{"pages":[{"id":1,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أسيد قال: قرئ على القاضي وهو الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة، قال محمد بن سلام الجمحي.\rذكرنا العرب وأشعارها والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها إذا كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب، وكذلك فرسانها وسادتها وأيامها، فاقتصرنا من ذلك على ما لا يجهله عالم، ولا يستغنى عن علمه ناظر في أمر العرب فبدأنا بالشعر.\rوفي الشعر مفعول مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربية، ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف. وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء. وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة، ولا يروى عن صحفي.\rوقد اختلفت العلماء بعد في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء، فأما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه.\rوللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم والصناعات: منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان. من ذلك اللؤلؤ والياقوت، لا تعرفه بصفة ولا وزن، دون المعاينة ممن يبصره. ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم، لا تعرف جودتها بلون ولا مس ولا طراز ولا وسم ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف بهرجها وزائفها وستوقها ومفرغها ومنه البصر بغريب النخل، والبصر بأنواع المتاع وضروبه واختلاف بلاده، مع تشابه لونه ومسه وذرعه، حتى يضاف كل صنف إلى بلده الذي خرج منه وكذلك بصر الرقيق، فتوصف الجارية فيقال: ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، جيدة النهود، ظريفة اللسان، واردة الشعر، فتكون في هذه الصفة بمائة دينار وبمائتي دينار، وتكون أخرى بألف دينار وأكثر، ولا يجد واصفها مزيداً على هذه الصفة، وتوصف الدابة فيقال: خفيف العنان، لين الظهر، شديد الحافر فتى السن، نقى من العيوب، فيكون بخمسين دينار أو نحوها، وتكون أخرى بمائتي دينار وأكثر، وتكون هذه صفتها.\rويقال للرجل والمرأة، في القراءة والغناء: إنه لندى الحلق، طل الصوت، طويل النفس مصيب للحن ويوصف الآخر بهذه الصفة، وبينهما بون بعيد، يعرف ذلك العلماء عند المعاينة والاستماع له، بلا صفة ينتهي إليها، ولا علم يوقف عليه. وإن كثرة المدارسة لتعدي علي العلم به. فكذلك الشعر يعلمه أهل العلم به.\rقال محمد: قال خلاد بن يزيد الباهلي لخلف بن حيان أبي محرز وكان خلاد حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله: بآي شيء ترد هذه الأشعار التي تروى؟ قال له: هل فيها ما تعلم أنت أنه مصنوع لا خير فيه؟ قال: نعم. قال أفتعلم في الناس من هو أعلم في الشعر منك؟ قال: نعم. قال فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مما تعلمه أنت.\rوقال قائل لخلف: إذا سمعت أنا بالشعر أستحسنه فما أبالي ما قلت أنت فيه وأصحابك.\rقال: إذا أخذت درهما فاستحسنته، فقال لك الصراف: إنه رديء! فهل ينفعك استحسانك إياه؟ وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه، محمد بن إسحاق بن يسار مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير. قال الزهري: لا يزال في الناس علم ما بقى مولى آل مخرمة، وكان أكثر علمه بالمغازي والسير وغير ذلك فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول لا علم لي بالشعر، أتينا به فأحمله. ولم يكن ذلك له عذرا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط، وأشعار النساء فضلاً عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعاراً كثيرة، وليس بشعر، إنما هو كلام مؤلف معقود بقواف. أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر؟ومن أداه منذ آلاف السنين، والله تبارك وتعالى يقول: \" فقطع دابر القوم الذين ظلموا \" (سورة الأنعام: 45) أي لا بقية لهم، وقال أيضاً: \" وأنه أهلك عادا الأولى، وثمود فما أبقى \" (سورة النجم: 50،51)، وقال في عاد \" فهل ترى لهم من باقية \" (سورة الحاقة: 8) وقال: \" ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله \" (سورة إبراهيم: 9).","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"وقال يونس بن حبيب: أول من تكلم بالعربية، ونسي لسان أبيه، إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما.\rأخبرني مسمع بن عبد الملك، أنه سمع محمد بن علي يقول قال أبو عبد الله بن سلام: لا أدري أرفعه أم لا، وأظنه قد رفعه أول من تكلم بالعربية ونسى لسان أبيه إسماعيل ابن إبراهيم صلوات الله عليهما.\rوأخبرني يونس، عن أبي عمرو بن العلاء قال: العرب كلها ولد إسماعيل، إلا حمير وبقايا جرهم. وكذلك يروى أن إسماعيل ابن إبراهيم جاورهم وأصهر إليهم ولكن العربية التي عنى محمد بن علي، اللسان الذي نزل به القرآن وما تكلمت به العرب على عهد النبي صلى الله عليه، وتلك عربية أخرى غير كلامنا هذا.\rلم يجاوز أبناء نزار في أنسابهم وأشعارهم عدنان، اقتصروا على معد. ولم يذكر عدنان جاهلي قط غير لبيد بن ربيعة الكلابي في بيت واحد قاله، قال:\rفإن لم تجد من دون عدنان والداً ... ودون معد فلتزعك العواذل\rوقد روى لعباس بن مرداس السلمي بيت في عدنان قال:\rوعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بمذحج حتى طردوا كل مطرد\rوالبيت مريب عند أبي عبد الله فما فوق عدنان، أسماء لم تؤخذ إلا عن الكتب، والله أعلم بها، لم يذكرها عربي قط. وإنما كان معد بإزاء موسى بن عمران بن عمران صلى الله عليه، أو قبله قليلاً وبين موسى وعاد وثمود، الدهر الطويل والأمد البعيد.\rفنحن لا نقيم في النسب ما فوق عدنان، ولا نجد لأولية العرب المعروفين شعراً، فكيف بعاد وثمود؟ فهذا الكلام الواهن الخبيث، ولم يرو قط عربي منها بيتاً واحداً، ولا رواية للشعر، مع ضعف أسره وقلة طلاوته.\rوقال أبو عمرو بن العلاء في ذلك: ما لسان حمير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا، فكيف بما علي عهد عاد وثمود مع تداعيه ووهيه؟ فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق، ومثل ما روى الصحفيون، ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم.\rوكان لأهل البصرة في العربية قدمة، وبالنحو ولغات العرب والغريب عناية.\rوكان أول من أسس العربية، وفتح بابها وأنهج سبيلها، ووضع قياسها: أبو الأسود الدؤلي وهو ظالم بن عمرو بن سفيان بن عمرو بن جندل بن يعمر بن نفاثة بن حلس بن ثعلبة بن ثعلبة بن عدى بن الدئل، وكان رجل أهل البصرة، وكان علوي الرأي وكان يونس يقول: هم ثلاثة الدول، من حنيفة ساكنه الواو، والديل: في عبد القيس، والدئل: في كنانة، رهط أبي الأسود وإنما قال ذلك حين اضطرب كلام العرب، فغلبت السليقية، ولم تكن نحوية، فكان سراة الناس يلحنون، ووجوه الناس، فوضع باب الفاعل والمفعول به، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجر والجزم.\rوكان ممن أخذ عنه يحيى بن يعمر، وهو رجل من عدوان، وعداده في بنى ليث، وكان مأموناً عالماً يروى عنه الفقه. روى عن ابن عمرو، وابن عباس، وروى عنه قتاده، وإسحاق بن سويد، وغيرهما من العلماء، وأخذ ذلك عنه أيضاً ميمون الأقرن، وعنبسة الفيل، ونصر بن عاصم الليثي، وغيرهم.\rقال ابن سلام: أخبرني يونس بن حبيب، قال الحجاج لابن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: الأمير أفصح الناس قال يونس وكذلك كان ولم يكن صاحب شعر قال: تسمعني ألحن؟ قال: حرفاً. قال: أين؟ قال: في القرآن. قال ذلك أشنع له! فما هو؟ قال: تقول: \" قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله \" (سورة التوبة: 24)، قرأها بالرفع، كأنه لما طال عليه الكلام نسى ما ابتدأ به. والوجه أن يقرأ: \" أحب إليكم \" بالنصب، على خبر كان وفعلها. قال: وأخبرني يونس قال: قال له: لا جرم، لا تسمع لي لحناً أبداً. قال يونس: فألحقه بخراسان، وعليها يزيد بن المهلب فأخبرني أبي قال: كتب يزيد بن المهلب إلى الحجاج: إنا لقينا العدو ففعلنا، واضطررناهم إلى \" عرعرة الجبل \" فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا الكلام؟ فقيل له: إن ابن يعمر هناك. فقال: فذاك إذاً! ثم كان من بعدهم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وكان أول من بعج النحو، ومد القياس والعلل. وكان معه أبو عمرو ابن العلاء، وبقى بعده بقاء طويلاً وكان ابن أبي إسحاق أشد تجريداً للقياس، وكان أبو عمرو أوسع علماً بكلام العرب ولغاتها وغريبها.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وكان بلال بن أبي بردة جمع بينهما بالبصرة وهو يومئذ وال عليها، ولاه خالد بن عبد الله القسري، زمان هشام بن عبد الملك قال أبو عبد الله، قال يونس، قال أبو عمرو: فغلبني ابن أبي إسحاق بالهمز يومئذ، فنظرت فيه بعد ذلك وبالغت فيه.\rوكان عيسى بن عمر أخذ عن ابن أبي إسحاق، وأخذ يونس عن أبي عمرو بن العلاء، وكان معهما مسلمة بن عبد الله بن سعد بن محارب الفهري، وكان ابن أبي إسحاق خاله، وكان حماد بن الزبرقان ويونس يفضلانه.\rوسمعت أبي يسأل يونس عن ابن أبي إسحاق وعلمه قال: هو والنحو سواء أي هو الغاية. قال: فأين علمه من علم الناس اليوم؟ قال: لو كان في الناس اليوم من لا يعلم إلا علمه يومئذ، لضحك به، ولو كان فيهم من له ذهنه ونفاذه، ونظر نظرهم، كان أعلم الناس.\rقال: وقلت ليونس: هل سمعت من ابن أبي إسحاق شيئاً؟ قال: قلت له: هل يقول أحد الصويق؟ يعني السويق. قال: نعم، عمرو بن تميم تقولها، وما تريد إلى هذا؟ عليك بباب من النحو يطرد وينقاس.\rوسمعت يونس يقول: لو كان أحد انبغى أن يؤخذ بقوله كله في شيء واحد، كان انبغى لقول أبي عمرو بن العلاء في العربية أن يؤخذ كله، ولكن ليس أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك.\rقال: فأخذ على الفرزدق شيء في شعره فقال: أين هذا الذي يجر في المسجد خصييه ولا يصلحه؟ يعنى ابن أبي إسحاق.\rأخبرني يونس: أن أبا عمرو كان أشد تسليما للعرب، وكان ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان عليهم. كان عيسى يقول: أساء النابغة في قوله حيث يقول:\rفبت كأني ساورتني ضئيلة ... الرقش في أنيابها السم ناقع\rيقول: موضعها \" ناقعاً \" . وكان يختار السم والشهد، وهي علوية.\rوأخبرني يونس، أن ابن أبي إسحاق قال للفرزدق في مديحه يزيد بن عبد الملك:\rمستقبلين شمال الشأم تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور\rعلى عمائمنا يلقى وأرحلنا ... على زواحف تزجى، مخها رير\rقال ابن أبي إسحاق: أسأت، إنما هي رير، وكذلك قياس النحو في هذا الموضع. وقال يونس: والذي قال حسن جائز. فلما ألحوا على الفرزدق قال: \" على زواحف نزجيها محاسير \" . قال: ثم ترك الناس هذا ورجعوا إلى القول الأول.\rوكان يكثر الرد على الفرزدق، فقال فيه الفرزدق:\rفلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا\rرد الياء على الأصل. وهي أبيات، ولو كان هذا البيت وحده تركه ساكناً.\rوكان مولى آل الحضرمي، وهم حلفاء بنى عبد شمس بن عبد مناف. والحليف عند العرب مولى، من ذلك قول الراعي، يريد به غنياً، وهم حلفاؤهم:\rجزى الله مولانا غنياً ملامة ... شرار موالى عامر في العزائم\rوقال الأخطل:\rأتشتم قوماً أثلوك بنهشل ... ولولاهم كنتم كعكل موالياً؟\rيعنى حلف الرباب لسعد، وإنما قالها لجرير.\rوقال الكلبي يحضض عذرة على فزارة:\rوأشجع إن لاقيتموهم فإنهم ... لذبيان مولى في الحروب وناصر\rوكان عيسى بن عمر إذا اختلف العرب نزع إلى النصب.\rكان عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق يقرآن: \" يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين \" (سورة الأنعام: 27). وكان الحسن وأبو عمرو بن العلاء ويونس، يرفعون: نرد، ونكذب، ونكون. قلت لسيبويه: كيف الوجه عندك؟ قال الرفع. قلت: فالذين قرأوا بالنصب؟ قال: سمعوا قراءة ابن أبي إسحاق فاتبعوه.\rوكان عيسى بن عمر يقرأ: \" الزانية والزاني \" (سورة النور: 2)، \" والسارق والسارقة \" (سورة المائدة: 38) وكان ينشد:\rيا عديا لقلبك المهتاج\rوكان يقرأ: \" هؤلاء بناتي هن أطهر لكم \" (سورة هود: 78) فقال له أبو عمرو بن العلاء: هؤلاء بنى هم ماذا؟ فقال: عشرين رجلا. فأنكرها أبو عمرو.\rوكان أبو عمرو وعيسى يقرآن: \" يا جبال أوبي معه والطير \" (سورة سبأ: 11)، ويختلفان في التأويل. كان عيسى يقول: على النداء، كقولك: \" يا زيد والحارث \" لما لم يمكنه: \" يا زيد يا الحارث \" . وكان أبو عمرو يقول: لو كانت على النداء لكانت رفعاً ولكنها على إضمار: وسخرنا الطير، كقوله على إثر هذا: \" ولسليمان الريح \" (سورة سبأ: 12)، أى سخرنا الريح.\rوقال يونس: قال ابن أبي إسحق في بيت الفرزدق:\rوعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجرف","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"ويروى أيضاً: مجلف، المجرف: الذى تجرفته السنة وقشرته، والمجلف: الذي صيرته جلفاً، للرفع وجه. قال أبو عمرو: ولا أعرف لها وجهاً. وكان يونس لا يعرف لها وجهاً. قلت ليونس: لعل الفرزدق قالها على النصب، ولم يأبه؟ فقال: لا، كان ينشدها على الرفع. وأنشدنيها رؤية على الرفع.\rوتقول العرب: سحته وأسحته، يقرأ بهما في القرآن جميعاً، فمن قرأ \" فيسحتكم بعذاب \" (سورة طه: 61)، فهو من أسحت يسحت فهو مسحت، وهي التى قال الفرزدق. ومن قرأ: \" فيسحتكم \" ، فهو من سحت يسحت فهو مسحوت.\rوأخبرني الحارث البناني، أخو أبي الجحاف، أنه سمع الفرزدق ينشد:\rفيا عجباً حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع\rكأنه جعله غاية فخفض.\rثم كان الخليل بن أحمد: وهو رجل من الأزد، من فراهيد يقال هذا رجل فراهيدي، ويونس يقول: فرهودي، مثل فردوسي فاستخرج من العروض، واستنبط منه ومن علله ما لم يستخرج أحد، ولم يسبقه إلى مثله سابق من العلماء كلهم.\rرجع إلى قول الشعراء، وإلى قول العلماء فيه. ولكل من ذكرنا قول فيه.\rقال: فنقلنا ذلك إلى خلف بن حيان أبي محرز، وهو خلف الأحمر، اجتمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقه لساناً. كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبراً، أو أنشدنا شعراً، أن لا نسمعه من صاحبه.\rوكان الأصمعي وأبو عبيدة من أهل العلم. وأعلم من ورد علينا من أهل البصرة: المفضل بن محمد الضبى الكوفي.\rففصلنا الشعراء من أهل الجاهلية والإسلام، والمخضرمين الذين كانوا في الجاهلية وأدركوا الإسلام، فنزلناهم منازلهم، واحتججنا لكل شاعر بما وجدنا له من حجة، وما قال فيه العلماء.\rوقد اختلف الناس والرواة فيهم. فنظر قوم من أهل العلم بالشعر، والنفاذ في كلام العرب، والعلم بالعربية، إذا اختلف الرواة فقالوا بآرائهم، وقالت العشائر بأهوائها، ولا يقنع الناس مع ذلك إلا الرواية عمن تقدم. فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعراً، فألفنا من تشابه شعره منهم إلى نظرائه، فوجدناهم عشر طبقات، أربعة رهط كل طبقة، متكافئين معتدلين.\rوكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون.\rقال ابن سلام: قال ابن عون، عن ابن سيرين، قال: قال عمر بن الخطاب: \" كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه \" .\rفجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلو بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعو رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير. وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول، وما مدح هو وأهل بيته به، صار ذلك إلى بنى مروان أو صار منه.\rقال يونس بن حبيب: قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير.\rومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه، قلة ما بقي منه بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد، اللذين صح لهما قصائد بقدر عشر. وإن لم يكن لهما غيرهن، فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان ما يروى من الغثاء لهما، فليس يستحقان مكانهما على أفواه الرواة. ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر. وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذاك فلما قل كلامهما، حمل عليهما حمل كثير.\rولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنما قصدت القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب، وهاشم بن عبد مناف. وذلك يدل على إسقاط شعر عاد وثمود وحمير وتبع.\rفمن قديم الشعر الصحيح قول العنبر بن عمرو بن تميم وكان جاور في بهراء، فرابه ريب فقال:\rقد رابني من دلوي اضطرابها ... و النأي في بهراء واغترابها\rإن لا تجئ ملأى يجئ قرابها\rوقد قال قوم إنه كان من بهراء فجاور عمرو بن تميم، وأنه قال:\rقد رابني من دلوي اضطرابها ... والنأي عن بهراء واغترابها","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"ولا نرى ذلك كما قالوا، بلا هو كما ذكر: العنبر بن تميم. وكان على عائشة محرر من ولد إسماعيل، فلما قدم سبى العنبر أمرها رسول الله صلى الله علية أن تعتق منهم، وهم أصحاب الحجرات.\rأخبرني أبو محرز واصل بن شبيب المنافي، قال: كان سعد ومالك ابني زيد مناة بن تميم، فكان سعدا أسودهما، وكان مالك ترعية يعزب في الإبل، وأمهما: مفداة بنت ثعلبة بن دودان بن أسد، وخالتهما: ممناة بنت ثعلبة، أم ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل، أبي شيبان وقيس وذهل وتيم، وهو الحصن.\rوقال أبو محرز: زار ثعلبة ابنته وهي حامل بسعد، فمخضت ليلاً، فاستحيت من أبيها وزوجها، فخرجت، فأعجلها الولاد، فطرقت على قرية نمل. فأدركها أبوها، وزجر، فقال: لئن صدقت الطير، ليملأن ابنك هذا الأرض من ولده.\rقال أبو محرز: فتزوج مالك بن زيد مناة، النور بنت جل بن عدى بن عبد مناة بن أد وهم عدى وتيم، ويقال لتيم: تيم عدى، وهما من الرباب، وكانت امرأة زولة جزلة.\rفلما اهتداها مالك، خرج سعد في الإبل فعزب فيها ثم أوردها لظمئها، ومالك في صفرة، وكان عروساً فأراد القيام، فمنعه امرأته من القيام، فجعل سعد وهو مشتمل يزاول سقيها ولا يرفق، فقال:\rيظل يوم وردها مزعفرا ... وهي خناطيل تجوس الخضرا\rفقالت النوار لمالك: ألا تسمع ما يقول أخوك؟ أجبه. قال: وما أقول؟ قالت: قل:\rأوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل\rفولدت حنظلة الأغر، وفيه بيت تميم وشرفها. وقال حنظلة: ولدت لمالك وولد لى مالك. وقال جرير لعمر بن لجأ:\rفلم تلدوا النور، ولم تلد كم ... مفداة المباركة الولود\rومما يروى من قديم الشعر قول دويد بن زيد بن نهد، قال حين حضره الموت:\rاليوم يبنى لدويد بيته ... لو كان للدهر بلى أبليته\rأو كان قرني واحداً كفيته ... يا رب نهب صالح حويته\rورب غيل حسن لويته ... ومعصم مخضب ثنيته\rوقال أيضاً: ألقى على الدهر رجلاً ويدا والدهر ما أصلح يوماً أفسدا يصلحه اليوم ويفسده غدا قال: وأوصى بنيه عند موته فقال: أوصيكم بالناس شراً، لا تقبلوا لهم معذرة، ولا تقيلوهم عثرة.\rوقال أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، وهو منبه أبو باهلة وغني والطفاوة:\rقالت عٌمَيرَةٌ: ما لِرأسِكَ بَعدَمَا ... نَفِدَ الزّمانٌ أتَى بِلونٍ مُنكَرِ\rأعُمَيرَ إِنّ أباكِ شَيبَ رأسَهُ ... كَرّ الّليالي وَاختِلافُ الأعصُرِ\rفبهذا البيت سُميَ أعصُرَ، وقد يقول قومٌ: يَعصُرُ، وليس بشيء.\rومنهم المُستَوغِر بن رَبِيعَة بن كَعب بن سَعد بن زيد مناة ابن تميم كان قديماً، وبقي بقاءً طويلاً حتى قال:\rولقَد سَئِمتُ مِنَ الحَياةِ وطُولِها ... وازددتُ من عدَدِ السّنِنَ مِئِينَا\rمِئَةٌ أتَت من بَعدِها مِئتان لي ... وازددتُ من عَدَد الشهورِ سِنينَا\rهَل ما بَقا إلاّ كما قد فاتنا ... يومٌ يكُر وليلةٌ تحدُونا\rقوله بقا: يريد بقي، وفنا: يريد فَنِيَ، وهما لغتان لطيئ. وقد تكلمت بهما العرب، وهما في لغة طيئ أكثر، قال زهير بن أبي سلمى:\rتَرَبّعَ صَارَةً حتّى إذا ما ... فنا الدّحلاَنُ عنهُ والإضَاءُ\rأنشدنيها يونس. وأنشدني له عبد الله بن ميمون المرئ:\rإذا ما المرءُ صمّ فَلم يُناجي ... وَأودَى سَمهُ إلاّ ندَايَا\rوَلاعَبَ بِالعَشِيّ بنِى بَنِيهِ، ... كَفِعلِ الهرّ يَحترِش العَظَايَا\rيُلاعبُهم، وَوَدوا لَو سَقوهُ ... من الذيفان مترعة ملايا\rفلا ذاق النعيم ولا شرابا ... ولا يسقىِ منَ المرضِ الشفايَا\rومنهم زهير بن جناب الكلبي، كان قديماً شريف الولد، وطال عمره فقال:\rأَبنِي إن أَهلِك فإني ... قد بَنَيتُ لكم بَنيه\rوجعلتكم أبناء سا ... داتٍ زنادكم وريه\rمِن كلّ ما نال الفتى ... قد نِلتُهُ، إلا التّحِيه\rكم من مُحَيي لا يُوَا ... زيني،ولا يَهَبُ الرّعيّه","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"ولقد رأيتُ النارَ للسّلا ... فِ توقَدُ في طميه\rولقد رحلتُ البازلَ ال ... وجنَاءَ ليس لها وَلِيّه\rولقد غدَوتُ بمُشرِفِ ... الطّرَفينِ لم يغمز شظِيه\rفأصَبتُ من حُمرِ القَنا ... نِ معاً ومن حُمُرِ القَفِيّه\rونطقتُ خُطبة ماجدٍ ... غير الضعيف ولا العَييه\rوالموت خيرٌ للفتى ... وليَهلِكَن وبه بقيه\rمن أن يُرَى الشيخَ البَجَا ... لَ، وقَد يُهادَى بالعَشيّه\rوقال جذيمة الأبرش:\rرُبما أوفَيتُ في علَمٍ ... تَرفعن ثَوبي شَمالاتُ\rفي فُتو أنا رابُئهم، ... من كلال غزوة ماتوا\rليتَ شِعرِي ما أماتَهُمُ؟ ... نَحنُ أدلَجنا وهم بَاتوا\rوقال امرؤ القيس:\rعُوجا على الطّلَلِ المُحِيل لعلنا ... نبكي الدّيارَ كما بكى ابن حذام\rوهو رجل من طيئ لم نسمع شعره الذي بكى فيه، ولا شعراً غير هذا البيت الذي ذكره امرؤ القيس.\rوكان أول من قصد القصائد وذكر الوقائع، المهلهل بن ربيعة التغلبي في قتل أخيه كليب وائل، قتلته بنو شيبان، وكان اسم المهلهل عدياً، وإنما سمي مهلهلاً لهلهلة شعره كهلهلة الثوب، وهو اضطرابه واختلافه، ومن ذلك قول النابغة:\rأتاك بقولٍ هَلهَلِ النّسجِ كاذِبٍ ... ولم يأت بالحقّ الذّي هوَ ناصعُ\rوزعمت العرب أنه كان يدعى في شعره، ويتكثر في قوله بأكثر من فعله.\rوكان شعراء الجاهلية في ربيعة: أولهم المهلهل، والمرقشان، وسعد بن مالك، وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة والحارث بن حلزة، والمتلمس، والأعشى، والمسيب بن علس.\rثم تحول الشعر في قيس، فمنهم: النابغة الذبياني وهم يعدون زهير بن أبي سلمى من عبد الله بن غطفان، وابنه كعباً ولبيد، والنابغة الجعدي، والحطيئة، والشماخ، وأخوه مزرد، وخداش بن زهير، ثم آل ذلك إلى تميم، فلم يزل فيهم إلى اليوم.\rكان امرؤ القيس بن حجر بعد مهلهل، ومهلهل خاله، وطرفة وعبيد وعمرو بن قميئة والمتلمس، في عصر واحد.\rفكان من الشعراء من يتأله في جاهليته ويتعفف في شعره، ولا يستبهر بالفواحش، ولا يتهكم في الهجاء يقال: يتهكم ويتهكم. قال الفضل: ويقال: ليلة بهرة، إذا كان قمرها مضيئاً ومنهم من كان ينعى على نفسه ويتعهر. منهم امرؤ القيس، قال:\rوَمِلِك حُبْلى قد طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ ... فَألْيتُها عن ذي تمائِمَ مُحْوِلِ\rوقال:\rدَخَلْتُ وقَدْ أَلقت لِنَوْمٍ ثِيابها ... لَدَى السّتْرِ، إلاّ لِبْسَةَ المُتَفَضّلِ\rوقال:\rسَمَوْتُ إليها بَعْدَ ما نامَ أَهْلُها ... سُمُوّ حبابِ الماءِ حَالاً على حَالِ\rومنهم الأعشى، قال:\rظلِلْتُ أرْعاها وظَلّ يَحوطُها، ... حتى دَنَوْتُ إذِ الظّلامُ دَنَالَها\rوقال:\rوأقْرَرْتُ عَيْنِي مِنَ الغانِيا ... تِ، إمّا نكاحاً وإما أُزَنْ\rوقال:\rوقد أُخْرِجُ الكاعبَ المُسْتَرَا ... ةَ من خِدْرها، وأُشِيعُ القِمارَا\rوقال:\rورَادِعَةٍ بالطّيبِ صَفْراءَ عنْدَنا ... لِجَسّ النّدَامى في يَدِ الدِرْع مَفْتَقُ\rوقال:\rوقَدْ أخالسُ رَبّ البيتِ غَفْلَتَهُ، ... وقد يُحاذِرُ منّي، ثُمّ ما يَئلُ\rوكان الفرزدق أقول أهل الإسلام في هذا الفن قال:\rهُمَا دَلتَاني من ثمانِينَ قامةً ... كما انْقَضّ بَازٍ أقْتَمَ الّريشِ كاسرُهْ\rفلَمّا اسْتوَتْ رِجْلايَ في الأرضِ نادتَا ... أحيّا يُرَجّى، أم قتيلاً نحاذِرُهْ\rفقلتُ: ارْفعوا الأسبابَ لا يفْطُنوا بنا! ... ووليّتُ في أعجازِ لَيلٍ أُبادِرُهْ\rوأصبحتُ في القوم الجُلُوسِ، وأصبحتْ ... مُغَلّقةً دُوني عليها دسَا كرُهْ\rقالها وهو بالمدينة، فأنكرت ذلك قريش، وأزعجه مروان بن الحكم وهو وال على المدينة، فأجله ثلاثاً، ثم أخرجه عنها.\rقال، وقال يونس: كان للفرزدق غلامان، أحدهما اسمه وقاع والآخر نقطة ولوقاع يقول الفرزدق:","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"تغَلْغَلَ وقّاعٌ إليها، فأصبحتْ ... تخوضُ خُداريّا من الليلِ أخضرَا\rلطِيفٌ، إذا ما انغلّ أدركَ ما ابتغى، ... إذا هو للظّبي الغريرِ تقتّرا\rوقال أيضاً:\rفأبلغَهُنّ وحيَ القولِ عنّي ... وأدخلَ رأسه تحت القرامِ\rأُسَيّدُ ذو خرَيّطةٍ نهاراً، ... من المُتلَقّطي قَرَدِ القُمامِ\rفقلنَ له: نواعدُك الثرَيا ... وذاك إليه مُجْتَمَعُ الزّحامِ\rثلاثٌ واثنتانِ، فهنّ خمس ... وسادسةٌ تميلُ إلى الشّمامِ\rالشّمامُ: المشامّةُ.\rفبِتنَ بجانِبيّ مُصَرّعاتٍ ... وبتّ أُفض أغلاقَ الخٍتَامِ\rوكان جرير مع إفراطه في الهجاء، يعف عن ذكر النساء، كان لا يشبب إلا بامرأة يملكها.\rقال ابن سلام: فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم. وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، ثم كانت الرواة بعد، فزادوا في الأشعار التي قيلت. وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولاما وضعوا، ولاما وضع المولدون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعراء، أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال.\rقال ابن سلام: أخبرني أبو عبيدة أن ابن داود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي من الجلب والميرة فنزل النحيت، فأتيته أنا وابن نوح العطاردي، فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها فلما توالى لك علمنا أنه يفتعله.\rوكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها: حماد الراوية وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار.\rقال ابن سلام، أخبرني أبو عبيدة، عن يونس، قال: قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة وهو عليها، فقال: أما أطرفتني شيئاً! فعاد إليه فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة مديح أبي موسى، قال: ويحك! يمدح الحطيئة أبا موسى لا أعلم به، وأنا أروى شعر الحطيئة؟! ولكن دعها تذهب في الناس.\rقال ابن سلام، أخبرني أبو عبيدة، عن عمر بن سعيد بن وهب الثقفي قال: كان حماد لي صديقاً ملطفاً، فعرض على ما قبله يوماً، فقلت له: أمل على قصيدة لأخوالي بني سعد بن مالك، لطرفة، فأملى علي:\rإنّ الخليطَ أجدّ مُنْتَقَلهْ ... ولذاك زُمّتْ غُدوَةً إبلُهْ\rعَهدي بهم في النقب قد سَنَدوا ... تهدي صعاب مطيّهم ذُلُلُهْ\rوهي لأعشى همدان.\rوسمعت يونس يقول: العجب ممن يأخذ عن حماد، وكان يكذب ويلحن ويكسر.\rثم إنا اقتصرنا بعد الفحص والنظر والرواية عمن مضى من أهل العلم إلى رهط أربعة، اجتمعوا على أنهم أشعر العرب طبقة، ثم اختلفوا فيهم بعد. وسنسوق اختلافهم واتفاقهم، ونسمي الأربعة، ونذكر الحجة لكل واحد منهم وليس تبدئتنا أحدهم في الكتاب نحكم له، ولابد من مبتدأ ونذكر من شعرهم الأبيات التي تكون في الحديث والمعنى.\rطبقات الشعراء الجاهليين\rالطبقة الأولى\rامرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة.\rونابغة بني ذبيان، واسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، ويكنى أبا أمامة.\rوزهير بن أبي سلمى واسم أبي سلمى ربيعة بن رباح بن قرط بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن مزينة.\rوالأعشى، وهو ميمون بن يس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، ويكنى أبا بصير.\rأخبرني يونس بن حبيب: أن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس بن حجر، وأهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيراً والنابغة.\rوأخبرني يونس كالمتعجب: أن ابن أبي إسحاق كان يقول: أشعر أهل الجاهلية مرقش، وأشعر أهل الإسلام كثيّر. ولم يقبل هذا القول ولم يشيع.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"وأخبرني شعيب بن صخر، عن هارون بن إبراهيم، قال: سمعت قائلاً يقول للفرزدق: من أشعر الناس يا أبا فراس؟ قال: ذو القروح، يعني امرأ القيس. قال: حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول:\rوقاهم جدّهُمُ ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقابُ\rوأفلتُنّ عِلْباءُ جريضاً ... ولو أدركنه صفر الوطاب\rأخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام قال: سمعت رجلاً يسأل يونس عن قوله: صفر الوطاب، فقال: سألنا رؤبة عنه فقال: لو أدركوه قتلوه وساقوا إبله، فصفرت وطابه من اللبن. وقال غيره: صفر الوطاب، أي أنه كان يقتل، فيكون جسمه صفراً من دمه، كما يكون الوطاب صفراً من اللبن.\rوأخبرني شعيب بن صخر، قال: سمعت عيسى بن عمر ينشد عامر بن عبد الملك لزهير أو النابغة، فقال: يا أبا عبد الله، هذا والله لأقول الأعشى:\rلسنا نقاتلُ بالعِصِيّ ... ولا نُرَامي بالحجارهْط\rوأخبرني أبان بن عثمان البجلي قال: مر لبيد بالكوفة في بني نهد، فأتبعوه رسولاً سؤولاً يسئله: من أشعر الناس؟ قال: الملك الضليل فأعادوه إليه، قال: ثم من؟ قال الغلام القتيل وقال غير أبان: ابن العشرين، يعني طرفة قال: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل يعني نفسه فهذان امرؤ القيس وطرفة.\rقال يونس: كل شيء في القرآن: فأتبعه، أي طالبه وأتبعه، يتلوه.\rفاحتج لامرئ القيس من يقدمه قال: ما قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، واستحسنها العرب، واتبعته فيها الشعراء: استيقاف صحبه، والتبكاء في الديار، ورقة النسيب وقرب المأخذ، وشبه النساء بالظباء وأجاد في التشبيه، وفصل بين النسيب وبين المعنى.\rكان أحسن أهل طبقته تشبيهاً، وأحسن الإسلاميين تشبيهاً ذو الرمة.\rوقال من احتج للنابغة: كان أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتاً، كأن شعره كلام ليس فيه تكلف والمنطق على المتكلم أوسع منه على الشاعر، والشعر يحتاج إلي البناء والعروض والقوافي، والمتكلم مطلق يتخير الكلام وإنما نبغ بالشعر بعدما أسن واحتنك، وهلك قبل أن يهتر.\rويروى أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم يقول:\rفلست بمستبٍق أخاً لا تلُمّه ... إلى شعثٍ، أي الرجال المهذب؟\rقالوا: النابغة. قال: هو أشعرهم وبنو سعد بن زيد مناة تدعى هذا البيت لرجل من بني مالك بن سعد يقال له: شقة، أنشدناه له حلابس العطاردي. وأخبرني خلف الأحمر أنه سمع من أعراب بني سعد لهذا الرجل.\rوأخبرني خلف: أنه سمع أهل البادية من بني سعد يروون بيت النابغة للزبرقان بن بدر، فمن رواه للنابغة قال:\rتعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقى مربِضَ المُستثفِرِ الحامي\rوهي الكلمة التي أولها:\rقالت بنو عامرٍ: خالوا بني أسد ... يا بؤسَ للجهل ضرّاراً لأقوام\rومن رواه للزبرقان بن بدر قال:\rإن الذئاب ترى من لا كلاب له ... وتحتمي مربِض المُستَثفر الحامي\rويروى: وتتقي، وهذا البيت في قوله:\rأبلغ سراة بني عوف مغلغلة\rوسألت يونس عن البيت فقال: هو للنابغة، أظن الزبرقان استزاده في شعره كالمثل حين جاءه موضعه، لا مجتلباً له.\rوقد تفعل ذلك العرب، لا يريدون به السرقة، قال أبو الصلت بن ربيعة الثقفي:\rتلك المكارم لا قَعْبانِ من لبن ... شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا\rوقال النابغة الجعدي، في كلمة فخر بها، ورد فيها على القشيري:\rفإن يكن حاجبٌ ممن فخرت به ... فلم يكن حاجبٌ عمّاً ولا خالا\rهلاّ فخَرتَ بيَومي رَحْرحان، وقد ... ظنت هوازن أن العِزّ قد زالا\rتلك المكارمُ لا قعبانِ من لبنٍ ... شيبَا بماءٍ فعادا بعد أبوالا\rترويه عامر للنابغة، والرواة مجتمعون أن أبا الصلت بن أبي ربيعة قاله.\rوقال غير واحد من الرجاز:\rعند الصباح يحمد القوم السّرى\rإذا جاء موضعه جعلوه مثلاً، وقال امرؤ القيس:\rوقوفاً بها صَحْبي على مَطِيّهُم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّلِ\rوقال طرفة:\rوقوفاً بها صَحبي علي مطيّهمُ ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلّد\rويروى عن الشعبي، عن ربعي بن حراش، أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم الذي يقول:","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"فألفيتُ الأمانة لم تخُنْها ... كذلك كان نوحٌ لا يخونُ\rوهذا غلط على الشعبي، أو من الشعبي، أو من ابن حراش. أجمع أهل العلم أن النابغة لم يقل هذا، ولم يسمعه عمر، ولكنهم غلطوا بغيره من شعر النابغة، فإنه قد ذكر لي أن عمر بن الخطاب سأل عن بيت النابغة:\rحَلَفْتُ فلم أتركْ لنفسِك رِيبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب\rوحرىٌَ أن يكون هذا البيت، أو البيت الأول.\rوجدنا رواة العلم يغلطون في الشعر، ولا يضبط الشعر إلا أهله. وقد تروى العامة أن الشعبي كان ذا علم بالشعر وأيام العرب، وقد روى عنه هذا البيت، وهو فاسدٌ. وروى عنه شيء يحمل على لبيد:\rباتت تشكي إلى النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعين\rفإن تعيشي ثلاثاً تبلغي أملاً ... وفي الثلاث وفاءٌ للثمانين\rولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث، ويستعان به على السهر عند الملوك، والملوك لا تستقصي.\rوكان قتادة بن دعامة السدوسي من رواة الفقه، عالماً بالعرب وبأنسابها، ولم يأتنا عن أحدٍ من رواة الفقه من علم العرب أصح من شيء أتانا عن قتادة.\rأخبرنا عامر بن عبد الملك قال: كان الرجلان من بني مروان يختلفان في الشعر، فيرسلان راكباً فينيخ ببابه، يعنى قتادة بن دعامة، فيسأله عنه ثم يشخص.\rأخبرني سعيد بن عبيد، عن أبي عوانة أنه قال: شهدت عامر بن عبد الملك يسأل قتادة عن أيام العرب وأنسابها وأحاديثها، فاستحسنته. فعدت إليه فجعلت أسأله عن ذلك.\rويروى عن بعض أصحابنا، قال: رأيت راكباً فدم من الشأم، فأناخ على باب قتادة فسأله: من قتل عمراً وعامراً التغلبين يوم قضة؟ قال جحدر: فأعادوا إليه الرسول: كيف قتلهما جميعاً؟ فال أعتوراه، فطعن هذا بالسنان وهذا بالزج، فعادى بينهما. ثم رحل مكانه.\rوكان أبوالمعتمر الشيباني كثير الحديث عن العرب، وعن معاوية وعمرو بن العاص وزياد وطبقتهم، وكان يقول أخذته عن قتادة وكان أبو بكر الهذلي يروى هذا العلم عن قتادة.\rأخبرني عيسى بن يزيد بن دأب بإسناد له، عن ابن عباس قال، قال لي عمر: أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت من هو يا أمير المؤمنين؟ قال زهير. قلت وكان كذلك! قال: كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتبع وحشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه.\rوأخبرني عمر بن موسى الجمحي، عن أخيه قدامة بن موسى، وكان من علماء أهل المدينة: أنه كان يقدم زهيراً. قلنا: فأي شعره كان أعجب إليه؟ قال: التي يقول فيها:\rقد جعلَ المبتغون الخيرَ في هرِم ... والسائلون إلى أبوابه طُرُقَا\rمَنْ يلقَ يوماً على علاته هرماً ... يلقَ الّسماحة منه والنّدى خُلُقا\rوقال أهل النظر: كان زهير أحصفهم شعراً، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدّهم مبالغة في المدح،وأكثرهم أمثالاً في شعره.\rوأخبرني أبو قيس العنبري ولم أرَ بدوياً يزيد عليه عن عكرمة بن جرير، قال: قلت لأبي: ياأبه، من أشعر الناس؟ قال: أعن أهل الجاهلية تسألني أم أهل الإسلام؟ قلت: ما أردت إلا الإسلام، فإذ ذكرت أهل الجاهلية فأخبرني عن أهلها. قال: زهير شاعرها. قال: قلت: فالإسلام؟ قال: الفرزدق نبعة الشعر. قلت: فالأخطل؟ قال: يجيد مدح الملوك ويصيب صفة الخمر. قلت: فما تركت لنفسك؟ قال: دعني، فإني أنا نحرت الشعر نحراً.\rوقال أصحاب الأعشى: هو أكثرهم عروضاً، وأذهبهم في فنون الشعر، وأكثرهم طويلة جيدة، وأكثرهم مدحاً وهجاء وفخراً ووصفاً، كل ذلك عنده.\rوكان أول من سأل بشعره، ولم يكن له مع ذلك بيت نادر على أفواه الناس كأبيات أصحابه.\rوشهدت خلفاً، فقيل له: من أشعر الناس؟ فقال: ما ننتهي إلى واحد يجتمع، كما لا يجتمع على أشجع الناس وأخطب الناس وأجمل الناس. قلت: فأيهم أعجب إليك يا أبا محرز؟ قال الأعشى. قال: أظنه قال: كان أجمعهم.\rوكان أبو الخطاب الأخفش مستهتراً به يقدمه. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: مثله مثل البازي، يضرب كبير الطير وصغيره. ويقول: نظيره في الإسلام جرير، ونظير النابغة الأخطل ونظير زهير الفرزدق.\rوروى سليمان بن إسحق الربالي، عن يونس، أنه قال: الشعر كالسراء والشجاعة والجمال، ولا ينتهي منه إلى غاية.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"أخبرني الميب بن سعيد، عن هشام بن القاسم، مولى بن غُبر - وقد رأيته، وكان علية أهل البصرة، وكان يصلى على جنائز بني غُبر - قال أول من سأل بشعره الأعشى.\rولم يقو من هذه الطبقة ولا من أشباههم إلا النابغة في بيتين، قوله:\rأمِنَ آلِ ميَّة رائحٌ أو مُغتدِى ... عَجلانَ، ذا زادٍ وغيرَ مزوّدِ\rزَعَم البوارحُ أنّ رحلتنا غداً ... وبذاك خبّرنا الغدافُ الأسودُ\rوقوله:\rسقطَ النّصيفُ ولم يرد إسقاطهُ ... فتناولتهُ واتقتنا باليدِ\rبمخضب رخص كأن بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقدُ\rالعنم: نبت أحمر يصبغ به، فقدم المدينة، فعيب ذلك عليه، فلم يأبه لهما حتى أسمعوه إياه في غناءٍ - وأهل القرى ألطف نظراً من أهل البدو، وكانوا يكتبون، لجوارهم أهل الكتاب - فقالوا للجارية: إذا صرت إلى القافية فرتلي. فلما قالت: الغداف الأسود ويعقد وباليد، علم وانتبه، فلم يعد فيه. وقال قدمت الحجاز وفي شعري صنعة، ورحلت عنها أشعر الناس.\rقال يونس: عيوب الشعر أربعة: الزحاف، والسناد، والإقواء، والإيطاء، والإكفاء وهو الإ قواء. والزحاف أهونها وهو أن ينقص الجزء عن سائر الأجزاء، فينكره السمع ويثقل على اللسان. وهو في ذلك جائز. والأجزاء مختلفة فمنها ما نقصانه أخفى، ومنها ما نقصانه أشنع قال الهذلي:\rلعّلك إما أمُّ عمرو تبدلت ... سواكَ خليلاً شاتمي تستخيرها\rفهذا مزاحف في كاف سواك، وهو خفي، ومن أنشده:\rلعلك إما أم عمرو تبدلت ... خليلا سواك شاتمي تستخيرها\rفهذا أفظع، وهو جائز. والاستخارة: الاستعطاف. ويقال: تبغمت الظبية تستخير ولدها أي تستدعيه. ومنه قيل أستخير الله: أي أستعطفه.\rوهو نحو قول الفرزدق:\rفإن كان هذا الأمرُ في جاهليةٍ ... علمتَ من المولى القليلُ حلائبُهْ\rولو كان هذا غير دينِ محمدٍ ... لأديتَهُ، أو غصّ بالماء شاربُهْ\rمزاحف خفي، ومن قال: \" لأديت أو لغص بالماء شاربه \" فهو أفظع. وهو أكثر من أن يعد.\rوكان الخليل بن أحمد يستحسنه في الشعر إذا قل في البيت والبيتين، فإذا توالى وكثر في القصيدة سمج.\rفإن قيل: كيف يستحسن منه شيء وقد قيل هو عيب؟ قال: يكون هذا مثل القبل والحول واللثغ في الجارية، قد يشتهى القليل منه الخفيف، وهو إن كثر عند رجل في جوار، أو اشتد في جارية، هجن وسمج. والواضح في الخيل يستطرف ويشتهى خفيفه، مثل الغرة والتحجيل، فإذا كثر وفشا كانت هجنة ووهناً. وخفيف البلق يحتمل في الخيل، ولم أر أبلق قط ولم أسمع به سابقاً.\rوالإقواء هو الإكفاء، مهموز وهو أن يختلف إعراب القوافي، فتكون قافية مرفوعة، وأخرى مخفوضة أو منصوبة، وهو في شعر الأعراب كثير، ودون الفحول من الشعراء، ولا يجوز لمولد لأنهم قد عرفوا عيبه، والبدوي لا يأبه له فهو أعذر.\rفقلت ليونس: أكان عبيد الله بن الحر يقوي؟ قال: الإقواء خير منه يعني من فوقه من الشعراء يقوى غير أن الفحول قد استجازوا في موضع نحو قول جرير:\rعرينٌ من عُرَينةَ ليس منّا ... بَرِءتُ إلى عُرَيْنة من عرينِ\rعرفنا جعفراً وبني عُبيدٍ ... وأنْكرْنا زعانِف آخرين\rوقال سحيم بن وثيل:\rعَذَرْتُ البُزْلَ إن هي خاطرتْني ... فما بالي وبالُ ابن اللّبُونِ\rوماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزتُ رأسَ الأربعينِ\rفموضع هذه الأبيات له ولجرير، النصب، ولكنه كأنه سكت عند القافية.\rومنه الإيطاء، وهو أن تتفق القافيتان في قصيدة واحدة، فإن كان أكثر من قافيتين فهو أسمج له، وقد يكون. ولا يجوز لمولد، إذ كان عنده عيباً. فإذا اتفق اللفظ واختلف المعنى، فهو جائز، نحو قولك: \" محمد \" تريد الاسم، و \" جواد محمد \" ، تريد الفعل. وتقول: \" خيار \" ، تريد: خيار من الله، وتقول: \" خيار \" ، أي خيار من قوم، فيجوز. ونحو هذا كثير، وأهل البادية لا ينكرونه. وأنشد سلمة ابن عياش أبحية النميري، كلمة طويلة جداً يقول فيها:\rطَرِبتَ وما هذا بحِين تَطربِ ... ورأسُك مُبيض العذارين أشيبُ\rقال له النميري: أرى فيها عيباً. قال: ما هو؟ قال: لم أرك أعدت قافية بعد قافية. عده عيباً. أظنه عابه إذ رأى أنه هرب منه.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"والمواطأة في الأمر، يقال منه: واطأته على كذا وكذا، ومنه: \" ليواطئوا عدة ما حرم الله \" أي ليوافقوا.\rكانت العرب تحرم أربعة أشهر من السنة، كما كان بأيديهم من إرث إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وكانت توالى عليهم ثلاثة أشهر: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فيطول عليهم أن لا يغزوا ولا يحاربوا، وكان لهم نسأة من بني كنانة، تؤخر المحرم عاماً وترده عاما،و ذلك قول الله عز وجل: \" إنما النسى زيادة في الكفر \" (سورة التوبة: 37) وهي في الذين يريدون أن يجعلوا أربعة حرما. المحرم، عام حجة الوداع من النبي صلى الله عليه، الشهر الذي حرمه الله بعينه، فقال: \" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض \" .\rوكان الذي يسمع الناس عنه صلى الله عليه وسلم، ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي، وكان في صوته رقاع. فأصاب بعد ذلك في عهد عمر بن الخطاب حداً بالشأم، فضرب فأدركته الحمية، فلحق بالروم، فهلك فيهم، فكره الناس بعد ذلك أن يقيموا حداً بأرض العدو.\rوكانت العرب تسمى رجباً: الأصم، ويسمونه منصل الأسنة، وكانوا ينصلون أسنتهم فيه لموضع الحرب، قال دريد بن الصمة:\rتَدَاركَهُ في مُنْصِلِ الألّ بعدما ... مضى غير دَأْدَاةٍ، وقد كاد يعطبُ\rوالدأداةُ: الليلة التي تكون في آخر الشهر يشك فيها.\rوالسّنَاد: وهو أن تختلف القوافي نحو: نقيبٌ وعيبٌ؛ وقريبٌ، وشيبٌ، منه قول الفضل ابن العباس اللهبي:\rعبدُ شمْس أبي، فإن كنتِ غَضْبيَ ... فامْلئي وجهك الجميلَ خُمُوشَا\rوقال:\rوبنا سميت قريش قريشا\rوقال:\r..... ولا تمليت عيشا\rوقال عدي بن زيد:\rفناجاها، وقد جمعت فُيُوجا ... على أبوابِ حصْنٍ مُصْلتينا\rفقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً ومينا\rقال المفضل: \" كذباً مبيناً \" ، فر من السناد، والرواية هي الأولى على قوله: \" وميتا \" .\rوقال الفضل بن عبد الرحمن بن عباس، في مرثية زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم:\r..... ليس ذا حين الجمود\rثم قال:\r..... فوق العمود \"\rثم قال:\rوكيف جمود دمعك بعد زيد\rومنه قول العرب: خرج القوم برأسين متساندين، أي هذا على حياله وهو من قولهم: \" كانت قريش يوم الفجار متساندين \" ، أي لا يقودهم رجل واحد.\rوقال الحجاج، فأفرط وجاوز السناد، مع حذقه:\rثم رأى أهل الدّسِيعِ الأعظم ... خِنْدف، والجد الخِضَمّ المُخْضم\rوعليةَ الناس وأهل الحُكّمِ ... ومستقر المصحف المرقم\rعند كريم منهم مكرم ... معلم آى الهدى معلم\rمباركٍ للأنبياء خاتمِ ... وخِنْدِفٌ هامة هذا العالمِ\rفساند في بيتين سناداً فاحشاً أخذه الناس عليه.\rوأخبرني سلمة بن عياش، قال قلت لرؤبة: أبوك أشعر منك. قال: أنا أشعر منه، هو يقول:\rوخندف هامة هذا العالم\rوقال العجاج:\rيا ليت أيام الصبا رواجعا\rوهي لغة لهم، سمعت أبا عون الحرمازي يقول: \" ليت أباك منطلقاً، وليت زيداً قاعداً \" . وأخبرني أبو يعلى: أن منشأه بلاد العجاج، فأخذها عنهم.\rوقد تغلط مقاحيم الشعراء وثنيانهم والمقحم: الذي يقتحم سناً إلى أخرى، ليس بالبازل ولا المستحكم. والثنيان: العاجز الواهن، قال أوس بن حجر:\rوقد رام بحري قبل ذلك طامياً ... من الشعراء كل عودٍ ومقحم\rوقال أوس بن مغراء:\rثُنْياننا، إن أتاهم، كان بدأهُمُ ... وبدؤهم، إن أتانا، كان ثنيانا\rفيغلطون في السين والصاد، والميم والنون، والدال والطاء، وأحرف يتقارب مخرجها من اللسان، تشتبه عليه. أنشدني أبو العطاف:\rأرْمي بها مطالع النجوم ... رمىَ سليمان بذي غضونِ\rوقال زغيب بن نسير العنبري:\rنظرت بأعلى الصوقِ والبابُ دونَه ... إلى نَعَمٍ ترعى قوافي مسردِ\rالصوق: السوق. ثم قال: \" كحيل مخلط \" ، فقلت له: قل \" معقد \" فيصح لك المعنى وتستقيم القوافي. قال: أجل! فاستعدته فعاد إلى قوله الأول. وقال أبو الدهماء العنبري:\rفلا عيبَ فيها غير أن جنينها ... جهيضٌ، وفي العينين منها التخاوُصُ","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"ثم قال: \" بالثياب الطيالس \" ثم قال: \" والماء جامس \" . وكان يقول: \" الصويق، وبر مكيول، وثوب مخيوط \" . وقال أبو الدهماء يهجو شويعرا من عكل وكان أبو الدهماء أفصح الناس فقال يذكر جردانه:\rويلُ الحَبالى إذ أصاب الرّكَبَا ... يستخرجُ الصبيان منه خِذَما\rواستحسن الناس من تشبيه امرئ القيس:\rكأنّ قلوبَ الطّيرِ رطْباً ويابساً ... لدَى وَكْرِها العُنّابُ والحشفُ البالي\rوقوله:\rكأني بفَتْخَاءِ الجناحين لقوةٍ ... دفوفٍ من العِقبان، طأطأتُ شمْلالِ\rوقوله:\rبعِجِلزَةٍ قد أترَزَ الجَريُ لحمَها ... كميتٍ، كأنها هِرَاوةُ مِنْوَالِ\rوصُم حوامٍ ما يقين من الوجى، ... كأن مكان الردفِ منها على رالِ\rوقوله:\rنظرتُ إليها، والنجوم كأنها ... مصابيحُ رُهبانٍ تُشبّ لقُفالِ\rكأن الصّوَار، إذ تجاهَدْنَ غُدوةً ... على جمزَى خيلٌ تجول بأجلال\rوقوله:\rأيقتلني والمشرَفيّ مضُاجعي ... ومسنونةٌ زرقٌ كأنياب أغوالِ؟\rوقوله:\rكأني غداة البين حين تحملوا ... لدَى سَمُراتِ الحيّ، ناقفُ حنظلِ\rوقوله:\rمكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معاً ... كجلمود صخرٍ حطّه السيلُ من علِ\rوقوله:\rله أيْطلاَ ظبيٍ، وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحان، وتقريبُ تتفُلِ\rوقوله:\rدَريرٍ كخُذْرُوفِ الوليدِ، أدَرّه ... تتابعُ كفّيه بخيطٍ موصّلِ\rوقوله:\rكُمَيْتٍ، يَزِلّ اللّبْدُ عن حالِ متْنِه ... كما زلّتِ الصّفواءُ بالمتنزّلِ\rوقوله:\rكأن دماءَ الهادياتِ بنحرِهِ ... عُصارةُ حِنّاءٍ بشيبٍ مُرَجّلِ\rوقوله:\rوليلٍ كموجِ البحرِ، أرخى سُدُوله ... عليّ، بأنواع الهموم ليبتلي\rقوله:\rفيالكَ من ليلٍ كأن نجومَهُ ... بأمراسِ كتّانٍ إلى صُمّ جندلِ\rخيروا بينه وبين قول النابغة:\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خِلتُ أن المُنتأى عنك واسع\rفزعم بعض الأشياخ أن بيت النابغة أحكمهما وقوله:\rترائبها مصقولةٌ كالسّجنجلِ\rهي المرآة بالرومية.\rوقوله:\rإذا ما الثّريا في السماء تعرّضت ... تعرّضَ أثناء الوشاح المفصّلِ\rقال: فأنكر قومٌ قوله: \" إذا ما الثريا في السماء تعرّضت \" . وقالوا: الثريا لا تعرض. وقال بعض العلماء عني الجوزاء. وقد تفعل العرب بعض ذلك، قال زهير:\rفَتُنتجْ لكمْ غِلمانَ أشأم، كلهم ... كأحمر عادٍ، ثم تُرضع فتفطم\rيعني: أحمر ثمود. وقوله:\rيظلّ العذارى يرتمين بلحمها ... وشحمٍ كهُداب الدّمَقسِ المُفتّلِ\rوقال يصف فرساً:\rبذي ميعه،كأن أدبي ساقطه ... وتقريبه،هوناً، دآليل ثعلب\rعظيم،طويل مطمئن،كأنه ... بأسفل ذي مأوان،سرحه مرقب\rله أيطلا ظبي وساقا نعامه ... وصهوة غير قائم فوق مرقب\rله جؤجؤ حشر.كآن لجامه ... يعالى به في رأس جذع مشذب\rوعينان كالماويتين،ومحجر ... إلى سند مثل الرياح المنضب\rاذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... نقول هزيز الريح مرت بأثأب\rكأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مخضب\rوقال أيضاً:\rتروح كأنها مما أصاب ... معلقه بأحقيها الدلى\rإذا ما قام حالبها أرنّتْ ... كأنّ الحيّ صبحهم نَعِيّ\rأخبرني يونس بن حبيب، قال، قال ذو الرمة: من أحسن الناس وصفاً للمطر؟ فذكروا قول عبيد:\rدانٍ مُسِفٍ فُوَيْقَ الأرض هيْدَبُه ... يكاد يدفعُهُ من قام بالراحِ\rفمن بنجوته كمن بمَحفله ... والمستكِنّ كمن يمشي بقرواحِ\rفجعلها يونس لعبيد، وعلى ذلك كان إجماعنا، فلما قدم المفضل صرفها إلى أوس بن حجر وذكروا قول عبد بني الحسحاس:\rنَعِمْتُ به ظنّا، وأيقنتُ أنه ... يحُط الوُعولَ والصّخور الرّواسيا","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وما حرّكتْه الريح حتى ظننته ... بحرّةِ ليلى أو بنخلة ثاويا\rفدرّ على الأنهاء أول مُزْنِهِ ... فعنّ طويلاً يسكب الماء ساحيا\rرُكامٌ يسُحُ الماء عن كل فيقةٍ ... ويغدر في القيعان رَنقاً وصافيَا\rومرّ على الأجبال أجبالِ طيئ ... كما سُقْتَ منكوبَ الّدوابر حافيا\rأجشّ هزيمٌ سيْلُهُ مع ودْقِهِ ... ترى خُشُبَ الغُلاّن فيه طوافيا\rبكى شجْوَه واغتاظ حتى حسبتُهُ ... من البعد لما جلجل الرعدُ حاديا\rفقال ذو الرمة: بل قول امرئ القيس أجود حيث يقول:\rديمةٌ هَطْلاءُ فيها وطفٌ ... طبق الأرض تحرّى وتَدرّ\rتُخرجُ الودّ إذا ما أشجذت ... وتواريه إذا ما تشتكرْ\rوترى الضبّ خفيفاً ماهراً ... ثانيا بُرثنهُ ما ينْعَفِرْ\rوترى الشجراء في ريقها ... كرؤوس قُطّعت فيها الخُمُرْ\rساعةً، ثم انتحاها وابلٌ ... ساقط الأكناف واهٍ منهمرْ\rراحَ تمْريهِ الصبا، ثم انتحى ... فيه شؤبوبُ جنوبٍ منفجر\rثجّ حتى ضاق عن آذيه ... عرض خيمٍ فخفافٌ فيسر\rقد غدا يحملني في أنفه ... لاحقُ الأيطلِ محبوكٌ ممر\rالطبقة الثانية\rأوس بن حجر بن عتاب بن عبد الله بن عدي بن نمير بن أسيد بن عمرو بن تميم، وهو المقدم عليهم.\rوبشر بن أبي خازم الأسدي وكعب بن زهير بن أبي سلمى.\rوالحطيئة، أبو مليكة، جرول بن أوس بن مالك بن جوية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان.\rوأوس نظير الأربعة المتقدمين، إلا أنا اقتصرنا في الطبقات على أربعة رهط.\rوقال يونس، قال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس فحل مضر، حتى نشأ النابغة وزهير فأخملاه. وكان زهير راويته.\rوقال أبو على الحرمازي: كان أوس زوج أم زهير.\rقلت لعمرو بن معاذ التيمي، وكان بصيراً بالشعر: من أشعر الناس؟ قال: أوس. قلت: ثم من؟ قال: أبو ذؤيب.\rقال: فأوس شاعر مضر، والأعشى شاعر ربيعة.\r... وكان أخوه بجير بن زهير أسلم، وشهد مع النبي عليه السلام فتح مكة وحنيناً، فأرسل إليه كعبٌ أبياتاً ينهاه عن الإسلام، وذكره للنبي عليه السلام فأوعده، فأرسل بجير إليه: \" ويلك! إن النبي أوعدك، وقد أوعد رجالاً بمكة فقتلهم، وهو والله قاتلك أو تأتيه فتسلم \" ، فاستطير ولفظته الأرض.\rأنا أبو خليفة، أنا ابن سلام، قال: وأخبرني محمد بن سليمان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: قدم كعب متنكراً حين بلغه عن النبي ما بلغه، فأتى أبا بكر، فلما صلى الصبح أتى به وهو متلثم بعمامته، فقال: يا رسول الله! رجل يبايعك على الإسلام. وبسط يده وحسر عن وجهه، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله هذا مكان العائذ بك، أنا كعب بن زهير. فتجهمته الأنصار وغلظت عليه، لما ذكر به رسول الله، ولانت له قريش وأحبوا إسلامه وإيمانه. فأمنه رسول الله، فأنشد مدحته التي يقول فيها:\rبانت سعادُ، فقلبي اليومَ متبولُ ... متيّم إثرها، لم يُشفَ، مكبولُ\rحتى انتهى إلى قوله:\rوقال كلّ خليلٍ كنتُ آمُلُه ... لا ألْفِينّكَ، إني عنك مشغولُ\rفقلت: خلّوا سبيلي، لا أبالكم ... فكلّ ما وعَد الرحمن مفعولُ\rكل ابنِ أنثى، وإن طالت سلامتُه ... يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ\rنُبّئتُ أن رسول الله أوعدَني ... والعفو عند رسول الله مأمول\rإلى قوله:\rإن الرسول لَسَيفٌ يستضاءُ به ... مهنّدٌ من سيوف الله مسلولُ\rفي فتنةٍ من قريشٍ قال قائلهم ... ببطن مكة، لما أسلموا: زولوا\rزالوا، فمازال أنكاسٌ ولا كشفٌ ... يوم اللّقاء، ولاسودٌ معازيلُ\rلا يقع الطّعنُ إلا في نحورهم ... وما بهم عن حياض الموت تهليلُ\rفنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى من عنده من قريش، أي: اسمعوا! حتى قال:\rيمشون مشْيَ الجمالِ الزّهرِ، يعصِمُهم ... ضربٌ، إذا عرّد السود التنابيلُ","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"يعرض بالأنصار، لغلطتهم كانت عليه. فأنكرت قريش ما قال، وقالوا: لم تمدحنا إذ هجوتهم! ولم يقبلوا ذلك حتى قال:\rمن سرّهُ كَرَمُ الحياةِ، فلا يزل ... في مقنبٍ من صالحِ الأنصار\rالباذلين نفوسهم لنبيهم ... يوم الهياج وسطوة الجبار\rيتطهرون كأنه نُسُكٌ لهم ... بدماء من عَلِقوا من الكفار\rصدموا علياً يوم بدر صدمةً ... ذلتْ لوقعتها جميع نزارِ\rيعني بني علي بن مسعود، وهم بنو كنانة.\rفكساه النبي صلى الله عليه بردة، اشتراها معاوية من آل كعب بن زهير بمال كثير قد سمي. فهي البردة التي تلبسها الخلفاء في العيدين. زعم ذلك أبان.\rوكان الحطيئة متين الشعر شرود القافية، وكان راوية لزهير وآل زهير، واستفرغ شعره في بني قريع.\rوقال لكعب بن زهير: قد علمت روايتي شعر أهل البيت وانقطاعي، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك، فلو قلت شعراً تذكر فيه نفسك وتضعني موضعاً، فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع. فقال كعب:\rفمن للقوافي؟ شانها من يَحوكها ... إذا ما ثوى كعبٌ وفوّز جرولُ\rيقول، فلا يعيي بشيء يقوله ... ومن قائليها من يسيء ويعمل\rكفيتك، لاتلقى من الناس واحداً ... تَنَخل منها مثل ما يتنخلُ\rيُثقفها حتى تلينَ متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل\rفاعترضه مزرد بن ضرار واسمه يزيد، وهو أخو الشماخ، وكان عريضاً أي شديد العارضة كثيرها فقال:\rوباسْتِكَ إذ خلفتني خلف شاعر ... من الناس لم أكْفئ ولم أتنحلِ\rفإن تجْشبا أجشب، إن تتنخلا ... وإن كنتُ أفتى منكما أتنخّلِ\rولستَ كحسّان الحسام بن ثابتٍ ... ولستَ كشمّاخ ولا كالمخبّلِ\rوأنت امرؤٌ من أهل قدسِ أوارةٍ ... أحلّتك عبد الله أكنافَ مبهلِ\rمبهل: جبل لعبد الله بن غطفان. وقدس أوارة: جبل لمُزينة. فعزاه إلى مزينة.\rوكان أبو سلمى وأهل بيته في بني عبد الله بن غطفان،فبهم يعرفون، وإليهم ينسبون، فقال كعب بن زهير يثبت أنه من مزينة:\rألا أبلغا ها المعرّضَ آية ... أيقظان قال القول إذ قال أو حلمْ\rيقال: حلم في المنام أي حلم من الحلم إلى قوله:\rأعيرتني عزّاً عزيزاً ومعشرا ... كراماً بنوا لي المجد في باذخٍ أشم؟\rهم الأصل مني حيث كنت وإنني ... من المُزنييّن المُصفين بالكرمْ\rوقد كانت العرب تفعل ذلك، لايعزى الرجل إلى قبيلة غير التي هو منها، إلا قال: أنا من الذين عبتَ.\rكان أبو ضمرة، يزيد بن سنان بن أبي حارثة، لاحى النابغة فنماه إلى قضاعة، فقال النابغة:\rجمّع محاشك إلى يزيدُ، فإنني ... أعددتُ يربوعاً لكم وتميماً\rولحقْتُ بالنسب الذي عيرتني ... ووجدتُ نصرك يا يزيد، ذميماً\rحدبَتْ عليّ بطونُ ضنّة كلها، ... إنْ ظالماً فيهم وإن مظلوماً\rلولا بنو نهْد بن عوف أصبحت ... بالنّعف أمك، يا يزيد، عقيماً\rضنّة بن كبير بن عذرة.\rوكان رهط الزبرقان بن بدر يخلجون إلى بني كعب بن يشكر، إلى ذي المجاسد، عامر بن جشم بن كعب، فقال الزبرقان:\rفإن أَكُ من كعبِ بن سعدٍ، فإنني ... رضيت بهم من حيّ صدقٍ ووالدِ\rوإن يك من كعب بن يشكر منصبي ... فإن أبانا عامرٌ ذو المجاسدِ\rقال ابن سلام: ولقد أخبرني بعض أهل العلم من غطفان أنهم من بني عبد الله من غطفان، وأن اعتزاءه إلى مزينة كقول هؤلاء، وأما العامة فهو عندهم مزنيّ ولبس لزهير، ولا لبنيه صليبةً، شعر يعتزون فيه إلى غطفان ولا إلى مزينة، إلا بيت كعب ذاك، وقول بجير:\rصبحناهم بسبعٍ من سُلَيْم ... وألفٍ من بني عثمانَ وافِ\rوقد يجوز أن يكون غير قومه من المزنيين، فذكرهم كما ذكر سليماً.\rولم يزل في ولد زهير ولم يتصل في ولد أحد من فحول الجاهلية ما اتصل في ولد زهير، ولا في ولد أحد من الإسلاميين ما اتصل في ولد جرير.\rوكان الحطيئة قد عمر دهراً في الجاهلية، وبقي في الإسلام حيناً، وكان جشعاً سؤولاً","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وكان مع علقمة بن علاثة حين نافر عامر بن الطفيل، فقال يفضل علقمة:\rيا عام، قد كنت ذا باعٍ ومكرمةٍ ... لو أن مسعاة من جاريْتَهُ أمَمُ\rجاريتَ فرعاً أجاد الأحوصان به، ... ضخم الدّسيعةِ في عِرْنِينِه شمَمُ\rلا يُصْعِبُ الأمر إلا ريْثَ يركبُهُ، ... ولايبيتُ على مالٍ له قسمُ\rوكان الأعشى مع عامر بن الطفيل ولبيد بن ربيعة.\rوشهد الحطيئة نفار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، أحد بني عدي بن فزارة، وزبّان بن سيار بن عمرو بن جابر، أحد بني مازن بن فزارة، فقال يفضل عيينة على زبان:\rأبى لك آباءٌ، أبى لكَ مجدُهم ... سوى المجد، فانظر صاغراً من تنافره\rقبورٌ أصابتها السيوف ثلاثةٌ ... نجومٌ هوت في كل نجم مَرائِرُه\rفقبرٌ بأجبال، وقبر بحاجرٍ ... وقبر القليب أسعر الحرب ساعِرُه\rوَشَرُّ المَنايا هالِكٌ وَسطَ أَهلِهِ ... كَهَلكِ الفَتَاةِ أَيقَظَ الحَيَّ حاضِرُه\rقبر بأجبالٍ: يريد قبر بدر بن عمرو، قتيل بني أسد بن خزيمة.\rوقبر القليب، وهو الهباءة: قبر حذيفة بن بدر بن عمرو، قتيل بني عبس. وقبر بحاجر: يعني قبر حصن بن حذيفة بن بدر، قتيل بني عقيل بن كعب ونمير بن عامر.\rقال: كان الحطيئة سؤولاً جشعاً، فقدم المدينة وقد أرصدت له قريش العطايا،والناس في سنة مجدبة، وسخطة من خليفة فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم إلى بعض،فقالوا قد قدم علينا هذا الرجل، وهو شاعر، والشاعر يظن فيحقق، وهو يأتي الرجل من أشرافكم يسأل، فإن أعطاه جهد نفسه بهرها وإن حرمه هجاه. فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له شيئاً معداً يجمعونه بينهم له فكان أهل البيت من قريش والأنصار يجمعون له العشرة والعشرين والثلاثين ديناراً، حتى جمعوا له أربعمئة دينار، وظنوا أنهم قد أغنوه فأتوه فقالوا له: هذه صلة آل فلان، وهذه صلة آل فلان فأخذها، فظنوا أ نهم قد كفوه عن المسئلة، فإذا يوم الجمعة قد استقبل الإمام ماثلا ينادي بعد الصلاة فقال: من يحملني على نعلين وقاه الله كبّة جهنم.\rأخبرنا أبو خليفة، أخبرنا ابن سلام، قال وأخبرني يونس النحوي، خرج الحطيئة مع ابنته مليكة، وامرأته أُمامة، على ذَودٍ له ثلاث، فنزل منزلاً وسرح زوده. فلما قام للرواح فقد إحداهن، فقال:\rأذئبُ الفقر أم ذئبٌ أنيس ... أصاب البكْرَ، أم حدَثُ الليالي؟\rونحن ثلاثةٌ وثلاث ذودٍ ... لقد جار الزمان على عيالي!\rوكان سبب هجائه الزبرقان، أنه صادفه بالمدينة وكان قدمها على عمر رضي الله عنه، فقال الحطيئة: وددت أني أصبت رجلاً يحملني وأصفيه وأقتصر عليه. قال الزبرقان: قد أصبته، تقدم على أهلي فإني على إثرك. فقدم فنزل بحراه، وأرسل الزبرقان إلى امرأته أن أكرمي مثواه. وكانت ابنته مليكة جميلة، فكرهت امرأته مكانها، فظهرت لهم منها جفوة وبغيض بن عامر بن لأي بن شماس، أحد بني قريع بن عوف ينازع يومئذ الزبرقان الشرف؛ والزبرقان أحد بني بهدلة بن عوف، وبغيض أرسخ في الشرف من الزبرقان، وقد ناوأه الزبرقان ببدنه حتى ساواه بل اعتلاه فاغتنم بغيض وأخواه، علقمة وهوذة، ما فيه الحطيئة من الجوفة، فدعواه إلى ما عندهما، فأسرع. فبنوا عليه قبة، ونحروا له وأكرموه كل الإكرام وشدوا بكل طنب من أطناب خبائه جلة من برني هجر قال: والمخبل شاعر مفلق، وهو ابن عمهم يلقاهم إلى أنف الناقة، وهو جعفر بن قريع. قال: وقدم الزبرقان أسيفاً عاتباً على امرأته فمدح بني قريع، وذم الزبرقان فاستعدى عليه الزبرقان عمر، فأقدمه عمر، وقال للزبرقان: ما قال الزبرقان؟ فقال لي:\rدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد، فإنك أنت الطاعم الكاسي\rفقال عمر لحسان: ما تقول؟ أهجاه؟ وعمر يعلم من ذلك ما يعلم حسان، ولكنه أراد الحجة على الحطيئة قال: ذرق عليه! فألقاه عمر في حفرة اتخذها محبساً، فقال الحطيئة:\rماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ ... حُمْرِ الحواصلِ، لا ماءٌ ولا شجرُ\rألقيت كاسبهمْ في قعر مُظْلمةٍ ... فاغفر عليك سلامُ الله يا عمرُ","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النّهى البشرُ\rما آثروك بها إذ بايعوك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الإثَرُ\rوكان الزبرقان شاعراً مفلقاً، وكان يعاتبه ولم يكن يهجوهم، وكان حليماً وكانا في عداوتهما مجملين، وقد تقدم عليه المخبل بالهجاء، فقال:\rلعمرك إن الزبرقان لدائبٌ ... على الناس يعدو نوكه ومجاهاه\rولما رأيت العزّ في دار أهله ... تمنيت، بعد الشيب أنك ناقله\rولما نرَ الأخفاف تمشي على الذرى، ... ولما يكن أعلى العِضاه أسافله\rولما يزُل عن رأس صهوة عصمها ... ولما يدع وِردَ العراق مناهله\rوينْفِسُ في ما أورثتني أوائلي ... ويرغب عما أورثته أوائله\rفإن كنتَ لا تُمْسي بحظك راضياً ... فدع عنك حظي إنني اليوم شاغله\rأتيت امرءًا أحمى على الناس عرضَهُ ... فما زلت، حتى أنت مقعٍ، تناضله\rفأقع كما أقعى أبوك على استه ... رأى أن ريماً فوقه لا يعادله\rومدح سعيد بن العاص، وكان سعيد لا تأخذه العين، كان يقال له: عكة العسل، فقال:\rخفيفُ المِعَى، لايملأ الهمّ صدره ... إذا سمْته الزادَ الخبيث عيوف\rوقال له أيضاً:\rسعيدٌ، فلا يغْرُرك خفة لحمه؛ ... تخدّد عنه اللحم وهو صليب\rوهو أحد من اتصل به الشرف من خمسة آباء، وابنه عمرو بن سعيد.\rأخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي، بإجازته لي، يذكر عن محمد بن سلام: أن الحطيئة كان ينتمي إلى بني ذهل بن ثعلبة فقال:\rإن اليمامة خير ساكنها ... أهل القرية من بني ذُهْلِ\rقال: والقرية، منازلهم، ولم ينبت الحطيئة في هؤلاء.\rقال محمد بن سلام في كتاب طبقات الشعراء: دخل الحطيئة على سعيد بن العاص متنكراً فلما قام الناس وبقي الخواص: أراد الحاجب أن يقيمه، فأبى أن يقوم فقال سعيد: دعه. وتذاكروا أيام العرب وأشعارها، فلما أسهبوا قال الحطيئة: ما صنعتم شيئاً. فقال سعيد: فهل عندك علم من ذلك؟ قال: نعم. قال: فمن أشعر العرب؟ قال الذي يقول:\rقد جعل المبتغونَ الخيرَ في هَرِمٍ ... والسائلونَ إلى أبوابه طرُقا\rقال: ثم من؟ قال: الذي يقول:\rفإنك شمسٌ والملوك كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب\rيعني زهيراً والنابغة، ثم قال: وحسبك بي إا وضعت إحدى رجلي على الأخرى: ثم عويت في إثر القوافي كما يعوى الفصيل في إثر أمه! قال: فمن أنت؟ قال: أنا الحطيئة. فرحب به سعيد، وأمر له بألف دينار.\rالطبقة الثالثة\rأبو ليلى، نابغة بني جعدة: وهو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.\rوأبو ذؤيب الهذلي، وهو خويلد بن خالد بن محرث بن زبيد بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل.\rوالشماخ بن ضرار بن سنان بن أمامة، أحد بني سعد بن ذبيان.\rولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر.\rوكان النابغة قديماً، شاعراً مفلقاً، طويل البقاء في الجاهلية والإسلام، وكان أكبر من النابغة الذبياني، ويدل على ذلك قوله:\rفمن يكُ سائلاً عني فإني ... من الفتيان أيامَ الخُنانِ\rأتت مئةٌ لعام ولدتُ فيه ... وعشرٌ بعد ذلك وحجّتان\rوقد أبْقَتْ خُطُوبُ الدّهرِ مني ... كما تُبقي من السيف اليماني\rتفلّلَ وهو مأثورٌ جُرَازٌ ... إذا اجتمعت بقائمه اليدان\rوقوله:\rندَامايَ عند المنذر بن مُحَرّق ... فأصبح منهم ظاهر الأرض مقفرا\rوكان الذبياني مع النعمان وفي عصره، ولم يكن له قدم وكان الجعدي مختلف الشعر مغلباً، فقال الفرزدق: مثله مثل صاحب الخلقان: ترى عنده ثوب عصب وثوب خز، وإلى جنبه سمل كساء. وكان الأصمعي يمدحه بهذا وينسبه إلى قلة التكلف، فيقول: عنده خمار بواف ومطرف بآلاف. بواف: يعني بدرهم وثلث.\rوإذا قالت العرب: مغلب، فهو مغلوب. وإا قالوا: غلب فهو غالب.","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وغلبت عليه ليلى الأخيلية وأوس بن مغراء القريعي، ولم يكن إليه ولا قريباً منه. وغلب عليه عقال بن خالد العقيلي، وكان مفحماً، بكلام لا بشعر.\rوهجاه سوار بن أوفى القشيري وفاخره، وهجاه الأخطل بأخرة.\rحدثني إبراهيم بن شهاب قال، حدثنا الفضل بن الحباب قال، حدثني أبو الغراف قال، قال النابغة الجعدي: إني وأوس بن مغراء لنبتدر بيتاً ما قلناه بعد، لو قاله أحدنا لقد غلب على صاحبه. قال ابن سلام: وكانا يتهاجيان، ولم يكن أوس إلى النابغة في قريحة الشعر، وكان النابغة فوقه، فقال أوس بن مغراء:\rفلستُ بعافٍ عن شَتِيمَةِ عامرٍ ... ولا حابسي عما أقول وعيدُها\rترى اللؤمَ ما عاشوا جديداً عليهمُ ... وأبقى ثياب اللاّبسين جديدها\rلعمرُك ما تبلَى سرابيل عامرٍ ... من اللؤمِ، مادامت عليها جلُودها\rفقال النابغة: هذا البيت الذي كنا نبتدر! وغلب الناس أوساً عليه.\rنا ابن سلام قال، قلت ليونس: كيف تقرأ: \" وجئتك من سبأ بنبأ يقينٍ \" ؟ فقال: قال الجعدي، وهو أفصح العرب:\rمن سَبَأ الحاضرينَ مأربَ إذْ ... يبْنُونَ من دون سيْلِه العَرِمَا\rوهو على قراءة أبي عمرو ويونس فجعل يونس القصيدة للجعدي. وسمعت أبا الورد الكلابي سأل عنها أبا عبيدة فقال: لأمية. ثم أتينا خلفاً الأحمر فسألناه، فقال: للنابغة، وقد يقال لأمية.\rنا ابن سلام قال، ذكر مسلمة بن محارب، عن أبيه قال: دخل النابغة على عثمان بن عفان، فقال: أستودعك الله يا أمير المؤمنين وأقرأ عليك السلام. قال: لِمَه؟ قال أنكرت نفسي، فأردت أن أخرج إلى إبلي فأشرب من ألبانها وأشم من شيح البادية.\rوذكر بلده. فقال: يا أبا ليلى: أما علمت،أن التعرب بعد الهجرة لا يصلح؟ قال:لا والله ما علمت وما كنت لأخرج حتى أستأذنك.فأذن له، وضرب له أجلاً. فخرج من عنده فدخل على الحسن بن علي فودعه، فقال له الحسن: أنشدنا من بعض شعرك. فأنشده:\rالحمدُ لله لا شريكَ لهُ، ... من لم يقُلْها فنفسَهُ ظَلَمَا\rفقال له: يا أبا ليلى! ما كنا نروي هذه الأبيات إلا لأمية بن أبي الصلت؟ قال: يابن رسول الله، والله إني لأول الناس قالها، وإن السروق من سرق أمية شعره.\rوقال يونس: كان الجعدي أوصف الناس لفرس، أنشدت قوله رؤبة:\rفإنْ صَدَقوا قالوا: جوادٌ مُجرّبٌ ... ضليعٌ، ومن خيرِ الجياد ضَلِيعُها\rقال رؤبة: ما كنت أرى المرهف منها إلا أسرع. ولم يكن رؤبة والعجاج صاحبي خيل، ولكن كانا صاحبي إبل ونعتها.\rنا ابن سلام، قال: أخبرني ابن دأب، قال: تزوج النابغة امرأة من بني المجنون، وهم عدد بني جعدة وشرفهم، فنازعته وادعت الطلاق، فكان يراها في منامه، فقال:\rمالي وما لابنةِ المجنونِ تطْرُقُني ... بالليل؟ إن نهاري منك يكفيني\rلا أجذَعُ البَوّ، بوّ الزُعمِ، أرأمُهُ ... ولاأقيمُ بدارِ العجزِ والهُونِ\rوشرُّ حشوِ خِباءٍ أنتَ مولِجُهُ ... مجنونةٌ هُنَّباءٌ بنْتُ مجنونِ\rتسْتَخنِثُ الوَطْبَ لم تَنْقُضْ مَريرتَه ... وتأكلُ الحبَّ صرفاً غير مطحونِ\rقال ابن دأب: وكان النابغة علوي الرأي، وأخذ مروان ابنه وإبله بالمدينة، فخرج ومدح مروان بن الحكم بأبيات.\rقال ابن سلام: وأنا منها في شك، ولكنه قال ما لا أشك فيه:\rفَمَنْ راكبٌ يأتي ابن هندٍ بحاجتي ... ومروانَ، والأنباءُ تُنْمَى وتُجلَبُ\rويُخْبِرُ عني ما أقول ابن عامر ... فنعمَ الفتى، يُأوى إليه، المعَصَّبُ\rفإن تأخذوا مالي وأهلي بِظِنَّةٍ ... فإني لحرابُ الرجال مُحرّبُ\rصبورٌ على ما يكرهُ المرءُ كلهِ، ... سوى الظلم، إني إن ظُلِمْتُ سأغضبُ\rأصيب ابن عفان الإمامُ، فلم يكن ... لذي حسبٍ بعد ابن عفان مغْضَبُ\rوكان أبو ذؤيب شاعراً فحلاً لا غميزة فيه ولا وهن.\rقال أبو عمرو بن العلاء: سئل حسان: من أشعر الناس؟ قال: حياً أو رجلاً؟ قال: حياً. قال أشعر الناس حياً هذيل وأشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب. قال ابن سلام: هذا ليس من قول أبي عمرو، ونحن نقوله.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"أخبرني أبو خليفة قال، حدثنا محمد بن سلام قال، أخبرني عمرو بن معاذ المعمري، قال: في التوراة: أبو ذؤيب مؤلف زورا. وكان اسم الشاعر بالسريانية: \" مؤلف زورا \" .\rفأخبرت بذلك بعض أصحاب العربية، وهو كثير بن اسحق، فأعجب منه، وقال: قد بلغني ذاك وكان فصيحاً، كثير الغريب، متمكناً في الشعر.\rفأما الشماخ، فكان شديد متون الشعر، أشد أسر كلام من لبيد، وفيه كزازة، ولبيد أسهل منه منطقاً.\rوكان للشماخ أخوان، وهو أفحلهم،: مزرد، وهو أشبهما به، وله أشعار وشهرة وجزء، وهو الذي يقول يرثي عمر بن الخطاب:\rجَزَى الله خيراً من أميرٍ، وباركتْ ... يد الله في ذاك الأديم الممزَّقِ\rفمن يَسْعَ أو يركبْ جَنَاحَيْ نعامةٍ ... ليُدركَ ما حاولتَ بالأمس يُسْبَقِ\rقضيتَ أموراً ثم غادرتَ بعدها ... بوائقَ في أكمامها لم تفتّق\rوما كنتُ أخشى أن تكون وفاته ... بكَفَّيْ سَبَنْتَي أزرقِ العين مُطْرِقِ\rأنا ابن سلام، قال: أخبرني شعيب بن صخر قال: كانت عند الشماخ امرأة من بني سليم، إحدى بني حرام بن سمال، فنازعته وادعت عليه طلاقاً، وحضر معها قومها فأعانوها، واختصموا إلى كثير بن الصلت وكان عثمان أقعده للنظر بين الناس، وهو رجل من كندة، عداده في بني جمح، ثم تحولوا إلى بني العباس، فهم فيهم اليوم، فرأى كثير عليه يميناً، فالتوى الشماخ باليمين، يحرضهم عليها، ثم حلف. وقال:\rأتتْني سُلَيْمٌ قضُّها وقضيضها ... تُمَسِّحُ حولي بالبقيع سِبالها\rيقولون لي: يا احلِفْ! ولستُ بحالفٍ ... أخاتِلُهم عنها لكيما أنالها\rففرَّجْتُ همَّ النَّفسِ عني بحَلْفَةٍ ... كما شقَّتِ الشَّقراءُ عنها جلالها\rوكان لبيد بن ربيعة، أبو عقيل، فارساً شاعراً شجاعاً، وكان عذب المنطق، رقيق حواشي الكلام، وكان مسلماً رجل صدق.\rقال: وكتب عمر إلى عامله: أن سل لبيداً والأغلب ما أحدثا من الشعر في الإسلام. فقال الأغلب:\rأرَجَزاً سألتَ أمْ قصيدا ... فقد سألتَ هيِّناً موجودا\rوقال لبيد: قد أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وآل عمران. فزاد عمر في عطائه، فبلغ به ألفين. فلما ولي معاوية قال: يا أبا عقيل، عطائي وعطاؤك سواء! لا أراني إلا سأحطك! قال: أو تدعني قليلاً، ثم تضم عطائي إلى عطائك فتأخذه أجمع.\rقال وعمر عمراً طويلاً. وكان في الجاهلية خير شاعر لقومه: يمدحهم، ويرثيهم، ويعد أيامهم ووقائعهم وفرسانهم. وكان يطعم ما هبت الصبا، وكان المغيرة بن شعبة إذا هبت الصبا قال: أعينوا أبا عقيل على مروءته.\rالطبقة الرابعة\rوهم أربعة رهط فحول شعراء، موضعهم مع الأوائل وإنما أخل بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة.\rطرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.\rوعبيد بن الأبرص بن جشم بن عامر، أحد بني دودان بن أسد بن خزيمة.\rوعلقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس بن عبيد بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.\rوعدي بن زيد بن حمار بن زيد بن أيوب، أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم.\rفأما طرفة فأشعر الناس واحدة، وهي قوله:\rلِخَوْلةَ أطلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمدِ ... وقفت بها أبكي وأُبكي إلى الغد\rوتليها أخرى مثلها وهي:\rأصحوتَ اليومَ أم شاقتْك هِرّ ... ومن الحُبّ جنونٌ مُستقر\rومن بعد له قصائد حسان جياد.\rوعبيد بن الأبرص، قديم، عظيم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب، لا أعرف له إلا قوله:\rأقفر من أهله ملحُوبُ ... فالقُطَبِيَّتُ فالذنوبُ\rولا أدري ما بعد ذلك.\rوعلقمة بن عبدة، وهو علقمة الفحل وعلقمة الخصي من رهط علقمة الفحل ولابن عبدة ثلاث روائع جياد لا يفوقهن شعر:\rذهبْتَ من الهِجْران في كل مذْهَب ... ولم يك حقاً كل هذا التَّجنُّبِ\rوالثانية:\rطَحَا بك قلبٌ في الحسانِ طروبُ ... بُعَيْد الشَّبابِ عصرَحانَ مشيبُ\rوالثالثة:\rهلْ ما علمتَ وما استودعتَ مكتومُ ... أم حبْلُها إذ نأتكَ اليوم مصرومُ\rولاشيء بعدهن يذكر.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"نا أبو خليفة، أنا أبو عثمان المازني، عن الأصمعي، عن نافع بن أبي نعيم قال: مر رجل من مزينة بباب رجل من الأنصار، وقد كان يتهم بامرأته، فتمثل:\rهل ما علمت وما استودعت مكتوم\rفاستعدى رب البيت عليه عمر، فقال له عمر: ما أردت؟ قال: وما علي في أن أنشدت شعراً! قال: قد كان له موضع غير هذا ثم أمر به فحد.\rوعدي بن زيد كان يسكن الحيرة ويراكن الريف، فلان لسانه وسهل منطقه، فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد واضطرب فيه خلف الأحمر، وخلط فيه المفضل فأكثر.\rوله أربع قصائد غرر روائع مبرزات، وله بعدهن شعر حسن، أولهن:\rأرواحٌ مودعٌ أمْ بُكورُ؟ ... أنت، فاعلم، لأي حالٍ تصيرُ\rنا أبو خليفة، أنا ابن سلام. قال: سمعت يونس وقد تمثل بهذا البيت:\rأيها الشَّامتُ المُعَيَّر بالدهرِ ... أأنت المبرأ الموفور\rأم لديك العهدُ الوثيقُ من الأيام ... بل أنت جاهلٌ مغرورُ\rفقال: لو تمنيت أن أقول شعراً ما تمنيت إلا هذه أو قال: مثل هذه. وقوله:\rأتعرف رسم الدار من أم معْبَدِ ... نعم، فرماك الشوقُ قبلَ التجلُّدِ\rوقوله:\rليس شيءٌ على المنونِ بباقٍ ... غير وجهِ المُسَبِّحِ الخلاَّقِ\rوقوله:\rلم أرَ مثل الفتيان في غبرِ الأيام ... ينسَوْنَ ما عواقبها\rالطبقة الخامسة\rوهم أربعة رهط: خداش بن زهير بن ربيعة ذي الشامة بن عمرو، وهو فراس الضحياء، بن عامر بن صعصعة.\rوالأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن جندل بن نهشل بن دارم.\rوأبو يزيد، المخبل بن ربيعة بن عوف قتال بن أنف الناقة بن قريع.\rوتميم بن أبي بن مقبل بن عوف بن حنيف بن قتيبة بن العجلان بن عبد الله بن ربيعة بن كعب بن عامر بن صعصعة.\rفخداش شاعر. قال أبو عمرو بن العلاء: هو أشعر في قريحة الشعر من لبيد، وأبى الناس إلا تقدمة لبيد.\rوكان يهجو قريشاً، ويقال إن أباه قتلته قريش أيام الفجار، وهو الذي يقول:\rأبي فارسُ الضَّحياء عمرو بن عامر ... أبي الذَمَّ واختار الوفاءَ على الغدرِ\rفيا أخوينا من أبينا وأمنا، ... إليكم إليكم، لا سبيل إلى جسرِ\rوهو الذي يقول:\rيا شدةً ما شدَدْنا غير كاذبةٍ ... على سخينةَ، لولا الليلُ والحرمُ\rإذ يتَّقينا هشامٌ بالوليد، ولو ... أنا ثقفنا هشاماً، شالتِ الجذَمُ\rسخينة: شيء تعير به قريش، فجعله اسماً لها. هشام والوليد: ابنا المغيرة المخزوميان.\rوقال القصيدة المنصفة:\rفأبلغ، إن عرضتَ، بنا هشاماً ... وعبد الله أبلغ والوليدا\rأولئك، إن يكن في الناس خيرٌ ... فإن لديهم حسباً وجودا\rهمُ خيرُ المعاشر من قريشٍ ... وأوراها، إذا قدحتْ، زنودا\rبأنا يوم شمْطةَ قد أقمنا ... عمودَ المجدِ، إن له عمودا\rفجاؤوا عارضاً برداً، وجئنا ... كما أضرمْتَ في الغابِ الوقودا\rفعانقنا الكماةَ وعانقونا ... عِراكَ النُّمْر واجهتِ الأسودا\rفلم أرَ مثلهم هزموا وفلوا ... ولا كذيادنا عنقاً مجمودا\rهشام والوليد: ابنا المغيرة، وعبد الله: ابن جدعان. وكان يعتمد على ابن جدعان بالهجاء، فزعموا أنه لما رآه ورأى جماله وجهارته وسيماه قال، والله لا أهجوه أبداً.\rوالأسود بن يعفر، يكنى أبا الجراح أخبرني يونس: أن رؤبة كان يقول: يعفر، بضم الياء والفاء، فقال يونس: يقال يُونُس ويُونِس، ويُوسُف ويُوسِف.\rوكان الأسود شاعراً فحلاً، وكان يكثر التنقل في العرب يجاورهم، فيذم ويحمد، وله في ذلك أشعار. وله واحدة رائعة طويلة، لاحقة بأجود الشعر، لو كان شفعها بمثلها قدمناه على مرتبته، وهي:\rنامَ الخَليُّ وما أحسُّ رُقادي ... والهمُّ مُحْتَضرٌ لديَّ وسادي\rوله شعر جيد، ولا كهذه.\rوذكر بعض أصحابنا أ نه سمع المفصل يقول: له ثلاثون ومئة قصيدة.\rونحن لا نعرف له ذلك ولا قريباً منه. وقد علمت أن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي، ويتجوزون في ذلك بأكثرمن تجوزنا 0","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"وأسمعني بعض أهل الكوفة شعراً زعم أنه أخذه عن خالد بن كلثوم، يرثى به حاجب بن زرارة. فقلت له: كيف يروى خالد مثل هذا، وهو من أهل العلم، وهذا شعر متداع خبيث؟ فقال: أخذناه من الثقات ونحن لا نعرف هذا ولا نقبله.\rوقال يمدح الحارث بن هشام بن المغيرة وكانت أسماء بنت مخربة النهشلية عند هشام بن المغيرة، فولدت له أبا جهل والحارث، ثم تزوجها أبو ربيعة بن المغيرة فأولدها عبد الله وعياشاً، وكان الحارث بن هشام قام بغزوة أحد، وكان له فيها أثر. فقال:\rإن الأكارم من قريش كلها ... قاموا، فراموا الأمر كل مرام\rحتى إذا كثُر التحاول بينهم ... فصل الأمور الحارث بن هشام\rوسما ليثرب لايريد طعامها ... إلا ليصلح أهلها بسُوام\rوغزا اليهود فأسلموا أبناءهم، ... صمِّى، لما لقيت يهود، صَمامِ!\rوالمخبل شاعر فحل وهو أبو يزيد، وله يقول الفرزدق:\rوهب القصائد النَّوابغ إذ مضَوا ... وأبو يزيد وذو القُرُوح وجرولُ\rوللمخبل شعر كثير جيد؛ هجا به الزبرقان وغيره، وكان يمدح بني قريع ويذكر أيام سعد. وشعره كثير.\rوتميم بن أبي بن مقبل، شاعر مجيد مغلب، غلب: عليه النجاشي، ولم يكن إليه في الشعر، وقد قهره في الهجاء فقال:\rإذا الله عادى أهلَ لُؤمٍ ودِقّةٍ ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبلِ\rثم هاجى النجاشي عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، فغلبه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت.\rوكان ابن مقبل جافياً في الدين، وكان في الإسلام يبكي أهل الجاهلية ويذكرها، فقيل له: تبكي أهل الجاهلية وأنت مسلم؟ فقال:\rوماليَ لا أبكي الديار وأهلها، ... وقد زارها زوّار عكّ وحميرا\rوجاء قطا الأجباب من كل جانب ... فوقَّعَ في أعطاننا ثم طيَّرا\rالطبقة السادسة\rأربعة رهط، لكل واحد منهم واحدة: أولهم عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب. وله قصيدة، التي أولها:\rألاهبي بصحنك فأصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا\rوالحارث بن حلزة بن مكروه بن بديد بن عبد الله بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر ابن وائل. وله قصيدة التي أولها:\rآذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء\rوله شعر سوى هذا، وهو الذي يقول في شعره:\rلا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج\rوعنترة بن شداد بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن مالك ابن غالب بن قطيعة بن عبس. وله قصيدة، وهي:\rيا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي\rوله شعر كثير، إلا أن هذه نادرة، فألحقوها مع أصحاب الواحدة.\rوسويد بن أبي كاهل بن حارثة بن حسل بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل، وله قصيدة، أولها:\rبسطت رابعة الحبل لنا ... فمددنا الحبل منها ما اتسع\rوله شعر كثير، ولكن برزت هذه على شعره. وهو الذي يقول:\rجررت على راجي الهوادة منهم ... وقد تلحق المولى العنود الجرائر\rقال، حدثني أبو بكر عبد الله بن مصعب قال: لما خلع ابن الزبير يزيد بن معاوية، والمنذر بن الزبير يومئذ بالبصرة، وعروة بن الزبير بمصر، شخصا إليه - ومسافتهما يومئذ غير متقاربة - فلما رآها تمثل ببيت سويد:\rجررت على راجي الهوادة منهم ... وقد تلحق المولى العنود الجرائر\rالطبقة السابعة\rأربعة رهط محكمون مقلون، وفي أشعارهم قلة، فذاك الذي أخرهم.\rمنهم سلامة بن جندل بن عبد الرحمن بن عبد عمرو بن الحارث، وهو مقاعس، بن عمرو بن كعب بن سعد.\rوحصين بن الحمام المريم، بن ربيعة بن مساب بن حرام بن وائلة بن سهم بن مرة، وهو فارس شاعر شريف.\rوالمتلمس، وهو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله ابن زيد بن دوفن بن حرب بن وهب بن جلى بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة، ويقال ضبيعة أضجم، والأضجم: الحارث الخير بن عبد الله بن ربيعة بن دوفن، وبه ضجمت ربيعة، وكان سيدا. والمتلمس خال طرفة بن العبد، وإنما سمي المتلمس لقوله:","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"فهذا أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس\rوالمسيب بن علس بن عمرو بن قمامة بن زيد بن ثعلبة بن عمرو بن مالك بن جشم بن بلال بن خماعة بن جلى بن أحمس بن ضبيعة. واسم المسيب: زهير، وإنما سمي المسيب حين أوعد بني عامر بن ذهل، فقالت بنو ضبيعة: قد سيبناك والقوم. وهو خال الأعشى، وهو الذي يقول في القعقاع بن معبد بن زرارة:\rفلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع\rأنت الذي زعمت معد أنه ... أهل التكرم والندى والباع\rالطبقة الثامنة\rأربعة رهط: عمرو بن قميئة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.\rوالنمر بن تولب بن أقيش بن عبد الله بن كعب بن عوف بن الحارث بن عدي بن عوف بن عبد مناة بن أد، وهو عكل.\rوأوس بن غلفاء الهجيمي.\rوعوف بن عطية بن الخرع، والخرع يقال له عمرو بن عيش بن وديعة بن عبد الله بن لؤي بن عمرو بن الحارث بن تيم ابن عبد مناة بن أد.\rحدثني مسمع بن عبد الملك، وهو كردين، قال: قول امرئ القيس:\rبكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا\rقال: صاحبه الذي ذكر، عمرو بن قميئة. وبنو قيس تدعى بعض شعر امرئ القيس لعمرو بن قميئة، وليس ذلك بشيء.\rوالنمر بن تولب جواد لا يليق شيئا، وكان شاعراً فصيحاً جريئاً على المنطق. وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه: الكيس، لحسن شعره.\rوهو الذي يقول:\rلا تغضبن على امرئ في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فأغضب\rوإذا تصبك خصاصة فارج الغني ... وإلى الذي يعطي الرغائب فارغب\rوقال أيضاً:\rعَلَيْهِنَّ يَوْمَ الوِرْدِ حَقٌ وحُرْمةٌ ... وهُنَّ غَداةَ الغِبِّ عندَكِ حُفَّلُ\rوقال أيضاً:\rأَقي حَسَبي بِه ويَعِزُّ عِرْضي ... عليَّ إذَا الحَفِيظَة أدْركَتْني\rوأَعْلَمُ أنْ سَتُدْرِكُني المَنَايا ... فَإِلا أَتَّبِعْها تَتَّبِعْني\rوقال أيضاً:\rأَعاذِلَ إنْ يُصْبِحْ صَدَايَ بِقَفْرَةٍ ... بَعِيدٌ نَآني صاحبي وقَرِيبي\rتَرَىْ أنَّ ما أنفقْتُ لم يَكُ ضَرّني ... وأنَّ الّذي أفْنَيْتُ كان نَصيِبي\rوعمر عمرا طويلاً، فكان هجيراه: أصبحوا الراكب! أعبقوا الراكب! لعادته التي كان عليها.\rقال: وخرفت امرأة من العرب - عرب كرام لا أبالي أن لا أسميهم - وكانت تقول: زوجوني. فقال عمر: ما لهج به أخو عكل أسرى مما لهجت به صاحبتكم.\rوذكر خلاد بن قرة بن خالد السدوسي، عن أبيه، وعن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير أخي مطرف بن عبد الله قال: بينما نحن بهذا المربد جلوس، إذ أتى علينا أعرابي أشعث الرأس فوقف علينا. فقلنا: والله لكأن هذا ليس من أهل هذا البلد! قال: أجل والله! وإذا معه قطعة من جراب، أو أديم، فقال: هذا كتاب كتبه لي محمد رسول الله صلى الله عليه. فأخذناه فقرأناه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم \" هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه، لبني زهير بن أقيش - قال الجريري: هو حي من عكل - إنكم إن شهد تم أن لا إله الله وأني رسول الله وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وفارقتم المشركين، وأعطيتم الخمس من الغنائم، وسهم ذي القربى، والصفي - وربما قال: وصفية - فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله \" .\rفقال لهم القوم: حدثنا، أصلحك الله، بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه0 يقول:صوم شهر الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، يذهبن وحر الصدر. فقال له القوم: أأنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه؟ قال: ألا أراكم تخافون أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه؟ لا حدثتكم حديثا! ثم أومأ بيده إلى صحيفته، ثم انصاع مدبرا.\rففي حديث قرة عن يزيد،فقيل لي لما ولى: هذا النمر بن تولب العكلي الشاعر.\rوعوف بن الخرع جيد الشعر، وهو الذي يرد على لقيط ابن زرارة قيله:\rأَحَقُّ مالٍ فَكُلُوهُ بِأُكْلْ ... أَمْوالُ تَيْمٍ وعَدِيّ وعُكُلْ\rياضَبُّ كُنْ عَمّاً كَرِيماً واعْتَزِلْ ... ذَرْنا وتَيماً وعَدِيّاً نَنْتَضِلْ\rوقال:","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"فأَمَّا الألأمانِ بنُو عَدِيّ ... وتَيْمً حِينَ تَزْدَحِمُ الأُمُورُ\rفَلاَ تَشْهَدْ بهمْ فِتْيَانَ حَرْبٍ ... ولكن أَدْنِ مِنْ حَلَبٍ وَغِيرِ\rإذا دَهَنُوا رِماحَهُمُ بزُبْدٍ ... فإنّ رِمَاحَ تَيْمٍ لاتَضِيرُ\rفقال عوف بن الخرع:\rهَلاغضبت على اُبن أُمِّكَ مَعْبَدٍ ... والعامِريُّ يَقُودُه بصِفادِ\rأَذَكَرْتَ من لَبَنِ المُحَلَّق شَرْبَةً ... والخَيل تَعدُو في الصَّعِيد بَدَاد\rهَلا فَوَارسَ رَحْرَحَان هَجَوْتُمُ؟ ... عُشَرٌ تَناوَحُ في سَرارَةِ وَادِ\rلا تًأْكلُ الإِبِلُ الغِرَاثُ نَباتَهُ ... كَلاَّ وَلَيْسَ عِمادُهُ بِعماَدِ\rوعوف يقول أيضا:\rيَاقُرَّة بنَ هُبَيْرَةَ اُبنَ أُقَيْشِرٍ ... يا سَيِّدَ السَّلَمَات إنّك تَظْلِمُ!\rوأوس بن غلفاء الذي يقول:\rأَلا قالتْ أُمامةُ يومَ غَوْلٍ: ... تَقَطَّعَ بِاُين غَلْفاءَالحِبال!\rذَرِيني إِنَّما خَطَإِي وصَوْبي ... عَليَّ وَإنّ ما أهَلكْتُ مالُ\rوهو الذي يرد علىيزيد بن الصعق قوله:\rإذا مَامات مَيْتٌ من تَميمٍ ... فَسَرَّكَ أنْ يَعِيشَ فَجِيءْ بزَادِ\rوقوله:\rأَلا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَني تميمٍ ... بِآيَةِ ما يُحِبُّون الطَّعامَا\rفقال أوس بن غلفاء:\rفَإِنّكَ من هِجاء بني تَميمٍ ... كٌمزْدَادِ الغَرَام إلى الغَرَام\rهُمُ ضَرَبُوكَ أُمَّ الرّأس حَتَّى ... بدَتْ أُمّ الشُّؤُونِ عن العِظَامِ\rإذا يَأسُونَها نَشزَتْ عَليْهِمْ ... شَرَنْبَثَةُ الأَصَابع أُمُّ هَامِ\rوهُمْ تَرَكُوكَ أَسْلَحَ من حُبَارَي ... وهُمْ تَرَكوكَ أَشْرَدَ من نَعَامِ\rوقال أيضا:\rهُمُ قَتلُوا أباكَ فلَمْ تُبَيِّنْ ... لِحِقِّ: مَا الأَغَرُّ مِنَ البَهيمِ\rوَهُمْ مَنُّوا عليْكَ فلَمْ تُثِبْهُم ... ثَوَابَ المِرْءٍ ذي الحَسَبِ الكرِيمِ\rالطبقة التاسعة\rأربعة رهط: ضابيء بن الحارث بن أرطاة بن شهاب بن عبيد بن خاذل ابن قيس القبيلة بن حنظلة بن مالك، من البراجم.\rوسويد بن كراع العكلي.\rوالحويدرة، واسمه قطبة بن محصن بن جرول بن حبيب الأعظ بن عبج الغزي بن حزيمة بن رزام بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان.\rوسحيم، عبد بني الحسحاس بن هند بن سفيان بن غضاب بن كعب بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.\rقال: وكان ضابيء بن الحارث بذيا كثير الشر، وكان بالمدينة،وكان صاحب صيد وصاحب خيل، فركب فرسا به يقال له قيار، - وكان ضعيف البصر - ولقيار يقول:\rفَمَنْ يَكُ أَمْسي بالمدينَةِ رَحْلُهُ ... فَإنّي وَقَيَّاراً بها لَغَرِيبُ\rيقول: إني بها لغريب،وقياراً أيضا.\rثم إنه وطيء صبيا دابته فقتله، فرفع إلى عثمان بن عفان، فاعتذر بضغف بصره وقال: لم أره ولم أعمده. فحبسه عثمان ما حبسه، ثم تخلص.\rوكان استعار كلب صيد من قوم من بني نهشل،يقال له قرحان،فحبسه حولا، ثم جاؤوا يطلبونه وألحوا عليه حتى أخذوه، فقال ضابيء:\rتجشَّمَ دُوني وَفْدُ قُرْحَانَ خُطّةً ... تظَلُّ بها الوَجْناءُ وهي حَسِيرُ\rفأرْدَفْتُهم كلباُ فراحُوا كأنَّما ... حَبَاهُمْ بتَاجِ المَرْزُبَانِ أميرُ\rفأمَّكُمُ لا تَتْركوها وكَلْبَكُمْ ... فإِنَّ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ كبيرُ\rإذا عَثَّنَتْ من آخرِ الليلِ دُخْنَةٌ ... يظلُّ لها فوقَ الفِراشِ هَرِيرُ\rفاستعدوا عليه عند عثمان. فقال: ويلك! ما سمعت أحدا رمى امرأة من المسلمين بكلب غيرك! وإني لأراك لو كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه لأنزل فيك قرآنا، ولو كان أحد قبلي قطع لسان شاعر في هجاء لقطعت لسانك. فحبسه في السجن.\rفعرض أهل السجن يوما، فإذا هو قد أعد حديدة يريد أن يغتال عثمان بها، فأهانه وركسه في السجن، فقال:\rلا يُعْطِيَنْ بعدِي امرُؤٌ ضَيْمَ خُطَّةٍ ... حِذَارَ لِقَاءِ المَوْتِ والموتُ نَائِلُهْ","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"فلا تَتْبِعَنِّي إِنْ هَلَكْتُ مَلامةً ... فليس بعَارٍ قَتْلُ من لا تُقَاتِلُهْ\rهَمَمْتُ ولَم أفْعلْ وكِدْتُ ولَيْتَني ... تَرَكْتُ على عُثْمان تَبْكي حَلائِلُهْ\rوَمَا الفتْكُ ما آمَرْتَ فيه ولا الّذي ... تُخَبِّر مَنْ لاقَيْتَ أَنَّك فَاعِلُهْ\rوقائلةٍ:لا يُبْعِد اللهُ ضابِئاً ... إِذَا القِرْنُ لم يُوجَدْ لَه مَنْ يُنَازِلُهْ\rوقَائلةٍ: إنْ مات في السِّجْن ضَابيءٌ ... لَنِعْمَ الفَتَى تَخلُو بِه وتُداخلُهْ\rوقائلةٍ: لا يُبْعِدِ الله ضَابئاً ... إِذَا اْحَمرَّ من حِسّ الشِّتَاءِ أَصَائِلُهْ\rولم يزل ضابيء في السجن حتى مات.\rفلما قتل عثمان وثب عمير ابنه على عثمان بعد أن قتل فيقال إنه كسر صلبه، أو كسر ضلعا له.\rفلما قدم الحجاج العراق، والمهلب بإزاء الأزارقة قد أرفض عنه أصحابه، فنادى الحجاج في بعث المهلب وأجلهم ثلاثا. فجاء عمير بن ضابيء، وقد كبر يومئذ، بابن له شاب إلى الحجاج، فقال: أيها الأمير، إني قد كبرت، وهذا ابني شاب جلد يقوم مقامي. فهم بقبوله، فقال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الأمير، هذا عمير، صاحب أمير المؤمنين عثمان! فقدمه فضرب عنقه. فذعر الناس، فخرجوا إلى المهلب. فلما تساقطوا عليه، قال: لقد قدم العراق أمير ذكر.\rوقال في ذلك عبد الله بن زبير الأسدي:\rتَجَهَّزْ فإمّا أَنْ تَزُورَ اُبنَ ضَابيءٍ ... عُمَيراً وَإمّا أَنْ تَزُورَ المُهَلبَّاَ\rهُما خُطَّناَ خَسْفٍ نَجَاؤُكَ منهما ... رُكوبُك حَوْلِيَّ من الثَّلْجِ أَشْهبَا\rوسويد بن كراع العكلي، وكان شاعرا محكما، وكان رجل بني عكل، وذا الرأي والتقدم فيهم.\rقال: وكان بعض بني عدي تيم ضرب رجلا من بني ضبة ثم من بني السيد - وهم قوم نكد شرس، وهم أخوال الفرزدق - فتجمعوا حتى ألم أن يكون بينهم قتال. فجاء رجل من بني عدي، فأعطاه يده رهينة لينظر ما يصنع المضروب، فقال خالد بن علقمة بن الطيفان، أحد أحلاف بني عبد الله بن دارم:\rأساَلِمُ إنِّي لا إخَالُكَ سالمِاَ ... أتيْتَ بني السِّيدِ الغُوَاةَ الأَشائِماَ\rأسالِمُ إن أفْلَتَّ من شرِّ هذه ... فَنَحِّ فِراراً إنما كنْتَ حالمِاَ\rأسَالم ما أعْطَى اُبنُ مَامَةَ مِثَلها ... ولا حاتمٌ فِيما بَلا النَّاسُ حاتِماَ\rفقال سويد بن كراع - وعكل وتيم وعدي وضبة إخوة، وهم الرباب - يرد على ابن الطيفان دخوله بينهم:\rأشَاعرَ عَبْدِ الله إِن كنْتَ لائِماًٍ ... فَإنِّي لمَا تَأْتي من الأَمْرِ لائِمُ\rتُحَضِّض أفْناءَ الرِّبابِ سَفَاهَةً ... وعِرْضُك مَوتُورٌ ولَيْلُكَ نائمُ\rوهَلْ عجَبٌ أن تُدْركَ السِّيدُ وتْرَها؟ ... وتَصْبرُ للحَقِّ السَّرَاةُ الأَكارِمُ\rرأيُتكَ لم تَمْنَع طُهَيَّةَ حُكَمْها ... وأعْطَيتَ يَرْبوعاً وأنفُكَ راغمُ\rوأنتَ امرُؤٌ لا تَقْبَل الصُّلح طائعاً ... ولكن متَى تُظأَ فَإنَّك رائِمُ\rوقال أيضا:\rخليليَّ قُومَا في عَطُاَلَةَ فانْظُرَا ... أناراً تَرى مِنْ ذِي أبا نينِ أم بَرْقَا؟\rفإن يَكُ بَرْقٌ فهو بَرْقُ سَحابةٍ ... تُغادِرُ ماءً لا قليلاً ولارَنْقَا\rوإن تَكُ نارٌ فهي نارٌ بمُلْتَقىً ... مِنَ الرِّيح تَزْهَاها وتَعْفِقُها عَفْقَا\rلأُ عليّ أوْقَدتْها طَمَاعةً ... بأوبِة سَفْرٍ:أن تكونَ لهَا وَفْقَا\rوهو الذي يقول:\rفَإنْ تَزْجُراني يا ابنَ عَفَّان أَزْدَجِرْ ... وإنْ تَتْرُكاني أحْمِ عِرْضاً مُمنَّعا\rوقوله: تزجراني، وتتركاني، وإنما يريد واحدا، وقد تفعل هذا العرب، قال الفرزدق:\rعَشِيَّةَ سَال المِرْبَدَانِ كِلاهُما ... عَجَاجةَ مَوْتٍ بالسُّيوفِ الصَّوارِمِ\rوقال أيضا:\rأخَذْنا بآفاقِ السَّماءِ عليكُمُ ... لنَا قَمَراها والنُّجُوم الطَّوالعُ\rوقال أبو ذؤيب:","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"وحتَّى يؤُوبَ القارِظَان كِلاهُما ... ويُنْشَر في القَتْلى كُلَيْبٌ الطَّوالعُ\rوهو رجل واحد من عنزة، ذهب أن يجتني القرظ،فلم يثبت أنه رجع.\rوقول بشر بن أبي خازم يدل على أنه واحد:\rفرَجِّي الخَيْرَ واُنْتَظِري إِيَابي ... إذا مَا القَارظُ العَنَزِيُّ آبا\rوقال العجاج: لا تحسَبنَّ الخَنْدَقَيْنِ والحَفَرْ وهو خندق واحد.\rأخبرني يونس بن حبيب: أن رجلاً من بني السيد قتل رجلاً من قومه، فأتاهم الفرزدق، وهم أخواله،فعرض عليهم الدية وأن يرهنهم ابنه بذلك، فخافوا شره، وأن لا يستطيعوا الإقدام عليه، فأبوا. فقال الفرزدق:\rألَمْ تَرَني أَزْمَعتُ وَثْبةَ حازِمٍ ... لأَفديَ بابني مِنْ رَدَى المَوْتِ خَاليِاَ\rوكنْتُ اُبنَ أشْياخٍ يُجيرون مَنْ جَنَي ... ويُحْيُون كالغَيْثِ العِظامَ البَوَاليا\rولمَّا دَعاني وهْوَ يَرْسُفُ لم أكنْ ... بَطِيئاً عن الدَّاعي ولا مُتَوانيِاَ\rشَددْتُ على نِصْفي إِزارِي ورُبَّما ... شددْتُ لأَحْناءِ الأُور إزَاريا\rوقلْتُ أَشِطُّوا يا بَني السِّيد حُكمَكُم ... عَلَىَّ فإني لا تَضِيقُ ذِراعيَا\rعَرَضْتُ عَلى السِّيد الأَشَائِم مُوفِياً ... بمقَتْولِهم عند المقَادَةِ غالِيَا\rغُلاماً أبوهُ المُسْتجارُ بقَبْرِه ... وصَعْصَعَةُ الفَكَّاكُ من كان عانِيا\rإذا خُيِّر السِّيديُّ بين غَوايَةٍ ... ورُشْدٍ أتىَ السِّيديُّ ما كان غاويَا\rفإِنْ تَنْجُ منها تَنْجُ من ذي عَظيمةٍ ... وإلاّ فَإنِّي لا إِخالُك ناجِيا\rوقال بعد ذلك يفتخر بهم:\rبنُو السِّيدِ الأَشائِمُ للأَعادِي ... نَمَوُنِي للعُلَى وبَنُو ضِرَارِ\rحدثني حاجب بن يزيد، عن أبيه قال: إن جريراً كان ينشد هذه الأبيات وشيخ من ثعلبة بن يربوع، يقول له العقار بن النحار - أو النحار بن العقار - قاعد بالماء قد شد له حاجباه من الكبر، حين قال جرير - وضبه كلها ثعلبة وبكر ابنا سعد بن ضبة - فذكر أخوال الفرزدق:\rأَثَعْلَبَ أُولي خَلْفَةً ما ذَكرتُكم ... بسُوءٍ ولكنِّي عَتَبْتُ عَلَى بَكْرِ\rأَثَعْلبَ إنِّي لَم أزَلْ مُذْ عَرَفْتُكم ... أرَى لكُمُ سِتْراً فلا تَهْتِكوا سِترِي\rفَلاَ تُوبِسُوا بَيْني وبَيْنَكُم الثرَى ... فَإنَ الذي بيني وبينَكُمُ مُثْرِي\rفَما شَهِدَتْ يومَ النَّقَا خَيْلُ هَاجِرٍولا السِّيدُ إذْيَنْحِطْنَ في الأَسَلِ السُّمْرِ\rوما شَهِدَتْ يومَ الغَبِيظِ مُجَاشِعٌ ... ولا نَقَلانَ الخَيْلِ من قُنَّتَيْ يُسْرِ\rويوم النقا: يوم قتل فيه بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين، قتلته ثعلبة بن سعد بن ضبة دون بكر، والغبيط: أسرت فيه يربوع بسطاما.\rقال حاجب في حديثه: فلما أنشد جرير:\rوما شهدتْ يومَ ... الغَبيِطِ مُجاشعٌ\rقال الشيخ الثعلبي: من المنشد؟ قالوا: أحد بني الخطفي. قال الشيخ: ولا كليب والأجل ما شهدت، ما كنا إلا سبعة فوارس من ثعلبة ابن يربوع.\rوقال معاوية الضبي:\rفَهذَا مكَاني أَوْ أَرَى القَارَ مُغْرَباً ... وحَتَّى أرَى صُمَّ الجبالِ تَكَلَّمُ\rيريد أنه لا يبرحها أبدا، كما أن القار لا يكون مغريا، والجبال لا تكلم. وقد تقول العرب: حتى يكون كذا وكذا، لما لا يكون أبدا، فيقولون: \" حتى تطلع الشمس من مغربها \" و \" حتى تقع السماء على الأرض \" و \" حتى يرجع الدر في الضرع \" وهذا كله عندهم مما لا يكون. وقال الله عز وجل: \" حتى يلج الجمل في سم الخياط \" (سورة الأعراف: 40) لما لا يكون، وقال النابغة الذبياني لعامر بن طفيل:\rوإنك سوفَ تَحْلُمُ أو تَنَاهي ... إِذا ما شِبْتَ أو شابَ الغُرَابُ\rوقال النمر بن تولب:\rوقَوْلي، إذا ما أطْلَقُوا عن بَعِيرِهمْ: ... يُلاقُونَه حَتَّى يَؤُوبَ المُنَخَّلُ\rأي لا يلاقونه أبدا، وكذلك قول أبي ذؤيب:","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"وحتَّى يؤُوب القَارِظانِ كِلاهُما ... ويُنْشَرُ في القَتْلى كليْبٌ لوائلِ\rوقال بشر بن أبي خازم:\rفَرَجِّي الخيرَ وانْتَظِري إيَابي ... إِذَا ما القَارِظُ العَنَزِيُّ آبَا\rفهذا عندهم مما لا يكون، لأن الغراب لا يشيب، ومن مات عندهم لم يرجع.\rوالثالث: الحويدرة، وهو شاعر، وهو يقول في كلمة له طويلة:\rرَحَلتْ سُمَيَّةُ غُدوةً فتَمَتّعِ ... وَغَدتْ غُدوَّ مُفارقٍ لم يَرْبَعِ\rوتَزوَّدت عَيْني غَدَاةَ لَقِيتُها ... بِلِوَي عُنيزةَ نظرةً لم تَنْقَعِ\rوَتَصَدَّفتْ حتَّى اسْتَبَتْك بواضحٍ ... صَلْتٍ كمُنْتَصَبِ الغَزَال الأتْلَعِ\rوَبمُقْلَةٍ حَوْراءَ تَحْسِبُ طرْفَها ... وَسْنَانَ حُرّةِ مُسْتَهَلِّ الأدْمُعِ\rوالرابع: عبد بني الحسحساس. وهو حلو الشعر، رقيق حواشي الكلام.\rذكروا عن عثمان بن عفان أنه أتى بعبد من عبيد العرب نافذ، فأراد شراءه، فقيل له: إنه شاعر. قال: لا حاجة لي به، إن الشاعر لاحريم له. ويقال إنه عبد بني الحسحاس، وذلك قبل خلافة عثمان.\rوأنشد عمر بن الخطاب قوله:\rعُمَيرَةَ وَدِّعْ إِنْ تَجَهَّزْتَ غَادِياَ ... كَفَى الشَّيْبُ الإسْلامُ للمرءِ نَاهِيَا\rفقال: لو قلت شعرك مثل هذا أعطيتك عليه.فلما قال:\rفَبَاتَ وِسَادَاناَ إلي عَلَجانَةٍ ... وحِقْفٍ تَهادَاهُ الرِّيَاحُ تَهادِيا\rوَهَبَّت شَمالٌ آخِرَ الَّليْل قَرَّةٌ ... وَلا ثَوْبَ إِلا دِرْعُها ورِدَائيا\rفما زَالَ بُرْدي طَيِّباً من ثِيابِها ... إِلى الَحوْلِ حتَّى أنْهَجَ الثَّوْبُ بَاليَا\rفقال له عمر: ويلك! إنك مقتول! وقال أيضا:\rولقد تحَدَّرَ من كرِيمَةِ بَعْضِهمْ ... عَرَقٌ على مَتْنِ الفِرَاشِ وَطِيبُ\rفأخذوه شارباً ثملاً، فعرضوا عليه نسوة، حتى مرت عليه التي يظنونها به، فأهوى لها، فأخذوه فقتلوه لما تحقق عندهم.\rالطبقة العاشرة\rوهي آخر الطبقات، وهم أربعة رهط: أولهم: أمية بن حرثان بن الأسكر بن عبد الله، سرابيل الموت - كان شاعراً سيداً - بن زهرة بن زيينة بن جندع بن ليث بن بكر عبد مناة بن كنانة.\rوحريث بن محفظ.\rوالكميت بن معروف بن الكميت بن ثعلبة بن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.\rوعمرو بن شأس بن أبي بلي، واسمه عبيد بن ثعلبة بن ذويبة بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد ابن خزيمة.\rوكان أمية بن حرثان بن الأسكر قديما، وعمر في الجاهلية عمرا طويلا، وألفاه الإسلام هرما. وله شعر في الجاهلية، وشعر في الإسلام.\rوكان ابناه كلاب وأخوه هاجرا إلى البصرة أيام عمر بعد ما كبر الشيخ وكف بصره فقال:\rلِمَنْ شَيْخَانِ قَدْ نَشَدا كِلابَا ... كتابَ الله إِنْ حَفِظَ الكتَابَا؟\rإِذا هَتَفَتْ حَمَامَةُ بَطْنِ وَجٍّ ... عَلَى بَيْضَاتِها ذَكَرَا كِلابَا\rتَرَكْتَ أباكَ مُرْعَشَةً يَدَاهُ ... وأمَّك ما تُسِيغُ لَهَا شَرَابَا\rوقال أيضا:\rسَأَسْتَأْدِي على الفاروق رَبًّا ... لَهُ عَمَدَ الحَجيجُ إلى بُصَاق\rإِنِ الفاروق لم يَرْدُدْ كِلاباً ... إلى شَيْخَيْن هامُهُما زَوَاقي\rفكتب عمر إلى أبي موسى بإشخاصه، فلم يرع أمية إلا ببابه يقرع، فقال: إن كان كلاب في الناس حيا إنه لهو.\rوخطة كلاب، البصرة، في بني سليم، يقال لها: مربعة كلاب، وتقول لها العامة: مربعة الكلاب، بلا علم.\rومر بأمية غلام له، وهو يحثو التراب على رأسه هرما ودلها، فقام ينظر إليه، فأفاق إفاقة فرآه قائما ينظر إليه، فقال:\rأصْبَحْتُ فَنًّا لرَاعي الضَّأنِ أُعْجبُهُ ... ماذا يَرِيُكَ مِنّي رَاعِي الضَّانِ\rإنْ تَرْعَ ضأْناً فإنِّي قَدْ رُزِئْتُهُمُ ... بِيضَ الوُجُوهِ، بني عَمٍّ وإِخْوانْي\rياَ ابَني أُمَيَّةَ؟ إِنِّي عَنْكُما غَاني ... وما غِنائيَ إِلا أنَّني فاني","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"يَا ابنَى أُمَيَّة إلاّ تَشْهدَا كِبَرِي ... فإنَّ نَأيَكُمَا والمَوْتَ سِيَّانِ\rالثاني: حريث بن محفظ المازني، وهو جاهلي إسلامي له في الجاهلية أشعار. وهو الذي يقول:\rونحنُ طَرَدْنا الحيَّ بكرَ بنَ وائلٍ ... إلى سَنَةٍ مِثْلِ السِّنانِ ونارِ\rومُومٍ وطاعونٍ وحَصْبَةِ قاتِلٍ ... وَذِي لِبَدٍ يَغْشَى المُهَجْهِجَ ضارِي\rوحُكْمِ عَدُوٍّ لا هَوادةَ عِنْدَهُ ... ومَنْزِلِ ذُلٍ في الحياةِ وعَارِ\rيعني محل بكر بن وائل، وهو السواد، والسواد أوبأ البلاد على الرجال والإبل من البر. وقوله: \" وحكم عدو \" يعني حكما للعجم على بكر بن وائل، فذلك قوله: \" وحكم عدو لا هوادة عنده \" .\rوقال أيضا:\rتَقُولُ اُبنةُ الضبيِّ يوم لَقِيتُها: ... تغيَّرتَ حتى كِدْتُ مِنْك أُهالُ\rفإن تَعْجَبي منّي عُميْرُ فَقد أتت ... ليالٍ وأيامٌ علىَّ طِوالُ\rإنِّي لَمِنْ قَومٍ تَشِيبُ سَراتُهمُ ... كذاكِ وفيهِمْ نائلٌ وَفَعالُ\rوقال:\rأَلَمْ تَرَ قَوْمي إِنْ دَعاهُمْ أخُوهمأَجابُوا وإِن يَغْضَبْ عَلَى القَوْم يَغْضَبُوا\rهُمُ حَفِظُوا غَيْبي كما كنْتُ حافظاً ... لِقَوْمي أُخرَى مِثْلَها إن تَغَيّبُوا\rبنُو المَجْدِ لم تقْعُدْ بهم أُمَّهاتُهُمْ ... وآباؤُهم آباءُ صِدْقٍ فأَنْجَبُوا\rقال ابن دأب: أدخل الحارث بن نوفل بن الحارث ابن المطلب على معاوية فتيانا من فتيان بني عبد مناف، فقال معاوية: هؤلاء كما قال أخو بني مازن:\rبنُو المَجْد لم تقُعد بهم أمَّهاتُهُم ... وآباؤهم آباءُ صدْقٍ فأنجبوا\rقال أبو عبد الله، قال الحجاج وهو على المنبر: أنتم والله يا أهل الشأم كما قال القائل:\rبنو المجد لم تقُعد بهم أمَّهاتُهُم ... وآباؤهم آباءُ صِدْقٍ فأنجبُوا\rوحريث تحت منبر،فقال: أنا قائلة أيها الأمير: فقال: كذبت، ذاك حريث بن محفظ. قال: أنا حريث! قال: فما جملك على الرد على هكذا؟ قال: ما ملكت حين تمثل الأمير بشعري أن أخبرته بمكاني.\rوالثالث: الكميت بن معروف، وهو شاعر - وجده الكميت بن ثعلبة شاعر - وكميت بن يزيد الآخر شاعر. والكميت ابن معروف الأوسط أشعرهم قريحة، والكميت بن زيد أكثرهم شعرا.\rقال الكميت بن معروف:\rأقُولُ لنَدْمانَيَّ والحَزْنُ بَيْننا ... وغُبْرُ الأعالي من خُفافٍ فَوَارِعُ:\rأَنارٌ بَدَتْ بَيْنَ المُسَنَّاةِ والحمَى ... لعَيْنَيْكَ أم بَرْقٌ من اللَّيل لامعُ؟\rفإن يك بَرْقاً فهو بَرْقُ مُخِيلةٍ ... لَها رَيِّقٌ لم يخُلْفِ الشَّيْمَ رائعٌ\rوإن تَكُ نارٌ فَهي نارٌ تَشُبُّها ... قَلُوصٌ وتَزْهاها الرِيّاحُ الزَّعازعُ\rوما مُغْزِلٌ أدْماءُ مَرْتَعُ طِفْلِها ... أرَاكٌ وسِدْرٌ بالمِرَاضَيْنِ يانِعُ\rبأحْسَنَ منْها يوم قالتْ لِتِرْبِها: ... سَلِيه يُخَبِّرنا مَتى هو راجعُ؟\rفقلتُ لها: واللّهِ ما مِنْ مُسافرٍ ... يُحيطُ لَهُ عِلمٌ بِما اللّهُ صانعُ\rوالرابع: عمرو بن شأس، كثير الشعر في الجاهلية والإسلام، أكثر أهل طبقته شعرا. وكان ذا قدر وشرف ومنزلة في قومه.\rجاوره رجل من بني عامر بن صعصة،ومع العامري بنت له جميلة، فخطبها، فقال له العامري: أما ما دمت في جوارك فلا تنزل مني على الاقتسار والقهر، ولكن إذا رجعت إلى قومي فاخطبها. فغضب عمرو وآلى يمينا أن يتزوجها أبدا، إلا أن يصيبها سباء. فلما رجع الرجل إلى قومة أراد عمرو غزوهم، ثم قال: قد كان بيني وبين الرجل عهد وميثاق وجوار! فاستحيي وتذمم أن يفعل، وقال:\rإذا نَحْنُ أدْلَجْنا وأنْتِ أمامَنا ... كَفَى لِمَطايانا بِرَيَّاكِ هادِيَا\rولولا اتِّقاءُ اللّهِ والعَهْدُ قد رَأى ... مُبَيِّنَةً مِنَّا تُثِيرُ النَّواديَا\rونَحنُ بنو خَيْر السِّباع أكِيلهً ... وأجْحِرَةً لَمَّا تَحفَّظَ عاديَا","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"لنا حاضرٌ لم يَحْضُرِ النَّاسُ مثلَهُ ... وبادٍ إذا عَدُّوا فأكرَمُ باديَا\rقال: ونزل رجل من بني حنظلة بإبل له عظيمة في جوار بني سعد بن ثعلبة دودان بن أسد بن خزيمة، رهط عمرو بن شأس، فأقام فيهم سنوات ثم رحل عنهم. فأغارت طيء على إبله فذهبوا بها، فرجع إلى بني سعد بن ثعلبة، فقال: قد برئت ذمتكم، ولكني أصبت، وقد عدت على طيء: فركب معه بني سعد إلى طيء، فأخذوا أكثر إبله وأدوه إلى مأمنه، فقال عمرو بن شأس:\rأبَأْنا لِقاحَ الحَنْظَليَّ بمثْلِها ... لِقاحاً وقُلْنا: دُونَك اُبْنَ مُكَدَّمِ\rوَفاءٍ ولم تُشرِفْ عليه نُفوسُنا ... حَناجِرُها كأنَّها صَوْغُ حَنْتَمِ\rوكان لعمرو ابن يقال له عرار، من أمة سوداء،وكانت امرأته تؤذيه وتستخف به، فقال عمرو في كلمة له:\rأرادَتْ عِرَاراً بالهَوَانِ ومَنْ يُرِدْ ... عَرَاراً لَعمْري بالهَوان فقد ظَلَمْ\rوإنَّ عِراراً إِن يَكُنْ غيرَ وَاضِح ... فإنِّي أُحِبُّ الجَوْنَ ذا المَنكبِ العَمم\rوإنَّ عِراراً إن يكُنْ ذا شكيمةٍ ... تلَّقيْتهِا منهُ فما أَمْلِكُ الشِّيَمْ\rفإن كُنْتِ مِنّي أو تُريدين صُحْبَتي ... فكُوني له كالسَّمْنِ رُبَّتْ لّهُ الأَدَمْ\rوَإلا فَسِيري مثلَ ما سارَ راكِبٌ ... تَعَجَّلَ خِمْساً لَيْسَ في سَيْرِهِ أَمَمْ\rوقال عمرو في كلمة له طويلة:\rمَتى تَعْرِفِ العَيْنانِ أَطْلالَ دِمنْةٍ ... لِلَيْلَي بأفلَى ذِي مَعارِكَ تَدْمعَا\rعَلَى النَّحْرِ والسِّرْبَالِ حَتَّى تَبُلَّهرَشَاشاً ولم تَجْزع إِلَى الدَّار مَجْزَعَا\rخَلِيلَيّ عُوجَا اليومَ نَقْضِ لُبانِةً ... وإلّا تَعُوجَا اليَوْمَ لا نَنْطَلِقْ مَعَا\rوإِنْ تَنْظُرَ أني اليَوْمَ أَتْبَعْكُما غَداً ... أَذَلَّ قِياداً من جَنِيبٍ وَأطْوَعَا\rوَقَدْ زَعَما أن قَدْ أَمَلَّ عليْهِمَا ... ثَوائي وقَوْلي كُلّما ارْتَحَلا اُرْبَعَا\rوَما لَبَثٌ في الحيِّ يَوْماً وليلةً ... بِزَائِدِ ما قَدْ فاتَ صَيْفاً وَمَرْبَعَا\rفَجُودَا لِهِنْدٍ في الكَرَامة مِنْكُمَا ... وإن شِئْتُما أَن تَمنْعَا بَعْدُ فَامْنَعَا\rانقضى خبر العشر الطبقات.\rطبقة أصحاب المراثي\rقال: وصيرنا أصحاب المراثي طبقة بعد العشر الطبقات.\rأولهم: متمم بن نويره بن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، رثى أخاه مالكا.\rوالخنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة، رثت أخويها صخرا ومعاوية.\rوأعشى باهلة - واسمه عامر بن الحارث بن رياح بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن - رثى المنتشر بن وهب بن عجلان بن سلمة بن كراثة بن هلال بن عمرو ابن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن.\rوكعب بن سعد بن عمرو بن عقبة - أو علقمة - بن عوف بن رفاعة، أحد بني سالم بن عبيد بن سعد بن جلان بن غنم بن غني بن أعصر، رثى أخاه أبا المغوار.\rوالمقدم عندنا متمم بن نويرة، ويكنى أبا نهشل، رثى أخاه مالك بن نويرة، وكان قبله خالد بن الوليد بن المغيرة، حين وجهه أبو بكر، رضى الله عنه، إلى أهل الردة. فمن الحديث ما جاء على وجهه، ومنه ما ذهب معناه علينا، للاختلاف فيه. وحديث مالك مما اختلف فيه فلم نقف منه على ما نريد. وقد سمعت فيه أقاويل شتى، غير أن الذي استقر عندنا أن عمر أنكر قتله، وقام على خالد فيه وأغلظ له، وأن أبا بكر صفح عن خالد وقبل تأوله.\rوكان مالك رجلاً شريفاً فارساً شاعراً، وكانت فيه خيلاء وتقدم، وكان ذا لمة كبيرة، وكان يقال له الجفول. وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم فيمن قدم من أمثاله من العرب، فولاه صدقات قومه بني يربوع. فلما قبض النبي صلى الله عليه اضطرب فيها فلم يحمد أمره، وفرق ما في يديه من إبل الصدقة، فكلمه الأقرع ابن حابس المجاشعي والقعقاع بن معبد بن زرازة الدارمي، فقالا له: إن لهذا الأمر قائماً وطالباً، فلا تعدل بتفرقة ما في يديك. فقال:","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"أَرَانْي اللّهُ بالنَّعَمِ المُنَدَّى ... بِبُرْقَةِ رَحْرَحَانَ وقد أرَاني\rتُمَشِّي يَا اُبنَ عَوْذَةَ في تَميمٍ ... وَصَاحُبك الأُقَيْرِعُ تَلْحَياني\rحَمَيْتُ جَميعَها بالسَّيْف صَلْتاً ... ولم تَرْعَشْ يَدَايَ ولا بَنَاني\rعوذة: يعني أم القعقاع، وهي معاذة: بنت ضرار بن عمرو .\rوقال:\rوقُاتُ: خُذُوا أَمْوَالكم غير خائفٍ ... ولا ناظرٍ فيما يَجِيءُ من الغَدِ\rفَإن قامَ بالأمر المُخَوَّفِ قائِمٌ ... مَنَعْنا وقلنا: الدِّينُ دِينُ مُحَمَّد\rفطرق خالد مالكاً وقومه - وهم على ماءٍ لهم يقال له البعوضة تحت الليل - ، فذعرهم، وأخذوا السلاح. فكان في حجة خالد عليهم، أنه أنظرهم إلى وقت الأذان فلم يسمع أذانا. وتقول بنو تميم: إنه لما هجم عليهم خالد قال: من أنتم؟ قالوا: المسلمون. قال: ونحن المسلمون، فما بال السلاح؟ قالوا: ذعر تمونا! قال: فضعوا السلاح.\rوالمجتمع عليه: أن خالداً حاوره وراده، وأن مالكاً سمح بالصلاة والتوى بالزكاة. فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معاً، لا تقبل واحدة دون الأخرى؟ قال:قد كان يقول ذلك صاحبكم! قال: وما تراه لك صاحباً؟ والله لقد هممت أن أضرب عنقك. ثم تحاولا، فقال له خالد: إني قاتلك. قال: وبذا أمرك صاحبك؟ قال: وهذه بعد! والله لا أقيلك.\rفيقول من عذر مالكاً: إنه أراد بقوله: \" صاحبك \" أنه أراد القرشية. وتأول خالد غير ذلك فقال: إنه إنكار منه للنبوة. وتقول: بنو مخزوم: إن عمرو بن العاص قال لخالد - وقد كان لقيه وهو منصرف من عمان، وكان النبي صلى الله عليه وجهه إلى ابن الجلندي - فقال لخالد: يا أبا سليمان، إن رأت عينك مالكاً فلا تزايله حتى تقتله.\rوكان خالد يحتج على مالك بأشعاره التي كتبنا. وكلم أبو قتاده الأنصاري خالداً في ذلك كلاماً شديداً فلم يقبله، فآلى يميناً أن لا يسير تحت راية أميرها خالداً أبدا. وقال له عبد الله بن عمر،وهو في القوم يومئذ: يا خالد، أبعد شهادة أبي قتادة؟ فأعرض عنه. ثم عاوده، فقال:يا أبا عبد الرحمن، اسكت عن هذا، فإني أعلم مالا تعلم. فأمر ضرار بن الأزور الأسدي بضرب عنقه، ففعل.\rقال ابن سلام: سمعني يونس يوماً أراد التميمية في خالد وأعذره، فقال: يا أبا عبد الله، أما سمعت بساقي أم تميم؟ وصارت أم تميم إلى خالد بنكاح أو سباء، وعابه عليه عمر بن الخطاب قال: قتلت امرأ مسلماً ووثبت على امرأته بعقرباء، يوم بني حنيفة.\rقال: ومن أحسن ما سمعت من عذر خالد، ما ذكروا أن عمر قال لمتمم بن نويرة: ما بلغ من جزعك على أخيك؟ - وكان متمم أعور - قال: بكيت عليه بعيني الصحيحة حتى نفد ماؤها، فأسعدتها أختها الذاهبة. فقال: عمر لو كنت شاعراً لقلت في أخي أجود مما قلت. قال أمير المؤمنين، لو كان أخي أصيب مصاب أخيك ما بكيته. فقال عمر: ما عزاني أحد عنه بأحسن مما عزيتني.\rوبكى متمم مالكاً فأكثر وأجاد، والمقدمة منهن قوله:\rلَعمْرِي ومَا دَهْرِي بتَأبين هَالكٍ ... ولا جَزَعٍ ممَّا أصابَ وأوْجَعَا\rقال ابن سلام: وأخبرني يونس بن حبيب: أن التأبين مدح الميت والثناء عليه، قال رؤبة:\rفَامْدَحْ بِلالاً غَيرَ مَا مُؤَبَّنِ\rوالمدح للحي.\rوبكت الخنساء أخويها صخراً ومعاوية. فأما صخر فقتلته بنو أسد، وأما معاوية فقتلته بنو مرة غطفان. فقالت في صخر كلمتها التي تقول فيها:\rوإنّ صَخْراً لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِه ... كأنّه عَلَمٌ في رَأْسه ناَرُ\rوقالت في معاوية:\rألا مَا لِعَيْنِكِ أمْ مَالَهَا؟ ... لَقَدْ أَخْضَلَ الدَّمْعُ سِرْبَالَها\rوقالت في صخر الكلمة الأخرى:\rأمِنْ حَدَثِ الأَيَّام عَيْنُك تَهْمُلُ ... وتَبْكي على صَخْرٍ وفي الدّهْر مَذهَلُ\rوأعشى باهلة، رثى المنتشر بن وهب الباهلي، قتيل بني الحارث بن كعب فقال في كلمته:\rلا يَأمَنُ الناسُ مُمْسَاهُ ومُصْبَحَهُ ... مِن كلّ أَوْبٍ وإنْ لم يَغْزُ يُنْتَظَرُ\rلا يَغْمِزُ السَّاقَ من أَيْن ولا وَجَعٍ ... ولا يَزَالُ أمامَ القوْمِ يَقْتَفِرُ","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"إنّي أَشُدُّ حَزِيمي ثُمّ يُدْرِكني ... مِنْك البَلاَءُ ومِنْ آلائِك الذِّكَرُ\rفإن جَزِعْنا فمثْلُ الشَّرِّ أَجْزَعَنَا ... وإنْ صَبَرْنَا فَإنَّا معْشَرٌ صُبُرُ\rإمَّا سَلَكْتَ سبيلاً كُنْتَ سالِكَها ... فَاذْهبْ فَلاَ يُبْعِدَنْك الله مُنْتَشِرُ\rلا يُصْعِبُ الأَمْرَإلا رَيْثَ يَرْكَبُه ... وكُلَّ أمْرٍ سِوَى الفَحْشاءِ يأتَمِرُ\rوالرابع: كعب بن سعد الغنوي، رثى أخاه أبا المغوار بكلمة قال فيها:\rفَخبَّرتُماني أَنَّما الموتُ بالقُرَى ... فكيفَ وهذي رَوْضَةٌ وكَثِيبُ!\rوماءُ سَماءِ كان غَيْرَ مَحَمَّةٍ ... بِدَاويَّةٍ تَجْري عليه جَنوبُ\rومَنْزِلَةٍ في دَارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ... وما اُقتْاَلَ في حُكْمٍ عَلَىَّ طَبِيبُ\rفلو كانَتِ الَموْتَى تُباعُ اُشْتَريتُه ... بما لم تَكُنْ عنه النُّفُوس تَطِيبُ\rبِعَيْنِيَّ أو كِلْتَا يَدَيَّ وقيل لي ... هُوَ الغانِمُ الجَذْلانُ حين يَؤُوبُ\rودَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدَى؟ ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عند ذَاك مُجِيبُ\rفَقُلْتُ: ادْعُ أُخْرَى وارْفَع الصَّوْتَ دَعْوةًلعلَّ أبَا المِغْوارِ مِنْكَ قَرِيبُ\rشعراء القرى العربية\rوهي خمس: المدينة، ومكة، والطائف، واليمامة، والبحرين. وأشعرهن قرية المدينة.\rشعراؤها الفحول خمسة: ثلاثة من الخزرج، واثنان من الأوس.\rفمن الخزرج، من بني النجار: حسان بن ثابت. ومن بني سلمة: كعب بن مالك. ومن الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة. ومن الأوس: قيس بن الخطيم، من بني ظفر. وأبو قيس بن الأسلت، من بني عمرو بن عوف.\rأشعرهم حسان بن ثابت. وهو كثير الشعر جيده، وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد. لما تعاضدت قريش واستبت، وضعوا عليه أشعارا كثيرة لا تنقى. وكان أبوه ثابت بن المنذر بن حرام، من سادة قومه وأشرافهم. والمنذر الحاكم بين الأوس والخزرج في يوم سميحة - وهو يوم من أيامهم مشهور - ، وكانوا حكموا في دمائهم يومئذ مالك بن العجلان بن سالم بن عوف، فتعدى في مولى له قتل يومئذ، وقال: لا آخذ فيه إلا دية الصريح. فأبوا أن يرضوا بحكمه، فحكموا المنذر بن حرام، فحكم بأن هدر دماء قومه الخزرج، واحتمل دماء الأوس، فذكره حسان في شعره في قصيدته التي قال فيها:\rمَنَع النّوْمَ بالعِشاءِ الهُمُومُ\rوأسرت مزينة ثابتا، أبا حسان، فعرض عليهم الفداء فقالوا: لا نفاديك إلا بتيس! - ومزينة تسب بالتيوس - فأبي وأبوا. فلما طال مكثه، أرسل إلى قومه: أن أعطوهم أخاهم وخذوا أخاكم.\rوحدثني يزيد بن عياض بن جعدبة أن النبي صلى الله عليه لما قدم المدينة، تناولته قريش بالهجاء، فقال لعبد الله بن رواحة: رد عني. فذهب في قديمهم وأولهم، فلم يصنع في الهجاء شيئا. فأمر كعب ابن مالك، فذكر الحرب، كقوله:\rنصِلُ السُّيوفَ إذا قَصُرنَ بخَطْونا ... قُدُماً ونُلْحِقُها إذا لم تَلْحَقِ\rفلم يصنع في الهجاء شيئا. فدعا حسان بن ثابت فقال: أهجهم وائت أبا بكر يخبرك - أي بمصائب القوم - . وكان أبو بكر علامة قريش، وكان جبير بن مطعم أخذ العلم عن أبي بكر.\rأخبرنا شعبة، عن عدي بن ثابت الأنصاري: أنه سمع البراء بن عازب الأنصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه: أهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك.\rقال ابن جعدبة في حديثه: وأخرج حسان لسانه حتى ضرب به على صدره وقال: والله يا رسول الله، ما أحب أن لي به مقولا في العرب. فصب على قريش منه شآبيب شر، فقال رسول الله صلى الله عليه: اهجهم، كأنك تنضحهم بالنبل.\rومن شعره الرائع الجيد، ما مدح به بني جفنة من غسان، ملوك الشام في كلمة:\rللّه دَرُّ عِصابةٍ نادَمْتُهُمْ ... يوماً بِجِلِّقَ في الزَّمانِ الأوَّلِ\rيَسْقُون مَنْ وَرَدَ البَريصَ عليهمُ ... بَرَدَى يُصَفَّق بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ\rيُغشَوْن حَتَّى ما تَهِرُّ كِلابُهُمْ ... لا يَسْألون عن السَّوَادِ المُقْبِلِ","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"أوْلادُ جَفْنةَ عِنْدَ أبِيهِمُ ... قَبْرِ اُبن مَارِيَة الكَريمِ المُفْضِلِ\rوقال في الكلمة الأخرى الطويلة:\rلنا الَجفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى ... وأسْيافُنا يَقْطُرْن من نَجْدَةٍ دَمَا\rأبَي فِعْلُنا المعروفِ أن نَنْطِقَ الخَنا ... وقائِلُنا بالعُرْفِ إلا تَكلُّمَا\rوقوله:\rوإن اُمْرىً أَمْسَى وأَصْبَح سَالمِاً ... من الناس إِلا مَا جَنى لَسَعيدُ\rولما قال للحارث بن عوف بن أبي حارثة المري:\rوأًمَانَةُ المُرِّيِّ حَيثُ لَقِتَه ... مثلُي الزُّجاجةِ صَدْعُها لم يُجْبَرِ\rقال الحارث: يا محمد، أجرني من شعر حسان، فو الله لو مزج به الماء البحر مزجه.\rوأشعار حسان وأحاديثه كثيرة.\rوكعب بن مالك، شاعر مجيد. قال يوم أحد في كلمة:\rفَجِئْنَا إلى مَوْجٍ من البَحْر وَسْطَه ... أَحابِيشُ منهم حَاسِرٌ ومُقَنَّعُ\rثلاثةُ آلافٍ ونحنُ نَصِيَّةٌ ... ثَلاَثُ مِئِينَ إن كَثُرْنا وأَرْبَعُ\rوكانوا سبعمئة.\rفَرَاحُوا سِراعاً مُوجِفينَ كأنَّهُمْ ... جَهَامٌ هَرَاقتْ مَاءهُ الرِّيحُ مُقْلِعُ\rورُحْنَا وأُخْرَانا تَطَانَا كأنَّنا ... أُسُودٌ على لَحْمٍ بِبِيشهً ظُلَّعُ\rوقال كعب في أيام الخندق:\rمَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُرَعْبِلُ بْعضُه ... بَعْضاً كمْعَمَعةِ الأَباءِ المُحْرَقِ\rفَلْيَأتِ مَأْسَدةً تُسَلُّ سُيوفُها ... بَيْن المَذَادِ وبَيْنَ جِزْعِ الخَنْدَقِ\rوقال بعد ذلك في كلمة أيضا:\rقَضَيْنا من تِهامَةَ كلَّ رَيْبٍ ... وخَيْبَرَ ثُمّ أجْمَمْنَا السُّيُوَفَا\rنُخَيِّرها ولو نَطقت لَقَالتْ ... قَوَاطِعُهنَّ: دَوْساً أو ثَقِيفَا\rفَلَسْتُ لِحَاصِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْهَا ... بساحَةِ دَارِكم مِنَّا أُلُوفَا\rفنَنتَزِعُ العُروشَ ببَطْن وَجٍّ ... ونَتْرُكُ دَارَكم مِنَّا خُلُوفَا\rونُرْدي الَّلاتَ والعُزَّي ووَدْا ... ونَسْلُبُها القَلاَئِدَ والشُّنوفَا\rحدثني عمر بن معاذ التيمي المعمري وغيره، قال: قال رسول الله صلى الله عليه لكعب بن مالك: أترى الله نسي لك قولك:\rزَعَمَتْ سَخِينةُ أنْ سَتَغْلِبُ رَبَّها ... ولَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلاَّبِ\rوكان أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن تبوك، هو وهلاك ابن أمية ومرارة بن الربيع، فتاب الله عليهم، كما قص في سورة براءة.\rويروي أن قومه قالوا في ذلك: لو اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه ببعض ما يعتذر به الناس، عذرك. قال: إني لأصنعهم لساناً وأقدرهم على ذلك، ولكن والله لا أعتذر إليه بكذب وإن عذرني فيطلعه الله عليه. فيقال: إن الله عز وجل أنزل فيه: \" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين \" (سورة التوبة 119). وشهد العقبة ولم يشهد بدرا.\rوعبد الله بن رواحة، عظيم القدر في قومه، سيد في الجاهلية، ليس في طبقته التي ذكرنا أسود منه. شهد بدراً. وكان في حروبهم في الجاهلية يناقض قيس بن الخطيم. وكان في الإسلام عظيم القدر والمكانة عند رسول الله صلى الله عليه.\rوقال عبد الله بن رواحة، وهو آخذ بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه في غمرة القضاء، يقودها، وقد اجتمع أهل مكة وغلمانهم ينظرون إليه، وهو يقول:\rخَلُّوا بَني الكُفَّار عن سَبِيِلِهِ ... خَلُّوا فكلُّ الخَيْرِ مَعْ رَسُولِهِ\rنَحنُ ضَرَبنا كُمْ على تَأْوِيِلِهِ ... كما ضَربنَا كُمْ على تَنْزِيلِهِ\rضَرْباً يُزِيلُ الهَامَ عن مَقِيلِهِ ... ويُذْهِلُ الخليلَ عن خَلِيلِهِ\rوأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة منصرفة من العمرة، فخرص على أهل خيبر، فقال لهم لما شكوا الخرص:\rفنحنُ نأخذُها بذلك قالوا ... بهذا قامتِ السَّموات والأرضُ","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"وقد روى عمر بن أبي زائدة قال: سمعت مدرك بن عمارة ابن عقبة بن أبي معيط يقول: قال عبد الله بن رواحة: مررت بمسجد رسول الله صلى الله عليه وهو في نفر من أصحابه، فأضب القوم: يا عبد الله بن رواحة! يا عبد الله بن رواحة! فعرفت أن رسول الله صلى الله عليه دعاني، فانطلقت إليهم مسرعا، فسلمت، فقال: ههنا. فجلست بين يديه فقال - كأنه يتعجب من شعري - : كيف تقول الشعر إذا قلته؟ قلت: أنظر في ذلك ثم أقول. قال: فعليك بالمشركين. قال: فلم أكن أعددت شيئا، فأنشدته، فلما قلت:\rفَخبِّرُوني أَثْمانَ العَبَاءِ متَى ... كُنْتُم بَطَاريقَ أو دَانتْ لكم مُضَرُ؟\rقال: فكأني عرفت في وجه رسول الله صلى الله عليه الكراهة إذ جعلت قومه أثمان العباء فقلت:\rنُجَالِدُ النَّاسَ عَنْ عُرْضٍ فَنَأْسِرُهمفِينَا النَّبيُّ وفينَا تُنْزَلُ السُّوَرُ\rوقد عَلمتم بأنًّا ليسَ غَالِبَنَا ... حيُّ من الناس إنْ عَزُّوا وإن كَثُروا\rيَا هَاشِمَ الخَيرِ إنَّ الّله فَضَّلكم ... عَلَى البَرِيَّة فَضلاً مَالَهُ غِيَرُ\rإنّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الخيرَ أعرِفُهُ ... فِراسةً خَالفتْهُمْ في الّذي نَظَرُوا\rولوْ سألتَ أَو اسْتَنْصَرتَ بَعْضَهُمُ ... في جُلِّ أَمْرِكَ ما آوَوْا اوَما نَصَرُوا\rفَثَبَّتَ الّلهُ مَا آتَاكَ من حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسى ونَصْراً كالّذي نُصِرُوا\rفأقبل على بوجهه متبسماً. ثم قال: وإياك فثبت الله.\rوأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مؤته ثالث ثلاثة أمراء: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وابن رواحة. فلما قتل صاحباه، كأنه تكره الإقدام فقال:\rأقْسَمتُ يا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ ... طَائِعَةً أوْلا لتُكْرَهِنَّهْ\rوَطَالما قَدْ كُنْت مُطْمَئِنَّهْ ... مَا لي أرَاكِ تَكْرَهِينَ الجنَّةْ؟\rفقتل يومئذ.\rوأبو قيس بن الأسلت، وهو شاعر مجيد، وهو الذي يقول في حرب بينهم وبين الخزرج:\rقَدْ حَصَّتِ البَيضَةُ رأْسي فَما ... أَطْعَمُ نَوْماً غَيْرَ تَهْجَاعِ\rأَسْعَى عَلَى جُلِّ بَني مَالكٍ ... كُلُّ امرئ في شَأنِهِ سَاعِ\rوهو يقول في قصيدة:\rفَلَسْتُ لَحِاصِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْنَا ... نُجالِدُ كُمْ كَأَنَّا شَرْبُ خَمْرِ\rمَلَكْنْا النَّاسَ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ ... فَلَمْ نُغْلَبْ وَلَمْ نُسْبَق بِوِتْرِ\rهَمْمنَا بِالإقامَةِ ثُمَّ سِرْنَا ... مَسِيرَ حُذَيْفَةِ الخَيْرِ بْنِ بَدْرِ\rوذكروا أنه أقبل يريد النبي صلى الله عليه، فقال له عبد الله ابن أبي: خفت والله سيوف الخزرج! قال: لا جرم، والله لا أسلم حولاً. فمات في الحول.\rقيس بن الخطيم شاعر، فمن الناس من يفضله على حسان شعراً - ولا أقول ذلك - .\rوهو الذي يقول يوم بعاث:\rأتعْرِفُ رَسْماً كاُطِّرادِ المّذَاهِبِ ... لِعَمْرَةَ قَفْراً غيرَ مَوْقِفِ رَاكبِ\rعمرة: بنت رواحة، أخت عبد الله بن رواحة، وهي أم النعمان ابن بشير الأنصاري:\rدِيارُ التَّي كادتْ ونَحنُ على مِنيٍ ... تَحُلُّ بنا لَوْلا نَجاءُ الرّكائبِ\rتَراءَت لنَا كالشَّمْسِ تحتَ غَمامةٍ ... بَدَا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحَاجِبِ\rولَمْ أَرَهَا إلا ثَلاثاً عَلَى مِنيٍ ... وعَهْدي بها عَذْرَاءَ ذَاتَ ذَوائِبِ\rومَثْلِكِ قَدْ أصْبَيْتُ لَيستْ بكَنَّةٍ ... ولا جَارةٍ ولا حَليلَةٍ صَاحِبَ\rأَرِبْتُ بدَفْع الحَرْب حتّى رأيتُها ... عَلَى الدَّفْع لا تَزْدَادُ غيرَ تَقارُب\rفلمَّا رأيْتُ الحرْبَ حرْباً تَجَرَّدتْ ... لَبِسْتُ مع البُرْدَيْنِ ثَوْبَ المُحَاربِ\rمُضَاعَفةً يَغْشَى الأَنامِلَ رَيْعُها ... كأَنَّ قَتِيرَهَا عُيُونُ الجَنادِبِ\rإذَا ما فَرَرْنَا كان أَسْوَأَ قَرِّنا ... صُدودُ الخُدودِ وازوِارُ المناكبِ\rوهو الذي يقول:","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"تَرَاءَتْ لنا يومَ الرَّحِيل بِمُقْلَتَي ... غَرِيرٍ بمُلتَفٍّ مِنَ السِّدْرِ مُفْرَدِ\rوَجِيدٍ كجِيدِ الرِّئْم حَالٍ يَزِينُهُ ... عَلَى النَّحْرِ مَنْظومٌ وفَصْلُ زَبرْجَدِ\rوكأَنَّ الثُّرَيَّا فوقَ ثُغْرةِ نَحْرِها ... تَوَقَّدُ في الظلَّماءِ أيَّ تَوَقُّدِ\rوإنِّي لاغْنَى النَّاسِ عَنْ مُتَكلِّفٍ ... يَرَى النَّاسَ ضُلالاً ولَيْسَ بمُهْتَدِي\rأُكَثِّر أهْلي من عِيالٍ سِوَاهُمُ ... وأَطْوِي على الماءِ القَرَاحِ المُبَرَّدِ\rوقال:\rطَعَنْتُ اُبنَ عَبْدِ الْقَيْسِ طَعْنَة ثائرٍلَهَا نَفَذٌ لَوْلا الشَّعَاعُ أَضَاءَهَا\rوكان قيس مقيماً على شركه، وأسلمت امرأته، وكان يقال لها حواء، فكان يصدها عن الإسلام ويعبث بها، يأتيها وهي ساجدة فيقلبها على رأسها. وكان رسول الله صلى الله عليه وهو بمكة قبل الهجرة، يسأل عن أمر الأنصار وعن حالهم، فأخبر بإسلامها، وما تلقى من قيس. فلما كان الموسم، أتاه صلى الله عليه في مضربه، فلما رأى النبي صلى الله عليه رحب به وأعظمه. فقال له النبي صلى الله عليه: إن امرأته قد أسلمت، وإنك تؤذيها، فأحب أن لا تعرض لها.\rقال: نعم وكرامة يا أبا القاسم، لست بعائد في شيء تكرهه. فلما قدم المدينة قال لها: إن صاحبك قد لقيني، فطلب إلى أن لا أعرض لك، فشأنك وأمرك.\rشعراء مكة\rوبمكة شعراء، فأبرعهم شعرا: عبد الله بن الزبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم.\rوأبو طالب بن عبد المطلب، شاعر.\rوالزبير بن عبد المطلب، شاعر.\rوأبو سفيان بن الحارث، شاعر.\rومسافر بن أبي عمرو بن أمية، شاعر.\rوضرار بن الخطاب الفهري، شاعر.\rوأبو عزة الجمحي، شاعر، واسمه عمرو بن عبد الله.\rوعبد الله بن حذافة السهمي، الممزق.\rوهبيرة بن أبي وهب بن عامر بن عائذ بن عمران بن مخزوم.\rقال، حدثني شعيب بن صخر وأبو بكر الزبيري المصعبي، قال: أصبح الناس يوما بمكة وعلى دار الندوة مكتوب:\rأَلْهَي قُصَيّاً عن المَجْدِ الأَسَاطِيرُ ... ورِشْوَةٌ مثل ما تُرْشَي السَّفَاسِيرُ\rوأَكْلُها الَّلحْمَ بَحْتاً لا خَليطَ لَهُ ... وقَوْلُها: رَحلَتْ عِيرٌ مَضَتْ عِيرُ\rفأنكر الناس ذلك، وقالوا: ما قالها إلا ابن الزبعري! أجمع على ذلك رأيهم، فمشوا إلى بني سهم - وكان مما تنكر قريش وتعاقب عليه، أن يهجو بعضها بعضاً - فقالوا لبني سهم: ادفعوه إلينا نحكم فيه بحكمنا. قالوا: وما الحكم فيه؟ قالوا: نقطع لسانه قالوا: فشأنكم، واعملوا والله أنه لا يهجونا رجل منكم إلا فعلنا به مثل ذلك. والزبير ابن عبد المطلب يومئذ غائب نحو اليمن، فأنتجت بنو قصي بينهم فقالوا: لا نأمن الزبير إن بلغه ما قال هذا، أن يقول شيئا، فيؤتي إليه مثل ما نأتي إلى هذا! وكانوا أهل تناصف، فأجمعوا على تخليته، فخلوه. فقال له الناس، وحملوه على قومه: أسلمك قومك ولم يمنعوك، ولو شاءوا منعوك! فقال:\rلَعَمْرُكَ ما جاءَتْ بنُكْرٍ عَشِيرتي ... وَإنْ صَالَحَتْ إخْوَانَهَا لااُلومُها\rبِوُدِّ جُناةِ الغَيِّ أنّ سُيُوفَنَا ... بأَيْمَانِنَا مَسْلُولةً لا نَشِيمُهَا\rوقال في يوم أحد قصيدة يقول فيها:\rكُلُّ بُؤْسٍ ونَعِيمٍ زَائِلٌ ... وبَنَاتُ الدّهْرِ يَلْعَبْنَ بكُلّْ\rوَالعَطِيَّاتُ خِسَاسٌ بيْنَنَا ... وسَوَاءٌ رَمْسُ مُثْرٍ ومُقِلّْ\rلَيْتَ أشْيَاخي بَبدْرٍ شَهدُوا ... ضَجَرَ الخَزْرَج من وَقْعِ الأَسَلْ\rحِين أَلْقَتْ بقَنَاةٍ بَرْكَهَا ... وَاُسْتَحَرَّ القتلُ في عَبْدِ الأَشَلّْ\rفقَبِلْنَا النِّصْفَ من سَادَتِهِمْ ... وعَدَلْنا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعتَدَلْ\rوزعم ابن جعدبة أنه سمع هشام بن عروة ينشد هذا الشعر، وسمعته قال:عنه رويته.\rوقال ابن الزبعري لبني المغيرة بن عبد الله المخزوميين وكان لهم بلاء في الفجار، وأمهم: ريطة بنت سعيد بن سعد ابن سهم، فقال:\rأَلا لِلّه قَوْمٌ وَلَدَتْ أُختُ بني سَهْمِ\rهِشَامٌُ وأبُو عَبْدِ مِدْرَهْ الخَصْمِ","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وذُو الرُّمْحَينِ أَشْبَاكَ من القُوَّةِ والحَزْمِ\rفَهذَانِ يَذُودَانِ وذَا مِنْ كَثَبٍ يَرْمي\rوَإنْ أحْلِفْ وبَيْتِ الّلهِ لا أَحْلِفْ عَلَى إثْمِ\rلَمَا إنْ إخْوَةٌ بَيْنَ دُ ... رُوبِ الرُّومِ والرَّدْم\rبِأَزْكَى مِنْ بَنِي رَيْ ... طَةَ أَوْ أَوْزَنَ في حِلْمِ\rهمُ يَوْمَ عُكاظٍ ... مَنَعُوا النَّاسَ من الهَزْمِ\rوقال: كان الفزاري ينشدها: هشاماً وأبا عبد مناف أي ولدت. وأبو عبد مناف: هاشم بن المغيرة. وذو الرمحين: أبو ربيعة بن المغيرة، أبو: عبد الله وعياش ابني أبي ربيعة.\rثم أسلم ابن الزبعري، ومدح النبي صلى الله عليه واعتذر إليه فأحسن، فقال:\rيَا رَسُولَ المَلِيكِ إِنَّ لِسَاني ... رَاتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أَنَا بُورُ\rإذْ أُجَارِي الشَّيْطانَ في سَنَن الغَ ... يِّ ومَنْ مَال مَيْلَه مَثْبُورُ\rآمَنَ الَّلحْمُ والعِظَامُ بما قُلْ ... تَ فنَفْسي الفِدَى وأنْتَ النَّذيرُ\rوقال أيضا:\rمَنعَ الرُّقَادَ بَلابلٌ وهُمُومُ ... والَّليلُ مُعْتَلِجُ الرِّوَاقِ بَهِيمُ\rمِمَّا أتاني أنّ أَحْمَدَ لامَني ... فِيه فَبِتُّ كأنَّني مَحْمُومُ\rيَا خَيْرَ من حَمَلَتْ على أَوْصَالِهَا ... عَيْرَانَةُ شُرُحُ اليَدَينِ رَسُومُ\rإِنِّي لمُعْتَذِرٌ إِليكَ مِنَ الَّذي ... أَسْدَيْتُ إِذْ أنَا في الضَّلالِ أَهِيمُ\rأياَّمَ تأمُرُني بِأَغْوَى خُطَّةٍ ... سَهْمٌ وتأمُرُني بها مَخْزومُ\rفاُغفِرْ فِدىً لك وَالِدايَ كِلاَهُما ... ذَنْبي فإنَّك رَاحِمٌ مَرْحُومُ\rوعَليكَ من أَثَر المَلِيكِ عَلامَةٌ ... نُورٌ أضَاءَ وخَاتَمٌ مَخْتُومُ\rمَضَتِ العَدَاوَةُ فَانْقَضَتْ أَسْبَابُهَا ... وَدَعَتْ أَوَاصِرُ بَيْنَنَا وحُلُومُ\rوحدثني ابن جعدبة قال: قدم ضرار بن الخطاب الفهري وعبد الله بن الزبعري المدينة أيام عمر بن الخطاب، فأتيا أبا أحمد بن جحش الأسدي - وكان مكفوفاً، وكان مألفاً يجتمع إليه ويتحدث عنده، ويقول الشعر - فقالا له: أتيناك لترسل إلى حسان بن ثابت فنناشده ونذاكره، فإنه كان يقول في الإسلام ويقول في الكفر.\rفأرسل إليه فجاء، فقال: يا أبا الوليد! أخواك تطربا إليك! ابن الزبعري وضرار، يذاكرنك ويناشدانك. قال: نعم، إن شئتما بدأت، وإن شئتما فأبديا! قالا: نبدأ. فأنشداه، حتى إذا صار كالمرجل يفور، قعدا على رواحلهما. فخرج حسان حتى تلقى عمر بن الخطاب، وتمثل ببيت ذكره ابن جعدبة لا أذكره، فقال عمر: وما ذاك؟ فأخبره خبرهما، قال: لا جرم، لا يفوتانك. فأرسل في إثرهما فردا. وقال لحسان: أنشدهما. فأنشد حاجته، قال: أكتفيت؟ قال: نعم قال: شأنكما الآن، إن شئتما فارحلا،وإن شئتما فأقيما.\rوكان أبو طالب شاعرا جيد الكلام، أبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي صلى الله عليه:\rوَأبْيَضُ يُسْتَسْقَي الغَمَامُ بِوَجْهِه ... ربيعُ اليَتَامَى عَصْمَةٌ للأَرَامِلِ\rوقد زيد فيها وطولت. ورأيت في كتاب يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مئة سنة: وقد علمت أن قد زاد الناس فيها، ولا أدري أين منتهاها. وسألني الأصمعي عنها، فقلت صحيحة جيدة! قال: أتدري أين منتهاها؟ قلت: لا! وأشعار قريش أشعار فيها لين، فتشكل بعض الإشكال.\rوأجمع الناس على أن الزبير بن عبد المطلب شاعر. والحاصل من شعره قليل، ومما صح عنه قوله:\rوَلَوْلا الُحْبشُ لَمْ تَلْبَسْ رِجَالٌ ... ثِيَابَ أَعِزَّةٍ حَتّى يَمُوتُوا\rوقال قوم: ولولا الحمس وليس هذا بشنئ، إنما هي الحبش يعني أنهم أخذوا ثيابهم ومتاعهم، وذاك حين جاؤوا يريدون هدم البيت، فرماهم الله، وكانت أم أيمن منهم، غنمتها قريش وهي أم أسامة بن زيد.\rوهذه الأبيات للزبير بن عبد المطلب.\rوقلت لخلف: من يقول؟:\rإذا كُنْتَ في حَاجَةٍ مُرْسِلاً ... فَأَرْسِلْ حَكِيماً ولا تُوصِهِ","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"قال: يقال للزبير بن عبد المطلب. فقلت: فالخليل يقول: هذا خطأ في بناء القوافي حين يقول:\rوَإِنْ بَابُ أَمْرٍ عَلَيْكَ الْتَوَى ... فشَاوِرْ لبيباً ولا تَعْصِهِ\rلقوله: \" ولا توصه \" كان يقول: لا يتفق هذا. فقال خلف: أخطأ الخليل، نراها جائزة.\rولأبي سفيان بن الحارث شعر كان يقوله في الجاهلية، فسقط ولم يصل إلينا منه إلا القليل.\rولسنا نعد ما يروي ابن إسحاق ولا لغيره شعرا، ولأن لا يكون لهم شعر، أحسن من أن يكون ذاك لهم.\rقال أبو سفيان:\rلَعَمْرُكَ إنَّي يَوْم أَحْمِلُ رَايةً ... لِتَغْلِبَ خيلُ الَّلات خَيْلَ مُحَّمدِ\rلكَالُمدْلِجِ الحَيْرَانِ أظْلَمَ لَيْلُه ... فهذا أَوَانُ حِينَ أَهْدي وَأهْتَدي\rهَدَاني هَادٍ غَيْرُ نَفْسي وقَادَنْي ... إلى الّله مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ\rقال فبلغني أن رسول الله صلى عليه قال له: أنت طردتني كل مطرد؟! كأنه ينكرها، يردد ذلك.\rوقال أبو سفيان في يوم أحد يرد على حسان بن ثابت - وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه أصابوا في عقب بدر عيرا لقريش فيها فضة، فكانوا تنكبوا بعد طريق الشام، وأخذوا طريق العراق - فقال حسان:\rدَعُوا فَلَجَاتِ الشَّامِ قَدْ حَالَ دُونَها ... جِلادٌ كأفواهِ المَخَاضِ الأوارِك\rبِأَيْدي رِجَالٍ هاجَرُوا نَحْوَ رَبِّهُم ... وأَنْصَارِهِ حَقاً وأَيْدي الملائِكِ\rإِذَا سَلَكَتْ حَوْرَانَ من أَرضِ عَالجٍ ... فَقُولا لَها: إنَّ الطَّرِيقَ هُنَالِكِ\rفلما كان يوم أحد، قال أبو سفيان بن الحارث يرد عليه:\rشَقِيتُمْ بِهَا وغَيْرُكُم أَهْلُ ذِكُرِهَا ... فَوَارِسُ من أَبْنَاءِ فِهْرِ بن مَالِك\rحَسِبْتُمْ جِلاد البِيضِ حَوْلَ بُيُوتِكُمْ ... كأَخْذِكُمُ في العِيرِ أَرْطَالَ آنُكِ\rفقال أبو سفيان بن حرب لأبي سفيان بن الحارث: يا ابن أخي، لم جعلتها آنك!! إن كانت لفضة بيضاء جيدة.\rويروي الناس لأبي سفيان بن الحارث، يقول لحسان:\rأبُوكَ أَبُو سَوْءٍ وخَالُكِ مِثْلُه ... ولَسْتَ بِخَيرٍ من أَبِيكَ وخَالِكا\rوَإنَّ أحقَّ النَّاس أنْ لا تَلُومَهُ ... عَلَى اللُّؤْمِ مَنْ أَلْفَى أبَاهُ كَذَلِكا\rفأخبرني أهل العلم من أهل المدينة: أن قدامه بن موسى ابن عمر بن قدامة بن مظعون الجمحي قالها ونحلها أبا سفيان. وقريش ترويه في أشعارها، تريد بذلك الأنصار والرد على حسان.\rوكان ضرار بن الخطاب بن مرداس، من محارب بن فهر، من ظواهر قريش، وكان لا يكون بالبطحاء إلا قليلا. وكان جمع من حلفاء قريش ومراق كنانة ناسا، وكان يأكل بهم ويغير ويسبى ويأخذ المال.\rوالحارث بن فهر بطحاوية.\rوكان ضرار خرج في الجاهلية في ركب من قريش، فمروا ببلاد دوس، وهم يطالبون قريشا بدم أبي أزيهر - قتله هشام بن الوليد ابن المغيرة - فثاروا بهم وقتلوا فيهم. ودوس تدعى شيئا كثيرا من القتلى، وليس ذلك بمعلوم. فقاتلهم ضرار، ثم لجأ إلى امرأة منهم يقال لها: أم غيلان - مقينة تقين العرائس، يقال إنها مولاة لهم - فأدخلته بين درعها وجلدها، ودافعت عنه هي وبناتها، وصرخت ببنيها فجاءوا، فخرج معهم ضرار فجالد أشد الجلاد، فقالت أم غيلان: ما رأيت شدة أفكل أقرب إلى حسن جلاد منه. وقال ضرار:\rجَزَى الّلهُ عَنَّا أمَّ غَيْلانَ صَالحاً ... ونِسوَتَها إذْهُنَّ شُعْثٌ عَوَاطِلُ\rفَهُنَّ دفَعْنَ الموتَ بَعْدَ اقْتِرابِه ... وقَدْ ظَهَرَتْ لِلثَّائرينَ مَقَاتِلُ\rفَجَرَّدْتُ سَيْفي ثم قُمْتُ بَنصْلِه ... وعَنْ أَيِّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسي أُقَاتِلُ\rولقي ضرار بن الخطاب يوم أحد عمر بن الخطاب في الجولة التي جالها المسلمون، وكان قد آلى يومئذ أن لا يقتل قرشيا، فضربه بعارضة سيفه، وقال: انج يا ابن الخطاب! فضرب الدهر ما ضرب، وولى عمر بن الخطاب، فسمعت أم غيلان بذكر ابن الخطاب فظنته ضرارا، فقدمت عليه فقال لها قوم: قدمت وهو غائب! فأتت عمر فأخبرته بالذي جاءت له، فأثابها.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"وحدثني أبان الأعرج بحديثها، فقال: جاءت فلقيت ضرارا فقالت: قد عرفت بلائي ويدي، وقد وليت ما وليت. قال: ما أعرفني بذلك! ولست أنا بالذي تولى ما توهمت، ذاك عمر بن الخطاب، ولئن كان لك عندي يد وبلاء، إن لي عنده ليدا وبلاء - يعني بلاءه يوم أحد - فاذهبي بنا إليه. فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين! هذه أم غيلان، وقد عرفت ما كان من أمرها، سمعت بولايتك فظنتني الوالي، فأتتني تطلب النوال. قال: فتريد ماذا؟ قال: تعجل عطائي فأكافئها به. فأعطاها نصف عطائه، ونصف عطاء عمر.\rوكان ضرار على بني محارب يوم الفجار.\rوكان أبو عزة شاعرا، وكان مملقاً ذا عيال، فأسر يوم بدر كافرا، فقال: يا رسول الله، إني ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن على صلى الله عليك. فقال: على أن لا تعين على! - يريد شعره - قال: نعم. فعاهده وأطلقه، فقال:\rأَلا أَبْلِغَا عَنِّي النبَّي مُحَّمداً ... بأَنَّك حَقٌ والمَلِيكَ حَمِيدُ\rوأنْتَ اُمْرُؤٌ تَدْعُو إلى الرُّشْد والتُّقَى ... عَلَيْكَ من الّلهِ الكَرِيم شَهِيدُ\rوأنتَ امرُؤٌ بُوِّئْتَ فينا مَبَاءَةٌ ... لها دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وصُعُودُ\rوإنّك مَنْ حَارَبْتَهُ لَمُحَارَبٌ ... شَقِيٌّ ومَنْ سَالَمْتَهُ لسَعِيُد\rولكنْ إذا ذُكِّرْتُ بَدْراً وأَهْلَها ... تَأَوَّبُ ما بي حسرةٌ وتَعُودُ\rفلما كان يوم أحد، دعاه صفوان بن أمية بن خلف الجمحي - وهو سيدهم يومئذ - إلى الخروج، فقال: إن محمدا قد من على وعاهدته أن لا أعين عليه. فلم يزل به، وكان محتاجا، فأطعمه، والمحتاج يطمع. فخرج فسار في بني كنانة فحرضهم، فقال:\rيَا بَني عَبْدِ مَنَاةَ الرُّزَّامْ ... أَنْتُمْ حُمَاةٌ وأبُوكمْ حامْ\rلا تَعِدُوني نَصْرَكم بَعْدَ العَامْ ... لاَ تُسْلِمُوني لاَ يَحِلُّ إسْلامْ\rأنا أبو خليفة، أنا ابن سلام، قال، حدثني أبان بن عثمان - وهو قول ابن إسحاق - أن أبا عزة أسر يوم أحد، فقال: يا رسول الله من على! فقال النبي عليه السلام: لا يلسع المؤمن من جحر مرتين. وقال أبان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعت محمدا مرتين! فقتله.\rفذكرت ذلك لابن جعدبة فقال: ما أسر يوم أحد هو ولا غيره، ولقد كان المسلمون يومئذ في شغل عن الأسر، ولم ينكر قتله، وكان ينكر قتل النضر بن الحارث في يوم بدر صبرا، فقال: أصابته جراحة فارتث منها، وكان شديد العداوة، فقال: لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا ما دمت في أيديهم، فمات.\rفأخبرت أبي - سلاما - بقول ابن جعدبة في أبي عزة فقال: قد قيل إن النبي صلى الله عليه لم يقتل أحد صبرا إلا عقبة بن أبي معيط يوم بدر.\rقال ابن جعدبة: برص أبو عزة بعد ما أسن، وكانت قريش تكره الأبرص وتخالف العدوى، فكانوا لا يؤاكلونه ولا يشاربونه ولا يجالسونه، فكبر ذلك عليه، فقال: الموت خير من هذا! فأخذ حديدة وصعد إلى جبل حراء يريد قتل نفسه، فطعن بها في بطنه،فضعفت يده لما وجد مسها، فمارت الحديدة بين الصفاق والجلد، فسال ماء أصفر، وذهب ما كان به. فقال:\rلا هُمَّ رَبَّ وَائِلٍ ونَهْدِ ... والتَّهَمَاتِ والجِبَالِ الجُرْدِ\rورَبَّ مَنْ يَرْمي بَيَاضَ نَجْدِ ... أصبحْتُ عَبْداً لك وابنَ عَبْدِ\rأبرأتَني من وَضَحٍ بِجلْدِي ... من بَعْدِ ما طَعَنْتُ في مَعَدّي\rالمعد: موضع رجلي الراكب من الفرس وكان هبيرة بن أبي وهب شاعرا من رجال قريش المعدودين، وكان شديد العداوة لله ولرسوله، فأخمله الله ودحقه، وهو الذي يقول في يوم أحد:\rقُدْنَا كِنَانةَ من أَكْنَافِ ذي يَمَنٍ ... عَرْضَ البِلاَد على ما كان يُزْجِيها\rقَالَتْ كِنَانة: أَنَّي تَذْهَبُونَ بِنا؟ ... قُلْنَا: النَّخِيلَ! فأَمُّوها ومَا فِيهَا\rوله شعر كثير وحديث.\rشعراء الطائف","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"قال ابن سلام: وبالطائف شعر وليس بالكثير، وإنما كان يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء، نحو حرب الأوس الخزرج، أو قوم يغيرون ويغار عليهم. والذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم نائرة، ولم يحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان. وأهل الطائف في طرف، ومع ذلك كان فيهم: أبو الصلت بن أبي ربيعة.\rوابنه أمية بن أبي الصلت، وهو أشعرهم.\rوأبو محجن عمرة بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي.\rوغيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف.\rوكنانة بن عبد يا ليل.\rوكان أبو الصلت يمدح أهل فارس حين قتلوا الحبشة، في كلمة قال فيها:\rللّه درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا\rبيضا مرازبة غرا جحاجحة ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا\rلا يرمضون إذا حرت مغافرهم ... ولا ترى منهم في الطعن ميالا\rمن مثل كسرى وسابور الجنودلة ... أومثل وهرز يوم الجيش إذ صالا\rفاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دار منك محلالا\rواضطم بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا\rتلك المكارم لا تعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا\rوكان أمية بن أبي الصلت كثير العجائب، يذكر في شعره خلق السموات والأرض، ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء، وكان قد شام أهل الكتاب.\rأنا ابن سلام قال، فحدث سفيان وابن دأب: أن أمية مر بزيد بن عمرو بن نفيل، أخي عدي بن كعب، وكان قد طلب الدين في الجاهلية هو وورقة بن نوفل. فقال له أمية: يا باغي الخير، هل وجدت؟ قال: لا. قال: ولم أوت من طلب. قال: أبي علماء أهل الكتاب إلا أنه منا أو منكم أو من أهل فلسطين.\rوناح أمية على قتلى بدر فقال:\rماذا ببدر فالعقن ... قل من مرازبة جحاجح\rهلا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولي الممادح\rوقال أمية:\rوما يبقى على الحدثان غفر ... بشاهقة له أم رؤوم\rتبيت الليل حانية عليه ... كما يخرمس الأرخ الأطوم\rتصدى كلما طلعت لنشز ... وودت أنها منه عقيم\rالغفر: ولد الوعل. والأرخ: ولد البقرة. ويخرمس: أي يتصمت. والأطوم: الضمام بين شقتيه.\rومدح أمية عبد الله بن جدعان التيمي، فقال:\rأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إن شيمتك الحياء\rكريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء\rوأرضك كل مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لهم سماء\rقال ابن سلام: وأنشدنيها أبو بكر بن محمد بن واسع السلمي وأنشدنيها أيضا أبو بكر، وذكرتها لخلف فعرفها.\rوقال أمية:\rعطاؤك زين لامرئ بذل وجهه ... بخير وما كل العطاء يزين\rوليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين\rنا ابن سلام قال: وذكر عيسى بن عمر عن بعض أهل الطائف، عن أخت أمية بن أبي الصلت، قالت: إني لفي بيت فيه أمية نائم، إذا أقبل طائران أبيضان فسقطا على السقف، ففرح السقف فسقط أحدهما عليه، فشق بطنه وثبت الآخر مكانه. فقال الأعلى للأسفل: أوعى؟ قال: أقبل؟ قال: أبي - ويقال قال: زكا. قال: خسا - فرد عليه قبله وطار، والتأم السقف. قالت: فلما استيقظ قلت: له يا أخي! أحسست شيئا. قال: لا! وإني لأجد توصيبا، فما ذاك؟ فأخبرته. قال: يا أخية! أنا رجل أراد الله بي خيرا فلم أقبله. قالت: فلما مرض مرضته التي مات فيها، قالت: فإني عنده، إذ نظر إلى السماء وشق بصره ثم قال:\rلبيكما لبيكما ... ها أناذا لديكما\rلا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو قوة فأنتصر. ثم أغمي عليه، ثم شق بصره ونظر، وقال:\rلبيكما لبيكما ... هاأنا ذا لديكما\rوقال: لا ذو عشيرة تحميني، ولا ذو مال يفديني. ثم أغمي عليه، فقلنا: قد أودى! ثم شق بصره ونظر إلى السماء فقال:\rلبيكما لبيكما ... هاأنا ذا لديكما\rبالنعم محفود، من الذنب مخضود. ثم أغمي عليه، ثم شق بصره وقال:","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما\rثم أغمي عليه، ثم أفاق فقال:\rليتني كنت قبل ما قد بد لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا\rكل عيش وإن تطاول دهرا ... قصره مرة إلى أن يزولا\rثم خفت فمات.\rقال ابن سلام: وأبو محجن رجل شاعر شريف. وكان قد غلب عليه الشراب، فضرب فيه مرارا، ثم حبسه سعد بالقادسية في القصر معه، والناس يقتتلون، فجال المسلمون جولة وهو ينظر، فقال:\rكفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا على وثاقيا\rإذا قمت غناني الحديد وأغلقت ... مصاريع من دوني تصم المناديا\rوقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحدا لا أخاليا\rأريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب ما تزداد إلا تماديا\rوكان مقيداً يومئذ عند زبراء، أم ولد سعد بن أبي وقاص، فقال لها: أطلقيني، فلك الله، لئن فتح الله على المسلمين وسلمت، لأرجعن حتى أضع رجلي في القيد. فأطلقته، وحملته على، فرس لسعد، فأخذ الرمح فخرج فقاتل، فحطم المشركين، وكان سبب الهزيمة. فقال سعد: لولا إن أبا محجن محبوس لقلت: الفارس أبو محجن! فلما فتح الله على المسلمين رجع إلى محبسه،فقال له سعد: لا ضربتك في الخمر أبدا. قال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدا.\rقال ابن سلام: ولغيلان بن سلمة شعر، وهو شريف. وكان قسم ماله كله بين ولده، وطلق نساءه. فقال له عمر: إن الشيطان قد نفث في روعك أنك ميت، ولا أراه إلا كذلك، لترجعن في مالك، ولتراجعن نساءك، أو لآمرن بقبرك أن يرجم كما يرجم قبر أبي رغال. ففعل.\rشعراء البحرين\rقال ابن سلام: وفي البحرين شعر كثير جيد وفصاحة، منهم: المثقف، وهو عائذ بن محصن بن ثعلبة بن واثلة بن عدي بن عوف بن دهن بن عذرة بن منبه بن نكرة - وهي القبيلة - ابن لكيز بن أفصى بن عبد القيس. وإنما سمي المثقف لبيت قاله:\rرددن تحية وكنن أخرى ... وثقبن الوصاوص للعيون\rوقال أيضا:\rظعائن لا توفي بهن ظعائن ... ولا الثاقبات من لؤي بن غالب\rولا ثعلبيات حللن عباعبا ... لا أسرة القعقاع من رهط حاجب\rوتميم تنشد:\rولا نهشليات أبوهن دارم ... ولا أسرة القعقاع من رهط حاجب\rوالمثقف العبدي هو الذي يقول:\rأفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألتك أن تبيني\rولا تعدي مواعد كاذبات ... تمر بها رياح الصيف دوني\rفإني لو تخالفني شمالي ... عنادك ما وصلت بها يميني\rإذا لقطعتها ولقلت: بيني! ... كذلك أجتوي من يجتويني\rإذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين\rتقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني؟\rأكل الدهر حلا وارتحالا؟ ... أما يبقى على ولايقيني!!\rفأبقى باطلي والجد منها ... كدكان الدرابنة المطين\rوهذه الأبيات بعض القصيدة، وإنما انتخبنا أجودها أبياتاً.\rومنهم: الممزق العبدي، واسمه: شأس بن نهار بن أسود، وإنما سمي الممزق ببيت قاله:\rفإن كنت مأكولا فكن خيرا آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق\rقال: وبلغني أن عثمان بن عفان بعث به إلى علي بن أبي طالب رحمة الله عليهما ورضي عنهما، حين بلغ منه وألح عليه.\rومنهم: المفضل بن معشر بن أسحم بن عدي بن شيبان بن سود بن عذرة بن منبه بن نكرة. فضلته قصيدته التي تقول لها: \" المنصفة \" وأولها:\rألم تر أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق\rوقد اختلف في القائل:\rهل للفتى من بنات الدهر من واقي؟ ... أم هل له من حمام الموت من راقي!\rورجلوني وما رجلت من شعث ... وألبسوني ثيابا غير أخلاق\rورفعوني وقالوا: أيما رجل! ... وأدرجوني كأني طي مخراق\rوأرسلوا فتية من خيرهم حسبا ... ليسندوا في ضريح الترب أطباقي\rخفض عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"ولا أعرف باليمامة شاعراً مذكوراً.\rشعراء يهود\rوفي يهود المدينة وأكنافها شعر جيد، منهم: السموال بن عادياء، من أهل تيماء، وهو الذي كان امرؤ القيس استودعه سلاحه، فسار إليه الحارث بن أبي شمر الغساني فطلبه، فأغلق الحصن دونه. فأخذ ابنا له خارجا من القصر، وقال: إما أن تؤدى إلى السلاح، وإما أن أقتله. قال: أقتله، فلن أؤديها. ووفى فضرب به الأعشى المثل، فقال:\rكن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار\rبالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار\rإذا سامه خطتي خسف فقال له: ... قل ما تشاء فإني سامع حار\rفقال: ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار\rفشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك إني مانع جاري\rوالسموأل بن عادياء يقول في كلمة له طويلة:\rإن حلمي إذا تغيب عني ... فاعلمي أنني عظيما رزيت\rضيق الصدر بالخيانة لا ين ... قض فقري أمانتي ما حييت\rكم فظيع سمعته فتصامم ... ت وغي تركته فكفيت\rليت شعري! وأشعرن إذا ما ... قربوها منشورة فقريت!\rألى الفضل أم على إذا حوس ... بت؟ إني على الحساب مقيت\rميت دهر قد كنت ثم حييت ... وحياتب رهن بأن سأموت\rومنهم الربيع بن أبي الحقيق، من بني النضير، وهو الذي يقول:\rسائل بنا خابر أكفائنا ... والعلم قديلفى لدى السائل\rلسنا إذا جارت دواعي الهوى ... واستمع المنصت للقائل\rواعتلج القوم بألبابهم ... بقابل الجور ولا الفاعل\rإنا إذا نحكم في ديننا ... نرضى بحكم العادل الفاصل\rلا نجعل الباطل حقا ولا ... نلط دون الحق بالباطل\rنخاف أن نسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل\rويروى: فنحمل الذم مع الحامل وكعب بن الأشرف، وهو من طيء، وأمه من بني النضير. وكان في أخواله سيدا، وبكى قتلى بدر، وشبب بنساء رسول الله صلى الله عليه ونساء المسلمين فأمر رسول الله صلى الله عليه محمد بن مسلمة ورهطا معه من الأنصار بقتله، فقتلوه. وهو يقول في كلمة:\rرب خال لي لو أبصرته ... سبط المشية أباء أنف\rلين الجانب في أقربه ... وعلى الأعداء سم كالذعف\rولنا بئر رواء جمة ... من يردها بإناء يغترف\rونخيل في تلاع جمة ... تخرج التمر كأمثال الأكف\rوصرير في محال خلته ... آخر الليل أهازيج بدف\rوشريح بن عمران، الذي يقول في كلمته:\rآخ الكرام إن استطع ... ت إلى إخائهم سبيلا\rواشرب بكأسهم وإن ... شربوا بها السم الثميلا\rأأسيد إن مال ملك ... ت فسر به سيرا جميلا\rأأسيد إن المال لا ... يبكي إذا فقد الخليلا\rإن الكريم إذا تؤا ... خيه وجدت له فضولا\rوسعية بن العريض، القائل في كلمة له:\rبل ليت شعري حين أندب هالكا ... ماذا يؤبنني به أنواحي؟\rأيقلن: لا تبعد فربت كربة ... فرجتها بيسارة وسماح\rومغيرة شعواء يخشى درؤها ... يوما رددت سلاحها بسلاح\rولرب مشعلة يشب وقودها ... أطفأت حد رماحها برماح\rوكتيبة أدنيتها لكتيبة ... ومضاعن صبحت شر صباح\rوإذا عمدت لصخرة أسهلتها ... أدعو بأفلح مرة ورباح\rلا تبعدن فكل حي هالك ... لا بد من تلف فبن بفلاح\rإن امرأ أمن الحوادث جاهلا ... ورجا الخلود كضارب بقداح\rولقد أخذت الحق غير مخاصم ... ولقد دفعت الضيم غير ملاح\rوأبو القيس بن رفاعة، وهو يقول في قصيدته:\rإذا ذكرت أمامة فرط حول ... ولو بعدت محلتها غريت\rأكلفها ولو بعدت نواها ... كأني من تذكرها حميت","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"طليح لا يؤوب إلى جسمي ... كأني سم عاضهة سقيت\rوذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيت\rوسيفي صارم لا عيب فيه ... ويمنعني من الرهق النبيت\rمتى ما يأت يومي لا تجدني ... بمالي حين أتركه شقيت\rألين لهم وأفديهم بنفسي ... مقارشة الرماح إذا لقيت\rوأرهن في الحوادث كف بكري ... لجاري في العظيمة إن دهيت\rأراه ما أقام على حقا ... شريكي في بلادي ما بقيت\rوأبو الذيال، يقول في كلمة أولها:\rهل تعرف الدار خف ساكنها ... بالحجر فالمستوى إلى الثمد؟\rدار لبهنانة خدلجة ... تبسم عن مثل بارد البرد\rأثت فطالت حتى إذا اعتدلت ... ما إن يرى الناظرون من أود\rفيها فأما نقا فأسفلها ... والجيد منها لظبية الجرد\rلا الدهر فان ولا مواعدها ... تأتي فليت القتول لم تع؟د؟\rوعدا محاصيله إلى خلف ... ذاك طلاب التضليل والنكد؟؟؟!\rهيفاء يلتذها معانقها ... بعد علال الحديث والنجد\rتمشي إلى نحو بيت جارتها ... واضعة كفها على الكبد\rنعم شعار الفتى إذا برد اللي ... ل وآضت كواكب الأسد\rكأن ماء الغمام خالطة ... راح صفا بعد هارد الزبد\rوالمسك والزنجبيل على به ... أنيابها بعد غفلة الرصد\rدع ذا ولكن بل رب عاذلة ... لو علمت ما أريد لم تعد\rهبت بليل تلوم في شرب ال ... خمر وذ كر الكواعب الخرد\rفقلت: مهلا فما عليك أن أم ... سيت غويا غيي ولا رشدي\rإني لمستيقن لئن لم أمت ... مل يوم إني إذن رهين غد\rهل نحن إلا كمن تقدمنا ... منا؟ ومن تم ظمؤه يرد\rنحن كمن قد مضى وما إن أرى ... شحا يزيد الحريص من عدد\rفلا تلومنني على خلقي ... واقني حياء الكريم واقتصدي\rودرهم بن زيد، يقول:\rهجرت الرباب وجاراتها ... وهمك بالشوق قد يطرح\rيمانية نازح دارها ... تقيم بغمدان لا تبرح\rلعمر أبيك الذي لا أهي ... ن إني لأعطي وأستفلح\rوأدلج بالقوم شطر الملو ... ك حتى إذا خفق المجدح\rأمرت صحابي لكي ينزلوا ... فناموا قليلا وقد أصبحوا\rأجدوا سراعا فأفضى بهم ... سراب بدؤية أفيح\rطبقات الشعراء الإسلاميين\rعشر طبقات: كل طبقة أربعة رهط متكافئين معتدلين.\rالطبقة الأولى\rجرير بن عطية بن الخطفي، واسم الخطفي حذيفة، بن بدر ابن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع.خطفه بيت قاله:\rيرفعن لليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنان وهاما رجفا\rوعنقاً، بعد الرسيم، خيطفا\rوالفرزدق، واسمه همام، بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. وإنما سمي الفرزدق لأنه شبه وجهه بالخبزة، وهي فرزدقة .\rوالأخطل، واسمه غياث، بن غوث بن الصلت بن طارقة ابن السيحان بن عمرو بن فدوكس بن عمرو بن مالك بن جشم بن بكر ابن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب. خطله قول كعب بن جعيل له: إنك لأخطل يا غلام! وراعي الإبل، واسمه عبيد بن حصين بن جندل بن قطن ابن ظويلم بن ربيعة بن عبد الله بن الحارث بن نمير. سمي راعي الإبل، لكثرة صفته للإبل وحسن نعته لها، فقالوا: ما هذا إلا راعي الإبل! فلزمته .\rفاختلف الناس فيهم أشد الاختلاف وأكثره. وعامة الاختلاف، أو كله،في الثلاثة ومن خالف في الراعي قليل، كأنه آخرهم عند العامة .\rسمعت يونس بن حبيب يقول: ما شهدت مشهداً قط ذكر فيه جرير والفرزدق، فأجمع أهل ذلك المجلس على أحدهما.\rوكان يونس يقدم الفرزدق بغير إفراط، وكان المفضل الراوية يقدمه تقدمة شديدة.\rوأخبرني أبو قيس العنبري ، عن عكرمة بن جرير: أن جريراً قال: نبعة الشعر الفرزدق.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"وقال ابن دأب، وسئل عنهما فقال: الفرزدق أشعر عامة، وجرير أشعر خاصة .\rوكان الأشهب بن رميلة يفاخر الفرزدق، فكان الفرزدق يذكر فقيماً مع بني نهشل، فاستعدوا عليه زياداً، فهرب من زياد.\rفحدثني جابر بن جندل الفزاري قال: أتى الفرزدق عيسى بن خصيلة السلمي فقال: يا أبا خصيلة، إن هذا الرجل قد أخافني، وقد لفظني جميع من كنت أرجو . قال: فمرحباً يا أبا فراس. فكان عنده ليالي، ثم قال له: إني أريد أن أخرج إلى الشام. فقال له: إن قمت ففي الرحب والسعة، وإن شخصت فهذه ناقة أرحبية أمتعك بها وألف درهم . فركب الناقة وخرج من عنده ليلاً وأرسل معه عيس بن خصيلة من أجازه من البيوت ، فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث، فقال يمدحه:\rتَخَطَّى بِيَ البَهْزِيُّ حُمْلاَنَ مَنْ أَبَىمن النَّاسِ،والجَاني تُخافُ جَرَائِمُهْ\rفَتَى الجُودِ عِيسَى والمكارمِ والعُلَى، ... إذا المالُ لم تَرْفَعْ بَخيلاً كرَائِمُهْ\rومَنْ كانَ يا عِيسَى يُؤَنِّبُ ضَيْفَهُ، ... فَضَيْفُكَ مَحْبُورٌ هَنِيٌّ مَطَاعِمُهْ\rوقَالَ: تَعَلَّمْ أَنَّها أَرْحَبِيَّةٌ، ... وأنّ لَها الَّليلَ الَّدِي أنْتَ جَاشِمُهْ\rفَأَصْبَحْتُ، والمُلْقَى وَرَائي وحَنْبَلٌ،ومَا صَدَرَتْ حتّى عَلاَ النَّجْمَ عَاتِمُهْ\rتَزَاوَرُ عَن أَهْلِ الحُفَيْرِ، كأَنَّها ... ظَلِيمٌ تَبَارَيِ جُنْحَ ليلٍ نَعائِمُهْ\rرَأَتْ بَيْنَ عَيْنَيْها رُوَيَّةَ، وانْجَلىلَهَا الصُّبْحُ عن صَعْلٍ أَسِيلٍ مَخَاطِمُهْ\rوقال أيضاً فيه:\rتَدَارَكَنيِ أَسْبَابُ عِيسَى من الرَّدَى، ... ومن يَكُ مَوْلاهُ فليْسَ بِوَاحِدِ\rنَمَتْهُ النَّواصِي من سُلَيْمٍ إلى العُلَى، ... وَأَعْرَاقُ صِدْقٍ بين نَصْرٍ وخالِدِ\rسَأُثْنِي بما أَوْلَيْتنِي وأَرُبُّه،إِذَا القَوْمُ عَدُّوا فَضْلَهُمْ في المَشَاهِدِ\rفلما بلغ زياداً شخوصه، أتبعه على بن زهدم الفقيمي فلم يلحقه، فقال الفرزدق:\rفَإِنَّكَ لوْ لاَقَيْتَنِي يَا ابْنَ زَهْدَمٍ ... لأُبْتَ شَعُاعِيّاً على شَرِّ تِمْثَالِ\rفأتى بكر بن وائل فأجاروه، فأمن ، فقال:\rوقَدْ مَيَّلَتْ بَيْنَ المَسيِرِ، فَلَمْ تَجِدْ ... لِعَورْتِها كالحَيِّ بَكْر بن وَائِلِ\rوسَارتْ إلى الأحْفَارِ خَمْساً، فَأصْبَحَتْ ... مَكَانَ الثُّرَيَّا مِنْ يَدِ المُتنَاوِل\rوالحصن: ثعلبة بن عكابة، أبو شيبان وقيس وذهل وتيم .\rفأتى من وجهه ذلك سعيد بن العاص بالمدينة، وهو واليها ، فمدحه وعنده الحطيئة وكعب بن جعيل، فآمنه سعيد، فبلغه أن زياداً قال: لو أتاني لآمنته وأعطيته. فقال في كلمة:\rدَعَانِي زِيادٌ للعَطاء، ولَمْ أَكُنْ ... لآِتِيَهُ، ما سَاقَ ذُو حَسَبٍ وَفْرَا\rوعِنْد زيادٍ، لو يُريدُ عَطاءَهُم، ... رِجالٌ كثيرٌ قد يَرَى بِهِمُ فَقْرَا\rقُعُودٌ لَدَى الأبْوَاب: طَالبُ حَاجَةٍ ... عَوانٍ من الحاجَاتِ، أو حاجةٍ بكْرَا\rفَلمَّا خَشِينَا أَن يكُونَ عَطَاؤُهُ ... أَدَاهِمَ سُوداَ أو مُحَدْرَجَةً سُمْرَا\rنَمَيْتُ إلى حَرْفٍ أَضَرَّ بِنَيِّهاسُرِى البِيدِ واسْتِعْراضُهَا البَلَدَ القَفْرَا\rيَؤُمُّ بها الآفَاقَ مَنْ لاَ يَرى لَهُ ... لَدَى ابنِ أبي سُفْيان جَاهاً ولا عُذْرَا\rفلما اطمأن عند سعيد قال:\rأَلاَ مَنْ مُبْلغٌ عَنّي زِياداً ... مُغَلْغَلِةً يَخُبُّ بها بَرِيدُ\rبِأَنِّي قد فَرَرْتُ إلَى سَعيدٍ ... ولا يُسْطَاعُ ما يَحْوِي سَعِيدُ\rفَرَرْتُ إليهِ مِن لَيْثٍ هِزَبْرٍ ... تَفَادَى مِنْ فَريسَتِه الأُسُودُ\rفإن شِئْتُ انْتَسَبْتُ إلى النَّصَارَى ... وناسَبنَي وناسَبْتُ اليَهودُ\rوإن شِئْتُ انتَسَبْتُ إلى فُقَيْمٍ ... وناسَبَني وناسَبْتُ القُرودُ\rوأَبْغَضُهُم إليَّ بَنُو فُقَيْمٍ ... ولكنْ سَوْف أَ فْعَلُ ما تَكِيدُ","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"وكان يدخل على القيان بالمدينة، فقال في قينة :\rإذَا شِئْتُ غَنَّانِي من العَاجِ قَاصِفٌ ... على مِعْصَمٍ رَيَّانَ لَمْ يَتَخَدَّدِ\rلِبَيْضَاءَ منْ أَهْلِ المدِينةِ، لم تَعِشْ ... ببُؤْسٍ، ولَم تَتْبَع حَمُولَةَ مُجْحِدِ\rنَعِمْتُ بها لَيْلَ التِّمامِ، فلم يَكَدْيُرَوِّي اسْتِقَائي هَامَةَ الحائِم الصَّدِى\rوَقامتْ تُخَشِّينِي زِياداً، وَأَجْفَلتْ ... حَوَاليَّ في بُرْدٍ يَمَانٍ ومُجْسَدِ\rفقلْتُ: دَعِيني منْ زِيادٍ فإنَّني ... أَرى الموْتَ وقَّافاً عَلَى كُلِّ مَرْصَدِ\rوقال:\rأَلَمْ يَأْتِه أنِّي تَخَلَّلُ ناقَتِي ... بنَعْمَانَ أَطْرافَ الأَرَاكِ النَّواعِمِ\rمُقيَّدَةً تَرْعَى الأَرَاكَ، ورَحْلُها ... بمكَّةَ مُلْقىً عَائِذٌ بالمَحارِمِ\rفَدَعْني أَكُنْ، ما كُنْتُ حَيًّا، حَمَامَةًمن القَاطِنَات البَيْتَ غَيرِ الرَّوَائِمِ\rفأنشدها زياد فرق له، وقال عند ذلك: لو أتاني لآمنته.\rوفي ذلك يقول البكري :\rلَيالِي تَمنَّى أَنْ تكُونَ حَمامةً ... بمكَّةَ يُؤْوِيكَ السِّتَارُ المُحَرَّمُ\rفلما هلك زياد، رثاه مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو ابن عمرو بن عدس الدارمي ، فقال:\rرَأَيْتُ زِيادةَ الإسْلامِ وَلَّتْ ... جِهَراً حين وَدَّعَها زِيادُ\rفقال الفرزدق:\rأَمِسْكِين، أَبْكى الله عَيْنَكَ، إِنَّما ... جَرَى في ضَلاَلٍ دَمْعُها فَتحدَّرَا\rبَكَيْتَ امْرَأً فَظّاً غَليظاً مُبَغَّضاً ... ككِسْرَى، عَلَى عِدَّائِهِ، أوْ كقَيْصَرَا\rأَقُولُ لَهُ، لمَّا أَتاني نَعِيُّهُ: ... بِهِ لا بِظَبْيٍ بالصَّرَائِمِ أَعْفَرَا\rفأجابه به مسكين فقال، وهي أبيات:\rأَلا أَيُّها المَرْءُ الَّذِي لَسْتُ قائماًولا قَاعَداً في القَوْم إلآَّ انبَرَى لِيَا\rفَجِئْنِي بِعَمٍّ مِثْلِ عَمِّيَ، أوْ أَبٍ ... كَمِثْل أَبِي، أو خَالِ صِدْقٍ كَخَالِيَا\rكَعْمرِو بْن عمرٍو، أَوْ زُرَارَةَ ذِي النَّدىأَوِ البِشْرِ، من كُلٍّ فَرَعْتُ الرَّوابِيَا\rالبشر: يعني خاله من النمر بن قاسط.\rوقد مدحه مسكين فقال:\rشُرَيْحٌ فارسُ النُّعْمانِ عَمِّي، ... وخالِي البِشْرُ بِشْرُ بَنِي هِلاَلِ\rوقاتِلُ خَالِهِ بِأَبيهِ مِنّا: ... سَمَاعَةُ، لم يَبِعْ حَسَباً بمَالِ\rحدثني الحكم بن محمد، قال: كان تميم بن زيد، رجلاً من قضاعة، من بلقين، فكان على الهند، وفي جيشه رجل يقال له: خنيس أو حبيش، طالت غيبته على أهله، فأتت أمه قبر غالب بكاظمة، فأقامت عليه حتى علم الفرزدق مكانها. ثم أتته فطلبت إليه، فكتب إلى تميم بن زيد:\rفَهَبْ لِي حُبيْشاً، وَاتَّخِذْ فيهِ مِنَّةً ... لِغُصَّةِ أُمّ ما يَسُوغُ شَرَابُها\rأَتَتْني فَعاذَتْ، يا تَمِيمُ، بِغلِبٍ ... وبالحُفْرَةِ السَّافِي عَلَيْهِ تُرَابُها\rتَميِمَ بن زَيْد، لا تكُونَنَّ حَاجَتيِ ... بظَهْرٍ، فلاَيَخْفَى عَلَيْك جَوَابُها\rفلما أتاه كتابه لم يدر: أخنيس أم حبيش، وفي جيشه عدة: خنيس وحبيش، فأطلقهم جميعاً له.\rأبو يحيى الضبي قال: ضرب مكاتب لبني منقر قبة على قبر غالب، فقدم الناس على الفرزدق فأخبروه أنهم رأوا على قبر غالب بناء، ثم قدم عليه وهو بالمربد فقال :\rبقَبْرِ ابنِ لَيْلَى عُذْتُ بَعْدَمَاخَشِيتُ الرَّدَى، أَوْ أَنْ أُرَدَّ عَلَى قَسْرِ\rفأَخْبرَني قَبْرُ ابنِ لَيْلَى فَقالَ لِي: ... فِكاكُكَ أَنْ تَلْقَى الفَرَزدقَ بالمِصْر\rفقال الفرزدق: صدق أبي، أنخ أنخ. ثم طاف له في الناس، فجمع له مكاتبته وفضلا .\rوكان ذو الأهدام - وهو نفيع، أحد بني جعفر بن كلاب - توثب على الفرزدق فهجاه، فجاءت أمه إلى قبر غالب فعاذت به، فقال الفرزدق:\rنُبِّئْتُ ذَا الأَهْدَامِ يَعْوِي، ودُونَهُ ... مِنَ الشَّام زَرَّاعاتُها وقُصُورُها\rعَلَى حِينِ لم أتْرُكْ مِنَ الأَرْضِ حَيَّةً ... ولاَ نابِحاً إلاّ اسْتَسَرَّ عَقُورُهَا","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"كِلاَبٌ نبَحْنَ اللَّيْثَ منْ كلِّ جانبٍ ... فعادَ عُوَاءٍ نَبحٍ هَريُرهَا\rعَجُوزٌ تُصَلِّي الخَمْسَ عَاذَتْ بغَالبٍ ... فَلاَ وَالّذِي عَاذَتْ بهِ لا أضِيرُهَا\rلَئِنْ نافِعٌ لم يَرْعَ أرْحَامَ أُمِّه ... وكانتْ كدَلْوٍ لا يَزالُ يُعِيرُهَا\rلَبِئْسَ دَمُ المَوْلُود مَسَّ ثِيَابَها ... عَشِيَّةَ نَادَي بِالغُلاَمِ بَشيرُهَا\rوإِنِّي عَلَى إِشْفَاقِها من مَخافتي، ... وَإنْ عَقَّها بِي نَافِعٌ، لمُجيرُهَا\rوَلَو أنَّ أُمَّ النَّاسِ حَوَّاءَ حَارَبتْ ... تَميمَ بن مُرٍ، لم تَجِدْ من يُجِيرُهَا\rويقال: إن هذا البيت ليس فيها.\rقال: قدم الفرزدق من اليمامة، ودليله رجل من بلعنبر، فضل به، فقال:\rوما نَحنُ، جَارتْ صُدُروُ رِكابِنا، ... بأَوَّلِ مَنْ غَرّتْ دِلالةُ عاصِم\rأرادَ طَرِيقَ العُنْصَليْنِ، فَياسَرَتْ ... بهِ العِيسُ في وَادِي الصُّوَى المُتَشَائِمِ\rوكيفَ يَضِلُّ العَنْبَرِيُّ بِبَلْدَةٍ ... بها قُطِّعَتْ عَنْهُ سُيُورُ التَّمائمِ\rوجَاءَ بجُلْمُودٍ لَهُ مثلِ رَأْسِهِ ... لِيَشْرَبَ ماءَ القَوْمِ بَيْنَ الصَّرَائمِ\rفلَمَّاتَصَافَنَّا الإدَاوَةَ أجْهَشَتْ ... إلَىَّ غُضُونُ العَنْبَرِيِّ الجُرَاضِمِ\rفَآثَرْتُه، لَمَّا رَأيْتُ الَّذِي بِهِ ... مِن الشَّرِّ أخْشَى لاَحقَاتِ المَلاَوِمِ\rعَلَى سَاعةٍ، لَوْ أنّ في القومِ حَاتماً ... عَلَى جُودِه، ضَنَّتْ به نَفْسُ حَاتِم\rفأجابه عاصم:\rوكَيْفَ يَضِلُّ الحَنْظَلِيُّ ببَلْدَةٍ ... بهَا وَلَدَتْهُ أُمُّه غَيرَ قائمِ\rوزَوْرَاءَ ناءٍ ماؤُها من فَلاَتِها ... كَفَيْنا سُرَاها القَيْنْ والقَيْنُ نائِمُ\rسرَينْا بهِ لَيْلَ التَّمامِ، فَصَبَّحَتْ ... بهِ العِيسُ مَروْىً من جِمَامِ الخَضَارِمِ\rوأنشد يونس للفرزدق حين طلق النوار:\rنَدِمْتُ نَدَامةَ الكُسَعِيِّ لَمَّا ... مَضَتْ مِنِّي مُطَلَّقةً نَوَارُ\rوَكانَتْ جَنَّةً فَخَرجْتُ مِنْهَا، ... كآدَمَ حِينَ أخْرَجهُ الضِّرَارُ\rوَكُنْتُ كَفَاقِئٍ عَيْنَيْه عَمْداً ... فأصْبَحَ مَا يُضِئُ به النَّهَارُ\rوَلَوْ ضَنَّتْ يَدَايَ بهَا ونَفْسِي ... لَكَان عَلىَّ لِلقَدَرِ الخِيَارُ\rومَا فَاَرْقتُها شِبَعاً، ولكِنْ ... رأيْتُ الدَّهرَ يَأْخُذُ ما يُعارُ\rوكان خالد بن عبد الله القسري حبس الكميت بن زيد، أبا المستهل، الأسدي، فحدثني سلام أبو المنذر القاري: أن خالداً حبس الكميت بن زيد، وكان قال لخالد:\rفَإنّي وتَمْدَاحِي يَزيدَ وخالِداً ... ضَلاَلاً، لَكالحادِي ولَيْسَ لَهُ إِبْلُ\rفكانت أم المستهل تدخل عليه، حتى عرف أهل السجن وبوابوه ثيابها وهيئتها. فدخلت عند غفلة منهم، فلبس ثيابها وتهيأ بهيئتها، ثم خرج، فقال:\rخَرَجْتُ خُروجَ القِدْحِ قِدْحِ ابن مُقْبلِعَلَى الرَّغْمِ منْ تِلك النَّوابِح والمُشْلِى\rعلَىَّ ثيابُ الغَانياتِ، وتَحْتَها ... عَزِيمةُ أَمْرٍ أشْبَهَتْ سَلَّةَ النَّصْلِ\rولذلك قالت القيسية لهشام، حين كلموه في أمر الفرزدق حين حبسه خالد: كلما كان في مضر ناب أو شاعر حبسه. يعنون الكميت والفرزدق.\rوأخبرنا يونس، قال: لما قدم المهدي، أتاه ابن الكميت مدلاً بطول مدح الكميت بني هاشم، فقال له المهدي: أليس أبوك الذي يقول:\rفالآنَ صِرْتُ إلَى أُمَيَّةَ،والأُمُورُ لها مَصَائِرْ\rاذهب فليس لك عندنا شيء.\rوقال الفرزدق يعاتب قومه:\rجَزَى اللهَ عَنِّي في الخُطُوب مُجَاشعاً ... جَزَاءَ كَرِيمٍ عَالمٍ كَيْفَ يَصْنَعُ\rيُرِقُّونَ عَظْمِي ما اسْتطَعُوا، وإِنَّني ... أَشِيدُ لَهُمْ بُنْيَانَ مَجْدٍ وأرْفَعُ","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"وإنِّي لَتَنْهَانِي عنِ الجَهْلِ فيهمُ، ... إِذا كِدْتُ، خَلاَّتٌ من الحِلْم أَرْبَعُ\rحَيَاءٌ، وبُقْيَا، وانتظارٌ، وأَنَّنِي ... كريمٌ، فأُعْطِي ما أشَاءُ وَأمْنَعُ\rفإنْ أعفُ أسْتَبْقِي ذُنُوبَ مُجاشعٍ ... فإنَّ العَصَا كانَتْ لِذي الحِلْمِ تُقْرَعُ\r؟أخبرني أبو يحيى الضبي قال: لما هرب الفرزدق من زياد حين استعدى عليه بنو نهشل في هجائه إياهم، أتى سعيد بن العاص - وهو على المدينة أيام معاوية - فاستجاره فأجاره، وعنده الحطيئة وكعب بن جعيل التغلبي، فأنشده الفرزدق مدحته إياه التي يقول فيها: ؟تَرَى الغُرَّ الجَحَاجِحَ من قُرَيْشٍ إذَا ما الأمْرُ فِي الحَدَثَانِ عَالاَ\rبَنِي عَمِّ النَّبِي، ورَهْطَ عمرٍو، ... وعُثْمَانَ الأُلى غَلَبُوا فَعالاَ\rقِياماً يَنْظُرُونَ إلى سَعيدٍ ... كأنَّهُمُ يَرَوْنَ بهِ هِلاَلاَ\rفقال الحطيئة: هذا والله هو الشعر، لا ما تعلل به منذ اليوم أيها الأمير، فقال له كعب بن جعيل: فضله على نفسك ولا تفضله على غيرك. قال: بل والله أفضله على نفسي وعلى غيري. يا غلام أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك. ثم قال له الحطيئة: يا غلام لئن بقيت لتبرزن علينا. يا غلام، أنجدت أمك؟ قال: لا، بل أبي. يريد الحطيئة: إن كانت أمك أنجدت فإني أصبتها فأشبهتني. فألفاه لقن الجواب .\r؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟فنعاه عليه الطرماح حين هجاه ، فقال:\rفاَسأَلْ قُفَيْرَةَ بالمَرُّوتِ: هَلْ شَهِدَتْسَوْطَ الحُطَيْئَةِ بَيْنَ السَّجْفِ والنَّضَدِ؟\rأمْ كان في غَالِبٍ شِعْرٌ، فيُشْبِهُهُ ... شِعْرُ ابْنِها، فيُقالَ: الشِّعْرُ من صَدَدِ؟\rجَاءَتْ به نُطْفَةً من شَرِّ ما اتَّسَقَتْ ... مِنْهُ، إلى شَرِّ وَادٍ شُقَّ فيَ بَلَدِ\rقال: وأول شعر قاله الفرزدق، أن بني فقيم خرجوا يطلبون دماً لهم في قوم، فصالحوا منه على دية، فقال حين رجعوا:\rلَقَدْ آبَتْ وُفُدُ بني فُقَيْمٍ ... بآلَمِ ما تَؤُوبُ به الوُفُودُ\rفشكوه إلى أبيه واستعدوه منه، فقال: هو أوغد من ذاك، ليته يقول شعراً فقال الفرزدق:\rتَعذَّرْتُ من شَتْمِ العَشيرةِ مُؤْلِياً ... وَلا بُدَّ للمَظنونِ أَنْ يتَعَذَّرَا\rفلما سمعه أبوه قال: أنت صاحب الأول ؟ وكان يرعى غنماً لأهله - يعني في صغره - فذهب الذئب منها بكبش، فقال:\rتَلُومُ على أنْ صَبَّحَ الذِّئبُ ضَأْنَها ... فألْوَى بكَبْشٍ وَهْوَ في الرِّعْيِ رَاتِعُ\rوقدْ مَرَّ حَوْلٌ بعد حوْلٍ وأشهُرٌ ... بِعَوْصٍ عَلَيهِ، وَهْوَ ظَمْآنُ جَائِعُ\rفلَمَّا رَأى الإقْدامَ حَزْماً، وأنَّه ... أَخُو الموْتِ مَنْ سُدَّتْ عليهِ المَطَالِعُ\rأَغارَ عَلَى خوْفٍ وصَادَف غِرَّةً ... فَلاقَى الَّتي كانتْ عَليها المَطَامِعُ\rومَا كُنْتُ مِضْيَاعاً، ولكنّ هِمَّتي ... سِوَى الرَّعْيِ مَفْطُوماً ومُذأَنَا يافِعُ\rأَبيِتُ أَسُومُ النَّفْسَ كلَّ عَظيمةٍ، ... إذَا وُطِّنَتْ للمُكْثِرِين المَضَاجِعُ\rفكان ذلك أول ما علم به من شعره وكان راعي الإبل يفضله، وفي ذلك هجاه جرير.\rحدثني أبو بكر محمد بن واسع، وعبد القاهر بن السري السلميان قالا: كان منا - من بني حرام بن سمال - شويعر هجا الفرزدق، فأخذناه فأتيناه به فقلنا، ها هو ذا بين يديك، فإن شئت فاضرب، وإن شئت فاحلق، لا عدوى عليك ولا قصاص، قد برئنا إليك منه. فخلى عنه وقال:\rفمنْ يَكُ خائفاً لأَذَاةِ شِعْرِي ... فقد أَمِن الهِجَاءَ بنو حَرَامِ\rهُمُ قَادُوا سَفِهَهُمُ، وخافُوا ... قَلائِدَ مثلَ أطْوَاقِ الحمامِ\rوحدثني عبد القاهر السلمي قال: مر الفرزدق بمجلس بني حرام، ومعنا عنبسة مولى عثمان بن عفان، وهو جد عبد الكريم ابن روح، فقال: ياأبا فراس، متى تذهب إلى الأخرة قال: وما حاجتك إلى ذلك يا أخي قال: أكتب معك إلى أبي قال: أنا لا أذهب إلى حيث أبوك، أبوك في النار، أكتب إليه مع دبالويه واصطفانوس .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"حدثني عمر بن السكن الصريمي قال: مر الفرزدق ببني ربيع، وهو على بغلة، فوقف عليهم وفيهم ابن محكان، شاعرهم، وقد كان قال: من الفرزدق؟ غضباً لبني منقر حين هجاهم الفرزدق، وكان قال:\rسِوَى أنَّ أعْرافَ الكَوادِنِ مِنْقراً ... قَبِيلةُ سَوْءٍ بارَ في النَّاسِ سُوقُهَا\rوأعْيَبُ مَا فِي المِنْقَرِيَّةِ أنَّها ... شَدِيدٌ ببَطْنِ الحَنْظَليِّ لُزُوقُهَا\rرَأَتْ قَوْمَهَا سُوداً قِصَاراً، وأَبْصَرَتْفَتىً حَنْظَلِيّاً، كاَلهِلالِ، يَرُوقُهَا\rوقال الفرزدق يهجو ربيعاً:\rكأَنَّ رُبَيْعاً مِنْ عَمَايَةِ مِنْقَر ... أَتَانٌ دَعَاهَا، فاسْتَجَابَتْ، حِمَارُهَا\rتُرَجِّي رُبَيْعٌ أنْ يَجِئَ صِغَارُها ... بخَيْرٍ، وقَدْ أعْيَى رُبَيْعاً كِبارُهَا\rفلما قال البعيث لجرير:\rتُرَجِّى كُلَيبٌ أن يَجِئَ حديثُهَا ... بخَيْرٍ، وقَد أعْيَى كُلَيْباً قَدِيمُهَا\rقال الفرزدق:\rإذَا مَا قلْتُ قَافِيةً شَرُوداً ... تَنَحَّلَهَا ابنُ حَمْرَاءِ العِجَانِ\rفقال عمر بن سكن في حديثه: فقال له بنو ربيع: مرحباً بسيدنا وشاعرنا قال: أير البغل في حرم سيدكم ؟! يعني ابن محكان.\rحدثني أبو الغراف قال: أتى الفرزدق عبد الله بن مسلم الباهلي، فثقل عليه الكثير، وخشيه في القليل، وعنده عمرو بن عفري الضبي، راوية الفرزدق، وقد كان جرير هجاه لروايته للفرزدق، فقال:\rوَنُبِّئْتُ جَوَّاباً وسَكْناً يَسُبُّنِي ... وعَمْرَو بن عِفْرَى، لا سَلاَمٌ على عَمْرٍو\rفقال عمرو بن عفري لعبد الله بن مسلم، وهو الذي يلقب الفقير: لا يهولنك أمره، أنا أرضيه عنك! بدون ما كان هم له به، فأعطاه ثلاث مئة درهم، فقبلها ورضي. ثم بلغه صنيع ابن عفري فقال:\rتَفَوَّقْتَ مالَ الباهِليِّ، كأنّما ... تَهِرُّ عَلَى المَالِ الَّذي أنْتَ كاسِبُهْ\rفَلو كُنْتَ ضَبِّيّاً صَفَحْتُ، ولو سرَتْ ... عَلَى قَدَمِي حَيّاتُهُ وعقَارِبُهْ\rوَلكنْ دِيَافيٌّ أَبُوهُ وَأُمُّهُ ... بحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقارِبُهْ\rفقال له ابن عفري - وأتاه في نادي قومه - : أجهد جهدك، فهل هو إلا هذا؟ فو الله لا أدع لك مساءة إلا أتيتها، ولا تأمرني بشيء إلا اجتنبته، ولا تنهى عن شيء إلا ركبته. فقال: إنك لا تدوم! إنك ترجع! فأكد عليه فقال: فاشهدوا أني أنهاه أن يفعل بأمه كذا وكذا.\rحدثني شعيب بن صخر قال: تزوج ذبيان بن أبي ذبيان العدوي، من بلعدوية، مولاة لهم، فدعا الناس في وليمته، فدعا ابن أبي شيخ الفقيمي فألفى الفرزدق عنده، فقال: يا أبا فراس، انهض فقال: إنه لم يدعني! فقال: إن ذبيان يؤتى وإن لم يدع. ثم قال: لا تخرج من عنده إلا بجائزة. فقام معه، فلما دخل على ذبيان قال:\rكَم قال لِي ابنُ أبِي شَيْخٍ وقلتُ لَه: ... كيفَ السَّبيلُ إلى مَعْرُوفِ ذُبيْانِ؟\rإِنّ القَلُوصَ إذا أَلْقَتْ جَآجِئَها ... بِمِثْل بابِكَ لم تَرْحَلْ بِحِرمْانِ\rقال: أجل يا أبا فراس، فادخل! فدخل فأعطاه ثلاث مئة درهم.\rوحدثني أبو بكر المدني قال: قدم الفرزدق المدينة، فوافق بها موت طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري، وكان سيداً سخياً شريفاً، فقال: يا أهل المدينة، أنتم أذل قوم! قالوا: وما ذاك يا أبا فراس؟ قال: غلبكم الموت على طلحة حتى أخذه من بينكم.\rقال: وأتى مكة، فأتى عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وهو سيد أهل مكة يومئذ، وليس عنده نقد حاضر، وهو يتوقع عطيته وعطية ولده. فقال: والله يا أبا فراس، ما وافقت عندنا نقداً، ولكن عروضاً إن شئت، فإن عندنا وصفاء فرهة، فإن شئت أخذتهم. قال: نعم فأرسل إليه بوصفاء من بنيه وبني أخيه، وقال: هم لك عندنا إلى أن تشخص. وجاءه العطاء فأخبره الخبر، وفداهم. فقال الفرزدق، ونظر إلى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان سيداً، يطوف بالبيت يتبختر:\rتَمْشِي تَبَخْتَرُ حَوْلَ البَيْتِ مُنْتَحِياًلَوْ كُنْتَ عَمْرَو بنَ عبدِ الله لم تَزِدِ","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"وتزوج الفرزدق النوار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي، فادعت عليه طلاقاً ، ونازعته........ حتى قدمت على ابن الزبير في خلافته، وأتبعها، واتهم رجلاً من قومه يعينونها، فقال الفرزدق:\rأطَاعَت بَنِي أُمِّ النُّسَيْرِ، فأصْبَحَتْ ... عَلَى قَتَبٍ يَعْلُو الفَلاَةَ دَلِيلُها\rتَأَمَّلْ أمِيرَ المُؤْمِنينَ، فَإِنَّها ... مُوَلِّهةٌ يُوهِي الحِجَارَةَ قِيلُها\rفلجأت إلى أم هاشم بنت منظور بن زبان الفزاري،امرأة ابن الزبير، ولجأ الفرزدق إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير، وأمه تماضر بنت منظور، فكان حمزة إذا أصلح شيئاً من أمر الفرزدق، قلبت أم هاشم رأي عبد الله إلى النوار، فقال الفرزدق:\rأَمَّا البَنُونَ فلمْ تُقْبَلْ شَهَادتُهُمْ، ... وشُفِّعَتْ بنتُ مَنْظورِ بنِ زَبَّانَا\rلَيْسَ الشَّفِيعُ الذِي يَأتِيكَ مُنَّزراًمِثْلَ الشَّفِيعِ الَّذِي يأتِيكَ عُرْيَانَا\rأخبرني إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، عن أبيه قال، قال له ابن الزبير: ما حاجتك بها وقد كرهتك! كن لها أكره، وخل سبيلها، فخرج وهو يقول: ما أمرني بطلاقها إلا ليثب عليها! فبلغ ذلك ابن الزبير، فخرج وقد استهل هلال ذي الحجة، ولبس ثياب الإحرام يريد البيت ليحرم، فألفى الفرزدق بباب المسجد عند الباعة، فأخذ بعنقه فغمزها، حتى جعل رأسه بين ركبتيه فقال:\rأَلاَ أَصْبحَتْ عِرْسُ الفَرَزْدقِ نَاشِزاًولَوْ رَضِيتْ رُمْحَ اسْتِهِ لاَسْتَقَرَّتِ\rوالبيت لجعفر بن الزبير، فيما ذكر عبد الله بن مصعب.\rوكان الفرزدق إذا أصاب دراهم أتى بها النوار، فتحرز بعضها وتعطيه يعضها، وكانت مسلمة تأله، فكانت تزعم أنه طلقها، ويجحدها، فاحتاج يوماً فقالت: أعطيك كذا وكذا درهماً على أن تشهد على طلاقي الحسن قال: نعم. فاعطته. فقال: أيها الشيخ، إني قد طلقت النوار. قال: قد سمعنا ما قلت. فلما حضرها الموت أوصته، وهو ابن عمها، أن يصلي عليها الحسن، فأخبره فقال: إذا فرغتم فأعلموني.وأخرجت، وجاء الحسن فسبقهم الناس، فانتظروهما، فأقبلا والناس ينظرون، قد استبطؤوهم. فقال الحسن: ما للناس؟ فقال الفرزدق: يرون خير الناس وشر الناس! قال: لست بخير الناس ولست بشرهم! وقال له الحسن، وهو على قبرها: ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ سبعون سنة.\rحدثني عامر بن أبي عامر - وهو صالح بن رستم الخراز - قال: أخبرني أبو بكر الهذلي، قال: إنا لجلوس عند الحسن، إذ جاء الفرزدق يتخطى حتى جلس إلى حنبه، فجاء رجل فقال: يا أبا سعيد! الرجل يقول في كلامه: لا والله، بلى والله! ولا يريد اليمين! فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ فقال الحسن: ما كل ما قلت سمعوا!، وما قلت؟ قال: قلت:\rولَسْتَ بمأخُوذِ بشَيءٍ تَقُولْهُ ... إذَا لم تَعَمَّدْ عَافِداتِ العزائِمِ\rقال: ثم لم يلبث أن جاء رجل آخر فقال: يا أبا سعيد! إنا نكون في هذي المغازي، فنصيب المرأة لها زوج، أفيحل غشيانها ولم يطلقها زوجها؟ فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ قال الحسن ما كل ما قلت سمعوا! فما قلت في ذلك؟ قال: قلت:\rوذَاتِ حَليلٍ أَنْكَحتْنَا رِمَاحُنا، ... حَلاَلاً لِمَنْ يَبْنِي بِها لم تُطَلَّقِ\rأخبرني محمد بن جعفر الزيبقي قال: أتى الفرزدق الحسن فقال: إني قد هجوت إبليس فاسمع. قال لا حاجة لنا فيما تقول. قال: لتسمعن أو لأخرجن فأقول للناس: الحسن ينهي عن هجاء إبليس. فقال الحسن: اسكت، فإنك عن لسانه تنطق.\rوقال رجل لابن سيرين: وهو قائم مستقبل القبلة يريد أن يكبر: أتوضأ من الشعر؟ فانصرف بوجهه فقال:\rأَلاَ أَصْبحَتْ عِرْسُ الفَرَزْدقِ نَاشِزاًولَوْ رَضِيتْ رُمْحَ اسْتِهِ لاَسْتَقَرَّتِ\rثم توجه إلى القبلة وكبر.\rأخبرني عبد الملك بن عبد العزيز الماجشوني، عن يحيى ابن زيد قال: دخل رجل على الحسن فسمعه يقول: والله الذي لا إله إلا هو لتموتن، والله الذي لا إله إلا هو لتبعثن. ثم قال: والله الذي لا إله إلا هو لتحاسبن. قال: فقلت: هذا حلاف! فخرجت من عنده، فأتيت ابن سيرين، فإذا عنده جرير ينشده ويحدثه، هذا صاحب باطل! فتركتهما، فندمت.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"حدثني شعيب بن صخر، عن محمد بن زياد - وكان في ديماس الحجاج زماناً، حتى أطلقه سليمان حين قام - قال: انتهيت إلى الفرزدق، وهو ينشد بمكة بالردم مديح سليمان بن عبد الملك، وهو يقول:\rوَكَمْ أطلقَتْ كَفَّاكَ من قَيْدِ بائسٍ، ... ومِنْ عُقْدَةٍ ما كان يُرْجَى انْحِلالُهَا\rكَثِيراً مِنَ الأَيْدِي الَّتي قدْ تَكَنَّعَتْوفَكَّكْتَ أعْنَاقاَ عَلَيْها غِلاَلُهَا\rفقلت: أنا والله أحَدُهم! قال: فأخَذَ بيدي وقال: أيّها الناس! سلوه، فو الله ما كذبت قط.\rوسمعت الحارث بن محمد بن زياد، قال: كتب يزيد بن المهلب حين فتح جرجان، إلى أخيه مدركة أو مروان: احمل الفرزدق ليقول في آثارنا، فإذا شخص فأعط أهله كذا وكذا. قال: أحسبه قال: عشرة آلاف درهم، فقال الفرزدق: ادفعها إلي. قال: اشخص وأدفعها إلى أهلك. فأبى، وخرج وهو يقول:\rدَعَانِي إلى جُرْجَانَ والرَّيُّ دونَهُ ... لآِتِيَهُ إنّي إِذَنْ لزَؤُورُ\rلآِتِيَ من آل المُهَلّبِ ذَائِراً ... بأعْرَاضِهمْ والدَّئراتُ تَدُورُ\rسَآبَى وتأْبَى لِي تَميمٌ ورُبَّما ... أبَيْتُ فلمْ يَقْدِرْ علىَّ أمِيرُ\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال: سمعت سلمة بن عياش قال: حبست في السجن، فإذا فيه الفرزدق - حبسه مالك بن المنذر بن الجارود - فكان يريد أن يقول البيت، فيقول صدره فأسبقه إلى القافية، ويجيء بالقافية فأسبقه إلى الصدر. قال لي: ممن أنت؟ قلت: من قريش. قال: كل أير حمار من قريش! من أيهم أنت؟ قلت: أفلا أخبرك بأذل منهم وألأم؟ قال: بلى! قلت: بنو مجاشع. قال: ويلك! ولم؟ قلت: أنت شاعرهم وسيدهم وابن سيدهم، جاءك شرطي مالك حتى أدخلك السجن، لم يمنعوك! قال: قاتلك الله! أنا أبو خليفة نا ابن سلام قال: فأنشدني يونس النحوي وعبد القاهر السلمي للفرزدق، حين عزل يزيد مسلمة عن العراق، بعد قتله يزيد بن المهلب، واستعمل عمر بن هبيرة:\rوَلَّتْ بمَسْلَمَةَ الرَّكابُ مُوَدَّعاً ... فَارْعَىْ فَزَارَةُ لاَ هَنَاكِ المَرْتَعُ\rفَسَدَ الزَّمَانُ وبُدِّلَتْ أعْلامُهُ ... حتَّى أُمَيَّةُ عن فَزَارَةَ تَنْزِعُ\rولَقَدْ علِمْتُ إِذَا فَزَارَةُ أُمِّرَتْ ... أَنْ سَوْفَ تَطْمَعُ في الإمارةِ أشْجَعُ\rولَخَلْقُ رَبِّكَ مَا هُمُ ولَمِثْلُهُمْ ... في مِثْلِ ما نالَتْ فَزَارةُ تَطْمَعُ\rتُزِعَ ابنُ بِشْرٍ وابنُ عمْرٍو قبلهُ ... وأخُو هَرَاةَ لِمِثْلها يتَوَقَّعُ\rابن بشر: عبد الملك بن بشر بن مروان، كان مسلمة أمره على البصرة. وابن عمرو: سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان على خراسان. وأخو هراة سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص .\rوقال إسماعيل بن عمار الأسدي، حين عزل ابن هبيرة وأمر خالد القسري:\rعَجِبَ الفرزْدَقُ من فَزَارةَ أنْ رَأى ... عَنْها أُمَيَّةُ في المَشَارِقِ تَنْزِعُ\rفلقد رَأَى عَجَباً وأُحْدِثَ بَعْدهُ ... أَمْرٌ تَطِيرُ لَه القُلُوبُ وتَفْزَعُ\rبَكَتِ المَنَابِرُ من فَزَارةَ شَجْوَها ... فاليَوْمَ من قَسْرٍ تَضِجُّ وتَجْزَعُ\rوبنُو أُمَيَّةَ أَضْرَعُونَا للعِدَى ... لِلهِ دَرُّ مُلُوكِنا! ما تَصْنَعُ؟\rكانُوا كتَاركةٍ بَيِنَها جَانباً ... سَفَهاً وغيْرَهُمُ تَصُونُ وتُرْضِعُ\rوقال قوم إن هذا البيت للفرزدق، ومن أنشده له قال:\rومُلُوكُ خِنْدِفَ أضْرَعُونَا للعِدَى\rويروى للفرزدق في ابن هبيرة:\rأَأَمِيرَ المُؤْمِنينَ! وأَنْتَ عَفٌّ ... كَريمٌ لَسْتَ بالطَّبِعِ الحَرِصِ\rأَوَلَّيْتَ العِراقَ ورَافِدَيْه ... فَزَارِيّاً أحذَّ يَدِ القَمِيصِ؟!\rتَفنَّقَ بِالِعرَاقِ أَبُو المُثَنَّى ... وعَلَّم أَهْلَهُ أَكْلَ الخَبيصِ\rوَلَمْ يَكُ قَبْلَها رَاعِي مَخَاضٍ ... لِيَأمَنَهُ على وَرِكَىْ قَلُوصِ\rوأنشدني له يونس:\rجهز فإنك ممتاز ومبتعث ... إلى فزارة عيراً تحمل الكمرا","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"إن الفزاري لو يعمى فأطعمه ... أير الحمار طبيب أبرأ البصرا\rإن الفزاري لا يشفيه من قرم ... أطايب العيرحتى ينهش الذكرا\rلما أتوه بما في القدر أنكره ... واسترجع الضيف لما أبصر الكمرا\rيقول لما رأى ما في إنائهم: ... لله ضيف الفزاريين ما انتظرا\rفلما قدم خالد بن عبد الله القسري والياً على ابن هبيرة حبسه في السجن، فنقب له سرب فخرج منه، فهرب إلى الشام، فقال فيه الفرزدق يذكر خروجه:\rلما رأيت الأرض قد سد ظهرها ... ولم تر إلا بطنها لك مخرجاً\rدعوت الذي ناداه يونس بعدما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا\rفأصبحت تحت الأرض قد سرت ليلة ... وما سار سار مثلها حين أدلجا\rخرجت ولم يمنن عليك شفاعة ... سوى ربذ التقريب من آل أعوجا\rأغر من اللحق اللهاميم إذ جرى ... جرى بك محبوك القرا غير أفحجا\rجرى بك عريان الحماتين ليلة ... به عنك أرخى الله ما كان أشرجا\rوما احتال محتال كحيلته التي ... بها نفسه تحت الصريمة أولجا\rوظلماء تحت الأرض قد خضت هولها ... وليل كلون الطيلساني أدعجا\rهما ظلمتا ليل وأرض تلاقتا ... على جامع من همه، ما تعرجا\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، حدثني جابر بن جندل قال، قيل لابن هبيرة: من سيد أهل العراق؟ قال: الفرزدق، هجاني ملكاً ومدحني سوقة.\rوقال لخالد بن عبد الله حين قدم العراق أمير لهشام:\rألا قطع الرحمن ظهر مطية ... أتتنا تخطي من دمشق بخالد\rكيف يؤم الناس من كانت أمه ... تدين بأن الله ليس بواحد\rبني بيعة فيها الصليب لأمه ... وهدم من كفر منار المساجد\rوقال أيضاً:\rنزلت بجيلة واسطاً فتمكنت ... ونفت فزارة عن قرار المنزل\rوقال:\rلعمري لئن كانت بجيلة زانها ... جرير لقد أخزى بجيلة خالد\rفلما قدم العراق أميراً، أمر على شرطة البصرة مالك ابن المنذر بن الجارود، فكتب إليه خالد: أن أحبس الفرزدق، فإنه هجا أمير المؤمنين بأبيات، قالها الفرزدق حين حفر خالد النهر الذي سماه المبارك:\rأهلكت مال الله في غير حقه ... على نهرك المشؤوم غير المبارك\rوتضرب أقواماً براء ظهورهم ... وتترك حق الله في ظهر مالك\rأإنفاقمال الله في غير كنهه ... ومنعاً لحق المرملات الضرائك\rوكان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر يدعى على مالك فرية، فأبطلها خالد.\rأنا أبو خليفة، نا محمد بن سلام، قال حدثني أبو يحيى، قال: قال الفرزدق لابنه لبطة وهو محبوس: اشخص إلى هشام. ومدحه بقصيدة. وقال لابنه: استعن بالقيسية ولا يمنعك منهم هجائي لهم، فإنهم سيغضبون لك. وقال:\rبكت عين محزون ففاض سجامها ... وطالت ليالي حادث لا ينامها\rفإن نبك لا نبكي المصيبات إذ أتى ... بها الدهر والأيام جم خصامها\rولكنما نبكي تنهك خالد ... محارم منا لا يحل حرامها\rأنقتل فيكم أن قتلنا عدوكم ... على دينكم والحرب باد قتامها\rفغير أمير المؤمنين فإنها ... يمانية حمقاء أنت هشامها\rقال: أنشدنيها أبو الغراف. فأعانته القيسية وقالوا: يا أمير المؤمنين! إذا ما كان في مضر ناب، أو شاعر، أو سيد، وثب عليه خالد فحبسه! وقال الفرزدق أبياتاً كتب بها سعيد بن الوليد الأبرش الكلبي وكلم له هشاماً:\rإلى الأبرش الكلبي أسندت حاجة ... تواكلها حياً تميم ووائل\rعلى حين أن زلت بي النعل زلة ... فأخلف ظني كل حاف وناعل\rفدونكم با أبن الوليد فإنها ... مفضلة أصحابها في المحافل\rودونكها يا ابن الوليد فقم بها ... قيام امرئ في قومه غير خامل\rفكلم له هشاماً فأمر بتخليته.\rفقال يمدح الأبرش:\rلقد وثب الكلبي وثبة حازم ... إلى خير خلق الله نفساً وعنصرا","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"إلى خير أبناء الخليفة لم يجد ... لحاجته من دونها متأخراً\rأبي حلف كلب في تميم وعقدها ... كما سنت الآباء أن يتغيرا\rوكان حلف قديم بين كلب وتميم في الجاهلية، وذلك قول جرير:\rتميم إلى كلب وكلب إليهم ... أحق وأولى من صداء وحميرا\rوقال الفرزدق:\rأشد حبال بين حيين مرة ... حبال أمرت من تميم ومن كلب\rوليس قضاعي لدينا بخائف ... ولو أصبحت تغلى القدور من الحرب\rوقال أيضاً:\rألم تر قيساً قيس عيلان شمرت ... لنصري وحاطتني هناك قرومها\rفقد حالفت قيس على الناس كلهم ... تميماً فهم منها ومنها تميمها\rوعادت عدوى إن قيساً لأسرتي ... وقومي إذا ما الناس عد صميمها\rقال محمد بن سلام، وحدثني عبد القاهر بن السري، قال: قال عمر بن يزيد بن عمير الأسيدي - وسمعت يونس يقول: ما كان بالبصرة مولد مثله - قال: دخلت على هشام بن عبد الملك، وعنده خالد بن عبد الله القسري يتكلم ويذكر اليمن وطاعتها، فأكثر في ذلك، فصفقت تصفيقة دوي البهو منها. فقلت: تا الله ما رأيت كاليوم خطلاً! والله إن فتحت فتنة في الإسلام إلا باليمن! لقد قتلوا أمير المؤمنين عثمان، ولقد خرج ابن الأشعث على أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وإن سيوفنا تقطر من دماء بني المهلب! فلما نهضت، تبعني رجل من بني مروان حضر ذاك، فقال: يا أخا تميم! وريت بك زنادي! قد شهدت مقالتك، واعلم أن أمير المؤمنين موليه العراق، وإنها ليست لك بدار.\rفلما ولى خالد استعمل على أحداث البصرة مالك بن المنذر، فكان لعمر مكرماً، ولحوائجه قضاء، إلى أن وجد عليه. وكان عمر لا يملك لسانه، فخرج من عنده وقد سأله حاجة فقضاها، فقال: كيف رأيت الفساء! سخرنا به منذ اليوم! وقال قائلون: إن خالداً كتب إليه فيه، فأخذه. وشهد عليه ناس من بني تميم وغيرهم، فضربه مالك حتى قتله تحت السياط.\rوكان عمرو بن مسلم الباهلي أعان عليه، وكانت حميدة بنت مسلم عند مالك بن المنذر. وأعان عليه بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة، وكان يخاصم هلال بن أحوز في المرغاب خصومة طويلة، وكان عمر يعين على بشير، فقال الفرزدق:\rلحا الله قوماً شاركوا في دمائنا ... وكنا لهم عوناً على العثرات\rفجاهرنا ذو الغش عمرو بن مسلم ... وأوقد ناراً صاحب البكرات\rيعني بشيراً.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام، قال حدثني خلاد بن يزيد، عن سلم بن قتيبة قال: رآني بشير بن عبيد الله وأنا أخاصم بعض أهلي وأنا شاب، فقال لي: يا ابن أخي! إني أراك ثبت المروءة، فإياك والخصومات، فإنها تذهب المروءة. فرأيته بعد ذلك يخاصم هلال ابن أحوز في المرغاب خصومة طويلة، فقلت له: أتذكر شيئاً قلته؟ قال: نعم! قلت: فما بالك تخاصم؟ قال: يا ابن أخي! إني أخاصم في عدل الخلافة، وأنت تخاصم في ضحضاح لا يواري أخمصك! وكانت عاتكة بنت الفرات بن معاوية البكائي، وأمها الملاءة بنت أوفى الحرشي، أخت زرارة، عند عمر بن يزيد، فخرجت إلى هشام، وأعانتها القيسة على مالك، فحمل مالك.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام، فحدثني محمد بن الحارث قال: قال له هشام: يا ابن اللخناء! قتلت سيدك! قال: أما إن أمي التي تلخن حملت أباك على ركائبه إلى الشام - يعني مروان، وكان لجأ أيام الجمل إلى المسامعة جريحاً، فداووه ثم حملوه. وأم مالك: بحرية بنت مالك بن مسمع - فألقي في السجن، وقد مرض وبه بطن، فمات في مرضه، فقال الفرزدق:\rستعلم عبد القيس إن ما زال ملكها ... على أي حال يستمر مريرها\rفأجابه النميري بقصيدة يقول فيها:\rوكان كعنز حين قامت لحتفها ... إلى مدية مدفونة تستشيرها\rوكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها\rوقال الفرزدق:\rتصرم مني ود بكر بن وائل ... وما كان مني ودهم يتصرم\rقوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأالقطر الإناء فيفعم\rفأجابه أبو العطاف:\rلعمري لئن كان الفرزدق عاتباً ... وأحدث صرماً للفرزدق أظلم","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"لقد وسطتك الدار بكر بن وائل ... وضمتك للأحشاء إذ أنت محرم\rليالي تمني أن تكون حمامة ... بمكة يؤويك الستار المحرم\rفإن تنأ عنا لا تضرنا وإن تعد ... تجدنا على العهد الذي كنت تعلم\rيعني حين هرب الفرزدق من زياد.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام، قال، وحدثني أبو العطاف قال: لقي الفرزدق شاب من أهل البصرة فقال: يا أبا فراس، أسألك عن مسألة؟ قال: سل. قال: أيهما أحب إليك، تسبق الخير أو يسبقك؟ قال: يا ابن أخي، لم تأل أن شددت، وأحببت أن لا تجعل لي مخرجاً، أفتجيبني أنت إن أجبتك؟ قال: نعم! قال: فاحلف. فغلط عليه، ثم قال: نكون معاً لا يسبقني ولا أسبقه، أسألك الآن؟ قال: نعم! قال: فأيما أحب إليك، أن ترجع الآن إلى منزلك فتجد امرأتك قابضة بكذا وكذا من رجل، أو تجد رجلاً قابضاً بكذا وكذا منها؟ وكان أبو العطاف شاعراً شتاماً، وهو القائل لعمروابن هداب:\rسموت إلى العلى وقصرت عنها ... فما بيني وبينك من عتاب\rقال ابن سلام، وأنشدني يونس للفرزدق:\rمن يأت عماراً ويشرب شربة ... يدع الصيام ولا تصلي الأربع\rكان الفرزدق أكثرهم بيتاً مقلداً. و \" المقلد \" : البيت المستغني بنفسه، المشهور الذي يضرب به المثل. فمن ذلك قوله.\rفيا عجباً حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع\rوكنا إذا الجبار صعر خده ... ضربناه حتى تستقيم الأخادع\rوقوله:\rليس الكرام بما نحيك أباهم ... حتى ترد إلى عطية تعتل\rوقوله:\rوكنت كذئب السوء لما رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدم\rوقوله:\rترجى ربيع أن يجئ صغارها ... بخير وقد أعيى ربيعاً كبارها\rوقوله:\rأكلت دوابرها الإكام فمشيها ... مما وجين كمشية الأطفال\rوقوله:\rقوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم\rوقوله:\rأحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنا إذا ما نجهل\rوقوله:\rفإن تنج منها من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجياً\rوقوله:\rوإنك إذ تسعى لتدرك دارماً ... لأنت المعني يا جرير المكلف\rوقوله:\rولو خير السيدي بين غواية ... ورشد أتى السيدي ما كان غاوياً\rوقوله:\rترى كل مظلوم إلينا فراره ... ويهرب منا جهده كل ظالم\rوقوله:\rترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أو مأنا إلى الناس وقفوا\rوقوله:\rفسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عز رأس خالد\rكذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطعن أحياناً مناط القلائد\rوقوله:\rأقول له، لما أتاني نعيه ... به لا بظبي بالصرائم أعفرا\rوكان يداخل الكلام، وكان ذلك يعجب أصحاب النحو. من ذلك قوله يمدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، خال هشام بن عبد الملك:\rوأصبح ما في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه\rوقوله:\rتالله قد سفهت أمية رأيها ... فاستجهلت سفهاؤها حلماؤها\rوقوله:\rألستم عائجين بنا لعنا ... نرى العرصات أو أثر الخيام\rفقالوا إن فعلت فأغن عنا ... دموعاً غير راقئة السجام\rوقوله:\rفهل أنت إن فاتت أتانك راحل ... إلى آل بسطام بن قيس فخاطب\rوقوله:\rفنل مثلها من مثلهم ثم دلهم ... على دارمي بين ليلى وغالب\rوقوله:\rتعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان\rوقوله:\rإنا وإياك إن بلغن أرحلنا ... كمن بواديه بعد المحل ممطور\rوقوله:\rبني الفاروق أمك وابن أروى ... به عثمان مروان المصابا\rوقوله:\rإلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره\rوقوله:\rإليك أمير المؤمنين رمت بنا ... هموم المنى والهوجل المتعسف\rوعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتاً أو مجلف\rوقوله:","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"ولقد دنت لك بالتخلب إذ دنت ... منها بلا بخل ولا مبذول\rوكأن لون رضاب فيها إذ بدا ... برد بفرع بشامة مصقول\rوقوله فيها لمالك بن المنذر:\rإن ابن جباري ربيعة مالكاً ... لله سيف صنيعة مسلول\rما زال من آل المعلي قبله ... سيف لكل خليفة ورسول\rوقوله:\rوالشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، حدثني أبي قال، قال لهما - أعني الفرزدق وجريراً - بعض الخلفاء: حتى متى لا تنزعان؟ فقال جرير: يا أمير المؤمنين، إنه والله يظلمني! قال: صدق! أنا أظلمه، ووجدت أبي يظلم أباه.\rقال: وحدثني أبو الغراف قال: دخل الفرزدق على بلال فقال له: أحججت يا أبا فراس؟ قال: نعم. قال: فما رأيت؟ قال رأيت شيخاً يطوف بالبيت آخذة امرأته بحجزته، خلفها ولدان لها وهو يقول:\rانت وهبت زائداً ومزيداً ... وكهلة أولج فيها الأجردا\rوهي تقول: إذا شئت! إذا شئت! فقلت له: ممن أنت يا شيخ؟ قال: أشعري. قال: كذبت! والله ما رأيت هذا، ولكن ائتفكتها من حينك.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، حدثني يونس قال: قدم الأحوص الشاعر فنزل على عمرو بن عبيد الأنصاري، فمر به الفرزدق فقال له: متى عهدك بالزنا يا أبا فراس؟ قال: مذ ماتت العجوز.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، حدثني أبو يحيى الضبي قال: بينما الفرزدق يسير، إذ مر برهط من بني كليب، فأخذوه فجاؤوه بأتان فقالوا له: إنك تعيرنا بالأتن، فوالله لا تريم حتى تنزو عليها. قال: دعوني لا أبا لكم! فأبوا عليه، قال: فهاتوا الصخرة التي كان يقوم عليها عطية! وقال الفرزدق حين صار إلى الحجاز ولجأ إلى سعيد:\rنمتك العرانين الطوال ولا أرى ... لفعلك إلا حامداً غير لائم\rفإلا تداركني من الله نعمة ... ومن آل حرب ألق طير الأشائم\rأخبرني أبو خليفة قال، حدثنا محمد بن سلام قال، قال الفرزدق وهو بالمدينة:\rهما دلتاني من ثمانين قامة ... كما اقض باز أقتم الريش كاسرة\rفلما استوى رجلاي في الأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره\rفقلت ارفعوا الأسباب لا يفطنوا بنا ... ووليت في أعجاز ليل أبادره\rأبادر بوابين قد وكلا بنا ... وأحمر من ساج تبص مسامره\rوأصبحت في القوم الجلوس وأصبحت ... مغلقة دوني عليها دساً كره\rقال: فأنكرت ذلك قريش عليه، وأزعجه مروان عن المدينة، وهو واليها لمعاوية، وأجله ثلاثاً فقال:\rيا مرو إن مطيتي محبوسة ... ترجوالحباء وربها لم ييأس\rوأتيتني بصحيفة مختومة ... أخشى على بها حباء النقرس\rألق الصحيفة يا فرزدق لا تكن ... نكداء مثلي صحيفة المتلمس\rوقال في ذلك:\rوأخرجني وأجلني ثلاثاً ... كما وعدت لمهلكها ثمود\rوذكر ذلك جرير في مناقضته إياه، فقال:\rوشبهت نفسك أشقى ثمود ... فقالوا ضللت ولم تهتد\rيعني تأجيل مروان له ثلاثاً. وقال فيه أيضاً جرير:\rتدليت تزنى من ثمانين قامة ... وقصرت عن باع العلى والمكارم\rوهما قصيدتان.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال: سألت بشاراً العقيلي عن الثلاثة، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه. فقلت: فجرير والفرزدق؟ قال: كان جرير يحسن ضروباً من الشعر لا يحسنها الفرزدق. وفضل جريراً عليه.\rوقال العلاء بن حريز العنبري - وكان قد أدرك الناس وسمع - قال: كان يقال: الأخطل إذا لم يجئ سابقاً فهو سكيت. والفرزدق لا يجئ سابقاً ولا سكيتاً، فهو بمنزلة المصلى، وجرير يجئ سابقاً وسكيتاً ومصلياً.","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"قال ابن سلام: وتأويل قوله، أن للأخطل خمساً أو ستاً أو سبعاً طوالاً روائع غرراً جياداً، هو بهن سابق، وسائر شعره دون أشعارهما، فهو فيما بقي بمنزلة السكيت - والسكيت: آخر الخيل في الرهان - . ويقال إن الفرزدق دونه في هذه الروائع، وفوقه في بقية شعره، فهو كالمصلي أبداً. والمصلي: الذي يجئ بعد السابق، وقبل السكيت. وجرير له روائع هو بهن سابق، وأوساط هو بهن مصل، وسفسافات هو بهن سكيت.\rقال ابن سلام: وأهل البادية والشعراء بشعر جرير أعجب.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، وأخبرني أبان بن عثمان الكوفي قال: سئل الأخطل عن جرير بالكوفة فقال: دعوا جريراً أخزاه الله، فإنه كان بلاء على من صب عليه. وذكر من قوله:\rما قاد من عرب إلى جوادهم ... إلا تركت جوادهم محسوراً\rأبقت مراكضتي الرهان مجرباً ... عند المواطن يرزق التيسيرا\rأخبرنا أبو خليفة، قال ابن سلام، قال مسلمة بن محارب بن سلم بن زياد: كان الفرزدق عند أبي في مشربة له، فدخل رجل فقال: وردت اليوم المربد قصيدة لجرير تناشدها الناس. فانتقع لون الفرزدق، قال: ليست فيك يا أبا فراس! قال: ففيمن؟ قال: في ابن لجأ التيمي.قال: أفحفظت منها شيئاً؟ قال: نعم، علقت منها ببيتين. قال: ما هما؟ قال:\rلئن عمرت تيم زماناً بغرة ... لقد حديت تيم حداء عصبصبا\rفلا يضغمن الليث عكلاً بغرة ... وعكل يشمون الفريس المنيبا\rفقال الفرزدق: قاتله الله! إذا أخذ هذا المأخذ لا يقام له! أنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال: أخبرني يونس قال: كان الفرزدق يتضور ويجزع إذا أنشد لجرير، وكان جرير أصبرهما.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، وأخبرني أبو البيداء الرياحي قال، قال الفرزدق: إني وإياه لنغترف من بحر واحد، وتضطرب دلاؤه عند طول النهر.\rقال ابن سلام: وذاكرت مروان بن أبي حفصة جريراً والفرزدق فقال: أحكم في الثلاثة بشعر، فإن الكلام يرويه كل قوم بأهوائهم. فقال:\rذهب الفرزدق بالفخار وإنما ... حلو الكلام ومره لجرير\rولقد هجا فأمض أخطل تغلب ... وحوى اللهى بمديحه المشهور\rكل الثلاثة قد أجاد فمدحه ... وهجاؤه قد سار كل مسير\rوسألت الأسيدي - أخا بني سلامة - عنهما فقال: بيوت الشعر أربعة: فخر، ومديح، ونسيب، وهجاء، وفي كلها غلب جرير، في الفخر في قوله:\rإذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا\rو في المدح قوله:\rألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\rوفي الهجاء قوله:\rفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلاباً\rوفي النسيب قوله:\rإن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا\rوإلى هذا يذهب اهل البادية.\rقال أبو عبد الله محمد بن سلام: وبيت النسيب عندي:\rفلما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله\rقلت للأسيدي: أما والله لقد أوجعكم يعني في الهجاء! فقال: يا أحمق، أو ذاك يمنعه أن يكون شاعراً! .\rأنا أبو خليفة، قال نا ابن سلام قال، قال أبو الغراف: كان الخطفي ذا إبل ومال، فلما ولد جرير لعطية كان ينحله من إبله وماله. فولد للخطفي صبية، فرجع فيما كان نحل جريراً، فقال:\rألا حي رهبي ثم حي المطاليا ... لقد كان مأنوساً فأصبح خاليا\rعفا الرسم إلا أن تذكر أو ترى ... ثماماً حوالي منصب الخيم باليا\rإذا ما أراد الحي أن يتحملوا ... وحنت جمال الحي حنت جماليا\rوإني لمغرور أعلل بالمنى ... غداة أرجى أن مالك ماليا\rوإني لعف الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض داري انتقاليا\rوليست لسيفي في العظام بقية ... وللسيف أشوى وقعة من لسانيا\rووفد جرير بعد ذلك إلى يزيد بن معاوية وهو خليفة، وجرير حدث، فأنشده:\rوإني لعف الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض داري انتقاليا\rقال: كذبت، ذاك جرير. قال: فانا جرير! قال: والله لقد فارق أمير المؤمنين معاوية الدنيا وهو يرى أن هذا البيت لي.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"أنا أبو خليفة قال، قال ابن سلام، أخبرني أبان بن عثمان البجلي قال: تنازع رجلان في عسكر المهلب في جرير والفرزدق - وهو بإزاء الخوارج - فصارا إليه وسألاه، فقال: لا أقول فيهما شيئاً - وكره أن يعرض نفسه - ولكن أدلكما على من يهون عليه سخطهما: عبيدة بن هلال اليشكري، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة، وهو يومئذ في عسكر قطري. فأتياه فوقفا حيال العسكر فدعواه، وخرج يجر رمحه، وظن أنه دعى للبراز، فقالا له: الفرزدق أشعر أم جرير؟ فقال: عليكما وعليهما لعنة الله! قالا: نحب أن تخبرنا ثم نصير إلى ما تريد. قال: من يقول؟:\rوطوى القياد مع الطراد بطونها ... طي التجار بحضرموت برودا\rقالا: جرير: قال. هو أشعرهما.\rانا أبو خليفة، نا محمد بن سلام قال، أخبرني أبو رجاء الكلبي قال: كان لأمامة، امرأة جرير، ابن أخ ذو إبل يقال له عضيدة، لقصر في يده، فلم تزل به امرأته حتى زوجه ابنته، فعتب عليه فقال:\rوغرتنا أمامة فافتحلنا ... عضيدة إذ تنخلت الفحول\rإذا ما كان فحلك فحل سوء ... خلجت النسل أو لؤم الفصيل\rانا أبو خليفة، أنا ابن سلام، أخبرنا أبو الغراف قال: دخل جرير على الوليد بن عبد الملك، وهو خليفة، وعنده عدي ابن الرقاع العاملي، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: هذا رجل من عاملة. قال: الذين يقول الله جل ثناؤه: \" عاملة ناصبة، تصلى نار حامية \" (سورة الغاشية 3،4)، ثم قال:\rيقصر باع العاملي عن العلى ... ولكن أير العاملي طويل\rفقال العاملي:\rأأمك كانت أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول؟\rفقال: لا، بل لم أدر كيف أقول. فوثب العاملي إلى رجل الوليد فقبلها وقال: أجرني منه. فقال الوليد لجرير: لئن سميته لأسرجنك ولألجمنك وليركبنك، فتعيرك بذلك الشعراء. فكنى جرير عن اسمه، واسمه عدي، فقال:\rإني إذا الشاعر المغرور حربني ... جار لقبر على مران مرموس\rقد كان أشوس أباء فأورثنا ... شغباً على الناس في أبنائنا الشوس\rأقصر فإن نزاراً لا يفاخرهم ... فرع لئيم وأصل غير مغروس\rوابنا نزار أحلاني بمنزلة ... في رأس أرعن عادي القداميس\rوابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، حدثني أبو يحيى الضبي قال: ورد البعيث المجاشعي على بني سليط بن يربوع، وكان ولدهم وولدوه، فشكوا إليه قهر جرير صاحبهم - يعني غسان السليطي - فقال البعيث:\rإذا يسرت معزي عطية وارتعت ... تلاعاً من المروت أحوى جميعها\rتعرضت لي حتى صككتك صكة ... على الوجه يكبو لليدين أميمها\rأليست كليب ألأم الناس كلهم ... وأنت إذا عدت كليب لئيمها\rوكانت أم البعيت أمة حمراء سجستانية، تسمي فرتنا، فكان يقال له: ابن حمراء العجان فهجاه جرير فثاوره، فضج إلى الفرزدق، والفرزدق يومئذ بالبصرة، وقد قيد نفسه وآلى لا يفك قيده حتى يقرأ القرآن فقال البعيث:\rلعمري لئن ألهى الفرزدق قيده ... ودرج نوار ذو الدهان وذو الغسل\rليبتعثن مني عداة مجاشع ... بديهة لأواني الجراء ولا وغل\rفقال جرير:\rجزعت إلى درجي نوار وغسلها ... فأصبحت عبداً ما تمر وما تحلى\rوعده الناس مغلوباً حين استغاث.\rقال، وقال الفرزدق: إني إن وثبت على جرير الآن حققت على البعيث الغلبة! ولكني كأني وثبت عليهما، فأدع البعيث وآخذ جريراً. فقالوا: الطبيب أطب! فقال:\rلود جرير اللؤم لو كان عانياً ... ولم يدن من زأر السود الضراغم\rوليس ابن حمراء العجان بمفلتي ... ولم يزدجر طير النحوس الأشائم!\rوإنكما قد هجتماني عليكما ... فلا تجزعا واستسمعا للمراجم\rوقال:\rدعاني ابن حمراء العجان ولم يجد ... له إذ دعا مستأخراً عن دعائيا\rفنفست عن أنفيه حتى تنفسا ... وقلت له لا تخش شيئاً ورائيا\rفلما استطار كل واحد منهما في صاحبه، قال البعيث:","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"أشاركتني في ثعلب قد أكلته ... فلم يبق إلا رأسه وأكارعه\rفدونك خصييه وما ضمت استه ... فإنك رمام خبيث مراتعه\rقال: وسقط البعيث بينهما.\rولج الهجاء نحواً من أربعين سنة، لم يغلب واحد منهما على صاحبه. ولم يتهاج شاعران في الجاهلية ولا الإسلام بمثل ما تهاجيا به وأشعارهما أكثر من أن نأتي عليها، ولكنا نكتب منها النادر.\rوقال الفرزدق لجرير:\rغلبتك بالمفقئ والمعنى ... وبيت المحتبى والخافقات\r\" المفقئ \" ، قوله:\rولست ولو فقأت عينك واجداً ... أبا لك إن عد المساعي كدارم\rهو الشيخ وابن الشيخ لا شيخ مثله ... أبو كل ذي بيت رفيع الدعائم\rو \" المعنى \" ، قوله:\rوإنك إذ تسعى لتدرك دارماً ... لأنت المعني يا جرير المكلف\rو \" المحتبى \" قوله:\rبيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل\rو \" الخافقات \" ، قوله:\rوأين تقضي المالكان أمورها ... بخير وأين الخافقات اللوامع\rفقال جرير:\rأقين بن قين، ما يسر نساءنا ... بذي نجب انا ادعينا لدارم\rهو القين وابن القين لا قين مثله ... لفطح المساحي أو لجدل الأداهم\rالجدل: الفتل. والأداهم: الحبال، نا أبو خليفة: كل من كان في عمله حديد فهو قين. بذي نجب: يوم التقت بنو حنظلة وبنو عامر، إلا بني مالك بن حنظلة .\rقال ابن سلام: واشترى جرير جارية من رجل من أهل اليمامة، يقال له زيد، يعرف بابن النجار، ففركته وكرهت خشونة عيشه، فقال:\rتكلفني معيشة آل زيد ... ومن لي بالمرقق والصناب!\rوقالت لا تضم كضم زيد ... وما ضمي وليس معي شبابي!\rفقال الفرزدق:\rلئن فركتك علجة آل زيد ... وأعوزك المرقق والصناب\rلقدماً كان عيش أبيك جدباً ... يعيش بما تعيش به الكلاب\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام، حدثني حاجب بن يزيد وابو الغراف قالا: تزوج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين - وهو عبد الله - بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان على حكم أبيها، فاحتكم مئة من الإبل، فدخل على الحجاج فعذله وقال: تزوجتها على حكمها وحكم أبيها مئة بعير! وهي نصرانية! وجئتنا متعرضاً أن نسوقها عنك! اخرج، مالك عندنا شيء فقال عنبسة بن سعيد، وأراد نفعه: أيها الأمير! إنما هي من حواشي إبل الصدقة! فأمر له بها الحجاج، فوثب عليه جرير فقال:\rيا زيق قد كنت من شيبان في حسب ... يا زيق ويحك من أنكحت يازيق\rأنكحت ويلك قيناً باسته حمم ... يازيق ويحك أن بارت بك السوق\rغاب المثني فلم يشهد نجيكم ... والحوفزان ولم يشهدك مفروق\rيا رب قائلة بعد البناء بها ... لا الصهر راض ولا ابن القين معشوق\rأين الألى استنزلوا النعمان ضاحية ... أم أين أبناء شيبان الغرانيق\rقال: فلم يجبه الفرزدق، فقال جرير أيضاً:\rفلا أنا معطي الحكم عن شف منصب ... ولا عن بنات الحنظليين راغب\rوهن كماء المزن يشفي به الصدى ... وكانت ملاحاً غيرهن المشارب\rفلو كنت حراً كان عشر سياقكم ... إلى آل زيق والوصيف المقارب\rفقال الفرزدق:\rفنل مثلها من مثلهم ثم لمهم ... على دارمي بين ليلى وغالب\rهم زوجوا قبلي لقيطاً وأنكحوا ... ضراراً وهم أكفاؤنا في المناسب\rولو قبلوا منا عطية سقته ... إلى آل زيق من وصيف مقارب\rولو تنكح الشمس النجوم بناتها ... إذن لنكحناهن قبل الكواكب\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، حدثني الزراري، عن أبيه قال: ما كانت امرأة من بني حنظلة إلا ترفع لجرير اللوية في عكمها، تطرفه، لقوله:\rوهن كماء المزن يشفي به الصدى ... وكانت ملاحاً غيرهن المشارب","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"فقلت للزراري: ما اللوية؟ قال: الشريحة من اللحم، وهي الفدرة من التمر، والكبة من الشحم، أو الجلة من الأقط، فإذا كانت الصفرية وذهبت اللبان وضاقت المعيشة، كانت طرفة عندهم.\rوقال جرير:\rأثائرة حدراء من جر بالنقا ... وهل لأبي حدراء في الوتر طالب\rأتثأر بسطاماً إذا ابتلت استها ... وقد بولت في مسمعيه الثعالب\rقال ابن سلام: والنقا الذي عناه جرير، هو الموضع التي قتلت فيه بنو ضبة بسطاماً، وهو بسطام بن قيس. قال: فكرهت بنو شيبان أن يهتك جرير أعراضهم، فلما أراد الفرزدق نقل حدراء، اعتلوا عليه وقالوا له: إنها ماتت.\rقال جرير:\rفأقسمت ما ماتت ولكنما التوى ... بحدراء قوم لم يروك لها أهلاً\rرأوا أن صهر القين عار عليهم ... وأن لبسطام على غالب فضلاً\rأنا أبو خليفة، أنا ابن سلام، قال، حدثني حاجب بن يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة قال: قال جرير بالكوفة:\rلقد قادني من حب ماوية الهوى ... وما كنت ألقى للجنيبة أقودا\rأحب ثرى نجد وبالغور حاجة ... فغار الهوى يا عبد قيس وأنجدا\rأقول له يا عبد قيس صبابة ... بأي ترى مستوقد النار أوقدا\rفقال: أراها أرثت بوقودها ... بحيث استفاض الجزع شيحاً وغرقدا\rفأعجبت الناس وتناشدوها.\rفحدثني جابر بن جندل قال: فقال لنا جرير: أعجبتكم هذه الأبيات؟ قالوا: نعم! قال: كأنكم بالقين قد قال:\rأعد نظراً ياعبد قيس فإنما ... أضاءت لك النار الحمار المقيدا\rفلم يلبثوا أن جاءهم في قول الفرزدق هذا البيت، وبعده:\rحمار بمروت السحامة قاربت ... وظيفيه حول البيت حتى ترددا\rكليبية لم يجعل الله وجهها ... كريماً ولم يسنح بها الطير اسعدا\rفتناشدها الناس. فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراعة قد قال:\rوما عبت من نار أضاء وقودها ... فراساً وبسطام بن قيس مقيدا\rقال: فإذا هي قد جاءت لجرير، وفيها هذا البيت ومعه:\rفأوقدت بالسيدان ناراً ذليلة ... وأشهدتمن سوآت جعثن مشهدا\rقال: واجتمعنا عند سليمان بن عبد الملك وهو خليفة، وأتى بأسرى من الروم، قال ابن سلام: فأخبرني ابو يحيى الضبي قال: وفي حرسه رجل من بني عبس، قد علم أن سيأمر أصحابه بضرب أعناقهم فأتى الفرزدق، وذلك لسوء أثره في قيس، فقال: إن أمير المؤمنين حري أن يأمر بضرب عنق بعض هؤلاء الأسرى، وهذا سيفي، يكفيك أن تومي به فيأتي على ضريبته. وأتاه بسيف كليل كهام، فقال له الفرزدق: ممن أنت؟ قال: من بني ضبة أخوالك. وأمره سليمان بضرب عنق بعضهم، فتناول السيف من العبسي، ثم هزه فضرب به عنقه فما حص شعرة، ولم يؤثر به أثراً. فضحك سليمان والناس. فقال: هذه ضربة سيقول فيها هذا - يعني جريراً - وتقول فيها العرب! وقال:\rفإن يك سيف خان أو قدر أبي ... لتأخير نفس حتفها غير شاهد\rفسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد\rكذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطعن أحياناً مناط القلائد\rوقال جرير:\rبسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم\rضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم\rوقال:\rأخزيت قومك في مقام قمته ... ووجدت سيف مجاشع لا يقطع\rوقال الفرزدق:\rفهل ضربة الرومي جاعلة لكم ... أباً عن كليب أو أباً مثل دارم\rولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم\rوقال اللعين:\rسأحكم بين كلب بني كليب ... وبين القين قين بني عقال\rفإن الكلب مطعمه خبيث ... وإن القين يعمل في سفال\rوقد حسر البعيث وأقعدته ... لئيمات المناخر والسبال\rويترك جده الخطفي جرير ... ويندب حاجباً وبني عقال\rقال ابن سلام: وسمعت يونس يقول: فلم يلتفتا لفته، وأراد أن يذكراه فيرفعه ذلك، فقال:\rفما بقيا على تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال\rوقال الصلتان العبدي:","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"ألا إنما تحظى كليب بشعرها ... وبالمجد تحظى نهشل والأقارع\rأنا الصلتاني الذي قد عرفتم ... متى ما يحكم فهو بالحكم صادع\rأتتني تميم حين هابت قضاتها ... فهل أنت للفصل المبين سامع\rقضاء امرئ لا يرهب الشتم منكم ... وليس له في الحكم منكم منافع\rفما رجع الأعشى قضية عامر ... وما لتميم في قضائي راجع\rفإن يك بحر الحنظليين واحداً ... فما تستوي حيتانه والضفادع\rفيا شاعراً لا شاعر اليوم مثله ... جرير ولكن في كليب تواضع\rويرفع من شعر الفرزدق أنه ... ينوء بحي للخسيسة رافع\rيناشدني النصر الفرزدق بعدما ... ألحت عليه من جرير صواقع\rفلم يرض واحد منهما قوله. فقال الفرزدق: أما الشرف فقد عرفه وأما الشعر، فما للبحراني والشعر؟! وقال جرير:\rأقول ولم أملك سوابق عبرة ... متى كان حكم الله في كرب النخل\rفقال الصلتان:\rأعيرتنا بالنخل أن كان ما لنا ... لود أبوك الكلب لو كان ذا نخل\rفاعترضه خليد عينين، من أهل هجر، فقال:\rوأي نبي كان في غير قرية ... وما الحكم يا ابن اللؤم إلا مع الرسل\rوقال جرير:\rفخل الفخر با ابن أبي خليد ... وأد خراج رأسك كل عام\rلقد علقت يمينك رأس ثور ... وما علقت يمينك باللجام\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، حدثني أبو الغراف قال: قال الحجاج لهما - وهو في قصره بحزيز البصرة - ائتيا في لباس آبائكما في الجاهلية. فجاء الفرزدق وقد لبس الديباج والخز وقعد في قبة. وشاور جرير دهاة بني يربوع فقالوا: ما لباس آبائنا إلا الحديد. فلبس جرير درعاً، وتقلد سيفاً، وأخذ رمحاً، وركب فرساً لعباد بن الحصين يقال له: المنخار، وأقبل في أربعين فارساً من بني يربوع، وجاء الفرزدق في هيئته. فقال جرير:\rلبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاحاً كرج وجلاجله\rاعدوا مع الخز الملاب فإنما ... جرير لكم بعل وأنتم حلائله\rثم رجعا. فوقف جرير في مقبرة بني حصن، ووقف الفرزدق في المربد.\rفأخبرني أبي، عن محمد بن زياد قال: كنت أختلف بينهما يومئذ، فكأن جريراً كان يومئذ أظفرهما .\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، حدثني شعيب بن صخر، عن هارون بن إبراهيم قال: رأيتهما في مسجد دمشق، والفرزدق في عصابة من خندف، والناس عنق على جرير - قيس وموالي بني أمية - وهم يسلمون عليه ويسألونه: يا أبا حزرة، كيف كنت في مسيرك؟ وذلك لمديحه قيساً وقوله في العجم:\rفيجمعنا والغر أولاد سارة ... أب لا نبالي بعده من تغدرا\rقال أبو خليفة، سمعت عمارة بن عقيل بن بلال يقول: وافته في يومه مئة حلة من بني الأحرار .\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام، وحدثني أبو اليقظان، نا جويرية بن أسماء قال: قلت لنصيب، مولى عبد الملك: يا أبا محجن، من أشعر الناس؟ فقالوا أخو بني تميم. قلت: ثم من؟ قال أنا. قال: قلت: ثم من؟ قال ابن يسار النساء. فلقيت إسماعيل بن يسار النسائي فقلت: يا أبا فائد من أشعر الناس؟ قال: أخو بني تميم. قلت: ثم من؟ قال: أنا. قلت: ثم من؟ قال:: نصيب. قلت: إنكما لتتقارضان الثناء! قال: وما ذاك؟ قال قلت: سألته فقال فيك مثل ما قلت فيه! قال:\rإنه والله شاعر كريم ولا أظنه ... إلا بدأ بابن يسار قبل نصيب .\rقال ابن سلام: ومما قال جرير من الأبيات المقلدة قوله:\rوليست لسيفي في العظام بقية ... وللسيف أشوى وقعة من لسانيا\rوقوله:\rلا يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار\rوقوله:\rزعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامة يا مربع\rوقوله:\rألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\rوقوله:\rلا يأمنن قوي نقض مرته ... إني أرى الدهر ذا نقض وإمرار\rوقوله:\rأنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء لها انصبابا\rوقوله:","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"وإني لعف الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض داري انتقاليا\rوقوله:\rيحالفهم فقر قديم وذلة ... وبئس الخليطان المذلة والفقر\rفصبراً على ذل ربيع بن مالك ... وكل ذليل خير عادته الصبر\rوقوله:\rدعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأسهم أعداء وهن صديق\rأوانس أما من أردن عناءه ... فعان ومن أطلقن فهو طليق\rوقوله:\rإن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلاً بعينك ما يزال معيناً\rغيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا\rوقوله:\rفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا\rإذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا\rوقوله:\rإن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا\rوقوله:\rيا أهل جزرة إني قد نصبت لكم ... بالمنجنيق ولما يرسل الحجر\rوقوله:\rولما التقى الحيان ألقيت العصى ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتلة\rوقوله:\rتريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضى الأخلاء بالبخل\rفإنك لا يرضى إذا كان عاتباً ... خليلك إلا بالمودة والبذل\rوقوله:\rيا تميم إن بيوتكم تيمية ... قعس العماد قصيرة الأطناب\rقوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب\rوقوله:\rوكنت إذا نزلت بدار قوم ... ظعنت بخزية وتركت عارا\rوقوله:\rأتنسى إذ تودعنا سليمى ... بعود بشامة سقي البشام\rبنفسي من تجنبه عزيز ... على ومن زيارته لمام\rومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام\rوقوله:\rوابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس\rوقوله:\rلو كنت حراً يا ابن قين مجاشع ... شيعت ضيفك فرسخين وميلا\rوقوله:\rلا يستطيع امتناعاً فقع قرقرة ... بين الطريقين بالبيد الأماليس\rوقوله:\rلا يستطيع أخو الصبابة أن يرى ... حجراً أصم ولا يكون حديداً\rوقوله:\rلو أن عصم عمامتين ويذبلا ... سمعا حديثك أنزل الأوعالا\rأخبرني أبو خليفة، قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا أبو اليقظان، عن جويرية بن أسماء قال: قدم الفرزدق اليمامة، وعليها المهاجرين بن عبد الله الكلابي فقال: لو دخلت على هذا فأصبت منه شيئاً ولم يعلم بي جرير! فلم تستقر به الدار حتى قال جرير:\rرأيتك إذ لم يغنك الله بالغنى ... رجعت إلى قيس وخدك ضارع\rوما ذاك إن أعطى الفرزدق باسته ... بأول ثغر ضيعته مجاشع\rفلما بلغ ذلك الفرزدق قال: لا جرم! والله لا أدخل عليه، ولا أرزؤه شيئاً، ولا أقيم باليمامة، ثم رحل.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، أخبرني أبو الغراف قال: نعى الفرزدق لجرير وهو عند المهاجر بن عبد الله باليمامة، فقال:\rمات الفرزدق بعد ما جدعته ... ليت الفرزدق كان عاش قليلا\rفقال له المهاجر: لبئس ما قلت! تهجو ابن عمك بعد ما مات! لو رثيته كان أحسن بك. قال: والله إني لأعلم أن بقائي بعده لقليل، وإن كان نجمي موافقاً لنجمه، فلأرثينه. قال: بعد ما قيل لك! لو كنت بكيته ما نسيتك العرب.\rقال ابن سلام، فأنشدني معاوية بن أبي عمرو لجرير يرثي الفرزدق:\rفلا ولدت بعد الفرزدق حامل ... ولا ذات حمل من نفاس تعلت\rهو الوافد المأمون والراتق الثأي ... إذا النعل يوماً بالعشيرة زلت\rانا أبو خليفة نا ابن سلام قال، حدثني يونس ابن حبيب النحوي قال: كان عبد الملك بن مروان لا يسمع لشعراء مضر ولا يأذن لهم، لأنهم كانوا زبيرية، فوقد إليه الحجاج وفادته التي وفدها، لم يفد إليه غيرها، فأهدى إليه جريراً. فدخل عليه فأذن له في النشيد، فقام فأنشد مديح الحجاج واحدة بعد واحدة، فأومأ إليه الحجاج أن ينشد مديح عبد الملك، فأنشده التي يقول فيها:","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\rواعتمد على ابن الزبير فقال:\rدعوت الملحدين أبا خبيب ... جماحاً هل شفيت من الجماح\rوقد وجدوا الخليفة هبرزيا ... ألف العيص ليس من النواحي\rوما شجرات عيصك في قريش ... بعشات الفروع ولا ضواحي\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، أخبرني أبو الغراف قال: لما أنشده فيها:\rتعزت أم حزرة ثم قالت ... رايت الموردين ذوي لقاح\rتعلل وهي ساغبة بنيها ... بأنفاس من الشبم القراح\rسيكفيك العواذل أرحبي ... هجان اللون كالفرد اللياح\rيعز على الطريق بمنكبيه ... كما أبترك الخليع على القداح\rفقال له عبد الملك: فهل ترويها مئة؟ فقال، وهل إليها من سبيل، جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين؟ وأعطاه مئة وثمانية من الرعاء.\rفذكرها جرير في مديحه يزيد بن عبد الملك وهو خليفة، فقال:\rأعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف\rأخبرني أبو خليفة قال: حدثنا محمد بن سلام قال: حدثنا أبو الغراف قال: أتى الفرزدق مجلس بني الهجيم في مسجدهم فأنشدهم. وبلغ ذلك جريراً، فأتاهم من الغد لينشدهم كما أنشدهم الفرزدق، فقال له شيخ منهم: يا هذا، اتق الله! فإن هذا المسجد إنما بني لذكر الله والصلاة! فقال جرير: أقررتم للفرزدق ومنعتموني! وخرج مغضباً وهو يقول:\rإن الهجيم قبيلة ملعونة ... حص اللحى متشابهو الألوان\rهم يتركون بنيهم وبناتهم ... صعر النوف لريح كل دخان\rلو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أصبح جمعهم بعمان\rقال: وخفة اللحى في بني هجيم ظاهرة. وقيل لرجل منهم: ما بالكم، يا بني الهجيم حص اللحى؟ قال: إن الفحل واحد.\rأخبرني أبو خليفة قال: حدثنا محمد بن سلام قال: حدثني ابو يحيى الضبي قال: نازع جرير بني حمان في ركية لهم، فصاروا إلى إبراهيم بن عربي باليمامة يتحاكمون إليه، فقال جرير:\rأعوذ بالأمير غير الجبار ... من ظلم حمان وتحويل الدار\rما كان قبل حفرنا من محفار ... وضربي المنقار بعد المنقار\rفي جبل أصم غير خوار ... يصيح بالجب صياح الصرار\rله صهيل كصهيل الأمهار ... فاسأل بني صحب ورهط الجرار\rوالسلميين العظام الأخطار ... والجار قد يخبر عن دار الجار\rفقال الحماني:\rما لكليب من حمى ولا دار ... غير مقام أتن وأعيار\rقعس الظهور داميات الثفار\rقال: فقال جرير: فعن مقامهن، جعلت فداك، أجادل! فقال ابن عربي للحماني: قد أقررت لخصمك! وحكم بها لجرير.\rقال ابن سلام، وأخبرني أبو يحيى الضبي قال: بينا جرير يسير على راحلته، إذ هجم على أبيات من مازن وهلال - وهما بطنان من ضبة - فخافهم، لسوء أثره في ضبه، فقال:\rفلا خوف عليك ولن تراعى ... بعقوة مازن زبني هلال\rهما الحيان إن فزعا يطيرا ... إلى جرد كأمثال السعالى\rأمازن يا ابن كعب إن قلبي ... لكم طول الحياة لغير قالي\rغطاريف يبيت الجار فيهم ... قرير العين في أهل ومال\rقالوا: أجل، يا أبا حزرة، فلا خوف عليك.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال: حدثني أبو يحيى الضبي قال: كان الذي هاج الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ، أن عمر كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله، وجرير حاضر بالماء، فقال التيمي:\rقد وردت قبل إني ضحائها ... تقرش الحيات في خرشائها\rجر العجوز الثنى من ردائها\rفقال له جرير: أخفقت مرها! قال: فكيف أقول؟ قال: تقول:\rجر العروس الثنى من ردائها\rقال التيمي - وحمى - : فما قلت أنت أسوأ من قولي! قال: فما هو؟ قال: قولك:\rوأوثق عند المردفات عشية ... لحاقاً إذا ما جرد السيف لامع\rفجعلتهن مردفات غدوة، ثم تداركتهن عشية! قال: فكيف أقول؟ قال: تقول:\rوأوثق عند الرهفات عشية\rقال: فقال جرير: فو الله لهذا البيت أحب إلي من بكري حزرة، ولكنك محلب للفرزدق.\rفقال فيه جرير:","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"ألا سوانا أدرأتم يا بني لجأ ... شيئأ يقارب أو وحشاً لها غرر\rأحين كنت سماما يا بني لجأ ... وخاطرت بي عن أحسابها مضرا\rإن الحفافيث عهدي يا بني لجأ ... يطرقن حين يسور الحية الذكر\rخل الطريق لمن يبني المناربه ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر\rانت ابن برزة منسوباً إلى لجأ ... عبد العصارة والعيدان تعتصر\rويروي:\rألست نزوة خوار على أمة ... عبد العصارة والعيدان تعتصر\rفقال التيمي يرد عليه:\rلقد كذبت وشر القول أكذبه ... ما خاطرت بك عن أحسابها مضر\rألست نزوة خوار على أمة ... لا يسبق الحلبات اللؤم والخور\rما قلت من مرة إلا سأنقضها ... يا ابن الأتان بمثلي تنقض المرر\rقد أصبح الخز يبكي في بني الخطفي ... ياخز كرمان صبراً إنها الهتر\rوقال أيضاً:\rما استردفت يوم الهذيل نساؤنا ... ولا قمن في صف لسحجة سجداً\rولكن منعناهن في الشرك بالقنا ... وفي السلم صدقنا النبي محمدا\rوقال أيضاً:\rعجبت لما لاقت رياح من الأذى ... وما اقتبسوا مني وللشر قابس\rغضاباً لكلب من كليب فرسته ... هوى ولشدات الأسود فرائس\rإذا ما ابن يربوع أتاك لمأكل ... على مجلس إن الأكيل مجالس\rفقل لبن يربوع ألست بداحض ... سبالك عنا إنهن نجائس\rتمسح يربوع سبالاً لئيمة ... بها من مني العبد رطب ويابس\rيريد ما صنع أبو سواج الضبي باليربوعي.\rوكان أبو سواج أخذ بالبريرة صرد بن جمرة في شيء كان بينهما، فجاء بزنج فأوثبهم على جارية له، فكانوا يمنون في قعب، ثم حلب عليه فسقاه إياه، فقتله. وذلك قول الفرزدق لجرير، حين أمرهم الحجاج أن يأتوه في لباس آبائهم، فجاء جرير في الحديد، فقال الفرزدق:\rوقد تلبس الحبلى السلاح وبطنها ... إذا انتطقت عبء عليها تعادله\rوذلك قول الأخطل لجرير:\rتعيب الخمر وهي شراب كسرى ... ويشرب قومك العجب العجيبا\rمنى العبد عبد أبي سواج ... أحق من المدامة أن تعيبا\rثم وافى جرير والتيمي المدينة وقد وردها الوليد بن عبد الملك، وكان يتأله في نفسه، فقال: تقذفان المحصنات وتعضهان وتنفيان! فأمر ابا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري - وكان واليه على المدينة - بضربهما، فضربهما وأقامهما على البلس مقرونين، والتيمي يومئذ أشب من جرير وأقوى، فجعل يشول بجرير، وجرير يقول وهو المشول به:\rجزعت من العذاب غريب تيم ... وملأت القميص مع الإزار\rولست مفارقاً قربي حتى ... يطول تصعدي بك وانحداري\rفقال التيمي:\rولما أن قرنت إلى جرير ... أبى ذو بطنه إلا انحدارا\rفقال له قدامة بن إبراهيم الجمحي: بئسما قلت! جعلت نفسك المقرون إليه! قال: فكيف أقول؟ قال: تقول:\rولما لز في قربي جرير ... أبى ذو بطنه إلا انحدارا\rقال: لا والله، لا أقول له أبداً إلا هكذا.\rقال أبو البيداء: لقى الفرزدق عمرو بن عطية أخا جرير - وهو حينئذ يهاجي ابن لجأ - فقال له: ويلك قل لأخيك: ثكلتك أمك! إيت التيمي من عل كما أصنع بك أنا وكان الفرزدق قد حمى وانف لجرير أن يتعلق به التيمي. قال ابن سلام وأنشدني له خلف الأحمر، يعني الفرزدق، شعراً يقوله للتيمي:\rوما أنت إن قرما تميم تساميا ... أخا التيم إلا كالوشيظة في العظم\rفلو كنت مولى الظلم أو في ظلاله ... ظلمت ولكن لا يدى لك بالظلم\rفأجابه ابن لجأ فقال:\rكذبت أنا القرم الذي دق مالكاً ... وأفناء يربوع وما أنت بالقرم\rفحدثني أبو الغراف قال: مشت رجال تميم بين جرير والتيمي وقالوا: والله ما شعراؤنا إلا بلاء علينا! يثيرون مخازينا ويهجون أحياءنا وأمواتنا! فلم يزالوا يمشون بينهما حتى أصلحوا بينهما بالعهود والمواثيق المغلظة، أن لا يعودا في الهجاء فكف التيمي، وكان جرير لا يزال يسل الواحدة، فيقول التيمي: والله ما نقضت هذه ولا سمعتها! فيقول جرير: هذه كانت قبل الصلح!","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"حدثني عثمان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن حرملة قال: لما ورد علينا هجاء جرير والتيمي قال لي سعيد بن المسيب: تروأ لنا مما قالا شيئاً. فأتيته وقد استقبل القبلة يريد أن يكبر. فقال: أرويت شيئاً؟ قلت: نعم! فأقبل علي بوجهه، فأنشدته للتيمي وهو يقول: هيه هيه! ثم أنشدته لجرير فقال: أكله أكله! أخبرني أبو الخطاب الزراري، عن حجناء بن جرير قال: قلت لأبي: ما هجوت قوماً قط إلا فضحتهم، - أو قال: أفسدتهم - إلا التيم! قال: يا بني إني لم أجد بناء فأهدمه، ولا حسباً أضعه أو قال: أصمه.\rوكانت تيم رعاء غنم، فيغدون في غنمهم ثم يروحون، وقد جاء كل رجل منهم بأبيات، فيرفدون بها عمر بن لجأ. وكان أشعرهم، بعد أبن لجأ، السرندي.\rوقيل لجرير: ما صنعت في التيم شيئاً؟ قال: إنهم شعراء لئام.\rوحدثني مسمع بن عبد الملك - وهو كردين - قال: كان عرادة النميري نديماً للفرزدق، فقدم الراعي البصرة، فدعاه عرادة فأطعمه وسقاه، وقال: فضل الفرزدق على جرير. فأبى. فلما أخذ فيه الشراب، لم يزل به حتى قال:\rيا صاحبي دنا الرواح فسيرا ... غلب الفرزدق في الهجاء جريراً\rحدثني أبو الغراف قال كان الذي هاج الهجاء بين جرير والراعي - وهو عبيد بن حصين - أن الراعي كان يسأل عن جرير والفرزدق فيقول: الفرزدق أكرمهما وأشعرهما. فلقيه جرير فاستعاذه من نفسه ، وطلب إليه أن لا يدخل بينهما، وقال: أنا كنت أولى بعونك! إني لأمدحكم، وإنه ليهجوكم! قال: أجل، ولست لمساءتك بعائد. ثم بلغ جريراً أنه عاد في تفضيل الفرزدق عليه، فلقيه بالبصرة وجرير على بغلة، فعاتبه وقال: استعذتك ، فزعمت أنك غير داخل بيني وبين ابن عمي! قال: والراعي يعتذر إليه، وأقبل ابنه جندل - وكان فيه خطل وعجب - فقال لأبيه: ألا أراك تعتذر إلى ابن الأتان! نعم، والله لنفضلن عليك، ولنروين هجاءك، ولنهجونك من تلقاء أنفسنا. وضرب وجه بغلته وقال:\rألم تر أن كلب بني كليب ... أراد حياض دجلة ثم هابا\rفانصرف جرير مغضباً محفظاً. فقال الراعي لابنه: والله ليهجوني وإياك، فليته لا يجاوزنا! ولكن سيذكر نسوتك! وعلم الراعي أنه قد أساء، فندم. فتزعم نمير: أنه حلف أن لا يجيبه سنة، غضباً على ابه، وأنه مات في السنة. ويقول غيرهم: إنه كمد لما سمعها فمات.\rوكان جرير، يوم جرى هذا بينهما بالبصرة، نازلاً على امرأة من كليب، فبات في علية لها، وهي في سفل دارها. قالت المرأة: فبات ليلته لا ينام، يتردد في البيت، حتى ظننت أنه عرض له جني، أو سنح له بلاء، حتى فتح له، فقال:\rأقلى اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا\rحتى قال:\rإذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا\rثم أصبح فغدا إلى المربد فقال: يا بني تميم، قيدوا! - أي اكتبوا - فلم يجبه الراعي، ولم يهجه جرير بغيرها.\rفقال لي بعض رواة قيس وعلمائهم: كان الراعي فحل مضر، حتى ضغمه الليث! يعني جريراً.\rقال أبو البيداء: مر راكب يتغنى:\rوعاو عوى من غير شيء رميته ... بقافية أسبابها تقطر الدما\rخروج بأفواه الرواة كأنها ... قرا هندواني إذا هز صمما\rفسمعه الراعي، فأتبعه رسولاً فقال: لمن البيتان؟ قال: جرير. قال: والله لو اجتمعت الجن والإنس على صاحب هذين البيتين ما أغنوا فيه شيئاً. ثم قال لمن حضر: ويحكم! ألام على أن يغلبني مثل هذا! وإنما يعني جرير البعيث، وكذلك كان اعتراض البعيث جريراً في غير شيء.\rحدثني أبان بن عثمان قال: كان سراقة البارقي شاعراً ظريفاً تحبه الملوك، حلو الحديث . وكان قاتل المختار، فأخذه أسيراً، فأمر بقتله، فقال: والله لا تقتلني حتى تنفض دمشق حجراً حجراً! فقال المختار لأبي عمرة: من يخرج أسرارنا؟ ثم قال: من أسرك؟ قال: قوم على خيل بلق عليهم ثياب بيض، لا أراهم في عسكرك! قال: فأقبل المختار على أصحابه فقال: عدوكم يرى من هذا ما لا ترون! قال: أني قاتلك. قال: والله يا أمين آل محمد، إنك تعلم أن هذا ليس باليوم الذي تقتلني فيه! قال: ففي أي يوم أقتلك؟ قال: يوم تضع كرسيك على باب مدينة دمشق، فتدعو بي يومئذ فتضرب عنقي، فقال المختار لأصحابه: يا شرطة الله! من يرفع حديثي؟ ثم خلى عنه. فقال سراقة - وكان المختار يكنى أبا إسحاق - :","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"ألا أبلغ أبا إسحاق عني ... رأيت البلق دهماً مصمتات\rأرى عيني ما لم تبصراه ... كلانا عالم بالترهات\rكفرت بوحيكم وجعلت نذراً ... على قتالكم حتى الممات\rثم قدم سراقة، بعد ذلك، العراق مع بشر بن مروان. وكان بشر من فتيان قريش سخاء ونجدة، وكان ممدحاً، فمدحه جرير، والأخطل، والفرزدق، وكثير، وأعشى بني شيبان. وكان بشر يغري بين الشعراء، وهو أغرى بين جرير و الأخطل، فحمل سراقة على جرير حتى هجاه، فقال سراقة:\rأبلغ تميماً غثها وسمينها ... والقول يقصد تارة ويجور\rأن الفرزدق برزت حلباته ... عفواً وغودر في الغبار جرير\rما كنت أول محمر عثرت به ... آباؤه إن اللئيم عثور\rحرر كليباً إن خير صنيعة ... يوم الحساب الصوم والتحرير\rهذا القضاء البارقي وإنني ... بالميل في ميزانه لجدير\rفقال جرير في قصيدته التي قال فيها:\rيا صاحبي هل الصباح منير ... أم هل للوم عواذلي تفتير\rيا بشر إنك لم تزل في نعمة ... يأتيك من قبل العلى بشير\rبشر أبو مروان إن عاسرته ... عسر وعند يساره ميسور\rيا بشر حق لوجهك التبشير ... هلا غضبت لنا وأنت أمير\rقد كان حقك أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيم سب جرير\rإن الكريمة ينصر الكرم ابنها ... وابن اللئيمة للئام نصور\rأمسى سراقة قد عوى لشقائه ... خطب وأمك يا سراق يسير\rأسراق إنك قد غشيت ببارق ... أمراً مطالعه عليك وعور\rأسراق إنك لا نزاراً نلتم ... والحي من يمن عليك نصير\rأكسحت باستك للفخار وبارق ... شيخان أعمى مقعد وكسير\rوقال جرير:\rأمسى خليلك قد أجد فراقا ... هاج الحزين وذكر الأشواقا\rوإذا لقيت مجيلساً من بارق ... لا قيت أطبع مجلس أخلاقا\rقفد الأكف عن المكارم كلها ... والجامعين مذلة ونفاقا\rولقد هممت بأن أدمدم بارقاً ... فحفظت فيهم عمنا إسحاقا\rقال ابن سلام: يعني إسحاق الذبيح، ثم نزعا.\rفمر جرير بسراقة بمنى، والناس مجتمعون على سراقة وهو ينشد، فجهره جماله، واستحسن نشيده. فقال جرير: من أنت؟ قال: بعض من أخزاه الله على يديك! قال: أما والله لو عرفتك لوهبتك لظرفك! قال: كان العباس بن يزيد الكندي هجا جريراً، وكانت الشعراء تعرض له ليهجوهم.\rوكان يقول: لا أبتدي، ولكني أعتدي.\rقال أبو الغراف: فتأناهم حولاً، وذلك قوله:\rألم ينه عني الناس أن لست ظالماً ... بريئاً وأني للمتاحين متيح\rفاتته كندة فاستعدوه من نفسه، وطلبوا أن لا يذكرهم. قال: فأخبروني بمساويه إن كنتم صادقين. ففرشوه أمره، فقالوا: هم أهل بيت كانوا في فزارة مجاورين، ثم تحولوا إلى بني كلاب، ثم تحولوا في طيئ، ومعه ابنة له جارية حدثة، فطبن لها غلام منهم يقال له عتاب، فكان يلاعبها، فقالوا إنها حبلت منه وولدت، وقتل الولد. وكانوا نزولاً في جبل يقال له شعبي، وكانوا أهل بيت سرو وجمال - قال: رأيت رجلاً من ولده فما رايت أجمل منه - فقال جرير:\rستطلع من ذرى شعبي قواف ... على الكندي تلتهب التهابا\rأيوماً في فزارة مستجيراً ... ويوماً ناشداً حلفاً كلاباً\rأعتاباً تجاور حين أجنت ... نخيل أجاً وأعنزه الربابا\rيخاتلها وتحسبه لعاباً ... أساء غلام جيرتك اللعابا\rوما خفيت هضيبة يوم جرت ... ولا إطعام سخلتها الكلابا\rيقطع بالمشاقص حالبيها ... وقد بلت مشيمتها الترابا\rوقد حملت ثمانية وتمت ... لتاسعها وتحسبها كعابا\rأعبداً حل في شعبي غريباً ... ألؤماً لا أبالك واغترابا\rإذا نزل الحجيج على قنيع ... دببت الليل تسترق العيابا\rفقد حلت يمينك إن إمام ... أقام الحد واتبع الكتابا","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"فيزعم الناس: انه لما أتته هذه البيات كمد فمات.\rقال، وقال رجل من عبد القيس، يقال له: أحمر بن غدانة، من بني عصر:\rعلام تعني يا جرير وقد قضى ... أخو عصر أن قد علاك الفرزدق\rوإن امرأ سوى كليباً بدارم ... وسوى جريراً بالفرزدق أحمق\rفأخذه عبد العزيز بن عمرو بن مرجوم - وكان سيد عبد القيس بالبصرة، وأبوه سيد، وجده سيد - وكان جده مرجوم اسمه: عامر بن عبيد، فنافر رجلاً من قومه إلى النعمان، فنفره عليه وقال: رجمتك بالشرف! فسمى مرجوماً ، وفيه يقول لبيد:\rوقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل\rفشده وثاقاً، فأرسل به إلى جرير وقال: احكم فيه فقال جرير:\rلولا ابن عمرو بن مرجوم لقد خرجت ... شنعاء لا تتقي سمعاً ولا بصرا\rإني لأرجو وراجي الخير مدركه ... أن يجبر الله في الدنيا بني عصرا\rكم من يتيم ومسكين وأرملة ... وبائس في قديم الدهر قد جبرا\rوقال جرير يرد على الصلتان:\rأقول ولم أملك أمال بن حنظل ... متى كان حكم الله في كرب النخل\rفاعترضه خليد عينين، من أهل هجر، فقال:\rوأي نبي كان من أهل قرية ... وما الحكم يا ابن اللؤم إلا مع الرسل\rفقال جرير:\rفخل الفخر يا ابن أبي خليد ... وأد خراج رأسك كل عام\rلقد علقت يمينك رأس ثور ... وما علقت يمينك باللجام\rوقال جرير:\rكم عمة لك يا خليد وخالة ... خضر نواجدها من الكراث\rنبتت بمنبته فطاب لشمها ... ونأت عن القيصوم والجثجات\rفسكت خليد.\rوقال في أحمر بن غدانة:\rنبئت عبداً بالعيون يسبني ... أحيمر سواراً على كرب النخل\rفقال أحمر:\rأعيرتنا بالنخل أن كان مالنا ... وود ابوك اللؤم لو كان ذا نخل\rفهم جرير ببني عصر، فأتاه عبد العزيز بن عمرو بن مرجوم، فشده فأرسله إلى جرير، وحمل جريراً وكساه.\rذكر الأخطل حدثني عامر بن عبد الملك المسمعي قال: لما بلغ الأخطل تهاجى جرير والفرزدق قال لا بنه مالك: انحدر إلى العراق حتى تسمع منهما، وتأتيني بخبرهما. قال: فلقيهما، ثم استمع، فاتى اباه فقال: جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر. فقال الأخطل: فجرير أشعرهما، ثم قال:\rإني قضيت قضاء غير ذي جنف ... لما سمعت ولما جاءني الخبر\rأن الفرزدق قد شالت نعامته ... وعضه حية من قومه ذكر\rثم قدم الأخطل الكوفة على بشر بن مروان، فبعث إليه محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بدارهم وحملان وكسوة وخمر - وبلغني أن الذي بعث بهذا شبة بن عقال المجاشعي - وقال للأخطل: فضل شاعرنا عليه وسبه. فقال الأخطل:\rأخسأ كليب إليك إن مجاشعاً ... وأبا الفوارس نهشلاً أخوان\rقوم إذا خطرت غليك قرومهم ... جعلوك بين كلا كل وجران\rوإذا وضعت أباك في ميزانهم ... رجحوا وشال أبوك في الميزان\rفقال جرير:\rياذا العباية إن بشراً قد قضى ... أن لا تجوز شهادة النشوان\rوأخبرني أبو عبيدة النحوي قال: لما أتى الأخطل قول جرير:\rجاريت مطلع الرهان بسنه ... روق شبيبته وعمرك فاني\rويروى:\rجاريت مطلع الرهان بروقه ... ماء الشباب وماء روقك فاني\rقال الأخطل: صدق ابن المراغة! وقد أديل مني حين أقول للنابغة بني جعدة:\rلقد جارى أبو ليلى بقحم ... ومنتكث على التقريب وان\rإذا خبط الخبار أكب فيه ... وخر على الجحافل والجران\rيروى: \" إذا دخل الخبار \" . وكان الأخطل من أسن أهل طبقته.\rأنشدني محمد بن الفضل الهاشمي لجرير في محمد بن عمير ابن عطارد:\rإنا لنعلم ما أبوك بحاجب ... فالحق بأصلك من بني دهمان\rوهي قصيدة.\rوقال لشبة بن عقال، وكانت فيه شوهة، وذاك في ولده بين:\rفضح العشيرة يوم يسلح قائماً ... ظل النعامة شبة بن عقال\rوقال للأخطل:\rرشتك مجاشع سكراً بفلس ... فلا تهنيك رشوة من رشاكا\rوهي قصيدة طويلة.\rوقال:","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"يا شب ويحك لا تكفر فوارسنا ... يوم ابن كبشة عالي الملك جبار\rلولا حماية يربوع نساءكم ... كانت لغيركم فيهن أطهار\rقال ابن سلام: وسألت بشاراً المرعث: أي الثلاثة أشعر؟ فقال: لم يكن الخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه. قلت: فهذان؟ قال: كانت لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير. فقلت لبشار: وأي شيء لجرير من المراثي إلا التي رثى بها امرأته؟ فأنشدني لجرير يرثي ابنه سوادة، ومات بالشام:\rقالوا نصيبك من أجر فقلت لهم ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالي\rفارقتني حين كف الدهر من بصري ... وحين صرت كعظم الرمة البالي\rأمسى سوادة يجلو مقلتي لحم ... باز يصرصر فوق المربأ العالي\rقد كنت أعرفه مني إذا غلقت ... رهن الجياد ومد الغاية الغالي\rإن الثوى بذي الزيتون فاحتسبي ... قد أسرع اليوم في عقلي وفي حالي\rإلا تكن لك بالديرين معولة ... فرب باكية بالرمل معوال\rكأم بو عجول عند معهده ... حنت إلى جلد منه وأوصال\rحتى إذا عرفت أن لا حياة به ... ردت هماهم حري الجوف مثكال\rزادت على وجدها وجداً وإن رجعت ... في الصدر منها خطوب ذات بلبال\rحدثني عبد الجبار بن سعيد بن سليمان المساحقي، عن المحرر بن أبي هريرة قال: إني بأريحا، في عسكر سليمان بن عبد الملك، وفيه جرير والفرزدق، إذ أتانا الفرزدق فقال: اشهدوا جنازة محمد ابن أخي، ثم قال:\rبتنا بدير أريحاء بليلة ... خدارية يزداد طولاً تمامها\rأكابد فيها نفس أقرب من مشى ... أبوه بإمر غاب عني نيامها\rوكنا نرى من غالب في محمد ... شمائل يعلو الفاعلين كرامها\rوكان إذا ما حل أرضاً تزينت ... بزينته صحراؤها وإكامها\rسقي أريحاء الغيث وهي بغيضة ... إلينا ولكن كي ليسقاه هامها\rثم انصرف، وجاء جرير فقال: قد رأيت هذا و سمعت ما قال في ابن أخيه، وما ابن أخيه، فعل الله به وفعل؟ وذكر اللعن. قال: ومضى جرير، فلا والله ما لبثنا إلا جمعاً حتى جاء جرير فقام مقامه فقال: اشهدوا سوادة! ابنه.\rثم قال:\rكان سوادة يجلو مقلتي لحم ... باز يصرصر فوق المربأ العالي\rودعتني حين كف الدهر من بصري ... وحين صرت كعظم الرمة البالي\rإلا تكن لك بالديرين باكية ... فرب باكية بالرمل معوال\rقالوا نصيبك من أجر فقلت لهم ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالي\rما قيل في الأخطل وأحاديثه حدثني ابو يحيى الضبي قال: كان عبد الرحمن بن حسان ويزيد بن معاوية يتقاولان، فاستعلاه ابن حسان. قال يزيد لكعب ابن جعيل التغلبي: أجبه عني، واهجه؟ فقال: والله ما تلتقي شفتاي بهجاء الأنصار! ولكني أدلك على الشاعر الماهر الفاجر! فتى منا يقال له: غياث بن الغوث، نصراني.\rوكان كعب سماه الأخطل، وذاك أنه سمعه ينشد هجاء فقال: يا غلام، إنك لأخطل اللسان.\rقال أبو يحيى: قال كعب بن جعيل: إني قد هجوت نفسي ببيتين، وقد ضممت عليهما، فمن أصابهما فهو الشاعر. فقال الأخطل:\rسميت كعباً بشر العظام ... وكان أبوك سمي الجعل\rوإن محلك من وائل ... محل القراد من است الجمل\rقال: هما هذان! قال أبو يحيى: أرسل إليه يزيد: أن أهجهم! فقال: كيف أصنع بمكانهم؟ أخافهم على نفسي! قال: لك ذمة أمير المؤمنين وذمتي. فذلك حين يقول:\rذهبت قريش بالسماحة والندى ... واللؤم تحت عمائم الأنصار\rفجاء النعمان بن بشير الأنصاري إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين بلغ منا أمر ما بلغ منا مثله في جاهلية ولا إسلام!قال: من بلغ ذاك منكم؟ قال: غلام نصراني من بني تغلب. قال: ما حاجتك فيه؟ قال: لسانه. قال ذاك لك.\rوكان النعمان ذا منزلة من معاوية، وكان معاوية يقول: يا معشر الأنصار! تستبطئونني، وما صحبني منكم إلا النعمان بن بشير! وقد رأيتم ما صنعت به! وكان ولاه الكوفة وأكرمه.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"فأخبر الأخطل، فصار إلى يزيد، فدخل يزيد إلى أبيه فقال: يا أمير المؤمنين، هجوني وذكروك، فجعلت له ذمتك وذمتي على أن رد عني! فقال معاوية للنعمان: لا سبيل إلى ذمة أبي خالد.\rفذاك حيث يقول الخطل:\rأبا خالد دافعت عني عظيمة ... وأدركت لحمي قبل أن يتبددا\rوأطفأت عني نار نعمان بعدما ... أغذ لأمر فاجر وتجردا\rولما رأى نعمان دوني ابن حرة ... طوي الكشح إذ لم يستطعني وعردا\rوما مفعم يعلو جزائر حامر ... يشق إليها خيزراناً وغرقدا\rتحرز منه أهل عانات بعد ما ... كسا سورها الأدنى غثاء منضدا\rكأن بنات الماء في حجراتها ... أباريق أهدتها دياف لصرخدا\rيقمص بالملاح حتى يشفه ... الحذار وإن كان المشيح المعودا\rبمطرد الآذى جون كانما ... زفا بالقراقير النعام المطردا\rبأجود سيباً من يزيد إذا غدت ... به بخته يحملن ملكاً وسوددا\rيقلص بالسيف الطويل نجاده ... خميص إذا السربال عنه تقددا\rحدثني يونس، وعامر بن عبد الملك، وأبو الغراف، فألفت ما قالوا، قال: اتى الأخطل الكوفة، فأتى الغضبان بن القبعثري الشيباني، وهو يومئذ سيد بكر بن وائل، فسأله في حمالة، وكان سؤلة - على مثال فعلة - قال: إن شئت أعطيتك ألفين، وإن شئت أعطيتك درهمين. قال: ما بال الألفين، وما بال الدرهمين؟ قال: إن أعطيتك ألفين، لم يعطكها إلا قليل، وإن أعطينا درهمين، لم يبق بكري بالكوفة إلا أعطاك درهمين، وكتبنا لك إلى إخواننا من أهل البصرة، فلم يبق بكري إلا أعطاك درهمين، فخفت عليهم المؤونة وكثر لك النيل. قال: فهذه إذن. قال: نقسمها لك إلى أن ترجع من البصرة. فكتب له بالبصرة إلى سويد بن منجوف السدوسي، وهو زعيم بكر بن وائل بالبصرة.\rقال يونس بن حبيب في حديثه: فنزل على آل الصلت ابن حريث الحنفي . فأخبرني من سمعه أنه قال: والله لا أزال أفعل ذاك.\rثم رجع إلى الحديث الأول، قال: وأتى سويداً بالكتاب، فأخبره بحاجته. قال: نعم! وأقبل على قومه فقال: هذا أبو مالك قد أتاكم يسألكم أن تجمعوا له، وهو أهل أن نقضي حاجته، وهو الذي يقول:\rإذا ما قلت قد صالحت بكراً ... أبى البغضاء لا النسب البعيد\rوأيام لنا ولهم طوال ... يعض الهام فيهن الحديد\rومهراق الدماء بواردات ... تبيد المخزيات وما تبيد\rهما أخوان يصطليان ناراً ... رداء الموت بينهما جديد\rفهيجهم على الأخطل. قالوا: فلا ها الله! إذن والله لا نعطيه شيئاً.\rفخرج وهو يقول:\rفإن تمنع سدوس درهميها ... فإن الريح طيبة قبول\rتواكلني بنو العلات منهم ... وغالت مالكاً ويزيد غول\rصريعاً وائل هلكا جميعاً ... كان الرض بعدهما محول\rيريد: مالك بن مسمع، ويزيد بن رويم الشيباني.\rوقال لسويد بن منجوف، وكان سويد رجلاً تقتحمه العين، وليس بذي منظرة:\rوما جذع سوء خرق السوس أصله ... لما حملته وائل بمطيق\rويروى: \" خرب السوس جوفه \" .\rوكان الأخطل مع مهارته وشعره، يسقط. كان مدح سماكاً الأسدي - وهو سماك الهالكي، بن عمير بن عمرو بن أسد، وبنو عمرو يلقبون القيون، ومسجد سماك بالكوفة معروف، وكان من أهلها، فخرج أيام على هارباً فلحق بالجزيرة - فمدحه الأخطل فقال:\rنعم المجير سماك من بني أسد ... بالمرج إذ قتلت جيرانها مضر\rقد كنت أحسبه قيناً وأنبؤه ... فاليوم طير عن أثوابه الشرر\rويروى: \" قد كنت أنبؤه قيناً وأخبره \" .\rإن سماكاً بني مجداً لأسرته ... حتى الممات وفعل الخير يبتدر\rفقال سماك: يا أخطل، أردت مديحي فهجوتني! كان الناس يقولون قولاً فحققته! فلما هجا سويداً: يا أبا مالك، والله ما تحسن أن تهجو ولا تمدح! لقد أردت مدح الأسدي فهجوته - يعني قوله: \" قد كنت أحسبه قيناً \" - وأردت هجائي فمدحتني، جعلت وائلاً كلها حملتني أمورها، وما طمعت في بني ثعلبة، فضلاً عن بكر ، فزدتني تغلب .","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"أبان بن عثمان البجلي، قال: مر الأخطل بالكوفة في بني رؤاس، ومؤذنهم ينادي بالصلاة، فقال بعض شبانهم: أبا مالك، ألا تدخل فتصلي؟ فقال:\rأصلي حيث تدركني صلاتي ... وليس البر وسط بني رؤاس\rحدثني أبو الحصين المدني قال: بينا الأخطل قد خلا مع صاحب له بخميرة لهما في نزهة، إذ طرأ عليهما طارئ لا يعرفانه ولا يستخفانه، فشرب شرابهما، وثقل عليهما، فقال الأخطل:\rوليس القذى بالعود يسفط في الخمر ... ولا بذباب خطبه أيسر الأمر\rولكن شخصاً لا يسر بقربه ... ترامى به الغيظان من حيث لا ندري\rابان بن عثمان، حدثني أبي، قال: دعا الأخطل شاب من شباب أهل الكوفة إلى منزله، فقال: يا ابن أخي، أنت لا تحتمل المؤونة، وليس عليك محتمل! فلم يزل به حتى انتجعه. فاتى الباب فقال: يا شقراء! فخرجت إليه امرأة، فقال لها: أعلمي فلاناً مكاني. فقال لأمه: هذا أبو مالك قد زارنا! فباعت غزلاً فاشترت لهم لحماً ونبيذاً وريحاناً، فدخل خصاً لهم، فأكل معه وشرب، فقال في ذلك:\rوبيت كظهر الفيل جل متاعه ... أباريقه والشارب المتقطر\rترى فيه أثلام الأصيص كأنها ... إذا بال فيها الشيخ حفر معور\rلعمرك ما عشنا بيوم معيشة ... من الدهر إلا يوم شقراء أقصر\rحوارية لا يدخل الذم بيتها ... مطهرة يأوي إليها مطهر\rقال ابو يحيى الضبي: اجتمع الفرزدق وجرير والأخطل عند بشر بن مروان، وكان يغرى بين الشعراء، فقال للأخطل: احكم بين الفرزدق وجرير. قال: أعفني أيها الأمير! قال: احكم بينهما! فاستعفاه بجهده، فأبى إلا أن يقول، فقال: هذا حكم مشؤوم!ثم قال: الفرزدق ينحت بذلك، وكان سبب الهجاء بينهما. فقال جرير في حكومته:\rيا ذا العباية إن بشراً قد قضى ... أن لا تجوز حكومة النشوان\rفدعوا الحكومة لستم من أهلها ... إن الحكومة في بني شيبان\rقلوا كليبكم بلقحة جارهم ... يا خزر تغلب لستم بهجان\rوقال الأخطل يرد عليه:\rولقد تقايستم إلى أحسابكم ... وجعلتم حكماً من الصلتان\rفإذا كليب لا يساوي دارماً ... حتى يساوي حصرم بأبان\rوغذا جعلت اباك في ميزانهم ... رجحوا وشال أبوك في الميزان\rوإذا وردت الماء كان لداروم ... عفواته وسهولة الأعطان\rثم استطار الهجاء.\rوحدثني رجل من بني مروان، شامي، قال: اجتمع جرير والأخطل عند عبد الملك بن مروان، فقال له الأخطل: أين تركت أعيار أمك؟ قال: ترعى مع خنازير أبيك! أبو الغراف قال: تناشدا عند الوليد بن عبد الملك، فأنشد الأخطل كلمة عمرو بن كلثوم:\rألا هبى بصحنك فاصبحا\rفتحرك الوليد، فقال: مغر يا جرير! يريد قصيدة أوس بن مغراء السعدي، ثم القريعي:\rماذا يهيجك من دار بفيحانا ... قفر توهمت منها اليوم عرفانا\rمنا النبي الذي قد عاش مؤتمناً ... وصاحباه وعثمان بن عفانا\rتحالف الناس مما يعلمون لنا ... ولا نحالف إلا الله مولانا\rمحمد خير من يمشي على قدم ... وكان صافية لله خلصانا\rفقال الأخطل: أعلى تعصب يا أمير المؤمنين! وعلى تعين! وانا صاحب عبد الرحمن بن حسان، وصاحب قيس، وصاحب كذا!! وكان الأخطل مستعلياً قيساً في حربهم، فقال:\rإن السيوف غدوها ورواحها ... تركت هوازن مثل قرن الأغضب\rوكان يونس ينشد هذا البيت: \" غدوها ورواحها \" ، جعله ظرفاً.\rوقال الأخطل:\rلقد خبرت والأنباء تنمي ... لقد نجاك يا زفر الفرار\rإلى أن قال:\rألا أبلغ الجحاف هل هو ثائر ... بقتلي أصيبت من سليم وعامر\rفجمع لهم الجحاف السلمي ، وهو أحد بني فالج بن ذكوان، وولد بالبصرة هو وزفر بن الحارث، وكانا عثمانيين، فلما ظهر على بن أبي طالب على أهل البصرة، خرجا إلى الشام، فسادا أهلها. وزفر، من بني نفيل بن عمرو بن كلاب، من ولد يزيد بن الصعق، وهو سيد شريف، وله يقول القطامي حين أسره فمن عليه:\rمن البيض الوجوه بني نفيل ... أبت أخلاقهم إلا ارتفاعا","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"فجمع لهم الجحاف جمعاً فأغار على البشر، وهي منازل تغلب، فأسرف في القتل فيهم، فاستخذأ الأخطل، فقال:\rلقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول\rفإلا تغيرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل\rفقال: إلى أين؟ لا أم لك! قال: إلى النار.\rفوثب عليه جرير عند استخذائه فقال:\rفإنك والجحاف حين تعضه ... أردت بذاك المكث والورد أعجل\rسما لكم ليلاً كأن نجومه ... قناديل فيهن الذبال المفتل\rفما ذر قرن الشمس حتى تبينوا ... كراديس يهديهن ورد محجل\rوما زالت القتلى تمج دماءها ... مع المد حتى ماء دجلة أشكل\rفالا تعلق من قريش بذمة ... فليس على أسياف قيس معول\rبكى دوبل، لا يرقيء الله دمعه! ... ألا انما يبكي من الذل دوبل\rأنا أبو خليفة، قال ابن سلام، قال أبو الغراف، قال الأخطل: والله ما سمتني أمي دوبل الا يوما واحدا! فمن أين سقط الى الخبيث!! وقال الجحاف يجيب الأخطل:\rأبا مالك، هل لمتني مذ حضضتني ... على القتل؟ أم هل لامني لك لائم؟\rولقى الجحاف الأخطل فقال: أبا مالك، كيف رأيت؟ قال: رأيت شيخا فاجرا.\rوقال لي أبان الأعرج: أدرك الجحاف الجاهلية. فقلت له: لم تقول ذاك؟ قال لقوله:\rشهدن مع النبي مسومات ... حنينا وهي دامية الكلام\rنعرض للطعان إذا التقينا ... وجوها لا تعرض للطام\rفقلت له: إنما عني خيل قومه بني سليم.\rوذكرت ذلك لعبد القاهر بن السري فقال: جدي قيس ابن الهيثم أعطى حكيم بن أمية جارية ولدت له الجحاف في غرفة في دارنا - لا أحسبه إلا قال - : رأيتها.\rوروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال:رأيت الجحاف يطوف بالبيت في أنفه خزام وهو يقول: اللهم أغفر لي، ولا أراك تفعل! فقلت: من هذا؟ قالوا: الجحاف. وكان بعد ذلك يتأله ويظهر التوبة.\rومر عكرمة بن ربعى الفياض التيمي بأسماء بن خارجة، حين فتلت تغلب عميربن الحباب، فقال عكرمة لأسماء: أبا مالك، قتلت تغلب عميرا في دارهم! قال: نعم، ومقبلا غير مدبر! قال: نعم. قال: فلا بأس! قال: فلما أدبر عكرمة قال أسماء:\rيدي لك رهن من سليم بغارة ... تشيب لها أصداغ بكر بن وائل\rوأن يتركوا رهط الفدوكس عصبة ... أيامي يتامى عرضة للقبائل\rقال ابن سلام: قدم الأخطل الكوفة، فأتى حوشب ابن رويم الشيباني،فقال: اني تحملت حمالتين لأحقن بهما دماء قومي! فنهره. فأتى شداد بن البزيعة فسأله، فاعتذر اليه. فأتى عكرمة الفياض، وكان كاتبا لبشر بن مروان، فسأله وأخبره بمارد عليه الرجلان، فقال: أما اني لا أتهرك ولا أعتذر اليك، ولكني أعطيك احداهما عينا والأخرى عرضا. قال: وحدث أمر بالكوفة فاجتمع له الناس في المسجد، فقيل له: ان أردت أن تكافئ عكرمة يوما فاليوم فلبس جبة خز، وركب فرسا، وتقلد صليبا من ذهب، وأتى باب المسجد، ونزل عن فرسه. فلما رآه حوشب وشداد نفسا عليه ذلك، وقال له عكرمة: يا أبا مالك! فجاء فوقف، وابتدأ ينشد قصيدته:\rلمن الديار بحائل فوعال\rحتى انتهى الى قوله:\rان ابن ربعي كفاني سيبه ... ضغن العدو وعذرة المختال\rأغلبت حين تواكلتني وائل، ... ان المكارم عند ذاك غوالي\rولقد مننت علي ربيعة كلها، ... وكفيت كل مواكل خذال\rكابن البزيعة أو كآخر مثله، ... أولى لك ابن مسيمة الأجمال\rان اللئيم اذا سألت بهرته، ... وترى الكريم يراح كالمختال\rواذا عدلت به لارجالا لم تجد ... فيض الفرات كراشيح الأوشال\rقال: فجعل عكرمة يبتهج ويقول: هذه والله أحب الي من حمر النعم!.\rأنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، أنا ابن سلام قال: أخبرني أبو الغراف قال: لما قال جرير:\rاذا أخذت قيس عليك وخندف ... بأقطارها، لم تدر من أين تسرح؟\rفما أنشده الأخطل قال:لامن أين! سد والله على الدنيا! حتى أنشد قوله:\rفمالك في نجدحصاة تعدها ... ومالك في غورى تهامة أبطح","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"فقال الأخطل: لا ابالي والله أن لا يكون! فتح، والصليب لي القول! ثم قال:\rولكن لنا بر العراق وبحره ... وحيث يرى القرقور في الماء يسبح\rأخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام قال، قال أبو الخطاب، حدثني نوح بن جرير قال: قلت لأبي: أنت أشعر أم الأخطل؟ فنهرني وقال: بئس ما قلت! وما أنت وذاك لاأم لك! فقلت: وما أنا وغيره! قال لقد أعنت عليه بكفر وكبر سن، وما رأيته الا خشيت أن يبتلعني.\rوفي حديث أبي قيس العنبري، عن عكرمة بن جرير، حين سأل أباه عن الشعراء، فقال في الأخطل: يجيد نعت المولك، ويصيب صفة الخمر.\rأخبرني أبو خليفة قال: أنبأنا محمد بن سلام قال: حدثني شيخ من ضبيعة قال: خرج جرير الى الشأم، فتزل منزلا لبني تغلب، فخرج متلثما عليه ثياب سفره، فلقيه رجل لا يعرفة، فقال: ممن الرجل؟ قال: من بني تميم. قال: أما سمعت ما قلت لغاوي بني تميم؟ - فأنشده مما قال لجرير - فقال: أما سمعت ما قال لك غاوي بني تميم؟ - فأنشده - ثم عاد الأخطل وعاد جرير في نقضه، حتى كثر ذلك بينهما. فقال التغلبي: من أنت؟ لا حياك الله! والله لكأنك جرير قال: فأنا جرير.قال: وأنا الأخطل أنا أبو خليفة، أنا ابن سلام قال: سمعت سلمة بن عياش يقول: تذاكرنا جريرا والفرذدق والأخطل، فقال قائل: من مثل الأخطل؟ ان في كل بيت له بيتين، اذ يقول:\rولقد علمت، اذا العشار تروحت ... هدج الرثال، تكبهن شمالا،\rانا نعجل بالعبيط لضيفنا ... قبل العيال، ونقتل الأبطالا\rولو شاء لقال:\rولقد علمت اذا العشار ... تروحت هدج الرثال\rأنا نعجل بالعبيط ... لضيفنا قبل العيال\rفكان هذا شعرا، وكان على غير ذلك الوزن.\rوقيل للأخطل عند الموت: أتوصي أبا مالك فقال:\rأوصي الفرزدق عند الممات ... بأم جرير وأعيارها\rوزار القبور أبو مالك ... برغم العداة وأوتارها\rأنا أبو خليفة، أنا ابن سلام قال، فحدثني أبان بن عثمان قال: لما بلغ الفرزدق قول الأخطل، جعل يحن عليه ويقول: سآخذ بوصية أخي أنا أبو خليفة، أنا ابن سلام قال، حدثني محمد بن حفص بن عائشة التيمي قال: قال اسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب: خرجت مع أبي الى الشام، فخرجت الى دمشق أنظر الى بتائها، فاذا كنيسة، واذا الأخطل في ناحيتها. فلما رآني أنكرني، فسأل عني فأخبر بنسبي، فقال: يافتى ان لك موضعا وشرفا، وان الأسقف قد حبسني، فأنا أحب أن تأتيه تكلمه في اطلاقي. قال: قلت: نعم! فذهبت الى الأسقف وانتسبت له، فكلمته وطلبت اليه في تخليته. فقال: مهلا، أعيذك بالله أن تكلم في مثل هذا، فان لك موذعا وشرفا، وهذا ظالم يشتم أعراض الناس ويهجوهم! فلم أزل به حتى قام معي فدخل عليه الكنيسة، فجعل يوعده ويرفع عليه العصا،والأخطل يتضرع اليه، وهو يقول له: أتعود؟ أتعود؟ فيقول: لا! قال اسحاق: فقلت له: يا أبا مالك تهابك الملوك، وتكرمك الخلفاء، وذكرك في الناس عظيم أمره، وأنت تخضع لهذا هذا الخضوع وتستحذي له! قال: فجعل يقول لي: انه الدين! انه الدين! أنا أبو خليفة، أنا ابن سلام، حدثني محمد بن الحجاج الأسسيدي قال: خرجت الى الصائفة، فنزلت منزلا لبني تغلب، فلم أجد به طعاما ولا شرابا ولا علفا لدابتي شرى ولا قرى، ولم اجد ظلا. فقلت لرجل منهم: أما في داركم هذه مسجد أستظل بفيئه؟ قال: ممن أنت؟ قلت:من بني تميم. قال: ما كنت أرى عمك جريرا الا قد أخبرك حين قال:\rفينا المساجد والامام، ولاترى ... في دار تغلب مسجدا مغمورا\rأخبرني أبو خليفة، اجازة، عن محمد بن سلام قال، قال ابان بن عثمان، حدثني سماك بن حرب، عن ضوء بن اللجلاج قال: دخلت حماما باكوفة وفيه الأخطل، قال، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني ذهل. قال: أتروي للفرزدق شيئا؟ قلت: نعم. قال: ما أشعر خليلي! على أنه ما أسرع مارجع في هبته! قلت: وما ذاك: قال: لقوله:\rأبني غدانة، انني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال\rلولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألأم آنف وسبال","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"وهبهم في الأول، ورجع في الآخر! فقلت: لو أنكر الناي كلهم هذا ما كان ينبغي أن تنكره أنت.قال: كيف؟ قلت: هجوت زفر بن الحارث، ثم خوفت الخليفة منه فقلت:\rبني أمية، اني ناصح لكم ... فلا يبيتن فيكم آمنا زفر\rمفترشا كافتراش الليث كلكلة ... لوقعة كائن فيها له جزر\rومدحت سماك بن مخرمة فقلت:\rقدكنت أحسبه قينا وأخبره، ... فاليوم طير عن أثوابه الشرر\rلو أردت المبالغة في هجائه ما زدت على هذا! فقال لي الأخطل: والله لولا أنك من قوم سبق لي منهم ما سبق، لهجوتك هجاء يدخل معك قبرك. ثم قال:\rما كنت هاجي قوم بعد مدحهم ... ولا تكدر نعمي بعد ما تجب\rمقلدات الأخطل أنا أبو خليفة، أنا أبو سلام أنا أبو الغراف قال: أنشد الأخطل قصيدته التي يقول:\rواذا افتقرت الي الذخائر، لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال\rفقال له هشام بن عبد الملك: هنيئا لك أبا مالك الإسلام! - أو قال: أسلمت! - قال: مازلت مسلماً! - يقول: في ديني - .\rأخبرنا أبو خليفة اجازة، عن محمد بن سلام قال، قال لي معاوية بن أبي عمرو بن العلاء: أي البيتين عندك أجود؟: قول جرير:\rألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\rأم قول الأخطل:\rشمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما اذا قدروا\rفقلت: بيت جرير أحلى وأسير، وبيت الأخطل أجزل وأرزن. فقال: صدقت! وهكذا كانا في أنفسهما عند الخاصة والعامة.\rوقال الأخطل فيها:\rحشد على الحق، من قول الخناخرس ... وان ألمت بهم مكروهة صبروا\rبني أمية، اني ناصح لكم ... فلا تبيتن فيكم آمنا زفر\rفان مشهدة كفر وغائلة ... وما تغيب من أخلاقه دعر\rان العداوة تلقاها، وان أقدمت، ... كالعهر يكمن أحياناويتنشر\rبني أمية، قد ناضلت دونكم ... أبناء قوم هم آووا وهم نصروا\rوقيس عيلان حتى أقبلوا رقصا ... فبايعوك جهارا بعدما كفروا\rضجوا من الحرب اذ عضت غواربهم، ... وقيس عيلان من أخلاقها الضجر\rوقوله لجرير:\rقوم اذا استنبح الأضياف كلبهم، ... قالوا لأمهم: بولي على النار\rوقوله له:\rيا ابن المراغة، ان عمى اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا\rوأخوهم السفاح ظمأ خيله ... حتى وردن جبى الكلاب نهالا\rفانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا\rمنتك نفسك أن تكون كدارم ... أو أن توازن حاجبا وعقالا\rوقوله في قصيدته التي أوقع فيها بقيس قبيلة قبيلة، وشبب بهند بنت أسماء:\rألا يا اسلمى ياهند هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدي آخر الدهر\rوإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني ... بسهمك والرامي يصيب ولا يدري\rوقال فيها:\rوقد سرني من قيس عيلان أنني ... رأيت بني العجلان سادوا بني بدر\rقال: واستنشد سلم بن قتيبة - وهو أمير على البصرة - عيسى بن عمر، وكان أحسن الناس نشيدا، فأنشده كلمة الأخطل هذه فلما مضى فيها انتبه فأقصر. فقال له سلم: اضرب بها وجوهنا في ظلمة الليل أبا عمرو.\rوقوله لجرير:\rنخست بيربوع لتدرك دارما! ... لقد ضل من مناك تلك الأمانيا!\rجريت شباب الدهر لم تستطعهم ... أفالآن لما أصبح الدهر فانيا!\rأتشتم قوما أثلوك بنهشل ... ولولاهم كنتم كعكل مواليا؟\rوقوله لمصقلة بن هبيرة الشيباني:\rدع المغمر لا تسأل بمصرعه ... واسأل بمصقلة البكري: ما فعلا؟\rإن ربيعة لن تنفك صالحة ... ما دافع الله عن حوبائك الأجلا\rوقوله لبشر بن مروان:\rإذا أتيت أبا مروان تسأله ... وجدته: حاضراه الجود والحسب\rوقوله:\rفقلت: أصبحونا لا أبا لأبيكم؟ ... وما وضعوا الأثقال إلا ليفعلوا\rوقال فيها لخالد بن عبد الله بن أسيد:","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"أبي عودك المعجوم إلا صلابة ... وكفاك إلا نائلا حين تسأل\rوقوله:\rوشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار\rعذراء لم يجتل الخطاب بهجتها ... حتى اجتلاها عبادي بدينار\rوقوله ليزيد بن معاوية:\rوترى عليه إذا العيون شزرنه ... سيما الحليم وهيبة الجبار\rالراعي والراعي: عبيد بن حصين، كان من رجال العرب ووجوه قومه، وكان يقال له في شعره: كأنه يعتسف الفلاة بغير دليل! أي أنه لا يحتذي شعر شاعر ولايعارضه، وكان مع ذلك بذيا هجاء لعشيرته، قال له جرير:\rوقرضك في هوازن شر قرض ... تهجيها وتمتدح الوطابا\rقال ابن سلام: وسمعت يونس وقيل له: ما يعني الراعي بقوله:\rيبيت الحية النضناض منه ... مكان الحب يستمع السرارا\rقال يونس: الحب: القرط، وقال: الشنف. والنضناض: الذي يخرج لسانه. قال يونس: يقولون: \" حية ذكر، ونعامة ذكر، وشاة ذكر، وبطة ذكر \" - ولم أسمعه منه - .\rوكان بعد هجاء جرير له مغلبا. قال رجل من قومه، علامة وراوية فصيح: كان فحل مضر حتى ضغمه الليث! يعني جريرا.\rولقد هجا الراعي فأوجع. قال لابن الرقاع العاملي:\rلو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرقاع ولكن لست من أحد\rتأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد\rأخبرنا أبو خليفة قال، أخبرنا محمد بن سلام قال، قال أبو الغراف: جاور راعي الإبل بني سعد بن زيد مناة بن تميم، فنسب بامرأة منهم، من بني شمس، ثم أحد بني وابش، فقال:\rبني وابش إنا هوينا جواركم ... وما جمعتنا نية قبلها معا\rخليطين من حيين شتى تجاورا ... جميعا وكانا بالتفريق أضيعا\rأرى أهل ليلى لا يبالي أميرهم ... على حالة المحزون أن يتصدعا\rوقال فيها أيضا:\rتذكر هذا القلب هند بني سعد! ... سفاها وجهلا ما تذكر من هند!!\rتذكر عهدا كان بيني ووبينها ... قديما وهل أبقت لك الحرب من عهد!!\rقال ابن سلام: فلما بلغهم شعره أزعجوه وأصابوه بأذى، فخرج عنهم، وقال فيهم:\rأرى إبلي تكالأ راعياها ... مخافة جارها الدنس الذميم\rوقد جاورتهم فرأيت سعدا ... شعاع الأمر عازبة الحلوم\rفأمى أرض قومك! إن سعدا ... تحملت المخازي عن تميم\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، وحدثني أبو يحيى الضبي قال: وفد الراعي إلى عبد الملك يشكو بعض عماله، وكانت قيس زبيرية، وكان عبد الملك ثقيل النفس عليه، فأتاه وقد قال في مديحه بشر بن مروان، في كلمة يعتذر من تزبر قومه:\rفلو كنت من أصحاب مروان إذ دعا ... بعذراء يممت الهدى إذ بداليا\rعلى بردى إذ قال: إن كان عهدهم ... أضيع فكونوا لاعلى ولاليا\rولكنني غبيت عنهم فلم يطع ... رشيد ولم تعص العشيرة غاويا\rقال: فأنشدتها جابر بن جندل، أبا عبد الله الفزاري، فقال: هو الذي يخطب الدراهم حتى أتت قومه.\rوقال لعبد الملك:\rإني حلفت على يمين برة ... لا أكذب اليوم الخليفة قيلا\rما إن أتيت أبا خبيب وافدا ... يوما أردت لبيعتي تبديلا\rولا أتيت نجيدة بن عويمر ... أبغى الهدى فيزيدني تضليلا\rأزمان قومي والجماعة كالذي ... لزم الرحالة أن تميل مميلا\rأخذوا العريف فشققوا حيزومه ... بالأصبحية قائما مغلولا\rكهداهد كسر الرماة جناحه ... يدعو بقارعة الشريف هديلا\rفارفع مظالم عيلت أبناءنا ... عنا وأنقذ شلونا المأكولا\rولئن بقيت لأدعون لطية ... تدع الفرائض بالشريف قليلا\rفقال له عبد الملك: وأين من الله والسلطان، لا أم لك؟! فقال: يا أمير المؤمنين: من عامل إلى عامل، ومصدق إلى مصدق فلم يحظ ولم يحل منه بشيء.\rفوفد إليه من قابل، فقال في كلمة أخرى:\rأما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"واختل ذو المال والمثرون قد بقيت ... على التلاتل من أموالهم عقد\rفإن رفعت بهم رأسا نعشتهم ... وإن لقوا مثلها في قابل فسدوا\rفقال له عبد الملك: أنت العام أعقل منك عام أول.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، حدثني أبو الورد الكلابي قال: اجتمع الراعي: أما الشعر فالأمير أعلم به، ولكن والله ماتمخضت تغلبية عن مثلك! - وأم بشر: قطية بنت بشر بن عامر بن مالك أبي براء ملاعب الأسنة - وقال له الراعي:\rنزلت من البطحاء في آل جعفر ... ومن عبد شمس منزلا متعاليا\rوقال الأخطل في حرب تغلب وقيس، في التي هجا فيها قبائل قيس:\rوقد سرني من قيس عيلان أنني ... رأيت بني العجلان سادوا بني بدر\rوقد غبر العجلان حينا إذا بكى ... على الزاد ألقته الوليدة في الكسر\rفيصبح كالخفاش يدلك عينه ... فقبح من وجه لئيم ومن حجر\rفعارضه الراعي فقال:\rبرهظ ابن كلثوم بدأنا فأصبحوا ... لتغلب أذنابا وكانوا نواصيا\rوغارتنا أودت ببهراء إنها ... تصيب الصريح مرة والمواليا\rوقال وكانت امرأة من العرب، من بني نمير، حسانة، وكانت تظغن مع الراعي إذا ظغن، وتحل معه إذا حل. فغار رجل منهم - يقال إنه من قيس كبة - فقطع بطانها لما رحلت، فسقط هودجها وعنتت، فقال الراعي:\rولم أر معقورا به وسط معشر ... أقل انتصارا باللسان وباليد\rسوى نظر ساج بعين مريضة ... جرت عبرة منها ففاضت بإثمد\rبكت عين من أذرى دموعك إنما ... وشى بك واش من بني أخت مسرد\rفلو كنت معذورا بنصرك طيرت ... صقوري غربان البعير المقيد\rقال وكان أوس بن مغراء السعدي القريعي يهاجي النابغة الجعدي وراعي الإبل وابن السمط، من بني عامر بن صعصعة، فقال الراعي لأوس بن مغراء:\rوأوس بن مغراء الهجين يسبني ... وأوس بن مغراء الهجين أعاقبه\rتمنى قريش أن تكون أخاهم! ... لينفعك القول الذي أنت كاذبه!\rقريش الذي لا تستطيع كلامه ... ويكسر عند الباب أنفك حاجبه!!\rفسالم أوس بن مغراء، الجعدي وابن السمط، فقال الراعي في صلحهم:\rفإن كنت يا ابن السمط سالمت دوننا ... وقيس أبو ليلى فلما نسالم\rوإن كنتما أعطيتما القوم موثقا ... فلا تغدوا واستسمعا للمراجم\rفإني زعيم أن أقول قصيدة ... محبرة كالنقب بين المخارم\rخفيفة أعجاز المطي ثقيلة ... على قرنها نزالة بالمواسم\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام، حدثني جابر بن جندل الفزاري بقصة، وفي إثرها قال: وضاف الراعي رجل من بني كلاب في سنة حصاء ولم يحضره قرى، وكان الكلابي على ناب له، فأمر الراعي ابن أخ له، يقال له حبتر، فنحرها، فأطعمها إياه ولا يعلم الكلابي فعيره بنوعم له من قومه كانوا يهاجونه: الحلال وخنزر، فزعم أنه أخلفها له، وقال الراعي:\rعجبت من السارين والريح قرة ... إلى ضوء نار بين فردة والرحا\rإلى ضوء نار يستوي القد أهلها ... وقد يكرم الأضياف والقد يشتوي\rفلما أتونا فاشتكينا إليهم ... بكوا وكلا الحيين مما به بكى\rبكى معوز من أن يلام وطارق ... يشد من الجوع الإزار على الحشا\rفطأطأت طرفي هل أرى من سمينة ... تدارك فيها ني عامين والصوى!\rفأبصرتها كوماء ذات عريكة ... هجانا من اللاتي تمتعن بالصوى\rفأومضت إيماضا خفيا لحبتر ... ولله عينا حبتر! أيما فتى!\rفقلت له: ألصق بأيبس ساقها ... فإن يجبر العرقوب لا يرقأ النسا\rفقام إليها حبتر بسلاحه ... مضى غير منكود ومنصله انتضى\rكأني وقد أشبعته من سنامها ... كشفت غطاء عن فؤاجي فانجلى\rفبتنا وباتت قدرنا هزة ... لنا قبل ما فيه شواء ومصطلى\rوأصبح راعينا بريمة عندنا ... بستين أنقتها الأسنة والخلا","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"فقلت لرب الناب: خذها فتية ... وناب عليها مثل نابك في الحيا\rالطبقة الثانية\rالبعيث، واسمه خداش بن بش بن خالد بن بيبة بن قرط ابن سفيان بن مجاشع بن دارم. وسمي البعيث بقوله:\rتبعث مني ما تبعث بعد ما ... أمرت حبال كل مرتها شزرا\rوهو أول شعر قاله.\rوالقطامي، واسمه عمرو بن شييم بن عمرو، أحد بني بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب.\rوكثير بن عبد الرحمن الخزاعي، وهو ابن أبي جمعة، وكنيته أبو صخر، وهو عند أهل الحجاز أشعر من كل من قدمنا عليه.\rوذو الرمة، واسمه غيلان، وهو الذي يقول:\rأنا أبو الحارث، واسمي غيلان\rابن عقبة بن بهيش بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب بن عوف بن ثعلبة بن ربيعة بن ملكان بن عدي بن عبد مناة بن أد، وهم عدي التيم، وتيم عدي، والتيم من الرباب وكان البعيث شاعرا فاخر الكلام حر اللفظ، وقد غلبه، جرير وأخمله. وكان قد قاوم جريرا في قصائد، ثم ضج إلى الفرزدق واستغاثه.\rوكان القطامي شاعرا فحلا، رقيق الحواشي، حلو الشعر. والأخطل أبعد منه ذكرا وأمتن شعرا.\rوكان زفر بن الحارث أسره في حرب بينهم وبين تغلب، فمن عليه وأعطاه مئة من الإبل ورد عليه ماله، فقال القطامي في كلمة له:\rمن مبلغ زفر القيسي مدحته ... عن القطامي قولا غير إفناد\rإني وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلا ضربة الهادي\rمثن عليك بما أسلفت من حسن ... وقد تعرض مني مقتل بادي\rفلن أثيبك بالنعماء مشتمة ... ولن أبدل إحسانا بإفساد\rفإن هجوتك ما تمت محافظتي ... وإن مدحت لقد أحسنت إصفادي\rإذ يعتريك رجال يسألون دمي ... ولو تطيعهم أبكيت عوادي\rوإذ يقولون: أرضيت العداة بنا! ... لا بل قدحت بزند غير صلاد\rولا كردك مالي بعدما كربت ... تبدي الشماتة أعدائي وحسادي\rفإن قدرت على يوم جزيت به ... والله يجعل أقواما بمرصاد\rقال ابن سلام: فلما بلغ زفر قوله، قال: لا قدرت على ذلك اليوم.\rوقال القطامي يمدحه في أخرى:\rومن يكن استلام إلى ثوى ... فقد أحسنت يا زفر المتاعا\rأكفر بعد دفع الموت عني ... وبعد عطائك المئة الرتاعا؟\rولم أر منعمين أقل منا ... وأكرم عندما اصطنعوا اصطناعا\rمن البيض الوجوه بني نفيل ... أبت أخلاقهم إلا اتساعا\rبني القرم الذي علمت معد ... تفضل فوقهم حسبا وباعا\rوالقطامي الذي يقول:\rألم يحزنك أن حبال قيس ... وتغلب قد تباينتا انقطاعا\rأمور لو تدبرها حليم ... إذا لنهى وهيب ما استطاعا\rولكن الأديم إذا تفرى ... بلى وتعينا غلب الصناعا\rومعصية الشفيق عليك مما ... يزيدك مرة منه استماعا\rوخير الرأي ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا\rوقال يمدح أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري:\rإذا مات ابن خارجة بن حصن ... فلا مطرت على الأرض السماء\rولا رجع البريد بغنم خير ... ولا حملت على الطهر النساء\rوقال فيه أيضا:\rوعليك أسماء بن خارجة الذي ... على الفعال ورفع البنيانا\rفستعلمين: أصادر وراده ... عنه وأي فتى فتى غطفانا؟\rوكان كثير شاعر أهل الحجاز، وإنهم ليقدمونه على بعض من قدمنا عليه. وهو شاعر فحل، ولكنه منقوص حظه بالعراق.\rوسمعت يونس النحوي يقول: كان ابن أبي إسحاق يقول: كان كثير أشعر أهل الإسلام.\rقال ابن سلام: ورأيت ابن أبي حفصة يعجبه مذهبه في المديح جدا، يقول: كان يستقصي المديح.\rوكان فيه مع جودة شعره خطل وعجب، وكانت له منزلة عند قريش وقدر قال: وقدم على عبد الملك بن مروان الشام فأنشده، والأخطل عنده، فقال عبد الملك: كيف ترى يا أبا مالك! قال: أرى شعرا حجازيا مقرورا، لو ضغطه برد الشام لاضمحل.","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"قال: وأخبرني أبان بن عثمان البجلي قال: دخل كثير على عبد الملك فأنشده مدحته وفيها:\rعلى ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها وأذلها\rفقال له عبد الملك: أفلا قلت كما قال الأعشى لقيس ابن معدي كرب؟:\rوإذا تجيء كتيبة ملمومة ... شهباء يخشى الذائدون نهالها\rكنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها\rفقال يا أمير المؤمنين! وصفه بالخرق، ووصفتك بالحزم.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، أخبرني عثمان بن عبد الرحمن قال: أنشد كثير عبد الملك بن مروان حين أزمع بالمسير إلى مصعب:\rإذا ما أراد الغزو لم تثن همه ... حصان عليها نظم در يزينها\rنهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت وبكى مما شجاها قطينها\rفقال عبد الملك: والله لكأنه شهد عاتكة! بنت يزيد بن معاوية وهي امرأته، أم يزيد بن عبد الملك.\rوقدم كثير على يزيد بن عبد الملك وقد مدحه بقصائد جياد مشهورة، فأعجب بهن يزيد، وقال له: احتكم. قال: وقد جعلت ذلك إلي! قال: نعم. قال: مئة ألف. قال: ويحك! مئة ألف!! قال: على جود أمير المؤمنين أبقى أم على بيت المال؟ قال: ما بي استكثارها، ولكني أكره أن يقول الناس: أعطي شاعرا مئة ألف، ولكن فيها عروض؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين.\rفكان يحضر سمر يزيد ويدخل عليه، فقال له ليلة: يا أمير المؤمنين ما يعني الشماخ بقوله:\rإذا عرقت مغابنها وجادت ... بدرتها قرى جحن قتين\rقال: فسكت عنه يزيد، فقال: بصبصن إذ حدين! ثم أعاد فسكت عنه يزيد، فقال: بصبصن إذ حدين! فقال له يزيد: وما على أمير المؤمنين أن لا يعرف هذا؟ هو القراد أشبه الدواب بك! - وكان كثير قصيرا متقارب الخلق - فحجب عن يزيد فلم يصل إليه، فكلم مسلمة بن عبد الملك يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، مدحك؟ قال: بكم مدحنا؟ قال: بسبع قصائد. قال: فله سبعمئة دينار، والله لا أزيده عليها.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام، نا - أو حدثني - ابن جعدبة وأبو اليقظان، عن جويرية بن أسماء قال: مات كثير وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد، فأجفلت قريش في جنازة كثير، ولم يوجد لعكرمة من يحمله.\rوكان لكثير في التشبيب نصيب وافر، وجميل مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب جميعا في النسيب، وله في فنون الشعر ما ليس لجميل. وكان جميل صادق الصبابة، وكان كثير يتقول، ولم يكن عاشقا، وكان راوية جميل.\rوهو القائل:\rألمم بعزة إن الركب منطلق ... وإن نأتك ولم يلمم بها خرق\rقامت تراءى لنا والعين ساجية ... كأن إنسانها في لجة غرق\rثم استدار على أرجاء مقلتها ... مبادرا خلسات الطرف يستبق\rكأنه حين مار المأقيان به ... در تحلل من أسلاكه نسق\rقال وسمعت الناس يستحسنون من قوله:\rأريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل\rقال ابن سلام: وسمعت من يطعن عليه يقول: ما له يريد ينسى ذكرها؟ تعلق الناس على كثير بقوله:\rفإن أمير المؤمنين هو الذي ... غزا كامنات الصدر مني فنالها\rوقوله:\rترى ابن أبي العاصي وقد صف دونه ... ثمانون ألفا قد توافت كمولها\rيقلب عيني حية بمحارة ... إذا أمكنته شدة لا يقيلها\rقال ابن سلام: فقلت لابن أبي حفصة: من جودة مديحه هذا، جعل دونه ثمانين ألفا! وجعله يقلب عيني حية بمحارة! وجعل أمير المؤمنين غزا كامنات صدره!. فقال: هذا النابغة قال لملك العرب:\rأحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد\rأمره أن يحكم كحكم فتاة وقال كثير لعبد العزيز بن مروان:\rوما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مضابئها ضبابي\rويرقيني لك الحاوون حتى ... أجابك حية تحت الحجاب\rوحدثني أبو خليفة، عن محمد بن سلام قال: كان علماؤنا يقولون: أحسن الجاهلية تشبيها امرؤ القيس، وأحسن أهل الإسلام تشبيها ذو الرمة.\rوقوله:\rبها العين والآرام فوضى كأنها ... ذبال تذكي أو نجوم طوالع\rوقوله:\rكأن يدي حربائها متشمسا ... يدا مجرم يستغفر الله تائب\rوقوله:","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"فنلنا صدورا من حديث كأنه ... جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع\rأخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام قال، أخبرنا أبو البيداء الرياحي قال، قال جرير: قاتل الله ذا الرمة حيث يقول:\rومنتزع من بين نسعيه جرة ... نشيج الشجا جاءت إلى ضرسه نزرا\rأما والله لو قال: \" من بين جنبيه \" ، لما كان عليه من سبيل.\rحدثنا أبو خليفة، عن ابن سلام قال: كان ذو الرمة من جرير والفرزدق بمنزلة قتادة من الحسن وابن سيرين، وكان يروى عنهما وعن الصحابة، وكذلك ذو الرمة، هو دونهما ويساويهما في بعض شعره.\rقال: ويقال إن ذا الرمة راوية راعي الإبل، ولم يكن له حظ في الهجاء، وكان مغلبا.\rأنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: إنما شعره نقط عروس: يضمحل عن قليل، وأبعار ظباء: لها مشم في أول شمها ثم تعود إلى أرواح البعر.\rأخبرني محمد بن يحيى، عن الفضل بن الحباب، عن محمد ابن سلام قال: مر الفرزدق بذي الرمة وهو ينشد:\rأمنزلتي مي سلام عليكما ... هل الأزمن اللائي مضين رواجع\rفوقف حتى فرغ منها. فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ قال: أرى خيرا. قال: فمالي لا أعد في الفحول؟ قال: يمنعك عن ذلك صفة الصحاري وأبعار الإبل. وولى الفرزدق وهو ينشد:\rودوية لو ذو الرميمة رامها ... بصيدح أودى ذو الرميم وصيدح\rقطعت إلى معروفها منكراتها ... إذا خب آل دونها يتوضح\rوكان هوى ذي الرمة مع الفرزدق على جرير، وذلك لما كان بين جرير وابن لجأ التيمي، وتيم وعدي أخوان من الرباب، وعكل أخوهم ولذلك يقول جرير:\rفلا يضغمن الليث عكلا بغرة ... وعكل يشمون الفريس المنيبا\rالفريس ههنا: ابن لجأ. وكذلك يفعل السبع: إذا ضغم شاة ثم طرد عنها أو سبقته، أقبلت الغنم تشم موضع الضغم، فيفترسها السبع وهي تشم، ولذلك قال جرير لبني عدي:\rوقلت نصاحة لبني عدي: ... ثيابكم ونضح دم القتيل\rيحذر عديا ما لقى ابن لجأ أنا أبو خليفة، نا ابن سلام قال، أخبرني أبو يحيى الضبي قال، قال ذو الرمة يوما: لقد قلت أبياتا إن لها لعروضا، وإن لها لمرادا ومعنى بعيدا. قال الفرزدق: وما قلت؟ قال قلت:\rأحين أعاذت بي تميم نساءها ... وجردت تجريد اليماني من الغمد\rومدت بضبعي الرباب ومالك ... وعمرو وشالت من ورائي بنو سعد\rومن آل يربوع زهاء كأنه ... زها الليل محمود النكاية والرفد\rفقال له الفرزدق: لا تعودن فيها، فأنا أحق بها منك! قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلا لك.\rفهي في قصيدة الفرزدق التي يقول فيها:\rوكنا إذا القيسي نب عتوده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكرد\rالأنثيان: الأذنان. والكرد: العنق.\rأنا أبو خليفة، نا محمد بن سلام، حدثني أبو الغراف قال: مر ذو الرمة بمنزل لامرئ القيس بن زيد مناة، يقال له \" مرأة \" به نحل، فلم ينزلوه ولم يقروه، فقال:\rنزلنا وقد طال النهار وأوقدت ... علينا حصى المعزاء شمس تنالها\rأنخنا فظللنا بأبراد يمنة ... عتاق وأسياف قديم صقالها\rفلما رآنا أهل مرأة أغلقوا ... مخادع لم ترفع لخير ظلالها\rوقد سميت باسم امرئ القيس قرية ... كرام صواديها لئام رجالها\rفلج الهجاء بني ذي الرمة وبين هشام المرئي.\rفمر الفرزدق بذي الرمة وهو ينشد:\rوقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه\rوأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه\rفقال الفرزدق ألهاك التبكاء في الديار، والعبد يرجز بك في المقبرة! يعني هشاما.\rوكان ذو الرمة مستعليا هشاما، حتى لقى جرير هشاما فقال:غلبك العبد! - يعني ذا الرمة - . قال: فما أصنع يا أبا حزرة، وأنا راجز وهو يقصد، والرجز لا يقوم للقصيد في الهجاء؟ فلو رفدتني! فقال له جرير - لتهمته ذا الرمة وميله إلى الفرزدق - قل له:\rغضبت لرهط من عدي تشمسوا! ... وفي أي يوم لم تشمس رحالها\rوفيم عدي عبد تيم من العلا ... وأيامنا اللاتي يعد فعالها؟","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"وضبة عمي يا ابن جل فلاترم ... مساعي قوم ليس منك سجالها\rيماشي عديا لؤمها لا تجنه ... من الناس ما ماشت عديا ظلالها\rفقل لعدي تستعن بنسائها ... على فقد أعي عديا رجالها\rأذا الرم قد قلدت قومك رمة ... بطئيا بأيدي المطلقين انحلالها\rقال ابن سلام، فحدثني أبو الغراف قال: لما بلغت الأبيات ذا الرمة قال: والله ما هذا بكلام هشام، ولكنه كلام ابن الأتان.\rقال: وحدثني أبو البيداء قال: لما سمعها قال؟ هو والله شعر حنظلي عدوي.\rوغلب هشام على ذي الرمة.\rوكان ذو الرمة يتشبب بمي بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقري، وكانت كنزة أمة مولدة لآل قيس بن عاصم - وهي أم سهم ابن بردة اللبن، الذي قتله سنان بن مخيس القشيري، أيام محمد بن سليمان - فقالت كنزة:\rعلى وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الخزي لو كان باديا\rألم تر أن الماء يخبث طعمه ... ولو كان لون الماء في العين صافيا\rونحلتها ذا الرمة. فامتعض من ذلك، وحلف بجهد أيمانه ما قالها، قال: وكيف أقول هذا، وقد قطعت دهري وأفنيت شبابي أشبب بها وأمدحها! ثم أقول هذا!!، ثم طلع على أن كنزة قالتها ونحلتها إياه.\rوأخبرني أبو سوار الغنوين وكان فصيحا، قال: رأيت ميا ورأيت معها بنين لها، صغار. قلت: فصفها. قال: مسنونة الوجه، طويلة الخدين، شماء الأنف، عليها وسم جمال، فقالت لي: ما تلقيت بأحد من هؤلاء إلا في الإبل. قلت له: أفكانت تنشدك ما قال فيها ذو الرمة؟ قال: إي والله، تسح سحا ما رأى مثله أحد.\rقال: حدثني أبو يحيى الضبي قال: لقى ذو الرمة رؤبة فقال له ذو الرمة: ما يعني الراعي بقوله:\rأناخا بأشوال طروقا بخبة ... قليلا وقد أعي سهيل فعردا\rفجعل رؤبة يقع مرة ههنا ومرة ههنا، إلى أن قال: هي أرض بين المكلئة والمجدبة. وكذاك هي.\rقال: وكان ذو الرمة أيضا ينسب بخرقاء، إحدى نساء بني عامر بن ربيعة، وكانت تحل فلجة ويمر بها الحاج، فتقعد لهم وتحدثهم وتهاديهم وتقول: أنا منسك من مناسك الحج. ثم كانت تجلس معها فاطمة ابنتها، فحدثني من رآها قال: لم تكن فاطمة مثلها. وإنما قالت: \" أنا من مناسك الحج \" ، يقول ذي الرمة:\rتمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام\rوقال فيها:\rأعن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عنينك مسجوم؟\rتثني الخمار على عرنين أرنبة ... شماء مارنها بالمسك مرثوم\rوكانت مية عند ابن عم لها يقال له عاصم، فيه يقول ذو الرمة:\rألا ليت شعري هل يموتن عاصم ... ولم تشتعبني للمنايا شعوبها!\rرمى الله من حتف المنية عاصما ... بقاصمة يدعى لها فيجيبها\rقال وحدثني أبي سلام، قال: دخلت على خرقاء فقالت: اخرجي يا فاطمة! - تعني ابنتها - فخرجت امرأة جميلة، وليست كأمها.\rقال ابن سلام في خبره: وأرسلت خرقاء، إلى القحيف العقبلي تسأله أن يشبب بها فقال:\rلقد أرسلت خرقاء نحوي جريها ... لتجعلني خرقاء فيمن أضلت\rوخرقاء لا تزداد إلا ملاحة ... ولو عمرت تعمير نوح وجلت\rقال وحدثني محمد بن أبي عدي الفقيه قال، قال ذو الرمة: بلغت نصف عمر الهرم، وأنتا ابن أربعين سنة. قال: ولم يبق ذو الرمة بعد ذلك إلا قليلا، لأنه مات شابا.\rقال ابن سلام: حدثني أبو الغراف، أنه مات وهو يريد هشاما، وقال في طريقه ذلك:\rبلاد بها أهلها لست ابن أهلها ... وأخرى بها أهلون ليس لها أهل\rقال: وكانوا إخوة ثلاثة: غيلان، وهو ذو الرمة، وأوفى، ومسعود، بنو عقبة، فهلك أوفى، ثم هلك ذو الرمة، فقال مسعود:\rتعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع\rولم ينسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكأ القرح بالقرح أوجع\rولمسعود يقول ذو الرمة:\rبل عجبت أخت بني لبيد ... وهزئت مني ومن مسعود\rرأت غلامي سفر بعيد ... يدرعان الليل ذا السدود\rمثل أدراع اليلمق الجديد ... أما بكل كوكب حريد","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"إذا سهيل لاح كالوقود ... فردا كشاة البقر المطرود\rيا صاحبي صوتا بالقود ... وعللاهن بهيد هيد\rوفيها يقول:\rأشعث باق رمة التقليد\rوبهذه الكلمة سمي ذا الرمة.\rوحدثني أبي - سلام بن عبيد الله - قال: رأيت ذا الرمة، ورأيت لمته وهيئته. وقال لأبي الغراف: فيك مشابه منه.\rحدثني أبو الغراف قال: دارأ الحكم بن عوانة ذا الرمة في بعض قوله، فقال فيه:\rفلو كنت من كلب صحيح هجوتكم ... جميعا ولكن لا إخالك من كلب\rولكنما أخرت أنك ملصق ... كما ألصقت من غيرها ثلمة القعب\rتدهدي فجرت ثلمة من صحيحة ... فلز بأخرى بالغراء وبالشعب\rوحدثني أبو الغراف قال: دخل ذو الرمة على بلال ابن أبي بردة، وكان بلال راوية فصيحا أديبا، فأنشد بلال أبيات حاتم طيء:\rلحا الله صعلوكا مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوسا ومطعما\rيرى الخمس تعذيبا وإن نال شبعة ... يبت قلبه من قلة الهم مبهما\rفقال ذو الرمة: \" يرى الخمص تعذيبا \" . وإنما الخمس للإبل! وإنما هو خمص البطون! فمحك بلال، وكان محكا، وقال: هكذا أنشدنيها رواة طيء. فرد عليه ذو الرمة، فمحك. فدخل أبو عمرو بن العلاء، فقال له بلال: كيف تنشدها؟ فعرف أبو عمرو الذي به، فقال: كلا الوجهين. فقال: أتأخذون عن ذي الرمة؟ قال: إنه لفصيح، وإنا لنأخذ عنه بتمريض. وخرجا من عنده، فقال ذو الرمة لأبي عمرو: والله لولا أني أعلمك حطبت في حبله وملت في هواه، لهجوتك هجاء لا يقعد إليك معه اثنان.\rالطبقة الثالثة\rمن الإسلاميين: أربعة كعب بن جعيل بن قمير بن عجرة بن عوف مالك ابن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل.\rوعمرو بن أحمر بن العمرد بن تميم بن ربيعة بن حرام ابن فراص بن معن الباهلي.\rوسحيم بن وثيل بن أعيفر بن أبي عمرو بن إهاب بن حميري ابن رياح بن يربوع.\rوأوس بن مغراء، من قريع بن عوف بن كعب ابن سعد.\rكعب بن جميل: شاعر مفلق قديم في أول الإسلام، أقدم من الأخطل والقطامي، وقد لحقا به وكانا معه، وهو يقول:\rوأبيض جني عليه سموطه ... من الإنس في قصر منيف غواربه\rتدليته سقط الندى بعد هجعة ... فبت أمنية المنى وأخالبه\rبما ينزل الأروى من الشعف العلي ... وما لو يسنى حية مال جانبه\rندمت على شتم العشيرة بعد ما ... مضى واستتبت للرواة مذاهبه\rفأصبحت لا أستطيع ردا لما مضى ... كما لا يرد الدر في الضرع حالبه\rمعاوي أنصف تغلب ابنة وائل ... من الناس أودعها وحيا تضاربه\rقليل على باب الأمير لباثتي ... إذا رابني باب الأمير وحاجبه\rولما تداروا في تراث محمد ... سمت بابن هند في قريش مضاربه\rوكعب يقول في عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وقتل بصفين وهو مع معاوية، قتلته بنو شيبان:\rألا إنما تبكي العيون لفارس ... بصفين أجلت خيله وهو واقف\rتبدل من أسماء أسياف وائل ... وكان فتى لو أخطأته المتالف\rتركن عبيد الله بالقاع مسندا ... تمج دم الجوف العروق النوارف\rيحللن عنه جيب درع حصينة ... وأي فتى لو أخطأته المآلف\rوحافظ صدر من ربيعة صابر ... وطار الوشيظ عنهم والزعانف\rإذا قيل: أي الناس شر قبيلة؟ ... بني أسد إني لما قيل عارف\rأغرتم علينا تسرقون عيابنا ... وما إن لنا في بطن صفين قائف\rوسحيم بن وثيل الرياحي، شريف مشهور الأمر في الجاهلية والإسلام، جيد الموضع في قومه، شاعر خنذيذ. وكان الغالب عليه البداء والخشنة، وهو الذي ناحر غالب بن صعصعة - أبا الفرزدق - بالكوفة، أيام على بن أبي طالب رضى الله عنه. تفاخرا، وقد أقدما جلبا لهما، فتناحرا، فجعل غالب لا يفرس، وجعل سحيم يفرس. فقيل له: أتجاري هوج بني دارم؟ أقلع. وغدا الناس بالمدى والجفان ليأخذوا اللحم، فقال علي: يا أيها الناس! لا تأكلوا منه فإنه مما أهل لغير الله به. فأرتدع الناس.","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"قال: كان عثمان بن عفان رضى الله عنه استعمل سمرة بن عمرو بن قرط بن جناب بن عدي بن جندب العنبري - في ولده وأسرته شرف إلى اليوم، يقال لهم بنو السمرات - فاستعمله على هوامي عمرو ابن تميم وفلج وما يليها. فكان لا يخبر بضألة في قوم إلا أخذها فعرفها. فكان من ذهبت له ضالة طلبها عنده. فبلغه أن ناقة في إبل بني وثيل، فأتاهم وأعبد معه، وليس هناك من بني وثيل أحد، وأمهم ليلى بنت شداد، من بني حمير بن رياح بن يربوع، عجوز كبيرة في غلمة لهم، فقال: أعرضوا على الإبل، فأبت. فأخذ ليعرضها، فأهوت له، فدفعها، فقالت: فمي! فمي! وزعموا أن ثنيتيها قد كانتا سقطتا قبل ذلك بزمان. فلما رأى ذلك سمرة لها عنها وترك الإبل. فلما قدم سحيم بن وثيل إلى أمه أخبرته الخبر، فسكت حتى يلقى عبيد ابن غاضرة بن سمرة، فصرعه فدق فمه، فاستعدى عليه سمرة ابن عفان - وكان عثمان إذا عاقب بالغ - فأشخص سحيم إليه إلى المدينة، وحبست إبله حتى ضاعت، فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين، إنه كسر فم أمي! قال: ألا استعديت عليه؟ وقال عثمان: لأفطعن منك طابقا أو يرضى سمرة. وصادف سحين بن وثيل يزيد بن مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل - أخا لليلى بنت مسعود، أم عبيد الله ابن على بن أبي طالب - ونعيما أبا قران اليربوعي، فقاما بأمر سحيم، وحملا للعنبري مئة من الإبل، فقال في ذلك سحيم ابن وثيل:\rكفاني أبو قران نفسي فداؤه ... ومن يك مولاه فليس بواحد\rوسحيم بن وثيل القائل:\rأنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني\rألم تر أنني في حميري ... مكان الليث من وسط العرين\rعذرت البزل إن هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابني لبون\rوماذا يغمز الأعداء مني ... وقد جاوزت رأس الأربعين\rوعمرو بن أحمر صحيح الكلام كثير الغريب، وهو القائل:\rإن الفتى يقتر بعد الغنى ... ويغتني من بعد ما يفتقر\rوالحي كالميت ويبقى التقى ... والعيش فنان: فحلو ومر\rإما على نفسي وإما لها ... فعايش النفس وفيها وقر\rهل يهلكني بسط ما في يدي ... أو يخلدني منع ما أدخر؟\rأو ينسأن يومي إلى غيره ... أني حوالي وأني حذر؟\rولن ترى مثلي ذا شيبة ... أعلم ما ينفع مما يضر\rالطبقة الرابعة\rنهشل بن حري، أحد بني نهشل بن دار.\rوحميد بن ثور الهلالي.\rوالأشهب بن رميلة.\rوعمر بن لجأ التيمي، من تيم الرباب.\rفنهشل بن حري: شاعر شريف مشهور. وأبوه حري: شاعر مذكور. وجده ضمرة بن ضمرة: شريف فارس شاعر بعيد الذكر كبير الأمر. وأبوه: ضمرة بن جابر: سيد ضخم الشرف بعيد الذكر. وأبوه جابر: له ذكر وشهرة وشرف. وأبو قطن: له شرف وفعال وذكر في العرب. فهم ستة كما ذكرنا، لا أعلم في تميم رهطا يتوالون توالي هؤلاء.\rونهشل بن حرى الذي يقول:\rإذا كنت جارا لأمرئ فارهب الخنا ... على عرضه إن الخنا طرف الغدر\rوذد عن حراه، ما عقدت حباله ... بحبلك واستره بما لك من ستر\rجار منعناه من الضيم والعدى ... وجيران أقوام بمدرجة الدهر\rويوم كأن المصطلين بحره ... وإن لم تكن نار قعود على جمر\rصبرنا له حتى يبوخ وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر\rوحميد بن ثور القائل:\rقليل المعي إلا مصيرا يبله ... دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع\rترى طرفيه يعسلان كلاهما ... كما اختب عود الساسم المتتابع\rينام بإحدى مقلتيه ويتقي ال ... منايا بأخرى فهو يقظان هاجع\rوالأشهب بن رميلة ورميلة أمه، وأبوه ثور. وكان الأشهب شاعرا، وكان يهاجي الفرزدق، وهو أحد بني نهشل بن دارم.\rوكان له أخ يدعى زبابا، وكان من أشد الناس وأخبثهم، وكان الفرزدق يفرقه فرقا شديدا، وفيه يقول الأشهب:\rوقائلة تنعى زبابا وقائل: ... جزى الله خيرا ما أعف وأمنعا!\rوأطعن في الهيجا وأضرب في الوغى ... وأطعم إن أمسي المراضيع جوعا","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"شمت ابن قين أن أصابت مصيبة ... كريما ولم يترك لك الدهر مسمعا\rكريما حماك الدهر طول حياته ... وأنت لئيم منبت الحمض أجمعا\rأعيني قلت أسوة من أخيكما ... بأن تسهر الليل التمام وتدمعا\rقتلنا زعيم القوم لا خير بعده ... ولم يك في الأحجار منع فأمنعا\rإذا ما ذكرنا من أخينا أخاهم ... روينا ولم نشف الغليل فينقعا\rالأحجار: صخر، وجندل، وجرول، بنو نهشل. فغلب الفرزدق على الأشهب وفضل عليه.\rوأما عمر بن لجأ: فحدثني أبو الغراف قال: قدم لقمان الخزاعي على صدقات الرباب، فكانت وجوه الرباب تحضره وفيهم عمر بن لجأ بن حدير، أحد بني مصاد، فأنشده يوما:\rتأوبني ذكر لزولة كالخبل ... وما حيث تلقى بالكثيب ولا السهل\rتحل وركن من طمية دونها ... وجو قسا مما يحل به أهلي\rتريدين أن أرضى وأنت بخيلة! ... ومن ذا الذي يرضى الأخلاء بالبخل؟\rفقال لقمان: ما زلنا نسمع بالشام أنها كلمة جرير. وأبلغ لقمان جريرا فقال: زعم أنك سرقتها منه! فقال جرير: وأنا أحتاج أن أسرق قول عمر! وهو القائل وقد وصف إبله: - فذكر قصة قد ذكرها ابن سلام عن أبي يحيى الضبي في أخبار جرير - .\rقال فردعليه عمر بن لجأ:\rأنبئت كلب كليب قد عوى جزعا ... وكل عاو بفيه الترب والحجر\rقد لمتني ظالما في سنة سبقت ... أن الكليبي لم يكتب له الظفر\rهبت الفرزدق واستبعثتني عبثا ... للموت تعمد والموت الذي تذر\rفاخسأ لعلك ترجو أن يحل بنا ... رحل الفرزدق لما مسك الدبر\rومن قوله:\rأجد القلب هجرا واجتنابا ... لمن أمسى يواصلنا خلابا\rومن يدنو ليعجبنا وينأى ... فقد جمع التدلل والكذابا!\rألا تجزين من أثنى عليكم ... وأحسن حين قال وما استئابا؟\rتصدت بعد شيبك أم بكر ... لتطرد عنك حلما حين ثابا\rبجيد غزال مقفرة وماحت ... بعود أراكه بردا عذابا\rكأن سلافة خلطت بمسك ... ليغلبها وكان لها قطابا\rمذاقتها إذا ما بيتتها ... سواد الزوج والتثم الرضابا\rليغتبق العلالة من نداها ... كفى فوها لمغتبق وطابا\rأسيلة معقد السمطين منها ... وريا حيث تعتقد الحقابا\rإذا مالت روادفها بمتن ... كغصن البان فاضطرب اضطرابا\rتهادى في الثياب كما تهادى ... حباب الماء يتبع الحبابا\rترى الخلخال والدملوج منها ... إذا ما أكرها نشبا فغابا\rإذا ما الشيء لم تقدر عليه ... فلا ذكرا لذاك ولا طلابا\rالطبقة الخامسة\rأبو زبيد الطأئي، واسمه حرملة بن المنذر.\rوالعجير بن عبد الله بن عبيدة بن كعب بن عائشة بن الربيع بن ضبيط بن جابر بن عبد الله بن سلول وعبد الله بن همام السلولي.\rونفيع بن لقيط الأسدي.\rأنا أبو خليفة، نا محمد بن سلام، أخبرنا أبو الغراف قال: كان أبو زبيد الطائي من زوار الملوك، ولملوك العجم خاصة، وكان عالما بسيرهم. وكان عثمان بن عفان يقربه على ذلك ويدينه ويدني مجلسه، وكان نصرانيا. فحضر ذات يوم عثمان، وعنده المهاجرون والأنصار، فتذكروا مآثر العرب وأشعارها، فالتفت عثمان إلى أبي زبيد فقال: يا أخ تبع المسيح، أسمعنا بعض قولك، فقد أنبئت أنك تجيد. فأنشده قصيدته التي تقول فيها:\rمن مبلغ قومي النائين إذ شحطوا ... أن الفؤاد إليهم شيق ولع","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"ووصف فيها الأسد. فقال عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت! والله إني لأحسبك جبانا هدانا! فقال: كلا يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظرا وشهدت منه مشهدا لا يبرح ذكره يتجدد في قلبي، ومعذور أنا يا أمير المؤمنين غير ملوم. فقال عثمان: وأني كان ذلك؟ قال: خرجت في صيابة أشراف من أفناء قبائل العرب، ذوي هيئة وشارة حسنة، ترتمي بنا المهارى بأكسائها، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام. فاخروط بنا المسير في حمارة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وشالت المياه، وأذكت الجوزاء المعزاء، وذاب الصيهد، وصر الجندب، وضاف العصفور الضب في جحره - أو قال في وجاره - قال قائلنا: يا أيها الركب! غوروا بنا ضوج هذا الوادي. وإذا واد قد يديمتنا كثير الدغل، دائم الغلل، شجراؤه مغنة، وأطياره مرنة، فحططنا رواحلنا في أصول دوحات كنهبلات، فأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها الماء البارد.\rفإنا لنصف حر يومنا ذلك ومماطلته، إذ صر أقصى الخيل أذنيه، وفحص الأرض بيديه. فو الله ما لبث أن جال، ثم حمحم فبال، وفعل فعله الذي يليه واحدا فواحدا. فتضعضعت الخيل، وتكعكعت الإبل، وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله، وناهض بعقاله، فعلمنا أن قد أتينا وأنه السبع. ففزع كل امرئ منا إلى سيفه فاستله من جربانه، ثم وقفنا رزدقا. فأقبل يتظالع من بغيه كأنه مجنوب أو في هجار، لصدره نحيط، ولبلاعيمه غطيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنما يخبط هشيما، وإنما يطأ صريما. فإذا هامة كالمجن، وإذا خذ كالمسن، وعيناه سجراوان، كأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربلة، ولهزمة رهلة، وكتد مغبط، وزور مفط، وساعد مجدول، وعضد مفتول، وكف شثنة البراثن، إلى مخالب كالمحاجن. فضرب بيديه فأرهج وكشر فأفرج، عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق، كالغار الأخرق. ثم تمطى فأشرع بيديه، وحفز وركيه برجليه، حتى صار ظله مثلية. ثم أقعى فاقشعر، ثم تميل فاكفهر، ثم تجهم فازبأر. فلا والذي بيته في السماء ما انقيناه إلا بأول أخ لنا من بني فزارة، كان ضخم الجزارة، فوقصه ثم نفضه نفضة، فقضقض متنية، ثم جعل يلغ في دمه. فذمرت أصحابي، فبعد لأي ما استقدموا. فهجهجنا به فكر مقشعرا بزبرة كأن بين كتفيه شيهما حوليا، فاختلج رجلا أعجر ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت مفاصله، ثم نهم ففرفر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ، فو الله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، من عن شماله ويمينه فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وأطلت الأضلاع، وارتجت الأسماع، وحمجت العيون، ولحقت البطون، وانخزلت المتون، وساءت الظنون.\rفقال عثمان: اسكت، قطع الله لسانك! فقد رعبت قلوب المؤمنين.\rوقال يصف الأسد:\rفباتوا يدلجون وبات يسري ... بصير بالدجى هاد هموس\rإلى أن عرسوا وأغب عنهم ... قريبا ما يحس له حسيس\rخلا أن العتاق من المطايا ... حسين به فهن إليه شوس\rفلما أن رآهم قد تدانوا ... أتاهم وسط أرحلهم يميس\rفثار الزاجرون فزاد منهم ... تقرابا وواجهه ضبيس\rبنصل السيف ليس له مجن ... فصد ولم يصادفه جبيس\rفيضرب بالشمال إلى حشاه ... وقد نادى فأخلفه الأنيس\rبسمر كالمحاجن في قنوب ... يقيها قضة الأرض الدخيس\rفجر السيف واختلفت يداه ... وكان بنفسه وقيت نفوس\rفطار القوم شتى والمطايا ... وغورد في مكرهم الرئيس\rوجال كأنه فرس صنيع ... يجر جلاله ذبل شموس\rكأن بنحره بساعديه ... عبيرا بات تعبؤه عروس\rفذلك إن تفادوه تفادوا ... ويصرف عنكم أمر شكيس","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"وحدثني أبي سلام، عمن حدثه: أن رجلا من طيء، من بني حية، نزل به رجل من بني الحارث بن ذهل بن شيبان، يقال له المكاء، فذبح له شاة وسقاه من الخمر. فلما سكر الطائي قال: هلم أفاخرك: أبنو حية أكرم أم بنو شيبان؟ فقال له الشيباني: حديث حسن ومنادمة كريمة، أحب إلينا من المفاخرة. فقال الطائي: والله ما مد رجل قط يداً أطول من يدي! فقال الشيباني: والله لئن أعدتها لأخضبنها من كوعها. فرفع الطائي يده، فخضبها من كوعها. فقال أبو زبيد في ذلك:\rخبرتنا الركبان: أن قد فخرتم ... وفرحتم بضربة المكاء!\rولعمري لعارها كان أدنى ... لكم من تقي وحسن وفاء\rظل ضيفا أخوكم لأخينا ... في صبوح ونعمة وشواء\rثم لما رآه رانت به الخم ... ر وأن لا يريبه باتقاء\rلم يهب حرمة النديم وحقت ... يا لقوم للسوأة السوآء!\rوقال حين عزل الوليد بن عقبة بن أبي معيط عن الكوفة، وحملت أثقاله:\rمن يرى العير لابن أروى على ظه ... ر المروري حداتهن عجال\rمصعدات والبيت بيت أبي وهب ... خلاء تحن فيه الشمال\rيعرف الجاهل المضلل أن ال ... دهر فيه النكراء والزلزال\rليت شعري كذا كم العهد أم كا ... نوا أناسا كمن يزول فزالوا\rبعد ما تعلمين يا أم زيد ... كان فيهم عز لنا وجمال\rأصبح البيت قد تبدل بالحي ... وجوها كأنها أقتال\rغير ما طالبين ذحلا ولكن ... مال دهر على أناس فمالوا\rكل شيء تحتال فيه الرجال ... غير أن ليس للمنايا احتيال\rوقال أبو زبيد، وكان في أخواله بني تغلب، وكان مقيم فيهم أكثر أيامه وكان له غلام يرعى إبله، وأن بهراء غزت بني تغلب، فمروا بغلامه، فدفع إليهم الإبل. وقال: انطلقوا أدلكم على عورة القوم وأقاتل معكم. فصحبهم، فالتقوا، فهزمت تغلب بهراء وقتل العبد، فقال أبو زبيد:\rقد كنت في منظر ومستمع ... عن نصر بهراء غير ذي فرس\rتسعى إلى فتية الأراقم واستع ... جلت قيل الجمان والقبس\rفي عارض من جبال بهرا به ... الأل مرين الحروب عن درس\rفنهزة من لقوا حسبتهم ... أحلى وأشهى من بارد الدبس!\rلا ترة عندهم فتطلبها ... ولا هم نهزة لمختلس\rجود كرام إذا هم ندبوا ... غير لئام ضجر ولا كبس\rصمت عظام الحلوم إن قعدوا ... من غير عي بهم ولا خرس\rتقوت أفراسهم نساؤهم ... يزجون أجمالهم مع الغلس\rصادفت لما خرجت منطلقا ... جهم المحيا كباسل شرس\rفجال في كفه مثقفة ... تلمع فيها كشعلة القبس\rبكف حران ثائر بدم ... طلاب وتر في الموت منغمس\rإما تقارش بك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس\rحمدت أمري ولمت أمرك إذ ... أمسك جلز السنان بالنفس\rوقد تصليت حر نارهم ... كما تصلى المقرور من قرس\rتذب عنه كف بها رمق ... طيرا عكوفا كزور العرس\rعما قليل علون جثته ... فهن من والغ ومنتهس\rفلما فرغ أبو زبيد من قصيدته، بعثت إليه بنو تغلب بدية غلامه وما ذهب من إبله، فقال في ذلك:\rألا أبلغ بني عمرو رسولا ... فإني في مودتكم نفيس\rويقال إن أزد عمان قتلت رجلا من طيء، فقال في ذلك أبو زبيد:\rبلغا طيئا جميعا وشتى ... ولسعد مما أقول نصيب\rإنهم إخوة أبوهم أبونا ... غير دعوى والنائبات تنوب\rقتلتنا سيوف أزد عمان ... سفها والدهور فيه العجيب\rمن دم ضائع تغيب عنه ... أقربوه إلا الصدى والجبوب\rيابن سلمى وللنجيبة سلمى ... ولقد ينجل النجيب النجيب","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"ليتني مت إذ دعونك إذ تدع ... و تميما ولا حميم يجيب\rليت شعري بك ابن أم عميس! ... إن قلبي مما شهدت مريب\rغبت عنه وأنت لم تك عنه ... غائبا والمليك رب حسيب\rركبوا ما تهيب الناس منا! ... قد عمرنا وعزنا مرهوب\rوقال أيضا يرثي ابن أخته اللجلاج، وكان من أحب الناس إليه، وجزع عليه جزعا شديدا:\rغير أن اللجلاج قد هد ركني ... يوم فارقته بأعلى الصعيد\rفي ضريح عليه عبء ثقيل ... من تراب وجندل منضود\rأخبرني أبو خليفة في كتابه إلى قال، حدثنا محمد بن سلام الجمحي قال، حدثنا أبو الغراف قال: كان العجير السلولي دل عبد الملك بن مروان على ماء يقال له: مطلوب، وكان لناس من خثعم، فأنشأ يقول:\rلانوم إلا غرار العين ساهرة ... إن لم أروع بغيظ أهل مطلوب\rإن تشتموني فقد بدلت أيكتكم ... ذرق الدجاج بحفان اليعاقيب\rوكنت أخبركم أن سوف يعمرها ... بنو أمية وعدا غير مكذوب\rقال: فركب رجل من خثعم، يقال له أمية، إلى عبد الملك حتى دخل عليه. فقال: يا أمير المؤمنين، إنما أراد العجير أن يصل إليك وهو شويعر سئآل - وحربه عليه - .\rفكتب إلى عامله بأن يشد يدي العجير إلى عنقه ثم يبعثه في الحديد. فبلغ العجير الخبر، فركب في الليل حتىأتى عبد الملك. فقال: يا أمير المؤمنين، أنا عندك فاحتبسني، وابعث من يبصر الأرضين والضياع فإن لم يكن الأمر على ما أخبرتك فلك دمي حل وبل! فبعث، فاتخذ ذلك الماء ضيعة فهو اليوم من خيار ضياع بني أمية وقال العجير السلولي:\rخلقت جوادا والجواد مثابر ... على جريه ذو علة ويسير\rولا يسبق الغايات مستسلم الصلا ... مغل لأطراف الرماح عثور\rولكن مشيح الركض مستبعد المدى ... إذا ابتل من سجم الحميم طحور\rفلا توزعيني إنما يوزع الذي ... به ضعف أو في القيام فتور\rولا تزدريني وانظري ما خليقتي ... إذا ضاف أمر أو أناخ أمير\rفإن بني كعب رجال كأنهم ... ليوث الشرى سدت بهن ثغور\rتحلب أيديهم نجيعا ونائلا ... إذا البزل لم يصبح بهن درور\rمروها بأطراف العوالي فأسبلت ... نجيعا له تحت اللبان خرير\rمقيمين لا تعتاد إلا وجدتهم ... كما بالرحا من صاحتين صخور\rإذا غار منهم كوكب ناء كوكب ... لأني الندى جم الفراغ مطير\rوإن هبطوا بينا أذلوا ترابة ... فأضحى وفيه مورد وصدور\rوقال يذم ابن عم له، ويرثي سليم بن زيد السلولي:\rالأجبل الشم بعدما ... دجا الليل واجتر الجمال القوامح\rنهارك مافيه ليان ولا قرى ... لعين وأيام ابن زيد صوالح\rوذاك ابن عم الصدق أما عطاؤه ... فجزل وأما صدره فهو ناصح\rوكان شفاء غير داء دنوه ... إذا أحول أبصار العيون اللوامح\rإذا قال لي: قم! قلت: بل أنت فاكفني! ... فقام فجلى أبيض الوجه واضح\rوقال العجير: وخرج هو وابنه القيل، وكان مسنا، كثير اللحم، فخرجا ماشيين في أمر قطبة ابنة الضحاك أخيه، فأعي القيل وبلد، فذمه العجير ومدح ابنه الآخر، واسمه الفرزدق:\rإذا ما لقيت الخاضبات أكفها ... عليهن مقصور الحجال المروق\rفلا تجعلن القيل إلا لمزرع ... رواء ولكن الشجاع الفرزدق\rسمين وكان الأسمنون خيارنا ... بيوتا وأندابا يدا حين نطرق\rهو ابني لغراء الجبين نجيبة ... تلقت على طهر به غير أحمق\rتداعى لها من أكرم الحي نسوة ... يطفن بكسرى بيتها وهي تطلق\rولكن لعمري إن قتلت لألفين ... سبطرا كإرسال الرديني أعنق\rفجاءت بعاري الساعدين كأنه ... من الطير أقني ينفض الطل أزرق\rلجوج غداة الفوت حتى كأنه ... حصان يلاقي دعقة الخيل أبلق","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"وقال العجير لموسى بن عبد الرحمن بن عبيدة، وأم عبد الرحمن من بني عقيل، وأم العجير، من بني أسان من بني سعد ابن غنم:\rألم تر أن الحي حي مبشر ... كفوا غرمهم واستفضل المال حامله\rأولئك أخوالي وأخوال ذي القفا ... قبيل توقى بالحجاز معاقله\rوقال العجير في محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل، أخي الحجاج بن يوسف:\rفداك النساء الحتف كم من سرادق ... به البخت والأنباط شهب قنابله\rدخلت وأشراف الرجال يرونني ... على سبط الكفين جم فواضله\rعلى يوسفي لوتناخ ركابه ... على البحر أفناه نداه ونائله\rوقال في عمر بن عبد العزيز:\rالحمد لله حمدا لا شريك له ... والحمد لله: أما بعد ياعمر\rفافرج لنا الباب لا تحبس مطيتنا ... فإن بابك لاضيق ولا ضرر\rوالثالث: عبد الله بن همام السلولي: قال، فحدثني يونس بن حبيب وأبو الغراف قالا: كان عبد الله همام، رجلا له جاه عند السلطان ووصله بهم، وكان سريا في نفسه، له همة تسمو به، وكان عند آل حرب مكينا حظيا فيهم. فكان الذي حدا يزيد بن معاوية على البيعة لابنه معاوية بن يزيد: أن عبد الله بن همام السلولي قال إلى يزيد بن معاوية، فأنشد شعرا رثى فيه معاوية بن أبي سفيان، وحضه على البيعة لابنه معاوية، فقال:\rتعزوا يا بني حرب بصبر ... فمن هذا الذي يرجو الخلودا؟\rلعمر مناخهن ببطن جمع ... لقد جهزتم ميتا فقيدا!\rلقد وارى قليبكم بيانا ... وحلما لا كفاء له وجودا\rوجدناه بغيضا في الأعادي ... حبيبا في رعيته حميدا\rأمينا مؤمنا لم يقض أمرا ... فيوجد غبه إلا رشيدا\rفقد أضحى العدو رخي بال ... وقد أمسى التقي به عميدا\rفعاض الله أهل الدين منكم ... ورد لنا خلافتكم جديدا\rمجانية المحاق وكل نحس ... مقارنة الأيامن والسعودا\rخلافة ربكم حاموا عليها ... إذا غمزت خنابسة أسودا\rتعلمها الكهول المرد حتى ... تذل بها الأكف وتستقيدا\rإذا ما بان ذو ثقة تلقت ... أخا ثقة بها صنعا مجيدا\rتلقفها يزيد عن أبيه ... وخذها يا معاوي عن يزيدا\rفإن عرفت لكم فتلقفوها ... ولا ترموا بها الغرض البعيدا\rفإن دنيا كم بكم اطمأنت ... فأولوا أهلها خلقا سديدا\rوإن ضجرت عليكم فاعصبوها ... عصابا تستدر به شديدا\rقال: وأنشده هذا الشعر أيضا:\rإنا نقول ويقضي الله مقتدرا ... مهما يدم ربنا من صالح يدم\rيزيد يا ابن سفيان هل لكم ... إلى ثناء ومجد غير منصرم؟\rاعزم عزيمة أمر غبة رشد ... قبل الوفاة وقطع قالة الكلم\rوأقدر بقائلكم خذها يزيد فقل ... خذها معاوي لا تعجز ولا تلم\rإن الخلافة إن تعرف لثالثكم ... تثبت مراتبها فيكم ولا ترم\rولا تزال وفود في دياركم ... يغشون أبلج سباقا إلى الكرم\rيزم أمر قريش غير منتكث ... ولو سما كل قرم منهم قطم\rعيشوا وأنتم من الدنيا على حذر ... واستصلحوا جند أهل الشام للبهم\rولا تحلنها في دار غيركم ... إني أخاف عليكم حسرة الندم\rوأطعم الله أقواما على قدر ... ولم يحاسبكم في الرزق والطعم\rولا لمن سالك الشورى مشاورة ... إلا بطعن وضرب صائب خذم\rأني تكون لهم شورى وقد قتلوا ... عثمان ضحوا به في أشهر الحرم\rخير البرية راعوا المسلمين به ... ملحبا ضرجت أثوابه بدم\rوكان قاتله منكم لمصرعه ... مثل الأحمير إذ قفى على إرم\rأو كالدهيم وما كانت مباركة ... أدت إلى أهلها ألفا من اللجم","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"نفسي فداء الفتى في الحرب لزهم ... حتى تدانوا وألهي الناس بالسلم\rوبارك الله في الأرض التي ضمنت ... أوصاله وسقاها باكر الديم\rفلم تزل في نفس يزيد حتى بايع معاوية ابنه فعاش أربعين ليلة بعد أن أتته البيعة من الآفاق، ثم مات. فقيل له: أوصه. فقال: ما أحب أن أزودهم الدنيا وأخرج عنها.\rوحدثني يونس بن حسان: أن عبد الله بن همام كان يسمع أبا عمرة صاحب شرطة المختار، واسمه كيسان، يذكر الشيعة وينال من عثمان، فقنعه بالسوط. فلما ظهر المختار، كان معتزلا حتى استأمن له ابن شداد، فجاء إلى المختار، فأنشده شعرا له فيه، يذكره ويذكر أصحابه، فقال:\rألا انتسأت بالود عنك وأدبرت ... معالنة بالهجر أم سريع\rوحملها واش سعى غير مصلح ... فآب بهم في الفؤاد وجيع\rفخفض عليك الشأن لا يردك الهوى ... فليس انتقال خلة ببديع\rوفي ليلة المختار ما يذهل الفتى ... ويلهيه عن رؤد الشباب شموع\rدعا:ما لثارات الحسين! فأقبلت ... كتائب من همدان بعد هزيع\rومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك ... يقود جموعا عفيت بجموع\rومن أسد وفي يزيد لنصره ... بكل فتى حامي الذمار منيع\rوجاء نعيم خير شيبان كلها ... بأمر لدى الهيجاء جد رفيع\rوما ابن شميط إذ يحرض قومه ... هناك بمخذول ولا بمضيع\rولا قيس نهد لا ولا ابن هوازن ... وكان أخا حنانة وخشوع\rوسار أبو النعمان لله سعيه ... إلى ابن إياس مصحرا لوقوع\rفكر الخيول كرة أتلفتهم ... وشد بأولاها على ابن مطيع\rفولى بضرب يفلق الهام وقعه ... وطعن غداة السكتين وجيع\rفمر وزير ابن الوصي عليهم ... وكان لهم في الناس خير شفيع\rفآب الهدى حقا إلى مستقرة ... بخير إياب آبة ورجوع\rإلى الهاشمي المهتدى بضيائه ... فنحن له من سامع ومطيع\rفلما أنشدها المختار قال لأصحابه: قد أثني عليكم كما تسمعون، وقد أحسن الثناء، فأحسنوا جزاءه. ثم قام فقال: لا تبرحوا حتى أخرج إليكم. فقال عبد الله بن شداد: فإن له عندي فرسا ومطرفا. وقال قيس بن طهفة: فإن له عندي فرسا ومطرفا. وقال ليزيد بن أنس: ما تعطيه؟ قال: إن كان ثواب الله أراد بما يقول، فما له عند الله خير له، وإن اعترى بهذا القول أموالنا، فوالله ما في أموالنا ما يسعه. ثم وقع بينهم كلام شديد، فوثب به بعضهم، فضمه إبراهيم بن الأشتر إلى نفسه، وقال: أنا جار له. فأنقذه منهم. فقال عبد الله بن همام:\rأطفأ عني نار كلبين ألبا ... على الكلاب ذو الفعال ابن مالك\rفتى حين يلقى الخيل يفرق بينها ... بطعن دراك أو بضرب مواشك\rوقد غضبت لي من هوازن عصبة ... طوال الذري فيها عزاز المبارك\rإذا ابن شميط أو يزيد تعرضا ... لها وقعا في مستحار المهالك\rوثبتم علينا يا موالي طامر ... مع ابن شميط شر ماش وراتك\rوأعظم جبار على الله فرية ... وما مفتر طاغ كآخر ناسك\rكأنهم في العز قيس وخثعم ... وهل أنتم إلا لئام عوارك\rوالرابع: نويفع بن لقيط وتارة كان يقول: نافع فحدثني أبو الغراف قال: كان لنافع بن لقيط امرأة من بني منقذ بن جحوان، تدعى حية، وكان في أخلاقها زعارة، وقد كانا تشارا مرة ثم إن قومها أنفوا من ذلك، فادعوا عليه طلاقا، فقاتلهم حتى كان بينهم جراح، وكان مستخفيا من الحجاج، فقال وهو مستخف:\rلم يبق مني الكرى يا أم نافع ... ولا الروغ في الحلفاء غير المعارف\rإذا قيل: هذا فارس! طار طيرة ... فؤادي وما فزعت من مثل خائف\rولكنما الغاوي إذا سود اسمه ... بأنفاسه ضيف على السرح واقف","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"فرفعوا أمره إلى الحجاج، فبعث إليه نفرا، وهو في أجمة الأسود، أجمة خفية، فأحرق عليه في نواحي الأجمة، وقالوا: قد كفتنا الأسود والنار أمره. فأدركهم الليل فانصرفوا، وخلصه الله حتى لحق بقومه بالقنان والعزاف، فتزوج ابنة عمه: جهمة ابنت شيبان بن مرثد فتغنى يوما فقال:\rوردت بئارا ملحة فكرهتها ... بأهلي أهلي الأولون وماليا\rقال، وأنشدني أبو الغراف، عن سليمان الجذامي، لنويفع ابن لقيط:\rأدوا إلى ميدان عنكم عرسة ... ودعوا سبابي يا بني عرقوب\rإن المخازي قد رثمن أنوفكم ... رثم الحجارة إصبع المنكوب\rلن تهدموا شرفي بلؤم أبيكم ... ونهاق عير فيكم مكروب\rوقال أيضا:\rوإياك والظلم المبين إنني ... أرى الظلم يغشي بالرجال المغاشيا\rأتجمع إن كنت ابن تقن فطانة ... وتغلب أحيانا وتأتي الدواهيا؟!\rإذا أنت أكثرت المجاهل كدرت ... عليك من الأخلاق ما كان صافيا\rفلا تك حفارا بظلفك إنما ... تصيب سهام الغي من كان غاويا\rألا إن آبائي على كل موطن ... وخال أبي لم يورثوني المخازيا\rأباحوا لنا المجد التليد وإنهم ... لمنبت زندى الفروع الأعاليا\rقال: وأنشدني محمد بن أنس الحذلمي الأسدي، عن أعراب بني أسد، أنه قال في الحجاج بن يوسف:\rلو كنت في العنقاء أوفى عماية ... ظننتك إلا أن تصد تراني\rأسهد من نوم العشاء كأنني ... سليم يغر الضرو بالنبوان\rعليه تميمات كأن فؤاده ... جناحا عقاب دائم الخفقان\rتضيق بي الأرض الفضاء لخوفه ... وإن كنت قد طوفت كل مكان\rوآليت لا آتيك إلا مسالما ... معي منك يا ابن الأكرمين أماني\rوما العرق كانت لي بدار إقامة ... ولا الجو منها كان لي بمغاني\rأعوذ بقبري يوسف وابن يوسف ... أخيك وبالقبر الذي بعدان\rسمي نبي الله من أن تنالني ... يداك ومن يغتر بالحدثان!\rقال: وكان نويفع من رجالات العرب شعرا ونجدة، وكان ربما أخاف السبيل فأطرده الحجاج لجناية، فلم يزل خائفا.\rالطبقة السادسة\rمن الإسلاميين حجازية، أربعة رهط: عبد الله بن قيس بن شريح بن مالك بن ربيعة بن أهيب ابن ضباب بن حجير بن عبد معيص بن عامر بن لؤي بن غالب، من قريش الظواهر، وإنما نسب إلى الرقيات، لأن جدات له توالين يسمين رقية.\rوالأحوص، عبد الله بن محمد بن عاصم بن ثابت بن قيس وهو أبو الأقلح، شهد عاصم بدرا، وقتل يوم الرجيع، وحمته الدبر وهو من الأوس.\rوجميل بن معمر بن خيبري بن ظبيان بن حن بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.\rونصيب مولى عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص.\rفحدثني يونس حبيب قال: كان عبد الله بن قيس الرقيات أشد قريش أسر شعر في الإسلام بعد ابن الزبعري. وكان غزلا، وأغزل من شعره شعر عمر بن أبي ربيعة. وكان عمر يصرح بالغزل، ولا يهجو ولا يمدح، وكان عبد الله يشبب ولا يصرح، ولم يكن له معقود عشق وغزل، كعمر بن أبي ربيعة.\rوكان انقطاعه إلى آل الزبير: فمدح مصعبا وهجا عبد الملك بن مروان وذلك حين يقول:\rإنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء\rملكه ملك قوة ليس فيه ... جبروت ولا له كبرياء\rيتقي الله في الأمور وقد أف ... لح من كان همه الإتقاء\rوقال لعبد الملك فيها:\rقد رضينا فمت بدائك غيظا ... لا تميتن غيرك الأدواء\rإن منا النبي الأمي والصديق ... منا التقى والخلفاء\rوقال أيضا:\rذكرت قومها قريشا فقالت: راب دهري وأي دهر يدوم\rلا يربك الذي ترين فإن الله طب بما ترين عليم\rإن يكن للإله في هذه الأمة دعوى يعد عليك النعيم\rوتحلى محل آبائك الأخيار بالحجر حيث يلفى الحطيم\rبلد تأمن الحمامة فيه حيث عاذ الخليفة المظلوم\rيعني عبد الله بن الزبير.","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"وقال في مصعب بن الزبير، قبل أن يقتل:\rليت شعري أأول الهرج هذا ... أم زمان من فتنة غير هرج؟\rإن يعش مصعب فإنا بخير ... قد أتانا من عيشنا ما نرجى\rملك يبرم الأمور ولا يش ... رك في رأيه الضعيف المزجي\rجلب الخيل من تهامة حتى ... وردت خيله قصور زرنج\rحيث لم تأت قبله خيل ذي الأك ... تاف يوجفن بين قف ومرج\rأنزلوا من حصونهن بنات ال ... ترك يأتين بعد عرج بعرج\rكل خرق سيمدع وشنون ... ساهم الوجه تحت أحناء سرج\rيلبس الجيش بالجيوش ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج\rوقال في عبد الملك، لما أخذ عبد الله بن جعفر ذي الجناحين الأمان له:\rعاد له من كثيرة الطرب ... فعينه بالدموع تنسكب\rكوفية نازح محلتها ... لا أمم دارها ولا سقب\rثم قال:\rما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا\rوأنهم معدن الملوك فلا ... تصلح إلا عليهم العرب\rإن الفنيق الذي أبوه أبو ال ... عاصي عليه الوقار والحجب\rخليفة الله فوق منبره ... جفت بذاك الأقلام والكتب\rيعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب\rأحفظهم قومهم بباطلهم ... حتى إذا حاربوهم حربوا\rتجردوا يطلبون باطلهم ... بالحق حتى تبين الكذب\rقوم هم الأكثرون قبص حصي ... في الناس والأكرمون إن نسبوا\rوالثاني الأحوص فحدثني أبي، عمن حدثه، أحسبه قال: عن الزهري، قال: كان الأحوص الشاعر يشبب بنساء أهل المدينة، فتأذوا به، وكان معبد وغيره من المغنين يغنون في شعره، فشكاه قومه، فبلغ ذلك سليمان بن عبد الملك: فكتب إلى عامله بالمدينة أن يضربه مئة سوط، ويقيمه على البلس للناس، ويسيره إلى دهلك، ففعل به، فثوى بها سلطان سليمان، وعمر بن عبد العزيز: فأتى رجال من الأنصار عمر بن عبد العزيز، فسألوه أن يرده، وقالوا: قد عرفت نسبه وموضعه من قومه، وقد أخرج إلى أرض الشرك فنطلب إليك أن ترده إلى حرم رسول الله صلى الله عليه، ودار قومه. فقال عمر: من الذي يقول:\rفما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب\rقالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:\rأدور ولولا أن أرى أم جعفر ... بأبياتكم مادرت حيث أدور\rقالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:\rسيلقى لها في القلب في مضمر الحشا ... سريرة حب حين تبلى السرائر\rقالوا: الأحوص. قال: إنه يومئذ عنها لمشغول، والله لا أرده ما كان لي سلطان. فمكث هناك بقية ولاية عمر، وصدراً من ولاية يزيد بن عبد الملك. ثم استخلف يزيد بن عبد الملك، فبينا يزيد على سطح، وحبابة جاريته تغنيه بشعر الأحوص، إذ قال يزيد: من يقول هذا الشعر؟ قالت: لا وعيشك ما أدري! قال: وقد كان ذهب من الليل شطره، قال: ابعثوا إلى الزهري، فعسى أن يكون عنده علم من ذلك. فأتى ابن شهاب الزهري فقرع بابه فخرج فزعا، حتى أتى يزيد. فلما صعد إليه قال: لا بأس عليك، لم ندعك إلا لخير، أجلس. فجلس. فقال: من الذي يقول هذا الشعر؟ قال: الأحوص يا أمير المؤمنين. قال: فما فعل؟ قال: قد طال حبسه بدهلك! قال: عجبت لعمر بن عبد العزيز كيف أغفله! فأمر بالكتاب بتخيلة سبيله، وأمر له بأربعمئة دينار. فأقبل الزهري من ليلته إلى ناس من الأنصار، فبشرهم بتخيلة سبيل الأحوص. ثم قدم عليه، فأجازه وأحسن إليه.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"وحدثني أبو الغراف، عمن يثق به، قال: بعث يزيد ابن عبد الملك، حين قتل يزيد بن المهلب، إلى الشعراء، فأمرهم بهجاء يزيد وأهل بيته: منهم الفرزدق وكثير والأحوص. فقال الفرزدق: لقد امتدحت بني المهلب بمدح ما امتدحت بمثله أحدا، وإنه لقبيح بمثلي أن يكذب نفسه على رأس الكبر، فليعفني أمير المؤمنين. فأعفاه. وقال كثير: إني لأكره أن أعرض نفسي وقومي لشعراء أهل العراق إن هجوت بني المهلب. وأما الأحوص فإنه هجاهم. فلما بعث به يزيد بن عبد الملك إلى الجراح بن عبد الله الحكمي، وهو بأذربيجان، وقد كان بلغ الجراح هجاء الأحوص بني المهلب، فبعث إليه بزق من خمر، فأدخل منزل الأحوص، ثم بعث إليه خيلا، فدخلوا منزله، فصبوا الخمر على رأسه، ثم أخرجوه على رؤؤس الناس، وأتوا به الجراح، فأمر به فحلق رأسه ولحيته، وضربه الحد، يتراوحه الرجال، وهو يقول: ليس هكذا تضرب الحدود!! فجعل الجراح يقول: صدقت! أجل! ولكن لما تعلم.؟ ثم كتب إلى يزيد بن عبد الملك بالذي كان من أمره، فأغضى له عليها.\rفمما قال الأحرص، قال يمدح عبد العزيز بن مروان:\rأقول بعمان وهل طربي به ... إلى أهل سلع إن تشوفت نافعه؟\rأصاح ألم تحزنك ريح مريضة ... وبرق تلالا بالعقيقين رافع؟\rفإن الغريب الدار مما يشوقه ... نسيم الرياح والبروق اللوامع\rنظرت على فوت وأوفى عشية ... بنا منظر من حصن عمان يافع\rوللعين أسراب تفيض كأنما ... تعل بكحل الصاب منها المدامع\rلأبصر أحياء بخاخ تضمنت ... منازلهم منها التلاع الدوافع\rفأبدت كثيرا نظرتي من صبابتي ... وأكثر منها ما تجن الأضالع\rوكيف اشتياق المرء يبكي صبابة ... إلى من نأي عن داره وهو طائع؟\rلعمر ابنة الزيدي أن أدكارها ... على كل حال للفؤاد لرائع\rوإني لذكراها على كل حالة ... من الغور أوجلس البلاد لنازع\rلقد كنت أبكي والنوى مطمئنة ... بنا وبكم من علم ما البين صانع\rوقد ثبتت في الصدر منها مودة ... كما ثبتت في الراحتين الأصابع\rأهم لأنسى ذكرها فيشوقني ... رفاق إلى أهل الحجاز نوازع\rإنا عدانا عن بلاد نحبها ... إمام دعانا نفعة المتتابع\rأغر لمروان وليلى كأنه ... حسام جلت عنه الصياقل قاطع\rهو الفرع من عبدي مناف كليهما ... إليه انتهت أحسابها والدسائع\rفكل غني قانع بفعاله ... وكل عزيز عنده متواضع\rهو الموت أحيانا يكون وإنه ... لغيث حيا يحيى به الناس واسع\rوهو الذي يقول:\rإني إذا جهل اللئام رأيتني ... كالشمس لا تخفي بكل مكان\rما من مصيبة نكبة أمنى بها ... إلا تشرفني وترفع شأني\rفتزول حين تزول عن متخمط ... تخشى بوادره على الأقران\rوحدثني أبي، سلام بن عبيد الله قال: بلغني أن مسلمة بن عبد الملك قال ليزيد بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين! ببابك وفود الناس، وتقف ببابك أشراف العرب، فلا تجلس لهم! وأنت قريب عهد بعمر بن عبد العزيز! وقد أقبلت على هؤلاء الإماء! قال: أرجو أن لا تعاتبني على هذا بعد اليوم. فلما خرج مسلمة من عنده، استلقى على فراشه، وجاءت حبابة جاريته فلم يكلمها، فقالت: ما دهاك عني؟ فأخبرها بما قال مسلمة وقال: تنحى عني حتى أفرغ للناس. قالت: فأمتعني منك مجلسا واحدا، ثم أصنع ما بدا لك. قال: نعم. فقالت لمعبد: كيف الحيلة؟ قال: يقول الأحوص أبياتا وتغني فيها. قالت: نعم. فقال: الأحوص:\rألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا ... فقد غلب المحزون أن يتجلدا\rإذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا\rفما العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"فغنى فيه معبد وقال: مررت البارحة بدير نصارى، وهم يقرأون بصوت شج، فحكيته في هذا الصوت. فلما غنته حبابة هذا الصوت، قال: لعن الله مسلمة! صدقت، والله لا أطيعهم أبدا.\rومن قوله أيضا:\rأمن آل سلمى الطارق المتأوب ... ألم وبيش دون سلمى وكبكب\rفكدت اشتياقا إذ ألم خيالها ... أبوح ويبدو من هواي المغيب\rويوما بذي بيش ظللت تشوقا ... لعينيك أسراب من الدمع تسكب\rأتيحت لنا إحدى كلاب بن عامر ... وقد يقدر الحين البعيد ويجلب\rبأرض نأي عنها الصديق وغالني ... بها منزل عن طية الحي أجنب\rوما هربت من حاجة نزلت بها ... ولكنها من خشية الجرم تهرب\rأقامت ببيش في ظلال ونعمة ... لها قيم يخشى الجرائر مذنب\rغريب نأي عن أرضه وسمائه ... ليحيى وطول\rأخبرنا أبو غانم قال، أخبرنا أبو خليفة قال، حدثني محمد ابن سلام قال، حدثني محمد بن أبان: أن الأحوص بن محمد الشاعر، كان يهوى أخت امرأته، ويكتم ذلك، وينسب بها ولا يفصح باسمها، فتزوجها مطر، فبلغه الأمر، فأنشأ يقول:\rأأن نادى هديلا ذات فلج ... مع الإشراق في فنن حمام\rظللت كأن دمعك در سلك ... هوى نسقا وأسلمه النظام\rتموت تشوقا طربا وتحي ... وأنت جو بدائك مستهام\rكأنك من تذكر أم حفص ... وحبل وصالها خلق رمام\rصريع مدامة غلبت عليه ... تموت لها المفاصل والعظام\rوأني من ديارك أم حفص ... سقى بلدا تحل به الغمام!\rأحل النعف من أحد وأدنى ... مساكنها الشبيكة أو سنام\rسلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام\rولاغفر الإله لمنكحيها ... ذنوبهم وإن صلوا وصاموا\rكأن المالكين نكاح سلمى ... غداة يرومها مطر نيام\rفإن يكن النكاح أحل شيئا ... فإن نكاحها مطر حرام\rفلو لم ينكحوا إلا كفيا ... لكان كفيها ملك همام\rفطلقها فلست لها بأهل ... وإلا عض مفرقك الحسام\rأخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام، عن سالم بن أبي السمحاء - وكان صاحب حماد الراوية - : أن حماداً كان يقدم الأحوص في النسيب.\rالثالث: جميل بن معمر. فحدثني أبو الغراف، عن الأخيل ابن أبي الأخيل قال، حدثني أدهم التميمي قال: لقيني كثير عزة فقال: لقيني جميل بن معمر في هذا الموضع الذي لقيتك فيه فقال: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أبي الحبيبة، أعني أبا بثينة. ثم قال لي: وإلى أين تريد؟ قلت: إلى الحبيبة، أعني عزة. قال: لا بد من أن ترجع عودك على بدئك، فتستجد لي موعدا. قلت: فإن عهدي بأبيها الساعة وأنا أستحي. قال: لا بد من ذلك. قلت: فمتى عهدك بهم؟ قال: بالدوم، وهم يرحضون ثيابهم. فأتيت أباها، قال: ما ردك يا ابن أخي؟ قلت: أبيات عرضت، أحببت أن أعرضها عليك. قال: هات. فأنشدته:\rفقلت لها: يا عز! أرسل صاحبي ... على نأي دار والموكل مرسل\rبأن تجعلي بيني وبينك موعدا ... وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل\rوآخر عهد منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل\rفضربت بثينة جانب الخدر وقالت: اخسأ، اخسأ! قال أبوها: مهيم يا بثينة؟ قالت: كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرابية. قال: فأتيته، فأخبرته أنها قد وعدته إذا نوم الناس من وراء الرابية.\rومن قوله:\rما من قرينة آلف لقرينة ... إلا لحبل قرينها إقصار\rوإذا أردت ولا يخونك كاتم ... حتى يشيع حديثك الإظهار\rكتمان سرك يا بثين وإنما ... عند الأمين تغيب الأسرار\rومن قوله:\rويحسب نسوان من الحي أنني ... إذا جئت إياهن كنت أريد\rفأقسم طرفي بينهن فيستوي ... وفي الصدر بون بينهن بعيد\rألا ليت شعري! هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى؟ إني إذا لسعيد!","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"وهل ألقين سعدي من الدهر مرة ... وما مر من عصر الشباب جديد؟\rومن يعط في الدنيا قرينا كمثلها ... فذلك في عيش الحياة رشيد\rيموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيى إذا فارقتها فيعود\rومن قوله:\rوكنا إذا ما معشر جحفوا بنا ... ومرت جواري طيرهم وتعيفوا\rوضعنا لهم صاع القصاص رهينة ... وسوف نوفيها إذا الناس طففوا\rترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا\rفشد الفرزدق على هذا البيت وقال: أنا أحق به، وقال: لا تعد فيه. فلم يكترث له:\rبرزنا وأصحرنا لكل قبيلة ... بأسيافنا إذ يؤكل المتضعف\rفأي معد كان فيء رماحه ... كما قد أفأنا والمفاخر منصف\rونحن منعنا يوم أود ذمارنا ... ويوم أخي والأسنة ترعف\rونحن حمينا يوم مكة بالقنا ... قصيا وأطراف القنا تتقصف\rفحطنا لهم أكناف مكة بعدما ... أرادت بها ما قد أبى الله خندف\rوقال يمدح عبد العزيز بن مروان:\rإلى القرم الذي فاتت يداه ... بفعل العرف سطوة من ينيل\rإذا ما أغلى الحمد اشتراه ... فما إن يستقيل ولا يقيل\rأمين الصدر يحفظ ما تولى ... بما يكفي القوى به النبيل\rأبا مروان أنت فتى قريش ... وكهلهم إذا عد الكهول\rتوليه العشيرة ما عناها ... فلا ضيق الذراع ولا بخيل\rإليك تشير أيديهم إذا ما ... رضوا أو غالهم أمر جليل\rكلا يوميه بالمعروف طلق ... وكل فعاله حسن جميل\rغابك في الذؤاية من قريش ... بناة المجد والعز الأثيل\rأروم ثابت يهتز فيه ... بأكرم منبت فرع طويل\rوالرابع نصيب مولى عبد العزيز بن مروان، فحدثني أبو الغراف قال: مر جرير بنصيب وهو ينشد، فقال له: اذهب فأنت أشعر أهل جلدتك! - وكان نصيب أسود - فقال: وجلدتك يا أبا حزرة! وحدثني أبو اليقظان قال، حدثني جويرية بن أسماء قال: قلت لنصيب مولى عبد العزيز: يا أبا محجن: من أشعر الناس؟ قال: أخو بني تميم. قلت: ثم من؟ قال: أنا. فقلت: ثم من؟ قال: ابن يسار. فلقيت إسماعيل بن يسار فقلت: من أشعر الناس؟ قال: أخو بني تميم. قلت: ثم من؟ قال: أنا. قلت: ثم من؟ قال: نصيب. قلت: إنكما لتقارضان الثناء! قال: وما ذاك؟ قلت: لقت نصيبا فقال فيك ما قلت فيه! قال: إنه لشاعر والله كريم ولا أظنه إلا بدأ بابن يسار قبل نصيب.\rفمن قوله:\rحريب أصاب المال من بعد ثروة ... لديه فأضحى وهو أسوان معدم\rفإن تك ليلى العامرية أصبحت ... على النأي مني غير ذنبي تنقم\rفما ذاك من ذنب أكون اجتنبته ... إليها فتجزيني به حيث أعلم\rولكن إنسانا إذا مل صاحبا ... وحاول صرما لم يزل يتجرم\rوقال أيضا:\rوكيف يقودني كلف بسعدي ... وهذا الشيب أصبح قد علاني!\rوودعني الشباب وكنت أسعى ... إلى داعي الشباب إذا دعاني!\rفإن يفن الشباب فكل شيء ... من الدنيا فلا يغررك فإني\rولو أني بقيت لمسى ليل ... وصبح نهاره يتداولاني\rصحيحا لا ألاقي الموت حتى ... أدب على القناة لأبلياني\rوقال يذكر الحكم بن أبي بكر بن عبد العزيز:\rفي قرى مجد وجدت له ... فراط مكرمة كانوا لنا قدما\rملك تقود الناس كلهم ... قود الجنائب خضعا تتبع الخزما\rبلادا أن يصاب به ... حق وإن نسبوا فالقوم من كرما\rستعمل الأنضاء دائبة ... في الخرق لابسة أعلامها قتما\rقن مروق النبل من علم ... مرت أخذن بنا من بعد علما\rأتتك بنا خوصا مقدمة ... قد باشرت بعد غرب الجدة الخدما\rومن قوله أيضا:\rالصبا والرأس قد ظهرت به ... روائع شيب هز عته عواسله","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"الشباب فإنه ... أخ لك إن طالت حياتك عاذلة\rثوبية الجديدين بعدما ... لبستهما حينا وعادت مباذلة\rوقال أيضا:\rأيقظان أم هب الفؤاد لطائف ... ألم فحيي الركب والعين نائمه\rسرى من بلاد الغور حتى اهتدى لنا ... ونحن قريب من عمود سوادمه\rبنجد وما كانت بعهدي رجيلة ... ولا ذات فكر في سرى الليل فاطمه\rفو الله ما من عادة لك في السري ... سريت ولا أن كنت بالأرض عالمه\rولكنما مثلت ليلا لذي الهوى ... فبت صديقا ثم فارقت سالمه\rفيالك ذا ود ويالك ليلة ... تجلت وكانت بردة العيش ناعمه\rفلو دمت لم أملل ولكن تركتني ... بدائي وما الدنيا لحي بدائمه\rوذكرتني أيامنا بسويقة ... وليلتنا إذ النوى متلائمه\rالطبقة السابعة\rمن الإسلاميين أربعة رهط: المتوكل الليثي، ويكنى أباجهمة: وهو المتوكل بن عبد الله بن نهشل بن وهب بن عمرو بن لقيط بن يعمر بن عوف بن عامر ابن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وكان كوفيا، وكان في عصر معاوية.\rوالثاني يزيد ين ربيعة بن مفرغ بن مصعب الحميري.\rوالثالث: زياد الأعجم، وهو زياد بن سليم العبدي.\rوالرابع عدي بن الرقاع، وهوعدي بن زيد بن مالك بن عدي بن الرقاع بن عصر بن عدة بن شعل بن معاوية بن قاسط بن عميرة ابن زيد بن الحاف بن قضاعة.\rفحدثني أبي سلام، عمن حدثه قال: كانت رهيم، امرأة المتوكل، أقعدت فسألته الطلاق، فقال: ليس ذا حين طلاق! فأبت عليه، فطلقها، فبرأت بعد الطلاق، فقال يذكرها:\rقفي قبل التفرق يا أماما ... وردي قبل بينكم السلاما\rسعى الواشون حتى أزعجوها ... ورث الحبل فانجذم انجذاما\rفلست بزائل ما دمت حيا ... مسرا من تذكرها هياما\rترجيها وقد شحطت نواها ... ومنتك المنى عاما فعاما!\rخدلجة لها كفل وبوص ... ينوء بها إذا قامت قياما\rصليني وأعرفي أني كريم ... وأن حلاوتي خلطت سماما\rوأني ذو محافظة صليب ... خلقت لمن يضارسني لجاما\rفلا وأبيك لا أنساك حتى ... تجاور هامتي في القبر هاما\rومن قوله أيضا:\rأرعى الأمانة للأمين بحقها ... فيبين عفا سره مكتوم\rوأشد للمولى المدفع ركنه ... شفقا من التعجيز وهو مليم\rينأى بجانبه إذا لم يفتقر ... وعلى للخصم الألد خصيم\rإن الأذلة واللئام معاشر ... مولاهم المتهضم المظلوم\rوإذا أهنت أخاك أو أفردته ... عمدا فأنت الواهن المذموم\rلا تتبع سبل السفاهة والخنا ... إن السفيه معنف مشتوم\rوأقم لمن صافيت وجها واحدا ... وخليقة إن الكريم قؤوم\rلاتنه عن خلق تأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\rوإذا رأيت المرء يقفو نفسه ... والمحصنات فما لذاك حريم\rومعيري بالفقر قلت له اقتصد ... إني أمامك في الأنام قديم\rوقد يكثر النكس المقصر همه ... ويقل مال المرء وهو كريم\rقال: كان رجل من بني جشم يقال له: الهذيل بن حية صديقا لأبي المتوكل، ثم جفاه قليلا فقال المتوكل:\rألا أبلغ أبا قيس رسولا ... فإني لم أخنك ولم تخني\rولكني طويت الكشح لما ... رأيتك قد طويت الكشح عني\rوكنت إذا الخليل أراد صرمي ... قلبت لصرمه ظهر المجن\rكذاك قضيت للخلان إني ... أدين عليهم وأدين مني\rولست بآمن أبدا خليلا ... على شيء إذا لم يأتمني\rوقال:\rولقد علمت لو أن علمي نافع ... وأتاك ما يتحدث الأكفاء\rالذين حصونهم ... رزق الأسنة والحصون فضاء\rإنا أناس تستنير جدودنا ... ويموت أقوام وهم أحياء","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"ول المجتنى ... ودعائم الإسلام والنجباء\rاخ سوابقا ... زرق القتير كأنهن نهاء\rمعتفيهم مرحبا ... مع ذاك فيهم قوة ووفاء\rعلى المضاف إذا دعا ... حتى ينفس والرماح رواء\rبيض كأن شعاعها ... تحت العجاجة بالأكف ضياء\rقد يعلم الأقوام غير تنحل ... أنا نجوم فوقهم وسماء\rوالثاني: يزيد بن مفرغ الحميري، فحدثني يونس ابن حبيب: أن يزيد بن ربيعة بن مفرغ كان رجلا من أهل يحصب وكان عديدا لبني أسيد بن أبي العيص بن أمية، من أهل البصرة وكان رجلا شريرا هجاء للناس. فصحب عباد بن زياد - وعباد يومئذ على سجستان - ، عامل عبيد الله بن زياد، وعبيد الله يومئذ على البصرة دون الكوفة، وذلك في خلافة معاوية بن أبي سفيان، فهجا ابن مفرغ عبادا، فبلغه ذلك. وكان على ابن مفرغ دين، فأمر عباد الديان فاستعدوا عليه، فبيع ماله في دينه، فقضى الديان. وكان فيما بيع غلام يقال له برد، وجارية يقال لها أراكه فقال ابن مفرغ:\rأقفرت من آل ليلى الهضاب ... وعفى بعد الأنيس الجناب\rمنزل منا ومن آل ليلى ... إذ خيام دارهم وقباب\rداركم دار لنا إن سلمنا ... وانقضى الغزو وحان الإياب\rأيها الشاتم جهلا سعيدا ... وسعيد في الحوادث ناب\rما أبوكم مشبها لأبيه ... سائلوا الناس بذاكم تجابوا\rإن دهرا كنت فيه أميرا ... تخطب الناس لدهر عجاب\rوسعيد هذا الذي ذكره في شعره: سعيد بن عثمان بن عفان، وكان عاملا لمعاوية على خراسان، وكان دعا يزيد بن مفرغ أن يصحبه، فأبى عليه وصحب عباد بن زياد.\rوقال ابن مفرغ أيضا لعباد بن زياد:\rأصرمت حبلك من أمامة ... من بعد أيام برامه؟.\rلهفي على الرأي الذي ... كانت عواقبه ندامه!\rتركي سعيدا ذا الندى ... والبيت ترفعه الدعامه\rوتبعت عبد بني علا ... ج تلك أشراط القيامة!\rجاءت به حبشية ... سكاء تحسبها نعامه\rمن نسوة سود الوجو ... ه ترى عليهن الندامه\rوشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه!\rهامة تدعو صدى ... بين المشقر واليمامة\rالعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الملامة\rوالريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في الغمامه\rورمقتها فوجدتها ... كالضلع ليس له استقامه\rثم أقبل ابن مفرغ حتى قدم البصرة، وكان عبيد الله وافدا على معاوية، فعرف ابن مفرغ الذي أثر في بني زياد، فأتى الأخنف ابن قيس التميمي فقال: أجرني من بني زياد. فقال: لا أجسر عليهم، ولكني أكفيك شعراء بني تميم أن يهجوك. فقال: أما هذا فلا أريد أن تكفينيه: فأتى أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد فقال له: أجرني. فوعده. وأتى عمر بن عبيد الله بن معمر، فوعده. وأتى طلحة الطلحات فوعده. وأتى المنذر بن الجارود، فأجاره. وبلغ عبيد الله الذي كان من هجاء ابن مفرغ عبادا، وهو عند معاوية، فقال: إن ابن مفرغ قد هجانا، فأذن لي في قتله. قال: أما قتله فلا، ولكن ما دون القتل. فلما قدم عبيد الله البصرة، لم يكن له همة إلا ابن مفرغ. فسأل عنه، فقيل: أجاره ابن الجارود، وهو في داره. فأرسل إلى المنذر فأتاه، فلما دخل عليه أرسل عبيد الله الشرط إلى دار المنذر، فأخذوا ابن مفرغ، فأتوا به عبيد الله بن زياد، فلم يشعر المنذر حتى رآه واقفا عليه وعلى عبيد الله. فقام إلى عبيد الله فكلمه فيه فقال: أجرته! فقال عبيد الله: يا منذر، ليمدحن أباك وليهجون أبي، وليمدحنك وليهجوني، ثم أرضى بذلك! قال: فخرج المنذر من الدار، وحبس ابن مفرغ، وأسلم إلى الحجامين ليعلموه الحجامة فهو الذي يقول:\rوما كنت حجاما ولكني أحلني ... بمنزلة الحجام نأيي عن الأهل\rوقال يهجو الذين أجاروه ثم خفروا:\rغدرت جذيمة غدرة مذكورة ... طوق الحمامة يعرفون بها ضحى","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"سائل بني الجارود أين نزيلهم ... أغدا مع الغادين يوما أو ثوى\rلا يبعد الجار الذي أسلمتموا ... زين المجالس والفتى كل الفتى\rلعن الثلاثة منذر وابن استها ... وطليحة الداعي جهارا للردى\rوأمية الكذاب قال مقالة ... كانت منى منه وما تغني المنى!\rوقال أيضا:\rتركت قريشا أن أجاور فيهم ... وجاورت عبد القيس أهل المشقر\rأناس أجاروني فكان جوارهم ... أعاصير من فسو العراق المبذر\rفأصبح جاري من جذيمة نائما ... ولا يمنع الجيران غير المشمر\rوقال في عبيد الله بن زياد:\rإن العبيد وما أدت طروقته ... لأعبد من زوان لا يصلونا\rبزندورد خذوا منها مساحيكم ... واستبدلوا بالمآزير التبا بينا\rأنتم قريش لئن لم تخب ناركم ... موتوا فإن قريشا قد يموتونا\rقد يقتل المرء لم يسلم حليلته ... ولم يقل لابنتيه: استعرضا البينا\rولم يذر أمه في الدار والهة ... قد استجار لها إذ هم يجارونا!\rوالثالث: زياد الأعجم، وكان زياد رجلا هجاء قليل المدح للملوك والوفادة إليهم. ولم تكن له همة تدعوه، وكانت همته ومركزه بخراسان وما يليها، وكان أكثر نزوله بإصطخر من أرض فارس، وكان يهاجي كعبا الشقري شقرة بني تميم. وكان صاحب بديهة وقدرة في الشعر.\rفحدثني أبو الغراف: أن خالد بن عبد الله القسري قال للأقيشر التميمي: أي الناس أسرع بديها؟ قال: أنا، أصلحك الله. قال: فأين زياد الأعجم؟ قال: والله لوددت، أنه بيني وبينك! فكتب خالد إلى أسد بن عبد الله، وزياد عنده بخراسان: أن وجهه إلي. فلما قدم جمع بينهما، فقال: يا أبا أمامة، زعم هذا أنه أسرع بديها منك! قال: إن شاء فليبدأ، وإن شاء بدأت. فقال: هات يا أبا أمامة! فأطرق غير طويل ثم أنشأ يقول:\rألم تر أنني وترت قوسي ... لأبقع من كلاب بني تميم\rعوى فرميته بسهام موت ... يصبن عوادي الكلب اللئيم\rوكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيم\rثم قال: هات يا أقيشر! فأطرق طويلا ثم قال: خنقت..... فأعطى زيادا وحباه.\rوقال زياد:\rوما ترك الهاجون لي إن هجوته ... مصحا أراه في أديم الفرزدق\rولا تركوا الحما يرى فوق عظمه ... لآكله أبقوه للمعترق\rسأكسر ما أبقوا له من عظامه ... وأنكت مخ الساق منه فأنتقي\rوإنا وما تهدي لنا هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق\rقال: وحدثني أبي سلام قال، حدثنا بعض أصحابنا: أن زيادا أتى عبد الله بن الحشرج الجعدي، وهو على قهستان، فأجازه بثلاثين ألفا، فقيل له: ترحل، فإنه إن احتاج إليها أخذها. وقالوا له: إنه قد كان يعطي الرجل، فإذا نابته نائبة أخذ ما أعطاه، فإذا أتاه مال رد عليه. فخرج زياد ولم يسلم عليه، ففقده وسأل عنه فقال: ما فعل زياد؟ فقالوا: خرج. فأرسل غلاما له بفرو، فقال: الحقه فقل له: البس هذا الفرو لا تقر! فلحقه الغلام فدفعه إليه، فقال زياد:\rنبأتني أن عبد الله منتزع ... مني عطاياه لكاع بن لكاع\rكذبت لم تغذه سوداء مقرفة ... بشر ثدي كأنف الكلب دماع\rإلا بألبان حور كالدمى شمس ... من عامر ونمته بين أفراع\rوقال يهجو بني يشكر:\rألم تر أن اللؤم حل عماده ... على يشكر الحمر القصار السوالف\rإذا ما رأيت الخز فوق ظهورهم ... عرفت بحار اللؤم تحت المطارف\rوقال يهجو جرما:\rتكلفني سويق الكرم جرم ... وما جرم وماذاك السويق\rفما شربوه إذ كانت حلالا ... ولا غالوا بها يوم سوق\rفأولى ثم أولى ثم أولى ... ثلاثا يا ابن جرم أن تذوقي\rولما نزل التحريم فيها ... إذا الجرمي عنها لا يفيق\rوقال أيضا:\rإني لأكرم نفسي أن أكلفها ... هجاء جرم وما يهجوهم أحد","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"ماذا يقول لهم من كان هاجيهم؟ ... لا يبلغ الناس ما فيهم ولو جهدوا\rوقال الأعجم يهجو بني يشكر:\rلو أن بكرا براه الله راحلة ... لكان يشكر منها موضع الذنب\rليسوا إليه، ولكن يعلقون به ... كما تعلق راقي النخل بالكرب\rالرابع: عدي بن الرقاع العاملي، فحدثني أبو الغراف قال: لما أتت الخلافة سليمان بن عبد الملك، أتته وهو بالسبع، فكتب إلى عامله: أن أبعث إلى عدي بن الرقاع في وثاق مع ثقة، فوجهه إليه. فلما دخل عليه قال: إن كنت لكارها لخلافتي! قال: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: حين تقول في مدحة الوليد:\rعذنا بذي العرش أن بنقىونفقده ... أو أن نكون لراع بعده تبعا\rقال ابن الرقاع: والله ما هكذا قلت، يا أمير المؤمنين، ولكني قلت:\rعذنا بذي العرش أن نبقى ونفقدهم ... أو أن نكون لراع بعدهم تبعا\rقال: وكذلك قلت؟ قال: نعم. قال: فكوا حديده، وردوه على مركبه إلى أهله. وإنما كان يخص بتلك المدحة الوليد.\rوحدثني أبي سلام قال: قام روح بن زنباع الجذامي يوم الجمعة إلى يزيد بن معاوية، حين فصل بين الخطبتين، فقال: يا أمير المؤمنين، ألحقنا بإخوتنا، فإنا قوم معديون، والله ما نحن من قصب ولا من غاف - شجر اليمن - ، فألحقنا بإخوتنا. فقال يزيد: إن أجمع على ذلك قومك، فنحن جاعلوك حيث شئت. فبلغت الدعوى عدي بن الرقاع فقال:\rإنا رضينا وإن غابت جماعتنا ... ما قال سيدنا روح بن زنباع\rيرعى ثمانين ألفا كان مثلهم ... مما يخالف أحيانا على الراعي\rفبلغ ذلك ناتل بن قيس الجذامي، فجاء يركض حتى دخل المقصورة، فقال: أين جلس الفاجر الكاذب روح بن زنباع؟ فأشاروا له إلى مجلسه، فانتظر يزيد، حتى إذا كان عند فصل خطبته قام فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أن روح بن زنباع قام فزعم أنه من معد، وذلك مالا نعرفه ولا نقر به، ولكنا من قحطان، يسعنا ما وسع قحطان، ويعجز عنا ما يعجز عنهم، فبلغ ذلك ابن الرقاع فقال:\rلو أن أطعتك يا غرار كسوتني ... في كل مجمعة ثياب صغار\rأضلال ليل ساقط أكنافه ... في الناس أعذر أم ضلال نهار\rقحطان والدنا الذي ندعى له ... وأبو خزيمة خندف بن نزار\rأنبيع والدنا الذي ندعى له ... بأبي معاشر غائب متواري\rتلك التجارة لا نجيب لمثلها ... ذهب يباع بآنك وأبار!\rفقالوا: غيرت يا ابن الرقاع! فقال: إنه والله أعزهما سخطا - يعني ناتلا - .\rوحدثني يونس النحوي قال: استسقى ابن الرقاع بني بحر، من بني زهير بن جناب الكلبيين، فلم يسقوه، وهو على ماء لهم يقال له الدمعانة، فورد على بني تغلب ماء يقال له خالة، وفيه جفر يقال له القنيني. فكانت بنو تغلب قد رعت فيه، فوقع قعب في اللقنيني، فزعم أنه وجد في التراب القعب، فاقتتلت في ذلك الجفر بنو تغلب حتى كادت تتفانى. ثم اصطلحوا على أن ملأوه حجارة وقتادا، واحتفروا حوله. فموضع القنيني من خالة معروف يقال لما حوله القنينيات فقال ابن الرقاع:\rغابت سراة بني بحر ولو شهدوا ... يوما لأعطيت ما أبغى وأطلب\rلما دفعت إلى الماحوز قلت له: ... هل أنت مفتعل خيرا ومحتسب\rإذا خطيت قضى منا مقالته ... ثنى بأخرى خطيب فاصل أرب\rحتى وردنا القنينيات ضاحية ... في ساعة من نهار الصيف تلتهب\rفجاء بالبارد العذب الزلال لنا ... ما دام يمسك عودي دلونا الكرب\rمن ماء خالة جياش بجمته ... مما توارثه الأوحاد والعتب\rالعتب، يريد عتبة بن سعد، وعتاب بن سعد، وعتبان ابن سعد. والأوحاد: عوف وكعب، ابنا سعد، من بني تغلب.\rوقال يمدح عبد الملك بن مروان، ويهجو مصعب ابن الزبير:\rلعمري لقد أصحرت خيلنا ... بأكناف دجلة للمعصعب\rوجرت سنابكها بالعرا ... ق حتى تركناه كالمشجب\rوردنا الفرات وخابوره ... وكانا هما ثقة المشرب\rعلى كل ريق ترى معلما ... يصرف كالجمل الأجرب","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"لضاحية الشمس في رأسه ... شعاع تلألأ كالكواكب\rإذ ما منافق أهل العرا ... ق عوتب ثمت لم يعتب\rدلفنا إليه بذي تدرأ ... قليل التفقد للغيب\rيقومنا واضح وجهه ... كريم المضارب والمنصب\rأغر يضيء لنا نوره ... إذا ما انجلت غمرة الموكب\rتظل القنابل يكسونه ... رواقا من النقع لم يطنب\rأعين بنا ونصرنا به ... ومن ينصر الله لا يغلب\rوقال أيضا:\rوالقوم أشباه وبين حلومهم ... بون كذاك تفاضل الأشياء\rكالبرق منه وابل متتابع ... جود وآخر ما يجود بماء\rوالدهر يفرق بين كل جماعة ... ويلف بين تباعد وتنائي\rوالمرء يورث مجده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياء\rوقال أيضا:\rتزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها\rركبت به من عالج متخيرزا ... قفرا تربب وحشة أولادها\rبمجر مرتجز الرواعد بعجت ... غر السحاب به الثقال مزادها\rإني إذا ما لم تصلني خلة ... وتباعدت عني اغتفرت بعادها\rوإذا القرينة لم تزل في نجدة ... من ضغنها سئم القرين قيادها\rإما ترى شيبي تفشغ لمتي ... حتى علا وضح يلوح سوادها\rفلقد تبيت يد الفتاة وسادة ... لي جاعلا إحدى يدي وسادها\rالطبقة الثامنة\rمن الإسلاميين، أربعة رهط: عقيل بن علفة المري.\rوبشامة بن الغدير المري، أحد بني سهم بن مرة.\rوشبيب بن البرصاء واسمه شبيب بن زيد بن جمرة بن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة، وأمه البرصاء بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة.\rوقراد بن حنش بن عمرو بن عبد الله بن عبد العزي بن صبيح بن سلامة بن الصارد بن مرة.\rقال: فحدثني أبو عبيدة: أن يزيد بن عبد الملك خطب إلى عقيل بن علقة ابنته وقال: زوجني، فلست بواجد في قومي مثلي. قال عقيل: بلى والله، لأجدن في قومك مثلك، وما أنت بواجد في قومي مثلي. فحبسه، فضرب عقيل كتف ابنه وقال: زوجه يا بني، فأنت أحق بالأمة مني! فزوجه أم عمرو بنت عقيل. فلما أهداه عقيل، تمثل جثامة بن عقيل فقال:\rأيعذر لاهينا ويلحين في الصبا! ... وهل هن والفتيان إلا شقائق؟\rفرماه عقيل بسهم وقال: تمثل بهذا عند بناتي! فخرج جثامة مراغما لأبيه، فأتى يزيد بن عبد الملك. فكتب عقيل إلى يزيد: إنه أتاك أعق خلق الله. وكان يزيد قد أعطاه وحباه، فأخذ ذلك منه وحبسه.\rوحدثني أبو عبيدة قال: كان علفة بن عقيل بن علفة هوى امرأة من قومه من بني مالك بن مرة وهويته، فأراد أن يتزوجها، فخطبها أبوه فتزوجته. فأقامت عنده حينا، ثم إن قومها ادعوا عليه طلاقا، فهرب بها إلى الشأم، فقال في ذلك علفة بن عقيل بن علفة:\rلعمري لئن كانت سلافة بدلت ... من الرملة العفراء قفلا تزاوله\rونوحا يغنيها دوين حمامة ... إذا هي ضجت بزله وجوازله\rقال: وخرج عقيل ومعه بنوه: علفة، وعملس، وجثامة، وابنته الجرباء، حتى إذا كانوا بجنب دومة الجندل، تغنى علفة بن عقيل فقال:\rقفي يا ابنة المري نسألك ما الذي ... تريدين فيما بيننا إنه سهل\rنخبرك إن لم تنجزي الوأى أننا ... ذوا خلة لم يبق بينهما وصل\rفإن شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... وإن شئت لم يفن التكارم والبذل\rونسألك ما تغني عن الجاهل المنى؟ ... وهل يستقيدن الجنيب ولا حبل\rفعدا عليه أبوه بالسيف وقال: يا عدو الله، ما هذه المرية؟ واتهمه بامرأته وقال: تشبب بأمك؟ فكلمه أخوه، فحمل عليهما، ويرميه عملس بسهم في فخذه فصرعه، فقال عقيل:\rإن بني رملوني بالدم ... شنشنة أعرفها من أخزم\rمن يلق أحدان الرجال يكلم وقال عقيل بن علفة يهجو بني بدر بن عمرو:\rإذا جارة حلت على الهجم لم تجد ... كريما ولم تعدم لئيما يزورها\rألم تر بدرا لا تماني دماءهم ... دماء ولم يعقد لجار مجيرها","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"أتقصر عن باع الكرام أكفها ... وتبلغ أنصاف المخازي أيورها\rوحدثني أبو عبيدة: أنه كان لعقيل بن علفة نديم من بني كلاب، يقال له غثراء وكان عقيل يسمر عند عبد الملك، فأصاب وجه عقيل أثر، فترك إتيان عبد الملك، فبعث إليه فأتاه، فرأى ما بوجهه، فقال: ما هذا بوجهك؟ قال: يا أمير المؤمنين، لا والله إلا أنني اشتهيت اللبن فقمت إلى الفلانية، - ناقة له - لأجلها، فزبنتني.\rفقال عبد الملك: أشهدك غثراء؟ قال: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهبت مذهبا، وظننت ظنا سائلك عنه. قال: أنا أسئل عنه أم من عمله يا ضب؟ وحدثني أبو عبيدة أنه قيل لعقيل بن علفة: والله ما نراك تقرأ شيئا من كتاب الله! قال: بلى والله، إني لأقرأ. قالوا: فاقرأ. فقال: إنا بعثنا نوحا - وقيل: ما قال: إنا فرطنا نوحا - فقالوا: قد والله أخطأت! قال: فكيف تقولون؟ قالوا: إنا أرسلنا نوحاً. فقال: أرسلنا وبعثنا أشهدكم أنكم تعلمون أنهما سواء، ثم قال:\rخذا صدر هرشى أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهن طريق\rوقال يرثي ابنه علفة بن عقيل:\rلتمض المنايا حيث تشئن فإنها ... محللة بعد الفتى ابن عقيل\rفتى كان مولاه يحل بنجوة ... فحل الموالي بعده بمسيل\rوكان عقيل بن علفة زوج ابنته الجرباء يحيى بن الحكم ابن أبي العاص: فطلقها يحيى، فأقبل إليها عقيل، ومعه ابناه العملس وحزام، فحملها فقال في ذلك:\rقضت وطرا من دير يحيى وطالما ... على عرض ناطحنه بالجماجم\rفأصبحن بالموماة ينقلن فتية ... نشاوي من الإدلاج ميل العمائم\rثم قال: أجز يا حزام، فأرتج عليه، فقالت الجرباء:\rكأن الكرى يسقيهم صرخدية ... عقارا تمشى في المطا والقوائم\rفقال عقيل: شربتها ورب الكعبة! ثم شد عليها بالسيف، فطرح حزام نفسه عليها، فضربها فأصاب حزاما.\rوحدثني أبو عبيدة: أنه كان لعقيل جار من بني سلامان، فخطب إليه، فأخذه فقطمه ودهن استه بشحم، وألقاه في قرية النمل، فأكلن خصييه، فخلاه، وقال له: يخطب إلى عبد الملك فأرده، وتجترئ على! ثم إنه بعد ذلك ورد وادي القرى، فثار بنو حن بن ربيعة، فعقروا به، فقال في ذلك:\rلقد عقرت حن بنا وتلعبت ... وما لعبت حن بذي حسب قبلي\rرويد بني حن تسيحوا وتأمنوا ... وتنشر الأنعام في بلد سهل\rوحدثني أبو عبيدة: أن عقيل بن علفة جاور جذاما، فبينا هو ذات يوم بفنائه، إذا أتته جماعة منهم فخطبه إليه، فقام يسعى حتى صعد شرفا، ثم رمى ببصره إلى الحجاز، ثم عوى عواء الكلب، فقالوا: والله لقد جن! فانصرفوا. فقالت ابنته: يآبه، إنه والله ما أنت ببلاد غطفان حيث تقول ما أحببت لا تخاف أحدا، وإني أخاف أن يغتالك القوم، فالحق ببلادك. فعرف ما قالت: فلما أمسى قرب رواحله وانصرف إلى قومه، وقال عقيل:\rألا ليت شعري هل أشنن غارة ... بغضيان أو وادي تبوك المصوب\rوهل أشهدن خيلا كأن غبارها ... بأسفل علكد دواخن تنضب\rتصب على رمص كأن عيونهم ... فقاح الدجاج في الودي المعصب\rوالثاني: بشامة بن الغدير بن عمرو بن ربيعة بن هلال بن سهم بن مرة بن عوف.\rقال محمد بن سلام الجمحي، فحدثني أبو عبيدة: أن بشامة ابن الغدير كان كثير المال، وكان ممن فقأ عين بعير في الجاهلية، وكان الرجل إذا ملك ألف بعير فقأ عين فحلها.\rوكان قد أقعد، فلما حضره الموت، ولم يكن له ولد، قسم ماله بين إخوته وبني أخيه وأقاربه، فقال له زهير بن أبي سلمى وهو ابن أخته: ماذا قسمت لي يا خالاه؟ قال: أفضل ذلك كله! قال: ما هو؟ قال: شعري! فيزعم من يزعم أن زهيرا جاءه الشعر من قبل بشامة بن الغدير.\rقال بشامة:\rيا قومنا لا تسومونا التي كرهت ... إن الكرام إذا ما أكرهوا غشموا\rلا تظلمونا ولا تنسوا قرابتنا ... إطوا إلينا فقد ما تعطف الرحم\rلا ترجعن أحاديثا وتنتهكوا ... منا محارمنا قد تتقى الحرم\rولا يكن لكم يا قومنا مثلا ... فيما مضى من زمان سالف جلم\rوقال أيضا:\rإن الخليط أجد البين فابتكروا ... لنية ثم ما عاجوا وما انتظروا","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"زموا الجمال وقالوا: إن مشربكم ... ماء بكلية لا ملح ولا كدر\rما كان بينهم إلا مجاهرة ... أشفقت منها فماذا زادك الحذر؟\rاستقبلوا المسقط الشرقي يحفزهم ... في السير أشوس فيه الفحش والضجر\rكأن ظعنهم والآل يرفعها ... نخل المشقر أو ما رببت هجر\rما زلت أرمقهم في الآل مرتفعا ... حتى تقطع دون الجيرة البصر\rفاقر الهموم التي نابت مذكرة ... وشواشة سرحا في دفها زور\rتذرى الحصى رثما من تحت منسمها ... كما يرض سوادى القرى حجر\rتمر جثلا على الحاذين ذا خصل ... كالعذق لا كشف فيه ولا زعر\rكأن أوب ذراعيها إذا انحدرت ... وأحرز الظل في أعدائه الشجر\rأوب ذراعي لجوج جاد واحدها ... حتى إذا ما انتهى أودى به القدر\rفأبلغن قومنا إن جئتهم عذرا ... عنا وهل ينفعهم عندنا عذر\rإنا نذكرهم بالله واحدة ... وبالقرابة والأخرى التي وذروا\rحسن البلاء وأياما لنا سلفت ... يبيض منها إذا ما تذكر الشعر\rفلا تعدوا علينا الزور وارتدعوا ... فإن عندكم من مسنا خبر\rلا تبطروا السلم واستأنوا بإخوتكم ... إن الندامة تعدو سبقها البطر\rوإن فينا صبوحا غير ممتزج ... يصرى الدماء عليه الصاب والصبر\rفينا فتو وفينا سادة حشد ... عند الصباح وفينا جامل عكر\rكم من رئيس فريناه بأجمعهبالمشرفيةحتى يعدل الصعر\rوقال أيضا:\rنحن الفوارس يوم الشعب ضاحية ... والضاربون على ما كان من ألم\rوالمعلمون وعظم الخيل لاحقة ... مبثوثة كعجيم تر عن جرم\rهلا سألت وقول الحق أصدقه ... عنا وعنكم وعن من نلق بالرقم\rأنا جدعنا بصغر من أنوفكم ... أنفا أشم فأمسى حق مصطلم\rيا عام لا تفسد الدعوى وقد تركت ... منكم عصائب بين العرج والرخم\rمالت عليهم لغيظ غبية بركت ... فيهم أحاديثهم في الناس كالحلم\rوقال أيضا:\rونبئت قومي ولم ألقهم ... أجدوا على ذي شويس حلولا\rفإنكم وعطاء الرهان ... إذا جرت الحرب جلا جليلا\rكثوب ابن بيض وقاهم به ... فسد على السالكين السبيلا\rفإما هلكت ولم آتكم ... فأبلغ أماثل سهم رسولا\rبأن التي سامكم قومكم ... هم جعلوها عليكم عدولا\rهوان الحياة وخزي الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا\rفإن لم يكن غير إحداهما ... فسيروا إلى الموت سيرا جميلا\rولا تهلكوا وبكم منة ... كفى بالحوادث للمرء غولا\rوالثالث شبيب بن البرصاء، وهو الذي يقول:\rأنا ابن برصاء بها أجيب! ... هل في هجان اللون ما تعيب؟\rواسمه: شبيب بن يزيد بن جمرة بن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة، وأمه البرصاء بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة.\rوقال:\rيدل علينا الجار آخر قبله ... وأحلامنا معروفة وسدادها\rوجاراتنا مادمن فينا بعزة ... كاروى ثبير لا يحل اصطيادها\rترى إبل الجار الغريب كأنها ... بمكة بين الأخشبين مرادها\rيكون علينا نقصها وضماها ... وللجار إن كانت تزيد ازديادها\rوقال أيضا:\rهل عند سعدى ابنة العمري من زاد ... أم هل لعان لديها موثق فادي\rقامت تراءى لنا سعدى فقلت لها: ... ماذا تريدين من قتلي وإقصادي؟\rأبدت ترائب عبلات وسالفة ... وجيد مغزلة من خير أجياد\rحالي الترائب والذفري عقدن به ... من لؤلؤ وجمان غير أفراد","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"تبدو وساوس منها كلما ارتفقت ... هز الجنوب استخفت عشرق الوادي\rفي ضامر الكشح والأحشاء تحسبه ... مما تخضد منه طي أسناد\rمنها إلى كفل نهد روادفه ... مرتجة كارتجاج الدعص مياد\rووارد كعذوق النخل زينه ... من الجداول لا زعر ولا كادي\rطال اتباعي أمورا ما تجود بها ... حتى يئست فهبني غير مزداد\rثم استمرت ولم تقض التي وعدت ... لا يهنئنك إذ أخلفت ميعادي\rدعها لشأنك وانظر أنت كيف ترى ... شأن أمرأين ذوي مال وأولاد\rإني امرؤ لي رواب لا يشققها ... سيل الأتي ولا تسطاع أو تادي\rإن المكارم والأحساب عودها ... من آل مرة: أعمامي وأجدادي\rأنا ابن عوف! ومني، إن فخرت بهم ... بنو سنان ومسعود بن شداد\rوقال أيضا:\rماذا تلمس سلمى في معرسنا؟ ... كر الغريم لدين كان قد وجبا\rأوكر صاحب ذي الأوجاع مسنده ... إذا تأوه ألقى فوقه الهببا\rألم تكن زعمت بالله مسلمة؟ ... ولم تكن هي مما قضت الأربا\rفلا يحل لسلمى أن تؤرقنا ... بعد المنام ولو كنا لها نصبا\rوقال أيضا:\rكأن ابنة العذري يوم بدت لنا ... بواد القرى، روعى الجنان سليب\rمن الأدم ضمتها الحبال فأفلتت ... وفي الجسم منها علة وشحوب\rحدثني أبو عبيدة قال: خطب شبيب بن البرصاء إلى نهر بن علي بن جابر، أحد بني غيظ بن مرة، فقال: نعم أزوجك. قال شبيب: أؤامر أخي. فقال: أتؤامر رجلا في تزويجك! والله لا أزوج رجلا لا يملك أمره! فقال شبيب:\rلعمر ابنة المرى! ما أنا بالذي ... له أن تنوب النائبات ضجيج\rوقد علمت أفناء مرة أنني ... إلى الضيف قوام السنات خروج\rوإني لأغلى اللحم نيا وإنني ... لممن يهين اللحم وهو نضيج\rإذا المرضع العوجاء باتت يعزها ... على ثديها ذو ودعتين لهوج\rوالرابع: قراد بن حنش بن عمرو بن عبد الله بن عبد العزي ابن صبح بن سلامة بن مرة.\rقال محمد بن سلام: فحدثني أبو عبيدة قال: كان قراد بن حنش من شعراء غطفان، وكان قليل الشعر جيده، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره فتأخذه فتدعيه، منهم زهير بن أبي سلمى، ادعى هذه الأبيات:\rإن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت\rإن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أحلت\rولنعم حشو الدرع أنت لنا إذا ... نهلت من العلق الرماح وعلت\rينعون خير الناس عند كريهة ... عظمت مصيبتهم هناك وجلت\rفوارس كالنيران يحمون نسوة ... عقائل لم يدنسن بيض المحاجر\rإذا ما نسبن ينتسبن إلى الذرى ... لبدر بن عمرو أو لعمرو بن جابر\rوعودن أن يعبأن حصا وفارة ... ذكيا وما عودن نسج الغرائر\rوما هن من سعد بن ذبيان كلها ... ولا من مواليها حميس بن عامر\rالطبقة التاسعة\rرجاز، منهم: الأغلب العجلي، وكان مقدما، يقال إنه أول من رجز.\rوأبو النجم، واسمه الفضل بن قدامة بن عبيد بن محمد بن عبيد الله بن عبدة بن الحارث بن إياس بن عوف بن ربيعة بن مالك بن ربيعة بن عجل.\rوالعجاج، واسمه عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر بن كثيف بن عمرو بن حني بن ربيعة سعد بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم.\rورؤبة بن العجاج.\rقال محمد بن سلام، حدثني الأصمعي قال: كانت للأغلب سرحة يصعد عليها ثم يرتجز فقال:\rقد عرفتني سرحتي وأطت ... وقد شمطت بعدها واشمطت\rقال: فاعترض له رجل من بني سعد، ثم أحد بني الحارث بن عمرو ابن كعب بن سعد، فقال له:\rقبحت من سالفة ومن قفا ... شيخ إذا ما رسب القوم طفا\rكما شرار الرعي أطراف السفا\rقال: وأنشدنا للأغلب في سجاح، لما تزوجت مسيلمة الكذاب:","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"قد لقيت سجاح من بعد العمى! ... تاح لها بعدك حزاب وزي\rملوحا في العين مجلوز القرا ... مثل الفنيق في شباب قد أنى\rمن اللجيميين أصحاب القرى ... ليس بذي واهنة ولا نسا\rنشا بخبز وبلحم ما اشتهى ... حتى شتا تنتح ذفراه الندى\rخاظي البضيع لحمه خظا بظا ... كأنما جمع من لحم الخصي\rإذا تمطى بين برديه صأى ... كأن عرق أيره إذا ودى\rحبل عجوز ضفرت سبع قوى ... يمشي على قوائم خمس خسا\rيرفع وسطاهن من برد الندى\rقالت: متى كنت أبا الخير؟ متى؟ ... قال: حديثا لم يغيرني البلى\rولم أفارق خلة لي من قلي ... فانتشغت فيشته ذات الشوي\rكأن في أجيادها سبع كلى ... ما زال عنها بالحديث والمنى\rوالحلف السفساف يردى في الردى ... قال: ألا ترينه؟ قالت: أرى!\rقال: ألا أشيمه؟ قالت: بلى! ... فشام فيها مثل محراث الغضى\rتقول لما غاب فيها واستوى: ... لمثلها كنت أحسيك الحسى\rيبرى لها كينا كأطراف النوى ... وقد تطلت حين هما وأدنى\rمن طيب مصان الذي كان اشترى ... تقذف عيناه بعلك المصطكى\rقال: وحدثني أيضا أنه كان يقول إن هذه القصيدة في الجاهلية لجشم بن الخزرج.\rوقال أيضا:\rنحن وردنا واديى جلاجل ... بجحفل جم الوغى من وائل\rعند اختلاف الأسل النواهل ... في ديلم يزحف بالقنابل\rفي جذم عجل في العديد الذائل ... ومن بني شيبان غير خامل\rوالخيل تعدو بالوشيج الذابل ... تحت قتام الغبر القساطل\rفي حسب بخ وقبص كامل ... وعدد كالدبر غير جافل\rوقال أيضا:\rإن لنا شابكة وعورا ... لا يملك الناس لها تغييرا\rنحن إذا الداعي دعا ثبورا ... ولم يجد مجاور مجيرا\rقمنا بحد لم يكن عثورا ... وشزب قد طويت شهورا\rحتى انطوت أقرابها ضمورا ... يهوين بالمستلئمين زورا\rفهي تباري منهبا طحورا\rالثاني: أبو النجم. فحدثني أبي سلام قال: دخل أبو النجم العجلي على هشام بن عبد الملك فقال: كيف رابك يا أبا النجم في النساء؟ قال: مالهن عندي خير، وما أنظر إليهن إلا شزرا، ولا ينظرن إلى إلا خزرا. قال: فما ظنك بأمير المؤمنين؟ قال: ظني بنفسي! قال: لا علم لك يا أبا النجم. ثم أرسل إلى جوار له، فسألهن عما ظن أبو النجم. فقلن: يا أمير المؤمنين، وما علم هذا؟ ثم أقبلن على أبي النجم، فقلن له: يا أعرابي، أتقول هذا لأمير المؤمنين، وليس منا امرأة تصلي إلا بغسل منه؟ فقال هشام: يا أبا النجم، دونك هذه الجارية - لواحدة منهن - فأخذ بيدها، ثم أمره أن يغدو عليه بخبرها، فغدا عليه ولم يصنع شيئا. فلما رآه قال: ما صنعت يا أبا النجم؟ قال: ما صنعت شيئا ولقد قلت في ذلك شعرا، قال: وما هو؟ قال: قلت:\rنظرت فأعجبها الذي في درعها ... من حسنه ونظرت في سرباليا\rفرأت لها كفلا ينوء بخصرها ... وعثا روادفه وأخثم ناتيا\rضيقا يعض بكل عرد ناله ... كالقعب أوصرح يرى متجافيا\rورأيت منتشر العجان مقبضا ... رخوا حمائله وجلدا باليا\rأدني له الركب الحليق كأنما ... أهدي إليه عقاربا وأفاعيا\rإن الندامة والسدامة فاعلمن ... لو قد صبرتك للمواسي خاليا\rما بال رأسك من ورائي خالفا ... أظننت أن حر الفتاة ورائيا\rفاذهب فإنك ميت لا ترتجى ... أبد الأبيد ولو عمرت لياليا\rأنت الغرور إذا خبرت وربما ... كان الغرور لمن رجاه شافيا\rقال: فضحك هشام، وأمر له بجائزة.\rوقال أيضا:\rالحمد لله الوهوب المجزل ... أعطي فلم يبخل ولم يبخل\rكوم الذرى من خول المخول ... تبقلت من أول التبقل","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"بين رماحي مالك ونهشل ... يدفع عنها العز جهل الجهل\rيريد: مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، ونهشل بن دارم. ويروى عن أبي النجم أنه قال: \" بين رماحي دارم \" وهم حي من بني تيم الله بن ثعلبة، ونهشل من بني عجل.\rقال: وكان أبو النجم ربما قصد فأجاد، ولم يكن كغيره من الرجاز الذين لم يحسنوا أن يقصدوا، وكان صاحب فخر وبذخ وهو الذي يقول:\rعلق الهوى بحبائل الشعثاء ... والموت بعض حبائل الأهواء\rليت الحسان إذا أصبن قلوبنا ... بالداء جدن بنعمة وشفاء\rلشم عندي بهجة وملامة ... وأحب بعض ملاحة الذلفاء\rوأرى البياض على النساء جهارة ... والعتق تعرفه على الأدماء\rوالقلب فيه لكلهن مودة ... إلا لكل دميمة زلاء\rفلئن فخرت بوائل لقد ابتنت ... يوم المكارم فوق كل بناء\rولئن خصصت بني لجيم إنني ... لأخص مكرمة وأهل غناء\rقوم إذا نزل الفظيع تحملوا ... حسن الثناء وأعظم الأعباء\rليست مجالسنا تقر لقائل ... زيغ الحديث ولا نثا الفحشاء\rمحمد بن سلام، عن يونس - وحدثني أبي سلام ببعض هذا الحديث - ، قال: اجتمع شعراء العرب عند سليمان بن عبد الملك فأمرهم أن يقول كل رجل منهم قصيدة يذكر فيها مآثر قومه ولا يكذب. ثم جعل لمن برز عليهم جارية مولدة. فأنشدوه، وأنشد أبو النجم حتى أتى على قوله:\rعدوا كمن ربع الجيوش لصلبه ... عشرون وهو يعد في الأحياء\rفقال سليمان: أشهد، إن كنت صادقا، إنك لصاحب الجارية! فقال: أبو النجم: سل الملأ عن ذلك يا أمير المؤمنين. قال الفرزدق: أما أنا فأعرف منهم ستة عشر، ومن ولد ولده أربعة، كلهم قد ربع. فقال سليمان: ولد ولده هم ولده، ادفع إليه الجارية.\rوقال أبو النجم في نعت الفرس:\rفي ذي شكيم عضه يرمله ... ثم تناولنا الغلام ننزله\rعن متن سامي الطرف ما يعلله ... والسوط في يمينه ما يعمله\rيجول في أشطانه ويسعله ... تعمج الماء يفيض جدوله\rفوافت الخيل ونحن نشكله ... كل مكب الجري أو منعثله\rوالضرب يحشوها بربو تسعله ... والجن عكاف به تقبله\rوهو نشيط النفس حر طلله\rأخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي إجازة، عن محمد بن سلام قال، قال أبو عمرو بن العلاء: \" كان أبو النجم أبلغ في النعت من العجاج \" (الأغاني).\rأخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام قال، قال عامر بن عبد الملك المسمعي: \" كان رؤبة وأبو النجم يجتمعان عندي، فأطلب لهما النبيذ، فكان أبو النجم يتسرع إلى رؤبة حتى أكفه عنه \" (الأغاني).\rوالثالث: العجاج. وإنما اكتفينا من نسبة، لشهرة اسمه وبعد ذكره، وأنا لم نجد شاعرا له اسمه غيره، وكما قال الشاعر:\rأحب من النسوان كل قصيرة ... لها نسب في الصالحين قصير\rيقول: تعرف بأبيها الأدنى، لشرف أبيها وشرفها.\rقال محمد بن سلام الجمحي، فحدثني أبو الغراف قال: لما توجه عمر بن عبيد الله بن معمر إلى أبي فديك الشاري امتدحه العجاج فقال:\rقد جبر الدين الإله فجبر ... وعور الرحمن من ولى العور\rيعني أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وذاك أنه توجه إلى أبي فديك فهزمه. فكتب في ذلك إلى عبد الملك بن مروان، فقال لعمر بن عبيد الله بن معمر: أرأيتك لو كان بين عيني وتد أكنت تنزعه؟ قال: نعم، والله يا أمير المؤمنين! قال: فهذا أبو فديك وتد بين عيني، فاخرج إليه. قال: أعفني يا أمير المؤمنين. فلما أبى عليه قال: ارفع إلينا ما جرى على يديك من خراج فارس. فأقر له بالخروج فتلقاه العجاج وهو متوجه إلى أبي فديك، فلما قال:\rهذا أوان الجد إذ جد عمر ... وصرح ابن معمر لمن ذمر\rقال عمر: لا قوة إلا بالله. فلما قال:\rلا قدح إن لم تور نارا بهجر ... ذات سنا يوقدها من افتخر\rقال عمر: توكلت على الله، ولن أدع جهدا. فلما قال:\rشهادة فيها طهور من طهر\rفكأن عمر تطير من ذلك، ثم قال: ما شاء الله.\rوقال العجاج:","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"يا رب رب البيت والمشرق ... والمرقلات كل سهب سملق\rإياك أدعو فتتقبل ملقى ... واغفر خطاياى وثمر ورقى\rإنا إذا حرب غدت لا نتقى ... دينا ولا مستأخرا لم يلحق\rنرد حد الناب منها الأروق ... في كل عام كاللياح الأبلق\rفقد علمته عصبة المروق ... ورهط شؤبوب ورهط الخندق\rوالحمس قد تعلم يوم ملزق ... أنا نقي أحسابنا ونعتقي\rبالمشرفيات افتخار الأحمق\r\" شؤبوب \" و \" خندق \" ، رجلان، و \" الحمس \" ، يعني قريشا.\rوقال أيضا:\rالحمد لله العشى والضحى ... والحمد لله فما شاء أتى\rأسأل رب الناس هديا بالهدى ... هو الذي أنزل آيات التقى\rبل لو سألت خابرا عما أتى ... عن جمع بكر إذ حساما قد حسا\rوجمع عبد القيس إذ لاقى ثأي ... ضافا علينا وسعى حيث سعى\rلاقى جوادا فعلاه إذ جرى ... وعن فوق شأوه حتى ارعوى\rوبينما هم ينظرون المنقضي ... منا إذا هن أراعيل ربي\rمثل جراد الدبر من كل لوى ... من كل شقاء ومنشق النسا\rساط إذا ابتل رقيقاه ندا ... شديد جلز الصلب معصوب الشوى\rكالكر لاشخت ولا فيه لوى ... وطرفة نبرى له إذا انبرى\rجرداء سرحوب إذا باعت ردى ... نأي ولن يسبقها وإن نأى\rأضر بالخيل الغوار فانطوى ... منها الكشوح فهي أمثال النوى\rمستقدمات جحفلا جم الوغى ... كثير مجرى المقربات والحصا\rذا لجب يسرح من حيث اغتدى ... حتى توارت شمسه وما انقضى\rينكر ذو الحاجة منه ما ابتغى ... حيران لا يشعر من حيث أتى\rعن قبص من لاقى أخاس أم زكا ... غرق في القمقام أم لاقى هوى\rوالرابع: رؤبة بن العجاج، ويكنى أبا الجحاف، وهو أول من قال في تقصير الاسم، وتخفيف عدد النسب، فقال:\rقد رفع العجاج ذكري فادعني ... باسمي إذا الأسماء طالت يكفني\rورؤبة أكثر شعرا من أبيه. وقال بعضهم: إنه أفصح من أبيه. ولا أحسب ذلك حقا، لأن أباه قد أخذ عليه في قصيدته التي أولها:\rوقاتم الأعماق خاو المخترق ... مشتبه الأعلام لماع الخفق\rيكل وفد الريح من حيث انخرق\rثم قال فيها:\rمضبورة قرواء هرجاب فنق\rفضم، وأولها مفتوح.\rوقال أيضا يمدح سلم بن قتيبة الباهلي:\rيا سلم أعلى كعبك القدوس ... على عدي أوبقهم إبليس\rيوم بني المهلب البئيس ... أصلاهم ما تصطلي المجوس\rإذ صبحتهم فيلق رجوس ... ملمومة ذفراء دردبيس\rوصبحت سفيانها النحوس ... جرت بذاك اللجم العطوس\rفصبحتهم برحا ملطيس ... فلا يحس منهم حسيس\rقد علم العالم والقسيس ... أن امرءا حاربكم ممسوس\rبئس الخليط الجرب المدسوس ... بكم يداوي الفقم الشخيس\rوهذه طويلة وقال فيه أيضا:\rيا سلم قد عرفك التعريف ... حقا وأنت المسلم الحنيف\rوقال أيضا:\rيا سلم يا ابن الأكرمين شجرا ... حيا عروقا في الثرى وثمرا\rأخبرني أبو خليفة في كتابه إلى، عن محمد بن سلام، عن أبي زيد الأنصاري والحكم بن قنبر قالا: كنا نقعد إلى رؤبة يوم الجمعة في رحبة بني تميم، فاجتمعنا يوما، فقطعنا الطريق، ومرت بنا عجوز، فلم تقدر على أن تجوز في طريقها، فقال رؤبة:\rتنح للعجوز عن طريقها ... إذ أقبلت رائحة من سوقها\rدعها فما النحوي من صديقها\rأخبرني أبو خليفة في كتابه، عن محمد بن سلام، عن يونس قال: غدوت يوما، أنا وإبراهيم بن محمد العطاردي، على رؤبة، فخرج إلينا كأنه نسر، فقال له ابن نوح: يا أبا الجحاف، أصبحت والله كقولك:\rكالكرز المشدود بين الأوتاد ... ساقط عنه الريش كر الإبراد\rفقال له رؤبة: يا ابن نوح ما زلت لك ماقتا! فقلت: بل أصبحت يا أبا الجحاف كما قال الآخر:","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"فأبقين منه وأبقى الطرا ... د بطنا خميصا وصلبا سمينا\rفضحك وقال: هات حاجتك.\rقال ابن سلام: ووقف رؤبة على باب سليمان بن علي يستأذن، فقيل له: قد أخذ الإذريطوس. فقال رؤبة:\rيا منزل الوحي على إدريس ... ومنزل اللعن على إبليس\rوخالق الاثنين والخميس ... بارك له في شرب إذريطوس\rأخبرني أبو خليفة في كتابه إلى، عن محمد بن سلام، عن عبد الله بن محمد بن علقمة الضبي قال: خرج شاهين بن عبد الله الثقفي برؤبة إلى أرضه، فقعدوا يلعبون بالنرد، فلما أتوا بالخوان قال رؤبة:\rيا إخوتي جاء الخوان فارفعوا ... حنانة كعابه تقعقع\rلم أدر ثلاثها والأربع\rقال: فضحكنا ورفعنا، قدم الطعام.\rوقال ابن سلام، عن يونس قال لي رؤبة: حتى متى تسألني عن هذه الأباطيل وأزوقها لك؟ أما ترى الشيب قد بلغ في رأسك ولحيتك!!.\rالطبقة العاشرة\rأربعة رهط: مزاحم بن الحارث العقيلي ويزيد بن الطثرية، والطثرية أمه: وهو يزيد بن المنتشر، أحد بني عمرو بن سلمة بن قشير. والطثرية، نسب إلى حي من قضاعة يقال لهم: طثرة، فنسب إليها.\rوأبو داود الرواسي، أحد بني رواس بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة.\rوالقحيف بن سليم العقيلي.\rقال محمد بن سلام، فحدثني أبو عبيدة: أن مزاحم بن الحارث العقيلي كان رجلا غزلا، وكان شجاعا، وكان شديد أسر الشعر حلوه، وكان مع رقة شعره صعب الشعر هجاء وصافا.\rوقال في يوم أغار عليهم دهر الجعفي في قبائل مذحج وهمدان، ومعه علقمة الجعفي، فسبوا وغنموا، وأصابوا إبلا كثيرة، فاتبعتهم بنو كعب ثلاثا، ثم رجع بعض القوم، ومضى عقال بن خويلد في بني عقيل، فجعل يندى أبعار الإبل ببوله، ثم يرى أصحابه البعر نديا، ويقول لأصحابه: ما أقربكم منهم! حتى ورد عليهم النخيل في يوم قائظ، ورأس دهر في حجر جارية من بني بجلة تفليه متوسدا قطيفة، فكأن الجارية أحست نفسها بالطلب، فجعلت تضفر شعره بهدب القطيفة، فلم ينتبه إلا بالخيل. فكان أول من لقى دهرا هبيرة بن النفاضة، فضرب وجهه دهر بقوسه، فهشم وجهه، ولحقه عقال بن خويلد فطعنه فنثر بطنه، فسال من بطنه البرير مطبوخا، فقتلت جعفي ومن معها في ذلك الجيش، وهزمت هزيمة فاحشة، فقال مزاحم بن الحارث في ذلك اليوم:\rمنا الذين استنشطوا الأمر جهرة ... يقدمهم عاري الأشاجع أروع\rعلى أثر الجعفي دهر وقد أتى ... له منذ ولى يسحج السير أربع\rبسير طراحي ترى من نجائه ... جلود المهارى بالندى الجون تنتع\rفما ذاق طعم النوم حتى تفرجت ... جبال وليل والنجائب تقرع\rعن الحي من عليا حريم وفيهم ... سوام وسبى من سليم موزع\rطلوع نجاد القوم ما يستفزه ... جنان وما يغتاله الدهر يفجع\rوقال أيضا:\rخليلي عوجا بي على الربع نسأل ... متى عهده بالظاعن المحتمل\rفإن تعجلاني بانصراف أهجكما ... على عبرة أو ترق عين معول\rفعجت وعاجا فوق صحراء غادرت ... بها الريح جولان التراب المنخل\rوما هاجه من دمنة بان أهلها ... وأمست قوى بين الحصير ومحبل\rألا لا تذكرني أميمة إنه ... متى ما يراجع ذكرها القلب يجهل\rوتعلم ريعات الهوى أن حبها ... تتبع مني كل عظم ومفصل\rكما تبعت صرف عقار مدامة ... مشاش المروى ثم لما تنصل\rويوم تلافيت الصبا أن يفوتني ... بصهباء تطوي نفنف البعد عنسل\rتلاعب حاذيها وتطرح الشذا ... بأصهب ضاف سابغ المتذيل\rتنيف به طورا وطورا تخاله ... مخاريق بالأيمان أو نفح مشمل\rلها ورك كالجوب شدت فقاره ... حبت قدما ما في مكمن الخلق مكمل\rوله:\rكأني وعبد الله لم تسر بيننا ... أحاديث يثنى سالف الدهر لينها\rولم نطلب دون الحجون ظعائنا ... تبارى بها أدم المهارى وجونها\rظعائن من عليا نمير بن عامر ... مصححة الأجساد مرضى عيونها","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"تنكرن من أنسى فلما عرفنني ... بدت كل مبهاج أغر جبينها\rوقلن: اعجلا لا عين نخشى وأبشرا ... بليلة سعد غاب عنها ظنونها\rفجئنا كما انقض القرينان أشرفا ... على خلوة ناء من الحي بينها\rفبتنا ندامى ليلة لم نذق بها ... حراما ولم يبخل بحل ضنينها\rصفاحا بأيمان نرى أن مسها ... شفاء الصدى من غلة طال حينها\rوبتنا وأيدينا وساد وفوقنا ... رياط وعالي بركة لانصونها\rفلما بدا ضوء من الصبح ساطع ... عصى خلة لم ينج إلا قرينها\rبدت زفرات الحب من كل وامق ... ومحجوبة لم تعط صبرا بعينها\rفأصبحن صرعى في الحجال وأصبحت ... بنا العيس بالموماة جعدا لجينها\rوالثاني: يزيد بن الطثرية. قال محمد بن سلام، حدثني أبو الغراف قال: كان يزيد بن الطثرية صاحب غزل ومحادثة للنساء، وكان ظريفا جميلا، ومن أحسن الناس كلهم شعرة. وكان أخوه ثور رجلا سيدا كثير المال والنخل والرقيق، وكان متنسكا كثير الحج والصدقة. وكان كثير الملازمة لإبله ونخله، فلا يكاد يلم بالحي إلا وقعة، وكانت إبله ترد مع الرعاء على أخيه يزيد بن الطثرية فتسقى على عينه. فبينا يزيد مارا في الإبل وقد صدرت عن الماء، إذ مر بخباء فيه نسوة من الحاضر، فلما رأينه قلنا: يا يزيد، أطعمنا لحما. قال: أعطينني سكينا. فأعطينه، فنحر لهن ناقة من إبل أخيه. وبلغ الخبر أخاه، فأقبل، فلما رآه أخذ بشعره وفسقه وشتمه، فأنشأ يزيد يقول:\rياثور ولا تشتمن عرضي فداك أبي ... فإنما الشتم للقوم العواوير\rما عقر ناب لأمثال الدمى خرد ... عون كرام وأبكار معاصير؟\rعكفن حولي يسألن القرى أصلا ... وليس يرضين مني بالمعاذير\rهبهن ضيفا عراكم بعد هجعتكم ... في قطقط من سقيط الليل منثور\rوليس قربكم شاء ولا لبن ... فيرحل الضيف عنكم غير محبور؟\rما خير واردة للماء صادرة ... لا تنجلي عن عقير الرجل منحور؟\rوقال أيضا في امرأة كان يتحدث إليها ويعجب بها، فبينا هو عندها، إذا حدث لها سواه قد طلع عليها، ثم جاء آخر، فلم يزالوا كذلك حتى تموا سبعة وهو الثامن، فقال:\rأرى سبعة يسعون للوصل كلهم ... له عند ليلى دينة يستدينها\rفألقيت سهمي وسطهم حين أوخشوا ... فما صار لي من ذاك إلا ثمينها\rوكنت عزوف النفس أشنأ أن أرى ... على الشرك م ورهاء طوع قرينها\rفيوما تراها بالعهود وفية ... ويوما على دين ابن خاقان دينها\rيدا بيد من جاء بالعين منهم ... وإن لم يجئ بالعين حيزت رهونها\rوقال فيها وقد صارمها:\rألا بأبا من قد برى الجسم حبه ... ومن هو موموق إلى حبيب\rومن هو لا يزداد إلا تشوقا ... وليس يرى إلا عليه رقيب\rوإني وإن أحموا على كلامها ... وحالت أعاد دونها وحروب\rلمثن على ريا ثناء يزينها ... قواف بأفواه الرواة تطيب\rأريا! احذري نقض القوى لا يزل لنا ... على النأي والهجران منك نصيب\rوكوني على الواشين لداء شغبة ... كما أنا للواشي ألد شغوب\rفإن خفت أن لا تحكمي مرة القوى ... فردي فؤادي والمرد قريب\rوالثالث: أبو دواد الرواسي. قال محمد بن كعب ونمير بن عامر، فلم يقم لهم بنو عقيل، وجعلت نمير تسرف عليهم. فلما رأت ذلك بنو كعب وبنو كلاب وما تلقى عقيل من بني نمير، أجمعوا على قتال بني نمير. فارتحلت نمير ليلحقوا ببني سعد بن زيد مناة، فلحقتهم كلاب فردتهم، وتحملوا ما كان لهم من دم في بني كعب، ووهبوا لهم ما كان فيهم، فقال أبو داود:\rدفعنا والأحبة من دفعنا ... وكنا ملجأ لبني نمير\rحوينا حجرنا لهم فحلوا ... إلينا بعد تظعان وسير","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"وكان الرأس يوم قراص منا ... ومنا الرأس يوم أبي عمير\rفإن ذهب العمى وأمنتموهم ... فلا تستبدلوا أخيال طير\rصديق كلما كنتم بشر ... وأعداء إذا كنتم بخير\rوقال أيضا في وقعتهم بمذحج:\rألاهل أتاك ما لقيت قنان ... وما لقيت ببلدتها صداء؟\rوما لاقيت بنو الديان منا ... غداة تضج بالخبر الثناء؟\rأتانا أن بالخرماء منهم ... سوامهم ودون الفيف شاء\rوأن بها قراضبة غساسا ... يدبر أمر سادتها النساء\rفوجهنا كتائب غير ميل ... ولا كشف إذا كره اللقاء\rوأفلتنا المحجل في صلاه ... طرير الحد ينهاه اللواء\rوغادرنا بني الديان صرعى ... كأن رؤوس سادتها الغثاء\rفغودر منهم لما التقينا ... بمعترك تمور به الدماء\rأبو خلف وصاحبه ووهب ... ورداد وفارسهم عداء\rوذو الرمحين أحمر قد أتاه ... فداء ثم إن نفع الفداء\rتنادوا نحونا ودعوت قومي ... كلابا والأمور لها بداء\rفآب لنا شريك حيث أبنا ... جنيبا لا يراد به الغلاء\rفأنعمنا هناك على شريك ... وكنا من سجيتنا الحباء\rوقال أبو دواد أيضا:\rلليلى خيال قل ما يتعرج ... يهيج من أحزاننا ما يهيج\rيؤرق أصحابي وبيني وبينها ... مناكب رعم فالنباح فأخرج\rوعهدي بها والدار تجمع أهلها ... لها مقلتا ريم وخلق خدلج\rتواصل أحيانا وتصرم تارة ... وشر الأخلاء الخليل الممزج\rكأنا توافينا مع الليل مغزل ... من الأدم جماء المدامع عوهج\rتظل بأجزاع المرير مربة ... وسال عليها من فجيرة أشرج\rفإن تك أضحت بعد ساكن غبطة ... بها العين ترعى والظليم السفنج\rفكل جميع صائر لتفرق ... وكل جديد لا محالة منهج\rونحن منعنا بطن مج وحائل ... وأبلى من الأعداء حتى تفرجوا\rبحي حلال لا تكاد تجيرهم ... وضاج ونفؤ والبطاح فمنعج\rنقاذف بالأسياف عبسا وطيئا ... وقد أحجمت عنا تميم ومذحج\rبعزو كولغ الذئب غاد ورائح ... وسير كصدر السيف لا يتعترج\rبكل جواد مشرف حجباتها ... تشاركت الرعشاء فيها وأعوج\rونحن حبسنا الجيش عنا وقد بدا ... لهم نعم حوم بعثران محدج\rفما انصرفوا بقيا ولكن نهاهم ... حصيفان منهم حاسر ومدجج\rوقد سد فيف الريح جأواء فيلق ... وألفان أو ألف من الرجل يدرج\rونحن أباة الخسف في كل موطن ... إذا كان يوم ذو كواكب مرهج\rفتلك نمير ثم لم تغن نقرة ... وقالت: هلا أهل إليكم مولج\rولما رأينا أنما سعينا لنا ... وقد يفلح الساعي المجد ويفلج\rوكنا بني أم حمينا ذمارنا ... ولم يك فينا العاجز المتزلج\rسيخبر عن أيامنا وبلائنا ... وشداتنا في الحرب حدج وحندج\r\" حدج \" و \" حندج \" ، ابنا البكاء بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.\rوالرابع: القحيف. قال محمد بن سلام، حدثني أبي سلام قال: كان القحيف خرج زائرا لإبراهيم بن عاصم العقيلي، فبعث الأشهب بن كليب العقيلي إلى إبراهيم بن عاصم رسولا يخبره أن القحيف قد هجاه وأساء القول فيه، ليحرمه وليقصيه. ففعل. فقال القحيف:\rمتى ما تحط خبرا بنا يا ابن عاصم ... تجد لي رجالا من بني العم حسدا\rوما ذاك عن ذنب إليهم جنيته ... سوى أن لي ذكرا أغار وأنجدا\rوقال القحيف في يوم الفلج، حين جاءهم صريخ بني كعب ابن ربيعة على بني عجل:\rديار الحي تضربها الطلال ... من الخافي بها أهل ومال\rوأجذم ذبها عودا وبدءا ... بدفيه تعبقرت السخال","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"بها الفدر الرياد وكل هقل ... كبيت الرفقة احترقوا فقالوا\rأما ومعلم التوراة موسى ... ومن صلى وصام له بلال\rلقد كانت تودك أم عمرو ... بذات الصدر إذ نسى الخلال\rأتانا بالعقيق صريخ كعب ... فحن النبع والأسل النهال\rثلاثا ثم وجهنا إليهم ... رحى للموت ليس لها ثفال\rوحالفنا السيوف وصافنات ... سواء هن فينا والعيال\rبنات بنات أعوج طامحات ... مدى الأبصار جلتها الفحال\rشعير زادها وفتيت قت ... ومن ماء الحديد لها نعال\rوكردست الحريش فعارضونا ... بخيل في فوارسها اختيال\rوسالت من أباطحها قشير ... بمثل أتى بيشة حين سالوا\rنقود الخيل كل أشق نهد ... وكل طمرة فيها اعتدال\rتكاد الجن بالغدوات منا ... إذا اصطفت كتائبنا تهال\rفبتن على العسيلة ممسكات ... لهن غدية رهج جفال\rفلما شق أبيض ذو حواش ... له حال وللظلماء حال\rصبحناهم نواصيهن شعثا ... بهن حرارة وبنا اغتلال\rفلما جحدلت مئتان منهم ... وفر حنانهم عنه فزالوا\rوصاروا بين ممتن عليه ... ومنصوب له جذع طوال\rتكفنهم حنيفة بعد حول! ... وكيف يكفنون وقد أحالوا؟\rأمنكم يا حنيف! نعم لعمري ... لحي مخضوبة ودم سجال!\rولولا الريح أسمع أهل حجر ... صياح البيض تقرعها النصال\rكأن الخيل طالعة عليهم ... بفرسان الصباح قطا رعال\rوقال أيضا:\rوماء قد يظل على جباه\rجعلت عمامتي صلة لدلوى\rلأسقى فتية ومنفهات\rركبناها سمانتها فلما\rصبحناها السياط محدرجات","part":1,"page":101}],"titles":[{"id":1,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":1,"sub":0},{"id":7,"title":"طبقات الشعراء الجاهليين","lvl":1,"sub":0},{"id":7,"title":"الطبقة الأولى","lvl":2,"sub":1},{"id":13,"title":"الطبقة الثانية","lvl":2,"sub":0},{"id":16,"title":"الطبقة الثالثة","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"الطبقة الرابعة","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"الطبقة الخامسة","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":"الطبقة السادسة","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":"الطبقة السابعة","lvl":2,"sub":1},{"id":21,"title":"الطبقة الثامنة","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"الطبقة التاسعة","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":"الطبقة العاشرة","lvl":2,"sub":0},{"id":27,"title":"طبقة أصحاب المراثي","lvl":1,"sub":0},{"id":29,"title":"شعراء القرى العربية","lvl":1,"sub":0},{"id":32,"title":"شعراء مكة","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"شعراء الطائف","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":"شعراء البحرين","lvl":2,"sub":0},{"id":38,"title":"شعراء يهود","lvl":2,"sub":0},{"id":39,"title":"طبقات الشعراء الإسلاميين","lvl":1,"sub":0},{"id":39,"title":"الطبقة الأولى","lvl":2,"sub":1},{"id":70,"title":"الطبقة الثانية","lvl":2,"sub":0},{"id":74,"title":"الطبقة الثالثة","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"الطبقة الرابعة","lvl":2,"sub":0},{"id":76,"title":"الطبقة الخامسة","lvl":2,"sub":0},{"id":82,"title":"الطبقة السادسة","lvl":2,"sub":0},{"id":87,"title":"الطبقة السابعة","lvl":2,"sub":0},{"id":91,"title":"الطبقة الثامنة","lvl":2,"sub":0},{"id":94,"title":"الطبقة التاسعة","lvl":2,"sub":0},{"id":98,"title":"الطبقة العاشرة","lvl":2,"sub":0}]}