{"pages":[{"id":1,"text":"أيها الولد\rتأليف\rحجة الإسلام محمد بن محمد أبي حامد الغزالي\r\rدار ابن حزم","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rسبب تأليف هذه الرسالة:\rالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله أجمعين.\rاعلم أن واحدا من الطلبة المتقدمين، لازم خدمة الشيخ الإمام زين الدين حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي رحمه الله، واشتغل بالتحصيل وقراءة العلم عليه، حتى جمع دقائق العلوم، واستمكل فضائل النفس، ثم إنه تفكر يوما في حال نفسه، وخطر على باله فقال: إني قرأت أنواعا من العلوم، وصرفت في ريعان عمري على تعلمها وجمعها، والآن ينبغي أن أعلم أي نوعها ينفعني غدا ويؤنسني في الآخرة؟ وأيها لا ينفع حتى أتركه؟.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\" اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع\" رواه مسلم وغيره.\rفاستمرت له هذه الفكرة حتى كتب الى حضرة الشيخ حجة الإسلام محمد الغزالي رحمه الله تعالى استفتاء، وسأل عنه مسائل، والتمس منه نصيحة ودعاء.\rقال: وإن كانت مصنفات الشيخ كالإحياء وغيره يشتمل على جواب مسائلي، لكن مقصودي أن يكتب الشيخ حاجتي في ورقات تكون معي مدة حياتي وأعمل بها مدة عمري إن شاء الله تعالى.\rفكتب الشيخ هذه الرسالة إليه في جوابه.\rبسم الله الرحمن الرحيم\rاعلم أيها الولد المحب العزيز ـ أطال الله تعالى بقاءك بطاعته، وسلك بك سبيل أحبّائه ـ أن منشور النصيحة يكتب من معدن الرسالة عليه الصلاة والسلام، إن كان قد بلغك منه مصيحة فأي حاجة لك في نصيحتي؟ وإن لم يبلغك فقل لي: ماذا حصّلت في هذه السنين الماضية!!!\rأيها الولد..!!\rمن جملة ما نصح به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته صلى الله عليه وسلم قوله:\" علامة إعراض الله تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه، وإن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لجدير أن تطول عليه حسرته، ومن جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز الى النار\" قال النبي صلى الله عليه وسلم:\" من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه\" رواه أحمد وغيره.\rوفي هذه النصيحة كفاية لأهل العلم.\rأيها الولد..!!\rالنصيحة سهل، والمشكل قبولها، لأنها في مذاق متبعي الهوى مرّ، إذ المناهي محبوبة في قلوبهم على الخصوص لمن كان طالب علم مشتغلا في فضل النفس ومناقب الدنيا، فإنه يحسب أن العلم المجرد له سيكون نجاته وخلاصه فيه، وأنه مستغن عن العمل، وهذا اعتقاد الفلاسفة. ( أي العلم بلا عمل).\rسبحان الله العظيم!! لا يعلم هذا القدر أنه حين حصّل العلم إذا لم يعمل به تكون الحجة علبه آكد، كما ثال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\" أشد الناس عذابا يوم القياة عالملا ينفعه الله بعلمه\" قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1\\3: رواه الطبراني في \"الصغير\"، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف.\rوروي أن الجنيد رئي في المنام بعد موته، فقيل له: ما الخبر يا أبا القاسم؟ قال: طاحت العبارات، وفنيت الإشارات، وما نفعنا إلا ركعات ركعناها في جوف الليل.\rأيها الولد..!!\rلا تكن من الأعمال مفلسا، ولا من الأحوال خاليا، وتيقّن أن العلم المجرد لا يأخذ باليد.\rمثاله لو كان على رجل في برية عشرة أسياف هندية مع أسلحة أخرى، وكان الرجل شجاعا وأهل حرب، فحمل عليه أسد عظيم مهيب، فما ظنّك؟ هل تدفع الأسلحة شره عنه بلا استعمالها وضربها؟!\rومن المعلوم أنها ل اتدفع إلا بالتحريك والضرب، فكذا لو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وتعلمها، ولم يعمل بها: لا تفيده إلا بالعمل.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"ومثاله أيضا: لو كان لرجل حرارة ومرض صفراوي يكون علاجه بالسكنجين والكشكاب فلا يحصل البرء إلا باستعمالهما. السكنجين والكشكاب: دواءان لعلاج الحمى الصفراء.\rكرمى دو هزار بار بييماي ** تامى نخوري نباشدت شيدابي\rهذا البيت من الشعر الفارسي ومعناه: إذا كِلتَ الخمر ألفي مرة ولم تشربها لم تحس بالنشوة.\rأيها الولد..!!\rولو قرأت العلم مائة سنة، وجمعت ألف كتاب، لا تكون مستعداً لرحمة الله تعالى إلا بالعمل لقوله تعالى:{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [ النجم:39]، وقوله تعالى:{ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا} [ الكهف: 110]، وقوله تعالى:{ جزاء بما كانوا يكسبون} [ التوبة: 82]، وقوله تعالى:{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفرعون نزلا * خالدين فيها لا يبغون عنها حولا} [ الكهف: 107 ـ 108]، وقوله تعالى:{ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا} [ الفرقان: 70].\rوما تقول في الأحاديث؟ \" بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصومرمضان، وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلا\" رواه البخاري ومسلم.\rوالإيمان: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان.\rودليل الأعمال أكثر من أن يحصى، وإن كان العبد يبلغ الجنة بفضل الله تعالى وكرمه، لكن بعد أن يستعد بطاعته وعبادته، لأن رحمة الله قريب من المحسنين.\rولو قيل أيضا: يبلغ بمجرد الإيمان.\rقلنا: نعم لكن متى يبلغ؟ وكم من عقبة كئود تستقبله الى أن يصل؟.\rوأول تلك العقبات: عقبة الإيمان: أنه هل يسلم من السلب أم لا., وإذا وصل يكون خائبا مفلسا.\rوقال الحسن البصري رحمه الله: يقول الله تعالى لعباده يوم القيامة: ادخلوا يا عبادي الجنة برحمتي واقتسموها بقدر أعمالكم.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"أيها الولد..!!\rما لم تعمل لم تجد الأجر.\rحكي أن رجلاً من بني إسرائيل عبد الله تعالى سبعين عاما، فأراد الله تعالى أن يجلوه على الملائكة فأرسل الله إليه ملكا يخبره أنه مع تلك العبادة لا يليق به دخول الجنة، فلما بلغه قال العابد: نحن خلقنا للعبادة، فينبغي لنا أن نعبده. فلما رجع الملك قال الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ قال: إلهي، أنت أعلم بما قال، فقال الله تعالى: إذا هو لم يعرض عن عبادتنا، فنحن ـ مع الكرم ـ لا نعرض عنه، أشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\" حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا\" روى الترمذي هذا الحديث موقوفا على عمر بألفاظ مشابهة.\rوقال علي رضي الله عنه: من ظنّ أنه بدون الجهد يصل فهو متمّن، ومن ظنّ أنه يبذل الجهد يصل فهو مستغن.\rوقال الحسن رحمه الله تعالى: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب. وقال: علامة الحقيقة ترك ملاحظة العمل لا ترك الهمل.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\" الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله\". رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\rأيها الولد..!!\rكم من ليلة أحييتها بتكرار العلم ومطالعة الكتب، وحرّمت على نفسك النوم؛ لا أعلم ما كان الباعث فيه؟\rإن كانت نيتك عرض الدنيا، وجذب حطامها وتحصيل مناصبها، والمباهاة على الأقران والأمثال، فويل لك ثم ويل لك.\rوإن كان قصدك فيه إحياء شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وتهذيب أخلاقك، وكسر النفس الأمّارة بالسوء، فطوبى لك ثم طوبى لك، ولقد صدق من قال شعرا:\rسهر العيون لغير وجهك ضائع *** وبكاؤهن لغير فقدك باطل","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"أيها الولد..!!\rعش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ماشئت فإنك مجزي به. عن سهل بن محمد رضي الله عنهما قال: جاء جبريل الى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال:\" يا محمد: عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ماشئت، فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس\" رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. أنظر الترغيب والترهيب 1\\431.\rأيها الولد..!!\rأي شيء حاصل لك من تحصل علم الكلام والخلاف والطب والدواوين والأشعار والنجوم والعروض والنحو والتصريف: غير تضييع العمر بخلاف ذي الجلال.\rإني رأيت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام قال: من ساعة ما شوضع الميت على الجنازة إلى أن يوضع على شفير القبر يسأل الله بعظمته منه أربعين سؤالا، أوّله يقول:\" عبدي.. طهّرت منظر الخلق سنين وما طهّرت منظري ساعة\"، وكل يوم ينظر في قلبك يقول الله تعالى:\" ما تصنع لغيري وأنت محفوف بخيري\"!!! أما أنت أصمّ لا تسمع؟!!!\rأيها الولد..!!\rالعلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون.\rواعلم أن علما لا يبعدك اليوم عن المعاصي، ولا يحملك على الطاعة لن يبعدك غدا عن نار جهنم، وإذا لم تعمل اليوم، ولم تدارك الأيام الماضية تقول غدا يوم القيامة: فارجعنا نعمل صالحا، فيقال: يا أحمق أنت من هناك تجيء. قال تعالى:{ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا سمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} [ السجدة: 12].\rأيها الولد..!!\rاجعل الهمة في الروح، والهزيمة في النفس، والموت في البدن، لأن منزلك القبر، وأهل المقابر ينتظرونك في كل لحظة متى تصل إليهم، إياك إياك أن تصل إليهم بلا زاد. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: هذه الأجساد قفص الطيور، وإصطبل الدواب، فتفكّر في نفسك من أيهما أنت؟","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"إن كنت من الطيور العلوية، فحين تسمع طنين طبل { إرجعي إلى ربك} تطير صاعدا إلى أن تقعد في أعالي بروح الجنان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\" اهتز عرش الرحمن ليموت سعد بن معاذ\" رواه مسلم والبخاري. والمراد باهتزاز العرش فرحه بمقدمه.\rوالعياذ بالله إن كنت من الدواب كما قال تعالى { أولئك كالأنعام بل هم أضل} فلا تأمن انتقالك من زاوية الدار إلى هاوية النار.\rوروي أن الحسن البصري رحمه الله تعالى أعطي شربة ماء بارد، فلما اخذ القدح غشي عليه وسقط من يده، فلما أفاق قيل له: مالك يا أبا سعيد؟ قال: ذكرت أمنية أهل النار حين يقولون لأهل الجنة:{ أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله}.\rأيها الولد..!!\rلو كان العلم المجرّد كافيا لك، ولا تحتاج الى عمل سواه، لكان نداء الله تعالى:\" هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب؟\" ضائعا بلا فائدة. جزء من حديث قدسي رواه البخاري ومسلم.\rوروي أن جماعة من الصحابة رضي الله عليهم أجمعين ذكروا عبدالله بن عمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:\" نعم الرجل هو لو كان يصلي بالليل\". رواه البخاري ومسلم.\rوقال عليه الصلاة والسلام لرجل من أصحابه:\" يا فلان.. لا تكثر النوم بالليل فإن كثيرة النوم بالليل تدع صاحبه فقيرا يوم القيامة\". رواه ابن ماجه والبيهقي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب 1\\446. وفي إسناده احتمال للتحسين.\rأيها الولد..!!\r{ ومن الليل فتهجّد به} أمر؛ { وبالأسحار هم يستغفرون} شكر؛ [ والمستغفرين بالأسحار} ذكر.\rقال عليه الصلاة والسلام:\" ثلاثة أصوات يحبها الله تعالى: صوت الديك، وصوت الذي يقرأ القرآن، وصوت المستغفرين بالأسحار\". رواه الديلمي كما في الكنز 15\\814.\rقال سفيان الثوري رحمه الله: إن لله تعالى ريحا تهب بالأسحار تحمل الأذكار والاستغفار الى الملك الجبار.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وقال أيضا: إذا كان أول الليل ينادي مناد من تحت العرش: ألا ليقم العابدون، فيقومون ويصلون ما شاء الله؛ ثما ينادي مناد في شطر الله: ألا ليقم القانتون، فيقومون ويصلون الى السحر؛ فإذا كان السحر ينادي مناد: ألا ليقم المستغفرون، فيقومون ويستغفرون؛ فإذا طلع الفجر ينادي مناد: ألا ليقم الغافلون، فيقومون من فروشهم كالموتى نشروا من قبورهم.\rأيها الولد..!!\rروي في لعض وصايا لقمان الحكيم لابنه أنه قال: يا بني.. لا يكوننّ الديك أكيس منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم.\rولقد أحسن من قال شعرا:\rلقد هتفت في جنح الليل حمامة *** على فنن وهنا وإني لنائم\rكذبت وبيت الله لو كنت عاشقا *** لما سبقتني بالبكاء الحمائم\rوأزعم أني هائم ذو صبابة *** لربي فلا أبكي وتبكي البهائم؟!\rأيها الولد..!!\rخلاصة العلم: أن تعلم أن الطاعة والعبادة ما هي؟\rاعلم أن الطاعة والعبادة متابعة الشارع في الأوامر والنواهي بالقول والفعل، يعني: كل ما تقول وتفعل، وتترك قوله وفعله يكون بإقتداء الشرع، كما لو صمت في يوم العيد وأيام التشريق تكون عاصيا، أو صليت في ثوب مغصوب ـ وإن كانت صورة عبادة ـ تأثم.\rأيها الولد..!!\rينبغي لك أن يكون قولك وفعلك موافقا للشرع؛ إذ العلم والعمل بلا اقتداء الشرع ضلالة، وينبغي لك ألا تغترّ بشطح الصوفية وطاماتهم ( اي رياضة النفس ومجاهدتها)؛ لأن سلوك هذا الطريق يكون بالمجاهدة وقطع شهوة النفس وقتل هواها بسيف الرياضة، لا بالطامات والترهات. ( أي الأباطيل).\rواعلم أن اللسان المطلق والقلب المطبق المملوء بالغفلة والشهوة علامة الشقاوة، حتى لا تقتل النفس بصدق المجاهدة لن يحيى قلبك بأنوار المعرفة.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"واعلم أن بعض مسائلك التي سألتني عنها لا يستقيم جوابها بالكتابة والقول، إن تبلغ تلك الحالة تعرف ما هي! وإلا فعلمها من المستحيلات؛ لأنها ذوقية، وكل ما يكون ذوقيا، لا يستقيم وصفه بالقول، كحلاوة الحلو ومرارة المر، لا تعرف إلا بالذوق، كما حكي أن عنّينا كتب الى صاحب له: أن عرّفني لذة المجامعة كيف تكون؟ ( عنّنينا: لا يستطيع إتيان النساء).\rفكتب له في جوابه: يا فلان.. إني كنت حسبتك عنّينا فقط، الآن عرفت أنك عنّين وأحمق؛ لأن هذه اللذة ذوقية، إن تصل إليها، وإلا لا يستقيم وصفها بالقول والكتابة.\rأيها الولد..!!\rبعض مسائلك من هذا القبيل، وأما البعض الذي يستقيم له الجواب فقد ذكرناه في \"إحياء العلوم\" وغيره، ونذكر ههنا نبذا منه ونشير إليه فنقول: قد وجب على السالك أربعة أمور:\rأول الأمر: اعتقاد صحيح لا يكون فيه بدعة.\rوالثاني: توبة نصوح لا يرجع بعده الى الذلة.\rوالثالث: استرضاء الخصوم حتى لا يبقى لأحد عليك حق.\rوالرابع: تحصيل علم الشريعة قدر ما تؤدي به أوامر الله تعالى.\rثم من العلوم الآخرة ما يكون به النجاة.\rحكي أن الشبلي رحمه الله خدم أربعمائة أستاذ، وقال قرأت أربعة آلاف حديث، ثم اخترت منها حديثا واحدا، وعملت به، وخليت ما سواه؛ لأني تأملته فوجدت خلاصي ونجاتي فيه، وكان علم الأولين، والآخرين كله مندرجا فيه فاكتفيت به، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبعض أصحابه:\" اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واعمل للنار بقدر صبرك عليها\" رواه البيهقي بلفظ:\" اعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبدا، واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غدا\". قال المناوي في التيسير 1\\ 176: رمز المؤلف ـ يريد السيوطي ـ لضعفه.\rأيها الولد..!!\rإذا علمت هذا الحديث لا حاجة الى العلم الكثير.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"وتأمل في حكاية أخرى، وهي: أن حاتم الأصمّ كان من أصحاب شقيق البلخي رحمة الله تعالى عليهما، فسأله يوما قال: صاحبتني منذ ثلاثين سنة ما حصّلت؟\rقال: حصّلت ثماني فوائد من العلم، وهي تكفيني منه لأني أرجو خلاصي ونجاتي فيها.\rفقال شفيق: ما هي؟\rقال حاتم:\rالفائدة الأولى: إني نظرت الى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبا ومعشوقا يحبه ويعشقه، وبعض ذلك المحبوب يصاحبه الى مرض الموت وبعضه يصاحبه الى شفير القبر، ثم يرجع كله، ويتركه فريدا وحيدا، ولا يدخل معه في قبره منهم أحد.\rفتفكرت وقلت: أفضل محبوب المرء ما يدخل معه في قبره، ويؤنسه فيه، فما وجدته غير الأعمال الصالحة، فأخذتها محبوبة لي؛ لتكون لي سراجا في قبري، وتؤنسني فيه، ولا تتركني فريدا.\rالفائدة الثانية: أني رأيت الخلق يقتدون أهواءهم، ويبادرون الى مرادات أنفسهم، فتأملت قوله تعالى:{ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هي المأوى} النازعات 40 – 41. وتيقنت أن القرآن حق صادق فبادرت الى خلاف نفسي وتشمّرت بمجاهدتها، وما متعتها بهواها، حتى ارتاضت بطاعة الله تعالى وانقادت.\rالفائدة الثالثة: أني رأيت كل واحد من الناس يسعى في جميع حطام الدنيا، ثم يمسكه قابضا يده عليه فتأملت في قوله تعلى:{ ما عندكم ينفد وما عند الله باق} فبذلت محصولي من الدنيا لوجه الله تعالى ففرّقته بين المساكين ليكون ذخرا لي عند الله تعالى.\rالفائدة الرابعة: أني رأيت بعض الخلق يظن أن شرفه وعزه في كثرة الأقوام والعشائر فأعتز بهم.\rوزعم آخرون أنه في ثروة الأموال وكثرة الأولاد، فافتخروا بها.\rوحسب بعضهم أن العز والشرف في غصب أموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم.\rواعتقدت طائفة أنه في إتلاف المال وإسرافه، وتبذيره، فتأملت في قوله تعالى:{ إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم}، فاخترت التقوى، واعتقدت أن القرآن حق صادق، وظنهم وحسبانهم كلها باطل زائل.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"الفائدة الخامسة: إني رأيت الناس يذم بعضهم بعضا، ويغتاب بعضهم بعضا، فوجدت أصل ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم، فتأملت في قوله تعالى:{ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} فعلمت أن القسمة كانت من الله تعالى في الأزل، فما حسدت أحدا ورضيت بقسمة الله تعالى.\rالفائدة السادسة: أني رأيت الناس يعادي بعضهم بعضا لغرض وسبب، فتأملت في قوله تعالى:{ إنّ الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} فعلمت أنه لا يجوز عداوة أحد غير الشيطان.\rالفائدة السابعة: أني رأيت كل أحد يسعى بجد، ويجتهد بمبالغة لطلب القوت والمعاش، بحيث يقع به في سبهة وحرام وبذل نفسه وينقص قدره، فتأملت في قوله تعالى:{ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} فعلمت أن رزقي على الله تعالى وقد ضمنه، فاشتغلت بعبادته، وقطعت طمعي عمّن سواه.\rالفائدة الثامنة: أني رأيت كل واحد معتمدا على شيء مخلوق، بعضهم على الدينار والدرهم، وبعضهم على المال والملك، وبعضهم على الحرفة والصناعة، وبعضهم على مخلوق\rمثله، فتأملت في قوله تعالى:{ ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا} فتوكلت على الله تعالى فهو حسبي ونعم الوكيل.\rفقال شفيق: وفقك الله تعالى إني قد نظرت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فوجدت الكتب الأربعة تدور على هذه الفوائد الثماني، فمن عمل بها كان عاملا بهذه الكتب الأربعة.\rأيها الولد..!!\rقد علمت من هاتين الحكايتين أنك لا تحتاج الى تكثير العلم، والآن أبين لك ما يجب على سالك سبيل الحق:\rفاعلم أنه ينبغي للسالك شيخ مرشد مرب، ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته، ويجعل مكانها خلقا حسنا.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"ومعنى التربية يشبه الفلاح الي يقلع الشوك. ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع لحيسن نباته. ويكمل ريعه، ولا بد للسالك من شيخ يربيه ويرشده الى سبيل الله تعالى لأن الله أرسل للعباد رسولا للإرشاد الى سبيله فإذا ارتحل صلى الله عليه وسلم فقد خلف الخلفاء في مكانه، حتى يرشدوا الى الله تعالى.\rوشرط االشيخ الذي يصلح أن يكون نائبا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه: أن يكون عالما إلا أن كل عالم لا يصلح للخلافة.\rوإني أبيّن لك بعض علاماته على سبيل الإجمال؛ حتى لا يدّعي كل أحد أنه مرشد فنقول: من يعرض عن حب الدنيا وحب الجاه، وكان قد تابع شيخا بصيرا تتسلسل متابعته الى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وكان محسنا رياضة نفسه من قلة الأكل والقول والنوم وكثرة الصلوات والصدقة والصوم، وكان بمتابعة الشيخ البصير جاعلا محاسن الأخلاق له سيرة: كالصبر والصلاة والشكر والتوكل واليقين والسخاء والقناعة وطمأنينة النفس والحلم والتواضع والعلم والصدق والحياء والوفاء والوقار والسكون والتأني وأمثالها، فهو إذا نور من أنوار النبي صلى الله عليه وسلم يصلح للإقتداء به، ولكن وجود مثله نادر أعز من الكبريت الأحمر.\rومن ساعدته السعادة فوجد شيخا كما ذكرنا، وقبله الشيخ، ينبغي أن يحترمه ظاهرا وباطنا:\rأما احترام الظاهر فهو أن لا يجادله، ولا يشتغل بالاحتجاج معه في كل مسألة وإن علم خطأه، ولا يلقي بين يديه سجّادته إلا وقت أداء الصلاة، فإذا فرغ من الصلاة يرفعها، ولا يكثر نوافل الصلاة بحضرته، ويعمل ما يأمره الشيخ من العمل بقدر وسعه وطاقته\rوأما احترام الباطن: فهو أنّ كل ما يسمع ويقبل منه في الظاهر لا ينكره في الباطن لا فعلا ولا قولا؛ لئلا يتّسم بالنفاق، وإن لم يستطع يترك صحبته إلى أن يوافق ياطنه ظاهره.\rويحترز عن مجالسة صاحب السوء؛ ليقصر ولاية شياطين الإنس والجن من صحن قلبه، فيصفي عن لوث الشيطنة، وعلى كل حال يختار الفقر على الغنى.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"ثم اعلم أن التصوف له خصلتان: الاستقامة، والسكون عن الخلق، فمن استقام وأحسن خلقه بالناس وعاملهم بالحلم فهو \"صوفي\".\rوالاستقامة أن يفدي حظ نفسه لنفسه.\rوحسن الخلق مع الناس: ألا تحمل الناس على مراد نفسك، بل تحمل نفسك على مرادهم ما لم يخالفوا الشرع.\rثم إنك سألتني عن العبودية وهي ثلاثة أشياء:\rأحدها: محافظة أمر الشرع.\rوثانيها: الرضاء بالقضاء والقدر وقسمة الله تعالى.\rوثالثها: ترك رضاء نفسك في طلب رضاء الله تعالى.\rوسألتني عن التوكل؟\rوهو أن تستحكم اعتقادك بالله تعالى فيما وعد، يعني تعتقد أن ما قدر لك سيصل إليك لا محالة وإن اجتهد كل من في العالم على صرفه عنك، وما لم يكتب لك لن يصل إليك، وإن ساعدك جميع العالم.\rوسألتني عن الإخلاص؟\rوهو أن تكون أعمالك كلها لله تعالى، ولا يرتاح قلبك بمحامد الناس، ولا تبالي بمذمتهم.\rواعلم أن الرياء يتولد من تعظيم الخلق.\rوعلاجه أن تراهم مسخرين تحت القدرة، وتحسبهم كالجمادات في عدم قدرة إيصال الراحة والمشقة لتخلص من مراياتهم. ومتى تحسبهم ذوي قدرة وإرادة لن يبعد عنك الرياء.\rأيها الولد..!!\rوالباقي من مسائلك بعضها مسطور في مصنفاتي، فاطلبه ثمّة: وكتابة بعضها حرام، اعمل أنت بما تعلم، لينكشف لك ما لم تعلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\" من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم\" قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1\\71: أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه.\rأيها الولد..!!\rبعد اليوم لا تسألني ما أشكل عليك إلا بلسان الجنان، قال تعالى:{ ولوأنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم}\rواقبل نصيحة الخضر عليه السلام حين قال:{ فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا}\rولا تستعجل حتى تبلغ أوانه يكشف لك وتره:{ سأوريكم آياتي فلا تستعجلون}.\rفلا تسألني قبل الوقت وتيقن أنك لا تصل إلا بالسير لقوله تعالى:{ أولم يسيروا في الأرض فينظروا}.\rأيها الولد..!!","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"بالله إن تسر تر العجائب في كل منزل، وابذل روحك، فإن رأس هذا الأمر بذل الروح، كما قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى لأحد من تلامذته: إن قدرت على بذل الروح فتعال، وإلا فلا تسشتغل بالترهات الصوفية.\rأيها الولد..!!\rإني أنصحك بثمانية أشياء، اقبلها مني لئلا يكون علمك خصمك يوم القيامة، تعمل منها أربعة، وتدع منها أربعة:\rأما اللواتي تدع:\rفأحدها: ألا تناظر أحدا في مسألة ما استطعت لأن فيها آفات كثيرة، فإثمها أكبر من نفعها، إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء والحسد والكبر والحقد والعداوة والمباهاة وغيرها.\rنعم لو وقع مسألة بينك وبين شخص أو أقوام، وكانت إرادتك فيها أن تظهر الحق ولا يضيع، جاز البحث، لكن لتلك الإرادة علامتان:\rإحداهما: ألا تفرّق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك.\rوالثانية: أن يكون البحث في الخلاء أحبّ إليك من أن يكون في الملأ.\rواسمع أني أذكر ههنا فائدة، واعلم أن السؤال عن المشكلات عرض مرض القلب الى الطبيب، والجواب له سعي لإصلاح مرضه.\rواعلم أن الجاهليين: المرضى قلوبهم، والعلماء: الأطباء.\rوالعالم الناقص لا يحسن المعالجة، والعالم الكامل لا يعالج كل مريض، بل يعالج من يرجو فيه قبول المعالجة والصلاح، فإذا كانت العلة مزمنة أو عقيما لا تقبل العلاج، فحذاقة الطبيب فيه أن يقول: هذا لا يقبل العلاج، فلا تشغل فيه بمداواته لأن فيه تضييع العمر.\rثم اعلم أن مرض الجهل على أربعة أنواع : أحدها يقبل العلاج، والباقي لا يقبل.\rأما الذي لا يقبل:\rفأحدهما: من كان سؤاله واعتراضه عن حسد وبغض، فكلما تجيبه بأحسن الجواب وأفصحه، فلا يزيد له ذلك إلا بغضا عداوة وحسدا، فالطريق ألا تشتغل بجوابه، فقد قيل:\rكل العداوة قد ترجى أزالتها ** إلا عداوة من عاداك عن حسد\rفينبغي أن تعرض عنه، وتتركه مع مرضه؛ قال الله تعالى:{ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا}.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"والحسود بكل ما يقول ويفعل يوقد النار في زرع علمه:\" الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب\". قال عراقي في تخريج آحاديث الإحياء 1\\45: أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة. وقال البخاري: لا يصح، وهو عند ابن ماجه من حديث أنس بإسناد ضعيف، وفي تاريخ بغداد بإسناد حسن.\rوالثاني: أن تكون علته من الحماقة، وهو أيضا لا يقبل العلاج كما قال عيسى عليه السلام: إني ما عجزت عن إحياء الموتى، وقد عجزت عن معالجة الأحمق.\rوذلك رجل يشتغل بطلب العلم زمنا قليلا ويتعلم شيئا قليلا من علوم العقل والشرع، فيسأل، ويعترض من حماقته على العالم الكبير، الذي أمضى عمره في العلوم: العقلي والشرعي، وهذا الأحمق لا يعلم، ويظن أن ما أشكل عليه هو أيضا مشكل للعالم الكبير، فإذا لم يعلم هذا القدر يكون سؤاله من الحماقة، فينبغي ألا يشتغل بجوابه.\rوالثالث: أن يكون مسترشدا، وكل ما لا يفهم من كلام الأكابر يحمل على قصور فهمه، وكان سؤاله للاستفادة، لكن لكونه بليدا لا يدرك الحقائق، فلا ينبغي الاشتغال بجوابه أيضا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\" نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم\" قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1\\57: رويناه في جزء من حديث أبي بكر بن الشخير من حديث عمر أخصر منه وعند أبي داود من حديث عائشة :\" أنزلوا الناس منازلهم\".\rوأما المرض الذي يقبل العلاج، فهو أن يكون مسترشدا عاقلا فهما لا يكون مغلوب الحسد والغضب وحب الشهوة والجاه والمال. ويكون طالب طريق المستقيم، ولم يكن سؤاله واعتراضه عن حسد، وتعنّت وامتحان، وهذا يقبل العلاج، فيجوز أن تشتغل بجواب سؤاله بل يجب عليك إجابته.\rوالثاني مما تدع: وهو أن تحذر وتحترز من أن تكون واعظا ومذكرا؛ لأن آفته كثيرة إلا ان تعمل بما تقول أولا، ثم تعظ به الناس، فتفكر فيما قيل لعيسى عليه السلام: يا ابن مريم عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح من ربك.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وإن ابتليت بهذا العمل فاحترز عن خصلتين:\rالأولى: عن التكلف في الكلام بالعبارات والإشارات والطامات والأبيات والأشعار؛ لأن الله تعالى يبغض المتكلفين، والمتكلف المتجاوز عن الحد، يدل على خراب الباطن وغفلة القلب.\rومعنى التذكير: أن يذكر العبد نار الآخرة، وتقصير نفسه في خدمة الخالق ويتفكر في عمره الماضي الذي أفناه فيما لا يعنيه ويتفكر فيما بين يديه من العقبات من عدم سلامة الإيمان في الخاتمة، وكيفية حاله في قبض ملك الموت، وهل يقدر على جواب منكر ونكير؟\rويهتم بحاله في القيامة ومواقفها، وهل يعبلا عن الصراط سالما أم يقع في الهاوية؟\rويستمر ذكر هذه الأشياء في قلبه، فيزعجه عن قراره، فغليان هذه النيران، ونوحة هذه المصائب يسمّى تذكيرا، وإعلام الخلق واطلاعهم على هذه الأشياء، وتنبيههم على تقصيرهم وتفريطهم، وتبصيرهم بعيوب أنفسهم لتمسّ حرارة هذه النيران أهل المجلس، وتجزعهم تلك المصائب ليتداركوا العمر الماضي بقدر الطاقة، ويتحسّروا على الأيام الخالية في غير طاعة لله تعالى.\rهذه الجملة على هذا الطريق اسمى وعظا، كما لو رأيت أن السيل قد هجم على دار أحد، وكان هو وأهله فيها فتقول: الحذر الحذر فروا من السيل!! وهل يشتهي قلبك في هذه الحالة أن تخبر صاحب الدار خرك بتكلف العبارات، والنكت والإشارات؟ فلا يشتهي البتة؛ فكذلك حال الواعظ فينبغي أن يجتنبها.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"الخصلة الثانية: ألا تكون همّتك في وعظك أن ينفر الخلق في مجلسك ويظهروا الوجد، ويشقوا الثياب، ليقال: نعم المجلس هذا؛ لأن كله ميل للدنيا والرياء، وهو يتولد من الغفلة، بل ينبغي أن يكون عزمك وهمّتك أن تدعو الناس من الدنيا الى الآخرة، ومن المعصية الى الطاعة، ومن الحرص الى الزهد، ومن البخل الى السخاء، ومن الغرور الى التقوى، وتحبب إليهم الآخرة، وتبغّض إليهم الدنيا، وتعلمهم علم العبادة والزهد؛ لأن الغالب على طباعهم الزيغ عن نهج الشرع، والسعي فيما لا يرضى الله تعالى به، والاشتغال بالأخلاق الرّدية، فألق في قلوبهم الرعب، وروّعهم، وحذرهم عما يساقبلون من المخاوف؛ لعل صفات باطنهم تتغير، ومعاملة ظاهرهم تتبدل، ويظهروا الحرص والرغبة في الطاعة والرجوع عن المعصية، وهذا طريق الوعظ والنصيحة، وكل وعظ لا يكون هكذا فهو وبال على من قال ويسمع، بل قيل: إنه غول وشيطان، يذهب بالخلق عن الطريق ويهلكهم، فيجب عليهم أن يفروا منه؛ لأن ما يفسد هذا القائل من دينهم، لا يستطيع بمثله الشيطان، ومن كان له يد وقدرة يجب عليه أن ينزله عن منابر المسلمين ويمنعه عما باشره، فإنه من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\rوالثالث مما تدع: أنه لا تخالط الأمرء والسلاطين ولا ترهم، لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفة عظيمة، ولو ابتليت بها دع عنك مدحهم وثناءهم، لأن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق والظالم، ومن دعا لطول بقائهم فقد أحبّ أن يعصى الله في أرضه.","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"والرابع مما تدع: ألا تقبل شيئا من عطاء الأمراء وهداياهم وإن علمت أنها من الحلال، لأن الطمع منهم يفسد الدسن، لأنه يتولد من المداهنة، ومراعاة جانبهم والموافقة في ظلمهم، وهذا كله فساد في الدين، وأقلّ مضرّته أنك إذا قبلت عطاياهم، وانتفعت من دنياهم أحببتهم، ومن أحبّ أحدا يحب طول عمره، وبقاءه بالضرورة، وفي محبة بقاء الظالم إرادة في الظلم على عباد الله تعالى، وإرادة خراب العالم، فأي شيء يكون أضر من هذا على الدين والعاقبة.\rوإياك وإياك أن تخدع باستهواء الشياطين أو قول بعض الناس لك: بأن الأفضل والأولى أن تأخذ منهم الدينار والدهم، وتفرّقها بين الفقراء والمساكين؛ فإنهم ينفقون على الفسق والمعصية، وإنفاقك على ضعفاء الناس خير من إنفاقهم؛ فإن اللعين قد قطع أعناق كثير من الناس بهذه الوسوسة وآفته كثيرة، ذكرناها في إحياء العلوم فاطلبه منها.\rوأما الأربعة التي ينبغي لك أن تفعلها:\rالأول: أن تجعل معامتك مع الله تعالى، بحيث لو عامل بها عبدك معك ترضى بها منه، ولا يضيق خاطرك عليه ولا تغضب، والذي لا ترضى به لنفسك من عبدك المجازيّ فلا ترضى أيضا لله تعالى وهو سيدك الحقيقي.\rوالثاني: كلما عملت بالناس اجعله كما ترضى لنفسك منهم؛ لأنه لا يكمل إيمان عبد حتى يحبّ لسائر الناس ما يحبّ لنفسه.\rوالثالث: إذا قرأت العلم أو طالعته، ينبغي أن يكون علمك علما يصلح قلبك ويزكي نفسك، كما لو علمت أن عمرك ما يبقى غير أسبوع، فبالضرورة لا تشتغل فيها بعلم الفقه والخلاف والأصول والكلام وأمثالها؛ لأنك تعلم أن هذه العلوم لا تغنيك، بل تشتغل بمراقبة القلب، ومعرفة صفات النفس، والإعراض عن علائق الدنيا، وتزكي نفسك عن الأخلاق الذميمة وتشتغل بمحبة الله تعالى وعبادته، والاتصاف بالأوصاف الحسنة، ولا يمر على عبد يوم وليلة إلا ويمكن أن يكون موته فيه.\rأيها الولد..!!","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"اسمع مني كلاما آخر، وتفكر فيه حتى تجد فيه خلاصا: لو أنّك أخبرت أن السلطان بعد أسبوع يجيئك زائرا. أعلم أنك في تلك المدة لا تشتغل إلا بإصلاح ما علمت أن نظر السلطان سيقع عليه من الثياب وابدن، والدّار والفرش وغيرها.\rوالآن تفكر إلى ما أشرت به فإنك فهم، والكلام الفرد يكفي الكيّس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\" إن الله لا ينظر الى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر الى قلوبكم ونياتكم\" رواه مسلم.\rوإن أردت علم أحوال القلب فانظر الى الإحياء وغيره من مصنفاتي وهذا العلم فرض عين، وغيره فرض كفاية إلا بمقدار ما يؤدي به الى فرائض الله تعالى، وهو يوفقك حتى تحصّله.\rوالرابع: ألا تجمع من الدنيا أكثر من كفاية سنة، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدّ ذلك لبعض حجراته، وقال:\" اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا\" رواه مسلم، ولم يكن يعدّ بعد ذلك لكل حجراته بل كان يعدّه لمن علم أن في قلبها ضعفا، وأما من كانت صاحبة يقين فما كان يعدّ لها أكثر من قوت يوم ونصف.\rأيها الولد..!!\rإني كتبت في هذا الفصل ملتمساتك، فينبغي لك أن تعمل بها ولا تنساني فيه أن تذكرني في صالح دعائك.\rوأما الدعاء الذي سألت مني فاطلبه من دعوات الصحاح، واقرأ هذا الدعاء في أوقاتك، خصوصا في أعقاب صلوتك:\rاللهم إني أسألك من التعمة تمامها، ومن العصمة دوامها، ومن الرحمة شمولها، ومن العافية حصولها، ومن العيش أرغده، ومن العمر أسعده ومن الإحسان أتمه، ومن الإنعام أعمّه، ومن الفضل أعذبه، ومن اللطف أقربه.\rاللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم اختم بالسعادة آجالنا، وحقق بالزيادة آمالنا، واقرن بالعافية غدوّنا وآصالنا، واجعل الى رحمتك مصيرنا ومآلنا، واصبب سجال عفوك على ذنوبنا، ومنّ علينا بإصلاح عيوبنا، واجعل التقوى زادنا، وفي دينك اجتهادنا، وعليك توكلنا واعتمادنا.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"اللهم ثبتنا على نهج الاستقامة، وأعذنا في الدنيا من موجبات الندامة يوم القيامة، وخفف عنا ثقل الأوزار، وارزقنا عيشة الأبرار، واكفنا واصرف عنا شرّ الأشرار، واتق رقابنا، ورقاب آبائنا، وأمّهاتنا ومشايخنا من النار، برحمتك يا عزيز يا غفار، يا كريم يا ستّار، يا حليم يا جبّار يا الله.. يا الله.. يا الله.. يا الله.. يا رحيم، يا رحيم، يا أرحم الراحمين ويا أول الأولين، ويا آخر الآخرين، ويا ذا القوة المتين، ويا راحم المساكين، ويا أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.\rانتهى والحمد لله","part":1,"page":19}],"titles":[{"id":1,"title":"أيها الولد","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"سبب تأليف هذه الرسالة:","lvl":2,"sub":0}]}