{"pages":[{"id":1,"text":"محق التقوّل في مسألة التوسل\rللإمام العلامة الفقيه\rمحمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالمقدمة :\rالحمد لله وصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه اجمعين\rاما بعد : فإنا نرى طائفة من الحشوية يحاولون إكفار الأمة جمعاء بين حين وآخر بسبب أنهم يزورون القبور ويتوسلون الله تعالى بالأخيار . فكأنهم بذلك اصبحوا عباد الأوثان فحاشاهم من ذلك .\rفأحببت ذكر آراء أئمة أصول الدين في مسألة التوسل لأنهم اصحاب الشأن في تبيين وجود الفرق بين التوحيد والإشراك وعبادة الأوثان ، مع سرد مافي الكتاب والسنة من وجوه الدلالة على ذلك عند اهل العلم ردا للحق الى نصابه ، وردعاً للجهل واصحابه ، والله سبحانه ولي التسديد والتوفيق\r---\rالفصل الأول :\rفأقول مستعيناً بالله جل جلاله : إني أرى أن أتحدث هنا عن مسألة التوسل التي هي وسيلة دعاتهم إلى رميهم الأمة المحمدية بالإشراك وكنت لا أحب طرق هذا البحث لكثرة ما اثاروا حوله من جدل عقيم مع ظهور الحجة واستبانة المحجة\rوليس قصد أول من أثار هذه الفتنة سوى استباحة أموال المسلمين ليؤسس حكمه بأموالهم على دمائهم باسم أنهم مشركون وأنّى يكون للحشوية صدق الدعوة إلى التوحيد !\rوهم في إنكارهم التوسل محجوجون بالكتاب ، والسنة والعمل المتوارث والمعقول .\rأما الكتاب فمنه قوله تعالى ( وابتغوا إليه الوسيلة ) بعمومها تشمل التوسل بالأشخاص ، والتوسل بالأعمال بل المتبادر من التوسل في الشرع هو هذا وذاك ، رغم تقول كل مفتر أفاك\rوالفرق بين الحي والميت في ذلك لا يصدر إلا عمن ينطوي على اعتقاد فناء الأرواح ، المؤدي الى إنكار البعث وعلى ادعاء انتفاء الإدراكات الجزئية من النفس بعد مفارقتها البدن ، المستلزم لإنكار الأدلة الشرعية في ذلك .","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"أما شمول الوسيلة في الآية المذكورة للتوسل بالأشخاص فليس برأي مجرد ، ولا هو بمأخوذ من العموم اللغوى فحسب ، بل هو المأثور عن عمر الفاروق رضي الله عنه حيث قال بعد أن توسل بالعباس رضي الله عنه في الاستسقاء(هذا ولله الوسيلة الى الله عز جل ) كما في الاستيعاب لابن عبد البر .\rواما السنة فمنها حديث عثمان بن حنيف – بالتصغير – رضي الله عنه وفيه : \" يا محمد إني توجهت بك إلى ربي \"\rوهكذا علّم الرسول صلى الله عليه و سلم الضرير الدعاء ، وفيه التوسل بالشخص وصرفه عن ظاهره تحريف للكلم عن مواضعه بهوى .\rوأما كون استجابة دعاء الضرير بدعاء الرسول صلوات الله عليه – وهو غير مذكور في الرواية – أوبدعاء الضرير ، فلا شأن لنا بذلك ، بل الحجة هي نص الدعاء المأثور عن الرسول عليه الصلاة والسلام .\rوقد نص على صحة هذا الحديث جماعة من الحفاظ كما سيأتي وقد ورد أيضاً في حديث فاطمة بنت أسد رضي الله عنها \" بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي\". ورجال هذا الحديث ثقات سوى روح بن صلاح . وعنه يقول الحاكم : ثقة مأمون وذكره ابن حبان في الثقات.\rوهو نص على أنه لا فرق بين الأحياء والأموات في باب التوسل\rوهذا توسل بجاه الأنبياء صريح .\rوفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : \" اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك \". وهذا توسل بالمسلمين عامة أحياء وأمواتا .\rوابن الموفق في سنده لم ينفرد عن مرزوق وابن مرزوق من رجال مسلم وعطية حسّن له الترمذي عدة احاديث ، كما سيأتي .\rوعلى التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتا جرت الأمة طبقة فطبقة.\rوقول عمر رضي الله عنه في الإستسقاء : \" إنا نتوسل إليك بعم نبينا \" نص في توسل الصحابة بالصحابة ، وفيه إنشاء التوسل بشخص العباس رضي الله عنه .\rوليس في هذه الجملة فائدة الخبر ، لأن الله تعالى يعلم أيضاً علم المتوسلين بتوسلهم ، فتمحضت الجملة لإنشاء التوسل بالشخص .","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وقوله ( كنا نتوسل ) فيه أيضاً ما في الجملة الأولى ، وعلى أن قول الصحابي : كنا نفعل كذا ينصب على ما قبل القول فيكون المعنى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتوسلون به صلى الله عليه و سلم في حياته ، وبعد لحوقه بالرفيق الأعلى إلى عام الرمادة .\rوقصر ذلك على ما قبل وفاته عليه السلام تقصير عن هوى وتحريف لنص الحديث ، وتأويل بدون دليل.\rومن حاول إنكار جواز التوسل بالأنبياء بعد موتهم بعدول عمر إلى العباس في الإستسقاء قد حاول المحال ، ونسب إلى عمر ما لم يخطر له على بال ، فضلاً عن أن ينطق به ، فلا يكون هذا إلا محاولة إبطال السنة الصريحة بالرأي .\rوفعل عمر إنما يدل على أن التوسل بقرابة الرسول r الأحياء جائز كجوازه بالنبي عليه الصلاة والسلام ليس غير ، بل في استعياب ابن عبد البر بيان سبب استسقاء عمر بالعباس حيث يقول فيه ( إن الأرض أجدبت إجداباً شديداً على عهد عمر زمن الرمادة وذلك سنة سبع عشرة فقال كعب يا أمير المؤمنين : إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا إستقوا بعصبة الأنبياء ، فقال عمر : هذا عم رسول الله صلى الله عليه و سلم وصنو أبيه وسيد بني هاشم فمشي إليه عمر , وشكا إليه ) .\rفهل استبان أن استسقاء عمر بالعباس لم يكن من جهة أن الرسول ميت لا يسمع نداء ، ولا جاه له عند الله تعالى : حاش لله ، ما هذا إلا إفك مفترى .\rوحديث مالك الدار في مجيء بلال بن الحارث الصحابي إلى قبر النبي صلى الله عليه و سلم أيام القحط في عهد عمر ، وقوله ( يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام فقال : \" ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون) نص في توسل الصحابة به عليه السلام بعد وفاته من غير نكير .\rوالحديث مما أخرج ابن أبي شيبه بسند صحيح ، كما في \" فتح الباري \"","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"وهذا قامع لمن لا يجيز التوسل به صلوات الله عليه بعد لحوقه بالرفيق الأعلى وكذلك حديث عثمان بن حنيف في تعليمه دعاء الحاجة السابق ذكره لمن كان له حاجة عند عثمان بن عفان رضي الله عنه وفيه التوسل بالنبي r بعد وفاته ، من غير أن ينكر عليه أحد.\rوالحديث صححه الطبراني ، وأقره ابو الحسن الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" كما سيأتي .\rوقد جمع المحدث الكبير محمد عابد السندي ، في جزء خاص الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب فشفى وكفى .\rوعمل الأمة المتوارث طبقة فطبقة في ذلك مما يصعب استقصاؤه وفي ذلك كتب خاصة .\rوفي مناسك الإمام أحمد رواية ابي بكر المروزي التوسل إلى الله تعالى بالنبي rوالصيغة التي ذكرها أبو الوفاء بن عقيل كبير الحنابلة في \" تذكرته \" في التوسل به عليه السلام ، على مذهب الحنابلة فيها طول ، ذكرنا نصها في تكملتنا \" للسيف الصقيل \" وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل \" تاريخ الخطيب \" بسند صحيح.\rوتمسح الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي بقبر أحمد للإستشفاء لدمامل أعيا الأطباءً مذكور في \" الحكايات المنثورة \" للحافظ الضياء المقدسي سماعاً من شيخة المذكور .\rوالكتاب محفوظ بظاهرية دمشق ، وهو بخط المؤلف . فهل هؤلاء عباد القبور؟!.\rوأما من جهة المعقول فإن أمثال الإمام فخر الدين الرازي والعلامة سعد الدين التفتازاني والعلامة السيد الشريف الجرجاني وغيرهم من كبار أئمة أصول الدين الذين يفزع اليهم في حل المشكلات في أصول الديانة : قد صرحوا بجواز التوسل بالأنبيا والصالحين أحياءا وأمواتاً ، وأي ضعيف يستطيع أن يرميهم بعبادة القبور ، والدعوة إلى الإشراك بالله ، وإليهم تفزع الأمة في معرفة الإيمان والكفر ، والتوحيد والإشراك ، والدين الخالص .\rوالمدد كله عند الجميع من مسبب الأسباب جل جلاله.\rفدونك نصوصاً من كلام هؤلاء الأئمة في هذه المسألة.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"قال الرازي في تفسيره : \" إن الأرواح البشرية الخالية من العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الإتصال بالعالم العلوي بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ومنازل القدس, ويظهر منها آثار في أحوال هذا العالم ، فهي المدبرات أمرا أليس الإنسان قد يرى أستاذه في المنام ويسأله عن مسألة فيرشده إليها .\rوقال الرازي في \" المطالب العالية \" وهو من أمتع كتبه في أصول الدين : في الفصل العاشر من المقالة الثالثة من الكتاب السابع منه : إن الإنسان قد يرى أباه وأمه في المنام ويسألهما عن أشياء وهما يذكران أجوبة صحيحة ، وربما أرشداه إلى دفين في موضع لا يعلمه أحد ، ثم قال أنا كنت صبياً في أول التعلم ، وكنت أقرأ \" حوادث لا أول لها \" فرأيت في المنام أبي فقال لي : أجود الدلائل أن يقال الحركة إنتقال من حالة إلى حالة فهي تقتضي بحسب ماهيتها مسبوقيتها بالغير ، والأزل ينافي مسبوقاً بالغير ، فوجب أن يكون الجمع بينهما محالاً ثم قال المنصف والظاهر أن هذا الوجه أحسن من كل ما قيل في هذه المسألة.\rوأيضاً سمعت أن الفردوسي الشاعر لمّاصنف كتابة المسمى \" بشاهنامه \" على اسم السلطان محمود بن سبكتكين ولم يقض حقه كما يجب ، وما راعاه كما يليق بذلك الكتاب ، ضاق قلب الفردوسي ، فرأي في المنام \" رستم \" فقال له : قد مدحتني في هذا الكتاب ، كثيراً وأنا في زمرة الأموات فلا أقدر على قضاء حقك ، ولكن إذهب إلى الموضع الفلاني واحفره فإنك تجد فيه دفيناً فخذه. فكان الفردوسي يقول : أن رستم بعد موته أكثر كرماً من محمود حال حياته .","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"وقال أيضاً في الفصل الثامن عشر من تلك المقالة – والفصل الثامن عشر في بيان كيفية الإنتفاع بزيارة الموتى والقبور - : \" ثم قال سألني بعض أكابر الملوك عن المسألة ، وهو الملك محمد بن سالم بن الحسين الغوري – وكان رجلاً حسن السيرة مرضي الطريقة ، شديد الميل إلى العلماء ، قوي الرغبة في مجالسة أهل الدين والعقل – فكتبت فيها رسالة وأنا أذكر هنا ملخص ذلك فأقول للكلام فيه مقدمات . المقدمة الأولى : أنّا قد دللنا على أن النفوس البشرية باقية بعد موت الأبدان ، وتلك النفوس التي فارقت أبدانها أقوى من هذه النفوس المتعلقة بالأبدان من بعض الوجوه . أما أن النفوس المفارقة أقوى من هذه النفوس من بعض الوجوه ، فهو أن تلك النفوس لما فارقت أبدانها فقد زال الغطاء ، وانكشف لها عالم الغيب ، وأسرار منازل الأخرة ، وصارت العلوم التي كانت برهانية عند التعلق بالأبدان ضرورية بعد مفارقة الأبدان ، لأن النفوس في الأبدان كانت في عناء وغطاء ، ولمّا زال البدن أشرفت تلك النفوس وتجلت وتلألأت ، فحصل للنفوس المفارقة عن الأبدان بهذا الطريق نوع من الكمال . وأما أن النفوس المتعلقة بالأبدان أقوى من تلك النفوس المفارقة من وجه أخر فلأن آلات الكسب والطلب باقية لهذه النفوس بواسطة الأفكار المتلاحقة ، والأنظار المتتالية تستفيد كل يوم علماً جديداً ، وهذه الحالة غير حاصلة للنفوس المفارقة .","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"والمقدمة الثانية أن تعلق النفوس بأبدانها تعلق يشبه العشق الشديد ، والحب التام ، ، ولهذا السبب كان كل شيء تطلب تحصيله في الدنيا فإنما تطلبه لتتوصل به إلى إيصال الخير والراحة إلى هذا البدن . فإذا مات الإنسان وفارقت النفس هذا البدن ، فذلك الميل يبقى ، وذلك العشق لا يزول وتبقى تلك النفوس عظيمة الميل إلى ذلك البدن,عظيمة الإنجذاب ، على هذا المذهب الذي نصرناه من أن النفوس الناطقة مدركة للجزئيات ، وأنها تبقى موصوفة بهذا الإدراك بعد موتها ، إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : إن الإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس ، كامل الجوهر شديد التأثير ، ووقف هناك ساعة ، وتأثرت نفسه من تلك التربة – وقد عرفت أن لنفس ذلك الميت تعلقاً بتلك التربة أيضاً- فحينئذ يحصل لهذا الزائر الحي ، ولنفس ذلك الميت ملاقاة بسبب إجتماعهما على تلك التربة ، فصارت هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين وضعتا بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى أخرى .\rفكل ما حصل في نفس هذا الزائر الحي من المعارف البرهانية ،والعلوم الكسبية ، والأخلاق الفاضلة من الخضوع له ، والرضا بقضاء الله ينعكس منه نور إلى روح ذلك الميت ، وكل ما حصل ذلك الإنسان الميت من العلوم المشرقة الكاملة فإنه ينعكس منه نور إلى روح هذا الزائر الحي. وبهذا الطريق تكون تلك الزيارة سبباً لحصول المنفعة الكبرى ، والبهجة العظمى لروح الزائر ، ولروح المزور ، وهذا هو السبب الأصلى في شرع الزيارة ، ولا يبعد أن تحصل فيها أسرار أخرى أدق وأغمض مما ذكرنا . وتمام العلم بحقائق الأشياء ليس إلا عند الله اهـ .\rو ها أنت رأيت ما يراه الإمام فخر الدين الرازي في الزيارة من الأخذ والعطاء ، والإستفاضة والإفاضة على نسبة منزلتي المزور والزائر .\rوقال العلامة المحقق السعد التفتازاني في \" شرح المقاصد \" وهو من أمهات كتب أصول الدين – في الصفحة 32 من الجزء الثاني منه في الردة على الفلاسفة","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"لماكان إدراك الجزئيات مشروطاً عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات ، فعند مفارقة النفس وبطلان الآلات لا تبقى مدركة للجزئيات ضرورة انتفاء الشروط بانتفاء الشرط . وعندنا لما لم تكن الآلات شرطاً في إدراك الجزئيات ، إما أنه ليس بحصول الصورة لا في النفس ولا في الحس, وإما لأنه لا يتمنع ارتسام صورة الجزئي في النفس بل الظاهر من قواعد الإسلام أنه يكون للنفس بعد المفارقة إدراكات جزئية ، وإطلاع على بعض جزئيات أحوال الأحياء ، سيما الذين بينهم وبين الميت تعارف في الدنيا ، ولذا ينتفع بزيارة القبور, والإستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في إستنزال الخيرات وإستدفاع الملمات ، فإن للنفس بعد المفارقة تعلقاً ما بالبدن وبالتربة التي دفن فيها . فإذا زار الحي تلك التربة ، توجهت نفسه تلقاء نفس الميت حصل بين النفسين ملاقات وإفاضات . ا هـ .\rهذا هو تحقيق هذا الإمام الجليل في المسألة ، فهذا أيضاً ممن لا يميز بين التوحيد والإشراك ؟ قف لرأس يتخيل ذلك ! .\rوقال التفتازاني أيضاًَ في الصفحة ( 150 ) من الجزء المذكور : وبالجملة ظهور كرامات الأولياء يكاد يلحق بظهور معجزات الأنبياء ، وإنكارها ليس بعجب من أهل البدع والأهواء إذ لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم قط ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون انهم على شئ مع إجتهادهم في أمور العبادات واجتناب السيئات فوقعوا في أولياء الله تعالى أصحاب الكرامات ، يمزقون أديمهم ويمضغون لحومهم ، لا يسمّونهم إلا باسم الجهلة المتصوفة, ولا يعدونهم إلا عداد آحاد المبتدعة قاعدين تحت المثل السائر ( أو سعتهم سبا وأودوا بالإبل ) ولم يعرفوا أن مبنى هذا الأمرعلى صفاء القصيدة ونقاء السريرة ، واقتفاء الطريقة واصطفاء الحقيقة . اهـ وهذا هو قول هذا الإمام الجليل في أولياء الله أصحاب الكرامات مع انه لا صلة له بالتصوف ، وفي تلك عبرة لمن تعود أن يلغ في دماء أصفياء الأمة .","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"وقال العلامة السيد الشريف الجرجاني في أوائل حاشية على (المطالع ) عند بيان الشارح وجه الصلاة على النبي وآله عليه وعليهم الصلاة والسلام في أوائل الكتب ، ووجه الحاجة إلى التوسل بهم في الاستفاضة : \" فإن قيل هذا التوسل إنما يتصور إذا كانوا متعلقين بالأبدان ، وأما إذا تجردوا عنها فلا ، إذ لا وجهة مقتضية للمناسبة . قلنا يكفيه أنهم كانوا متعلقين بها متوجهين إلى تكميل النفوس الناقصة بهمة عالية ، فإن أثر ذلك باق فيهم، وكذلك كانت زيارة مراقدهم معدة لفيضان أنوار كثيرة منهم على الزائرين كما يشاهده ، أصحاب البصائر \" ا هـ .\rفتطابق الكتاب والسنة ، وعمل الأمة المتوارثة ، وكلام أئمة أصول الدين في المسألة كما رأيت ومن عاند بعد ذلك فهو زائغ عن السبيل .\r---\rالفصل الثاني :\rوأتحدث الآن بإذن الله تعالى عن الأحاديث ، والآثار المروية في هذا الباب تفصيلاً لما أجملناه ، هناك بعد الإشارة إلى الآيات في ذلك .\rفأقول سبق أن تلونا قوله تعالى : ( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) احتجاجاً به على أن التوسل بالذوات والأعمال مطلوب شرعاً ، لشمول إبتغاء الوسيلة لهذا وذاك ، لا بمجرد الرأي فقط ، ولا بالعموم اللغوي فحسب ، بل بما رواه ابن عبد البر في( الاستيعاب ) عن عمر رضى الله عنه أنه قال بعد أن استسقى بالعباس رضي الله عنه وسقوا \" هذا – والله – الوسيلة إلى الله عز وجل والمكان منه \" وزد على ذلك قول عمر أيضاً في ( أنساب الزبير بن بكار ) على ما في فتح الباري : \" واتخذوه – يعني العباس – وسيلة إلى الله \" ولا يتصور أن يكون هذا بمعنى : اطلبوا الدعاء منه لأن عمر طلب منه الدعاء ، وتقدم هو للدعاء ، وبعد طلب أمير المؤمنين منه وتقدمه للدعاء إجابة لطلب عمر لا يكون قول عمر هذا إلا بمعنى : \" توسلوا به إلى الله \" كما فعل عمر نفسه ، لكن الهوى يعمي ويعم .","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"وفي فتح الباري ( 2- 337) وليس في قول عمر أنهم كانوا يتوسلون به دلالة على أنهم سألوه أن يستسقي لهم إذ يحتمل أن يكونوا في الحالتين طلبوا السقيا من الله مستشفعين به صلى الله عليه و سلم.\rوقال ابن رشد أراد بالترجمة ( باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء ) الاستدلال بالطريق الأولى لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال اهـ .\rوكلام الحافظين يقضي على وهم من يهم قائلاً أن التوسل به r هو طلب الدعاء منه ، وأين التوسل من الدعاء ؟ نعم قد يدعوا المتوسل به للمتوسل ، ولكن ليس هذا مدلولاً لغوياً ولا شرعياً للتوسل ، ويستأنس في التوسل به r بما ذكره البغوي وغيره من أهل التفسير بالرواية في قوله تعالى : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به ) من أن اليهود كانوا إذا حزبهم أمر وداهمهم عدو يقولون : \" اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في أخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون \" واستقصاء الروايات في ذلك في \" الدر المنثور \" .\rوتخصيص قوله تعالى : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ) . بما قبل الموت تخصيص بدون حجة عن هوى وترك المطلق على إطلاقة مما اتفق عليه أهل الحق ، والتقييد لا يكون إلا بحجة,ولا حجة هنا تقيد الآية ، بل فقهاء المذاهب حتى الحنابلة على شمول الآية لما بعد الموت والأنبياء أحياء في قبورهم \" .\rوقد ذكرنا صيغة التوسل به صلى الله عليه و سلم عند الحنابلة وقت زيارة قبره نقلاً عن كتاب ( التذكرة ) لأبي الوفاء بن عقيل من قدماء الحنابلة في أواخر تكملتنا للرد على نونية ابن القيم ، وفيها التوسل ، وتلاوة تلك الآية وليس خبر العتبي مما يرد بجرة قلم .\rولنعد إلى الكلام في بعض الأحاديث والأثار الواردة في التوسل تفصيلاً لما أجملناه فيما سبق .","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"أولا: فمنها ما أخرجه البخاري في ( الاستسقاء ) حيث قال في صحيحه ، حدثني الحسن بن محمد ، قال : حدثنا محمد الأنصاري قال : حدثني أبي عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس, عن انس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقوا بالعباس بن عبد المطلب فقال : ( اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون) وفيه التوسل بالذات وادعاء أن هناك مضافاً محذوف، أي بدعاء عم نبينا تقوّل محض بدون أي حجة ، كما أن فرض العدول – لوفاة النبي صلى الله عليه و سلم- إلى العباس تقويل لعمر ما لم يخطر له على بال,بل فيه جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ، بل التوسل بلفظ \" عم نبينا \" توسل بقرابة العباس منه عليه الصلاة والسلام وبمنزلته لديه ، فيكون هذا التوسل توسلاً به صلى الله عليه و سلم وأيضاً ولفظ \"كنا \" غير خاص بعهد النبي صلى الله عليه و سلم بل يشمله وما بعده إلى عام الرمادة ، والتقييد تقييد بدون مقيّد .\rوكان ابن عمر رضي الله عنهما يتمثل بشعر أبي طالب : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه . كما في البخاري بل وروى استنشاد الرسول rذلك الشعر كما في فتح الباري .\rوفي شعر حسان رضى الله عنه : فسقى الغمام بغرة العباس . كما في الاستيعاب وفي كل ذلك طلب السقيا من الله بذات العباس وجاهه عند الله تعالى.\rثانيا: ومنها ما أخرجه البيهقي ، وبطريقه أخرجه التقي السبكي في \" شفاء السقام \" وغيره ، من حديث مالك الدار في استسقاء بلال بن الحارث المزني رضى الله عنه في عهد عمر بالنبي صلى الله عليه و سلم ومالك الدار بالإضافة هو مالك بن عياض مولى عمر ، وكان خازنه ، وقد ولاه وكلة عيال عمر ثم ولاه عثمان رضى الله عنه القسم فسمي مالك الدار كما في طبقات ابن سعد والإصابة . وفي \" معارف \" ابن قتيبة : ومن موالي عمر بن الخطاب مالك الدار ، وكان عمر ولاه داراً وكان يقسم بين الناس فيها شيئاً اهـ .","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"ونص الحديث \"أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب رضى عنه ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام فقال : \" ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون \" الحديث .\rومحل الاستشهاد وطلب الاستسقاء منه صلى الله عليه و سلم في البرزخ ، ودعاؤه لربه ، وعلمه بسؤال من يسأل لمن ينكر صنيعه هذا أحد من الصحابة .وقد أخرج هذا الحديث البخاري في تاريخه بطريق ابي صالح ذكوان مختصراً .\rوأخرجه ابن أبي خيثمة من هذا الوجه مطولاً ، كما في الإصابة وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ، كما نص عليه ابن حجر ، في الفتح / 2 – 338 / من رواية أبي صالح السمان ، عن مالك الدار – والداري باليا سهو من الطابع – ابن حجر : أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة ، كما روى سيف في الفتوح . ا هـ .\rوهذا نص على عمل الصحابة في الاستسقاء به صلى الله عليه و سلم بعد وفاته حيث لم ينكر عليه أحد منهم مع بلوغ الخبر إليهم ، وما يرفع إلى أمير المؤمنين يذيع ويشيع . فهذا يقطع ألسنة المتقولين .\rثالثا: ومنها حديث عثمان بن حنيف رضى الله عنه في دعاء عن النبي صلى الله عليه و سلم وفيه \" اللهم إني اسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي \" الحديث . وفيه التوسل بذات النبي صلى الله عليه و سلم وبجاهه ، ونداء له في غيبته .\rوهذا أيضاً مما يقطع ألسنة المتقولين .\rوهذا الحديث أخرجه البخاري في تاريخه الكبير والترمذي في أواخر الدعوات من \" جامعه \" وابن ماجه في \" صلاة الحاجة من سننه \" وفيه نص على صحته . والنسائي في \" عمل اليوم والليلة \" وأبو نعيم في \" معرفة الصحابة \" والبيهقي في \" دلائل النبوة \" وغيرهم على اختلاف يسير في غير موضع الاستشهاد ، وصححه جماعة من الحفاظ يقارب عددهم خمسة عشر حافظاً .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"فمنهم سوى المتأخرين : الترمذي وابن حبان ، والحاكم والطبراني ، وأبو نعيم ، والبيهقي والمنذري, وسند الترمذي :حدثنا محمود بن غيلان نا عثمان بن عمر ، نا شعبة ، عن أبي جعفر عن عمارة – بالضم – ابن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف ، ثم ساق الحديث ، وقال هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر – وهو الخطمي \" .\rوفي بعض النسخ المطبوعة \" وهو غير الخطمي \" وفي بعضها \" وليس هو الخطمي \" .\rوهذا وذاك من تصرفات الناسخين ، وليس من عادة الترمذي أن يقول هو غير فلان ، ويتركه من غير بيان .\rعلى أن ابا جعفر الراوي عن عمارة بين شيوخ شعبه إنما هو عمير بن يزيد الخطمي المدني الأصل ثم البصري ، كما يظهر من كتاب الرجال المعروفة من مطبوع ومخطوط .\rوأبو جعفر الرازي المتوفي 160 من شيوخ شعبه لم يدرك عمارة المتوفي 105 اصلاً ، لأن رحلته إلى الحجاز بعد وفاة عمارة بنحو تسع سنين ، وشعبة شعبة في التثبيت فيما يروي . على أن طرقاً أخرى للحديث عند الطبراني وغيره تنص في صلب السند على أنه الخطمي الثقة باتفاق ، وسند الطبراني في الحديث مسوق في \" شفاء السقام \" للتقي السبكي .\rورجال سند الترمذي كلهم ثقات ، وإنما سماه غريباً لانفراد عثمان بن عمر ، عن شعبة ، وانفراد أبي جعفر عن عمارة ، وهما ثقتان باتفاق ، وكم من حديث صحيح ينفرد به أحد الرواة كحديث \" إنما الأعمال بالنيات \" وسماه حسناًَ لتعدد طرقه بعد أبي جعفر ، وعثمان بن عمر .\rوتسميته صحيحاً باعتبار تكامل أوصاف الصحة في رواته .\rرابعا: ومنها حديث عثمان بن حنيف ايضاً في تعليم دعاء صلاة الحاجة المذكور لرجل كانت له حاجة عند عثمان بن عفان رضى الله عنه فدعا به فقضيت حاجته .","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وموضع الاستشهاد أن الصحابي المذكور فهم من حديث دعاء الحاجة أنه لا يختص بزمنه صلى الله عليه و سلم وهذا توسل به ، ونداء بعد وفاته صلى الله عليه و سلم وعمل متوارث بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وقد أخرج هذا الحديث الطبراني في الكبير وصححه بعد سوقه من طرق ، كما ذكره أبو الحسن الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" وأقره عليه ، كما أقر المنذري قبله في \" الترغيب والترهيب \" وقبله أبو الحسن المقدسي ، وأخرجه أيضاً ابو نعيم في \" المعرفة \" والبيهقي من طريقين ، وإسنادهما صحيح أيضاً .\rخامسا: ومنها حديث فاطمة بنت أسد رضي الله عنها ، وفيه من لفظ رسول الله صلى الله عليه و سلم \" بحق نبيك والأنبياء من قبلي \" وصححه ابن حبان والحاكم ، وأخرجه الطبراني في الكبير ، والأوسط بسند فيه روح بن صلاح وثقه ابن حبا ن ، والحاكم ، وبقية رجاله رجال الصحيح ، كما قال الهيثمي في \" المجمع \" .\rوفيه توسل بذوات الأنبياء الذين انتقلوا إلى دار الآخرة .\rسادسا: ومنها حديث عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم \" لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد ألا غفرت لي \" أخرجه الحاكم في المستدرك ، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ، وهو أول حديث ذكرته . لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم . اهـ وساق سنده التقى السبكي في ( شفاء السقام ) وأخرجه الطبراني في الأوسط والصغير ، وفي سندهما بعض من لا يعرفه الهيثمي .\rواما عبد الرحمن بن زيد فقد ضعفه مالك ، وتبعه أخرون ، إلا أنه لم يتهم بالكذب بل بالوهم .\rومثله ينتقى بعض أحاديثه . وهذا هو الذي فعله الحاكم حيث رأى ان الخبر مما قبله مالك فيما روى ابن حميد عنه حيث قال لأبي جعفر المنصور : \"..... وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام \" .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وبعد أن أقر الإمام مالك رضي الله عنه بصحة الخبر واحتج به زالت تهمة الوهم وقلة الضبط عن عبد الرحمن الذي إنما يقتدي من رماه بذلك بمالك ، وعبد الرحمن بن زيد ليس ممن يرد خبره مطلقاً .\rوهذا هو الإمام الشافعي يستدل في دين الله ببعض احاديثه في \" الأم \" وفي \" مسنده \" فلا لوم على الحاكم في عده هذا الحديث صحيحاً ، بل هو الصحيح ، إلا عند من يضيق صدره عند سماع فضائل المصطفى r وأما قول مالك لأبي جعفر المذكور فهو ما أخرجه القاضي عياض في \" الشفاء بتعريف حقوق المصطفى \" بسند جيد وابن حميد في السند هو محمد بن حميد الرازي في الراجح، على خلاف ما ظنه التقي السكبي لكن الرازي هذا ليس حاله كما يريد ان يصوره الشمس بن عبد الهادي حيث حشر قول جميع من تكلم فيه وأهمل كلام من أثنى عليه ، وهو أحد الثلاثة الذين اتصلوا بإبن تيمية ، وهم شباب ، فانخدعوا به ، وزاغوا, يذكر الجرح ويغفل عن التعديل في الأدلة التي تساق ضد شذوذ شيخه .\rومحمد بن حميد هذا روى عن ابو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل ، ويحى بن معين .\rقال ابن ابي خيثمة : سئل عن أبي معين فقال : ثقة لا بأس به رازي كيّس ، وقال أحمد : لا يزال بالرد علم مادام محمد بن حميد ، وممن أثنى عليه الصاغاني والذهلي . وقال الخليلي في \" الإرشاد \" كان حافظاً عالماً بهذا الشأن رضيه أحمد ويحي وقال البخاري : فيه نظر ، وليس مثله يتهم في هذا الخبر ، وقد مات سنة 248 عن سن عالية وكان عمره عند وفاة مالك لا يقل عن نحو خمس عشر سنة ، وهم يقبلون رواية ابن خمس في مسند إمامهم ويعقوب بن اسحاق ، لابأس به كما ذكره الخطيب في تاريخه .\rوأبو الحسن عبد الله بن محمد بن المنتاب ، من أجلّ أصحاب إسماعيل القاضي ، ولاه المقتدر قضاء المدينة المنورة حوالي سنة ثلاثمائة ولم يكن غير الثقات الأفذاذ من أهل العلم ليولّى قضاء المدينة المنورة في ذلك العهد .","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"واسم المنتاب يهم فيه كثير ، وصاحبه محمد بن احمد بن الفرج وثقه السمعاني في \" الأنساب \" عند ذكر الجزائري ، وأقره ابن الأثير في \" اللباب \" وأبو الحسن الفهري من الثقات الأثبات مترجم في \" العبر \" للذهبي .\rوابن دلهات من ثقاة شيوخ ابن عبد البر مترجم في \" صلة \" ابن بشكوال ، وهي مطبوعة بمدريد . وابن عبد الهادي يابى قبول هذا الخبر ، لأنه يمس شذوذ شيخه ليس إلا ، أراد ابن المنتاب بسوق هذا الخبر الرد على ما في \" مبسوط \" شيخه إسماعيل القاضي المالكي المخالف لما رواه ابن وهب ، عن مالك ، وإسماعيل من أهل العراق ، وأهل مصر والمدينة المنورة أعلم بمسائل مالك منهم . على أن إسماعيل لم يسند ما ذكره إلى مالك بل ارسله إرسالاً ، لكنه حيث يوافق هوى إبن عبد الهادي يقبله بدون سؤال عن سنده بخلاف ما هنا ويطريه إطراء يغنيه عن ذكر السند في نظره ، فكأنه لم ير قول داود الأصفهاني فيه ، ولله في خلقه شؤون ، على أنه قد وردت أخبار اخرى في توسل ادم يعضد بعضها بعضاً ، استغنينا عن ذكرها ، اكتفاء بما سطرناه ، لأن الأحاديث السابقة فيها كفاية لغير المتعنت .\r7- ومنها حديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنه في سنن ابن ماجه في \" باب المشي إلى الصلاة \": \" من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك \" الحديث .قال الشهاب البوصيري في \" مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه \" هذا إسناد مسلسل بالضعفاء .\rعطيه هو العوفي ، وفضيل بن مرزوق ، والفضل بن الموفق ،( هو ابن خال ابن عيينة ، قال أبو حاتم صالح ضعيف الحديث ولم يضعفه سواه وجرحه غير مفسر بل وثقه اليسني ) كلهم ضعفاء ,لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق فضيل بن مرزوق ، فهو صحيح عنده .","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وذكر رزين ، ورواه أحمد بن منيع في ( مسنده ) ثنا يزيد ، ثنا فضيل بن مرزوق ، فذكره بإسناده ومتنه وقال علاء الدين مفلطاي في ( الأعلام شرح سنن ابن ماجه ) ذكر أبو نعيم الفضل \" وهو ابن دكين \" في كتاب \" الصلاة \" عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري موقوفاً اهـ .\rولم ينفرد عطية عن الخدري ، بل تابعه أبو الصديق عنه في رواية عبد الحكم بن ذكوان . وهو ثقة عند ابن حبان ، وإن أعله أبو الفرج في ( علله ) .\rوأخرج ابن اليسني في ( علم اليوم والليلة ) بسند فيه الوازع ،عن بلال ، وليس فيه عطيه ولا مرزوق ولا ابن الموفق \" اللهم بحق السائلين عليك \" تظهرانه لم ينفرد عطية ، ولا ابن مرزوق ،ولا ابن الموفق ,بالنظر إلى هذه الطرق على فرض ضعف الثلاثة .مع أن يزيد بن هارون شيخ أحمد بن منيع شارك ابن الموفق في روايته ، عن ابن مرزوق وكذا الفضل بن دكين وابن فضيل وسليمان بن حبان وغيرهم .\rوعطية جرح بالتشيع لكن حسن له الترمذي عدة أحاديث ، وعن ابن معين أنه صالح ، وعن ابن سعد : ثقة إن شاء الله ، وعن ابن عدي : له أحاديث صالحه .وبعد التصريح بالخدري لا يبقى إحتمال التدليس ، ولا سيما مع المتابعة وابن مرزوق ترجح توثيقه عند مسلم فروى عنه في \" صحيحه \" .\rعلى أن الحديث مروي بطريق بلال ، رضي الله عنه فلا تنزل درجة الحديث مهما نزلت عن درجة الاحتجاج به ، بل يدور أمره بين الصحة والحسن لكثرة المتابعات الشواهد كما أشرنا إليها .\rوقول من يقول : إن الجرح مقدم على التعديل على ضعفه فيما إذا تعارضا بتكافئهما في الميزان ، دون إثبات ذلك مفاوز فلا يتمكن المبتدعة من اتخاذ ذلك تكأة لرد الأحاديث الثابتة برجال وثقهم أهل الشأن بترجح ذلك عندهم .","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"وقدحسن هذا الحديث الحافظان : العراقي في \" تخريج أحاديث الإحياء \" وابن حجر في \" أمالي \" الأذكار \" وفي الحديث التوسل بعامة المسلمين وخاصتهم، وإدخال الباء في أحد مفعولي السؤال إنما هو في السؤال الإستعلامي كقوله تعالى \" فسئل به خبيراً \" و \" وسأل سائل بعذاب واقع \" وأما السؤال الإستعطائي فلا تدخل الباء فيه أصلاً إلا على المتوسل به فدونك الأدعية المأثورة فتصوّر إدخالها هنا في المفعول الثاني إخراج للكلام عن سننه بهوى ، وصيحة باطل تمجها الأسماع . وليس معنى الحق الإجابة ، بل ما يستحقه السائلون المتضرعون فضلاً من الله سبحانه . فيكون عد \" بحق السائلين \" سؤالاً لهذا الداعي هذياناً محضاً ، ولا سيما عند ملاحظة ما عطف عليه في الحديث ، وأما زعم أنه ليس في سياق الحديث ما يصلح أن يكون سؤالاً غير ذلك فمما يثير الضحك الشديد والهزء المديد ، فأين ذهب من هذا الزاعم \" أن تعيذني من النار\" وكم يكرر الفعل للتوكيد : فالسؤال في الفعل الأخر هو السؤال في الفعلين المتقدمين ، بل لو لم تكن تلك الأفعال من باب التوكيد لدخلت في باب التنازع ، فيكون هذا القيد معتبراً في الجميع على كل تقدير وأما من يحاول رد التوسل بتصور دخوله في الحلف بغير الله ، فإنما حاول الرد على المصطفى صلوات الله عليه لأنه هو الذي علم صيغ التوسل ، وفيها التوسل بالأشخاص ، وأين التوسل من الحلف ؟\r---\rالفصل الثالث :\rولا بأس أن نزيد هنا كلمة في الاستغاثة والاستعانة ،والكل من واد واحد ففي حديث الشفاعة عند البخاري \" بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه و سلم\" وهذا يدل على جواز إستعمال الإستغاثة في صدد التوسل .\rوأما حديث \" لا يستغاث بي \" عند الطبراني ، ففي سنده لهيعة وقد شرحنا حاله في ( الاشفاق ) فلا يناهض الحديث الصحيح.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"وأما حديث \" وإذا استعنت فاستعن بالله\" فمعناه : عند استعانتك بأي مستعان فاستعن بالله – على لين في طرقها كلها – حملاً على الحقيقة فالمسلم لا ينسى مسبب الأسباب عندما يستعين بسبب من الأسباب وها هو عمر رضي الله عنه حينما أستسقى بالعباس رضي الله عنه لم ينس أن يقول آن الاستسقاء ((اللهم فاسقنا))..وهذا هو الأدب الإسلامي .\rولو لم نحمل الحديث على هذا المعنى لتكلفنا المجاز ، ولعارضته عدة آيات وأحاديث في سردها طول. على أن لفظ \"إذا\" في الحديث بعيد عن إفادة معنى \"كلما\" بل هو من صيغ الإهمال عند المناطقة ، فلا يكون للخصم مجال أن يتمسك به أصلا. وزد على ذلك إفراد الضمير, والخاصة – ومنهم ابن عباس رضي الله عنهما – يحسن بهم أن تكون استعانتهم بمسبب الأسباب .\rوأما قوله تعالى : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ففي العبادة والهداية بقرينة السباق والسياق كما هو الجدير بحال المناجاة ، فلا يكون فيه تعطيل الأسباب العادية الدنيوية\rوقد أحسن صديقنا العلامة المحض صاحب المؤلفات الممتعة الأستاذ الكبير الشيخ محمد حسنين العدوي المالكي حيث ألف عدة كتب في دفع شبه يصطنعها التيميون حول التوسل فأزاح ظلما تهم ببيانه العذب وتحقيقه الرئع ، ومقامة في العلم فوق منازل شيوخ مشايخ هؤلاء بدرجات اتفاقاً بين أهل العلم .\rوأما سماع أصحاب القبور وإدراكهم فمن أوسع من سرد أدله ذلك المحدث عبد الحي اللكنوي في ( تذكرة الراشد) وأما قوله تعالى : ( وما أنت بمسمع من في القبور ) ففي حق المشركين عند المحققين .\rوهناك تحقيق ذلك فلا تلتفت إلى مغالطات المغالطين\r---\rالخاتمة :\rوبتلك الأحاديث والآثار يظهر أن من ينكر التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين أحياء وأمواتاً ليس عنده أدنى حجة ، وإن رمي المسلمين بالإشراك بسبب التوسل ما هو إلا تهور يرجع ضرره إلى الرامي ، نسأل الله العافية .","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"وأما إن كان بين العامة من يخطئ في مراعاة أدب الزيارة والتوسل فمن واجب أهل العلم إرشادهم إلى الصواب برفق.\rوقد جرى عمل الأمة على التوسل والزيارة إلى أن أبتدع إنكار ذلك الحراني ، فرد أهل العلم كيده في نحره ، ودامت فتنته عند جاهلي بلاياه .\rوقد غلط الآلوسي وابنه المتصرف في تفسيره بعض غلط ترده عليهما تلك الأدلة ، وكانا مضطر بين في مسائل من عدوى جيرانهما ، وبعض شيوخهما ، وليس هذا بموضع بسط لذكر ذلك.\rومن أراد ان يعرف عمل الأمة في التوسل بخير الخلق فليراجع ( مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام) للإمام القدوة أبي عبدالله النعمان بن محمد موسى التلمساني المالكي المتوفي سنة 683، وهو من محفوظات الدار المصرية وفي ذلك كفاية لغير المتعنتين ، ومن الله الهداية والتوفيق.\rالصفحة الرئيسية","part":1,"page":20}],"titles":[{"id":1,"title":"محق التقوّل في مسألة التوسل","lvl":1,"sub":0}]}