأنشدته أبياتاً عملتها في الحال وهي:\rلا ذنب للطرف إن زلت قوائمه ... وليس يلحقه من عائب دنس\rحملت بأساً وجوداً فوقه وندى ... وليس يقوى لهذا كله الفرس\rقالوا افتصدت فما عقل العلا معها ... خوفاً عليك ولا نفس بها نفس\rكف الطبيب دعا كفا نقبلها ... ونطلب الرزق منها حين ينحبس\rقال: وحدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم\rقال حدثني أبي قال: كنا في دعوة أبي علي الحسن بن مروان الكاتب، وحضر فيها الوزير أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي، وهو إذ ذاك يخلف أبا جعفر الصيمري على الأمر ببغداد، فغنت الرقية زوج أبي علي صوتاً من وراء الستارة أحسنت فيه، فأخذ المهلبي الدواة، فكتب في الحال بديهاً وأنشدها لنفسه:\rذات غني في الغناء من نغمٍ ... تنفق في الصوت منه إسرافا\rكأنها فارس على فرسٍ ... ينظر في الجرى منه أعطافا\rوروى أن نصر بن أحمد الخبز أرزي دخل على أبي الحسن ابن المثني في أثر حريق المربد\rفقال له: هل قلت في هذا شيئاً؟ فقال: ما قلت، ولكن أنشدك ارتجالا.\rأتتكم شهود الهوى تشهد ... فما تستطيعون أن تجحدوا\rجرى نفسي صعداً بينكم ... فأحرق من ذلك المربد\rوهاجت رياح حنيني لكم ... فظلت بها ناره توقد\rولولا أدمعي لم يكن ... حريقكم أبداً يخمد\rومثل هذا ما رويناه بالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة\rقال: ذكر سليمان بن محمد الصقلي، قال: كان بسوسة إفريقية رجل ظريف يهوى غلاماً، فتجنى الغلام عليه، فبينما هو ذات ليلة يشرب منفردا، وقد غلب عليه السكر، خطر بباله أن يأخذ قبس نار فيحرق به داره، ففعل، ووضع النار في الباب فاحترق، فاتفق أن رآه بعض الجيران، فخرج أهل الدار فأطفئوا الحريق، ولما أصبحوا حملوه إلى القاضي، فسأله: لم فعل؟ فأنشأ يقول:\rلما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي\rولم أجد من هواه بدا ... ولا معيناً على السهاد\rحملت نفسي على وقوفي ... ببابه حملة الجواد\rفطار من بعض نار قلبي ... أقل من لمعة الزناد\rفأحرق الباب دون علمي ... ولم يكن ذاك في مرادي\rفاستظرفه القاضي واستلطفه، وغرم عنه أرش ما أتلفه.\rأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي المقدسي\rعن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن عبد الله محمد بن أبي عبد الله الحافظ الحميدي، قال أخبرني أحمد بن قاسم، جار لنا كان بالمغرب، أن عبد الملك بن إدريس الحريري كان ليلة بين يدي المنصور بن أبي عامر، والقمر يبدو تارة ويخفيه السحاب تارة أخرى، فارتجل:\rأرى بدر السماء يلوح حينا ... فيبدو ثم يلتحف السحابا\rوذلك أنه لما تبدي ... وأبصر وجهك استحيا فغابا\rمقال لو نمى عني إليه ... لراجعني بتصديقي جوابا\rوبهذا الإسناد\rقال الحميدي: حضر عقيل بن نصر مجلساً فيه أحداث من الكتاب، فاختلفوا في شيء من الآداب إلى أن أفضى نهم ذلك إلى السباب، فقال عقيل على البديهة، وأنشدنيها بعض الرؤساء ولم يعلم قائلها:\rتعس الزمان لقد أتى بعجائبٍ ... ومحا رسوم الفضل والآداب\rوأتى بكتابٍ لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب\rأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن صمدون الصوري","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"عن الإمام الحافظ السلفي، عن أبي غالب شجاع بن فارس الرملي، عن أبي منصور محمد المالكي البصري، عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأكفاني البصري قال: خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني و أبي الحسين بن لنكك وأبي عبد الله المفجع، وابن الحسين السباك في بطالة العيد، فمشوا حتى انتهوا إلى نصر بن أحمد الخبز أرزي، وهو جالس يخبز على طائفة، فجلسوا عنده ثم قاموا عند تزايد الدخان، فقال نصر لابن لنسكك: متى أراك يا أبا الحسين؟ فقال له أبو الحسين. إذا اتسخت ثيابي - وكانت ثيابهم جدداً قد لبسوها للتجمل بها في العيد - فمشينا في سكة بني سمرة، حتى انتهينا إلى دار أحمد بن المثني، فجلس أبو الحسين بن لنكك وقال: يا أصحابنا إن نصراً لا يخلى هذا المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله، ونحن نبدؤه قبل أن يبدأنا، واستدعى بدواة وكتب إليه:\rلنصرٍ في فؤادي فرط حب ... يزيد به علي كل الصحاب\rقصدناه فبخرنا بخوراً ... من السعف المدخن للثياب\rفقال: متى أراك أبا حسينٍ؟ ... فقلت له: إذا اتسخت ثيابي\rوأنقذ الأبيات إلى نصر، فأملى جوابها في الحال، فقرأناه فإذا هو قد أجاب:\rمنحت أبا الحسين صميم ودي ... فداعبني بألفاظٍ عذاب\rأتى وثيابه كقتير شيبٍ ... فعدن له كريعان الشباب\rوقلت متى أراك أبا حسين؟ ... فجاوبني: إذا اتسخت ثيابي\rفإن يكن التقذر فيه فخر ... فلم يكنى الوصي أبا تراب!\rوذكر الباخرزي في كتاب دمية القصر\rقال: حدثني أبو محمد الحسن بن علي الجوهري ببغداد، قال: أنشدت أبا القاسم الصوري بيتين، كان أبوعبد الله عمر بن يحيى ادعاهما لنفسه في مجلس المهلبي الوزير، فأنكر أبو الفرج الأصبهاني ذلك، وأخرجهما في أناشيد ثعلب وهما:\rأقول لها إذ بت في أسر قومها ... وجامعتي عن منكبي تضيق\rلما سرني أن بت عني بعيدة ... وأني من هذا الإسار طليق\rثم قلت له: أهما أحسن أم بيتان عملتهما في المعنى، وهما:\rأقول لها والحي قد نذروا بنا ... ومالي متأثر المنون براح\rلما ساءني أن وشحتني سيوفهم ... وأنك لي دون الوشاح وشاح\rفأمسك ساعة ولم يجب، ثم عمل في الحال وأنشدنيه:\rألا مرحباً بالأسر يا أم مالكٍ ... وجامعتي والقد منه قريني\rإذا كنت في كسر الخباء قريبةً ... تحسين مني لوعتي وأنيني\rوعمل أيضاً في الحال وأنشدنيه:\rأقول وقد هز القنالي قوامها ... ومالي من بين الأسنة مذهب\rألا ليت نحري للأسنة ملعب ... وكفي في بحر ابنة القوم يلعب\rقال وحدثني أبو إسحاق النجيرمي\rعند كافور الإخشيدي، فدخل عليه أبو الفضل بن عياش فقال: أدام الله أيام مولانا، وكسر الميم فتبسم كافور إلى أبي إسحاق، ففطن لذلك، فقال ارتجالا:\rلا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... وغص من دهشٍ بالريق والبهر\rفمثل سيدنا حالت مهابته ... بين الأديب وبين القول بالحصر\rوإن يكن خفض الأيام من دهش ... في موضع النصب لا من قلة البصر\rفقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... والفأل مأثوره عن سيد البشر\rبأن أيامه خفض بلا نصبٍ ... وأن دولته صفو بلا كدر\rفأمر له بثلمائة دينار وللنجيرمي بمائتين.\rوذكر صاحب اليتيمة\rوقد ذكرنا الإسناد إليه فيما سبق من الكتاب - أنه قدم إلى عضد الدولة فنا خسرو جام بهطة بيضاء عليها لوز منصف، وكان ينادمه رجل من أهل الأدب، قلما يحضر شيء على المائدة إلا قال فيه شعراً له أو لغيره، فاستدعى منه عضد الدولة أن يصفها فأرتج عليه، فارتجل عضد الدولة:\rبهطة تعجز عن وصفها ... يا مدعي الأوصاف بالزور\rكأنها في الجام غذ زينت ... لآلي في ماء كافور\rوشرب السري الموصلي يوماً مع جماعة من أصحابه\rبالقفص في حانةٍ لبعض الخمارين، فأقاموا نهارهم يديرون من الكئوس شعلا يلهبها الماء ويزول برشفها الظماء، وبين أيديهم أسد قد نظم من الورد، فقال السري بديهاً:","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"رب أيامٍ على القفص لنا ... لانرى مثلها طول الأبد\rغيضة ريحاننا الغض بها ... أسد من غابة الورد ورد\rما رأى الناس ندامي قبلنا ... شربوا الراح على وجه الأسد\rقال علي بن ظافر: ذكرت بهذا قول ابن الخياط الدمشقي بديهاً في مثله:\rلنا أسد ورد سبانا به الهوى ... وما كان يهوى قبله الأسد الورد\rله وردة حمراء في فيه غضة ... يرى عادياً منها وإن كان لايعدو\rكليثٍ قريبٍ بالفريسة عهده ... فباقي دم المفروس في فمه يبدو\rوحكى أبو الفضل الهمذاني\rقال: قال الصاحب يوماً لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس: لايقدر أحد أن يزور على أبي فراس شعراً، فقلت: ومن يقدر أن يزور عليه وهو الذي يقول - وارتجلت:\rرويدك لا تصل يدها بباعك ... ولا تعن السباع على رباعك\rولا تعن العدو على إني ... يمين إن قطعت، فمن ذراعك\rفقال الصاحب: صدقت، فقلت: أيد الله مولانا، قد فعلت.\rوروى ابن الصابي في كتاب الوزراء\rقال: كان في مجلس الصاحب متكلم يعرف بابن الحضيري، فغلبه النوم يوماً في المجلس، فكانت منه فلتة، فقام خجلا، فقال فيه الصاحب ارتجالا:\rيا ابن الحضيري لا تذهب على خجل ... من ضرطةٍ أشبهت ناياً على عود\rفإنها الريح لا تسطيع تحبسها ... إذ أنت لست سليمان بن داود\rوأنبأني ذو النسبتين الحافظ أبو الخطاب بن دحية\rعن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خير بقراءته عليه - عن الحافظ أبي القاسم خلف ابن يوسف الشنتريني - عرف بابن الأبرش، - بقراءته على أبي الحسن على ابن بسام، قال: كان أبو العلاء صاعد اللغوي البغدادي كثيراً مل يمدح بلاد العراق بمجلس المنصور بن أبي عامر كفيل المؤيد هشام صاحب الأندلس، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك بن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد صاحب الغرائب الماضية في هذا الكتاب إلى المنصور في يوم برد، وكان أخص وزرائه:\rأما ترى برد يومنا هذا ... صيرنا للكمون أفذاذا\rقد فطرت صحة الكبود به ... حتى لكادت تعود أفلاذا\rفادع بنا للشمول مصطلياً ... نغذ سيراً إليك إغذاذا\rوادع المسمى بها وصاحبه ... تدع نبيلاً وتدع أستاذا\rولا تبالي أبا العلاء زها ... بخمر قطربلٍ وكلواذا\rما دام من أرملاط مشربنا ... دع دير عمي وطير ناباذا\rوكان المنصور في ذلك اليوم قد عزم على الانفراد بحرمه، فأمر باحضار من جرى رسمه من الوزراء والندماء، وأحضر ابن شهيد في محفة - لنقرس كان يعتاده - وأخذوا في شأنهم، فمر لهم يوم لم يعهدوا مثله، وعلا الطرب وسما بهم حتى تهايجوا ورقصوا بالنوبة، حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد، فأقامه الوزير أبو عبد الله بن عباس فجعل يرقص وهو متوكئ عليه وارتجل قائلا:\rهاك شيخاً فاده عذر لكا ... قام في رقصته مستهلكاً\rلم يطق يرقصها مستثبتاً ... فغدا يرقصها مستمسكا\rعاقه عن هزها منفرداً ... نقرس أخنى عليه فاتكا\rمن وزير فيهم رقاصةٍ ... قام للسكر يناغي ملكا\rأنا لو كنت كما تعهدني ... قمت إجلالا على رأسي لكا\rقهقة الإبريق مني ضاحكاً ... ورأى رعشة رجلي فبكى\rوهذه قطعة مطبوعة وطرفها الأخير واسطتها. وكان قد حضرهم ذلك اليوم رجل بغدادي يعرف بالكك، كان حسن النادرة سريعها، وكان ابن شهيد أحضره إلى المنصور فاستطبعه وارتبطه، فلما رأى ابن شهيد يرقص قائماً مع ألم المرض الذي كان منعه من الحركة قال: لله درك يا وزير ترقص قائماً وتصلي قاعداً: فضحك المنصور، وأمر لابن شهيد بما جزيل ولسائر الجماعة وللكك.\rوبالإسناد أيضاً قال ابن بسام\rودخل صاعد اللغوي يوماً على المنصور وعليه ثياب جدد وخف جديد، فمشى على جانب البركة لازدحام الحاضرين في الصحن، فزلقت رجله فسقط في الماء، فضحك المنصور وأخرج، وقد كان البرد يقضى عليه، فلما نظر إليه أمر له بثياب وأدنى مجلسه، وقال يا أبا العلاء قل في سقطتك، فأطرق ثم قال:","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"شيئان كانا في الزمان عجيبةً ... ضرط ابن وهبٍ ثم سقطة صاعد\rفاستبرد ما أتى به، وكان أبو مروان الجزيري الكاتب حاضراً فقال:\rسروري بغرتك المشرقة ... وديمة راحتك المغدقه\rثناني نشوان حتى سقطت ... في لجة البركة المغرقه\rلئن ظل عبدك فيها الغريق ... فجودك من قبلها أغرقه\rفقال: لله درك! قسناك بأهل العراق ففضلتهم، فبمن نقيسك بعد؟\rوبالإسناد قال ابن بسام\rوحدث أبو بكر محمد بن أحمد ابن حعفر بن عثمان، قال: دخلت يوماً على أبي عامر - قال علي بن ظافر: يعني ابن شهيد - وقد ابتدأت به علته التي مات بها، فأنس بي، وجرى الحديث إلى أن شكوت إليه تجني بعض أصحابي علي ونفاره مني، فقال لي: سأسعى في إصلاح ذات البين. فخرجت عنه، فلقيت ذلك المتجني علي مع بعض إخواني وأعزهم علي، فتجنبتهما فسأله عن السبب الموجب فأخبره، فمشى حتى أدركني وعزم علي في مكالمته، وتعاتبنا عتاباً أرق من الهوى، وأشهى من الماء على الظما، حتى جئنا دار أبي عامر، فلما رآنا جميعاً ضحك وقال: من كان هذا الذي تولى إصلاح ماكنا سررنا بفساده؟ قلنا: قد كان ما كان. ثم أطرق قليلا وأنشد:\rمن لا أسمى ولا أبوح به ... أصلح بيني وبين من أهوى\rأرسلت من كان الهوى فدرى ... كيف يداوي مواقع البلوى\rولي حقوق في الحب ثابتة ... لكن إلفي يعدها دعوى\rقال علي بن ظافر\rوذكر ابن خاقان في كتاب مطمح الأنفس ما معناه: إن أبا عامر كان مع جماعة من أصحابه بجامع قرطبة في ليلة السابع والعشرين، فمرت بهم امرأة من بنات أجلاء قرطبة، قد كملت حسناً وظرفاً، ومعها طفل يتبعها كالظبية تستتبع خشفاً، وقد حفت بها الجواري كالبدر حف بالدراري. فحين رأت تلك الجماعة، المعروفة بالخلاعة، ورمقوا الظبي بعيون أسود رأت فريسة، ارتاعت وتخوفت أن يخطف منها تلك الدرة النفيسة، فاستدنت إليها حشفها، وألزمته عطفها، فارتجل ابن شهيد قائلاً:\rوداعيةٍ تحت طي القناع ... دعاها إلى الله بالخير داع\rأتت بابنها تبتغي منزلاً ... لوصل التبتل والإنقطاع\rفجاءت تهادي كمثل الرءوم ... تراعى غزالا بروض اليفاع\rأتتنا تبختر في مشيها ... فحلت بوادٍ كثير السباع\rوجالت بأكنافه جولةً ... فحل الربيع بتلك البقاع\rوريعت حذاراً على طفلها ... فناديت: يا هذه لا تراعى!\rغزالك تفرق منه الليوث ... وتهرب منه كماة المصاع\rفولت وللمسك من ذيلها ... على الأرض خط كخط الشجاع\rأنبأني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي\rعن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أخبرنا أبو الحسن الراشدي، عن أبي عامر بن شهيد أن عبد الله بن فاكان الشاعر تناول نرجسة، فركبها في وردة، ثم قال له ولصاعد - قال علي بن ظافر: يعني أبا العلاء صاعداً اللغوي المقدم ذكره - : صفاها، فأفحما ولم يتجه لهما القول؛ فبيناهم على ذلك إذ دخل الزهيري - قال علي بن ظافر: يعني صاحب أبي العلاء صاعد وتلميذه، وكان أديباً شاعراً أمياً لا يقرأ ولا يكتب - فلما استقر به المجلس أخبر بما هم فيه، فجعل يضحك ويقول بغير روية:\rما للأديبين قد أعيتهما ... مليحة من ملح الجنة\rنرجسة في وردةٍ ركبت ... كمقلةٍ تنظر في وجنه\rوبهذا الإسناد عن الحميدي قال: أخبرني الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن راشد الراشدي\rقال: لما نعيت أبا عامر بن شهيد إلى ابن الخياط الشاعر - وقد عرفت ما كان بينهما من المنافسة - بكى وأنشدني لنفسه بديهةً:\rلما نعى الناعي أبا عامرٍ ... أيقنت أني لست بالصابر\rأودى فتى الظرف وترب الندى ... وسيد الأول والآخر\rوبهذا الإسناد قال الحميدي\rوذكر أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوباً الأديب الشاعر النحوي قال بديهةً في وصف ناعورة.","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"وذات حنينٍ ما تغيض جفونها ... من اللجج الخضر الصوافي على شط\rوتبكي فتحي من دموع عيونها ... لآلي رياضٍ بالأزهر في بسط\rفمن أحمرٍ قانٍ وأصفر فاقعٍ ... وأزهر مبيض وأدكن مشمط\rكأن ظروف الماء من فوق متنها ... لآلي جمانٍ قد نظمن على قرط\rأنبأني ذو النسبتين الحافظ\rأن دحية، عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خبر بقراءته عليه، عن الفقيه الحافظ أبي القاسم خلف الشنتريني عرف بابن الأبرش - بقراءته على أبي الحسن على بن بسام، قال: أمر الحاجب المنذر بن يحيى النجيبي صاحب سرقسطة بعرض الجند في بعض الأيام، وأميرهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال، فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادتهم في ذلك، فقال ابن هند الدانى فيه ارتجالا:\rأعن بابلٍ أجفان عينيك تنفث ... ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث\rأفي الحق أن تحكى إسرافيل نافخاً ... وأمكث في رمس الصدود وألبث\rعساك خيار الناس تأتي بآيةٍ ... فتنفخ في ميت الغرام فيبعث\rقال وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له\rفقال صاحبه: إنه لصبيح لولا صفرة فيه، فقال ابن فرج ارتجالا:\rقالوا به صفرة عابت محاسنه ... فقلت: ما ذاك من عيب به نزلا\rعيناه تطلب في آثار من قتلت ... فلست تلقاه إلا خائفاً وجلا\rقال وكان يوماً مع لمةٍ من أهل الأدب في مجلس أنس\rفاحتاج رب المنزل إلى دينار، فوجه من يأتيه به من السوق، فدخل غلام من الصيارف في نهاية الجمال، فرمى بالدينار إليهم من فيه مماجناً، فقال ابن فرج بديهاً:\rأبصرت ديناراً بكف مهفهف ... يزهى به من كثرة الإعجاب\rأومى به من فيه ثم رمى به ... فكأنه بدر رمى بشهاب\rوذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في سريرة الألباب وذخيرة الكتاب\rقال: دخلت يوما ديوان الإنشاء بمصر ، ومتوليه ولي الدولة ابن خيران ، فلم أجده في الديوان، إلا أني وجدت الكتاب على رسمهم ، والناس على جارى عاداتهم، وإذا سراويله ملقى على طراحة، فجلست أنتظره ، فلم أشعر إلا وقد فتح خزانة وخرج، وقدامه غلام صقلي، كأن الشمس على صفحته، والغصن في قامته، منكسر الأجفان مطرقها ، مورد الوجنة عرقها، وحين وصل الى الطراحة ، لبس السراويل وارتجل:\rأنا ممن لايرى للنفس إلا بالصلاح\rلاتداوى علة الإنتعاظ إلا بالنكاح\rفعلم الحاضرون أنه كان يفسق به، فأطبقوا عند الخروج على لعنه.\rوذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في هذا الكتاب\rقال : دخلت على الوزير الحسين بن علي بن الحسين ابن المغربي أيام وزارته لشرف الدولة أبي علي الديلمي ، وبيدي جزء من شعر شداد بن إبراهيم الخبز أرزى المعروف بالطاهر ، فسألني عنه فأخبرته ، فاستنشدني فأنشدته :\rيامنكراً شغفني به ... ومكذباً طول اشتياقي\rفي أي أحوال تشك ... فهن أحوال السياق\rأمدامعي أم ضر جسمي ... أم ضناي أم احتراقي\rكل إذا أنصفتني ... حجج عليك بما ألاقي\rفاستحسن القطعة، وصنع في الحال:\rالله يعلم أنني ... ألتذ فيكم باشتياقي\rوأكاد من أنس التذكر لا أذم يد الفراق\rوأغض طرفي بعدما ... ملأته غزلان العراق\rوأقر من خجل العتا ... ب إلى مغالطة العناق\rوأخبرني ابن المقدسي قال: أخبرني الشيخ الإمام الحافظ السلفي\rقال: سمعت أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي يقول: سمعت القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري يقول: كتبت إلى أبي العلاء المعري حين وافى بغداد:\rوما ذات در لا يحل لحالبٍ ... تناوله واللحم منها محلل\rلمن شاء في الحالين حياً وميتاً ... ومن شاء شرب الدر فهو مضلل\rإذا بلغت في السن فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع معقل\rوخرفانها للأكل فيها كراهة ... فما لحصيف الرأي فيهن مأكل\rوما يجتني معناه إلا مبرز ... عليم بأسرار القلوب محصل","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"فأجابني وأملي على الرسول في الحال ارتجالا:\rجوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب وبعض القائلين مضلل\rفمن ظنه كرماً فليس بكاذب ... ومن ظنه بخلاً فليس يجهل\rلحومهما الأعناب والرطب الذي ... هو الحل والدار الرحيق المسلسل\rولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تعاف وغصن الكرم يجنى ويؤكل\rيكلفنا القاضي الجليل مسائلاً ... هي النجم قدراً بل أعز وأطول\rولو لم أجب عنها لكنت بجهلها ... جديراً ولكن من يجيبك يقبل\rفأجبته ثانياً بقولي:\rأثار ضميري من يعز نظيره ... من الناس طراً بل أعز وأفضل\rتساوي له سر المعاني وجهرها ... وسائرها بادٍ لديه مفصل\rومن قلبه كل العلوم بأسرها ... وخاطره في حدة النار تشعل\rولما أثار الحب قاد صنيعه ... أسيراً بأنواع البيان يكبل\rوقربة من كل فهمٍ بكشفه ... وإيضاحه حتى رآه المغفل\rوأعجب منه نظمه الدر مسرعاً ... ومرتجلاً من غير ما يتمهل\rفيخرج من بحرٍ ويسمو مكانه ... جلالاً إلى حيث الكواكب تنزل\rفهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه والعمر منها مطول\rفأجابني مرتجلا وأملاه في الحال:\rألا أيها القاضي الذي بدهائه ... سيوف على أهل الضلال تسلل\rفؤادك معمور من العلم آهل ... وجدك في كل المسائل مقبل\rفإن كنت بين الناس غير ممولٍ ... فأنت من الفهم المصون ممول\rإذا أنت خاصمت الخصوم مجادلاً ... فأنت وهم مثل الحمائم أجدل\rكأنك علم الشافعي مخاطباً ... ومن قلبه تملي فما تتمهل\rوكيف يرى علم ابن إدريس دارساً ... وأنت بإيضاح الهدى متكفل\rتفضلت حتى ضاق ذرعي تكرماً ... فقلت وكفى عن جوابك أجمل\rلأنك في كنه الثرياً فصاحةً ... وأعلى، ومن يبغى مكانك أسفل\rفعذري في أني أحببتك واثقاً ... بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل\rوأخطأت في إنقاذ رقعتك التي ... هي المجد لي منها أخير وأول\rولكن عداني أن أروم احتفاظها ... رسولك، وهو الفاضل المتفضل\rومن حقها أن يصبح المسك غامراً ... لها وهي في أعلى المنازل تجعل\rفمن كان في أشعاره متمثلاً ... فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل\rتجملت الدنيا بأنك فوقها ... ومثلك حقاً من به يتجمل\rوبالإسناد المتقدم عن ابن بسام صاحب كتاب الذخيرة\rقال: ذكر أبو عبد الله الصفار الصقلي، قال: كان بالقيروان غلام وضيء، كان يختلف إلى أبي علي حسن بن رشيق، فكان يحذره من المخالطة، فخرج يوماً يتنزه مع جماعته، فأشيع عنه ما ينكر، وبلغ أبا علي، فقال بديهاً:\rيا سوء ما حاءت به الحال ... إن كان ما قالوا كما قالوا\rما أحذق الناس يصوغ الخنا ... صيغ من الخاتم خلخال\rوقد كان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي يهوى فتىً ببغداد\rوينكر حبه، والغلام يعرف شدة وجده به وكلفه؛ فدمعت عينا أبي الفضل يوماً، فقال الغلام: دمعك شاهد عليك، فارتجل أبو الفضل:\rوهبني قد أنكرت حبك جملةً ... وهونت من نفسي العزيزة سخطها\rفمن أين لي في الحب جرح شهادةٍ ... سقامي أملاها، ودمعي خطها\rقال: وكان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدرامي ليلة مع بعض أصحابه وبين أيديهم شمعة، فأفضى حديثهم إلى وصفها فأطرق بعضهم ليصنع فيها، فبدره أبو الفضل فقال:\rذهبنا فأذهبنا الهموم بشمعةٍ ... غنينا بها عن طلعة الشمس والبدر\rأقول وجسمي ذائب مثل جسمها ... ودمعتها تجري كما دمعتي تجري\rكلانا لعمري ذوب نارٍ من الهوى ... فنارك من حمرٍ وناري من هجر","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"وأنت على ما قد تقاسين من أذى ... فصدرك في نارٍ وناري في صدري\rقال علي بن ظافر: وهذا مثل قول الأعمى التطيلي في شمعة:\rبآية ما تبكي وفي النار صدرها ... وقد جمدت عيناي والنار في صدري\rوبالإسناد المتقدم قال ابن بسام\rاصطبح المعتصم بن صمادح يوماً مع ندمائه فأبرز لهم وصيفة مهدوية متصرفة في أنواع اللعب، وحضر أيضاً هناك لاعب مصري ساحر، فكان لعبه حسنا، فارتجل أبو عبد الله ابن الحداد قائلا:\rكذا فلتلح قمراً زاهرا ... وتجنى الهوى ناضراً ناظرا\rوإن ليومك ذا رونقاً ... منيراً كنور الضحى باهرا\rوسيبك صيب ندى مغدقٍ ... أقام لنا هامياً هامراً\rصباح اصطباحٍ بإسفاره ... لحظنا محيا العلا سافرا\rوأطلعت فيه نجوم الكئوس ... فما زال كوكبها زاهرا\rوأسمعتنا لاحناً فاتناً ... وأحضرتنا لاعباً ساحرا\rيرفرف فوق رءوس القيان ... فننظر ما يذهل الناظرا\rويخطفها ذيل سرباله ... فننظر طالعها غائرا\rفظاهرها ينثني باطناً ... وباطنها ينثني ظاهرا\rوثناه ثانٍ لألعابه ... دقائق تثني الحجا حائرا\rوفي سورة الراح من سحره ... خواطر دلهت الخاطرا\rإذا ورد اللحظ أثناءها ... فما الوهم عن وردها صادرا\rومن حسن دهرك إبداعه ... فما انفك عارضها ماطرا\rوسعدك يجتلب المغربات ... فيجعل غائبها حاضرا\rوحضر الأديب أحمد بن الشفاق المنعوت بالمنفتل عند القائد ابن دري بجيان هو وأبو زيد بن مقانا الأشبوني\rفأحضر لهما عنباً أسود مغطى بورق أخضر، فارتجل المنفتل:\rعنب تطلع من حشى ورقٍ لنا ... صبغت غلائل جلده بالإثمد\rفكأنه من بينهن كواكب ... كسفت فلاحت في سماء زبرجد\rقال وحضر ابن مرزقان ليلة عند ذي النون بن خلدون وبحضرته وصيفة تحمل شمعة فاستحسنها ابن مرزقان\rفقال بديهاً:\rيا شمعةً تحملها أخرى ... كأنها شمس علت بدرا\rامتحنت إحداهما مهجتي ... بمثل ماتمتحن الأخرى\rقال ودخل الأديب غانم يوماً على باديس بن حيوس صاحب غرناطة فوسع له على ضيق في المجلس\rفقال بديهاً:\rصير فؤادك للمحبوب منزلةً ... سم الخياط مجال للمحبين\rولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلما تسع الدنيا بغيضين\rوإنما نظم ما روى من أن الخليل بن أحمد دخل عليه بعض أصدقائه وهو على نمرقة صغيرة، فرحب به وأجلسه في مكانه، فقال له الرجل: إنها لا تسعنا، فقال له الخليل: ما تضايق سم الخياط بمتحابين، ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين.\rوخرج الأديب أبو الحسن علي بن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة فتذكر إشبيلية فقال بديهاً\rذكرتك يا حمص ذكرى هوىً ... أمات الحسود وتعنيته\rكأنك والشمس عند الغروب ... عروس من الحسن منحوته\rغدا النهر عقدك والطود تا ... جك والشمس أعلاه ياقوته\rقال علي بن ظافر\rوذكر صاحب قلائد العقيان ما هذا معناه: أن المستعين بالله أحمد بن المؤتمن بن هود الجذامي صاحب سرقسطة والثغور، ركب نهر سرقسطة يوماً لتفقد بعض معاقله المنتظمة بجيد ساحله، وهو نهر رق ماؤه وراق، وأزرى على نيل مصر ودجلة والعراق، قد اكتنفته البساتين من جانبه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد عين الشمس أن تنظر إليه، هذا على اتساع عرضه، وبعد سطح الماء من أرضه. وقد توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الطفاوة للغزالة، وقد أعدوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف حتى حوت السماء، وأهلة الهالات طالعة من الموج في سحاب، وقانصة من بنات الماء كل طائرة كالشهاب، فلا ترى إلا صيوداً كصيد الصوارم، وقدود اللهاذم، ومعاصم الأبكار النواعم؛ فقال الوزير أبو الفضل ابن حسداي، والطرب قد استهواه، وبديع ذلك المرأى استرق هواه:","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"لله يوم أنيق واضح الغرر ... مفضض مذهب الآصال والبكر\rكأنما الدهر لما ساء أعتبنا ... فيه بعتبى وأبدى صفح معتذر\rنسير في زورقٍ حف السفين به ... من جانبيه بمنظومٍ ومنتثر\rمد الشراع به نشراً على ملك ... بذ الأوائل في أيامه الأخر\rهو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مؤتمنٍ في هدي مقتدر\rتحوى السفينة منه آيةً عجبا ... بحر تجمع حتى صار في نهر\rتثار من قعره النينان مصعدةً ... صيداً كما ظفر الغواص بالدرر\rوللندامى به عب ومرتشف ... كالراح يعذب في وردٍ وفي صدر\rوالشرب في ود مولى خلقه زهر ... يذكو وبهجته أبهى من القمر\rقال علي بن ظافر: قوله: نينان غير معروف فإن نوناً لم يجئ جمعها نينان، وقد كان سيبويه لحن بشار بن برد في قوله وصف السفينة:\rتلاعب نينان البحور وربما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري\rفغيره بشار بتيار البحور، وقد قال أبو الطيب يصف خيلا:\rفهن مع السيدان في البحر عسل وهن مع النينان في البحر عوم\rوجلس المعتمد بن عباد يوماً فأنشد بعض جلسائه قول أبي الطيب\rإذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ ... أثاب بها معيي المطي ورزامه\rفاستبدعه المعتمد واستحسنه، وجعله أبدع ما للمتنبي وأحسنه، فارتجل عبد الجليل بن وهبون المرسي.\rلئن جاد شعرا بين الحسين فإنه ... يجود العطايا واللها تفتح اللها\rتنبأ عجباً بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها\rفاستحسن المعتمد وأمر له بمائتي دينار.\rوجلس يوماً والبزاة تعرض عليه، فاستحث الشعراء في وصفها\rفقال عبد الجليل بديهاً:\rللصيد قبلك سنة مأثورة ... لكنها بك أبدع الأشياء\rتمضي البزاة وكلنا أمضيتها ... عارضها بخواطر الشعراء\rقال علي بن ظافر\rذكر صاحب قلائد العقيان ما معناه: خرج ابن وهبون يوماً لنظر هلال شوال وأبو بكر بن القبطرنة الوزير يسايره؛ وهو يومئذٍ غلام يخجل البدر، ويزرى بالغصن النضر، وصفحته لم يسطرها الذار بأنفاسه، ووردة خده لم يسترها الشعر بآسه، فارتجل عبد الجليل:\rيا هلال استتر بوجهك عني ... إن مولاك آخذ بشمال\rهبك تكي سناه خدا بخد ... قم فجئني لقده بمثال\rوبالإسناد المقدم قال ابن بسام\rأخبرني الحكيم النديم المطرب الإشبيلي، قال: حضرت مجلس الرشيد بن المعتمد بن عباد، وعنده الوزير أبو بكر بن عمار: فلما دارت الكئوس، وتمكن الأنس، وغنيت أصواتاً ذهب الطرب بابن عامر كل مذهب، فارتجل يخاطب الرشيد:\rما ضر أن قيل إسحاق وموصله ... ها أنت، وذي حمص وإسحاق\rأنت الرشيد فدع من قد سمعت به ... وإن تشابه أخلاق وأعراق\rلله درك داركها مشعشةً ... واحفر فساقك ما قامت به ساق\rقال وساير ابن عمار في بعض أسفاره\rوكان معه غلامان من بني جهور أحدهما أشقر العذار، والآخر أخضره، فجعل يميل بحديثه إلى المخضر العذار، فقال ارتجالا:\rتعلقته جهوري النجار ... وحلو اللمي جوهري الثنايا\rمن النفر البيض جرد الزمان ... رقاق الحواشي كرام السجايا\rولا غرو أن تغرب الشارقات ... وتبقى محاسنها بالعشايا\rولا وصل إلا جمان الحديث ... تساقطه من ظهور المطايا\rشنئت المثلث للزعفران ... وملت إلى خضرة في التفايا\rقال علي بن ظافر: ومعنى هذا البيت أنه أبغض المثلث، لدخول لزعفران فيه، لشبهه بعذار الأشقر منهما، وأحب خضرة التفايا، وهي لون من طعام يعمل بالكزبرة، لشبهها بعذار الأخضر منهما.\rقال علي بن ظافر","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"وذكر صاحب قلائد العقبان ما معناه أن ابن عمار تنزه بالدمشق بقرطبة، وهو قصر شيده خلفاء بني أمية وزخرفوه، ودفعوا صرف الدهر عنه وصرفوه، وأجروه على إرادتهم وصرفوه، وذهبوا سقفه وفضضوها، ورخموا أرضه وروضوها، فبات به والسعد يلحظه بطرفه، والروض يحييه بعرفه، فلما استنفد كافور الصبح مسك الغسق، ورصع أبنوس الظلام نضار الشفق، قال مرتجلا:\rكل قصرٍ غير الدمشق يذم ... فيه طاب الحيا وفاح المشم\rمنظر رائق وماء نمير ... وثرى عاطر وقصر أشم\rبت فيه والفجر والليل عندي ... عنبر أشهب ومسك أحم\rوقال علي بن ظافر\rوأخبرني الفقيه أبو العرب إسماعيل ابن معوشة الكناني السبتي، قال: أخبرني شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عباد، وكان عليه من آثار كبر السن ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق، وينطق بأن قوله الحق. قال: كنت في صباي حسن الصورة بديع الخلقة لا تلمحني عين أحد إلا ملكت قلبه، وخلست خلبه، وسلبت لبه، وأطلت كربه، فبينا أنا واقف على باب دارنا، إذا الوزير أبي بكر بن عمار قد أقبل في موكب زجل على فرس كالصخرة الصماء قدت من قنة الجبل، فحين حاذاني ورآني، أشرأب إلي ينظرني، وبهت يتأملني، ثم دفع بمخصرة كانت في يده في صدري، وأنشد:\rكف هذا النهد عني ... فبقلبي منه جرح\rهو في صدرك نهد ... وهو في صدري رمح\rقال علي بن ظافر\rوذكر الفتح بن خاقان في كتاب القلائد ما معناه قال: أخبرني ذو الوزارتين أبو المطرف بن عبد العزيز أنه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى فبه الجو أشقر برقة، ورمى ببندق ودقة، وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها، وتميلت قامات الغصون في الحلل الخضر من أوراقها، والأزهار قد تفتحت عيونها، والكمائم قد ظهر مكنونها، والأشجار قد انصقلت بمداوس القطر، ونشرت ما يفوق ألوان البز وبثت ما يعلو أرواح العطر، والراح قد أشرقت نجومها في بروج الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفاً فكاد يسيل من إهابه، وأخجل خده حسناً فتكلل يعرق حبابه؛ إذا بفتىً رومي من فتيان المؤتمن أقبل متدرعاً، كالبدر اجتاب سحاباً، والخمر اكتست حباباً، والطاووس انقلب حبابا، فهو ملك حسناً إلا أنه جسد، وغزال ليناً إلا أنه في هيئة أسد، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عول فيه عليه، وأمره أن يتوجه إليه، فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمار، والسكر قد استحوذ على لبه، وانبثت سراياه في نواحي قلبه. فأشار إليه وقربه، واستبدع ذلك اللباس واستغربه، وجد في أن يستخرج الدرة من ماء ذلك الدلاص، وأن يجلي عنه سهكه كما يجلي عنه الخبث عن الخلاص، وأن يوفر على ذلك الوفر نعمة جسمه، ويكون هو الساقي على عادته القديمة ورسمه، فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله، واحتذاء مثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها ورميت شياطين النفوس من كمت المدام بشهبها ارتجل ابن عمار يقول:\rوهويته يسقي المدام كأنه ... قمر يدور بكوكبٍ في مجلس\rمتناوح الحركات يبدي عطفه ... كالغصن هزته الصبا يتنفس\rيسقي بكأسٍ في أنامل سوسنٍ ... ويدير أخرى من محاجر نرجس\rأيا حامل السيف الطويل نجاده ... ومصرف الفرس القصير المحبس\rإياك بادرة الوغى من فارسٍ ... خشن القناع على عذارٍ أملس\rجهمٍ وإن كشف القناع فإنما ... كشف الظلام عن النهار المشمس\rيطغى ويلعب في دلال عذاره ... كالمهر يلعب في اللجام المخرس\rسلم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس\rعنا بكأسك قد كفتنا مقلة ... حوراء قائمة بسكر المجلس\rوصنع فيه أيضاً:\rوأحور من ظباء الروم عاطٍ ... بسالفتيه من دمعي فريد\rقسا قلباً وشن عليه درعاً ... فباطنه وظاهره حديد\rبكيت وقد دنا ونأى رضاه ... وقد يبكي من الطرب الجليد\rوإن فتى تملكه برقٍ ... وأحرز حسنه لفتى سعيد\rوبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد بن عباد يوماً وقد حمل إليه حمول وافرة من قراريط الفضة، فأمر له بكيسين منها، وكان بين يديه تماثيل عنبر، من جملتها جمل مرصع بالذهب واللآلي، فقال له أبو العرب معرضًا: ما يحمل هذين الكيسين إلا جمل، فتبسم المعتمد وأمر له به، فقال أبو العرب بديهاً:\rأجديتني جملا جوناً شفعت به ... حملاً من الفضة البيضاء لو حملا\rيناخ جودك في أعطان مكرمةٍ ... لا قد تعرف من منعٍ ولا عقلا\rفاعجب بشأني فشأني كله عجب ... رفهتني فحملت الحمل والجملا\rفسارت بهذا الركائب، وتهادته المشارق والمغارب.\rقال ابن بسام\rوكان في قصر المعتمد فيل من فضة على شاطئ بركة يقذف الماء، وهو الذي يقول فيه عبد الجليل بن وهبون المرسي من بعض قصيدة:\rويفرغ فيه مثل النصل بدع ... من الأفيال لا يشكو ملالا\rرعى رطب اللجين فجاء صلدا ... تراه قلما يخشى هزالا\rفجلس المعتمد يوماً على تلك البركة، والماء يجري من ذلك الفيل، وقد أوقدت شمعتان من جانبيه، والوزير أبو بكر بن الملح عنده، فصنع الوزير فيهما عدة مقاطيع بديهاً منها:\rومشعلين من الأضواء قد قرنا ... بالماء والماء بالدولاب منزوف\rلاحا لعيني كالنجمين، بينهما ... خط المجرة ممدود ومعطوف\rوقال أيضاً:\rكأنما النار فوق الشمعتين سناً ... والماء من نافذ الأنبوب منسكب\rغمامة تحت جنح الليل هامعة ... في جانبيها حفاف البرق يضطرب\rوقال أيضاً:\rوأنبوب ماءٍ بين نارين ضمنا ... هوى لكئوس الراح تحت الغياهب\rكأن اندفاع الماء بالماء حية ... يحركها في الماء لمع الحباحب\rوقال أيضاً:\rكأن سراجي شربهم في التظائها ... وأنبوب ماء الفيل في سيلانه\rكريم تولى كبره من كليهما ... لئيمان في إنفاقه يعذلانه\rقال علي بن ظافر\rخرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوماً إلى بعض منزهاته فحل بروضة قد سفرت عن وجهها البهيج، وتنفست من مسكها الأريج، وماست معاطف أغصانها، وتكللت بلآلئ الطل أجياد قضبانها، فتشوق إلى الوزير أبي طالب بن غانم أحد وزراء دولته، وسيوف صولته، يكتب إليه بديهاً في وريقة كرنب بعود من شجرة:\rأقبل أبا طالبٍ إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا\rفنحن عقد بغير وسطى ... ما لم تكن حاضراً لدينا\rوجلس يوماً وبين يديه ساقية\rقد أخمدت ببردها حر الأوار، والتوى ماؤها التواء السوار، فقال ارتجالا:\rانظر إلى الماء كيف انحط في صببه ... كأنه أرقش قد جد في هربه\rوقال علي بن ظافر\rوذكر الفتح ما معناه، قال: خرج الوزراء بنو القبطرنة إلى المنية المسماة بالبديع، وهو روض قد اخضرت مسارح نباته، واخضلت مساري هباته، ودمعت بماء الطل عيون أزهاره، وذاب على زبرجده بلور أنهاره، وتجمعت فيه المحاسن المتفرقة، وأضحت مقل الحوادث عنه مطرقة، فخيول النسيم تركض في ميادينه فلا تكبو، ونصول السواقي تصول لحسم أدواء الشجر فلا تنبو، والزروع قد ثقبت وجه الثرى، وحجبت الأرض عن العيون فلا تبصر ولا ترى. وكان المتوكل ابن الأفطس يعده غاية الأدب، ويعده منبهة للطرب ومدفعة للكرب، فباتوا ليلتهم يديرون لمع لهب، ينمنون فيه الخلود ويحتسون ذوب ذهب، لا يصهر به ما في بطونهم والجلود، حتى تركتهم ابنة الخابية، كأنهم أعجاز نخل خاوية. فلما هزم رومى الصباح زنجي الظلام، ونادى الديك: حي على المدام، انتبه كبيرهم أبو محمد مستعجلاً، وأنشد مرتجلا:\rيا شقيقي واف الصباح بوجهٍ ... ستر الليل نوره وبهاؤه\rفانتبه واغتنم مسرة يومٍ ... ليس يدري بما يجيء مساؤه\rفانتبه أخوه أبو بكر لصوته، وتخوف لذهاب ذلك الوقت وفوته، وانتبه أخوهما أبو الحسن وهو يرتجل:\rيا أخي قم تر النسيم عليلا ... باكر الراح والمدام شمولا\rلاتنم واغتنم مسرة يومٍ ... إن تحت التراب نوماً طويلا\rفانتبه أخوه لكلامه، رافضاً لذة منامه للذة قيامه، وقال مرتجلا:","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"يا صاحبي ذرا لومي ومعتبتي ... وبادرا قهوةً من خير ما ذخرا\rوبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خمر وتبدي في غدٍ خبرا\rقال علي بن ظافر\rوركب الأستاذ أبو محمد بن صارة مع أصحابٍ له في نهر إشبيلية، سال أصيلها على لجين الماء عقباناً، وطارت زوارقها في سماء الماء عقباناً، وأبدى نسيمها من الأمواج والدارات سرراً وأعكانا، ففي زورق يجول جولان الطرف، ويسود اسوداد الطرف، فقال بديهاً:\rتأمل حالنا والجو طلق ... محياه وقد طفل المساء\rوقد جالت بنا عذراء حبلى ... تجاذب مرطها ريح رخاء\rبنهر كالسجنجل كوثري ... تعبس وجهها فيه السماء\rواتفق أن وقف أبو إسحاق بن خفاجة على القطعة، فاستظرفها واستطابها، فقال يعارضها على وزنها ورويها وطريقها، فأنشد:\rألا يا حبذا ضحك الحميا ... بحانها وقد عبس المساء\rوأدهم من جياد الماء نهدٍ ... تنسازع حبله ريح رخاء\rإذا بدت الكواكب فيه غرقي ... رأيت الأرض تحسدها السماء\rوذكر ابن خفاجة في ديوان شعره\rوقد أنبأني به ذو النسبتين الحافظ ابن الخطاب بن دحية إجازة، قال: صاحبت في دهري من الغرب سنة ثلاث وثمانين أبا محمد عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد، وكان أبو حفص بن رشيق يومئذ قد تمنع ببعض حصون مرسية، وشرع في الشقاق، وقطع السبيل وإخافة الطريق. ولما حاذينا قلعته وقسد احتدمت جمرة الهجير، ومل الراكب رسيمه وذميله، فأخذ كل منا يرتاد مقيله، اتفقنا على ألا نطعم طعاماً، ولا نذوق مناماً، حتى نقول في صورة تلك الحال، وذلك الترحال، ما حضر، وشاء الله أن أجبل ابن وهبون فاعتذر، فقلت أريض نار نزوته، وأعرض بعظيم لحيته:\rألا قل للمريض القلب مهلاً ... فإن السيف قد ضمن الشفاء\rولم أر كالنفاق شكاة حر ... ولا كدم الوريد له دواء\rوقد دحى النجيع هناك أرضاً ... وقد سمك العجاج به سماء\rوديس به انحطاطاً بطن وادٍ ... قد اعشب شعر لحيته ضراء\rوقال ابن خفاجة\rوحضرت يوماً مع أصحاب لي، ومعهم صبي متهم في نفسه، واتفق أنهم تباروا في تفضيل الرمان على العنب، فانبرى ذلك الصبي، فأفرط في تفضيل العنب، فقلت بديهاً أعبث به:\rصلني لك الخير برمانةٍ ... لم تنتقل عن كرم العهد\rلا عنباً أمتص عنقوده ... ثديا كأني بعد في المهد\rوهل ترى بينهما نسبةً ... من عدل الخصية بالنهد!\rفخجل خجلا شديداً وانصرف.\rقال وخرجت يوماً بشاطبة إلى باب السمارين\rابتغاء الفرجة على خرير الماء بتلك الساقية، وذلك سنة ثمانين وأربعمائة، وإذا بالفقيه أبي عمران بن أبي تليد - رحمه الله قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالساً على مصطبة دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه وجلست إليه متأنساً به، فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق:\rيا من يمر ولا تمر به القلوب من الحرق\rبعمامةٍ من خده ... أو خده منها استرق\rفكأنه وكأنها ... قمر تعمم بالشفق\rفإذا بدا وإذا انثنى ... وإذا رنا وإذا نطق\rشغل الخواطر والجوا ... رح والمسامع والحدق\rفقلت: - وقد أعجبت بها جداً، وأثنى عليها كثيراً: أحسن ما في القطمة سياقة الأعداد والاستنزال، لكنه قد استرسل فلم يقابل بين أطراف البيت الأخير، والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد مناه ما يلائمه، وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله: وإذا نطق قوله شغل الحدق، وكأنه نازعني القول في أن هذا غاية الجهل، فقلت بديهاً:\rومهفهفٍ طاوى الحشى ... خنث المعاطف والنظر\rملأ العيون بصورةٍ ... تليت محاسنها سور\rفإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر\rفصح الغزالة والنعا ... مة والحمامة والقمر\rفجن بها.\rقال علي بن ظافر: والقطعة الأولى ليست لابن رشيق، هي لأبي الحسين بن علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة.\rوبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"أن أبا عبد الله بن أبي الخصال وقف ببعض القضاة، واستأذن عليه فحجبه، فكتب إليه بديهاً:\rجئناك للحاجة الممطول صاحبها ... وأنت تنعم، والإخوان في بوس\rوقد وقفنا طويلا عند بابكم ... ثم افترقنا على رأي ابن عبدوس\rأشار بهذا القول إلى قول الوزير أبي عامر بن عبدوس:\rلنا قاض له خلق ... أقل ذميمه النزق\rإذا جئناه يحجبنا ... فنلعنة ونفترق\rقال ابن بسام\rكان أبو عبد الله بن عائشة البلنسي مع ابن خفاجة في جماعة مع أهل الأدب، تحت دوحة خوخ منورة، فهبت ريح أسقطت عليهم بعض زهر، فقال ابن عائشة ارتجالا:\rودوحةٍ قد علت سماءً ... تطلع أزهارها نجوما\rهفا نسيم الصبا عليها ... فخلتها أرسلت رجوما\rكأنما الجو غار لما ... بدت فأغرى بها النسيما\rوأخبرني أبو عبد الله محمد القرموني المقدم ذكره يدمشق\rقال: كان بين السميسر الشاعر وبين بعض رؤساء المرية شيء لمدح مدحه به فلم يجزه عليه، فصنع ذلك الممدوح دعوة للمعتصم بالله أبي يحيى بن صمادح، واحتفل فيها بما يحتفل مثله في دعوة السلطان مثل المعتصم، فصبر السميسر إلى أن ركب السلطان متوجهاً إلى الدعوة، فوقف له في الطريق، فلما حاذاه رفع صوته قائلاً:\rيأيها الملك الميمون طائره ... ومن لذي مأتمٍ في وجهه عرس\rلا تقربن طعاماً عند غيركم ... إن الأسود على المأكول تفترس\rفقال المعتصم: صدق والله، ورجع من الطريق، وفسد على الرجل كل ما عمله.\rقال علي بن ظافر\rأذكرتني هذه الحكاية حكاية كنت نسيتها وقد تنبهت لها الآن؛ كان عباد ابن الحريش قد مدح رجلا من كبار أصفهان من أرباب الضياع والأملاك والتبع الكثير، كنت أعرف اسمه ونسبته، فمطله بالجائزة، ثم أجازه بما لم يرضه فرده عليه، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة عظيمة، غرم عليها ألوف الدنانير لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، على أن يجيء إليه من الكرج، فلما استحق المغرم خرج عباد ليلاً، ووقف بين الكرج وأصقهان، ووصل أبو دلف، فلما وقعت عين عباد عليه، وهو يساير بعض خواصه، أومأ إلى ذلك المساير له، وأنشأ بأعلى صوته:\rقل له يا فديته ... قول عباد: ذا سمج\rجئت في ألف فارسٍ ... لغداءٍ من الكرج\rما على النفس بعد ذا ... في الدناءات من حرج\rفقال أبو دلف: - وكان أخوف الناس من شاعر - صدق والله، أجيء من الكرج إلى أصفهان حتى أتغدى بها! والله ما على هذا مزيد من دناءة النفس. ثم رجع من طريقه وفسد على الرجل كل ماغرمه، وعرف من أين أتى، وتخوف أن يعود عليه عباد بأشد منها، فسير إليه جائزة سنية مع جماعة، فلم يقبل الجائزة، ثم أنشد بديهاً فقال:\rوهبت يا قوم لكم عرضه\rفقالوا: جزاك الله خيراً، فقال\rكرامةً للشعر لا للفتى\rلأنه أحرص من ذرةٍ ... على الذي تجمعه في الشتا\rقال علي بن ظافر\rوذكر أبو الصلت في رسالته ما معناه: أنه عزم هو ورفقاؤه على الاصطباح، فقصدوا بركة الحبش في وقت ولاية الغبش، وحلوا منها روضاً بسم زهره، ونسم عطره، فأداروها كئوساً، تطلع من المدام شموساً، وعاينوها نجوماً، تكون لشياطين الهموم رجوماً، فطرب حتى أظهر الطرب نشاطه، وأبرز ابتهاجه وانبساطه، فقال:\rلله يومي ببركة الحبش ... والجو بين الضياء والغبش\rوالنيل تحت الرياح مضطرب ... كصارمٍ في يمين مرتعش\rونحن في روضةٍ مفوفةٍ ... دبج بالنور عطفها ووشى\rقد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نسجها على فرش\rفعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش\rوأسقني بالكبار مترعةً ... فهن أروى لشدة العطش\rفاثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الهوى فلم يطش\rوأخبرني الفقيه أبو الحسن بن المفضل القدسي عن الفقيه الشريف أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى العثماني الديباجي","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"عن أبي إسحاق إبراهيم بن المنفق اللخمي السبتي، عن أبي الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت: كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن معد بن باديس بالمهدية في الميدان، وقد رمى بالنشاب، فصنعت بديهاً:\rيا ملكاً قد خلقت كفه ... لم تدر إلا الجود والباسا\rإن النجوم الزهر مع بعدها ... قد حسدت في قربك الناسا\rوودت الأفلاك لو أنها ... تحولت تحتك أفراسا\rكما تمنى البدر لو أنه ... أضحى لنشابك برجاسا\rأخبرني الشيخ الأديب أبو الحسن علي بن خروف القيسي القرطبي رحمه الله\rقال: صنع الوزير أبو جعفر أحمد وزير الرئيس أبي إسحاق ابن همشك صهر الأمير أبي عبد الله محمد بن مروان، في غلام أسود بيده قضيب نور بديهاً:\rوزنجي أتى بقضيب نورٍ ... وقد زفت لنا بنت الكروم\rفقال فتى من الفتيان صفه ... فقلت: الليل أقبل بالنجوم\rوأخبرني أن الأستاذ ابن الطراوة\rحضر مجلس شراب، فعجز بعض الندماء عن الشرب كما يشرب الجماعة، ويسألوه في شرب نصيبه من بعض الأدوار ففعل، وقال بديهاً:\rيشربها الشيخ وأمثاله ... وكل من تحمد أفعاله\rوالبكر إن لم يستطع صولةً ... تلقى على النازل أثقاله\rأنبأني الشيخان\rتاج الدين بن اليمن الكنديوقاضي القضاة جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني إجازة، عن الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، قال: وقد ذكر إبراهيم بن سعيد الإسكندري المعروف بالسديد، وذكره لنا أبو عبد الله بن المحلي فيمن لقيه من أهل الأدب قال: كان صاعد قد عمل شخص حديد ينفخ النار ساعات، فأراد السديد اختباره كما يجب، فأطفأ النار، فقال صاعد بديهاً:\rنار تيممها السديد فردها ... برداً وكانت قبل وهي جحيم\rفكأنما المفتاح آية ربه ... وكأن إبراهيم إبراهيم\rوأنبأني جميعاً عن الشيخ الحافظ أبي القاسم\rقال: أنشدنا أبو بكر عبد الله بن منصور، قال: أنشدنا أبو الحسن محمد بن علي بن الصفراء الواسطي لنفسه ارتجالا، وقد دخل عزاء لصبي، وهو في عصر المائة، وبه ارتعاش، فتغامز عليه الحاضرون فقال:\rإذا دخل الشيخ بين الشباب ... عزاءً وقد مات طفل صغير\rرأيت اعتراضاً على الله إذ ... توفى الصغير وعاش الكبير\rفقل لابن شهر وقل لابن ألفٍ ... وما بين ذلك: هذا المصير\rوبهذا الإسناد قال الجاحظ\rأخبرني أبو عبد الله محمد ابن عبد الواحد بن أحمد الغساني قال: سمعت أبي ينشد لنفسه يديهاً في صفة نهر ثوراء بحضرة أبي عبد الله محمد بن الخياط الشاعر:\rدمشق دار رعاها الله من بلدٍ ... ونهر ثورا سقاه الله من واد\rكأنه ونسيم الريح خمشه ... نقش البارد في سلسساله الهادي\rمزجت بالراح منه الراح فاكتسبت ... لوناً وطعماً غريباً غير معتاد\rفي روضةٍ من رياض الخلد باكرها ... صوب الغمام بإبراقٍ وإرعاد\rظللت فيها رخى البال مع رشاءٍ ... مهفهفٍ كقضيب البان مياد\rقالا وأخبرنا الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي\rقال: أنشدني أبو البركات الخضر بن هبة الله بن أبي الهمام لنفسه، وكتب لي بخطه مما أنشده، وقد حضر بين يدي أمير المؤمنين الراشد بالله بن المسترشد على البديهة:\rولما شأوت الحاسدين إلى مدىً ... رفيع يزل العصم دون مرامه\rورفعت الأستارلي دون ماجدٍ ... شفا غلتي من بشره وسلامه\rسطوت على صرف الزمان بجوده ... وصلت على كيد العدا بانتقامه\rوأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"قال: لما أفرط أبو يحيى البكاء في هجاء أهل فاس، تعصبوا عليه وساعدهم واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن خيار الجياني، وكان يتولى أموراً سلطانية بها، فقدموا رجلا ادعى عليه بدين، وشهد عليه به رجل، فقيه يعرف بالزناتي، ورجل يكنى بابي الحسين من مشايخ البلد، فأثبت الحق عليه، وأمر به إلى السجن، فرفع إليه، وسيق سوقاً عنيفاً. فلما وصل بابه طلب ورقة من كاتب وكتب فيها، وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي أوصله إلى السجن، فكان ما كتب:\rارشوا الزناتي الفقيه ببيضةٍ ... يشهد بأن مظفراً ذا بيضتين\rواهدوا إليه دجاجةً يحلف لكم ... ما نال عبد الله عرس أبي الحسين\rوأخبرني الشيخان\rتاج الدين العلامة أبو اليمن الكندي، والشيخ جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني إجازة، عن الشيخ الحافظ أبي القاسم ابن عساكر قراءة عليه، قال: بلغني أن علقمة بن عبد الرازق العليمي لما قصد بدراً الجمالي بمصر رأى على بابه أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم، فسألهم عن حالهم، فأخبرهم بقدومه قاصداً له، فكل آيسه من لقائه، فبيناهم كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فلما رآه مقبلا علا نشزاً من الأرض، ثم جعل في عمامته ريشة نعام ليشهر بها نفسه، فلما قرب إليه أومأ برقعة كانت معه وأنشأ يقول:\rنحن التجار وهذه أعلاقنا ... درر وجود يمينك المبتاع\rقلب وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع\rكسدت علينا بالشآم وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع\rفأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع\rحتى أناخوها ببابك والرجا ... من دونها السمسار والبياع\rفوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع\rوسبقت هذا الناس في طلب العلا ... فالناس بعدك كلهم أتباع\rيا بدر أقسم لوبك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا\rقال: وكان على يد بدرٍ باز، فدفعه إلى البازدار، فضرب على يده وانفرد به عن الجيش، وجعل يستعيده الأبيات وهو ينشدها إلى أن استقر في مجلسه، ثم التفت إلى جماعة غلمانه وخاصته وأصحابه وقال: من أحبني فليخلع على هذا الشاعر. قال علقمة: فوالله لقد خرجت من عنده ومعي سبعون بغلا تحمل الخلع، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، فخرجت فقلت لمن ببابه: الحقوني يا متخلفين، فلحقوني بأجمعهم، فما فيهم إلا من خلعت عليه، ووهيت له من جائزتي.\rوذكر القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الآمدي النائب\rكان في الحكم بالإسكندرية قال: دخلت على الأمير السعيد بن مظفر في أيام ولايته بالثغر، فوجدته يقطر دهناً على خنصره، فسألته عن سببه: فذكر ضيق خاتمه عليه، وأنه ورم بسببه. فقلت له: الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر فيه، فقال: اختر من يصلح لذلك، فاستدعيت أبا منصور ظافر ابن القاسم الحداد، فقطع الحلقة وأنشد بديهاً:\rقصر في أوصافك العالم ... وأكثر الناثر والناظم\rمن يكن البحر له راحةً ... يضيق عن خنصره الخاتم\rفاستحسنه الأمير ووهبه الحلقة، وكانت من ذهب.\rوكان بين يدي الأمير غزال متأنس قد ربض، وجعل رأسه في حجره، فقال ظافر:\rعجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمرٍ تخطى له واعتمد\rوأعجب به غدا جاثماً ... وكيف اطمأن وأنت الأسد\rفزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان.\rوتأمل ظافر شباكاً على باب المجلس تمنع الطير من دخولها، فقال:\rرأيت ببابك هذا المنيف ... شباكاُ فداخلني بعض شك\rوفكرت فيما رأى خاطري ... فقلت: البحار مكان الشبك\rوأنبأني العماد أبو حامد\rقال: وفد أبو الصقر الواسطي على نظام الملك رحمه الله - فحجب عنه، فكتب إليه بديهاً:\rلله درك إن دارك جنة ... لكن خلف الباب منها مالكا\rهذا نظام الملك ضد المقتضى ... قد كان يروى عن جهنم ذلكا\rأنعم بتيسير الحجاب فإنني ... لاقيت أنواع النكال هنالكا","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"مالي أصادف في رحابك جفوةً ... وأنا غني راغب عن مالكا!\rقال: فلما أذن له قال له: إذا كنت غنياً عن مالنا فانكف عنا، فقال: كلا، أنت شافعي المذهب، وقد جئتك لمذهبك لا لذهبك.\rوأنبأني العماد أيضاً\rقال: ذكر عمارة في كتابه في أشعار أهل اليمن قال: وهب الداعي محمد بن سبالا بن سلمان - رجل من قومه - ألف دينار، والقاضي يحيى بن أحمد بن يحيى حاضر - وبنو يحيى بيت كبير بصنعاء - فارتجل القاضي لوقته:\rلا فخر إلا إذا أقبلت مستلماً ... كف المكين ظهير الدين مولانا\rهي لتي تهب الآلاف وافيةً ... إن كنت غراً فسل عنها ابن سلمانا\rفقال الداعي: أنا أبو عبد الله، أما ابن سلمان فهو ابن عمتي، وإنما المسئول عنها أنت. ثم أمر له بألف دينار، فقبضها في الحال.\rوذكر عبد الرحمن بن نصر الدمشقي في كتابه المسمى بالتحفة والطرفة\rأن الوزير المزدقاني خرج للتنزه، فرأى امرأة في بعض القصور فأعجبته، فوقف متأملا لها، فأشارت إليه، وآنس منها قبولا، فأرسل إليها رسولا يعلمها بشدة شوقه ووجده بها، فردت رسوله ومعه تفاحة عنبر، فيها زر من ذهب ولم تكلمه بشيء، فلم يفطن هو ومن حضره لتأويل ذلك، فقال له ابنه أحمدك قد فهمت ما أرادت، ونظمه في الحال في بيتين وأنشد:\rأهدت لك العنبر في جوفه ... زر من التبر خفى اللحام\rفالزر في العنبر معناهما: ... زر هكذا، مختفياً في الظلام\rوأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المفضل المقدسي\rقال: أخبرني الشيخ أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي الأنصاري قال: عمل والدي محملا للكتب من قضبان شبهٍ سلماً، فدخل عليه أبو عبد الله محمد بن مفيد فرآه، فقال ارتجالا مخبراً عن لسان حال السلم:\rأيها السيد الذكي الجنان ... لا تقسني بسلم البنيان\rفضل شكلى على السلالم أني ... محمل للعلوم والقرآن\rحزت من حلية المحبين ضعفي ... واصفراري ورقة الأبدان\rفادع للصانع المفيد بفوزٍ ... ثم وال الدعاء للإخوان\rثم عمل أيضاً:\rأيها السيد الكريم المساعي ... التقت صنعتي وحسن ابتداعي\rأنا للكتب محمل خف حملي ... أنا في الشكل سلم الإطلاع\rوأنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي\rقال: أنشدني تاج الدين المسعودي أبو سعيد عبد الرحمن قال: أنشدني ظهير الدين أبو النجيب الحسن بن شهراسوب القاضي أبو بكر الأرجاني، وقد دخل عليه من طمع في طيلسانه، فقال ارتجالا:\rحسبك مني يا فتى خلعة ... أمسك عن نشر مساويكا\rفي طيلساني لا تكن طامعاً ... طي لساني عنك يكفيكا\rوقد أخبرني العماد أبو حامد، أنه سمع جميع شعر القاضي أبي بكر على ابنه عنه، وطلب مني قراءته عليه، فلم أتفرغ له، وأجازنيه في جملة ما أجازني روايته عنه.\rوأخبرني القاضي الوجيه الحسين أبي منصور بن حران الواسطي\rقال: كنت مع خالي نجم الدين بن أبي الغنائم بن المعلم الهرني على طعام، فأنهى إليه أن ظهير الدين محمود بن محمد بن بردامسيا ضامن بلاد واسط، قد طرح على قرى كانت في ملكه عدة أكرار أرز، فناولني درجاً، ثم قال لي: اكتب، فكتب:\rإيه ظهير الدين إنك في ندى ... ووغى كغيث جداً وليث عرين\rوإذا امرؤ ضاقت عليه أموره ... وكأنه في حلقة التسعين\rودعا بك انفرجت سجون صعابها ... عنه بأبلج شامخ العرنين\rثم أتبعها رسالة أملاها لي إليه وأرسلها.\rوأنبأنا العماد الأصفهاني إجازة\rقال: اجتمعت أنا والمرتضى ابن أبي المؤيد الجعفري الأصفهاني، فجرى بيننا في المحاورة ذكر رجل يقال له ابن عمرو، وكان ينسب إلى كبر، فنظم الجعفري بديهة يخاطب جمال الدين ابن الخجندي فقال:\rأيها الصدر كم تشيع فينا ... من تخيرته بما ليس فيه\rوإذا ما عددت أبناء فضلٍ ... فابن عمرو كمثل واو أبيه\rوأنبأني أيضاً\rقال: أخبرني أكرم الدين أبو سهيل خازن دار الكتب بالنظامية قال: دخل علي عزيز بن محمد الشلمكي دار الكتب وبيده عصا، فقلت: إن العصا للشيخ رجل ثالثة، فقال بديهاً:","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"ضعف جسمي لمشيبي ... لم يضع مني وقارا\rصار حالي عبرة العا ... قل إن رام اعتبارا\rالعصا صارت حماري ... ولها صرت حمارا\rقال علي بن ظافر\rوأخبرني بعض أصحابنا، أن أبا القاسم ابن هانئ الشاعر المحدث، قد هجا الأجل الموفق أبا الحجاج يوسف بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات، هجاءً اتصل به، فأضمر له الحقد بسببه مع إفراط جلالة الرجل ، وفرط رياسته ، وحسن معاشرته للناس وسياسته. واتفق بعض المواسم التي جرت عادة ملوك مصر بالجلوس فيها لاستماع المدائح وبذل المنائح ، وزف بنات القرائح ، فجلس الحافظ لذلك وحضر خواصه في ظاهر الرواق على مراتبهم ، فانتهت النوبة في الإنشاد إلى أبي القاسم بن هانئ ، فأنشد ما اهتزت له المعاطف وفض ختام روضه ليس لها إلا القلب والسمع جانٍ وقاطف ،فمال الحافظ إلى القاضي الموفق متعجباً، وقال له: كيف تسمع ؟ فاستحسن واستجاب ، حتى نسبه إلى الإعجاز أو كاد ، وهو في خلال ذلك يصنع صنع المخاتل ، ويحاول قرطسة المقاتل ، فسأله الحافظ عن الرجل ، فأثنى على أدبه، وثنى بنسبه ، حتى أوهمه الاعتناء به . ثم قال: ولو لم يكن له مما يمت به إلا انتسابه إلى أبي القاسم بن هانئ شاعر هذه الدولة ، ومظهر مفاخرها ، وناظم مآثرها لكفى ، فكيف وفيه هذا الأدب الغض النضير ، والشعر الذي لا ند له ولا نظير ! لولا بيت أ ظهره منه الضجر عند دخوله هذه البلاد ، فقال له الحافظ : ما هو ؟ فتحرج من إنشاده ، وامتنع من إيراده . فأبى الحافظ إلا أن يورده ، ففي أثناء ذلك صنع هذا البيت وأنشده :\rتباً لمصر فقد صارت خلافتها ... عظماء تنقل من كلبٍ إلى كلب\rفعظم ذلك على الحافظ ، وأمر بقطع صلته ، وكاد أن يفرط في عقوبته ، ولم يحصل له انتعاش من جهته طوال مدته.\rقال علي بن ظافر\rوأخبرني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي، قال: أخبرنا تاج الدين أبو سعيد - وهو أبو عبد الله أيضاً محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي، قال: جاء رجل إلى أبي نصر أحمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن شمر الصخديهي - وكان قاضي بلد تعرف بخمس القرى - وكان من العلماء الفضلاء، فقال له في معرض الدعابة والمزاح: اشهد على أنني قد وقفت معدتي على سائر ألوان الطعام. فقال: قد شهدت، فقال: سجل لي، فأمر كاتباً فكتب كتاب وقف، فلما قدم إليه كتب في موضع الشهادة هذه الأبيات - قال: وكان ارتجالها ما بين ابتداء الكتاب وفراغه - وهي:\rيقول أبو نصر المبتلى ... بأمر القضاء بخمس القرى\rأقر بمضمونه طائعاً ... أبو الأكل ملتقم ابن القرى\rوحليته صاحب الطيلسان ... مديد الحوايا قصير القرا\rوأخبرني الفقيه الحافظ بن دحية\rقال: دخلت على الوزير الفقيه الأجل أبي بكر عبد الرحمن بن محمد مغاور السلمي، فوقع الكلام في علوم لم تكن من جنس فنونه، فقال بديهاً:\rأيها العالم أدركني سماحاً ... فلمثلي منك السماح\rأن تراني إذا نطقت عيياً ... فبناني إذا كتبت وقاح\rأحرز الشأو في نظام ونثرٍ ... ثم أثني وفي العنان جماح\rفبهزلٍ كما تأود غصن ... وبجدٍ كما تسل الصفاح\rوأخبرني أيضاً\rقال: دخلت عليه منزله بمدينة شاطبة في اليوم الذي توفي فيه وهو يجود بنفسه، فأنشد بديهاً:\rأيها الواقف اعتباراً بقبري ... استمع فيه قول عظمي الرميم\rأودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوبٍ كلومها بأديمي\rتركوني بما اكتسبت رهيناً ... غلق الرهن عند مولى كريم\rوأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن أبيه بما معناه\rقال: كنت بمجلس الصالح في يوم أسدل الجو به ستور الغمام، واختفت الشمس فيه اختفاء النور في الكمام، ونثرت السماء درر البرد نثراً عم الربا والآكام، حتى وصل إلى أطراف بسط المجلس، فصنع القاضي الموقف بن قادوس قطعة شذت عني لبعدي عنها؛ إلا قوله منها:\rولكن أتتك ثغور السحاب ... تقبل بين يديك البساطا\rوأخبرني أيضاً رحمه الله","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"قال: أخبرني أبي بما معناه، قال: كنت في مجلس فارس المسلمين أخي الصالح، وقد نصب سماطاً بمجلسه لخواصه، ونصب سماطاً آخر في بعض المجالس لجماعة من أمراء العرب، وفي جملتهم الأمير إبراهيم بن شادي بن مرجان؛ وهو يومئذٍ يهتز كالغصن الممطور، ويأبز كالظبي المذعور، قبل أن يصير أحد الأمراء الأمجاد، والكرماء الأنجاد. قال: فبصرت أنا والأمير علو الدولة حاتم بن العسقلاني به، وقد كشف عن معصمه، وهو يشف عن مخه ودمه؛ فكأنه عمود بلور تبدى، وقد حشى ورداً، ووجهه تحت لثامه، كالبدر خلف غمامه، قال: فصنع بديهاً:\rسلمت من فتنة العيون ... فارحم فتىً هام بالفتون\rقلبي بلي، من بلى بظنيٍ ... يختلس الليث في العرين!\rمذ عقد القاف حل مني ... عقدة عزمي وعقد ديني\rيقول والقلب في هواه ... بلا مجيرٍ ولا معين\rإن كنت فرداً بحسن وجهٍ ... وكنت من ذا على يقين\rفاخلع ثيابي وانظر تشاهد ... عساكر الحسن في الكمين\rوأنبأني العماد أبو حامد\rقال: أنشدني أبو السعادات علي بن بختيار لنفسه في البرغوث والبق، وقد اقترح عليه بحضرة جماعة من الفضلاء، فقال بديهاً:\rولما انتحى البرغوث والبق مضجعي ... ولم يك من أيديهما لي مخلص\rصفقت بكفي إذ مدامتها دمي ... فزمر هذا وابتدا ذاك يرقص\rقال العماد: وقد كنت عملت أبياتاً ارتجالاً لأصف بها ليلة بتها بنهر دقلا، فقلت:\rيالحا الله ليلة قرصتني ... في دياجيرها البراغيث قرصا\rشربت بقها دمي فتغنت ... وبراغيثها تواجدن رقصا\rقد تعريت من ثيابي لقرصي ... غير أني لبست منهن قمصا\rكلما زدت منعهن بحرصٍ ... عن فراشي شربن فازددن حرصا\rمن براغيث خلتها طافراتٍ ... طائراتٍ جناحها قد قصا\rعرضت جيشها الفريقان حولي ... وهي أوفى من أن تعد وتحصى\rلو غزا سنجر بها الغز يوما ... لم يدع منهم على الأرض شخصا\rومثل هذا ما أنشدنيه الحافظ ذو النسبتين أبو الخطاب بن دحية الحصري:\rضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي\rرقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض\rومما أنشدنيه أيضاً للسميسير:\rبعوض شربن دمي قهوةً ... وغنيني بضروب الأغان\rكأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن القنان\rوأحسن من هذا كله قول ابن رشيق القيرواني:\rلك مجلس كملت بشارة لهونا ... فيه ولكن تحت ذاك حديث\rغنى الذباب فظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث\rوأسبق من هؤلاء إلى هذا المعنى أبو أحمد بن أيوب - من شعراء اليتيمة في قوله:\rلا أعذل الليل في تطاوله ... لو كان يدري ما نحن فيه نقص\rإذا تغنى بعوضه طرباً ... أطرب برغوثه الغنا فرقص\rوأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطوسي المعروف بابن السيوري\rقال: دخلت على الأديب الأعز أبي الفتوح بن قلاقس، وهو مريض، فقال: صنعت بيتين بديهاً في الحمى، ووصفها بأحسن من صفة أبي الطيب، فأنشدته إياهما، فأنشدهما:\rوبغيضةٍ تدنو وما دعيت ... فتبيت بين الجلد والكبد\rيصبو الفؤاد لبينها فإذا ... ولت بكاها سائر الجسد\rوأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن المقدسي\rقال: كنت معه - يعني ابن قلاقس - فمر بنا صبي صبيح معروف الاسم في ثوب أحمر، وعمامة زرقاء، فاستحسنه الحاضرون، فصنع في الحال:\rهذا أبو الفضل بدر الأرض قد شهدت ... صفاته أنه كالبدر في الأفق\rلما تعمم تيها بالسماء بدا ... وفوق أعطافه ثوب من الشفق\rولا تقل لاح في خديه عارضه ... فإنما هو تأثير من الغسق\rوأخبرني أبو عبد الله المنجم بن الصواف\rقال: دخل منزلي الأديب الأعز أبو الفتوح بن قلاقس وجماعة من أصحابنا، فأحضرت لهم بطيخة صفراء وشققها وفرقتها عليهم، فارتجل الأعز:","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"أتانا الفقيه ببطخةٍ ... وسكينة قد أجيدت صقالا\rفقطع بالبرق بدر الدجى ... وناول كل هلالٍ هلالا\rوأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد، عن أبيه\rقال: كنت عند الأمير شمس الملك نبهان بن عين الزمان، وعنده الأعز بن قلاقس وجماعة ممن يجالسه، وعنده مغن يقال له الحسام؛ وهو ابن صاحب ربع المشهور، فجعل يغني ببليقة لحسام الدين الإسكندراني في هجاء ابن قلاقس أولها:\rاسألوا عني فتوح بن قلاقس\rكيف رأى ضرب الشلوح بالدرافس\rفعز على ابن قلاقس ما فعله، وأوهم أنه يمضي إلى بيت الخلاء، فقام ثم عاد سريعاً، فوقف على باب المجلس، وقال:\rليس الحسام حساماً ... وإنما هو غمد\rيشدو فكم من فؤادٍ ... تحت السياط يشد\rوقد قلت إذ تاه فينا ... تبظرماً لا يحد\rخرا عليك ولو أن معبداً لك عبد\rفكأنما ألقم حجراً.\rوأخبرني الأنجب السخاوي الساكن بالإسكندرية\rقال: لما وصل الأديب الأعز بن قلاقس من صقليه، وكان قد انتجع أبا القاسم بن الحجر، فانبجس بعيون العطاء وانفجر، خرج للسلام عليه جميع معارفه وخرجت في جملتهم، فلما نزل من المركب، وأخذنا في السلام عليه، إذ بأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي الصلاح قد خرج، فحين وقعت عينه عليه - أي على الأعز - أنشد مرتجلاً:\rأظل هلال العاشقين فلا أهلا ... ولا مرحباً بالقادمين ولا سهلا\rثم انصرف؛ وتركنا متعجبين لسرعة بديهته وقلة وفائه.\rأنبأني العماد أبو حامد رحمه الله\rقال: جرى بين يدي القاضي الفاضل رحمه الله يوماً ذكر حب الصغير، فارتجل هذه الأبيات:\rطفل كفاه القلب داراً له ... كأنما القلب له قالب\rكيوسف الحسن وقلبي له ... سجن وما ثم له صاحب\rأصبح والقلب لباس له ... لا قاصر عنه ولا ساحب\rوهو بعيني، وهو إنسانها ... وهي له من خارجٍ حاجب\rضاق به ضيق عناقي له ... فلم يسع ما قاله العائب\rقال: وجرى بين يديه ذكر سيوف السلطان الملك الناصررحمه الله\rفارتجل قطعة، علق بحفظي منها:\rماضيات على الدوام دوامي ... هي في النصر نجدة الإسلام\rفي يمين السلطان إذا جردتها ... أشبهتها صواعق في غمام\rتنثر الهام في الحروب فما أشبه هذي السيوف بالأقلام\rفي محاريب حربه البيض حلت ... وركوع الظبا سجود الهمام\rوأخبرني السعيد أبو القاسم بن سناء الملك رحمه الله\rقال: خرجنا للقاء القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في بعض قدماته من الشام، فلقيناه وعدنا، فلما كنا في سطح الخشى عن ظبي للموكب، فركض خلفه المسكين بن حيون، طامعاً أن يلحقه، وكان مثل هذا الفعل لا يليق به، لأنه ليس من أهله، ولأن الصدر المتلقى لا ينبغي أن يغلط بين يديه مثله. فعجب الفاضل منه، واتفق أن فاته الصيد الذي طلبه، وسقطت مقرعته من يده، ورجع إلى الموكب، وعليه انكسار الفوات وحجل الغلط، فارتجل الأجل الفاضل:\rيا عادياً عدو السفي ... ه وعائداً عود الحليم\rضيعت مقرعةً وعد ... ت سميها من غير ميم\rقال: وأخبرني الفقيه أبو العباس أحمد الآبي\rوكان كثير الصحبة للأجل الفاضل في صدر عمره أيام كونه بالإسكندرية - قال: كان يصحبه رجل يعرف بابن بليمة، ولا يكاد يفارقه، وكان يحضر عنده رجل مغن من أهل الثغر، يعرف بشهاب؛ وكان يغني الموشحات، فغنى ليلةً، واتفق أن نعس ابن بليمة فأنبه، فضرط، فضحك الأجل الفاضل، وارتجل:\rتغنى شهاب لنا ليلةً ... غناء له هجع السمر\rفأعجب هذا ابن بليمةٍ ... فأقبل من دبره ينعر\rوأخبرني الفقيه شجاع الغزالي المتقدم ذكره\rقال: مضيت أنا ونشو الملك على بن مفرج بن المنجم المقدم ذكره إلى دار الكامل شجاع بن أمير الجيوش بن شاور آخر وزراء الدولة المصرية، ومن كان انقضاؤها بموته، ومعنا قصيدتان قد امتدحناه بهما في بعض الأعياد، فرأينا رماحاً قد عملت برسم الموكب، وجعل عليها مكان اللهازم أهلةً من ذهب، فقال نشو الملك: قد مقع لي في هذه الرماح معنى، فصنع في الحال:","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"فعال الكامل الملك المرجى ... على ما فيه من فضل أدله\rنحا برماحه نحو الأعادي ... فكل قد سقاه بها وعله\rولم يرض النجوم لها نصالاً ... فنصلها هنالك بالأهلة\rثم كتبها وبعث بها إلى الكامل، فخرجت جائزته في الحال.\rوأخبرني الفقيه الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي المقدم ذكره\rقال: كان بمصر صبي مستحسن، وضيء الوجه، اسمه أسد، قد شغف به رجل اسمه الفأر، ووقع بينهما ما أدى الرجل إلى أن قتل الصبي وهرب، وخاض الناس في أمره، وأكثروا الحديث فيه، فجلست يوماً بسوق الكتب، إذا بابن المنجم قد مر راكباً، فحين رآني ثنى رجله على معرفة فرسه، ووقف للحديث، فمر علينا في أثناء ذلك شاب مشهور بجمال وانتماء أهل الأدب، فأنشدنا مرثية زعم أنه رثى بها الصبي القتيل، فصنع ابن المنجم في الوقت:\rولم أر قبله أسداً قتيلاً ... لفأر ظل يرثيه غزال\rوأخبرني بعض أصحابنا\rقال: قال لي نشو الملك بن النجم: ما رأيت أوقح ولا أصغر جواباً من أبي الحسن الذروي - يعني المقدم ذكره رحمه الله - مر يوماً وهو راكب بغلة، وبين يديه عبد له، فصنعت في الحال:\rقل لمن تاه حين مر علينا ببغله\rبعد أن كان ليس يملك شعاً لنعله\rسقت قدامك الغلا ... م جزاءً بفعله\rهكذا كل شاعرٍ ... بغله خلف بعله\rثم كررت مسرعاً لألحقه، فتأخر غلامي عني لأجل إسراعي، واستوقفته وجعلت أنشده وهو يحسن الاستماع حتى انتهيت، فقال: ليس كل شاعرٍ كذلك، ها أنت شاعر، وبعلك خلف بغلك، فكلحت والله وانصرفت.\rوأخبرني الفقيه القاضي أبو موسى عمران الخندقي رحمه الله\rقال: دخلت أنا وجماعة من أصحابنا على الوجيه الذروي المذكور، وهو وجماعة من أصحابنا يشربون، فمزحنا وداعبناهم، فصنع بديهاً:\rويومٍ قاسمتنا اللهو فيه ... أناس ليس يدرون الوقارا\rأدرنا الصفع والكاسات فيه ... فعربدت الصحاة على السكارى\rوأخبرني الفقيه العفيف شجاع العربي المقدم ذكره\rقال: اجتمعت مع الوجيه أبي الحسن بن الذروي، والأديب نشو الملك بن المنجم، وجعفر القرشي المنبوز بشلعلع - المقدم ذكر الجميع - عند القاضي الأسعد بن الخطير بن مماتي في بستانه، فمدحته بقطعة لإحسان كان منه إلي، وكتبتها في ورقة كرم، فحين وقف عليها صنع بديهاً:\rأطربنا شعر العفيف الذي ... قد فاق في النبل وفي الفهم\rلو لم يكن يسكرنا شعره ... ما صاغه في ورق الكرم\rقال علي بن ظافر\rوكنت يوماً عند الأمير عضد الدين أبي الصوارم مرهف بن الأمير مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، فدخل عليه رجل من بقايا جند مصر يعلم الرمي بالنشاب، واسمه الليث بن دبوس، وهو معبس الوجه كالحه، ثاني عطفه جامحه، فقال الأمير يداعبه بديهاً:\rأصبح الليث يوافينا بتعبيسٍ وتيه\rفمتى أنظر في يا ... فوخه اسم أبيه\rفاستحسنت البيتين، ثم صنعت في معناهما بعد ذلك بحين، وزدت عليه:\rقد جاءنا الليث بن دبوس على ... عادته في الانقباض ورسمه\rفمتى أرى اسم أبيه في يا فوخه ... ومتى أرى ناب اسمه في جسمه\rوهذه طريقة بديعة، ومن أحسن ما سمعت فيها قول السلامي في صبي يعرف بابن برغوث:\rبليت ولا أقول بمن لأني ... إذا ما قلت من هو يعشقوه\rغزال قد نفى عني رقادي ... فإن غمضت أيقظني أبوه\rوللصاحب بن عباد في مغن يعرف بابن عذاب:\rأقول قولاً بلا احتشامٍ ... يفهمه كل من يعيه\rابن عذابٍ إذا تغنى ... فإنني منه في أبيه\rولأبي الوليد النحلي الأندلسي خبر يدخل في بدائع البدائه\rقال ابن طوفان: دعا أبي أبا الوليد، فلما قضوا وطرهم من الطعام، جلست أسقيهم وجعلت أترع له الكاسات، فلما مشت فيه سورة الحميا ارتجل قائلاً:\rلابن طوفان أيادٍ ... قل فيها مشبهوه\rملأ الكاسات حتى ... قيل في البيت أبوه\rوللمعقبل من شعراء كتاب الذخيرة لابن بسام في شاعر يعرف بابن الفراء:\rفإذا ما قال شعراً ... نفقت سوق أبيه","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"أخبرني الفقيه تقي الدين اليوني الشاعر\rالمعزو إلى ميافارقين سنة ثلاث وستمائة قال: اقترح صاحب قرقيسيا الملك المظفر محمود بن عماد الدين زنكي علي، وعلى جماعة كانوا على بابه من الشعراء أن يعمل في سرج ما يكتب عليه، فصنعوا وصنعت بديهاً:\rفقت السروج فمسكي المسك رائحةً ... بغير شك كما عودي هو العود\rتحتي البراق متى رمت اللحاق ومن ... فوقي خليفة هذا العصر محمود\rقال: فاستحسنه وأجازني.\rوأخبرني موفق الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الله البغدادي بحران\rقال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن جمل صاحب الجرمي لنفسه ارتجالاً:\rوعروس خدر حين نبرزها ... تسطو كأن فؤادها لهب\rخلع المزاج على معاطفها ... ثوباً كأن شعاعه الذهب\rوأراد يجلوها فصاغ لها ... تاجاً ورصع تاجها الحبب\rوأخبرني موفق الدين أبو الحسن علي بن محمد البغدادي الساكن برأس العين\rقال: كنت في خدمة السلطان الملك الأشرف - أبقاه الله - بدمشق، فدخل عليه الرشيد عبد الرحمن النابلسي الشاعر الملقب مدلويه، وعلى عينه خرقة، فجرت بيني وبينه معاتبة، فقلت بديهاً:\rإن أظلمت عين مدلويه فمن ... كثرة نقص العهود والذمم\rيقسم ألا يخون صاحبه ... وهو يصر الفجور في القسم\rلو خلق الشعر قيل مسترق ... واللص يمنى بكثرة التهم\rأو شرب المسكرين في حلبٍ ... كرسمه بعض ليله لعمي\rولو يكون المجير بعد بها ... حيا لرمى بالعمى وبالصمم\rقال علي بن ظافر: المسكران المشار إليهما. النبيذ والصفع، والمجير رجل من ندماء الملك الظاهر، كان كثير العبث بالمذكور في مجلس الملك الظاهر، وهو الذي عناه الأديب شرف الدين الحلي صاحبنا ببيتين من قوله، وكتب بهما إلى الرشيد المذكور إلى دمشق؛ أنشد فيهما الموفق عنه، وهما قوله:\rقدم العزم يا رشيد وبادر ... فلقد آن من نواك الحضور\rما تبقى على قذالك نطع ... تاب سلطاننا ومات المجير\rوأخبرني الشهاب ابن أخت نجم الدين بن المجاور المقدم ذكره\rقال: حضر ابن عنين الشاعر الدمشقي وابن الرومي البسام عند خالي، فتذاكرت معه في تشبيه الثغر بالثريا، فادكر قليلاً ثم أنشد:\rيا غزالاً أرى الغواية رشداً ... في هواه والرشد في الحب غيا\rما رأينا قبل ابتسامك بدر التم يفتر عن نجوم الثريا\rوأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن العماد بن ناصر الدولة رحمه الله\rقال: اجتمعنا ليلة بدمشق في دعوة غناء، ومعنا ابن عنين وعمر غلام الحكيم بن المطران، فأخذنا في الحديث باستحسانه واستعظام أمره في الحسن وشانه، وتمني الوصول إلى وصاله. وتشهي الاستمتاع بجماله، فقال له بعض الحاضرين: نبه لها عمر، وأطرق ثم أنشد بديهاً:\rوحاجةٍ بت أشكوها إلى ثقةٍ ... وقد تزاحمت الأشجان والفكر\rفقال لي مشفقاً: نبه لها عمراً ... فقلت واخيبتي إن لم ينم عمر!\rوعمر هذا هو الذي يشير إليه ابن عنين في قصيدته المسماة مقراض الأعراض التي عم فيها أهل دمشق بالهجاء، وأولها:\rأضالع تنطوي على كرب ... ومقله مستهلة الغرب\rومنها يعني الحكيم بن مطران:\rترى أن سيدي الموفق يخ ... تال في عراصها الرحب\rيمشي الهوينى وخلفه عمر ... يختال مثل المهاة في السرب\rوسيدي قلما يشاكله ... في الناس إلا تبظرم الرحبي\rالمدعى أنه بحكمته ... علم بقراط صنعة الطب\rوأخبرني الأعز بن المؤيد رحمه الله\rأنه حضر عند بعض الرؤساء، فناوله شمامة ريحان وورد، فصنع في الحال:\rسيداً قد أسدى لنا من أيادي ... ه فعالا تنزه الأبصارا\rقرنت راحتك بالورد ريحا ... ناً فأهدت إلى الخدود عذارا\rقال علي بن ظافر","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"دخلت يوماً على القاضي الفاضل - رحمه الله - فجرى في مجلسه من فنون المذاكرة ما أداه إلى أن قال: كان الرشيد أحمد ابن الزبير قد اجتمعت فيه صفات وأخلاق تقتضي أن تجود معاني الهجاء فيه، من ذلك أنه كان أسود، ولا يزال يدعي الذكاء، وأن خاطره من نار، فقال فيه ابن قادوس:\rإن قلت من نارٍ خلق ... ت وقفت كل الناس فهما\rقلنا صدقت فما الذي ... أطفاك حتى صرت فحما\rوأرسل إلى اليمن ولقب علم المهتدين، فقال فيه بعض الشعراء من قطعة يخاطب الخليفة:\rبعثت لنا علم المهتدين ... ولكنه علم أسود\rيعني أن الأعلام السود إنما تكون للعباسيين، وأعلام تلك الدولة بيض. وتولى مطابخ الخليفة، فقال فيه بعض الشعراء يخاطب الخليفة:\rتولى على الشيء أشكاله ... فتحسب هذا لهذا أخا\rتولى على المطبخ ابن الزبير ... تولى على مطبخ مطبخا\rوكان ينافر في سوق الشعر ويسرق المعاني، فقال فيه ابن فادوس:\rسلخت أشعار الورى جملةً ... حتى دعوك الأسود السالخا\rفأخذ الأسعد الخطير يستحسن هذه القطعة، فقلت له: كما تقول، إلا أنه لحن في قوله: الأسود سالخ، وسام أبرص، فاللحن يقيم الوزن، والصواب يكسره، فهو بين خطتي خسف. فأخذ في المشاغبة إلى أن قال: من أين نقلت هذا؟ فقلت أحضر شاهدي عندك الساعة، كتاب الحيات من كتاب الحيوان للجاحظ، فقال: الجاحظ ليس من أهل اللغة، ونقله في هذا الموضع لا يسمع، فقال الأجل الفاضل: دع هذا، فالصواب معه، وهذا مجمع عليه، ولكن عرفنا كيف يصنع حتى ينظم المعنى؟ فقلت يترك هذا الوزن وينظمه في وزن يستقيم عليه الصواب، فقال: انظمه لنا، فقلت ارتجالا:\rوسلخت أشعار البرية كلها ... حتى دعيت لذاك أسود سالخا\rفقال: مثلك يقول لذاك: فقلت: حتى دعاك الناس، فقال: إنما كنت أريد أن تنظمه أخصر من بيته.\rودخل عليه من انقطع طلبه لدخوله، فلما سكن المجلس قال: تعرف له وجهاً يذهب النقد عنه، ويخلصه من الطعن عليه؟ قلت: مولانا أعلم، فقال: إنه حكى عن الناس تلقيبهم إياه بالأسود السالخ، فكأنه لحن على الحكاية، لا لأنه حكى عنه هذا. فاستحسناه وإن لم يكن صحيحاً من الأعذار. ثم خرجت فلقيت الأسعد بن عبد الرحمن بن شيث فحكيت له الحكاية، فقال: لما طلب منك اختصاره كنت تقول - وقال على الفور:\rوسلخت أشعار الورى ... فدعوك أسود سالخا\rقال علي بن ظافر\rبت ليلةً أنا والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيدات القصور، بالانخفاض والقصور، وشهدت له ساميات البروج، بالاعتلاء والعروج، قد ابيضت حيطانه، وطاب استيطانة وابتهج به سكانه وقطانه، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وجلا محياه في زورقة قناع السماء، وكسا الجدران ثياباً من فضة، ونثر كافوره على وجه الثرى بعد أن سحقه ورضه، والروض قد ابتسم محياه، ووشت بأسرار محاسنه رياه. والنسيم قد عانق قامات الغصون فميلها، وغصبها مباسم نورها وقبلها، وعندنا مغن قد وقع على تفضيله الإجماع، وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع، إن بدا فالشمس طالعة، وإن شدا فالورقاء ساجعة، تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه، وهو يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب، ويستجيش عليه بتلويح بارقة الموشى بالذهب، ويديم حرفته وسهده، ويبذل في إلطافه طاقته وجهده، فتارة يضمخه بخلوقه، وتارة يحليه بعقيقة، وآونة يكسوه أثواب شقيقه، فلم نزل كذلك حتى نعس طرف المصباح، واستيقظ نائم الصباح، فصنعت بديهاً في المجلس، وكتبت بما صنعت إلى الأعز بن المؤيد - رحمه الله - أصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام الأعياد كارتفاع الرءوس على الأجياد، بل فضلت على ليالي الدهر، كفضل البدر على النجوم الزهر، فقلت:\rغبت عني يابن المؤيد في وق ... تٍ شهى يلهي المحب المشوقا\rليلة ظل بدرها يلبس الجد ... ران ثوباً مفضضا مرموقا\rوغدا الطل فيه ينثر كافو ... را فيعلو مسك التراب السحيقا\rوتبدى النسيم يعتنق الأغ ... صان لما سرى عناقاً رفيقا\rبت فيها منادماً لصديقٍ ... ظل بين الأنام خلا صدوقا","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"هو مثل الهلال وجهاً صبيحاً ... ومثال النسيم ذهناً رقيقا\rوغزال كالبدر وجهاً وغصن ال ... بان قدا والخمرة الصرف ريقا\rمظهر للعيون ردفاً مهيلاً ... وحشى ناحلاً وقدار شيقا\rإن تغنى سمعت داود أو لا ... ح تأملت يوسف الصديقا\rوإذا قابل السراج رأينا ... منه بدراً يقابل العيوقا\rوأظن الصباح هام بمرآ ... ه، فأبدى قلباً حريقاً خفوقا\rذاك نجم ما لاح في الجدر كافو ... ر بياض إلا كساه خلوقا\rما بدا نرجس الكواكب إلا ... قام في قومه يرينا الشقيقا\rوإذا ما بدت جواهرها في ... الجو أبدى في الأرض منهم عقيقا\rفغدونا تحت الدجى نتعاطى ... من رقيق الآداب خمراً حيقا\rوجعلنا ريحاتنا طيب ذكرا ... ك فخلناه عنبراً مفتوقا\rذاك وقت لولا مغيبك عنه ... كان بالمدح والثناء خليقا\rفأجاب عنها على الوزن دون الروى:\rقد أتتني من الجمال قصيد ... يا لها من قصيدةٍ غراء\rجمعت رقة الهواء وطيب المس ... ك في سبكها وصفو الماء\rفأرتنا طباعه وشذاه ... والذي حاز ذهنه من ذكاء\rسيدي هل جمعت فيها اللآلي ... يا أخا المجد أم نجوم السماء\rأفحمتني حسناً وحق أيادي ... ك التي لا تعد بالإحصاء\rفتركت الجواب والله عجزاً ... فابسط العذر فيه يا مولائي\rهل يسامي الثرى الثريا وأنى ... يبلغ النجم فرط نور ذكاء\rقال علي بن ظافر: وقد ضمنت هذا الكتاب البديع النظم، الغريب الاسم، ما وقع لي إلى هذا التاريخ من حكايات البدائه، وكل ما فيه من الحكايات المسجوعة فخاطري جالب دره، وحالب دره، وساكب قطره، إلا ما استنبت به، وقد جاء علالة السائر، وأنس المسامر، وملهاة الساهر، ولولا ضيق الصدر بازدحام وفود الهموم، وما ران على البصيرة من تكاثف غيوم الغموم، لتكلفت مشقة الحث، وأنضيت ركائب البحث، فلا أزال في الطلب موضعاً، حتى لا أرى للزيادة موضعاً، إلا ما تنتجه الخواطر في الأزمان الآنفة، وتولده الفكر في الأعصار الرادفة. وقد عقدته عقداً لا يعقبه فسخ، ونظمته نظماً محكماً لا يعرفه نسخ، فمهما اطلعت عليه بعد ذلك من البدائه الواقعة في الأزمنة الخالية، أو مما تجدد في الأزمنة الآتية، جمعته وجعلته كالتتمة له، حتى لا أفض ختامه، ولا أفتق أكمامه، والله تعالى يوقعه عند الجناب المحمول إليه موقع الرضا عنه، والقبول له والإقبال عليه، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير وصلى الله على سيدنا محمد زين الملاح، وعلى آله وصحبه أولى الوجوه السماح، وسلم تسليماً كثيراً. آمين.","part":1,"page":120}],"titles":[{"id":1,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"الباب الأول","lvl":1,"sub":1},{"id":1,"title":"في بدائع بدائه الأجوبة","lvl":1,"sub":2},{"id":1,"title":"فمن ذلك ما أخبرني به الشيخ الفقيه الأجل أبو محمد عبد الخالق ابن زيدان","lvl":2,"sub":3},{"id":1,"title":"ومثل هذا وإن تفاوت ما بين الأعصار ولم يكن من باب الألغاز","lvl":2,"sub":4},{"id":2,"title":"أنبأني الشيخان","lvl":2,"sub":0},{"id":2,"title":"ومن ذلك ما روى","lvl":2,"sub":1},{"id":2,"title":"ومن ذلك ما رواه عوانة بن الحكم ويحيى بن عنبسة القرشي","lvl":2,"sub":2},{"id":2,"title":"ومن ذلك ما ذكره ابن سلام في طبقات الشعراء","lvl":2,"sub":3},{"id":3,"title":"ومن ذلك ما روى","lvl":2,"sub":0},{"id":3,"title":"وقد أفضى الحال إلى ذكر خبر الكسعي الذي تمثل به الفرزدق في الندامة","lvl":2,"sub":1},{"id":4,"title":"وروى الحاتمي في كتاب حلية المحاضرة وغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":4,"title":"وروى أن معن بن أوس المزني","lvl":2,"sub":1},{"id":4,"title":"وروى مثل هذا","lvl":2,"sub":2},{"id":4,"title":"وروى لنا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه","lvl":2,"sub":3},{"id":4,"title":"ومن ذلك ما رواه أبو عبيدة وابن عائشة","lvl":2,"sub":4},{"id":6,"title":"وروى ورقاء العامري","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"ومن ذلك ما روى أبو صالح الفزارى","lvl":2,"sub":1},{"id":6,"title":"وكان المغيرة بن حبناء يهاجي زيادا الأعجم العبقسيوكان بالمغيرة وضح","lvl":2,"sub":2},{"id":6,"title":"واتفق أنهما اجتمعا يوما بمجلس المهلب","lvl":2,"sub":3},{"id":6,"title":"ومن ذلك ما ذكره المدائني","lvl":2,"sub":4},{"id":6,"title":"ويروى إن صح وجود مجنون بني عامر","lvl":2,"sub":5},{"id":6,"title":"روى الحسن بن صاعد السكوني","lvl":2,"sub":6},{"id":7,"title":"وحدث المدائني","lvl":2,"sub":0},{"id":7,"title":"مدح بشار بن برد يعقوب بن داود وزير المهدي فلم يعبأ به وحرمه فوفد عليه","lvl":2,"sub":1},{"id":7,"title":"وهجا أخاه صالح بن داود","lvl":2,"sub":2},{"id":8,"title":"وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب القيان والمغنين","lvl":2,"sub":0},{"id":8,"title":"حدث المدائني","lvl":2,"sub":1},{"id":8,"title":"وروى إسماعيل بن يحيى اليزيدي عن أبيه","lvl":2,"sub":2},{"id":8,"title":"وذكر أبو مروان صاحب كتاب المقتبس في أبناء أهل الأندلس","lvl":2,"sub":3},{"id":8,"title":"ونقلت من خط الفقيه أبي محمد عبد الخالق المسكي","lvl":2,"sub":4},{"id":9,"title":"كان بمصر رجل زجلي كثير الوسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":9,"title":"وروى أن أبا نواس خرج يوما وهو مخمور إلى الكناسة","lvl":2,"sub":1},{"id":9,"title":"وروى أنه مر أعرابي ومعه نعجة وكبش وجمل صغير","lvl":2,"sub":2},{"id":9,"title":"وروى أنه دخل على عنان، فكتب رقعة وناولها إياها","lvl":2,"sub":3},{"id":9,"title":"وروى الجماز أنه دخل عليها قبل تعارفهما","lvl":2,"sub":4},{"id":9,"title":"وروى المدائني","lvl":2,"sub":5},{"id":10,"title":"وذكر الخالديان","lvl":2,"sub":0},{"id":10,"title":"وذكر صاحب كتاب نجباء الأنباء","lvl":2,"sub":1},{"id":11,"title":"وذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتاب الوزراء","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"أنبأنا الفقيه الحافظ التقى أبو محمد عبد الخالق المسكي إجازة أنبأنا","lvl":2,"sub":1},{"id":11,"title":"ومن حسن الجواب بالشعر بديها","lvl":2,"sub":2},{"id":12,"title":"وذكر الصولي في كتاب الوزراء","lvl":2,"sub":0},{"id":12,"title":"وروى علي بن الجهم","lvl":2,"sub":1},{"id":12,"title":"وكان أبو الفضل بن المضاء أحد أمراء بني الأغلب يخضب","lvl":2,"sub":2},{"id":12,"title":"وذكر الصولي في كتاب الوزراء حدثني محمد بن العلاء السجزي","lvl":2,"sub":3},{"id":12,"title":"وذكر أبو عبد الله التنوخي في كتاب نشوار المحاضرة","lvl":2,"sub":4},{"id":12,"title":"وكان أبو عمر أحمد بن عبد ربه صديقا لمحمد بن يحيى بن القلفاظ الشاعر","lvl":2,"sub":5},{"id":13,"title":"أنبأنا الشيخ النبيه الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي عن الفقيه","lvl":2,"sub":0},{"id":13,"title":"أنبأنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي","lvl":2,"sub":1},{"id":13,"title":"قال بديع الزمان الهمذاني","lvl":2,"sub":2},{"id":14,"title":"قال العميد أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي في كتابه","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"وكان حسان بن عجل الكلبي المعروف بعرقلة أعور","lvl":2,"sub":1},{"id":14,"title":"الباب الثاني","lvl":1,"sub":2},{"id":14,"title":"في بدائع بدائه الإجازة","lvl":1,"sub":3},{"id":14,"title":"الفصل الأول","lvl":2,"sub":4},{"id":14,"title":"في إجازة الشاعر لمعاصره","lvl":2,"sub":5},{"id":14,"title":"فمن هذا القسم ما تكون الإجازة فيه بقسيم لقسيم","lvl":2,"sub":6},{"id":15,"title":"وروى عمران بن عبد العزيز الزهري","lvl":2,"sub":0},{"id":15,"title":"ومن ذلك ما روى أبو عبيدة","lvl":2,"sub":1},{"id":15,"title":"ومن ذلك ما اخبرنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي","lvl":2,"sub":2},{"id":15,"title":"ومن ذلك ما روى سلمة النميري","lvl":2,"sub":3},{"id":15,"title":"ومن ذلك ما روي أن بعض الشعراء قال لأبي العتاهية أجز","lvl":2,"sub":4},{"id":15,"title":"ومن ذلك ما روي عن دعبل بن علي الخزاعي","lvl":2,"sub":5},{"id":15,"title":"ومن ذلك ما روى محمد بن إسحاق","lvl":2,"sub":6},{"id":15,"title":"ومن ذلك ما روى محمد بن داود بن الجراح","lvl":2,"sub":7},{"id":16,"title":"ومن ذلك ما روي أن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن الحكم","lvl":2,"sub":0},{"id":16,"title":"ومن ذلك ما روى النميري","lvl":2,"sub":1},{"id":16,"title":"قال القاضي الفقيه جمال الدين","lvl":2,"sub":2},{"id":16,"title":"وذكر عبيد الله بن أحمد بن طاهر في تاريخه الذي ذيل به كتاب أبيه","lvl":2,"sub":3},{"id":16,"title":"وذكر الرئيس هلال بن المحسن بن الصابي في كتاب الوزراء والكتاب","lvl":2,"sub":4},{"id":16,"title":"وروى عبد الجبار بن حمديس الصقلي","lvl":2,"sub":5},{"id":16,"title":"قال علي بن ظافر: وقد أنبأني الفقيه أبو محمد المسكي إجازة","lvl":2,"sub":6},{"id":17,"title":"أنبأنا الشيخان","lvl":2,"sub":0},{"id":17,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":17,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":17,"title":"وأخبرني أيضا","lvl":2,"sub":3},{"id":17,"title":"وأخبرني الشيخ الأجل الفقيه الزاهد أبو عبد الله محمد القرطبي أيده الله","lvl":2,"sub":4},{"id":18,"title":"وأخبرني الأجل شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير الصدر الكبير نجم الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي بن الديباجي الكاتب قال","lvl":2,"sub":1},{"id":18,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":18,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":18,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":4},{"id":18,"title":"وقلت له يوما أجز","lvl":2,"sub":5},{"id":18,"title":"وذكر أبو علي الحسن بن رشيق في كتاب الأنموذج حكاية مطبوعة","lvl":2,"sub":6},{"id":18,"title":"ومن الإجازة إجازة قسيم بقسيم وبيت","lvl":2,"sub":7},{"id":18,"title":"وذكرعبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد","lvl":2,"sub":8},{"id":19,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"وبهذا الإسناد قال ابن بسام","lvl":2,"sub":1},{"id":19,"title":"وبه أيضاما ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة قال","lvl":2,"sub":2},{"id":19,"title":"ومنها إجازة قسيم بقسيم وأكثر من بيت","lvl":2,"sub":3},{"id":19,"title":"وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام قال","lvl":2,"sub":4},{"id":20,"title":"وذكر العميد أبو الحسين علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":"وأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي وقال","lvl":2,"sub":1},{"id":20,"title":"وذكر الوزير أبو بكر بن اللبانة الداني في كتاب سقيط الدرر ولقيط الزهر","lvl":2,"sub":2},{"id":20,"title":"وكذلك ما روى أن القاضي الفقيه أبا الحسن علي بن القاسم ابن محمد بن عشرة","lvl":2,"sub":3},{"id":20,"title":"وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره رحمه الله قال","lvl":2,"sub":4},{"id":21,"title":"ومنها إجازة بيت ببيت","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"وروى حبيب بن نصر المهلبي قال","lvl":2,"sub":1},{"id":21,"title":"وروى عمر بن عبد الله العتكي عن الرقاشي","lvl":2,"sub":2},{"id":21,"title":"وروى أبو روح الراسبي قال","lvl":2,"sub":3},{"id":21,"title":"وروي أن عبد العزيز بن عمر عبد العزيز رحمه الله","lvl":2,"sub":4},{"id":21,"title":"حدث المدائني قال","lvl":2,"sub":5},{"id":21,"title":"وروى زحر بن حصن، قال","lvl":2,"sub":6},{"id":22,"title":"وروى أن رسول علية بنت المهدي أو عائشة بنت الرشيد","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"وروى محمد بن حسن الحاتمي عن أبي العيناء عن العتبي","lvl":2,"sub":1},{"id":22,"title":"وروى الحسين بن الضحاك قال","lvl":2,"sub":2},{"id":22,"title":"وروى أن أبا نواس دخل على عنان جارية الناطفي في بعض أيام الربيع فقال","lvl":2,"sub":3},{"id":22,"title":"وروي أنه دخل عليها يوما وهي تبكي، وقد كان مولاها ضربها فقال","lvl":2,"sub":4},{"id":22,"title":"وروى محمد بن الأشعث قال","lvl":2,"sub":5},{"id":22,"title":"وروي لنا أن العباس بن الأحنف","lvl":2,"sub":6},{"id":22,"title":"وذكر ابن القمي في كتاب النباهة قال","lvl":2,"sub":7},{"id":22,"title":"وروى إبراهيم بن محمد اليزيدي، قال","lvl":2,"sub":8},{"id":23,"title":"وأنبأنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي عن السلفي قال","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"وحكى صاحب كتاب المقتبس أن الأمير عبد الرحمن ابن الحكم بن هشام صاحب","lvl":2,"sub":1},{"id":23,"title":"وذكر الصولي في كتاب الأوراق برواية تنتهي إلى جعفر بن محمد بن عبد","lvl":2,"sub":2},{"id":23,"title":"قال مروان بن الجنوب","lvl":2,"sub":3},{"id":23,"title":"وذكر يزيد بن محمد المهلبي، قال","lvl":2,"sub":4},{"id":23,"title":"وذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخه قال","lvl":2,"sub":5},{"id":24,"title":"أنبأني الفقيه النبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"وأنبأني الشيخان","lvl":2,"sub":1},{"id":24,"title":"وقال يزيد بن أبي اليسر الرياضي في كتابه الأمثال","lvl":2,"sub":2},{"id":24,"title":"أنبأني القاضي الفقيه الإمام نبيه الدين أبو الحسن بن علي ابن المفضل","lvl":2,"sub":3},{"id":24,"title":"وذكر الرئيس هلال بن الصابي أن الصاحب بن عباد قال","lvl":2,"sub":4},{"id":25,"title":"وأنبأنا العماد أبو حامد الأصفهاني، قال","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":"أخبرني الشيخ أبو عبد الله بن علي اليحصبي القرموني قال","lvl":2,"sub":1},{"id":25,"title":"وأخبرني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك رحمه الله","lvl":2,"sub":2},{"id":25,"title":"وأخبرني الأجل بهاء الدين بن الساعاتي المقدم ذكره","lvl":2,"sub":3},{"id":25,"title":"وأخبرني الفقيه أبو ثابت بن حسن الكربوني بالإسكندرية","lvl":2,"sub":4},{"id":25,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":5},{"id":26,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"وكنت أنا وابن المؤيد يوما عائدين إلى مصر","lvl":2,"sub":1},{"id":26,"title":"واجتمعت يوما بالأجل شهاب الدين ابن أخت الوزير نجم الدين العزيزي رحمه","lvl":2,"sub":2},{"id":26,"title":"إحداهما: قال أبو سليمان الواسطي","lvl":2,"sub":3},{"id":26,"title":"والأخرى قال أبو علي","lvl":2,"sub":4},{"id":26,"title":"ومن إجازة بيت ببيت ما يكون الشاعر قد عمل بيتا","lvl":2,"sub":5},{"id":27,"title":"قال العماد","lvl":2,"sub":0},{"id":27,"title":"قال بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":27,"title":"وأخبرنا القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك رحمه الله بما","lvl":2,"sub":2},{"id":27,"title":"وأخبرني صاحبنا الفقيه أبو الفضل جعفر الحموي","lvl":2,"sub":3},{"id":27,"title":"ومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو محمد الخالق بن زيدان المسكي المقدم ذكره","lvl":2,"sub":4},{"id":27,"title":"ومنها إجازة بيت بأكثر من بيت","lvl":2,"sub":5},{"id":28,"title":"ومثله ما روى من أن الرشيد أنشد الأصمعي بيتا وهو","lvl":2,"sub":0},{"id":28,"title":"قال يزيد بن أبي يسر الرياضي في كتابه الأمثال","lvl":2,"sub":1},{"id":28,"title":"أنبأني الشيخان","lvl":2,"sub":2},{"id":28,"title":"وذكر أبو العباس المروزي","lvl":2,"sub":3},{"id":28,"title":"وبالإسناد المتقدم ذكر الثعالبي في كتاب اليتيمة","lvl":2,"sub":4},{"id":28,"title":"وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة","lvl":2,"sub":5},{"id":29,"title":"ومن ذلك،بالإسناد المتقدم أيضا لكتاب الذخيرة ما رورى ابن بسام","lvl":2,"sub":0},{"id":29,"title":"وذكر أبو الفتح بن خاقان في كتاب القلائد","lvl":2,"sub":1},{"id":29,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":29,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":30,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":30,"title":"ومنه إجازة بيت وقسيم بقسيم","lvl":2,"sub":1},{"id":30,"title":"ومن ذلك، ما رواه إسحاق الموصلي","lvl":2,"sub":2},{"id":30,"title":"أنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي","lvl":2,"sub":3},{"id":30,"title":"وأخبرني القاضي السعيد ابن سناء الملك","lvl":2,"sub":4},{"id":30,"title":"ومنه إجازة بيتين ببيت","lvl":2,"sub":5},{"id":31,"title":"وذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج","lvl":2,"sub":0},{"id":31,"title":"واجتمع أبو عبد الله بن شرف الجذامي يوما بأبي علي بن رشيق فوصف له","lvl":2,"sub":1},{"id":31,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":31,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":31,"title":"ومنه إجازة بيتين بأكثر من بيت كما روى العباس ابن الفضل بن الربيع","lvl":2,"sub":4},{"id":32,"title":"وذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه الكبير","lvl":2,"sub":0},{"id":32,"title":"وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب القيان والمغنين","lvl":2,"sub":1},{"id":32,"title":"أنبأني الشيخان","lvl":2,"sub":2},{"id":32,"title":"أنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي، عن الحافظ السلفي إجازة","lvl":2,"sub":3},{"id":33,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":33,"title":"وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام","lvl":2,"sub":1},{"id":33,"title":"قال وصنع يوما الأعز أبو الحسن بن المؤيد رحمه الله تعالى بديها في","lvl":2,"sub":2},{"id":33,"title":"ومنه إجازة أبيات ببيت","lvl":2,"sub":3},{"id":34,"title":"وبهذا الإسناد عن الإمام الحافظ ابن عساكر","lvl":2,"sub":0},{"id":34,"title":"ومنه إجازة أكثر من بيت بأكثر من بيت","lvl":2,"sub":1},{"id":38,"title":"أنبأني العماد أبو حامد، أخبرني علي الحسن بن سعد الشاتاني","lvl":2,"sub":0},{"id":38,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":38,"title":"وهذه أيضا حكاية بديعة، تشتمل على نوعي الإجازة","lvl":2,"sub":2},{"id":40,"title":"القسم الثاني ما تكون الإجازة فيه لشعر قديم فمنه إجازة بيت ببيت","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"ومن ذلك ما روى أحمد بن أبي فنن","lvl":2,"sub":1},{"id":40,"title":"وروى أحمد بن معاوية","lvl":2,"sub":2},{"id":40,"title":"وروى العباس بن رستم","lvl":2,"sub":3},{"id":40,"title":"وذكر الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب","lvl":2,"sub":4},{"id":41,"title":"وروى علي بن الحسن الباخرزي في كتاب دمية القصر","lvl":2,"sub":0},{"id":41,"title":"وذكر أحمد بن أبي طاهر قال","lvl":2,"sub":1},{"id":41,"title":"وروى الفضل بن العباس الهاشمي عنها وعن بنان الشاعرة","lvl":2,"sub":2},{"id":41,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":41,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":4},{"id":41,"title":"وأخبرني بهاء الدين بن الساعاتي المقدم ذكره","lvl":2,"sub":5},{"id":41,"title":"وأخبرني الأديب أبو القاسم العداس المنبوز بالراوية","lvl":2,"sub":6},{"id":41,"title":"ومنه ما تكون الإجازة فيه لبيت بأكثر من بيت","lvl":2,"sub":7},{"id":41,"title":"وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام في الذخيرة","lvl":2,"sub":8},{"id":41,"title":"وأخبرني أبو الحسن بن الساعاتي المقدم ذكره","lvl":2,"sub":9},{"id":42,"title":"وغنى بعض القوالين يوما","lvl":2,"sub":0},{"id":42,"title":"وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي الديباجي كاتب الدست الشريف","lvl":2,"sub":1},{"id":42,"title":"ومنه ما تكون الإجازة فيه لأكثر من بيت؛ ذكر أبو العتاهية","lvl":2,"sub":2},{"id":42,"title":"وذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد","lvl":2,"sub":3},{"id":43,"title":"وبالإسناد المتقدم ذكره","lvl":2,"sub":0},{"id":43,"title":"وأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المقدسي إجازة","lvl":2,"sub":1},{"id":43,"title":"وذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة","lvl":2,"sub":2},{"id":43,"title":"ونقلت من خط عبد الجليل بن عبد المحسن الكتامي الشاعر الأسيوطي","lvl":2,"sub":3},{"id":43,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":4},{"id":43,"title":"ومما يجري مجرى الطرف","lvl":2,"sub":5},{"id":44,"title":"ومنه ما تكون الإجازة فيه بأكثر من بيت لأكثر من بيت","lvl":2,"sub":0},{"id":44,"title":"أنبأني الشيخان: الأجل العلامة تاج الدين الكندي والفقيه جمال الدين بن","lvl":2,"sub":1},{"id":44,"title":"وأخبرني الأمير شمس الدولة عبد الرحمن بن محمد بن ورشد بن علي بن منقذ بن","lvl":2,"sub":2},{"id":45,"title":"ومما وقع من هذا الباب وكانت الإجازة في وسط الشعر صلة لمعنى منقطع","lvl":2,"sub":0},{"id":45,"title":"الباب الثالث","lvl":1,"sub":1},{"id":45,"title":"في بدائع بدائه التمليط","lvl":1,"sub":2},{"id":45,"title":"فمما وقع من التمليط بين شاعرين بقسيم لقسيم وهذا النوع يسمى المماتنة","lvl":2,"sub":3},{"id":46,"title":"وروى ابن الكلبي عن أبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":47,"title":"ومن ذلك ما رواه أبو عزبة","lvl":2,"sub":0},{"id":47,"title":"ومن ذلك ما رواه إبراهيم بن المدبر","lvl":2,"sub":1},{"id":47,"title":"وقد ذكر الصولي في كتاب الوزراء","lvl":2,"sub":2},{"id":48,"title":"وذكر الصابي في كتاب الوزراء والكتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":48,"title":"ومن ذلك","lvl":2,"sub":1},{"id":48,"title":"ومن ذلك","lvl":2,"sub":2},{"id":48,"title":"أخبرني الفقيه الأجل السعيد أبو الحسن علي بن عبد الوهاب بن خليف","lvl":2,"sub":3},{"id":48,"title":"وأخبرني رجل من التجار بمصر يعرف بأبي الفضل ابن فتوح المصري","lvl":2,"sub":4},{"id":49,"title":"قرأت في بعض المجاميع أن شاعرا من أهل تنس من بلاد إفريقية","lvl":2,"sub":0},{"id":49,"title":"وأخبرني الأديب أبو عبد الله محمد التوزورى","lvl":2,"sub":1},{"id":49,"title":"وأخبرني العماد أبو حامد","lvl":2,"sub":2},{"id":49,"title":"وأخبرني القاضي الأعز أبو الحسن علي بن المؤيد رحمه الله","lvl":2,"sub":3},{"id":49,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":4},{"id":50,"title":"وأخبرني الشهاب قلب","lvl":2,"sub":0},{"id":50,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":50,"title":"واتفق لي أني اجتمعت مع القاضي أبي الحسن بن النبيه ومعنا جماعة من شعراء","lvl":2,"sub":2},{"id":50,"title":"ومن التمليط الواقع بين شاعرين ببيت لبيت ويسمى هذا النوع الإنفاذ","lvl":2,"sub":3},{"id":51,"title":"ومن ذلك ما أنبأني به الشيخان","lvl":2,"sub":0},{"id":51,"title":"وروى عقيل بن خالد عن ابن شهاب","lvl":2,"sub":1},{"id":51,"title":"وروى أبو عبد الله الجماز","lvl":2,"sub":2},{"id":51,"title":"وذكر الأصبهاني في كتاب الأغاني","lvl":2,"sub":3},{"id":51,"title":"قال أبو الفرج","lvl":2,"sub":4},{"id":52,"title":"وذكر الصولي في كتاب الوزراء","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"وذكر محمد بن أيوب الغرناطي في كتاب فرحة الأنفس في أخبار الأندلس","lvl":2,"sub":1},{"id":52,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":52,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":52,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":4},{"id":52,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":5},{"id":53,"title":"وأخبرني الأديب عبد المنعم بن صالح الجزيري","lvl":2,"sub":0},{"id":53,"title":"وأخبرني الأديب أبو القاسم عبد الرحمن العداس","lvl":2,"sub":1},{"id":53,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":54,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":54,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":54,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":54,"title":"وأخبرني أيضا","lvl":2,"sub":3},{"id":54,"title":"وبصرنا بساقية تتلوى تلوي الأفعوان","lvl":2,"sub":4},{"id":54,"title":"واجتمعت أنا وشهاب الدين يوما","lvl":2,"sub":5},{"id":55,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":55,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":55,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":55,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":55,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":4},{"id":56,"title":"واتفق يوما","lvl":2,"sub":0},{"id":56,"title":"روى المدائني","lvl":2,"sub":1},{"id":57,"title":"ومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني عن رجاله","lvl":2,"sub":0},{"id":57,"title":"وروي أيضا أن عقيل بن علفة المري","lvl":2,"sub":1},{"id":57,"title":"وذكر أبو الفرج هذا الرجز في حكاية أخرى تتصل بزيد ابن عياش التغلبي","lvl":2,"sub":2},{"id":58,"title":"وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق المعروف بالوراق بن يعقوب النديم في كتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":58,"title":"وذكر محمد بن سنان","lvl":2,"sub":1},{"id":58,"title":"وروى محمد بن خلف المرزباني","lvl":2,"sub":2},{"id":58,"title":"قال الأصمعي","lvl":2,"sub":3},{"id":58,"title":"وقد أنبأني التقي أبو محمد عبد الخالق المسكي","lvl":2,"sub":4},{"id":59,"title":"وحدث رزين العروضي","lvl":2,"sub":0},{"id":59,"title":"قال وروى محمد بن عيسى بن عبد الرحمن","lvl":2,"sub":1},{"id":59,"title":"وذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في كتابه الأمثال","lvl":2,"sub":2},{"id":59,"title":"وذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد","lvl":2,"sub":3},{"id":59,"title":"ومنه قال اجتمع عند أحمد بن أبي طاهر أبو الضياء القيني وأبو سليمان","lvl":2,"sub":4},{"id":59,"title":"وذكر أبو حفص عمر بن علي المطوعي","lvl":2,"sub":5},{"id":60,"title":"وأخبرت أن الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة السلمي وأبا محمد عبد الله بن","lvl":2,"sub":0},{"id":60,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":60,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":60,"title":"وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله المقدم ذكره","lvl":2,"sub":3},{"id":61,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"ومما روي في مثل هذا إلا أنه روي عن قوم مجاهيل","lvl":2,"sub":1},{"id":61,"title":"ما روى الأصبهاني بسند يتصل بإسحاق الموصلي عن رجاله","lvl":2,"sub":2},{"id":61,"title":"وأنبأني الفقيه التقي عبد الخالق المسكي","lvl":2,"sub":3},{"id":62,"title":"وذكر أبو الفرج","lvl":2,"sub":0},{"id":62,"title":"ومن ذلك ما أنبأنا به العماد أبو محمد الأصبهاني","lvl":2,"sub":1},{"id":62,"title":"وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي الديباجي","lvl":2,"sub":2},{"id":62,"title":"أن الأستاذ الرئيس أبا الفضل بن العميد","lvl":2,"sub":3},{"id":62,"title":"وعلى ذكر هذه الحكاية ذكر القزويني في كتاب الروضة","lvl":2,"sub":4},{"id":63,"title":"الباب الرابع","lvl":1,"sub":0},{"id":63,"title":"في بدائع بدائه الاجتماع","lvl":1,"sub":1},{"id":63,"title":"على العمل في مقصود واحد من شاعرين فصاعدا","lvl":1,"sub":2},{"id":63,"title":"لفصل الأول","lvl":2,"sub":3},{"id":63,"title":"فيما وقع الاتفاق فيه","lvl":2,"sub":4},{"id":63,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":5},{"id":63,"title":"قال أبو عبد الله بن شرف","lvl":2,"sub":6},{"id":64,"title":"وروى ابن بسام في كتاب الذخيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":64,"title":"قال وكان يختلف إليه غلام من أبناء أعيان أهل القيروان وكان به كلفا","lvl":2,"sub":1},{"id":64,"title":"وأنبأني العماد أبي حامد","lvl":2,"sub":2},{"id":64,"title":"وقال ابن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":65,"title":"قال ابن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":65,"title":"قال ابن ظافررحمه الله","lvl":2,"sub":1},{"id":66,"title":"أنبأنا العماد أبو حامد الأصبهاني إجازة","lvl":2,"sub":0},{"id":66,"title":"وأخبرني بعض أصحابنا الممصرين","lvl":2,"sub":1},{"id":67,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":67,"title":"الفصل الثاني","lvl":2,"sub":1},{"id":67,"title":"فيما لم يقع فيه توارد","lvl":2,"sub":2},{"id":67,"title":"فمن ذلك ما ذكره صاحب العقد والعهدة عليه","lvl":2,"sub":3},{"id":67,"title":"ومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن حمدون الصوري","lvl":2,"sub":4},{"id":67,"title":"وذكر أبو علي بن رشيق في كتاب الأنموذج","lvl":2,"sub":5},{"id":68,"title":"قال ابن رشيق","lvl":2,"sub":0},{"id":68,"title":"وذكر الباخرزي في كتاب الدمية","lvl":2,"sub":1},{"id":68,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":68,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":68,"title":"وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام","lvl":2,"sub":4},{"id":69,"title":"وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي","lvl":2,"sub":0},{"id":69,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":69,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":70,"title":"وأخبرني الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي وابن شيث من أصحابنا","lvl":2,"sub":0},{"id":70,"title":"وأخبرني الفقيه شجاع الغزلي رحمه الله","lvl":2,"sub":1},{"id":71,"title":"وأخبرني بهاء الدين أسعد بن يحيى بن منصور بن عبد العزيز ابن وهبان","lvl":2,"sub":0},{"id":71,"title":"وأخبرني الأديب راجح بن إسماعيل الحلي","lvl":2,"sub":1},{"id":72,"title":"وأخبرني الأديب أبو القاسم بن نفطويه","lvl":2,"sub":0},{"id":72,"title":"واجتمع يوما شهاب الدين يعقوب والشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن","lvl":2,"sub":1},{"id":72,"title":"وكنت في صدر العمر وابتداء قول الشعر","lvl":2,"sub":2},{"id":72,"title":"واتفق إنشاد القطع في بعض الليالي بالجامع لجماعة من أصحابنا فيهم ابن","lvl":2,"sub":3},{"id":73,"title":"وفي هذه الليلة أمطرت السماء مطرا خفيفا صقل رخام الصحن حتى لمع وجهه","lvl":2,"sub":0},{"id":73,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":73,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":73,"title":"وأخبرني بعض أصحابنا","lvl":2,"sub":3},{"id":74,"title":"وأخبرني صاحبنا فخر القضاة أبو الفرج نصر الله بن القاضي عز القضاة أبي","lvl":2,"sub":0},{"id":74,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":75,"title":"وكان الملك العزيز رحمه الله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"وأخبرني الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير","lvl":2,"sub":1},{"id":76,"title":"وأخبرني أبو الحسن بن النبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":76,"title":"وبرز أمر الملك العزيز رحمه الله تعالى إلى وزيره","lvl":2,"sub":1},{"id":77,"title":"وأخبرني بهاء الدين حسن الخرساني المعروف بابن الساعاتي","lvl":2,"sub":0},{"id":78,"title":"الباب الخامس","lvl":1,"sub":0},{"id":78,"title":"في بقية بدائع البدائه","lvl":1,"sub":1},{"id":78,"title":"وفيه فصلان","lvl":1,"sub":2},{"id":78,"title":"أحدهما ما كان من البدائه باقتراح مقترح كما تقدم في أول الباب الراب","lvl":1,"sub":3},{"id":78,"title":"الفصل الأول","lvl":2,"sub":4},{"id":78,"title":"فيما كان باقتراح مقترح","lvl":2,"sub":5},{"id":78,"title":"فمن ذلك ما روى","lvl":2,"sub":6},{"id":78,"title":"ومن ذلك ما روى","lvl":2,"sub":7},{"id":78,"title":"ومن ذلك ما روى أن أبا الخطاب عمر بن عامر السعدي المعروف بابن الأشد","lvl":2,"sub":8},{"id":78,"title":"وروى أن علي بن جبلة الأعمى العكوك لقي طاهر بن الحسين وهو في حراقة له","lvl":2,"sub":9},{"id":79,"title":"وذر الصولي في كتاب الوزراء","lvl":2,"sub":0},{"id":79,"title":"وذكر ابن المثنى","lvl":2,"sub":1},{"id":79,"title":"وروى أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن المعتصم في حياة أبيه بحضرة يعقوب بن","lvl":2,"sub":2},{"id":79,"title":"وروى حماد بن أحمد الكندي","lvl":2,"sub":3},{"id":80,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":80,"title":"وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب النشوان","lvl":2,"sub":1},{"id":80,"title":"قال وكنت أنا وأبو الفرج الببغاء نشاهد بركة ملئت","lvl":2,"sub":2},{"id":80,"title":"قال وكنت بحضرة عضد الدولة في مجلس أنس في عشية من العشايا","lvl":2,"sub":3},{"id":81,"title":"قال على بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":81,"title":"وذكر ما معناه","lvl":2,"sub":1},{"id":81,"title":"وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي","lvl":2,"sub":2},{"id":81,"title":"وذكر أن السرى الرفاء الموصلي","lvl":2,"sub":3},{"id":82,"title":"ومن ذلك ما روى ابن بسام في كتاب الذخيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":83,"title":"وروى أنه خرج معه يوما إلى الزهراء","lvl":2,"sub":0},{"id":83,"title":"وروى أيضا","lvl":2,"sub":1},{"id":83,"title":"وذكر ابن بسام أيضا","lvl":2,"sub":2},{"id":83,"title":"وذكر ابن بسام أيضا","lvl":2,"sub":3},{"id":83,"title":"قال ابن بسام","lvl":2,"sub":4},{"id":84,"title":"وأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن بن المقدسي عن أبي القاسم مخلوف","lvl":2,"sub":0},{"id":84,"title":"وروى ابن بسام في كتاب الذخيرة ورويناه بالإسناد المتقدم","lvl":2,"sub":1},{"id":85,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":85,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":85,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":85,"title":"وذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج","lvl":2,"sub":3},{"id":85,"title":"وروى أن الشيخ أبا الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي","lvl":2,"sub":4},{"id":85,"title":"وذكر صاحب الدمية الباخرزي أن الشريف محمد ابن علي بن الحسين الهمداني","lvl":2,"sub":5},{"id":85,"title":"وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي","lvl":2,"sub":6},{"id":86,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":86,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":86,"title":"وأنبأني العماد أبو حامد","lvl":2,"sub":2},{"id":86,"title":"قال العماد وذكر لي أن معز الدولة قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":87,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":87,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":87,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":87,"title":"وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي","lvl":2,"sub":3},{"id":87,"title":"وسأله صاحب له وصف مشط عاج قد أشبه الثريا شكلا ولونا وشق ليلا من","lvl":2,"sub":4},{"id":87,"title":"قال وجلس بمصر في دار الأنماط يوما مع جماعة","lvl":2,"sub":5},{"id":88,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":88,"title":"وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطرسي المعروف بابن السيوري الإسكندري","lvl":2,"sub":1},{"id":88,"title":"وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني بدمشق","lvl":2,"sub":2},{"id":89,"title":"وأخبرني القاضي الأسعد بن الخطير رحمه الله","lvl":2,"sub":0},{"id":89,"title":"وأخبرني القاضي الأسعد أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث","lvl":2,"sub":1},{"id":89,"title":"وأخبرني الشريف أبو الفضل جعفر الشاعر المنبوز بالقرطم","lvl":2,"sub":2},{"id":89,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":89,"title":"قال ومن أعجب ما دهيت به ورميت إلا أن الله بفضله نصر وأعطى الظفر وأعان","lvl":2,"sub":4},{"id":91,"title":"قال وكنت عند المولى الملك الأشراف أبقاه الله تعالى في سنة ثلاث وستمائة","lvl":2,"sub":0},{"id":92,"title":"قال: ومررت أيضا عليه وقد أنفذني السلطان خلد الله تعالى ملكه في رسالة","lvl":2,"sub":0},{"id":92,"title":"الفصل الثاني","lvl":2,"sub":1},{"id":92,"title":"فيما وقع من بدائع البدائه من غير اقتراح","lvl":2,"sub":2},{"id":92,"title":"روى مرة أن بن محكان السعدي تميم","lvl":2,"sub":3},{"id":92,"title":"وذكر الطبري","lvl":2,"sub":4},{"id":93,"title":"وروى أنه سكر يوما فتكشف فمرت به امرأة فسخرت منه","lvl":2,"sub":0},{"id":93,"title":"وروى أبو الغراف","lvl":2,"sub":1},{"id":93,"title":"وروى أن الحجاج لما أتى بالحكم بن المنذر الجارود","lvl":2,"sub":2},{"id":93,"title":"وروى عن عبد الأعلى الشيباني أن حماد عجرد ومطيع ابن إياس اجتمعا في مجلس","lvl":2,"sub":3},{"id":93,"title":"وروى إسحاق الموصلي أن يحيى بن زياد الحارثي قال لمطيع بن إياس","lvl":2,"sub":4},{"id":93,"title":"وروى أن أبا دلامة تاب وعزم على الحج","lvl":2,"sub":5},{"id":93,"title":"وروى انه كان منحرفا عن علي بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس","lvl":2,"sub":6},{"id":94,"title":"وذكر دعبل بن علي","lvl":2,"sub":0},{"id":94,"title":"وروى أن أبا نواس لما وفد على الخصيب","lvl":2,"sub":1},{"id":94,"title":"وروى أنه كان تنزه مرة مع عيسى بن الرشيد بالقفص في أواخر شعبان","lvl":2,"sub":2},{"id":94,"title":"وذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في أمثاله","lvl":2,"sub":3},{"id":94,"title":"وذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين","lvl":2,"sub":4},{"id":94,"title":"وذكر أيضا فيه برواية تتصل بعلي بن هشام","lvl":2,"sub":5},{"id":94,"title":"أنبأني الفقيه النبيه","lvl":2,"sub":6},{"id":95,"title":"وبهذا الإسناد عن الحميدي","lvl":2,"sub":0},{"id":95,"title":"وذكر أن تميم بن جميل التغلبي عاث ببعض الأعمال","lvl":2,"sub":1},{"id":96,"title":"وروى عن خالد الكاتب أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":96,"title":"وروى أبو الفرج","lvl":2,"sub":1},{"id":96,"title":"وذكر ابن العباس بن إبراهيم الصولي","lvl":2,"sub":2},{"id":96,"title":"وذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين","lvl":2,"sub":3},{"id":96,"title":"وحكى أن علي بن الجهم","lvl":2,"sub":4},{"id":97,"title":"وذكر ابن أبي طاهر في أخبار بغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"أنبأني المقدسي","lvl":2,"sub":1},{"id":97,"title":"وذكر أن الخليع حضر مجلس المتوكل في جملة الندماء","lvl":2,"sub":2},{"id":97,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":98,"title":"أخبرنا المسكي","lvl":2,"sub":0},{"id":98,"title":"وحكى النميري","lvl":2,"sub":1},{"id":98,"title":"وروى أنه جاء يوما إلى أبي العباس ثعلب أحمد بن يحيى وهو في المسجد","lvl":2,"sub":2},{"id":98,"title":"قال يزيد الرياضي في كتابه في الأمثال","lvl":2,"sub":3},{"id":98,"title":"حدثنا المسكي، بالإسناد المتقدم عن النجيرمي","lvl":2,"sub":4},{"id":98,"title":"قال يزيد الرياضي: حدثنا أبو عبد الله الكرماني","lvl":2,"sub":5},{"id":98,"title":"قال: وذكر المرادي أنه دخل إليه يهنيه ببرء من علة","lvl":2,"sub":6},{"id":98,"title":"ومثل هذه الحكاية ما روى من أن العباس الفارسي","lvl":2,"sub":7},{"id":99,"title":"قال القاضي علي التنوخي في كتاب النشوان، أخبرني أبي","lvl":2,"sub":0},{"id":99,"title":"قال: وحدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم","lvl":2,"sub":1},{"id":99,"title":"وروى أن نصر بن أحمد الخبز أرزي دخل على أبي الحسن ابن المثني في أثر","lvl":2,"sub":2},{"id":99,"title":"ومثل هذا ما رويناه بالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة","lvl":2,"sub":3},{"id":99,"title":"أنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي المقدسي","lvl":2,"sub":4},{"id":99,"title":"وبهذا الإسناد","lvl":2,"sub":5},{"id":99,"title":"أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن صمدون الصوري","lvl":2,"sub":6},{"id":100,"title":"وذكر الباخرزي في كتاب دمية القصر","lvl":2,"sub":0},{"id":100,"title":"قال وحدثني أبو إسحاق النجيرمي","lvl":2,"sub":1},{"id":100,"title":"وذكر صاحب اليتيمة","lvl":2,"sub":2},{"id":100,"title":"وشرب السري الموصلي يوما مع جماعة من أصحابه","lvl":2,"sub":3},{"id":101,"title":"وحكى أبو الفضل الهمذاني","lvl":2,"sub":0},{"id":101,"title":"وروى ابن الصابي في كتاب الوزراء","lvl":2,"sub":1},{"id":101,"title":"وأنبأني ذو النسبتين الحافظ أبو الخطاب بن دحية","lvl":2,"sub":2},{"id":101,"title":"وبالإسناد أيضا قال ابن بسام","lvl":2,"sub":3},{"id":102,"title":"وبالإسناد قال ابن بسام","lvl":2,"sub":0},{"id":102,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":102,"title":"أنبأني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي","lvl":2,"sub":2},{"id":102,"title":"وبهذا الإسناد عن الحميدي قال: أخبرني الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن","lvl":2,"sub":3},{"id":102,"title":"وبهذا الإسناد قال الحميدي","lvl":2,"sub":4},{"id":103,"title":"أنبأني ذو النسبتين الحافظ","lvl":2,"sub":0},{"id":103,"title":"قال وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له","lvl":2,"sub":1},{"id":103,"title":"قال وكان يوما مع لمة من أهل الأدب في مجلس أنس","lvl":2,"sub":2},{"id":103,"title":"وذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في سريرة الألباب وذخيرة الكتاب","lvl":2,"sub":3},{"id":103,"title":"وذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في هذا الكتاب","lvl":2,"sub":4},{"id":103,"title":"وأخبرني ابن المقدسي قال: أخبرني الشيخ الإمام الحافظ السلفي","lvl":2,"sub":5},{"id":104,"title":"وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام صاحب كتاب الذخيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":104,"title":"وقد كان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي يهوى فتى ببغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":104,"title":"قال: وكان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدرامي ليلة مع بعض","lvl":2,"sub":2},{"id":105,"title":"وبالإسناد المتقدم قال ابن بسام","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"وحضر الأديب أحمد بن الشفاق المنعوت بالمنفتل عند القائد ابن دري بجيان","lvl":2,"sub":1},{"id":105,"title":"قال وحضر ابن مرزقان ليلة عند ذي النون بن خلدون وبحضرته وصيفة تحمل شمعة","lvl":2,"sub":2},{"id":105,"title":"قال ودخل الأديب غانم يوما على باديس بن حيوس صاحب غرناطة فوسع له على","lvl":2,"sub":3},{"id":105,"title":"وخرج الأديب أبو الحسن علي بن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة فتذكر","lvl":2,"sub":4},{"id":105,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":5},{"id":106,"title":"وجلس المعتمد بن عباد يوما فأنشد بعض جلسائه قول أبي الطيب","lvl":2,"sub":0},{"id":106,"title":"وجلس يوما والبزاة تعرض عليه، فاستحث الشعراء في وصفها","lvl":2,"sub":1},{"id":106,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":106,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":106,"title":"وبالإسناد المقدم قال ابن بسام","lvl":2,"sub":4},{"id":106,"title":"قال وساير ابن عمار في بعض أسفاره","lvl":2,"sub":5},{"id":107,"title":"وقال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":107,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":107,"title":"وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام","lvl":2,"sub":2},{"id":108,"title":"قال ابن بسام","lvl":2,"sub":0},{"id":108,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":108,"title":"وجلس يوما وبين يديه ساقية","lvl":2,"sub":2},{"id":108,"title":"وقال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":109,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":109,"title":"وذكر ابن خفاجة في ديوان شعره","lvl":2,"sub":1},{"id":109,"title":"وقال ابن خفاجة","lvl":2,"sub":2},{"id":109,"title":"قال وخرجت يوما بشاطبة إلى باب السمارين","lvl":2,"sub":3},{"id":109,"title":"وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام","lvl":2,"sub":4},{"id":110,"title":"قال ابن بسام","lvl":2,"sub":0},{"id":110,"title":"وأخبرني أبو عبد الله محمد القرموني المقدم ذكره يدمشق","lvl":2,"sub":1},{"id":110,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":2},{"id":110,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":110,"title":"وأخبرني الفقيه أبو الحسن بن المفضل القدسي عن الفقيه الشريف أبي محمد","lvl":2,"sub":4},{"id":111,"title":"أخبرني الشيخ الأديب أبو الحسن علي بن خروف القيسي القرطبي رحمه الله","lvl":2,"sub":0},{"id":111,"title":"وأخبرني أن الأستاذ ابن الطراوة","lvl":2,"sub":1},{"id":111,"title":"أنبأني الشيخان","lvl":2,"sub":2},{"id":111,"title":"وأنبأني جميعا عن الشيخ الحافظ أبي القاسم","lvl":2,"sub":3},{"id":111,"title":"وبهذا الإسناد قال الجاحظ","lvl":2,"sub":4},{"id":111,"title":"قالا وأخبرنا الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي","lvl":2,"sub":5},{"id":111,"title":"وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني","lvl":2,"sub":6},{"id":112,"title":"وأخبرني الشيخان","lvl":2,"sub":0},{"id":112,"title":"وذكر القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الآمدي النائب","lvl":2,"sub":1},{"id":112,"title":"وأنبأني العماد أبو حامد","lvl":2,"sub":2},{"id":113,"title":"وأنبأني العماد أيضا","lvl":2,"sub":0},{"id":113,"title":"وذكر عبد الرحمن بن نصر الدمشقي في كتابه المسمى بالتحفة والطرفة","lvl":2,"sub":1},{"id":113,"title":"وأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المفضل المقدسي","lvl":2,"sub":2},{"id":113,"title":"وأنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي","lvl":2,"sub":3},{"id":113,"title":"وأخبرني القاضي الوجيه الحسين أبي منصور بن حران الواسطي","lvl":2,"sub":4},{"id":113,"title":"وأنبأنا العماد الأصفهاني إجازة","lvl":2,"sub":5},{"id":113,"title":"وأنبأني أيضا","lvl":2,"sub":6},{"id":114,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0},{"id":114,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":1},{"id":114,"title":"وأخبرني الفقيه الحافظ بن دحية","lvl":2,"sub":2},{"id":114,"title":"وأخبرني أيضا","lvl":2,"sub":3},{"id":114,"title":"وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن أبيه بما معناه","lvl":2,"sub":4},{"id":114,"title":"وأخبرني أيضا رحمه الله","lvl":2,"sub":5},{"id":115,"title":"وأنبأني العماد أبو حامد","lvl":2,"sub":0},{"id":115,"title":"وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطوسي المعروف بابن السيوري","lvl":2,"sub":1},{"id":115,"title":"وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن المقدسي","lvl":2,"sub":2},{"id":115,"title":"وأخبرني أبو عبد الله المنجم بن الصواف","lvl":2,"sub":3},{"id":116,"title":"وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد، عن أبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":116,"title":"وأخبرني الأنجب السخاوي الساكن بالإسكندرية","lvl":2,"sub":1},{"id":116,"title":"أنبأني العماد أبو حامد رحمه الله","lvl":2,"sub":2},{"id":116,"title":"قال: وجرى بين يديه ذكر سيوف السلطان الملك الناصررحمه الله","lvl":2,"sub":3},{"id":116,"title":"وأخبرني السعيد أبو القاسم بن سناء الملك رحمه الله","lvl":2,"sub":4},{"id":116,"title":"قال: وأخبرني الفقيه أبو العباس أحمد الآبي","lvl":2,"sub":5},{"id":116,"title":"وأخبرني الفقيه شجاع الغزالي المتقدم ذكره","lvl":2,"sub":6},{"id":117,"title":"وأخبرني الفقيه الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي المقدم ذكره","lvl":2,"sub":0},{"id":117,"title":"وأخبرني بعض أصحابنا","lvl":2,"sub":1},{"id":117,"title":"وأخبرني الفقيه القاضي أبو موسى عمران الخندقي رحمه الله","lvl":2,"sub":2},{"id":117,"title":"وأخبرني الفقيه العفيف شجاع العربي المقدم ذكره","lvl":2,"sub":3},{"id":117,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":4},{"id":117,"title":"ولأبي الوليد النحلي الأندلسي خبر يدخل في بدائع البدائه","lvl":2,"sub":5},{"id":118,"title":"أخبرني الفقيه تقي الدين اليوني الشاعر","lvl":2,"sub":0},{"id":118,"title":"وأخبرني موفق الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الله البغدادي","lvl":2,"sub":1},{"id":118,"title":"وأخبرني موفق الدين أبو الحسن علي بن محمد البغدادي الساكن برأس العين","lvl":2,"sub":2},{"id":118,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":3},{"id":118,"title":"وأخبرني الشهاب ابن أخت نجم الدين بن المجاور المقدم ذكره","lvl":2,"sub":4},{"id":118,"title":"وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن العماد بن ناصر الدولة","lvl":2,"sub":5},{"id":118,"title":"وأخبرني الأعز بن المؤيد رحمه الله","lvl":2,"sub":6},{"id":119,"title":"قال علي بن ظافر","lvl":2,"sub":0}]}