{"pages":[{"id":1,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله الذي أنزل القرآن تبيانا لكل شيئ وهدى للناس والفرقان، والصلاة والسلام على من أنزل الله إليه القرآن في شهر رمضان، بواسطة جبريل الأمين الذي نزله على قلبه مقر منبعه الأصلي أتقى قلب وأزكى جنان، فتظهر معانيه على ما تقتضيه الطباع حركة وغيرها في اللسان والأركان، فكان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن وشيمته الغفران، وعلى آله المطهرين من الأرجاس والشرك والخذلان، العترة منهم ورثوا عن جدهم الأعلى صلى الله عليه وسلم في جمع القرآن في قلوبهم والألسنة والأركان، وأصحابه الذين هم كالنجوم و الكواكب في السماء يهتدي بهم من اهتدى بهديهم ما زالت أنوار هدايتهم أضائت في المحافل والمجامع لهذه الأمة من جيل إلى جيل مدى الدهور والأزمان، حتى احتفظ تنفيذ معاني القرآن ومعجزات معانيه لدى هذه الأمة في كيان أحوالهم ومجاري معاملاتهم في هذه الديار وفق ما دل عليه القرآن على حسب ما كان عليه أسلاف هذه الامة في العصور الذهبية التي مدحها الرسول صلى الله عليه وسلم بخيريتها وأصلحيتها لهم من بين العصور والأزمان . أما بعد :\r... فإنه كما لايخفى على كل مؤمن أن القرآن هو الذي جعله الله تعالى إماما يقتدى به في جميع أفعاله وأقواله وجميع مجاري حياته فردية واجتماعية، بذلك يتحقق معنى اتباعه برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي به يتصور معنى قوله تعالى في قرآنه الكريم: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(1) .\r__________\r(1) . سورة الحشر : 7","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"فكما أن القرآن يتلى في اللسان ويسمع في الآذان، كذلك يستقر في القلوب والأذهان واصطفى الله سبحانه من بين أخيار عباده وأصفياء أوليائه من جمع الله له أنواره الظاهرة والباطنة من علمائهم الذين يقال لهم خواص الخواص الذين هم في جميع أحوالهم وأفعالهم ومناطقهم على حسب ما يبرهن ويفيد عليه القرآن فهم في الحقيقة الذين يحِق ويجب على هذه الأمة القدوة والتأسي بهم. والأكثر منهم أو الأغلب منهم عترته صلى الله عليه وسلم كما أشار إليه حديثه صلى الله عليه وسلم: ( يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي )(1) إنهم جمعوا القرآن في السمع واللسان كذلك جمعوا في القلب والذهن والأركان.\r__________\r(1) . سنن الترمذي - (حـ. 3718 ج 12 / ص 256)، قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ وَزَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ قَدْ رَوَى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"... ... إن من سنة الله فيما عليه مجاري هذه الأمة من لدن أوائلهم وسوابقهم حتى إلى أواخرهم على ما كان عليه تواريخ عصورهم وظروفهم مدى الدهور والأعوام أن الله سبحانه وتعالى يجدد لهم في كيان تطبيق تعاليم هذا الدين على حسب ما هو مناسب لعصورهم جيلا بعد جيل خصوصا إذا قل العلم والسنة وكثر الجهل والبدعة وذلك في رؤوس مئات السنوات قال صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا »(1) أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله ويقمع أهل البدعة ويذلهم فمثلا في العصر الاول عصر أصحابه صلى الله عليه وسلم هؤلاء لم يكتبوا ولم يسجّلوا في صحائفهم وقراطيسهم الا القرآن كتاب الله الذي فيه تبيان كل شيئ فكفى به في أيامهم فالقرآن إنما نزل في صدر المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم: « قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين »(2) هكذا يكون الحال في هذا العصر الأول، فإن الصحابة سمعوا كتاب الله من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل في قلوبهم وترسخ فيها بسبب النور الذي يتلألأ من وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم فتنوروا بنوره في قلوبهم وجوارحهم.\r__________\r(1) . (سنن أبي داود؛ جـ؛11 / صـ: 362)، وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي فَتْح الْقَدِير : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْملاَحِِم وَالْحَاكِم فِي الْفِتَن وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَاب الْمَعْرِفَة، كُلّهمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. قَالَ الزَّيْن الْعِرَاقِيّ وَغَيْره : سَنَده صَحِيح . اهـ.، [المعجم الكبير للطبراني؛(حـ. 1118 ج 19 / ص 467) باب قطعة من المفقود.\r(2) . سورة البقرة : 97","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"لا يمكن أن تدوم هذه الحال بعد انقراضهم فتغيرت الأحوال فيُحتاج إلى ما لم يُحتَج في أزمانهم وأيامهم من التجديد الذي يوافق العصر الذين كانوا فيه فيبعث الله طائفة من العلماء الذين جددوا الخطة التي توافقهم فيما بين أيديهم كتبوا في هذا العصر الأحاديث والأخبار التي تروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم فما زالوا ارتحلوا من مدينة إلى مدينة من مدائن الإسلام لطلب ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وسجلوها في صحائفهم وسجلاتهم فوجد فيما بين أيديهم كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وفقا لقوله صلى الله عليه وسلم: « يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم »(1).\rولما ان وسعت النطاق وتغيرت الأحوال فلم يكتف فقط فيما بينهم بالرجوع إلى القرآن والأحاديث فقد ازدهرت الشؤون في الأمة وكثرت بينهم الحوادث التي تحتاج إلى الاجتهاد من علماء الإسلام وظهر فحول علماء الاجتهاد في هذا العصر مثل الإمام الشافعي(2) والإمام أحمد ابن حنبل(3) وغيرهما وانتشر لديهم بأن الأدلة الشرعية أربعة القرآن والحديث والقياس والإجماع .\r__________\r(1) . المستدرك على الصحيحين للحاكم (ج 1 / ص 306)، موطأ مالك (ج 5 / ص 371)، السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 114)، الشريعة للآجري (حـ. 1658 ج 4 / ص 392)، دلائل النبوة للبيهقي - (ج 6 / ص 54).\r(2) . محمد بن إدريس (150 – 204 هـ./767 -820 مـ.)\r(3) . أحمد بن حنبل (164 – 241 هـ. / 780855 مـ.)","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"وهكذا دخل في البلاد الإسلامية ارياح الفلاسفة سواء أكانت غربية أم شرقية مثل الفلسفة السنسكريتية واليونانية تعاليم الأفلاط وغيرها فيحتاج الى الأدلة العقلية جانب الأدلة النقلية القرآنية والأحاديثية وكثيرا ما يقال الدين عقل ولا دين لمن لا عقل له وهكذا يكون الدهر والعصر يتجدد ويتغير وما زال علماؤنا يجدون ويجاهدون في هذا الدين حملوا هذه الأمة في التعاليم الإسلامية الحقة على الطريقة التى توافق كل دهور وعصور، وهذا هو معنى ما في أقوالهم ان الإسلام دين يوافق ويلائم كل ناس مدى الدهور والعصور(1)\r__________\r(1) . ولا ريب أن الشريعة الإسلامية (وهي من وضع خالق الكون ذاته)وافية بهذا الذي يقرره العقل الإنساني أتم الوفاء. ففيها أحكام ومبادئ ثابتة لأنها ذات صلة مباشرة بمحاور كونية ثابتة لا تتبدل وفيها أحكام وفروع كثيرة هي عرضة للتطور والتغيير لأنها منوطة بنسج وقائع كونية متطورة. فحرمة الربا إنما كانت حكما مستمرا ثابتا لا يتغير، لأنها مرتبطة بواقع كوني هو الآخر لا يتغير، وهو أن القيمة ظِلٌّ تابع للمنفعة الإنسانية، فما ينبغي أن تنمو القيمة أو تتسامى في جوهرها إلا حيث تنمو المنفعة أو تزداد أهميتها. ومهما تطور الدنيا فإن هذه الحقيقة لا تتطور. غير أن الشريعة عند ما حددت المنافع المتقومة وبنت عليها الأحكام الكثيرة لم تجزم فيها بحكم ثابت، بل فتحت عليها باب التطوير والتغيير. ذلك لأنها تتصل بأمور متطورة ومتبدلة، فرب شيئ كان مهملا من حياة الإنسان لا ينتفع به، ثم أتى عليه دهر جعله بأمس الحاجة إليه، فإذا هو داخل في قوام عيشه أو أسباب سعادته، وإذا هو في حكم الشارع من أهم المنافع الإنسانية وتدور عليها عندئذ أحكام جديدة، تبعا لما قد طرأ عليها من تقلبات الأحوال والظروف. والأحكام الشريعة الإسلامية كلها لا تخرج عن الانتماء إلى هذين المثالين : ثابت لا يتبدل، لأنه مرتبط بنظيره من وقائع الكون وسنن الحياة الإلهية، أو معرض للتطوير والتغيير، لأنه مرتبط بما لا استقرار له من شؤون الكون والحياة. وإننا لنلاحظ هذه الحقيقة عند ما نتأمل في مصادر الشريعة الإسلامية الأصلية منها والتبعية فإن معظمها منفتح على تطورات الكون و الحياة والتأثر بها والدوران معها. فالحكم القياسي يذهب ويأتي حسب مصير علته. والأحكام المترتبة على قاعدة الاستصلاح أو دليل الاستحسان أو مبدأ سد الذرائع أو ما يقضي به العرف – كلها عرضة للتبدل والتطور حسب تبدل مناطاتها ومحاورها المرتبطة بها. بل إن الإجماع –وهو من من المصادر الأصلية للشريعة الإسلامية والتي تكسب الحكم درجة القطع واليقين – قد يتعرض حكمه للنسخ والزوال عند ما يكون مستند الإجماع مجرد مصلحة زمنية، كما نص علىذلك الإمام البزدوي في أصوله.\rوبعبارة أخرى : إن الحقائق الإسلامية كلها ثابتة لا تتطور، ولكنها تبعث المسلمين على أن يطوروا أنشطتهم وفعاليتهم، وأن يسيّروا بها قدما طبق ما تقتضيه مصالحهم التي حدد الإسلام ببيان راسخ معالمها وأنواعها، وأقام سلم الأولويات لتنسيق ما بينها. وهذه الأنشطة أو المصالح ما كانت داخلة يوما ما في شيئ من حقائق الإسلام ولبابه. وفرق كبير بين قولنا إن الإسلام يتطور ويخضع للإصلاحات التي ينبغي أن نتداركه بها (وهذا خطأ فادح) وبين قولنا إن الإسلام ثابت في حقائقه وأحكامه كلها، ولكنه يبعث المسلمين إلى تطوير حياتههم طبقا لنهج معين وسلم مرسوم (وهذا كلام سليم لا إشكال فيه). ولو عقل هؤلاء الذين يظلون ينعتون الإسلام بالتطور – من منطلق المدح له فيما يزعمون – لعلموا أن الدين الذي يتطور مع الزمان مآله إلى الزوال والاندثار ... وأن الدين الذي يبعث أتباعه ومعتنقيه على التطور في مدارج الصلاح المستمر، يجب أن يكون ثابتا وراسخا لحد ذاته، وما ثباته إلا بثبات مبادئه وأركانه وأحكامه. وهكذا كان تعامل المسلمين مع إسلامهم في العصور الثلاثة الأولى من عمر الإسلام. لم يبدلوا من أحكامه شروى نقير، ولكنهم طوروا أنفسهم في الوقت ذاته، على هديه وبإيعاز منه، أكثر مما طور المسلمين أنفسهم بعد ذلك إلى يومنا هذا. ولأضرب بعض الأمثلة لتجلية هذه الحقيقة :\rإن من الحقائق الإسلامية الثابتة، وجوب النهوض بالدعوة إلى الله وتعريف الناس بالإسلام، وتحببيبه إليهم وأمرهم بعد ذلك بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وحسبنا دليلا على أن هذا واحد من الأحكام الجوهرية للإسلام، قول الله عز وجل: { ادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } . [النحل: 125] وهو من ثم حكم ثابت لا يلحقه أي تغيير أو تبديل. غير أن هذا الحكم يتصل بأنشطة سلوكية كثيرة في حياتنا وواقعنا المعاش، تتصل ببناء الجامعات وإقامة الأساست التعليمية والتثقيفية، والعكوف على إخراج المؤلفات العلمية التي تخدم هذا الحكم، كما يتصل بإنشاء دور نشر ومطابع والاستعانة بأجهرة إعلام وإيجاد مناخات ملائمة للنقاش والحوار. وكل ذلك خاضع للتطور على عوامل اختلاف الأزمنة والأمكنة، وتبدُّل والوسائل وتطورها بموجب التقدم أو التخلف الحضاري. إن الحكم المتصل بهذه الأنشطة، على الرغم من ثباته ورسوخه من الزمن، يبعث المسلمين على أن يطوروا هذه الأنشطة الخادمة له ما أمكنه، وأن يبعثوها في كل فترة من الزمن بعثا جديدا بحيث يكون ذلك ضمانة لاستمرار تطبيق هذا الحكم، بل ضمانة لاستمرار جدَّته وبقاء حيويته.\rو إن من الحقائق الإسلامية الثابتة، أن للإنسان أن يمتع نفسه بكل ما قد أباحه الله عز وجل، بل يجب عليه أن لا يحرم على نفسه ما قد أباحه الله له، كما يجب عليه أن لا يجعل من مباحات وسيلة إلى محرم كالفخر والخيلاء والبذخ. وهذا من المبادئ التي نص عليها كتاب الله عز وجل في مثل قوله تعالى : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } . [سورة الأعراف : 32] وفي مثل قوله تعالى : { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } . [سورة الإعراف : 31] وقوله : { كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور } . [سورة سبأ : 15]. إن هذا الحكم بكل ضوابطه وذيوله من الأحكام الثابتة التي لا تتبدل مع الزمن قط. غير أنه يهيمن على أنشطة كثيرة في حياتنا، ويفتح أمامنا آفاقا لا حد لها من التطور المعاشي ضمن نطاق هذا الحكم. إن هذا الحكم مزودا بضوابطه وقيوده، مستمر ثابت لا يتبدل. وما قد يعده بعض الناس تبديلا وتغيرا له إنما هو تنويع لحالات هذا الحكم وتطبيق لوجوهه. فالخيلاء بالثوب الذي يلبس أو الطعام الذي يؤكل أو الأثاث الذي يستعمل، محرم دائما. ولما كان العرب في صدر الإسلام يجعلون من طول الثوب وجره على الارض تعبيرا عن التعاظم والخيلاء، كان ذلك العمل محرما، إذ كان تعبيرا عن صفة محرمة . فلو أن العادة انعكست بحيث أصبح قصر الجلباب تعبيرا عن الكبر والخيلاء فإن الحرمة\rتتحول إليه، ويعود طول الجلباب إلى أصل الإباحة. أليس بوسعك إذا أن تلاحظ أن الحكم في حقيقته إنما هو النهي عن التعاظم والخيلاء وهو محور ثابت مستقر تدور عليه الاعراف والعادات .. ثم أن تلاحط مدى الخطأ الذي يقع فيه أولئك الذين وضعوا العادات المتبدلة محل المحور الثابت، ومن ثم زعموا أن أحكاما إسلامية تتطور وتتبدل. وكان بوسعهم، لو تأملوا، أن يدركوا بأن تطبيقات الحكم الثابت أتباع هي التي تطورت وتبدلت، والحكم الاساسي الذي هو في الحقيقة حرمة التباهي والخيلاء في أي مظهر تَبَدَّى، وبأي عمل تُرجم. يدل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة » ويزيده وضوحا وتأكيدا أن أبا بكر رضي الله عنه لما أفزعه طول الثوب الذي ارتداه ذات مرة، وخشي أن يصبح بذلك في عداد من قد تهددهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق، جاء يسأل عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فطمآنه قائلا : ولكنك لا تلبسه خيلاء.\rوإن من الأحكام والمبادئ الثابتة أن من تشبه بقوم فهو منهم. وإن في الناس من يظن أنه حكم يتبدل ويتطور مع الزمن، ولكنهم لو تأملوا وأمعنوا النظر لعلموا أن الذي يتطور ويتبدل إنما هو تطبيقات هذا الحكم، وهي لا تتبدل إلا تحت سلطان هذا المبدأ الثابت المستمر.\rمثال آخر نسوقه لبيان هذه الحقيقة، وهي أن كل ما يتضمنه الإسلام من المبادئ والأحكام ثوابت راسخة لا تتغير. وهو على أن المسلم أن يعلم ويوقن بأن الله عز وجل منزه عن الشبيه والنظير. ومهما تطورت أفكارنا أو تبدلت أقطارنا أو اتسعت علومنا فإن هذه العقيدة تظل أساسا ثابت راسخا من أسس الإسلام وحقيقته. ومصدر ذلك قول الله عز وجل : { ليس كمثله شيئ } . [سورة الشورى : 11] وقوله عز وجل : { ولم يكن له كفوا أحد } [سورة الإخلاص : 4]. فإذا استقر هذا اليقين لديك فإن أمامك بعد ذلك ساحة واسعة من المتغيرات الإجتهادية تملك التنقل في رحابها، إذ هي ليست من جوهر الدين ... أي بوسعك إذا قرأت قول الله عز وجل : { يد الله فوق أيديهم } . [سورة الفتح : 10] أن تذهب مذهب المفوضين، فتفهم أن لله يدا كما قال عن نفسه تليق بألوهيته ووحدانيته وتنزهه عن الشبيه والمثيل، وأن تذهب مذهب المؤولين فتفسر اليد بالقوة والغلبة ... ذلك لآن ما هو داخل في جوهر الدين وأصوله الاعتقادية بالنسبة لهذه الآية وأمثالها أن توقن بأن لله يدا كما قال، وبأنه منزه في الوقت ذاته عن الشبيه والمثيل. أما ما وراء ذلك من الوقوف عند ظاهر هذه الكلمة وتفويض المعنى المراد بها إلى علم الله عز وجل، أومن تأويلها بأحد الوجوه اللغوية المقبولة لغة فهو جهد اجتهادي يسع الباحث أن يتحرك وأن يتطور في ساحته طبق الظهور السائدة والفهوم البلاغية الرائجة. ومن ثم فهو ليس جزأ من العقائد الإيمانية الجوهرية الثابتة.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"وهذه هي الأمانة التي لديهم من الله تعالى ووعدهم على حملها\rالوعد الحق وأوعد عليهم على إيضاعتها سوء الوعيد ووجب عليهم حمل هذه الأمة على الثبات بتعاليم هذا الدين حسب ما كان فيهم من الظروف والأحوال على مقتضى دواعي مجاري الأكوان المختلفة الشؤون والخصال ففي العصر الثالث بعث الله تعالى علماء هذه الأمة وقرروا وحرروا قواعد الدين وأصوله على ما كان عليه أهل الكلام مثل الإمام الأشعري(1) والماتريدي(2) وغيرهما من أمثالهما فلم يزل الله سبحانه وتعالى يبعث كل قرن من القرون وعصر من العصور من يجدد لهم في أمور دينهم التجديد الذي بمعنى احياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات باللسان أو تصنيف الكتب والتدريس وبمعنى إرجاعهم إلى طريقة ومنهج أسلافهم الصالحين مع مراعاة ما يوافق كيان العصور والقرون التى هم فيها على تداول الدهور والأيام وقد انقرضت العصور التى كانت الخلافة بأيدى العرب وذلك بسقوط الخلفاء العباسية وظهرت دويلات الممالك وانقرضت وظهرت السلاطين العثمانية من الأتراك. والعلماء ما زالوا قدوة وأسوة لهذه الأمة وظهر كذلك المجددون لهذه الأمة وألفوا من قواعد الدين ما ألفوا حسب ما يوافق مجاري تواريخ حياتهم المتنوعة على معنى حملهم على الرجوع إلى تعاليم الدين الحقة ظهر في القرن الرابع مثل الإمام أبي بكر الباقلاني المالكي(3) وفي القرن الخامس الإمام الغزالي(4) صاحب إحياء علوم الدين وفي السادس الإمام الرافعي(5) وأتبعه الله تعالى في هذا القرن الإمام النووي(6) صاحب المؤلفات الكثيرة في\r__________\r(1) . أبو الحسن علي (ت. 324هـ. / 936 مـ.)\r(2) . أبو منصور محمد (ت. 333 هـ./ 944 مـ.)\r(3) . أبو بكر محمد (ت. 403 هـ./ 1013 مـ.) قاض ومتكلم أشعري\r(4) . أبو حامد محمد (ت 505 هـ./ 1111 مـ.)\r(5) . عبد الكريم بن محمد (ت. 623 هـ./ 1226 مـ.)\r(6) . يحيى بن شرف (ت. 676 هـ. / 1277 مـ.)","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"الفقه متنا وشرحا والذي هو المقدم قوله من علماء الترجيح للمذهب الشافعي وظهر في القرن السابع الإمام ابن دقيق العيد(1) وفي القرن الثامن الإمام جلال الدين البلقيني وظهر في القرن التاسع الإمام جلال الدين المحلي والإمام جلال الدين السيوطي(2) وتم لديه أخر فنون علوم الإسلام في اصول التفسير وانتشر في عهده قواعد الفقه وكان هو في أول عهده ادعى بأنه من المجتهدين حتى اضمحل عليه ذلك اتساع فرقة ابواب مجال الاجتهادات وهوخاتم المحققين والمجتهدين لم يظهر من بعده من فنون الدين شيء إلا الحواشي الكبار التى تكون عمدتهم فيها النقل والرواية من أقوال أسلافهم المعتبرين فظهر في القرن العاشر مثل الإمام علي الشبرامليسي والإمام ابن حجر الهيتمي(3) المصري ثم المكي وانتشر المعارف الدينية الى المشارق حيث ان تلمذ عند ابن حجر الهيتمي الشيخ زين الدين المليباري صاحب كتاب فتح المعين الذي تم نفعه في بلادنا إندونيسيا، وفي هذا العصر والقرن اي القرن العاشر تغيرت الظروف والأحوال فكان هذا العصر الإسلامي بداية في السقوط والانحطاط في جميع المناطق والأنحاء وجاء أوان الانحطاط على المسلمين بارزا وظاهرا بظهور دخول المستعمرين الغربيين في هذه القارات المعمورة التي الأغلبية الساحقة فيها المسلمون عربا وعجما يبد ان هؤلاء هم الأمة المحمدية الأمة المرحومة الأمة الذين ما زالوا خيار الناس وما زالوا في كل الأيام سعداء الناس وخيارهم فبعث الله سبحانه بعد تمام القرن العاشر في المائة الأولى الإمام جعفر البرزنجي صاحب كتاب المولد النبوي المشهور وكتاب اللجين الداني في ذكر مناقب الإمام القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني(4) والإمام الحبيب السيد\r__________\r(1) . ابن دقيق محمد (ت. 702 هـ./ 1302 مـ.) محمدث عالم مصري\r(2) . السيوطي عبد الرحمن (1445 – 1505 مـ.)\r(3) . أحمد (974 هـ./ 1567 مـ.) فقيه شافعي مصري\r(4) . عبد القادر الجيلاني (ت. 561هـ./ 1166 مـ.)","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"عبد الله الحداد صاحب التآليف الكثيرة التي كانت هي مراجع أهل السنة والجماعة الذين هم الطائفة الناجية من بين طوائف متباينة ملحدة ومن بعض أوراده الراتب المشهور المتكفل بالأدعية والأذكار النبوية وظهر بعد ذلك في القرن الثاني بعد الألف الإمام الرباني العلامة أحد عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيخ الإمام المرتضى(1) صاحب شرح إحياء علوم الدين المسمى باتحاف سادات المتقين الذي تم نفعه في الأنحاء والبلاد مرجع علماء أهل السنة والجماعة وأول من لازمه من علماء جاوى كياهي عبد المنان حين مقامه بمكة المشرفة فروى عنه ذاك الكتاب وروى عنه أي كياهي عبد المنان ابنه كياهي عبد الله ثم روى عنه ابنه كياهي محفوظ الترمسي فروى عنه كياهي فقيه المسكوممباني وروى عنه تلميذه والدي كياهي زبير دحلان ثم رويته عنه، وبعث كذلك في هذا القرن أي الثاني بعد الألف المجدد الشهير السيد أحمد المرزوقي صاحب المنظومة عقيدة العوام التي عمت في البلاد الإسلامية شرقا وغربا وخصوصا في بلادنا إندونيسيا وبعث في القرن الثالث بعد الألف أجلاء علمائه في رأس هذا القرن من أهل البيت منهم السيد أحمد زيني دحلان(2) والسيد بكري شطا وغيرهما من علماء أهل مكة المشرفة وقد مضى علينا سنوات كثيرة في هذا القرن أي القرن الرابع بعد الألف فمن من علماء هذا القرن الذين هم من المجددين ؟ (3)\r__________\r(1) . الزبيدي (مرتضى) (1732 – 1790)\r(2) . أحمد (1817 – 1887) فقيه مكي ومؤرخ\r(3) . وقد صنف السيوطي في ذلك أرجوزة سماها ( تحفة المهتدين بأخبار المجددين ) : فنحن نذكرها ها هنا، وهذه هي :\r\rالحمد لله العظيم المنة\r*\rالمانح الفضل لأهل السنة\r\rثم الصلاة والسلام نلتمس\r*\rعلى نبي دينه لا يندرس\r\rلقد أتى في خبر مشتهر\r*\rرواه كل حافظ معتبر\r\rبأنه في رأس كل مائة\r*\rيبعث ربنا لهذي الأمة\r\rمنا عليها عالما يجدد\r\r*\rدين الهدى لأنه مجتهد\r\rفكان عند المائة الأولى عمر\r*\rخليفة العدل بإجماع وقر\r\rوالشافعي كان عند الثانية\r*\rلما له من العلوم السامية\r\rوابن سريج ثالث الأئمة\r*\rوالأشعري عده من أمه\r\rوالباقلاني رابع أو سهل أو\r*\rالإسفراييني خلف قد حكوا\r\rوالخامس الحبر هو الغزالي\r*\rوعده ما فيه من جدال\r\rوالسادس الفخر الإمام الرازي\r*\rوالرافعي مثله يوازي\r\rوالسابع الراقي إلى المراقي\r*\rابن دقيق العيد باتفاق\r\rوالثامن الحبر هو البلقيني\r*\rأو حافظ الأنام زين الدين\r\rوالشرط في ذلك أن تمضي المائة\r*\rوهو على حياته بين الفئة\r\rيشار بالعلم إلى مقامه\r*\rوينصر السنة في كلامه\r\rوأن يكون جامعا لكل فن\r*\rوأن يعم علمه أهل الزمن\r\rوأن يكون في حديث قد روي\r*\rمن أهل بيت المصطفى وقد قوي\r\rوكونه فردا هو المشهور\r*\rقد نطق الحديث والجمهور\r\rوهذه تاسعة المئين قد\r*\rأتت ولا يخلف ما الهادي وعد\r\rوقد رجوت أنني المجدد\r*\rفيها ففضل الله ليس يجحد\r\rوآخر المئين فيما ياتي\r*\rعيسى نبي الله ذو الآيات\r\rيجدد الدين لهذي الأمة\r*\rوفي الصلاة بعضنا قد أمه\r\rمقررا لشرعنا ويحكم\r*\rبحكمنا إذ في السماء يعلم\r\rوبعده لم يبق من مجدد\r*\rويرفع القرآن مثل ما بدي\r\rوتكثر الأشرار والإضاعة\r*\rمن رفعه إلى قيام الساعة\r\rأحمد الله على ما علما\r*\rوما جلا من الخفا وأنعما\r\rمصليا على نبي الرحمة\r*\rوالآل مع أصحابه المكرمة\r\r(عون المعبود؛ جـ: 9 / صـ: 326)","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"نرجو من المولى تجديده بأحد خواصه المقربين وقد تصدر من علماء هذا القرن عدد منهم بل بعضه من لم يزل إلى اليوم في حياته المباركة مثل العلامة صاحب التآليف العديدة السيد زين بن سميط المقيم بالمدينة المنورة والعلامة السيد فَرْفُور المصري والعلامة السيد حسام الدين الدمشقي وأخيه العلامة عبد اللطيف ابنا السيد صالح فَرْفُور ومنهم الذي قد قضى نحبه ولقي ربه مثل فضيلة العلامة مسند الدنيا أبي الفيض الشيخ محمد ياسين بن عيسى الفاداني وفضيلة العلامة السيد محمد علوي الملكي كلاهما عمدتي في الرواية دراية ورواية في الأحاديث والكتب الدينية .\rزوال الأرقاء في هذا العصر\rوتعسر الجهاد في سبيل الله وتعذر إقامة الحدود فيه\rاعلم أن أحكام القرآن لا تنسخ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم بان بعضها لم يستطع المسلمون العمل به مثل عتق الرقبة في كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار وكفارة اليمين وذلك لأن الأرقاء قد أبطلتها قوانين الأمم المتحدة فانقرض بذلك أيضا مصرف عتق الرقبة الذى هو أحد مصارف الزكاة الثمانية المنصوصة في القرآن الكريم نص على ذلك من العلماء المعاصرين الشيخ رشيد رضا والشيخ محمود شلتوت والشيخ يوسف القرضاوي، وقد قال أيضا في بغية المسترشدين : (مسألة ي) تجب معرفة أصناف الزكاة الثمانية على كل من له مال وجبت زكاته والموجودون الآن في غالب البلاد خمسة الفقراء والمساكين والغارمون والمؤلفة وابن السبيل .","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"ومثل اقامة الجهاد فانها فريضة من فرائض الإسلام ونعتقد بانها ماضية الى يوم القيامة ولكن لتعسرها وتعذرها في هذا العصر تعطلت فريضة الجهاد وذلك لعدم وجود إمام أو أمير في هذا العصر يأمر جنوده بالجهاد في سبيل الله ويكون جنة بين يدي المسلمين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ »، وفي رواية البخاري : « مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ »(1) فلم نزل ننتظر ظهور ذلك الإمام أو الأمير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « (2)الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثََلاَثٌ مِنْ أَصْلِ الإيمان الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ وَلاَ نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ وَلاَ نُخْرِجُهُ مِنْ الإِسْلاَمِ بِعَمَلٍ\r__________\r(1) . (صحيح مسلم؛ جـ:9/صـ:376)، (صحيح البخاري؛حـ.2737؛ جـ:10/صـ: 114)\r(2) . سنن أبي داود ولم يضعفه (جـ:7/صـ:64)، والسنن الكبرى للبيهقي (جـ:3/صـ: 121)، ومسند الشاميين للطبراني (جـ:5/صـ:90).","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ لاَ يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلاَ عَدْلُ عَادِلٍ وَالإِيمَانُ بالأقدَار» (1).\r__________\r(1) . (سنن أبي داود؛حـ.2170؛ جـ:7/صـ؛63) و (مسند أبي يعلى الموصلي؛حـ. 4198 جـ:9/صـ:346) و ( مشكاة المصابيح؛ حـ. 59؛ جـ:1/صـ:13)، وصحيح وضعيف سنن أبي داود (حـ. 2532؛ جـ:6/صـ:32). وفي عون المعبود (جـ؛7 صفحة 148) :\r(ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله) أي وأن محمدا رسول الله (ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل) أي ولو كبيرة سوى الكفر (والجهاد ماض) أي والخصلة الثانية كون الجهاد ماضيا ونافذا (منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي ) يعني عيسى أو المهدي ( الدجال ) وبعد قتل الدجال لا يكون الجهاد باقيا (لايبطله جور جائر ولا عدل عادل) أي لا يُسْقِط الْجِهَاد كَوْن الْإِمَام ظَالِمًا أَوْ عَادِلًا وَهُوَ صِفَة مَاضٍ أَوْ خَبَر بَعْد خَبَر (والإيمان بالأقدار) أَيْ بِأَنَّ جَمِيع مَا يَجْرِي فِي الْعَالَم هُوَ مِنْ قَضَاء اللَّه وَقَدَره .اهـ.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"ومثل إقامة الحدود لعدم وجود الدول المقننة لأحكام الحدود الشرعية الا المملكة العربية السعودية ببركة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والحرمين الشريفين وغيرها مما تعطلت وانتقرضت من الأحكام الشرعية في هذا العصر الحاضر وقد أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ زمان بعيد وهو الصادق المصدوق فقال: «لتنتقضن عرى الاسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا : الحكم وآخرهن : الصلاة »(1).\rفالأحكام القرآنية أو الشرعية التي لم نستطع العمل بها لا يجوز تبديلها وتغييرها من قبل أنفسنا ولاسيما بدعوى الاجتهاد والاستنباط وانما الواجب علينا تجاهها العمل بما امكن في حدود أنفسنا وأسرنا وأهلينا وخدمنا ومن تحت رعايتنا قال تعالى: ( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا )(2)، وقال : ( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا أتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا )(3) وأن نأسف ونحزن ونتحسر على تعطيلها وعدم تنفيذها والصبر وانتظار الفرج من الله تعالى حتى يجيء الأوان ويأتي الإبّان لتطبيقها والعمل بها وان لانزال موقنين بحقية تلك الأحكام المعطلة وانها أحكام الله اللطيف الخبير العليم بمصالح العباد ونعتقد صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان ولكل أمة وشعب ووفاءها بحاجات البشر(4)\r__________\r(1) . صحيح ابن حبان؛ حـ. 6839؛ جـ:27/صـ:471)، والمستدرك على الصحيحين للحاكم (حـ. 7122؛ جـ:16/صـ:344) بلفظ: « تشبثت بالتي تليها وأول نقضها الحكم وآخرها الصلاة »، قال الحاكم رحمه الله تعالى : ....والإسناد كله صحيح ولم يخرجاه، ومسند أحمد - (حـ. 21139 ج 45 / ص 134) بلفظ : لَيُنْقَضَنَّ.\r(2) . سورة البقرة : 286 ...\r(3) . سورة الطلاق : 7 ...\r(4) . تنقسم جملة الأمور المشروعة في الإسلام إلى قسمين :\r\rقسم: تقوم شرعته على أساس مطلق من حكم الإباحة أو الوجوب أو الندب، يخاطب به الناس جميعا بوصف كونهم أفرادا وجماعات، فهي مشروعات دورية متكررة في كل زمان وعصر تتعلق بكل فرد من المسلمين على حدة، ليس لنبي ولا لحاكم أو سلطان أن يغير منها أو يقضي منها على بعض الناس دون بعض أو في بعض الصور دون الأخرى. ويمثل لهذا القسم بالواجبات والمندوبات الدينية المختلفة، وبالمباحات التي لا يعترضها أو يشوبها شئ من المحرمات كالطعام والشراب.\rوقسم آخر: تقوم شرعته على أساس من إعطاء الشارع جل جلاله الصلاحية للحاكم المسلم أن يقضي فيه بما يرى أنه الخير والمصلحة للمسلمين عامة، ضمن دائرة محدودة لا يتجاوزها. ويسمى هذا الحكم بحكم الإمامة أو السياسة الشرعية. والأمور التي اقتضت حكمة الباري جل جلاله أن يتعلق بها هذا النوع من التشريع، هي تلك التي يختلف أثرها في المجتمع ما بين عصر وآخر أو بلدة وأخرى، ويتأثر وجه المصلحة فيها بطوارئ الظروف والأحوال، ويُمثل لهذا القسم يإعلام حالة الحرب والسلم، وإتلاف أشجار العدو ومختلف ممتلكاتهم أو تركها دون أن تمس بأذى، كما يمثل له أيضا بالسياسة التي ينبغي أن تتّبع بشأن الأسرى من قتل أو استرقاق أو مَنٍّ أو فداء. كما يمثل لها بأمور كثيرة أخرى منها ما هو متفق عليه أنه من هذا النوع، ومنها ما هو محل خلاف بين الأئمة. ولا مجال لسردها والحديث عنها في هذا المقام. فالمشروعية، بالنسبة لهذا القسم الثاني، لا تعني الإباحة المطلقة أو الوجوب المطلق، على نحو ما أوضحناه بالنسبة للقسم الأول وإنما هي تعني نوعا من الصلاحية يخولها الشارع جل جلاله لمن كانت بيد السلطة من رسول أو خليفة أو رئيس، بالنسبة لأمور قد تختلف وجه المصلحة في معالجتها مع اختلاف الظروف، وتبعا لما قد يفجأ به المسلمون من طوارئ.. وواجب صاحب السلطة حيال هذه الأمور تطبيق ما تقتضيه المصلحة حسب كل زمان ومكان، في حدود الدائرة التي حدها الشارع.\rوعند ما أمرنا الحاكم الحقيقي جل جلاله بأن نتحول عن كل حكم وقانون إلى حكمه وقانونه، وضعنا أمام شريعةٍ رائعة عظمى صالحة لكل زمان ومكان. ومعنى ذلك أنها صالحة في الظروف والأحوال الطبيعية التي يعتمد فيها الناس على قانونهم العام وصالحة في الأحوال والظروف الطارئة التي يُهرع فيها الحكام إلى قانون الطوارئ. فكيف تكون شريعة الله جل جلاله صالحة لهاتين الحالتين؟... السبيل هو أن تحوي نصوص الشريعة نفسها أحكاما تبليغيةً دائمة يمرسها الفرد والمجموع، لا تتبدَّل ولا تنسخ إلى يوم القيامة، ثم أن تحوي إلى جانب ذلك نصوصا اخرى، تتضمن أحكاما يخاطَب بها الأئمة والحكام، يُعطَون بموجبها صلاحيات معينة، ضمن موازين من المصلحة الشريعة الدقيقة، ذلك كي يواجهوا بها طوارئ الأحوال وتقلبات الظروف، فلا يجدوا معها ما يضطرّهم إلى التحول عن حكم الله إلى أهواء الناس وآراء المغرضين. وهكذا، فالشريعة الإسلامية بقسميها اللذين شرحناهما حاوية لكل من القانون الدوريّ العام وقانون الطوارئ، وهذا أروع مظهرٍ من مظاهر مرونته وخلوده وصلاحيته لكل عصور وفي كل حال.\rإذا علمت هذا، نقول : إن مسألة الاسترقاق عن طريق الأسر، مسألة يُناط وجه المصلحة فيها بمقتضيات الحرب والسّلام وسياسة الأمم المتعادية بعضها تجاه بعضها. أي لا يمكن لدولة ما أن تقطع فيها بأمر إلا على ضوء ما تلتزم به الدول الأخرى تجاهها.\rوربما أمكن أن تجتمع جميع الدول في عصر من العصور على ميثاق بيّن تتواضع عليه وتسير على نهجته، كما هو الحال في عصرنا هذا، ولكن ليس من المضمون أن لا يأتي الغد القريب أو البعيد بظروف تلغى فيه جميع هذه المواثيق والاتفاقيات، وتظهر على مسرح الدنيا دول وحكومات تستبيح لنفسها كل ما تصورها لها أخيلة الشر والإجرام، ولا تُقيم للكرامة والحرّية الإنسانية أي وزن.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وان المسلمين لو عملوا بها واحتكموا إليها لكان في ذلك سعادتهم وعزتهم في الدنيا والأخرة.\rانقراض زكاة النقدين من الذهب والفضة\rإن الزكاة فرض من فروض الإسلام ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة النبوية التي بينت أنواع الأموال التى تجب فيها ومقاديرها وشروط الوجوب - وهي فريضة ذات أثر بعيد في المجتمع من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية والمالية - فوق انها عبادة تقوم على النية، والعبادات في الإسلام ينبغى التوقف عند نصوصها دون تجاوزها إلا بقدر الضرورات التشريعية وبالقواعد الأصولية المقررة، وقد أجمع المسلمون على وجوب الزكاة في النقود من الذهب والفضة وعلى المقدار الواجب فيها.\rإن الذهب والفضة لمعدنان نفيسان اودع الله فيهما من المنافع والخصائص الطبيعية ما لم يودعه في غيرهما فلا غرو ان اتخذهما الناس منذ العصور البعيدة نقودا وأثمانا للأشياء ومن تلك الخصائص ثباتهما على حالهما وعدم قبولهما للصدأ والتآكل وثبات قيمتهما نسبيا وامكان تجزئتهما إلى أجزاء صغيرة مع بقاء القيمة النسبية للأجزاء وصعوبة الغش فيهما لسهولة تمييز الزائف بمجرد الرؤية وسماع الرنين.\rفمن هنا نظرت الشريعة اليهما نظرة خاصة واعتبرتهما ثروة نامية بخلقتهما فاوجبت فيهما الزكاة وتوعدت على من كنزهما دون انفاق في سبيل الله قال جل وعلا: ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ).(1)\r__________\r(1) . سورة التوبة : 34 - 35","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدا لما نبه عليه القرآن: « ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فاحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره» (1) كل هذا الوعيد لمن لم يؤد حق الذهب والفضة وذلك الحق هو الزكاة كما صرح به في رواية أخرى.\rوحين بعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانت العرب يتعاملون بهذين النقدين الذهب في صورة دنانير والفضة في صورة دراهم وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وفرض زكاة الأموال في الدراهم والدنانير فبذلك اعتبر كلا من الذهب والفضة نقدا شرعيا ورتب عليهما أحكاما كثيرة كما في الزكاة والربا والمهر ونصاب قطع يد السارق والديات وغيرها.\rوهكذا أمر الذهب والفضة إلى أن حدثت الحرب العالمية الأولى تغيرت الحال وتحول الأمر الى ان اصبح الناس الآن يجعلون الأوراق النقدية اساس التعامل بينهم وصارت هي العملة السائدة المنتشرة في العالم بل ولم يعد يرى الناس الذهب قط في المعاملات ولا يرون الفضة الا في الأمور التافهة فمن هنا انقرض الآن كون الذهب والفضة نقدين يجرى في الناس التعامل بهمافانقرض بذلك أيضا زكاة النقدين التى شغل علماءنا الأقدمون ببيانها وامتلأت كتبهم بذكرها.\rهل تقوم الأوراق النقدية مقام الذهب والفضة\r__________\r(1) . رواه مسلم","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"إن ألاصل في وجوب الزكاة في النقدين هو الذهب و الفضة سواء أكانت مضروبة أو غير مضروبة ولما كانت أوراق البنكنوت التي يصدرها البنك الوطني في كل دولة بضمانته مما يتعامل به الناس في جميع معاملاتهم المالية من شراء وبيع وسداد ديون وغير ذلك من التصرفات التي يتعاملون بها في الذهب والفضة المضروبة أي المسكوكة بل أصبح الناس الآن إنما يتعاملون بهذه الأوراق ولم يعد يرون العملة الذهبية قط في معاملاتهم ولا الفضية إلا في المبالغ التافهة فصارت هذه الأوراق أثمان الأشياء ورؤوس الأموال وبها يتم التعامل داخل كل دولة وعلى قدر ما يملك المرء منها يعتبر غنيا ولها قوة الذهب والفضة في قضاء الحاجات وتيسير المبادلات فهي بهذا الاعتبار أموال نامية أو قابلة للنماء شأنها شأن الذهب والفضة فبناء على ذلك كله فإنها تأخذ حكم الذهب والفضة وتعتبر نقودا تجب فيها زكاة المال كما تجب في الذهب والفضة فالقدرالواجب إخراجه هو ربع عشرها(2،5%) بشرط توفر شروط وجوب الزكاة من كون المال فاضلا عن الحوائج الأصلية لمالكه كالنفقة والسكن والثياب وحاجة من تجب نفقته عليه شرعا وأن يحول عليه حول قمري كامل والايكون المالك مدينا بما يستغرق المال المدخر أو ينقصه عن هذا النصاب والله أعلم.\r\rبماذا يقدر نصاب العملة الورقية في الزكاة","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"الأولى في تقدير نصاب زكاة الأوراق في عصرنا أن يكون بالذهب لا بالفضة فان النبي حينما قدر نصاب الزكاة بالفضة وبالذهب لم يقصد ان يجعل هناك نصابين وإنما هو نصاب واحد قدر بعملتين لأن النصاب معناه في الشرع الحد الأدنى للغني فمن هو الغني ؟ لقد جعل الشرع علامة للغني وهي ملك النصاب. وفي النقود قدر النصاب بأمرين بالذهب ونصابه عشرون مثقالا وبالفضة ونصابها مائتا درهم وذلك لأن العرب في عهد البعثة كانت لهم عملتان عملة تأتي من فارس وهي الدراهم الفضية وعملة تأتي من الروم وهي الدنانير الذهبية وما كان للعرب عملة خاصة يضربونها. ولذا قدر النبي نصاب الغني في هذا الوقت فجعله عشرين دينارا من الذهب أو مائتي درهم من الفضة حيث كان الدينار يساوى عشرة دراهم في السوق وقتئذ ثم بعد ذلك هبط سعر الفضة فصار في عصر الراشدين الدينار يصرف باثني عشر درهما ثم بخمسة عشر ثم بعشرين ثم بثلاثين حتى جاءت العصور الحديثة فرخصت الفضة بالنسبة للذهب رخصا كبيرا وأصبح هناك تفاوت بين نصاب الذهب ونصاب الفضة ولهذا لم يعد من المقبول جعل حد الغني خمسين من الريالات السعودية أو القطرية مثلا في حين من الذهب يجعل حد الغني ما يساوى ألفا وخمسمائة ريال أو أكثر. اذا قدرنا العملة الورقية بالفضة فانها لن يزيد نصابها عن خمسين ريالا واذا قدرنا بالذهب فسوف يكون الفوق بين النصابين كبيرا عملا بأن العشرين مثقالا تساوى 89 غراما وقد وجد في أكثر من متحف بعض دنانير من عهد عبد الملك بن مروان وهي أول دنانير اسلامية ضربت وانتشرت وقد تبين ان وزن الدينار بالمتوسط يساوي 4،25 غراما فعشرون دينارا تساوى 85 غراما ولذا اذا أردنا ان نعرف قيمة النصاب بالعملة الورقية علينا ان نسأل الصاغة ونعرف منهم كم هي قيمة 85 غراما من الذهب بالعملة الورقية ويكون ذلك المبلغ هو النصاب الشرعي أو الحد الأدنى للغني الذي يجب فيه الزكاة . أما نصاب الفضة فهو قليل جدا ولا ينبغي","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"اعتباره لأن من يحوز خمسين ريالا لا يعتبر غنيا. الخلاصة أننا إذا أردنا أن نعرف هل تجب الزكاة على شخص أم لا ننظر فإن كان لديه من النقود ما تساوى قيمته قيمة 85 غراما من الذهب وجب عليه ان يدفع الزكاة بنسبة 2،5 % أو ربع العشر كما هو معروف في الشرع الحنيف ويكفي أن يكون الذهب غالبا أي عيار 18 مثلا والله أعلم. (فتاوى معاصرة للشيخ يوسف القرضاوي ج 1 ص 279 ).\r\rالرد على من لم يوجب الزكاة في الأوراق النقدية\r... ... إن النقود الورقية لم تعرف إلا في العصر الحاضر، فلا نطمع أن يكون لعلماء السلف فيها حكم وكل ما هنالك أن كثيرا من علماء العصر يحاولون أن يجعلوا فتواهم تخريجا على أقوال السابقين، فمنهم من نظر إلى هذه النقود نظرة فيها كثير من الحرفية والظاهرية فأفتى بعدم وجوب زكاة الأوراق الشيخ محمد عليش مفتي المالكية في مصر (1217-1299هـ) لانحصارها في النعم واصناف مخصوصة من الحبوب والثمار والذهب والفضة ولم ير هذه نقودا لأن النقود الشرعية إنما هي الفضة والذهب وإذا لا زكاة فيها. وكذا أفتى من الشافعية محمد بن محمد بن حسين الأنباني (1240-1313هـ عين امينا لفتوى مشيخة الأزهر) بأن لا زكاة فيها حتى تقبض قيمتها ذهبا أو فضة ويمضي على ذلك حول .\rقال ابن بدران الدمشقي ( كبير فقهاء الحنابلة في بلاد الشام ت 1346 هـ) في رد هما على وجوه :","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"الأول : ان تلك الفتيا تمهد لهدم أصل عظيم من أصول الدين ألا وهو الزكاة التي هي أحد مباني الاسلام وهذه جناية عظيمة على الدين عموما وذلك لأن جميع المسلمين الذين هم تحت حكم الأروبيين معظم أموالهم انما هي تلك الأوراق النقدية ولا يتعاملون غالبا الا بتلك الأوراق وهي منتشرة في بلادهم انتشارا لا يقبل الإنكار والرد ولم تأت هذه الفتوى الا من جهة عدم الاطلاع على مقتضيات الزمان وعلم ما فيه من تقلبات الأحوال في المعاملات فإذا عملوا بمقتضى هذه الفتيا لأدى عملهم الى منع الزكاة والله تعالى يقول: ( والذين في أموالهم حق للسائل والمحروم ) الى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المصرحة بفرضية الزكاة.\rومن أعجب هذا أن الشيخ محمد عليش رحمه الله تعالى جعل الحكم في عدم الزكاة في الفلوس متعديا الى الكاغد من غير ان يعتبر ما هي العلة الجامعة بينهما ولا ذكرها ولا بين منها سوى الاشتراك في ختم السلطان وفي التعامل بهما مع اننا لم نجد ختما للسلطان في الأوراق المذكورة ولا صورة الختم فان ادعى مدع انها كانت مختومة في زمان الشيخ قلنا: تكون فتياه ان صحت مقصورة على ما كان في زمانه فلا تتعدى ما بعده وان كان مستنده مجرد التعامل فشتان ما بين الفلوس والأوراق جنسا وقيمة فان النحاس نوع من المعدن الشامل للذهب والفضة فنسبته اليهما أقرب من نسبته الى الكاغد واما الكاغد فأصله النبات فالكاغد من حيث هو بقطع النظر عما اتصف به من المعاملة هو من عروض التجارة وما أكثر الفرق بينهما من جهة القيمة فان العملة النحاسية قليلة القيمة جدا فهي متممة للمعاملةبالدرهم بخلاف تلك الأ وراق فان مضمونها قد يكون ألف دينار أو أكثر وأيضا أن الدراهم والدنانير فيها ختم السلطان ويجرى بها التعامل فما الحامل لالحاق الاوراق بالعملة النحاسية دونهما مع اتصاف الكل بذلك.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"فقياس الشيخ محمد عليش لها على الفلوس النحاسية قياس مع الفارق ومخالف لشرط القياس فان شرط المقيس عليه ان لا يكون فرعا اي مثبتا بالقياس بل باجماع أو نص وعدم الزكاة في الفلوس ليس ثابتا بنص ولا اجماع لأن الشافعي وأبا حنيفة يخالفان مالك وأحمد فيها فأوجب الأولان الزكاة اعتبارا على تعلقهما بقيمتهما فلو كان الأصل المقيس عليه وهو الفلوس ثابتا بنص أو اجماع لما ساغ فيه الخلاف تي وكلها تدل دلالة واضحة على ان قياسها على العملة النحاسية وغيرها خطأ ظاهرالبطلان وكذلك جعلها من التجارة مثله في الخطأ وعدم التأمل في صحة القياس.\rالثاني : ان العملة المعدنية لايشترط فيها دفع قيمتها وليست متمولة بمال في ذاتها، بخلاف الكاغذ فإن القصد ليس بذاته بل القصد لما رقم عليه من المال فلا يقاس احدهما على الأخر.\rالثالث : أنه اذا أفلس من أصدر هذه الأوراق لايكون لها من القيمة إلا ما يمكن أن ينالها من أموال المفلس اذا قسمت بين الغرماء فلو كانت المعاملة بشخص الأوراق كما هو الحال بالعملة النحاسية وغيرها من العملة المعدنية لما نقصت قيمتها بإفلاس مصدرها.\rالرابع : ان المحاكم الوضعية الاصطلاحية قد جرى التعامل فيها بأنها عند التحاكم تحكم على مصدر هذه الأوراق بدفع قيمتها لحاملها لو تأخر عن الدفع اذا كان اصدارها من البنوك أو الشركات كما ستعمله وليس شيء من العملة مطلقا سواء كانت من النحاس أو من الذهب والفضة يوجب على الحاكم أن يلزم مصدرها بدفع قيمتها بل الموجب له الزامه بدفع عينها.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"والذي استقر عليه الأمر عندنا أن ما تضمنه الصكوك إنما هو دين على من أصدرها فيحكم عليه بحكم الدين ليس إلا، ولا عبرة بقول من قال إنها تزكى زكاة عروض التجارة لأن قيمتها بذاتها ليست مقصودة، وإنما المقصود الدين الذي صرح به في ضمنها، نعم إن لنا أوراقا لا ينبغي أن يختلف في كونها عروض تجارة وهي التي تكتب بخط حسن ويجعل لها إطار حولها وفوقها صحيفة من بلور وتعلق على الجدران للزينة وما يكتب بخط بديع مطلقا للمغالاة به والتنافس وما يرسم لمعرفة الجغرافية من صور البحار ومعرفة مواقع الممالك وطرقاتها وأمثال ذلك مما له قيمة في ذاته وأحيانا تبلغ قيمة الورقة منها دنانير فكل هذا وأمثاله من عروض التجارة يزكى إذا بلغت قيمته في ذاته نصابا إذا كان للتجارة. اهـ.\rوأيضا فإن الزكاة كما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة تؤخذ من الأغنياء فترد إلى الفقراء والناس في هذا العصر يعد منهم غنيا من يملك قدر النصاب من هذه الأوراق ولا يجوز في نظر أحد أن يدفع له من مال الزكاة باعتباره فقيرا لكونه لا يملك ذهبا ولا فضة\rوثم أي في النظر وجوه أخر وكلها تدل دلالة واضحة على أن قياسها على العملة النحاسية وغيرها خطأ ظاهر البطلان وكذلك جعلها من عروض التجارة مثله في الخطأ وعدم التأمل في صحة القياس.\r\rزكاة أسهم الشركات\rالأسهم حقوق ملكية جزئية لرأس مال كبير للشركات المساهمة وكل سهم جزء من أجزاء المتساوية لرأس المال والسهم تنتج جزءا من ربح الشركة يزيد أو ينقص تبعا لنجاح الشركة ويتحمل قسطه من الخسارة وتجب الزكاة في هذه الأسهم لأن ما يملكه المسلم في شركة من الأسهم يعد مالا ناميا ونماء المال هو مدار وجوب الزكاة إلا ان في كيفية زكاتها تفصيلا كما يلي :","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"اذا كانت الأسهم تتخذ للتجارة بها بيعا وشراءا أي ان مقتنيها تاجر أسهم فإنها تجرى فيها زكاة عروض التجارة ومقدارها ربع العشر في قيمتها بحسب القيمة السوقية كالعروض التجارية في كل عام (أي : بنسبة اثنين ونصف في المائة (2،5 %) من قيمتها)\rواذا كان صاحبها لا يقصد التجارة فيها بل اقتناها لأخذ غلتها من الأرباح السنوية أو الموسمية التي توزعها شركتها فالزكاة انما تجب في غلاتها بعد كل النفقات والقدر الواجب اخراجه هو عشر الصافي من الغلة التي توزعه الشركة كل ما قبض اي بنسبة عشرة في المائة من الغلة دون نظر الى حولان الحول ولا الى القيمة السوقية للسهم . (فتاوى مصطفى زرقاء صفحة 125 وفتاوى الشيخ متولي الشعراوي صفحة 277)\r\rوضع الجزية وعدم من يقبل الزكاة والصدقة بنزول عيسى عليه السلام\rلا يسوغ لمن انضوى تحت راية الإسلام وانتسب للحنيفية البيضاء أن ينكر رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزوله آخر الزمان إلى الأرض و قتله الدجال ومكثه حاكما فيها بشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سنين ثم موته كما صح واستفاض من الأحاديث الأتية ونصوص العلماء فمن ذلك :\rالدر المنثور [ جزء 4 - صفحة 176]\r( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) (33)\rوأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن جابر رضي الله عنه في قوله ليظهره على الدين كله قال : لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني صاحب ملة إلا الإسلام حتى تأمن الشاة الذئب والبقرة الأسد والإنسان الحية وحتى لا تقرض فأرة جرابا وحتى توضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير وذلك إذا نزل عيسى بن مريم عليه السلام.\rالدر المنثور [ جزء 7 - صفحة 460]","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ).\rأما قوله تعالى : ( حتى تضع الحرب أوزارها )\rفأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله حتى تضع الحرب أوزارها قال : حتى يخرج عيسى بن مريم عليه السلام فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة وتأمن الشاة من الذئب ولا تقرض فأرة جرابا وتذهب العداوة من الناس كلها ذلك ظهور الإسلام على الدين كله وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دما إذا وضعها\rصحيح البخاري - (ج 11 / ص 266)\rحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا )","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : الدجال أول من يتبعه سبعون ألفا من اليهود، عليهم السيجان، و معه سحرة اليهود يعملون العجائب ويرونها الناس فيضلونهم بها، وهو أعور، ممسوح العين اليمنى، يسلطه الله على رجل من هذه الأمة فيقتله، ثم يضربه فيحييه، ثم لايصل إلى قتله، ويسلط على غيره، وتكون آية خروجه تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتهاونا بالدماء وإذا ضيعوا الحكم، وأكلوا الربا، وشيدوا البناء، وشربوا الخمور، واتخذوا القيان، ولبسوا الحرير، وأظهروا بزة آل فرعون، ونقضوا العهد، وتغقهوا لغير الدين، وزينوا المساجد، وخربوا القلوب، وقطعوا الأرحام، وكثرت القراء، وقلت الفقهاء، وعطلت الحدود، وتشبه الرجال بالنساء و النساء بالرجال، فتكافى الرجال بالرجال والنساء بالنساء : بعث الله عليهم الدجال فسلط عليهم حتى ينتقم منهم، وينحاز المؤمنون إلى بيت المقدس .\rقال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فعند ذلك ينزل أخي عيسى ابن مريم من السماء على جبل أفيق، إماما هاديا، وحكما عادلا، عليه برنس له، مربوع الخلق، صلت الجبين، سبط الشعر، بيده حربة، يقتل الدجال، فإذا قتل الدجال تضع الحرب أوزارها، فكان السلم، فيلقى الرجل الأسد فلايهيجه، ويأخذ الحية فلا تضره، وتنبت الأرض كنباتها على عهد آدم، ويؤمن به أهل الأرض، ويكون الناس أهل ملة واحدة». (كنز العمال 7\\268 )","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"فالمسلم حقا لا يرتاب في اعتقاده هذه ولا يتردد فيه لأن العقل السليم لا يحيل رفعه وبقائه حيا إلى آخر الزمان فلذا قال العلامة السفاريني من الحنابلة في لوامع الأنوار البهية (2\\93،95): \"قد أجمعت الأمة على نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لايعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية، وليس ينزل بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء، وإن كانت النبوة قائمة به، وهو متصف بها\" .\rوالحكمة في نزول عيسى عليه الصلاة والسلام أخر الزمان والخصوصية به من وجوه :\rالأول: للرد على اليهود في زعمهم الباطل أنهم قتلوه وصلبوه فبين الله تعالى كذبهم وأنه هو الذي يقتلهم.\rالثاني: لأجل دنو أجله ليدفن في الأرض إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غير التراب.\rالثالث: لأنه دعا الله تعالى لما رأى صفة محمد وأمته أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حيا حتى ينزل في آخر الزمان ويجدد أمر الإسلام فيوافق خروج الدجال فيقتله.\rالرابع: لتكذيب النصارى وإظهار زيفهم في دعواهم الأباطيل وقتله إياهم.\rالخامس: أن خصوصيته بالأمور المذكورة لقوله أنا أولى الناس بابن مريم ليس بيني وبينه نبي وهو أقرب إليه من غيره في الزمان وهو أولى بذلك لأن عيسى عليه السلام بشر بأن رسول الله يأتي من بعده ودعا الخلق الى تصديقه والاتباع له اهـ (عمدة القاري جزء 16 - صفحة 38) .\r\rشكاية القرآن إلى ربه","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"إن القرآن الكريم كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ )(1) مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ »(2)\r__________\r(1) . سورة الجن : 1 – 2\r(2) . سنن الترمذي - (ج 10 / ص 147)، وفي تحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 225) :\r\rعَنْ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ الْحَارِثِ قَالَ مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ قَالَ وَقَدْ فَعَلُوهَا قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ فَقُلْتُ مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ } مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.\rقَوْلُهُ : ( فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ ) أَيْ أَحَادِيثِ النَّاسِ وَأَبَاطِيلِهِمْ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْحِكَايَاتِ وَالْقَصَصِ وَيَتْرُكُونَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَمَا يَقْتَضِيه مِنْ الْأَذْكَارِ وَالْآثَارِ، ( وَقَدْ فَعَلُوهَا ؟ ) ( سَتَكُونُ فِتْنَةٌ ) أَيْ عَظِيمَةٌ . قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ : يُرِيدُ بِالْفِتْنَةِ مَا وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أَوْ خُرُوجَ التَّتَارِ أَوْ الدَّجَّالِ أَوْ دَابَّةِ الْأَرْضِ اِنْتَهَى . ق ( قَالَ كِتَابُ اللَّهِ) أَيْ طَرِيقُ الْخُرُوجِ مِنْهَا تَمَسُّكُ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ ( وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ ) وَهِيَ الْأُمُورُ الْآتِيَةُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ وَفِي الْعِبَارَةِ تَفَنُّنٌ ( وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ) أَيْ حَاكِمٌ مَا وَقَعَ أَوْ يَقَعُ بَيْنَكُمْ مِنْ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ . وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَسَائِرِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ( وَهُوَ الْفَصْلُ ) أَيْ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ( لَيْسَ بِالْهَزْلِ ) أَيْ جِدٌّ كُلُّهُ، وَحَقٌّ جَمِيعُهُ لَا يَأْتِيه الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ . وَالْحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ( مَنْ تَرَكَهُ ) أَيْ الْقُرْآنَ إِيمَانًا وَعَمَلًا ( مِنْ جَبَّارٍ ) بَيَّنَ التَّارِكَ بِمِنْ جَبَّارٍ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى التَّرْكِ إِنَّمَا هُوَ التَّجَبُّرُ وَالْحَمَاقَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ : مَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِآيَةٍ أَوْ بِكَلِمَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِمَّا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ أَوْ تَرَكَ قِرَاءَتَهَا مِنْ التَّكَبُّرِ كُفْرٌ، وَمَنْ تَرَكَ عَجْزًا أَوْ كَسَلًا أَوْ ضَعْفًا مَعَ اِعْتِقَادِ تَعْظِيمِهِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، أَيْ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَلَكِنَّهُ مَحْرُومٌ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ( قَصَمَهُ) أَيْ أَهْلَكَهُ أَوْ كَسَرَ عُنُقَهُ، وَأَصْلُ الْقَصْمِ الْكَسْرُ وَالْإِبَانَةُ ( وَمَنْ اِبْتَغَى الْهُدَى ) أَيْ طَلَبَ الْهِدَايَةَ مِنْ الضَّلَالَةِ ( فِي غَيْرِهِ ) مِنْ الْكُتُبِ وَالْعُلُومِ الَّتِي غَيْرُ مَأْخُوذَةٍ مِنْهُ وَلَا مُوَافَقَةٍ مَعَهُ ( أَضَلَّهُ اللَّهُ ) أَيْ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى وَأَوْقَعَهُ فِي سَبِيلِ الرَّدَى ( وَهُوَ ) أَيْ الْقُرْآنُ ( حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ) أَيْ الْحُكْمُ الْقَوِيُّ ( وَهُوَ الذِّكْرُ ) أَيْ مَا يُذْكَرُ بِهِ الْحَقُّ تَعَالَى، أَوْ مَا يَتَذَكَّرُ بِهِ الْخَلْقُ، أَيْ يَتَّعِظُ، ( الْحَكِيمُ ) أَيْ ذُو الْحِكْمَةِ ( هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ) أَيْ لَا تَمِيلُ عَنْ الْحَقِّ ( بِهِ ) أَيْ بِاتِّبَاعِهِ ( الْأَهْوَاءُ ) أَيْ الْهَوَى إِذَا وَافَقَ هَذَا الْهُدَى حُفِظَ مِنْ الرَّدَى، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَصِيرُ بِهِ مُبْتَدِعًا وَضَالًّا، يَعْنِي لَا يَمِيلُ بِسَبَبِهِ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ لَا يَقْدِرُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ عَلَى تَبْدِيلِهِ وَتَغْيِيرِهِ وَإِمَالَتِهِ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ تَحْرِيفِ الْغَالِينَ وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ، فَالْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ، وَقِيلَ الرِّوَايَةُ مِنْ الْإِزَاغَةِ بِمَعْنَى الْإِمَالَةِ وَالْبَاءُ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ، أَيْ لَا تُمِيلُهُ الْأَهْوَاءُ الْمُضِلَّةُ عَنْ نَهْجِ الِاسْتِقَامَةِ إِلَى الِاعْوِجَاجِ وَعَدَمِ الْإِقَامَةِ، كَفِعْلِ الْيَهُودِ بِالتَّوْرَاةِ حِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ، قَالَ تَعَالَى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } (وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ) أَيْ لَا تَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ أَلْسِنَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ قَالَ تَعَالَى: { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك } { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ } (وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ) أَيْ لَا يَصِلُونَ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِكُنْهِهِ حَتَّى يَقِفُوا عَنْ طَلَبِهِ وُقُوفَ مَنْ يَشْبَعُ مِنْ مَطْعُومٍ بَلْ كُلَّمَا اِطَّلَعُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ حَقَائِقِهِ اِشْتَاقُوا إِلَى آخَرَ أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا فَلَا شِبَعَ وَلَا سَآمَةَ ( وَلَا يَخْلُقُ ) مِنْ خَلُقَ الثَّوْبُ إِذَا بَلِيَ، وَكَذَلِكَ أَخْلَقَ ( عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ )، أَيْ لَا تَزُولُ لَذَّةُ قِرَاءَتِهِ وَطَرَاوَةُ تِلَاوَتِهِ، وَاسْتِمَاعُ أَذْكَارِهِ وَأَخْبَارِهِ مِنْ كَثْرَةِ تَكْرَارِهِ .( وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ ) أَيْ لَا تَنْتَهِي غَرَائِبُهُ الَّتِي يُتَعَجَّبُ مِنْهَا ( هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ ) أَيْ لَمْ يَقِفُوا وَلَمْ يَلْبَثُوا ( إِذْ سَمِعَتْهُ ) أَيْ الْقُرْآنَ ( حَتَّى قَالُوا ) أَيْ لَمْ يَتَوَقَّفُوا وَلَمْ يَمْكُثُوا وَقْتَ سَمَاعِهِمْ لَهُ عَنْهُ بَلْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ لَمَّا بَهَرَهُمْ مِنْ شَأْنِهِ، فَبَادَرُوا إِلَى الْإِيمَانِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَاهَةِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، وَبَالَغُوا فِي مَدْحِهِ حَتَّى قَالُوا { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } أَيْ شَأْنُهُ مِنْ حَيْثِيَّةِ جَزَالَةِ الْمَبْنَى، وَغَزَارَةِ الْمَعْنَى { يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ } أَيْ يَدُلُّ عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ أَوْ يَهْدِي اللَّهُ بِهِ النَّاسَ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ { فَآمَنَّا بِهِ } أَيْ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْإِيمَانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ( مَنْ قَالَ بِهِ ) مَنْ أَخْبَرَ بِهِ ( صَدَقَ ) أَيْ فِي خَبَرِهِ، أَوْ مَنْ قَالَ قَوْلًا مُلْتَبِسًا بِهِ، بِأَنْ يَكُونَ عَلَى قَوَاعِدِهِ، وَوَفْقَ قَوَانِينِهِ وَضَوَابِطِهِ صَدَقَ ( وَمَنْ عَمِلَ بِهِ) أَيْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ( أُجِرَ ) أَيْ أُثِيبَ فِي عَمَلِهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَسِيمًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُثُّ إِلَّا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ ( وَمَنْ حَكَمَ بِهِ ) أَيْ بَيْنَ النَّاسِ (عَدَلَ) أَيْ فِي حُكْمِهِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْحَقِّ ( وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ : رُوِيَ مَجْهُولاً أَيْ مَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْقُرْآنِ وُفِّقَ لِلْهِدَايَةِ، وَرُوِيَ مَعْرُوفًا كَأَنَّ الْمَعْنَى مَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ هَدَاهُمْ. اِنْتَهَى.","part":1,"page":25},{"id":26,"text":".\rوإنه لمعجزة أبدية مستمرة على ممر الزمان وقد تكفل الله بنفسه ان يحفظ هذا القرآن من التحريف والتغيير وهو أحد اثنين تركهما لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تمسكنا بهما لن نضل أبدا وأوجب الله ورسوله على المسلمين بتمسكه والعمل بمضامينه ولا شك ان التمسك والعمل يتوقف على فهم معانيه وقد اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي على الناس زمان يكون فيه ذهاب العلم فلا يعرفون معاني القرآن ولا يفهمونها وان قرءوه وأقرءوه فيقرءون القرآن ولا يبلغ حناجرهم وقد تحقق هذا المظهر في زماننا الحاضر من غير نكير فإن كثيرا ممن قرأ هذا القرآن وحفظه هو الجاهلون الذين لا يعرفون من الدين الا أماني وان هم الا يظنون ولا يكون لهم علم باللغة العربية التي هي الوسيلة الفريدة لفهم معاني القرآن بل وكثير ممن يشتغل بحفظ هذا القرآن هم النساء الجاهلات وكيف يعمل الإنسان بهذا القرآن وهو لا يفهم معانيه ؟ وكيف يزداد إيمانه اذا تليت عليه أياته وهو لا يعقل مراده ؟ . فعند ذلك يرفع القرآن الى السماء ويشكو الى ربه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: « يأتي على الناس زمان يرسل إلى القرآن ويرفع من الأرض وفي رواية يسرى على القرآن في ليلة فينسخ من القلوب والمصاحف له دوي حول العرش كدوي النحل يقول: أتلى ولا يعمل بي». (الدر المنثور؛جـ:5/صـ:335).\rوقال في رواية أخرى: « لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث جاء له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الله عز وجل : مالك فيقول منك خرجت وإليك أعود أتلى ولا يعمل بي » (روح المعاني جزء 15 - صفحة 165)\r\rوجوب اتباع العلماء\rفي نصوص كتبهم المذهبية من غير تعصب","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"قد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العلماء ثقات عدول وأوضح ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فأخبر عليه السلام أن حملة العلم في كل أوان هم عدول أهل ذلك القرن والزمان وصيانته وعدالة ناقليه وأن الله تعالى يهيئ لهذا العلمي الشريع في كل عصر خلفاء رسوله صلى الله عليه وسلم من العدول يحملونها وهم الحافظون لكتاب الله القائمون بشرع رسول الله عليه صلوات الله وهم الموضحون لحكم الله والناصرون لدينه والمأمور بلزوم جماعتهم وترك مفارقتهم ومنازعتهم فمن عصاهم فقد عصى الله ومن أطاعهم فقد أطاع الله إذ هم وراث رسل الله عليهم الصلاة والسلام فمخالفُهم مارق من دائرة السنة والجماعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. قال البخاري: هم العلماء. والعلماء أيضا هم المسمون في كتاب الله بأولي الأمر المأمور بطاعتهم في السرّ والجهر. قال الله تعالى: ( يآأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) قال أعيان المفسرين وأولوا الأمر، هم العلماء والفقهاء فيجب على الناس أن يقلدوهم في أديانهم ويتبعوهم في شرائعهم فيهتدون بهداهم ويعملون بفتواهم وأن يتيقنوا أن الحق مع الطائفة الذين كانوا على خطة السلف الصالح فإنهم السواد الأعظم وهم الموافقون علماء الحرمين الشريفين وعلماء الأزهر الشريف الذين هم قدوة رهط أهل الحق وفيهم علماء لا يمكن استقصاء جميعهم مع انتشارهم في الأقطار والآفاق كما لا يمكن إحصاء نجوم السماء. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ إلى النار» [رواه الترمذي]، زاد ابن ماجه: «وإذا وقع الاختلاف فعليك بالسواد الأعظم مع الحق وأهله»، وفي الجامع الصغير: «إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة».","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"وأكثرهم أهل المذاهب الأربعة فكان الإمام البخاري شافعيا أخذ عن الحميدي والزعفراني والكرابيسي وكذلك ابن خزيمة والنسائيي وكان الإمام الجنيد ثوريّا والشبلي مالكيّا والمحاسبي شافعيّا والجريري حنفيّا والجيلاني حنبليّا والشاذلي مالكيّا. فالتقيّد بمذهب معيّن أجمع للحقيقة وأقرب للتبصّر وأدعى للتحقيق وأسهل تناولا وعلى هذا درج الأسلاف الصالحون والشيوخ الماضون رضوان الله عليهم أجمعين.\rفعلى المسلمين أن يعتصموا بحبل الله جميعا وأن لا يتفرقوا وأن يتبعوا الكتاب والسنة وما كان عليه علماء الأمة كالإمام أبي حنيفة ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فهم الذين قد انعقد الإجماع على امتناع الخروج عن مذاهبهم وأن يعرضوا عما أحدث من الجمعيّات والمذاهب الحديثة المخالفة لما كان عليه الأسلاف الصالحون. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شذ شذ إلى النار» وأن يكونوا مع الجماعة التي على طريقة الأسلاف الصالحين. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن ؛ السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإٍسلام عن عنقه»، وقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة.\rقال الشيخ العلامة محمد هاشم أشعري مؤسس نهضة العلماء رحمه الله تعالى في رسالته عن أهل السنة والجماعة وعن أشراط الساعة وهي من تآليفه القديمة قبل أن يؤسس تلك الجمعيّة الشهيرة الكبيرة:","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"يجب عند جمهور العلماء المحققين على كل من ليس له أهلية الاجتهاد المطلق وإن كان قد حصل بعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد تقليد قول المجتهدين والأخذ بفتواهم ليخرج عن عهدة التكليف بتقليد أيّهم شاء لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فأوجب السؤال على من لم يعلم وذلك تقليد لعالم وهو عام لكل المخاطبين ويجب أن يكون عاما في السؤال عن كل ما لا يعلم للإجماع على أن العامة لم تزل في زمان الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين ويتبعونهم في الأحكام الشرعيّة والعلماء فإنهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير فكان إجماعا على اتباع العامي للمجتهد ولأن فهم العامي من الكتاب والسنة ساقط عن حيز الاعتبار إن لم يوافق أفهام علماء أهل الحق الأكابر الأخيار فإن كل مبتدع وضال يفهم أحكامه الباطلة من الكتاب والسنة ويأخذ منهما والحال أنه لا يغني من الحق شيئا. ولا يجب على العامي التزام مذهب في كل حادثة ولو التزم مذهبا معينا كمذهب الشافعي رحمه الله تعالى لا يجب عليه الاستمرار بل يجوز له الانتقال إلى مذهب غيره والعامي الذي لم يكن له نوع نظر واستدلال ولم يقرأ كتابا في فروع المذهب إذا قال: أنا شافعيّ لم يعتبر هذا كذلك بمجرد القول وقيل: إذا التزم العامي مذهبا معينا يلزمه الاستمرار عليه لأنه اعتقد أن المذهب الذي انتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بموجب اعتقاده. وللمقلد تقليد غير إمامه في حادثة فله أن يقلد إماما في صلاة الظهر مثلا ويقلد إماما آخر في صلاة العصر والتقليد بعد العمل جائز. ولو صلّى شافعيّ ظن صحة صلاته على مذهبه ثم تبين بطلانها في مذهبه وصحتها على مذهب غيره فله تقليده ويكتفي بتلك الصلاة. انتهى.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"قال الشيخ محمد حامد في كتابه [لزوم اتباع مذاهب الأئمة]: يطيب لبعض الناس أن يتشاغبوا على المذاهب المتبعة، التي استنفذ أصحابها وسعهم في استنباط الأحكام من منابعها الأصلية وفي تركيز القواعد الشرعية العامة، التي تنبني عليها جزئيات الأحكام، وفرعيات التكاليف، وبذا عظمت النعمة الإلهية علينا بكثرة الثورة العلمية، ووفرة المعرفة الدينية، فأصبح صرح التشريع الإسلامي مشيد البناء، شامخا إلى العلاء، بعيدا عن الفوضى التي شاعت في الأمم قبلنا، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (1).\rلكن هذا الفريق من الناس يعمدون إلى زعزعة الثقة بها، ويدعون إلى اجتهاد جديد مماثل، ولو لم يكن لاستيفاء شروطه بإطلاقها مكان في الوجود الآن، ليزعم القاصرون في عقولهم وفي علومهم أنهم أهله وحملة لوائه، وأن لهم أن يجتهدوا كما اجتهد الأولون، مستدركين على مذاهبهم أمورا هم مقصرون بزعمهم فيها، وهم من أجل هذا يعمدون إلى نشر كلمات مخلصة ألقاها الأئمة رحمهم الله تعالى إبراء لذممهم، وتخفيفا للعبء الديني عن كواهلهم، وإقصاء لجرائر السوء أن تنسحب بعدهم بسببهم، لكنهم ألقوها إلى الكاملين في مداركهم وعلومهم، ليحسنوا التصرف العلمي بها، فيقوّموا العوج في بعض الشؤن ما استطاعوا بفرض وجوده وتقدير حصوله، وذا كقول كل منهم رحمه الله تعالى : (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ونحو هذا مما سترى توليته وجهته الحسنة السليمة، إن شاء ألله.\rبيد أن بعض الرقعاء طلبوا له وزمروا، وقاموا ينعقون في الأوساط الساذجة بوجوب إعادة النظر في مقررات الأئمة، متمثلين بكلام هو في ذاته حق لكنهم أرادوا به باطلا.\r__________\r(1) . سورة الروم : 32","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"والذين علينا علمه والعمل به هو ما قرره فقهاءنا رحمهم الله تعالى من أن الاجتهاد المطلق في الأحكام ممنوع بعد أن مضت أربعمائة سنة من هجرة سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا ليس حجرا على فضل الله تعالى، أن يمنح ناسا من متأخري هذه الأمة مثل ما منح ناسا من متقدميها، كلا فإنه لا حجر على فضل ربنا سبحانه، ولكن لئلا يدعي الاجتهاد من ليس من أهله، فنقع في فوضى دينية واسعة، كالتي وقعت فيها الأمم من قبلنا. من أجل ذلك رأى العلماء الأتقياء اقفال هذا الباب إشفاقا على هذه الامة أن تقع في الخبط والخلط، باتباعها أدعياء الاجتهاد الذين ليست لهم مؤهلات المجتهدين، لا علما ولا ورعا ولا نورا ربانيا وتوفيقا إليها، وفتحا رحمانيا، كالذي فتحه الله على سابقينا، الذين كانوا مع هذا كله على قرب من زمن النبوة، والإسلام غض طري، لهم يعمل فيه الزمن عمله تكديرا لصفائه، وتغييرا لروائه.\rألا فليعلم الناس عموما والرقعاء منهم خصوصا أن المجتهد المطلق، من شرطه أن في العلم بالعربية كالعرب أنفسهم، قبل أن تدخلها العجمة لغته ليفهم النصوص الدينية من كتاب وسنة، فهما فهما صحيحا غير مشوب بالكدورة وعلى هذا ينبغي أن يصل إلى مستوى في فهم أساليب البيان العربي يفرق به بين الصريح والظاهر والمجمل والحقيقة والمجاز والعام والخاص والمحكم والمتشابه والمطلق والمقيد والنص ...إلخ.\rومن شرطه أن يكون عارفا بالكتاب القرآن الكريم معرفة تامة إذ هو أصل الأول في التشريع والبحر الزاخر في العلم. ومن شرطه أن يكون ملما بالسنة الشريفة، وهي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته لمن يفعل في حضوره شيئا فإن سكوته عليه علامة الجواز، إذ لوكان حراما لنهى عنه من إنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن العصيان ومنه الكتمان.","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"هذا الإلمام بالسنة الشريفة التي تتعلق بها الأحكام التشريعية، بوجه عام سليم بحيث يفرق بين صحيحها وضعيفها ليس متيسرا لكل أحد.\rومن شرط المجتهد أن يكون عارفا كل المعرفة بالناسخ والمنسوخ من الأحكام، لأن لا يعتمد المنسوخ دون الناسخ الذي استقر عليه العمل لأنه متأخر في الورود عن المنسوخ، والعبرة للمتأخر ورودا سنة كان أو كتابا.\rومن شرطه معرفة مواقع الإجماع لكيلا يخرج عنه فيكون متبعا غير سبيل المؤمنين. قال تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا )(1).\rومن شرطه أيضا معرفة القواعد الأصولية للكتاب الكريم والسنة الشريفة التي اصطلح عليها العلماء والفقهاء الأصوليون وما لم يعرفها المعرفة التامة كان قاصرا ولا يجدر به القعود في مقعد الاجتهاد المطلق وتسنم ذروته الرفيعة.\rوأن يكون في هذا معروفا بتلقي العلم عن أهله ومشهودا له بالتحقيق الدقيق، وغير مطعون عليه في علم أو عمل أو اعتقاد، بل يكون عدلا فاضلا كاملا قادرا على الغوص في لجج العلم وأعماقه ومكامن الحجج، وله من قوة المعرف بعلل الأحكام والاستنباط منها النصيب الأوفى والحظ الوفر ليقدر على قياس ما لا نص فيه على ما فيه نص، قياسا صحيحا غير منخدش.\rالأمة الإسلامية على وفرة عددها، لم ينبغ منها نبوغ الاجتهاد إلا عدد قليل لصعوبة ارتقاء درجه، وبلوغ الغاية فيه، فلنعرف لأنفسنا ضعفها ولنسر وراء الائمة، فذا أسلم وأعلم وأحكم.\rولا يدعي الاجتهاد المطلق في زمننا إلا ناقص العقل قليل العلم رقيق الدين. وقد رأينا بعض الحمقى الذين زعموا الاجتهاد لأنفسهم يطلعون علينا بالغرائب من الاستنباطات التي تستحق قبولا من عابد عاقل فضلا عن عالم عامل، ورحم الله امرأ عرف حده فوقف عنده.\r__________\r(1) . سورة النساء : 115","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"نعم، قد تعرض البعض الحوادث في زماننا هذا ممالم يعهده الناس من قبل فيتشوقون إلى معرفة أحكامها. والمخلص من الحيرة هو النظر في فروع الفقه وقواعده الكلية فإنه كفيل بتعريفنا بحكم الجديد من الحوادث، فلقد توسع أقدمونا من الفقهاء في تقدير الحوادث واستنباط أحكام لها فكتبوا كثيرا وكثيرا جدا حتى صار ما كتبوه بحور زاخرة، يغوص الغواصون إلى قعورها ويستخرجون منها دررا صافية جديرة بالإعجاب.\rعلى أنه لا مانع من الاجتهاد للتعرف غلى أحكام جزئية فردية طارئة، ولكن لا يتقنه إلا أفراد معدودون الآن تتمخض عنهم بلاد الإسلامي وأقطاره، وليس هو لكل من يرى نفسه عالما، أو يزعمه البسطاء من الناس عالما. وإنما أجزنا هذا لأن الإسلام كامل بذاته، وما من حادثة تقع تحت أديم السماء إلا وله حكم فيها، وقد قال الله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )(1).\rفلن يقف شرع الله الكامل جامدا أمام الحوادث لا يبدي حراكا، وقد نفى الله سبحانه وتعالى النقص عنه.\rفنحن ملتزمون مذاهبنا فيما عدا الحوادث الفاذة ولسنا مجتهدين، حتى نفتي من الأحاديث الشريفة ابتداء، فإن أنظار الأئمة أبعد وأعمق من أنظارنا القاصرة، قد أسرجو لنا الفقه وألجموه فما علينا أن نتبع إلا ما أقروه، كما لو أفتونا به وهم أحياء، لا سيما والأحاديث الشريفة، فيها صحيح الثبوت وفيها حسنه وفيها ضعيفه ومنها المنسوخ حكمه ومنه الموضوع المصنوع الذي لا أصل له فاقتحام لجة الاجتهاد مهلكة على الضعفاء.\rخل عند الأوهام يا أم عمرو\rكتب الله كل خير وبر\r\rودعينا من طيشك المعهود\rثابت في الوقوف عند الحدود\r__________\r(1) . سورة المآئدة : 3","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"ثم إن فتح باب الاجتهاد في هذا الزمن مؤذن بتعدد المجتهدين الأدعياء تعددا لا يحيط به حصر، إذ كل من آنس في نفسه – بزعمه – القدرة على الاجتهاد دعا إلى تقليده واتباعه، وهنا الكارثة الكبرى والمصيبة العظمى وتشتت الشمل وتفرق الجمع وتمزيق الوحدة، وكل ذا يستتبع من المصائب والبلايا ما يحرس كل عاقل على اجتناب الاخذ بأي سبب موصل إليه.\rاللهم الهمنا رشدنا وأعذنا من شر أنفسنا وأوقفنا عند حدود الأدب واصرف عنا الغرور واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك يا كريم آمين.\rهذه سنة المخلصين من العلماء والفقهاء فهي مكرمة أكرمهم الله بها. وإذا نظرنا إلى أن المجتهد ذو أطوار في اجتهاد وأنه قد تبين له اليوم من الدليل ما لم يتبين بالأمس، ازددنا يقينا بأن هذه الخطة وهي محض الرشاد وأنها واجبة الاتباع، لكن ما رجع عنه الأئمة مما كانوا قد اعتمدوه معروف لدى أصحابهم والأمناء من أرباب النقل عنهم عنهم، وكله مبسوط في كتب الفقه أي ما بسط، فلم يبق مجال بعدُ إلى الشغب على مذاهب بإلقاء الكوك فيها ونشر الريب لدى العامة البسطاء، فإنه يلقيهم في متاهات فكرية لاحدود لها فيخبطون في دينهم خط عشواء، يتلمسون معالم الطريق فلا يجدونها. ومن الحسن جدا أن نذكر همنا شيخنا الإمام الكوثري طيب الله ثراه في مكتوباته المطبوعة بعنوان (مقالات الكوثري) أن اللامذهبية قنطرة اللادينية، أي فهي تدفع إليها وتلقي غير المتمذهب في أحضانها فيمرق آخر الأمر من دينه فيخسر الخسران المبين، (وعلى نفسها جنت براقش) فليحذر الموفق هذا المجلات فإنه وخيم العاقبة سيئ المغبة.\rوسبب ذلك الضلال كله تشكيك مشكك فج الفكر. ناقص العلم قليل العقل وأهل مكة أدرى بشعابها وأهل الفقه أدرى بمذهب أئمتهم ما تقرر منها وما وقع الرجوع عنه، فليتق الله هؤلاء المشاغبون الذين يجادلون بغير روية وليبقوا على انفسهم لأن لا يظهر عوارهم أمام المحققين أساطين العلم وأعلام اليقين.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"فالذي أرجوه من المسلمين أن يلزموا الحق باتباع المذاهب الفقهية التي كتب الله لها البقاء، فذلك خير لهم من أن يميلوا إلى أدعياء الاجتهاد، الذين لم يكتملوا عقولا ولا علوما، ونسأل الله لنا ولهم الرشاد فإنهم إخوتنا في الدين وزملائنا في اليقين اللهم اهدنا واهدهم إلى الحق كلنا أجمعين. آمين.\rوينبغي أن يعلم أن تقليد مجتهد بخصوصه في الأعمال الفرعية واجب على القاصر عن مرتبة الاجتهاد المطلق، وهذا هو مذهب الأصوليين وجمهور الفقهاء والمحدثين. كذا في شرح الباجوري لجوهرة التوحيد، ودليلهم قوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (1) فقد أوجب السؤال على القاصر والأخذ بقول العالم المسؤول، وذا تقليد له من حيث وجوب أخذه بقوله. والحمد لله رب العالمين. اهـ.\rقال شيخي وشيخ أولادي السيد محمد بن علوي المالكي رحمه الله تعالى في كتابه «مفهوم التطوّر والتجديد»:\rوشريعتنا - بحمد الله - تساير كل عصر وتصلح لكل جيل وتدور مع واقع الحياة. وفي أصولها التشريعية القوة الكاملة التي تمدنا بتشريعات حية نامية متطورة تكفل للناس في مختلف بيئاتهم وتصورهم العدالة والاطمئنان والحياة الكريمة الطيبة.\rوقد استطاعت الشريعة أن تقدم الدليل على صلاحيتها وقدرتها عندما أتيح لها أن تطبق في دنيا الواقع، فكانت فترة تطبيقها فترة فاضلة توفرت فيها العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وارتفعت فيها المثل العليا منارة تضيئ لأجيال الإنسانية المقبلة سلم الخير والمجد، لقد نعم الناس بالحياة السعيدة وتفرغوا لحمل رسالة تحرير العالم كله من أغلال الظلم وكابوس الجعل وظلمات الضلال.\rوإن واقع الأمم الأخرى التي تعمل بأنظمة مغايرة لهذا الدين ليشهد لهذه الشريعة بالسمو والكمال، إذ تضطر هذه الأمم أن تتنازل عن بعض ما في تشريعها ونظامها، وأن تستعير من الإسلام أمورا عديدة.\r__________\r(1) . سورة النحل : 43","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"فالشريعة الإسلامية تتسع لكل ما يجدّ للناس من أقضية وتقوم بتنظيم شؤونهم والوفاء بحاجاتهم مهما تباعدت ديارهم وتباينت أجناسهم واختلفت عاداتهم وطباعهم، ولا يجحد ذلك إلا من سفه نفسه. ولكن لما كانت قضايا الناس ومسائلهم لا تقف عند حد ولا تدخل تحت حصر، كان من الجهل وقصر النظر طلب النص الصريح من القرآن والسنة الذي ينطبق على هذه الأمور المتجددة يوما بعد يوم.\rوهنا يتساءل الباحثون عن المسائل التي يمكن لهم فيها النظر والمراجعة والتغيير والتبديل والتي لا يمكن.\r... ويمكن أن تتضح هذه المسألة ويزول عنها أي إشكال إذا علم أن الأحكام في الشريعة الإسلامية من حلال وحرام ترجع إلى قاعدتين عظيمتين:\rالقاعدة الأولى:\rإدلة قطعية وصلت إلينا عن طريق قطعي، فهي قطعية الثبوت ويدخل تحت هذه القاعدة النصوص التي وصلت إلينا بشكل متواتر ولا تحتمل في دلالتها أكثر من معنى واحد، كالأمر بالصلاة والنهي عن الزنا.\rفهي مبادئ وأحكام قطعية لا يسع الناس المؤمن أن يجحدها أو يشك فيها ولا احتمال فيها ولا خفاء ولم يقع فيها خلاف بين الفقهاء.\rوهي أصول هذا الدين وأمهات الفضائل التي أجمع العالم الرشيد على حمدها واقتنع بجليل نفعها، ولذلك جعلها الله سبحانه وتعالى في عبارات جليلة واضحة ونصوص بينة لا تقبل تحريفا ولا تأويلا ولا جدلا ولا مراء وجعلها أم الكتاب التي يدور حولها كل ما جاء فيه من أحكام ويرجع إليها كل معاني عبارته ولم يعذر أحدا في الخروج عليها وحذر من التلاعب بتأويلها وتطويعها للأهواء والشهوات.\rالقاعدة الثانية:\rأدلة ظنية لم يتوفر القطع في طريق وصولها إلينا كأخبار الآحاد على اختلاف أنواعها أو لم يتوفّر القطع في دلالتها، كأن تدل على معنى مع احتمالها لمعنى آخر، وهذه يدخلها الاجتهاد والنظر ويدور المجتهد في فلك تفسيرها وبيان مدلولها فقد ولا يخرج إلى حد مخالفتها والخروج عليها بلا مبرر.","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"وهذه النقطة الدقيقة لا بد من ملاحظتها، فالنص قد يحتمل أكثر من معنى واحد دون أن يكون ثمة ما يقطع بصحة معنى واحد منها دون المعاني الأخرى.\rوالطريق الذي يترجح به هذا المعنى المستفاد على المعنى الآخر المستفاد من نص واحد، هو: الاجتهاد والنظر والبحث.\rكما أنه بالحبث والنظر والمراجعة يمكن ترجيح المعنى المرجوح في زمن آخر يقتضي ترجيحه لمصلحة.\rوهذه المرونة والتطور والمسايرة في الشريعة قد يفهمها قوم على غير المراد ويذهب بهم الوهم إلى تصور أن الإسلام لا يردّ شيئا مما يجدّ ويحدث كائنا ما كان مهما لاح لهم بزعمهم صلاحه وترائى لهم فلاحه في غير عرض على قواعد التشريع وركائز الأحكام ودلائله ثم في عدم تدقيق أيضا لهذا الذي يحدث هل النفع فيه حقيقي وهل صلاحه متأكد؟\rوالذي يجب في هذا هو تصحيح التصور وتصفية النظر والغوص على الحجج والدلائل إلى الأعماق حتى لا نقع في شر من حيث نريد الخير وكم من مريد للحق لن يصيبه. نعم، أن صدر الإسلام رحب ومجاله فسيح ولكنه ليس يلزم من هذا أن يتقبل كل جديد دون تحقيق بالقبول، حقا إن الإسلام يقبل أشياء ويرفض أشياء ففيه الحل والحرمة والوجوب والكراهة. فعلى المطالعين أن يعقلوا عن الكاتبين الإسلاميين - وفقهم الله - مرمى كلماتهم ومغزى عباراتهم من غير تسرع إلى التزام ما ليس مرادا مما قد سبق إلى الأوهام وتسوء به الأفهام.\rتحديد معنى الاجتهاد:","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"وتحديد معنى الاجتهاد في الإسلام ليس تضييقا بل هو ضبط لقواعده وحماية له لا بد منها وتنظيم لطرقه وترتيب لأصوله وتمييز لأفراده وإخراج للمتطفلين الأدعياء من الذين يحسبهم الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ولذلك يقرر أئمة الأصول أن الاجتهاد لما كان مرتبة عظمى شرعية ودرجة كبرى علية فإنه يحتاج إلى سعة في العلم وغزارة في المادة ومعرفة تامة بأنواع الأدلة الشرعية. ومن هنا كان مدعي الاجتهاد المطلق في هذه الأعصر الأخيرة ينبغي له أن يراجع نفسه ويتبصر في دعواه فقد يرى بعد التثبت أنه جاهل بمقدار الرتبة التي يدعيها أو جاهل بمقدار نفسه وهو في كل ذلك ليس معذورا وقد يأتي رجل يملأ شدقيه فخرا بدعوى الاجتهاد ويريد الاستنباط من الكتاب والسنة العربيين وهو لا يعرف قراءة العبارة سالمة من اللحن بل ولا يعرف علم النحو أصلا الذي هو مفتاح العربية فبالله كيف يصح من أمثال هؤلاء دعوى الاستنباط كاستنباط السلف الصالحين أو أن يكونوا في عداد المجتهدين.\rولسنا ندعى غلق باب الاجتهاد بل هو مفتوح على مصراعيه إلى يوم القيامة ولكن لمن كان أهلا لذلك وتحقق بأهلية الاستنباط وعرف ما يجب أن يعرفه من ناسخ ومنسوخ ومجمع عليه، فإن فضل الله واسع والمواهب منح والله ذو الفضل العظيم. نعم، قد يهب الله تعالى لبعض عباده فتحا في القرآن وفهما في السنة النبوية يؤهله لمراجعة بعض المسائل أو البحث في بعض القضايا أو استظهار فهم جديد أو الوصول إلى معرفة بعض الحقائق أو معرفة حكم بعض النوازل والوقائع وتأصيلها إلا أن ذلك لا يسمو به في مجموعه إلى درجة الاجتهاد المطلق بل يكون باحثا أو صاحب نظر ورأي فدعوى الاجتهاد ممن ليس أهلا له كلمة حق أريد بها باطل وموضوع فتنة عن حلية الحق عاطل. وتدليس للحق وتنفير عن متابعة السنة والجماعة ومخالفة للجمهور. اهـ.\rخاتمة","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"في هذا القرن أي القرن الرابع بعد الألف قد انتهى الأمر إلى ما هو عليه الغاية والنهاية من حيث إن حياة الإنسان قد انتهت إلى أمور وشؤون مبتدعة لا تعرف أمثالهما فيما قَبلُ، فالأمور قد تتبدل بمبتدعات خطيرة في ميادين ومراحل الأكوان الموجودة بظهور المعارف الحديثة فيما يتعلق بالتكنولوجية الحاضرة (1)\r__________\r(1) . هذه نماذج قليلة من مظاهر التطور المختلفة والمتنوعة في مجال الصناعات وتخطيط المدن أدبيا وعمرانيا التي سرت في حياة السلف الصالح رضوان الله عليهم، بل تجلى أكثر هذه المظاهر خلال القرن الأول من القرون الثلاثة التي هي عمر العصور الإسلامية المثلي بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم\rلقد كانت للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة أعرافهم وعاداتهم التي نشؤوا عليها وتعاملوا بها : فلما هاجروا إلى المدينة المنورة استقبلت هم بعادة غير التي مارسوها، وأحوال غير التي عرفوها، سواء ما يتعلق من ذلك باللباس والمسكن والظروف الناتجة عن الاحتكاك بالآخرين وضرورات مواجهتهم أو التعاون معهم، فأقبلوا إلى ذلك كله متعرفين ومتبصرين، ثم ركنوا إليه راضين ومتفاعلين.\r\rوكانوا في مكة لا يعرف جلهم المخيط من الثياب، فلما استقروا في المدينة وتسامع بهم أهل المدن الأخرى واحتكوا بهم، لبسوا الثياب المخيطة والحلل اليمانية والأعجمية الفاخرة... وكانت بيوتهم في مكة لا تعرف الكنف، فلما صاروا إلى المدينة اتخذوها ودعوا إليها : وكانوا لا يستعملوها الأطباق أو الأقداح الزجاجية ولا يعرفونها، وكان قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روي عن أنس رضي الله عنه في الصحيح من خشب غليظ. ثم عرفها الصحابة واتخذوها وشربوا فيها وكان صلى الله عليه وسلم لا يتختم طوال المدة التي قضاها في مكة ومعظم حياته التي أمضاها في المدينة المنورة، ثم لما قيل له إن الملوك لا يقرؤون كتابا إلا مختوما، اتخذ ختما من فضة نقشه ثلاثة أسطر : محمد رسول الله وصار يختم به الكتب وبقي صلى الله عليه وسلم سبع أو ثماني سنوات يخطب الجمعة في مسجده الشريف مستمدا إلى جذع، ثم جائته امرأة من الأنصار فيما رواه البخاري عن جابر فقالت له : يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا ؟ قال : إن شئت فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع له .. ولم يكونوا في مكة يعنون بكتابة ولا قراءة، فلما هاجر النبي ومعه أصحابه إلى المدينة ندّب أصحابه إلى تعلم الكتابة والقراءة، واتخذت لذلك مدرسة دار مخرمة بن نوفل ووظف رسول الله صلى الله عليه وسلم لمهمة تعليم الكتابة ونشرها بين أصحابه النساء والمشركين، كما هو معروف .. وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده باللبن، وسقفه بجريد النخل وترك أرضه متربة، فما جائت خلافة عثمان حتى كان مسجده هذا مشيدا بالحجارة والجص .. وكانت أزقة المدينة ضيقة وبيوتها منخفضة، فلما كانت خلافة عمر واتسعت الفتوحات ودخلت العراق في حظيرة الدولة الإسلامية، أخذ يخطط عمر لبناء الكوفة، ويحدد مقاييس جديدة لعرض الشوارع الرئيسية والأزقة القرعية ومدى ارتفاع البناء، تتناسب والأوضاع الحديثة، وتتفق مع التطور العمراني الجديد في تلك الأصقاع المتحضرة النائية ..","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"فلا يتمكن لأحد من الناس الحياد وعدم الانحياز عن المساهمة في سير هذه الأمواج الهائلة التي كادت أفكار الناس قد اشتبكت في شبكاتها المتسعة الأطراف فقليل جدا من أهل هذا القرن من له اهتمام بما يتعلق بالدين وبالدفاع عن مقدسات التعاليم الاسلامية الحقة فحقا أن هذه الطائفة من الغرباء الذين في حقهم يقول الرسول صلى لله عليه وسلم : « فَطُوْبى لِلْغُرَبَآء ِ»(1) حقا أنه لقد صدق الرسول صلى لله عليه وسلم في بعض أحاديثه : « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ »(2).\rإن القرآن إمام وإنه واعظ فكما أن هناك واعظا صامتا وهو الموت فإن القرآن واعظ ناطق بمعنى أن مستقره فى قلوب العلماء النابضة بذكر الله الذين هم ورثة الأنبياء، فقد انقرض أكابر العلماء فى هذا القرن ولم تزل الظروف الحالية تبرهن على وجوب الالتحاق والانتساب على ناشئي هذا العصر إلى العلماء وكتبهم ومناهجهم، فكلما ازدادت الأيام والأعوام ازدادت القلة والغرابة على من فى هذه المثابة.\rإن من أراد الثبات على تعاليم الدين فى مثل هذا العصر فلابد وأن يكون لديه مدارك ومعارف لم تكن معهودة فى الأيام السالفة فمثلا حال المسافر فى الطائرة كيف يكون عليه في صلواته؟ الى اين يتوجه ؟ وكيف تكون طهارته فهل يصلى الى حيث يتوجه على حد قوله تبارك وتعالى : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ )(3) ؟ وهل هو يتيمم كما كان بعض المذاهب أو هل يصلى لحرمة الوقت ؟\r__________\r(1) . (صحيح مسلم؛جـ:1/صـ:350)، (سنن الترمذي؛ جـ:9/صـ:218)، (سنن ابن ماجه؛ جـ:11/صـ:485)، (مسند أحمد؛ جـ:8/صـ:131).\r(2) . (صحيح مسلم؛ حـ. 3544؛ جـ:10/صـ:36)، (وسنن الترمذي؛ حـ. 2155؛ جـ: 8/صـ؛172)، (وسنن ابن ماجه؛ حـ. 10؛جـ:1/صـ:12)، (مسند أحمد؛ حـ. 14193؛جـ: 29/صـ:242).\r(3) . سورة البقرة : 115","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"وفى الطواف عند البيت مثلا لم يتمكن لأحد منهم أن يحترز من ملامسة أقدام الرجال والنساء من شدة التزاحم بينهم وبينهن مع أن ذلك عند مذهب الإمام الشافعي من مبطلات الطهارة التي هي من شروط الطواف.\rومن واجبات الحج المبيت بمنى : وبسبب كثرة الحجاج في هذا العصر لايتمكن لجميع الحجاج الوقوف فيه فكيف يكون حكم من يبيت بغير أرض منى ؟ إلى غير ذلك من المسائل الحادثة التي حدثت فى الوقت الحاضر مع أنه ورد فى الحديث إذا ظهرت البدع وسكت العالم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. إن القرآن لايتغير ولايأتيه التغيير أبدا وإن العمل به علي ما يقتضيه حكمه هو معنى الامتثال بامر الله والانزجار عما نهاه إلا أنه قد ظهر علينا كثير من الشرائع القرآنية لايتأتى العمل بمقتضاه لأنه قد انمحى وجود ذلك فى هذه الدنيا كعتق الرقبة على القاتل العامد وغيره أو بسبب تغير هذه الأمور المسببة عن أسبابها في علة الحكم كتعليق قدر الواجب في أنصبة الأموال الزكوية بين العشر ونصف العشر في الزراعة على السقي بماء السماء و بما هو أمثال الدواليب، وفى هذه الأيام - كما هو معروف - أن مؤنة الزراعة إنما ظهرت في التفاوت بين القلة والكثرة فيما يتعلق بتخصيب الأرض، فالأراضي أصبحت لاتصلح للزراعة إلا بالمواد المصنوعة بالوسائل الحديثة الكيماوية (الإسمنت) التى تحتاج إلى مؤنة كثيرة وهذا بخلاف الأراضي في الأزمنة السابقة التي يمكن تخصيبها بالسراجين وفضولات الحيوانات.\rمن هذا كله فقد ظهر لنا صدق التنبؤ النبوي فى الحديث: « لتنتقضن عرى الاسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فاولهن نقضا الحكم واخرهن الصلاة » (1).\r__________\r(1) . قد سبق تخريجه.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"صحيح أن وجوب العمل بمقتضى الأحكام القرآنية التي لم نستطع إنجازها لا يجوز تبديله أو تغييره إلا أن الواجب علينا العمل تجاهه بما أمكن. فمثلا فيما نبت في الأرض على من يتمذهب بمذهب الإمام الشافعي إنما تجب الزكاة منه فيما يقتات به ولا تجب في مثل الخضروات خلاف ما كان عليه بعض المذاهب الأُخر مع أن كثيرا من الخضروات والفواكه في هذا العصر أعظم إيرادا في الاقتصاد من الأقوات أو مساوية لها. قال الله تعالى : ( يَآ أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ اْلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا اْلخَبِيْثَ مِنْهُ تُنْفِقُوْنَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيْهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيْهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيْدٌ )(1). ففي (تفسير ابن كثير؛ جـ:1/صـ: 428): يعني الذهب والفضة ومن الثمار والزروع التي أنبتت لهم الأرض. وفي (الطبري؛ جـ:3/صـ:80): قوله أنفقوا من طيبات ما كسبتم أي زكّوا وتصدّقوا يقول يعني بذلك جل ثناءه زكوا من طيب ما كسبتم بتصرفكم إما بتجارة وإما بصناعة من الذهب والفضة ثم قال أنفقوا أيضا مما أخرجنا لكم من الأرض فتصدقوا وزكوا من النخل والكرم والحنطة والشعير ومما وجبت فيه الصدقة من نبات الأرض.\rوفي (التفسير الكبير؛ جـ:7/صـ:54) ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان0 ثم قال ويدل على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الارض.\rهذه الآية القرآنية اختلف في تفسيرها المفسرون، وباختلاف ذلك اختلفت المذاهب الأربعة – فهل بكل ذلك من الاختلاف بين العلماء المجتهدين وتغير أوضاع هذا العصر ينبغي على من هو القدوة لهذه الأمة أن يختار من الأقوال ما هو أصلح لهذه الأمة في العمل بمقتضى هذه الآية القرآنية على ما هو الأصلح والأقرب إلى تطبيق إحياء روح مجرى القواعد الشرعية مثل إيجاب زكاة الأوراق النقدية ؟.\r__________\r(1) . سورة البقرة : 267","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"وعلى مثل هذه الأوجه الفقهية في الزكاة أمر الجزية والفيئة والغنيمة والخراج وغيرها فقد لا يُوجد كل ذلك في البلاد الإسلامية. وماذا قلتم لهؤلاء السادة العلوية الذين حرم عليهم الأموال الزكوية بعد ما انعدمت حظوظهم من نحو الفيئ والغنيمة، ألا تحل لهم الأموال الزكوية ؟ ففي (الميزان الكبرى؛ جـ:2 /صـ:17 : وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول : تحريم الصدقة على بني هاشم وبني المطلب تحريم تعظيم وتشريف وتنزيه لهم عن أخذ أوساخ الناس لا إثم عليهم لو أخذوها. اهـ.(1)\r__________\r(1) . هذه نماذج قليلة من مظاهر التطور المختلفة والمتنوعةفي مجال الفتاوي التي سرت في حياة السلف الصالح رضوان الله عليهم، بل تجلى أكثر هذه المظاهر خلال القرن الأول من القرون الثلاثة التي هي عمر العصور الإسلامية المثلي بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن طوال عهد الصحابة من يمنع أحدا من تشييد بناء على أي أرض من أراضي مني بامتلاك أو استئجار، فلما كان عهد عمر بن عبد العزيز وكثر الحجيج، أرسل بكتاب إلى مكة ينهى فيه عن تشييد المباني بمنى توفيرا لراحة الحجيج .:\rولم نسمع أن في الصحبة من اعتد بشهادة الصبيان في أي نوع من أنواع الأقضية أو النزاعات . فلما كان عهد التابعين رأى عبد الرحمن بن أبي ليلى- الفقيه التابعي المشهور – إجازة شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراحات وتمزيق الثياب التي تكون بينهم في الملاعب مالم يتفرقوا لأن العدول من الناس قلما يحضرون ملاعب الصبيان أو يختلطون بهم، فلو توقفت صحة الشهادة مع ذلك عليهم لما انحلت مساكنهم التي فيما بينهم .\r... وقد استحدث فقهاء التابعين في أقضيتهم الشرعية مسائل وأحكاما لم يكن للصحابة عهد ولا علم بها، وحسبك من ذلك ما رواه ابن سعد عن صفيان عن أبي هاشم عن البحتري، قال : جئت إلى شريخ فقلت له : ما الذي أحدثت في القضاء ؟ فقال : إن الناس قد أحدثوا فأحدثت .\r\rوكان الصحابة رضوان الله عليهم ينزعون إلى التسليم بنصوص القرآن والسنة، لا سيما في أمور العقائد، دون أي اقتحام بالجدل إلى شيء منها، فإذا جاء من تجرأ وناقش وحاول أن يطرح شبهة تسللت إلى فكره ¸ انتهروه وأغلظوا عليه في القول ونسبوه إلى الابتداع .. فلما ازدهر عصر التابعين وراجت سوقهم العلمية وتناقص عدد الصحابة، واتسعت الفتوحات ودخل في الإسلام كثير من أصحاب الديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية والمانوية والزرادشتية، وهم يحملون في أدهانهم أثقالا من شبهات أديانهم وهرطقاتها – لم يكن بد من الإصغاء إلى شبههم ومشكلاتهم ورد غائلتها – عن عقولهم بالمنطق العلمي .وهذا ما أخذ جلّ الصحابة يفعلونه، فكم ناقش عبد الله بن عباس شبهات وأوهاما في رؤوس أشخاص جاؤوا يشكونها إليه، وكم ناقش علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في القضاء والقدر وأمور الجبر والاختيار، أدى عن المساجلات والمناقشة العلمية التي اقتحم غمارها كثير من التابعين، درأ للشبهات وحماية لأمور المسلمين أن يعلق بها الزغل، من أمثال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وعطاء بن أبي الرباح وسليمان بن يسار وطاوس بن كيسان وغيرهم ..ومن رجع إلى كتاب الأسماء والصفات للبيهقي رأى الكثير من المناقشات والاستدلالات المنطقية والتأويلات المجازية التي كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهدهم الأول يتورعون من الدخول فيها .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"هذا ما كتبت في هذه العجالة بعد ما رأيت في هذه الأكوان من التغيرات العظيمة التي كان من عواقبها ونتائجها ما لا بد من مجابهتها ومقابلتها بالوسائل التي تناسبها لأجل الدفاع عن مقدسات هذه الشريعة وإصلاح إجراءها في هذا العصر كما هو عليه رسالة أسلافنا السابقين وإلى الله أفوض أموري وما زلت أتذكر ما هو مضمون قوله تعالى : ( وَالَّذِيْنَ جَاهَدُوا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ اْلمُحْسِنِيْنَ )(1). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. والله أعلم\r\rكتبه بقلمه وبنانه\rالفقير ميمون زبير\rيوم الأحد 7 صفر 1428 هـ\rالموافق 25 فبرواري 2007 مـ.\r__________\r(1) . سورة العنكبوت : 69","part":1,"page":44}],"titles":[{"id":1,"title":"العلماء المجددون للشيخ ميمون-أصلي","lvl":1,"sub":0}]}