{"pages":[{"id":1,"text":"الإمام الغزالي\rذو فكر منهجيّ فذّ\rواختصاصات علميّة شتّى\rبقلم\rالأستاذ العلامة\rد.محمد سعيد رمضان البوطي\rهذا البحث تم نشره في (مجلة التراث العربي)\r-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب\r-دمشق العدد 22 - السنة السادسة - كانون الثاني \"يناير\" 1986 - جمادى الأولى 1406","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rللإمام الغزالي مكانة جليلة في عقلي وقلبي، منذ أوّل عهدي بالسير في طريق المعرفة.\rوليس هذا إطراءً له، ولا برهان عظمة في شخصه أو سموٍّ في مكانته، فالرجل كان ولا يزال ملء قلب العالم وعقله، بكل ما فيه من نحل ومذاهب وفئات، فماذا عسى أن يغير أو يزيد في الأمر، مكانته من فؤاد واحد مثلي وعقله ؟!...\rولكني أريد أن أبني على ما قلت أنني منذ معرفتي للغزالي وإقبالي على قراءة كتبه، كنت أتساءل في نفسي عن سرِّ هذه المكانة التي يتبوّؤها، وعن مصدر هذا الجلال الذي يحيط به، بل عن سر إعجاب الفكر العالمي به.\rولقد استقر في ذهني، بعد طول فكر وتأمل، أن مصدر ذلك كله كان يتمثل في مزيتين اثنتين امتاز بهما الغزالي دون أقرانه، ودون الذين جاؤوا من بعده، ودون كثير ممن خلوا من قبله.\rأولى هاتين المزيتين أنه لم يكن على غِرار من عاصره أو جاء من بعده من العلماء، في التوجه إلى اختصاص علمي واحد، مع المشاركة في بقية العلوم الأخرى أو بعض منها، مشاركة إجمالية عامة، بل إنك لتنظر، فتجد اسمه يلتمع في كل قائمة تضم أسماء ذوي الاختصاص في أي من العلوم الإسلامية والعقلية المتداولة. فهو الاسم الوحيد الذي يتكرر في تلك القوائم كلها!..\rتنظرُ في قائمة علماء الفقه، فتجد اسمه مستقراً في قلبها، وتلتفت إلى قائمة علماء الأصول، أي (قواعد تفسير النصوص) وإذا اسمه يلتمع في علاها، وتتأمل قائمة علماء الفلسفة الإسلاميين، فإذا اسمه هو أول الأسماء فيها، وتنتقل إلى قائمة علماء الكلام فتجده مستقراً في مقدمتها، ثم تنظر علماء التربية والتصوف، فإذا هو يتبوّأ مركز الصدارة فيها. وتتحول إلى قائمة علماء النفس فإذا اسمه قد سبق أيضاً إليها!..\rبقي علم واحد، لم يظهر للغزالي اسم بين أسماء العلماء المتخصصين فيه، بل لعله كان دون مستوى المشاركة فيه أيضاً، وهو علم الحديث والرواية؛ وإن ذكر المترجمون له أنه أخذ يشتغل بالحديث في آخر حياته، ولكن الموت عاجله، قبل أن ينجز من ذلك سوى شيء يسير(1).\rأما المزية الثانية التي كان يتمتع بها، فهي الفكر المنهجي الدقيق، الملازم له في كل ما يكتب ويبحث فيه، أياً كان الموضوع أو العلم الذي يعالجه.\rولست أدري ماذا أقول في مصدر هذه المزية العجيبة لديه: أهي فطرة فطره الله عليها، فهو منذ نشأته العلمية، كان يتناول المسائل والمباحث العلمية المختلفة بتلك الفكرة المنهجية المبرمجة، أم هي أثر خلّفته في فكره دراساته المنطقية والفلسفية، فتمرس بها واعتاد عليها ولازمها في كل ما يكتب أو يؤلف فيه.\r\r------------------------\r(1) طبقات الشافعية للسبكي: 6/210 وشذرات الذهب لابن العماد 4/11.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"ومهما يكن فإنك لا تكاد تقرأ للغزالي بحثاً في أي من العلوم العقلية أو النقلية إلا وتجده يسير بك في تحليل هذا البحث ودراسته، من خلال منهج دقيق متبصّراً! فهو يبدأ بتفتيت كل المسألة إلى أجزائها، أو كلي الموضوع الواحد إلى جزئياته، ثم يضع تلك الأجزاء أو الجزئيات تحت مجهر السبر والتقسيم، ويُخضعها جميعاً لاستقراء الاحتمالات العقلية كاملة، ثم ينقد تلك الاحتمالات واحداً إثر آخر، ويكشف عمَّا قد يكون في تضاعيف كل منها من الزغل ومظاهر البطلان؛ إلى أن يوصله منهج السبر العقلي، وطريقة الطرح والإسقاط، إلى مكمَنِ الحق ومنبعه بين تلك الفرضيات والاحتمالات كلها، فيمعن عندئذ في تجليته وصقله باستخراج البراهين العلمية المتفقة مع نوع ذلك الموضوع وطبيعته، ثم لا يتركه إلا وقد حصّنه في سور من القناعة العلمية وفي كسوة من البيان الرائع والأسلوب المبسّط الأخّاذ!..\rوليست هذه طريقته في تحقيق القضايا العقلية أو العلوم الفلسفية خاصَّة، بل ذلك هو شأنه حتى في عرض مواجيده الإيمانية ووصاياه ومواعظه الصوفية، أجل، تلك هي طريقة محاكمته للبحوث والموضوعات، سواء تلك التي تقرؤها في \"تهافت الفلاسفة\" أم التي تتأملها في \"إحياء علوم الدين\" أم التي تدرسها في \"الوسيط\" في الفقه أم في \"المستصفى في أصول الفقه\" أم في أي كتاب من كتبه أو رسالة من رسائله!..\rفهاتان الخصيصتان اللتان امتاز بهما الإمام الغزالي، قد أكسبتاه سلطاناً كبيراً على عقول قرائه ودارسي كتبه وأفكاره، بل أكسبتا أفكاره وكتاباته روحاً تدعو إلى الاستئناس بها والركون إليها، لا تجدها في أكثر ما تقرؤه للآخرين.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"وذلك لأن اتساع باعه في ميادين العلوم المختلفة، إلى درجة العمق والإتقان لكل منها، يسَّر له دعم آرائه وأفكاره، أياً كانت، بالحجة العلمية المقنعة، كما أن فكره المنهجي من البساطة في العرض واليسر في الفهم؛ بحيث يفهمها، بل يتذوقها ويتفاعل معها كل من أوتي نصيباً من الثقافة والفهم.\rوإنما يمتلك العالم أو الكاتب أفكار الناس ويجتذبها إليه، بعلمه العميق إذ يبني على أساسه حججه المقنعة، وبمنهجه في ترتيب الدلائل والمقدمات إذ يكوّن منه أسلوبه في العرض والبيان.\rفإذا أوتي بعد ذلك قدرة على إفراغ المعاني العلمية في صياغة دقيقة وعبارات رشيقة وطُوِّعت له الأداة اللغوية في السير بها إلى تحقيق ذلك، فهو منتهى ما يمكن أن يرقى إليه الباحث والعالم في محاورة الناس والتعبير لهم عن معارفه وأفكاره.\rوما من ريب في أن الإمام الغزالي رحمه الله، كان يتمتع بهذه المزايا كلها.\rهذا، ولقد كان من آثار ذلك كله، أنك تنظر فتجد أن كتاباته كلها تتسم بطابع كلي واحد، مهما تنوعت مضامينها واختلفت أو تباينت العلوم التي تعبر عنها، فطابع المحاكمة العقلية، والتنسيق والتقسيم، والتحليلات النفسية والفلسفية، هو الصيغة العامة التي تبرز في سائر مؤلفاته وكتاباته.\rولعلَّ من المناسب أن نتناول، ولو بإيجاز، بعض الأمثلة التي تبرز هذه الحقيقة، فإنها ستعيننا، بدون ريب، في اكتشاف جوانب هذه المزية الفريدة التي كان يتمتع بها الغزالي:\rكتاب \"المستصفى\" من أواخر ما ألَّفه الإمام الغزالي، إن لم يكن آخر مؤلفاته على الإطلاق، وهو يعدّ من المؤلفات النادرة، بل الفريدة في علم أصول الفقه، ولا ريب أن من أهم ما يمتاز به عن كل ما كتب في هذا الفن تلك المقدمة التي وضع فيها يبن يدي القارئ المنهج العقلي والنقلي للمعرفة، وكيفية صياغة الحد والبرهان، وفلسفة دلالات الألفاظ وضوابطها، ومدارك اليقين مع الفرق بين العلمي منها والوهمي.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"ويخطئ من يتصور أنَّ الغزالي لم يزد في عرضه لهذه المقدمة على أن ألصق طائفة من مباحث المنطق اليوناني بصدر كتابه هذا وجعلها فاتحة بحوثه، فأغلب الظن أن هؤلاء لم يقرؤوا شيئاً من هذه المقدمة، ولم يزيدوا على أن استعرضوا عناوينها، فشموا منها رائحة المنطق ورأوا فيها بعض اصطلاحاته الشائعة، فضاقت بها صدورهم، وأعرضوا عنها، بعد أن حكموا عليها حكماً غيابياً دون قراءة متبصرة(1).\rولو أنهم قرؤوها بأناة، لرأوا أن الغزالي صاغ في تلك المقدمة منهجاً علمياً للمعرفة، متحرراً وبعيداً عن المنطق اليوناني، وهو ذلك المنهج الذي تعتز به حضارتنا العربية الإسلامية أيما اعتزاز(2).\rلا ريب في أنك قد تجد فيها قواعد واصطلاحات من المنطق اليوناني، ولكنها مفككة الأوصال، ومحولة إلى ما يشبه أنقاضاً أُدخلت في قوام بنيان مستقل لمنطق منهجي سديد.\rفلئن كانت غاية خصوم المنطق أن يتبرّأ اللسان العربي والفكر الإسلامي من كل ما فيه من ألفاظ وقواعد واصطلاحات فإنه لمَطلَب عسير، بل متعذر على العقل الإنساني أياً كان صاحبه، فما من باحث يستطيع أن يبرهن على أن بنيان المنطق الأرسططاليسي بكل جزئياته وقواعده وتصوراته وألفاظه لغو وباطل من القول!.. بل الثابت يقيناً أن فيه الكثير من الموازين والأحكام الصحيحة والدقيقة، إلى جانب ما قد يكون فيه من الأغلاط والتصورات الباطلة.\rوإنما يتمثل الإبداع الفكري والتحرر العقلي في أن يتمتع الباحث بشخصيته المستقلة، ثم يتحصن بطاقة علمية ممتازة، ثم يقتحم ميادين الأفكار والعلوم والفلسفات كلها فيلتقط منها الحق ويتجنب الباطل ويحذر منه، وتلك هي حقيقة المقدمة المنهجية التي أقام منها الغزالي مدخلاً إلى كتابه المستصفى.\r\r-------------------------------\r(1) لعل من أبرز من تصور ذلك وتسرع في هذا الحكم تقي الدين بن الصلاح. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي 6/220.\r(2) اقرأ قصة هذا المنهج في كتاب: مناهج البحث عند مفكري الإسلامي للدكتور علي سامي المنشار.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"كانت هذه كلمةً على هامش هذه المقدمة.\rوإنما أريد أن أضع بين يدي القارئ مثالاً، كما قد قلت، تتضح من خلاله الشخصية العلمية التي يمتاز بها الغزالي رحمه الله:\rباب الحكم، يعد من أوائل أبواب أصول الفقه المهمة، ويقرر فيه علماء الشريعة الإسلامية أن الله تعالى خالق الأشياء كلها وخالق الصفات التي تتصف بها، فهو خالق الخير، وهو الذي خلق فيه معنى الخير، وهو خالق الشر وهو الذي أضفى عليه صفة الشر، إذن فأحكام الله تعالى في شرعه ليست خاضعة لمقتضى الخير والشر في الأشياء، بل صفة الخير والشر في الأشياء هي الخاضعة لحكم الله عز وجل.\rوعلى هذا فالعقل وحده لا يستقل بمعرفة أحكام الله تعالى في الأشياء لمجرد ما قد يبدو فيها من سمات الخير أو الشر، بل لابد للعقل أن يتلقى أحكام الله تعالى من مصدر الوحي والرسالة، وقد أوضح الغزالي هذا مفصلاً، في باب الحكم.\rغير أنَّ من المعلوم أن هذا الذي ذهبَ إليه جماهيرُ علماء الشريعة الإسلامية، يخالف ما ذهب إليه المعتزلة، فإنهم يرون أن في الأشياء ما ينبع معنى الخير أو الشر من داخله، فهو لا يحتاج إلى أن يُخلق خلقاً مستقلاً، لأنه يُخلق مع إيجاد الله تعالى للشيء بحد ذاته، أي فوصف الحسن أو القبح فيه ذاتي وجوهري، وليس اعتبارياً عرضياً.\rوعلى هذا فإن العقل قد يستقل بمعرفة أحكام الله تعالى في تلك الأشياء، وذلك تبعاً لما تتصف به من حسن أو قبح، ويستقل العقل عندئذ بإصدار الحكم باتباع الحسن واجتناب القبيح، دون حاجة إلى انتظار الوحي والأنبياء.\rوالطريقة المتبعة لدى سائر المؤلفين في أصول الفقه أنهم يذكرون رأي الجمهور ودليله، ويُتبعونه ببيان رأي المعتزلة وأدلتهم، ثم يرجحون ما استقرَّ عليه الجمهور، وهي طريقة متكررة متشابهة يتناقلها المؤلفون بعضهم من بعض.\rولكنَّ الإمام الغزالي جعل من هذه المسألة مطلباً علمياً مستقلاً، وفتح في سبيل تمحيصها ملف نقاش علمي دقيق طبقاً لفكره المنهجي الذي ألمحنا إليه.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"بدأ قبل كل شيء فجمع -على سبيل الحصر- المعاني التي قد تُراد من كلمة الحسن أو القبح في فعل أو شيء ما، وذلك عن طريق الاستقراء العقلي، ثم أخذ يسقط من هذه المعاني ما لا يدخل في دائرة البحث ونقطة النزاع واحداً إثر آخر، حتى إذا ضاقت الدائرة وتحدد المعنى المراد، وتحرر بذلك محل النزاع وانضبط حجمه بين المعتزلة والجمهور أخذ الغزالي ينبه إلى (مثارات الغلط)، على حد تعبيره، التي انزلق فيها المعتزلة، وراح يفصّل القول في هذه المثارات بتفصيل وأناة، جاعلاً من المثال المفضّل لدى المعتزلة، وهو حسن إنقاذ الغريق، محط التجربة والبحث.\rوحديث الغزالي عن مثارات أخطاء المعتزلة -على حد تعبيره- مُسهب وطويل، ولكن بوسعي أن أذكر هنا خلاصة عنه تجسد بحق هذه المزايا التي اختص بها الغزالي عن غيره.\rبدأ الغزالي ببيان الحالة التي يكون مثار الغلط فيها واضحاً جلياً، ثم تجاوزها إلى حالة يكون رصد أسباب الخطأ فيها أقل وضوحاً، ثم تجاوزها إلى حالة ثالثة يكون وجه الخطأ فيها خفياً، ولكنه نبَّه إلى مكمنه وسره من خلال معلوماته الدقيقة العجيبة في مجال علم النفس، وهو ميدان قلما يجول فيه غيره.\rأما مثار الغلط في الحالة الأولى، فهو أن الإنسان الذي يندفع إلى إنقاذ شخص يشرف على الغرق، إنما يحمله على ذلك ما يعلم من ثناء الناس عليه وتحدثهم عن شهامته ونجدته، فحسن هذا العمل آت من هذا العارض الخارجي، وإنما يستبين ذلك في حالة وجود ناس من حوله يرون عمله.\rأما مثار الغلط في الحالة الثانية، فهو أنَّ هذا الذي يندفع إلى إنقاذ ذلك الشخص، يعلم أنه إذا أنقذه من الهلاك فلسوف يحدث الناس عن شهامته وإنسانيته وبطولته فيما أقدم عليه، فيكون هذا التصور باعثاً له على فعله ذاك، فهو آت أيضاً من عارض خارجي، غير أن هذا المثار الثاني يكون عندما لا يوجد حول الغريق أو المنقذ من قد يراه من الناس، ولذلك فسبب الغلط هنا أقلُّ وضوحاً.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"أما مثار الغلط في الحالة الثالثة، وهي أخفاها وأدقها، (وإنما يكون ذلك عندما يكون المكان خالياً من المارة والناس، ولا تطمع -لسبب ما- في أن يتحدث ذلك الشخص الموشك على الغرق، لأحد عمَّن أنقذه، فإن الإنسان مع ذلك يندفع إلى إنقاذه) يقول الغزالي، أما مثار الغلط هنا، فهو تأثر النفس الإنسانية عادة بذلك الوهم الذي يسميه (سبق التصور إلى العكس) أقول: وإنما يعني به ذلك الذي يسمونه اليوم بردِّ الفعل الشرطي.\rويقف الغزالي هنا، ليعرف القارئ على هذا القانون، ويمضي في تحليله، وبيان كيفية تأثر جل الناس به إن لم نقل كلهم، ويضرب له أمثلة كثيرة مختلفة، حتى إذا فهمه القارئ وتذوقه تماماً، وعرف كيفية تأثيره على الواهمة، عاد فأوضح كيفية انطباقه على قصة إنقاذ الغريق في هذه الحالة الثالثة.\rويمضي فيوضح أن هذا الإنسان عندما يرى ذلك الشخص موشكاً على الغرق، وهو يرفع يديه مستنجداً مستغيثاً، لابد أن يتخيل بمقتضى الطبع الإنساني أنه واقع مكانه في ذلك المأزق، وكيف أنه يرى شخصاً يمر به دون أن يكترث به، ويتصور عندئذ مدى المقت والاحتقار اللذين سيشعر بهما تجاهه، فتتأذى مشاعره من هذا التصور بحكم كونه مؤثراً طبيعياً.\rثم ينظر إلى حال هذا الغريق فينبعث لديه ذلك التأثر نفسه مقترناً بمنظره وهو يشرف على الغرق دون أن ينقذه أحد، إذ يخيل إليه أنه ينظر الساعة إليه باحتقار وازدراء، فيهب لنجدته عندئذ، بدافع من الرغبة الخفية في أن يردَّ عن نفسه هذه التهمة التي يتخيلها بمقتضى قانون الإقران، والتي تؤذيه وترمضه بدون ريب.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"وقد لا يرصد الإحساس الإنساني في تلك اللحظة، هذا التحليل الدقيق، لاسيما عندما لا يكون الغريق ملتفتاً أو متنبهاً إليه، فيتوهم الرجل أنه ليس مندفعاً إلى الإنقاذ إلا لحسن ذاتي فيه، ولكن الحقيقة أنه يفعل ذلك دفاعاً عن نفسه وكرامته ضد وَهْمٍ من عادة الإنسان أن يتأثر به أكثر مما يتأثر لكثير من الحقائق الثابتة، وإن كان هذا الدافع يبقى في الأغلب خفياً عن ساحة الشعور السطحي.\rفانظر الآن إلى أصلِ هذه المسألة كم هي صغيرة وجزئية، ألا وهي مسألة الحكم في مقياس الشرع هل يمكن أن يستقل به العقل دون استناد إلى وحي؟\rإنّ بوسعك أن تقرأها في أي من كتب أصول الفقه المختصرة والمطوَّلة، فلا تجدها تخرج بك عن نطاق مسألة فقهية ذات جذور أصولية.\rغير أنَّ الغزالي فكّكها جزئيات وأجزاءً ووزعها بين أبعادها العلمية المختلفة، وكشف عن الشرايين الواصلة بينها وبين سائر ما تتعلق به من دقائق التحليلات الفلسفية والأحكام النفسية، وأقام من ذلك كله براهين علمية على الحق الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، وعلى الوهم الجلي آناً والخفي آناً، الذي انجرف فيه المعتزلة(1).\r* * *\rوتلك هي طريقة الغزالي في معالجة وتحليل سائر المسائل والمعضلات العلمية على اختلافها.\rولكن فلنعرض مثالاً آخر، نأخذه من غير \"المستصفى\"، وليكن من كتابه \"تهافت الفلاسفة\".\rوحسبك أن تقف منه على ذلك التحليل العلمي العجيب الذي ناقش من خلاله الفلاسفة الإغريقيين ومقلديهم من الفلاسفة الإسلاميين، في مسألة قانون السببية وحقيقته.\r\r----------------------------------\r(1) انظر المستصفى: 1/58 فما بعد طبعة بولاق.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"لقد برهن من خلال بيان طويل الذيل على أن ما نتوهمه سبباً يستلزم على وجه الحتم والضرورة مُسَبَّبُهُ في دنيا الطبيعة وأشيائها المادية، لا يعدو في الحقيقة أن يكون في حجمه العلمي الدقيق، اقترانات مجردة، أضاف إليها الوهم النفسي من عنده -بسبب طول الاقتران وعدم انفكاكه- حكماً فضولياً من عنده دون أي رصيد علمي، ألا وهو توهم حتمية هذا الاقتران في الماضي وفيما لا يزال؛ وليس لقرار النفس هذا من برهان على ذلك إلا استمرار الاقتران.\rوأهم ما في هذا البحث العجيب الذي تناوله الغزالي من أطرافه العلمية كلها، وسبق في ذلك العلماء الوضعيين والتجريبيين الذين جاؤوا فيما بعد، أنه نبَّه من خلاله إلى ما سماه \"اليقين التدريبي\"، وإلى الفرق الدقيق الذي لا يتبينه كثيرٌ من الباحثين بينه وبين اليقين العلمي.\rوأنا لا أعلم -اعتماداً على اطلاعي- أحداً سبق الغزالي إلى الحديث عن \"اليقين التدريبي\" هذا، والفرق بينه وبين اليقين العلمي، ولكم التبس على باحثين وعلماء الفرق بينهما!..\rواليقين العلمي هو ذاك الذي يعتمد على براهين علمية مجرَّدة، بعيداً عن سلطان النفس وتأثراتها، وهو يحتاج، كما يقرر الغزالي في أكثر من موضع في كتابه الإحياء، إلى معاناة دائبة تهدف إلى تحرير العقل من أهواء النفس وأوهامها، كما يحتاج إلى تعبيد الطريق إليه وتصفيته من تعاريج الزغل الفكري وتضاريس الظنون والعصبيات.\rأما اليقين التدريبي فهو ما توافرت لديه البراهين التي تُكسب النفس طمأنينة إليه وثقة بإمكان الاعتماد عليه، ومن أبرز أمثلته فيما يراه الغزالي تلك الاقترانات التي يتخيلها الإنسان أسباباً ومسببات، فإنَّ طول الاقتران بين أمرينِ دون ظهور أي انفكاك بينهما، يورث النفس طمأنينة بأن الاقترانَ سيستمر وأنَّ شذوذاً لن يقع في العلاقة القائمة بينهما، وذلك كيقين النفس بأنَّ النار ستظل محرقة، اعتماداً على التجارب المتكررة الماضية التي لم يظهر فيها أي شذوذ.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"ويقرِّرُ الغزاليّ أن هذا اليقين، وإن لم يكن علمياً، غير أن فيه من القوة ما يكفي للاعتماد عليه في إقامة أنظمة الحياة، والتعامل معها طبقاً لنواميسها القائمة، وما يضمن للإنسان أن لا يتيه ويضطرب وسط الاحتمالات العقلية التي قد تجعله لا يثق بشيء، خصوصاً عندما سمع العلماء يقولون: إن هذه الاقترانات القائمة بين ما نراه أسباباً ومسببات لا وثوق بها، وليس ثمةَ دليل علمي على حتمية العلاقة بينهما.\rغير أنَّ على الإنسان أن يتحرر من هذا اليقين التدريبي عندما يريد أن يتأمل ويحاكم الأمور إلى براهينها العلمية الصافية عن الشوائب، وأن يحرص على وضعها في ميزان القرار العقلي المجرد؛ ذلك لأنَّ التعامل السلوكي مع الحياة شيء، ودراسة قوانينها على ضوء الأدلة العلمية المجردة شيء آخر(1).\rوأعود فأكرر ما قلته: إنني لا أزال أعتقد أنَّ الغزالي هو أول من كشف عن هذا الفرق بين هذين النوعين من اليقين: اليقين التدريبي النفسي، واليقين العقلي المجرد، وميز بين وظيفة كل منهما، وحدد لكل منهما مجاله وعمله.\rفإن كنتُ مخطئاً، وكان ثمة من سبق الغزالي إلى بيان هذه الحقيقة المهمة، فله مني الشكر الجزيل، إن هو تكرم فنبهني إلى ذلك، وذكر لي اسم ذلك العالم أو الفيلسوف الذي سبقه إلى الحديث عن \"اليقين التدريبي\" ومظاهر الفرق بينه وبين \"اليقين العلمي\".\rولا ريب عندي في أن هذا التحليل المهم، يشكل مَعلمَة بالغة الأهمية على طريق منهج المعرفة والسلوك.\r\r---------------------------\r(1) تهافت الفلاسفة: 237 فما بعد بتحقيق الدكتور سليمان دنيا.\r* * *","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"وبعد، فإنَّ الحديث عن الإمام الغزالي يظل مبتوراً ما لم يتوّج بالحديث عن كتابة العجيب العظيم: إحياء علوم الدين.\rولا ريب عندي في أن هذا الكتاب من أعاجيب المؤلفات النادرة في تاريخ التراث الإسلامي العربي، إنه في الحقيقة موسوعة علوم شتى، فقد ضم في ثناياه علم النفس، والأخلاق، والاجتماع، والفلسفة، إلى جانب العلوم الإسلامية من عقيدة وفقه وتصرف (أعني علم أمراض القلب وعلاجاته).\rإلا أنك لا تجد هذه العلوم المختلفة المتنوعة منثورة فيه على انفراد، كمخزن ضم أصنافاً من البضائع المتراصة، وإنما صاغ منها الإمام الغزالي جوانب وأركاناً متناسقة متماسكة لبنيان علمي واحد أقام منه مجمّعاً للحقائق الإسلامية الكاملة التي لا مزيد عليها.\rإنَّ الذي ينشد معرفة الغزالي الضليع في تحليل النفس الغائص في أسرارها والمتمكن من علومها بوسعه أن يعرفه بهذه الصفة تماماً من خلال مطالعة كتابه إحياء علوم الدين، والذي ينشد معرفة الغزالي ذي الباع الواسعة في علم الاجتماع والأخلاق وفلسفتهما ومقوماتهما، فليبحث عنه في كتابه الإحياء، والذي ينشد معرفة الغزالي أستاذ التربية الإنسانية والمشخّص بدقة لمراض النفس التي تعصف بسعادة الفرد والمجتمع، والواصف لأدويتها وعلاجاتها وسبيل الوقاية منها، بوسعه أن يعثر عليه في هذا الكتاب ذاته: الإحياء، والأديب الذي يبحث عن الغزالي الكاتب، المحلل، الذي يقتنص بقلمه أدق المعاني وأعوصها، فإذا هي جلية سائغة الفهم، مصوغة بأدق العبارات وأبسطها، مكسوة بأجمل الأساليب التي تتنزه عن الركالة والتعقيد، وتسمو على الصنعة والتكلف سيجده في كل ما يقع عليه من مؤلفاته المتنوعة، ولكن إن أبى أن يوجع رأسه بمسائل العلوم الدقيقة، فليتلمسه في كتابه الإحياء فسيجد فيه السهل الممتنع سواء من حيث المضمون العلمي أم من حيث الصياغة والأسلوب.\rهذا الكتاب العظيم العجيب، فيه ثغرة واحدة من النقص، وجلّ من انفرد بالكمال المطلق عن جميع عباده.\rهذه الثغرة هي وجود كثير من الأحاديث الضعيفة وربما الموضوعة فيه؛ وقد عثرَ أولئك الذين يحبون انتقاصه ويبحثون له عن زلَّةٍ كي يشهروه بها على رؤوس الناس، من هذه الثغرة على ما يشبه الكنز المحبب إليهم، فأخذوا يقومون ويقعدون بالحديث عنها، وبذلوا قصارى جهدهم في أن ينسجوا منها حجاباً يسدلونه على كل ما في هذه الموسوعة العلمية من خير وذخر ومعين تربية وتعليم للأجيال!..","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"غير أنَّ من دلائل رضى الله عز وجل عن هذا الكتاب العظيم، أن قيّض له من يأتي فيتدارك فيه هذا النقص ويسدّ تلك الثغرة، فقد أقبل العلامة الحافظ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى عام 806هـ فخرّج جميع الأحاديث الواردة في الإحياء، فكان ذلك ذيلاً مباركاً متمماً له، مقروناً به إلى هذا اليوم.\rوقد كان هذا العمل الجليل الذي قام به الحافظ العراقي، مثالاً جلياً للفرق بين من يرى نقصاً في عمل عظيم الفائدة والخير، فينشط لتكميل ذلك النقص الذي فيه، غيرةً منه على ذلك الخير أن لا ينقطع عن الناس رفدُه، وتعاوناً مع صاحب ذلك الغرس على البناء ونشر كلمة الحق، وبين من لا يُهمّه إلا أن يعثر على النقائص ليجعل منها معولاً لتحطيم البناء، ويسعى لالتقاط مظاهر التقصير ليُشهرها بين الناس على رماح ضغائنه وأحقاده.\r* * *\rأما الغزالي الفيلسوف، فهو لم يعجب فريقين من الناس:\rالفريق الأول، أولئك الذين تركن نفوسهم إلى تلك الفلسفات التي تحاول أن تنهج بالأفكار منهجاً مادياً ينأى عن الصراط الإسلامي ومبادئه ومُثُله، فهؤلاء يجنحون إلى فلسفة أمثال ابن سينا وابن رشد والفارابي ومن سلك مسلكهم، والغريب أن فلسفة هؤلاء الناس تمثل الفكر التقليدي الرجعي المتقوقع في العتيق من الفلسفات الإغريقية القديمة، بينما تمثل فلسفة الغزالي الفكر التقدمي المتجدد الثائر على القديم الذي تبيّن خطؤه، ومع ذلك فإنك تنظر إلى هذا الفريق الذي يرفع فوق رأسه لواء التقدم والتجديد، يحارب التقدم العلمي الحق في فلسفة الغزالي، وينتصر للرجعية القديمة في آراء الفارابي وابن رشد!...","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"أما الفريق الثاني، فهم أولئك الذين ينعتون أنفسهم بالسَّلفية، ويدّعون ارتباطهم الشديد بمنهج العصور الثلاثة الأولى في صدر الإسلام، ولما كان صدر الإسلام لا يعرف شيئاً من هذه (الرعونات الفكرية المبتدعة) فقد كان على أجيال المسلمين فيما بعد أن تبقى على تلك الحال، وأن لا تشغل ذهنها بهذا النوع من العلوم، ونظراً إلى أن الغزالي قد أقبل إلى هذا العلم فدرسه وتعلمه، وأصغى إليه بفكره وعقله، فقد شذ عن صراط السلف وهديه، وانحرف بذلك وابتدع!..\rهكذا يقول رجال هذا الفريق!.. يقولون ذلك دون أن يسألوا عقولهم: وماذا صنع الغزالي بالفلسفة الإغريقية بعد أن دَرَسَها وتعرَّفَ عليها؟ وهل حصَّن العقل الإسلامي المتحرر ضد وباء تلك الفلسفة وغثائها أحدٌ غير الغزالي عندما تعلمها فكشف الزيف الذي فيها، وأطفأ بريقه الخداع بموازينه العلمية الدقيقة، ثم رمى به بعيداً عن أودية الإهمال والنسيان؟\rومن المعلوم أن رائد هذا الفريق من الناس في محاربة الفلسفة والمنطق والتحذير من دراستهما هو ابن تيمية رحمه الله، ولكن العجيب حقاً أنك، عندما تصغي إليه وهو يسخّف المنطق والفلسفة ويحرم على الناس تعلمهما، تجده لا يستدل على ذلك إلا بما قد حفظه وتعلمه من هذا العلم المحرّم ذاته، فهو ينقل لك أقوالهم ويسخف آراءهم ويسخر من موازينهم المنطقية، ثم يستدل بصنيعه هذا على أن الخوض في هذا الفن حرام!.. فيا لله من رجل يحرم على الناس ما يبيحه لنفسه!.. ويا عجباً لمنطق من يقول: لقد تعلمتُ لكم الفلسفة، فرأيتها باطلاً من القول، فلا تتعلموها إذن، فهي عليكم حرام!..\rأما نحن فأولى بنا أن نقتدي بفعل ابن تيمية، الذي استجازه لنفسه؛ لا أن نقيِّد أنفسنا بأقواله التي صدّرها لغيره، وهذا ما فعله الإمام الغزالي تماماً، وهذا ما يجدرُ بالمسلمين كلهم أن يفعلوه.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"ودعني أنقل لك كلاماً من رسالة وجهها العلامة المحدث الحافظ عفيف الدين المطري، إلى ابن السبكي رحمه الله يحدثه فيها عن الغزالي وبعض من رجال هذا الفريق.\r\"وأما ما ذكره الشيخ تقي الدين بن الصلاح فما ذكره من عند نفسه ومن كلام يوسف الدمشقي والمازري، فما أُشبّه هؤلاء الجماعة رحمهم الله إلا بقوم متعبدين سليمة قلوبهم، قد ركنوا الهوينى، فرأوا فارساً عظيماً من المسلمين، قد رأى عدواً عظيماً لأهل الإسلام فحمل عليهم وانغمس في صفوفهم، وما زال في غمرتهم حتى فل شوكتهم وكسرهم، وفرّق جموعهم شذر مذر، وفلق هام كثير منهم، فأصابه يسير من دمائهم، وعاد سالماً، فرأوه وهو يغسل الدم عن نفسه، ثم دخل معهم في صلاتهم وعباداتهم، فتوهموا أيضاً أثر الدم عليه، فأنكروا عليه!.. هذا حال الغزالي وحالهم، والكلُّ إن شاء الله مجتمعون في مقعد صدق عند مليك مقتدر\"(1).\r* * *\rبقي أن أتكلم على كتاب الغزالي \"المنقذ من الضلال\" هذا الكتاب الذي يمثل في تاريخ تراثنا العربي الإسلامي، باكورة ما يسمى اليوم بالقصة أو السيرة الذاتية.\rوالكلام على هذا الكتاب طويل الذيل، تتفرع عنه مسائل وبحوث في غاية الأهمية، لا يمكن إعطاؤها حقها في هذه الأسطر المتبقية من هذا البحث.\rوقد كنتُ بين أن أفرد هذا المقال للحديث عن \"المنقذ من الضلال\" فلا أعرض لشيء من الجوانب التي عرضت لها عن مزايا الإمام الغزالي، وبين أن أكتب ما قد ذكرت مما يتعلق بشخصيته العلمية عامة، وأرجئ الحديث عن \"سيرته الذاتية\" هذه إلى فرصة أخرى، وكان أن اختار الله عز وجل لي ما قد فعلتُ.\rغير أني أريد أن أختم حديثي هذا بما قد نبَّه إليه معظمُ مَنْ ترجم للإمام الغزالي، وهو أن ثمَّةَ كتابين يُنسبان إليه ويُقحم ذكرهما في قائمة مؤلفاته، وهما: السر المكتوم، والمضنون به على غير أهله.\r-------------\r(1) طبقات ابن السبكي: 6/223.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"والواقع أن هذين الكتابين ليسا للإمام الغزالي، بل وضعا عليه، ودُسا بين مؤلفاته زوراً وبهتاناً. نص على ذلك الإسنوي في ترجمته له، وابن العماد في كتابه شذرات الذهب، وابن السبكي في طبقات الشافعية وغيرهم.\rوالحديث عن صناعة الدس في تاريخ تراثنا الإسلامي من الأهمية بمكان، ومن المعلوم أن أبطال هذا السلوك الشائن طائفة من الزنادقة، كان شأنهم أن يبتغوا إلى نشر أفكارهم الزائفة أقرب السبل وأيسرها إلى أذهان الناس، وذلك بأن يعمدوا إلى كتابٍ من أكثر الكتب رواجاً بين الناس لمؤلفٍ نالَ أعلى درجة من الثقة فيما بينهم، فيدسوا فيه ما شاؤوا من أباطيلهم، ثم يتركوها تروج بتلك الطريقة بين العقول.\rومن أشهر الكتب التي حشدها هؤلاء الزنادقة بما شاؤوا من أباطيلهم كتاب الفتوحات للشيخ محيي الدين بن عربي، كما نص على ذلك العلاّمة المقَّري صاحب نفح الطيب، وابن العماد في كتابه شذرات الذهب، والشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر، والحاجي خليفة في كتابه كشف الظنون.\rومن أشهر من دسوا عليه أيضاً الإمام الغزالي في أماكن من كتابه الإحياء، وفيما أقدموا عليه من إلصاق الكتابين المذكورين به وهو منهما بريء، بل إن معظم ما يدور عليه مضمون كتابه تهافت الفلاسفة، ليس إلا تحطيماً وتمزيقاً لما أثبته أولئك الزنادقة في هذين الكتابين اللذين دسوهما عليه.\rولعل الله يوفق، فنتوفر على كتابة بحثٍ مستقلٍ عن قصة هذا العمل الخطير في تاريخ تراثنا الإسلامي والله ولي التوفيق.\r********","part":1,"page":16}],"titles":[{"id":1,"title":"الإمام الغزالي ذو فكر منهجي فذ واختصاصات علمية شتى - البوطي","lvl":1,"sub":0}]}