{"pages":[{"id":1,"text":"{ بسم الله الرحمن الرحيم } ؛ أَيْ : ابدؤوا أوِ افتتحوا بتسمية الله تيمُّناً وتبرُّكاً ، و \" الله \" : اسمٌ تفرَّد الباري به سبحانه ، يجري في وصفه مجرى أسماء الأعلام ، لا يُعرف له اشتقاق . وقيل : معناه : ذو العبادة التي بها يُقصد . { الرَّحمن الرَّحيم } : صفتان لله تعالى معناهما : ذو الرَّحمة ، [ أَي : الرَّحمة لازمةٌ له ] ، وهي إرادة الخير ، ولا فرق بينهما ، مثل : ندمانٍ ونديم .\r { الحمدُ لله } هو الثَّناء لله ، والشُّكرُ له بإنعامه . { ربِّ العالمين } : مالك المخلوقات كلِّها .\r { مالك يوم الدِّين } [ مأخوذٌ من المِلْك ، والمِلْك مأخوذٌ من المُلْك ، أَيْ ] : قاضي يوم الجزاء والحساب؛ لأنَّه متفرِّدٌ في ذلك اليوم بالحكم .","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"{ إيَّاك نعبدُ } أَيْ : نخصُّك ونقصدك بالعبادة ، وهي الطَّاعة مع الخضوع . { وإيَّاك نستعين } : ومنك نطلب المعونة .\r { اهدنا الصراط المستقيم } ، أَيْ : دُلَّنا عليه ، واسلكْ بنا فيه ، وثبِّتنا عليه .\r { صراط الذين أنعمتَ عليهم } بالهداية ، وهم قومُ موسى وعيسى عليهما السَّلام قبل أن يُغيِّروا نعمَ الله عزَّ وجلَّ . وقيل : هم الذين ذكرهم الله عزَّ وجلَّ في قوله تعالى : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم . . . . . } الآية . { غير المغضوب عليهم } ، أَيْ : غير الذين غضبتَ عليهم ، وهم اليهود ، ومعنى الغضب من الله تعالى : إرادةُ العقوبة . { ولا الضَّالين } ، أَيْ : ولا الذين ضلُّوا ، وهم النَّصارى ، فكأنَّ المسلمين سألوا الله تعالى أن يهديهم طريق الذين أنعم عليهم ولم يغضب عليهم ، كما غضب على اليهود ، ولم يضلُّوا عن الحقِّ كما ضلَّت النَّصارى .","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"{ الم } أنا الله أعلم .\r { ذلك الكتاب } أَيْ : هذا الكتاب ، يعني : القرآن . { لا ريبَ فيه } أَيْ : لا شكَّ فيه ، [ أَيْ ] : إنَّه صدقٌ وحقٌّ . [ وقيل : لفظه لفظ خبرٍ ، ويُراد به النهي عن الارتياب . قال : { فلا رفث ولا فسوق } ولا ريب فيه أنَّه ] { هدىً } : بيانٌ ودلالةٌ { للمتقين } : للمؤمنين الذين يتَّقون الشِّرْك . [ في تخصيصه كتابه بالهدى للمتقين دلالةٌ على أنَّه ليس بهدىً لغيرهم ، وقد قال : { والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر . . . . } الآية ] .","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"{ الذين يؤمنون } : يُصدِّقون { بالغيب } : بما غاب عنهم من الجنَّة والنَّار والبعث . { ويقيمون الصَّلاة } : يُديمونها ويحافظون عليها ، { وممَّا رزقناهم } : أعطيناهم ممّا ينتفعون به . { ينفقون } : يُخرجونه في طاعة الله تعالى .\r { والذين يؤمنون بما أُنزل إليك } نزلت في [ مؤمني ] أهل الكتاب يؤمنون بالقرآن ، { وما أنزل من قبلك } يعني : التَّوراة ، { وبالآخرة } يعني : وبالدَّار الآخرة { هم يوقنون } : يعلمونها علماً باستدلالٍ .\r { أولئك } يعني : الموصوفين بهذه الصِّفات . { على هدىً } : بيانٍ وبصيرةٍ { من ربِّهم } أَيْ : من عند ربِّهم ، { وأولئك هم المفلحون } : الباقون في النَّعيم المقيم .\r { إنَّ الذين كفروا } : ستروا ما أنعم الله عزَّ وجلَّ به عليهم من الهدى والآيات فجحدوها ، وتركوا توحيد الله تعالى { سواء عليهم } : معتدلٌ ومتساوٍ عندهم { أأنذرتهم } : أعلمتهم وخوَّفتهم [ { أم لم تنذرهم } ] أم تركت ذلك { لا يؤمنون } نزلت في أبي جهلٍ وخمسةٍ من أهل بيته ، ثمَّ ذكر سبب تركهم الإيمان ، فقال : \r { ختم اللَّهُ على قلوبهم } [ أَيْ : طبع الله على قلوبهم ] واستوثق منها حتى لا يدخلها الإيمان ، { وعلى سمعهم } [ أَيْ : مسامعهم حتى لا ينتفعوا بما يسمعون ، { وعلى أبصارهم } : ] على أعينهم { غشاوة } غطاءٌ فلا يبصرون الحقَّ ، { ولهم عذابٌ عظيمٌ } مُتواصل لا تتخلَّله فُرجةٌ .","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"{ ومنْ الناسِ مَن يقولُ آمنا بالله وباليوم الآخر . . . . } الآية ، نزلت في المنافقين حين أظهروا كلمة الإيمان ، وأسرُّوا الكفر ، فنفى الله سبحانه عنهم الإِيمان بقوله : { وما هم بمؤمنين } فدلَّ أنَّ حقيقة الإيمان ليس الإِقرار فقط .\r { يخادعون الله والذين آمنوا } أَيْ : يعملون عمل المخادع بإظهار غير ما هم عليه؛ ليدفعوا عنهم أحكام الكفر ، { وما يخدعون إلاَّ أنفسهم } لأنَّ وبال خداعهم عاد عليهم بإطلاع الله تعالى نبيَّه [ عليه السَّلام والمؤمنين ] على أسرارهم وافتضاحهم ، { وما يشعرون } : وما يعلمون ذلك .\r { في قلوبهم مرضٌ } شكٌ ونفاقٌ ، { فزادهم الله مرضاً } أَيْ : بما أنزل من القرآن فشكُّوا فيه كما شكُّوا في الذي قبله ، { ولهم عذابٌ أليم } : مؤلمٌ { بما كانوا يكذبون } بتكذيبهم آيات الله عزَّ وجلَّ ونبيَّه A . [ ومَنْ قرأ : \" يُكذِّبون \" فمعناه : يكذبهم في ادّعائهم الإيمان ] .\r { وإذا قيل لهم } [ لهؤلاء ] المنافقين : { لا تفسدوا في الأرض } بالكفر وتعويق النَّاس عن الإيمان { قالوا إنما نحن مصلحون } أَي : الذين نحن عليه هو صلاحٌ عند أنفسنا ، فردَّ الله تعالى عليهم ذلك ، فقال : \r { ألا إنَّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون } : لا يعلمون أنَّهم مُفسدون .","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"{ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النَّاس } هم أصحاب محمَّدٍ A { قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء } أَيْ : لا نفعل كما فعلوا ، وهذا القول كانوا يقولونه فيما بينهم ، فأخبر الله تعالى به عنهم .\r { وإذا لقوا الذين آمنوا } إذا اجتمعوا مع المؤمنين ، ورأوهم { قالوا آمنَّا } { وإذا خلوا } من المؤمنين وانصرفوا { إلى شياطينهم } : كبرائِهم وقادتهم { قالوا إنَّا معكم } [ أَيْ : على دينكم ] { إنَّما نحن مستهزئون } : مُظهرون غير ما نضمره .\r { اللَّهُ يستهزىءُ بهم } : يجازيهم جزاء استهزائهم { ويمدُّهم } : يُمهلهم ويطوِّل أعمارهم { في طغيانهم } : في إسرافهم ومجاوزتهم القدر في الكفر { يعمهون } يتردَّدون مُتحيِّرين .\r { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } : أخذوا الضَّلالة وتركوا الهدى { فما ربحت تجارتُهم } فما ربحوا في تجارتهم ، [ وإضافة الرِّبح إلى التجارة على طريق الاتساع ، كإضافة الإيضاء إلى النار ] . { وما كانوا مهتدين } فيما فعلوا .\r { مثلُهم كمثل الذي استوقد ناراً } أَيْ : حالهم في نفاقهم وإبطانهم الكفر كحالِ مَنْ أَوقد ناراً فاستضاء بها ، وأضاءت النَّار ما حوله ممَّا يخاف ويحذر وأمن ، فبينما هو كذلك إذ طُفئت ناره فبقي مُظلماً خائفاً مُتحيِّراً ، فذلك قوله تعالى : { ذهب الله بنورهم . . . } الآية ، كذلك المنافقون لمَّا أظهروا كلمة الإيمان اغترُّوا بها وأَمِنُوا ، فلمَّا ماتوا عادوا إلى الخوف والعذاب .","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"{ صمٌّ } لتركهم قبول ما يسمعون { بُكْمٌ } لتركهم القول بالخير { عُمْيٌ } لتركهم ما يُبصرون من الهداية { فهم لا يرجعون } عن الجهل والعمى إلى الإسلام ، ثمَّ ذكر تمثيلاً آخر فقال : \r { أو كصيِّبٍ } أو كأصحاب مطرٍ شديدٍ { من السَّماء } : من السَّحاب { فيه } : في ذلك السَّحاب { ظلماتٌ ورعدٌ } وهو صوت مَلَكٍ مُوكَّلٍ بالسَّحاب { وبرق } وهي النَّار التي تخرج منه . { يجعلون أصابعهم في آذانهم } يعني : أهل هذا المطر { من الصواعق } من شدَّة صوت الرَّعد يسدُّون آذانهم بأصابعهم كيلا يموتوا بشدَّة ما يسمعون من الصَّوت ، فالمطر مَثَلٌ للقرآن لما فيه من حياة القلوب ، والظُّلماتُ مَثَلٌ لما خُوِّفوا به من الوعيد وذكر النَّار ، والبرقُ مثلٌ لحجج القرآن وما فيه من البيان ، وجعل الأصابع في الآذان حذر الموت مثَلٌ لجعل المنافقين أصابعهم في آذانهم كيلا يسمعوا القرآن مخافةَ ميل القلب إلى القرآن ، فيؤدِّي ذلك إلى الإيمان بمحمَّدٍ A ، وذلك عندهم كفرٌ ، والكفر موتٌ . { واللَّهُ محيطٌ بالكافرين } مُهلكهم وجامعهم في النَّار .","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"{ يكاد البرقُ يخطف أبصارهم } هذا تمثيلٌ آخر ، يقول : يكاد ما في القرآن من الحجج يخطف قلوبهم من شدَّة إزعاجها إلى النَّظر في أمر دينهم { كلما أضاءَ لهم مشوا فيه } : كُلَّما سمعوا شيئاً ممَّا يُحبّون صدَّقوا ، وإذا سمعوا ما يكرهون وقفوا ، وذلك قولُه عزَّ وجلَّ : { وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } أَيْ : بأسماعهم الظَّاهرة ، وأبصارهم الظَّاهرة ، كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة حتى صاروا صُمَّاً عُمياً ، فليحذروا عاجل عقوبة الله سبحانه وآجلها ، ف { إنَّ الله على كل شيء قديرٌ } من ذلك .\r { يا أيُّها النَّاس } يعني : أهل مكَّة { اعبدوا ربَّكم } : اخضعوا له بالطَّاعة { الذي خلقكم } : ابتدأكم ولم تكونوا شيئاً { والذين من قبلكم } [ آباءكم ] [ وخلق الذين من قبلكم ] . أي : إنَّ عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوق وهو الصَّنم { لعلَّكم تتقون } لكي تتقوا بعبادته عقوبته أن تحلَّ بكم .\r { الذي جعل لكم الأرض فراشاً } بساطاً ، لم يجعلها حَزْنةً غليظةً لا يمكن الاستقرار عليها { والسماء بناءً } سقفاً { وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات } يعني : حمل الأشجار جميع ما ينتفع به ممَّا يخرج من الأرض { فلا تجعلوا لله أنداداً } : أمثالاً من الأصنام التي تعبدونها { وأنتم تعلمون } أنَّهم لا يخلقون ، والله هو الخالق ، وهذا احتجاجٌ عليهم في إثبات التَّوحيد ، ثمَّ احتجَّ عليهم في إثبات نبوَّة محمَّدٍ A به ، فقال : \r { وإنْ كنتم في ريب مما نزلنا } [ أي : وإن كنتم ] في شكٍّ من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمَّدٍ A ، وقلتم : لا ندري هل هو من عند الله أم لا { فأتوا بسورة } من مثل هذا القرآن في الإِعجاز ، وحسن النَّظم ، والإِخبار عمَّا كان وما يكون ، { وادعوا شهداءكم } واستعينوا بآلهتكم التي تدعونها { من دون الله إن كنتم صادقين } أنَّ محمداً تقوَّله من نفسه .\r { فإنْ لم تفعلوا } هذا فيما مضى ، { ولن تفعلوا } هُ أيضاً فيما يُستقبل أبداً { فاتقوا } فاحذروا أن تصلوا { النَّار التي وقودها } ما يُوقد به { الناسُ والحجارة } يعني حجارة الكبريت ، وهي أشدُّ لاتِّقادها { أعدَّت } [ خُلقت وهُيِّئت ] جزاءً { للكافرين } بتكذيبهم ، ثمَّ ذكر جزاء المؤمنين فقال : \r { وبشِّر الذين آمنوا } أَيْ : أخبرهم خبراً يظهر به أثر السُّرور على بشرتهم { وعملوا الصالحات } أَي : الأعمال الصَّالحات ، يعني الطَّاعات فيما بينهم وبين ربِّهم { أنَّ لهم } : بأنَّ لهم { جناتٍ } : حدائق ذات الشِّجر { تجري من تحتها } من تحت أشجارها ومساكنها { الأنهار } { كلما رزقوا } : أُطعموا من تلك الجنَّات ثمرةً { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } لتشابه منا يُؤتون به ، وأرادوا : هذا من نوع ما رُزقنا من قبل { وأتوا به متشابهاً } في اللَّون والصُّورة ، مختلفاً في الطَّعم ، وذلك أبلغ في باب الإِعجاب { ولهم فيها أزواجٌ } : من الحور العين والآدميات { مطهرةٌ } عن كلِّ أذىً وقذرٍ ممَّا في نساء الدُّنيا ، ومن مساوىء الأخلاق ، وآفات الشَّيب والهرم { وهم فيها خالدون } لأنَّ تمام النِّعمة بالخلود .","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"{ إنَّ الله لا يَسْتَحْيِ . . . } الآية . لمَّا ضرب الله سبحانه المَثل للمشركين بالذُّباب والعنكبوت في كتابه ضحكت اليهود ، وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله سبحانه ، فأنزل الله تعالى : { إنَّ الله لا يَسْتَحْيِ } لا يترك ولا يخشى { أن يضرب مثلاً } أَنْ يُبيِّنَ شبهاً { ما بعوضةً } \" ما \" زايدةٌ مؤكِّدة ، والبعوض : صغار البق ، الواحدة : بعوضة . { فما فوقها } يعني : فما هو أكبر منها ، والمعنى : إنَّ الله تعالى لا يترك ضرب المثل ببعوضةٍ فما فوقها إذا علم أنَّ فيه عبرةُ لمن اعتبر ، وحجَّةً على مَنْ جحد [ واستكبر ] { فأمَّا الذين آمنوا فيعلمون } أنَّ المثل وقع في حقِّه ، { وأَمَّا الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً } أَيْ : أَيُّ شيءٍ أراد الله بهذا من الأمثال؟ والمعنى أنَّهم يقولون : أَيُّ فائدةٍ في ضرب الله المثل بهذا؟ فأجابهم الله سبحانه فقال : { يضلُّ به كثيراًً } أَيْ : أراد الله بهذا المثل أن يضلَّ به كثيراً من الكافرين ، وذلك أنَّهم يُنكرونه ويُكذِّبونه { ويهدي به كثيراً } من المؤمنين ، لأنَّهم يعرفونه ويصدِّقونه { وما يضلُّ به إلاَّ الفاسقين } الكافرين الخارجين عن طاعته .\r { الذين ينقضون } يهدمون ويفسدون { عهدَ الله } : وصيته وأمره في الكتب المتقدِّمة بالإِيمان بمحمدٍ A { من بعد ميثاقه } من بعد توكيده عليهم بإيجابه ذلك { ويقطعون ما أمرَ الله به أَنْ يوصل } يعني : الرَّحم ، وذلك أنَّ قريشاً قطعوا رحم النَّبيِّ A بالمعاداة معه { ويفسدون في الأرض } بالمعاصي وتعويق النَّاس عن الإيمان بمحمدٍ A { أولئك هم الخاسرون } [ مغبونون ] بفوت المثوبة ، والمصيرِ إلى العقوبة .\r { كيف تكفرون بالله } معنى \" كيف \" ها هنا استفهامٌ في معنى التَّعجُّب للخلقِ ، أَي : اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون بالله وحالُهم أنَّهم كانوا تراباً فأحياهم ، بأَنْ خلق فيهم الحياة ، فالخطاب للكفَّار ، والتَّعجب للمؤمنين ، وقوله تعالى : { ثم يميتكم } أَيْ : في الدُّنيا { ثمَّ يُحييكم } [ في الآخرة ] للبعث { ثمَّ إليه ترجعون } تردُّون فيفعل بكم ما يشاء ، فاستعظم المشركون أمر البعث والإعادة ، فاحتجَّ الله سبحانه عليهم بخلق السَّموات والأرض ، فقال : \r { هو الذي خلق لكم } لأجلكم { ما في الأرض جميعاً } بعضها للانتفاع ، وبعضها للاعتبار ، { ثمَّ استوى إلى السَّماء } : أقبل على خلقها ، وقصد إليها { فسوَّاهنَّ سبع سموات } فجعلهنَّ سبع سمواتٍ مُستوياتٍ لا شقوق فيها ولا فطور ولا تفاوت { وهو بكلِّ شيءٍ عليم } إذ بالعلم يصحُّ الفعل المحكم .","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"{ وإذ قال ربك } واذكر لهم يا محمَّدُ إذ قال ربُّك { للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة } يعني : آدم ، جعله خليفةً عن الملائكة الذين كانوا سكَّان الأرض بعد الجنِّ ، والمراد بذكر هذه القصَّة ذكرُ بدءِ خلق النَّاس . { قالوا أتجعل فيها مَنْ يفسد فيها } كما فعل بنو الجانِّ ، قاسوا [ الشَّاهد ] على الغائب { ونحن نسبح بحمدك } نُبرِّئُك من كلِّ سوءٍ ، ونقول : سبحان الله وبحمده ، { ونقدِّسُ لك } ونُنزِّهك عمَّا لا يليق بك { قال إني أعلم ما لا تعلمون } من إضمار إبليس العزم على المعصية ، فلمَّا قال الله تعالى هذا للملائكة قالوا فيما بينهم : لن يخلق ربُّنا خلقاً هو أعلمُ منَّا ، ففضَّل الله تعالى عليهم آدم بالعلم ، وعلَّمه اسم كلِّ شيء حتى القصعة [ والقصيعة ] والمِغْرفة ، وذلك قوله تعالى : \r { وعلَّم آدم الأسماءَ كلَّها } أَيْ : خلق في قلبه علماً بالأسماء على سبيل الابتداء { ثمَّ عرَضهم } أَيْ : عرض المسمَّيات بالأسماء من الحيوان والجماد وغير ذلك { على الملائكة فقال أنبئوني } أخبروني { بأسماء هؤلاء } وهذا أمرُ تعجيزٍ ، أراد الله تعالى أن يُبيِّن عجزهم عن علم ما يرون ويُعاينون { إن كنتم صادقين } أنِّي لا أخلق خلقاً أعلمَ منكم ، فقالت الملائكة إقراراً بالعجز واعتذاراً : \r { سبحانك } تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك في حكمك { لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا } اعترفوا بالعجز عن علم ما لم يُعلَّموه { إنَّك أنت العليم } العالم { الحكيم } الحاكم تحكم بالحقِّ وتقتضي به ، فلمَّا ظهر عجز الملائكة قال الله تعالى لآدم : { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } .","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"{ يا آدم أنبئهم بأسمائهم } أخبرهم بتسمياتهم ، فسمَّى كلَّ شيءٍ باسمه ، وألحق كلَّ شيءٍ بجنسه { فلما أنبأهم بأسمائهم } : أخبرهم بمسمَّياتهم { قال } الله تعالى للملائكة : { ألم أقل لكم } وهذا استفهامٌ يتضمَّن التَّوبيخ لهم على قولهم : { أتجعل فيها مَنْ يفسد فيها } . { إني أعلم غيب السموات والأرض } أَيْ : ما غاب فيهما عنكم { وأعلم ما تبدون } : علانيتكم { وما كنتم تكتمون } : سرَّكم ، لا يخفى عليَّ شيءٌ من أموركم .\r { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } سجود تعظيمٍ وتسليمٍ وتحيَّةٍ ، وكان ذلك انحناءاً يدلُّ على التَّواضع ، ولم يكن وضعَ الوجه على الأرض ، { فسجدوا إلاَّ إبليس أبى } امتنع { واستكبر وكان من الكافرين } في سابق علم الله عزَّ وجلَّ .\r { وقلنا يا آدم اسكنْ أنت وزوجك الجنَّة } اتَّخذاها مأوىً ومنزلاً { وكلا منها رغداً } واسعاً { حيث شئتما } ما شئتما [ كيف شئتما ] { ولا تقربا هذه الشجرة } لا تحوما حولها بالأكل منها ، يعني السُّنبلة { فتكونا } فتصيرا { من الظالمين } : العاصين الذين وضعوا أمر الله عزَّ وجلَّ غير موضعه .\r { فأزلَّهما الشيطان } نحَّاهما وبعَّدهما { عنها فأخرجهما ممَّا كانا فيه } من الرُّتبة ولين العيش { وقلنا } لآدم وحواء وإبليس والحيَّة : { اهبطوا } أي : انزلوا إلى الأرض { بعضكم لبعض عدو } يعني : العداوة التي بين آدم وحواء والحيَّة . وبين ذرية آدم عليه السَّلام من المؤمنين وبين إبليس لعنه الله ، { ولكم في الأرض مستقر } موضع قرارٍ { ومتاع إلى حين } ما تتمتَّعون به ممَّا تُنبته الأرض إلى حين الموت .","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"{ فتلقى آدم من ربه } أخذ وتلقَّن { كلماتٍ } وهو أنَّ الله تعالى ألهم آدم عليه السَّلام حين اعترف بذنبه وقال : { ربنا ظلمنا أنفسنا } الآية { فتاب عليه } فعاد عليه بالمغفرة حين اعترف بالذَّنب واعتذر { إنَّه هو التواب } يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه .\r { قلنا اهبطوا منها جميعاً } كرَّر الأمر بالهبوط للتَّأكيد { فإمَّا يأتينَّكم مني هدىً } أَيْ : فإنْ يأتكم مني شريعةٌ ورسولٌ وبيانٌ ودعوةٌ { فمن تبع هداي } أَيْ : قَبِل أمري ، واتَّبع ما آمره به { فلا خوف عليهم } في الآخرة ولا حزن ، والخطاب لآدم وحوَّاء ، وذرِّيتهما ، أعلمهم الله تعالى أنَّه يبتليهم بالطَّاعة ، ويجازيهم بالجنَّة عليها ، ويعاقبهم بالنَّار على تركها ، وهو قوله تعالى : \r { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } أَيْ : بأدلتنا وكتبنا { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"{ يا بني إسرائيل } أولاد يعقوب عليه السَّلام { اذكروا } اشكروا ، وذكر النِّعمة هو شكرها { نعمتي } يعني : نعمي { التي أنعمت عليكم } يعني : فلق البحر ، والإِنجاء من فرعون ، وتظليل الغمام ، إلى سائر ما أنعم الله تعالى به عليهم ، والمراد بقوله تعالى : { عليكم } أَيْ : على آبائكم ، والنِّعمة على آبائهم نعمةٌ عليهم ، وشكر هذه النِّعم طاعتُه في الإِيمان بمحمَّدٍ A ، ثمَّ صرَّح بذلك ، فقال : { وأوفوا بعهدي } أَيْ : في محمَّدٍ A { أُوف بعهدكم } أدخلكم الجنَّة { وإيَّاي فارهبون } فخافوني في نقض العهد .\r { وآمنوا بما أنزلت } يعني : القرآن { مصدقاً لما معكم } موافقاً للتَّوراة في التَّوحيد والنُّبوَّة { ولا تكونوا أوَّل كافر به } أَيْ : أوَّل مَنْ يكفر به من أهل الكتاب؛ لأنَّكم إذا كفرتم كفر أتباعكم ، فتكونوا أئمةً في الضَّلالة ، والخطابُ لعلماء اليهود . { ولا تشتروا } ولا تستبدلوا { بآياتي } ببيان صفة محمَّدٍ A ونعته { ثمناً قليلاً } عوضاً يسيراً من الدُّنيا ، يعني : ما كانوا يُصيبونه من سفلتهم ، فخافوا إنْ هم بيَّنوا صفة محمَّدٍ A أَنْ تفوتهم تلك المآكل والرِّياسة ، { وإيايَّ فاتقون } فاخشوني في أمر محمَّدٍ A لا ما يفوتكم من الرِّياسة .\r { ولا تلبسوا الحق بالباطل } أَيْ : لا تخلطوا الحقَّ الذي أنزلتُ عليكم من صفة محمَّدٍ عليه السَّلام بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفته ، وتبديل نعته ، { وتكتموا الحق } أَيْ : ولا تكتموا الحقَّ ، فهو جزمٌ عُطِفَ على النَّهي ، { وأنتم تعلمون } أنَّه نبيٌّ مرسلٌ قد أُنزل عليكم ذكره في كتابكم ، فجحدتم نبوَّته مع العلم به .\r { وأقيموا الصلاة } المفروضة { وآتوا الزكاة } الواجبة في المال { واركعوا مع الراكعين } وصلُّوا مع المصلِّين محمَّدٍ A وأصحابه في جماعةٍ .","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"{ أتأمرون الناس بالبرِّ } كانت اليهود تقول لأقربائهم من المسلمين : اثبتوا على ما أنتم عليه ، ولا يؤمنون به ، فأنزل الله تعالى توبيخاً لهم : { أتأمرون الناس بالبر } بالإيمان بمحمد A { وتنسون } وتتركون { أنفسكم } فلا تأمرونها بذلك { وأنتم تتلون الكتاب } تقرؤون التَّوراة وفيها صفة محمَّدٍ A ونعته { أفلا تعقلون } أنَّه حقٌّ فتتَّبعونه؟! ثمَّ أمرهم الله تعالى بالصَّوم والصَّلاة؛ لأنَّهم إنَّما كان يمنعهم عن الإسلام الشَّره ، وخوف ذَهاب مأكلتهم ، وحب الرِّياسة ، فأُمروا بالصَّوم الذي يُذهب الشَّرَه ، وبالصًَّلاة التي تُورث الخشوع ، وتَنفي الكبر ، وأُريدَ بالصَّلاةِ الصَّلاةُ التي معها الإيمان بمحمَّدٍ A فقال : \r { واستعينوا بالصبر } يعني بالصَّوم ، { والصلاة } لأنَّها تنهى عن الفحشاء والمنكر { وإنها لكبيرةٌ } لثقيلةٌ [ يعني : وإنَّ الإستعانةَ بالصبر والصلاة لثقيلةٌ ] { إلاَّ على الخاشعين } السَّاكنين إلى الطَّاعة . وقال بعضهم : رجع بهذا القول إلى خطاب المسلمين ، فأمرهم أَنْ يستعينوا على ما يطلبونه من رضاءِ الله تعالى ونيل جنَّتِهِ بالصَّبر على أداء فرائضه [ وهو الصَّوم ] والصَّلاة .\r { الذين يظنون } يستيقنون { أنهم ملاقو ربِّهم } أنَّهم مبعوثون وأنَّهم محاسبون وأنَّهم راجعون إلى الله تعالى ، أَيْ : يُصدِّقون بالبعث والحساب .\r { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } مضى تفسيره ، { وأني فضلتكم } أعطيتكم الزِّيادة { على العالمين } : على عالمي زمانكم ، وهو ما ذكره في قوله تعالى : { إذ جعل فيكم أنبياء . . . } الآية ، والمراد بهذا التَّفضيل سلفهم ، ولكن تفضيل الآباء شرف الأبناء .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"{ واتقوا يوماً } واحذروا واجتنبوا عقاب يومٍ { لا تجزي } لا تقضي ولا تُغني { نفسٌ عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة } أَيْ : لا يكون شفاعةٌ فيكون لها قبول ، وذلك أنَّ اليهود كانوا يقولون : يشفع لنا آباؤنا الأنبياء ، فآيسهم الله تعالى عن ذلك { ولا يؤخذ منها عدل } فِداءٌ { ولا هم ينصرون } يُمنعون من عذاب الله تعالى .\r { وإذ نجيناكم } واذكروا ذلك { من آل فرعون } أتباعه ومَنْ كان على دينه { يسومونكم } : يُكلِّفونكم { سوء العذاب } شديد العذاب ، وهو قوله تعالى : { يذبحون } : يُقتِّلون { أبناءكم ويستحيون نساءكم } يستبقونهنَّ أحياءً [ لقول بعض الكهنة له : إنَّ مولوداً يُولد في بني إسرائيل يكون سبباً له ذهابُ ملكك ] . { وفي ذلكم } الذي كانوا يفعلونه بكم { بلاءٌ } : ابتلاءٌ واختبارٌ وامتحانٌ { من ربكم عظيم } وقيل : وفي تنجيتكم من هذه المحن نعمةٌ عظيمة ، والبلاء : النِّعمة ، والبلاء : الشِّدَّة .\r { وإذ فرقنا بكم البحر } فجعلناه اثني عشر طريقاً حتى خاض فيه بنو إسرائيل . { فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } إلى انطباق البحر عليهم وإنجائكم منهم .","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"{ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } أَي : انقضاءَها وتمامَها للتَّكلُّم معه { ثمَّ اتخذتم العجل } معبوداً وآلهاً { من بعده } من بعد خروجه عنكم للميقات { وأنتم ظالمون } واضعون العبادةَ في غير موضعها ، وهذا تنبيه على أنَّ كفرهم بمحمَّدٍ A ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل في زمن موسى عليه السَّلام .\r { ثمَّ عفونا } محونا ذنوبكم { عنكم من بعد ذلك } من بعد عبادة العجل { لعلكم تشكرون } لكي تشكروا نعمتي بالعفو .\r { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان } [ عطف تفسيري ] يعني : التَّوراة الفارق بين [ الحق والباطل ] والحلال والحرام { لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا بذلك الكتاب [ من الضلال ] .\r { وإذ قال موسى لقومه } الذين عبدوا العجل { يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل } إلهاً { فتوبوا إلى بارئكم } يعني : خالقكم . قالوا : كيف نتوب؟ قال : { فاقتلوا أنفسكم } أَيْ : ليقتلِ البريءُ منكم المجرمَ { ذلكم } أَي : التَّوبة { خيرٌ لكم عند بارئكم } من إقامتكم على عبادة العجل ، ثم فعلتم ما أُمرتم به { فتاب عليكم } [ : قبل توبتكم . { إنَّه هو التواب الرحيم } ] .\r { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك } يعني : الذين اختارهم موسى عليه السَّلام ليعتذروا إلى الله سبحانه من عبادة العجل ، فلمَّا سمعوا كلام الله تعالى ، وفرغ موسى من مناجاة الله عزَّ وجلَّ قالوا له : [ { لن نؤمن لك } ] لن نصدِّقك { حتى نرى الله جهرةً } أَيْ : عِياناً لا يستره عنا شيءٌ { فأخذتكم الصاعقة } وهي نارٌ جاءت من السَّماء فأحرقتهم جميعاً { وأنتم تنظرون } إليها حين نزلت ، وإنَّما أخذتهم الصَّاعقة؛ لأنَّهم امتنعوا من الإِيمان بموسى عليه السَّلام بعد ظهور معجزته حتى يُريهم ربَّهم جهرةً ، والإيمانُ بالأنبياء واجبٌ بعد ظهور معجزتهم ، ولا يجوز اقتراح المعجزات عليه ، فلهذا عاقبهم الله تعالى ، وهذه الآية توبيخٌ لهم على مخالفة الرَّسول A مع قيام معجزته ، كما خالف أسلافهم موسى مع ما أَتى به من الآيات الباهرة .\r { ثم بعثناكم } نشرناكم وأَعدْناكم أَحياءً { من بعد موتكم لعلكم تشكرون } نعمة البعث .","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"{ وظللنا عليكم الغمام } سترناكم عن الشَّمس في التِّيه بالسَّحاب الرَّقيق { وأنزلنا عليكم المنَّ } الطُّرَنْجبين كان يقع على أشجارهم بالأسحار { والسَّلوى } وهي طير أمثال السُّمانى ، وقلنا لهم : { كلوا من طيبات } من حلالات { ما رزقناكم وما ظلمونا } بإبائهم على موسى عليه السَّلام دخول قرية الجبَّارين ، ولكنَّهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التِّيه ، فلمَّا انقضت مدَّة حبسهم وخرجوا من التِّيه قال الله تعالى لهم : \r { ادخلوا هذه القرية } وهي أريحا { وادخلوا الباب } يعني : باباً من أبوابها { سجداً } منحنين متواضعين { وقولوا حطة } وذلك أنَّهم أصابوا خطيئةً بإبائهم على موسى عليه السَّلام دخول القرية ، فأراد الله تعالى أَنْ يغفرها لهم فقال لهم : قولوا حطَّةٌ ، أَيْ : مسألتنا حطَّةٌ ، وهو أن تحط عنا ذنوبنا ، { وسنزيد المحسنين } الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحساناً وثواباً .","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"{ فبدَّل الذين ظلموا قولاً } منهم { غير الذي قيل لهم } أَيْ : غيَّروا تلك الكلمة التي أُمروا بها ، وقالوا : حنطةٌ { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً } ظلمةً وطاعوناً ، فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً جزاءً لفسقهم بتبديل ما أُمروا به من الكلمة .\r { وإذ استسقى موسى لقومه } في التِّيه { فقلنا اضرب بعصاك الحجر } وكان حجراً خفيفاً مربَّعاً مثل رأس الرَّجل { فانفجرت } أيْ : فضربَ ، فانفجرت ، يعني : فانشقَّت { منه اثنتا عشرة عيناً } فكان يأتي كلُّ سبط عينَهم التي كانوا يشربون منها ، فذلك قوله تعالى : { قد علم كلُّ أناسٍ مشربهم } وقلنا لهم : { كلوا } من المنِّ والسَّلوى { واشربوا } من الماء ، فهذا كلُّه { من رزق الله } { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أَيْ : لا تسعوا فيها بالفساد ، فَمَلُّوا ذلك العيش ، وذكروا عيشاً كان لهم بمصر .","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"فقالوا : { يا موسى لن نصبر على طعام واحد } يعني : المنَّ الذي كانوا يأكلونه والسَّلوى ، فكانا طعاماً واحداً { فادع لنا ربك } سله وقل له : أَخرِجْ { يُخرجْ لنا مما تنبت الأرض من بقلها } وهو كلُّ نباتٍ لا يبقى له ساقٌ { وقثائها } وهو نوعٌ من الخضروات { وفومها } وهو الحنطة ، فقال لهم موسى عليه السَّلام : { أتستبدلون الذي هو أدنى } أَيْ : أخسُّ وأوضع { بالذي هو خيرٌ } أَي : أرفع وأجلُّ؟ فدعا موسى عليه السَّلام فاستجبنا له وقلنا لهم : { اهبطوا مصراً } : أنزلوا بلدةً من البلدان { فإنَّ [ لكم ما سألتم } أَيْ : فإنَّ ] الذي سألتم لا يكون إلاَّ في القرى والأمصار { وضُربت عليهم } أَيْ : على اليهود الذين كانوا في عصر النبي A { الذلَّة } يعني : الجزيةَ وزيَّ اليهوديَّة ، ومعنى ضرب الذِّلة : إلزامهم إيَّاها إلزاماً لا يبرح { والمسكنة } زي الفقر وأثر البؤس { وباؤوا } احتملوا وانصرفوا { بغضب من الله ذلك } أَيْ : ذلك الضَّرب والغضب { بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله } التي أُنزلت على محمَّدٍ A { ويقتلون النَّبيين } أَيْ : يتولَّون أولئك الذين فعلوا ذلك { بغير حق } أَيْ : قتلاً بغير حقٍّ ، يعني : بالظُّلم { ذلك } الكفر والقتل بشؤم ركوبهم المعاصي وتجاوزهم أمر الله تعالى .\r { إن الذين آمنوا } أَيْ : بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك { والذين هادوا } دخلوا في دين اليهوديَّة { والنصارى والصابئين } الخارجين من دين إلى دين ، وهم قومٌ يعبدون النُّجوم { مَنْ آمن } من هؤلاء { بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً } بالإيمان بمحمَّدٍ عليه السَّلام؛ لأنَّ الدليل قد قام أنَّ مَنْ لم يؤمن به لا يكون عمله صالحاً { فلهم أجرهم عند ربِّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون } .\r { وإذ أخذنا ميثاقكم } بالطَّاعة لله تعالى والإيمان بمحمَّدٍ عليه السَّلام في حال رفع الطُّور فوقكم ، يعني : الجبل ، وذلك لأنَّهم أبوا قبول شريعة التَّوراة ، فأمر الله سبحانه جبلاً فانقلع من اصله حتى قام على رؤوسهم ، فقبلوا خوفاً من أن يُرضخوا على رؤوسهم بالجبل ، وقلنا لكم : { خذوا ما آتيناكم } اعملوا بما أُمرتم به { بقوَّةٍ } بجدٍّ ومواظبةٍ على طاعة الله عزَّ وجلَّ { واذكروا ما فيه } من الثَّواب والعقاب { لعلكم تتقون } .","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"{ ثمَّ توليتم بعد ذلك } أعرضتم عن أمر الله تعالى وطاعته من بعد أخذ الميثاق { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } بتأخير العذاب عنكم { لكنتم من الخاسرين } الهالكين في العذاب .\r { ولقد علمتم } عرفتم حال { الذين اعتدوا } جاوزوا ما حُدَّ لهم من ترك الصَّيد في السَّبت { فقلنا لهم كونوا } بتكويننا إيَّاكم { قردةً خاسئين } مطرودين مبعدين .\r { فجعلناها } أَيْ : تلك العقوبة والمسخة { نكالاً } عبرةً { لما بين يديها } للأمم التي ترى الفرقة الممسوخة { وما خلفها } من الأمم التي تأتي بعدها { وموعظة } عبرةً { للمتقين } للمؤمنين [ الذين يتقون ] من هذه الأمَّة .\r { وإذ قال موسى لقومه إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } وذلك أنَّه وُجد قتيلٌ في بني إسرائيل ولم يدروا قاتله ، فسألوا موسى عليه السَّلام أن يدعو الله تعالى ليبيِّن لهم ذلك ، فسأل موسى ربَّه فأمرهم بذبح بقرةٍ ، فقال لهم موسى عليه السَّلام : إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة { قالوا أتتخذنا هزواً } أتستهزىء بنا حين نسألك عن القتيل فتأمرنا بذبح البقرة؟! { قال أعوذ بالله } أمتنع به أن أكون من المستهزئين بالمؤمنين ، فلمَّا علموا أنَّ ذلك عزمٌ من الله عزَّ وجلَّ سألوه الوصف ، فقالوا : \r { ادع لنا ربك } أَيْ : سله بدعائك إيَّأه { يبين ما هي } ما تلك البقرة ، وكيف هي ، وكم سنُّها؟ وهذا تشديدٌ منهم على أنفسهم { قال إنَّه يقولُ : إنها بقرةٌ لا فارضٌ } مُسِنَّةٌ كبيرةٌ { ولا بكرٌ } فتيةٌ صغيرةٌ { عوانٌ } نَصَفٌ بين السِّنَّينِ { فافعلوا ما تؤمرون } [ فيه تنبيهٌ على منعهم ] .","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"{ فاقعٌ لونها } أَيْ : شديد الصُّفرة { تسرُّ الناظرين } تعجبهم بحسنها .\r { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } أَسائمةٌ أم عاملةٌ؟ { إنَّ البقر } جنس البقر { تشابه } اشتبه وأشكل { علينا وإنَّا إنْ شاء الله لمهتدون } إلى وصفها . قال رسول الله A : وايمُ اللَّهِ ، لو لم يستثنوا لما بُيِّنت لهم آخر الأبد .\r { قال إنَّه يقول إنها بقرةٌ لا ذلولٌ } مُذلَّلةٌ بالعمل { تثير الأرض } تُقلبها للزراعة ، أَيْ : ليستْ تقلِّب؛ لأنَّها ليست ذلولاً { ولا تسقي الحرث } الأرض المهيَّأة للزِّراعة { مسلَّمة } من العيوب وآثار العمل { لاشية فيها } لا لون فيها يُفارق سائر لونها { قالوا الآن جئت بالحقّ } بالوصف التّام الذي تتميَّز به من أجناسها ، فطلبوها فوجدوها { فذبحوها وما كادوا يفعلون } لغلاء ثمنها .\r { وإذ قتلتم نفساً } هذا أوَّل القصَّة ، ولكنَّه مؤخرَّ في الكلام { فادَّارأتم } فاختلفتم وتدافعتم { والله مخرجٌ } مُظهرٌ { ما كنتم تكتمون } من أمر القتيل .\r { فقلنا اضربوه ببعضها } بلسانها فيحيى ، فَضرب فحييَ { كذلك يُحْيِ الله الموتى } أَيْ : كما أحيا هذا القتيل { ويريكم آياته } آيات قدرته في خلق الحياة في الأموات ، [ كما خلق في عاميل ] .","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"{ ثم قست قلوبكم } يا معشر اليهود ، أَي : اشتدَّت وصلبت { من بعد ذلك } من بعد هذه الآيات التي تقدَّمت من المسخ ورفع الجبل فوقهم ، وانبجاس الماء من الحجرِ ، وإحياء الميت بضرب عضوٍ ، وهذه الآيات ممَّا يصدِّقون بها { فهي كالحجارة } في القسوة وعدم المنفعة؛ بل { أشد قسوة } وإنَّما عنى بهذه القسوة تركهم الإِيمان بمحمَّدٍ A بعد ما عرفوا صدقه ، وقدرةَ الله تعالى على عقابهم بتكذيبهم إيَّاه ، ثمَّ عذر الحجارة وفضَّلها على قلوبهم فقال : { وإنَّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإنَّ منها لما يشقَّق فيخرج منه الماء وإنَّ منها لما يهبط } ينزل من علوٍ إلى أسفلٍ { من خشية الله } . قال مجاهدٌ : كلُّ حجرٍ تفجَّر منه الماء ، أو تشقَّق عن ماء ] ، أو تردَّى من رأس جبلٍ فهو من خشية الله تعالى ، نزل به القرآن . ثمَّ أوعدهم فقال : { وما الله بغافلٍ عمَّا تعملون } ثمَّ خاطب النَّبيَّ A والمؤمنين ، فقطع طمعهم عن إيمانهم ، فقال : \r { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } وحالهم أنَّ طائفةً منهم كانوا { يسمعون كلام الله } يعني التَّوراة { ثم يحرفونه } يُغيِّرونه عن وجهه . يعني : الذين غيَّروا أحكام التَّوراة ، وغيَّروا آية الرَّجم ، وصفة محمَّدٍ A { من بعد ما عقلوه } أَيْ : لم يفعلوا ذلك عن نسيانٍ وخطأٍ ، بل فعلوه عن تعمُّدٍ { وهم يعلمون } أنَّ ذلك مَكْسَبةٌ للأوزار .\r { وإذا لقوا الذين آمنوا } يعني : منافقي اليهود { قالوا آمنا } بمحمَّدٍ ، وهو نبيٌّ صادقٌ نجده في كتبنا { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } يعني : إذا رجع هؤلاء المنافقون إلى رؤسائهم لاموهم فقالوا : { أتحدثونهم } أتخبرون أصحاب محمَّدٍ - A - { بما فتح الله عليكم } من صفة النَّبيِّ المُبشَّر به { ليحاجُّوكم } ليجادلوكم ويخاصموكم { به } بما قلتم لهم { عند ربكم } في الآخرة ، يقولون : كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقة { أفلا تعقلون } أفليس لكم ذهن الإنسانيَّة؟ فقال الله تعالى : \r { أولا يعلمون أنَّ الله يعلم ما يسرون } من التَّكذيب ، يعني : هؤلاء المنافقين { وما يعلنون } من التَّصديق .\r { ومنهم } ومن اليهود { أميُّون } لا يكتبون ولا يقرؤون { لا يعلمون الكتاب إلاَّ أمانيّ } إلاَّ أكاذيب وأحاديثَ مُفتعلةً يسمعونها من كبرائهم { وإن هم إلاَّ يظنون } أَيْ : إلاَّ ظانِّين ظنَّاً وتوهُّماً ، فيجحدون نُبُوَّتَكَ بالظَّنِّ .\r { فويلٌ } فشدَّةُ عذابٍ { للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } أَيْ : من قِبَلِ أنفسهم من غير أن يكون قد أُنزل { ثم يقولون هذا من عند الله } الآية . يعني اليهود ، عمدوا إلى صفة محمَّدٍ A وكتبوا صفته على غير ما كانت في التَّوراة ، وأخذوا عليه الأموال فذلك قوله تعالى : { وويلٌ لهم ممَّا يكسبون } [ من حُطَام الدُّنيا ] فلمَّا أوعدهم رسول الله A بالنَّار عند تكذيبهم إيَّاه .","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"قالوا : { لن تمسنا النَّارُ إلاَّ أياماً معدودةً } قليلةً ، ويعنون الأيَّام التي عبد آباؤهم فيها العجل ، فكذَّبهم الله سبحانه فقال : قل لهم يا محمَّدُ : { أَتَّخَذْتُمْ عند الله عهداً } أخذتم بما تقولون من الله ميثاقاً؟ [ { فلن يخلف الله عهده } ] والله لا ينقض ميثاقه { أم تقولون على الله } الباطلَ جهلاً منكم ، ثمَّ ردَّ على اليهود قولهم : لن تمسَّنا النَّار ، فقال : { بلى } أُعذِّب .\r { مَنْ كسب سيئة } وهي الشِّرك { وأحاطت به خطيئته } : سدَّت عليه مسالك النَّجاة ، وهو أّنْ يموت على الشِّرك { فأولئك [ أصحاب النار هم فيها خالدون ] } الذين يُخلَّدون في النَّار . ثمَّ أخبر عن أخذ الميثاق عليهم بتبيين نعت محمَّدٍ A فقال : { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل } أَيْ : في التَّوراة { لا تعبدون } أَيْ : بأن لا تعبدوا { إلاَّ الله وبالوالدين إحساناً } أَيْ : ووصَّيناهم بالوالدين إحساناً { وذي القربى } أَي : القرابة في الرَّحم [ { واليتامى } يعني : الذين مات أبوهم قبل البلوغ ] { وقولوا للناس حسناً } أَيْ : صدقاً وحقَّاً في شأن محمَّدٍ عليه السَّلام ، وهو خطابٌ لليهود ، { ثم توليتم } أعرضتم عن العهد والميثاق ، يعني : أوائلهم { إلاَّ قليلاً منكم } يعني : مَنْ كان ثابتاً على دينه ، ثمَّ آمن بمحمَّدٍ A { وأنتم معرضون } عمَّا عُهد إليكم كأوائلكم .","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"{ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم } بأن لا يقتل بعضكم بعضاً ، ولا يُخرج بعضكم بعضاً من داره ولا يغلبه عليها ، { ثم أقررتم } أَيْ : قبلتم ذلك { وأنتم } اليوم { تشهدون } على إقرار أوائلكم ، ثمَّ أخبر أنَّهم نقضوا هذا الميثاق فقال : \r { ثم أنتم هؤلاء } [ أراد : يا هؤلاء ] { تقتلون أنفسكم } يقتل بعضكم بعضاً . { وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم } تتعاونون على أهل ملَّتكم [ { بالإثم والعدوان } ] : بالمعصية والظُّلم { وإن يأتوكم أسارى } مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم { وهو محرَّم عليكم إخراجهم } أَيْ : وإخراجهم عن ديارهم محَّرمٌ عليكم { أفتؤمنون ببعض الكتاب } يعني : فداء الأسير { وتكفرون ببعض } يعني : القتل والإخراج والمظاهرة على وجه الإباحة؟ قال السُّدِّيُّ : أخذ الله تعالى عليهم أربعة عهودٍ : تركَ القتل ، وترك الإِخراج ، وترك المظاهرة ، وفداء أُسرائهم فأعرضوا عن كلِّ ما أُمروا به إلاَّ الفداء . { فما جزاء مَنْ يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ } فضيحةٌ وهوانٌ { في الحياة الدنيا } ، وقوله : \r { فلا يخفف عنهم العذاب } معناه : في الدُّنيا والآخرة ، وقيل : هذه الحالة مختصَّةٌ بالآخرة .","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"{ ولقد آتينا موسى الكتاب وقفَّينا من بعده الرسل } أَيْ : وأرسلنا رسولاً بعد رسول { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } يعني : ما أُوتي من المعجزة { وأيدناه } وقوَّيناه { بِرُوحِ القدس } بجبريل عليه السَّلام ، وذلك أنَّه كان قرينه يسير معه حيث سار ، يقول : فعلنا بكم كلَّ هذا فما استقمتم؛ لأنَّكم { كلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم } ثمَّ تعظَّمتم عن الإِيمان به { ففريقاً كذَّبتم } مثل عيسى ومحمَّدٍ عليهما السَّلام { وفريقاً تقتلون } مثل يحيى وزكريا عليهما السَّلام .\r { وقالوا قلوبنا غلفٌ } هو أنَّ اليهود قالوا استهزاءً وإنكاراً لما أتى به محمد عليه السَّلام : قلوبنا غلفٌ عليها غشاوةٌ ، فهي لا تعي ولا تفقه ما تقول ، وكلُّ شيءٍ في غلافٍ فهو أغلف ، وجمعه : غُلْف ، ثمَّ أكذبهم الله تعالى فقال : { بل لعنهم الله } أَيْ : أبعدهم من رحمته فطردهم { فقليلاً ما يؤمنون } أَيْ : فبقليلٍ يؤمنون بما في أيديهم . وقال قتادة : \" فقليلاً ما يؤمنون \" ، أَيْ : ما يؤمن منهم إلاَّ قليلٌ ، كعبد الله بن سلام .\r { ولما جاءهم كتاب } يعني : القرآن { مصدِّق } موافقٌ { لما معهم } { وكانوا } يعني : اليهود { من قبل } نزول الكتاب { يستفتحون } يستنصرون { على الذين كفروا } بمحمد عليه السَّلام وكتابه ، ويقولون : اللَّهم انصرنا بالنَّبيِّ المبعوث في آخر الزَّمان { فلما جاءهم ما عرفوا } يعني : الكتاب وبعثة النبيّ { كفروا } ثمَّ ذمَّ صنيعهم فقال : \r { بئس ما اشتروا به أنفسهم } أَيْ : بئس ما باعوا به حظَّ أنفسهم من الثَّواب بالكفر بالقرآن { بغياً } أَيْ : حسداً { أن ينزل الله } أَيْ : إنزال الله { من فضله على من يشاء من عباده } وذلك أنَّ كفر اليهود لم يكن من شكٍّ والا اشتباهٍ ، وإنَّما كان حسداً حيث صارت النُّبوَّة في ولد إسماعيل عليه السَّلام { فباؤوا } فانصرفوا واحتملوا { بغضب } من الله عليهم لأجل تضييعهم التَّوراة { على غضب } لكفرهم بالنَّبي محمَّد A والقرآن .\r { وإذا قيل } لليهود { آمنوا بما أنزل الله } بالقرآن { قالوا نؤمن بما أنزل علينا } يعني : التَّوراة { ويكفرون بما وراءه } بما سواه { وهو الحقُّ } يعني : القرآن { مصدِّقاً لما معهم } موافقاً للتَّوراة ، ثمَّ كذَّبَهم الله تعالى في قولهم : نؤمن بما أنزل علينا بقوله : { فلمَ تقتلون أنبياء الله } أَيْ : أيُّ كتابٍ جُوِّز فيه قتلُ نبيٍّ؟! [ { إن كنتم مؤمنين } شرطٌ ، وجوابه ما قبله ] ، ثمَّ ذكر أنَّهم كفروا بالله تعالى مع وضوح الآيات في زمن موسى عليه السَّلام فقال : \r { ولقد جاءكم موسى بالبينات } يعني : العصا واليد وفلق البحر { ثمَّ اتخذتم العجل من بعده } إلهاً { وأنتم ظالمون } .","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"{ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوَّة واسمعوا } مضى تفسيره ، ومعنى : واسمعوا ، أَيْ : [ اقبلوا ] ما فيه من حلاله وحرامه وأطيعوا { قالوا : سمعنا } ما فيه { وعصينا } ما أُمرنا به { وأُشربوا في قلوبهم العجل } وسُقوا حبَّ العجل وخُلطوا بحبِّ العجل حتى اختلط بهم ، والمعنى : حُبَّب إليهم العجل { بكفرهم } باعتقادهم التَّشبيه ، لأنَّهم طلبوا ما يُتَصَوَّرُ في أنفسهم { قل بئس ما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } هذا تكذيبٌ لهم في قولهم : نؤمن بما أنزل علينا ، وذلك أنَّ آباءَهم ادَّعوا الإِيمان ، ثمَّ عبدوا العجل ، فقيل لهم : بئس الإيمان إيمانٌ يأمركم بالكفر ، والمعنى : لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل ، يعني : آباءهم ، كذلك أنتم لو كنتم مؤمنين بما أُنزل عليكم ما كذَّبتم محمَّداً .\r { قل إنْ كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إنْ كنتم صادقين } كانت اليهود تقول : لن يدخل الجنَّة إلاَّ مَنْ كان هوداً ، فقيل لهم : إن كنتم صادقين فتمنَّوا الموت ، فإنَّ مَنْ كان لا يشكُّ في أنَّه صائر إلى الجنَّةِ ، فالجنَّةُ آثرُ عنده .\r { ولن يتمنوه أبداً } لأنَّهم عرفوا أنَّهم كفرةٌ ، ولا نصيب لهم في الجنَّة ، وهو قوله تعالى : { بما قدَّمت أيديهم } أيْ : بما عملوا من كتمان أمر محمَّدٍ A ، وتغيير نعته { واللَّهُ عليم بالظالمين } فيه معنى التَّهديد .\r { ولتجدنهم } يا محمَّدُ ، يعني : علماءَ اليهود { أحرص الناس على حياةٍ } لأنَّهم علموا أنَّهم صائرون إلى النَّار إذا ماتوا؛ لما أتوا به في أمر محمَّدٍ A { ومن الذين أشركوا } أَيْ : وأحرص من منكري البعث ، ومَنْ أنكر البعث أحبَّ طول العمر؛ لأنَّه لا يرجو بعثاً ، فاليهود أحرص منهم؛ لأنَّهم علموا ما جنوا فهم يخافون النَّار { يودُّ أحدهم } أَيْ : أحد اليهود { لو يعمَّرُ ألف سنة } لأنَّه يعلم أنَّ آخرته قد فَسَدَتْ عليه { وما هو } أَيْ : وما أحدهم { بمزحزحه } بِمُبْعِدِهِ من { العذاب أن يعمَّر } تعميره .\r { قل مَنْ كان عدواً لجبريل } سألت اليهود نبيَّ الله A عن مَنْ يأتيه من الملائكة؟ فقال : جبريل ، فقالوا : هو عدوُّنا ، ولو أتاك ميكائيل آمنَّا بك ، فأنزل الله هذه الآية ، والمعنى : قل مَنْ كان عدوَّاً لجبريل فليمت غيظاً { فإنه نزله } أَيْ : نزَّل القرآن { على قلبك بإذن الله } بأمر الله { مصدقاً } موافقاً لما قبله من الكتب { وهدىًَ وبشرى للمؤمنين } ردٌّ على اليهود حين قالوا : إنَّ جبريل ينزل بالحرب والشِّدَّة ، فقيل : إنَّه - وإنْ كان ينزل بالحرب والشدَّة على الكافرين - فإنه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين .","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"{ مَنْ كان عدوَّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنَّ الله عدو للكافرين } أَيْ : مَنْ كان عدوّاً لأحد هؤلاء ، فإن اللَّهَ عدوٌّ له؛ لأن عدوَّ الواحدِ عدوُّ الجميع ، وعدوُّ محمَّدٍ عدوُّ الله ، والواو هاهنا بمعنى \" أو \" كقوله : { ومَن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله } الآية . لأنَّ الكافر بالواحد كافرٌ بالكلِّ ، وقوله { فإنَّ الله عدوٌ للكافرين } أَيْ : إنَّه تولَّى تلك العداوة بنفسه ، وكفى ملائكته ورسله أمر مَنْ عاداهم .\r { ولقد أنزلنا إليك آيات بيّنات } دلالاتٍ واضحاتٍ ، وهذا جوابٌ لابن صوريا حين قال : يا محمد ، ما أُنزل عليك من آيةٍ بيِّنةٍ فَنَتَّبعكَ بها { وما يكفر بها إلاَّ الفاسقون } الخارجون عن أديانهم ، واليهود خرجت بالكفر بمحمَّد A عن شريعة موسى عليه السَّلام ، ولمَّا ذكر محمدٌ A لهم ما أخذ الله تعالى عليهم من العهد فيه قال مالك بن الصَّيف : والله ما عُهد إلينا في محمدٍ عهدٌ ولا ميثاق ، فأنزل الله تعالى .\r { أَوَكُلَّما عاهدوا عهداً } الآية ، وقوله : { نبذة فريق منهم } يعني : الذين نقضوه من علمائهم { بل أكثرهم لا يؤمنون } لأنهم من بين ناقضٍ للعهد ، وجاحدٍ لنبوَّته معاندٍ له ، وقوله : \r { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب } يعني : علماء اليهود { كتاب الله } يعني التَّوراة { وراء ظهورهم } أَيْ : تركوا العمل به حين كفروا بمحمَّدٍ A والقرآن { كأنهم لا يعلمون } أنَّه حقٌّ ، وأنَّ ما أتى به صدقٌ ، وهذا إخبارٌ عن عنادهم ، ثمَّ أخبر أنَّهم رفضوا كتابة واتَّبعوا السِّحر فقال : { واتبعوا } يعني : علماء اليهود .","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"{ ما تتلوا الشياطين } أَيْ : ما كانت الشَّياطين تُحدِّث وتقصُّ من السِّحر { على ملك سليمان } في عهده وزمان مُلْكه ، وذلك أنَّ سليمان عليه السَّلام لما نُزع ملكه دفنت الشَّياطين في خزانته سحراً ونيرنجات ، فلمَّأ مات سليمان دلَّت الشياطين عليها النَّاس حتى استخرجوها ، وقالوا للنَّاس : إنَّما مَلَكَكُم سليمان بهذا فتعلَّموه ، فأقبل بنو إسرائيل على تعلُّمها ، ورفضوا كتب أنبيائهم ، فبرَّأ الله سليمان عليه السَّلام فقال : { وما كفر سليمان } أَيْ : لم يكن كافراً ساحراً يسحر { ولكنَّ الشياطين كفروا } بالله { يعلمون الناس السحر } يريد : ما كتب لهم الشَّياطين من كُتب السِّحر { وما أنزل على الملكين } أَيْ : ويُعلِّمونهم ما أُنزل عليهما ، أَيْ : ما عُلِّما وأُلْهِمَا ، وقُذِف في قلوبهما من علم التَّفرقة ، وهو رقيةٌ وليس بسحرٍ ، وقوله : { وما يعلِّمان } يعني : المَلَكَيْن السِّحر { من أحدٍ } أحداً { حتى يقولا إنما نحن فتنة } ابتلاءٌ واختبارٌ { فلا تكفر } وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ امتحن النَّاس بالملكين في ذلك الوقت ، وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن يقبل القابلُ تعلُّم السِّحر ، فيكفر بتعلُّمه ويؤمن بتركه ، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء ، وهذا معنى قوله : { إنما نحن فتنة فلا تكفر } أَيْ : محنةٌ من الله نخبرك أنَّ عمل السِّحر كفرٌ بالله ، وننهاك عنه ، فإنْ أطعتنا نجوت وإن عصيتنا هلكت ، وقوله تعالى { فيتعلمون } أَيْ : فيأتون فيتعلَّمون من الملكين { ما يفرّقون به بين المرء وزوجه } وهو أن يؤخذ كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبه ويُبغَّض كلُّ واحدٍ منهما إلى الآخر { وما هم } أَيْ : السَّحَرة الذين يتعلَّمون السِّحر { بضارين به } بالسِّحر { من أحدٍ } أحداً { إلاَّ بإذن الله } بإرادته كون ذلك ، أَيْ : لا يضرُّون بالسِّحر إلاَّ مَنْ أراد الله أن يلحقه ذلك الضَّرر { ويتعلمون ما يضرُّهم } في الآخرة { ولا ينفعهم } [ في الدُّنيا ] { ولقد علموا } يعني : اليهود { لمن اشتراه } من اختار السِّحر { ما له في الآخرة من خلاقٍ } من نصيب [ في الجنة ] ، ثمَّ ذمَّ صنيعهم فقال : { ولبئس ما شروا به أنفسهم } أَيْ : بئس شيءٌ باعوا به حظَّ أنفسهم حيث اختاروا السِّحر ونبذوا كتاب الله { لو كانوا يعلمون } كُنه ما يصير إليه مَنْ يخسر الآخرة من العقاب .\r { ولو أنَّهم آمنوا } بمحمَّدٍ عليه السَّلام والقرآن { واتقوا } اليهوديَّة والسِّحر ، لأثيبوا ما هو خيرٌ لهم من الكسب بالسِّحر ، وهو قوله تعالى : { لمثوبةٌ من عند الله خيرٌ لو كانوا يعلمون } .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } كان المسلمون يقولون للنَّبيِّ A : راعنا سمعك ، وكان هذا بلسان اليهوديَّة سبَّاً قبيحاً ، فلمَّا سمعوا هذه الكلمة يقولونها لرسول الله A أعجبتهم ، فكانوا يأتونه ويقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم ، فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك ، وأنزل هذه الآية ، وأمرهم أن يقولوا بدل راعنا { انظرنا } أَيْ : انظر إلينا حتى نُفهمك ما نقول { واسمعوا } أيْ : أطيعوا واتركوا هذه الكلمة؛ لأنَّ الطَّاعة تجب بالسَّمع { ما يودُّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خيرٍ من ربكم } أَيْ : خيرٌ من عند ربكم .\r { والله يختص برحمته } يخصُّ بنبوَّته { مَنْ يشاء والله ذو الفضل العظيم } .","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"{ ما نَنْسَخْ من آية أو نُنْسِها } أَيْ : ما نرفع آيةً من جهة النَّسخ بأن نُبطل حكمها ، أو بالإِنساءِ لها بأنْ نمحوها عن القلوب { نأت بخير منها } أَيْ : أصلح لمن تُعبِّد بها ، وأنفع لهم وأسهل عليهم ، وأكثر لأجرهم { أو مثلها } في المنفعة والمثوبة { ألم تعلم أنَّ الله على كلِّ شيءٍ } من النِّسخِ والتَّبديل وغيرهما { قدير } : نزلت هذه الآية حين قال المشركون : إنَّ محمداً يأمر أصحابه بأمرٍ ، ثمَّ ينهاهم عنه ، ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً . ما هذا القرآن إلاَّ كلام محمد ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقولَهُ : { وإذا بدَّلنا آية مكان آيةٍ . . . } الآية .\r { ألم تعلم أنَّ الله له ملك السموات والأرض } يعمل فيهما ما يشاء ، وهو أعلم بوجه الصَّلاح فيما يتعبَّدهم به من ناسخٍ ومنسوخٍ { ومالكم من دون الله من ولي } أَيْ : والٍ يلي أمركم ويقوم به { ولا نصير } ينصركم ، وفي هذا تحذيرٌ من عذابه إذ لا مانع منه .\r { أم تريدون } أَيْ : بل أتريدون { أن تسألوا رسولكم } محمداً A { كما سئل موسى من قبل } وذلك أنَّ قريشاً قالوا : يا محمَّدُ ، اجعل لنا الصَّفا ذهباً ، ووسِّعْ لنا أرض مكَّة ، فَنُهوا أن يقترحوا عليه الآيات كما اقترح قوم موسى عليه السَّلام حين قالوا : { أرنا الله جهرة } وذلك أنَّ السُّؤال بعد قيام البراهين كفرٌ ، ولذلك قال : { ومن يتبدل الكفر بالإِيمان فقد ضلَّ سواء السبيل } قصده ووسطه .","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"{ ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب . . . } الآية . نزلت حيت قالت اليهود للمسلمين بعد وقعة أُحدٍ : ألم تروا إلى ما أصابكم ، ولو كنتم على الحقِّ ما هُزمتهم فارجعوا إلى ديننا ، فذلك قوله تعالى : { لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم } أَيْ : في حكمهم وتديّنهم ما لم يؤمروا به { من بعد ما تبين لهم الحق } في التَّوراة أنَّ قول محمَّدٍ صدقٌ ودينه حقٌّ { فاعفوا واصفحوا } وأعرضوا عن مساوىء أخلاقهم وكلامهم وغلِّ قلوبهم { حتى يأتي الله بأمره } بالقتال .\r { وقالوا لن يدخل الجنة . . . } الآية ، أَيْ : قالت اليهود : لن يدخل الجنَّة { إلاَّ مَنْ كان هوداً } وقالت النَّصارى : لن يدخلها إلاَّ النَّصارى { تلك أمانيهم } التي تمنَّوها على الله سبحانه باطلاً { قل هاتوا برهانكم } قرِّبوا حجَّتكم على ما تقولون ، ثمَّ بيَّن مَنْ يدخلها فقال : \r { بلى } يدخلها { مَنْ أسلم وجهه لله } انقاد لأمره وبذلك له وجهه في السُّجود { وهو محسن } مؤمنٌ مصدقٌ بالقرآن .","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"{ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } لمَّا قدم وفد نجران فتنازعوا مع اليهود ، وكفَّر كلُّ واحدٍ من الفريقين الآخر ، وقوله تعالى : { وهم يتلون الكتاب } يعني : إنَّ الفريقين يتلون التَّوراة وقد وقع بينهما هذا الاختلاف وكتابهم واحد ، فدلَّ بهذا على ضلالتهم { كذلك قال الذين لا يعلمون } يعني : كفَّار الأمم الماضية ، وكفَّار هذه الأمَّة { مثل قولهم } في تكذيب الأنبياء والاختلاف عليهم ، فسبيل هؤلاء الذين يتلون الكتاب كسبيل مَنْ لا يعلم الكتاب [ أنَّه من الله تعالى ] من المشركين في الإنكار لدين الله سبحانه { فالله يحكم بينهم . . . } الآية : أَيْ : يُريهم عياناً مَنْ يدخل الجنَّة ومَنْ يدخل النَّار .\r { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } يعني : بيت المقدس ومحاريبه . نزلت في أهل الرُّوم حين خرَّبوا بيت المقدس { أولئك } يعني : أهل الرُّوم { ما كان لهم أن يدخلوها إلاَّ خائفين } لم يدخل بيت المقدس بعد أن عمره المسلمون روميٌّ إلاَّ خائفاً لو عُلم به قُتل { لهم في الدنيا خزيٌ } يعني : القتل للحربيِّ ، والجزية للذميِّ .\r { ولله المشرقُ والمغرب } أَيْ : إنَّه خالقهما . نزلت في قوم من الصَّحابة سافروا فأصابهم الضَّباب فتحرَّوا القِبلة وصلَّوا إلى أنحاءٍ مختلفةٍ ، فلمَّا ذهب الضَّباب استبان أنَّهم لم يصيبوا ، فلمَّا قدموا سألوا رسول الله A عن ذلك . وقوله تعالى : { فأينما تولوا } أَيْ : تصرفوا وجوهكم { فثمَّ وجه الله } أَيْ : فهناك قِبلة الله وجهته التي تعبَّدكم الله بالتوجُّه إليها { إنَّ الله واسعٌ عليم } أَيْ : واسع الشَّريعة يُوسِّع على عباده في دينهم . [ اختلف العلماء في حكم هذه الآية ، فمنهم مَنْ قال : هي منسوخة الحكم بقوله : { فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام } ؛ومنهم مَنْ قال : حكمها ثابت غير أنها مخصوصة بالنَّوافل في السفر . وقيل : إنها نزلت في شأن النجاشي حين صلَّى عليه النَّبيُّ A مع أصحابه وقولهم له : كيف تُصلِّي على رجل صلَّى إلى غير قبلتنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وبيَّن أنَّ النجاشي وإنْ صلَّى إلى المشرق أو المغرب فإنَّما قصد بذلك وجه الله وعبادته ، ومعنى { فثمَّ وجه الله } أَيْ : فَثَمَّ رضا الله وأمره ، كما قال : { إنَّما نُطعمكم لوجه الله } والوجهُ والجِهةُ والوِجهةُ : القِبلةُ ] .","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"{ وقالوا اتخذ الله ولداً } يعني : اليهود في قولهم : { عزيز ابنُ الله } والنصارى في قولهم : { والمسيح ابنُ الله } والمشركين في قولهم : الملائكة بناتُ الله ، ثمَّ نزَّه نفسه عن الولد فقال : { سبحانه بل } ليس الأمر كذلك { له ما في السموات والأرض } عبيداً وملكاً . { كلٌّ له قانتون } مطيعون : يعني : أهل طاعته دون النَّاس أجمعين .\r { بديع السموات والأرض } خالقهما وموجدهما لا على مثالٍ سبق . { وإذا قضى أمراً } قدَّره وأراد خلقه { فإنما يقول له كن فيكون } أَيْ : إنما يُكوِّنه فيكون ، وشرطه أن يتعلَّق به أمره . [ وقال الأستاذ أبو الحسن : يُكوِّنه بقدرته فيكون على ما أراد ] .\r { وقال الذين لا يعلمون } يعني : مشركي العرب قالوا لمحمَّدٍ : لن نؤمن لك حتى { يكلّمنا الله } أنَّك رسوله { أو تأتينا آية } يعني : ما سألوا من الآيات الأربع في قوله تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا . . . } الآيات . ومعنى { لولا يكلِّمنا الله } أَيْ : هلاَّ يُكلِّمنا الله أنَّك رسوله . { كذلك قال الذين من قبلهم } يعني : كفَّار الأمم الماضية كفروا بالتَّعنُّتِ بطلب الآيات كهؤلاء { تشابهت قلوبهم } أشبه بعضها بعضاً في الكفر والقسوة ومسألة المحال { قد بيَّنا الآيات لقوم يوقنون } أَيْ : مَنْ أيقن وطلب الحقَّ فقد أتته الآيات؛ لأنَّ القرآن برهانٌ شافٍ .\r { إنا أرسلناك بالحق } بالقرآن والإسلام ، أَيْ : مع الحقِّ { بشيراً } مُبشِّراً للمؤمنين { ونذيراً } مُخوِّفاً ومُحذِّراً للكافرين { ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم } أَيْ : لست بمسؤولٍ عنهم ، وذلك أنَّ النبي A قال : \" لو أنَّ الله عزَّ وجلَّ أنزل بأسه باليهود لآمنوا \" ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، أَيْ : ليس عليك من شأنهم عُهدةٌ ولا تبعة .\r { ولن ترضى عنك اليهود . . . } الآية نزلت في تحويل القبلة ، وذلك أنَّ اليهود والنَّصارى كانوا يرجون أنَّ محمداً A يرجع إلى دينهم ، فلمَّا صرف الله تعالى القِبلة إلى الكعبة شقَّ عليهم ، وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم ، فأنزل الله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } يعني : دينهم وتصلِّي إلى قبلتهم { قل إنَّ هدى الله هو الهدى } أَي : الصِّراط الذي دعا إليه ، وهدى إليه هو طريق الحقِّ { ولَئِنِ اتبعت أهواءهم } يعني : ما كانوا يدعونه إليه من المهادنة والإِمهال { بعد الذي جاءك من العلم } أَي : البيان بأنَّ دين الله عزَّ وجلَّ هو الإسلام وأنَّهم على الضَّلالة { مالك من الله من وليٍّ ولا نصير } .","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"{ الذين آتيناهم الكتاب } يعني : مؤمني اليهود { يتلونه حق تلاوته } يقرؤونه كما أُنزل ولا يُحرِّفونه ، ويتَّبعونه حقَّ اتِّباعه .","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"{ وإذا ابتلى إبراهيم ربُّه } اختبره : أَيْ : عامله معاملة المُختبِر { بكلماتٍ } هي عشر خصالٍ : خمسٌ في الرأس ، وهي : الفرق ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسِّواك ، وقصُّ الشَّارب ، وخمسٌ في الجسد ، وهي : تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، والاستنجاء ، ونتف الرُّفغين { فأتمهنَّ } أدَّاهنَّ تامَّاتٍ غير ناقصات { قال } الله تعالى : { إني جاعلك للناس إماماً } يقتدي بك الصَّالحون . فقال إبراهيم : { ومِنْ ذريتي } أَيْ : ومن أولادي أيضاً فاجعل أئمةً يُقتدى بهم ، فقال الله عزَّ وجلَّ { لا ينال عهدي الظالمين } يريد : مَنْ كان من ولدك ظالماً لا يكون إماماً ، ومعنى : { عهدي } أَيْ : نُبوَّتي .\r { وإذ جعلنا البيت } يعني : الكعبة { مثابةً للناس } معاداً يعودون إليه لا يقضون منه وطراً ، كلَّما انصرفوا اشتاقوا إليه { وأَمْناً } أَيْ : مؤمناً ، وكانت العرب يرى الرَّجل منهم قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرَّض له ، وأمَّا اليوم فلا يُهاج الجاني إذا التجأ إليه عند أهل العراق ، وعند الشافعيِّ : الأولى أن لا يُهاج ، فإنْ أُخيف بإقامة الحدِّ عليه جاز . وقد قال كثيرٌ من المفسرين : مَنْ شاء آمن ، ومَنْ شاء لم يُؤمن ، كما أنَّه لمَّا جعله مثابةً ، مَنْ شاء ثاب ، ومَنْ شاء لم يثب . { واتَّخذوا } أَيْ : النَّاس { من مقام إبراهيم } وهو الحجر الذي يُعرف بمقام إبراهيم ، وهو موضع قدميه { مصلَّى } وهو أنَّه تُسنُّ الصَّلاة خلف المقام ، قُرىء على هذا الوجه على الخبر ، وقرىء بالكسر على الأمر . { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } أمرناهما وأوصينا إليهما { أنْ طهِّرا بيتي } من الأوثان والرِّيَب [ { للطائفين } حوله ، وهم النزائع إليه من آفاق الأرض { والعاكفين } أي : المقيمين فيه ، وهم سكان الحرم { والركع } جمع راكع و { السجود } جمع ساجد؛ مثله : قاعد وقعود ] .\r { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا } أَيْ : هذا المكان وهذا الموضع { بلداً } مسكناً { آمناً } أَيْ : ذا أمنٍ لا يُصاد طيره ، ولا يُقطع شجره ولا يُقتل فيه أهله . { وارزق أهله من الثمرات } أنواع حمل الشَّجر { مَنْ آمن منهم بالله واليوم الآخر } خَصَّ إبراهيم عليه السلام بطلب الرزق المؤمنين . قال تعالى : { وَمَنْ كفر فأمتعه قليلاً } فسأرزقه إلى منتهى أجله { ثمَّ أضطره } أُلجئه في الآخرة { إلى عذاب النار وبئس المصير } هي .\r { وإذ يرفع إبراهيم القواعد } أصول الأساس { من البيت وإسماعيل } ويقولان : { ربنا تقبلْ منَّا } تقرُّبنا إليك ببناء هذا البيت { إنك أنت السميع } لدعائنا { العليمُ } بما في قلوبنا .","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"{ ربنا واجعلنا مسلمين لك } مُطيعين مُنقادين لحكمك { ومن ذريتنا أمة } جماعةً { مسلمة لك } وهم المهاجرون والأنصار والتَّابعون بإحسان { وأرنا مناسكنا } عرّفنا مُتَعبَّداتنا .\r { ربنا وابعث فيهم } في الأمَّة المسلمة { رسولاً منهم } يريد : محمَّداً A { يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة } أَي : القرآن { ويزكيهم } ويُطهِّرهم من الشِّرك { إنك أنت العزيز } الغالب القويُّ الذي لا يعجزه شيءٌ ، ومضى تفسير الحكيم .\r { ومَنْ يرغب عن ملة إبراهيم } أَيْ : وما يرغب عنها ولا يتركها { إلاَّ مَنْ سفه نفسه } أَيْ : جهلها بأَنْ لم يعلم أنَّها مخلوقةٌ لله تعالى يجب عليها عبادة خالقها { ولقد اصطفيناه في الدُّنيا } اخترناه للرِّسالة { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } أَيْ : من الأنبياء .\r { إذ قال له ربه أسلم } أخلص دينك لله سبحانه بالتَّوحيد ، وقيل : أسلم نفسك إلى الله { قال أسلمت } بقلبي ولساني وجوارحي { لرب العالمين } .\r { ووصَّى بها } أَيْ : أمر بالملَّة ، وقيل : بكلمة الإِخلاص { إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيَّ } أراد : أَنْ يا بنيَّ { إنَّ الله اصطفى لكم الدين } أَي : الإِسلام دين الحَنيِفيَّة { فلا تموتن إلاَّ وأنتم مسلمون } أَي : الزموا الإِسلام حتى إذا أدرككم الموت صادفكم عليه .","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"{ أم كنتم شهداء } ترك الكلام الأوَّل ، وعاد إلى مُخاطبة اليهود . المعنى : بل أكنتم شهداء ، أَيْ : حضوراً { إذ حضر يعقوب الموت } وذلك أنَّ اليهود قالت للنبي A : ألستَ تعلم أنَّ يعقوب يوم مات ما أوصى بنيه باليهوديَّة؟ فأكذبهم الله تعالى ، وقال : أكنتم حاضرين وصيته { إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } .\r { تلك أمة } يعني : إبراهيم وبنيه ، ويعقوب وبنيه { قد خلت } قد مضت { لها ما كسبت } من العمل { ولكم } يا معشر اليهود { ما كسبتم } أَيْ : حسابهم عليهم ، وإنَّما تُسألون عن أعمالكم .\r { وقالوا كونوا هوداً أو نصارى } نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران ، قال كلُّ واحدٍ من الفريقين للمؤمنين : كونوا على ديننا فلا دين إلاَّ ذلك ، فقال الله تعالى : { قل بل ملَّة إبراهيم حنيفاً } يعني : بل نتبع ملَّة إبراهيم حنيفاً مائلاً عن الأديان كلِّها إلى دين الإسلام ، ثمَّ أمر المؤمنين أن يقولوا : \r { آمنا بالله وما أنزل إلينا } يعني : القرآن { وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } وهم أولاد يعقوب ، وكان فيهم أنبياء لذلك قال : وما أنزل إليهم . وقوله تعالى : { لا نفرِّق بين أحدٍ منهم } أَيْ : لا نكفر ببعضٍ ونؤمن ببعضٍ ، كما فعلت اليهود والنَّصارى .\r { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به } أَيْ : إِنْ أتوا بتصديقٍ مثلِ تصديقكم ، وكان إيمانُهم كإيمانكم { فقد اهتدوا } فقد صاروا مسلمين { وإن تولوا } أعرضوا { فإنما هم في شقاق } في خلافٍ وعداوةٍ { فَسَيَكْفِيْكَهُمُ الله } ثمَّ فعل ذلك ، فكفاه أمر اليهود بالقتل والسَّبي في قريظة ، والجلاء والنَّفي في بني النَّضير ، الجِزية والذَّلَّة في نصارى نجران .\r { صبغة الله } أَي : الزموا دين الله { ومَنْ أحسن من الله صبغة } أي : ومَنْ أحسنُ من الله ديناُ؟ .\r { قل } يا محمَّدُ لليهود والنَّصارى : { أتحاجوننا في الله } أَتُخاصموننا في دين الله؟ وذلك أنَّهم قالوا : إنَّ ديننا هو الأقدم ، وكتابنا هو الأسبق ، ولو كنتَ نبيّاً لكنتَ منَّا { ولنا أعمالنا } نُجازى بحسنها وسيِّئها ، وأنتم في أعمالكم على مثل سبيلنا { ونحن له مخلصون } مُوحِّدون .","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"{ أم تقولون } إنَّ الأنبياء من قبل أن تنزَّل التَّوراة والإِنجيل { كانوا هوداً أو نصارى } { قل أأنتم أعلم أم الله } أَيْ : قد أخبرنا الله سبحانه أنَّ الأنبياء كان دينهم الإِسلام ، ولا أحدٌ أعلم منه { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } هذا توبيخٌ لهم ، وهو أنَّ الله تعالى أشهدهم في التِّوراة والإِنجيل أنَّه باعثٌ فيهم محمداً A من ذريَّة إبراهيم عليه السَّلام ، وأخذ مواثيقهم أَنْ يُبيِّنوه ولا يكتموه ، ثمَّ ذكر قصَّة تحويل القبلة .","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"{ سيقول السفهاء من الناس } يعني : مشركي مكَّة ويهود المدينة { ما ولاَّهم } ما صرفهم؟ يعنون النبيَّ A والمؤمنين { عن قبلتهم التي كانوا عليها } وهي الصَّخرة { قل لله المشرق والمغرب } يأمر بالتَّوجُّه إلى أيٍّ جهةٍ شاء { يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } دينٍ مستقيمٍ . يريد : إنِّي رضيتُ هذه القِبلة لمحمَّدٍ A ، ثمَّ مدح أمَّته فقال : \r { وكذلك } أي : وكما هديناكم صراطاً مستقيماً { جعلناكم أمة وسطاً } عدولاً خياراً { لتكونوا شهداء على الناس } لتشهدوا على الأمم بتبليغ الأنبياء { ويكون الرسول عليكم } على صدقكم { شهيداً } وذلك أنَّ الله تعالى يسأل الأمم يوم القيامة ، فيقول : هل بلَّغكم الرُّسل الرِّسالة؟ فيقولون : ما بلَّغنا أحدٌ عنك شيئاً ، فيسأل الرُّسل فيقولون : بلَّغناهم رسالتك فعصوا ، فيقول : هل لكم شهيدٌ؟ فيقولون : نعم ، أُمَّة محمَّدٍ A ، فيشهدون لهم بالتِّبليغ وتكذيب قومهم إيَّاهم ، فتقول الأمم : يا ربِّ ، بمَ عرفوا ذلك ، وكانوا بعدنا؟ فيقولون : أخبرنا بذلك نبيُّنا في كتابه ، ثمَّ يُزكِّيهم محمّدٌ A . { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } أَي : التي أنتَ عليها اليوم ، وهي الكعبةُ ، قِبلةً { إلاَّ لنعلم } لنرى [ وقيل : معناه : لنميّز ] { مَنْ يتبع الرسول } في تصديقه بنسخ القِبلة { ممن ينقلب على عقبيه } يرتدُّ ويرجع إلى الكفر ، وذلك أنَّ الله تعالى جعل نسخ القِبلة على الصَّخرة إلى الكعبة ابتلاءً لعباده المؤمنين ، فمَنْ عصمه صدَّق الرَّسول في ذلك ، ومَنْ لم يعصمه شكَّ في دينه وتردَّد عليه أمره ، وظنَّ أنَّ محمداً عليه السَّلام في حيرةٍ من أمره ، فارتدَّ عن الإِسلام ، وهذا معنى قوله { وإن كانت لكبيرة } أَيْ : وقد كانت التَّولية إلى الكعبة لثقيلةً إلاَّ { على الذين هدى الله } عصمهم الله بالهداية ، فلمَّا حوِّلت القبلة قالت اليهود : فكيف بمَنْ مات منكم وهو يصلِّي على القبلة الأولى؟ لقد مات على الضَّلالة ، فأنزل الله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أَيْ : [ صلاتكم التي صلَّيتم و ] تصديقكم بالقِبلة الأولى { إنَّ الله بالناس } يعني : بالمؤمنين { لرؤوف رحيم } والرَّأفة أشدُّ الرَّحمة .","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"{ قد نرى تقلُّب وجهك . . . } الآية . كانت الكعبة أحبَّ القبلتين إلى رسول الله A ، ورأى أنَّ الصَّلاة إليها أدعى لقومه إلى الإسلام ، فقال لجبريل عليه السَّلام : وددتُ أنَّ الله صرفني عن قِبلة اليهود إلى غيرها ، فقال جبريل عليه السَّلام : إنَّما أنا عبدٌ مثلك ، وأنت كريم على ربِّك فسله ، ثمَّ ارتفع جبريل عليه السَّلام وجعل رسول الله A يُديم النَّظر إلى السَّماء رجاء أَنْ يأتيه جبريل عليه السَّلام بالذي سأل ، فأنزل الله تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } أَيْ : في النَّظر إلى السَّماء { فَلَنُوَلِّيَنَّكَ } فلنُصَيِّرَنَّك تستقبل { قبلة ترضاها } تحبُّها وتهواها { فَوَلِّ وجهك } أَيْ : أَقبل بوجهك { شطر المسجد الحرام } نحوه وتلقاءه { وحيثما كنتم } في برٍّ أو بحرٍ وأردتم الصَّلاة { فولوا وجوهكم شطره } فلمَّا تحوَّلت القِبلة إِلى الكعبة قالت اليهود : يا محمد ما أُمرتَ بهذا ، وإنَّما هو شيءٌ تبتدعه من تلقاء نفسك ، فأنزل الله تعالى : { وإنَّ الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنَّه الحق } أنَّ المسجد الحرام قِبلة إبراهيم وأنَّه لحقٌّ { وما اللَّهُ بغافل عما تعملون } يا معشر المؤمنين مِنْ طلب مرضاتي .\r { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب } يعني : اليهود والنَّصارى { بكلِّ آية } [ دلالةٍ ومعجزةٍ ] { ما تبعوا قبلتك } لأنَّهم مُعاندون جاحدون نبوَّتك مع العلم بها { وما أنت بتابعٍ قبلتهم } حسمَ بهذا أطماع اليهود في رجوع النَّبي A إلى قبلتهم؛ لأنَّهم كانوا يطمعون في ذلك { وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض } أخبر أنَّهم - وإنِ اتَّفقوا في التَّظاهر على النَّبيِّ A - مُختلفون فيما بينهم ، فلا اليهود تتبع قِبلة النَّصارى ، ولا النَّصارى تتبع قِبلة اليهود { ولئن اتبعت أهواءهم } أَيْ : صلَّيت إلى قِبلتهم { بعد ما جاءك من العلم } أنَّ قِبلة الله الكعبة { إنك إذاً لمن الظالمين } أيْ : إِنَّك إذاً مثلُهم ، والخطابُ للنبيِّ A في الظَّاهر ، وهو في المعنى لأُمَّته .\r { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه } يعرفون محمَّداً A بنعته وصفته { كما يعرفون أبناءَهم وإنَّ فريقاً منهم ليكتمون الحق } من صفته في التَّوراة { وهم يعلمون } لأنَّ الله بيَّن ذلك في كتابهم .","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"{ الحق من ربك } أَيْ : هذا الحقُّ من ربِّك { فلا تكوننَّ من الممترين } الشَّاكِّين في الجملة التي أخبرتك بها من أمر القِبلة ، وعناد اليهود وامتناعهم عن الإِيمان بك .\r { ولكلٍّ } أَيْ : ولكلِّ أهل دينٍ { وجهةٌ } قِبلةٌ ومُتوجَّةٌ إليها في الصَّلاة { هو مُوَلِّيْها } وجهَه ، أَيْ : مستقبلها { فاستبقوا الخيرات } فبادروا إلى القبول من الله عزَّ وجل ، ووَلُّوا وجوهكم حيث أمركم الله تعالى { أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً } يجمعكم الله تعالى للحساب ، فيجزيكم بأعمالكم ، ثم أَكَّد استقبال القبلة أينما كان بآيتين ، وهما قوله تعالى .\r { ومن حيث خرجت . . . } الآية ، وقوله : { ومن حيث خرجت فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجَّةٌ } يعني : اليهود ، وذلك أنَّ اليهود كانوا يقولون : ما درى محمَّدٌ أين قِبلته حتى هديناه ، ويقولون : يخالفنا محمَّدٌ في ديننا ويتَّبِع قِبلتنا ، فهذا كان حجِّتهم التي كانوا يحتجُّون بها تمويهاً على الجُهَّال ، فلمَّا صُرفت القِبلة إلى الكعبة بطلت هذه الحجَّة ، ثمَّ قال تعالى : { إلاَّ الذين ظلموا منهم } من النَّاس ، وهم المشركون فإنَّهم قالوا : توجَّه محمدٌ إلى قِبلتنا ، وعلم أنَّا أهدى سبيلاً منه ، فهؤلاء يحتجُّون بالباطلِ ، ثمَّ قال : { فلا تخشوهم } يعني : المشركين في تظاهرهم عليكم في المُحاجَّة والمحاربة { واخشوني } في ترك القِبلة ومخالفتها ، { ولأُتمَّ نعمتي عليكم } أَيْ : ولكي أَتمَّ - عطفٌ على { لئلا يكون } - نعمتي عليكم بهدايتي إيّاكم إلى قِبلة إبراهيم ، فَتَتِمُّ لكم الملَّة الحنيفيَّة { ولعلكم تهتدون } ولكي تهتدوا إلى قِبلة إبراهيم .\r { كما أرسلنا فيكم } المعنى : ولأتمَّ نعمتي عليكم كإرسالي إليكم رسولاً ، أَيْ : أتمُّ هذه كما أتممت تلك بإرسالي { رسولاً منكم } تعرفون صدقه ونسبه { يتلو عليكم آياتنا } يعني : القرآن ، وهذا احتجاجٌ عليهم؛ لأنَّهم عرفوا أنَّه أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب ، فلمَّا قرأ عليهم القرآن تبيَّن لهم صدقه في النُّبوَّة { ويزكيكم } أَيْ : يُعرِّضكم لما تكونوا به أزكياء من الأمر بطاعة الله تعالى .\r { فاذكروني } بالطَّاعة { أذكركم } بالمغفرة { واشكروا لي } نعمتي { ولا تكفرون } أَيْ : لا تكفروا نعمتي .\r { يا أيها الذين آمنوا استعينوا } على طلب الآخرة { بالصبر } على الفرائض ، { والصلاة } وبالصَّلوات الخمس على تمحيص الذُّنوب { إنَّ الله مع الصابرين } أَيْ : إنِّي معكم أنصركم ولا أخذلكم .","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"{ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } نزلت في قتلى بدر من المسلمين ، وذلك أنَّهم كانوا يقولون لمَنْ يُقتل في سبيل الله : مات فلانٌ وذهب عنه نعيم الدُّنيا ، فقال الله تعالى : ولا تقولوا للمقتولين في سبيلي هم أمواتٌ { بل } هم { أحياء } لأنَّ أرواح الشُّهداء في أجواف طيرٍ خضرٍ تسرح في الجنَّة . { ولكن لا تشعرون } بما هم فيه من النَّعيم والكرامة .\r { ولنبلونكم } ولنعاملنَّكم مُعاملة المبتلي { بشيء من الخوف } يعني : خوف العدوِّ { والجوع } يعني : القحط { ونقص من الأموال } يعني : الخسران والنُّقصان في المال وهلاك المواشي { والأنفس } يعني : الموت والقتل في الجهاد والمرض والشَّيب { والثمرات } يعني : الجوائح وموت الأولاد ، فمَنْ صبر على هذه الأشياء استحقَّ الثَّواب ، ومَنْ لم يصبر لم يستحق . يدلُّ على هذا قوله تعالى : { وبشر الصابرين } .\r { الذين إذا أصابتهم مصيبة } ممَّا ذُكر { قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } أَيْ : أموالنا لله ، ونحن عبيدة يصنع بنا ما يشاء ، ثمَّ وعدهم على هذا القول المغفرة .\r { أولئك عليهم صلوات من ربهم } أَيْ : مغفرةٌ { ورحمة } ونعمةٌ { وأولئك هم المهتدون } إلى الجنَّة والثَّواب ، والحقِّ والصَّواب . وقيل : زيادة الهدى ، وقيل : هم المنتفعون بالهداية .\r { إنَّ الصفا والمروة } [ وهما جبلان معروفان بمكَّة ] { من شعائر الله } أَيْ : مُتعبَّداته { فمن حجَّ البيت } زاره معظِّماً له { أو اعتمر } قصد البيت للزِّيارة { فلا جناح عليه } فلا إثم عليه { إن يطوَّف بهما } بالجبلين ، وذلك أنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يطوفون بينهما وعليهما صنمان يمسحونهما ، فكره المسلمون الطَّواف بينهما ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . { ومن تطوَّع خيراً } فعل غير المفترض عليه من طوافٍ ، وصلاةٍ ، وزكاةٍ ، وطاعةٍ { فإنَّ الله شاكر } مجازٍ له بعمله { عليم } بنيَّته .\r { إنَّ الذين يكتمون ما أنزلنا } يعني : علماء اليهود { من البينات } من الرَّجم والحدود والأحكام { والهدى } أمر محمَّدٍ A ونعته { من بعد ما بيناه للناس } لبني إسرائيل { في الكتاب } في التَّوراة { أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } كلُّ شيءٍ إلاَّ الجنَّ والإِنس .\r { إلاَّ الذين تابوا } رجعوا من بعد الكتمان { وأصلحوا } السَّريرة { وبيَّنوا } صفة محمَّدٍ A { فأولئك أتوب عليهم } أعود عليهم بالمغفرة .\r { إنَّ الذين كفروا وماتوا وهم كفَّار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } يعني : المؤمنين .\r { خالدين فيها لا يخففُ عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أَيْ : ولا هم يُمهلون للرَّجعة والتَّوبة والمعذرة ، إذ قد زال التَّكليف .","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"{ وإلهكم إله واحدٌ } كان للمشركين ثلثمائةٍ وستون صمناً يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى ، فبيَّن الله سبحانه أنَّه إِلههم ، وأّنَّه واحدٌ ، فقال : { وإلهكم إله واحدٌ } أَيْ : ليس له في الإِلهيَّة شريكٌ ، ولا له في ذاته نظيرٌ { لا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم } كذَّبهم الله عزَّ وجلَّ في إشراكهم معه آلهةً ، فعجب المشركون من ذلك ، وقالوا : إنَّ محمداً يقول : { وإلهكم إله واحد } فليأتنا بآيةٍ إن كان من الصَّادقين ، فأنزل الله تعالى : \r { إنَّ في خلق السموات والأرض } مع عظمهما وكثرة أجزائهما { واختلاف الليل والنهار } ذهابهما ومجئيهما { والفلك } السُّفن { التي تجري في البحر بما ينفع الناس } من التِّجارات { وما أنزل الله من السماء من ماء } من مطرٍ { فأحيا به الأرض } أخصبها بعد جدوبتها { وبثَّ } وفرَّق { فيها من كلِّ دابة وتصريف الرياح } تقليبها مرَّة جنوباً ومرَّة شمالاً ، وباردةً وحارَّة { والسحاب المسخَّر } المُذلَّل لأمر الله { بين السماء والأرض لآياتٍ } لدلالاتٍ على وحدانية الله { لقوم يعقلون } فعلَّمهم الله عزَّ وجلَّ بهذه الآية كيفية الاستدلال على الصَّانع وعلى توحيده ، وردَّهم إلى التًّفكُّر في آياته والنَّظر في مصنوعاته ، ثمَّ أعلم أنَّ قوماً بعد هذه الآيات والبيِّنات يتَّخذون الأنداد مع علمهم أنَّهم لا يأتون بشيءٍ ممَّا ذكر .","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"{ ومن النَّاس مَنْ يتخذ من دون الله أنداداً } يعني : الأصنام التي هي أندادٌ بعضها لبعضٍ ، أَيْ : امثال { يحبونهم كحب الله } أي : كحبِّ المؤمنين الله { والذين آمنوا أشد حباً لله } لأنَّ الكافر يُعرِضُ عن معبوده في وقت البلاء ، والمؤمن لا يُعرض عن الله في السِّراء والضَّراء ، والشِّدَّة والرَّخاء ، { ولو يرى الذين ظلموا } كفروا { إذ يرون العذاب } شدَّة عذاب الله تعالى وقوّته لعلموا مضرَّة اتِّخاذ الأنداد ، وجواب \" لو \" محذوفٌ ، وهو ما ذكرنا .\r { إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا } هذه الآية تتصل بما قبلها؛ لأنَّ المعنى : وإنَّ الله شديد العذاب حين تبرَّأ المُتَّبَعُون في الشِّرك من أتباعهم عند رؤية العذاب ، يقولون : لم ندعُكم إلى الضَّلالة وإلى ما كنتم عليه { وتقطعت بهم } عنهم { الأسباب } الوصلات التي كانت بينهم في الدُّنيا من الأرحام والموَّدة ، وصارت مُخالَّتهم عداوةً .\r { وقال الذين اتبعوا } وهم الأتباع { لو أنَّ لنا كرَّةً } رجعةً إلى الدُّنيا تبرَّأنا منهم { كما تبرَّؤوا منا كذلك } أَيْ : كتبرُّىء بعضهم من بعضٍ { يريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم } يعني : عبادتهم الأوثان رجاء أن تُقرِّبهم إلى الله تعالى ، فلمَّا عُذِّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسَّروا .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"{ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً } نزلت هذه الآية في الذين حرَّموا على أنفسهم السَّوائب والوصائل والبحائر ، فأَعلمَ الله سبحانه أنَّها يَحلُّ أكْلُها ، وأنَّ تحريمها من عمل الشَّيطان ، فقال : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أَيْ : سُبله وطرقه ، ثمَّ بيَّن عداوة الشَّيطان ، فقال : \r { إنما يأمركم بالسوء } بالمعاصي { والفحشاء } البخل ، وقيل : كلُّ ذنبٍ فيه حدٌّ { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من تحريم الأنعام والحرث .\r { وإذا قيل لهم } أي : لهؤلاء الذين حرَّموا من الحرث والأنعام أشياء { اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا } ما وجدنا { عليه آباءنا } فقال الله تعالى مُنكراً عليهم : { أَوَلَوْ كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون } يتَّبعونهم؟ والمعنى : أيتَّبعون آبائهم وإنْ كانوا جهَّالاً؟! ثمَّ ضرب للكفَّار مثلاً ، فقال : \r { ومثل الذين كفروا } في وعظهم ودعائهم إلى الله عزَّ وجلَّ { كمثل } الرَّاعي { الذي ينعق } يصيح بالغنم وهي لا تعقل شيئاً ، ومعنى يَنْعِق : يصيح ، وأراد { بما لا يسمع إلاَّ دعاءً ونداءً } البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الرَّاعي ، إنَّما تسمع صوتاً لا تدري ما تحته ، كذلك الذين كفروا يسمعون كلام النَّبيِّ A وهم كالغنم؛ إذ كانوا لا يستعملون ما أمرهم به ، ومضى تفسير قوله : { صم بكم عمي } ، ثمَّ ذكر أنَّ ما حرَّمه المشركون حلالٌ .","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } أَيْ : حلالات ما رزقناكم من الحرث والنَّعم وما حرَّمه المشركون على أنفسهم منهما { واشكروا لله إنْ كنتم إياه تعبدون } أَيْ : إنْ كانت العبادة واجبةً عليكم بأنَّه إلهكم فالشُّكر له واجبٌ ، بأنه منعمٌ عليكم ، ثمَّ بيَّن المُحرَّم ما هو فقال : \r { إنما حرَّم عليكم الميتة } وهي كلُّ ما فارقه الرُّوح من غير ذكاةٍ ممَّا يذبح { والدم } يعني : الدَّم السَّائل لقوله في موضع آخر : { أو دماً مسفوحاً } وقد دخل هذين الجنسين الخصوصُ بالسُّنَّةِ ، وهو قوله A : \" أُحلَّت لنا ميتتان ودمان \" الحديث . وقوله تعالى : { ولحم الخنزير } يعني : الخنزير بجميع أجزائه ، وخصَّ اللَّحم لأنَّه المقصود بالأكل { وما أُهِلَّ به لغير الله } يعني : ما ذُبح للأصنام ، فذكر عليه غير اسم الله تعالى { فمن اضطر } أَيْ : أُحوج وأُلْجِىءَ في حال الضَّرورة . [ وقيل : مَنْ أكره على تناوله ، وأُجبر على تناوله كما يُجبر على التَّلفُّظ بالباطل ] { غير باغٍ } أَيْ : غير قاطعٍ للطَّريق مفارقٍ للأئمة مُشاقًّ للأمَّة { ولا عادٍ } ولا ظالم متعدٍّ ، فأكلَ { فلا إثم عليه } وهذا يدلُّ على أنَّ العاصي بسفره لا يستبيح أكل الميتة عند الضَّرورة { إنَّ الله غفور } للمعصية فلا يأخذ بما جعل فيه الرُّخصة { رحيمٌ } حيث رخَّص للمضطر .","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"{ إنَّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب } يعني : رؤساء اليهود { ويشترون به } بما أنزل الله من نعت محمَّدٍ A في كتابهم { ثمناً قليلاً } يعني : ما يأخذون من الرُّشى على كتمان نعته { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلاَّ النار } إلاَّ ما هو عاقبته النَّار { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } أَيْ : كلاماً يسرُّهم { ولا يزكيهم } ولا يُطهِّرهم من دنس ذنوبهم .\r { أولئك الذين اشتروا الضلالة } استبدلوها { بالهدى والعذاب بالمغفرة } حين جحدوا أمر محمَّدٍ A وكتموا نعته { فما أصبرهم } أَيْ : فأيُّ شيءٍ صبَّرهم على النَّار ، ودعاهم إليها حين تركوا الحقَّ واتبعوا الباطل؟! وهذا استفهامٌ معناه التَّوبيخ لهم . [ وقيل : ما أجرأهم على النار! ] .\r { ذلك } أَيْ : ذلك العذاب لهم { بأنَّ الله نزل الكتاب بالحق } يعني : القرآن فاختلفوا فيه { وإنَّ الذين اختلفوا في الكتاب } فقالوا : إنَّه رَجَزٌ ، وشِعرٌ ، وكهانةٌ ، وسحرٌ { لفي شقاق بعيد } لفي خلافٍ للحقِّ طويلٍ .\r { ليس البر . . } الآية . كان الرَّجل في ابتداء الإِسلام إذا شهد الشَّهادتين ، وصلَّى إلى أَيٍّ ناحيةٍ كانت ثمَّ مات على ذلك وجبت له الجنَّة ، فلمَّا هاجر رسول الله A ونزلت الفرائض وصُرفت القِبلة إلى الكعبة أنزل الله تعالى هذه الآية ، فقال : { ليس البر } كلَّه أن تُصلُّوا ولا تعملوا غير ذلك { ولكنَّ البرَّ } أَيْ : ذا البرِّ { مَنْ آمن بالله واليومِ الآخر والملائكة والكتاب والنَّبيين وآتى المال على حبه } أَيْ : على حبِّ المال . [ وقيل : الضميرُ راجعٌ إلى الإِيتاء ] { ذوي القربى } قيل : عنى به قرابة النبي A . وقيل : أراد به قرابة الميت ] { وابن السبيل } هو المنقطع يمرُّ بك ، والضَّيف ينزل بك { وفي الرِّقاب } أَيْ : وفي ثمنها . يعني : المكاتبين { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } اللَّهَ أو النَّاسَ { والصابرين في البأساء } الفقر { والضراء } المرض { وحين البأس } وقت القتال في سبيل الله { أولئك } أهل هذه الصفة هم { الذين صدقوا } في إيمانهم .","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } نزلت في حَيَّينِ من العرب أحدهما أشرف من الآخر ، فقتل الأوضع من الأشرف قتلى ، فقال الأشرف : لنقتلنَّ الحرَّ بالعبد ، والذَّكر بالأنثى ، ولَنُضاعِفَنَّ الجراح ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقوله : { كُتب } : أُوجب وفُرض { عليكم القصاص } اعتبار المماثلة والتَّساوي بين القتلى ، حتى لا يجوز أن يقتل حرٌّ بعبدٍ ، أو مسلمٌ بكافرٍ ، فاعتبارُ المماثلةِ واجبٌ ، وهو قوله : { الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى } ودلَّ قوله في سورة المائدة : { أنَّ النَّفس بالنَّفس } على أنَّ الذَّكر يُقتل بالأنثى فيقتل الحرُّ بالحرَّة { فمن عفي له } أَيْ : تُرك له { من } دم { أخيه } المقتول { شيءٌ } وهو أن يعفو بعض الأولياء فيسقط القود { فاتباع بالمعروف } أَيْ : فعلى العافي الذي هو ولي الدَّم أن يتبع القاتل بالمعروف ، وهو أن يطالبه بالمال من غير تشدُّد وأذىً ، وعلى المطلوب منه المال { أداءٌ } تأدية المال إلى العافي { بإحسانٍ } وهو ترك المطل والتَّسويف . { ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة } هو أنَّ الله تعالى خَيَّرَ هذه الأمَّة بين القصاص والدية والعفو ، ولم يكن ذلك إلاَّ لهذه الأُمَّة { فمن اعتدى } أَيْ : ظلم بقتل القاتل بعد أخذ الدية { فله عذابٌ أليم } .\r { ولكم في القصاص حياة } أَيْ : في إثباته حياةٌ ، وذلك أنَّ القاتل إذا قُتل ارتدع عن القتل كلُّ مَنْ يهمُّ بالقتل ، فكان القصاص سبباً لحياة الذي يُهَمُّ بقتله ، ولحياة الهامِّ أيضاً؛ لأنه إنْ قَتلَ قُتل { يا أولي الألباب } يا ذوي العقول { لعلكم تتقون } [ إراقة ] الدِّماء مخافة القصاص .\r { كتب عليكم . . . } الآية . كان أهل الجاهليَّة يُوصون بمالهم للبعداء رياءً وسُمعةً ، ويتركون أقاربهم [ فقراء ] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . { كتب عليكم } فُرض عليكم وأُوجب { إذا حضر أحدكم الموت } أَيْ : أسبابه ومُقدِّماته { إنْ ترك خيراً } مالاً { الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف } يعني : لا يزيد على الثلث { حقاً } أي : حقَّ ذلك حقَّاً { على المتقين } الذين يتَّقون الشِّرك ، وهذه الآية مسنوخةٌ بآية المواريث ، ولا تجب الوصية على أحدٍ ، [ ولا تجوز الوصية للوارث ] .\r { فَمَنْ بدَّله بعد ما سمعه } أَيْ : بدَّل الإِيصاء وغيَّره من وصيٍّ ووليٍّ وشاهدٍ بعد ما سمعه عن الميت { فإنما إثمه } إثم التَّبديل { على الذين يبدلونه } وبَرِىءَ الميِّت { إن الله سميع } سمع ما قاله المُوصي { عليم } بنيَّته وما أراد ، فكانت الأولياء والأوصياء يمضون وصيه الميت بعد نزول هذه الآية وإن استغرقت المال ، فأنزل الله تعالى : \r { فمن خاف } أَيْ : علم { من موصٍ جنفاً } خطأً في الوصية من غير عمدٍ ، وهو أن يُوصي لبعض ورثته ، أو يوصي بماله كلِّه خطأً { أو إثماً } أَيْ : قصداً للميل ، فَخافَ في الوصية وفعل ما لا يجوز مُتعمِّداً { فأصلح } بعد موته بين ورثته وبين المُوصى لهم { فلا إثم عليه } أَيْ : إِنَّه ليس بمبدلٍ يأثم ، بل هو متوسطٌ للإِصلاح ، وليس عليه إثمٌ .","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } يعني صيام شهر رمضان { كما كتب } يعني : كما أُوجب { على الذين من قبلكم } أَيْ : أنتم مُتَعَبِّدون بالصَّيام كما تُعبِّد مَنْ قبلكم { لعلكم تتقون } لكي تتقوا الأكل والشُّرب والجماع في وقت وجوب الصَّوم .\r { أياماً معدودات } يعني : شهر رمضان { فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ } فأفطر { فعدَّةٌ } أَيْ : فعليه عدَّةٌ ، أَيْ : صوم عدَّةٍ ، يعني : بعدد ما أفطر { من أيام أُخر } سوى أيَّام مرضه وسفره { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } هذا كان في ابتداء الإسلام؛ مَنْ أطاق الصوم جاز له أن يُفطر ، ويُطعم لكلِّ يومٍ مسكيناً مُدَّاً من طعام ، فَنُسِخ بقوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } { فمن تطوع خيراً } زاد في الفدية على مُدٍّ واحدٍ { فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم } أيْ : والصَّوم خيرٌ لكم من الإِفطار والفدية ، وهذا [ إنَّما ] كان قبل النَّسخ .\r { شهر رمضان } أَيْ : هي شهر رمضان . يعني : تلك الأيام المعدودات شهر رمضان { الذي أُنزل فيه القرآن } أُنزل جملةً واحدً من اللَّوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان ، فوضع في بيت العزَّة في سماء الدُّنيا ، ثمَّ نزل به جبريل عليه السَّلام على محمد A نجوماً نجوماً عشرين سنةً { هدىً للناس } هادياً للنَّاس { وبينات من الهدى } وآياتٍ واضحاتٍ من الحلال والحرام ، والحدود والأحكام { والفرقان } الفرق بين الحقِّ والباطل { فمن شهد منكم الشهر } فمَنْ حضر منكم بلده في الشَّهر { فليصمه } { ومَنْ كان مريضاً أو على سفرٍ فعدَّةٌ من أيام أخر } أعاد هاهنا تخيير المريض والمسافر؛ لأنَّ الآية الأولى وردت في التَّخيير للمريض والمسافر والمقيم ، وفي هذه الآية نُسخ تخيير المقيم ، فأُعيد ذكر تخيير المريض والمسافر ليعلم أنَّه باقٍ على ما كان { يريد الله بكم اليسر } بالرُّخصة للمسافر والمريض { ولا يريد بكم العسر } لأنَّه لم يشدِّد ولم يُضيِّق عليكم { ولتكملوا } [ عطف على محذوف ] والمعنى : يريد الله بكم اليسر ، ولا يريد بكم العسر لِيَسْهُلَ عليكم { ولتكملوا العدَّة } أَيْ : ولتكملوا عدَّة ما أفطرتم بالقضاء إذا أقمتم وبرأتم { ولتكبروا الله } يعني التَّكبير ليلة الفطر إذا رُئي هلال شوال { على ما هداكم } أرشدكم من شرائع الدِّين .","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"{ وإذا سألك عبادي عني . . . } الآية . سأل بعض الصَّحابة النبيَّ A : أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه ، أم بعيدٌ فنناديَه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقوله تعالى : { فإني قريبٌ } يعني : قربه بالعلم { أجيب } أسمع { دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي } أَيْ : فليجيبوني بالطَّاعة وتصديق الرُّسل { وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } ليكونوا على رجاءٍ من إصابة الرُّشد .\r { أحلَّ لكم ليلة الصيام . . . } الآية . كان في ابتداء الإسلام لا تحلُّ المجامعة في ليالي الصَّوم ، ولا الأكل ولا الشُّرب بعد العشاء الآخرة ، فأحلَّ الله تعالى ذلك كلَّه إلى طلوع الفجر ، وقوله : { الرفث إلى نسائكم } يعني : الإِفضاء إليهنَّ بالجماع { هنَّ لباسٌ لكم } أَيْ : فراشٌ { وأنتم لباس } لحافٌ { لهنَّ } عند الجماع { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } تخونون أنفسكم بالجماع ليالي رمضان ، وذلك أنَّ عمر بن الخطاب Bه وغيره فعلوا ذلك ، ثمَّ أتوا رسول الله A يسألونه ، فنزلت الرُّخصة { فتاب عليكم } فعاد عليكم بالترخيص { وعفا عنكم } ما فعلتم قبل الرُّخصة { فالآن باشروهنَّ } جامعوهنَّ { وابتغوا } واطلبوا { ما كتب الله لكم } ما قضى الله سبحانه لكم من الولد { وكلوا واشربوا } اللَّيل كلَّه { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض } يعني : بياض الصُّبح { من الخيط الأسود } من سواد اللَّيل { من الفجر } بيانُ أنَّ هذا الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره { ثمَّ أتموا الصيام إلى الليل } بالامتناع من هذه الأشياء { ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد } نهيٌ للمعتكف عن الجماع؛ لأنه يُفسده ، { تلك } أَيْ : هذه الأحكام التي ذكرها { حدود الله } ممنوعاته { فلا تقربوها } فلا تأتوها { كذلك } أَيْ : مثل هذا البيان : { يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } المحارم .\r { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } أَيْ : لا يأكل بعضكم مال بعضٍ بما لا يحلُّ في الشَّرع ، من الخيانة والغصب ، والسَّرقة والقمار ، وغير ذلك { وتُدْلُوا بها إلى الحكام } ولا تصانعوا [ أَيْ : لا ترشوا ] بأموالكم الحكَّام لِتقتطعوا حقَّاً لغيركم { لتأكلوا فريقاً } طائفةً { من أموال الناس بالإِثم } بأن ترشوا الحاكم ليقضي لكم { وأنتم تعلمون } أنَّكم مُبطلون ، وأنَّه لا يحلُّ لكم ، والأصل في الإِدلاء : الإِرسال ، من قولهم : أدليتُ الدَّلو .","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"{ يسألونك عن الأهلَّة } يسأل معاذ بن جبلٍ رسولَ الله A عن زيادة القمر ونقصانه ، فأنزل الله تعالى : { يسألونك عن الأهلة } وهي جمع هلال { قل هي مواقيت للناس والحج } أخبر الله عنه أنَّ الحكمة في زيادته ونقصانه زوال الالتباس عن أوقات النَّاس في حجِّهم ومَحِلِّ دُيونِهم ، وعِدَدِ نسائهم ، وأجور أُجرائهم ، ومُدَد حواملهم ، وغير ذلك { وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها } كان الرَّجل في الجاهليَّة إذا أحرم نقب من بيته نقباً من مؤخره يدخل فيه ويخرج ، فأمرهم الله بترك سنَّة الجاهليَّة ، وأعلمهم أنَّ ذلك ليس ببرٍّ { ولكن البرَّ } برُّ { من اتقى } مخالفةَ الله { وأتوا البيوت من أبوابها . . . } الآية .\r { وقاتلوا في سبيل الله . . . } الآية . نزلت هذه الآية في صلح الحديبية ، وذلك أنَّ رسول الله A لمَّا انصرف من الحديبية إلى المدينة المنورة حين صدَّه المشركون عن البيت ، صالحهم على أن يرجع عامة القابل ويُخَلُّوا له مكَّة ثلاثة أيَّام ، فلمَّا كان العام القابل تجهزَّ رسول الله A لعمرة القضاء ، وخافوا أن لا تفي لهم قريشٌ وأن يصدُّوهم عن البيت ويقاتلوهم ، وكره أصحاب رسول الله A قتالهم في الشَّهر الحرام في الحرم ، فأنزل الله تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله } أَيْ : في دين الله وطاعته { الذين يقاتلونكم } يعني : قريشاً { ولا تعتدوا } ولا تظلموا فتبدؤوا في الحرم بالقتال .\r { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } وجدتموهم وأخذتموهم { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } يعني : من مكَّة { والفتنة أشدّ من القتل } يعني : وشركُهم بالله تعالى أعظمُ من قتلكم إيَّاهم في الحرم { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه } نُهوا عن ابتدائهم بقتلٍ أو قتالٍ حتى يبتدىء المشركون { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } أَيْ : إن ابتدؤوا بقتالكم عند المسجد الحرام فلكم القتال على سبيل المكافأة ، ثم بيَّن أنهم إن انتهوا ، أَيْ : كفُّوا عن الشِّرك والكفر والقتال وأسلموا { فإنَّ الله غفور رحيم } أَيْ : يغفر لهم كفرهم وقتالهم من قبل ، وهو منعمٌ عليهم بقبول توبتهم وإيمانهم بعد كفرهم وقتالهم .\r { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أَيْ : شركٌ . يعني : قاتلوهم حتى يُسلموا ، وليس يُقبل من المشرك الوثنيِّ جزيةٌ { ويكون الدين } أَيْ : الطَّاعة والعبادة { لله } وحده فلا يُعبد دونه شيءٌ { فإن انتهوا } عن الكفر { فلا عدوان } أَيْ : فلا قتل ولا نهب { إلاَّ على الظالمين } والكافرين .\r { الشهر الحرام بالشهر الحرام } أَيْ : إن قاتلوكم في الشَّهر الحرام فقاتلوهم في مثله { والحرمات قصاص } أَي : إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك ، أَعلمَ الله سبحانه أنَّه لا يكون للمسلمين أنْ ينتهكوها على سبيل الابتداء ، ولكن على سبيل القصاص ، وهو معنى قوله : { فمن اعتدى عليكم . . . } الآية . { وأنفقوا في سبيل الله } في طاعة الله تعالى من الجهاد وغيره { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ولا تُمسكوا عن الإِنفاق في الجهاد { وأحسنوا } أَيْ : الظنَّ بالله تعالى في الثَّواب والإِخلاف عليكم .","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"{ وأتموا الحج والعمرة لله } بمناسكهما وحدودهما وسننهما ، وتأدية كلِّ ما فيهما { فإن أحصرتم } حُبستم ومُنعتم دون تمامهما { فما استيسر } فواجبٌ عليكم ما تيسَّر { من الهدي } وهو ما يُهدى إلى بيت الله سبحانه ، أعلاه بدنةٌ ، وأوسطه بقرة ، وأدناه شاةٌ ، فعليه ما تيسَّر من هذه الأجناس { ولا تحلقوا رؤوسكم } أَيْ : لا تَحِلُّوا من إحرامكم { حتى يبلغ الهدي محلَّه } حتى يُنحر الهدي بمكَّة في بعض الأقوال ، وهو مذهب أهل العراق ، وفي قول غيرهم : مَحِلُّه حيث يَحِلُّ ذبحه ونحره ، وهو حيث أُحصر ، وهو مذهب الشَّافعي { فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه } [ يعني الهوام تقع في الشَّعر وتكثر ] فحلق { ففديةٌ من صيامٍ } وهو صيام ثلاثة أيَّام { أو صدقة } وهي إطعام ستة مساكين . لكلِّ مسكينٍ مُدَّان { أو نسك } ذبيحةٍ { فإذا أمنتم } أَيْ : من العدوِّ ، أو كان حجٌّ ليس فيه خوفٌ من عدوٍّ { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } أيْ : قدم مكَّة مُحرماً واعتمر في أشهر الحجِّ ، وأقام حلالاً بمكَّة حتى يُنشىء منها الحجَّ عامَه ذلك ، واستمتع بمحظورات الإحرام؛ لأنَّه حلَّ بالعمرة ، فمن فعل هذا { ف } عليه { ما استيسر من الهدي فمن لم يجد } ثمن الهدي { فصيام ثلاثة أيام في } أشهر { الحج وسبعة إذا رجعتم } أَيْ : بعد الفراغ من الحجِّ { تلك عشرة كاملة ذلك } أَيْ : ذلك الفرض الذي أُمرنا به من الهدي أو الصِّيام { لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } أَيْ : لمَنْ لم يكن من أهل مكَّة .","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"{ الحج أشهر } أًيْ : أشهرُ الحجِّ أشهرٌ { معلوماتٌ } مُوقَّتةٌ معيَّنةٌ ، وهي شوال وذو القعدة وتسعُ من ذي الحجَّة { فمن فرض } أوجب على نفسه { فيهنَّ الحجَّ } بالإحرام والتَّلبية { فلا رفث } فلا جِماعَ { ولا فسوق } ولا معاصي { ولا جدال } وهو أَنْ يُجادلَ صاحبه حتى يُغضبه ، والمعنى : لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا { في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله } أَيْ : يُجازيكم به الله العالم { وتزوَّدوا } نزلت في قومٍ كانوا يحجُّون بلا زادٍ ويقولون : نحن متوكِّلون ، ثمَّ كانوا يسألون النَّاس وربَّما ظلموهم وغصبوهم ، فأمرهم الله أَنْ يتزوَّدوا فقال : { وتزوَّدوا } ما تتبلَّغون به { فإن خير الزاد التقوى } يعني : ما تكفُّون به وجوهكم عن السُّؤال وأنفسكم عن الظُّلم .\r { ليس عليكم جناح . . . } الآية . كان قومٌ يزعمون أنَّه لا حَجَّ لتاجرٍ ولا جَمَّالٍ ، فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنه لا حرج في ابتغاء الرِّزق بقوله : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم } أَيْ : رزقاً بالتجِّارة في الحجِّ { فإذا أفضتم } أَيْ : دفعتم وانصرفتم من { عرفات فاذكروا الله } بالدُّعاء والتَّلبية { عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم } أَيْ : ذكراً مثلَ هدايته إيَّاكم ، أَيْ : يكون جزاءً لهدايته إيَّاكم { وإن كنتم من قبله } أَيْ : وما كنتم من قبل هُدَاه إلاَّ ضالِّين .","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"{ ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض الناس } يعني : العرب وعامِّة النَّاس إلاَّ قريشاً ، وذلك أنَّهم كانوا لا يقفون بعرفات وإنَّما يقفون بالمزدلفة ويقولون : نحن أهل حرم الله ، فلا نخرج منه ، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفاتٍ ، كما يقف سائر النَّاس حتى تكون الإفاضة معهم منها . { فإذا قضيتم مناسككم } أَيْ : فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحجِّ { فاذكروا الله كذكركم آباءَكم } كانت العرب إذا فرغوا من حجِّهم ذكروا مفاخر آبائهم ، فأمرهم الله عزَّ وجلَّ بذكره { أو أشدَّ ذكراً } يعني : وأشدَّ ذكراً { فمن الناس . . . } الآية ، وهم المشركون كانوا يسألون المال والإبل والغنم ، ولا يسألون حظَّاً في الآخرة؛ لأَنهم لم يكونوا مؤمنين بها ، والمسلون يسألون الحظَّ في الدُّنيا والآخرة ، وهو قوله : \r { ومنهم مَنْ يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة . . . } الآية . [ ومعنى : { في الدنيا حسنة } : العمل بما يرضي الله ، { وفي الآخرة حسنة } : الجنة ] .\r { أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا } أَيْ : ثوابُ ما عملوا { والله سريعُ الحساب } مع هؤلاء؛ لأنَّه يغفر سيئاتهم ويضاعف حسناتهم .","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"{ واذكروا الله في أيام معدودات } يعني : التَّكبير أدبار الصَّلوات في أيام التَّشريق { فمن تعجَّل في يومين } من أيام التَّشريق فنفر في اليوم الثّاني من مِنىً { فلا إثم عليه } في تعجُّله ، { ومن تأخر } عن النَّفر إلى اليوم الثالث { فلا إثم عليه } في تأخُّره { لمن اتقى } أَيْ : طرحُ المأثم يكون لمن اتَّقى في حجِّه تضييعَ شيءٍ ممَّا حدَّه الله تعالى .\r { ومن الناس مَن يعجبك قوله . . . } الآية . يعني : الأخنس بن شريق ، وكان منافقاً حلو الكلام ، حسن العلانيَة سيِّىء السَّريرة ، وقوله : { في الحياة الدنيا } لأنَّ قوله إنَّما يعجب النَّاس في الحياة الدُّنيا ، ولا ثواب له عليه في الآخرة { ويشهد الله على ما في قلبه } لأنَّه كان يقول للنَّبيِّ A : واللَّهِ ، إنِّي بك لمؤمنٌ ، ولك محبٌّ { وهو ألدُّ الخصام } أَيْ : شديد الخصومة ، وكان جَدِلاً بالباطل .\r { وإذا تولى سعى في الأرض . . . } الآية ، وذلك أنَّه رجع إلى مكَّة ، فمرَّ بزرعٍ وحُمُرٍ للمسلمين ، فأحرق الزَّرع وعقر الحُمُر ، فهو قوله : { ويهلك الحرث والنسل } أَيْ : نسل الدَّوابِّ .\r { وإذا قيل له اتق الله } وإذا قيل له : مهلاً مهلاً { أخذته العزَّةُ بالإِثم } حملته الأنفة وحميَّة الجاهليَّة على الفعل بالإِثم { فحسبه جهنم } كافيه الجحيم جزاءً له { ولبئس المهاد } ولبئس المقرُّ جهنَّم .","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"{ ومن الناس مَنْ يشري } أَيْ : يبيع { نفسه } يعني : يبذلها لأوامر الله تعالى { ابتغاء مرضاة الله } لطلب رضا الله . نزلت في صهيب الرُّوميِّ .\r { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِّلْمِ } أَيْ : في الإسلام { كافة } أيْ : جميعاً ، أيْ : في جميع شرائعه . نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه ، وذلك أنَّهم بعدما دخلوا في الإِسلام عظَّموا السَّبت ، وكرهوا لُحمان الإِبل فأُمروا بترك ذلك ، وإنَّه ليس من شرائع الإِسلام تحريم السَّبت وكراهة لحوم الإبل { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أيْ : آثاره ونزغاته { إنه لكم عدوٌّ مبين } .\r { فإن زللتم } تنحَّيتم عن القصد بتحريم السَّبْت ولحوم الإِبل { من بعد ما جاءتكم البينات } أَيْ : القرآن { فاعلموا أنَّ الله عزيز } في نقمته لا تعجزونه ولا يُعجزه شيءٌ { حكيم } فيما شرع لكم من دينه .\r { هل ينظرون } أَيْ : هل ينتظرون . يعني : التَّاركين الدُّخول في الإِسلام ، و \" هل \" استفهامٌ معناه النَّفي ، أيْ : ما ينتظر هؤلاء في الآخرة { إلاَّ أن يأتيهم } عذاب { اللَّهُ في ظلل من الغمام } والظُّلَل جمع : ظُلَّة ، وهي كلُّ ما أظلَّك ، والمعنى : إنَّ العذاب يأتي فيها ، ويكون أهول { والملائكة } أَيْ : الملائكةُ الذين وُكِّلوا بتعذيبهم { وقضي الأمر } فُرغ لهم ممَّا يوعدون بأنْ قُدِّر ذلك عليهم { وإلى الله تُرجع الأمور } يعني : في الجزاء من الثَّواب والعقاب .\r { سل بني إسرائيل } سؤال توبيخ وتبكيتٍ وتقريعٍ [ كما يُقال : سله كم وعظته فلم يقبل ] { كم آتيناهم من آية بينةً } من فلق البحر ، وإنجائهم من عدوِّهم ، وإنزال المنِّ والسًّلوى ، وغير ذلك { ومَنْ يُبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته } يعني : ما أنعم الله به عليهم من العلم بشأن محمِّدٍ عليه السَّلام ، فبدَّلوه وغيَّروه .\r { زين للذين كفروا } أَيْ : رؤساء اليهود { الحياة الدُّنيا } فهي هِمَّتهم وطِلبتهم ، فهم لا يريدون غيرها { ويسخرون من الذين آمنوا } أَيْ : فقراء المهاجرين { والذين اتقوا } الشِّرك وهم هؤلاء الفقراء { فوقهم يوم القيامة } لأنَّهم في الجنَّة ، وهي عاليةٌ ، والكافرين في النَّار ، وهي هاويةٌ { والله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب } يريد : إِنَّ أموال قريظة والنَّضير تصيرُ إليهم بلا حسابٍ ولا قتالٍ ، بل بأسهل شيءٍ وأيسره .","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"{ كان الناس } على عهد إبراهيم عليه السَّلام { أمة واحدة } كفاراً كلَّهم { فبعث الله النبيين } إبراهيم وغيره { وأنزل معهم الكتاب } والكتابُ اسم الجنس { بالحق } بالعدل والصِّدق { ليحكم بين الناس } أَيْ : الكتابُ { فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاَّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً } أَيْ : وما اختلفَ في أمر محمَّدٍ بعد وضوح الدّلالات لهم بغياً وحسداً إلاَّ اليهودُ الذين أوتوا الكتاب؛ لأنَّ المشركين - وإن اختلفوا في أمر محمَّد عليه السَّلام - فإنَّهم لم يفعلوا ذلك للبغي ، والحسد ، ولم تأتهم البيِّنات في شأن محمَّد عليه السَّلام ، كما أتت اليهود ، فاليهود مخصوصون من هذا الوجه { فهدى الله الذين آمنوا } { ل } معرفة { ما اختلفوا فيه من الحق بإذنه } بعلمه وإرادته فيهم .\r { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة . . . } الآية . نزلت في فقراء المهاجرين حين اشتدَّ الضُّرُّ عليهم؛ لأنَّهم خرجوا بلا مالٍ ، فقال الله لهم [ أَيْ لهؤلاء المهاجرين ] : أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة من غير بلاءٍ ولا مكروهٍ { ولما يأتكم } أَيْ : ولم يأتكم { مثل الذين خلوا } أَيْ : مثل محنة الذين مضوا { من قبلكم } أَيْ : ولم يُصبكم مثل الذي أصابهم ، فتصبروا كما صبروا { مَسَّتْهُم البأساء } الشدَّة { والضرَّاء } المرض والجوع { وزلزلوا } أَيْ : حُرِّكوا بأنواع البلاء { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } أَيْ : حين استبطؤوا النَّصر ، فقال الله : { ألا إنَّ نصر الله قريب } أَيْ : أنا ناصر أوليائي لا محالة .\r { يسألونك ماذا ينفقون } نزلت في عمرو بن الجموح ، وكان شيخاً كبيراً وعنده مالٌ عظيمٌ ، فسأل رسول الله A : ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعُها؟ فنزلت هذه الآية . قال كثيرٌ من المفسرين : هذا كان قبل فرض الزكاة ، فلمَّا فُرضت الزَّكاة نسخت الزَّكاة هذه الآية .","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"{ كتب عليكم القتال } فُرض وأوجب عليكم الجهاد { وهو كرهٌ لكم } أَيْ : مشقَّةٌ عليكم لما يدخل منه على النَّفس والمال { وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم } لأنَّ في الغزو إحدى الحسنيين؛ إمَّا الظفر والغنيمة؛ وإمَّا الشَّهادة والجنَّة { وعسى أن تحبُّوا شيئاً } أَيْ : القعود عن الغزو { وهو شرٌّ لكم } لما فيه من الذُّل والفقر ، وحرمان الغنيمة والأجر { والله يعلم } ما فيه مصالحكم ، فبادروا إلى ما يأمركم به وإنْ شقَّ عليكم .\r { يسألونك عن الشهر الحرام } نزلت في سريةٍ بعثها رسول الله A فقاتلوا المشركين وقد أهلَّ هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك ، فاستعظم المشركون سفك الدِّماء في رجب ، فأنزل الله تعالى : { يسألونك } يعني : المشركين . وقيل : هم المسلمون { عن الشهر الحرام قتالٍ فيه } أَيْ : وعن قتالٍ فيه { قل قتالٌ فيه كبير } ثمَّ ابتدأ فقال : { وصد } ومنعٌ { عن سبيل الله } أَيْ : طاعته . يعني : صدَّ المشركين رسولَ الله A وأصحابه عن البيت الحرام عام الحديبية { وكفر به } بالله { والمسجد الحرام } أَيْ : وصدٌّ عن المسجد الحرام { وإخراج أهله } أَيْ : أهل المسجد . يعني : رسول الله A وأصحابه حين أُخرجوا من مكَّة { منه أكبرُ } وأعظم وِزْراً { عند الله والفتنة } أَيْ : والشِّرك { أكبر من القتل } يعني : قتل السِّرية المشركين في رجب { ولا يزالون } يعني : المشركين { يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم } إلى الكفر { إن استطاعوا ومن يَرْتَدِدْ منكم عن دينه } الإِسلام ، أَيْ : يرجع فيموت على الكفر { فأولئك حبطت أعمالهم . . . } الآية . [ بطلت أعمالهم ] . فقال هؤلاء السَّرية لرسول الله A : أصبنا القوم في رجب ، أنرجو أن يكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله؟ فأنزل الله تعالى : \r { إنَّ الذين آمنوا والذين هاجروا } فارقوا عشائرهم وأوطانهم { وجاهدوا } المشركين { في سبيل الله } في نصرة دين الله { أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } غفر لهؤلاء السِّرية ما لم يعلموا ورحمهم ، والإِجماعُ اليوم منعقدٌ على أنَّ قتال المشركين يجوز في جميع الأشهر حلالها وحرامها .\r { يسألونك عن الخمر والميسر } نزلت في عُمَر ، ومعاذٍ ، وسعد بن أبي وقاص Bهم ، أتوا رسول الله A فقالوا : أفتنا في الخمر والميسر؛ فإنَّهما مَذْهَبةٌ للعقل ، مَسْلَبةٌ للمال ، فنزلت قوله عزَّ وجلَّ { يسألونك عن الخمر } وهو كلُّ مسكرٍ مخالطٍ للعقل مُغطٍّ عليه { والميسر } : القمار { قل فيهما إثم كبير } يعني : الإِثم بسببهما لما فيهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزُّور وغير ذلك { ومنافع للناس } ما كانوا يصيبونه من المال في بيع الخمر والتِّجارة فيها ، واللَّذَّة عند شربها ، ومنفعةُ الميسر ما يُصاب من القمار ، ويرتفق به الفقراء ، ثمَّ بيَّن أنَّ ما يحصل بسببهما من الإِثم أكبر من نفعهما ، فقال { وإثمهما أكبر من نفعهما } ، وليست هذه الآيةُ المُحرِّمةَ للخمر والميسر ، إنَّما المُحرِّمةُ التي في سورة المائدة ، وهذه الآية نزلت قبل تحريمها .","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"{ ويسألونك ماذا ينفقون } نزلت في سؤال عمرو بن الجموح لمَّا نزل قوله : { فللوالدين والأقربين } في سؤاله أعاد السّؤال ، وسأل عن مقدار ما ينفق؟ فنزل قوله : { قل العفو } أَيْ : ما فضل من المال عن العيال ، وكان الرَّجل بعد نزول هذه الآية يأخذ من كسبه ما يكفيه ، وينفق باقيه إلى أن فُرضت الزَّكاة ، فنسخت آية الزَّكاة التي في براءة هذه الآية وكلَّ صدقةٍ أُمروا بها قبل الزَّكاة { كذلك } أَيْ : كبيانه في الخمر والميسر ، أو في الإِنفاق { يبين الله لكم الآيات } لتتفكَّروا في أمر الدُّنيا والآخرة ، فتعرفوا فضل الآخرة على الدُّنيا .","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"{ ويسألونك عن اليتامى } كانت العرب في الجاهليَّة يُشدِّدون في أمر اليتيم ولا يُؤاكلونه ، وكانوا يتشاءمون بملابسة أموالهم ، فلمَّا جاء الإِسلام سألوا رسول الله A عن ذلك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقوله : { قل إصلاح لهم خير } يعني : الإِصلاح لأموالهم من غير أجرةٍ خيرٌ وأعظم أجراً { وإن تخالطوهم } تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم فتصيبوا من أموالهم عوضاً عن قيامكم بأمورهم { فإخوانكم } أَيْ : فهم إخوانكم ، والإِخوانُ يُعين بعضهم بعضاً ، ويُصيب بعضهم من مال بعضٍ ، { والله يعلم المفسد } لأموالهم { من المصلح } لها ، فاتقَّوا الله في مال اليتيم ، ولا تجعلوا مخالطتكم إيَّاهم ذريعةً إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حقٍّ { ولو شاء الله لأعنتكم } لضيَّق عليكم وآثمكم في مخالطتكم . ومعناه : التَّذكير بالنِّعمة في التَّوسعة { إنَّ الله عزيزٌ } في ملكه { حكيم } فيما أمر به .\r { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ } نزلت في أبي مرثد الغنويِّ ، كانت له خليلةٌ مشركةٌ ، فلمَّا أسلم سأل رسول الله A : أيحلُّ له أن يتزوَّج بها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمشركات ها هنا عامَّة في كلِّ مَنْ كفرت بالنَّبيِّ A . حرَّم الله تعالى بهذه الآية نكاحهنَّ ، ثمَّ استثنى الحرائر الكتابيات بالآية التي في المائدة ، فبقي نكاح الأَمَة الكتابية على التَّحريم { ولأَمةٌ مؤمنةٌ } نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أَمَةٌ مؤمنةٌ فأعتقها وتزوَّجها ، فطعن عليه ناسٌ ، وعرضوا عليه حُرَّةً مشركةً ، فنزلت هذه الآية ، وقوله : { ولو أعجبتكم } المشركة بمالها وجمالها { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } لا يجوز تزويج المسلمة من المشرك بحالٍ { أولئك } أَي : المشركون { يدعون إلى النَّار } أَي : الأعمال الموجبة للنَّار { والله يدعو إلى الجنة والمغفرة } أَيْ : العمل الموجب للجنَّة والمغفرة { بإذنه } بأمره . يعني : إنَّه بأوامره يدعوكم .","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"{ ويسألونك عن المحيض } [ ذكر المفسرون أنَّ العرب كانت إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ، ولم يَسَّاكَنُوا معها في بيت ، كفعل المجوس ] فسأل أبو الدَّحداح رسول الله A فقال : يا رسول الله ، كيف نصنع بالنِّساء إذا حضن؟ فنزلت هذه الآية ، والمحيض : الحيض { قل هو أذىً } أَيْ : قذرٌ ودمٌ { فاعتزلوا النساء في المحيض } أَيْ : مجامعتهنَّ إذا حضن { ولا تقربوهنَّ } أَيْ : ولا تجامعوهنَّ { حتى يَطَّهَّرْنَ } أي : يغتسلن ، ومَنْ قرأ : { يَطْهُرْنَ } بالتَّخفيف ، أَيْ : ينقطع عنهنَّ الدَّم ، أَيْ : توجد الطَّهارة وهي الغسل { فإذا تطهَّرن } اغتسلن { فأتوهنَّ } أَيْ : جامعوهنَّ { من حيث أمركم الله } بتجنُّبه في الحيض - وهو الفرج - { إنَّ الله يحب التوابين } من الذُّنوب و { المتطهرين } بالماء من الأحداث والجنابات .\r { نساؤكم حرثٌ لكم } أَيْ : مزرعٌ ومنبتٌ للولد { فأتوا حرثكم أنى شئتم } أَيْ : كيف شئتم ومن أين شئتم بعد أن يكون في صِمام واحدٍ ، فنزلت هذه الآية تكذيباً لليهود ، وذلك أنَّ المسلمين قالوا : إِنَّا نأتي النِّساء باركاتٍ وقائماتٍ ومستلقياتٍ ، ومن بين أيديهنَّ ، ومن خلفهنَّ بعد أن يكون المأتي واحداً ، فقالت اليهود : ما أنتم إلاَّ أمثال البهائم ، لكنَّا نأتيهنَّ على هيئةٍ واحدةٍ ، وإنَّا لنجد في التَّوراة أنَّ كلَّ إِتيانٍ يؤتى النِّساء غير الاستلقاء دنسٌ عند الله ، فأكذب الله تعالى اليهود { وقدموا لأنفسكم } أَي : العمل لله بما يحبُّ ويرضى { واتقوا الله } فيما حدَّ لكم من الجماع وأمرِ الحائض { واعلموا أنكم ملاقوه } أَيْ : راجعون إليه { وبشر المؤمنين } الذين خافوه وحذروا معصيته .\r { ولا تجعلوا الله عرضةٌ لأيمانكم } أَيْ : لا تجعلوا اليمين بالله سبحانه علَّةً مانعةً من البرِّ والتَّقوى من حيث تتعمَّدون اليمين لتعتلُّوا بها . نزلت في عبد الله بن رواحة حلف أن لا يُكلِّم ختنه ، ولا يدخل بينه وبين خصم له ، جعل يقول : قد حلفتُ أَنْ لا أفعل فلا يحلُّ لي ، وقوله : { أن تبروا } أَي : في أَنْ لا تبرُّوا ، أو لدفع أن تبرُّوا ، ويجوز أن يكون قوله : { أن تبروا } ابتداءً ، وخبره محذوف على تقدير : أن تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين النَّاس أولى ، أَي : البرُّ والتُّقى أولى . { والله سيمعٌ عليمٌ } يسمع أيمانكم ، ويعلم ما تقصدون بها .\r { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } أَيْ : ما يسبق به اللِّسان من غير عقدٍ ولا قصدٍ ، ويكون كالصِّلة للكلام ، وهو مِثلُ قول القائل : لا والله ، وبلى واللَّهِ . وقيل : لغو اليمين : اليمينُ المكفَّرة ، سمِّيت لغواً لأنَّ الكفَّارة تُسقط الإِثم منه { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أَيْ : عزمتم وقصدتم ، وعلى القول الثاني في لغو اليمين معناه : ولكن يؤاخذكم بعزمكم على ألا تبرُّوا وتعتلُّوا في ذلك بأيمانكم بأنَّكم حلفتم { والله غفورٌ حليم } يؤخِّر العقوبة عن الكفَّار والعُصاة .\r { للذين يؤلون من نسائهم } أَيْ : يحلفون أن لا يطؤوهنَّ { تربص أربعة أشهر } جعل الله تعالى الأجل في ذلك أربعة أشهر ، فإذا مضت هذه المدَّة فإمَّا أن يُطلِّق أو يطأ ، فإن أباهما جميعاً طلَّق عليه الحاكم { فإن فاؤوا } رجعوا عمَّا حلفوا عليه ، أَيْ : بالجماع { فإنَّ الله غفورٌ رحيم } يغفر له ما قد فعل ، [ ولزمته كفَّارة اليمين ] .\r { وإن عزموا الطلاق } أَيْ : طلَّقوا ولم يفيؤوا بالوطء { فإنَّ الله سميع } لما يقوله { عليمٌ } بما يفعله .","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"{ والمطلقات } أَيْ : المُخلَّيات من حبال الأزواج . يعني : البالغات المدخول بهنَّ غير الحوامل؛ لأنَّ في الآية بيان عدتهنَّ { يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } أَيْ : ثلاثة أطهار ، يعني : ينتظرن انقضاء مدة ثلاثة أطهارٍ حتى تمرَّ عليهن ثلاثة أطهارٍ ، وقيل : ثلاث حيضٍ . { ولا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ } يعني : الولد؛ ليبطلن حقَّ الزوج من الرَّجعة { إن كنَّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر } وهذا تغليظٌ عليهنَّ في إِظهار ذلك { وبعولتهن } أَيْ : أزواجهنَّ { أحقُّ بردهنَّ } بمراجعتهنَّ { في ذلك } في الأجل الذي أُمرْنَ أن يتربصن فيه { إن أرادوا إصلاحاً } لا إضراراً { ولهنَّ مثل الذي عليهن بالمعروف } أَيْ : للنِّساء على الرَّجال مثلُ الذي للرِّجال عليهنَّ من الحقِّ بالمعروف ، أَيْ : بما أمر الله من حقِّ الرَّجل على المرأة { وللرجال عليهن درجة } يعني : بما ساقوا من المهر ، وأنفقوا من المال { والله عزيز حكيم } يأمر كما أراد ويمتحن كما أحبَّ .\r { الطلاق مرتان } كان طلاقُ الجاهلية غير محصورٍ بعددٍ ، فحصر الله الطلاق بثلاثٍ ، فذكر في هذه الآية طلقتين ، وذكر الثَّالثة في الآية الأخرى ، وهي قوله : { فإن طلقها فلا تحلُّ له من بعد . . . } الآية ، وقيل : المعنى في الآية : الطَّلاق الذي يُملك فيه الرَّجعة مرَّتان .\r { فإمساك بمعروف } يعني : إذا راجعها بعد الطَّلقتين فعليه إمساكٌ بما أمر الله تعالى { أو تسريحٌ بإحسان } وهو أَنْ يتركها حتى تَبِينَ بانقضاء العِدَّة ، ولا يراجعها ضراراً { ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً } لا يجوز للزَّوج أن يأخذ من امرأته شيئاً ممَّا أعطاها من المهر ليطلِّقها إلاَّ في الخُلع ، وهو قوله : { إلاَّ أن يخافا } أيْ : يعلما { ألا يُقيما حدود الله } والمعنى : إنَّ المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بُغضاً له ، وخاف الزَّوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها حلَّ له أن يأخذ الفدية منها إذا دعت إلى ذلك { فإنْ خفتم } أيُّها الولاة والحكَّام { ألا يقيما حدود الله } يعني : الزَّوجين { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } المرأة ، لا جُناح عليها فيما أعطته ، ولا على الرَّجل فيام أخذ { تلك حدود الله } يعني : ما حدَّه من شرائع الدِّين .\r { فإن طلقها } يعني : الزوج المُطلِّق اثنتين { فلا تحلُّ له } المطلَّقة ثلاثاً { من بعد } أَيْ : من بعد التَّطليقة الثَّالثة { حتى تنكح زوجاً غيره } غير المُطلِّق [ ويجامعها ] { فإن طلقها } أَيْ : الزَّوج الثَّاني { فلا جناح عليهما أن يتراجعا } بنكاحٍ جديدٍ { إن ظنا } أَيْ : علما وأيقنا { أن يقيما حدود الله } ما بيَّن الله من حقِّ أحدهما على الآخر .","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"{ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنَّ } أَيْ : قاربن انقضاء عدتهنَّ { فأمسكوهنَّ بمعروف } أَيْ : راجعوهنّ بإشهادٍ على الرَّجعة وعقد لها لا بالوَطْء كما يقول أبو حنيفة { أو سرحوهنَّ بمعروف } أَي : اتركوهنَّ حتى تنقضي عدتهنَّ ويكنَّ أملك بأنفسهنَّ { ولا تمسكوهنَّ ضراراً } أَيْ : لا تُراجعوهنَّ مضارَّةً وأنتم لا حاجة بكم إليهنَّ { لتعتدوا } عليهنَّ بتطويل العِدَّة { ومن يفعل ذلك } الاعتداء { فقد ظلم نفسه } ضرَّها وأثم فيما بينه وبين الله عزَّ وجلَّ { ولا تتخذوا آيات الله هزواً } كان الرَّجل يُطلِّق في الجاهليَّة ويقول : إنَّما طلَّقت وأنا لاعبٌ ، فيرجع فيها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . { واذكروا نعمة الله عليكم } بالإِسلام { وما أنزل عليكم من الكتاب } يعني : القرآن { والحكمة } مواعظ القرآن .\r { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنَّ } انقضت عدتهنَّ { فلا تعضلوهنَّ } لا تمنعوهنَّ { أن ينكحن أزواجهنَّ } بنكاحٍ جديدٍ ، أَي : الذين كانوا أزواجاً لهنَّ . نزلت في أخت معقل بن يسار طلَّقها زوجها ، فلمَّا انقضت عدَّتها جاء يخطبها ، فأبى معقلٌ أن يُزوِّجها ومنعها بحقِّ الولاية { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } بعقدٍ حلالٍ ومهرٍ جائزٍ { ذلك } أَيْ : أَمْرُ اللَّهِ بتَرْكِ العضل { يوعظ به مَنْ كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى } أَيْ : ترك العضل خير { لكم } وأفضلُ { وأطهر } لقلوبكم من الرِّيبة ، وذلك أنَّهما إذا كان في قلب كلِّ واحدٍ منهما علاقةُ حبِّ لم يُؤمن عليهما { والله يعلم } ما لكم فيه من الصَّلاح .\r { والوالداتُ يرضعن أولادهن } لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر ، وهو أمر استحبابٍ لا أمر إيجابٍ . يريد : إنهنَّ أحقُّ بالإِرضاع من غيرهنَّ إذا أردن ذلك { حولين } سنتين { كاملين } تامين ، وهذا تحديدٌ لقطع التَّنازع بين الزَّوجين إذا اشتجرا في مدَّة الرَّضاع . يدلُّ على هذا قوله : { لمن أراد } أَيْ : هذا التَّقدير والبيان { لمن أراد أن يتمَّ الرضاعة } ، { وعلى المولود له } أَي : الأب { رزقهن وكسوتهنَّ } رزق الوالدات ولباسهنَّ . قال المفسرون : وعلى الزَّوج رزق المرأة المُطلَّقة وكسوتها إذا أرضعت الولد { بالمعروف } بما يعرفون أنَّه عدلٌ على قدر الإِمكان ، وهو معنى قوله : { لا تكلف نفس إلاَّ وسعها } لا تلزم نفسٌ إلاَّ ما يسعها { لا تضار والدة بولدها } لا ينزع الولد منها إلى غيرها بعد أَنْ رضيت بإرضاعه ، وألفها الصَّبيُّ ، ولا تُلقيه هي إلى أبيه بعدما عرفها تُضَارُّه بذلك ، وهو قوله : { ولا مولودةٌ له بولده } ، { وعلى الوارث مثل ذلك } هذا نسقٌ على قوله : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهنَّ } بمعنى : على وارث الصبيِّ - الذي لو مات الصبيُّ وله مالٌ ورثه - مثل الذي كان على أبيه في حياته ، وأراد بالوارث مَنْ كان من عصبته كائناً من كان من الرِّجال { فإن أرادا } يعني : الأبوين { فصالاً } فطاماً للولد { عن تراضٍ منهما } قبل الحولين { وتشاور } بينهما { فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } مراضع غير الوالدة { فلا جناح عليكم } فلا إثم عليكم { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } أَيْ : إذا سلَّمتم إلى الأُمِّ أجرتها بمقدار ما أرضعت .","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"{ والذين يتوفون منكم } أَيْ : يموتون { ويذرون } ويتركون [ ويُخَلِّفُون ] { أزواجاً } نساءً { يتربصن بأنفسهنَّ } خبرٌ في معنى الأمر { أربعة أشهر وعشرا } هذه المدَّة عدَّة المُتوفَّى عنها زوجها إلاَّ أن تكون حاملاً { فإذا بلغن أجلهنَّ } انقضت عدَّتهنَّ { فلا جناح عليكم } أيُّها الأولياء { فيما فعلن في أنفسهنَّ بالمعروف } أَيْ : مِنْ تزوُّج الأكفاء بإذن الأولياء . هذا تفسير المعروف ها هنا ، لأنَّ التي تُزَوِّج نفسها سمَّاها النَّبيُّ A زانية ، وهذه الآية ناسخةٌ لقوله تعالى : { متاعاً إلى الحول غير إخراج } الآية .","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"{ ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به } أَيْ : تكلَّمتم به من غير تصريح ، وهو أن يُضمِّن الكلام دلالةً على ما يريد { من خطبة النساء } أَي : التماس نكاحهنَّ في العدَّة . يعني : المتوفَّى عنها الزَّوج يجوز التعريض بخطبتها في العدَّة ، وهو أن يقول لها وهي في العدَّة : إنَّك لجميلةٌ ، وإنَّك لنافقةٌ ، وإنَّك لصالحةٌ ، وإنَّ من عزمي أَنْ أتزوَّج ، وما اشبه ذلك { أو أَكْنَنْتُمْ } أسررتم وأضمرتم { في أنفسكم } من خطبتهنَّ ونكاحهنَّ { علم الله أنكم ستذكرونهنَّ } يعني : الخطبة { ولكن لا تواعدوهن سراً } أَيْ : لا تأخذوا ميثاقهنَّ أن لا ينكحن غيركم { إلاَّ أن تقولوا قولاً معروفاً } أَي : التَّعرض بالخطبة كما ذكرنا { ولا تعزموا عقدة النكاح } أيْ : لا تصححوا عقدة النِّكاح { حتى يبلغ الكتاب أجله } حتى تنقضي العدَّة المفروضة { واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم } أَيْ : مُطَّلعٌ على ما في ضمائركم . { فاحذروه } فخافوه .","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"{ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنَّ } نزلت في رجلٍ من الأنصار تزوَّج امرأة ولم يسمِّ لها مهراً ، ثمَّ طلَّقها قبل أن يمسَّها ، فأعلم الله تعالى أنَّ عقد التَّزويج بغير مهرٍ جائز ، ومعناه : لا سبيل للنِّساء عليكم إنْ طلقتموهنَّ من قبل المسيس والفرض بصداقٍ ولا نفقة ، وقوله : { أو تفرضوا لهنَّ فريضة } أَيْ : تُوجبوا لهنَّ صداقاً { ومتعوهنَّ } أَيْ : زوِّدوهنَّ وأعطوهنَّ من ما لكم ما يتمتَّعْنَ به ، فالمرأة إذا طُلِّقت قبل تسمية المهر وقبل المسيس فإنَّها تستحق المتعة بإجماع العلماء ، ولا مهرَ لها و { على الموسع } أَي : الغنيِّ الذي يكون في سعةٍ من غناه { قدره } أَيْ : قدر إمكانه { وعلى المقتر } الذي في ضيق من فقره قدر إمكانه . أعلاها خادم ، وأوسطها ثوب ، وأقلُّها أقلُّ ماله ثمن . قال الشافعيُّ : وحسنٌ ثلاثون درهماً . { متاعاً } أَيْ : متعوهنَّ متاعاً { بالمعروف } بما تعرفون أنَّه القصد وقدر الإِمكان { حقاً } واجباً { على المحسنين } .\r { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهنَّ } هذا في المُطلَّقة بعد التَّسمية وقبل الدُّخول ، حكم الله تعالى لها بنصف المهر ، وهو قوله : { فنصف ما فرضتم } أَيْ : فالواجبُ نصف ما فرضتم { إلاَّ أن يعفون } أَي : النِّساء ، أَيْ : إلاَّ أَنْ يتركن ذلك النِّصف ، فلا يُطالبن الأزواج به { أو يعفو الذي بيده عقده النكاح } أَي : الزَّوج لا يرجع في شيءٍ من المهر ، فيدع لها المهر الذي وفَّاه عملاً { وأن تعفو } خطابٌ للرِّجال والنِّساء { أقرب للتقوى } أَيْ : أدعى إلى اتِّقاء معاصي الله؛ لأنَّ هذا العفو ندبٌ ، فإذا انتدب المرء له عُلم إنَّه - لما كان فرضاً - أشدُّ استعمالاً { ولا تنسوا الفضل بينكم } لا تتركوا أن يتفضَّل بعضكم على بعض . هذا أمرٌ للزَّوج والمرأة بالفضل والإِحسان .\r { حافظوا على الصلوات } بأدائها في أوقاتها { والصلاة الوسطى } أَيْ : صلاة الفجر ، [ لأنَّها بين صلاتي ليلٍ وصلاتي نهارٍ ] أفردها بالذِّكر تخصيصاً { وقوموا لله قانتين } مُطيعين .\r { فإن خفتم فرجالاً } أَيْ : إن لم يمكنكم أن تصلُّوا موفِّين للصَّلاة حقًَّها فصلُّوا مُشاةً على أرجلكم { أو ركباناً } على ظهور دوابِّكم ، وهذا في المطاردة والمسايفة { فإذا أمنتم فاذكروا الله } أَيْ : فصلُّوا الصَّلوات الخمس تامَّةً بحقوقها { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } كما افترض عليكم في مواقيتها .\r { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية } فعليهم وصيةٌ { لأزواجهم } لنسائهم ، وهذا كان في ابتداء الإِسلام لم يكن للمرأة ميراثٌ من زوجها ، وكان على الزَّوج أن يُوصي لها بنفقة حولٍ ، فكان الورثة ينفقون عليها حولاً ، وكان الحول عزيمةً عليها في الصَّبر عن التَّزوُّج ، وكانت مُخيَّرة في أن تعتدَّ إن شاءت في بيت الزَّوج ، وإن شاءت خرجت قبل الحول وتسقط نفقتها ، فذلك قوله : { متاعاً إلى الحول } أَيْ : متعوهنَّ متاعاً .","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"يعني : النَّفقة { غير إخراجٍ } أَيْ : من غير إخراج الورثة إيَّاها { فإن خرجن فلا جناح عليكم } يا أولياء الميِّت في قطع النَّفقة عنهنَّ ، وترك منعها عن التَّشوف للنَّكاح والتَّصنُّع للأزواج ، وذلك قوله : { فيما فعلن في أنفسهنَّ من معروف } وهذا كلُّه منسوخٌ بآية المواريث وعدَّةِ المتوفى عنها زوجها .\r { وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقاً على المتقين } لمَّا ذكر الله تعالى متعة المُطلَّقة في قوله : { حقاً على المحسنين } قال رجلٌ من المسلمين : إنْ أحسنتُ فعلتُ ، وإن لم أُرد ذلك لم أفعل ، فأوجبها الله تعالى على المتقين . الذين يتَّقون الشِّرك .\r { كذلك يبين الله لكم آياته } شبّه اللَّهُ البيانَ الذي يأتي بالبيان الذي مضى في الأحكام التي ذكرها .","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"{ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } ألم تعلم ، ألم ينته علمك إلى هؤلاء ، وهم قومٌ من بني إسرائيل خرجوا من بلدتهم هاربين من الطَّاعون ، حتى نزلوا وداياً فأماتهم الله جميعاً ، فذلك قوله : { حذر الموت } أَيْ : لحذر الموت { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } مقتهم الله على فرارهم من الموت ، فأماتهم عقوبةً لهم ثمَّ بعثهم ليستوفوا بقيَّة آجالهم { إنَّ الله لذو فضل على الناس } أَيْ : تفضُّلٍ عليهم بأَنْ أحياهم بعد موتهم .\r { وقاتلوا في سبيل الله } يحرِّض المؤمنين على القتال { واعلموا أنَّ الله سميعٌ } لما يقوله المُتعلِّل { عليمٌ } بما يضمره ، فإيَّاكم والتَّعلُّلَ .\r { مَنْ ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً } أَيْ : مَنْ ذا الذي يعمل عمل المُقرض ، بأن يقدِّم من ماله فيأخذ أضعاف ما قدَّم ، وهذا استدعاءٌ من الله تعالى إلى أعمال البرِّ { والله يقبض } أَيْ : يُمسك الرِّزق على مَنْ يشاء { ويبسط } أي : ويوسِّع على من يشاء .\r { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل } أَي : إلى الجماعة { إذ قالوا لنبيٍّ لهم ابعث لنا ملكاً } سألوا نبيَّهم أشمويل عليه السَّلام ملكاً تنتظم به كلمتهم ، ويستقيم حالهم في جهاد عدوِّهم ، وهو قوله : { نقاتل في سبيل الله } { فقال } لهم ذلك النَّبيُّ : { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } أَيْ : لعلَّكم أَنْ تجبنوا عن القتال { قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله } أَيْ : وما يمنعنا عن ذلك؟ { وقد أخرجنا من ديارنا } { و } أُفردنا من { أبنائنا } بالسِّبي والقتل . يعنون : إذا بلغ الأمر منَّا هذا فلا بدَّ من الجهاد . قال الله تعالى : { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلاَّ قليلاً منهم } وهم الذين عبروا النَّهر ، ويأتي ذكرهم .\r { وقال لهم نبيُّهم إنَّ الله قد بعث لكم طالوت ملكاً } أَيْ : قد أجابكم إلى ما سألتم من بعث الملك { قالوا } كيف يملك علينا؟ وكان من أدنى بيوت بني إسرائيل ، ولم يكن من سبط المملكة ، فأنكروا ملكه وقالوا : { ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } أَيْ : لم يُؤت ما يتملَّك به الملوك { قال } النبيُّ : { إنَّ الله اصطفاه عليكم } [ اختاره ] بالملك { وزاده بسطة في العلم والجسم } كان طالوت يومئذٍ أعلم رجلٍ في بني إسرائيل وأجمله وأتمَّه . والبسطة : الزِّيادة في كلِّ شيء { والله يؤتي ملكه من يشاء } ليس بالوراثة { والله واسع } أَيْ : واسع الفضل والرِّزق والرَّحمة ، فسألوا نبيَّهم على تمليك طالوت آيةً .","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"{ قال لهم نبيُّهم إنَّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت } وكان تابوتاً أنزله الله تعالى على آدم عليه السَّلام فيه صور الأنبياء عليهم السَّلام ، كانت بنو إسرائيل يستفتحون به على عدوِّهم ، فغلبتهم العمالقة على التَّابوت ، فلمَّا سألوا نبيَّهم البيِّنة على ملك طالوت قال : إنَّ آية ملكه أن يردَّ الله تعالى التَّابوت عليكم ، فحملت الملائكة التَّابوت حتى وضعته في دار طالوت ، وقوله : { فيه سكينة من ربكم } أَيْ : طمأنينةٌ . كانت قلوبهم تطمئنُّ بذلك ، ففي أيِّ مكانٍ كان التَّابوت سكنوا هناك ، وكان ذلك من أمر الله تعالى { وبقيةٌ ممَّا ترك آل موسى وآل هارون } أَيْ : تركاه هما ، وكانت البقيَّة نعلي موسى وعصاه وعمامة هارون ، وقفيزاً من المنِّ الذي كان ينزل عليهم { تحمله الملائكة } أَي : التَّابوت . { إنَّ في ذلك لآية } أَيْ : في رجوع التَّابوت إليكم علامة أنَّ الله قد ملَّك طالوت عليكم { إن كنتم مؤمنين } أَيْ : مصدِّقين .\r { فلما فصل طالوت بالجنود } أَيْ : خرج بهم من الموضع الذي كانوا فيه إلى جهاد العدوِّ { قال } لهم طالوت : { إنَّ الله مبتليكم } أَيْ : مُختبركم ومُعاملكم مُعاملة المختبر { بنهرٍ } أَيْ : بنهر فلسطين ليتميِّز المحقِّق ومَنْ له نيَّةٌ في الجهاد من المُعذِّر { فمن شرب منه } أَيْ : من مائه { فليس مني } أَيْ : من أهل ديني { ومن لم يطعمه } لم يذقه { فإنَّه مني إلاَّ مَن اغترف غرفة بيده } أَيْ : مرَّةً واحدةً ، أَيْ : أخذ منه بجرَّةٍ أو قِربةٍ وما أشبه ذلك مرَّةً واحدةً ، قال لهم طالوت : مَنْ شرب من النَّهر وأكثر فقد عصى الله ، ومن اغترف غرفة بيده أقنعته ، فهجموا على النَّهر بعد عطشٍ شديدٍ ، ووقع أكثرهم في النَّهر وأكثروا الشُّرب ، فهؤلاء جَبُنوا عن لقاء العدو ، وأطاع قومٌ قليلٌ عددهم فلم يزيدوا على الاغتراف ، فقويت قلوبهم وعبروا النَّهر ، فذلك قوله : { فشربوا منه إلاَّ قليلاً منهم } وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً { فلما جاوزه } أَي : النَّهر { هو والذين آمنوا معه قالوا } يعني : الذين شربوا وخالفوا أمر الله تعالى : { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال } يعني : القليل الذين اغترفوا وهم { الذين يظنون } أَيْ : يعلمون { أنهم ملاقو الله } أَيْ : راجعون إليه : { كم مِنْ فئة قليلة } أَيْ : جماعةٍ قليلةٍ { غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } بالمعونة والنَّصر .\r { ولما برزوا } أَيْ : خرجوا { لجالوت وجنوده } أَيْ : لقتالهم { قالوا ربنا أفرغ } أصببْ { علينا صبراً وثبت أقدامنا } بتقوية قلوبنا .\r { فهزموهم } فردُّوهم وكسروهم { بإذن الله } بقضائه وقدره { وقتل داود } النَّبيُّ ، وكان في عسكر بني إسرائيل { جالوت } الكافر { وآتاه الله الملك } [ أعطى الله داود ملك بني إسرائيل ] { والحكمة } أَيْ : جمع له الملك والنُّبوَّة { وعلَّمه مما يشاء } صنعة الدُّروع ومنطق الطَّير { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } لولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض ، فقتلوا المؤمنين وخرَّبوا البلاد والمساجد .\r { تلك آيات الله } أَيْ : هذه الآيات التي أخبرتك بها آيات الله ، أَيْ : علامات توحيده { وإنك لمن المرسلين } أَيْ : أنت من هؤلاء الذين قصصتُ عليك آياتهم .","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"{ تلك الرسل } أَيْ : جماعة الرُّسل { فضلنا بعضهم على بعض } أَيْ : لم نجعلهم سواءً في الفضيلة وإن استووا في القيام بالرِّسالة { منهم مَنْ كلَّم الله } وهو موسى عليه السَّلام { ورفع بعضهم درجات } يعني محمداً A أُرسل إلى النَّاس كافَّةً { وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس } مضى تفسيره ، { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم } أَيْ : من بعد الرُّسل { من بعد ما جاءتهم البينات } من بعد ما وضحت لهم البراهين { ولكن اختلفوا فمنهم مَنْ آمن } ثبت على إيمانه { ومنهم مَنْ كفر } كالنَّصارى بعد المسيح اختلفوا فصاروا فِرقاً ، ثمَّ تحاربوا { ولو شاء الله ما اقتتلوا } كرَّر ذكر المشيئة باقتتالهم تكذيباً لمن زعم أنَّهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ، لم يجرِ به قضاءٌ من الله { ولكنَّ الله يفعل ما يريد } فيوفِّقُ مَنْ يشاء فضلاً ، ويخذل من يشاء عدلاً .\r { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ممَّا رزقناكم } أَي : الزَّكاة المفروضة ، وقيل : أراد النَّفقة في الجهاد { من قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه } يعني : يوم القيامة . يعني : لا يؤخذ في ذلك اليوم بدَلٌ ولا فداءٌ { ولا خلة } ولا صداقةٌ { ولا شفاعة } عمَّ نفي الشَّفاعة لأنَّه عنى الكافرين بأنَّ هذه الأشياء لا تنفعهم ، ألا ترى أنَّه قال : { والكافرون هم الظالمون } أَيْ : هم الذين وضعوا أمر الله في غير موضعه .\r { الله لا إله إلاَّ هو الحي } الدَّائم البقاء { القيوم } القائم بتدبير أمر الخلق في إنشائهم وأرزاقهم { لا تأخذه سنة } وهي أوَّل النُّعاس { ولا نوم } وهو الغشية الثَّقيلة { له ما في السموات وما في الأرض } مِلكاً وخلقاً { مَنْ ذا الذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه } أَيْ : لا يشفع عنده أحدٌ إلاَّ بأمره ، إبطالاً لزعم الكفَّار أنَّ الأصنام تشفع لهم { يعلم ما بين أيديهم } من أمر الدُّنيا { وما خلفهم } من أمر الآخرة . { ولا يحيطون بشيء من علمه } أَيْ : لا يعلمون شيئاً من معلوم الله تعالى : { إلاَّ بما شاء } إلاَّ بما أنبأ الله به الأنبياء وأطلعهم عليه { وسع كرسيه السموات والأرض } أي : احتملهما وأطاقهما . يعني : ملكه وسلطانه . وقيل : هو الكرسيُّ بعينه ، وهو مشتمل بعظمته على السَّموات والأرض . وروي عن ابن عباس أنَّ كرسيه علمه . { ولا يَؤُوْدُهُ } أَيْ : لا يُجهده ولا يُثقله { حفظهما } أَيْ : حفظ السَّموات والأرض { وهو العليُّ } بالقدرة ونفوذ السُّلطان عن الأشباه والأمثال { العظيم } عظيم الشَّأن .","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"{ لا إكراه في الدِّين } بعد إسلام العرب؛ لأنهم أُكرهوا على الإِسلام فلم يُقبل منهم الجزية؛ لأنَّهم كانوا مشركين ، فلمَّا أسلموا أنزل الله تعالى هذه الآية . { قد تبين الرشد من الغي } ظهر الإِيمان من الكفر ، والهدى من الضَّلالة بكثرة الحجج { فمن يكفر بالطاغوت } بالشَّيطان والأصنام { ويؤمن بالله } واليوم الآخر { فقد استمسك } أَيْ : تمسَّك { بالعروة الوثقى } عقد لنفسه عقداً وثيقاً ، وهو الإِيمان وكلمة الشَّهادتين { لا انفصام لها } أي : لا انقطاع لها { والله سميع } لدعائك يا محمَّدُ أيَّايَ بإسلام أهل الكتاب ، وكان رسول الله A يحبُّ إسلام أهل الكتاب الذين حول المدينة ، ويسأل الله ذلك { عليم } بحرصك واجتهادك .\r { والله وليُّ الذين آمنوا } أَيْ : ناصرهم ومتولِّي أمورهم { يخرجهم من الظلمات } من الكفر والضَّلالة إلى الإِيمان والهداية { والذين كفروا } أي : اليهود { أولياؤهم الطاغوت } يعني : رؤساءهم كعب بن الأشرف وحُيي بن أخطب { يخرجونهم من النور } يعني : ممَّا كانوا عليه من الإِيمان بمحمدٍ عليه السَّلام قبل بعثه { إلى الظلمات } إلى الكفر به بعد بعثه .\r { ألم تر إلى الذي حاجَّ } جادل وخاصم { إبراهيم في ربه } حين قال له : مَنْ ربُّك؟ { أن آتاه الله الملك } أي : الملك الذي آتاه الله . يريد : بطرُ الملك حمله على ذلك ، وهو نمروذ بن كنعان { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } فقال عدو الله : { أنا أحيي وأميت } فعارضه بالاشتراك في العبارة من غير فعل حياةٍ ولا موتٍ ، فلما لبَّس في الحجَّة بأنْ قال : أنا أفعل ذلك احتجَّ إبراهيم عليه بحجَّةٍ لا يمكنه فيها أن يقول : أنا أفعل ذلك ، وهو قوله : { قال إبراهيم فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } أي : انقطع وسكت .","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"{ أو كالذي مرَّ على قرية } [ عطفٌ على المعنى لا على اللفظ ، كأنه قال : أرأيت الذي حاجَّ ، أو كالذي مرَّ ] وهو عزيرٌ { على قرية } وهي إيليا { وهي خاوية } ساقطةٌ مُتهدِّمةٌ { على عروشها } أي : سقوفها { قال : أنى يحيي هذه الله } أَيْ : من أين يُحيي هذه الله { بعد موتها } يعمرها بعد خرابها؟! استبعد أَنْ يفعل الله ذلك ، فأحبَّ الله أن يُريه آيةً في نفسه في إحياء القرية { فأماته الله مائة عام } وذلك أنه مرَّ بهذه القرية على حمارٍ ومعه ركوة عصيرٍ ، وسلةُ تينٍ ، فربط حماره ، وألقى الله عزَّ وجلَّ عليه النَّوم ، فلمَّا نام نزع الله عزَّ وجلَّ روحه مائة سنةٍ ، فلمَّا مضت مائة سنةٍ أحياه الله تعالى ، وذلك قوله : { ثمَّ بعثه } { قال كم لبثت } كم أقمت ومكثت ها هنا؟ { قال : لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك } أَي : التِّين { و } إلى { شرابك } أي : العصير { لم يتسنَّه } أَيْ : لم يتغيَّر ولم ينتن بعد مائة سنةٍ ، وأراه علامة مكثه مائة سنةٍ . ببلى عظام حماره ، فقال : { وانظر إلى حمارك } فرأى حماره ميتاً ، عظامه بيضٌ تلوح { ولنجعلك آية للناس } الواو زائدة ، والمعنى : لبثتَ مائة عامٍ لنجعلك آيةً للنَّاس ، وكونه آيةً أَنْ بعثه شابّاً أسود الرَّأس واللِّحية ، وبنو بنيه شِيبٌ { وانظر إلى العظام } أَيْ : عظام حماره { كيف نُنْشِزُها } أَيْ : نحييها ، يقال : أَنشرَ اللَّهُ الموتى ، وقرىء : { ننشزها } أَيْ : نرفعها من الأرض ، ونشوز كلِّ شيءٍ : ارتفاعه { ثم نكسوها لحماً فلما تبيَّن له } شاهدَ ذلك { قال : أعلم أنَّ الله على كلِّ شيء قدير } أَيْ : أعلم العلم الذي لا يعترض عليه الإِشكال ، وتأويله : إنِّي قد علمت مُشاهدةً ما كنت أعلمه غيباً . { وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي الموتى } وذلك أنَّه رأى جيفةً ساحل البحر يتناولها سباع الطير والوحش ودوابُّ البحر ، ففكَّر كيف يجتمع ما قد تفرَّق منها ، وأحبَّ أن يرى ذلك ، فسأل الله تعالى أن يُريه إحياء الموتى ، فقال الله تعالى : { أو لم تؤمن } ألست آمنت بذلك؟ { قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } بالمُعاينة بعد الإِيمان بالغيب { قال : فخذ أربعة من الطير } طاوُساً ونسراً وغراباً وديكاً { فصرهنَّ إليك } أَيْ : قطِّعهنَّ ، كأنَّه قال : خذ إليك أربعة من الطَّير فقطعهنَّ { ثمَّ اجعل على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءاً } ثمَّ أُمر أن يخلط ريشها ولحومها ، ثمَّ يفرِّق أجزاءها بأن يجعلها على أربعة أجبلٍ ففعل ذلك إبراهيم ، وأمسك رؤوسهنَّ عنده ، ثمَّ دعاهنَّ فقال : تعالين بإذن الله ، فجعلت أجزاء الطُّيور يطير بعضها إلى بعض حتى تكاملت أجزاؤها ، ثمَّ أقبلن على رؤوسهنّ فذلك قوله : { ثم ادعهنَّ يأتينك سعياً واعلم أنّ الله عزيز } لا يمتنع عليه ما يريد { حكيم } فيما يدبِّر ، فلمَّا ذكر الدَّلالة على توحيده بما أتى الرُّسل من البيِّنات حثٍّ على الجهاد والإِنفاق فيه .","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"{ مثلُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله . . . } الآية ، أَيْ : مَثلُ صدقاتهم وإنفاقهم { كمثل حبَّةٍ أنبتت سبع سنابل . . . } الآية ، يريد أنَّه يضاعف الواحد بسبع مائةٍ ، وجعله كالحبَّة تنبت سبع مائة حبَّةٍ ، ولا يشترط وجود هذا؛ لأنَّ هذا على ضرب المثل .\r { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منَّاً . . . } الآية ، وهو أن يقول : أحسنتُ إلى فلانٍ ونعشته ، وجبرت خلله ، يمنُّ بما فعل { ولا أذىً } وهو أن يذكر إحسانه لمن لا يحبُّ الذي أُحسن إليه وقوفه عليه .\r { قول معروفٌ } كلامٌ حسنٌ وردٌّ على السَّائل جميل { ومغفرة } أَيْ : تجاوزٌ عن السَّائل إذا استطال عليه عند ردِّه { خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذى } أَيْ : مَنٌّ وتعييرٌ للسَّائل بالسُّؤال ، { والله غنيٌّ } عن صدقة العباد { حليم } إذ لم يعجِّل بالعقوبة على مَنْ يمنُّ .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم } أَيْ : ثوابها { بالمنِّ } وهو أنْ يمنَّ بما أعطى { والأذى } وهو أن يوبِّخ المُعطي المُعطى له { كالذي ينفق } أَيْ : كإبطاله رياء النَّاس ، وهو المُنافق يعطي ليوهم أنَّه مؤمنٌ { فمثله } أَيْ : مَثلُ هذا المنافق { كمثل صفوانٍ } وهو الحجر الأملس { عليه ترابٌ فأصابه وابل } مطرٌ شديدٌ { فتركه صلداً } برَّاقاً أملس . وهذا مَثلٌ ضربه الله تعالى للمانِّ والمنافق ، يعني : إنَّ النَّاس يرون في الظَّاهر أنَّ لهؤلاء أعمالاً كما يُرى التُّراب على هذا الحجر ، فإذا كان يوم القيامة اضمحلَّ كلُّه وبطل ، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان ، فلا يقدر أحدٌ من الخلق على ذلك التُّراب ، كذلك هؤلاء إذا قدموا على ربِّهم لم يجدوا شيئاً ، وهو قوله جلَّ وعزَّ : { لا يقدرون على شيء } أَيْ : على ثواب شيءٍ { مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين } لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم ، [ ثمَّ ضرب مثلاً لمن ينفق يريد ما عند الله ولا يمنُّ ولا يؤذي فقال ] : \r { ومَثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً } أَيْ : يقيناً وتصديقاً { من أنفسهم } بالثَّواب لا كالمنافق الذي لا يؤمن بالثَّواب { كمثل جنة بربوةٍ } وهي ما ارتفع من الأرض ، وهي أكثر ريعاً من المستفل { أصابها وابلٌ } وهو أشدُّ المطر { فآتت } أعطت { أكلها } ما يؤكل منها { ضِعْفَيْن } أَيْ : حملت في سنة من الرَّيع ما يحمل غيرها في سنتين { فإن لم يصبها وابلٌ } وهو أشدُّ المطر ، وأصابها طلٌّ وهو المطر الضعيف ، فتلك حالها في البركة ، يقول : كما أنَّ هذه الجنَّة تُثمر في كلِّ حالٍ ولا يخيب صاحبها قلَّ المطر أو كَثُر ، كذلك يضعف الله ثواب صدقة المؤمن قلَّت نفقته أم كثرت ، ثمَّ قرَّر مَثَل المُرائي في النَّفقة والمُفرِّط في الطَّاعة إلى أَنْ يموت .","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"{ أيودُّ أحدكم . . . } الآية ، يقول : مثلُهم كمثل رجلٍ كانت له جنَّةٌ فيها من كلِّ الثمرات { وأصابه الكبر } فضعف عن الكسب ، وله أطفال لا يجدون عليه ولا ينفعونه { فأصابها إعصار } وهي ريحٌ شديدةٌ { فيه نارٌ فاحترقت } ففقدها أحوج ما كان إليها عند كبر السِّنِّ وكثرة العيال وطفولة الولد ، فبقي هو وأولاده عجزةً مُتحيِّرين { لا يقدرون على } حيلةٍ ، كذلك يُبطل الله عمل المنافق والمرائي حتى لا توبة لهما ولا إقالة من ذنوبهما { كذلك يبين الله } كمثل بيان هذه الأقاصيص { يبين الله لكم الآيات } في أمر توحيده .\r { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } نزلت في قومٍ كانوا يتصدَّقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم ، والمراد بالطَّيِّبات ها هنا الجياد الخيار ممَّا كسبتم ، أَيْ : التِّجارة { وممَّا أخرجنا لكم من الأرض } يعني : الحبوب التي يجب فيها الزَّكاة { ولا تيمموا } أَيْ : لا تقصدوا { الخبيث منه تنفقون } أَيْ : تنفقونه { ولستم بآخذيه إلاَّ أن تغمضوا } أَيْ : بآخذي ذلك الخبيث لو أُعطيتم في حقٍّ لكم إلاَّ بالإِغماض والتَّساهل ، وفي هذا بيانُ أنَّ الفقراء شركاء ربِّ المال ، والشَّريك لا يأخذ الرَّديء من الجيِّد إلاَّ بالتَّساهل .\r { الشيطانُ يعدكم الفقر } أَيْ : يُخوِّفكم به . يقول : أَمسك مالك؛ فإنَّك إنْ تصدَّقت افتقرت { ويأمركم بالفحشاء } بالبخل ومنه الزَّكاة { والله يعدكم } أَنْ يجازيكم على صدقتكم { مغفرة } لذنوبكم وأَنْ يُخلف عليكم .\r { يؤتي الحكمة } علم القرآن والفهم فيه . وقيل : هي النُّبوَّة { من يشاء } . { وما يذكر إلاَّ أولوا الألباب } أَيْ : وما يتَّعظ إلاَّ ذوو العقول .","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"{ وما أنفقتم من نفقة } أدَّيتم من زكاة { أو نذرتم من نذر } في صدقة التَّطوُّع ، أَيْ : نويتم أن تصَّدَّقوا بصدقة { فإن الله يعلمه } يجازي عليه { وما للظالمين من أنصار } وعيدٌ لمَنْ أنفق في غير الوجه الذي يجوز له من رياءٍ أو معصيةٍ ، أو من مال مغصوبٍ .\r { إنْ تبدوا الصدقات . . . } الآية . سألوا رسول الله A فقالوا : صدقة السرِّ أفضلُ أم صدقة العلانيَة؟ فنزلت هذه الآية ، والمفسرون على أنَّ هذه الآية في التَّطوُّع لا في الفرض ، فإِنَّ الفرضَ إظهاره أفضل ، وعند بعضهم الآية عامَّةٌ في كلِّ صدقةٍ ، وقوله : { ويكفر عنكم من سيئاتكم } أَيْ : يغفرها لكم ، و \" مِنْ \" للصلة والتأكيد .\r { ليس عليك هداهم } نزلت حين سألت قُتيلة أمُّ أسماء بنت أبي بكر ابنتها أن تعطيها شيئاً وهي مشركةٌ ، فأبت وقالت : حتى أستأمر رسول الله A ، فنزلت هذه الآية . والمعنى : ليس عليك هُدى مَن خالفك فمنعهم الصَّدقة ليدخلوا في الإسلام { وما تنفقوا من خيرٍ } أَيْ : مالٍ : { فلأنفسكم } ثوابه { وما تنفقون إلاَّ ابتغاء وجه الله } خبرٌ والمراد به الأمر . وقيل : هو خاصٌّ في المؤمنين ، أَي : قد علم الله ذلك منكم { وما تنفقوا من خيرٍ } [ من مالٍ على فقراء أصحاب الصُّفَّة ] . { يوفَّ لكم } أًيْ : يوفَّر لكم جزاؤه { وأنتم لا تظلمون } أَيْ : لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً .","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"{ للفقراء } أَيْ : هذه الصَّدقات والإِنفاق التي تقدَّم ذكرها { للفقراء الذين أحصروا } أَيْ : حُبسوا ، أَيْ : هم فعلوا ذلك . حبسوا أنفسهم { في سبيل الله } في الجهاد . يعني : فقراء المهاجرين { لا يستطيعون ضرباً } أَيْ : سيراً { في الأرض } لا يتفرَّغُون إلى طلب المعاش؛ لأنهم قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد ، فمنعهم ذلك من التَّصرُّف ، حثَّ الله تعالى المؤمنين على الإِنفاق عليهم { يحسبهم الجاهل } يخالهم { أغنياء من التعفف } عن السُّؤال { تعرفهم بسيماهم } بعلامتهم ، التَّخشُّع والتَّواضع وأثر الجهد { لا يسألون الناس إلحافاً } أَيْ : إلحاحاًً . إذا كان عندهم غداءٌ لم يسألوا عشاءً ، وإذا كان عندهم عَشاءٌ لم يسألوا غداءً .\r { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار . . . } الآية . نزلت في عليّ بن أبي طالب Bه كان عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها ، فَتَصدَّق بدرهمٍ سرَّاً ، ودرهمٍ علانيةً ، ودرهمٍ ليلاً ، ودرهمٍ نهاراً .\r { الذين يأكلون الربا } أيْ : يُعاملون به ، فَنَبَّه بالأكل على غيره { لا يقومون } من قبورهم يوم القيامة { إلاَّ كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطان } يصيبه بجنونٍ { من المس } من الجنون ، وذلك أنَّ آكل الرِّبا يُبعث يوم القيامة مجنوناً { ذلك } أَيْ : ذلك الذي نزل بهم { بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا } وهو أنَّ المشركين قالوا : الزِّيادة على رأس المال بعد مَحِلِّ الدَّين كالزِّيادة بالرِّبح في أوَّل البيع ، فكذَّبهم الله تعالى فقال : { وأحلَّ الله البيع وحرَّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه } أَيْ : وُعظ { فانتهى } عن أكل الرِّبا { فله ما سلف } أَّيْ : ما أكل من الرِّبا ، ليس عليه ردُّ ما أخذ قبل النَّهي { وأمره إلى الله } والله وليُّ أمره { ومَنْ عاد } إلى استحلال الرِّبا { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .\r { يمحق الله الربا } أَيْ : ينقصه ويذهب بركته وإن كان كثيراً ، كما يمحق القمر { ويربي الصدقات } يربيها لصاحبها كما يُربي أحدكم فصيله { والله لا يحبُّ كل كفار } بتحريم الرِّبا مستحلٍّ له { أثيم } فاجر بأكله [ مُصِرٍّ عليه ] .","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا } نزلت في العباس وعثمان Bهما طلباً رباً لهما كانا قد أسلفا قبل نزول التَّحريم ، فلمَّا نزلت هذه الآية سمعا وأطاعا ، وأخذا رؤوس أموالهما ، ومعنى الآية : تحريم ما بقي ديناً من الرِّبا ، وإيجاب أخذ رأس المال دون الزِّيادة على جهة الرِّبا ، وقوله : { إن كنتم مؤمنين } أَيْ : إنَّ مَنْ كان مؤمناً فهذا حكمه .\r { فإن لم تفعلوا } فإن لم تذروا ما بقي من الرِّبا { فأذنوا } فاعلموا { بحرب من الله ورسوله } أَيْ : فأيقنوا أنَّكم في امتناعكم من وضع ذلك حربٌ لله ورسوله { وإن تبتم } عن الرِّبا { فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون } بطلب الزِّيادة { ولا تُظلمون } بالنُّقصان عن رأس المال .\r { وإنْ كان ذو عسرة } أَيْ : وإن وقع غريم ذو عسرة ] { فنظرةٌ } أَيْ : فعليكم نظرةٌ ، أَيْ : تأخيرٌ { إلى ميسرة } إلى غنىً ووجود المال { وأن تصدقوا } على المعسرين برأس المال { خيرٌ لكم } .\r { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } يعني : يوم القيامة تُرَدُّون فيه إلى الله { ثمَّ توفى كلُّ نفسٍ ما كسبت } أَيْ : جزاء ما كسبت من الأعمال { وهم لا يظلمون } لا ينقصون شيئاً ، فلمَّا حرَّم الله تعالى الرِّبا أباح السِّلَم فقال : \r { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مُسمَّىً } أَيْ : تبايعتم بدين { فاكتبوه } أمرَ الله تعالى في الحقوق المؤجَّلة بالكتابة والإِشهاد في قوله : { واشهدوا إذا تبايعتم } حفظاً منه للأموال ثمَّ نسخ ذلك بقوله : { فإن أمن بعضكم بعضاً . . . } الآية . { وليكتب بينكم } بين المُستدين والمدين { كاتب بالعدل } بالحقِّ والإِنصاف ، ولا يزيد في المال والأجل ولا ينقص منهما : { ولا يَأْبَ كاتبٌ أن يكتب } أي : لا يمتنع من ذلك إذا أُمر وكانت هذه عزيمةً من الله واجبة على الكاتب والشَّاهد ، فنسخها قوله : { ولا يضارَّ كاتب ولا شهيدٌ } ثمَّ قال : { كما علَّمه الله فليكتب } أَيْ : كما فضَّله الله بالكتابة { وليملل الذي عليه الحق } أَيْ : الذي عليه الدِّين يملي؛ لأنَّه المشهود عليه فيقرُّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه { ولا يَبْخَسْ منه شيئاً } أُمِرَ أَنْ يُقِرَّ بمبلغ المال من غير نقصان { فإن كان الذي عليه الحقُّ } [ أي : الدَّين ] { سفيهاً } طفلاً { أو ضعيفاً } عاجزاً أحمق { أو لا يستطيع أن يملَّ هو } لخرسٍ أو لعيٍّ { فليملل وليه } وارثه أو مَنْ يقوم مقامه { بالعدل } بالصدق والحقِّ { واستشهدوا } وأشهدوا { شهيدين من رجالكم } أَيْ : من أهل ملَّتكم من الأحرار البالغين ، وقوله : { ممن ترضون من الشهداء } أَيْ : من أهل الفضل والدِّين { أن تضلّ أحداهما } تنسى إحداهما { فتذكر إحداهما الأخرى } الشَّهادة { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } لتحمُّل الشَّهادة وأدائها { ولا تسأموا أن تكتبوه } لا يمنعكم الضَّجر والملالة أن تكتبوا ما أشهدتم عليه من الحقِّ { صغيراً أو كبيراً إلى أجله } إلى أجل الحقِّ { ذلكم } أَيْ : الكتابة { أقسط } أعدل { عند الله } في حمكه { وأقوم } أبلغ في الاستقامة { للشهادة } لأنَّ الكتاب يُذكِّر الشُّهود ، فتكون شهادتهم أقوم { وأدنى ألا ترتابوا } أيْ : أقرب إلى أن لا تشكُّوا في مبلغ الحقِّ والأجل { إلاَّ أن تكون } تقع { تجارة حاضرة } أَيْ : متجرٌ فيه حاضر من العروض وغيرها ممَّا يتقابض ، وهو معنى قوله : { تديرونها بينكم } وذلك أنَّ ما يُخاف في النَّساء والتأجيل يؤمن في البيع يداً بيدٍ ، وذلك قوله : { فليس عليكم جناحٌ إلاَّ تكتبوها وأَشْهِدوا إذا تبايعتم } قد ذكرنا أنَّ هذا منسوخ الحكم فلا يجب ذلك { ولا يضارَّ كاتب ولا شهيد } نهى الله تعالى الكاتب والشَّاهد عن الضِّرار ، وهو أن يزيد الكاتب أو ينقص أو يحرِّف ، وأن يشهد الشَّاهد بما لم يُستشهد عليه ، أو يمتنع من إقامة الشَّهادة { وإنْ تفعلوا } شيئاً من هذا { فإنه فسوق بكم } .","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"{ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً . . . } الآية ، أمر الله تعالى عند عدم الكاتب بأخذ الرَّهن ليكون وثيقةً بالأموال ، وذلك قوله : { فَرِهَانٌ مقبوضة } أَيْ : فالوثيقةُ رهنٌ مقبوضةٌ { فإن أَمن بعضكم بعضاً } أَيْ : لم يخف خيانته وجحوده الحقَّ { فليؤدّ الذي اؤتمن } أَيْ : أُمن عليه { أمانته وليتق الله ربه } بأداء الأمانة { ولا تكتموا الشهادة } إذا دُعيتم لإِقامتها { ومن يكتمها فإنه آثمٌ } فاجرٌ { قلبه } .\r { لله ما في السموات وما في الأرض } ملكاً ، فهو مالك أعيانه { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } \" لمَّا نزل هذا جاء ناس من الصَّحابة إلى النَّبيِّ A فقالوا : كُلِّفنا من العمل ما لا نطيق ، إن أحدنا ليحدِّث نفسه بما لا يحبُّ أن يثبت في قلبه ، فنحن نحاسب بذلك؟ فقال النبيُّ : فلعلَّكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا ، وقولوا : سمعنا وأطعنا فقالوا : سمعنا وأطعنا \" ، فأنزل الله تعالى الفرج بقوله : { لا يكلِّف الله نفساً إلاَّ وسعها } فنسخت هذه الآية ما قبلها ، وقيل : إنَّ هذا في كتمان الشَّهادة وإقامتها ، ومعنى قوله : { يحاسبكم به الله } يخبركم به ويُعرِّفكم إيَّاه .\r { آمن الرسول . . . } الآية ، لمَّا ذكر الله تعالى في هذه السُّورة الأحكام والحدود ، وقصص الأنبياء وآيات قدرته ، ختم السورة بذكر تصديق نبيِّه عليه السَّلام والمؤمنين بجميع ذلك ، { لا نفرق بين أحد } أَيْ : يقولون : لا نفرِّق بين أحد من رسله كما فعل أهل الكتاب ، آمنوا ببعض الرُّسل وكفروا ببعض ، بل نجمع بينهم في الإِيمان بهم { وقالوا سمعنا } قوله { وأطعنا } أمره { غفرانك } أَيْ : اغفر غفرانك .\r { لا يكلف الله نفساً إلاَّ وسعها } ذكرنا أنَّ هذه الآية نسخت ما شكاه المؤمنون من المحاسبة بالوسوسة وحديث النَّفس { لها ما كسبت } [ من العمل بالطاعة ] { وعليها ما اكتسبت } [ من العمل بالإثم ] أَيْ : لا يُؤَاخَذ أحدٌ بذنب غيره { ربنا لا تؤاخذنا } أَيْ : قولوا ذلك على التَّعليم للدُّعاء ، ومعناه : لا تعاقبنا إن نسينا . كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئاً ممَّا شرع لهم عُجِّلت لهم العقوبة بذلك ، فأمر الله نبيَّه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك { أو أَخْطأْنا } تركنا الصَّواب : { ربنا ولا تحمل علينا إصراً } أَيْ : ثقلاً ، والمعنى : لا تحمل علينا أمراً يثقل { كما حملته على الذين من قبلنا } نحو ما أُمر به بنو إسرائيل من الأثقال التي كانت عليهم { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } أَيْ : لا تعذِّبنا بالنَّار { أنت مولانا } [ ناصرنا ] والذي تلي علينا أمورنا { فانصرنا على القوم الكافرين } في إقامة حجَّتنا وغلبتنا إيَّاهم في حربه ، وسائر أمورهم حتى يظهر ديننا على الدِّين كلِّه كما وعدتنا .","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"{ الم } .\r { الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيوم } .\r { نزل عليك الكتابَ } أي : القرآن { بالحق } بالصِّدق في إخباره { مصدقاً لما بين يديه } مُوافقاً لما تقدَّم الخبر به في سائر الكتب { وأنزل التوراة والإِنجيل } .\r { من قبل هدىً للناس وأنزل الفرقان } ما فرق به بين الحقِّ والباطل . يعني : جميع الكتب التي أنزلها . { إنَّ الذين كفروا بآيات الله لهم عذابٌ شديدٌ والله عزيز ذو انتقام } ذو عقوبة .\r { هو الذي يصوركم } يجعلكم على صورٍ في أرحام الأُمَّهات { كيف يشاء } ذكراً وأنثى ، قصيراً وطويلاً ، وأسود وأبيض .","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"{ هو الذي أنزل عليك الكتابَ منه آيات محكماتٌ } وهنَّ الثَّلاث الآيات في آخر سورة الأنعام : { قل تعالوا أتل } إلى آخر الآيات الثَّلاث { هنَّ أمُّ الكتاب } هنَّ أمُّ كلِّ كتاب أنزله الله تعالى على كلِّ نبيٍّ ، فيهنَّ كلُّ ما أحلَّ وحرَّم ، ومعناه : أنهنَّ أصل الكتاب الذي يُعمل عليه { وأخر } أَيْ : آياتٌ أُخر { متشابهات } يريد : التي تشابهت على اليهود ، وهي حروف التَّهجِّي في أوائل السُّور ، وذلك أنَّهم أوَّلوها على حساب الجُمَّل ، وطلبوا أن يستخرجوا منها مدَّة بقاء هذه الأُمَّة ، فاختلط عليهم واشتبه { فأمَّا الذين في قلوبهم زيغٌ } وهم اليهود الذين طالبوا علمَ أجل هذه الأمَّة من الحروف المقطَّعة { فيتبعون ما تشابه منه } من الكتاب . يعني : حروف التَّهجِّي { ابتغاء الفتنة } طلب اللَّبس ليضلُّوا به جُهَّالهم { وابتغاء تأويله } طلب أجل أمَّة محمّدٍ A . { وما يعلم تأويله إلاَّ الله } يريد : ما يعلم انقضاء ملك أمَّة محمَّدٍ A إلاَّ الله ، لأنَّ انقضاء ملكهم مع قيامِ السَّاعة ، ولا يعلم ذلك أحد إلاَّ الله ، ثمَّ ابتدأ فقال : { والراسخون في العلم } أَي : الثَّابتون فيه . يعني : علماء مؤمني أهل الكتاب { يقولون آمنا به } أَيْ : بالمتشابه { كلٌّ من عند ربنا } المحكم والمتشابه ، وما علمناه ، وما لم نعلمه { وما يذكر إلاَّ أولوا الألباب } ما يتعَّظ بالقرآن إلاَّ ذوو العقول .\r { ربنا } أي : ويقول الرَّاسخون في العلم { ربنا لا تزغ قلوبنا } لا تُملها عن الهدى والقصد كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ { بعد إذ هديتنا } للإِيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك .\r { ربنا إنك جامع الناس } حاشرهم { ليوم } الجزاء في يومٍ { لا ريب فيه إنَّ الله لا يخلف الميعاد } للبعث والجزاء .\r { إنَّ الذين كفروا } يعني : يهود قريظة والنَّضير { لن تغني عنهم } [ أي : لن تنفع و ] لن تدفع عنهم { أموالهم } { ولا أولادهم } يعني : التي يتفاخرون بها { من الله } من عذاب الله { شيئاً وأولئك هم وقود النار } هم الذين تُوقد بهم النَّار .\r { كدأب آل فرعون } كصنيع آل فرعون وفعلهم في الكفر والتَّكذيب كفرت اليهود بمحمد A .","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"{ قل للذين كفروا } يعني : يهود المدينة ومشركي مكَّة { ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } بئس ما مُهِّد لكم .\r { قد كان لكم آية } علامة تدلُّ على صدق محمَّدٍ عليه السَّلام { في فئتين } يعني : المسلمين والمشركين { التقتا } اجتمعتا يوم بدرٍ للقتال { فئةٌ تقاتل في سبيل الله } وهم المسلمون { وأخرى كافرة يرونهم مثليهم } وهم كانوا ثلاثة أمثالهم ، ولكنَّ الله تعالى قلَّلهم في أعينهم ، وأراهم على قدر ما أعلمهم أنَّهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم ، وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ كان قد أعلم المسلمين أنَّ المائة منهم تغلب المائتين من الكفَّار { رأي العين } أَيْ : من حيث يقع عليهم البصر { والله يؤيد } يقوّي { بنصره } بالغلبة والحجَّة مَنْ يشاء { إنَّ في ذلك لعبرة } وهي الآية التي يُعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم { لأولي الأبصار } لذوي العقول .\r { زُيِّن للناس حبُّ الشهوات } جمع الشَّهوة ، وهي تَوَقَانُ النَّفس إلى الشَّيء { والقناطير المقنطرة } الأموال الكثيرة المجموعة { والخيل المسوَّمة } الرَّاعية ، وقيل : المُعلَّمة كالبلق وذوات الشِّياتِ ، وقيل : الحسان . والخيل : الأفراس { والأنعام } الإِبل والبقر والغنم [ { والحرث } وهو ما يُزرع ويغرس ] ، ثمَّ بيَّن أنَّ هذه الأشياء متاع الدُّنيا ، وهي فانيةٌ زائلةٌ { واللَّهُ عنده حسن المآب } المرجع ، ثمَّ أعلم أنَّ خيراً من ذلك كلِّه ما أعدَّه لأوليائه .","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"{ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } الذي ذكرت { للذين اتقوا } الشِّرك { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد } .\r { الصابرين } على دينهم وعلى ما أصابهم { والصادقين } في نيَّاتهم { والقانتين } المطيعين لله { والمنفقين } من الحلال في طاعة الله { والمستغفرين بالأسحار } المُصلِّين صلاة الصُّبح قيل : نزلت في المهاجرين والأنصار .\r { شهد الله } بيَّن وأظهر بما نصب من الأدلَّة على توحيده { أنَّه لا إله إلاَّ هو والملائكة } أَيْ : وشهدت الملائكة ، بمعنى : أقرَّت بتوحيد الله { وأولوا العلم } هم الأنبياء والعلماء من مؤمني أهل الكتاب والمسلمين { قائماً بالقسط } أَيْ : قائماً بالعدل ، يُجري التَّدبير على الاستقامة في جميع الأمور .\r { إنَّ الدين عند الله الإِسلام } افتخر المشركون بأديانهم ، فقال كلُّ فريقٍ : لا دين إلاَّ ديننا ، وهو دين الله ، فنزلت هذه الآية وكذَّبهم الله تعالى فقال : { إنَّ الدين عند الله الإِسلام } الذي جاء به محمَّدٌ عليه السَّلام { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } أَي : اليهود ، لم يختلفوا في صدق نبوَّة محمَّدٍ A لما كانوا يجدونه في كتابهم { إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم } يعني : النبيَّ A ، سمِّي علماً لأنَّه كان معلوماً عندهم بنعته وصفته قبل بعثه ، فلمَّا جاءهم اختلفوا فيه؛ فآمن به بعضهم وكفر الآخرون { بغياً بينهم } طلباً للرِّياسة وحسداً له على النُّبوَّة { ومن يكفر بآيات الله فإنَّ الله سريع الحساب } أَي : المجازاة له على كفره .","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"{ فإن حاجوك } أَيْ : جادلوك { فقل أسلمتُ وجهي لله } أَيْ : أخلصت عملي لله وانقدت له { ومن اتبعني } يعني : المهاجرين والأنصار { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين } يعني : العرب { أأسلمتم } استفهامٌ معناه الأمر : أَيْ : أسلموا ، وقوله : { عليك البلاغ } أَي : التَّبليغ وليس عليك هداهم { والله بصيرٌ بالعباد } أيْ : بمَنْ آمن بك وصدَّقك ، ومَنْ كفر بك وكذَّبك ، وكان هذا قبل أنْ أُمر بالقتال .\r { إنَّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق } قد مضى تفسيره في سورة البقرة ، وقوله { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } قال رسول الله A : \" قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبياً من أوَّل النَّهار في ساعةٍ واحدةٍ ، فقام مائةٌ واثنا عشر رجلاً من عبَّاد بني إسرائيل ، فأمروا مَنْ قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فَقُتلوا جميعاً من آخر النَّهار في ذلك اليوم ، فهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية \" وهؤلاء الذين كانوا في عصر النبيَّ A كانوا يتولَّونهم ، فهم داخلون في جملتهم .\r { أولئك الذين حبطت أعمالهم } بطلت أعمالهم التي يدَّعونها من التَّمسُّك بالتَّوراة ، وإقامة شرع موسى عليه السَّلام { في الدنيا } لأنَّها لم تحقن دماءَهم وأموالهم { و } في { الآخرة } لأنَّهم لم يستحقوا بها ثواباً .\r { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب } يعني : اليهود { يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم } وذلك أنَّهم أنكروا آية الرَّجم من التَّوراة ، \" وسألوا رسول الله A عن حدِّ المحصنين إذا زنيا ، فحكم بالرَّجم فقالوا : جُرْتَ يا محمد ، فقال : بيني وبينكم التَّوراة ، ثمَّ أتوا بابن صوريا الأعور فقرأ التَّوراة ، فلمَّا أتى على آية الرَّجم سترها بكفِّه ، فقام ابن سلاَّم فرفع كفَه عنها ، وقرأها على رسول الله A وعلى اليهود ، فغضبت اليهود لذلك غضباً شديداً وانصرفوا \" ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . { ثمَّ يتولى فريق منهم } يعني : العلماء والرؤساء { وهم معرضون } .\r { ذلك } أَْيْ : ذلك الإِعراض عن حكمك بسبب اغترارهم حيث قالوا : { لن تمسنا النار إلاَّ أياماً معدودات وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون } افتراؤهم ، وهو قوله : { لن تمسنا النار } وقد مضى هذا في سورة البقرة .","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"{ فكيف إذا جمعناهم } أَيْ : فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم { ل } جزاء { يومٍ لا ريبَ فيه ووفيت كلُّ نفس } جزاء { ما كسبت وهم لا يظلمون } بنقصان حسناتهم أو زيادة سيئاتهم .\r { قل اللهم مالك الملك . . . } الآية . \" لمَّا فتح رسول الله A مكَّة ، ووعد أُمَّته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود : هيهات هيهات ، [ الفارس والروم أعزُّ وأمنع من أن يُغلَّب على بلادهم ] \" ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقوله : { تؤتي الملك مَنْ تشاء } محمداً وأصحابه { وتنزع الملك ممن تشاء } أبي جهلٍ وصناديد قريشٍ { وتعزُّ من تشاء } المهاجرين والأنصار { وتذلُّ مَنْ تشاء } أبا جهلٍ وأصحابه حتى حُزَّت رؤوسهم وأُلْقُوا في القليب { بيدك الخير } أَيْ : عزُّ الدُّنيا والآخرة ، وأراد : الخير والشَّرَّ ، فاكتفى بذكر الخير ، لأنَّ الرغبة إليه في فعل الخير بالعبد دون الشَّر .\r { تولج الليل في النهار } تُدخل اللَّيل في النَّهار ، أَيْ : تجعل ما نقص من أحدهما زيادةً في الآخر { وتخرج الحيَّ من الميت وتخرج الميت من الحيِّ } تخرج الحيوان من النُّطفة ، وتخرج النُّطفة من الحيوان ، وتخرج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن { وترزق من تشاء بغير حساب } بغير تقتيرٍ وتضييقٍ .","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } أَيْ : أنصاراً وأعواناً من غير المؤمنين وسواهم ، نزلت في قومٍ من المؤمنين كانوا يُباطنون اليهود ، [ أي : يألفونهم ] ويوالونهم . { ومَنْ يفعل ذلك } الاتخِّاذ { فليس من الله في شيء } أَيْ : من دين الله ، أَيْ : قد برىء من الله وفارق دينه ، ثمَّ استثنى فقال : { إلاَّ أن تتقوا منهم تقاة } [ أَيْ : تقيَّة ] هذا في المؤمن إذا كان في قومٍ كفَّارٍ ، وخافهم على ماله ونفسه ، فله أن يُخالفهم ويُداريهم باللِّسان ، وقلبُه مطمئنٌّ ، بالإِيمان دفعاً عن نفسه . قال ابنُ عبَّاسٍ : يريد مدارةً ظاهرةً { ويحذركم الله نفسه } أَيْ : يُخَوِّفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه ، [ يريد : عذابه ، وخصَّصه بنفسه تعظيماً له ] فلمَّا نهى عن ذلك خوَّف وحذَّر عن إبطان موالاتهم ، فقال : \r { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه } من ضمائركم في موالاتهم وتركها { يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض } إتمامٌ للتَّحذير؛ لأنَّه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما ، فكيف يخفى عليه الضَّمير؟ { واللَّهُ على كلِّ شيءٍ قدير } تحذيرٌ من عقاب مَنْ لا يعجزه شيء .","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"{ يوم تجد كلُّ نفسٍ } أَيْ : ويحذّركم الله عذاب نفسه يوم تجد ، أَيْ : في ذلك اليوم ، وقوله : { ما عملت من خير محضراً } أَيْ : جزاء ما عملت بما ترى من الثَّواب { وما عملت من سوء تودُّ لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً } غاية بعيدةً كما بين المشرق والمغرب .\r { قل } [ أي : للكفَّار ] { إن كنتم تحبون الله } . وقف النَّبيُّ A على قريشٍ وهم يسجدون للأصنام ، فقال : يا معشر قريش ، واللَّهِ لقد خالفتم ملَّة أبيكم إبراهيم ، فقالت قريش : إنَّما نعبد هذه حبّاً لله ليقرِّبونا إلى الله ، فأنزل الله تعالى : { قل } يا محمد { إن كنتم تحبون الله } وتعبدون الأصنام لتقرِّبكم إليه { فاتبعوني يحببكم الله } فأنا رسوله إليكم ، وحجَّته عليكم ، ومعنى محبَّة العبد لله سبحانه إرادته طاعته وإيثاره أمره ، ومعنى محبَّة الله العبد إرادته لثوابه وعفوه عنه وإنعامه عليه .\r { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا } عن الطَّاعة { فإنَّ الله لا يحب الكافرين } لا يغفر لهم ولا يثني عليهم .\r { إنَّ الله اصطفى آدم } بالنُّبوَّة والرِّسالة { ونوحاً وآل إبراهيم } يعني : إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط { وآل عمران } موسى وهارون { على العالمين } على عالمي زمانهم .","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"{ ذريةً } أَي : اصطفى ذريَّةً { بعضها من بعض } أَيْ : من ولد بعض؛ لأنَّ الجميع ذريَّة آدم ، ثمَّ ذريَّة نوح { والله سميع } لما تقوله الذُّريَّة المصطفاة { عليمٌ } بما تضمره ، فلذلك فضَّلها على غيرها .\r { إذ قالت امرأة عمران } وهي حنَّة أمُّ مريم : { إني نذرت لك ما في بطني } أيْ : أوجبتُ على نفسي أن أجعل ما في بطني { محرَّراً } عتيقاً خالصاً لله ، خادماً للكنيسة ، مفرَّغاً للعبادة ولخدمة الكنيسة ، وكان على أولادهم فرضاً أن يُطيعوهم في نذرهم ، فتصدَّقت بولدها على بيت المقدس .\r { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى } اعتذرت ممَّا فعلت من النَّذر لمَّا ولدت أنثى { وليس الذكر كالأنثى } في خدمة الكنيسة لما يلحقها من الحيض والنِّفاس { وإني أعيذها بك } أَيْ : أمنعها وأجيرها { من الشيطان الرجيم } الملعون المطرود .\r { فتقبلها ربُّها بقبول حسن } أَيْ : رضيها مكان المحرَّر الذي نذرته { وأنبتها نباتاً حسناً } في صلاحٍ وعفَّةٍ ومعرفةٍ بالله وطاعةٍ له { وكفلها زكريا } ضمن القيام بأمرها ، فبنى لها محراباً في المسجد لا يرتقى إليه إلاَّ بسلَّم ، والمحراب : الغرفة ، وهو قوله : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً } أَيْ : فاكهة الشِّتاء في الصَّيف ، وفاكهة الصَّيف في الشِّتاء تأتيها به الملائكة من الجنَّة ، فلمَّا رأى زكريا ما أُوتيت مريم من [ فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ] على خلاف مجرى العادة طمع في رزق الولد من العاقر على خلاف العادة .","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"{ هنالك } أَيْ : عند ذلك { دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك } أَيْ : من عندك { ذريةً طيبةً } أَيْ : نسلاً مباركاً تقيّاً ، فأجاب الله دعوته وبعث إليه الملائكة مبشرين ، وهو قوله : \r { فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله } أَيْ : مُصدِّقاً بعيسى أنَّه روح الله وكلمته ، وسُمِّي عيسى كلمة الله؛ لأنَّه حدث عند قوله : { كُنْ } فوقع عليه اسم الكلمة؛ لأنَّه بها كان { وسيداً } وكريماً على ربِّه { وحصوراً } وهو الذي لا يأتي النِّساء ولا أرب له فيهنَّ .\r { قال } زكريا لمَّا بُشِّر بالولد : { ربِّ أنى يكون لي غلامٌ } أَيْ : على أيِّ حالٍ يكون ذلك؟ أَتردُّني إلى حال الشَّباب وامرأتي أَمْ مع حال الكبر؟ { وقد بلغني الكبر } أَيْ : بَلغْتُه؛ لأنَّه كان ذلك اليوم ابن عشرين ومائة سنةٍ { وامرأتي عاقر } لا تلد ، وكانت بنتَ ثمانٍ وتسعين سنةً . قيل له : { كذلك } أَيْ : مثل ذلك من الأمر ، وهو هبة الولد على الكبر يفعل الله ما يشاء ، فسبحان مَنْ لا يعجزه شيء ، فلمَّا بُشِّر بالولد سأل الله علامةً يعرف بها وقت حمل امرأته ، وذلك قوله : \r { قال رب اجعل لي آية } فقال الله تعالى : { آيتك ألاَّ تكلم الناس ثلاثة أيام } جعل الله تعالى علامة حمل امرأته أَنْ يُمسك لسانه فلا يقدر أنْ يُكلِّم النَّاس ثلاثة أيَّامٍ { إلاَّ رمزاً } أَيْ : إيماءً بالشَّفتين والحاجبين والعينين ، وكان مع ذلك يقدر على التَّسبيح وذكر الله ، وهو قوله : { واذكر ربك كثيراً وسبِّح } أَيْ : وصَلِّ { بالعشي } وهو آخر النَّهار { والإِبكار } ما بين طلوع الفجر إلى الضُّحى .\r { وإذ قالت الملائكة } أَيْ : جبريل عليه السَّلام وحده : { يا مريم إنّ الله اصطفاك } أَيْ : بما لطف لك حتى انقطعت إلى طاعته { وطهرك } من ملامسة الرِّجال والحيض { واصطفاك على نساء العالمين } على عالمي زمانك .\r { يا مريم اقنتي لربك } قومي للصَّلاة بين يدي ربكِّ ، فقامت حتى سالت قدماها قيحاً { واسجدي واركعي } أَي : ائتي بالرُّكوع والسُّجود ، والواو لا تقتضي الترتيب { مع الراكعين } أَي : افعلي كفعلهم ، وقال : { مع الراكعين } ولم يقل : مع الرَّاكعات؛ لأنَّه أعمُّ .\r { ذلك } أَيْ : ما قصصنا عليك من حديث زكريا ومريم { من أنباء الغيب } أَيْ : من أخباره { نوحيه إليك } أَيْ : نلقيه { وما كنت لديهم } فتعرف ذلك { إذ يلقون أقلامهم } وذلك أنَّ حنَّة لمَّا ولدت مريم أتت بها سدنة بيت المقدس ، وقالت لهم : دونكم هذه النَّذيرة ، فتنافس فيها الأحبار حتى اقترعوا عليها ، فخرجت القرعة لزكريا ، فذلك قوله : { إذ يلقون أقلامهم } أَيْ : قداحهم التي كانوا يقترعون بها لينظروا أيُّهم تجب له كفالة مريم .","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"{ إذ قالت الملائكة } يعني : جبريل عليه السَّلام : { يا مريم إنَّ الله يبشرك بكلمة منه } يعني : عيسى عليه السَّلام؛ لأنَّه في ابتداء أمره كان كلمة من الله ، وكُوِّن بكلمة منه ، أَيْ : من الله { اسمه المسيح } وهو معرَّب من مشيحا بالسِّريانية ، لقبٌ لعيسى ثمَّ فَسَّر وبيَّن من هو فقال : { عيسى ابن مريم وجيهاً } أَيْ : ذا جاهٍ وشرفٍ وقدرٍ { في الدنيا والآخرة ومن المقربين } إلى ثواب الله وكرامته .\r { ويكلم الناس في المهد } صغيراً { وكهلاً } أَيْ : يتكلَّم بالنُّبوَّة كهلاً . وقيل : بعد نزوله من السَّماء { ومن الصالحين } يريد : مثل موسى ويعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السِّلام .\r { قالت } مريم مُتعجِّبةً : { أنى يكون لي ولد } من غير مسيس بشرٍ؟ { قال كذلك الله يخلق ما يشاء } مثل ذلك من الأمر ، وهو خلق الولد من غير مسيس بشرٍ ، أَي : الأمر كما تقولين ، ولكنَّ الله { إذا قضى أمراً } ذُكر في سورة البقرة [ إلى آخرها ] .\r { ويعلمه الكتاب } أراد : الكتابة والخطَّ .","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"وقوله : { ورسولاً إلى بني إسرائيل } أَيْ : ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيل { أني } أَيْ : بأنِّي { قد جئتكم بآية من ربكم } وهي { أني أخلق } أَيْ : أُقدِّر وأُصوّر { كهئية الطير } كصورته { وأبرىء الأكمه } وهو الذي وُلد أعمى { والأبرص } أَيْ : الذي به وَضَحٌ [ أي : بياضٌ ] { وأُنبئكم بما تأكلون } في غدوكم { وما } كم { تدخرون } لباقي يومكم .\r { ومصدِّقاً } أَيْ : وجئتكم مُصدِّقاً { لما بين يدي } أَي : الكتاب الذي أنزل من قبلي { ولأُحلَّ لكم بعض الذي حرّم عليكم } أحلَّ لهم على لسان المسيح لحوم الإِبل ، والثُّروب ، وأشياء من الطَّير ، والحيتان ممَّا كان محرَّماً في شريعة موسى عليه السَّلام { وجئتكم بآية من ربكم } أَيْ : ما كان معه من المعجزات الدَّالَّة على رسالته ، ووحَّدَ لأنَّها كلَّها جنسٌ واحدٌ في الدَّلالة .\r { فلما أَحسَّ عيسى } علم ورأى { منهم الكفر } وذلك أنَّهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله تعالى ، فاستنصر عليهم ، و { قال مَنْ أنصاري إلى الله } أَيْ : مع الله ، وفي ذات الله { قال الحواريون } وكانوا قصَّارين يحوّرون الثِّياب ، أَيْ : يُبيِّضونها ، آمَنوا بعيسى واتَّبعوه : { نحن أنصار الله } أنصار دينه { آمنا بالله واشهد } يا عيسى { بأنا مسلمون } وقوله : \r { فاكتبنا مع الشاهدين } مع الذين شهدوا للأنبياء بالصِّدق ، والمعنى : أَثْبِتْ أسماءنا مع أسمائهم؛ لنفوز بمثل ما فازوا .\r { ومكروا } سعوا في قتله بالمكر { ومكر اللَّهُ } جازاهم على مكرهم بإلقاء شبه عيسى على مَنْ دلَّ عليه حتى أُخذ وصُلب { والله خير الماكرين } أفضل المجازين بالسَّيئةِ العقوبةَ ، لأنَّه لا أحد أقدر على ذلك منه .\r { إذ قال الله يا عيسى } والمعنى : ومكر الله إذ قال الله يا عيسى : { إني متوفيك } أَيْ : قابضك من غير موتٍ وافياً تاماً ، أَيْ : لم ينالوا منك شيئاً { ورافعك إليَّ } أَيْ : إلى سمائي ومحل كرامتي ، فجعل ذلك رفعاً إليه للتَّفخيم والتَّعظيم ، كقوله : { إني ذاهبٌ إلى ربي } وإنَّما ذهب إلى الشَّام ، والمعنى : إلى أمر ربِّي { ومطهِّرك من الذين كفروا } أَيْ : مُخرجك من بينهم { وجاعل الذين اتبعوك } وهم أهل الإِسلام من هذه الأمَّة . اتَّبعوا دين المسيح وصدَّقوه بأنَّه رسول الله ، فواللَّهِ ما اتَّبعه مَنْ دعاه ربّاً { فوق الذين كفروا } بالبرهان والحُجَّة والعزِّ والغلبة .\r { ذلك } أَيْ : ما تقدَّم من النَّبأ عن عيسى ومريم عليهما السَّلام { نتلوه عليك } نخبرك به { من الآيات } أَي : العلامات الدَّالَّة على رسالتك؛ لأنَّها أخبارٌ عن أمورٍ لم يشاهدها ولم يقرأها من كتاب { والذكر الحكيم } أَي : القرآن المحكم من الباطل . وقيل : الحكيم : الحاكم ، بمعنى المانع من الكفر والفساد .","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"{ إنَّ مثل عيسى . . . } الآية . نزلت في وفد نجران حين قالوا للنبيِّ A : هل رأيت ولداً من غير ذَكَرٍ؟ فاحتجَّ الله تعالى عليهم بآدم عليه السَّلام ، أَيْ : إنَّ قياس خلق عيسى عليه السَّلام من غير ذَكَرٍ كقياس خلق آدم عليه السَّلام ، بل الشَّأنُ فيه أعجب؛ لأنَّه خُلق من غير ذكر ولا أنثى ، وقوله : { عند الله } أَيْ : في الإنشاء والخلق ، وتَمَّ الكلام عند قوله : { كمثل آدم } ثمَّ استأنف خبراً آخر من قصَّة آدم عليه السَّلام ، فقال : { خلقه من تراب } أَيْ : قالباً من تراب { ثم قال له كن } بشراً { فيكون } بمعنى فكان .\r { الحقُّ من ربِّك } أَي : الذي أَنْبَأْتُكَ من خبر عيسى الحقُّ من ربِّك { فلا تكن من الممترين } أَيْ : من الشَّاكِّين . الخطاب للنبيِّ عليه السَّلام ، والمرادُ به نهيُ غيره عن الشَّكِّ .","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"{ فمن حاجَّك } خاصمك { فيه } في عيسى { من بعد ما جاءَك من العلم } بأنَّ عيسى عبد الله ورسوله { فقل تعالوا } هلمُّوا { ندع أبناءَنا وأبناءَكم } \" لمَّا احتجَّ الله تعالى على النَّصارى من طريق القياس بقوله : { إنّ مثل عيسى عند الله . . . } الآية أمر النبيَّ A أن يحتجَّ عليهم من طريق الإِعجاز ، فلمَّا نزلت هذه الآية دعا رسولُ الله A وفد نجران إلى المباهلة ، وهي الدُّعاء على الظَّالم من الفريقين ، وخرج رسول الله A ومعه الحسن والحسين وعليٌّ وفاطمة عليهم السَّلام وهو يقول لهم : إذا أنا دعوتُ فأمِّنوا \" ، فذلك قوله : { ندع أبناءَنا . . . } الآية . وقوله : { وأنفسنا وأنفسكم } يعني : بني العمِّ { ثمَّ نبتهل } نتضرع في الدُّعاء وقيل : ندعو بالبَهلةَ ، وهي اللَّعنة ، فندعوا الله باللَّعنةِ على الكاذبين ، فلم تُجبه النَّصارى إلى المباهلة خوفاً من اللَّعنه ، وقَبِلوا الجزية .\r { إنَّ هذا } الذين أوحيناه إليك { لهو القصص الحق } الخبر الصِّدق .\r { فإن تولوا } أعرضوا عمَّا أتيت به من البيان { فإنَّ الله } يعلمُ مَنْ يفسد من خلقه فيجازيه على ذلك .\r { قل يا أهل الكتاب } يعني : يهود المدينة ، ونصارى نجران { تعالوا إلى كلمة سواءٍ } معنى الكلمة : كلامٌ فيه شرحُ قصَّةٍ { سواءٍ } عدلٍ { بيننا وبينكم } ثمَّ فسرَّ الكلمة فقال : { ألاَّ نعبدَ إلاَّ الله ولا نشرك به شيئاً } أَيْ : لا نعبد معه غيره { ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله } كما اتَّخذت النَّصارى عيسى ، وبنو إسرائيل عُزيراً . وقيل : لا نطيع أحداً في معصية الله ، كما قال الله في صفتهم لمَّا أطاعوا في معصيته علماءهم : { اتخذوا أحبارهم . . . } الآية . { فإن تولوا } أعرضوا عن الإِجابة { فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } مُقِرِّون بالتَّوحيد .","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"{ يا أهل الكتاب لمَ تحاجون في إبراهيم } نزلت لمَّا تنازعت اليهود والنَّصارى مع رسول الله A في إبراهيم عليه السَّلام ، فقالت اليهود : ما كان إبراهيم إلاَّ يهوديَّاً ، وقالت النَّصارى : ما كان إلاَّ نصرانيَّاً ، وقوله : { وما أنزلت التوراة والإِنجيل إلاَّ من بعده } أَيْ : إِنَّ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة حدثتا بعد نزول الكتابين ، وإنَّما نزلا بعد موته بزمانٍ طويلٍ . { أفلا تعقلون } فساد هذه الدَّعوى .\r { ها أنتم } أَيْ : أنتم { هؤلاء } أًيْ : يا هؤلاء { حاججتم } جادلتم وخاصمتم { فيما لكم به علم } يعني : ما وجدوه في كتبهم وأُنزل عليهم بيانه وقصَّته { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } من شأن إبراهيم عليه السَّلام ، وليس في كتابكم أنَّه يهوديَّاً أو نصرانيَّاً { والله يعلمُ } شأن إبراهيم { وأنتم لا تعلمون } ثمَّ بيَّن حاله فقال : \r { ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً . . . } الآية ، ثمَّ جعل المسلمين أحقَّ النَّاس به ، فقال : \r { إنَّ أولى الناس بإبراهيم } أَيْ : أقربهم إليه وأحقَّهم به { للذين اتبعوه } على دينه وملَّته { وهذا النبيُّ } محمَّدٌ A { والذين آمنوا } أَيْ : فهم الذين ينبغي أن يقولوا : إنَّا على دين إبراهيم عليه السَّلام .","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"{ ودَّت طائفةٌ من أهل الكتاب لو يضلونكم } أراد اليهود أن يستزلُّوا المسلمين عن دينهم ويردُّوهم إلى الكفر ، فنزلت هذه الآية . { وما يضلون إلاَّ أنفسهم } لأنَّ المؤمنين لا يقبلون قولهم ، فيحصل الإِثم عليهم بتمنِّيهم إِضلال المؤمنين { وما يشعرون } أَنَّ هذا يضرُّهم ولا يضرُّ المؤمنين .\r { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } أَيْ : بالقرآن { وأنتم تشهدون } بما يدلُّ على صحَّته من كتابكم؛ لأنَّ فيه نعتَ محمَّدٍ عليه السَّلام وذكره .\r { يا أهل الكتاب لم تلبسون } ذُكر في سورة البقرة .\r { وقالت طائفة من أهل الكتاب . . . } الآية . وذلك أنَّ جماعةً من اليهود قال بعضهم لبعض : أظهروا الإِيمان بمحمَّدٍ والقرآنِ في أوَّل النَّهار ، وارجعوا عنه في آخر النهار ، فإنَّه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينه ويشكُّوا إذا قلتم : نظرنا في كتابكم فوجدنا محمَّداً ليس بذاك ، فأطلع الله نبيَّه عليه السَّلام على سرِّ اليهود ومكرهم بهذه الآية .\r { ولا تؤمنوا } هذا حكايةٌ من كلام اليهود بعضهم لبعض . قالوا : لا تُصدِّقوا ولا تُقِرّوا ب { أَنْ يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم } من العلم والحكمة ، والكتاب ، والحجَّة والمنِّ والسَّلوى ، والفضائل والكرامات { إلاَّ لمن تبع دينكم } اليهوديَّة وقام بشرائعه ، وقوله : { قل إنَّ الهدى هدى الله } اعتراضٌ بين المفعول وفعله ، وهو من كلام الله تعالى ، وليس من كلام اليهود ، ومعناه : إنَّ الدِّين دين الله ، وقوله : { أو يحاجُّوكم } عطف على قوله : { أن يؤتى } والمعنى : ولا تؤمنوا بأن يحاجُّوكم عند ربكم؛ لأنَّكم أصحُّ ديناً منهم ، فلا يكون لهم الحجَّة عليكم ، فقال الله تعالى : { قل إنَّ الفضل بيد الله } أَيْ : ما تفضَّل الله به عليك وعلى أُمتِّك .\r { يختصُّ برحمته } بدينه الإِسلام { مَنْ يشاء والله ذو الفضل } على أوليائه { العظيم } لأنَّه لا شيءَ أعظمُ عند الله من الإِسلام ، ثمَّ أخبر عن اختلاف أحوالهم في الأمانة والخيانة بقوله : \r { ومِنْ أهل الكتاب مَنْ إنْ تأمنه بقنطارٍ يؤدِّه إليك } يعني : عبد الله بن سلام ، أُودع ألفاً ومائتي أوقية من ذهب ، فأدَّى الأمانة فيه إلى مَنْ ائتمنه { ومنهم من إِنْ تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك } يعني : فنحاص بن عازوراء ، أودع ديناراً فخانه { إلاَّ ما دمت عليه قائماً } على رأسه بالاجتماع معه ، فإن أنظرته وأخَّرته أنكر . { ذلك } أَيْ : الاستحلال والخيانة { بأنَّهم } يقولون : { ليس علينا } فيما أصبنا من أموال العرب شيءٌ؛ لأنَّهم مشركون ، فالأميُّون في هذه الآية العرب كلُّهم ، ثمَّ كذَّبهم الله تعالى في هذا ، فقال : { ويقولون على الله الكذب } لأنَّهم ادَّعوا أنَّ ذلك في كتابهم وكذبوا ، فإنَّ الأمانة مؤدَّاة في كلِّ شريعة { وهم يعلمون } أَنَّهم يكذبون ، ثمَّ ردَّ عليهم قولهم : { ليس علينا في الأُمييِّن سبيل } .","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"{ بلى } أَيْ : بلى عليهم سبيل [ في ذلك ] ، ثمَّ ابتدأ فقال : { مَنْ أوفى بعهده } أَيْ : بعهد الله الذي عهد إليه في التَّوراة من الإِيمان بمحمدٍ عليه السَّلام والقرآن ، وأَدَّى الأمانة ، واتَّقى الكفر والخيانة ، ونَقْضَ العهد { فإنَّ الله يحب المتقين } أََيْ : مَنْ كان بهذه الصفة .\r { إنَّ الذين يشترون بعهد الله } نزلت في رجلين اختصما إلى النبي A في ضَيعةٍ ، فهمَّ المدَّعَى عليه أن يحلف ، فنزلت هذه الآية فنكل [ المُدَّعى عليه ] عن اليمين وأقرَّ بالحقِّ ، ومعنى { يشترون } يستبدلون ، { بعهد الله } بوصيته للمؤمنين أن لا يحلفوا كاذبين باسمه { وأيمانهم } جميع اليمين ، وهو الحلف { ثمناً قليلأً } من الدُّنيا { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } أَيْ : لا نصيب لهم فيها { ولا يكلِّمهم الله } بكلامٍ يسرُّهم { ولا ينظر إليهم } بالرَّحمة ، وأكثر المفسرين على أنَّ الآية نزلت في اليهود ، وكتمانهم أمر محمد A وإيمانهم الذي بدَّلوه من صفة محمد عليه السَّلام هو الحقُّ في التَّوراة ، والدَّليل على صحَّة هذا قوله : \r { وإنَّ منهم } أَيْ : من اليهود { لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب } يحرِّفونه بالتَّغيير والتَّبديل ، والمعنى : يلوون ألسنتهم عن سنن الصَّواب بما يأتونه به من عند أنفسهم { لتحسبوه } أَيْ : لتحسبوا ما لووا ألسنتهم به { من الكتاب } .\r { ما كان لبشرٍ . . . } الآية . لمَّا ادَّعت اليهود أنَّهم على دين إبراهيم عليه السَّلام وكذَّبهم الله تعالى غضبوا وقالوا : ما يرضيك منَّا يا محمد إلاَّ أَنْ نتَّخذك ربّاً ، فقال رسول الله A : معاذَ الله أَنْ نأمر بعبادة غير الله ، ونزلت هذه الآية . { ما كان لبشر } أن يجمع بين هذين : بين النبوَّة وبين دُعاء الخلق إلى عبادة غير الله { ولكن } يقول : { كونوا ربانيين . . . } الآية . أَيْ : يقول : كونوا معلِّمي الناس بعلمكم ودرسكم ، علِّموا النَّاس وبيِّنوا لهم ، وكذا كان يقول النَّبيُّ A لليهود؛ لأنَّهم كانوا أهل كتاب يعلمون ما لا تعلمه العرب .\r { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً } كما فعلت النَّصارى والصَّابئون { أيأمركم بالكفر } استفهامٌ معناه الإِنكار ، أَيْ : لا يفعل ذلك { بعد إذ أنتم مسلمون } بعد إسلامكم .","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"{ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب } \" ما \" ها هنا للشرط ، والمعنى ، لئن آتيتكم شيئاً من كتاب وحكمة ، ومهما آتيتكم { ثمَّ جاءكم رسول مصدِّق لما معكم لتؤمننَّ به } ويريد بميثاق النَّبييِّن عهدهم ليشهدوا لمحمد عليه السَّلام أنَّه رسول الله A ، وهو قوله : { ثمَّ جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم } يريد محمداً { لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه } أَيْ : إن أدركتموه ولم يبعث الله نبيَّاً إلاَّ أخذ عليه العهد في محمَّدٍ عليه السَّلام ، وأمره بأنْ يأخذ العهد على قومه لَيُؤمننَّ به ، ولئنْ بُعث وهم أحياءٌ لينصرنَّه ، وهذا احتجاجٌ على اليهود ، وقوله : { أأقررتم } أَيْ : قال الله للنَّبييِّن : أقررتم بالإِيمان به والنُّصرة له { وأخذتم على ذلكم إصري } أَيْ : قبلتم عهدي؟ { قالوا أقررنا قال فاشهدوا } أَي : على أنفسكم وعلى أتباعكم { وأنا معكم من الشاهدين } عليكم وعليهم .\r { فَمَن تولى } أعرض من { بعد ذلك } بعد أخذ الميثاق وظهور آيات النبيِّ A { فأولئك هم الفاسقون } الخارجون عن الإيمان .\r { أفغير دين الله يبغون } بعد أخذ الميثاق عليهم بالتَّصديق بمحمَّد عليه السَّلام { وله أسلم مَنْ في السموات والأرض طوعاً } الملائكة والمسلمون { وكرهاً } الكفَّار في وقت البأس { وإليه يُرجعون } وعيدٌ لهم ، أَيْ : أيبغون غير دين الله مع أنَّ مرجعهم إليه؟\r { قل آمنا بالله } أُمِرَ النَّبيُّ A أن يقول : آمنَّا بالله وبجميع الرُّسل من غير تفريقٍ بينهم في الإِيمان كما فعلت اليهود والنَّصارى ، ونظير هذه الآية قد مضى في سورة البقرة .","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"{ كيف يهدي الله } هذا استفهامٌ معناه الإِنكار ، أَيْ : لا يهدي الله { قوماً كفروا بعد إيمانهم } أَي : اليهود كانوا مؤمنين بمحمَّدٍ عليه السَّلام قبل مبعثه ، فلمَّا بُعث كفروا به ، وقوله : { وشهدوا } أَيْ : وبعد أنْ شهدوا { أنَّ الرسول حقٌّ وجاءهم البينات } ما بيِّن في التَّوراة { والله لا يهدي القوم الظالمين } أَيْ : لا يرشد مَنْ نقض عهود الله بظلم نفسه .\r { أولئك جزاؤهم أنَّ عليهم لعنة الله } مثل هذه الآية ذُكر في سورة البقرة .\r { إلاَّ الذين تابوا من بعد ذلك } أَيْ : راجعوا الإِيمان بالله وتصديق نبيِّه { وأصلحوا } أعمالهم .\r { إنَّ الذين كفروا بعد إيمانهم } وهم اليهود { ثم ازدادوا كفراً } بالإِقامة على كفرهم { لن تقبل توبتهم } لأنهم لا يتوبون إلاَّ عند حضور الموت ، وتلك التَّوبة لا تُقبل .\r { إنَّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً } وهو القدر الذي يملؤها . يقول : لو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهباً لم يُقبل منه .","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"{ لن تنالوا البر } [ التقوى . وقيل : ] أَي : الجنَّة { حتى تنفقوا مما تحبون } أَيْ : تُخرجوا زكاة أموالكم .\r { كلُّ الطعام كان حلاً لبني إسرائيل } أَيْ : حلالاً { إلاَّ ما حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة } \" وذلك أنَّ يعقوب عليه السَّلام مرض مرضاً شديداً ، فنذر لئن عافاه الله تعالى لَيُحرِّمنَّ أحبَّ الطَّعام والشَّراب إليه ، وكان أحبَّ الطَّعام والشَّراب إليه لحمانُ الإِبل وألبانها ، فلمَّا ادَّّعى النَّبيُّ A أنَّه علم دين إبراهيم عليه السَّلام قالت اليهود : كيف وأنت تأكل لحوم الإِبل وألبانها؟ فقال النَّبيُّ عليه السَّلام : كان ذلك حلالاً لإِبراهيم عليه السَّلام ، فادَّعت اليهود أنَّ ذلك كان حراماً عليه \" ، فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم ، وبيَّن أنَّ ابتداء هذا التَّحريم لم يكن في التَّوراة ، إنَّما كان قبل نزولها ، وهو قوله : { من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتَّوراة . . . . } الآية .\r { فمن افترى على الله الكذب } أَيْ : بإضافة هذا التَّحريم إلى الله عزَّ وجلَّ على إبراهيم في التَّوراة { من بعد ذلك } من بعد ظهور الحجَّة بأنَّ التَّحريم إنَّما كان من جهة يعقوب عليه السَّلام { فأولئك هم الظالمون } أنفسهم .","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"{ قل صدق الله } في هذا وفي جميع ما أخبر به .\r { إنَّ أوَّل بيتٍ وُضع للناس } يُحَجُّ إليه { للذي ببكة } مكَّة { مباركاً } كثير الخير ، بأن جُعل فيه وعنده البركة { وهدىً } وذا هدىً { للعالمين } لأنَّه قِبلة صلاتهم ، ودلالةٌ على الله بما جعل عنده من الآيات .\r { فيه آياتٌ بيناتٌ } أَيْ : المشاعر والمناسك كلُّها ، ثمَّ ذكر بعضها فقال : { مقام إبراهيم } أَيْ : منها مقام إبراهيم { ومَنْ دخله كان آمناً } أَيْ : مَنْ حجَّه فدخله كان آمناً من الذُّنوب التي اكتسبها قبل ذلك . وقيل : من النَّار { ولله على الناس حج البيت } عمَّم الإِيجاب ثمَّ خصَّ ، وأبدل من النَّاس فقال : { من استطاع إليه سبيلاً } يعني : مَنْ قوي في نفسه ، فلا تلحقه المشقَّة في الكون على الرَّاحلة ، فمَنْ كان بهذه الصِّفة وملك الزَّاد والرَّاحلة وجب عليه الحج { ومَنْ كفر } جحد فرض الحجِّ { فإنَّ الله غنيٌّ عن العالمين } .\r { قل يا أهل الكتاب لم تصدُّون عن سبيل الله مَنْ آمن } كان صدُّهم عن سبيل الله بالتَّكذيب بالنَّبيِّ A ، وأنَّ صفته ليست في كتابهم { تبغونها عوجاً } تطلبون لها عوجاً بالشُّبَه التي تلبسونها على سفلتكم { وأنتم شهداء } بما في التَّوراة أنَّ دين الله الإِسلام .","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا إنْ تطيعوا فريقاً . . . } الآية . نزلت في الأوس والخزرج حين أغرى قومٌ من اليهود بينهم ليفتنوهم عن دينهم ، ثمَّ خاطبهم فقال : \r { وكيف تكفرون } أَيْ : على أيِّ حالٍ يقع منكم الكفر وآياتُ الله التي تدلُّ على توحيده تُتلى عليكم { وفيكم رسوله ومَنْ يعتصم بالله } يؤمن بالله .\r { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقَّ تقاته } وهو أَنْ يُطاع فلا يُعصى ، ويُذكر فلا يُنسى ، ويُشكر فلا يُكفر ، فلما نزل هذا قال أصحابُ النبيِّ A : ومَنْ يقوى على هذا؟ وشقَّ عليهم ، فأنزل الله تعالى : { فاتَّقوا الله ما استطعتم } فنسخت الأولى { ولا تموتنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون } أَيْ : كونوا على الإِسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم عليه ، وهو في الحقيقةِ نهيٌ عن ترك الإِسلام .\r { واعتصموا بحبل الله جميعاً } أَيْ : تمسَّكوا بدين الله ، والخطاب للأوس والخزرج { ولا تفرقوا } كما كنتم في الجاهليَّة مُقتتلين على غير دين الله { واذكروا نعمة الله عليكم } بالإِسلام { إذ كنتم أعداءً } يعني : ما كان بين الأوس والخزرج من الحرب إلى أن ألَّفَ الله بين قلوبهم بالإِسلام ، فزالت تلك الأحقاد ، وصاروا إخواناً مُتوادِّين ، فذلك قوله : { فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار } أَيْ : طرف حفرةٍ من النَّار لو متم على ما كنتم عليه { فأنقذكم } فنجَّاكم { منها } بالإِسلام وبمحمد عليه السَّلام { كذلك } أَيْ : مثل هذا البيان الذي تُلي عليكم { يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون } .\r { ولتكن منكم أمة . . . } الآية . أَيْ : وليكن كلُّكم كذلك ، ودخلت \" مِنْ \" لتخصيص المخاطبين من غيرهم .\r { ولا تكونوا كالذين تفرَّقوا } أَي : اليهود والنَّصارى { واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } أَيْ : إنَّ اليهود اختلفوا بعد موسى ، فصاروا فرقاً ، وكذلك النَّصارى .\r { يومَ تبيض وجوه } أَيْ : وجوه المهاجرين والأنصار ومَنْ آمنَ بمحمدٍ عليه السَّلام ، { وتسودّ وجوه } اليهود والنَّصارى ومَنْ كفر به { فأمَّا الذين اسودَّت وجوههم } فيقال لهم : { أكفرتم بعد إيمانكم } لأنَّهم شهدوا لمحمدٍ عليه السَّلام بالنُّبوَّة ، فلمَّا قدم عليهم كذَّبوه وكفروا به .\r { وأمَّا الذين ابيضَّت وجوههم ففي رحمة الله } أَيْ : جنَّته .\r { تلك آيات الله } أَي : القرآن { نتلوها عليك } نُبيِّنها { بالحقِّ } بالصِّدق { وما الله يريد ظلماً للعالمين } فيعاقبهم بلا جرمٍ .","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"{ كنتم خير أمة } عند الله في اللَّوح المحفوظ . يعني : أمَّة محمَّدٍ A { أُخرجت للناس } أُظهرت لهم ، وما أَخرج الله تعالى للنَّاس أُمَّة خيراً من أُمَّة محمَّد عليه السَّلام ، ثمَّ مدحهم بما فيهم من الخصال فقال : { تأمرون بالمعروف . . . } الآية .\r { لن يضرُّوكم } أَي : اليهود { إلاَّ أذىً } إلاَّ ضرراً يسيراً باللِّسان ، مثل الوعيد والبهت { وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار } منهزمين . وعد الله نبيَّه والمؤمنين النُّصرة على اليهود ، فصدق وعده فلم يقاتل يهود المدينة رسول الله A إلاًّ انهزموا .\r { ضربت عليهم الذلة } ذكرناه { أينما ثقفوا } وُجدوا وصُودفوا { إلاَّ بحبل من الله } أَيْ : لكن قد يعتصمون بالعهد [ إذا أعطوه ، والمعنى : أنَّهم إذلاء في كلِّ مكان إلاَّ أنَّهم يعتصمون بالعهد ] ، والمراد : { بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس } العهد والذِّمَّة والأمان الذي يأخذونه من المؤمنين بإذن الله ، وباقي الآية ذُكر في سورة البقرة ، ثمَّ أخبر أنَّهم غير متساوين في دينهم فقال : \r { ليسوا سواء } وأخبر أنَّ منهم المؤمنين فقال : { من أهل الكتاب أمة قائمة } أَيْ : على الحقِّ { يتلون } يقرؤون { آيات الله } كتاب الله { آناء الليل } ساعاته . يعني : عبد الله بن سلام ومَنْ آمن معه من أهل الكتاب { وهم يسجدون } أَيْ : يُصلُّون .","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"{ وما يفعلوا من خيرٍ فلن يكفروه } لن تُجحدوا جزاءه .\r { إنَّ الذين كفروا . . . } الآية . سبقت في أوَّل هذه السورة .\r { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا } يعني : نفقة سفلة اليهود على علمائهم { كمثل ريح فيها صرٌّ } بردٌ شديدٌ { أصابت حرث قومٍ ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعصية . أعلم الله تعالى أنَّ ضرر نفقتهم عليهم كضرر هذه الرِّيح على هذا الزَّرع { وما ظلمهم الله } لأنَّ كلَّ ما فعله بخلقه فهو عدلٌ منه { ولكن أنفسهم يظلمون } بالكفر والعصيان ، ثمَّ نهى المؤمنين عن مباطنتهم فقال : \r { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة } أَيْ : دخلاً وخواصَّ { من دونكم } من غير أهل ملَّتكم { لا يألونكم خبالاً } أَيْ : لا يدعون جهدهم في مضرَّتكم وفسادكم { ودُّوا ما عنتم } تمنَّوا ضلالكم عن دينكم { قد بدت البغضاء } أَيْ : ظهرت العداوة { من أفواههم } بالشَّتيمة والوقيعة في المسلمين { وما تخفي صدورهم } من العداوة والخيانة { أكبر قد بيّنا لكم الآيات } أَيْ : علامات اليهود في عداوتهم . { إن كنتم تعقلون } موقع نفع البيان .\r { ها أنتم } \" ها \" تنبيهٌ دخل على \" أنتم \" { أولاء } بمعنى : الذين . كأنَّه قيل : الذين { تحبُّونهم ولا يحبُّونكم } أَيْ : تريدون لهم الإِسلام ، وهم يريدونكم على الكفر { وتؤمنون بالكتاب كلِّه } أَيْ : بالكتب ، وهو اسم جنس { وإذا خلوا عضُّوا عليكم الأنامل } أَيْ : أطراف الأصابع { من الغيظ } التَّقدير : عضُّوا الأنامل من الغيظ عليكم ، وذلك لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم { قل موتوا بغيظكم } أمر الله تعالى نبيَّه أن يدعو عليهم بدوام غيظهم إلى أن يموتوا { إنَّ الله عليمٌ بذات الصدور } بما فيها من خيرٍ وشرٍّ .\r { إن تمسسكم حسنةٌ } نصرٌ وغنيمةٌ { تسؤهم } تحزنهم { وإنْ تصبكم سيئة } ضد ذلك ، وهو كسرٌ وهزيمةٌ { يفرحوا بها وإن تصبروا } على ما تسمعون من آذاهم { وتتقوا } مقاربتهم ومخالطتهم { لا يضرُّكم كيدهم } عداوتهم { شيئاً إنَّ الله بما يعملون محيط } عالمٌ به فلن تعدموا جزاءه .\r { وإذ غدوت } يعني : يوم أُحدٍ { من أهلك } من منزل عائشة Bها { تبوِّىء } تُهيِّىءُ للمؤمنين { مقاعد } مراكز ومثابت { للقتال والله سميع } لقولكم { عليم } بما في قلوبكم .","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"{ إذ همَّت طائفتان منكم } بنو سَلِمة وبنو حارثة { أن تفشلا } أَنْ تجبنا ، وذلك أنَّ هؤلاء همُّوا بالانصراف عن الحرب ، فعصمهم الله { والله وليُّهما } ناصرهما وموالٍ لهما { وعلى الله فليتوكل } فليعتمد في الكفاية { المؤمنون } .\r { ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلَّةٌ } بقلَّة العدد وقلَّة السِّلاح { فاتقوا الله لعلكم تشكرون } أَيْ : فاتقونِ فإنه شكر نعمتي .\r { إذ تقول للمؤمنين } يوم بدرٍ : { ألن يكفيكم أَنْ يمدَّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين } .\r { بلى } تصديقٌ لوعد الله { إن تصبروا } على لقاء العدوِّ { وتتقوا } معصية الله ومخالفة النبيِّ عليه السَّلام [ { ويأتوكم من فورهم } قيل : من وجههم : وقيل : من غيظهم ] { يمددكم ربكم بخسمة آلاف من الملائكة مسوِّمين } مُعلَّمين ، وكانت الملائكة قد سوِّمت يوم بدر بالصُّوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها ، ثمَّ صبر المؤمنون يوم بدر فأُمدّوا بخمسة آلاف من الملائكة .\r { وما جعله الله } أَيْ : ذلك الإِمداد { إلاَّ بشرى } أَيْ : بشارةً لكم { ولتطمئن قلوبكم به } فلا تجزع من كثرة العدو { وما النصر إلاَّ مِنْ عند الله } لأنَّ مَن لم ينصره الله فهو مخذولٌ وإنْ كثرت أنصاره .\r { ليقطع طرفاً } أَيْ : نصركم ببدرٍ [ ليقطع طرفاً ، أي : ] ليهدم ركناً من أركان الشِّرك بالقتل والأسر { أو يكبتهم } أَيْ : يخزيهم ويُذلَّهم . يعني : الذين انهزموا . قوله : \r { ليس لك من الأمر شيء . . . } الآية . لمَّا كان يوم أُحدٍ من المشركين ما كان من كسر رباعيَّة النبيِّ A وشجِّه ، فقال : كيف يفلح قومٌ خضبوا وجه نبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربِّهم؟! فأنزل الله تعالى هذه الآية يُعلمه أنَّ كثيراً منهم سيؤمنون ، والمعنى : ليس لك من الأمر في عذابهم أو استصلاحهم شيءٌ ، حتى يقع إنابتهم أو تعذيبهم ، وهو قوله : { أو يتوب عليهم أو يعذبهم } فلمَّا نفى الأمر عن نبيِّه عليه السَّلام ذكر أنَّ جميع الأمر له ، فمَنْ شاء عذَّبه ، ومن شاء غفر له ، وهو قوله : { ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء } أَي : الذَّنب العظيم للموحِّدين { ويعذّب من يشاء } يريد : المشركين على الذَّنب الصَّغير { والله غفورٌ } لأوليائه { رحيمٌ } بهم .","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا . . . } الآية . هو أنَّهم كانوا يزيدون على المال ويؤخِّرون الأجل ، كلَّما أُخرِّ أجلٌ إلى غيره زِيد في المال زيادةٌ { لعلكم تفلحون } لكي تسعدوا وتبقوا في الجنَّة .\r { واتقوا النَّار } بتحريم الرِّبا وترك الاستحلال له { التي أعدَّت للكافرين } دون المؤمنين .\r { وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم } أَي : الإِسلامِ الذي يوجب المغفرة . وقيل : إلى التَّوبة ، وقيل : إلى أداء الفرائض { وجنَّة عرضها السموات والأرض أُعدّت } لكلِّ واحدٍ من أولياء الله .\r { الذين ينفقون في السراء والضرَّاء } في اليسر والعسر ، وكثرة المال وقلَّته { والكاظمين الغيظ } الكافيِّن غضبهم عن إمضائه { والعافين عن الناس } أيْ : المماليك وعمَّنْ ظلمهم وأساء إليهم { والله يحبُّ المحسنين } الموحِّدين الذين فيهم هذه الخصال .\r { والذين إذا فعلوا فاحشة } أَي : الزِّنا ، نزلت في نبهان التَّمَّار أتته امراةٌ حسناء تبتاع منه التمر ، فضمَّها إلى نفسه وقبَّلها ، ثمَّ ندم على ذلك فأتى النبيَّ A وذكر ذلك له ، فنزلت هذه الآية ، وقوله : { أو ظلموا أنفسهم } يعني : ما دون الزِّنا من قُبلةٍ ، أو لمسةٍ ، أو نظرٍ { ذكروا الله } أيْ : ذكروا عقاب الله { ولم يُصرُّوا } أَيْ : لم يقيموا ولم يدوموا { على ما فعلوا } بل أقرُّوا واستغفروا { وهم يعلمون } أنَّ الذي أوتوه حرامٌ ومعصية .\r { قد خلت من قبلكم سننٌ } قد مضت مني فيمن كان قبلكم من الأمم الكافرة سننٌ بإمهالي إيَّاهم ، حتى يبلغوا الأجل الذي أجَّلته في إهلاكهم ، وبقيت لهم آثارٌ في الدُّنيا فيهم أعظم الاعتبار . { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة } آخرُ أمرِ { المُكذِّبين } منهم : نزلت في قصَّة يوم أُحدٍ . يقول الله : فأنا أُمهلهم حتَّى يبلغ أجلي الذي أجَّلْتُ في نصرة النبيِّ عليه السَّلام وأوليائه ، وإهلاك أعدائه .\r { هذا بيانٌ للناس } أي : القرآن بيانٌ للنَّاس عامَّة { وهدىً وموعظة للمتقين } خاصَّة وهم الذين هداهم الله بفضله .","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"{ ولا تهنوا } ولا تضعفوا عن جهاد عدوِّكم بما نالكم من الهزيمة { ولا تحزنوا } أَيْ : على ما فاتكم من الغنيمة { وأنتم الأعلون } أَيْ : لكم تكون العاقبة بالنَّصر والظَّفر { إن كنتم مؤمنين } أَيْ : إنَّ الإِيمان يُوجب ما ذكر من ترك الوهن والحزن .\r { إن يمسسكم } يصبكم { قرحٌ } جراحٌ وألمها يوم أُحدٍ { فقد مسَّ القوم } المشركين { قرحٌ مثله } يوم بدرٍ { وتلك الأيام } أَيْ : أيَّام الدُّنيا { نداولها } نُصرِّفها { بين الناس } مرَّةً لفرقةٍ ومرَّةً عليها { وليعلم الله الذين آمنوا } مُميَّزين بالإٍيمان عن غيرهم . أَيْ : إِنَّما نجعل الدَّولة للكفَّار على المؤمنين ليميَّز المؤمن المخلص ممَّن يرتدُّ عن الدِّين إذا أصابته نكبة ، والمعنى : ليعلمهم مشاهدةً كما علمهم غيباً { ويتخذ منكم شهداء } أَيْ : ليكرم قوماً بالشَّهادة { والله لا يحبُّ الظالمين } أَي : المشركين ، أَيْ : إنَّه إنما يُديل المشركين على المؤمنين لما ذُكر؛ لا لأنَّه يحبُّهم .\r { وليمحص الله الذين آمنوا } أَيْ : ليخلِّصهم من ذنوبهم بما يقع عليهم من قتلٍِ وجرحٍ وذهاب مال { ويمحق الكافرين } يستأصلهم إذا أدال عليهم : يعني : أنه يُديل على المؤمنين لما ذُكر ، ويُديل على الكافرين لإِهلاكهم بذنوبهم .\r { أم حسبتم } بل أحسبتم : أَي : لا تحسبوا { أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله . . . } الآية : أَيْ : ولمَّا يقع العلم بالجهاد مع العلم بصبر الصَّابرين ، والآية خطابٌ للذين انهزموا يوم أُحدٍ . قيل لهم : أحسبتم أن تدخلوا الجنَّة كما دخل الذين قُتلوا وثبتوا على ألم الجرح والضَّرب من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم؟!\r { ولقد كنتم تمنون الموت } كانوا يتمنَّون يوماً مع النبيِّ A ويقولون : لنفعلنَّ ولنفعلنَّ ، ثمَّ انهزموا يوم أُحدٍ ، فاستحقُّوا العقاب ، وقوله : { من قبل أن تلقوه } أَيْ : من قبل يوم أحدٍ { فقد رأيتموه } رأيتم ما كنتم تتمنُّون من الموت ، أَيْ رأيتم أسبابه [ ولم تثبتوا مع نبيّكم . نزلت في معاتبة الرسول إياهم ، فقالوا : بلغنا أنَّك قد قُتلْتَ لذلك انهزمنا { وأنتم تنظرون } ] وأنتم بُصراءُ تتأمَّلون الحال في ذلك كيف هي ، فَلِمَ انهزمتم؟\r { وما محمدٌ إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل } أَيْ : يموت كما ماتت الرُّسل قبله { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } ارتددتم كفَّاراً بعد إيمانكم ، وذلك لمَّا نُعي رسول الله A يوم أُحدٍ وأُشيع أنَّه قد قُتل قال ناس من أهل النِّفاق للمؤمنين : إن كان محمد قد قُتل فالحقوا بدينكم الأوَّل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً } أَيْ : فإنما يضرُّ نفسه باستحقاق العذاب { وسيجزي الله } بما يستحقون من الثَّواب { الشاكرين } الطَّائعين لله من المهاجرين والأنصار ، ثمَّ عاتب المنهزمين .","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"{ وما كان لنفس أن تموت } أَيْ : ما كانت نفسٌ لتموت { إلاَّ بإذن الله } بقضائه وقدره ، كتب الله ذلك { كتاباً مؤجلاً } إلى أجله الذي قدِّر له ، فلمَ انهزمتم؟ والهزيمة لا تزيد في الحياة . { ومَنْ يرد } بعمله وطاعته { ثواب الدنيا } زينتها وزخرفها { نؤته منها } نُعْطه منها ما قدَّرناه له ، [ أَيْ : لهؤلاء المنهزمين طلباً للغنيمة ] ، { ومن يرد ثواب الآخرة } يعني : الذين ثبتوا حتى قُتلوا { نؤته منها } ثمَّ احتجَّ على المنهزمين بقوله : \r { وكأين } أَيْ : وكم { من نبيٍّ قتل } في معركةٍ { معه ربيون كثير } جماعاتٌ كثيرةٌ { فما وهنوا لما أصابهم } أَيْ : ما ضعفوا بعد قتل نبيِّهم . . . الآية .\r { وما كان قولهم } أَيْ : قول أصحاب ذلك النبيِّ المقتول عند الحرب بعد قتل نبيِّهم { إلاَّ أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا } تجاوزنا ما حُدَّ لنا { في أمرنا وثَبِّتْ أقدامَنا } بالقوَّة من عندك والنُّصرة .\r { فآتاهم الله ثواب الدنيا } النَّصر والظَّفر { وحسن ثواب الآخرة } الأجر والمغفرة .\r { يا أيها الذين آمنوا إِنْ تطيعوا الذين كفروا } أَيْ : اليهود والمشركين حيث قالوا لكم يوم أُحدٍ : ارجعوا إلى دين آبائكم ، وهو قوله : { يردوكم على أعقابكم } يرجعوكم إلى أوَّل أمركم من الشِّرك بالله .\r { بل الله مولاكم } أَيْ : فاستغنوا عن موالاة الكفَّار ، فأنا ناصركم فلا تستنصروهم ، ولمَّا انصرف المشركون من أحدٍ همُّوا بالرُّجوع لاستئصال المسلمين ، وخاف المسلمون ذلك فوعدهم الله تعالى خذلان أعدائهم .","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"{ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرُّعب } الخوف حتى لا يرجعوا إليكم { بما أشركوا } أيْ : بإشراكهم بالله { ما لم ينزل به سلطاناً } حجَّةً وبرهاناً ، أيْ : الأصنام التي يَعبدونها مع الله بغير حجَّة { ومأواهم النار } أَيْ : مرجعهم النَّار { وبئس مثوى الظالمين } مقامهم .\r { ولقد صدقكم الله وعده } بالنَّصر والظَّفر { إذْ تحسُّونهم } تقتلون المشركين يوم أُحدٍ في أوَّل الأمر { بإذنه } بعلم الله وإرادته { حتى إذا فشلتم } جَبنْتُم عن عدوِّكم { وتنازعتم } اختلفتم في الأمر . يعني : قول بعضهم : ما مقامنا وقد انهزم القوم الكافرون ، وقول بعضهم : لا نجاوز أمر رسول الله A ، وهذا الاختلاف كان بين الرُّماة الذين كانوا عند المركز { وعصيتم } الرَّسول بترك المركز { من بعد ما أراكم ما تحبُّون } من الظَّفر والنَّصر على أعدائكم { منكم مَنْ يريد الدنيا } وهم الذين تركوا المركز ، وأقبلوا إلى الذَّهب { ومنكم مَن يريد الآخرة } أَيْ : الذين ثبتوا في المركز { ثمَّ صرفكم } ردَّكم بالهزيمة { عنهم } عن الكفَّار { ليبتليكم } ليختبركم بما جعل عليكم من الدَّبرة ، فيتبيَّن الصَّابر من الجازع ، والمخلص من المنافق { ولقد عفا عنكم } ذنبَكم بعصيان النبيِّ A والهزيمة { والله ذو فضلٍ على المؤمنين } بالمغفرة .","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"{ إذْ تصعدون } تَبعدون في الهزيمة { ولا تلوون } لا تقيمون { على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم } من خلفكم يقول : إليَّ عبادَ الله [ إليَّ عباد الله ، إليَّ عباد الله ] ، وأنتم لا تلتفتون إليه { فأثابكم } أَيْ : جعل مكان ما ترجعون من الثَّواب { غمَّاً } وهو غمُّ الهزيمة وظفر المشركين { بغمٍّ } أَيْ : بغمِّكم رسول الله A إذْ عصيتموه { لكيلا تحزنوا } أَيْ : عفا عنكم لكيلا تحزنوا { على ما فاتكم } من الغنيمة { ولا ما أصابكم } من القتل والجراح .\r { ثمَّ أنزل عليكم من بعد الغمِّ أمةً نعاساً } وذلك أنَّهم خافوا كرَّة المشركين عليهم ، وكانوا تحت الحَجَف مُتأهِّبين للقتال ، فأمَّنهم الله تعالى أمناً ينامون معه ، وكان ذلك خاصَّاً للمؤمنين ، وهو قوله : { يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمَّتهم } وهم المنافقون . كان همَّهم خلاص أنفسهم { يظنون بالله غير الحق } أَيْ : يظنون أن أمر محمد عليه السَّلام مضحملٌّ ، وأنه لا ينصر { ظنّ الجاهلية } أَيْ : كظنِّ أهل الجاهليَّة ، وهم الكفَّار { يقولون : هل لنا من الأمر من شيء } ليس لنا من النصر والظَّفَر شيء كما وُعدنا . يقولون ذلك على جهة التكذيب . فقال الله تعالى : { إنَّ الأمر كلّه لله } أَيْ : النصر والشهادة ، والقدر والقضاء { يخفون في أنفسهم } من الشك والنفاق { ما لا يُبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء } أَيْ : لو كان الاختيار إلينا { ما قتلنا هَهُنَا } يعنون : أنَّهم أخرجوا كُرهاً ، ولو كان الأمر بيدهم ما خرجوا ، وهذا تكذيبٌ منهم بالقدر ، فردَّ الله عليهم بقوله : { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } مصارعهم ، ولم يكن لِيُنجيهم قعودُهم { وليبتلي الله ما في صدوركم } أيُّها المنافقون ، فعلَ الله ما فعلَ يوم أُحدٍ { وليمحِّص } ليظهر ويكشف { ما في قلوبكم } أيُّها المؤمنون من الرِّضا بقضاء الله { والله عليمٌ بذات الصدور } بضمائرها .\r { إنَّ الذين توَّلوا منكم } أيُّها المؤمنون { يوم التقى الجمعان } أَيْ : الذين انهزموا يوم أحد { إنما استزلَّهم الشيطان } حملهم على الزَّلَّة { ببعض ما كسبوا } يعني : معصيتهم للنبيّ A بترك المركز { ولقد عفا الله عنهم } تلك الخطيئة .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا } أَيْ : المنافقين { وقالوا لإِخوانهم } أَيْ : في شأن إخوانهم في النَّسب { إذا ضربوا في الأرض } أَيْ : سافروا فماتوا وهلكوا { أو كانوا غُزَّىً } جمع غازٍ ، فقتلوا { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } تكذيباً منهم بالقضاء والقدر { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } أَيْ : ليجعل ظنَّهم أنَّهم لو لم يحضروا الحرب لاندفع عنهم القتل { حسرة في قلوبهم } ينهى المؤمنين أن يكونوا كهؤلاءِ الكفَّار في هذا القول منهم ، ليجعل اللَّهُ ذلك حسرةً في قلوبهم دون قلوب المؤمنين { واللَّهُ يحيي ويميت } فليس يمنع الإِنسان تحرُّزه من إتيان أجله .","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"{ ولئن قتلتم } [ أي : والله لئن قتلتم ] . { في سبيل الله } في الجهاد أيُّها المؤمنون { أو متم } في سبيل الله ليغفرنَّ لكم وهو { خيرٌ مما يَجمعون } من أعراض الدُّنيا .\r { ولئن متم } مُقيمين على الجهاد { أو قتلْتُم } مجاهدين { لإِلى الله تحشرون } في الحالين .\r { فبما رحمة من الله } أَيْ : فَبِرَحْمةٍ ، أَيْ : فبنعمةٍ من الله وإحسانٍ منه إليك { لِنت لهم } يا محمد : أَيْ : سهلت أخلاقك لهم ، وكثر احتمالك { ولو كنت فظاً } غليظاً في القول { غليظ القلب } في الفعل { لانفضُّوا } لتفرَّقوا { من حولك فاعف عنهم } فيما فعلوا يومَ أُحدٍ { واستغفر لهم } حتى أُشفِّك فيهم { وشاورهم في الأمر } تطييباً لنفوسهم ، ورفعاً من أقدارهم ، ولتصير سنَّةً { فإذا عزمت } على ما تريد إمضاءه { فتوكل على الله } لا على المشاورة .\r { إنْ ينصركم الله فلا غالب لكم } من النَّاس { وإن يخذلكم } [ يوم أُحد ] لا ينصركم أحدٌ من بعده ، والمعنى : لا تتركوا أمري للنَّاس ، وارفضوا النَّاس لأمري .\r { وما كان لنبيٍّ أن يغلَّ } أَيْ : يخون بكتمان شيءٍ من الغنيمة عن أصحابه . نزلت في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدرٍ ، فقال النَّاس : لعلَّ النَّبيَّ أخذها ، فنفى الله تعالى عنه الغلول ، وبيَّن أنَّه ما غلَّ نبيٌّ ، والمعنى : ما كان لنبيٍّ غلولٌ { ومن يَغْلُلْ يأت بما غلَّ } حاملاً له على ظهره { يوم القيامة ثمَّ توفى كل نفس ما كسبت } أَيْ : تُجازى ثواب عملها { وهم لا يظلمون } لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً .\r { أفمن اتَّبع رضوا الله } بالإيمان به والعمل بطاعته ، يعني : المؤمنين { كمَنْ باء بسخطٍ من الله } احتمله بالكفر به ، والعمل بمعصيته ، يعني : المنافقين .\r { هم درجاتٌ عند الله } أَيْ : أهل درجات عند الله . يريد أنَّهم مختلفو المنازل فَلِمَن اتِّبع رضوان الله الكرامة والثَّواب ، ولِمَنْ باء بسخطٍ من الله المهانةُ والعذاب { والله بصيرٌ بما يعملون } فيه حثٌّ على الطَّاعة ، وتحذيرٌ عن المعصية .\r { لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم } أَيْ : واحداً منهم عُرِف أمره ، وخبرُ صدقه وأمانته ، ليس بمَلَك ولا أحدٍ من غير بني آدم ، وباقي الآية ذُكر في سورة البقرة . { وإن كانوا من قَبْلُ } [ وقد كانوا ] من قبل بعثه { لفي ضلالٍ مبين } .","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"{ أَوَ لَمّا أصابتكم } أَوَ حين أصابتكم مصيبة . يعني : ما أصابهم يوم أُحدٍ { وقد أصبتم } أنتم { مثليها } يوم بدر ، وذلك أنَّهم قتلوا سبعين وأسروا سبعين ، وقُتل منهم يوم أحد سبعون { قلتم أنَّى هذا } من أين أصابنا هذا القتل والهزيمة ونحن مسلمون ، ورسول الله A فينا؟! { قل هو من عند أنفسكم } أَيْ : إنَّكم تركتم المركز وطلبتم الغنيمة ، فَمِنْ قِبَلِكُمْ جاءكم الشَّرُّ { إنَّ الله على كل شيء قدير } من النَّصر مع طاعتكم نبيَّكم ، وترك النَّصر مع مخالفتكم إيَّاه .\r { وما أصابكم يوم التقى الجمعان } يوم أُحدٍ { فبإذن الله } بقضائه وقدره ، يُسلِّيهم بذلك { وليعلم المؤمنين } ثابتين صابرين ، وليعلمَ المنافقين حازعين ممَّا نزل بهم .\r { وقيل لهم } لعبد الله بن أُبيِّ وأصحابه لمَّا انصرفوا ذلك اليوم عن المؤمنين { تَعالَوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } عنَّا القوم بتكثيركم سوادنا إنْ لم تقاتلوا { قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم } أَيْ : لو نعلم أنَّكم تقاتلون اليوم لاتَّبعناكم ، ولكن لا يكون اليوم قتال ، ونافقوا بهذا لأنَّهم لو علموا ذلك ما اتَّبعوهم . قال الله تعالى : { هم للكفر يومئذٍ } بما أظهروا من خذلان المؤمنين { أقربُ منهم للإِيمان } لأنهم كانوا قبل ذلك أقربَ إلى الإِيمان بظاهر حالهم ، فلمَّا خذلوا المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر من حيث الظَّاهر .\r { الذين قالوا } يعني : المنافقين { لإِِخوانهم } لأمثالهم من أهل النِّفاق { وقعدوا } عن الجهاد ، الواو للحال { لو أطاعونا } يعنون : شهداء أُحدٍ في الانصراف عن النبيِّ A والقعود { ما قُتلوا } فردَّ الله تعالى عليهم وقال : { قل } لهم يا محمَّدُ { فادْرَؤُوا } فادفعوا { عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } إنْ صدقتم أنَّ الحذر ينفع من القدر .","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"{ ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل الله } يعني : شهداء أُحدٍ { أمواتاً بل أحياء } بل هم أحياءٌ { عند ربهم } في دار كرامته؛ لأنَّ أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ . { يرزقون } يأكلون .\r { فرحين } مسرورين { بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } ويفرحون بإخوانهم الذين فارقوهم يرجون لهم الشَّهادة ، فينالون مثلَ ما نالوا { ألاَّ خوفٌ عليهم } أَيْ : بأن لا خوفٌ عليهم . يعني : على إخوانهم المؤمنين إذا لحقوا بهم .\r { الذين استجابوا لله والرسول } أجابوهما { من بعد ما أصابهم القرح } أَيْ : الجراحات { للذين أحسنوا منهم } بطاعة الرَّسول واتَّقوا مخالفته { أجر عظيم } نزلت في الذين أطاعوا الرَّسول حين ندبهم للخروج في طلب أبي سفيان يوم أُحدٍ لمَّا همَّ أبو سفيان بالانصراف إلى محمَّدٍ عليه السَّلام وأصحابه ليستأصلوهم .","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"{ الذين قال لهم الناس . . . } الآية . كان أبو سفيان واعد رسول الله A أنْ يوافيه العام المقبل من يوم أُحدٍ بِبَدْرٍ الصُّغرى ، فلمَّا كان العام المقبل بعث نعيم بن مسعود الأشجعيِّ ليجبِّن المؤمنين عن لقائه ، وهو قوله : { الذين } يعني : المؤمنين { قال لهم الناس } يعني : نعيم بن مسعود { إنَّ الناس } يعني : أبا سفيان وأصحابه { قد جمعوا } [ باللطيمة سوق مكة ] { لكم فاخشوهم } ولا تأتوهم { فزادهم } ذلك القول { إيماناً } أَيْ : ثبوتاً في دينهم ، وإقامةً على نصرة نبيِّهم { وقالوا حسبنا الله } أَيْ : الذي يكفينا أمرهم هو الله { ونِعْمَ الوكيل } أَيْ : الموكول إليه الأمر .\r { فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضل } [ ربحٍ ] وذلك أنَّ رسول الله A خرج لذلك الموعد ، فلم يلق أحداً من المشركين ، ووافقوا السُّوق ، وذلك أنَّه كان موضع سوقٍ لهم ، فاتَّجروا وربحوا ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ، وهو قوله : { لم يمسسهم سوءٌ } أَيْ : قتل ولا جراح { واتبعوا رضوان الله } [ إلى بدر الصغرى في طاعته و ] في طاعة رسوله . قوله : \r { إنما ذلكم الشيطان يُخوِّف أولياءَه } أَيْ : يُخوِّفكم بأوليائه ، يعني : الكفَّار { فلا تخافوهم وخافون } في ترك أمري { إن كنتم مؤمنين } مُصدِّقين لوعدي .\r { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } أَيْ : في نصرته ، وهم المنافقون واليهود والمشركون { إنَّهم لن يضرُّوا الله } أََيْ : أولياءَه ودينه { شيئاً } وإنَّما يعود وبال ذلك عليهم ، { يريد الله ألا يجعل لهم حظَّاً } نصيباً { في الآخرة } في الجنَّة .","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"[ { إنَّ الذين اشتروا الكفر بالإِيمان } أَيْ : استبدلوا . كرَّر { لن يضروا الله شيئاً } لأنَّه ذكره في الأول عن طريق العلة لما يجب من التَّسلية عن المسارعة إلى الضَّلالة ، وذكره في الثاني على طريق العلة لاختصاص المضرة بالعاصي دون المعصي ] .\r { ولا يحسبنَّ الذين كفروا أنَّما نُملي لهم } أَيْ : أنَّ إملاءنا - وهو الإِمهال والتأخير - { خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم } أَيْ : نُطوِّل أعمارهم ليزدادوا إثماً لمعاندتهم الحق ، وخلافهم الرَّسول ، نزلت الآية في قومٍ من الكفَّار علم الله تعالى أنَّهم لا يؤمنون أبداً . وأنَّ بقاءهم يزيدهم كفراً .\r { ما كانَ الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه } أَيُّها المؤمنون من التباس المنافق بالمؤمن { حتى يميز الخبيث من الطيب } أََيْ : المنافق من المؤمن ، ففعل ذلك يوم أُحدٍ ، لأنَّ المنافقين أظهروا النِّفاق بتخلُّفهم { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } فتعرفوا المنافق من المؤمن قبل التَّمييز { ولكنَّ الله } يختار لمعرفة ذلك مَن يشاء من الرُّسل ، وكان محمَّد ممَّن اصطفاه الله بهذا العلم .\r { ولا يحسبنَّ الذين يبخلون } أَيْ : بخل الذين يبخلون { بما آتاهم الله منْ فضله } بما يجب فيه من الزَّكاة . نزلت في مانعي الزَّكاة { هو خيراً لهم } أَيْ : البخلَ خيراً لهم { بل هو شرٌّ لهم } لأَنَّهم يستحقُّون بذلك عذاب الله { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } وهو أنَّه يُجعل ما بَخِل به من المال حيَّةً يُطوَّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه { ولله ميراث السموات والأرض } أَيْ : إنَّه يُغني أهلهما ، وتبقى الأملاك والأموال لله ، ولا مالك لها إلاَّ الله تعالى .\r { لقد سمع الله قول الذين قالوا إنَّ الله فقير ونحن أغنياء } نزلت في اليهود حين قالوا - لمَّا نزل قوله : { مَنْ ذا الذي يقرض الله قرضاً . . . } الآية - : إنَّ الله فقيرٌ يستقرضنا ، ونحن أغنياء ، ولو كان غنيَّاً ما استقرضنا أموالنا { سنكتب ما قالوا } أَيْ : نأمر الحفظة بإثبات ذلك في صحائف أعمالهم . . . الآية .\r { ذلك } أَيْ : ذلك العذاب { بما قدَّمت أيديكم } بما سلف من إجرامكم { وأنَّ الله } وبأن الله { ليس بظلام للعبيد } فيعاقبهم بغير جرمٍ .\r { الذين قالوا إنَّ الله عهد إلينا . . . } أَيْ : اليهود ، وذلك أنَّ الله أمر بني إسرائيل في التَّوراة ألا يُصدقوا رسولاً جاءهم حتى يأتيهم بقربانٍ تأكله النَّار إلاَّ المسيحَ ومحمداً عليهما السَّلام ، فكانوا يقولون لمحمَّد عليه السَّلام : لا نُصدِّقك حتى تأتينا بقربان تأكله النَّار ، لأنَّ الله عهد إلينا ذلك ، فقال الله تعالى لمحمد عليه السَّلام إقامةً للحجَّة عليهم : { قل قد جاءكم رسلٌ من قبلي . . . } الآية ، ثمَّ عزَّى النبيَّ A عن تكذيبهم .","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"{ فإن كذَّبوك فقد كُذِّبَ رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر } أَيْ : الكتب { والكتاب المنير } أَيْ : الهادي إلى الحقِّ .\r { كلُّ نفس ذائقةٍ الموت وإنما تُوَفَّونَ أجورَكم يومَ القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } أَيْ : ظفر بالخير ، ونجا من الشَّرِّ { وما الحياة الدنيا } أَيْ : العيش في هذه الدَّار الفانية { إلاَّ متاع الغرور } لأنَّه يغرُّ الإِنسان بما يُمنِّيه من طول البقاء ، وهو ينقطع عن قريب .\r { لتبلونَّ } لتختبرُنَّ أيُّها المؤمنون { في أموالكم } بالفرائض فيها { وأنفسكم } بالصَّلاة والصَّوم والحجِّ والجهاد { ولتسمعنَّ من الذين أوتوا الكتاب } وهم اليهود { ومنَ الذين أشركوا } وهم المشركون { أذىً كثيراً } بالشَّتم والتَّعيير { وإن تصبروا } على ذلك الأذى بترك المعارضة { فإنَّ ذلك من عزم الأمور } من حقيقة الإِيمان .\r { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب . . . } الآية . أخذ الله ميثاق اليهود في التَّوراة ليبيننَّ شأن محمَّد ونعته ومبعثه ، ولا يخفونه ، فنبذوا الميثاق ولم يعملوا به ، وذلك قوله : { فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً } أَيْ : ما كانوا يأخذونه من سفلتهم برئاستهم في العلم { فبئس ما يشترون } قُبِّح شراؤهم وخسروا .\r { لا تحسبنَّ الذين يفرحون . . . } الآية . هم اليهود فرحوا بإضلال النَّاس ، وبنسبة النَّاس إيَّاهم إلى العلم ، وليسوا كذلك ، وأَحبُّوا أن يحمدوا بالتَّمسُّك بالحقِّ ، وقالوا : نحن أصحاب التَّوراة وأولو العلم القديم { فلا تحسبنَّهم بمفازة } بمنجاةٍ { من العذاب } . { ولله ملك السموات والأرض } أَيْ : يملك تدبيرهما وتصريفهما على ما يشاء . الآية والتي بعدها ذُكرت في سورة البقرة .","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"{ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم } أَيْ : يصلُّون على هذه الأحوال على قدر إمكانهم { ويتفكرون في خلق السموات والأرض } فيكون ذلك أزيد في بصيرتهم { ربنا } أَيْ : ويقولون : { ربنا ما خلقت هذا } أَيْ : هذا الذي نراه من خلق السَّموات والأرض { باطلاً } أَيْ : خلقاً باطلاً . يعني : خلقته دليلاً على حكمتك وكمال قدرتك .\r { ربَّنا إنَّك مَنْ تدخل النار } للخلود فيها { فقد أخزيته } : أهلكته وأهنته { وما للظالمين } أَيْ : الكفَّار { من أنصار } يمنعونهم من عذاب الله .\r { ربنا إننا سمعنا منادياً } أَيْ : محمَّداً عليه السَّلام والقرآن { ينادي للإِيمان } أَيْ : إلى الإِيمان { أَنْ آمنوا بربكم فآمنّا ، ربَّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكَفِّرْ عنّا سيئاتنا } أَيْ : غطِّ واستر عنا ذنوبنا بقبول الطَّاعات حتى تكون كفَّارةً لها { وتوفنا مع الأبرار } يعني : الأنيباء ، أَيْ : في جملتهم حتى نصير معهم .\r { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك } أَيْ : على ألسنتهم من النَّصر لنا ، والخذلان لعدِّونا { ولا تُخْزِنَا يوم القيامة } أَيْ : لا تهلكنا بالعذاب . وقوله : \r { بعضكم من بعض } أَيْ : حكمُ جميعكم حكمُ واحدٍ منكم فيما أفعل بكم من مجازاتكم على أعمالكم ، وترك تضييعها لكم .\r { لا يغرنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد } تصرُّفهم للتِّجارات في البلاد ، وذلك أنَّهم كانوا يتَّجرون ويتنعَّمون في البلاد ، فقال بعض المؤمنين : إنَّ أعداء الله فيما نرى من الخير ، وقد هلكنا من الجوع والجهد ، فنزلت هذه الآية .","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"{ متاعٌ قليل } أَيْ : ذلك الكسب والرِّبح متاعٌ قليل؛ لأنَّه فانٍ منقطعٌ وقوله : \r { نزلاً } النُّزُل : ما يُهيَّأ للضَّيف ، ومعناه هاهنا الجزاء والثَّواب { وما عند الله خيرٌ للأبرار } ممَّا يتقلَّب فيه الكفَّار ، ثمَّ ذكر مؤمني أهل الكتاب فقال : \r { وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله . . . } الآية .\r { يا أيها الذين آمنوا اصبروا } أَيْ : اصبروا على دينكم فلا تَدعوه لشدِّةٍ نزلت بكم ، وقيل : على الجهاد { وصابروا } عدوَّكم فلا يكوننَّ أصبر منكم { ورابطوا } أَيْ : اقيموا على جهاد عدوِّكم بالحرب والحجَّة .","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"{ يا أيها الناس } يا أهل مكَّة { اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة } آدم { وخلق منها زوجها } حوَّاء . خُلقت من ضلع من أضلاعه { وبث } أَيْ : فرَّق ونشر { منهما } ، { واتقوا الله } أَيْ : خافوه وأطيعوه { الذي تساءلون به } أَيْ : تتساءلون فيما بينكم حوائجكم وحقوقكم به ، وتقولون : أسألك بالله ، وأنشدك الله ، وقوله : { والأرحام } أيْ : واتَّقوا الأرحام أن تقطعوها { إنَّ الله كان عليكم رقيباً } أَيْ : حافظاً يرقب عليكم أعمالكم ، فاتَّقوه فيما أمركم به ونهاكم عنه .\r { وآتوا اليتامى أموالهم } الخطاب للأولياء والأوصياء ، أَيْ : أعطوهم أموالهم إذا بلغوا { ولا تتبدلوا الخبيث } من أموالهم الحرام [ عليكم ] { بالطيب } الحلال من مالكم ، وهو أنَّه كان وليُّ اليتيم يأخذ الجيد من ماله ، ويجعل مكانه الرَّديء { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } لا تضيفوها في الأكل إلى أموالكم إذا احتجتم إليها { إنَّه } أَيْ : إنَّ أكل أموالهم { كان حوباً كبيراً } أيْ : إثماً كبيراً .","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"{ وإن خفتم ألا تُقسطوا } : ألا تعدلوا { في اليتامى } [ أي : في نكاح اليتامى ] وهمَّكم ذلك { فانكحوا ما طاب } أَي : الطَّيِّب { لكم من النساء } يعني : من اللاتي تحلُّ دون المحرَّمات ، والمعنى : أنَّ الله سبحانه قال لنا : فكما تخافون ألا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم ، فخافوا أيضاً ألا تعدلوا بين النِّساء إذا نكحتموهنَّ ، فانكحوا من النِّساء { مثنى } أَي : اثنتين اثنتين { وثلاث } ثلاثاً ثلاثاً { ورباع } أربعاً أربعاً { فإن خفتم ألا تعدلوا } أَيْ : في الأربع { فواحدة } أَيْ : فلينكح كلُّ واحدٍ منكم واحدةً و { ذلك } أنَّ نكاح هؤلاء النِّسوة على قلَّة عددهنَّ { أدنى } أَيْ : أقربُ إلى العدل ، وهو قوله : { ألا تعولوا } أَيْ : تميلوا وتجوروا .\r { وآتوا النساء } أَيُّها الأزواج { صدقاتهنَّ } مهورهنَّ { نحلة } فريضةً وتديُّناً { فإنْ طبن لكم } أَيْ : إنْ طابت لكم أنفسهنَّ { عن شيء } من الصَّداق { فكلوه هنيئاً } في الدُّنيا لا يقضي به عليكم سلطانٌ { مريئاً } في الآخرة لا يؤاخذكم الله به .\r { ولا تؤتوا السفهاء } أَي : النِّساء والصِّبيان { أموالكم التي جعل الله لكم قياماً } لمعايشكم وصلاح دنياكم . يقول : لا تعمدْ إلى مالك الذي خوَّلك الله ، وجعله لك معيشةً فتعطيه امرأتك وبنيك ، فيكونوا هم الذين يقومون عليك ، ثمَّ تنظر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه ، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ، وهو قوله : { وارزقوهم فيها } [ أي : اجعلوا لهم فيها رزقاً ] ، { واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً } أَيْ : عدةً جميلةً من البرِّ والصِّلة .\r { وابتلوا اليتامى } أَيْ : اختبروهم في عقولهم وأديانهم { حتى إذا بلغوا النكاح } أَيْ : حال النِّكاح من الاحتلام { فإن آنستم } أبصرتم { منهم رشداً } صلاحاً للعقل وحفظاً للمال . { ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا } أَيْ : لا تبادروا بأكل مالهم كبرَهم ورشدهم حذر أن يبلغوا ، فيلزمكم تسليم المال إليهم { ومن كان غنيّاً } من الأوصياء { فليستعفف } عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئاً { ومَنْ كان فقيراً فليأكل بالمعروف } يقدِّر أجرة عمله { فإذا دفعتم } أَيُّها الأولياء { إليهم } إلى اليتامى { أموالهم فأشهدوا عليهم } لكي إنْ وقع اختلافٌ أمكن الوليِّ أن يقيم البيِّنة على ردِّ المال إليه { وكفى بالله حسيباً } محاسباً ومجازياً للمحسن والمسيء .\r { للرجال نصيب . . . } الآية . كانت العرب في الجاهليَّة لا تورث النِّساء ولا الصِّغار شيئاً ، فأبطل الله ذلك ، وأعلم أنَّ حقَّ الميراث على ما ذكر في هذه الآية من الفرض .\r { وإذا حضر القسمة } أَيْ : قسمة المال بين الورثة { أولوا القربى } أَي : الذين يُحجبون ولا يرثون { واليتامى والمساكين فارزقوهم منه } وهذا على النَّدب والاستحباب . يستحبُّ للوارث أن يرضخ لهؤلاء إذا حضروا القسمة من الذَّهب والفضَّة ، وأن يقولوا لهم قولاً معروفاً إذا كان الميراث ممَّا لا يمكن أن يرضخ منه كالأرضين والرَّقيق .","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"{ وليخش الذين لو تركوا . . . } الآية . أَيْ : وليخش مَنْ كان له وُلدٌ صغارٌ ، خاف عليهم من بعده الضَّيعة أن يأمر الموصي بالإِسراف فيما يعطيه اليتامى والمساكين وأقاربه الذين لا يرثون ، فيكون قد أمره بما لم يكن يفعله لو كان هو الميِّت ، وهذا قبل أن تكون الوصية في الثُّلث ، وقوله : { ذرية ضعافاً } أَيْ : صغاراً { خافوا عليهم } أي : الفقر { فليتقوا الله } فيما يقولون لمن حضره الموت { وليقولوا قولاً سديداً } عدلاً ، وهو أن يأمره أن يخلِّف ماله لولده ، ويتصدَّق بما دون الثُّلث أو الثُّلث ، ثمَّ ذكر الوعيد على أكل مال اليتيم ظلماً ، فقال : \r { إنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً . . . } الآية . تؤول عاقبته إلى النَّار { وسيصلون سعيراً } ناراً ذات تلهُّب ، أَيْ : يُقاسون حرَّها وشدَّتها .\r { يوصيكم الله } أَيْ : يفرض عليكم؛ لأنَّ الوصية من الله فرضٌ { في أولادكم } الذُّكور والإِناث { للذكر مثل حظ الأنثيين فإنْ كُنَّ } أَي : الأولاد { نساءً فوق اثنتين } \" فوق \" ها هنا صلةٌ؛ لأنَّ الثِّنتين يرثان الثُّلثين بإجماعٍ اليوم ، وهو قوله : { فلهن ثلثا ما ترك } ويجوز تسمية الاثنين بالجمع ، { وإن كانت } المتروكة المُخلًّفة { واحدة فلها النصف } وتمَّ بيان ميراث الأولاد ، ثمَّ قال : { ولأبويه } أَيْ : ولأبوي الميِّت { لكلِّ واحدٍ منهما السدس ممَّا ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولدٌ وورثه أبواه فلأمّه الثلث ، فإن كان له } أَيْ : للميِّت { إخوة } يعني أخوين؛ لأنَّ الأُمَّة أجمعت أنَّ الأخوين يحجبان الأمَّ من الثُّلث إلى السُّدس ، وقوله : { من بعد وصية } أَيْ : هذه الأنصباء إنما تُقسم بعد قضاء الدَّين ، وإنفاذ وصية الميت { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقربُ لكم نفعاً } في الدُّنيا فتعطونه من الميراث ما يستحقُّ ، ولكنَّ الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة ، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيُّهم أنفع لكم ، فأفسدتم وضيَّعتم { إنَّ الله كان عليماً } بالأشياء قبل خلقها { حكيماً } فيما دبرَّ من الفرائض ، وقوله : \r { وإن كان رجل يورث كلالة } الكلالة : مَنْ لا ولد له ولا والد ، وكلُّ وارثٍ ليس بوالدٍ ولا ولد للميِّت فهو كلالة أيضاً ، والكلالة في هذه الآية الميِّت ، أَيْ : وإن مات رجلٌ ولا ولدَ له ولا والد { وله أخٌ أو أخت } يريد : من الأمِّ بإجماع من الأُمَّة { فلكلِّ واحدٍ منهما السدس } وهو فرضُ الواحد من ولد الأمِّ { فإن كانوا أكثر من } واحدٍ اشتركوا في الثُّلث . الذَّكر والأنثى فيه سواءٌ ، وقوله : { غير مضارٍّ } أَيْ : مُدخلٍ الضَّرر على الورثة ، وهو أَنْ يُوصي بدين ليس عليه ، يريد بذلك ضرر الورثة { والله عليمٌ } فيما دبَّر من هذه الفرائض { حليمٌ } عمَّن عصاه بتأخير عقوبته .","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"{ واللاتي يأتين الفاحشة } يفعلن الزِّنا { فاستشهدوا عليهنَّ أربعة منكم } أَيْ : من المسلمين { فإن شهدوا } عليهنَّ بالزِّنا { فأمسكوهنَّ } فاحبسوهنَّ { في البيوت } في السُّجون ، وهذا كان في أوَّل الإِسلام ، إذا كان الزَّانيان ثَيِّبين حُبسا ومُنعا من مخالطة النَّاس ، ثمَّ نُسخ ذلك بالرَّجم ، وهو قوله : { أو يجعل الله لهنَّ سبيلاً } وهو سبيلهنَّ الذي جعله الله لهنَّ .\r { واللذان يأتيانها } أَي : البكرين يزنيان ويأتيان الفاحشة { فآذوهما } بالتَّعنيف والتَّوبيخ ، وهو أنْ يقال لهما : انتهكتما حرمات الله ، وعصيتماه واستوجبتما عقابه . { فإن تابا } من الفاحشة { وأصلحا } العمل فيما بعد فاتركوا أذاهما ، وهذا كان في ابتداء الإِسلام ، ثمَّ نسخه قوله : { الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كلَّ واحدٍ . . . } الآية .\r { إنما التوبةُ على الله } أَي : إنما التوبة التي أوجب الله على نفسه بفضله قَبولَها { للذين يعملون السوء بجهالة } أي : إنّ ذنبَ المؤمن جهلٌ منه ، والمعاصي كلُّها جهالة ، ومَنْ عصى ربَّه فهو جاهل { ثم يتوبون من قريب } أَيْ : من قبل الموت ولو بِفُواق ناقة { فأولئك يتوب الله عليهم } يعود عليهم بالرحمة { وكان اللَّهُ عليماً حكيماً } علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق ، فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فُواق ناقة .\r { وليست التوبة للذين يعملون السيئات } أَي : المشركين والمنافقين { ولا الذين يموتون وهم كفار } يعني : ولا توبة لهؤلاء إذا ماتوا على كفرهم؛ لأنَّ التَّوبة لا تُقبل في الآخرة . { أولئك أعتدنا } أَيْ : هيَّأنا وأعددنا .\r { يا أيها الذين آمنوا لا يحلُّ لكم . . } الآية . كان الرَّجل إذا ماتَ ورث قريبُه من عصبته امرأتَه ، وصار أحقَّ بها من غيره ، فأبطل الله ذلك ، وأعلم أنَّ الرَّجل لا يرث المرأة من الميت ، وقوله : { أن ترثوا النساء كرهاً } يريد : عين النِّساء كرهاً ، أَيْ : [ نكاح النساء ] وهنَّ كارهاتٌ { ولا تعضلوهنَّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } كان الرَّجل يمسك المرأة وليس له فيها حاجةٌ إضراراً بها حتى تفتدي بمهرها ، فَنُهوا عن ذلك ، ثمَّ استثنى فقال : { إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينة } أيْ : الزِّنا ، فإذا رأى الرَّجل من امرأته فاحشةً فلا بأس أن يضارَّها حتى تختلع منه { وعاشروهنَّ بالمعروف } أَيْ : بما يجب لهنَّ من الحقوق ، وهذا قبل أن يأتين الفاحشة { فإن كرهتموهن . . . } الآية . أَيْ : فيما كرهتم ممَّا هو لله رضى خيرٌ كثيرٌ وثوابٌ عظيمٌ ، والخير الكثير في المرأة المكروهة أن يرزقه الله منها ولداً صالحاً .","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"{ وإن أردتم . . . } الآية . أي : إذا أراد الرَّجل طلاق امرأته ، وتزوَّج غيرها لم يكن له أن يرجع فيما آتاها من المهر ، وهو قوله : { وآتيتم إحداهنَّ قنطاراً } أَيْ : مالاً كثيراً { فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً } ظلماً { وإثماً مبيناً } وفي هذا نَهْيٌّ عن الضِّرار في غير حال الفاحشة ، وهو أنْ يضارَّها لتفتدي منه من غير أَنْ أتت بفاحشة .\r { وكيف تأخذونه } أَي : المهر أو شيئاً منه { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } أَيْ : وصل إليه بالمجامعة ، ولا يجوز الرُّجوع في شيءٍ من المهر بعد الجماع { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } وهو ما أخذه الله على الرِّجال للنِّساء من إمساكٍ بمعروفٍ ، أو تسريحٍ بإحسانٍ .\r { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم . . . } الآية . كان الرَّجل من العرب يتزوَّج امرأة أبيه من بعده ، وكان ذلك نكاحاً جائزاً في العرب ، فحرَّمه الله تعالى ونهى عنه ، وقوله : { إلاَّ ما قد سلف } يعني : لكن ما قد سلف فإنَّ الله تجاوز عنه { إنَّه } أيْ : إنَّ ذلك النِّكاح { كان فاحشة } زنا عند الله { ومقتاً } بغضاً شديداً { وساء سبيلاً } وقَبُحَ ذلك الفعل طريقاً ، ثمَّ ذكر المحرَّمات من النِّساء فقال : \r { حرِّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم } جمع الرَّبيبة ، وهي بنت امرأة الرَّجل من غيره { اللاتي في حجوركم } أيْ : في ضمانكم وتربيتكم { وحلائل } وأزواج { أبنائكم الذين من أصلابكم } لا مَنْ تبنَّيتموه { وأن تجمعوا } أَيْ : الجمع { بين الأختين إلاَّ ما قد سلف } مضى منكم في الجاهلية ، فلا تُؤاخذون به بعد الإِسلام .\r { والمحصنات } وذوات الأزواج { من النساء } وهنَّ مُحرَّمات على كلِّ أحدٍ غير أزواجهنَّ إلاَّ ما ملكتموهنَّ بالسَّبي من دار الحرب؛ فإنَّها تحلُّ لمالكها بعد الاستبراء بحيضة { كتاب الله عليكم } كتب تحريم ما ذكر من النِّساء عليكم { وأحلَّ لكم ما وراء ذلكم } أَيْ : ما سوى ذلكم من النِّساء { أن تبتغوا } أَيْ : تطلبوا بأموالكم؛ إمَّا بنكاحٍ وصداقٍ؛ أو بملكِ يمينٍ { محصنين } ناكحين { غير مسافحين } زانين { فما استمتعتم } فما انتفعتم وتلذَّذتم { به منهنَّ } أي : من النساء بالنِّكاح الصَّحيح { فآتوهنَّ أجورهنَّ } أَيْ : مهورهنَّ { فريضة } ، فإن استمتع بالدُّخول بها آتى المهر تامّاً ، وإن استمتع بعقد النِّكاح آتى نصف المهر { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } من حطِّ المهر أو إبراءٍ من بعض الصَّداق أو كلِّه { إنَّ الله كان عليماً } بما يصلح أمر العباد { حكيماً } فيما بيَّن لهم من عقد النِّكاح .","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"{ ومَنْ لم يستطع منكم طولاً } أَيْ : قدرةً وغنىً { أن ينكح المحصنات } الحرائر { المؤمنات فمن مّا ملكت أيمانكم } أَيْ : فليتزوَّج ممَّا ملكت أيمانكم . يعني : جارية غيره { من فتياتكم } أَيْ : مملوكاتكم { المؤمنات والله أعلم بإيمانكم } أَي : اعملوا على الظَّاهر في الإِيمان؛ فإنَّكم مُتعبَّدون بما ظهر ، والله يتولَّى السَّرائر { بعضكم من بعض } أَيْ : دينكم واحدٌ ، فأنتم متساوون من هذه الجهة ، فمتى وقع لأحدكم الضَّرورة جاز له تزوُّج الأَمَة { فانكحوهنَّ بإذن أهلهن } أَي : اخطبوهنَّ إلى ساداتهنَّ { وآتوهنَّ أجورهنَّ } مهورهنَّ { بالمعروف } من غير مطلٍ وضرارٍ { محصنات } عفائفَ { غير مسافحات } غير زوانٍ علانيةً { ولا متخذات أخذان } زوانٍ سرَّاً { فإذا أُحصن } تزوَّجن { فإن أتين بفاحشة } بزنا { فعليهنَّ نصف ما على المحصنات } الأبكار الحرائر { من العذاب } أَي : الحدِّ . { ذلك } أَيْ : ذلك النِّكاح نكاح الأَمَة { لمن خشي العنت منكم } أَيْ : خاف أن تحمله شدَّة الغِلمة على الزِّنا ، فيلقى العنت ، أَي : الحدَّ في الدُّنيا ، والعذاب في الآخرة . أَباحَ الله نكاح الأمَة بشرطين : أحدهما : عدم الطَّول ، الثاني : خوف العَنَت . ثمَّ قال : { وأن تصبروا } أَيْ : عن نكاح الإِماء { خيرٌ لكم } لئلا يصير الولد عبداً .\r { يريدُ الله ليبيِّن لكم } شرائع دينكم ، ومصالح أمركم { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام ، وهو دين الحنيفيَّة { ويتوب عليكم } يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته .\r { واللَّهُ يريد أن يتوب عليكم } أَيْ : يُخرجكم من كلِّ ما يكره إلى ما يحبُّ ويرضى ، { ويريد الذين يتبعون الشهوات } وهم الزُّناة وأهل الباطل في دينهم { أن تميلوا } عن الحقِّ وقصد السِّبيل بالمعصية { ميلاً عظيماً } فتكونوا مثلَهم .\r { يريد الله أن يخفف عنكم } في كلِّ أحكام الشَّرع { وخلق الإِنسان ضعيفاً } يضعف من الصَّبر عن النِّساء .\r { يا أَيُّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } وهو كلُّ ما لا يحلُّ في الشَّرع ، كالرِّبا ، والغصب ، والقمار ، والسَّرقة ، والخيانة { إلاَّ أن تكون تجارةً } لكن إن كانت تجارة { عن تراضٍ منكم } برضى البَيِّعْين فهو حلال { ولا تقتلوا أنفسكم } لا يقتل بعضكم بعضاً .\r { ومَنْ يفعل ذلك } أَيْ : أكل المال بالباطل وقتل النَّفس { عدواناً } وهو أن يعدوَ ما أُمر به { وظُلماً فسوف نصليه } أَيْ : نُدخله ناراً { وكان ذلك على الله يسيراً } أَيْ : هو قادر على ذلك ، ولا يتعذَّر عليه .","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } وهي كلُّ ذنبٍ ختمه اللَّهُ بنارٍ ، أو غضبٍ ، أو لعنةٍ ، أو عذابٍ ، أو وعيدٍ في القرآن { نكفر عنكم سيئاتكم } التي هي دون الكبائر بالصَّلوات الخمس { وندخلكم مدخلاً كريماً } أَيْ : الجنَّة .\r { ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض . . . } الآية . قالت أمُّ سلمة : يا رسول الله ، ليتنا كنَّا رجالاً ، فجاهدنا وغزونا ، وكان لنا مثل أجر الرِّجال ، فنزلت هذه الآية . { للرجال نصيب } ثواب { مما اكتسبوا } من الجهاد { وللنساء نصيبٌ } [ ثوابٌ ] { ممَّا اكتسبن } من حفظ فروجهنَّ وطاعة أزواجهنَّ { واسألوا الله من فضله } إن احتجتم إلى مَا لِغَيركم فيعطيكم من فضله .\r { ولكلٍّ } أَيْ : ولكلِّ شخصٍ من الرِّجال والنِّساء { جعلنا موالي } عصبة وورثة { ممَّا ترك الوالدان والأقربون } أَيْ : ممَّن تركهم والداه وأقربوه ، أَيْ : تشعَّبت العصبة والورثة عن الوالدين والأقربين ، ثمَّ ابتدأ فقال : { والذين عقدت أيمانكم } وهم الحلفاء ، أَيْ : عاقدت حلفَهم أيمانُكم ، وهي جمع يمين من القَسَم ، وكان الرَّجل في الجاهليَّة يعاقد الرَّجل ، ويقول له : دمي دمُّك ، وحربي حربُك ، وسلمي سلمُك ، فلمَّا قام الإِسلام جعل للحليف السُّدس ، وهو قوله : { فآتوهم نصيبهم } ثمَّ نسخ ذلك بقوله : { وأولوا الأرحام بعضُهم أولى ببعضٍ في كتاب الله } { إنَّ الله كان على كلّ شيء شهيداً } أَيْ : لم يغب عنه علم ما خلق .\r { الرجال قوَّامون على النساء } على تأديبهنَّ والأخذ فوق أيديهنَّ { بما فضَّل الله } الرِّجال على النِّساء بالعلم ، والعقل ، والقوَّة في التَّصرف ، والجهاد ، والشَّهادة ، والميراث { وبما أنفقوا } عليهنَّ { من أموالهم } أَي : المهر والإِنفاق عليهنَّ { فالصالحات } من النِّساء اللواتي هنَّ مطيعاتٌ لأزواجهنَّ ، وهو قوله : { قانتات حافظاتٌ للغيب } يحفظن فروجهنَّ في غيبة أزواجهنَّ { بما حفظ الله } بما حفظهنَّ الله في إيجاب المهر والنَّفقة لهنَّ ، وإيصاء الزَّوج بهنَّ { واللاتي تخافون } تعلمون { نشوزهنَّ } عصيانهنَّ { فعظوهنَّ } بكتاب الله ، وذكِّروهنَّ الله وما أمرهنَّ به { واهجروهن في المضاجع } فرِّقوا بينكم وبينهم في المضاجع [ في الفرش ] { واضربوهنَّ } ضرباً غير مبرِّح شديد ، وللزَّوج أن يتلافى نسوز امرأته بما أذن الله تعالى فيه ، يعظها بلسانه ، فإنْ لم تنتهِ هجر مضجعها ، فإنْ أبت ضربها ، فإن أبت أن تتَّعظ بالضرب بُعثَ الحكمان { فإن أطعنكم } فيما يُلتمس منهنَّ { فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً } لا تتجنَّوا عليهنَّ من العلل .\r { وإنْ خفتم } [ علمتم ] { شقاق بينهما } علمتم خلافاً بين الزَّوجين { فابعثوا حكماً } أَيْ : حاكماً وهو المانع من الظُّلم من أقاربه { وحَكَماً من أهلها } حتى يجتهدا وينظرا الظَّالم منهما ، فيأمراه بالرُّجوع إلى ما أمر الله ، أو يُفرِّقا إنْ رأيا ذلك { إن يريدا } أَي : الحكمان { إصلاحاً يوفق الله بينهما } مِن الزَّوج المرأة بالصَّلاح { إنَّ الله كان عليماً خبيراً } بما في قلوب الزَّوجين والحكمين .","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"{ وبالوالدين أحساناً } أَيْ : أحسنوا بهما إحساناً ، وهو البرُّ مع لين الجانب { وبذي القربى } وهو ذو القرابة يصله ويتعطَّف عليه { واليتامى } يرفق بهم ويُدنيهم { والمساكين } ببذلٍ يسيرٍ ، أو ردٍّ جميلٍ { والجار ذي القربى } وهو الذي له مع حقِّ الجوار حقُّ القرابة { والجار الجنب } البعيد عنك في النَّسب { والصاحب بالجنب } هو الرَّفيق في السَّفر { وابن السبيل } عابر الطَّريق . [ وقيل : الضيف ] يؤويه ويطعمه حتى يرحل { وما ملكت أيمانهم } أَيْ : المماليك { إنَّ الله لا يحبُّ مَنْ كان مختالاً } عظيماً في نفسه لا يقوم بحقوق الله { فخوراً } على عباده بما خوَّله الله من نعمته .\r { الذين يبخلون } أي : اليهود . بخلوا بأموالهم أن ينفقوها في طاعة الله تعالى { ويأمرون الناس بالبخل } أمروا الأنصار ألا ينفقوا أموالهم على رسول الله A ، وقالوا : إنَّا نخشى عليكم الفقر { ويكتمون ما آتاهم الله من فضله } أَيْ : ما في التَّوراة من أمر محمَّدٍ A ونعته .\r { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس } أَيْ : المنافقين { ومَنْ يكن الشيطانُ له قريناً } يسوِّل له ويعمل بأمره { فساء قريناً } بئس الصَّاحب الشَّيطان .\r { وماذا عليهم } أَيْ : على اليهود والمنافقين ، أَيْ : ما كان يضرُّهم { لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا ممَّا رزقهم الله وكان الله بهم عليماً } لا يُثيبهم بما ينفقون رئاء النَّاس .\r { إنَّ الله لا يظلم } لا ينقص أحداً { مثقال } [ مقدار ] { ذرة } إن كان مؤمناً أثابه عليها الرِّزق في الدُّنيا ، والأجر في الآخرة ، وإنْ كان كافراً أطعمه بها في الدُّنيا { وإن تك حسنة } من مؤمنٍ { يضاعفها } بعشرة أضعافها { ويؤتِ مِنْ لدنه } من عنده { أجراً عظيماً } وهو الجنَّة .\r { فكيف } أَيْ : فكيف يكون حال هؤلاء اليهود والمنافقين [ يوم القيامة ] ؟ ، وهذا استفهامٌ ومعناه التَّوبيخ { إذا جئنا من كلِّ أُمَّة بشهيدٍ } أَيْ : بِنبيِّ كلِّ أُمَّةٍ يشهد عليها ولها { وجئنا بك } يا محمَّد { على هؤلاء شهيداً } على هؤلاء المنافقين والمشركين شهيداً تشهد عليهم بما فعلوا .\r { يومئذٍ } أَيْ : في ذلك اليوم { يودُّ الذين كفروا وعصوا الرسول } وقد عصوه في الدُّنيا { لو تسوَّى بهم الأرض } أَيْ : يكونون تراباً ، فيستوون مع الأرض حتى يصيروا وهي شيئاً واحداً { ولا يكتمون الله حديثاً } لأنَّ ما عملوه ظاهرٌ عند الله لا يقدرون على كتمانه .","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة } أَيْ مواضع الصَّلاة ، أيْ : المساجد { وأنتم سكارى } نُهوا عن الصَّلاة وعن دخول المسجد في حال السُّكْر ، وكان هذا قبل نزول تحريم الخمر ، وكان المسلمون بعد نزول هذه الآية يجتنبون السُّكْر والمُسكر أوقات الصَّلاة ، والسَّكران : المُختلط العقل الذي يهذي ، ولا يستمرُّ كلامه ، ألا ترى أنَّ الله تعالى قال : { حتى تعلموا ما تقولون } فإذا علم ما يقول لم يكن سكران ، ويجوز له الصَّلاة ودخول المسجد { ولا جُنباً } أَيْ : ولا تقربوها وأنتم جنبٌ { إلاَّ عابري سبيل } إلاَّ إذا عبرتم المسجد فدخلتموه من غير إقامةٍ فيه { حتى تغتسلوا } من الجنابة { وإنْ كنتم مرضى } أَيْ : مرضاً يضرُّه الماء كالقروح ، والجُدّري ، والجراحات { أو على سفر } أَيْ : مسافرين { أو جاء أحدٌ منكم من الغائط } أو الحدث { أو لامستم النساء } أَيْ : لمستموهنَّ بأيديكم { فلم تجدوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صعيداً طيباً } تمسَّحوا بترابٍ طيِّبٍ مُنبتٍ .\r { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب } وهم اليهود { يشترون الضلالة } أَيْ : يختارونها على الهدى بتكذيب محمَّدٍ عليه السَّلام { ويريدون أن تضلوا السبيل } أن تضلُّوا أيُّها المؤمنون طريق الهدى .","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"{ والله أعلم بأعدائكم } فهو يُعْلِمكم ما هم عليه { وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً } أَيْ : إنَّ ولايته ونصرته إيَّاكم تُغنيكم عن غيره من اليهود ، ومَنْ جرى مجراهم .\r { ومن الذين هادوا } أَيْ : قومٌ { يحرِّفون الكلم عن مواضعه } أَيْ : يُغيِّرون صفة محمَّد A وزمانه ، ونبوَّته في كتابهم { ويقولون سمعنا } قولك { وعصينا } أمرك { واسمع غير مسمع } كانوا يقولون للنبيِّ A : اسمع ، ويقولون في أنفسهم : لا سمعت { وراعنا ليَّاً بألسنتهم } أَيْ : ويقولون راعنا ، ويوجِّهونها إلى شتم محمَّد عليه السَّلام بالرُّعونة ، وذكرنا أنَّ هذا كان سبَّاً بلُغتهم { ولو أنَّهم قالوا سمعنا وأطعنا } مكان قولهم : سمعنا وعصينا وقالوا { واسمع وانظرنا } أَيْ : انظر إلينا؛ بدل قولهم : راعنا { لكان خيراً لهم } عند الله { ولكن لَعَنَهُمُ الله بكفرهم } فلذلك لا يقولون ما هو خيرٌ لهم { فلا يؤمنون إلاَّ قليلاً } أَيْ : إيماناً قليلاً ، وهو قولهم : اللَّهُ ربُّنا ، والجنَّةُ حقٌّ ، والنَّارُ حقٌّ ، وهذا القليل ليس بشيءٍ مع كفرهم بمحمَّدٍ A ، وليس بمدحٍ لهم .\r { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً } أَيْ : نمحو ما فيها من عينٍ ، وفم ، وأنفٍ [ ومارن ] ، وحاجب ، فنجعلها كخفِّ البعير ، أو كَحَافِرِ الدَّابة { فنردها على أدبارها } نُحوِّلها قبل ظهورهم { أو نلعنهم } أو نجعلهم قردة وخنازير كما فعلنا بأوائلهم { وكان أمر الله مفعولاً } لا رادَّ لحكمه ولا ناقض لأمره .","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"{ إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به . . . } الآية . وعد الله تعالى في هذه الآية مغفرة ما دون الشِّرك ، فيعفو عن مَنْ يشاء ، ويغفر لمِنْ يشاء إلاَّ الشِّرك؛ تكذيباً للقدريَّة ، وهو قوله : { ويغفر ما دون ذلك } أَيْ : الشِّرك { لمن يشاء ومَنْ يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً } أَيْ : اختلق ذنباً غير مغفور .\r { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } أَيْ : اليهود قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وما عملناه باللَّيل كُفِّر عنَّا بالنَّهار ، وما عملناه بالنَّهار كُفِّر عنَّا باللَّيل { بل الله يزكِّي من يشاء } أَيْ : يجعل مَنْ يشاء زاكياً طاهراً نامياً في الصَّلاح . يعني : أهل التَّوحيد { ولا يُظلمون فتيلاً } لا ينقصون من الثواب قدر الفتيل ، وهو القشرة الرَّقيقة التي حول النَّواة ، ثمَّ عجَّب نبيَّه عليه السَّلام من كذبهم ، فقال : \r { انظر كيف يفترون على الله الكذب } يعني : قولهم : يكفِّر عنَّا ذنوبنا { وكفى به } بافترائهم { إثماً مبيناً } أَيْ : كفى ذلك في التَّعظيم .\r { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب } يعني : علماء اليهود { يؤمنون بالجبت } أَيْ : الأصنام { والطاغوت } سدنتها وتراجمتها ، وذلك أنَّهم حالفوا قريشاً على حرب رسول الله A ، وسجدوا لأصنام قريش ، وقالوا لهم : أنتم أهدى من محمَّدٍ عليه السَّلام ، وأقوم طريقةً وديناً ، وهو قوله : { ويقولون للذين كفروا } يعني : قريشاً { هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً } ، وقوله : \r { أم لهم نصيبٌ } أَيْ : بل أَلهم نصيب من الملك؟ يعني : ليس لليهود ملك ، ولو كان إذاً لهم لم يُؤتوا أحداً شيئاً ، وهو قوله : { فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً } أَيْ : لضنُّوا بالقليل . وصفهم الله بالبخل في هذه الآية ، والنَّقير يُضرب مثلاً للشَّيء القليل ، وهو نقرةٌ في ظهر النَّواة [ منها ] تنبت النَّخلة .\r { أم يحسدون الناس } يعني : محمَّداً عليه السَّلام { على ما آتاهم الله من فضله } حسدت اليهود محمَّداً عليه السَّلام على ما آتاه الله من النُّبوَّة ، وما أباح له من النِّساء ، وقالوا : لو كان نبيَّاً لشغله أمر بالنُّبوَّة عن النِّساء ، فقال الله تعالى : { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة } يعني : النُّبوَّة { وآتيناهم ملكاً عظيماً } يعني : ملك داود وسليمان عليهما السَّلام ، وما أُوتوا من النِّساء ، فكان لداود تسعٌ وتسعون ، ولسليمان ألفٌ من بين حُرَّةٍ ومملوكةٍ ، والمعنى : أيحسدون النَّبيَّ عليه السَّلام على النُّبوَّة وكثرة النِّساء وقد كان ذلك في آله؛ لأنَّه من آل إبراهيم عليه السَّلام .\r { فمنهم } من أهل الكتاب { من آمن به } بمحمَّدٍ عليه السَّلام { ومنهم مَن صدَّ عنه } أعرض عنه فلم يؤمن { وكفى بجهنَّم سعيراً } عذاباً لمَنْ لا يؤمن .","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"{ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها } يعني : أنَّ جلودهم إذا نضجت واحترقت جُدِّدت ، بأن تُردَّ إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة { ليذوقوا العذاب } ليقاسوه وينالوه { إنَّ الله كان عزيزاً } قوياً لا يغلبه شيء { حكيماً } فيما دبَّر ، وقوله : \r { وندخلهم ظلاً ظليلاً } يعني : ظلَّ هواء الجنَّة ، وهو ظليلٌ ، أَيْ : دائمٌ لا تنسخه الشَّمس .\r { إنَّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } نزلت في ردِّ مفتاح الكعبة على عثمان بن طلحة الحجبيِّ حين أُخذ منه قسراً يوم فتح مكة ، فأمره الله تعالى بردِّه عليه ، ثمَّ هذه الآية عامَّةٌ في ردِّ الأمانات إلى أصحابها كيف ما كانوا { إنَّ الله نِعِمَّا يعظكم به } أَيْ : نِعمَ شيئاً يعظكم به ، وهو القرآن { إنَّ الله كان سميعاً } لمقالتكم في الأمانة والحكم { بصيراً } بما تعملون فيها ، قال أبو روق : \" قال النبيُّ A لعثمان : أعطني المفتاح ، فقال : هاكَ بأمانة الله ، ودفعه إليه ، فأراد عليه السَّلام أن يدفعه إلى العباس ، فنزلت هذه الآية ، فقال النَّبيُّ A لعثمان : هاك [ بأمانة الله ] ، خالدةً تالدةً ، لا ينزعها عنكم إلاَّ ظالم ، ثمَّ إنَّ عثمان هاجر ودفع إلى أخيه شيبة ، فهو في ولده إلى اليوم \" .","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } وهم العلماء والفقهاء . وقيل : الأمراء والسَّلاطين ، وتجب طاعتهم فيما وافق الحقَّ . { فإن تنازعتم } اختلفتم وتجادلتم وقال كلُّ فريق : القولُ قولي : فَرُدُّوا الأمر في ذلك إلى كتاب الله وسنَّة رسوله { ذلك خيرٌ } أََيْ : ردُّكُمُ ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة ، وردُّك التجادل { وأحسن تأويلاً } وأحمدُ عاقبةً .\r { ألم تر إلى الذين يزعمون . . . } الآية . وقع نزاعٌ بين يهوديِّ ومنافق ، فقال اليهوديُّ : بيننا أبو القاسم ، وقال المنافق : لا بل نُحكِّم بيننا كعب بن الأشرف ، فنزلت هذه الآية . وهو قوله : { يريدون أنْ يتحاكموا إلى الطاغوت } ومعناه : ذو الطُّغيان { وقد أمروا أن يكفروا به } أَيْ : أُمروا أن لا يوالوا غير أهل دينهم { ويريد الشيطان أن يضلَّهم ضلالاً بعيداً } لا يرجعون عنه إلى دين الله أبداً ، وهذا تعجيبٌ للنبيِّ A من جهل مَنْ يعدل عن حكم الله إلى حكم الطَّاغوت مع زعمه بأنَّه يؤمن بالله ورسوله .\r { وإذا قيل لهم } أَيْ : للمنافقين { تعالوا إلى ما أنزل الله } أَيْ : في القرآن من الحكم { وإلى الرسول } وإلى حكم الرَّسول { رأيت المنافقين يَصُدُّون عنك صدوداً } يُعرضون عنك إعراضاً إلى غيرك عداوةً للدِّين .\r { فكيف } أَيْ : فكيف يصنعون ويحتالون { إذا أصابتهم مصيبة } مجازاةً لهم على ما صنعوا ، وهو قوله : { بما قدَّمت أيديهم } وتمَّ الكلام ههنا ، ثمَّ عطف على معنى ما سبق فقال : { ثم جاؤوك يحلفون بالله } أَيْ : تحاكموا إلى الطَّاغوت ، وصدُّوا عنك ، ثمَّ جاؤوك يحلفون ، وذلك أنَّ المنافقين أتوا النبيَّ A ، وحلفوا أنَّهم ما أرادوا بالعدول عنه في المحاكمة إلاَّ توفيقاً بين الخصوم ، أَيْ : جمعاً وتأليفاً ، وإحساناً بالتَّقريب في الحكم دون الحمل على مُرِّ الحقِّ ، وكلُّ ذلك كذبٌ منهم؛ لأنَّ الله تعالى قال : \r { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } أَيْ : من الشِّرك والنِّفاق { فأعرض عنهم } أيْ : اصفح عنهم { وعظهم } بلسانك { وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً } أَيْ : خوِّفهم بالله ، وازجرهم عمَّا هم عليه بأبلغ الزَّجر كيلا يستسِرُّوا الكفر .\r { وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ ليطاع } فيما يأمرُ به ويحكم ، لا ليُعصى ويُطلب الحكم من غيره ، وقوله : { بإذن الله } أَيْ : لأنَّ الله أذن في ذلك ، وأمر بطاعته { ولو أنهم } أَيْ : المنافقين { إذ ظلموا أنفسهم } بالتَّحاكم إلى الكفَّار { جاؤوك فاستغفروا الله } فزعوا وتابوا إلى الله .","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"{ فلا } أَيْ : ليس الأمر كما يزعمون أنَّهم آمنوا وهم يخالفون حكمك { وربك لا يؤمنون } حقيقة الإِيمان { حتَّى يحكموك فيما شجر } اختلف واختلط { بينهم ثمَّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً } ضيقاً وشكَّاً { ممَّا قضيت } أَيْ : أوجبتَ { ويسلموا } الأمر إلى الله وإلى رسوله من غير معارضةٍ بشيءٍ .\r { ولو أنَّا كتبنا عليهم } أَيْ : على هؤلاء المنافقين [ من اليهود ] { أن اقتلوا أنفسكم } كما كتبنا ذلك على بني إسرائيل { أو اخرجوا من دياركم } كما كتبنا على المهاجرين { ما فعلوه إلاَّ قليلٌ منهم } للمشقَّة فيه مع أنَّه كان ينبغي أن يفعلوه { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } ما يُؤمرون به من أحكام القرآن { لكان خيراً لهم } في معاشهم وفي ثوابهم { وأشدَّ تثبيتاً } منهم لأنفسهم في الدِّين ، وتصديقاً بأمر الله .\r { وإذاً لآتيناهم من لدنَّا } أَيْ : ممَّا لا يقدر عليه غيرنا { أجراً عظيماً } أَيْ : الجنَّة .\r { ولهديناهم } أرشدناهم { صراطاً مستقيماً } [ إلى دينٍ مستقيمٍ ] وهو دين الحنيفيَّة لا دين اليهوديَّة .\r { ومَن يطع الله . . . } الآية . قال المسلمون للنبيِّ A : ما لنا منك إلاَّ الدُّنيا ، فإذا كانت الآخرة رُفِعَت في الأعلى ، فحزن وحزنوا ، فنزلت { ومَنْ يطع الله } في الفرائض { والرسول } في السُّنن { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النَّبيين } أَيْ : إنَّه يستمتع برؤيتهم وزيارتهم ، فلا يتوهمنَّ أنَّه لا يراهم { والصديقين } أفاضل أصحاب الأنبياء { والشهداء } القتلى في سبيل الله { والصالحين } أَيْ : أهل الجنَّة من سائر المسلمين { وحسن أولئك } الأنبياء وهؤلاء { رفيقاً } أَيْ : أصحاباً ورفقاء .","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"{ ذلك } أَيْ : ذلك الثَّواب ، وهو الكون مع النَّبييِّن { الفضل من الله } تفضَّل به على مَنْ أطاعه { وكفى بالله عليماً } بخلقه ، أَيْ : إنَّه علامٌ لا يخفى عليه شيء ، ولا يضيع عنده عمل ، ثمَّ حثَّ عباده المؤمنين على الجهاد ، فقال : \r { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم } سلاحكم عند لقاء العدوِّ { فانفروا } أَيْ : فانهضوا إلى لقاء العدوِّ { ثباتٍ } جماعاتٍ مُتفرِّقين إذا لم يكن معكم الرَّسول { أو انفروا جميعاً } إذا خرج الرَّسول إلى الجهاد .\r { وإنَّ منكم لَمَنْ ليُبطئنَّ } أَيْ : ليتخلفنَّ ويتثاقلنَّ عن الجهاد ، وهم المنافقون ، وجعلهم من المؤمنين من حيث إنَّهم أظهروا كلمة الإِسلام ، فدخلوا تحت حكمهم في الظَّاهر { فإن أصابتكم مصيبةٌ } من العدوِّ ، وجهدٌ من العيش { قال قد أنعم الله عليَّ } بالقعود حيث لم أحضر فيصيبني ما أصابكم .\r { ولئن أصابكم فضلٌ من الله } فتحٌ وغنيمة { ليقولنَّ } هذا المنافق قولَ نادمٍ حاسدٍ : { يا ليتني كنتُ معهم فأفوز فوزاً عظيماً } أَيْ : لأسعدَ مثل ما سعدوا به من الغنيمة ، وقوله : { كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة } متصلٌ في المعنى بقوله : { قد أنعم الله عليَّ إذا لم أكن معهم } ، { كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة } . أَيْ : كأنْ لم يعاقدكم على الإِسلام ويعاضدكم على قتال عدوٍّكم ، ولم يكن بينكم وبينه مودة في الظَّاهر ، ثمَّ أمر المؤمنين بالقتال فقال : \r { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون } أَيْ : يبيعون { الحياة الدُّنيا بالآخرة } أَيْ : بالجنَّة ، أَيْ : يختارون الجنَّة على البقاء في الدُّنيا { ومَنْ يُقاتل في سبيل الله فيقتل } فيستشهد { أو يغلب } فيظفر ، فكلاهما سواءٌ ، وهو معنى قوله : { فسوف نؤتيه أجراً عظيماً } ثواباً لا صفة له ، ثمَّ حضَّ المؤمنين على الجهاد في سبيله لاستنقاذ ضعفة المؤمنين من أيدي المشركين ، فقال : \r { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوِلدان } وهم قومٌ بمكَّة استُضعفوا فَحُبسوا وعُذِّبوا { الذين يقولون ربنا أخرجنا } إلى دار الهجرة { من هذه القرية } مكَّة { الظالم أهلها } أَيْ : جعلوا لله شركاء { واجعل لنا من لَدُنْكَ ولياً } أَيْ : ولِّ علينا رجلاً من المؤمنين يوالينا { واجعل لنا من لدنك نصيراً } ينصرنا على عدوِّك ، فاستجاب الله دعاءَهم ، وولَّى عليهم رسولُ الله A عتَّابَ بن أسيد ، وأعانهم [ الله ] به ، فكانوا أعزَّ بها من الظَّلمة قبل ذلك .\r { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله } في طاعة الله { والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت } أَيْ : في طاعة الشَّيطان { فقاتلوا أولياء الشيطان } عبدة الأصنام { إنَّ كيد الشيطان كان ضعيفاً } يعني : خذلانه إيَّاهم يوم قُتلوا ببدرٍ .","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } عن قتال المشركين ، وأَدُّوا ما فُرض عليكم من الصَّلاة والزَّكاة . نزلت في قوم من المؤمنين استأذنوا النبيَّ A وهم بمكَّة في قتال المشركين ، فلم يأذن لهم { فلما كتب عليهم القتال } بالمدينة { إذا فريقٌ منهم يخشون الناس } أَيْ : عذاب النَّاس بالقتل { كخشية الله } كما يخشى عذاب الله { أو أشدَّ } أكبرَ { خشية } وهذه الخشية إنَّما كانت لهم من حيث طبع البشريَّة ، لا على كراهية أمر الله بالقتال { وقالوا } جزعاً من الموت ، وحرصاً على الحياة : { ربنا لمَ كتبت } فرضتَ { علينا القتال لولا } هلاًّ { أخرتنا إلى أجل قريب } وهو الموت ، أَيْ : هلاَّ تركتنا حتى نموت بآجالنا ، وعافيتنا من القتل ، { قل } لهم يا محمَّدُ : { متاع الدنيا قليل } أجل الدُّنيا قريبٌ ، وعيشها قليلٌ { والآخرة } الجنَّةُ { خيرٌ لمن اتقى } ولم يُشرك به شيئاً { ولا تظلمون فتيلاً } أَيْ : لا تُنقصون من ثواب أعمالكم مثل فتيل النَّواة ، ثمَّ أعلمهم أنَّ آجالهم لا تخطئهم ولو تمنَّعوا بأمنع الحصون ، فقال : \r { أينما تكونوا يردككم الموت ولو كنتم في بروج } حصونٍ وقصور { مشيدة } مطوَّلة مرفوعة . [ وقيل : بروج السَّماء ] { وإن تصبهم } يعني : المنافقين [ واليهود ] { حسنة } خصب ورخص سعر { يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة } جدبٌ وغلاءٌ { يقولوا هذه من عندك } من شؤم محمد ، وذلك أنَّ النبيَّ A لمَّا قدم المدينة وكفرت اليهود أمسك الله عنهم ما كان قد بسط عليهم ، فقالوا : ما رأينا أعظم شؤماً من هذا ، نقصت ثمارنا ، وغلت أسعارنا منذ قدم علينا ، فقال الله تعالى : { قل كلٌّ } أًي : الخصب والجدب { من عند الله } من قِبَل الله { فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً } لا يفهمون القرآن .\r { ما أصابك } يا ابن آدم { من حسنة } فتح وغنيمةٍ وخصبٍ فمن تفضُّل الله { وما أصابك من سيئة } من جدبٍ وهزيمةٍ وأمرٍ تكرهه { فمن نفسك } فبذنبك يا ابن آدم { وأرسلناك } يا محمدُ { للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً } على رسالتك .\r { من يطع الرسول فقد أطاع الله } يعني : إنَّ طاعتكم لمحمد طاعةٌ لله { ومَنْ تولى } أعرض عن طاعته { فما أرسلناك عليهم حفيظاً } أَيْ : حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع ، أَيْ : ليس عليك بأسٌ لتولِّيه؛ لأنَّك لم ترسل عليهم حفيظاً من المعاصي .\r { ويقولون } أَي : المنافقون { طاعةٌ } أَيْ : طاعةٌ لأمرك { فإذا برزوا } خرجوا { من عندك بيَّت } قدَّر وأضمر { طائفة منهم غير الذي تقول } لك من الطَّاعة أَيْ : أضمروا خلاف ما أظهروا ، وقدَّروا ليلاً خلاف ما أعطوك نهاراً { واللَّهُ يكتب ما يبيِّتون } أَيْ : يحفظ عليهم ليُجَازَوا به { فأعرض عنهم } أَيْ : فاصفح عنهم ، وذلك أنه نُهي عن قتل المنافقين في ابتداء الإِسلام ، ثمَّ نُسخ ذلك بقوله : { جاهِد الكفَّار والمنافقين . }","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"{ أفلا يتدبرون القرآن } أَي : المنافقون ، [ أفلا ] يتأمَّلون ويتفكرون فيه { ولو كان } القرآن { من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } بالتَّناقض والكذب ، والباطل ، وتفاوت الألفاظ .\r { وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن . . . } الآية . نزلت في أصحاب الأراجيف ، وهم قومٌ من المنافقين كانوا يُرجفون بسرايا رسول الله A ، ويُخبرون بما وقع بها قبل أن يُخبرَ به النبيُّ A ، فَيُضعفون قلوب المؤمنين بذلك ، ويُؤذون النبيَّ عليه السَّلام بسبقهم إيَّاه بالإِخبار ، وقوله : { أمرٌ من الأمن } حديثٌ فيه أمنٌ { أو الخوف } يعني : الهزيمة { أذاعوا به } أَيْ : أفشوه { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم } ولو سكتوا عنه حتى يكون الرَّسول هو الذي يُفشيه ، وأولوا الأمر مثل أبي بكر وعمر وعليٍّ Bهم . وقيل : أمراء السَّرايا { لعلمه الذين يستنبطونه } يتبعونه ويطلبون علمَ ذلك . { منهم } من الرسول وأولي الأمر { ولولا فضلُ الله } أي : الإِسلام { ورحمته } القرآن { لاتبعتم الشيطان إلاَّ قليلاً } ممَّن عصم الله ، كالذين اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان بغير رسولٍ ولا كتابٍ ، نحو زيد بن عمرو ، وورقة بن نوفل ، وطُلاَّب الدِّين ، وهذا تذكيرٌ للمؤمنين بنعمة الله عليهم حتى سلموا من النِّفاق ، وما ذُمَّ به المنافقون .\r { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلاَّ نفسك } أَيْ : إلاَّ فعلَ نفسك ، على معنى : أنَّه لا ضرر عليك في فعل غيرك ، فلا تهتمَّ بتخلُّف مَنْ يتخلَّف عن الجهاد { وحرِّض المؤمنين } حُضَّهم على القتال { عسى الله } واجبٌ من الله { أن يكفَّ } يصرف ويمنع { بأس الذين كفروا } شدَّتهم وشوكتهم { واللَّهُ أشدُّ بأساً } عذاباً { وأشدُّ تنكيلاً } عقوبة .\r { مَنْ يشفع شفاعة حسنةً } هي كلُّ شفاعة تجوز في الدِّين { يكن له نصيبٌ منها } كان له فيها أجر { ومَنْ يشفع شفاعة سيئة } أَيْ : ما لا يجوز في الدين أن يشفع فيه { يكن له كفلٌ منها } أيْ : نصيبٌ من الوِزر والإِثم { وكان الله على كلِّ شيءٍ مقيتاً } مقتدراً .\r { وإذا حييتم بتحيَّةٍ } أَيْ : إذا سُلِّم عليكم بسلامٍ { فحيوا بأحسن منها } أَيْ : أجيبوا بزيادةٍ على التحيَّة إذا كان المُسَلِّم من أهل الإِسلام { أو ردُّوها } إذا كان من أهل الكتاب . [ فقولوا : عليكم ، ولا تزيدوا على ذلك ] . { إنَّ الله كان على كلِّ شيء حسيباً } [ حفيظاً ] مجازياً .\r { الله لا إله إلاَّ هو ليجمعنَّكم } أَيْ : واللَّهِ ليجمعنَّكم في القبور { إلى يوم القيامة لا ريبَ فيه } [ لا شكَّ فيه ] { ومَنْ أصدقُ من الله حديثاً } أَيْ : قولاً وخبراً ، يريد : أنَّه لا خُلفَ لوعده .","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"{ فما لكم في المنافقين فئتين } نزلت في قومٍ قدموا على رسول الله A المدينة فأقاموا ما شاء الله ، ثمَّ قالوا : إنَّا اجتوينا المدينة ، فأذن رسول الله A لهم أَنْ يخرجوا ، فلمَّا خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلةً مرحلةً ، حتى لحقوا بالمشركين ، فاختلف المؤمنون فيهم ، فقال بعضهم : إنَّهم كفار مرتدُّون ، وقال آخرون : هم مسلمون حتى نعلم أنَّهم بدَّلوا ، فبيَّن الله كفرهم في هذه الآية ، والمعنى ما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين على فئتين ، على فرقتين { والله أركسهم } ردَّهم إلى حكم الكفَّار من الذُّلِّ والصَّغار ، والسَّبي والقتل { بما كسبوا } بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النِّفاق { أتريدون } أيُّها المؤمنون { أن تهدوا } أَيْ : ترشدوا { مَنْ أضلَّ الله } لم يرشده الله ، أَيْ : يقولون : هؤلاء مهتدون ، والله قد أضلَّهم { ومَنْ يضلل الله فلن تجد له سبيلاً } أَيْ : ديناً وطريقاً إلى الحجَّة .\r { ودُّوا } أَيْ : هؤلاء { لو تكفرون كما كفروا فتكونون } أنتم وهم { سواءً فلا تتخذوا منهم أولياء } أَيْ : لا تُوالوهم ولا تُباطنوهم { حتى يهاجروا في سبيل الله } حتى يرجعوا إلى رسول الله { فإن تولوا } عن الهجرة وأقاموا على ما هم عليه { فخذوهم } بالأسر { ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً } أيْ : لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوِّكم .\r { إلاَّ الذين يصلون } أَيْ : فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلاَّ الذين يتصلون ويلتجئون { إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } فيدخلون فيهم بالحلف والجوار { أو جاؤوكم حصرت صدورهم } يعني : أو يتصلون بقوم جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم ، وهم بنو مدلجٍ كانوا صلحاً للنبيِّ A ، وهذا بيان أنَّ مَن انضمَّ إلى قومٍ ذوي عهدٍ مع النبيِّ A فله مثلُ حكمهم في حقن الدم والمال ، ثمَّ نُسخ هذا كلُّه بآية السَّيف ، ثمَّ ذكر الله تعالى مِنَّته بكفِّ بأس المعاهدين فقال : { ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم } يعني : إنَّ ضيق صدورهم عن قتالكم إنَّما هو لقذف الله تعالى الرُّعب في قلوبهم ، ولو قوَّى الله تعالى قلوبهم على قتالكم لقاتلوكم ، { فإن اعتزلوكم } أَيْ : في الحرب { وألقوا إليكم السلم } أَي : الصُّلح { فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً } في قتالهم وسفك دمائهم ، ثمَّ أمره بقتال مَنْ لم يكن على مثل سبيل هؤلاء ، فقال : \r { ستجدون آخرين . . } الآية . هؤلاء قومٌ كانوا يظهرون الموافقة لقومهم من الكفَّار ، ويظهرون الإِسلام للنبيِّ A والمؤمنين ، يريدون بذلك الأمن في الفريقين ، فأطلع الله نبيَّه عليه السَّلام على نفاقهم ، [ وهو قوله : { يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم } وقوله : { كلما رُدُّوا إلى الفتنة أركسوا فيها } كلَّما دُعوا إلى الشِّرك رجعوا فيه { وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً } أَيْ : حجَّة بيِّنةً في قتالهم؛ لأنَّهم غَدَرةٌ لا يُوفون لكم بعهدٍ .","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"{ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً } ألْبَتَّةَ { إلاَّ خطأ } إلاَّ أنَّه قد يخطىء المؤمن بالقتل { ومَنْ قتل مؤمناً خطأ } مثل أن يقصد بالرَّمي غيره فأصابه { فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } إلى جميع ورثته { إلاَّ أن يصدقوا } أَيْ : يعفوا ويتركوا الدية { فإن كان } المقتول { من قوم } حربٍ لكم وكان مؤمناً { فتحرير رقبة مؤمنة } كفارةً للقتل ، ولا دية ، لأنَّ عصبته وأهله كفَّار فلا يرثون ديته { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } كأهل الذِّمة فتجب فيه الدِّية والكفَّارة { فمن لم يجد } الرَّقبة { فصيام شهرين متتابعين توبة من الله } أَيْ : ليقبل الله توبة القاتل حيث لم يبحث عن المقتول وحاله ، وحيث لم يجتهد حتى لا يخطىء .\r { ومَنْ يقتل مؤمناً متعمداً . . . } الآية . غلَّظ الله وعيد قاتل المؤمن عمداً للمبالغة في الرَّدع والزَّجر .\r { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم } أَيْ : سرتم { في الأرض فتبيَّنوا } أَيْ : تأنَّوا وتثَّبتوا . نزلت في رجلٍ كان قد انحاز بغنمٍ له إلى جبلٍ ، فلقي سريةً من المسلمين عليهم أسامة بن زيد ، فأتاهم وقال : السَّلام عليكم ، لا إله إلاَّ الله ، محمد رسول الله ، وكان قد أسلم ، فقتله أسامة واستاقوا غنمه ، فنزلت نهياً عن سفك دم مَنْ هو على مثل هذه الحالة ، وذلك أنَّ أسامة قال : إنَّما قالها مُتعوِّذاً ، فقال الله : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } أَيْ : حيَّاكم بهذه التَّحيَّة { لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا } أَيْ : متاعها من الغنائم { فعند الله مغانم كثيرة } يعني : ثواباً كبيراً لمَنْ ترك قتل مَنْ ألقى إليه السَّلام . { كذلك كنتم من قبل } كُفَّاراً ضُلالاً كما كان هذا المقتول قبل إسلامِهِ ، ثمَّ منَّ الله عليكم بالإِسلام كما منَّ على المقتول ، أَيْ : إنَّ كلَّ مَنْ أسلم ممَّن كان كافراً فبمنزلة هذا الذي تعوَّذ بالإِسلام قُبِلَ منه ظاهرُ الإِسلام ، ثمَّ أعاد الأمر بالتبيُّن فقال : { فتبينوا إنَّ الله كان بما تعملون خبيراً } أَي : علم أنَّكم قتلتموه على ماله ، ثمَّ حمل رسول الله A ديته إلى أهله ، وردَّ عليهم غنمه ، واستغفر لأسامة ، وأمره بعتق رقبةٍ .\r { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر } أي : الأصحَّاء الذين لا علَّة بهم تضرُّهم وتقطعهم عن الجهاد . لا يستوي هؤلاء { والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين } من أهل العذر { درجةً } ؛ لأنَّ المجاهدين باشروا الطَّاعة ، والقاعدين من أهل العذر قصدوها ، وإن كانوا في الهمَّة والنيَّة على قصد الجهاد ، فمباشرة الطَّاعة فوق قصدها بالنِّيّة { وكلاً } من المجاهدين والقاعدين المعذورين { وعد الله الحسنى } الجنَّة { وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين } من غير عذرٍ { أجراً عظيماً } .\r { درجاتٍ منه } أَيْ : منازلَ بعضُها فوقَ بعضٍ ، من منازل الكرامة .","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"{ إنَّ الذين توفاهم الملائكة } أَيْ : قبضت أرواحهم . نزلت في قومٍ كانوا قد أسلموا ولم يهاجروا حتى خرج المشركون إلى بدر ، فخرجوا معهم فقتلوا يوم بدرٍ ، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم ، وقوله : { ظالمي أنفسهم } بالمقام في دار الشِّرك والخروج مع المشركين لقتال المسلمين { قالوا : فيم كنتم } أَيْ : قالت الملائكة لهؤلاء سؤال توبيخٍ وتقريع : أكنتم في المشركين أم كنتم في المسلمين؟ فاعتذروا بالضَّعف عن مقاومة أهل الشِّرك في دارهم ف { قالوا كنا مستضعفين في الأرض } أَيْ : في مكة ، فحاجَّتهم الملائكة بالهجرة إلى غير دارهم و { قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً } أخبر الله تعالى أنَّ هؤلاء من أهل النَّار ، ثمَّ استثنى من صدق في أنَّه مستضعفٌ فقال : { إلاَّ المستضعفين } أي : الذين يوجدون ضعفاء { لا يستطيعون حيلة } لا يقدرون على حيلةٍ ولا نفقةٍ ولا قوَّةٍ للخروج { ولا يهتدون سبيلاً } لا يعرفون طريقاً إلى المدينة .\r { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً } أَيْ : مهاجراً ومتحوَّلاً { كثيراً وسعة } في الرِّزق { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله . . . } الآية . نزلت في حبيب بن ضمرة اللَّيثي ، وكان شيخاً كبيراً خرج متوجِّهاً إلى المدينة فمات في الطَّريق ، فقال أصحاب رسول الله A : لو وافى المدينة لكان أتمَّ أجراً ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وأخبر أنَّ مَنْ قصد طاعةً ، ثمَّ أعجزه العذر عن تمامها كتب الله ثواب تمام تلك الطَّاعة ، ومعنى { وقع أجره على الله } وجب ذلك بإيجابه .\r { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا . . . } الآية . نزلت في إباحة قصر الصَّلاة في السَّفر ، وظاهر القرآن يدل على أنَّ القصر يستباح بالسَّفر والخوف ، لقوله : { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } أَيْ : يقتلكم ، والإِجماع منعقدٌ على أنَّ القصر يجوز في السَّفر من غير خوف ، وثبتت السنَّة بهذا عن النبيّ A ، ولكن ذكر الخوف في الآية ، على حال غالب أسفارهم في ذلك الوقت ، ثمَّ ذكر صلاة الخوف فقال : { وإذا كنت فيهم } .","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"{ وإذا كنت فيهم } أَيْ : إذا كنت أيُّها النبيُّ مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم { فأقمت لهم الصلاة } أَي : ابتدأت بها إماماً لهم { فلتقم طائفة منهم معك } نصفهم يصلُّون معك { وليأخذوا } أَيْ : وليأخذ الباقون أسلحتهم { فإذا سجدوا } فإذا سجدت الطَّائفة التي قامت معك { فليكونوا من ورائكم } أَي : الذين أمروا بأخذ السِّلاح { ولتأت طائفة أخرى } أَي : الذين كانوا من ورائهم يحرسونهم { لم يصلوا } [ معك الركعة الأولى ] { فليصلوا معك } [ الركعة الثانية ] { وليأخذوا حذرهم } [ من عدوهم ] { وأسلحتهم } [ سلاحهم معهم ] . يعني الذين صلَّوا أولَّ مرَّةٍ { وذّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } في صلاتكم { فيميلون عليكم ميلة واحدة } بالقتال { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذىً من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } ترخيصٌ لهم في ترك حمل السِّلاح في الصَّلاة ، وحملُه فرضٌ عند بعضهم ، وسنة مؤكدة عند بعضهم ، فرخص الله لهم في تركه لعذر المطر والمرض؛ لأنَّ السِّلاح يثقل على المريض ، ويفسد في المطر { وخذوا حذركم } أَيْ : كونوا على حذرٍ في الصَّلاة كيلا يتغفَّلكم العدوُّ .\r { فإذا قضيتُمُ الصلاة } فرغتم من صلاة الخوف { فاذكروا الله } بتوحيده وشكره في جميع أحوالكم { فإذا اطمأننتم } رجعتم إلى أهلكم وأقمتم { فأقيموا الصلاة } أتمُّوهها { إنَّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } مفروضاً موقَّتاً فرضه .\r { ولا تهنوا } أَيْ : لا تضعفوا { في ابتغاء القوم } يعني : أبا سفيان ومَنْ معه حين انصرفوا من أُحدٍ . أمر الله تعالى نبيَّه عليه السَّلام أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيَّام ، فاشتكى أصحابه ما بهم من الجراحات ، فقال الله تعالى : { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون } أَيْ : إنْ ألمتم من جراحكم فهم أيضاً في مثل حالتكم من ألم الجراح { وترجون من الله } من نصر الله إيَّاكم ، وإظهار دينكم [ في الدنيا ] ، وثوابه في العقبى { ما لا يرجون } هم { وكان الله عليماً } بخلقه { حكيماً } فيما حكم .\r { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } هذه الآية وما بعدها نزلت في قصة طعمة بن أُبيرق؛ سرق درعاً ، ثمَّ رمى بها يهودياً ، فلما طُلبت منه الدِّرع أحال على اليهوديِّ ، ورماه بالسَّرقة ، فاجتمع قوم طعمة وقوم اليهوديِّ ، وأتوا رسول الله A ، فسأل قوم طعمة النبيَّ A أنْ يجادل عن صاحبهم ، وأن يُبرِّيَه ، وقالوا : إنك إنْ لم تفعل افتضح صاحبنا وبرىء اليهوديُّ ، فهمَّ النبيُّ A أَنْ يفعل ، فنزل قوله تعالى : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } في الحكم لا بالتَّعدي فيه { لتحكم بين الناس بما أراك الله } أَيْ : فيما علَّمك الله { ولا تكن للخائنين } طعمة وقومه { خصيماً } مخاصماً عنهم .\r { واستغفر الله } من جدالك عن طعمة ، وهمِّك بقطع اليهوديِّ .\r { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } يخونونها بالمعصية؛ لأنَّ وبال خيانتهم راجعٌ عليه . يعني : طعمة وقومه { إنَّ الله لا يحبُّ مَنْ كان خوَّاناً أثيماً } أَيْ : طعمة ، لأنَّه خان في الدِّرع ، وأَثِم في رميه اليهوديَّ .","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"{ يستخفون } يستترون بخيانتهم { من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم } عالم بما يخفون { إذ يبيِّتون } يُهيِّئون ويُقدِّرون ليلاً { ما لا يرضى من القول } وهو أنَّ طعمة قال : أرمي اليهوديَّ بأنَّه سارق الدِّرع ، وأحلف أنِّي لم أسرق فيقبل يميني؛ لأنِّي على دينهم { وكان الله بما يعملون محيطاً } عالماً ، ثمَّ خاطب قوم طعمة فقال : { ها أنتم هؤلاء جادلتم } خاصمتم { عنهم } عن طعمة وذويه { في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة } أَيْ : لا أحد يفعل ذلك ، ولا يكون في ذلك اليوم عليهم وكيلٌ يقوم بأمرهم ويخاصم عنهم ، ثمَّ عرض التَّوبة على طعمة وقومه بقوله : { ومَنْ يعمل سوءاً } معصيةً كما عمل قوم طعمة { أو يظلم نفسه } بذنبٍ كفعل طعمة { ثم يستغفر الله . . . } الآية . ثمَّ ذكر أنَّ ضرر المعصية إنَّما يلحق العاصي ، ولا يلحق الله من معصيته ضررٌ ، فقال : { ومَنْ يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً } بالسَّارق { حكيماً } حكم بالقطع على طعمة .\r { ومَنْ يكسب خطيئةً } ذنباً بينه وبين الله تعالى . يعني : يمينه الكاذبة أنَّه ما سرق { أو إثماً } ذنباً بينه وبين النَّاس . يعني : سرقته { ثمَّ يرمِ به } أَيْ : بإثمه { بريئاً } كما فعل طعمة حين رمى اليهوديَّ بالسَّرقة { فقد احتمل بهتاناً } برمي البريء { وإثماً مبيناً } باليمين الكاذبة والسَّرقة .\r { ولولا فضلُ الله عليك ورحمته } بالنبوَّة والعصمة { لهمَّت } لقد همَّت { طائفة منهم } من قوم طعمة { أن يضلوك } أَيْ : يُخطِّئوك في الحكم ، وذلك أنَّهم سألوا رسول الله A أن يجادل عنهم ويقطع اليهوديَّ { وما يضلون إلاَّ أنفسهم } بتعاونهم على الإِثم والعدوان وشهادتهم الزُّور والبهتان { وما يضرونك من شيء } لأنَّ الضَّرر على مَنْ شهد بغير حقٍّ ، ثمَّ منَّ الله عليه فقال : { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } أَي : القضاء بالوحي ، وبيَّن لك ما فيه الحكمة ، فلمَّا بان أنَّ السَّارق طعمة تناجى قومه في شأنه ، فأنزل الله تعالى : { لا خير في كثير من نجواهم } أَيْ : مسارَّتهم { إلاَّ مَنْ أمر } أَيْ : إلاَّ في نجوى من أمر { بصدقةٍ } وقال مجاهد : هذه الآية عامَّةٌ للناس . يريد : أنَّه لا خير فيما يتناجى فيه النَّاس ، ويخوضون فيه من الحديث إلاَّ ما كان من أعمال البرِّ ، ثمَّ بيَّن أنَّ ذلك ينفع مَن ابتغى به ما عند الله ، فقال : { ومَنْ يفعل ذلك . . . } الآية . ثمَّ حكم رسول الله A على طعمة بالقطع ، فخاف على نفسه الفضيحة ، فهرب إلى مكة ولحق بالمشركين .","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"{ ومَنْ يشاقق الرسول } أَيْ : يخالفه { من بعد ما تبيَّن له الهدى } الإِيمان بالله ورسوله ، وذلك أنَّه ظهر له من الآية ما فيه بلاغ بما أطلع الله سبحانه على أمره ، فعادى النبيَّ A بعد وضوح الحجَّة وقيام الدليل { ويتبع غير سبيل المؤمنين } غير دين الموحِّدين { نوله ما تولى } ندعه وما اختار لنفسه { ونصله جهنم } ندخله إيَّاها ونلزمه النَّار ، ثمَّ أشرك بالله طعمة فكان يعبد صنماً إلى أن مات ، فأنزل الله فيه : \r { إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به . . . } الآية . ثمَّ نزل في أهل مكة : \r { إن يدعون من دونه } أَيْ : ما يعبدون من دون الله { إلاَّ إناثاً } أَيْ : أصنامهم اللاَّت والعزَّى ومناة { وإن يدعون إلاَّ شيطاناً مريداً } ما يعبدون بعبادتهم لها إلاَّ شيطاناً خارجاً عن طاعة الله تعالى . يعني : إبليس؛ لأنَّهم أطاعوه فيما سوَّل لهم من عبادتها .\r { لعنه الله } دحره وأخرجه من الجنَّة { وقال } يعني إبليس : { لأتخذنَّ من عبادك } بإغوائي وإضلالي { نصيباً مفروضاً } معلوماً ، أَيْ : مَن اتَّبعه وأطاعه .\r { ولأُضلنَّهم } عن الحقِّ { ولأمنينَّهم } أن لا جنَّة ولا نار . وقيل : ركوب الأهواء . { ولآمرنَّهم فليبتكنَّ آذان الأنعام } [ أي : فليقطعنَّها ] يعني : البحائر ، وسيأتي بيان ذلك فيما بعد [ في سورة المائدة ] . { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } أَيْ : دينه . يكفرون ويحرِّمون الحلال ، ويحلون الحرام { ومَنْ يتخذ الشيطان ولياً من دون الله } أيْ : [ مَنْ ] يُطعه فيما يدعو إليه من الضَّلال { فقد خسر خسراناً مبيناً } خسر الجنَّة ونعيمها .","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"{ يعدهم } طول العمر في الدُّنيا { ويمنيهم } نيل المراد منها { وما يعدهم الشيطان إلاَّ غروراً } أَيْ : إلاَّ ما يغرُّهم من إيهام النَّفع فيما فيه الضِّرر .\r { أولئك } أَي : الذين اتَّخذوا الشَّيطان وليَّاً { مأواهم } مرجعهم ومصيرهم { جهنم ولا يجدون عنها محيصاً } معدلاً .\r { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار . . . } الآية .\r { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } نزلت في كفَّار قريش واليهود . قالت قريش : لا نُبعث ولا نُحاسب ، وقالت اليهود : { لن تمسَّنَا النَّارُ إلاَّ إيَّاماً معدودةً } فنزلت هذه الآية . أَيْ : ليس الأمر بأمانيِّ اليهود والكفَّار { مَنْ يعمل سوءاً } كفراً وشركاً { يُجزَ به ولا يجد له من دون الله ولياً } يمنعه { ولا نصيراً } ينصره ، ثمَّ بيَّن فضيلة المؤمنين على غيرهم بقوله : \r { ومن يعمل من الصالحات . . . } الآية . وبقوله : \r { ومَنْ أحسن ديناً ممَّن أسلم وجهه } أَيْ : توجَّه بعبادته إلى الله خاضعاً له { وهو محسنٌ } مُوَحِّدٌ { واتَّبع ملَّة إبراهيم حنيفاً } ملَّةُ إبراهيم داخلةٌ في ملَّة محمد عليهما السَّلام ، فمَنْ أقرَّ بملَّة محمَّدٍ فقد اتَّبع ملَّة إبراهيم عليه السَّلام { واتخذ الله إبراهيم خليلاً } صفيَّاً بالرِّسالة والنُّبوَّة ، مُحبَّاً له خالص الحبِّ .","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"{ ويستفتونك } يطلبون منك الفتوى { في النساء } في توريثهنَّ : كانت العرب لا تورث النِّساء والصِّبيان شيئاً من الميراث { قل الله يفتيكم فيهنَّ وما يتلى عليكم } أَي : القرآن يُفتيكم أيضاً . يعني : آية المواريث في أوَّل هذه السورة { في } ميراث { يتامى النساء } ؛ لأنَّها نزلت في قصَّة أم كجَّة ، وكانت لها بنات { اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهنَّ } أَيْ : فُرض لهن من الميراث { وترغبون } عن { أن تنكحوهنَّ } لدمامتهنَّ . قالت عائشة Bها : نزلت في اليتيمة يرغب وليها عن نكاحها ، ولا يُنكحها فيعضلها طمعاً في ميراثها ، فنُهي عن ذلك { والمستضعفين من الولدان } أَيْ : يُفتيكم في الصِّغار من الغلمان والجواري أن تعطوهنَّ حقهنَّ { وأن تقوموا } أَيْ : وفي أن تقوموا { لليتامى بالقسط } أَي : بالعدل في مهورهنَّ ومواريثهنَّ { وما تفعلوا من خير } من حسنٍ فيما أمرتكم به { فإنَّ الله كان به عليماً } يجازيكم عليه .\r { وإن امرأة خافت } علمت { من بعلها } زوجها { نشوزاً } ترفُّعاً عليها لبغضها ، وهو أن يترك مجامعتها { أو إعراضاً } بوجهه عنها { فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحاً } في القسمة والنَّفقة ، وهي أن ترضى هي بدون حقِّها ، أو تترك من مهرها شيئاً ليسوِّي الزَّوج بينها وبين ضرَّتها في القسمة ، وهذا إذا رضيت بذلك لكراهة فراق زوجها ، ولا تجبر على هذا لأنَّها إنْ لم ترض بدون حقِّها كان الواجب على الزَّوج أن يوفيها حقَّها من النَّفقة والمبيت { والصلحُ خيرٌ } من النُّشوز والإِعراض . أَيْ : إنْ يتصالحا على شيءٍ خيرٌ من أن يُقيما على النُّشوز والكراهة بينهما { وأحضرت الأنفس الشح } أَيْ : شحَّت المرأة بنصيبها من زوجها ، وشحَّ الرَّجل على المرأة بنفسه إذا كان غيرها أحبَّ إليه منها { وإن تحسنوا } العشرة والصُّحبة { وتتقوا } الجور والميل { فإنَّ الله كان بما تعملون خبيراً } لا يضيع عنده شيء .\r { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } لن تقدروا على التَّسوية بينهنَّ في المحبَّة ولو اجتهدتم { فلا تميلوا كلَّ الميل } إلى التي تحبُّون في النَّفقة والقسمة { فتذروها كالمعلقة } فتدعوا الأخرى كأنَّها معلَّقةٌ لا أيِّماً ولا ذات بعل { وإن تصلحوا } بالعدل في القسم { وتتقوا } الجور { فإنَّ الله كان غفوراً رحيماً } لما ملت إلى التي تحبُّها بقلبك ، ولمَّا ذكر جواز الصُّلح بينهما إنْ أحبَّا أن يجتمعا ذكر بعده الافتراق ، فقال : \r { وإن يتفرقا } أَيْ : إنْ أبت المرأة الكبيرة الصُّلْح ، وأبت إلاَّ التَّسوية بينها وبين الشَّابَّة فتفرَّقا بالطَّلاق ، فقد وعد الله لهما أن يُغني كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبه بعد الطَّلاق من فضله الواسع بقوله : { يغن الله كُلاً من سعته وكان الله واسعاً } لجميع خلقه في الرِّزق والفضل { حكيماً } فيما حكم ووعظ .\r { إنْ يشأ يذهبكم أيها الناس } يعني : المشركين والمنافقين { ويأت بآخرين } أمثل وأطوع لله منكم .\r { مَنْ كان يريد ثواب الدنيا } أَيْ : متاعها { فعند الله ثواب الدنيا والآخرة } أَيْ : خير الدُّنيا والآخرة عنده ، فليطلب ذلك منه ، وهذا تعريضٌ بالكفَّار الذين كانوا لا يؤمنون بالبعث ، وكانوا يقولون : ربنا آتنا في الدنيا ، وما لهم في الآخرة من خَلاق .","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط } قائمين بالعدل { شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين } أَي : اشهدوا لله بالحقِّ ، وإن كان الحقُّ على نفس الشَّاهد ، أو على والديه ، أو أقربيه { إن يكن } المشهود عليه { غنياً أو فقيراً } فلا تحابوا غنياً لغناه ، ولا تحيفوا على الفقير لفقره { فالله أولى بهما } أَيْ : أعلمُ بهما منكم؛ لأنَّه يتولَّى علم أحوالهما { فلا تتبعوا الهوى } في الشَّهادة ، واتقوا { إن تعدلوا } أَيْ : تميلوا وتجوروا { وإنْ تلووا } أَيْ : تدّافعوا الشَّهادة { أو تعرضوا } تجحدوها وتكتموها { فإن الله كان بما تعملون خبيراً } فيجازي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته .\r { يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله } أَي : اثبتوا على الإِيمان { والكتاب الذي نزَّل على رسوله } القرآن { والكتاب الذي أنزل من قبل } أَيْ : كلِّ كتاب أنزل على نبيٍّ قبل القرآن .\r { إنَّ الذين آمنوا } أَي : اليهود آمنوا بالتَّوراة { ثمَّ كفروا } بمخالفتها { ثم آمنوا } بالإِنجيل { ثمَّ كفروا } بمخالفته { ثم ازدادوا كفراً } بمحمدٍ { لم يكن الله ليغفر لهم } ما أقاموا على ما هم عليه { ولا ليهديهم سبيلاً } سبيل هدى ، ثمَّ ألحق المنافقين بهم؛ لأنَّهم كانوا يتولَّونهم .","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"{ بشر المنافقين بأنَّ لهم عذاباً أليماً } .\r { الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } هذه الآية من صفة المنافقين ، وكانوا يُوالون اليهود مخالفةً للمسلمين يتوهَّمون أنَّ لهم القوَّة والمنعة ، وهو معنى قوله : { أيبتغون عندهم العزَّة } أَي : القوَّة بالظهور على محمدٍ A { فإنَّ العزة } أَي : الغلبة والقوَّة { لله جميعاً } .\r { وقد نزل عليكم } أيها المؤمنون { في الكتاب } في القرآن { أنْ إذا سمعتم } الكفر بآيات الله والاستهزاء بها { فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ } غير الكفر والاستهزاء . يعني : قوله في سورة الأنعام { وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا . . . } الآية . هذه كانت مما نزل عليهم في الكتاب ، وقوله : { إنكم إذاً مثلهم } يعني : إنْ قعدتم معهم راضين بما يأتون من الكفر بالقرآن والاستهزاء به ، وذلك أنَّ المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود ، فيسخرون من القرآن ، فنهى الله سبحانه المسلمين عن مجالستهم { إنَّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً } يريد : أنَّهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بالآيات يجتمعون في جهنَّم على العذاب .\r { الذين يتربصون بكم } يعني : المنافقين ينتظرون بكم الدَّوائر { فإن كان لكم فتحٌ من الله } ظهورٌ على اليهود { قالوا ألم نكن معكم } فأعطونا من الغنيمة { وإن كان للكافرين نصيبٌ } من الظَّفر على المسلمين { قالوا } لهم : { ألم نستحوذ } [ نغلب ] { عليكم } نمنعكم عن الدُّخول في جملة المؤمنين { ونمنعكم من المؤمنين } بتخذيلهم عنكم ، ومراسلتنا إيَّاكم بأخبارهم { فالله يحكم بينكم } يعني : بين المؤمنين والمنافقين { يوم القيامة } يعني : أنَّه أخَّر عقابهم إلى ذلك اليوم ، ورفع عنهم السَّيف [ في الدُّنيا ] ، { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } أَيْ : حجَّةً يوم القيامة؛ لأنَّه يفردهم بالنَّعيم ، وما لا يشاركونهم فيه من الكرامات بخلاف الدُّنيا .\r { إنَّ المنافقين يخادعون الله } أَيْ : يعملون عمل المخادع بما يظهرونه ، ويبطنون خلافه . { وهو خادعهم } مجازيهم جزاءَ خداعهم ، وذلك أنَّهم يُعطون نوراً كما يُعطى المؤمنون ، فإذا مضوا قليلاً أطفىء نورهم ، وبقوا في الظُّلمة { وإذا قاموا إلى الصلاة } مع النَّاس { قاموا كسالى } متثاقلين { يراؤون الناس } ليرى ذلك النَّاس ، لا لاتِّباع أمر الله . يعني : ليراهم النَّاس مُصلِّين لا يريدون وجه الله { ولا يذكرون الله إلاَّ قليلاً } لأنَّهم يعملونه رياءً وسمعةً ، ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيراً .","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"{ مذبذبين بين ذلك } مُردَّدين بين الكفر والإِيمان ، ليسوا بمؤمنين مخلصين ، ولا مشركين مصرِّحين بالشِّرك { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } لا من الأنصار ، ولا من اليهود { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً } من أضلَّه الله فلن تجد له ديناً .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين } يعني : الأنصار . يقول : لا توالوا اليهود من قريظة والنَّضير { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً } حجَّة بيِّنة في عقابكم بموالاتكم اليهود ، أيْ : إنَّكم إذا فعلتم ذلك صارت الحجُّة عليكم في العقاب .\r { إنَّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار } أَيْ : في أسفل درج النَّار { ولن تجد لهم نصيراً } مانعاً يمنعهم من عذاب الله .\r { إلاَّ الذين تابوا } من النِّفاق { وأصلحوا } العمل { واعتصموا بالله } التجأوا إليه { وأخلصوا دينهم لله } من شائب الرِّياء { فأولئك مع المؤمنين } أَيْ : هم أدنى منهم بعد هذا كلِّه ، ثمَّ أوقع أجر المؤمنين في التَّسويف لانضمامهم إليهم فقال : { وسوف يُؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً } .\r { ما يفعل الله بعذابكم } بعذاب خلقه { إن شكرتم } اعترفتم بإحسانه { وآمنتم } بنبيِّه { وكان الله شاكراً } للقليل من أعمالكم { عليماً } بنيَّاتكم .\r { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } نزلت ترخيصاً للمظلوم أنْ يجهر بشكوى الظَّالم ، وذلك أنَّ ضيفاً نزل بقوم فأساؤوا قِراه ، فاشتكاهم ، فنزلت هذه الآية . رخصةً في أن يشكوا ، وقوله : { إلاَّ من ظلم } لكن مَنْ ظُلم فإنَّه يجهر بالسُّوء من القول ، وله ذلك { وكان الله سميعاً } لقول المظلوم { عليماً } بما يضمره ، أَيْ : فليقل الحقِّ ، ولا يتعدَّ ما اُذن له فيه .\r { إن تبدوا خيراً } من أعمال البرِّ { أو تخفوه أو تعفوا عن سوء } يأتيك من أخيك المسلم { فإنَّ الله كان عفواً } لمَنْ عفا { قديراً } على ثوابه .\r { إنَّ الذين يكفرون بالله ورسله } هم اليهود كفروا بعيسى عليه السَّلام والإِنجيل ، ومحمدٍ عليه السَّلام والقرآن { ويريدون أن يفرِّقوا بين الله ورسله } بأن يؤمنوا بالله ويكفروا بالرُّسل { ويقولون نؤمن ببعض } الرّسل { ونكفر } ببعضهم { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً } بين الإِيمان بالبعض ، والكفر بالبعض ديناً يدينون به .\r { أولئك هم الكافرون حقاً } أَيْ : إنَّ إيمانهم ببعض الرُّسل لا يُزيل عنهم اسم الكفر ، ثمَّ نزل في المؤمنين .\r { والذين آمنوا بالله ورسله . . } الآية .","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"{ يسألك أهل الكتاب . . . } الآية . سألت اليهود رسول الله A أَنْ يأتيهم بكتابٍ جُمْلَةً من السَّماء ، كما أتى به موسى ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقوله : { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } يعني : السَّبعين الذين ذكروا في قوله : { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك . . . } الآية . { ثمَّ اتخذوا العجل } يعني : الذين خلَّفهم موسى مع هارون { من بعد ما جاءتهم البينات } العصا ، واليد ، وفلق البحر { فعفونا عن ذلك } لم نستأصل عبدة العجل { وآتينا موسى سلطاناً مبيناً } حجَّةً بيِّنةً قوي بها على مَنْ ناوأه .\r { ورفعنا فوقهم الطور } حين امتنعوا من قبول شريعة التَّوراة { بميثاقهم } أَيْ : بأخذ ميثاقهم { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } لا تعتدوا باقتناص السَّمك فيه { وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً } عهداً مؤكَّداً في النبيِّ A . { فبما نقضهم ميثاقهم } أَيْ : فبنقضهم ، و \" ما \" زائدةٌ للتَّوكيد ، وقوله : { بل طبع اللَّهُ عليها بكفرهم } أَيْ : ختم الله على قلوبهم فلا تعي وَعْظاً ، مجازاةً لهم على كفرهم ، { فلا يؤمنون إلاَّ قليلاً } يعني : الذين آمنوا .\r { وبكفرهم } بالمسيح { وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً } حين رموها بالزِّنا .\r { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابنَ مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } أَيْ : ألقي لهم شبه عيسى على غيره حتى ظنُّوه لمَّا رأوه أنَّه المسيح { وإنَّ الذين اختلفوا فيه } أَيْ : في قتله ، وذلك أنَّهم لمَّا قتلوا الشَّخص المشَبَّه به كان الشَّبَه أُلقي على وجهه ، ولم يُلق على جسده شبهُ جسدِ عيسى ، فلمَّا قتلوه ونظروا إليه قالوا : الوجه وجه عيسى ، والجسد جسد غيره ، فاختلفوا ، فقال بعضهم : هذا عيسى ، وقال بعضهم : ليس بعيسى ، وهذا معنى قوله : { لفي شك منه } أَيْ : مِنْ قتله { ما لهم به } بعيسى { من علم } قُتِل أو لم يقتل { إلاَّ اتباع الظن } لكنَّهم يتَّبعون الظَّنَّ { وما قتلوه يقيناً } وما قتلوا المسيح على يقين من أنَّه المسيح .\r { بل رفعه الله إليه } أَيْ : إلى الموضع الذي لا يجري لأحدٍ سوى الله فيه حكمٌ وكان رفعُه إلى ذلك الموضع رفعاً إليه؛ لأنَّه رُفع عن أن يجري عليه حكم أحدٍ من العباد { وكان الله عزيزاً } في اقتداره على نجاة مَنْ يشاء من عباده { حكيماً } في تدبيره في النَّجاة .\r { وإن من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمنن به } أَيْ : ما مِن أهل الكتاب أحدٌ إلاَّ ليؤمننَّ بعيسى { قبل موته } إذا عاين المَلَك ، ولا ينفعه حينئذٍ إيمانه ، ولا يموت يهوديٌّ حتى يؤمن بعيسى { ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } على أنْ قد بلَّغ الرِّسالة ، وأقرَّ بالعبوديَّة على نفسه .\r { فبظلم من الذين هادوا . . . } الآية . عاقب الله اليهود على ظلمهم وبغيهم بتحريم اشياء عليهم ، وهي ما ذُكر في قوله : { وعلى الذين هادوا حرَّمنا كلَّ ذي ظُفرٍ . . . } الآية .","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"ثمَّ استثنى مؤمنيهم فقال : { لكن الراسخون } يعني : المبالغين في علم الكتاب منهم ، كعبد الله بن سلام وأصحابه { والمؤمنون } من أصحاب محمدٍ A { يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً } ظاهرةً إلى قوله : { رسلاً مبشرين } .","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"{ رسلاً مبشرين } أَيْ : بالثَّواب على الطَّاعة { ومنذرين } بالعقاب على المعصية { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } فيقولوا : ما أرسلت إلينا رسولاً يعلّمنا دينك ، فبعثنا الرُّسل قطعاً لعذرهم .\r { ولكن الله يشهد . . . } الآية . نزلت حين قالت اليهود - لما سُئلوا عن نبوَّة محمَّدٍ - : ما نشهد له بذلك ، فقال الله تعالى : { لكن الله يشهد } أَيْ : يبيِّن نبوَّتك { بما أنزل إليك } من القرآن ودلائله { أنزله بعلمه } أَيْ : وهو يعلم أنَّك أهلٌ لإِنزاله عليك لقيامك به { والملائكة يشهدون } لك بالنُّبوَّة إنْ جحدت اليهود ، وشهادة الملائكة إنَّما تُعرف بقيام المعجزة ، فمَنْ ظهرت معجزته شهدت الملائكة بصدقه { وكفى بالله شهيداً } أَيْ : كفى الله شهيداً .\r { إنَّ الذين كفروا } يعني اليهود { وظلموا } محمداً عليه السَّلام بكتمان نعته { لم يكن الله ليغفر لهم } هذا فيمن علم أنَّه يموت على الكفر { ولا ليهديهم طريقاً } ولا ليرشدهم إلى دين الإِسلام .\r { إلاَّ طريق جهنم } يعني : طريق اليهوديَّة ، وهو الطَّريق الذي يقودهم إلى جهنَّم { خالدين فيها أبداً وكان ذلك } أَيْ : خلودهم { على الله يسيراً } لأنَّه لا يتعذَّر عليه شيءٌ .\r { يا أيها الناس } يعني : المشركين { قد جاءكم الرسول بالحق } بالهدى والصِّدق { من ربكم فآمنوا خيراً لكم } أَيْ : ايتوا خيراً لكم من الكفر بالإِيمان به { وإنْ تكفروا } تُكذِّبوا محمداً وتكفروا نعمة الله عليكم به { فإنَّ لله ما في السموات والأرض } أَيْ : لا تضرُّون إلاَّ أنفسكم؛ لأنَّ الله غنيٌّ عنكم { وكان الله عليماً } بما تصيرون إليه من إيمان أو كفر { حكيماً } في تكليفه مع علمه بما يكون منكم .","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"{ يا أهل الكتاب } يريد : النَّصارى { لا تغلوا } لا تتجاوزوا الحدَّ ولا تتشدَّدوا { في دينكم ولا تقولوا على الله إلاَّ الحق } فليس له ولدٌ ، ولا زوجة ، ولا شريك ، وقوله : { وكلمته ألقاها } يعني : أنَّه قال له : كن فيكون { وروحٌ منه } أَيْ : روحٌ مخلوقٌ من عنده { ولا تقولوا ثلاثة } أَيْ : لا تقولوا : آلهتنا ثلاثة . يعني قولهم : اللَّهُ ، وصاحبته ، وابنه [ تعالى الله عن ذلك ] . { انتهوا خيراً لكم } أَي : ائتوا بالانتهاء عن هذا خيراً لكم مما أنتم عليه .\r { لن يستنكف المسيح } لن يأنف الذي تزعمون أنَّه إِلهٌ { أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون } من كرامة الله تعالى ، وهم أكثرُ من البشر .","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"{ يا أيها الناس قد جاءكم برهانٌ من ربكم } يعني : النبيَّ عليه السَّلام { وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً } وهو القرآن .\r { فأمَّا الذين آمنوا بالله واعتصموا به } أَي : امتنعوا بطاعته من زيغ الشَّيطان { فسيدخلهم في رحمة منه } يعني : الجنَّة { وفضل } يتفضَّل عليهم بما لم يخطر على قلوبهم { ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً } ديناً مستقيماً .\r { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } فيمن مات ولا ولد له ، ولا والد { إن امرؤٌ هلك ليس له ولد } أراد : ولا والد ، فاكتفى بذكر أحدهما ، لأنَّه الكلالة { وله أختٌ } يعني : من أبٍ وأمٍّ ، أو أبٍٍ؛ لأنَّ ذكر ولد الأم قد مضى في أوَّل السُّورة { فلها نصف ما ترك وهو يرثها } الأخ يرث الأخت جميع المال { إنْ لم يكن لها ولد فإن كانتا } أَيْ : الأختان ، [ { فلهما الثُّلثان ممَّا ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً } من أب وأمّ أو من أبٍ { فللذكر مثل حظ الأنثيين } ] . وقوله : { يبيِّن الله لكم أن تضلوا } أي : أن لا تضلوا ، أو كراهة أن تضلوا [ { والله بكل شيء عليم } من قسمة المواريث ] .","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } يعني : بالعهود المؤكَّدة التي عاهدتموها مع الله والنَّاس ، ثمَّ ابتدأ كلاماً آخر ، فقال : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } قيل : هي الأنعام نفسها ، وهي الإِبلُ والبقر والغنم ، وقيل : بهيمة الأنعام : وحشِيُّها كالظِّباء ، وبقر الوحش ، وحمر الوحش { إلا ما يتلى عليها } [ أي : ما يقرأ عليكم في القرآن ] يعني : قوله : { حرِّمت عليكم الميتة . . . } الآية . { غير محلي الصيد } يعني : إلاَّ أن تحلُّوا الصَّيد في حال الإِحرام؛ فإنَّه لا يحلُّ لكم { إنَّ الله يحكم ما يريد } يحلُّ ما يشاء ، ويحرِّم ما يشاء .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تُحِلُّوا شعائر الله } يعني : الهدايا المُعلَمة للذَّبح بمكة . نزلت هذه الآية في الحُطَم [ بن ضبيعة ] أغار على سرح المدينة ، فذهب به إلى اليمامة ، \" فلمَّا خرج رسول الله A عام القضية سمع تلبية حجَّاج اليمامة ، فقال رسول الله A : هذا الحطم فدونكم ، وكان قد قلَّد ما نهب من سرح المدينة ، وأهداه إلى الكعبة \" ، فلمَّا توجَّهوا في طلبه أنزل الله تعالى : { لا تحلوا شعائر الله } يريد : ما أُشعر لله ، أَيْ : أُعْلِمَ { ولا الشهر الحرام } بالقتال فيه { ولا الهدي } وهي كلُّ ما أُهدي إلى بيت الله من ناقةٍ ، وبقرةٍ وشاةٍ ، { ولا القلائد } يعني : الهدايا المقلَّدة من لحاء شجر الحرم { ولا آمِّين البيت الحرام } قاصديه من المشركين . قال المفسرون : كانت الحرب في الجاهليَّة قائمة بين العرب إلاَّ في الأشهر الحرم ، فمَن وُجد في غيرها أُصيب منه إلاَّ أنْ يكونَ مُشعراً بدنه ، أو سائقاً هدايا ، أو مُقلِّداً نفسه أو بعيره من لحاء شجر الحرم ، أو مُحرماً ، فلا يُتعرَّض لهؤلاء ، فأمر الله سبحانه تعالى المُسْلمين بإقرار هذه الأَمنة على ما كانت لضربِ من المصلحة إلى أنْ نسخها بقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقوله : { يبتغون فضلاً من ربهم } أَيْ : ربحاً بالتِّجارة { ورضواناً } بالحجِّ على زعمهم { وإذا حللتم } من الإحرام { فاصطادوا } أمرُ إباحةٍ { ولا يجرمنَّكم } ولا يحملنَّكم { شنآن قومٍ } بُغض قومٍ ، يعني : أهل مكَّة { أن صدوكم عن المسجد الحرام } يعني : عام الحدييبية { أن تعتدوا } على حُجَّاج اليمامة ، فتستحلُّوا منهم مُحرَّماً { وتعاونوا } لِيُعِنْ بعضكم بعضاً { على البر } وهو ما أمرتُ به { والتقوى } ترك ما نهيتُ عنه { ولا تعاونوا على الإثم } يعني : معاصي الله { والعدوان } التَّعدي في حدوده ، ثمَّ حذَّرهم فقال : { واتقوا الله } فلا تستحلوا محرَّماً { إنَّ الله شديد العقاب } إذا عاقب .","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"{ حرِّمت عليكم الميتة } سبق تفسير هذه الاية في سورة البقرة ، إلى قوله : { والمنخنقة } وهي التي تختنق فتموت بأيِّ وجهٍ كان { والموقوذة } المقتولة ضرباً { والمتردية } التي تقع من أعلى إلى أسفل فتموت { والنطيحة } التي قُتلت نطحاً { ما أكل } منه { السبع } فالباقي منه حرامٌ ، ثمَّ استثنى ما يُدرك ذكاته من جميع هذه المحرَّمات فقال : { إلا ما ذكيتم } أَيْ : إلاَّ ما ذبحتم { وما ذبح على النصب } أَيْ : على اسم الأصنام فهو حرام { وأن تستقسموا بالأزلام } تطلبوا على ما قُسم لكم من الخير والشَّرِّ من الأزلام : القداح التي كان أهل الجاهليَّة يُجيلونها إذا أرادوا أمراً { ذلكم } أَيْ : الاستقسامُ من الأزلام { فسق } خروجٌ عن الحلال إلى الحرام { اليوم } يعني : يوم عرفة عام حجّ رسول الله A بعد الفتح ، { يئس الذين كفروا } أن ترتدُّوا راجعين إلى دينهم { فلا تخشوهم } في مظاهرة محمد ، واتِّباع دينه { واخشون } في عبادة الأوثان { اليوم } يعني : يوم عرفة { أكملتُ لكم دينكم } أحكام دينكم ، فلم ينزل بعد هذه الآية حلالٌ ولا حرامٌ { وأتممت عليكم نعمتي } يعني : بدخول مكَّة آمنين كما وعدتكم { فمن اضطر } إلى ما حُرِّم ممَّا ذُكر في هذه الآية { في مخمصة } مجاعةٍ { غير متجانفٍ لإِثم } غير متعرِّضٍ لمعصيةٍ ، وهو أن يأكل فوق الشِّبع ، أو يكون عاصياً بسفره { فإنَّ الله غفورٌ } له ما أكل ممَّا حرَّم عليه { رحيم } بأوليائه حيث رخَّص لهم .\r { يسألونك ماذا أحلَّ لهم } سأل عديُّ بن حاتم رسول الله A فقال : إنَّا نصيد بالكلاب والبُزاة ، وقد حرَّم الله الميتة ، فماذا يحلُّ لنا منها؟ فنزلت هذه الآية . { قل أحلَّ لكم الطيبات } يعين : ما تستطيبه العرب ، وهذا هو الأصل في التَّحليل ، فكلُّ حيوانٍ استطابته العرب ، كالضِّباب ، واليرابيع ، والأرانب فهو حلال ، وما استخبثته العرب فهو حرام { وما علَّمتم } يعني : وصيد ما علَّمتم { من الجوارح } وهي الكواسب من الطَّير والكلاب والسِّباع { مكلِّبين } مُعلِّمين إيَّاها الصَّيد { تعلمونهن مما علمكم الله } تؤدبوهنَّ لطلب الصَّيد { فكلوا ممَّا أمسكن عليكم } هذه الجوارح وإنْ قتلن إذا لم يأكلن منه ، فإذا أكلن فالظَّاهر أنَّه حرام { واذكروا اسم الله عليه } عند إرسال الجوارح .\r { اليوم أحلَّ لكم الطيبات } التي سألتم عنها { وطعام الذين أوتوا الكتاب } وهو اسمٌ لجميع ما يؤكل { حلٌّ لكم وطعامكم حل لهم } أَيْ : حلٌّ لكم أن تطعموهم { والمحصنات } العفائف { من المؤمنات والمحصنات } الحرائر { من الذين أوتوا الكتاب } من أهل الكتاب { إذا آتيتموهنَّ أجورهنَّ } يعني : مهورهنَّ { محصنين } مُتزوِّجين { غير مسافحين } معالنين بالزِّنا { ولا متخذي أخذان } مُسرّين بالزِّنا بهنَّ { ومَنْ يكفر بالإِيمان } بالله الذي يجب الإِيمان به { فقد حبط عمله } إذا مات على ذلك { وهو في الآخرة من الخاسرين } ممَّنْ خسر الثَّواب .","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } أَيْ : إذا أردتم القيام إليها { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } يعني : مع المرفقين { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } وهما النَّاشزان من جانبي القدم { وإن كنتم جنباً فاطَّهَروا } فاغتسلوا { وإن كنتم مرضى } مفسَّرٌ في سورة النِّساء غلى قوله : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } من ضيقٍ في الدِّين ، ولكنْ جعله واسعاً بالرُّخصة في التَّيمُّم { ولكن يريد ليطهركم } من الأحداث والجنابات والذُّنوب؛ لأنَّ الوضوء يكفِّر الذُّنوب { وليتم نعمته عليكم } ببيان الشَّرائع و { لعلكم تشكرون } نعمتي فتطيعوا أمري .\r { واذكروا نعمة الله عليكم } بالإِسلام { وميثاقه الذي واثقكم به } يعني : حين بايعوا رسول الله A على السَّمع والطَّاعة في كلِّ ما أمر ونهى ، وهو قوله : { إذ قلتم } [ حين قلتم ] { سمعنا وأطعنا واتقوا الله إنَّ الله عليم بذات الصدور } بخفيَّات القلوب .\r { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين لله } تقومون لله بكلِّ حقٍّ يلزمكم القيام به { شهداء بالقسط } تشهدون بالعدل { ولا يجرمنكم شنآن قوم } لا يحملنَّكم بغض قوم على ترك العدل { اعدلوا } في الوليِّ والعدوِّ { هو } أَيْ : العدل { أقرب للتقوى } أَيْ : لاتِّقاء النَّار .","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم . . . } الآية . يعني : ما أنعم الله على نبيِّه حين أتى اليهودَ هو وجماعة من أصحابه يستعينون بهم في دية ، فتآمروا بينهم أن يطرحوا عليهم رحىً ، فأعلمهم الله بذلك على لسان جبرائيل حتى خرجوا ، ثمَّ أخبر عن نقض بني إسرائيل عهد الله ، كما نقضت هذه الطَّبقة العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله حين همُّوا بالاغتيال به .","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"{ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } على أن يعملوا بما في التَّوراة { وبعثنا } وأقمنا بذلك { منهم اثني عشر نقيباً } كفيلاً وضميناً ضمنوا عن قومهم الوفاء بالعهد { وقال الله } لهم : { إني معكم } بالعون والنُّصرة { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم } أَيْ : وقَّرتموهم { وأقرضتم الله قرضاً حسناً } يريد : الصَّدقات للفقراء والمساكين { فمن كفر بعد ذلك } أَيْ : بعد هذا العهد والميثاق { فقد ضلَّ سواء السبيل } أخطأ قصد الطَّريق .\r { فبما نقضهم } فبنقضهم { ميثاقهم } وهو أنَّهم كذَّبوا الرُّسل بعد موسى فقتلوا الأنبياء ، وضيَّعوا كتاب الله { لعنَّاهم } أخرجناهم من رحمتنا { وجعلنا قلوبهم قاسية } يابسة عن الإِيمان { يحرفون الكلم } يغيِّرون كلام الله { عن مواضعه } من صفة محمَّدٍ A في كتابهم وآية الرَّجم { ونسوا حظاً مما ذكروا به } وتركوا نصيباً ممَّا أمروا به في كتابهم من اتِّبَاع محمَّدٍ { ولا تزال } يا محمد { تطلع على خائنة } خيانة { منهم } مثل ما خانوك حين همُّوا بقتلك { إلاَّ قليلاً منهم } يعني : مَنْ أسلم { فاعفُ عنهم واصفح } منسوخٌ بآية السَّيف { إنَّ الله يحب المحسنين } المتجاوزين .\r { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } كما أخذنا ميثاق اليهود { فنسوا حظاً ممَّا ذكروا به } فتركوا ما أُمروا به من الإِيمان بمحمَّد A { فأغرينا بينهم } فألقينا بين اليهود والنصارى { العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } وعيدٌ لهم ، ثمَّ دعاهم إلى الإِيمان بمحمَّدٍ عليه السَّلام .","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"{ يا أهل الكتاب } يعني : اليهود والنَّصارى { قد جاءكم رسولنا } محمَّد { يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } تكتمون ممَّا في التَّوراة والإِنجيل ، كآية الرَّجم ، وصفة محمَّد عليه السَّلام { ويعفو عن كثير } يتجاوز عن كثير فلا يخبركم بكتمانه { قد جاءكم من الله نور } يعني : النبيَّ { وكتاب مبين } القرآن فيه بيانٌ لكلِّ ما تختلفون فيه .\r { يهدي به الله } يعني : بالكتاب المبين { مَنِ اتبع رضوانه } اتَّبع ما رضيه الله من تصديق محمَّد عليه السَّلام { سُبُل السلام } طرق السَّلامة التي مَنْ سلكها سلم في دينه { ويخرجهم من الظُّلمات } الكفر { إلى النور } الإِيمان { بإذنه } بتوفيقه وإرادته { ويهديهم إلى صراط مستقيم } وهو الإِسلام .\r { لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله هو المسيح ابن مريم } يعني : الذين اتَّخذوه إِلهاً { قل فمن يملك من الله شيئاً } فمَنْ يقدر أن يدفع من عذاب الله شيئاً { إن أراد أن يهلك المسيح } أَيْ : يُعذِّبه ، ولو كان إلهاً لقدر على دفع ذلك .\r { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } أَمَّا اليهود فإنّهم قالوا : إنَّ الله من حِنَّتِهِ وعطفه علينا كالأب الشفيق ، وأمَّا النَّصارى فإنَّهم تأوَّلوا قول عيسى : إذا صلَّيتم فقولوا : يا أبانا الذي في السَّماء تقدَّس اسمه ، وأراد أنَّه في برِّه ورحمته بعباده الصالحين كالأب الرحيم . وقيل : أرادوا نحن أبناء رسل الله ، وإنما قالوا هذا حين حذَّرهم النبيُّ A عقوبة الله ، فقال الله : { قل فلمَ يعذِّبكم بذنوبكم } أَيْ : فلمَ عذَّب مَنْ قبلكم بذنوبهم ، كأصحاب السَّبت وغيرهم { بل أنتم بشرٌ ممَّن خلق } كسائر بني آدم { يغفر لمن يشاء } لَمنْ تاب من اليهودية { ويعذب من يشاء } مَنْ مات عليها ، وقوله : \r { على فترة من الرسل } على انقطاع من الأنبياء { أن تقولوا } لئلا تقولوا { ما جاءنا من بشير ولا نذير } وقوله : \r { وجعلكم ملوكاً } أَيْ : جعل لكم الخدم والحشم ، وهم أوَّل مَن ملك الخدم والحشم من بني آدم { وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين } من فلق البحر لكم ، وإغراق عدوِّكم ، والمنِّ والسَّلوى ، وغير ذلك .","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"{ يا قوم ادخلوا الأرض المقدَّسة } المطهَّرة . يعني : الشَّام ، وذلك أنَّها طُهِّرت من الشِّرك ، وجُعلت مسكناً للأنبياء { التي كتب الله لكم } أمركم الله بدخولها { ولا ترتدوا على أدباركم } لا ترجعوا إلى دينكم الشِّركِ بالله .\r { قالوا يا موسى إنَّ فيها قوماً جبارين } طوالاً ذوي قوَّة ، وكانوا من بقايا عادٍ يقال لهم العمالقة .\r { قال رجلان } هما يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا { من الذين يخافون } اللَّهَ في مخالفة أمره { أنعم الله عليهما } بالفضل واليقين { ادخلوا عليهم الباب . . . } الآية ، وإنَّما قالا ذلك تيقُّناً بنصر الله ، وإنجاز وعده لنبيِّه ، فخالفوا نبيَّهم وعصوا أمر الله ، وأتوا من القول بما فسقوا به ، وهو قوله : \r { قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } فقال موسى عند ذلك : \r { لا أملك إلاَّ نفسي وأخي } يقول : لم يُطعني منهم إلاَّ نفسي وأخي { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } فاقض بيننا وبين القوم العاصين ، فحرَّم الله على الذين عصوا دخول القرية ، وحبسهم في التِّيه أربعين سنةً حتى ماتوا ، ولم يدخلها أحدٌ من هؤلاء ، وإنَّما دخلها أولادهم ، وهو قوله : \r { فإنها محرَّمة عليهم . . . } الآية . وقوله : { يتيهون في الأرض } يتحيَّرون فلا يهتدون للخروج منها { فلا تأس على القوم الفاسقين } لا تحزن على عذابهم .","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"{ واتل عليهم } يعني : على قومك { نبأ } خبر { ابني آدم } هابيل وقابيل { إذ قرَّبا قرباناً } تقرَّب إلى الله هابيل بخيرِ كبشٍ في غنمه ، فنزلت من السَّماء نارٌ فاحتملته ، فهو الكبش الذي فُدي به إسماعيل ، وتقرَّب إلى الله قابيل بأردأ ما كان عنده من القمح ، وكان صاحب زرع ، فلم تحمل النَّار قربانه ، والقربان : اسمٌ لكلِّ ما يُتقرَّب به إلى الله ، فقال الذي لم يُتقبَّلْْ منه : { لأقتلنك } حسداً له ، فقال هابيل : { إنما يتقبل الله من المتقين } للمعاصي [ لا من العاصين ] .\r { لئن بَسَطتَ إليَّ يدك } لئن بدأتني بالقتل فما أنا بالذي أبدؤك بالقتل { إني أخاف الله } في قتلك .\r { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } أَنْ تحتمل إثم قتلي وإثم الذي كان منك قبل قتلي .\r { فَطَوَّعَتْ له نفسه قتل أخيه } سهَّلته وزيَّنت له ذلك { فقتله فأصبح من الخاسرين } خسر دنياه بإسخاط والديه ، وآخرته بسخط الله عليه ، فلمَّا قتله لم يدرِ ما يصنع به؛ لأنَّه كان أوَّل ميِّت على وجه الأرض من بني آدم ، فحمله في جرابٍ على ظهره .\r { فبعث الله غراباً يبحث في الأرض } يثير التُّراب من الأرض على غرابٍ ميِّتٍ { ليريه كيف يواري } يستر { سوءة } جيفة { أخيه } فلمَّا رأى ذلك قال : { يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فَأُوَارِيَ سوءة أخي فأصبح من النادمين } على حمله والتَّطوف به .\r { من أجل ذلك } من سبب ذلك الذي فعل قابيل { كتبنا } فرضنا { على بني إسرائيل أنَّه مَنْ قتل نفساً بغير نفسٍ } بغير قَوَدٍ { أو فسادٍ } شركٍ { في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً } يُقتل كما لو قتلهم جميعاً ، ويصلى النَّار كما يصلاها لو قتلهم { ومَن أحياها } حرَّمها وتورَّع عن قتلها { فكأنما أحيا الناس جميعاً } لسلامتهم منه؛ لأنَّه لا يستحلُّ دماءهم { ولقد جاءتهم } يعني : بني إسرائيل { رسلنا بالبينات } بأنَّ لهم صدق ما جاؤوهم به { ثم إنَّ كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون } أَيْ : مجاوزون حدَّ الحقِّ .","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"{ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } أَيْ : يعصونهما ولا يطيعونهما . يعني : الخارجين على الإِمام وعلى الأمَّة بالسَّيف . نزلت هذه الآية في قصة العُرَنيين ، وهي معروفةٌ ، تعليماً لرسول الله A عقوبة مَن فعل مثل فعلهم ، وقوله : { ويسعون في الأرض فساداً } بالقتل وأخذ الأموال { أن يقتلوا أو يصلبوا أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } معنى \" أو \" ها هنا الإِباحة ، فاللإِمام أن يفعل ما أراد من هذه الأشياء ، ومعنى النَّفي من الأرض الحبسُ في السِّجن؛ لأنَّ المسجون بمنزلة المُخرج من الدُّنيا { ذلك لهم خزي } هوانٌ وفضيحةٌ { في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } وهذا للكفَّار الذين نزلت فيهم الآية؛ لأنَّ العُرنيين ارتدُّوا عن الدِّين ، والمسلم إذا عوقب في الدُّنيا بجنايته صارت مكفَّرةً عنه .\r { إلاَّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } آمنوا من قبل أن تعاقبوهم فالله غفورٌ رحيمٌ لهم . هذا في المشرك المحارب إذا آمن قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود ، فأمَّا المسلم المحارب إذا تاب واستأمن قبل القدرة عليه سقط عنه حدود الله ، ولا تسقط حقوق بني آدم .\r { يا أيها الذين آمنوا اتقوا } عقاب { الله } بالطَّاعة { وابتغوا إليه الوسيلة } تقرَّبوا إليه بطاعته { وجاهدوا } العدوَّ { في سبيله } في طاعته { لعلكم تفلحون } كي تسعدوا وتبقوا في الجنَّة .\r { إنَّ الذين كفروا . . . } الآية . ظاهرة .\r { يريدون } يتمنَّون بقلوبهم { أن يخرجوا من النار } .\r { والسارق والسارقةُ فاقطعوا أيديهما } يمينَ هذا ويمين هذه ، فجمع { جَزَاءً بما كسبا } أَيْ : بجزاء فعلهما { نكالاً } عقوبةً { من الله والله عزيز } في انتقامه { حكيم } فيما أوجب من القطع .\r { فمن تاب من بعد ظلمه } النَّاس { وأصلح } العمل بعد السَّرقة { فإنَّ الله يتوب عليه } يعود عليه بالرَّحمة .\r { ألم تعلم أنَّ الله له ملك السموات والأرض يعذب مَنْ يشاء } على الذَّنب الصَّغير { ويغفر لمن يشاء } الذَّنب العظيم .","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"{ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } إذ كنت موعودَ النَّصر عليهم ، وهم المنافقون ، وبان لهم ذلك بقوله : { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون } أَيْ : فريقٌ سمَّاعون { للكذب } يسمعون منك ليكذبوا عليك ، فيقولون : سمعنا منه كذا وكذا لما لمْ يسمعوا { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } أَيْ : هم عيونٌ لأولئك الغُيَّب ينقلون إليهم أخبارك { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } من بعد أن وضعه الله مواضعه . يعني : آية الرَّجم . { يقولون : إن أوتيتم هذا فخذوه } يعني : يهود خيبر بالجلد ، وهم الذين ذكروا في قوله : { لقوم آخرين لم يأتوك } وذلك أنَّهم بعثوا إلى قريظة ليستفتوا محمداً A في الزَّانيين المحصنين ، وقالوا لهم : إنْ أفتى بالجلد فاقبلوا ، وإن أفتى بالرَّجم فلا تقبلوا ، فذلك قوله : { إن أوتيتم هذا } يعني : الجلد { فخذوه } فاقبلوه { وإن لم تؤتوه فاحذروا } أن تعملوا به { ومن يرد الله فتنته } ضلالته وكفره { فلن تملك له من الله شيئاً } لن تدفع عنه عذاب الله { أولئك الذين } أَيْ : مَنْ أراد الله فتنته فهم الذين { لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } أن يُخلِّص نيَّاتهم { لهم في الدنيا خزيٌ } بهتك ستورهم { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } وهو النَّار .\r { سماعون للكذب أكالون للسحت } وهو الرِّشوة في الحكم . يعني : حكَّام اليهود ، يسمعون الكذب ممَّنْ يأتيهم مُبطلاً ، ويأخذون الرِّشوة منه فيأكلونها { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } خيَّر الله نبيَّه في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه ، ثمَّ نسخ ذلك بقوله : { وأن احكم بينهم . . . } الآية .\r { وكيف يحكمونك } عجَّب الله نبيَّه عليه السَّلام من تحكيم اليهود إيَّاه بعد علمهم بما في التَّوراة من حكم الزَّاني وحدِّه ، وقوله : { فيها حكم الله } يعني : الرَّجم { ثمَّ يتولون من بعد ذلك } التَّحكيم فلا يقبلون حكمك بالرَّجم { وما أولئك } الذين يُعرِضون عن الرَّجم { بالمؤمنين } .","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"{ إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً } بيان الحكم الذي جاؤوك يستفتونك فيه { ونور } بيانٌ إنَّ أمرك حَقٌّ { يحكم بها النبيون } من لدن موسى إلى عيسى ، وهم { الذين أسلموا } أَي : انقادوا لحكم التَّوراة { للذين هادوا } تابوا من الكفر ، وهم بنو إسرائيل إلى زمن عيسى { والربانيون } العلماء { والأحبار } الفقهاء { بما استحفظوا } استرعوا [ أَيْ : بما كُلِّفُوا حفظه من كتاب الله . وقيل : العمل بما فيه ، وذلك حفظه ] { من كتاب الله وكانوا عليه شهداء } أنَّه من عند الله ، ثمَّ خاطب اليهود فقال : { فلا تخشوا الناس } في إظهار صفة محمَّد A والرَّجم { واخشون } في كتمان ذلك { ولا تشتروا بآياتي } بأحكامي وفرائضي { ثمناً قليلاً } يريد : متاع الدُّنيا { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } نزلت في مَنْ غيرَّ حكم الله من اليهود ، وليس في أهل الإسلام منها ومن اللتين بعدها شيءٌ .\r { وكتبنا عليهم فيها } وفرضنا عليهم في التَّوراة { أنَّ النفس } تُقتل { بالنفس ، والعين بالعين . . . } الآية . كلُّ شخصين جرى القصاص بينهما في النَّفس جرى القصاص بينهما في جميع الأعضاء والأطراف إذا تماثلا في السَّلامة ، وقوله : { والجروح قصاص } في كلِّ ما يمكن أن يُقتصَّ فيه ، مثل الشَّفتين ، والذَّكَر ، والأُنثيين ، والأليتين ، والقدمين ، واليدين ، وهذا تعميمٌ بعد التَّفصيل بقوله : { العين بالعين والأنف بالأنف } . { فمن تصدَّق به فهو كفارة له } مَنْ عفا وترك القصاص فهو مغفرةٌ له عند الله ، وثواب عظيم .\r { وقفينا على آثارهم بعيسى } أَيْ : جعلناه يقفو آثار النَّبيِّين . يعني : بعثناه بعدهم على آثارهم { مصدقاً لما بين يديه من التوراة } يُصدِّق أحكامها ويدعو إليها { وآتيناه الإِنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدىً وموعظة } معناه : وهادياً وواعظاً .","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"{ وليحكم أهل الإِنجيل } أَيْ : وقلنا لهم : ليحكموا بهذا الكتاب في ذلك الوقت .\r { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه } أَيْ : شاهداً وأميناً ، [ وحفيظاً ورقيباً ] على الكتب التي قبله ، فما أخبر أهل الكتاب بأمرٍ؛ فإنْ كان في القرآن فصدِّقوا ، وإلأَّ فكذِّبوا { فاحكم بينهم } بين اليهود { بما أنزل الله } بالقرآن والرَّجم { ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } يقول : لا تتَّبعهم عمَّا عندك من الحقِّ ، فتتركه وتتَّبعهم { لكلٍّ جعلنا منكم } من أُمَّة موسى وعيسى ومحمَّد صلَّى الله عليهم أجمعين { شرعة ومنهاجاً } سبيلاً وسنَّة ، فللتَّوراة شريعة ، وللإِنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } على أمرٍ واحدٍ ملَّة الإِسلام { ولكن ليبلوكم } ليختبركم { فيما آتاكم } أعطاكم من الكتاب والسُّنن { فاستبقوا الخيرات } سارعوا إلى الأعمال الصَّالحة [ الزَّاكية ] { إلى الله مرجعكم جميعاً } أنتم وأهل الكتاب { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } من الدِّين والفرائض والسُّنن . يعني : إنَّ الأمر سيؤول إلى ما يزول معه الشُّكوك بما يحصل من اليقين .\r { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } أَيْ : يَسْتَزِلُّوكَ عن الحقِّ إلى أهوائهم . نزلت حين قال رؤساء اليهود بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى محمد لعلَّنا نفتنه ، فنزدَّه عمَّا هو عليه ، فأتوه وقالوا له : قد علمت أنَّا إن اتَّبعناك اتَّبعك النَّاس ، ولنا خصومةٌ فاقض لنا على خصومنا إذا تحاكمنا إليك ، ونحن نؤمن بك ، فأبى ذلك رسول الله A ، وأنزل الله هذه الآية : { فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } [ أي : فإن أعرضوا عن الإِيمان ، والحكم بالقرآن فاعلم أنَّ ذلك من أجل أنَّ الله يريد أن يعجِّل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم ] ويجازيهم في الآخرة بجميعها ، ثمَّ كان تعذيبهم في الدُّنيا الجلاء والنَّفي { وإنَّ كثيراً من الناس لفاسقون } يعني : اليهود .\r { أفحكم الجاهلية يبغون } أَيْ : أيطلب اليهود في الزَّانيين حكماً لم يأمر الله به ، وهم أهل كتاب ، كما فعل أهل الجاهليَّة؟! { ومَنْ أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون } أَي : مَنْ أيقن تبيَّن عدل الله في حكمه ، ثمَّ نهى المؤمنين عن موالاة اليهود ، وأوعد عليها بقوله : \r { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء . . . } الآية .","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"{ فترى الذين في قلوبهم مرض } يعني : عبد الله بن أُبيٍّ وأصحابه { يسارعون فيهم } في مودَّة أهل الكتاب ومعاونتهم على المسلمين بإلقاء أخبارهم إليهم { يقولون : نخشى أن تصيبنا دائرة } أَيْ : يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها . يعنون : الجدب فتنقطع عنا الميرة والقرض { فعسى الله أن يأتي بالفتح } يعني : لمحمدٍ على جميع مَنْ خالفه { أو أمرٍ من عنده } بقتل المنافقين ، وهتك سترهم { فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم } يعني : أهل النِّفاق على ما أضمروا من ولاية اليهود ، ودسِّ الأخبار إليهم { نادمين } .\r { ويقول الذين آمنوا } المؤمنون إذا هتك الله ستر المنافقين : { أهؤلاء } يعنون : المنافقين { الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم } حلفوا بأغلظ الأيمان { إنهم لمعكم } إنَّهم مؤمنون وأعوانكم على مَنْ خالفكم { حبطت أعمالهم } بطل كلُّ خيرٍ عملوه بكفرهم { فأصبحوا خاسرين } صاروا إلى النَّار ، وورث المؤمنون منازلهم من الجنَّة .\r { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } علم الله تعالى أنَّ قوماً يرجعون عن الإِسلام بعد موت نبيِّهم A ، فأخبرهم تعالى أنَّه س { يأتي اللَّهُ بقوم يحبهم ويحبونه } وهم أبو بكر Bه وأصحابه الذين قاتلوا أهل الرِّدة { أذلة على المؤمنين } كالولد لوالده ، والعبد لسيِّده { أعزة على الكافرين } غلاظٍ عليهم ، كالسَّبع على فريسته { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } كالمنافقين الذين كانوا يرقبون الكافرين ، ويخافون لومهم في نصرة الدِّين { ذلك فضل الله } أَيْ : محبَّتهم لله عزَّ وجلَّ ، ولين جانبهم للمسلمين ، وشدَّتهم على الكفَّار بفضلٍ من الله عليهم .","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"{ إنما وليكم الله ورسوله } نزلت لمَّا هجر اليهود مَنْ أسلم منهم ، فقال عبد الله بن سلام : يا رسول الله ، إنَّ قومنا قد هجرونا ، وأقسموا ألا يجالسونا ، فنزلت هذه الآية ، فقال : رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء ، وقوله : { وهم راكعون } يعني : صلاة التَّطوع .\r { ومن يَتَوَلَّ الله ورسوله } يتولَّى القيام بطاعته ونصرة رسوله والمؤمنين { فإنَّ حزب الله } جند الله وأنصار دينه { هم الغالبون } غلبوا اليهود فأجلوهم من ديارهم ، وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولَّوا اللَّهَ ورسوله .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا . . . } الآية . نزلت في رجالٍ كانوا يوادُّون منافقي اليهود ، ومعنى قوله : { اتَّخذوا دينكم هزواً ولعباً } إظهارهم ذلك باللِّسان ، واستبطانهم الكفر تلاعباً واستهزاءً { والكفار } يعني : مشركي العرب وكفَّار مكَّة { واتقوا الله } فلا تتَّخذوا منهم أولياء { إن كنتم مؤمنين } بوعده ووعيده .\r { وإذا ناديتم إلى الصلاة } دعوتم النَّاس إليها بالأذان { اتخذوها هزواً ولعباً } تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السُّخف والمجون تجهيلاً لأهلها { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } ما لهم في إجابتها لو أجابوا إليها ، وما عليهم في استهزائهم بها .\r { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا . . . } الآية . [ أي : هل تنكرون وتكرهون ] . أتي نفرٌ من اليهود رسول الله A فسألوه عمَّن يُؤمن به من الرُّسل؟ فقال : \" أؤمنُ بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرِّق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون \" ، فلمَّا ذكر عيسى جحدوا نبوَّته ، وقالوا : ما نعلم ديناً شرَّاً من دينكم ، فأنزل الله تعالى : { هل تنقمون } أَي : هل تكرهون وتنكرون منا إلاَّ إيماننا وفسقكم ، أَيْ : إنَّما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أننا على حقٍّ ، لأنَّكم قد فسقتم ، بأن أقمتم على دينكم لمحبَّتكم الرِّئاسة ، وكسبكم بها الأموال ، وتقدير قوله : { وأنًّ أكثركم فاسقون } ولأنَّ أكثركم ، والواو زائدةٌ ، والمعنى : لفسقكم نقمتم علينا الإِيمان ، قوله : \r { قل هل أنبئكم } أخبركم ، جوابٌ لقول اليهود : ما نعرف أهل دين شراً منكم ، فقال الله : { هل أنبئكم } أخبركم { بشرٍّ من } ذلكم المسلمين الذين طعنتم عليهم { مثوبة } جزاءً وثواباً { عند الله؟ مَنْ لعنه الله } أَيْ : هو مَنْ لعنه الله : أبعده عن رحمته { وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير } يعني : أصحاب السَّبت { وعبد الطاغوت } [ نسقٌ على { لعنه الله } وعبد الطاغوت : ] أطاع الشَّيطان فيما سوَّله له . { أولئك شر مكاناً } لأنَّ مكانهم سَقَر { وأضل عن سواء السبيل } قصد الطَّريق ، وهو دين الحنيفيَّة ، فلمَّا نزلت هذه الآية عيَّر المسلمون اليهود ، وقالوا : يا إخوان القردة والخنازير ، فسكتوا وافتضحوا .\r { وإذا جاؤوكم قالوا آمنا } يعني : منافقي اليهود { وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } أَيْ : دخلوا وخرجوا كافرين ، والكفر معهم في كِلْتي حالهم .","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"{ وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان } يجترئون على الخطأ والظُّلم ، ويبادرون إليه { وأكلهم السُّحت } ما كانوا يأخذونه من الرَّشا على كتمان الحقِّ ، ثمَّ ذمَّ فعلهم بقوله : { لبئس ما كانوا يعملون } .\r { لولا } [ هلاَّ ] { ينهاهم } عن قبح فعلهم { الربانيون والأحبار } علماؤهم وفقهاؤهم { لبئس ما كانوا يصنعون } حين تركوا النَّكير عليهم .\r { وقالت اليهود يد الله مغلولة } مقبوضةٌ عن العطاء وإسباغ النِّعم علينا . قالوا هذا حين كفَّ الله تعالى عنهم بكفرهم بمحمَّد عليه السَّلام ما كان يسلِّط عليهم من الخِصب والنِّعمة ، فقالوا - لعنهم الله على جهة الوصف بالبخل - : { يد الله مغلولة } وقوله : { غلت أيديهم } أَيْ : جعلوا بخلاء وأُلزموا البخل ، فهم أبخل قوم { ولعنوا بما قالوا } عُذِّبوا في الدُّنيا بالجِزية [ والذلَّة والصَّغار ، والقحط والجلاء ] ، وفي الآخرة بالنَّار { بل يداه مبسوطتان } قيل : معناه : الوصف بالمبالغة في الجود والإِنعام . وقيل : معناه : نِعمُه مبسوطةٌ ، ودلَّت التَّثنية على الكثرة ، كقولهم : [ لبيك وسعديك ] . وقيل : نعمتاه ، أَيْ : نعمة الدُّنيا ، ونعمة الآخرة { مبسوطتان ينفق كيف يشاء } يرزق كما يريد؛ إن شاء قتَّر ، وإنْ شاء وسَّع { وليزيدَّن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً } كلَّما أنزل عليك شيءٌ من القرآن كفروا به ، فيزيد كفرهم { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } بين طوائف اليهود ، وجعلهم الله مختلفين متباغضين ، كما قال : { تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتَّى } { كلما أَوْقَدُوا ناراً للحرب أطفأها الله } كلَّما أرادوا محاربتك ردَّهم الله ، وألزمهم الخوف { ويسعون في الأرض فساداً } يعني : يجتهدون في دفع الإِسلام ، ومحو ذكر النبيِّ A من كتبهم .\r { ولو أنَّ أهل الكتاب آمنوا } بمحمَّدٍ A { واتقوا } اليهوديَّة والنصرانيَّة { لكفَّرنا عنهم سيئاتهم } كلَّ ما صنعوا قبل أن تأتيهم .\r { ولو أنهم أقاموا التوراة والإِنجيل } عملوا بما فيهما من التَّصديق بك { وما أنزل إليهم } من كتب أنبيائهم { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } لأنزلتُ عليهم القطر ، وأخرجتُ لهم من نبات الأرض كلَّما أرادوا { منهم أمة مقتصدة } مؤمنةٌ .\r { يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك } أَيْ : لا تراقبنَّ أحداً ، ولا تتركنَّ شيئاً ممَّا أُنزل إليك تخوُّفاً مِنْ أَنْ ينالك مكروهٌ . بلِّغ الجميع مجاهراً به { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } إنْ كتمت آية ممَّا أنزلتُ إليك لم تبلِّغ رسالتي . يعني : إنَّه إنْ ترك بلاغ البعض كان كمَنْ لم يُبلِّغ { والله يعصمك من الناس } أن ينالوك بسوء . قال المفسرون : كان النبيُّ A يشفق على نفسه غائلة اليهود والكفَّار ، وكان لا يُجاهرهم بعيب دينهم وسبِّ آلهتهم ، فأنزل الله تعالى : { يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك } فقال : يا ربِّ ، كيف أصنع وأنا واحدٌ أخاف أن يجتمعوا عليَّ؟ فأنزل الله تعالى : { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إنَّ الله لا يهدي القوم الكافرين } لا يرشد مَنْ كذَّبك .\r { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء } من الدِّين { حتى تُقيموا } حتى تعملوا بما في الكتابين من الإِيمان بمحمد A وبيان نعته ، وباقي الآية مضى تفسيره إلى قوله : { فلا تأس على القوم الكافرين } يقول : لا تحزن على أهل الكتاب إنْ كذَّبوك .\r { إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا } سبق تفسيره في سورة البقرة .","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"{ وحسبوا ألا تكون فتنة } ظنُّوا وقدَّروا إلا تقع بهم عقوبة ، وعذابٌ في الإِصرار على الكفر بقتل الأنبياء ، وتكذيب الرُّسل { فعموا وصموا } عن الهدى فلم يعقلوه { ثمَّ تاب الله عليهم } بإرساله محمداً A داعياً إلى الصِّراط المستقيم { ثمَّ عموا وصموا كثيرٌ منهم } بعد تبيُّن الحقِّ لهم بمحمَّد عليه السَّلام { والله بصيرٌ بما يعملون } من قتل الأنبياء وتكذيب الرُّسل .","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"{ لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله ثالث ثلاثة } أَيْ : ثالث ثلاثةٍ من الآلهة ، والمعنى : أنَّهم قالوا : اللَّهُ واحدُ ثلاثةِ آلهة : هو ، والمسيح ، ومريم؛ فزعموا أنَّ الإِلهيَّة مشتركة بين هؤلاء الثلاثة ، فكفروا بذلك .","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"{ ما المسيحُ ابن مريم إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل } أَيْ : إنَّه رسولٌ ليس بإلهٍ ، كما أنَّ مَنْ قبله كانوا رسلاً { وأمه صديقة } صدَّقت بكلمات ربِّها وكتبه { كانا يأكلان الطعام } يريد : هما لحمٌ ودمٌ يأكلان ويشربان ، ويبولان ويتغوَّطان ، وهذه ليست من أوصاف الإِلهيَّة { انظر كيف نبيِّن لهم الآيات } نفسِّر لهم أمر ربوبيتي { ثم انظر أنى يؤفكون } يُصرفون عن الحقِّ الذي يؤدِّي إليه تدبُّر الآيات .\r { قل } للنَّصارى : { أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً } يعني : المسيح؛ لأنَّه لا يملك ذلك إلاَّ الله عزَّ وجلَّ { والله هو السميع } لكفركم { العليم } بضميركم .\r { قل يا أهل الكتاب } يعني : اليهود والنَّصارى { لا تغلوا في دينكم } لا تخرجوا عن الحدِّ في عيسى ، وغُلوُّ اليهود فيه بتكذيبهم إيَّاه ، ونسبته إلى أنَّه لغير رِشدة ، وغُلوُّ النصارى فيه ادِّعاؤهم الإِلهيَّة له ، قوله : { غير الحق } أَيْ : مخالفين للحق { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } يعني : رؤساءهم الذين مضوا من الفريقين : أَيْ : لا تتبعوا أسلافكم فيما ابتدعوه بأهوائهم { وضلوا عن سواء السبيل } عن قصد الطَّريق بإضلالهم الكثير .\r { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } يعني : أصحاب السَّبت ، وأصحاب المائدة { على لسان داود } لأنَّهم لمَّا اعتدوا قال داود عليه السَّلام : اللَّهم العنهم واجعلهم آيةً لخلقك ، فمسخوا قردة [ على لسان داود ] { وعيسى ابن مريم } عليه السَّلام؛ لأنَّه لعن مَنْ لم يؤمن من أصحاب المائدة ، فقال : اللهم العنهم كما لعنتَ السَّبت ، فمسخوا خنازير .\r { كانوا لا يتناهون } لا ينتهون { عن منكر فعلوه } .\r { ترى كثيراً منهم } من اليهود { يتولون الذين كفروا } كفَّار مكة { لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم } بئسما قدَّموا من العمل لمعادهم في الآخرة سُخطَ الله عليهم .","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"{ لتجدنَّ } يا محمد { أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } وذلك أنَّهم ظاهروا المشركين على المؤمنين حسداً للنبيِّ عليه السَّلام { ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } يعني : النَّجاشي ووفده الذين قدموا من الحبشة على رسول الله صلى الله وعليه وسلم وآمنوا به ، ولم يرد جميع النَّصارى { ذلك } [ يعني : قرب المودَّة ] { بأنَّ منهم قسيسين ورهباناً } أَيْ : علماء بوصاة عيسى بالإِيمان بمحمَّد عليه السَّلام { وأنهم لا يستكبرون } عن اتِّباع الحقِّ كما يستكبر اليهود وعبدة الأوثان .\r { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } يعني : النجاشيَّ وأصحابه ، قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة { كهعيص } فما زالوا يبكون ، وهو قوله : { ترى أعينهم تَفيضُ من الدمع ممَّا عرفوا من الحق } يريد : الذي نزل على محمَّد وهو الحقُّ { يقولون ربنا آمنا } وصدَّقنا { فاكتبنا مع الشاهدين } مع أمَّة محمَّد A الذين يشهدون بالحقِّ .\r { ومالنا لا نؤمن بالله } أَيْ : أيُّ شيءٍ لنا إذا تركنا الإِيمان بالله { وما جاءنا من الحق } أَيْ : القرآن { و } نحن { نطمع أن يدخلنا ربنا } الجنَّة مع أمَّة محمَّد عليه السَّلام . يعنون : أنَّهم لا شيء لهم إذا لم يؤمنوا بالقرآن ، ولا يتحقق طمعهم في دخول الجنَّة .","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"{ فأثابهم الله بما قالوا } يعني : بما سألوا الله من قولهم : { فاكتبنا مع الشاهدين } وقولهم : { ونطمع أن يدخلنا ربنا . . . } الآية . { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك } [ أي : الثَّواب ] { جزاء المحسنين } الموحِّدين ، ثمَّ ذكر الوعيد لمَنْ كفر من أهل الكتاب وغيرهم ، فقال : \r { والذين كفروا وكَذَّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم } .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحلَّ الله لكم } هم قومٌ من أصحاب النبيِّ A تعاهدوا أن يحرِّموا على أنفسهم المطاعم الطَّيِّبة ، وأن يصوموا النَّهار ويقوموا اللَّيل ، ويُخْصُوا أنفسهم فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وسمَّى الخِصاء اعتداءً ، فلمَّا نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله ، إنَّا كنَّا قد حلفنا على ذلك .","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } وفسَّرْنا هذا في سورة البقرة { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } وهو أن يقصد الأمر ، فيحلف بالله ويعقد عليه اليمين بالقلب متعمِّداً { فكفارته } إذا حنثتم { إطعام عشرة مساكين } لكلِّ مسكين مدٌّ ، وهو [ رطلٌ وثلث ، ] وهو قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } لأنَّ هذا القدر وسط في الشِّبع . وقيل : من خير ما تطعمون أهليكم ، كالحنطة والتمر { أو كسوتهم } وهو أقلُّ ما يقع عليه اسم الكسوة من إزارٍ ، ورداءٍ ، وقميصٍ { أو تحرير رقبة } يعني : مؤمنة ، والمُكفِّر في اليمين مُخيَّر بين هذه الثَّلاث { فمن لم يجد } يعني : لم يفضل من قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم عشرة مساكين { ف } عليه { صيام ثلاثة أيام } { واحفظوا أيمانكم } فلا تحلفوا ، واحفظوها عن الحنث .\r { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر } يعني : الأشربة التي تخمَّر حتى تشتدَّ وتُسْكِر { والميسر } القمار بجميع أنواعه { والأنصاب } الأوثان { والأزلام } قداح الاستقسام التي ذُكرت في أوَّل السُّورة { رجسٌ } قذرٌ قبيحٌ { من عمل الشيطان } ممَّا يسِّوله الشِّيطان لبني آدم { فاجتنبوه } كونوا جانباً منه .\r { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر } وذلك لما يحصل بين أهلها من العداوة والمقابح ، والإِقدام على ما يمنع منه العقل { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة } لأنَّ مَن اشتغل بهما منعاه عن ذكر الله والصَّلاة { فهل أنتم منتهون } [ استفهامٌ بمعنى الأمر ] قالوا : انتهينا ، ثمَّ أمر بالطَّاعة .","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"{ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا } المحارم والمناهي { فإن توليتم } عن الطَّاعة { فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } فليس عليه إلاَّ البلاغ ، فإن أطعتم وإلاَّ استحققتم العقاب ، فلمَّا نزل تحريم الخمر قالوا : يا رسول الله ، ما تقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربونها ، ويأكلون الميسر؟ فنزل : \r { ليس على الذين آمنوا وعلموا الصالحات جناح فيما طعموا } من الخمر والميسر قبل التحريم { إذا ما اتقوا } المعاصي والشِّرك { ثمَّ اتقوا } داموا على تقواهم { ثم اتقوا } ظلم العباد من ضمِّ الإِحسان إليه .\r { يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد } كان هذا عام الحديبية ، كانت الوحش والطيَّر تغشاهم في رحالهم كثيرة ، وهم مُحْرِمون ابتلاءً من الله تعالى . { تناله أيديكم } يعني : الفراخ والصِّغار { ورماحكم } يعني : الكبار { ليعلم الله } ليرى الله { مَنْ يخافه بالغيب } أَيْ : مَنْ يخاف الله ولم يره { فمن اعتدى } ظلم بأخذ الصَّيد { بعد ذلك } بعد النَّهي { فله عذابٌ إليم } .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } حرَّم الله قتل الصَّيد على المُحْرِم ، فليس له أن يتعرَّض للصَّيد بوجهٍ من الوجوه ما دام مُحرماً { ومَنْ قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم } أَيْ : فعليه جزاءٌ مماثل للمقتول من النَّعم في الخِلقة ، ففي النَّعامة بدنة ، وفي حمار الوحش بقرة ، وفي الضَّبع كبش ، على هذا التَّقدير { يحكم به ذوا عدل } يحكم في الصَّيد بالجزاء رجلان صالحان { منكم } من أهل [ ملَّتكم ] فينظران إلى أشبه الأشياء به من النَّعم ، فيحكمان به { هدياً بالغ الكعبة } أَيْ : إذا أتى مكة ذبحه ، وتصدَّق به { أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك } أَيْ : مثل ذلك { صياماً } والمُحرِم إذا قتل صيداً كان مخيَّراً؛ إن شاء جزاه بمثله من النَّعم؛ وإن شاء قوَّم المثل دراهم ، ثمَّ الدراهم طعاماً ، ثمَّ يتصَّدق به ، وإن شاء صام عن كلِّ مدٍّ يوماً { ليذوق وبال أمره } جزاء ما صنع { عفا الله عما سلف } قبل التَّحريم { ومن عاد فينتقم الله منه } مَنْ عاد إلى قتل الصَّيد مُحرماً حُكم عليه ثانياً ، وهو بصدد الوعيد { والله عزيز } منيع { ذو انتقام } من أهل معصيته .\r { أحلَّ لكم صيد البحر } ما أُصيب من داخله ، وهذا الإِحلالُ عامٌّ لكلِّ أحد مُحرِماً كان أو مُحِلاًّ { وطعامه } وهو ما نضب عنه الماء ولم يُصَد { متاعاً لكم وللسيارة } منفعة للمقيم والمسافر ، يبيعون ويتزوَّدون منه ، ثمَّ أعاد تحريم الصَّيد في حال الإِحرام ، فقال : { وحرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً واتقوا الله الذي إليه تحشرون } خافوا الله الذي إليه تبعثون .","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"{ جعل الله الكعبة البيت الحرام } يعني : البيت الذي حرَّم أن يصاد عنده ، ويختلى للحجِّ وقضاء النُّسك { والشهر الحرام } يعني : الأشهر الحرم ، فذكر بلفظ الجنس { والهدي والقلائد } ذكرناه في أولَّ السورة ، وهذه الجملة ذُكرت بعد ذكر البيت؛ لأنَّها من أسباب الحج فذكرت معه { ذلك } أَيْ : ذلك الذي أنبأتكم به في هذه السُّورة من أخبار الأنبياء ، وأحوال المنافقين واليهود ، وغير ذلك { لتعلموا أنَّ الله يعلم ما في السموات . . . } الآية . أَيْ : يدلُّكم ذلك على أن لا يخفى عليه شيء .","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"{ قل لا يستوي الخبيث والطيب } أَيْ : الحرام والحلال { ولو أعجبك كثرة الخبيث } وذلك أنَّ أهل الدُّنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدُّنيا .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم } نزلت حين \" سُئل النبيُّ حتى أحفوه بالمسألة ، فقام مُغضباً خطيباً ، وقال : لا تسألوني في مقامي هذا عن شيء إلاَّ أخبرتكموه ، فقام رجلٌ من بني سهم يُطعن في نسبه فقال : مَنْ أبي؟ فقال : أبوك حذافة ، وقام آخر فقال : أين أنا؟ فقال : في النَّار \" ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ونهاهم أن يسألوه عمَّا يُحزنهم جوابه وإبداؤه ، كسؤالِ مَنْ سأل عن موضعه ، فقال : في النَّار ، { وإن تسألوا عنها } أيْ : عن أشياء { حين ينزل القرآن } فيها { تُبدَ لكم } يعني : ما ينزل فيه القرآن من فرضٍ ، أو نهيٍ ، أو حكمٍ ، ومسَّت الحاجة إلى بيانه ، فإذا سالتم عنها حينئذٍ تبدى لكم . { عفا الله عنها } أَيْ : عن مسألتكم ممَّا كرهه النبيُّ A ولا حاجة بكم إلى بيانه . نهاهم أن يعودوا إلى مثل ذلك ، وأخبر أنَّه عفا عمَّا فعلوا { والله غفورٌ حليم } لا يعجل بالعقوبة ، ثمَّ أخبرهم عن حال مَنْ تكلَّف سؤال ما لم يُكلَّفوا .","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"{ قد سألها } أَي : الآيات { قومٌ من قبلكم . . . } الآية . يعني : قوم عيسى سألوا المائدة ثمَّ كفروا بها ، وقوم صالح سألوا النَّاقة ثمَّ عقروها .\r { ما جعل الله من بحيرة } أَيْ : ما أوجبها ولا أمر بها ، والبحيرة : النَّاقة إذا نُتجت خمسة أبطن شقُّوا أُذنها ، وامتنعوا من ركوبها وذبحها { ولا سائبة } هو ما كانوا يُسيبِّونه لآلهتهم في نذرٍ يلزمهم إنْ شفي مريض ، أو قضيت لهم حاجة { ولا وصيلة } كانت الشَّاة إذا ولدت أنثى فهي لهم ، وإن ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم ، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوا الذَّكر لآلهتهم { ولا حامٍ } إذا نُتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا : قد حمى ظهره ، فلم يُركب ولم يُنتفع ، وسيِّب لأصنامهم فلا يُحمل عليه { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } يتقوَّلون على الله الأباطيل في تحريم هذه الأنعام ، وهم جعلوها مُحرَّمة لا الله ، { وأكثرهم } يعني : أتباع رؤسائهم الذين سنُّوا لهم تحريم هذه الأنعام ، { لا يعقلون } أنَّ ذلك كذبٌ وافتراءٌ على الله من الرُّؤساء .\r { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله } في القرآن من تحليل ما حرَّمتم { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا } من الدِّين { أَوَلوْ كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون } مفسَّرة في سورة البقرة .\r { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } احفظوها من ملابسة المعاصي والإِصرار على الذّنوب { لا يضرُّكم مَنْ ضلَّ } من أهل الكتاب { إذا اهتديتم } أنتم { إلى الله مرجعكم جميعاً } مصيركم ومصير مَنْ خالفكم ، { فينبئكم بما كنتم تعملون } يُجازيكم بأعمالكم .","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } نزلت هذه الآيات في قصّة تميمٍ وعديٍّ وبُديلٍ ، خرجوا تجاراً إلى الشَّام ، فمرض بُديل ودفع إليهما متاعه ، وأَوصى إليهما أن يدفعاه إلى أهله إذا رجعا ، فأخذا من متاعه إناءً من فِضَّة ، وردَّا الباقي إلى أهله فعلموا بخيانتهما ورفعوهما إلى رسول الله A ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات ، ومعنى الآية : ليشهدكم { إذا حضر أحدكم الموت } وأردتم الوصية { اثنان ذوا عدل منكم } من أهل ملَّتكم تشهدونهما على الوصية { أو آخران من غيركم } من غير دينكم إذا { ضربتم } سافرتم { في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت } علم الله أنَّ من النَّاس مَنْ يسافر فيصحبُهُ في سفره أهل الكتاب دون المسلمين ، ويحضره الموت فلا يجد مَنْ يُشهده على وصيته من المسلمين ، فقال : { أو آخران من غيركم } فالذِّميان في السَّفر [ خاصَّة ] إذا لم يوجد غيرهما [ تُقبل شهادتهما في ذلك ] ، وقوله : { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتُمْ لا نشتري به ثمناً } أَيْ : أن ارتبتم في شهادتهما وشككتم ، وخشيتم أن يكونا قد خانا حبستموهما على اليمين بعد صلاة العصر ، فيحلفان بالله ويقولان في يمينهما : لا نبيع الله بعرضٍ من الدُّنيا ، ولا نُحابي أحداً في شهادتنا { ولو كان ذا قربى } ولو كان المشهود له ذا قربى { ولا نكتم شهادة الله } أَيْ : الشَّهادة التي أمر الله بإقامتها { إنا إذاً لمن الآثمين } إنْ كتمناها ، ولمًّا رفعوهما إلى رسول الله A ونزلت هذه الآية أمر رسول الله A أن يستحلفوهما ، وذلك أنَّهما كانا نصرانيين ، وبُديل كان مسلماً ، فحلفا أنَّهما ما قبضا غير ما دفعا إلى الورثة ، ولا كتما شيئاً ، وخلَّى سبيلهما ثمَّ اطُّلِع على الإِناء في أيديهما ، فقالا : اشتريناه منه ، فارتفعوا إلى النبيِّ A فنزل قوله : \r { فإن عثر } أَيْ : ظهر واطلع { على أنهما استحقا إثماً } أَيْ : استوجباه بالخيانة والحنث في اليمين { فآخران يقومان مقامهما } من الورثة ، وهم الذين { استحق عليهم } أَيْ : استحق عليهم الوصية ، أو الإِيصاء ، وذلك أنَّ الوصية تستحق على الورثة { الأوليان } بالميت ، أَيْ : الأقربان إليه ، والمعنى : قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت ، فيحلفان بالله : لقد ظهرنا على خيانة الذِّميِّيْن وكذبهما وتبديلهما ، وهو قوله : { فيقسمان بالله لشهادتنا أحقٌّ من شهادتهما } أَيْ : يميننا أحقُّ من يمينهما { وما اعتدينا } فيما قلنا ، فلمَّا نزلت هذه الآية قام اثنان من ورثة الميِّت فحلفا بالله أنَّهما خانا وكذبا ، فدفع الإناء إلى أولياء الميت .\r { ذلك } أَيْ : ما حَكم به في هذه القصَّة ، وبيَّنه من ردِّ اليمين { أدنى } إلى الإِتيان بالشَّهادة على ما كانت { أو يخافوا } أَيْ : أقرب إلى أن يخافوا { أن ترد أيمان } على أولياء الميِّت بعد أيمان الأوصياء ، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا { واتقوا الله } أن تحلفوا أيماناً كاذبةً ، أو تخونوا أمانةً { واسمعوا } الموعظة { والله لا يهدي القوم الفاسقين } لا يرشد مَنْ كان على معصيته .","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"{ يوم يجمع الله الرسل } أَيْ : اذكروا ذلك اليوم { فيقول } لهم : { ماذا أُجِبْتُمْ } ما أجابكم قومكم في التَّوحيد؟ { قالوا لا علم لنا } من هول ذلك اليوم يذهلون عن الجواب ، ثمَّ يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم ، فيشهدون لمن صدَّقهم ، وعلى مَنْ كذَّبهم .\r { إذ قال الله يا عيسى ابن مريم } مضى تفسير الآية إلى قوله : { وإذ كففت بني إسرائيل عنك } أَيْ : عن قتلك .\r { وإذ أوحيت إلى الحواريين } أَيْ : ألهمتهم .\r { إذ قال الحواريون يا عيسى ابنَ مريم هل يستطيع ربك } لم يشكُّوا في قدرته ، ولكنْ معناه ، هل يقبل ربُّك دعاءَك ، وهل يسهل لك إنزال مائدة علينا من السَّماء ، عَلَماً لك ودلالةً على صدقك؟ فقال عيسى : { اتقوا الله } أن تسألوه شيئاً لم تسأله الأمم من قبلكم .\r { قالوا : نريد أن نأكل منها } أَيْ : نريد السُّؤال من أجل هذا { وتطمئن قلوبنا } نزداد يقيناً بصدقك { ونكون عليها من الشاهدين } لله بالتَّوحيد ، ولك بالنُّبوة . وقوله : \r { تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا } أَيْ : نتّخذ اليوم الذي تنزل فيه عيداً نُعظِّمه نحن ومَنْ يأتي بعدنا { وآيةً منك } دلالةً على توحيدك وصدق نبيِّك { وارزقنا } عليها طعاماً نأكله ، وقوله : \r { فمن يكفر بعد منكم } أَيْ : بعد إنزال المائدة { فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين } أراد : جنساً من العذاب لا يُعذَّب به غيرهم من عالمي زمانهم .\r { وإذْ قال الله يا عيسى ابن مريم } واذكر يا مُحمَّدُ حين يقول الله تعالى يوم القيامة لعيسى : { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمِّي إلهين من دون الله } هذا استفهامٌ معناه التُّوبيخ لمن ادَّعى ذلك على المسيح؛ ليكِّذبهم المسيح ، فتقوم عليهم الحجَّة { قال سبحانك } أَيْ : براءتك من السُّوء . { تعلم ما في نفسي } أَيْ : ما في سرِّي وما أضمره { ولا علم ما في نفسك } أَيْ : ما تخفيه أنت ، وما عندك علمه ولم تُطلعنا عليه .","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"{ وكنتُ عليهم شهيداً } أَيْ : كنت أشهد على ما يفعلون ما كنتُ مقيماً فيهم { فلما توفيتني } [ يعني : رفعتني ] إلى السَّماء { كنت أنت الرقيب } الحفيظ { عليهم وأنت على كلِّ شيء شهيد } أَيْ : شهدت مقالتي فيهم ، وبعد ما رفعتني شهدتَ ما يقولون من بعدي .\r { إن تعذبهم } أَيْ : من كفر بك { فإنهم عبادك } وأنت العادل فيهم { وإن تغفر لهم } أَيْ : مَنْ تاب منهم وآمن فأنت عزيرٌ لا يمتنع عليك ما تريد ، حيكمٌ في ذلك .\r { قال الله : هذا يوم } يعني : يوم القيامة { ينفع الصادقين } في الدُّنيا { صدقهم } لأنَّه يوم الإِثابة والجزاء { Bهم } بطاعته { ورضوا عنه } بثوابه { ذلك الفوز العظيم } لأنهم فازوا بالجنَّة .\r { لله ملك السموات والأرض } عظَّم نفسه عمَّا قالت النصارى : إنَّ معه إلهاً .","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"{ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور } وخلق اللَّيل والنَّهار { ثمًّ الذين كفروا } بعد قيام الدَّليل على وحدانيَّته بما ذكر من خلقه { بربهم يعدلون } الحجارةَ والأصنام فيعبدونها معه .\r { هو الذي خلقكم من طين } يعني : آدم أبا البشر { ثمَّ قضى أجلاً } يعني : أجل الحياة إلى الموت { وأجل مسمى عنده } من الممات إلى البعث { ثم أنتم } أيُّها المشركون بعد هذا { تمترون } تشكُّون وتكذِّبون بالبعث . يريد : إنَّ الذي ابتدأ الخلق قادرٌ على إعادته .\r { وهو الله } أَي : المعبود المعظَّم المتفرِّد بالتَّدبير { في السموات وفي الأرض } .\r { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم } الدَّالَّة على وحدانيَّته ، كما ذكر من خلق آدم ، وخلق اللَّيل والنَّهار { إلاَّ كانوا عنها معرضين } تاركين التًّفكُّر فيها .","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"{ فقد كذبوا } يعني : مشركي أهل مكة { بالحق لما جاءهم } يعني : القرآن { فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } أَيْ : أخبار استهزائهم وجزاؤه .\r { ألم يروا } يعني : هؤلاء الكفَّار { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } من جيلٍ وأمَّةٍ { مكنَّاهم في الأرض ما لم نمكِّن لكم } أعطيناهم من المال والعبيد والأنعام ما لم نُعطكم { وأرسلنا السماء } المطر { عليهم مدراراً } كثير الدَّرِّ ، وهو إقباله ونزوله بكثرة { فأهلكناهم بذنوبهم } بكفرهم { وأنشأنا } أوجدنا { من بعدهم قرناً آخرين } وهذا احتجاجٌ على منكري البعث .\r { ولو نزلنا عليك . . . } الآية . قال مشركو مكَّة : لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من السَّماء [ جملةً واحدةً ] مُعانيةً ، فقال الله : { ولو نزلنا عليك كتاباً } أَيْ : مكتوباً { في قرطاس } يعني : الصَّحيفة { فلمسوه بأيديهم } فعاينوا ذلك مُعاينةً ، ومسُّوه بأيديهم { لقال الذين كفروا إن هذا إلاَّ سحر مبين } أخبر الله تعالى أنَّهم يدفعون الدَّليل حتى لو رأوا الكتاب ينزل من السَّماء لقالوا : سحر .\r { وقالوا : لولا أنزل عليه ملك } طلبوا ملكاً يرونه يشهد له بالرِّسالة ، فقال الله عزَّ وجلَّ : { ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر } لأُهلكوا بعذاب الاستئصال ، كسُنَّة مَنْ قبلهم ممَّن طلبوا الآيات فلم يؤمنوا { ثم لا ينظرون } لا يُمهلون لتوبةٍ ولا لغير ذلك .","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"{ ولو جعلناه ملكاً } أيْ : ولو جعلنا الرَّسول الذي ينزل عليهم ليشهدوا له بالرِّسالة مَلَكاً كما يطلبون { لجعلناه رجلاً } لأنَّهم لا يستطيعون أن يروا المَلَك في صورته ، لأنَّ أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة ، ولذلك كان جبريل عليه السَّلام يأتي رسول الله A في صورة دحية الكلبيِّ { وللبسنا عليهم ما يلبسون } ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكُّوا فلا يدروا أمَلَكٌ هو أم آدميٌّ ، أَيْ : فإنَّما طلبوا حال لبسٍ لا حال بيانٍ ، ثمَّ عزَّى الله نبيَّه عليه السَّلام بقوله : \r { ولقد استهزىء برسل من قبلك } وكُذِّبوا ونُسبوا إلى السّحر { فحاق } فحلَّ ونزل { بالذين سخروا } من الرُّسل { ما كانوا به يستهزئون } من العذاب وينكرون وقوعه .\r { قل } لهم يا محمَّدُ : { سيروا في الأرض } سافروا في الأرض { ثم انظروا } فاعتبروا { كيف كان عاقبة } مُكذِّبي الرُّسل : يعني : إذا سافروا رأوا آثار الأمم الخالية المهلكة ، يحذِّرهم مثلَ ما وقع بهم .\r { قل لمن ما في السموات والأرض } فإن أجابوك وإلاَّ { قل لله كتب على نفسه الرحمة } أوجب على نفسه الرَّحمة ، وهذا تلطُّفٌ في الاستدعاء إلى الإنابة { ليجمعنَّكم } أَيْ : والله ليجمعنَّكم { إلى يوم القيامة } أَيْ : ليضمنَّكم إلى هذا اليوم الذي أنكرتموه ، وليجمعنَّ بينكم وبينه ، ثمَّ ابتدأ فقال : { الذين خسروا أنفسهم } أهلكوها بالشِّرك { فهم لا يؤمنون } .\r { وله ما سكن في الليل والنهار } أَيْ : ما حلَّ فيهما ، واشتملا عليه . يعني : جميع المخلوقات .","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"{ قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض } خالقهما ابتداءً { وهو يطعم ولا يطعم } يَرزق ولا يُرزق .","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"{ من يصرف عنه } أَي : العذاب { يومئذ } يوم القيامة { فقد رحمه } فقد أوجب الله له الرَّحمة لا محالة .\r { وإن يمسسك الله بضر . . . } الآية . أيْ : إنْ جعل الضُّرَّ وهو المرض والفقر يمسُّك .\r { وهو القاهر } القادر الذي لا يعجزه شيء { فوق عباده } أَيْ : إنَّ قهره قد استعلى عليهم ، فهم تحت التَّسخير .\r { قل أي شيء أكبر شهادة } قال أهل مكة للنبيِّ A : ائتنا بمَنْ يشهد لك بالنُّبوَّة ، فإنَّ أهل الكتاب ينكرونك ، فنزلت هذه الآية ، أمر الله تعالى محمداً عليه السَّلام أن يسألهم ، ثمَّ أمر أن يخبرهم فيقول : { الله شهيد بيني وبينكم } أَي : الله الذي اعترفتم بأنَّه خالق السَّموات والأرض ، والظُّلمات والنُّور يشهد لي بالنُّبوَّة بإقامة البراهين ، وإنزال القرآن عليَّ . { وأوحي إلي هذا القرآن } المُعجز بلفظه ونظمه وأخباره ، عمَّا كان ويكون { لأنذركم } لأخوِّفكم { به } عقاب الله على الكفر { ومَنْ بلغ } يعني : ومَنْ بلغه القرآن من بعدكم ، فكلُّ مَنْ بلغه القرآن فكأنَّما رأى محمداً عليه السَّلام . قل : { أإنكم لتشهدون أنَّ مع الله آلهة أخرى } استفهام معناه الجحد والإِنكار { قل لا أشهد . . . } الآية .\r { الذين آتيناهم الكتاب } مفسَّرة في سورة البقرة .\r { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً } أَيْ : لا أحد أظلم ممَّن اختلق على الله كذباً . يعني : الذين ذكرهم في قوله : { وإذا فعلوا فاحشة . . . } الآية . { أو كذَّب بآياته } بالقرآن وبمحمد عليه السَّلام { إنَّه لا يفلح الظالمون } لا يسعد مَنْ جحد ربوبيَّة ربِّه ، وكذَّب رسله ، وهم الذين ظلموا أنفسهم بإهلاكها بالعذاب .\r { ويوم } واذكروا يوم { نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم } أصنامكم وآلهتكم { الذين كنتم تزعمون } أنَّها تشفع لكم ، وهذا سؤال توبيخ .\r { ثم لم تكن فتنتهم } أَيْ : لم تكن عاقبة افتتانهم بالأوثان وحبِّهم لها { إلاَّ أن } تبرَّؤوا منها ف { قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } .\r { انظر } يا محمد { كيف كذبوا على أنفسهم } بجحد شركهم في الآخرة { وضلَّ } وكيف ضلَّ ذلك : زال وبطل { عنهم ما كانوا يفترون } بعبادته من الأصنام .","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"{ ومنهم } ومن الكفَّار { من يستمع إليك } إذا قرأت القرآن { وجعلنا على قلوبهم أكنَّة } أغطيةً { أن يفقهوهُ } لئلا يفهموه ، ولا يعلموا الحقَّ { وفي آذانهم وقراً } ثِقلاً وصمماً ، فلا يعون منه شيئاً ، ولا ينتفعون به { وإن يروا كلَّ آية } علامةٍ تدلُّ على صدقك { لا يؤمنوا بها } هذا حالهم في البعد عن الإِيمان { حتى إذا جاؤوك يجادلونك } [ مخاصمين معك في الدِّين ] { يقول الذين كفروا } مَنْ كفر منهم : { إن هذا } ما هذا { إلاَّ أساطير الأوَّلين } أحاديث الأمم المتقدمة التي كانوا يسطرونها في كتبهم .\r { وهم ينهون } النَّاس عن اتَّباع محمد { وينأون } ويتباعدون { عنه } فلا يؤمنون به { وإنْ } وما { يهلكون إلاَّ أنفسهم } بتماديهم في معصية الله تعالى { وما يشعرون } وما يعلمون ذلك .\r { ولو ترى } يا محمد { إذ وقفوا على النار } أَيْ : حُبسوا على الصِّراط فوق النَّار ، { فقالوا يا ليتنا نرد } تمنَّوا أن يردُّوا إلى الدُّنيا فيؤمنوا ، وهو قوله : { ولا نكذب } أَيْ : ونحن لا نكذِّب { بآيات ربنا } بعد المعاينة { ونكون من المؤمنين } ضمنوا أنْ لا يُكذِّبوا ويؤمنوا ، فقال الله تعالى : \r { بل } ليس الأمر على ما تمنَّوا في الردِّ { بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } وهو أنَّهم أنكروا شركهم ، فأنطق الله سبحانه جوارحهم حتى شهدت عليهم بالكفر ، والمعنى : ظهرت فضيحتهم في الآخرة ، وتهتكت أستارهم { ولو ردوا لعادوا لما نهوا } إلى ما نُهوا { عنه } من الشِّرك ، للقضاء السَّابق فيهم بذلك ، وأنَّهم خلقوا للشَّقاوة { وإنهم لكاذبون } في قولهم : { ولا نكذِّب بآيات ربنا } .\r { وقالوا } يعني : الكفار : { إن هي إلاَّ حياتنا الدنيا . . . } الآية . أنكروا البعث .\r { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } عرفوا ربَّهم ضرورة . وقيل : وقفوا على مسألة ربِّهم وتوبيخه إيَّاهم ، ويؤكِّد هذا قوله : { أليس هذا بالحق } أَيْ : هذا البعث ، فيقرُّون حين لا ينفعهم ذلك ، ويقولون : { بلى وربنا } فيقول الله تعالى : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } بكفركم .\r { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } بالبعث والمصير إلى الله { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } فجأة { قالوا يا حسرتنا على ما فرَّطنا فيها } قصَّرنا وضيَّعنا عمل الآخرة في الدُّنيا { وهم يحملون أوزارهم } أثقالهم وآثامهم { على ظهورهم } وذلك أنَّ الكافر إذا خرج من قبره استقبله عمله أقبح شيءٍ صورةً ، وأخبثه ريحاً ، فيقول : أنا عملك السَّيِّىء طال ما ركبتني في الدُّنيا ، فأنا أركبك اليوم . { ألا ساء ما يزرون } بئس الحمل ما حملوا .\r { وما الحياة الدنيا إلاَّ لعبٌ ولهو } لأنَّها تفنى وتنقضي كاللَّهو واللَّعب ، تكون لذَّةً فانيةً عن قريبٍ { وللدار الآخرة } الجنَّة { خير للذين يتقون } الشِّرك { أفلا تعقلون } أنَّها كذلك ، فلا تَفْتُروا في العمل لها ، ثمَّ عزَّى نبيَّه A على تكذيب قريش إيَّاه .","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"{ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } في العلانيَة : إنَّك كذَّابٌ ومُفترٍ { فإنهم لا يكذبونك } في السرِّ قد علموا صدقك { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } بالقرآن بعد المعرفة . نزلت في المعاندين الذين تركوا الانقياد للحقِّ ، كما قال عزَّ وجلَّ : { وجحدوا بها واستيقنّتْها أنفسهم . . . } الآية .\r { ولقد كذِّبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا } رجاء ثوابي { وأوذوا } حتى نشروا بالمناشير ، وحرِّقوا بالنَّار { حتى أتاهم نصرنا } معونتنا إيَّاهم بإهلاكِ مَنْ كذَّبهم { ولا مبدل لكلمات الله } لا ناقِضَ لحكمه ، وقد حكم بنصر الأنبياء في قوله : { كتب الله لأغلبنَّ أنا ورسلي } { ولقد جاءك من نبأ المرسلين } أَيْ : خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ودَمَّرنا قومهم .\r { وإن كان كبر } عَظُمَ وثَقُل { عليك إعراضهم } عن الإيمان بك وبالقرآن ، وذلك أنَّ النبيَّ A كان يحرص على إيمان قومه ، فكانوا إذا سألوه آيةً أحبًّ أن يريهم ذلك طمعاً في إيمانهم ، فقال الله عزَّ وجلَّ : { فإن استطعت أن تبتغي } تطلب { نفقاً } سرباً { في الأرض أو سلماً } مصعداً { في السماء فتأتيهم بآية } فافعل ذلك ، والمعنى : أنَّك بشرٌ لا تقدر على الإِتيان بالآيات ، فلا سبيل لك إلاَّ الصَّبر حتى يحكم الله { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } أَيْ : إنَّما تركوا الإِيمان لسابق قضائي فيهم ، لو شئت لاجتمعوا على الإِيمان { فلا تكوننَّ من الجاهلين } بأنّه يؤمن بك بعضهم دون بعض ، وأنَّهم لا يجتمعون على الهدى ، وغلَّظ الجواب زجراً لهم عن هذه الحال .","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"{ إنما يستجيب } أَيْ : يُجيبك إلى الإيمان { الذين يسمعون } وهم المؤمنون الذين يستمعون الذِّكر ، فيقبلونه وينتفعون به ، والكافر الذي ختم الله على سمعه كيف يصغى إلى الحقِّ!؟ { والموتى } يعني : كفَّار مكة { يبعثهم الله ثمَّ إليه يرجعون } يردُّون فيجازيهم بأعمالهم .\r { وقالوا } يعني : رؤساء قريش { لولا } هلاَّ { نُزِّلَ عليه آية من ربه } يعنون : نزول ملك يشهد له بالنُّبوَّة { قل إنَّ الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون } ما عليهم في ذلك من البلاء ، وهو ما ذكرناه في قوله : { ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر } { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } يعني : جميع الحيوانات؛ لأنَّها لا تخلو من هاتين الحالتين { إلاَّ أمم أمثالكم } أصناف مصنَّفة تُعرف بأسمائها ، فكلُّ جنس من البهائم أُمَّةٌ ، كالطَّير ، والظِّباء ، والذُّباب ، والأُسود ، وكلُّ صنفٍ من الحيوان أُمَّةٌ مثل بني آدم يعرفون بالإِنس { ما فرَّطنا في الكتاب من شيء } ما تركنا في الكتاب من شيءٍ بالعباد إليه حاجةٌ إلاَّ وقد بيَّناه؛ إمَّا نصّاً؛ وإمَّا دلالة؛ وإمَّا مجملاً؛ وإمَّا مفصَّلاً كقوله : { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكلِّ شيء } أَيْ : لكلِّ شيءٍ يُحتاج إليه من أمر الدِّين { ثم إلى ربهم } أَيْ : هذه الأمم { يحشرون } للحساب والجزاء .","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"{ والذين كذَّبوا بآياتنا } بما جاء به محمَّد عليه السَّلام { صمٌّ } عن القرآن لا يسمعونه سماع انتفاع { وبكم } عن القرآن لا ينطقون به ، ثمَّ أخبر أنَّهم بمشيئته صاروا كذلك ، فقال : { من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراطٍ مستقيم } .\r { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين بالله { أرأيتكم } معناه : أخبروني { إن أتاكم عذاب الله } يريد : الموت { أو أتتكم الساعة } القيامة { أغير الله تدعون } أَيْ : أتدعون هذه الأصنام والأحجار التي عبدتموها من دون الله { إن كنتم صادقين } جوابٌ لقوله : { أرأيتكم } لأنَّه بمعنى أخبروني ، كأنَّه قيل : إنْ كنتم صادقين أخبروا مَنْ تدعون عند نزول البلاء بكم .\r { بل } أَيْ : لا تدعون غيره { إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه } أَيْ : يكشف الضُّرَّ الذي من أجله دعوتموه { إن شاء وتنسون } وتتركون { ما تشركون } به من الأصنام فلا تدعونه .\r { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } رسلاً فكفروا بهم { فأخذناهم بالبأساء } وهو شدَّة الفقر { والضرَّاء } الأوجاع والأمراض { لعلهم يتضرعون } لكي يتذللَّوا ويتخشعوا .\r { فلولا } فهلاَّ { إذ جاءهم بأسنا } عذابنا { تضرعوا } تذلَّلوا ، والمعنى : لم يتضرعوا { ولكن قست قلوبهم } فأقاموا على كفرهم { وزيَّن لهم الشيطان } الضَّلالة التي هم عليها ، فأصروا .","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"{ فلما نسوا ما ذكروا به } تركوا ما وُعظوا به { فتحنا عليهم أبواب كلِّ شيء } من النِّعمة والسُّرور بعد الضُّرِّ الذي كانوا فيه { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم } في حال فرحهم؛ ليكون أشدَّ لتحسُّرهم { بغتةً فإذا هم مبلسون } آيسون من كلِّ خير .\r { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أنفسهم أَيْ : غابرهم الذي يتخلَّف في آخر القوم ، والمعنى : استؤصلوا بالهلاك فلم يبق منهم باقية { والحمد لله رب العالمين } على نصر الرُّسل ، وإهلاك الظَّالمين .\r { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } أَيْ : أَصمَّكم وأعماكم { وختم على قلوبكم } حتى لا تعرفوا شيئاً . يعني : أذهب هذه الأعضاء عنكم أصلاً { مَنْ إله غير الله يأتيكم به } أَيْ : بما أخذ عنكم { انظر كيف نصرِّف } نبيِّن لهم في القرآن { الآيات ثم هم يصدفون } يعرضون عمَّا ظهر لهم .\r { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة } ليلاً أو نهاراً { هل يهلك إلاَّ القوم الظالمون } الذين جعلوا لله شركاء .","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"{ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله } التي منها يرزق ويعطي { ولا أعلم الغيب } فأخبركم بعاقبة ما تصيرون إليه { ولا أقول لكم إني ملك } أشاهد من أمر الله ما لا يشاهده البشر { إن أتبع إلاَّ ما يوحى إلي } أَيْ : ما أخبركم إلاَّ بما أنزل الله عليَّ { قل هل يستوي الأعمى والبصير } الكافر والمؤمن { أفلا تتفكرون } أَنَّهما لا يستويان .\r { وأنذر به } خوِّف بالقرآن { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } يريد : المؤمنين ، يخافون يوم القيامة ، وما فيها من الأهوال { ليس لهم من دونه وليّ ولا شفيع } يعني : إنَّ الشفاعة إنَّما تكون بإذنه ، ولا شفيعٌ ولا ناصرٌ لأحدٍ في القيامة إلاَّ بإذن الله { لعلهم يتقون } كي يخافوا في الآخرة وينتهوا عمَّا نهيتهم .\r { ولا تطرد الذين يدعون ربهم . . . } الآية . نزلت في فقراء المؤمنين لمَّا قال رؤساء الكفَّار للنبيِّ A : نَحِّ هؤلاء عنك لنجالسك ونؤمن بك . ومعنى : { يدعون ربهم بالغداة والعشي } يعبدون الله بالصَّلوات المكتوبة . { يريدون وجهه } يطلبون ثواب الله { ما عليك من حسابهم } من رزقهم { من شيء } فَتَمَلُّهم وتطردهم { وما من حسابك عليهم من شيء } أَيْ : ليس رزقك عليهم ، ولا رزقهم عليك ، وإنَّما يرزقك وإيَّاهم الله الرَّازق ، فدعهم يدنوا منك ولا تطردهم { فتكون من الظالمين } لهم بطردهم .\r { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } ابتلينا الغنيّ بالفقير ، والشَّريف بالوضيع { ليقولوا } يعني : الرُّؤساء { أهؤلاء } الفقراء والضُّعفاء { منَّ الله عليهم من بيننا } أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلةٍ ، أو خصُّوا بنعمةٍ ، فقال الله تعالى : { أليس الله بأعلم بالشاكرين } أيْ : إنَّما يهدي إلى دينه مَنْ يعلم أنَّه يشكر .","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"{ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } يعني : الصَّحابة وهؤلاء الفقراء { فقل سلام عليكم } [ سلّم عليهم ] بتحيَّة المسلمين { كتب ربكم على نفسه الرحمة } أوجب الله لكم الرَّحمة إيجاباً مُؤكَّداً { أنه من عمل منكم سوءاً بجالهة } يريد : إنَّ ذنوبكم جهلٌ ليس بكفرٍ ولا جحود ، لأنَّ العاصي جاهلٌ بمقدار العذاب في معصيته { ثم تاب من بعده } رجع عن ذنبه { وأصلح } عمله { فأنَّه غفور رحيم } .\r { وكذلك } وكما بينَّا لك في هذه السُّورة دلائلنا على المشركين { نفصل } نبيِّن لك حجَّتنا وأدلتنا ، ليظهر الحقُّ ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين في شركهم بالله في الدُّنيا ، وما يصيرون إليه من الخزي يوم القيامة بإخباري إيَّاك .\r { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } الأصنام التي يعبدونها من دون الله { قل لا أتبع أهواءكم } أَيْ : إنَّما عبدتموها على طريق الهوى لا على طريق البرهان ، فلا أتَّبعكم على هواكم { قد ضللت إذاً } إنْ أنا فعلت ذلك { وما أنا من المهتدين } الذين سلكوا سبيل الهدى .\r { قل إني على بينة } يقينٍ وأمرٍ بيِّنٍ { من ربي } لا مُتَّبع لهوىً { وكذبتم به } أَيْ : بربِّي { ما عندي ما تستعجلون به } يعني : العذاب أو الآيات التي اقترحتموها ، ثمَّ أعلم أنَّ ذلك عنده ، فقال : { إن الحكم إلاَّ لله يقص الحق } أَيْ : يقول [ القصص ] الحقّ . ومَنْ قرأ : { يقضي الحق } فمعناه : يقضي القضاء الحق { وهو خير الفاصلين } الذين يفصلون بين الحقِّ والباطل .\r { قل لو أنَّ عندي ما تستعجلون به } من العذاب لعجَّلت لكم ، ولا نفصل ما بيني وبينكم بتعجيل العقوبة ، وهو معنى قوله : { لَقُضِيَ الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين } هو أعلم بوقت عقوبتهم ، فهو يؤخِّرهم إلى وقته ، وأنا لا أعلم ذلك . قوله : \r { وعنده مفاتح الغيب } خزائن ما غاب عن بني آدم من الرِّزق ، والمطر ، ونزول العذاب ، والثَّواب ، والعقاب { لا يعلمها إلاَّ هو ويعلم ما في البر } القفار { والبحر } كلُّ قرية فيها ماءٌ؛ لا يحدث فيهما شيء إلاَّ بعلم الله { وما تسقط من ورقة إلاَّ يعلمها } ساقطة ، وقبل أنْ سقطت { ولا حبة في ظلمات الأرض } في الثرى تحت الأرض { ولا رطب } وهو ما ينبت { ولا يابس } وهو ما لا ينبت { إلاَّ في كتاب مبين } أثبت الله ذلك كلَّه في كتابٍ قبل أن يخلق الخلق .","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"{ وهو الذي يتوفاكم بالليل } يقبض أرواحكم في منامكم { ويعلم ما جرحتم } ما كسبتم من العمل { بالنهار ثمَّ يبعثكم فيه } يردُّ إليكم أرواحكم في النَّهار { ليقضى أجل مسمى } يعني : أجل الحياة إلى الموت ، أَيْ : لتستوفوا أعماركم المكتوبة .\r { وهو القاهر فوق عباده } مضى هذا { ويرسل عليكم حفظة } من الملائكة يحصون أعمالكم { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } أعوان ملك الموت { وهم لا يفرطون } لا يعجزون ولا يُضيِّعون .\r { ثم ردوا } يعني : العباد . يُردُّون بالموت { إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم } أَي : القضاء فيهم { وهو أسرع الحاسبين } أقدر المجازين .\r { قل من ينجيكم } سؤال توبيخٍ وتقريرٍ . أَيْ : إنَّ الله يفعل ذلك { من ظلمات البر والبحر } أهوالهما وشدائدهما { تدعونه تضرعاً وخفية } علانيَةً وسرَّاً { لئن أنجانا من هذه } أَيْ : من هذه الشَّدائد { لنكوننَّ من الشاكرين } من المؤمنين الطَّائعين ، وكانت قريش تسافر في البر والبحر ، فإذا ضلُّوا الطَّريق وخافوا الهلاك دعوا الله مخلصين فأنجاهم ، وهو قوله : \r { قل الله ينجيكم منها . . . } الآية . أعلم الله سبحانه أنَّ الله الذي دعوه هو ينجِّيهم ، ثمَّ هم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنَّها من صَنعتهم ، وأنَّها لا تضرُّ ولا تنفع . والكرب أشدُّ الغمِّ ، ثمَّ أخبر أنَّه قادر على تعذيبهم .","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"{ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم } كالصَّيحة ، والحجارة ، والماء { أو من تحت أرجلكم } كالخسف والزَّلزلة { أو يلبسكم شيعاً } يخلطكم فرقاً بأن يبثَّ فيكم الأهواء المختلفة ، فتخالفون وتقاتلون ، وهو معنى قوله : { ويذيق بعضكم بأس بعض . انظر كيف نصرِّف } نُبيِّن لهم { الآيات } في القرآن { لعلهم يفقهون } لكي يعلموا .\r { وكذَّب به } بالقرآن { قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل } [ بمسلَّط ] أَيْ : إنَّما أدعوكم إلى الله ، ولم أُومر بحربكم ، ولا أَخْذكم بالإِيمان ، وهذا منسوخٌ بآية القتال .\r { لكلِّ نبأ مستقر } لكلِّ خبرٍ يخبره الله وقتٌ ومكانٌ يقع فيه من غير خلف { وسوف تعلمون } ما كان منه في الدُّنيا فستعرفونه ، وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لكم . يعني : العذاب الذي كان يعدهم في الدُّنيا والآخرة .\r { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } بالتَّكذيب والاستهزاء { فأعرض عنهم } أمر الله تعالى رسوله عليه السَّلام فقال : إذا رأيت المشركين يُكذِّبون بالقرآن ، وبك ، ويستهزئون فاترك مجالستهم { حتى يخوضوا في حديث غيره } حتى يكون خوضهم في غير القرآن { وإمَّا ينسينَّك الشيطان } إنْ نسيت فقعدت { فلا تقعد بعد الذكرى } فقم إذا ذكرت ، فقال المسلمون : لئن كنَّا كلَّما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم ، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ، وأن نطوف بالبيت ، فرخَّص للمؤمنين في القعود معهم يُذكِّرونهم فقال : \r { وما على الذين يتقون } الشِّرك والكبائر { من حسابهم } آثامهم { من شيء ولكن ذكرى } يقول : ذكِّروهم بالقرآن وبمحمَّد ، فرخَّص لهم بالقعود بشرط التَّذكير والموعظة { لعلَّهم يتقون } لِيُرجى منهم التَّقوى .","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"{ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً } يعني : الكفَّار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها { وذكِّر به } وعِظْ بالقرآن { أن تبسل نَفْسٌ بما كسبت } تُسلم للهلكة ، وتحبس في جهَّنم فلا تقدر على التَّخلص ، ومعنى الآية : وذكرِّهم بالقرآن إسلام الجانين بجناياتهم لعلَّهم يخافون فيتَّقون { وإن تعدل كل عدل } يعني : النَّفس المُبسلة . تفدِ كلَّ فداء . يعني : تفدِ بالدُّنيا وما فيها { لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } أُسْلِموا للهلاك { لهم شرابٌ من حميم } وهو الماء الحارُّ .\r { قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } أنعبد ما لا يملك لنا نفعاً ولا ضرَّاً؛ لأنَّه جماد؟ { ونردُّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله } نردُّ وراءنا إلى الشِّرك بالله ، فيكون حالنا كحال { الذي استهوته الشياطين في الأرض } استغوته واستفزَّته الغِيلان في المهامة { حيران } متردِّداً لا يهتدي إلى المحجَّة { له أصحابٌ يدعونه إلى الهدى ائتنا } هذا مثَلُ مَنْ ضلَّ بعد الهدى ، يجيب الشَّيطان الذي يستهويه في المفازة ، فيصبح في مضلَّة من الأرض يهلك فيها ، ويعصي مَنْ يدعوه إلى المحجَّة ، كذلك مَنْ ضلَّ بعد الهدى { قل إنَّ هدى الله هو الهدى } ردٌّ على مَنْ دعا إلى عبادة الأصنام ، أَيْ : لا نفعل ذلك؛ لأنَّ هدى الله هو الهدى لا هدى غيره .","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"{ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق } أَيْ : بكمال قدرته ، وشمول علمه ، وإتقان صنعه ، وكلُّ ذلك حقٌّ { ويوم يقول } واذكر يا محمَّد يوم يقول للشَّيء { كن فيكون } يعني : يوم القيامة ، يقول للخلق انتشروا فينتشرون .","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"{ وكذلك نُرِي إبراهيم . . . } الآية . أَيْ : وكما أرينا إبراهيم استقباح ما كان عليه أبوه من عبادة الأصنام نريه { ملكوت السموات والأرض } يعني : ملكهما ، كالشَّمس ، والقمر ، والنُّجوم ، والجبال ، والشَّجر ، والبحار . أراه الله تعالى هذه الأشياء حتى نظر إليها مُعتبراً مُستدلاًّ بها على خالقها ، وقوله : { وليكون من الموقنين } عطفٌ على المعنى . تقديره : ليستدلَّ بها وليكون من الموقنين .\r { فلما جنَّ } أَيْ : ستر وأظلم { عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي } أَيْ : في زعمكم أيُّها القائلون بحكم النَّجم ، وذلك أنَّهم كانوا أصحاب نجومٍ يرون التَّدبير في الخليقة لها { فلما أفل } أَيْ : غاب { قال : لا أحبُّ الآفلين } عرَّفهم جهلهم وخطأهم في تعظيم النُّجوم ، ودلَّ على أنَّ مَنْ غاب بعد الظُّهور كان حادثاً مُسخَّراً ، وليس بربٍّ .\r { فلما رأى القمر بازغاً } طالعاً ، فاحتجَّ عليهم في القمر والشَّمس بمثل ما احتجَّ به عليهم في الكوكب ، وقوله : { لئن لم يهدني ربي } أَيْ : لئن لم يُثبِّتني على الهدى . وقوله للشَّمس : \r { هذا ربي } ولم يقل هذه؛ لأنَّ لفظ الشَّمس مذكَّرٌ ، ولأنَّ الشَّمس بمعنى الضياء والنُّور ، فحمل الكلام على المعنى { هذا أكبر } أَي : من الكوكب والقمر ، فلمَّا توجَّهت الحجَّة على قومه قال : { إني بريء مما تشركون } .\r { إني وجهت وجهي } أَيْ : جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله عزَّ وجلَّ ، وباقي الآية مفسَّر فيما مضى .","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"{ وحاجَّة قومه } جادلوه وخاصموه في تركه آلهتهم ، وعبادة الله ، وخوَّفوه أن تصيبه آلهتهم بسوء ، فقال : { أتحاجوني في الله } أَيْ : في عبادته وتوحيده { وقد هدان } بيَّن لي ما به اهتديت { ولا أخاف ما تشركون به } من الأصنام أن تصيبني بسوء { إلاَّ أن يشاء ربي شيئاً } إني لا أخاف إلاَّ مشيئة الله أن يعذِّبني { وسع ربي كلَّ شيء علماً } علمه علماً تاماً { أفلا تتذكرون } تتعظون وتتركون عبادة الأصنام .\r { وكيف أخاف ما أشركتم } يعني : الأصنام . أنكر أن يخافها { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً } ما ليس لكم في إشراكه بالله حجَّةٌ وبرهانٌ { فإيُّ الفريقين أحق بالأمن } بأن يأمن العذاب ، الموحِّدُ أم المشرك؟\r { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } لم يخلطوا إيمانهم بشركٍ { أولئك لهم الأمن } من العذاب { وهم مهتدون } إلى دين الله .\r { وتلك حجتنا } يعني : ما احتجَّ به عليهم { آتيناها إبراهيم } ألهمناها إبراهيم ، فأرشدناه إليها { نرفع درجات مَنْ نشاء } مراتبهم بالعلم والفهم ، ثمَّ ذكر نوحاً ومَنْ هدى من الأنبياء من أولاده .","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"{ وكلاً } أَيْ : من المذكورين ها هنا { فضلنا على العالمين } عالمي زمانهم .\r { ومن آبائهم } أَيْ : وهدينا بعض آبائهم { وذرياتهم وإخوانهم } ف \" مِنْ \" ها هنا للتَّبعيض .\r { ذلك هدى الله } دين الله الذي هم عليه { يهدي به مَنْ يشاء } يريد : يرشد إليه مَنْ يشاء { من عباده ولو أشركوا } عبدوا غيري { لحبط } بطل عملهم .\r { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } يعني : الكتب التي أنزلها عليهم { والحكم } العلم والفقه { فإن يكفر بها } أي : بآياتنا { هؤلاء } أهل مكَّة { فقد وكلنا بها } أَيْ : أرصدنا لها { قوماً } وفَّقناهم لها ، وهم المهاجرون والأنصار .\r { أولئك الذين هدى الله } يعني : النَّبيِّين الذين تقدَّم ذكرهم { فبهداهم اقتده } أَي : اصبر كما صبروا؛ فإنَّ قومهم كذَّبوهم فصبروا { قل لا أسألكم عليه } على القرآن وتبليغ الرِّسالة { أجراً } مالاً تعطونيه { إن هو } يعني : القرآن { إلاَّ ذكرى للعالمين } موعظة للخلق أجمعين .\r { وما قدروا الله حق قدره } ما عظَّموا الله حقَّ عظمته ، وما وصفوه حقَّ صفته { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } وذلك أنَّ اليهود أنكروا إنزال الله عزَّ وجلَّ من السَّماء كتاباً إنكاراً للقرآن { قل } لهم يا محمد : { مَنْ أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } يعني : التَّوراة { تجعلونه قراطيس } مكتوبة وتودعونه إيَّاها { تبدونها } يعني : القراطيس يبدون ما يحبُّون ، ويكتمون صفة محمَّد A { وعُلِّمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } في التَّوراة ، فضيَّعتموه ولم تنتفعوا به { قل الله } أي : الله أنزله { ثم ذرهم في خوضهم } إفكهم وحديثهم الباطل { يلعبون } يعملون ما لا يُجدي عليهم .\r { وهذا كتاب } يعني : القرآن { أنزلناه مبارك } كثيرٌ خيره ، دائمٌ نفعه ، يبشِّر بالثواب ، ويزجر عن القبيح ، إلى ما لا يحصى من بركاته { مصدق الذي بين يديه } موافقٌ لما قبله من الكتب { ولتنذر أم القرى } أَهل مكَّة { ومَنْ حولها } يعني : أهل سائر الآفاق { والذين يؤمنون بالآخرة } إيماناً حقيقياً { يؤمنون به } بالقرآن .","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً } نزلت في مسيلمة والأسود العنسي؛ ادَّعيا النُّبوَّة ، وأنَّ الله أوحى إليهما ، وهذا معنى قوله : { أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومَنْ قال سأنزل مثل ما أنزل الله } يعني : المستهزئين الذين قالوا : { لو نشاء لقلنا مثل هذا } { ولو ترى } يا محمد { إذ الظالمون } يعني : الذين ذكرهم { في غمرات الموت } شدائده ، وأهواله { والملائكة باسطوا أيديهم } إليهم بالضَّرب والتَّعذيب { أخرجوا أنفسكم } أَيْ : يقولون ذلك ونفس الكافر تخرج بمشقةٍ وكُرهٍ ، لأنَّها تصير إلى أشدِّ العذاب ، والملائكة يكرهونهم على نزع الرُّوح ، ويقولون : { أخرجوا أنفسكم } كرهاً { اليوم تجزون عذاب الهون } أَي : العذاب الذي يقع به الهوان الشَّديد { بما كنتم تقولون على الله غير الحق } من أنَّه أوحي إليكم ولم يوح { وكنتم عن آياته تستكبرون } عن الإِيمان بها تتعظَّمون .\r { ولقد جئتمونا فرادى } يقال للكفَّار في الآخرة : جئتمونا فرادى بلا أهل ، ولا مالٍ ، ولا شيءٍ قدَّمتموه { كما خلقناكم أوَّل مرَّة } كما خرجتم من بطون أُمَّهاتكم { وتركتم ما خوَّلناكم } ملَّكناكم وأعطيناكم من المال والعبيد والمواشي { وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنَّهم فيكم شركاء } وذلك أنَّ المشركين كانوا يعبدون الأصنام على أنَّهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده { لقد تقطع بينكم } وصلكم ومودتكم { وضلَّ عنكم } ذهب عنكم { ما كنتم تزعمون } تُكذِّبون في الدُّنيا .\r { إنَّ الله فالق الحبّ } شاقُّة بالنَّبات { والنوى } بالنَّخلة { يخرج الحي من الميت } يخرج النُّطفة بشراً حيّاً { ومُخرج الميت } النُّطفة { من الحيّ } وقيل : يخرج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن { ذلكم الله } الذي فعل هذه الأشياء التي تشاهدونها ربكم { فأنى تؤفكون } فمن أين تُصرفون عن الحقِّ بعد البيان! .\r { فالق الإِصباح } شاقُّ عمود الصُّبح عن ظلمة اللَّيل وسواده ، على معنى أنَّه خالقه ومُبديه { وجاعل الليل سكناً } للخلق يسكنون فيه سكون الرَّاحة { والشمس والقمر حسباناً } وجعل الشَّمس والقمر بحسبانٍ لا يجاوزانه فيما يدوران في حسابٍ { ذلك تقدير العزيز } في ملكه يصنع ما أراد { العليم } بما قدَّر من خلقهما .","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"{ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة } يعني : آدم { فمستقر } أَيْ : فلكم مستقرٌّ في الأرحام { ومستودع } في الأصلاب .","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"{ وهو الذي أنزل من السماء ماء } يعني : المطر { فأخرجنا به نبات كلٍّ شيء } يَنبت { فأخرجنا } من ذلك النَّبات { خضراً } أخضر ، كالقمح ، والشَّعير ، والذُّرة ، وما كان رطباً أخضر مما ينبت من الحبوب { نخرج منه } من الخضر { حباً متراكباً } بعضه على بعض في سنبلةٍ واحدةٍ { ومن النخل من طلعها } أوَّل ما يطلع منها { قنوان } يعني : العراجين التي قد تدلَّت من الطَّلع { دانية } ممَّن يجتنيها . يعني : قصار النَّخل اللاَّحقة عذوقها بالأرض { وجنات } أَيْ : وأخرجنا بالماء جنَّات { من أعناب والزيتون } وشجر الزَّيتون { والرمان } وشجر الرُّمان { مشتبهاً } [ في اللون : يعني : الرُّماني ] { وغير متشابه } [ في الطَّعم . أي : مختلفة في الطَّعم . وقيل : ] مُشتبهاً ورقها ، مُختلفاً ثمرها { انظروا إلى ثمره } نظر الاستدلال والعبرة أوَّل ما يعقد { وينعه } نضجه { إنَّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } يصدِّقون أنَّ الذي أخرج هذا النَّبات قادرٌ على أن يحيي الموتى .\r { وجعلوا لله شركاء الجن } أطاعوا الشَّياطين في عبادة الأوثان ، فجعلوهم شركاء لله { وخَرَقوا له بنين وبنات } افتعلوا ذلك كذباً وكفراً ، يعني : الذين قالوا : الملائكة بنات الله ، واليهود والنَّصارى حين دعوا لله ولداً { بغير علم } لم يذكروه عن علمٍ ، إنَّما ذكروه تكذُّباً . وقوله : \r { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة } أَيْ : مِنْ أين يكون له ولدٌ؟ ولا يكون الولد إلاَّ من صاحبةٍ ، ولا صاحبة له { وخلق كلَّ شيء } أَيْ : وهو خالق كلِّ شيء .","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"{ لا تدركه الأبصار } في الدُّنيا؛ لأنَّه وعد في القيامة الرُّؤية بقوله : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة . . . } الآية . والمُطلق يحمل على المقيد . وقيل : لا يحيط بكنهه وحقيقته الأبصار وهي تراه ، فالأبصار ترى الباري ولا تحيط به { وهو يدرك الأبصار } يراها ويحيط بها علماً ، لا كالمخلوقين الذين لا يدركون حقيقة البصر ، وما الشَّيء الذي صار به الإِنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما { وهو اللطيف } الرَّفيق بأوليائه { الخبير } بهم .","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"{ قد جائكم بصائر من ربكم } يعني : بيِّنات القرآن { فمن أبصر } اهتدى { فلنفسه } عمل { ومن عمي فعليها } فعلى نفسه جنى العذاب { وما أنا عليكم بحفيظ } برقيب على أعمالكم حتى أجازيكم بها .\r { وكذلك } وكما بيَّنا في هذه السُّورة { نصرِّف } نبيِّن { الآيات } في القرآن ندعوهم بها ونخوِّفهم { وليقولوا درست } عطف على المضمر في المعنى والتقدير : [ نصرِّف الآيات ] لتلزمهم الحجَّة وليقولوا درست ، أَيْ : تعلَّمت مِن يسار ، وجبر ، واليهود . ومعنى درس : قرأ على غيره ، ومعنى هذه اللام في قوله : { وليقولوا } معنى لام العاقبة ، أَيْ : نصرِّف الآيات ليكون عاقبة أمرهم تكذيباً للشَّقاوة التي لحقتهم { ولنبينه لقوم يعلمون } يعني : أولياءه الذين هداهم ، والذين سعدوا بتبيين الحقِّ .","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"{ ولو شاء الله ما أشركوا } أَيْ : ولو شاء الله لجعلهم مؤمنين { وما جعلناك عليهم حفيظاً } لم تبعث لتحفظ المشركين من العذاب ، إنَّما بُعثت مُبَلِّغاً فلا تهتمَّ لشركهم؛ فإنَّ ذلك لمشيئة الله .\r { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } يعني : أصنامهم ومعبوديهم ، وذلك أنَّ المسلمين كانوا يسبُّون أصنام الكفَّار ، فنهاهم الله عزَّ وجلَّ عن ذلك لئلا يسبُّوا { الله عدواً بغير علم } أَيْ : ظُلماً بالجهل { كذلك } أَيْ : كما زيَّنا لهؤلاء عبادة الآوثان وطاعة الشَّيطان بالحرمان والخذلان { زينا لكلِّ أمة عملهم } من الخير والشَّرِّ .\r { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } اجتهدوا في المبالغة في اليمين { لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها } وذلك أنَّه لمَّا نزل : { إن نشأ ننزل عليهم . . . } الآية . أقسم المشركون بالله لئن جاءتهم آية ليؤمننَّ بها ، وسأل المسلمون ذلك ، وعلم الله سبحانه أنَّهم لا يؤمنون ، فأنزل الله هذه الآية . { قل إنما الآيات عند الله } هو القادر على الإتيان بها { وما يشعركم } وما يدريكم إيمانهم ، أَيْ : هم لا يؤمنون مع مجيء الآيات إيَّاهم ، ثمَّ ابتدأ فقال : { إنها إذا جاءت لا يؤمنون } ومَنْ قرأ \" أنَّها \" بفتح الألف كانت بمعنى \" لعلَّها \" ، ويجوز أن تجعل \" لا \" زائدة مع فتح \" أنَّ \" .\r { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية بتقليب قلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي يجب أن تكونَ عليه فلا يؤمنون { كما لم يؤمنوا به } بالقرآن ، أو بمحمَّدٍ [ عليه السَّلام ] { أوَّل مرَّة } أتتهم الآيات ، مثل انشقاق القمر وغيره { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } أخذلهم وأدعهم في ضلالتهم يتمادون .","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"{ ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة } فرأوهم عياناً { وكلمهم الموتى } فشهدوا لك بالصِّدق والنُّبوَّة { وحشرنا عليهم } وجمعنا عليهم { كلَّ شيء } في الدُّنيا { قُبلاً } و { قِبَلاً } أَيْ : مُعاينةً ومُواجهةً { ما كانوا ليؤمنوا } لما سبق لهم من الشَّقاء { إلاَّ أنْ يشاء الله } أن يهديهم { ولكنَّ أكثرهم يجهلون } أنَّهم لو أُوتوا بكلِّ آيةٍ ما آمنوا .\r { وكذلك جعلنا لكلِّ نبيٍّ عدوّاً } كما ابتليناك بهؤلاء القوم كذلك جعلنا لكلِّ نبيٍّ قبلك أعداءً؛ ليعظم ثوابه ، والعدوُّ ها هنا يُراد به الجمع ، ثمَّ بيَّن مَنْ هم فقال : { شياطين الإِنس } يعني : مردة الإِنس ، والشَّيطان : كلُّ متمرِّدٍ عاتٍ من الجنَّ والإِنس { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً } يعني : إنَّ شياطين الجنِّ الذين هم من جند إبليس يوحون إلى كفار الإِنس ومردتهم ، فيغرونهم بالمؤمنين ، وزخرف القول : باطله الذي زُيِّن ووُشِّي بالكذب ، والمعنى أنَّهم يُزيِّنون لهم الأعمال القبيحة غروراً { ولو شاء ربك ما فعلوه } لَمَنع الشَّياطين من الوسوسة للإِنس .\r { ولتصغى إليه } ولتميل إلى ذلك الزُّخرف والغرور { أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } قلوب الذين لا يصدِّقون بالبعث { وليرضوه } ليحبُّوه { وليقترفوا } ليعملوا ما هم عاملون .\r { أفغير الله } أَيْ : قل لأهل مكَّة : أفغير الله { أبتغي حكماً } قاضياً بيني وبينكم { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب } القرآن { مفصلاً } مُبَيِّناً فيه أمره ونهيه { والذين آتيناهم الكتاب } من اليهود والنَّصارى { يعلمون } أنَّ القرآن { منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } من الشَّاكين أنَّهم يعلمون ذلك .\r { وتمت كلمات ربك } أقضيته وعِداته لأوليائه في أعدائه { صدقاً } فيما وعد { وعدلاً } فيما حكم . والمعنى : صادقةً عادلةً { لا مبدِّل لكلماته } لا مُغيِّر لحكمه ، ولا خلف لوعده { وهو السميع } لتضرُّع أوليائه ، ولقول أعدائه { العليم } بما في قلوب الفريقين .\r { وإن تطع أكثر من في الأرض } يعني : المشركين { يضلوك عن سبيل الله } دين الله الذي رضيه لك ، وذلك أنَّهم جادلوه ، في أكل الميتة ، وقالوا : أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربُّكم؟ { إن يتبعون إلاَّ الظن } في تحليل الميتة { وإن هم إلاَّ يخرصون } يكذبون في تحليل ما حرَّمه الله .","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"{ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أَيْ : ممَّا ذكِّي على اسم الله { إن كنتم بآياته مؤمنين } تأكيدٌ لاستحلال ما أباحه الشَّرع ثمَّ أبلغَ في إباحة ما ذبح على اسم الله .","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"{ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } عند الذَّبح { وقد فصَّل } بيَّن { لكم ما حرَّم عليكم } في قوله : { حُرِّمت عليكم الميتة . . . } الآية . { إلاَّ ما اضطررتم إليه } دعتكم الضَّرورة إلى أكله ممَّا لا يحلُّ عند الاختيار { وإنَّ كثيراً ليضلون بأهوائهم } أَيْ : الذين يُحلُّون الميتة ، ويناظرونكم في إحلالها ضلُّوا باتِّباع أهوائهم { بغير علمٍ } إنَّما يتَّبعون فيه الهوى ، ولا بصيرة عندهم ولا علم { إنَّ ربك هو أعلم بالمعتدين } المتجاوزين الحلال إلى الحرام .\r { وذروا ظاهر الإِثم وباطنه } سرَّه وعلانيته ، ثمَّ أوعد بالجزاء فقال : { إن الذين يكسبون الإِثم سيجزون بما كانوا يقترفون } .\r { ولا تأكلوا ممَّا لم يذكر اسم الله عليه } ممَّا لم يُذَكَّ ومات { وإنه } وإنَّ أكله { لفسقٌ } خروجٌ عن الحقِّ { وإنَّ الشياطين } يعني : إبليس وجنوده وسوسوا { إلى أوليائهم } من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة { وإن أطعتموهم } في استحلال الميتة { إنكم لمشركون } لأنَّ مَنْ أحلَّ شيئاً ممَّا حرَّمه الله فهو مشركٌ .\r { أَوْ مَنْ كان ميتاً فأحييناه } ضالاًّ كافراً فهديناه { وجعلنا له نوراً } ديناً وإيماناً { يمشي به في الناس } مع المسلمين مُستضيئاً بما قذف الله في قلبه من نور الحكمة والإِيمان { كمَنْ مثله } كمَن هو { في الظلمات } في ظلمات الكفر والضَّلالة { ليس بخارجٍ منها } ليس بمؤمن أبداً . نزلت في أبي جهلٍ وحمزة بن عبد المطلب { كذلك } كما زُيِّن للمؤمنين الإِيمان { زين للكافرين ما كانوا يعملون } من عبادة الأصنام .\r { وكذلك جعلنا في كلِّ قرية أكابر مجرميها } يعني : كما أنَّ فسَّاق مكَّة أكابرها ، كذلك جعلنا فسَّاق كلِّ قرية أكابرها . يعني : رؤساءَها ومترفيها { ليمكروا فيها } بصدِّ النَّاس عن الإِيمان { وما يمكرون إلاَّ بأنفسهم } لأنَّ وبال مكرهم يعود عليهم { وما يشعرون } أنَّهم يمكرون بها .\r { وإذا جاءتهم آية } ممَّا أطلع الله عليه نبيَّه عليه السَّلام ممَّا يخبرهم به { قالوا : لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل فنصدِّق [ به ] ، وذلك أنَّ كلَّ واحدٍ من القوم سأل أن يُخصَّ بالوحي ، كما قال الله : { بل يريد كلُّ امرىءٍ منهم أَنْ يُؤتى صحفاً مُنشَّرة } فقال الله سبحانه : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } يعني : أنَّهم ليسوا بأهل لها ، هو أعلم بمَنْ يختصُّ بالرِّسالة { سيصيب الذين أجرموا صغار } مذلَّةٌ وهوانٌ { عند الله } أَيْ : ثابت لهم عند الله ذلك .\r { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام } يوسِّعْ قلبه ويفتحه ليقبل الإِسلام { ومن يرد أن يضلَّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً } شديد الضِّيق { كأنما يصَّعد في السماء } إذا كُلَّف الإِيمان لشدَّته وثقله عليه { كذلك } مثل ما قصصنا عليك { يجعل الله الرجس } العذاب { على الذين لا يؤمنون } .","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"{ وهذا صراط ربك } هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربِّك { مُستقيماً قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون } وهم المؤمنون .\r { لهم دار السلام } الجنة { عند ربهم } مضمونةً لهم حتَّى يُدخلهموها { وهو وليهم } يتولَّى إيصال الكرامات إليهم { بما كانوا يعملون } من الطَّاعات .\r { ويوم يحشرهم جميعاً } الجنّ والإِنس ، فيقال لهم : { يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس } أَيْ : من إغوائهم وإضلالهم { وقال أولياؤهم } الذين أضلَّهم الجنُّ { من الإِنس ربنا استمتع بعضنا ببعض } يعني : طاعة الإِنس للجنِّ وقبولهم منهم ما كانوا يغرونهم به من الضَّلالة ، وتزيين الجنِّ للإِنس ما كانوا يهوونه حتى يسهل عليهم فعله { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } يعني : الموت ، والظَّاهر أنَّه البعث والحشر { قال النار مثواكم } فيها مقامكم { خالدين فيها إلاَّ ما شاء الله } مَنْ شاء الله ، وهم مَنْ سبق في علم الله أنَّهم يُسلمون { إنَّ ربك حكيم } حكم للذين استثنى بالتَّوبة والتَّصديق { عليم } علم ما في قلوبهم من البرِّ .\r { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً } كما خذلنا عُصاة الجنِّ والإنس نَكِلُ بعض الظَّالمين إلى بعض حتى يضلَّ بعضهم بعضاً .\r { يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم } الرُّسل كانت من الإنس والذين بلَّغوا الجنَّ منهم عن الرُّسل كانوا من الجنِّ ، وهم النُّذر كالذين استمعوا القرآن [ من محمد A ] من الجنِّ ، فأبلغوه قومهم .","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"{ ذلك } الذي قصصنا عليك من أمر الرُّسل لأنَّه { لم يكن ربك مهلك القرى بظلم } أَيْ : بذنوبهم ومعاصيهم من قبل أن يأتيهم الرَّسول فينهاهم ، وهو معنى قوله : { وأهلها غافلون } أَيْ : لكلِّ عاملٍ بطاعة الله درجات في الثَّواب ، ثمَّ أوعد المشركين ، فقال : { وما ربك بغافل عما يعملون } .\r { وربك الغني } عن عبادة خلقه { ذو الرحمة } بخلقه فلا يُعَجِّل عليهم بالعقوبة { إن يشأ يذهبكم } يعني : أهل مكَّة { ويستخلف من بعدكم } وينشىء من بعدكم خلقاَ آخر { كما أنشأكم } خلقكم ابتداءً { من ذرية قوم آخرين } يعني : آباءَهم الماضين .","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"{ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم } على حالاتكم التي أنتم عليها { إني عامل } على مكانتي ، وهذا أمرُ تهديدٍ . يقول : اعملوا ما أنتم عاملون ، إنِّي عاملٌ ما أنا عاملٌ { فسوف تعلمون مَنْ تكون له عاقبة الدار } أيُّنا تكون له الجنَّة { إنه لا يفلح الظالمون } لا يسعد مَنْ كفر بالله وأشرك بالله .\r { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام } كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم { نصيباً } وللأوثان نصيباً ، فما كان للصَّنم أُنْفِقَ عليه ، وما كان لله أُطعم الضِّيفان والمساكين ، فما سقط ممَّا جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه ، وقالوا : إنَّ الله غنيٌّ عن هذا ، وإن سقط ممَّا جعلوه للأوثان من نصيب الله التقطوه وردُّوه إلى نصيب الصَّنم ، وقالوا : إنَّه فقير ، فذلك قوله : { فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم } ثمَّ ذمَّ فعلهم فقال : { ساء ما يحكمون } أَيْ : ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوه لله على جهة التَّبرُّز إلى الأوثان .\r { وكذلك } ومثل ذلك الفعل القبيح { زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم } يعني : الشَّياطين أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العَيْلَة { ليردوهم } ليهلكوهم في النَّار { وليلبسوا عليهم دينهم } ليخلطوا ويُدخلوا عليهم الشَّكَّ في دينهم ، ثمَّ أخبر أنَّ جميع ما فعلوه كان بمشيئته ، فقال : { ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } من أنَّ لله شريكاً .\r { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } حرَّموا أنعاماً وحرثاً ، وجعلوها لأصنامهم ، فقالوا : { لا يطعمها إلاَّ مَنْ نشاء بزعمهم } أعلم الله سبحانه أنَّ هذا التَّحريم كذبٌ من جهتهم { وأنعام حرّمت ظهورها } كالسَّائبة والبحيرة والحامي { وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها } يقتلونها لآلهتهم خنقاً ، أو وقذاً { افتراءً عليه } أَيْ : يفعلون ذلك للافتراء على الله ، وهو أنَّهم زعموا أنَّ الله أمرهم بذلك .","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"{ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام } يعني : أجِنَّة ما حرَّموها من البحائر والسَّوائب { خالصةٌ لذكورنا } حلالٌ للرِّجال خاصَّة دون النِّساء . هذا إذا خرجت الأجنَّة أحياء ، وإن كان ميتةً اشترك فيها الرِّجال والنِّساء { سيجزيهم وصفهم } سيجزيهم الله جزاء وصفهم الذي هو كذبٌ ، أَيْ : سيعذِّبهم الله بما وصفوه من التَّحليل والتَّحريم الذي كلُّه كذبٌ { إنه حكيم عليم } أَيْ : هو أعلم وأحكم من أن يفعل ما يقولون .\r { قد خسر الذين قتلوا أولادهم } بالوأد { سفهاً } للسَّفه { وحرَّموا ما رزقهم الله } من الأنعام . يعني : البحيرة وما ذُكر معها .\r { وهو الذي أنشأ } أبدع وخلق { جنات معروشات } يعني : الكرم { وغير معروشات } ما قام على ساق ولم يُعرش له ، كالنَّخل والشَّجر { والنخل والزرع مختلفاً أكله } أُكُلُ كلِّ واحدٍ منهما ، وكلِّ نوعٍ من الثَّمر له طعمٌ غير طعم النَّوع الآخر ، وكلُّ حبٍّ من حبوب الزَِّرع له طعمٌ غير طعم الآخر { كلوا من ثمره إذا أثمر } أمر إباحة { وآتوا حقه يوم حصاده } يعني : العشر ونصف العشر { ولا تسرفوا } فتعطوا كلَّه حتى لا يبقى لعيالكم شيء { إنه لا يحب المسرفين } يعني : المجاوزين أمر الله .\r { ومن الأنعام } وأنشأ من الأنعام { حمولة } وهي كلُّ ما حمل عليها ممَّا أطاق العمل والحمل { وفرشاً } وهو الصِّغار التي لا يحمل عليها ، كالغنم ، والبقر ، والإِبل الصِّغار { كلوا مما رزقكم الله } أَيْ : أحلَّ لكم ذبحه { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } في تحريم شيءٍ ممَّا أحله الله { إنه لكم عدو مبين } بيِّنُ العداوة أخرج أباكم من الجنَّة ، وقال : لأحتنكنَّ ذريته ، ثمَّ فسر الحمولة والفرش فقال : \r { ثمانية أزواج } الذَّكر زوجٌ ، والأنثى زوجٌ ، وهي الضَّأن والمعز ، وقد ذُكرا في هذه الآية ، والإِبل والبقر ذُكرا فيما بعد ، وجعلها ثمانيةً؛ لأنَّه أراد الذَّكر والأُنثى من كلِّ صنفٍ ، وهو قوله : { من الضَّأن اثنين ومن المعز اثنين } والضَّأن : ذوات الصُّوف من المعز ، والغنم : ذوات الشَّعر { قل } يا محمَّد للمشركين الذين يُحرِّمون على أنفسهم ما حرَّموا من النَّعم : { آلذكرين } من الضَّأن والمعز { حرَّم } الله عليكم { أم الأُنثيين } فإن كان حرَّم من الغنم ذكورها ، فكلُّ ذكورها حرام ، وإن كان حرَّم الأنثيين ، فكلُّ الإِناث حرام { أمَّا اشتملت عليه أرحام الأُنثيين } وإن كان حرَّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضَّأْنِ والمعز ، فقد حرَّم الأولاد كلَّها ، وكلُّها أولادٌ فكلُّها حرام { نبئُوني بعلم } أَيْ : فسِّروا ما حرَّمتم بعلمٍ إن كان لكم علمٌ في تحريمه ، وهو قوله : { إن كنتم صادقين } .","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"{ أم كنتم شهداء إذْ وصاكم الله بهذا } هل شاهدتم الله قد حرَّم هذا إذْ كنتم لا تؤمنون برسول الله؟! فلمَّا لزمتهم الحجَّة بيَّن الله تعالى أنَّهم فعلوا ذلك كذباً على الله ، فقال : { فمن أظلم ممَّن افتَرى على الله كذباً ليضلَّ الناس بغير علم . . . } الآية . يعني : عمرو بن لحي ، وهو الذي غيَّر دين إسماعيل ، وسنَّ هذا التَّحريم . ثمَّ ذكر المحرَّمات بوحي الله ، فقال : \r { قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرَّماً على طاعم يطعمه إلاَّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً } يعني : سائلاً { أو فسقاً أهلَّ لغير الله به } يعني : ما ذًبح على النُّصب .\r { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } يعني : الإِبل ، والنَّعامة { ومن البقر والغنم حرَّمنا عليهم شحومهما إلاَّ ما حملت ظهورهما أو الحوايا } وهي المباعر { أو ما اختلط بعظم } فإنِّي لم أحرّمه . يعني : ما تعلَّق من الشَّحم بهذه الأشياء { ذلك } التَّحريم { جزيناهم ببغيهم } عاقبناهم بذنوبهم { وإنا لصادقون } في الإِخبار عن التَّحريم ، وعن بغيهم ، فلمَّا ذكر لهم رسول الله A ما حُرِّم على المسلمين ، وما حرِّم على اليهود قالوا له : ما أصبت ، وكذَّبوه ، فأنزل الله تعالى : \r { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة } ولذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة { ولا يرد بأسه } عذابه إذا جاء الوقت { عن القوم المجرمين } يعني : الذين كذَّبوك بما تقول .","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"{ سيقول الذين أشركوا } إذا لزمتهم الحجة وتيقَّنوا باطل ما هم عليه : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرَّمنا من شيء كذلك كذَّب } جعلوا قولهم : { لو شاء الله ما أشركنا } حجَّةً لهم على إقامتهم على الشِّرك ، وقالوا : إنَّ الله رضي منَّا ما نحن عليه وأراده منَّا ، وأمرنا به ، ولو لم يرضه لحال بيننا وبينه ، ولا حجة لهم في هذا؛ لأنَّهم تركوا أمر الله وتعلَّقوا بمشيئته ، وأمرُ الله بمعزلٍ عن إرادته؛ لأنَّه مريدٌ لجميع الكائنات ، غير آمرٍ بجميع ما يريد ، فعلى العبد أن يحفظ الأمر ويتَّبعه ، وليس له أن يتعلَّق بالمشيئة بعد ورود الأمر ، فقال الله تعالى : { كذلك كذب الذين من قبلهم } أَيْ : كما كذَّبك هؤلاء كذَّب كفَّار الأمم الخالية أنبياءهم ، ولم يتعرَّض لقولهم : { لو شاء الله } بشيءٍ { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا } من كتابٍ نزل في تحريم ما حرَّمتم { إن تتبعون إلاَّ الظن } ما تتَّبعون فيما أنتم عليه إلاَّ الظَّنَّ لا العلم واليقين { وإن أنتم إلاًّ تخرصون } وما أنتم إلاَّ كاذبين .\r { قل فللَّه الحجة البالغة } بالكتاب والرَّسول والبيان { فلو شاء لهداكم أجمعين } إخبار عن تعلُّق مشيئة الله تعالى بكفرهم ، وأنَّ ذلك حصل بمشيئته ، إذ لو شاء الله لهداهم .\r { قل هلم شهداءكم } أَيْ : هاتوا شهداءكم وقرِّبوهم ، وباقي الآية ظاهر .\r { قل تعالوا أتل ما حرَّم ربكم عليكم } أَقرأ عليكم الذي حرَّمه الله ، ثمَّ ذكر فقال : { ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً } وأوصيكم بالوالدين إحساناً { ولا تقتلوا أولادكم } من أولادكم من مخافة الفقر { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } يعني : سر الزِّنا وعلانيته { ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحق } يريد : القصاص .\r { ولا تقربوا مال اليتيم إلاَّ بالتي هي أحسن } وهو أن يصلح ماله ويقوم فيه بما يثمره ، ثمَّ يأكل بالمعروف إن احتاج إليه { حتى يبلغ أشده } أَي : احفظوه عليه حتى يحتلم { وأوفوا الكيل } أتِمُّوه من غير نقصٍ { والميزان } أَيْ : وزن الميزان { بالقسط } بالعدل لا بخسٍ ولا شططٍ { لا نُكَلِّفُ نفساً إلاَّ وسعها } إلاَّ ما يسعها ولا تضيق عنه ، وهو أنَّه لو كلَّف المعطي الزِّيادة لضاقت نفسه عنه ، وكذلك لو كلَّف الآخذ أن يأخذ بالنُّقصان { وإذا قلتم فاعدلوا } إذا شهدتم أو تكلَّمتم فقولوا الحقَّ { ولو } كان المشهود له أو عليه { ذا القربى } .\r { وأنًّ هذا } ولأنَّ هذا { صراطي مستقيماً } يريد : ديني دينُ الحنيفيَّة أقومُ الأديان { فاتبعوه ولا تتبعوا السبل } اليهوديَّة ، والنصرانيَّة ، والمجوسية ، وعبادة الأوثان { فتفرَّق بكم عن سبيله } فتضلَّ بكم عن دينه { ذلكم } الذي ذكر { وصَّاكم } أمركم به في الكتاب { لعلكم تتقون } كي تتقوا السُّبل .","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"{ ثم آتينا } أَيْ : ثمَّ أُخبركم أنَّا آتينا { موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن } أَيْ : على الذي أحسنه موسى من العلم والحكمة ، وكتب الله المتقدِّمة ، أَيْ : علمه ، ومعنى : { تماماً } على ذلك : أَيْ : زيادة عليه حتى تمَّ له العلم بما آتيناه { وتفصيلاً } أَيْ : آتيناه للتَّمام والتفصيل ، وهو البيان { لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } لكي يُؤمنوا بالبعث ويُصدِّقوا بالثَّواب والعقاب .\r { وهذا كتابٌ } يعني : القرآن { أنزلناه مبارك } مضى تفسيره في هذه السُّورة .\r { أن تقولوا } لئلا تقولوا : { إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } يعني : اليهود والنَّصارى { وإن كنَّا عن دراستهم لغافلين } وما كنَّا إلاَّ غافلين عن تلاوة كتبهم ، والخطابُ لأهل مكَّة ، والمرادُ : إثبات الحجَّة عليهم بإنزال القرآن على محمَّد عليه السَّلام كيلا يقولوا يوم القيامة : إنَّ التَّوراة والإِنجيل أُنزلا على طائفتين من قبلنا ، وكنَّا غافلين عمَّا فيهما ، وقوله : \r { وصدف عنها } أَيْ : أعرض .\r { هل ينظرون } إذا كذَّبوك { إلاَّ أن تأتيهم الملائكة } عند الموت لقبض أرواحهم ، وذكرنا معنى { ينظرون } في سورة البقرة { أو يأتي ربك } أَيْ : أمره فيهم بالقتل { أو يأتي بعض آيات ربك } يعني : طلوع الشَّمس من مغربها ، والمعنى : إنَّ هؤلاء الذين كذَّبوك إمَّا أن يموتوا فيقعوا في العذاب ، أو يؤمر فيهم بالسَّيف ، أو يمهلون قدر مدَّة الدُّنيا فيتوالدون ويتنعَّمون فيها ، فإذا ظهرت أمارات القيامة { لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً } قدَّمت طاعةً وهي مؤمنةٌ { قل انتظروا } أحد هذه الأشياء { إنا منتظرون } بكم أحدها .\r { إنَّ الذين فارقوا دينهم } يعني : اليهود والنَّصارى ، أخذوا ببعض ما أُمروا ، وتركوا بعضه ، كقوله إخباراً عنهم : { نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض } { وكانوا شيعاً } أحزاباً مختلفة . بعضهم يُكفِّر بعضاً { لست منهم في شيء } يقول : لم تؤمر بقتالهم ، فلمَّا أُمر بقتالهم نُسخ هذا .\r { من جاء بالحسنة } من عمل من المؤمنين حسنةً { فله عشر أمثالها } كتبت له عشر حسناتٍ { ومَنْ جاء بالسيئة } الخطيئة { فلا يجزى إلاَّ مثلها } أَيْ : جزاءً مثلها لا يكون أكثر منها { وهم لا يظلمون } لا ينقص ثواب أعمالهم .\r { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً } أَيْ : عرَّفني ديناً { قيماً } مستقيماً .\r { قل إنَّ صلاتي ونسكي } عبادتي من حجِّي وقرباني { ومحياي ومماتي لله رب العالمين } أَيْ : هو يحييني وهو يميتني ، وأنا أتوجَّه بصلاتي وسائر المناسك إلى الله ، لا إلى غيره .","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"{ وبذلك أمرت } بذلك أوحي إليَّ { وأنا أول المسلمين } من هذه الأمَّة .\r { قل أغير الله أبغي رباً } سيِّداً وإلهاً { وهو ربُّ كلِّ شيء } مالكه وسيِّده { ولا تكسب كلُّ نفس إلاَّ عليها } لا تجني نفسٌ ذنباً إلاَّ أُخذت به { ولا تزر وازرة وزر أخرى } يعني : الوليد بن المغيرة ، كان يقول : اتَّبعوا سبيلي أحمل أوزاركم . [ فأنزل الله ] : { ولا تزر وازرةٌ وِزرَ أُخرى } لا يحمل أحدٌ جناية غيره حتى لا يُؤَاخذ بها الجاني .\r { وهو الذي جعلكم } يا أُمَّةَ محمَّدٍ { خلائف } الأمم الماضية في { الأرض } بأنْ أهلكهم وأورثكم الأرض بعدهم { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } بالغنى والرِّزق { ليبلوكم فيما آتاكم } ليختبركم فيما رزقكم { إنَّ ربك سريع العقاب } لأعدائه { وإنه لغفور } لأوليائه { رحيم } بهم .","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"{ المص } أنا الله أعلم وأُفصِّل .\r { كتاب } أَيْ : هذا كتابٌ { أنزل إليك } من ربَّك { فلا يكن في صدرك حرج منه } فلا يضيقنَّ صدرك بإبلاغ ما أرسلت به { لتنذر به } أَيْ : أُنزل لتنذر به النَّاس { وذكرى للمؤمنين } مواعظ للمصدِّقين .\r { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } يعني : القرآن { ولا تتبعوا من دونه أولياء } لا تتخذوا غير الله أولياء { قليلاً ما تذكرون } قليلاً يا معشر المشركين اتَّعاظكم .\r { وكم من قرية أهلكناها } يعني : أهلها { فجاءها بأسنا } عذابنا { بياتاً } ليلاً { أو هم قائلون } نائمون نهاراً . يعني : جاءهم بأسنا وهم غير متوقِّعين له .","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"{ فما كان دعواهم } دعاؤهم وتضرُّعهم { إذ جاءهم بأسنا إلاَّ أن } أقرُّوا على أنفسهم بالشِّرك و { قالوا إنا كنا ظالمين } .\r { فلنسئلنَّ الذين أرسل إليهم } نسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرُّسل ، ونسأل الرُّسل هل بلَّغوا ما أُرسلوا به .\r { فلنقصنَّ عليهم بعلم } لنخبرنَّهم بما عملوا بعلمٍ منَّا { وما كنا غائبين } عن الرُّسل والأمم ما بلَّغت وما ردَّ عليهم قومهم .\r { والوزن يومئذ } يعني : وزن الأعمال يوم السُّؤال الذي ذُكر في قوله : { فلنسألنَّ } { الحق } العدل ، وذلك أنَّ أعمال المؤمنين تتصوَّر في صورةٍ حسنةٍ ، وأعمال الكافرين في صورةٍ قبيحة ، فتوزن تلك الصُّورة ، فذلك قوله : { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } النَّاجون الفائزون ، وهم المؤمنون .\r { ومَنْ خفَّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم } صاروا إلى العذاب { بما كانوا بآياتنا يظلمون } يجحدون بما جاء به محمَّد عليه السَّلام .\r { ولقد مكنَّاكم في الأرض } ملَّكناكم فيما بين مكَّة إلى اليمن ، وإلى الشَّام . يعني : مشركي مكَّة { وجعلنا لكم فيها معايش } ما تعيشون به من الرِّزق والمال والتجارة { قليلاً ما تشكرون } أَيْ : إنَّكم غير شاكرين لما أنعمت عليكم .\r { ولقد خلقناكم } يعني : آدم { ثم صوَّرناكم } في ظهره . . . الآية .","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"{ قال ما منعك إلا تسجد } \" لا \" زائدة . معناها : ما منعك أن تسجد؟! وهو سؤالُ التَّوبيخ والتَّعنيف { قال أنا خير منه . . . } الآية . معناه : منعني من السُّجود له أنِّي خيرٌ منه إذ كنتُ ناريَّاً ، وكان طينيَّاً ، فترك الأمر وقاس ، فعصى .\r { قال فاهبط منها } فانزل من الجنَّة . وقيل : من السَّماء { فما يكون لك أن تتكبر فيها } عن أمري وتعصيني { فأخرج إنك من الصاغرين } الأذلاء بترك الطَّاعة .\r { قال انظرني } أمهلني { إلى يوم يبعثون } يريد : النَّفخة الثَّانية .\r { قال إنك من المنظرين } .\r { قال : فبما أغويتني } يريد : فبما أضللتني ، أيْ : بإغوائك إيَّاي { لأقعدَّن لهم صراطك المستقيم } على الطَريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنَّة ، بأن أُزيِّن لهم الباطل .\r { ثم لآتينَّهم من بين أيديهم } يعني : آخرتهم التي يردون عليها ، فَأُشكِّكهم فيها { ومن خلفهم } دنياهم التي يُخَلِّفونها ، فأُرغِّبهم فيها { وعن أيمانهم } أُشبِّه عليهم أمر دينهم { وعن شمائلهم } أُشهِّي لهم المعاصي .\r { قال اخرج منها } من الجنَّة { مذؤوماً } مذموماً بأبلغ الذَّمِّ { مدحوراً } مطروداً ملعوناً { لمن تبعك منهم } من أولاد آدم { لأَمْلأَنَّ جهنم منكم } يعني : من الكافرين وقرنائهم من الشَّياطين .","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"{ ويا آدم اسكن } سبق تفسيره في سورة البقرة .\r { فوسوس لهما الشيطان } أَيْ : حدَّث لهما في أنفسهما { ليبدي لهما } هذه اللام لام العاقبة ، وذلك أنَّ عاقبة تلك الوسوسة أدَّت إلى أن بدت لهما سوآتهما ، يعني : فروجهما بتهافت اللَّباس عنهما ، وهو قوله : { ما ووري } أَيْ : سُتر { عنهما من سوآتهما } { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة } أَيْ : عن أكلها { إلاَّ أن تكونا } \" لا \" ها هنا مضمرة ، أَيْ : إلاَّ أن لا تكونا { ملكين } يبقيان ولا يموتان ، كما لا تموت الملائكة . يدلُّ على هذا المعنى قوله : { أو تكونا من الخالدين } .\r { وقاسمهما } حلف لهما { إني لكما لمن الناصحين } .\r { فدلاهما بغرور } غرَّهما باليمين ، ومعنى دلاَّهما : جَرَّأَهُما على أكل الشَّجرة بما غرَّهما به من يمينه { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما } تهافت لباسهما عنهما ، فأبصر كلُّ واحدٍ منهما عورة صاحبه ، فاستحييا { وطفقا يخصفان } أقبلا وجعلا يُرقِّعان الورق كهيئة الثَّوب ليستترا به { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنَّ الشيطان لكما عدو مبين } .\r { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين } .\r { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر } موضع قرار .","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"{ فيها تحيون؟ . . . } الآية . ولمَّا ذكر عُريَّ آدم وحواء منَّ علينا بما خلق لنا من اللِّباس ، فقال : \r { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم } أَيْ : خلقنا لكم { لباساً يواري سوآتكم } يستر عوراتكم { وريشاً } أَيْ : مالاً ، وما تتجمَّلون به من الثِّياب الحسنة { ولباس التقوى } أَيْ : ستر العورة لمَنْ يتَّقي الله فيواري عورته { ذلك خيرٌ } لصاحبه إذا أخذ به ، أو خيرٌ من التَّعري ، وذلك أنَّ جماعةً من المشركين كانوا يتعبَّدون بالتَّعريِّ وخلع الثَّياب في الطَّواف بالبيت . { وذلك من آيات الله } أَيْ : من فرائضه التي أوجبها بآياته . يعني : ستر العورة { لعلهم يذكرون } لكي يتَّعظوا .\r { يا بني آدم لا يفتننَّكم الشيطان } لا يخدعنَّكم ولا يُضلنَّكم { كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما } أضاف النَّزع إليه - وإن لم يتولَّ ذلك -؛ لأنَّه كان بسببٍ منه { إنَّه يراكم هو وقبيله } يعني : ومَنْ كان من نسله { إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } سلَّطناهم عليهم ليزيدوا في غيِّهم ، كما قال : { إنَّا أرسلنا الشَّياطين على الكافرين . . . } الآية .","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"{ وإذا فعلوا فاحشة } يعني : طوافهم بالبيت عارين .\r { قل أمر ربي بالقسط } ردٌّ لقولهم : { والله أمرنا بها } والقسط : العدل { وأقيموا وجوهكم عند كلِّ مسجد } وجِّهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصَّلاة إلى الكعبة { وادعوه مخلصين له الدين } وحِّدوه ولا تشركوا به شيئاًَ . { كما بدأكم } في الخلق شيقيَّاً وسعيداً ، فكذلك ، { تعودون } سعداء وأشقياء ، يدلُّ على صحَّة هذا المعنى قوله : \r { فريقاً هدى } أرشد إلى دينه ، وهم أولياؤه { وفريقاً حقََّ عليهم الضلالة } أَضَلَّهُمْ ، وهم أولياء الشَّياطين { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } ثمَّ أمرهم أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعرَّوا ، فقال : \r { يا بني آدم خذوا زينتكم } يعني : ما وارى العورة { عند كلِّ مسجد } لصلاةٍ أو طواف { وكلوا واشربوا } كان أهل الجاهليَّة لا يأكلون أيَّام حجِّهم إلاَّ قوتاً ، ولا يأكلون دسماً . يُعظِّمون بذلك حجِّهم ، فقال المسلمون : نحن أحقُّ أن نفعل ، فأنزل الله تعالى : { وكلوا } يعني : اللَّحم والدَّسم { واشربوا } اللَّبن والماء وما أحلَّ لكم { ولا تسرفوا } بحظركم على أنفسكم ما قد أحللته لكم من اللَّحم والدَّسم { إنَّه لا يحب } مَنْ فعل ذلك ، أَيْ : لا يُثيبه ولا يدخله الجنَّة .","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"{ قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده } مَنْ حرَّم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم { والطيبات من الرزق } يعني : ما حرَّموه على أنفسهم أيَّام حجِّهم { قل هي } أَي : الطَّيِّبات من الرِّزق { للذين آمنوا في الحياة الدنيا } مباحةٌ لهم مع اشتراك الكافرين معهم فيها في الدُّنيا ، ثمَّ هي تخلص للمؤمنين يوم القيامة ، وليس للكافرين فيها شيء ، وهو معنى قوله : { خالصة يوم القيامة } { كذلك نفصل الآيات } نُفسِّر ما أحللت وما حرَّمت { لقومٍ يعلمون } أنِّي أنا الله لا شريك لي .\r { قل إنما حرَّم ربي الفواحش } الكبائر والقبائح { ما ظهر منها وما بطن } سرَّها وعلانيتها { والإِثم } يعني : المعصية التي توجب الإِثم { والبغي } ظلم النَّاس ، وهو أن يطلب ما ليس له { وأن تشركوا بالله } تعدلوا به في العبادة { ما لم ينزل به سلطاناً } لم ينزل كتاباً فيه حجَّةٌ { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من أنَّه حرَّم الحرث والأنعام ، وأنَّ الملائكة بنات الله .\r { ولكلِّ أمة أجل } وقتٌ مضروبٌ لعذابهم وهلاكهم { فإذا جاء أجلهم } بالعذاب { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } لا يتأخَّرون ولا يتقدَّمون حتى يُعذَّبوا .\r { يا بني آدم إمَّا يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } فرائضي وأحكامي { فمن اتقى } اتَّقاني وخافني { وأصلح } ما بيني وبينه { فلا خوف عليهم } إذا خاف الخلق في القيامة { ولا هم يحزنون } إذا حزنوا .","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"{ فمن أظلم ممَّن افترى على الله كذباً } فجعل له ولداًَ أو شريكاً { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } ما كُتب لهم من العذاب ، وهو سواد الوجه ، وزرقة العيون { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } يريد : الملائكة يقبضون أرواحهم { قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله } ؟ سؤال توبيخ وتبكيت وتقريع { قالوا ضلوا عنا } بطلوا وذهبوا { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } اعترفوا عند مُعاينة الموت ، وأقروا على أنفسهم بالكفر .\r { قال ادخلوا } أَيْ : قال الله تعالى لهم : ادخلوا النَّار [ { في أمم } أَيْ : ] مع { أمم قد خلت من قبلكم } . { كلما دخلت أمة } النَّار { لعنت أختها } يعني : الأمم التي سبقتها إلى النَّار؛ لأنَّهم ضلوا باتِّباعهم { حتى إذا ادَّاركوا فيها } أَيْ : تداركوا ، وتلاحقوا ، واجتمعوا جميعاً في النَّار { قالت أخراهم } أَيْ : أُخراهم دخولاً إلى النَّار { لأولاهم } دخولاً . يعني : قالت الأتباع للقادة : { ربنا هؤلاء أضلونا } لأَنَّهم شرعوا لنا أن نتَّخذ من دونك إلهاً { فآتهم عذاباً ضعفاً } أَضْعِفْ عليهم العذاب بأشدَّ ممَّا تعذِّبنا به { قال } الله تعالى : { لكلٍّ ضعف } للتَّابع والمتبوع عذابٌ مضاعفٌ { ولكن لا تعلمون } يا أهل الكتاب في الدًّنيا مقدار ذلك ، وقوله : \r { فما كان لكم علينا من فضل } لأنَّكم كفرتم كما كفرنا ، فنحن وأنتم في الكفر سواءٌ .","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"{ إنَّ الذين كذبوا بآياتنا } بحججنا التي تدلُّ على توحيد الله ، ونبوَّة الأنبياء { واستكبروا عنها } ترفَّعوا عن الإِيمان بها والانقياد لأحكامها { لا تفتح لهم أبواب السماء } لا تصعد أرواحهم ، ولا أعمالهم ، ولا شيء ممَّا يريدون الله به إلى السَّماء { ولا يدخلون الجنة حتى يلج } يدخل { الجمل في سم الخياط } ثقب الإِبرة . يعني : أبدأً { وكذلك } وكما وصفنا { نجزي المجرمين } أَي : المكذِّبين بآيات الله ، ثمَّ أخبر عن إحاطة النَّار بهم من كلِّ جانبٍ ، فقال : \r { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } يعني : لهم منها غطاءٌ ، ووطاءٌ ، وفراشٌ ولحافٌ { وكذلك نجزي الظالمين } يعني : الذين أشركوا بالله .\r { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلاَّ وسعها } أَيْ : إلاَّ ما تطيقه ولا تعجز عنه ، والمعنى : لا نكلِّف نفساً منهم إلاَّ وسعها ، ثمَّ أخبر بباقي الآية عن مآلهم .\r { ونزعنا ما في صدورهم من غل } أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدُّنيا { تجري من تحتهم الأنهار } من تحت منازلهم وقصورهم ، فإذا استقرُّوا في منازلهم { قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا } أَيْ : هدانا لما صيرَّنا إلى هذا الثَّواب من العمل الذي أدَّى إليه ، وأقرُّوا أنَّ المهتدي مَنْ هدى الله بقوله : { وما كنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله } فحين رأوا ما وعدهم الرُّسل عياناً قالوا : { لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكُم الجنة } قيل لهم : هذه تلكمُ الجنَّة التي وُعدتم { أورثتموها } أُورثتم منازل أهل النَّار فيها لو عملوا بطاعة الله { بما كنتم تعملون } توحِّدون الله وتطيعونه .","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"{ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا } في الدُّنيا من الثَّواب { حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم } من العذاب { حقاً } ؟ وهذا سؤال تعييرٍ وتقريرٍ ، فأجاب أهل النَّار و { قالوا نعم فأذَّن مؤذنٍ بينهم } نادى منادٍ وسطهم نداءً يُسمع الفريقين ، وهو صاحب الصُّور { أن لعنة الله على الظالمين } .\r { الذين يصدون } يمنعون { عن سبيل الله } دين الله وطاعته { ويبغونها عوجاً } ويطلبونها بالصَّلاة لغير الله ، وتعظيم ما لم يعظِّمه الله .\r { وبينهما } بين أهل الجنَّة وبين أهل النَّار { حجاب } حاجزٌ ، وهو سور الأعراف { وعلى الأعراف } يريد : سور الجنَّة { رجال } وهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم { يعرفون كلاً بسيماهم } يعرفون أهل الجنَّة ببياض الوجوه ، وأهل النَّار بسوادها ، وذلك لأنَّ موضعهم عالٍ مرتفع ، فهم يرون الفريقين { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } إذا نظروا إلى الجنَّة سلَّموا على أهلها { لم يدخلوها } يعني : أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنَّة { وهم يطمعون } في دخولها .\r { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } أَيْ : جهة لقائهم .","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"{ ونادى أصحاب الأعراف رجالاً } من أهل النَّار { يعرفونهم بسيماهم } من رؤساء المشركين فيقولون لهم : { ما أغنى عنكم جمعكم } المال واستكثاركم منه { وما كنتم تستكبرون } عن عبادة الله ، ثمَّ يقسم أصحاب النَّار أنَّ أصحاب الأعراف داخلون معهم النَّار ، فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف : \r { أهؤلاء الذين أقسمتم } يا أصحاب النَّار { لا ينالهم الله برحمة } يقولون لأصحاب الأعراف : { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } .\r { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } يعني : الطَّعام ، وهذا يدلُّ على جوعهم وعطشهم { قالوا إنَّ الله حرمهما على الكافرين } تحريم منع [ لا تحريم تعبُّدٍ ] .\r { الذين اتخذوا دينهم } الذي شُرع لهم { لهواً ولعباً } يعني : المستهزئين المُقتسمين { فاليوم ننساهم } نتركهم في جهنَّم { كما نسوا لقاء يومهم هذا } كما تركوا العمل لهذا اليوم { وما كانوا بآياتنا يجحدون } أَيْ : وكما جحدوا بآياتنا ولم يُصدِّقوها .\r { ولقد جئناهم } يعني : المشركين { بكتاب } هو القرآن { فصلناه } بيّناه { على علم } فيه . يعني : ما أُودع من العلوم وبيان الأحكام { هدى } هادياً { ورحمة } وذا رحمةٍ { لقوم يؤمنون } لقومٍ أريد به هدايتهم وإيمانهم .","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"{ هل ينظرون } ينتظرون ، أَيْ : كأنَّهم ينتظرون ذلك؛ لأنَّه يأتيهم لا محالة { إلاَّ تأويله } عاقبة ما وعد الله في الكتاب من البعث والنُّشور { يوم يأتي تأويله } وهو يوم القيامة { يقول الذين نسوه من قبل } تركوا الإِيمان به والعمل له من قبل إتيانه { قد جاءت رسل ربنا بالحق } بالصِّدق والبيان { فهل لنا من شفعاء } هل يشفع لنا شافعٌ؟ { أو } هل { نردُّ } إلى الدُّنيا { فنعمل غير الذي كنا نعمل } نوحِّد الله ونترك الشِّرك ، يقول الله : { قد خسروا أنفسهم } حين صاروا إلى الهلاك { وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون } سقط عنهم ما كانوا يقولونه مِنْ أنَّ مع الله إلهاً آخر .\r { إنَّ ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام } أَيْ : في مقدار ستة أيَّامٍ ، من الأحد إلى السَّبت ، واجتمع الخلق في الجمعة { ثم استوى على العرش } أقبل على خلقه ، وقصد إلى ذلك بعد خلق السَّموات والأرض { يغشي الليل النهار } يُلبسه ويُدخله عليه { يطلبه حثيثاً } يطلب اللَّيل دائباً لا غفلة له { والشمس } وخلق الشَّمس { والقمر والنجوم مسخرات } مُذلَّلاتٍ لما يُراد منها من طلوعٍ وأُفولٍ ، وسيرٍ ورجوعٍ { بأمره } بإذنه { ألا له الخلق } يعني : إنَّ جميع ما في العالم مخلوق له { و } له { الأمر } فيهم ، يأمر بما أراد { تبارك الله } تمجَّد وتعظَّم وارتفع وتعالى .\r { ادعوا ربكم تضرُّعاً } أَيْ : تملُّقاً { وخفية } سرَّاً { إنه لا يحب المعتدين } المجاوزين ما أُمروا به .","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"{ ولا تفسدوا في الأرض } بالشِّرك والمعاصي وسفك الدِّماء { بعد } إصلاح الله إياها ببعث الرَّسول { وادعوه خوفاً } من عقابه { وطعماً } في ثوابه { إنَّ رحمة الله } ثوابَ الله { قريب من المحسنين } وهم الذين يطيعون الله فيما أمر .\r { وهو الذي يرسل الرياح نُشْراً } طيِّبة ليِّنة ، من النَّشر وهو الرَّائحة الطَّيِّبة . وقيل : مُتفرِّقةً في كلِّ جانبٍ ، بمعنى المنتشرة { بين يدي رحمته } قدَّام مطره { حتى إذا أقلَّت } أَيْ : حملت هذه الرِّياح { سحاباً ثقالاً } بما فيها من الماء سُقنا السَّحاب { لبلد ميت } إلى مكان ليس فيه نباتٌ { فأنزلنا به } بذلك البلد { الماء فأخرجنا } بذلك الماء { من كلَّ الثمرات كذلك نخرج الموتى } أَيْ : نحيي الموتى مثل ذلك الإِحياء الذي وصفناه في البلد الميت { لعلكم تذكرون } لعلَّكم بما بيَّنا تتَّعظون ، فتستدلُّون على توحيد الله وقدرته على البعث ، ثمَّ ضرب مثلاً للمؤمن والكافر فقال : \r { والبلد الطيب } يعني : العذبُ التُّراب { يخرج نباته بإذن ربه } وهذا مثل المؤمن يسمع القرآن فينتفع به ، ويحسن أثره عليه { والذي خبث } ترابه وأصله { لا يخرج } نباته { إلاَّ نكداً } عسراً مُبطئاً ، وهو مثل الكافر يسمع القرآن ، ولا يُؤثِّر فيه أثراً محموداً ، كالبلد الخبيث لا يُؤثِّر فيه المطر { كذلك نصرِّف الآيات } نبيِّنها { لقوم يشكرون } نِعَمَ الله ويطيعونه .","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"{ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه } ظاهرٌ إلى قوله : \r { وأنصح لكم } أَيْ : أدعوكم إلى ما دعاني الله إليه { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من أنَّه غفورٌ لمَنْ رجع عن معاصيه ، وأنَّ عذابه أليمٌ لمن أصرَّ عليها .\r { أَوَعجتبم أن جاءكم ذكر من ربكم } موعظةٌ من الله { على رجل } على لسان رجل { منكم } تعرفون نسبه . وقوله : \r { إنهم كانوا قوماً عمين } عميت قلوبهم عن معرفة الله تعالى وقدرته .\r { وإلى عاد أخاهم } وأرسلنا إلى عادٍ أخاهم ابن أبيهم { هوداً قال يا قوم اعبدوا الله } وحِّدوا الله { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } أفلا تخافون نقمته .\r { قال الملأ } الرُّؤساء والجماعة { الذين كفروا من قومه إنَّا لنراك في سفاهة } حمقٍ وجهلٍ { وإنا لنظنك من الكاذبين } فيما جئت به من ادِّعاء النُّبوَّة .","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"{ ناصح أمين } أَيْ : على الرِّسالة لا أكذب فيها .\r { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قَوم نوحٍ } أَيْ : استخلفكم في الأرض بعد هلاكهم { وزادكم في الخلق بسطة } فضيلةً في الطُّول { فاذكروا آلاء الله } نِعَمَ الله عليكم { لعلكم تفلحون } كي تسعدوا وتبقوا في الجنَّة ، وقوله : \r { فأتنا بما تعدنا } أَيْ : من العذاب { إن كنت من الصادقين } أنَّ العذاب نازلٌ بنا .\r { قال : قد وقع } وجب { عليم من ربكم رجس وغضب } عذابٌ وسخطٌ { أتجادلونني في أسماء سَمَّيْتُموها } كانت لهم أصنام سمَّوها أسماءً مختلفةً ، فلمَّا دعاهم الرَّسول إلى التَّوحيد استنكروا عبادة الله وحده . { ما نَزَّلَ الله بها من سلطان } من حجةٍ وبرهانٍ لكم في عبادتها { فانتظروا } العذاب { إني معكم من المنتظرين } ذلك في تكذيبهم إيَّاي .","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"{ فذروها تأكل في أرض الله } أَيْ : سهَّل الله عليكم أمرها ، فليس عليكم رزقها ولا مؤونتها .","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"{ وبوَّأكم في الأرض } أَيْ : أسكنكم وجعل لكم فيها مساكن { تتخذون من سهولها قصوراً } تبنون القصور بكلِّ موضعٍ { وتنحتون الجبال بيوتاً } يريد : بيوتاً في الجبال تُشققونها ، وكانوا يسكنونها شتاءً ، ويسكنون القصور بالصَّيف .\r { قال الملأ } وهم الأشراف { الذين استكبروا من قومه } عن عبادة الله { للذين استضعفوا } يريد المساكين { لمن آمن منهم } بدلٌ من قوله : { للذين استضعفوا } لأنَّهم المؤمنون .","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"{ فعقروا الناقة } نحروها { وعتوا عن أمر ربهم } عصوا الله وتركوا أمره في النَّاقة { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا } من العذاب .\r { فأخذتهم الرجفة } وهي الزَّلزلة الشَّديدة { فأصبحوا في دارهم } بلدهم { جاثمين } خامدين مَيِّتين .\r { فتولى عنهم } أعرض عنهم صالحٌ بعد نزول العذاب بهم { وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم } خوَّفتكم عقاب الله ، وهذا كما خاطب رسول الله A قتلى بدر .\r { ولوطاً } وأرسلنا لوطاً ، أَيْ : واذكر لوطاً { إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة } يعني : إتيان الذُّكور { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } قالوا : ما نزا ذَكَرٌ على ذَكَرٍ حتى كان قوم لوطٍ .\r { إنكم لتأتون الرجال . . . } الآية .","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"{ وما كان جواب قومه إلاَّ أن قالوا أخرجوهم في قريتكم } يعني : لوطاً وأتباعه { إنهم أناس يتطهرون } عن إتيان الرِّجال في أدبارهم .\r { فأنجيناه وأهله } ابنتيه { إلاَّ امرأته كانت من الغابرين } الباقين في عذاب الله .\r { وأمطرنا عليهم مطراً } يعني : حجارةً .\r { وإلى مدين } وهم قبيلةٌ من ولد إبراهيم عليه السَّلام { قد جاءتكم بينة من ربكم } موعظةٌ { فأوفوا الكيل والميزان } أَتِمُّوهُمَا ، وكانوا أهلَ كفرٍ وبخسٍ للمكيال والميزان { ولا تفسدوا في الأرض } لا تعملوا فيها بالمعاصي بعد أن أصلحها الله ببعثه شعيبٍ والأمر بالعدل .\r { ولا تقعدوا بكلِّ صراط توعدون } لا تقعدوا على طريق النَّاس ، فتخوِّفون أهل الإِيمان بشعيبٍ بالقتل ونحو ذلك [ وتأخذون ثياب من مرَّ بكم من الغرباء ] { وتصدون عن سبيل الله من آمن به } وتصرفون عن الإسلام مَنْ آمن بشعيب { وتبغونها عوجاً } تلتمسون لها الزَّيغ { واذكروا إذْ كنتم قليلاً فكثَّركم } بعد القلَّة ، وأعزَّكم بعد الذِّلة ، وذلك أنَّه كان مدين بن إبراهيم ، وزوجه ريثا بنت لوط ، فولدت حتى كثر عدد أولادها .","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"{ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا او لتعودنَّ في ملتنا } معناه أنَّهم قالوا لشعيب وأصحابه : ليكوننَّ أحد الأمرين؛ إمَّا الإِخراج من القرية؛ أو عودكم في ملَّتنا ، ولا نفارقكم على مخالفتنا ، فقال شعيب : { أو لو كنا كارهين } أَيْ : تجبروننا على العود في ملَّتكم ، وإنْ كرهنا ذلك؟ وقوله : \r { وما يكون لنا أن نعود فيها إلاَّ أن يشاء الله ربنا } أَيْ : إلاَّ أن يكون قد سبق في علم الله وفي مشيئته أن نعود فيها { وَسِعَ ربنا كلَّ شيء علماً } علم ما يكون قبل أن يكون { ربنا افتح } احكم واقضِ { بيننا وبين قومنا بالحق } .","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"{ كأن لم يغنوا فيها } أَيْ : لم يقيموا فيها ، ولم ينزلوا ، وقوله : \r { فكيف آسى على قوم كافرين } أَيْ : كيف يشتدُّ حزني عليهم ، ومعناه : الإِنكار أَيْ : لا آسى .","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"{ وما أرسلنا من قرية } في مدينةٍ { من نبي } فكذَّبه أهلها { إلاَّ أخذنا } هم { بالبأساء والضراء } بالفقر والجوع { لعلهم يضَّرَّعون } كي يستكينوا ويرجعوا .\r { ثمَّ بدلنا مكان السيئة الحسنة } بدل البؤسِ والمرضِ الغنى والصحَّة { حتى عفوا } كثروا وسمنوا ، وسمنت أموالهم { وقالوا } من غِرَّتهم وجهلهم : { قد مسَّ آباءنا الضراء والسراء } قد أصاب آباءنا في الدَّهر مثل ما أصابنا ، وتلك عادة الدَّهر ، ولم يكن ما مسَّنا عقوبة من الله ، فكونوا على ما أنتم عليه ، فلمَّا فسدوا على الأمرين جميعاً أخذهم الله بغتة { وهم لا يشعرون } بنزول العذاب ، وهذا تخويفٌ لمشركي قريش .\r { ولو أنَّ أهل القرى آمنوا } وحَّدوا الله { واتقوا } الشِّرك { لفتحنا عليهم بركات من السماء } بالمطر { و } من { الأرض } بالنَّبات والثِّمار { ولكن كذبوا } الرُّسل { فأخذناهم } بالجدوبة والقحط { بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعصية .\r { أفأمن أهل القرى } يعني : أهل مكَّة وما حولها ، ومعنى هذه الآية وما بعدها : أنَّه لا يجوز لهم أن يأمنوا ليلاً ولا نهاراً بعد تكذيب محمَّدٍ A وقوله : \r { وهم يلعبون } أَيْ : وهم في غير ما يُجدي عليهم .\r { أفأمنوا مكر الله } عذاب الله أن يأتيهم بغتةً .\r { أَوَلَمْ يهد } يتبيَّن { للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } كفار مكَّة ومَنْ حولهم { أن لو نشاء أصبناهم } عذَّبناهم { بذنوبهم } ثمَّ { نطبع على قلوبهم } حتى يموتوا على الكفر ، فيدخلوا النَّار ، والمعنى : ألم يعلموا أنَّا لو نشاء فعلنا ذلك .\r { تلك القرى } التي أهلكتُ أهلها { نقص عليك من أنبائها } نتلو عليك من أخبارها ، كيف أُهلكت { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } يعني : الذين أُرسلوا إليهم { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } فما كان أولئك الكفَّار ليؤمنوا عند إرسال الرُّسل بما كذَّبوا يوم أخذ ميثاقهم ، فأقرُّوا بلسانهم وأضمروا التَّكذيب { كذلك } أَيْ : مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفَّار الأمم { يطبع الله على قلوب الكافرين } الذين كتب عليهم ألاَّ يؤمنوا أبداً .\r { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } يعني : الوفاء بالعهد الذي عاهدهم يوم الميثاق .\r { ثم بعثنا من بعدهم } الأنبياء الذين جرى ذكرهم { موسى بآياتنا إلى فرعون ومَلَئِهِ فظلموا بها } فجحدوا بها وكذَّبوا { فانظر } بعين قلبك { كيف كان } عاقبتهم ، وكيف فعلنا بهم .","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"{ حقيق على أن لا أقول } أَيْ : أنا حقيق بأن لا أقول { على الله إلاَّ } ما هو { الحق } وهو أنَّه واحدٌ لا شريك له { قد جئتكم ببينة من ربكم } [ أي : بأمرٍ من ربِّكم ] وهو العصا { فأرسل معي بني إسرائيل } أَيْ : أطلق عليهم ، وخلِّهم ، وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشَّاقة .","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"{ فإذا هي } أَيْ : العصا { ثعبان } وهو أعظم ما يكون من الحيَّات { مبين } بيِّنٌ أنَّه حيَّة لا لبس فيه .\r { ونزع يده } أخرجها من جيبه .","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"{ يريد أن يخرجكم من أرضكم } هذا قول الأشراف من قوم فرعون ، قالوا : يريد موسى أن يخرجكم معشرَ القبط من أرضكم ، ويزيل ملككم بتقوية عدوِّكم بني إسرائيل ، فقال فرعون لهم : { فماذا تأمرون } أَيش تُشيرون به عليَّ؟\r { قالوا أرجه وأخاه } أَخِّرْ أمره وأمر أخيه ولا تعجل { وأرسل في المدائن } في مدائن صعيد مصر { حاشرين } رجالاً يحشرون إليك مَنْ في الصَعيد من السَّحرة ، فأرسل { وجاء السحرة فرعون } وطالبوه بالمال والجوائز إنْ غلبوه ، فأجابهم فرعون إلى ذلك ، وهو قوله : \r { نعم وإنكم لمن المقربين } أَيْ : ولكم من الأجر المنزلة الرَّفيعة عندي .\r { قالوا يا موسى إمَّا إن تلقي } عصاك { وإمَّا أن نكون نحن الملقين } ما معنا من الحبال والعصي .","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"{ قال ألقوا فلما أَلْقَوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم } قلبوها عن صحَّة إدراكها حيث رأوها حيَّات { وجاؤوا بسحر عظيم } وذلك أنَّهم ألقوا حبالاً غلاظاً فإذا هي حيَّاتٌ قد ملأت الوادي .\r { وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاك فإذا هي تلقف } تبتلع { ما يأفكون } يكذبون فيه ، وذلك أنَّهم زعموا أنَّ عصيَّهم وحبالهم حَيّاتٍ ، وَكذبوا في ذلك .\r { فوقع الحق } ظهر وغلب .\r { فغلبوا هنالك وانقلبوا } وانصرفوا { صاغرين } ذليلين .\r { وألقي السحرة ساجدين } خرُّوا لله عابدين سامعين مطيعين .","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"{ قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم } أصدَّقتم موسى من قبل أمري إيَّاكم؟! { إنَّ هذا لمكر مكرتموه في المدينة } لصينعٌ صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع { لتخرجوا منها أهلها } لتستولوا على مصر فتخرجوا منها أهلها ، وتتغلبوا عليها بسحركم { فسوف تعلمون } ما يظهر لكم .\r { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } على مخالفة ، وهو أن يقطع من كلِّ شقٍّ طرف .\r { قالوا إنا إلى ربنا منقلبون } راجعون بالتَّوحيد والإِخلاص .","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"{ وما تنقم منا } وما تطعن علينا ولا تكره منَّا { إلاَّ أن آمنا بآيات ربنا } ما أتى به موسى من العصا واليد { ربنا أفرغ علينا صبراً } اصبب علينا الصَّبر عند الصَّلب والقطع حتى لا نرجع كفَّاراً { وتوفنا مسلمين } على دين موسى ، ثمَّ أغرى الملأ من قوم فرعون بموسى فقالوا : \r { أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض } ليدعوا النَّاس إلى مخالفتك وعبادة غيرك { ويذرك وآلهتك } وذلك أنَّ فرعون كان قد صنع لقومه أصناماً صغاراً ، وأمرهم بعبادتها وقال : أنا ربُّكم وربُّ هذه الأصنام ، فذلك قوله : { أنا ربُّكم الأعلى } ، فقال فرعون : { سنقتل أَبْناءَهم } وكان قد ترك قتل أبناء بني إسرائيل ، فلمَّا كان من أمر موسى ما كان أعاد عليهم القتل ، فذلك قوله : { سنقتل أبناءهم ونَسْتَحْيِيَ نساءهم } للمهنة والخدمة { وإنا فوقهم قاهرون } وإنَّا على ذلك قادرون ، فشكا بنو إسرائيل إلى موسى إعادة القتل على أبنائهم ، فقال لهم موسى : \r { استعينوا بالله واصبروا } على ما يُفعل بكم { إنَّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } أطمعهم موسى أن يعطيهم الله ملكهم ومالهم { والعاقبة للمتقين } أَيْ : الجنَّة لمن اتَّقى . وقيل : النَّصر والظَّفر .\r { قالوا أوذينا } بالقتل الأوَّل { من قبل أن تأتينا } بالرِّسالة { ومن بعد ما جئتنا } بإعادة القتل علينا ، والإِتعاب في العمل { قال : عسى ربكم أن يهلك عدوكم } فرعون وقومه { ويستخلفكم في الأرض } يُملِّككم ما كان يملك فرعون { فينظر كيف تعملون } فيرى ذلك لوقوع ذلك منكم .\r { ولقد آخذنا آل فرعون بالسنين } بالجدوب لأهل البوادي { ونقص من الثمرات } لأهل القرى ، [ وصرَّفنا الآيات : بيَّناها لهم من كلِّ نوعٍ ] { لعلهم يذكرون } كي يتَّعظوا .\r { فإذا جاءتهم الحسنة } الخصب وسعة الرِّزق { قالوا لنا هذه } أَيْ : إنَّا مستحقُّوه على العادة التي جرت لنا من النِّعمة ، ولم يعلموا أنَّه من الله فيشكروا عليه { وإن تصبهم سيئة } قحط وجدب { يطيروا } يتشاءموا { بموسى } وقومه ، وقالوا : إنَّما أصابنا هذا الشرُّ بشؤمهم { ألا إنَّما طائرهم عند الله } شؤمهم جاءهم بكفرهم بالله { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أنَّ الذي أصابهم من الله .\r { وقالوا } لموسى : { مهما تأتنا به } أَيْ : متى ما تأتنا به { من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين } فدعا عليهم موسى ، فأرسل الله عليهم السَّماء بالماء حتى امتلأت بيوت القِبْطِ ماءً ، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة .","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"{ فأرسلنا عليهم الطوفان } ودام ذلك سبعة أيَّام ، فقالوا : { يا موسى ادعُ لنا ربك } يكشف عنا فنؤمن لك ، فدعا ربَّه فكشف ، فلم يؤمنوا فبعث الله عليهم الجراد ، فأكلت عامَّة زروعهم وثمارهم ، فوعدوه أن يؤمنوا إن كشف عنهم ، فكشف فلم يؤمنوا ، فبعث الله عليهم القمَّل ، وهو الدّباء الصِّغار [ البق ] التي لا أجنحة لها ، فتتبَّعَ ما بقي من حروثهم وأشجارهم ، فصرخوا فكشف عنهم ، فلم يؤمنوا ، فعادوا بكفرهم ، فأرسل الله عليهم الضَّفادع تدخل في طعامهم وشرابهم ، فعاهدوا موسى أن يؤمنوا ، فكشف عنهم فعادوا لكفرهم ، فأرسل الله عليهم الدَّم ، فسال النِّيل عليهم دماً ، وصارت مياههم كلُّها دماً ، فذلك قوله : \r { آيات مفصلات } مبيَّنات { فاستكبروا } عن عبادة الله .\r { ولما وقع عليهم الرجز } أَيْ : العذاب ، وهو ما كانوا فيه من الجراد وما ذكر بعده { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } بما أوصاك به وتقدَّم إليك أن تدعوه به { لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل } وقوله : \r { إلى أجل هم بالغوه } يعني : إلى الأجل الذي غَرَّقهم فيه { إذا هم ينكثون } ينقضون العهد ولا يوفون .\r { فانتقمنا منهم } سلبنا نعمتهم بالعذاب { فأغرقناهم في اليم } في البحر { بأنهم كذبوا بآياتنا } جزاء تكذيبهم { وكانوا عنها غافلين } غير معتبرين بها .\r { وأورثنا القوم } ملَّكناهم { الذين كانوا يستضعفون } بقتل أبنائهم واستخدام نسائهم { مشارق الأرض ومغاربها } جهات شرق أرض الشَّام ، وجهات غربها ، { التي باركنا فيها } بإخراج الزُّروع والثِّمار ، والأنهار والعيون { وتمت كلمة ربك الحسنى } مواعيده التي لا خلف فيها بما كانوا يحبُّون ، وذلك جزاء صبرهم على صنيع فرعون { ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه } أهلكنا ما عمل فرعون وقومه في أرض مصر { وما كانوا يعرشون } وما بنوا المنازل والبيوت .\r { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } عبرنا بهم البحر { فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم } يعبدونها مقيمين عليها { قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً } من دون الله { كما لهم آلهة قال إنكم قومٌ تجهلون } نعمة الله عليكم وما صنع بكم ، حيث توهَّمتم أنَّه يجوز عبادة غيره .\r { إنَّ هؤلاء } يعني : الذين عكفوا على أصنامهم { متبَّرٌ ما هم فيه } مهلَكٌ ومدَمَّرٌ { وباطل ما كانوا يعملون } يعني : إنَّ عملهم للشَّيطان ، ليس لله فيه نصيبٌ .\r { قال أغير الله أبغيكم } أطلب لكم { إلهاً } معبوداً { وهو فضلكم على العالمين } على عالمي زمانكم بما أعطاكم من الكرامات .","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"{ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة } يترقَّب انقضاءها للمناجاة ، وهي ذو القعدة . أمره الله تعالى أن يصوم فيها ، فلمَّا انسلخ الشَّهر استاك لمناجاة ربِّه يريد إزالة الخلوف ، فأُمر بصيام عشرةٍ من ذي الحجَّة؛ ليكلِّمه بخُلوفِ فيه ، فذلك قوله : { وأتممناها بعشر فتمَّ ميقات ربِّه } أَيْ : الوقت الذي قدَّره الله لصوم موسى { أربعين ليلة } فلمَّا أراد الانطلاق إلى الجبل استخلف أخاه هارون على قومه ، وهو معنى قوله : { وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح } أَيْ : وارفق بهم { ولا تتبع سبيل المفسدين } لا تطع مَنْ عصى الله ، ولا توافقه على أمره .\r { ولما جاء موسى لميقاتنا } أَيْ : في الوقت الذي وقَّتنا له { وكلمه ربُّه } فلمَّا سمع كلام الله { قال ربِّ أرني } نفسك { أنظر إليك } والمعنى : إنَّي قد سمعتُ كلامك فأنا أحبُّ أن أراك { قال لن تراني } في الدُّنيا { ولكن } اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك ، وهو الجبل { فإن استقر مكانه } أَيْ : سكن وثبت { فسوف تراني } وإن لم يستقرَّ مكانه فإنَّك لا تطيق رؤيتي ، كما أنَّ الجبل لا يطيق رؤيتي { فلما تجلى ربه } أَيْ : ظهر وبان { جعله دكاً } أَيْ : مدقوقاً مع الأرض كِسَراً تراباً { وخرَّ } وسقط { موسى صعقاً } مغشياً عليه { فلما أفاق قال سبحانك } تنزيهاً لك من السُّوء { تبتُ إليك } من مسألتي الرُّؤية في الدُّنيا { وأنا أول المؤمنين } أوَّل قومي إيماناً .\r { قال يا موسى إني اصطفيتك } اتَّخذتك صفوةً { على الناس برسالاتي } أَيْ : بوحيي إليك { وبكلامي } كلَّمتك من غير واسطة { فخذ ما آتيتك } من الشَّرف والفضيلة { وكن من الشاكرين } لأنعمي في الدنيا والآخرة .","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"{ وكتبنا له في الألواح } يعني : ألواح التَّوراة { من كل شيء } يحتاج إليه في أمر دينه { موعظة } نهياً عن الجهل { وتفصيلاً لكل شيء } من الحلال والحرام { فخذها } أَيْ : وقلنا له : فخذها { بقوة } بجدٍّ وصحِّةٍ وعزيمةٍ { وأمر قومك } أن { يأخذوا بأحسنها } أَيْ : بحسنها ، وكلُّها حسن { سأريكم دار الفاسقين } يعني : جهنَّم ، أَيْ : ولتكن على ذكرٍ منهم لتحذورا أن تكونوا منهم .\r { سأصرف عن آياتي } يعني : السَّموات والأرض . أصرفهم عن الاعتبار بما فيها { الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } يعني : المشركين . يقول : أعاقبهم بحرمان الهداية { وإن يروا سبيل الرشد } الهدى والبيان الذي جاء من الله { لا يتخذوه سبيلاً } ديناً { وإن يروا سبيل الغي } طاعة الشَّيطان { يتخذوه سبيلاً } ديناً { ذلك } فعل الله بهم { بأنهم كذبوا بآياتنا } جحدوا الإِيمان بها { وكانوا عنها غافلين } غير ناظرين فيها ، ولا معتبرين بها .\r { والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } يريد : الثَّواب والعقاب { حبطت أعمالهم } ضلَّ سعيهم { هل يجزون إلاَّ ما } أَيْ : جزاء ما { كانوا يعملون } .\r { واتخذ قوم موسى من بعده } أَيْ : من بعد انطلاقه إلى الجبل { من حليِّهم } التي بقيت في أيديهم ممَّا استعاروه من القبط { عجلاً جسداً } لحماً ودماً { له خوار } صوتٌ { الم يروا } يعني : قوم موسى { أنه } أنَّ العجل { لا يكلَِّمهم ولا يهديهم سبيلاً } لا يرشدهم إلى دينٍ { اتخذوه } أَيْ : إلهاً ومعبوداً { وكانوا ظالمين } مشركين .","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"{ ولما سُقط في أيديهم } أَيْ : ندموا على عبادتهم العجل { ورأوا أنهم قد ضلوا } قد ابتلوا بمعصية الله ، وهذا كان بعد رجوع موسى إليهم .\r { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان } عليهم { أسفاً } حزيناً؛ لأنَّ الله تعالى فتنهم { قال بئس ما خلفتموني من بعدي } بئسما عملتم من بعدي حين اتَّخذتم العجل إلهاً ، وكفرتم بالله { أعجلتم أمر ربكم } أسبقتم باتَّخاذ العجل معياد ربِّكم؟ يعني : الأربعين ليلة ، وذلك أنَّه كان قد وعدهم أن يأتيهم بعد ثلاثين ليلةَ ، فلمَّا لم يأتهم على رأس الثَّلاثين قالوا : إنَّه قد مات { وألقى الألواح } التي فيها التَّوراة { وأخذ برأس أخيه } بذؤابته وشعره { يجرُّه إليه } إنكاراً عليه إذ لم يلحقه فَيُعرِّفه ما فعل بنو إسرائيل ، كما قال في سورة طه : { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألاَّ تتبعنِ . . . } الآية . فأعلمه هارون أنَّه أَنَّما أقام بين أظهرهم خوفاً على نفسه من القتل ، وهو قوله : { قال ابن أمَّ } وكان أخاه لأبيه وأُمِّه ، ولكنَّه قال : يا ابنَ أمَّ ليرقِّقه عليه { إنَّ القوم استضعفوني } استذلُّوني وقهروني { وكادوا } وهمُّوا أن { يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء } يعني : أصحاب العجل بضربي وإهانتي { ولا تجعلني } في موجدتك وعقوبتك لي { مع القوم الظالمين } الذين عبدوا العجل ، فلمَّا عرف براءة هارون ممَّا يوجب العتب عليه ، إذا بلغ من إنكاره على عبدة العجل ما خاف على نفسه القتل .","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"{ قال ربِّ اغفر لي } ما صنعتُ إلى أخي { ولأخي } إن قصَّر في الإِنكار { وأدخلنا في رحمتك } جنَّتك .\r { إنَّ الذين اتخذوا العجل } يعني : اليهند الذين كانوا في عصر النبيِّ A ، وهم أبناء الذين اتَّخذوا العجل إلهاً ، فأضيف إليهم تعييراً لهم بفعل آبائهم { سينالهم غضب من ربهم } عذابٌ في الآخرة { وذلة في الحياة الدنيا } وهي الجزية { وكذلك نجزي المفترين } كذلك أعاقب مَن اتَّخذ إلهاً دوني .\r { والذين عملوا السيئات } الشِّرك { ثم تابوا } رجعوا عنها { وآمنوا } صدَّقوا أنَّه لا إله غيري { إنَّ ربك من بعدها } من بعد التَّوبة { لغفور رحيم } .\r { ولما سكت } [ سكن ] { عن موسى الغضب أخذ الألواح } التي كان ألقاها { وفي نسختها } وفيما كُتب فيها : { هدىً } من الضَّلالة { ورحمة } من العذاب { للذين هم لربهم يرهبون } للخائفين من ربِّهم .\r { واختار موسى قومه } من قومه { سبعين رجلاً لميقاتنا } أمره الله تعالى أن يأتيه في ناس من بي إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، ووعده لذلك موعداً ، فاختار موسى سبعين رجلاً ليعتذروا ، فلمَّا سمعوا كلام الله قالوا لموسى : أرنا الله جهرةٌ فأخذتهم { الرَّجفة } وهي الحركة الشَّديدة ، فماتوا جميعاً ، فقال موسى : { رب لو شئت أهلكتهم } وإيَّاي قبل خروجنا للميقات ، وكان بنو إسرائيل يُعاينون ذلك ولا يتَّهمونني ، ظنَّ أنَّهم أهلكوا باتِّخاذ أصحابهم العجل ، فقال : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } وإنَّما أُهلكوا لمسألتهم الرُّؤية { إن هي إلاَّ فتنتك } أَيْ : تلك الفتنة التي وقع فيها السُّفهاء لم تكن إلاَّ فتنتك ، أي : اختبارك وابتلاؤك أضللتَ بها قوماً فافتتنوا ، وعصمتَ آخرين وهذا معنى قوله : { تضل بها مَنْ تشاء وتهدي مَنْ تشاء } .\r { واكتب لنا } أوجب لنا { في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة } أَي : اقبل وفادتنا ، ورُدَّنا بالمغفرة والرَّحمة { إنا هُدْنا إليك } تبنا ورجعنا إليك بالتَّوبة { قال عذابي أصيب به من أشاء } آخذ به مَنْ أشاء على الذَّنب اليسير { ورحمتي وسعت كلَّ شيء } يعني : إنَّ رحمته في الدُّنيا وسعت البرَّ والفاجر ، وهي في الآخرة للمؤمنين خاصَّةً ، وهذا معنى قوله : { فسأكتبها } فسأوجبها في الآخرة { للذين يتقون } يريد : أمَّة محمد A { ويؤتون الزكاة } صدقات الأموال عند محلها { والذين هم بآياتنا يؤمنون } يصدِّقون بما أنزل على محمد والنَّبييِّن .","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"{ الذين يتبعون الرسول النبيَّ الأميَّ } وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ ، وكانت هذه الخلَّة مؤكِّدة لمعجزته في القرآن { الذي يجدونه } بنعته وصفته { مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل يأمرهم بالمعروف } بالتَّوحيد وشرائع الإِسلام { وينهاهم عن المنكر } عبادة الأوثان وما لا يُعرف في شريعة { ويحلُّ لهم الطيبات } يعني : ما حرَّم عليهم في التَّوراة من لحوم الإِبل ، وشحوم الضَّأن { ويحرِّم عليهم الخبائث } الميتة والدَّم ، وما ذُكر في سورة المائدة { ويضع عنهم إصرهم } ويُسقط عنهم ثقل العهد الذي أُخذ عليهم { والأغلال التي كانت عليهم } الشَّدائد التي كانت عليهم ، كقطع أثر البول ، وقتل النَّفس في التَّوبة ، [ وقطع ] الأعضاء الخاطئة { فالذين آمنوا به } من اليهود { وعزَّروه } ووقَّروه { ونصروه } على عدوه { واتبعوا النور الذي أنزل معه } يعني : القرآن . . الآيتين .","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"{ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق } يدعون إلى الحقِّ { وبه يعدلون } وبالحقِّ يحكمون ، وهم قوم وراء الصِّين آمنوا بالنبيِّ A لا يصل إلينا منهم أحد ، ولا منَّا إليهم . وقوله : \r { فانبجست } أَي : انفجرت ، وهذه الآية مفسَّرة في سورة البقرة .","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"{ واسألهم } يعني : سؤال توبيخٍ وتقريرٍ { عن القرية } وهي أيلة { التي كانت حاضرة البحر } مُجاورته { إذ يعدون في السبت } يظلمون فيه بصيد السَّمك { إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً } ظاهرة على الماء { ويوم لا يسبتون } لا يفعلون ما يفعل في السَّبت . يعني : سائر الأيام { لا تأتيهم } الحيتان { كذلك } مثل هذا الاختبار الشَّديد { نبلوهم } نختبرهم { بما كانوا يفسقون } بعصيانهم الله ، أَيْ : شدَّدتُ عليهم المحنة لفسقهم ، ولمَّا فعلوا ذلك صار أهل القرية ثلاث فرق : فرقةٌ صادت وأكلت ، وفرقةٌ نهت وزجرت ، وفرقةٌ أمسكت عن الصَّيد ، وهم الذين قال الله تعالى : \r { وإذ قالت أمة منهم } قالوا للفرقة النَّاهية { لم تعظون قوماً الله ملهلكهم } لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنَّهم غير مُقلعين ، فقالت الفرقة النَّاهية للذين لاموهم : { معذرة إلى ربكم } أَي : الأمر بالمعروف واجبٌ علينا ، فعلينا موعظة هؤلاء عذراً إلى الله { ولعلهم يتقون } فيتركون الصَّيد في السَّبت .\r { فلما نسوا ما ذكروا به } تركوا ما وُعظوا به { أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا } اعتدوا في السَّبت { بعذاب بئيس } شديدٍ ، وهو المسخ جزاءً لفسقهم وخروجهم عن أمر الله .","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"{ فلما عتوا } أَيْ : طغوا واستكبروا { عمَّا نهوا عنه } أَيْ : عن ترك ما نُهوا عنه من صيد الحيتان يوم السَّبت { قلنا لهم } الآية مُفسَّرة في سورة البقرة .\r { وإذ تأذَّن ربك } قالَ وأعلم ربُّك { ليبعثنَّ } ليرسلنَّ { عليهم } على اليهود { مَنْ يسومهم } أَيْ : يذيقهم { سوء العذاب } إلى يوم القيامة . يعني : محمداً A وأُمَّته يقاتلونهم أو يعطون الجزية { إنَّ ربك لسريع العقاب } لمن استحقَّ تعجيله .\r { وقطعناهم في الأرض أمماً } فرَّقناهم في البلاد ، فلم يجتمع لهم كلمة { منهم الصالحون } وهم الذين آمنوا { ومنهم دون ذلك } الذين كفروا { وبلوناهم } عاملناهم معاملة المختبر { بالحسنات } بالخِصب والعافية { والسيئات } الجدب والشَّدائد { لعلهم يرجعون } كي يتوبوا .\r { فَخَلَفَ من بعدهم خلف } من بعد هؤلاء الذين قطَّعناهم خلفٌ من اليهود . يعني : أولادهم { ورثوا الكتاب } أخذوه عن آبائهم { يأخذون عرض هذا الأدنى } يأخذون ما أشرف لهم من الدُّنيا حلالاً أو حراماً { ويقولون سيغفر لنا } ويتمنَّون على الله المغفرة { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } وإن أصابوا عرضاً ، أيْ : متاعاً من الدُّنيا مثل رشوتهم تلك التي أصابوا بالأمس قبلوه . وهذا إخبارٌ عن حرصهم على الدُّنيا { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلاَّ الحق } وأكَّد الله عليهم في التوراة ألا يقولوا على الله إلاَّ الحق فقالوا الباطل ، وهو قولهم : { سيغفر لنا } وليس في التَّوراة ميعاد المغفرة مع الإِصرار { ودرسوا ما فيه } أَيْ : فهم ذاكرون لما أخذ عليهم الميثاق؛ لأنَّهم قرؤوه .\r { والذين يمسكون بالكتاب } يؤمنون به ويحكمون بما فيه . يعني : مؤمني أهل الكتاب { وأقاموا الصلاة } التي شرعها محمد A { إنا لا نضيع أجر المصلحين } منهم .\r { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } رفعناه باقتلاع له من أصله . يعني : ما ذكرنا عند قوله : { ورفعنا فوقكم الطور . . . } الآية . { وظنوا } وأيقنوا { أنَّه واقع بهم } إن خالفوا ، وباقي الآية مضى فيما سبق .","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"{ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } أخرج الله تعالى ذريَّة آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء ، وجميعُ ذلك أخرجه من صلب آدم مثل الذَّرِّ ، وأخذ عليهم الميثاق أنَّه خالقهم ، وأنَّهم مصنوعون ، فاعترفوا بذلك وقبلوا ذلك بعد أن ركَّب فيهم عقولاً ، وذلك قوله : { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم } أي : قال : ألستُ بربكم { قالوا بلى } فأقرُّوا له بالربوبيَّة ، فقالت الملائكة عند ذلك { شهدنا } أَيْ : على إقراركم { أن } لا { تقولوا } لئلا [ تقولوا ، أي : لئلا ] يقول الكفار { يوم القيامة إنا كنا عن هذا } الميثاق { غافلين } لم نحفظه ولم نذكره ، ويذكرون الميثاق ذلك اليوم فلا يمكنهم الإنكار مع شهادة الملائكة ، وهذه الآية تذكيرٌ لجميع المكلَّفين ذلك الميثاق؛ لأنَّها وردت على لسان صاحب المعجزة ، فقامت في النُّفوس مقام ما هو على ذكرٍ منها .\r { أو تقولوا } أَيُّها الذُّريَّة محتجِّين يوم القيامة : { إنما أشرك آباؤنا من قبل } أَيْ : قبلنا ، ونقضوا العهد { وكنا ذرية من بعدهم } صغاراً فاقتدينا بهم { أفتهلكنا بما فعل المبطلون } أَفَتُعَذَّبنا بما فعل المشركون المكذِّبون بالتَّوحيد ، وإَّنما اقتدينا بهم ، وكنا في غفلةٍ عن الميثاق ، وهذه الآية قطعٌ لمعذرتهم ، فلا يمكنهم الاحتجاج بكون الآباء على الشِّرك بعد تذكير الله بأخذ الميثاق بالتَّوحيد على كلِّ واحدٍ من الذُّريَّة .\r { وكذلك } وكما بيَّنا في أمر الميثاق { نفصل الآيات } نبيِّنها ليتدبَّرها العباد { ولعلهم يرجعون } ولكي يرجعوا عمَّا هم عليه من الكفر .\r { واتل عليهم } واقرأ واقصص يا محمَّد على قومك { نبأ } خبر { الذي آتيناه آياتنا } علَّمناه حجج التَّوحيد { فانسلخ } خرج { منها فأتبعه الشيطان } أدركه { فكأن من الغاوين } الضَّالين . يعني : بلعم من باعوراء . أعان أعداء الله على أوليائه بدعائه ، فَنُزِعَ عنه الإِيمان .","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"{ ولو شئنا لرفعناه بها } بالعمل بها . يعني : وفَّقناه للعمل بالآيات ، وكنَّا نرفع بذلك منزلته { ولكنه أخلد إلى الأرض } مال إلى الدُّنيا وسكن إليها ، وذلك أنَّ قومه أهدوا له رسوةً ليدعوَ على قوم موسى ، فأخذها { واتبع هواه } انقاذ لما دعاه إليه الهوى { فمثله كمثل الكلب } أراد أنَّ هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر ، وإن تركته لم يهتدِ ، فالحالتان عنده سواءٌ ، كحالتي الكلب اللاهث ، فإنَّه إنْ حُمل عليه بالطَّرد كان لاهثاً ، وإن تُرك وربض كان أيضاً لاهثاً كهذا الكافر في الحالتين ضالٌّ ، وذلك أنَّه زُجر في المنام عن الدُّعاء على موسى فلم ينزجر ، وتُرك عن الزَّجر فلم يهتد ، فضرب الله له أخسَّ شيءٍ في أخسّ أحواله ، وهو حال اللَّهث مثلاً ، وهو إدلاع اللِّسان من الإِعياء والعطش ، والكلب يفعل ذلك في حال الكلال وحال الرَّاحة ، ثمَّ عمَّ بهذا التَّمثيل جميع المكذِّبين بآيات الله فقال : { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } يعني : أهل مكَّة . كانوا يتمنَّون هادياً يهديهم ، فلما جاءهم مَنْ لا يشكُّون في صدقه كذَّبوه ، فلم يهتدوا لمَّا تُركوا ، ولم يهتدوا أيضاً لمَّا دُعوا بالرَّسول ، فكانوا ضالِّين عن الرُّشد في الحالتين { فاقصص القصص } يعني : قصص الذين كذَّبوا بآياتنا { لعلهم يتفكرون } فيتَّعظون ، ثمَّ ذمَّ مَثلَهم ، فقال : \r { ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا } أَيْ : بئس مثل القوم كذَّبوا بآياتنا { وأنفسهم كانوا يظلمون } بذلك التَّكذيب . يعني : إنَّما يخسرون حظَّهم .","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"{ ولقد ذَرَأْنا } [ خلقنا ] { لجهنم كثيراً من الجن والإِنس } وهم الذين حقَّت عليهم الشَّقاوة { لهم قلوب لا يفقهون بها } لا يعقلون بها الخير والهدى { ولهم أعين لا يبصرون بها } سبل الهدى { ولهم آذان لا يسمعون بها } مواعظ القرآن { أولئك كالأنعام } يأكلون ويشربون ولا يلتفتون إلى الآخرة { بل هم أضلُّ } لأنَّ الأنعام مطيعةٌ لله ، والكافر غير مطيع { أولئك هم الغافلون } عمَّا في الآخرة من العذاب .\r { ولله الأسماء الحسنى } يعني : التِّسعة والتِّسعين { فادعوه بها } كقولك : يا اللَّهُ ، يا قديرُ ، يا عليمُ { وذروا الذين يلحدون في أسمائه } يميلون عن القصد ، وهم المشركون عدلوا بأسماء الله عمّا هي عليه ، فسمُّوا بها أوثانهم ، وزادوا فيها ونقصوا ، واشتقوا اللاَّت من الله ، والعُزَّى من العزيز ، ومناة من المنَّان { سيجزون ما كانوا يعملون } جزاء ما كانوا يعملون في الآخرة .\r { وممن خلقنا أمة . . . } الآية . يعني : أمَّة محمد A ، كما قال في قوم موسى عليه السلام : { ومن قوم موسى أمةٌ . . . } الآية .\r { والذين كذبوا بآياتنا } محمدٍ والقرآن . يعني : أهل مكَّة { سنستدرجهم } سنمكر بهم { من حيث لا يعلمون } كلما جدَّدوا لنا معصية جدَّّدنا لهم نعمةً .\r { وأملي لهم } أُطيل لهم مدَّة عمرهم ليتمادوا في المعاصي { إنَّ كيدي متين } مكري شديد . نزلت في المستهزئين من قريش ، قتلهم الله في ليلةٍ واحدةٍ بعد أن أمهلهم طويلاً .","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"{ أَوَلَم يتفكروا } فيعلموا { ما بصاحبهم } محمَّدٍ { من جنة } من جنونٍ .\r { أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض } ليستدلُّوا بها على توحيد الله ، وفسَّرنا ملكوت السَّموات والأرضِ في سورة الأنعام { وما خلق الله من شيء } وفيما خلق الله من الأشياء كلها { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } وفي أنْ لعلَّ آجالهم قريبة ، فيهلكوا على الكفر ، ويصيروا إلى النَّار { فبأيِّ حديث بعده يؤمنون } فبأيِّ قرآنٍ غير ما جاء به محمَّد يُصدِّقون؟ يعني : إنَّه خاتم الرُّسل ، ولا وحي بعده ، ثمَّ ذكر علَّة إعراضهم عن الإِيمان ، فقال : \r { ومَنْ يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون } .\r { يسألونك عن الساعة } أَي : السَّاعة التي يموت فيها الخلق . يعني : القيامة نزلت في قريش قالت لمحمَّدٍ A : أسرَّ إلينا متى السَّاعة { إيَّان مرساها } متى وقوها وثبوتها؟ { قل إنما علمها } العلم بوقتها ووقوعها { عند ربي لا يجليها لوقتها إلاَّ هو } لا يظهرها في وقتها إلاَّ هو { ثقلت في السموات والأرض } ثقل وقوعها وكَبًُر على أهل السَّموات والأرض لما فيها من الأهوال { لا تأتيكم إلاَّ بغتة } فجأة { يسألونك كأنك حَفِيٌّ عنها } عالمٌ بها مسؤول عنها { قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أنَّ علمها عند الله حين سألوا محمداً عن ذلك .","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"{ قل لا أملك لنفسي . . . } الآية . إنَّ أهل مكة قالوا : يا محمَّد ، ألا يخبرك ربُّك بالسِّعر الرَّخيص ، قبل أن يغلو ، فنشتري من الرَّخيص لنربح عليه؟ وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل عنها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ومعنى قوله : { لا أملك لنفسي نفعاً } أي : اجتلاب نفع بأن أربح ، { ولا ضرَّاً } دفع ضرٍّ بأن أرتحل من الأرض التي تريد أن تجدب { إلاَّ ما شاء الله } أن أملكه بتمليكه { ولو كنت أعلم الغيب } ما يكون قبل أن يكون { لاستكثرت من الخير } لادَّخرت في زمانِ الخِصْبِ لزمن الجدب { وما مسني السوء } وما أصابني الضرُّ والفقر { إن أنا إلاَّ نذير } لمَنْ يصدِّق ما جئت به { وبشير } لمن اتَّبعني وآمن بي .\r { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } يعني : آدم { وجعل منها زوجها } حوَّاء خلقها من ضلعه { ليسكن إليها } ليأنس بها ، فيأوي إليها { فلما تغشاها } جامعها { حملت حملاً خفيفاً } يعني : النُّطفة والمنيِّ { فمرَّت به } استمرَّت بذلك الحمل الخفيف ، وقامت وقعدت ، ولم يُثْقِلها { فلما أثقلت } صار إلى حال الثِّقل ودنت ولادتها ، { دعوا الله ربهما } آدم وحواء { لئن آتيتنا صالحاً } بشراً سويَّاً مثلنا { لنكوننَّ من الشاكرين } وذلك أنَّ إبليس أتاها في غير صورته التي عرفته ، وقال لها : ما الذي في بطنك؟ قالت : ما أدري . قال : إنِّي أخاف أن يكون بهيمةً ، أو كلباً أو خنزيراً ، وذكرت ذلك لآدم ، فلم يزالا في همٍّ من ذلك ، ثمَّ أتاها وقال : إن سألتُ الله أن يجعله خلقاً سويَّاً مثلك أَتُسمِّينه عبد الحارث؟ وكان إبليس في الملائكة الحارث ، ولم يزل بها حتى غرَّها ، فلمَّا ولدت ولداً سويَّ الخلق سمَّته عبد الحارث ، فرضي آدم .","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"{ فلما آتاهما صالحاً } ولداً سويّاً { جعلا له } لله { شركاء } يعني : إبليس ، فأوقع الواحد موقع الجميع { فيما آتاهما } من الولد إذ سمَّياه عبد الحارث ، ولا ينبغي أن يكون عبداً إلاَّ لله ، ولم تعرف حوَّاء أنَّه إبليس ، ولم يكن هذا شركاً بالله ، لأنَّهما لم يذهبا إلى أنَّ الحارث ربَّهما ، لكنهما قصدا إلى أنَّه كان سبب نحاته ، وتمَّ الكلام عند قوله : { آتاهما } ، ثمَّ ذكر كفَّار مكة ، فقال : { فتعالى الله عمَّا يشركون } .\r { أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون } يريد : أيعبدون ما لا يقدر أن يخلق شيئاً وهم مخلوقون! عنى الأصنام .\r { ولا يستطيعون لهم نصراً } لا تنصر مَنْ أطاعها { ولا أنفسهم ينصرون } ولا يدفعون عن أنفسهم مكروه مَنْ أرادهم بكسرٍ أو نحوه ، ثمَّ خاطب المؤمنين .","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"{ وإن تدعوهم } يعني : المشركين { إلى الهدى لا يتبعوكم . . . } الآية .\r { إنَّ الذين تدعون من دون الله } يعني : الأصنام { عباد } مملوكون مخلوقون { أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم } فاعبدوهم هل يثيبونكم أو يجازونكم!؟ { إن كنتم صادقين } أنَّ لكم عند الأصنام منفعةً ، أو ثواباً ، أو شفاعةً ، ثمَّ بيَّن فضل الآدميِّ عليهم فقال : \r { ألهم أرجل يمشون بها } مشيَ بني آدم { أَمْ لهم أيدٍ يبطشون بها } يتناولون بها مثل بطش بني آدم { أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم } الذين تعبدون من دون الله { ثمَّ كيدون } أنتم وشركاؤكم { فلا تنظرون } لا تُمهلون واعجلوا في كيدي .\r { إنَّ وليي الله } الذي يتولَّى حفظي ونصري { الذي نزل الكتاب } القرآن { وهو يتولى الصالحين } الذين لا يعدلون بالله شيئاً .","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"{ وتراهم ينظرون إليك } تحسبهم يرونك { وهم لا يبصرون } وذلك لأنَّ لها أعيناً مصنوعةً مركَّبةً بالجواهر ، حتى يحسب الإِنسان أنَّها تنظر إليه .\r { خذ العفو } اقبل الميسور من أخلاق النَّاس ، ولا تستقصِ عليهم . وقيل : هو أن يعفو عمَّنْ ظلمه ، ويصل مَنْ قطعه { وأمر بالعرف } المعروف الذي يعرف حسنه كلُّ أحدٍ . { وأعرض عن الجاهلين } لا تقابل السَّفيه بسفهه ، فلمَّا نزلت هذه الآية قال رسول الله A : كيف يا ربِّ والغضب؟ فنزل : \r { وإمَّا ينزغنَّك من الشيطان نزغ } يعرض لك من الشيطان عارضٌ ، ونالك منه أدنى وسوسة { فاستعذ بالله } اطلب النَّجاة من تلك البليَّة بالله { إنَّه سميع } لدعائك { عليم } عالمٌ بما عرض لك .\r { إنَّ الذين اتقوا } يعني : المؤمنين { إذا مسَّهم } أصابهم { طيف من الشيطان } عارضٌ من وسوسته { تذكَّروا } استعاذوا بالله { فإذا هم مبصرون } مواقع خَطَئِهِمْ ، فينزعون من مخالفة الله .\r { وإخوانهم } يعني : الكفَّار ، وهم إخوان الشَّياطين { يمدونهم } أَي : الشَّياطين يطوِّلون لهم الإِغواء والضَّلالة { ثم لا يقصرون } عن الضلالة ولا يبصرونها ، كما أقصر المُتَّقي عنها حين أبصرها .","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"{ وإذا لم تأتهم } يعني : أهل مكَّة { بآية } سألوكها { قالوا لولا اجتبيتها } اختلقتها وأنشأتها من قبل نفسك { قل إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي } أَيْ : لستُ آتي بالآيات من قبل نفسي . { هذا } أَيْ : هذا القرآن الذي أتيتُ به { بصائر من ربكم } حججٌ ودلائلُ تعود إلى الحقِّ .\r { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } الآيةُ نزلت في تحريم الكلام في الصَّلاة ، وكانوا يتكلَّمون في الصَّلاة في بدء الأمر . وقيل : نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإِمام . وقيل : نزلت في السُّكوت للخطبة ، وقوله : { وأنصتوا } أَيْ : عمَّا يحرم من الكلام في الصَّلاة ، أو عن رفع الصَّوت خلف الإِمام ، أو اسكتوا لاستماع الخطبة .\r { واذكر ربك في نفسك } يعني : القراءة في الصَّلاة { تضرُّعاً وخيفة } استكانةًَ لي وخوفاً من عذابي { ودون الجهر } دون الرَّفع { من القول بالغدو والآصال } بالبُكُر والعشيَّات . أُمر أن يقرأ في نفسه في صلاة الإِسرار ، ودون الجهر فيما يرفع به الصَّوت { ولا تكن من الغافلين } الذين لا يقرؤون في صلاتهم .\r { إنَّ الذين عند ربك } يعني : الملائكة ، وهم بالقرب من رحمة الله { لا يستكبرون عن عبادته } أَيْ : هم مع منزلتهم ودرجتهم يعبدون الله . كأنَّه قيل : مَنْ هو أكبر منك أيُّها الإِنسان لا يستكبر عن عبادة الله { ويسبحونه } يُنزِّهونه عن السُّوء { وله يسجدون } .","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"{ يسألونك عن الأنفال } الغنائم ، لمَنْ هي؟ نزلت حين اختلفوا في غنائم بدر ، فقال الشُّبان : هي لنا؛ لأنَّا باشرنا الحرب ، وقالت الأشياخ : كنَّا ردءاً لكم؛ لأنَّا وقفنا في المصافِّ مع رسول الله A ، ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا ، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا ، فأنزل الله تعالى : { قل الأنفال لله والرسول } يضعها حيث يشاء من غير مشاركة فيها ، فقسمها بينهم على السَّواء { فاتقوا الله } بطاعته واجتناب معاصية { وأصلحوا ذات بينكم } حقيقة وصلكم ، أَيْ : لا تَخَالفوا { وأطيعوا الله ورسوله } سلِّموا لهما في الأنفال؛ فإنَّهما يحكمان فيها ما أرادا { إن كنتم مؤمنين } ثمَّ وصف المؤمنين فقال : \r { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } أَيْ : المؤمن الذي إذا خُوِّف بالله فرق قلبه ، وانقاد لأمره { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً } تصديقاً ويقيناً { وعلى ربهم يتوكلون } بالله يثقون لا يرجون غيره .","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"{ أولئك هم المؤمنون حقاً } صدقاً من غير شكٍّ ، لا كإيمان المنافقين { لهم درجات عند ربهم } يعني : درجات الجنَّة { ومغفرة ورزق كريم } وهو رزق الجنَّة .\r { كما أخرجك } أيْ : امض لأمر الله في الغنائم وإن كره بعضهم ذلك؛ لأنَّ الشُّبان أرادوا أن يستبدُّوا به ، فقال الله تعالى : أعط مَنْ شئت وإن كرهوا ، كما مضيت لأمر الله في الخروج وهم له كارهون . ومعنى { كما أخرجك ربُّك من بيتك } أمرك بالخروج من المدينة لعير قريش { بالحقِّ } بالوحي الذي أتاك به جبريل { وإنَّ فريقاً من المؤمنين لكارهون } الخروج معك كراهة الطَّبع لاحتمال المشقَّة؛ لأنَّهم علموا أنَّهم لا يظفرون بالعير دون القتال .\r { يجادلونك في الحق بعد ما تبيَّن } في القتال بعد ما أُمرت به ، وذلك أنَّهم خرجوا للعير ، ولم يأخذوا أُهبة الحرب ، فلمَّا أُمروا بحرب النَّفير شقَّ عليهم ذلك ، فطلبوا الرُّخصة في ترك ذلك ، فهو جدالهم { كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } أَيْ : لشدَّة كراهيتهم للقاء القوم كأنَّهم يُساقون إلى الموت عياناً .","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"{ وإذْ يعدكم الله إحدى الطائفتين } العير أو النَّفير { أنَّها لكم وتودون أنَّ غير ذات الشوكة تكون لكم } أَيْ : العير التي لا سلاح فيها تكون لكم { ويريد الله أن يحق الحق } يُظهره ويُعليَه { بكلماته } بِعِدَاتِه التي سبقت بظهور الإِسلام { ويقطع دابر الكافرين } آخر مَنْ بقي منهم . يعني : إنَّه إنَّما أمركم بحرب قريشٍ لهذا .\r { ليحقَّ الحق } أَيْ : ويقطع دابر الكافرين ليُظهر الحقَّ ويُعليَه { ويبطل الباطل } ويُهلك الكفر ويُفنيه { ولو كره المجرمون } ذلك .\r { إذ تستغيثون ربكم } تطلبون منه المعونة بالنَّصر على العدوِّ لقلَّتكم { فاستجاب لكم أني ممدُّكم بألفٍ من الملائكة مردفين } متتابعين ، جاؤوا بعد المسلمين ، ومَنْ فتح الدَّال أراد : بألفٍ أردف الله المسلمين بهم .\r { وما جعله الله } أَيْ : الإِرداف { إلاَّ بشرى } الآية ماضية في سورة آل عمران .\r { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } وذلك أنَّ الله تعالى أمَّنهم أمناً غشيهم النُّعاس معه ، وهذا كما كان يوم أُحدٍ ، وقد ذكرنا ذلك في سورة آل عمران . { وينُزِّل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } وذلك أنَّهم لمَّا بايتوا المشركين ببدرٍ أصابت جماعة منهم جنابات ، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء ، فوسوس إليهم الشَّيطان ، وقال لهم : كيف ترجون الظَّفر وقد غلبوكم على الماء؟ وأنتم تُصلُّون مُجنِبين ومُحدِثين ، وتزعمون أنَّكم أولياء الله وفيكم نبيُّه؟ فأنزل الله تعالى مطراً سال منه الوادي حتى اغتسلوا ، وزالت الوسوسة ، فذلك قوله : { ليطهركم به } أَيْ : من الأحداث والجنابات { ويذهب عنكم رجز الشيطان } وسوسته التي تكسب عذاب الله { وليربط } به { على قلوبكم } باليقين والنَّصر { ويثبت به الأقدام } وذلك أنَّهم كانوا قد نزلوا على كثيبٍ تغوص فيه أرجلهم ، فلبَّده المطر حتى ثبتت عليه الأقدام .\r { إذ يوحي ربك إلى الملائكة } الذين أمدَّ بهم المسلمين { إني معكم } بالعون والنُّصرة { فثبتوا الذين آمنوا } بالتَّبشير بالنَّصر ، وكان المَلَك يسير أمام الصَّف على صورة رجلٍ ويقول : أبشروا؛ فإنَّ الله ناصركم { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } الخوف من أوليائي { فاضربوا فوق الأعناق } أَيْ : الرُّؤوس { واضربوا منهم كلَّ بنان } أَيْ : الأطراف من اليدين والرِّجلين .\r { ذلك } الضَّرب { بأنهم شاقوا الله ورسوله } باينوهما وخالفوهما .\r { ذلكم } القتل والضَّرب ببدرٍ { فذوقوه وأنَّ للكافرين عذاب النار } بعدما نزل بهم من ضرب الأعناق .\r { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً } مُجتمعين مُتدانين إليكم للقتال { فلا تولوهم الأدبار } لا تجعلوا ظهوركم ممَّا يليهم .","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"{ ومن يُوَلَّهِمْ يومئذٍ } أَيْ : يوم لقاء الكفَّار { دبره إلاَّ متحرِّفاً لقتال } مُنعطفاً مُستَطرداً يطلب العودة { أو متحيزاً } مُنضمَّاً { إلى فئة } لجماعةٍ يريدون العود إلى القتال { فقد باء بغضب من الله . . . } الآية . وأكثر المفسرين على أنَّ هذا الوعيد ، إنَّما كان لمَنْ فرَّ يوم بدرٍ ، وكان هذا خاصَّاً للمنهزم يوم بدرٍ .\r { فلم تقتلوهم } يعني : يوم بدرٍ { ولكنَّ الله قتلهم } بتسبيبه ذلك ، من المعونة عليهم وتشجيع القلب { وما رميت إذ رميت } وذلك أنَّ جبريل عليه السَّلام قال للنبيِّ عليه السَّلام يوم بدرٍ : خذ قبضةً من تراب فارمهم بها ، فأخذ رسول الله A قبضةً من حصى الوادي ، فرمى بها في وجوه القوم ، فلم يبقَ مشركٌ إلاَّ دخل عينيه منها شيءٌ ، وكان ذلك سبب هزيمتهم ، فقال الله تعالى : { وما رميت إذ رميت ولكنَّ الله رمى } أَيْ : إنَّ كفَّاً من حصى لا يملأ عيون ذلك الجيش الكثير برمية بَشرٍ ، ولكنَّ الله تعالى تولَّى إيصال ذلك إلى أبصارهم { وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً } وينعم عليهم نعمةً عظيمةً بالنَّصر والغنيمة فعل ذلك . { إنَّ الله سميع } لدعائهم { عليم } بنيَّاتهم .\r { ذلكم وأنَّ الله موهن كيد الكافرين } يُهنِّىء رسوله بإيهانه كيد عدوِّه ، حتى قُتلت جبابرتهم ، وأُسِر أشرافهم .\r { إن تستفتحوا } هذا خطابٌ للمشركين ، وذلك أنَّ أبا جهلٍ قال يوم بدرٍ : اللَّهم انصر أفضل الدِّينَيْن ، وأهدى الفئتين ، فقال الله تعالى : { إن تستفتحوا } تستنصروا لأَهْدى الفئتين { فقد جاءكم الفتح } النَّصر { وإن تنتهوا } عن الشِّرك بالله { فهو خير لكم وإن تعودوا } لقتال محمَّدٍ { نعد } عليكم بالقتل والأسر { ولن تغني عنكم } تدفع عنكم { فئتكم } جماعتكم { شئياً ولو كثرت } في العدد { وأنَّ الله مع المؤمنين } فالنَّصر لهم .\r { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه } لا تُعرضوا عنه بمخالفة أمره { وأنتم تسمعون } ما نزل من القرآن .\r { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا } سماع قابلٍ ، وليسوا كذلك ، يعني : المنافقين ، وقيل : أراد المشركين؛ لأنَّهم سمعوا ولم يتفكَّروا فيما سمعوا ، فكانوا بمنزلة مَنْ لم يسمع .\r { إنَّ شرَّ الدواب عند الله الصمُّ البكم الذين لا يعقلون } يريد نفراً من المشركين كانوا صمَّاً عن الحقِّ ، فلا يسمعونه ، بُكماً عن التَّكلُّم به . بيَّن الله تعالى أنَّ هؤلاء شرُّ ما دبَّ على الأرض من الحيوان .\r { ولو علم الله فيهم خيراً } لو علم أنَّهم يصلحون بما يُورده عليهم من حججه وآياته { لأسمعهم } إيَّاها سماع تفهمٍ { ولو أسمعهم } بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك و { لتولوا وهم معرضون } .","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول } أجيبوا لهما بالطَّاعة { إذا دعاكم لما يحييكم } يعني : الجهاد؛ لأنَّ به يحيا أمرهم ويقوى ، ولأنَّه سبب الشَّهادة ، والشُّهداء أحياءٌ عند ربهم ، ولأنَّه سببٌ للحياة الدَّائمة في الجنَّة { واعلموا أنَّ الله يحول بين المرءِ وقلبه } يحول بين الإِنسان وقلبه ، فلا يستطيع أن يؤمن إلاَّ بإذنه ، ولا أن يكفر ، فالقلوب بيد الله تعالى يُقلِّبها كيف يشاء { وأنَّه إليه تحشرون } للجزاء على الأعمال .\r { واتقوا فتنة . . . } الآية . أمر الله تعالى المؤمنين ألا يُقرّوا المنكر بين أظهرهم ، فيعمَّهم الله بالعذاب ، والفتنة ها هنا : إقرار المنكر ، وترك التَّغيير له ، وقوله : { لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة } أَيْ : تصيب الظَّالم والمظلوم ، ولا تكون للظَّلمة وحدهم خاصَّة ، ولكنَّها عامَّة ، والتَّقدير : واتَّقوا فتنةً ، إن لا تتقوها لا تصيب الذين ظلموا منكم خاصَّة ، أَيْ : لا تقع بالظَّالمين دون غيرهم ، ولكنها تقع بالصَّالحين والطَّالحين { واعلموا أنَّ الله شديد العقاب } حثٌّ على لزوم الاستقامة خوفاً من الفتنة ، ومن عقاب الله بالمعصية فيها .\r { واذكروا } يعني : المهاجرين { إذ أنتم قليل } يعني : حين كانوا بمكَّة في عنفوان الإِسلام قبل أن يُكملوا أربعين { مستضعفون في الأرض } يعني : أرض مكَّة { تخافون أن يتخطفكم الناس } المشركون من العرب لو خرجتم منها { فآواكم } جعل لكم مأوىً ترجعون إليه ، وضمَّكم إلى الأنصار { وأيَّدكم بنصره } يوم بدرٍ بالملائكة { ورزقكم من الطيبات } يعني : الغنائم أحلَّها لكم { لعلكم تشكرون } كي تطيعوا .","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله } بترك فرائضه { والرسول } بترك سنَّته { وتخونوا } أَيْ : ولا تخونوا { أماناتكم } وهي كلُّ ما ائتمن الله عليها العباد ، وكلُّ أحدٍ مؤتمنٌ على ما افترض الله عليه { وأنتم تعلمون } أنَّها أمانةٌ من غير شبهةٍ . وقيل : نزلت هذه الآية في أبي لُبابة حين بعثه رسول الله A إلى قُريظة لمَّا حاصرهم ، وكان أهله وولده فيهم ، فقالوا له : ما ترى لنا؟ أننزل على حكم سعدٍ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه ، أنَّه الذَّبح ، فلا تفعلوا ، وكانت منه خيانةً لله ورسوله .\r { واعلموا أنَّما أموالكم وأولادكم فتنة } أَيْ : محنةٌ يظهر بها ما في النَّفس من اتِّباع الهوى أو تجنُّبه ، ولذلك مال أبو لبابة إلى قُريظة في إطلاعهم على حكم سعد؛ لأنَّ ماله وولده كانت فيهم { وإنَّ الله عنده أجر عظيم } لمن أدى الأمانة ولم يخن .\r { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله } باجتناب الخيانة فيما ذُكر { يجعل لكم فرقاناً } يفرق بينكم وبين ما تخافون ، فتنجون { ويكفر عنكم سيئاتكم } يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم { والله ذو الفضل العظيم } لا يمنعكم ما وعدكم على طاعته .","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"{ وإذ يمكر بك الذين كفروا } وذلك أنَّ مشركي قريش تآمروا في دارة النَّدوة في شأن محمَّد عليه السًّلام ، فقال بعضهم : قيِّدوه نتربص به ريب المنون ، وقال بعضهم : أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه ، وقال أبو جهل - لعنه الله - : ما هذا برأي ، ولكن اقتلوه ، بأن يجتمع عليه من كلِّ بطنٍ رجلٌ ، فيضربوه ضربة رجلٍ واحدٍ ، فإذا قتلوه تفرَّق دمه في القبائل ، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلِّها ، فأوحى الله تعالى إلى نبيِّه بذلك ، وأمره بالهجرة ، فذلك قوله : { ليثبتوك } أَيْ : ليوثقوك ويشدُّوك { أو يقتلوك } بأجمعهم قتلةَ رجلٍ واحدٍ ، كما قال اللَّعين أبو جهل ، { أو يخرجوك } من مكَّة إلى طرفٍ من أطراف الأرض { ويمكرون ويمكر الله } أَيْ : يجازيهم جزاء مكرهم بنصر المؤمنين عليهم { والله خير الماكرين } أفضل المجازين بالسَّيئِة العقوبة ، وذلك أنَّه أهلك هؤلاء الذين دبَّروا لنبيِّه الكيد ، وخلَّصه منهم .\r { وإذا تتلى عليهم آياتنا . . . } الآية . كان النَّضر بن الحارث خرج إلى الحيرة تاجراً ، واشترى أحاديث كليلة ودمنة ، فكان يقعد به مع المستهزئين ، فيقرأ عليهم ، فلمَّا قصَّ رسول الله A شأن القرون الماضية قال النَّضرُ بن الحارث : لو شئتُ لقلتُ مثل هذا ، إنْ هذا إلاَّ ما سطَّر الأوَّلون في كتبهم ، وقال النَّضر أيضاً : \r { اللهم إن كان هذا } الذي يقوله محمَّدٌ حقَّاً { من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } كما أمطرتها على قوم لوط { أو ائتنا بعذابٍ أليم } أَيْ : ببعض ما عذَّبت به الأمم . حمله شدَّة عداوة النبيِّ A على إظهار مثل هذا القول ، ليوهم أنَّه على بصيرةٍ من أمره ، وغاية الثِّقة في أمر محمَّد ، أنَّه ليس على حقٍّ .","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"{ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } وما كان الله ليعذِّب المشركين وأنت مقيمٌ بين أظهرهم؛ لأنَّه لم يعذِّب الله قريةً حتى يخرج النبيُّ منها والذين آمنوا معه { وما كان الله } معذِّبَ هؤلاء الكفَّار وفيهم المؤمنون { يستغفرون } يعني : المسلمين ، ثمَّ قال : \r { وما لهم ألا يعذِّبهم الله } أَيْ : ولمَ لا يعذِّبهم الله بالسَّيف بعد خروج مَنْ عنى بقوله : { وهم يستغفرون } من بينِهم { وهم يصدون } يمنعون النبيِّ والمؤمنين { عن المسجد الحرام } أن يطوفوا به { وما كانوا أولياءه } وذلك أنَّهم قالوا : نحن أولياء المسجد ، فردَّ الله عليهم بقوله : { إن أولياؤه إلاَّ المتقون } يعني : المهاجرين والأنصار { ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون } غيبَ علمي وما سبق في قضائي .\r { وما كان صلاتهم عند البيت إلاَّ مكاءً وتصديةً } أَيْ : صفيراً وتصفيقاً ، وكانت قريش يطوفون بالبيت عُراةً يُصفِّرون ويُصفِّقون ، جعلوا ذلك صلاةً لهم ، فكان تَقرُّبُهم إلى الله بالصَّفير والصَّفيق { فذوقوا العذاب } ببدرٍ { بما كنتم تكفرون } تجحدون توحيد الله تعالى .\r { إنَّ الذين كفروا } نزلت في المُنفقين على حرب رسول الله A أيَّام بدرٍ ، وكانوا اثني عشر رجلاً . قال تعالى : { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } بذهاب الأموال ، وفوات المراد .\r { ليميز الله الخبيث من الطيب } أَيْ : إنما تحشرون إلى جهنَّم ليميِّز بين أهل الشَّقاوة ، وأهل السَّعادة { ويجعل الخبيث } أَي : الكافر ، وهو اسم الجنس { بعضه على بعض } يلحق بعضهم ببعض { فيركمه جميعاً } أَيْ : يجمعه حتى يصير كالسَّحاب المركوم ثمَّ { فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون } لأنَّهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة .\r { قل للذين كفروا } أبي سفيان وأصحابه : { إن ينتهوا } عن الشِّرك وقتال المؤمنين { يغفر لهم ما قد سلف } تقدَّم من الزِّنا والشِّرك؛ لأنَّ الحربيَّ إذا أسلم عاد كَمِثْلِهِ يوم ولدته أمه { وإن يعودوا } للقتال { فقد مضت سنَّة الأولين } بنصر اللَّهِ رسلَه ومَنْ آمن على مَنْ كفر .\r { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } كفرٌ { ويكون الدين كله لله } لا يكون مع دينكم كفرٌ في جزيرة العرب { فإن انتهوا } عن الشِّرك { فإنَّ الله بما يعملون بصير } يُجازيهم مُجازاة البصير بهم وبأعمالهم .","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"{ وإن تولوا } أَبَوا أن يدعوا الشِّرك وقتال محمد { فاعلموا أنَّ الله مولاكم } ناصركم يا معشر المؤمنين .\r { واعلموا أنما غنمتم من شيء } أخذتموه قسراً من الكفَّار { فَأَنَّ لله خمسه } هذا تزيينٌ لافتتاح الكلام ، ومصرف الخمس إلى حيث ذَكر ، وهو قوله : { وللرسول } كان له خمس الخمس يصنع فيه ما شاء ، واليوم يُصرف إلى مصالح المسلمين { ولذي القربى } وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين حُرِّمت عليهم الصَّدقات المفروضة ، لهم خمس الخمس من الغنيمة { واليتامى } وهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم ، يُنفق عليهم من خُمس الخمس { والمساكين } وهم أهل الحاجة والفاقة من المسلمين ، لهم أيضاً خمس الخمس { وابن السبيل } المنقطع به في سفره ، فخمس الغنيمة يقسم على خمسة أخماس كما ذكره الله تعالى ، وأربعة أخماسها تكون للغانمين ، وقوله : { إن كنتم آمنتم بالله } أَيْ : فافعلوا ما أُمرتم به في الغنيمة إن كنتم آمنتم بالله { وما أنزلنا على عبدنا } يعني : هذه السُّورة { يوم الفرقان } اليوم الذي فرَّقت به بين الحقِّ والباطل { يوم التقى الجمعان } حزب الله ، وحزب الشَّيطان { والله على كلِّ شيء قدير } إذ نصركم الله وأنتم أقلَّةٌ أذلَّةٌ .","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"{ إذ أنتم بالعدوة الدنيا } نزولٌ بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة ، وعدوكم نزولٌ بشفير الوادي الأقصى إلى مكَّة { والركب } أبو سفيان وأصحابه ، وهم أصحاب الإِبل . يعني : العير { أسفل منكم } إلى ساحل البحر { ولو تواعدتم } للقتال { لاختلفتم في الميعاد } لتأخَّرتم فنقضتم الميعاد لكثرتهم وقلَّتكم { ولكن } جمعكم الله من غير ميعاد { ليقضي الله أمراً كان مفعولاً } في علمه وحكمه من نصر النبيِّ A والمؤمنين { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بيِّنة } أَيْ : فعل ذلك ليضلَّ ويكفر مَنْ كفر من بعد حجَّةٍ قامت عليه ، وقطعت عذره ، ويؤمن من آمن على مثل ذلك ، وأراد بالبيِّنة نصرة المؤمنين مع قلَّتهم على ذلك الجمع الكثير مع كثرتهم وشوكتهم { وإنَّ الله لسميع } لدعائكم { عليمٌ } بنيَّاتكم .\r { إذ يريكهم الله في منامك } عينك ، وهو موضع النَّوم { قليلاً } لتحتقروهم وتجترؤوا عليهم { ولو أراكهم كثيراً لفشلتهم } لجّبُنْتُم ولَتأخَّرتم عن حربهم { ولتنازعتم في الأمر } واختلفت كلمتكم { ولكنَّ الله سلَّم } عصمكم وسلَّمكم من المخالفة فيما بينكم { إنه عليم بذات الصدور } علم ما في صدوركم من اليقين ثمَّ خاطب المؤمنين جميعأً بهذا المعنى فقال : \r { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً } قال ابن مسعودٍ : لقد قُلَّلوا في أعيننا يوم بدرٍ حتى قلت لرجلٍ إلى جنبي : تراهم سبعين؟ قال : أراهم مائة ، وأسرنا رجلاً فقلنا : كم كنتم؟ قال : ألفاً . { ويقللكم في أعينهم } ليجترئوا عليكم ولا يراجعوا عن قتالكم { ليقضي الله أمراً كان مفعولاً } في علمه بنصر الإسلام وأهله ، وذلِّ الشِّرك وأهله { وإلى الله ترجع الأمور } وبعد هذا إليَّ مصيركم ، فأكرم أوليائي ، وأعاقب أَعدائي .","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة } جماعةً كافرةً { فاثبتوا } لقتالهم ولا تنهزموا { واذكروا الله كثيراً } ادعوه بالنَّصر عليهم { لعلكم تفلحون } كي تسعدوا وتبقوا في الجنة ، فإنَّهما خصلتان؛ إمَّا الغنيمة؛ وإمَّا الشَّهادة .\r { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا } ولا تختلفوا { فتفشلوا } تجبنوا { وتذهب ريحكم } جَلَدكم وجرأتكم ودولتكم .\r { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم } يعني : النَّفير { بطراً } طُغياناً في النِّعمة ، للجميل مع إبطان القبيح { ويصدون عن سبيل الله } لمعاداة المؤمنين وقتالهم { والله بما يعملون محيط } عالم فيجازيهم به .\r { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم . . . } الآية . وذلك أنَّ قريشاً لمَّا أجمعت المسير خافت كنانة وبني مدلج لطوائلَ كانت بينهم ، فتبدَّى لهم إبليس [ في جنده ] على صورة سُراقة بن مالك بن جعشم الكنانيِّ ثمَّ المدلجيِّ ، فقالوا له : نحنُ نريد قتال هذا الرَّجل ، ونخاف من قومك ، فقال لهم : أنا جارٌ لكم ، أَيْ : حافظٌ من قومي ، فلا غالب لكم اليوم من النَّاس { فلما تراءت الفئتان } التقى الجمعان { نكص على عقبيه } رجع مولياً ، فقيل له : يا سراقة ، أفراراً من غير قتال؟! فقال : { إني أرى ما لا ترون } وذلك أنَّه رأى جبريل مع الملائكة جاؤوا لنصر المؤمنين { إني أخاف الله } أن يهلكني فيمن يهلك { والله شديد العقاب } .","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"{ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } وهم قومٌ أسلموا بمكة ولم يهاجروا ، فلمَّا خرجت قريش لحرب رسول الله A خرجوا معهم ، وقالوا : نكون مع أكثر الفئتين ، فلمَّا رأوا قلَّة المسلمين قالوا : { غرَّ هؤلاء دينهم } إذ خرجوا مع قلَّتهم يقاتلون الجمع الكثير ، ثمَّ قُتلوا جميعاً مع المشركين . قال الله تعالى : { ومَنْ يتوكل على الله } يُسلم أمره إلى الله { فإنَّ الله عزيز } قويٌّ منيع { حكيم } في خلقه .\r { ولو ترى } يا محمَّد { إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } يأخذون أرواحهم . يعني : مَنْ قُتلوا ببدرٍ { يضربون وجوههم وأدبارهم } مقاديمهم إذا أقبلوا إلى المسلمين ، ومآخيرهم إذا ولًّوا { وذوقوا } أَيْ : ويقولون لهم بعد الموت : ذوقوا بعد الموت { عذاب الحريق } .\r { ذلك } أَيْ : هذا العذاب { بما قدَّمت أيديكم } بما كسبتم وجنيتم { وأنَّ الله ليس بظلام للعبيد } لأنَّه حكم فيما يقضي .\r { كدأب آل فرعون . . . } الآية . يريد : عادة هؤلاء في التَّكذيب كعادة آل فرعون ، فأنزل الله تعالى بهم عقوبته ، كما أنزل بآل فرعون { إنَّ الله قويٌّ } قادرٌ لا يغلبه شيء { شديد العقاب } لمَنْ كفر به وكذَّب رسله .\r { ذلك بأنَّ الله . . . } الآية . إنَّ الله تعالى أطعم أهل مكَّة من جوعٍ ، وآمنهم من خوف ، وبعث إليهم محمداً رسولاً ، وكان هذا كلُّه ممَّا أنعم عليهم ، ولم يكن يُغيِّر عليهم لو لم يُغيِّروا هم ، وتغييرهم كفرهم بها وتركهم شكرها ، فلمَّا غيَّروا ذلك غيَّر الله ما بهم ، فسلبهم النِّعمة وأخذهم ، ثمَّ نزل في يهود قريظة .","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"{ إن شرَّ الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون } .\r { الذين عاهدت منهم . . . } الآية . وذلك أنَّهم نقضوا عهد رسول الله A ، وأعانوا عليه مشركي مكَّة بالسِّلاح ، ثمَّ اعتذروا وقالوا : أخطأنا ، فعاهدهم ثانيةً فنقضوا العهد يوم الخندق ، وذلك قوله : { ثمَّ ينقضون عهدهم في كلِّ مرَّة وهم لا يتقون } عقاب الله في ذلك .\r { فإمَّا تثقفنَّهم في الحرب } فإن أدركتهم في القتال وأسرتهم { فشرد بهم مَنْ خلفهم } فافعل بهم فعلاً من التَّنكيل والعقوبة يفرق به جمعُ كلِّ ناقضِ عهدٍ ، فيعتبروا بما فعلت بهؤلاء ، فلا ينقضوا العهد ، فذلك قوله تعالى : { لعلهم يذكرون } .\r { وإمَّا تخافنَّ من قوم } تعلمنَّ من قومٍ { خيانة } نقضاً للعهد بدليلٍ يظهر لك { فانبذ إليهم على سواء } أَي : انبذ عهدهم الذي عاهدتهم عليه؛ لتكون أنت وهم سواءً في العداوة ، فلا يتوهموا أنَّك نقضت العهد بنصب الحرب ، أَيْ : أعلمهم أنَّك نقضت عهدهم لئلا يتوهَّموا بك الغدر { إنَّ الله لا يحبُّ الخائنين } الذين يخونون في العهود وغيرها .","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"{ ولا تحسبنَّ الذين كفروا سبقوا } وذلك أنَّ مَنْ أفلت من حرب بدرٍ من الكفَّار خافوا أن ينزل بهم هلكة في الوقت ، فلمَّا لم ينزل طغوا وبغوا ، فقال الله : لا تحسبنَّهم سبقونا بسلامتهم الآن ف { إنهم لا يعجزون } نا ولا يفوتوننا فيما يستقبلون من الأوقات .\r { وأعدوا لهم } أَيْ : خذوا العُدَّة لعدوِّكم { ما استطعتم من قوة } ممَّا تتقوون به على حربهم ، من السِّلاح والقسي وغيرهما { ومن رباط الخيل } ممَّا يرتبط من الفرس في سبيل الله { ترهبون به } تخوِّفون به بما استطعتم { عدو الله وعدوكم } مشركي مكَّة وكفَّار العرب { وآخرين من دونهم } وهم المنافقون { لا تعلمونهم الله يعلمهم } لأنَّهم معكم يقولون : لا إله إلاَّ الله ، ويغزون معكم ، والمنافق يريبه عدد المسلمين { وما تنفقوا من شيء } من آلةٍ ، وسلاحٍ ، وصفراء ، وبيضاء { في سبيل الله } طاعة الله { يوف إليكم } يخلف لكم في العاجل ، ويوفَّر لكم أجره في الآخرة { وأنتم لا تظلمون } لا تنقصون من الثَّواب .\r { وإن جنحوا للسلم } مالوا إلى الصُّلح { فاجنح لها } فملْ إليها . يعني : المشركين واليهود ، ثمَّ نسخ هذا بقوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } { وتوكَّل على الله } ثق به { إنَّه هو السميع } لقولكم { العليم } بما في قلوبكم .\r { وإن يريدوا أن يخدعوك } بالصُّلح لتكفَّ عنهم { فإنَّ حسبك الله } أَيْ : فالذي يتولَّى كفايتك الله { هو الذي أيدك } قوَّاك { بنصره } يوم بدرٍ { وبالمؤمنين } يعني : الأنصار .\r { وألف بين قلوبهم } بين قلوب الأوس والخزرج ، وهم الأنصار { لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألَّفت بين قلوبهم } للعداوة التي كانت بينهم ، { ولكنَّ الله ألف بينهم } لأنَّ قلوبهم بيده يُؤلِّفها كيف يشاء { إنَّه عزيز } لا يمتنع عليه شيء { حكيم } عليمٌ بما يفعله .\r { يا أيها النبيُّ حسبك الله . . . } الآية . أسلم مع النبيِّ A ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً ، وستُّ نسوةٍ ، ثمَّ أسلم عمر Bه ، فنزلت هذه الآية ، والمعنى : يكفيك الله ، ويكفي من اتَّبعك من المؤمنين .","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"{ يا أيها النبيُّ حرِّض المؤمنين على القتال } حُضَّهم على نصر دين الله { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } يريد : الرَّجل منكم بعشرة منهم في الحرب ، { وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنَّهم قومٌ لا يفقهون } أَيْ : هم على جهالةٍ ، فلا يثبتون إذا صدقتموهم القتال خلاف مَنْ يقاتل على بصيرةٍ يرجو ثواب الله ، وكان الحكم على هذا زماناً ، يُصابر الواحد من المسلمين العشرة من الكفَّار ، فتضرَّعوا وشكوا إلى الله عزَّ وجلَّ ضعفهم ، فنزل : \r { الآن خفف الله عنكم } هوَّن عليكم { وعلم أنَّ فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين } . فصار الرَّجل من المسلمين برجلين من الكفَّار ، وقوله : { بإذن الله } أَيْ : بإرادته ذلك .\r { ما كان لنبي أن يكون له أسرى . . . } الآية . نزلت في فداء أسارى بدر ، فادوهم بأربعة ألاف ألف ، فأنكر الله عزَّ وجلَّ على نبيِّه A ذلك بقوله : لم يكن لنبيِّ أن يحبس كافراً قَدَر عليه للفداء ، فلا يكون له أيضاً حتى يُثخن في الأرض : يُبالغ في قتل أعدائه { تريدون عرض الدنيا } أي : الفِداء { والله يريد الآخرة } يريد لكم الجنة بقتلهم ، وهذه الآية بيان عمَّا يجب أن يجتنب من اتِّخاذ الأسرى للمنِّ أو الفِداء قبل الإِثخان في الأرض بقتل الأعداء ، وكان هذا في يوم بدر ، ولم يكونوا قد أثخنوا ، فلذلك أنكر الله عليهم ، ثمَّ نزل بعده : { فإمَّا منَّاً بعدُ وإمَّا فداءً . }","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"{ لولا كتاب من الله سبق } يا محمَّد أنَّ الغنائم وفداء الأسرى لك ولأمَّتك حلال { لَمَسَّكُمْ فيما أخذتم } من الفِداء { عذاب عظيم } فلمَّا نزل هذا أمسكوا أيديهم عمَّا أخذوا من الغنائم ، فنزل : \r { فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله } بطاعته { إنَّ الله غفور } غفر لكم ما أخذتم من الفِداء { رحيم } رحمكم لأنَّكم أولياؤه .\r { يأ أيها النبيُّ قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً } إرادةً للإِسلام { يؤتكم خيراً مما أخذ منكم } من الفِداء . يعني : إِنْ أسلمتم وعلم الله إسلام قلوبكم أخلف عليكم خيراً ممَّا أُخذ منكم { ويغفر لكم } ما كان من كفركم وقتالكم رسول الله A .\r { وإن يريدوا خيانتك } وذلك أنَّهم قالوا للنبيِّ A : آمنَّا بك ، ونشهد أنَّك رسول الله ، فقال الله تعالى : إن خانوك وكان قولهم هذا خيانة { فقد خانوا الله من قبل } كفروا به { فأمكن منهم } المؤمنين ببدرٍ ، وهذا تهديدٌ لهم إن عادوا إلى القتال { والله عليم } بخيانةٍ إن خانوها { حكيم } في تدبيره ومجازاته إيَّاهم .","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"{ إنَّ الذين آمنوا وهاجروا . . . } الآية . نزلت في الميراث كانوا في ابتداء الإسلام يتوارثون بالهجرة والنُّصرة ، فكان الرَّجل يُسلم ولا يهاجر ، فلا يرث أخاه فذلك قوله : { الذين آمنوا وهاجروا } هجروا قومهم وديارهم وأموالهم { والذين آووا ونصروا } يعني : الأنصار ، أسكنوا المهاجري ديارهم ونصروهم { أولئك بعضهم أولياء بعض } أيْ : هؤلاء هم الذين يتوارثون بعضهم من بعض .\r { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء } أَيْ : ليسوا بأولياء ، ولا يثبت التَّوارث بينكم وبينهم { حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين } يعني : هؤلاء الذين لم يهاجروا فلا تخذولهم وانصروهم { إلاَّ } أن يستنصروكم { على قوم بينكم وبينهم ميثاق } عهدٌ فلا تغدروا ولا تعاونوهم .\r { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } أَيْ : لا توارث بينكم وبينهم ، ولا ولاية ، والكافر وليُّ الكافر دون المسلم { إلاَّ تفعلوه } إلاَّ تعاونوا وتناصروا وتأخذوا في الميراث بما أمرتكم به { تكن فتنة في الأرض } شركٌ { وفساد كبير } وذلك أنَّ المسلم إذا هجر قريبه الكافر كان ذلك أدعى إلى الإسلام ، فإن لم يهجره وتوارثه بقي الكافر على كفره ، وقوله : \r { والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً } أَيْ : هم الذين حققوا إيمانهم بما يقتضيه من الهجرة والنُّصرة خلاف من أقام بدار الشِّرك .\r { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } يعني : الذين هاجروا بعد الحديبية ، وهي الهجرة الثانية { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } نَسخ الله الميراثَ بالهجر والحِلْفِ بعد فتح مكَّة . ردَّ الله المواريث إلى ذوي الأرحام : ابن الأخ والعمِّ وغيرهما { في كتاب الله } في حكم الله { إن الله بكل شيء عليم } .","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"{ براءة من الله ورسوله . . . } الآية . أخذت المشركون ينقضون عهوداً بينهم وبين رسول الله A ، فأمره الله تعالى أن ينقض عهودهم وينبذها إليهم ، وأنزل هذه الآية ، والمعنى : قد برىء الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذ نكثوا ، ثمَّ خاطب المشركين فقال : \r { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } سيروا فيها آمنين حيث شئتم . يعني : شوالاً إلى صفر ، وهذا تأجيلٌ من الله سبحانه للمشركين ، فإذا انقضت هذه المدَّة قُتلوا حيثما أُدركوا { واعلموا أنكم غير معجزي الله } لا تفوتونه وإنْ أُجِّلتم هذه المدَّة { وأنَّ الله مُخْزي الكافرين } مذلُّهم في الدُّنيا بالقتل ، والعذاب في الآخرة .\r { وأذان من الله } إعلامٌ منه { ورسوله إلى الناس } يعني : العرب { يوم الحج الأكبر } يوم عرفة . وقيل : يوم النَّحر ، والحجُّ الأكبر [ الحجُّ ] بجميع أعماله ، والأصغر العمرة { أنَّ الله بريء من المشركين ورسولُهُ } أمر الله رسوله A أن يُعلم مشركي العرب في يوم الحجِّ الأكبر ببراءته من عهودهم ، فبعث عليَّاً Bه حيث قرأ صدر براءة عليهم يوم النَّحر ، ثمَّ خاطب المشركين ، فقال : { فإن تبتم } رجعتم عن الشِّرك { فهو خيرٌ لكم } من الإِقامة عليه { وإن توليتم } عن الإِيمان { فاعلموا أنكم غير معجزي الله } لا تفوتونه بأنفسكم عن العذاب ، ثمَّ أوعدهم بعذاب الآخرة فقال : { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } ثمَّ استثنى قوماً من براءة العهود ، فقال : \r { إلاَّ الذين عاهدتم من المشركين ثمَّ لم ينقصوكم } من شروط العهد { شيئاً } وهم بنو ضمرة وبنو كنانة { ولم يظاهروا عليكم أحداً } لم يعاونوا عليكم عدوَّاً { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدَّتهم } إلى انقضاء مدَّتهم ، وكان قد بقي لهم من مدَّتهم تسعة أشهر ، فأمر النبيُّ A بإتمامها لهم { إنَّ الله يحب المتقين } مَنِ اتَّقاه بطاعته .","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"{ فإذا انسلخ الأشهر الحرم } يعني : مدَّة التَّأجيل { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } في حلٍّ أو حرمٍ { وخذوهم } بالأسر { واحصروهم } إنْ تحصَّنوا { واقعدوا لهم كلَّ مرصد } على كلِّ طريقٍ تأخذون فيه { فإنْ تابوا } رجعوا عن الشِّرك { وأقاموا الصلاة } المفروضة { وآتوا الزكاة } من العين والثِّمار والمواشي { فخلوا سبيلهم } فدعوهم وما شاؤوا { إنَّ الله غفور رحيم } لمَنْ تاب وآمن .\r { وإن أحد من المشركين } الذين أمرتك بقتلهم { استجارك } طلب منك الأمان من القتل { فأجره } فاجعله في أمنٍ { حتى يسمع كلام الله } القرآن ، فتقيم عليه حجَّةَ الله ، وتبيِّن له دين الله { ثمَّ أبلغه مأمنه } إذا لم يرجع عن الشِّرك لينظر في أمره { ذلك بأنهم قومٌ لا يعلمون } [ يفعلونَ ] كلَّ هذا لأنَّهم قومٌ جهلةٌ لا يعلمون دين الله وتوحيده .\r { كيف يكون للمشركين عهدٌ عند الله وعند رسوله } مع إضمارهم الغدر ونكثهم العهد { إلاَّ الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } يعني : الذين استثناهم من البراءة { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } ما أقاموا على الوفاء بعهدهم فأقيموا أنتم .\r { كيف } أَيْ : كيف يكون لهم عهدهم { و } حالُهم أنَّهم { إنْ يظهروا عليكم } يظفروا بكم ويقدروا عليكم { لا يرقبوا فيكم } لا يحفظوا فيكم { إلاًّ ولا ذمَّةً } قرابةً ولا عهداً { يرضونكم بأفواههم } يقولون بألسنتهم كلاماً حلواً { وتأبى قلوبهم } الوفاء به { وأكثرهم فاسقون } غادرون ناقضون للعهد .\r { اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً } استبدلوا بالقرآن متاع الدُّنيا { فصدوا عن سبيله } فأعرضوا عن طاعته { إنهم ساء } بئس { ما كانوا يعملون } من اشترائهم الكفر بالإِيمان .\r { لا يرقبون } يعني : هؤلاء النَّاقضين للعهد { وأولئك هم المعتدون } المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد .\r { فإن تابوا } عن الشِّرك { وأقاموا الصَّلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم } أَيْ : فهم إخوانكم { في الدين ونفصِّل الآيات } نبيِّن آيات القرآن { لقوم يعلمون } أنَّها من عند الله .\r { وإن نكثوا أيمانهم } نقضوا عهودهم { وطعنوا في دينكم } اغتابوكم وعابوا دينكم { فقاتلوا أئمة الكفر } رؤساء الضَّلالة . يعني : صناديد قريش { إنهم لا أيمان لهم } لا عهود لهم { لعلهم ينتهون } كي ينتهوا عن الشِّرك بالله ، ثمَّ حرَّض المؤمنين عليهم .","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"{ ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم } يعني : كفَّار مكَّة نقضوا العهد ، أعانوا بني بكر على خزاعة { وهموا بإخراج الرسول } من مكَّة { وهم بدؤوكم } بالقتال { أول مرة } حين قاتلوا حلفاءكم خزاعة ، فبدؤوا بنقض العهد { أتخشونهم } أن ينالكم من قتالهم مكروه فتتركون قتالهم { فالله أحق أن تخشوه } فمكروهُ عذابِ الله أحقُّ أن يُخشى في ترك قتالهم { إن كنتم مؤمنين } مصدِّقين بعقاب الله وثوابه .\r { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } يقتلهم بسيوفكم ورماحكم { ويخزهم } يُذلُّهم بالقهر والأسر { ويشف صدور قوم مؤمنين } يعني : بني خزاعة . أعانت قريشٌ بني بكر عليهم حتى نكثوا فيها ، فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبيِّ والمؤمنين .\r { ويذهب غيظ قلوبهم } كَرْبَها ووَجْدَها بمعونة قريش بكراً عليهم { ويتوب الله على من يشاء } من المشركين ، كأبي سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو . هداهم الله للإسلام .\r { أم حسبتم } أيُّها المنافقون { أن تتركوا } على ما أنتم عليه من التَّلبيس ، وكتمان النفاق { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } بنيَّةٍ صادقةٍ . يعني : العلم الذين يتعلَّق بهم بعد الجهاد ، وذلك أنَّه لما فُرض القتال تبيَّن المنافق من غيره ، ومَنْ يوالي المؤمنين ممَّن يوالي أعداءهم { ولم يتخذوا } أَيْ : ولمَّا يعلم الله الذين لم يتَّخذوا { من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } أولياء ودُخُلاً .","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"{ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } نزلت في العباس بن عبد المطلب حين عُيِّر لمَّا أُسر ، فقال : إنَّا لنعمر المسجد الحرام ، ونحجب الكعبة ، ونسقي الحاجَّ ، فردَّ الله ذلك عليه بقوله : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } بدخوله والتعوُّذ فيه؛ لأنَّهم ممنوعون عن ذلك { شاهدين على أنفسهم بالكفر } بسجودهم للأصنام واتِّخاذها آلهة . { أولئك حبطت أعمالهم } لأنَّ كفرهم أذهب ثوابها .\r { إنما يعمر مساجد الله } بزيارتها والقعود فيها { مَنْ آمن بالله وباليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة } والمعنى : إنَّ مَنْ كان بهذه الصِّفة فهو من أهل عمارة المسجد { ولم يخش } في باب الدِّين { إلاَّ الله فعسى أولئك } أَيْ : فأولئك هم المهتدون والمتمسكون بطاعة الله التي تؤدِّي إلى الجنَّة .\r { أجعلتم سقاية الحاج } قال المشركون : عمارة بيت الله ، وقيامٌ على السِّقاية خيرٌ من الإِيمان والجهاد ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وسقاية الحاج : سقيهم الشَّراب في الموسم ، وقوله : { وعمارة المسجد الحرام } يريد : تجميره وتخليقه { كمَنْ آمن } أَيْ : كإيمان من آمن { بالله } ؟ { لا يستوون عند الله } في الفضل { والله لا يهدي القوم الظالمين } يعني : الذين زعموا أنَّهم أهل العمارة سمَّاهم ظالمين بشركهم .","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"{ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله } أَيْ : من الذين افتخروا بعمارة البيت وسقي الحاجِّ { وأولئك هم الفائزون } الذين ظفروا بأمنيتهم .\r { يبشرهم ربهم برحمة منه . . . } الآية . أَيْ : يعلمهم في الدُّنيا ما لهم في الآخرة .","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم . . . } الآية . لمَّا أُمر رسول الله A بالهجرة إلى المدينة كان من النَّاس مَنْ يتعلَّق به زوجته وولده وأقاربه ، ويقولون : ننشدك بالله أن تضيِّعنا ، فيرقُّ لهم ويدع الهجرة ، فأنزل الله تعالى : { لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء } أصدقاء تُؤثرون المقام بين أظهرهم على الهجرة { إن استحبوا } اختاروا { الكفر على الإِيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } أَيْ : مشركون مثلهم ، فلمَّا نزلت هذه الآية قالوا : يا نبيَّ الله ، إن نحن اعتزلنا مَنْ خالفنا في الدِّين نقطع آباءنا وعشائرنا ، وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا ، فأنزل الله تعالى : \r { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها } أَيْ : اكتسبتموها { فتربصوا } مقيمين بمكَّة { حتى يأتي الله بأمره } فتح مكَّة ، فيسقط فرض الهجرة ، وهذا أمر تهديد { والله لا يهدي القوم الفاسقين } تهديدٌ لهؤلاء بحرمان الهداية .\r { ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين } وهو وادٍ بين مكَّة والطَّائف ، قاتل عليه نبيُّ الله عليه السَّلام هوازن وثقيفاً { إذ أعجبتكم كثرتكم } وذلك أنَّهم قالوا : لن نُغلب اليوم من قلَّةٍ ، وكانوا اثني عشر ألفاً { فلم تغن } لم تدفع عنكم شيئاً { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } لشدَّة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض على سعتها ، فلم تجدوا فيها موضعاً يصلح لقراركم { ثم وليتم مدبرين } انهزمتم . أعلمهم الله تعالى أنَّهم ليسوا يغلبون بكثرتهم ، إنَّما يَغلبون بنصر الله .\r { ثم أنزل الله سكينته } وهو ما يسكن إليه القلب من لطف الله ورحمته { على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها } يريد : الملائكة { وعذب الذين كفروا } بأسيافكم ورماحكم { وذلك جزاء الكافرين } .\r { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } فيهديهم إلى الإِسلام ، من الكفَّار { والله غفور رحيم } بمَنْ آمن .","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } لا يغتسلون من جنابةٍ ، ولا يتوضؤون من حدثٍ { فلا يقربوا المسجد الحرام } أَيْ : لا يدخلوا الحرم . مُنعوا من دخول الحرم ، فالحرمُ حرامٌ على المشركين { بعد عامهم هذا } يعني : عام الفتح ، فلمَّا مُنعوا من دخول الحرم قال المسلمون : إنَّهم كانوا يأتون بالميرة ، فالآن تنقطع عنا المتاجر ، فأنزل الله تعالى : { وإن خفتم عيلة } فقراً { فسوف يغنيكم الله من فضله } فأسلم أهل جدَّة وصنعاء وجرش ، وحملوا الطَّعام إلى مكَّة ، وكفاهم الله ما كانوا يتخوَّفون { إنَّ الله عليم } بما يصلحكم { حكيم } فيما حكم في المشركين ، ثمَّ نزل في جهاد أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى قوله : \r { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } يعني : كإيمان الموحِّدين وإيمانُهم غيرُ إيمانٍ إذا لم يؤمنوا بمحمد { ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسوله } يعني : الخمر والميسر { ولا يدينون دين الحق } لا يتدينون بدين الإِسلام { حتى يعطوا الجزية } وهي ما يعطي المعاهِد على عهده { عن يد } يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين ، ولا يجيئون بها ركباناً ، ولا يرسلون بها { وهم صاغرون } ذليلون مقهورون يُجَرُّون إلى الموضع الذي تقبض منهم فيه بالعنف ، حتى يؤدُّوها من يدهم .\r { وقالت اليهود عزير ابنُ الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم } ليس فيه برهانٌ ولا بيانٌ ، إنَّما هو قولٌ بالفم فقط { يُضاهئون } يتشبَّهون بقول المشركين حين قالوا : الملائكة بنات الله ، وقد أخبر الله عنهم . بقوله : { وخرقوا له بنين وبناتٍ } { قاتلهم الله } لعنهم الله { أنى يؤفكون } كيف يُصرفون عن الحقِّ بعد وضوح الدَّليل حتى يجعلوا لله الولد ، وهذا تعجيب للنَّبيِّ A والمؤمنين .\r { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم } علماؤهم وعُبَّادهم { أرباباً } آلهةً { من دون الله } حيث أطاعوهم في تحليل ما حرَّم الله ، وتحريم ما أحلَّ الله { والمسيح ابن مريم } اتخذوه ربَّاً { وما أمروا } في التَّوراة والإِنجيل { إلاَّ ليعبدوا إلهاً واحداً } وهو الذي لا إله غيره { سبحانه عمَّا يشركون } تنزيهاً له عن شركهم .\r { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } يخمدوا دين الإِسلام بتكذيبهم { ويأبى الله إلاَّ أن يتم نوره } إلاَّ أَنْ يُظهر دينه .\r { هو الذي أرسل رسوله } محمداً { بالهدى } بالقرآن { ودين الحق } الحنيفيَّة { ليظهره على الدين كله } ليعليَه على جميع الأديان .","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا إنَّ كثيراً من الأحبار الرهبان } من فقهاء أهل الكتاب وعلمائهم { ليأكلون أموال الناس بالباطل } يعني : ما يأخذونه من الرُّشا في الحكم { ويصدون عن سبيل الله } ويصرفون النَّاس عن الإِيمان بمحمَّد عليه السَّلام ، ثمَّ أنزل في مانعي الزَّكاة من أهل القبلة : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله } لا يُؤَدُّون زكاتها { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم أنَّ لهم عذاباً أليماً .\r { يوم يحمى عليها } يوم تدخل كنوزهم النَّار حتى تحمى وتشتدَّ حرارتها { فتكوى بها } أَيْ : فلتصق بجباههم وجنوبهم وظهورهم حتى يلتقي الحرُّ في أجوافهم ، ويقال لهم : هذا الذي تكوون به ما جمعتم لأنفسكم ، وبخلتم به عن حقِّ الله { فذوقوا } العذاب ب { ما كنتم تكنزون } .\r { إنَّ عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً } عدد شهور المسلمين التي تُعبِّدوا بأن يجعلوها لسنتهم اثنا عشر شهراً ، على منازل القمر واستهلال الأهلَّة ، لا كما يعدُّه أهل الرُّوم وفارس { في كتاب الله } في الإِمام الذي عند الله كتبه يوم خلق السَّموات والأرض { منها أربعة حرم } رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرَّم ، يعظهم انتهاك المحارم فيها بأشدَّ ممَّا يعظم في غيرها { ذلك الدين القيم } الحساب المستقيم { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } تحفَّظوا من أنفسكم في الحرم ، فإنَّ الحسنات فيهن تضعف ، وكذلك السيئات { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } قاتلوهم كلَّهم ، ولا تُحَابوا بعضهم بترك القتال ، كما إنَّهم يستحلُّون قتال جميعكم { واعلموا أنَّ الله مع المتقين } مع أوليائه الذين يخافونه .\r { إنما النسيء } تأخير حرمةِ شهرٍ حرَّمه الله إلى شهرٍ آخر لم يحرِّمه ، وذلك أنَّ العرب في الجاهليَّة ربما كانت تستحلُّ المحرم ، وتحرِّم بدله صفر ، فأخبر الله تعالى أنَّ ذلك كلَّه { زيادة في الكفر } حيث أحلُّوا ما حرَّم الله ، وحرَّموا ما أحلَّ الله { يضل به } بذلك التَّأخير { الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً } إذا قاتلوا فيه أحلُّوه وحرَّموا مكانه صفر ، وإذا لم يقاتلوا فيه حرَّموه { ليواطئوا } ليوافقوا { عدَّة ما حرم الله } وهو أنَّهم لم يُحلُّوا شهراً من الحرم إلاَّ حرَّموا مكانه شهراً من الحلال ، ولم يحرِّموا شهراً من الحلال إلاَّ أحلُّوا مكانه شهراً من الحرم ، لئلا يكون الحرم أكثر من الأربعة كما حرَّم الله ، فيكون موافقة للعدد . { زين لهم سوء أعمالهم } زيَّن لهم الشَّيطان ذلك .","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا ما لكم } نزلت في حثِّ المؤمنين على غزوة تبوك ، وذلك أنَّهم دُعوا إليها في زمان عسرةٍ من النَّاس ، وجدبٍ من البلاد ، وشدةٍ من الحرِّ ، فشقَّ عليهم الخروج ، فأنزل الله تعالى : { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله } أخرجوا في الجهاد لحرب العدوِّ { اثاقلتم إلى الأرض } أَحْبَبْتُمْ المقام { أرضيتم بالحياة الدنيا } بدلاً { من الآخرة } يعني : الجنَّة { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة } يريد : الدُّنيا كلَّها { إلاَّ قليل } عند شيءٍ من الجنَّة .\r { إلاَّ تنفروا } تخرجوا مع نبيِّكم إلى الجهاد { يعذبكم عذاباً أليماً } بالقحط وحبس المطر { ويستبدل قوماً غيركم } يأت بقومٍ آخرين ينصرُ بهم رسوله { ولا تضرّوه شيئاً } لأنَّ الله عصمه عن النَّاس ، ولا يخذله أَنْ تثاقلتم ، كما لم يضرَّه قلَّة ناصريه حين كان بمكَّة وهم به الكفَّار ، فتولَّى الله نصره ، وهو قوله : \r { إلاَّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا } أَيْ : اضطروه إلى الخروج لمَّا همُّوا بقتله ، فكانوا سبباً لخروجه من مكَّة هارباً منهم ، { ثاني اثنين } أَيْ : واحد اثنين هو A وأبو بكر Bه ، والمعنى : نصره الله منفرداً إلاَّ من أبي بكر : { إذْ هما في الغار } هو غارٌ في جبل مكة يقال له : ثور { إذْ يقول لصاحبه } أبي بكر : { لا تحزن } وذلك أنَّه خاف على رسول الله A الطَّلب ، فقال رسول الله A : { لا تحزن إنَّ الله معنا } يمنعهم منَّا ، وينصرنا { فأنزل الله سكينته } ألقى في قلب أبي بكر ما سكن به ، { وأيده } أَيْ : رسوله { بجنود لم تروها } قوَّاه وأعانه بالملائكة يوم بدر . أخبر أنَّه صرف عنه كيد أعدائه ، ثمَّ أظهره : نصره بالملائكة يوم بدر { وجعل كلمة الذين كفروا } وهي كلمة الشِّرك { السفلى وكلمة الله هي العليا } [ يعني : كلمة التَّوحيد ] لأنَّها علت وظهرت ، وكان هذا يوم بدر .\r { انفروا خفافاً وثقالاً } شباباً وشيوخاً { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم } من التَّثاقل إلى الأرض { إن كنتم تعلمون } ما لكم من الثَّواب والجزاء ، ثمَّ نزل في المنافقين الذين تخلَّفوا عن هذه الغزوة : \r { ولو كان عرضاً قريباً } أَيْ : لو كان ما دُعوا إليه غنيمةً قريبةً { وسفراً قاصداً } قريباً هيِّناً { لاتبعوك } طمعاً في الغنيمة { ولكن بعدت عليهم الشقة } المسافة { وسيحلفون بالله } عندك إذا رجعت إليهم { لو استطعنا لخرجنا معكم } لو قدرنا وكان لنا سعةٌ من المال { يهلكون أنفسهم } بالكذب والنِّفاق { والله يعلم إنهم لكاذبون } لأنَّهم كانوا يستطيعون الخروج .\r { عفا الله عنك لم أذنت لهم } كان رسول الله A أذن لطائفةٍ في التَّخلُّف عنه ، من غير مؤامرةٍ ، ولم يكن له أن يمضي شيئاً إلاَّ بوحي ، فعاتبه الله سبحانه ، وقال : لم أَذنت لهم في التَّخلُّف { حتى يتبيَّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } حتى تعرف مَنْ له العذر منهم ، ومَنْ لا عذر له ، فيكون إذنك لمَنْ له العذر .","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"{ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر } في القعود والتَّخلُّف عن الجهاد كراهة { أن يجاهدوا } في سبيل الله { بأموالهم وأنفسهم } الآية .\r { إنما يستأذنك } في التَّخلُّف { الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم } شكُّوا في دينهم { فهم في ريبهم يترددون } في شكِّهم يتمادون .\r { ولو أرادوا الخروج لأعدُّوا له عدَّة } من الزَّاد والمركوب ، لأنَّهم كانوا مياسير { ولكن كره الله انبعاثهم } لم يرد خروجهم معك { فثبطهم } فخذلهم وكسَّلهم { وقيل اقعدوا } وحياً إلى قلوبهم . يعني : إنَّ الله ألهمهم أسباب الخذلان { مع القاعدين } الزَّمنى وأولي الضَّرر ، ثمَّ بّيَّنَ لِمَ كره خروجهم فقال : \r { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً } يقول : لو خرجوا لأفسدوا عليكم أمركم { ولأوضعوا خلالكم } لأسرعوا بالنَّميمة في إفساد ذاتِ بينكم { يبغونكم الفتنة } يُثبِّطونكم ويفرِّقون كلمتكم حتى تنازعوا فتفتتنوا { وفيكم سماعون لهم } مَنْ يسمع كلامهم ويطيعهم ، ولو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم { والله عليم بالظالمين } المنافقين .\r { لقد ابتغوا الفتنة من قبل } طلبوا لك الشَّرَّ والعنتَ قبل تبوك ، وهو أنَّ جماعةً منهم أرادوا الفتك به ليلة العقبة { وقلَّبوا لك الأمور } اجتهدوا في الحيلة عليك ، والكيد بك { حتى جاء الحق } الآية . أَيْ : حتى أخزاهم الله بإظهار الحقِّ ، وإعزاز الدِّين على كُرهٍ منهم .","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"{ ومنهم مَنْ يقول ائذن لي } نزلت في جدِّ بن قيس المنافق ، قال لرسول الله A : هل لك في جلاد بني الأصفر ، تتخذ منه سراري وُصفاءَ ، فقال : ائذن لي يا رسول الله في القعود عنك وأُعينك بمالي { ولا تفتني } ببنات [ بني ] الأصفر ، فإني مُسْتَهترٌ بالنِّساء ، إني أخشى إن رأيتهنَّ ألا أصبر عنهنَّ ، فقال الله تعالى : { ألا في الفتنة سقطوا } أَيْ : في الشِّرك وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمرك { وإنَّ جهنم لمحيطة بالكافرين } لمحدقةٌ بمَنْ كفر جامعةٌ لهم .\r { إن تصبك حسنة } نصرٌ وغنيمةٌ { تسؤهم وإن تصبك مصيبة } من قتلٍ وهزيمةٍ { يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل } قد أخذنا حذرنا ، وعملنا بالحزم [ حين تخلَّفنا ] { ويتولوا } وينصرفوا { وهم فرحون } معجبون بذلك ، وبما نالك من السُّوء .\r { قُلْ لن يصيبنا } خيرٌ ولا شرٌّ { إلاَّ } وهو مقدَّرٌ مكتوبٌ علينا . { هو مولانا } ناصرنا { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } وإليه فليفوِّض المؤمنون أمورهم على الرِّضا بتدبيره .","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"{ قل هل تربصون بنا } هل تنتظرون أن يقع بنا { إلاَّ إحدى الحسنين } الغنيمة أو الشَّهادة { ونحن نتربص } ننتظر { بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده } بقارعةٍ من السَّماء { أو بأيدينا } يأذن لنا في قتلكم فنقتلكم { فتربصوا إنا معكم متربصون } فانتظروا مواعيد الشَّيطان ، إنَّا منتظرون مواعيد الله من إظهار دينه وهلاك مَنْ خالفه ، ثمَّ ذكر في الآية الثَّانية والثَّالثة أنَّه لا يقبل منهم ما أنفقوا في الجهاد ، لأنَّ منهم مَنْ قال لرسول الله A : اقعد وأُعينك بمالي ، فأخبر الله تعالى أنَّه لا يقبل ذلك؛ فعلوه طائعين أو مكرهين ، وبيَّن أنَّ المانع لقبول ذلك كفرهم بالله ورسوله ، وكسلهم في الصَّلاة؛ لأنَّهم لا يرجون لها ثواباً ، وكراهتهم الإِنفاق في سبيل الله؛ لأنَّهم يعدُّونه مغرماً .","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"{ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم } لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال الكثيرة والأولاد { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } يعني : بالمصائب فيها ، فهي لهم عذابٌ ، وللمؤمن أجر { وتزهق أنفسهم } وتخرج أرواحهم { وهم } على الكفر .\r { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } أَيْ : إنَّهم مؤمنون ، وليسوا مؤمنين { ولكنهم قوم يفرقون } يخافون فيحلفون تقيَّةً لكم .\r { لو يجدون ملجأً } مهرباً { أو مغارات } سراديب { أو مدخلاً } وجهاً يدخلونه { لوَلَّوا إليه } لرجعوا إليه { وهم يجمحون } يُسرعون إسراعاً لا يردُّ وجوهَهم شيءٌ ، أَيْ : لو أمكنهم الفرار من بين المسلمين بأيِّ وجهٍ كان لَفَرُّوا ، ولم يُقيموا بينهم .","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"{ ومنهم } ومن المنافقين { مَن يَلْمِزُكَ } يعيبك ويطعن عليك { في } أمر { الصدقات } يقول : إنَّما يعطيها محمَّد مَنْ أحبَّ ، فإنْ أكثرت لهم من ذلك فرحوا ، وإنْ أعطيتهم قليلاً سخطوا ، ثمَّ ذكر في الآية الثَّانية أنَّهم لو رضوا بذلك وتوكَّلوا على الله لكان خيراً لهم ، وهو قوله : \r { ولو أنَّهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } ثمَّ بيَّن لمن الصَّدقات ، فقال : \r { إنما الصدقات للفقراء } وهم المُتعفِّفون عن السُّؤال { والمساكين } الذين يسألون ويطوفون على النَّاس { والعاملين عليها } السُّعاة لجباية الصَّدَقة { والمؤلفة قلوبهم } كانوا قوماً من أشراف العرب استألفهم رسول الله A ليردُّوا عنه قومهم ويُعينوه على عدوِّه { وفي الرقاب } المكاتبين { والغارمين } أهل الدِّيْن { وفي سبيل الله } الغزاة والمرابطون { وابن السبيل } المنقطع في سفره { فريضة من الله } افترضها الله على الأغنياء في أموالهم .\r { ومنهم الذين يؤذون النبيَّ } بنقل حديثه وعيبه { ويقولون هو أذنٌ } أنَّهم قالوا فيما بينهم : نقول ما شئنا ، ثمَّ نأتيه فَنَحْلِفُ له فيصدِّقنا؛ لأنَّه أُذنٌ [ والأُذن : الذي يسمع كلَّ ما يُقال له ] ، فقال الله تعالى { قل أذن خير لكم } أَيْ : مستمعُ خيرٍ وصلاح ، لا مستمع شرٍّ وفسادٍ ، ثمَّ أَكَّد هذا وبيَّنه فقال : { يؤمن بالله } أَيْ : يسمع ما ينزله الله عليه ، فيصدِّق به { ويؤمن للمؤمنين } ويصدِّق المؤمنين فيما يخبرونه ، لا الكافرين { ورحمة للذين آمنوا منكم } أَيْ : وهو رحمةٌ؛ لأنَّه كان سبب إيمانهم .\r { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } يحلف هؤلاء المنافقون فيما بلغكم عنهم من أذى الرَّسول والطَّعن عليه أنَّهم ما أتوا ذلك؛ ليرضوكم بيمينهم { والله ورسوله أحقُّ أن يرضوه } فيؤمنوا بهما ويصدِّقوهما إن كانوا على ما يظهرون .","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"{ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم } على المؤمنين { سورة } تخبرهم { بما في قلوبهم } من الحسد لرسول الله A والمؤمنين ، وذلك أنَّهم كانوا يفرقون من هتكهم وفضيحتهم { قل استهزئوا } أمرُ وعيدٍ { إنَّ الله مخرج } مظهرٌ { ما تحذرون } ظهوره .","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"{ ولئن سَأَلْتَهُمْ } عمَّا كانوا فيه من الاستهزاء { ليقولنَّ إنما كنا نخوض ونلعب } وذلك \" أنَّ رجلاً من المنافقين قال في غزوة تبوك : ما رأيتُ مثل هؤلاء أرغبَ بطوناً ، ولا أكذبَ أَلْسُناً ، ولا أجبنَ عند اللِّقاء . يعني : رسول الله A والمؤمنين ، فأُخبر رسولُ الله A بذلك ، فجاء هذا القائل ليعتذر ، فوجد القرآن قد سبقه فقال : يا رسول الله ، إنما كنَّا نخوض ونلعب ، ونتحدَّث بحديث الرَّكب نقطع به عنا الطريق ، وهو معنى قوله : { إنَّما كنا نخوض } أَيْ : في الباطل من الكلام ، كما يخوض الرَّكب ، فقال له رسول الله A : { أباللَّهِِ وآياته ورسوله كنتم تستهزئون \"\r { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } أَيْ : ظهر كفركم بعد إظهاركم الإِيمان { إنْ نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } وذلك أنَّهم كانوا ثلاثة نفر ، فهزىء اثنان وضحك واحد ، وهو المغفوُّ عنه ، فلمَّا نزلت هذه الآية برىء من النِّفاق .\r { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } على دين بعض { يأمرون بالمنكر } بالكفر بمحمد A { وينهون عن المعروف } عن اتِّباعه { ويقبضون أيديهم } عن النَّفقة في سبيل الله { نسوا الله فنسيهم } تركوا أمر الله ، فتركهم من كلِّ خيرٍ وخذلهم { إنَّ المنافقين هم الفاسقون } الخارجون عمَّا أمر الله .\r { وعد الله المنافقين . . . } الآية ظاهرة ، ثمَّ خاطبهم .","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"{ كالذين من قبلكم } أَيْ : فعلتم كأفعال الذين من قبلكم { فاستمتعوا بخلاقهم } رضوا بنصيبهم من الدُّنيا ، ففعلتم أنتم أيضاً مثل ما فعلوا { وخضتم } في الطَّعن على النبيِّ A كما خاضوا في الطَّعن على أنبيائهم { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } لأنَّها لا تُقبل منهم ولا يُثابون عليها .\r { أَلَمْ يأتيهم نبأ الذين من قبلهم } ألم يأتهم خبر الذين أُهلكوا في الدُّنيا بذنوبهم ، فيتَّعظوا ، ثم ذكرهم { قوم نوحٍ وعاد وثمود وقوم إبراهيم } يعني : نمروذ { وأصحاب مدين } قوم شعيب { والمؤتَفِكاتِ } وأصحاب المؤتفكات ، وهي قرى قوم لوط { فما كان الله ليظلمهم } ليعذِّبهم قبل بعث الرَّسول { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بتكذيب الرُّسل .\r { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } في الرَّحمة والمحبَّة { يأمرون بالمعروف } يدعون إلى الإِسلام { وينهون عن المنكر } الشِّرك بالله . الآية .\r { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة } يريد قصور الزَّبرجد والدُّرِّ والياقوت { في جنات عدن } هي قصبة الجنَّة وسقفُها عرش الرَّحمن { ورضوان من الله أكبر } ممَّا يوصف .\r { يا أيها النبيُّ جاهد الكفار } بالسَّيف { والمنافقين } باللِّسان والحُجَّة { واغلظ عليهم } يريد شدَّة الانتهار ، والنَّظر بالبغضة والمقت .","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"{ يحلفون بالله ما قالوا } نزلت حين أساء المنافقون القول في رسول الله A وطعنوا في الدِّين ، وقالوا : إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أُبيّ تاجاً يباهي به رسول الله - A - ، فَسُعِي بذلك إلى رسول الله A فدعاهم ، فحلفوا ما قالوا { ولقد قالوا كلمة الكفر } سبَّهم الرَّسول وطعنهم في الدِّين { وهموا بما لم ينالوا } من عقدهم التَّاج على رأس ابن أُبيّ . وقيل : من الاغتيال بالرَّسول { وما نقموا } كرهوا { إلاَّ أن أغناهم الله ورسوله من فضله } بالغنيمة حتى صارت لهم الأموال ، أَيْ : إنَّهم عملوا بضدِّ الواجب ، فجعلوا موضع شكر الغنى أن نقموه ، ثمَّ عرض عليهم التَّوبة فقال : { فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإنْ يتولوا } يعرضوا عن الإِيمان { يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا } بالقتل { و } في { الآخرة } بالنار { وما لهم في الأرض من وليٍّ ولا نصير } لا يتولاَّهم أحدٌ من المسلمين .\r { ومنهم مَنْ عاهد الله } يعني : ثعلبة بن حاطب ، عاهد ربَّه لئن وسَّعَ عليه أن يؤتى كلَّ ذي حقٍ حقَّه ، ففعل الله ذلك فلم يفِ بما عاهد ، ومنع الزَّكاة ، فهذا معنى قوله : { لئن آتانا من فضله لنصدقنَّ } لنعطينَّ الصَّدقة ، { ولنكوننَّ من الصالحين } ولنعملنَّ ما يعمل أهل الصَّلاح في أموالهم .\r { فلما آتاهم من فضله بخلوا به . . . } الآية .\r { فأعقبهم نفاقاً } صيَّر عاقبة أمرهم إلى ذلك بحرمان التَّوبة ، حتى ماتوا على النِّفاق جزاءً لإخلافهم الوعد ، وكذبهم في العهد ، وهو قوله : { إلى يوم يلقونه . . . } الآية .","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"{ الذين يلمزون } يعيبون ويغتابون { المطوعين } المتطوعين المُتنفلِّين { من المؤمنين في الصدقات } وذلك أنَّ رسول الله A حثَّ على الصَّدقة ، فجاء بعض الصحابة بالمال الكثير ، وبعضهم - وهم الفقراء - بالقليل ، فاغتابهم المنافقون وقالوا : مَنْ أكثرَ [ أكثر ] رياءً ، ومَنْ أقلَّ أراد أن يذكر نفسه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . { والذين لا يجدون إلاَّ جهدهم } وهو القليل الذي يتعيَّش به { فيسخرون منهم سخر الله منهم } جازاهم جزاء سخريتهم حيث صاروا إلى النَّار ، ثمَّ آيس الله رسوله من إيمانهم ومغفرتهم فقال : \r { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } وهذا تخييرٌ لرسول الله A ، ثمَّ قال : { إن تستغفر لهم سبعين مرة } أَيْ : إن استكثرت من الدُّعاء بالاستغفار للمنافقين لن يغفر الله لهم .\r { فرح المخلفون } يعني : الذين تخلَّفوا عن رسول الله A من المنافقين { بمقعدهم } بقعودهم { خلاف رسول الله } مخالفةً له { وقالوا : لا تنفروا } مع محمدٍ إلى تبوك { في الحرِّ قل نار جهنم أشدُّ حراً لو كان يفقهون } يعلمون أنَّ مصيرهم إليها .\r { فليضحكوا قليلاً } في الدُّنيا ، لأنَّها تنقطع عنهم { وليبكوا كثيراً } في النار بكاءً لا ينقطع { جزاءً بما كانوا يكسبون } في الدُّنيا من النِّفاق .\r { فإن رجعك الله } ردَّك { إلى طائفة منهم } يعني : الذين تخلَّفوا بالمدينة { فاستأذنوك للخروج } إلى الغزو معك { فقل لن تخرجوا معي أبداً } إلى غزاةٍ { ولن تقاتلوا معي عدواً } من أهل الكتاب { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة } حين لم تخرجوا إلى تبوك { فاقعدوا مع الخالفين } يعني : النِّساء والصِّبيان والزَّمنى الذين يخلفون الذَّاهبين إلى السَّفر ، ثمَّ نُهِيّ رسول اللَّه A عن الصَّلاة عليهم إذا ماتوا ، والدُّعاء لهم عند الوقوف على القبر .","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"{ ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره . . . } الآية .\r { ولا تعجبك أموالهم } مضى تفسيره .\r { وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم } يعني : أصحاب الغنى والقدرة يستأذنونك في التَّخلُّف .\r { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } النِّساء اللاتي يخلفن في البيت { وطبع على قلوبهم } بالنِّفاق { فهم لا يفقهون } لا يفهمون الإِيمان وشرائعه وأمر الله .","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"{ وجاء المعذِّرون } المعتذرون ، وهم قوم { من الأعراب } اعتذروا إلى رسول الله A في التَّخلُّف فعذرهم ، وهو قوله : { ليؤذن لهم } أَيْ : في القعود { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } لم يُصدِّقوا نبيَّه ، واتَّخذوا إسلامهم جُنَّة ، ثمًّ ذكر أهل العذر .","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"{ ليس على الضعفاء } يعني : الزَّمنى والمشايخ والعجزى { ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله } أخلصوا أعمالهم من الغِشِّ لهما { ما على المحسنين من سبيل } من طريق بالعقابِ ، لأنَّه قد سُدَّ طريقه بإحسانه { والله غفور رحيمٌ } لمَنْ كان على هذه الخصال .\r { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } نزلت في سبعة نفرٍ سألوا رسول الله A أن يحملهم على الدَّوابِّ ، فقال : { لا أجد ما أحملكم عليه } فانصرفوا باكين شوقاً إلى الجهاد ، وحزناً لضيق ذات اليد .","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"{ يعتذرون إليكم } بالأباطيل { إذا رجعتم إليهم } من هذه الغزوة { قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم } لن نصدِّقكم { قد نبأنا الله من أخباركم } قد أخبرنا الله بسرائركم وما تخفي صدوركم { وسيرى الله عملكم ورسوله } فيما تستأنفون ، تبتم من النِّفاق أم أقمتم عليه { ثمَّ تردون إلى عالم الغيب والشهادة } إلى مَنْ يعلم ما غاب عنّا من ضمائركم { فينبئكم بما كنتم تعملون } فيخبركم بما كنتم تكتمون وتسرون .\r { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم } إذا رجعتم { إليهم } من تبوك أنَّهم ما قدروا على الخروج { لتعرضوا عنهم } إعراض الصَّفح { فأعرضوا عنهم } اتركوا كلامهم وسلامهم { إنهم رجس } إنَّ عملهم قبيحٌ من عمل الشَّيطان .","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"ثمَّ نزل في أعاريب أسدٍ وغطفان : { الأعراب أشدُّ كفراً ونفاقاً } من أهل المدر ، لأنَّهم أجفى وأقسى { وأجدر } وأولى [ وأحقُّ ] { ألا يعلموا حدود ما أنزل الله } من الحلال والحرام .\r { ومن الأعراب مَنْ يتخذ ما ينفق مغرماً } لأنَّه لا يرجو له ثواباً { ويتربَّص بكم الدوائر } وينتظر أن ينقلب الأمر عليكم بموت الرَّسول عليه السَّلام { عليهم دائرة السوء } عليهم يدور البلاء والخزي ، فلا يرون في محمد ودينه إلاَّ ما يسوءهم ، ثمَّ نزل في مَنْ أسلم منهم : \r { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله } يتقرَّب بذلك إلى الله عزَّ وجلَّ { وصلوات الرسول } يعني : دعاءه بالخير والبركة ، والمعنى : أنَّه يتقرَّب بصدقته ودعاء الرَّسول إلى الله { ألاَ إنّها قربة لهم } أَيْ : نورٌ ومكرمةٌ عند الله .","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"{ والسابقون الأولون } يعني : الذين شهدوا بدراً { من المهاجرين والأنصار } يعني : الذين آمنوا منهم قبل قدوم الرَّسول عليهم ، فهؤلاء السُّبَّاق من الفريقين . وقيل : أراد كلَّ مَنْ أدركه من أصحابه ، فإنَّهم كلَّهم سبقوا هذه الأمَّة بصحبة النَّبي A ورؤيته { والذين اتبعوهم بإحسان } يعين : ومن اتَّبعهم على منهاجهم إلى يوم القيامة ممَّن يُحسن القول فيهم .\r { وممن حولكم من الأعراب منافقون } يعني : مزينة وجهينة وغفاراً { ومن أهل المدينة } الأوس والخزرج { مردوا على النفاق } لجُّوا فيه ، وأبوا غيره { سنعذبهم مرتين } بالأمراض والمصائب في الدُّنيا ، وعذاب القبر { ثم يردون إلى عذاب عظيم } وهو الخلود في النَّار .\r { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } في التَّخلُّف عن الغزو { خلصوا عملاً صالحاً } وهو جهادهم مع النبيِّ A قبل هذا { وآخر سيئاً } تقاعدهم عن هذه الغزوة { عسى الله } واجبٌ من الله { أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم } ثمَّ تاب على هؤلاء وعذرهم ، فقالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا التي خلَّفتنا عنك فخذها منَّا صدقةً وطهِّرنا ، واستغفر لنا ، فقال رسول الله A : ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً .","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"{ خذ من أموالهم صدقة } فأخذ رسول الله A ثلث أموالهم ، وكانت كفَّارةً للذُّنوب التي أصابوها ، وهو قوله : { تطهرهم } يعني : هذه الصَّدقة تطهِّرهم من الذُّنوب { وتزكيهم بها } أَيْ : ترفعهم أنت يا محمَّدُ بهذه الصَّدقة من منازل المنافقين { وصل عليهم } ادع لهم { إنَّ صلاتك سكن لهم } إنَّ دعواتك ممَّا تسكن نفوسهم إليه بأن قد تاب الله عليهم { والله سميع } لقولهم { عليم } بندامتهم ، فلمَّا نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين : هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يُكلَّمون ولا يُجالسون ، فما لهم؟ وذلك أنَّ النبيَّ A لمَّا رجع إلى المدينة نهى المؤمنين عن مكالمة المنافقين ومجالستهم ، فأنزل الله سبحانه : \r { ألم يعلموا أنَّ الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } يقبلها { وأنَّ الله هو التواب الرحيم } يرجع على مَنْ يرجع إليه بالرَّحمة والمغفرة .\r { وقل اعملوا } يا معشر عبادي ، المحسن والمسيء { فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } أَيْ : إنَّ الله يُطلعهم على ما في قلوب إخوانهم من الخير والشَّرِّ ، فيحبُّوب المحسن ويبغضون المسيء بإيقاع الله ذلك في قلوبهم ، وباقي الآية سبق تفسيره .\r { وآخرون مرجون لأمر الله } مُؤخَّرون ليقضي الله فيهم ما هو قاضٍ ، وهم كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، كانوا تخلَّفوا من غير عذر ، ثمَّ لم يبالغوا في الاعتذار ، كما فعل أولئك الذين تصدَّقوا بأموالهم ، فوقف رسولُ الله A أمرهم ، وهم مهجورون حتَّى نزل قوله : { وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا . . . } الآيات . { إمَّا يعذبهم } بعقابه جزاءً لهم { وإمَّا يتوب عليهم } بفضله { والله عليم } بما يؤول إليه حالهم { حكيم } فيما يفعله بهم .\r { والذين اتخذوا } ومنهم الذين اتَّخذوا مسجداً ، وكانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين ، بنوا مسجداً يضارُّون به مسجد قباء ، وهو قوله : { ضراراً وكفراً } بالنبيِّ A وما جاء به { وتفريقاً بين المؤمنين } يفرِّقون به جماعتهم ، لأنَّهم كانوا يصلُّون جميعاً في مسجد قباء ، فبنوا مسجد الضِّرار ليصلِّي فيه بعضهم ، فيختلفوا بسبب ذلك { وإرصاداً } وانتظاراً { لمن حارب الله ورسوله من قبل } يعني : أبا عامرٍ الرَّاهب ، كان قد خرج إلى الشَّام ليأتي بجندٍ يحارب بهم رسول الله A ، وأرسل إلى المنافقين أن ابنوا لي مسجداً { وليحلفنَّ إن أردنا } ببنائه { إلاَّ } الفعلة { الحسنى } وهي الرِّفق بالمسلمين ، والتَّوسعة عليهم ، فلمَّا بنوا ذلك المسجد سألوا النَّبيَّ A أن يأتيهم فيصلِّي بهم في ذلك المسجد ، فنهاه الله عزَّ وجلَّ .","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"{ لا تقم فيه أبداً لمسجدٌ أسس على التقوى } بُنيت جُدُره ، ورُفعت قواعده على طاعة الله تعالى { من أول يوم } بُني وحَدث بناؤه ، وهو مسجد رسول الله A ، وقيل : هو مسجد قباء { أحقُّ أن تقوم فيه } للصَّلاة { فيه رجال } يعني : الأنصار { يحبون أن يتطهروا } يعني : غسل الأدبار بالماء ، وكان من عادتهم في الاستنجاء استعمال الماء بعد الحجر { والله يحب المطهرين } من الشِّرك والنِّفاق .\r { أفمن أسس بنيانه } أَيْ : بناءه الذي بناه { على تقوى من الله } مخافة الله ، ورجاء ثوابه ، وطلب مرضاته { خيرٌ أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار } على حرف مهواةٍ { فانهار به } أُوقع بنيانه { في نار جهنم } وهذا مَثَل . والمعنى : إنَّ بناء هذا المسجد كبناءٍ على حرفِ جهنَّم يتهوَّر بأهله فيها ، لأنَّه معصيةٌ وفعلٌ لما كرهه الله من الضِّرار .\r { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبه في قلوبهم } شكَّاً في قلوبهم { إلاَّ أن تقطَّع قلوبهم } بالموت ، والمعنى : لا يزالون في شكٍّ منه إلى الموت ، يحسبون أنَّهم كانوا في بنائه محسنين { والله عليم } بخلقه { حكيم } فيما جعل لكلِّ أحدٍ .\r { إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم . . . } الآية . نزلت في بيعة العقبة ، \" لمَّا بايعت الأنصار رسول الله A على أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً ، وأن يمنعوه ممَّا يمنعون أنفسهم . قالوا : فإذا فعلنا ذلك يا رسول الله ، فماذا لنا؟ قال : الجنَّة . قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل \" ، فنزلت هذه الآية ومعنى : { اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة } أنَّ المؤمن إذا قاتل في سبيل الله حتى يُقتل ، وأنفق ماله في سبيل الله أخذ من الله الجنَّة في الآخرة جزاءً لما فعل ، وقوله : { وعداً } أَيْ : وعدهم اللَّهُ الجنَّة وعداً { عليه حقاً } لا خلف فيه { في التوراة والإِنجيل والقرآن } أَيْ : إنَّ الله بيَّن في الكتابين أنَّه اشترى من أمة محمَّدٍ أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة ، كما بيَّن في القرآن { ومَنْ أوفى بعهده من الله } أَيْ : لا أحدٌ أوفى بما وعد من الله ، ثمًّ مدحهم فقال : \r { التائبون } أَيْ : هم التَّائبون من الشِّرك { العابدون } يرون عبادة الله واجبةً عليهم { الحامدون } الله على كلِّ حال { السائحون } الصًّائمون { الراكعون الساجدون } في الفرائض { الآمرون بالمعروف } بالإِيمان بالله وفرائضه وحدوده { والناهون عن المنكر } الشِّرك وترك فرائض الله { والحافظون لحدود الله } العاملون بما افترض الله عليهم .\r { ما كان للنبيِّ . . . } الآية . نزلت في استغفار النبيِّ عليه السَّلام لعمِّه أبي طالب ، وأبيه ، وأُمِّه ، واستغفار المسلمين لآبائهم المشركين ، نُهوا عن ذلك ، وكان رسول الله A قد قال : \" لأستغفرنَّ لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه \" ، فبيَّن الله سبحانه كيف كان ذلك .","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"{ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاَّ عن موعدة وعدها إياه } وذلك أنَّه كان قد وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه ، وأن ينقله الله باستغفاره إيَّاه من الكفر إلى الإِسلام ، وهذا ظاهر في قوله : { سأستغفر لك ربي } وقوله : { لأستغفرنَّ لك } فلمَّا مات أبوه مشركاً تبرَّأ منه وقطع الاستغفار { إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ } دَعَّاءٌ كثير البكاء { حليم } لم يعاقب أحداً إلاََ في الله ، ولم ينتصر من أحدٍ إلاَّ لله ، فلمَّا حرَّم الاستغفار للمشركين بيَّن أنَّه لا يأخذهم بما فعلوا؛ لأنَّه لم يكن قد بيَّن لهم أنَّه لا يجوز ذلك ، فقال : \r { وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم } ليوقع الضَّلالة في قلوبهم بعد الهدى { حتى يبيِّن لهم ما يتقون } فلا يتَّقوه ، فعند ذلك يستحقُّون الإِضلال .","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"{ لقد تاب الله على النبيِّ } مِنْ إذنه للمنافقين في التَّخلُّف عنه ، وهو ما ذُكر في قوله : { عفا الله عنك . . . } الآية { والمهاجرين والأنصار الذين اتَّبعوه في ساعة العسرة } في زمان عسرة الظَّهر ، وعسرة الماء ، وعسرة الزَّاد { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } من بعد ما همَّ بعضهم بالتَّخلُّف عنه والعصيان ، ثمَّ لحقوا به { ثم تاب عليهم } ازداد عنهم رضا .\r { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } أَي : عن التَّوبة عليهم . يعني : مَنْ ذكرناهم في قوله : { وأخرون مرجون لأمر الله } { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض } لأَنَّهم كانوا مهجورين لا يُعاملون ولا يُكلَّمون { وضاقت عليهم أنفسهم } بالهمِّ الذي حصل فيها { وظنوا } أيقنوا { أن لا ملجأ من الله إلاَّ إليه } أن لا مُعتَصَم من عذاب الله إلاَّ به { ثمَّ تاب عليهم ليتوبوا } أَيْ : لطف بهم في التَّوبة ووفَّقهم لها .\r { يا أيها الذين آمنوا } يعني : أهل الكتاب { اتقوا الله } بطاعته { وكونوا مع الصادقين } محمدٍ وأصحابه ، يأمرهم أن يكونوا معهم في الجهاد والشِّدَّة والرَّخاء .","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"{ ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدَّعَة ، ورسولُ الله A في الحرِّ والمشقَّة { ذلك } أَيْ : ذلك النَّهي عن التَّخلُّف { بأنهم لا يصيبهم ظمأ } وهو شدَّة العطش { ولا نصب } إعياء من التَّعب { ولا مخمصة } مجاعةٌ { ولا يطؤون موطئاً } ولا يقفون موقفاً { يغيظ الكفار } يُغضبهم { ولا ينالون من عدو نيلاً } أسراً وقتلاً إلاَّ كان ذلك قُربةً لهم عند الله .\r { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة } تمرةً فما فوقها { ولا يقطعون وداياً } يُجاوزونه في سيرهم { إلاَّ كتب لهم } آثارهم وخُطاهم { ليجزيهم الله أحسن } بأحسن { ما كانوا يعملون } فلمَّا عِيبَ مَنْ تخلَّف عن غزوة تبوك قال المسلمون : والله لا نتخلَّف عن غزوةٍ بعد هذا ، ولا عن سرية أبداً ، فلمَّا أمر رسول الله A بالسَّرايا إلى العدُّو ، نفر المسلمون جميعاً إلى الغزو ، وتركوا رسول الله A وحده بالمدينة ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ : \r { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ليخرجوا جميعاً إلى الغزو { فلولا نفر من كلِّ فرقة منهم طائفة } فهلاَّ خرج إلى الغزو من كل قبيلةٍ جماعةٌ { ليتفقهوا في الدين } ليتعلَّموا القرآن والسُّنن والحدود . يعني : الفرقة القاعدين { ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم } وليعلِّموهم ما نزل من القرآن ويخوّفوهم به { لعلهم يحذرون } فلا يعملون بخلاف القرآن .\r { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم } يقربون منكم . أُمروا بقتال الأدنى فالأدنى من عدوِّهم من المدينة { وليجدوا فيكم غلظة } شدَّةً وعُنفاً .\r { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم } من المنافقين { مَنْ يقول أيكم زادته هذه إيماناً } يقوله المنافقون بعضهم لبعض هزؤاً ، فقال الله تعالى : { فأمَّا الذين آمنوا فزادتهم إيماناً } تصديقاً ، لأنَّهم صدَّقوا بالأولى والثَّانية { وهم يستبشرون } يفرحون بنزول السُّورة .\r { وأما الذين في قلوبهم مرض } شكٌّ ونفاقٌ { فزادتهم رجساً إلى رجسهم } كفراً إلى كفرهم؛ لأنَّهم كلَّما كفروا بسورةٍ ازداد كفرهم .\r { أَوَلاَ يرون أنهم يفتنون في كلِّ عام مرَّة أو مرتين } يُمتحنون بالأمراض والأوجاع ، وهنَّ روائد الموت { ثمَّ لا يتوبون } من النِّفاق ، ولا يتَّعظون كما يتَّعظ المؤمن بالمرض .\r { وإذا ما أنزلت سورة } كان إذا نزلت سورةٌ فيها عيبُ المنافقين ، وتلا عليهم رسول الله A شقَّ ذلك عليهم ، و { نظر بعضهم إلى بعض } يريدون الهرب من عند رسول الله A ، وقال بعضهم لبعض : { هل يراكم من أحد } إنْ قمتم ، فإن لم يرهم أحدٌ خرجوا من المسجد ، وإنْ علموا أنَّ أحداً يراهم ثبتوا مكانهم حتى يفرغ من خطبته { ثم انصرفوا } على عزم الكفر والتَّكذيب { صرف الله قلوبهم } عن كلِّ رشدٍ وهدى { بأنهم قومٌ لا يفقهون } جزاءً على فعلهم ، وهو أنَّهم لا يفقهون عن الله دينه وما دعاهم الله إليه .","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم } من العرب من بني إسماعيل ليفهموا منه { عزيز عليه ما عنتم } شديدٌ عليه مشقَّتكم وكلُّ مضرَّة تُصيبكم { حريص عليكم } أن تؤمنوا . وهذا خطابٌ للكفَّار ومَنْ لم يؤمن به ، ثمَّ ذكر أنَّه { بالمؤمنين رؤوف رحيم } .\r { فإن تولوا } أعرضوا عن الإِيمان . يعني : المشركين والمنافقين { فقل حسبي الله } أَيْ : الذي يكفيني الله { لا إله إلاَّ هو عليه توكلت } وبه وثقت { وهو رب العرش العظيم } خصَّ بالذِّكر لأنه أعظم ما خلق الله عزَّ وجلَّ .","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"{ الر } أنا الله أرى { تلك آيات الكتاب } هذه الآيات التي أنزلتها عليك آيات القرآن { الحكيم } الحاكم بين النَّاس .\r { أكان للناس } أَهلِ مكَّةَ { عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم } وذلك أنَّهم قالوا : ما وجدَ الله مَنْ يُرسله إلينا إلاَّ يتيم أبي طالب؟! { أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا } أَيْ : بعثناه بشيراً ونذيراً { أنَّ لهم قدم صدق عند ربهم } يعني : الأعمال الصَّالحة . { قال الكافرون إنَّ هذا } القرآن { لسحرٌ مبين } .\r { إنَّ ربكم الله } مفسَّرةٌ في سورة الأعراف ، وقوله : { يدبِّر الأمر } يقضيه { ما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه } ردٌّ لقولهم : الأصنام شفعاؤنا عند الله .","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"{ هو الذي جعل الشمس ضياءً } ذات ضياءٍ { والقمر نوراً } ذا نورٍ { وقدَّره } وقدَّر له { منازل } على عدد أيام الشَّهر { ما خلق الله ذلك } يعني : ما تقدَّم ذكره { إلاَّ بالحق } بالعدل ، أَيْ : هو عادلٌ في خلقه ، لم يخلقه ظلماً ولا باطلاً { يفصِّل الآيات } يُبيِّنها { لقوم يعلمون } يستدلُّون بها على قدرة الله .","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"{ إنَّ الذين لا يرجون لقاءنا } لا يخافون البعث { ورضوا بالحياة الدنيا } بدلاً من الآخرة { واطمأنوا بها } وركنوا إليها { والذين هم عن آياتنا } ما أنزلتُ من الحلال والحرام والشرائع { غافلون } .","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"{ يهديهم ربُّهم بإيمانهم } أَيْ : إلى الجنان ثواباً لهم بإيمانهم .\r { دعواهم } دعاؤهم { فيها سبحانك اللهم } وهو أنَّهم كلَّما اشتهوا شيئاً قالوا : سبحانك اللَّهم ، فجاءهم ما يشتهون ، فإذا طعموا ممَّا يشتهون قالوا : الحمد لله ربَّ العالمين .","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"{ ولو يعجل الله للناس الشرَّ . . . } الآية . نزلت في دعاء الرَّجل على نفسه وأهله وولده بما يكره أني يستجاب له ، والمعنى : لو استجبتُ لهم في الشَّرِّ كما يحبُّون أن يستجاب لهم في الخير { لقضي إليهم أجلهم } لماتوا ، وفُرغ من هلاكهم . نزلت في النَّضر بن الحارث حين قال : { اللَّهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك . . . } الآية . يدلُّ على هذا قوله : { فنذر الذين لا يرجون لقاءنا } يعني : الكفَّار الذين لا يخافون البعث .\r { وإذا مسَّ الإِنسان } يعني : الكافر { الضرُّ } المرض والبلاء { دعانا لجنبه } أَيْ : مضطجعاً { أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضرَّه مرَّ } طاغياً على ترك الشُّكر { كأن لم يدعنا إلى ضرٍّ مسَّه } لنسيانه ما دعا الله فيه ، وما صنع الله به { كذلك زين } كما زُيِّن لهذا الكافر الدُّعاء عند البلاء ، والإِعراض عند الرَّخاء { زين للمسرفين } عملهم ، وهم الذين أسرفوا على أنفسهم ، إذ عبدوا الوثن .\r { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم } يخوِّف كفار مكَّة بمثل عذاب الأمم الخالية { وما كانوا ليؤمنوا } لأنَّ الله طبع على قلوبهم جزاءً لهم على كفرهم { كذلك نحزي القوم المجرمين } نفعل بمَنْ كذَّب بمحمَّدٍ كما فعلنا بمَنْ قبلهم جزاءً لكفرهم .","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"{ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم } يعني : أهل مكَّة { لننظر كيف تعملون } لنختبر أعمالكم .\r { وإذا تتلى عليهم } على هؤلاء المشركين { آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا } لا يخافون البعث : { ائت بقرآن غير هذا } ليس فيه عيب آلهتنا { أو بدَّله } تكلَّمْ به من ذات نفسك ، فبدِّلْ منه ما نكرهه { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفس } ما ينبغي لي أَنْ أغيِّره من قبل نفسي { إن أتبع إلاَّ ما يوحى غليَّ } ما أُخبركم إلاَّ ما أخبرني الله به ، أَي : الذي أتيتُ به من عند الله ، لا من عندي نفسي فأبدِّله .\r { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم } ما قرأتُ عليكم القرآن { ولا أدراكم به } ولا أعلمكم الله به { فقد لبثت فيكم عُمراً من قبله } أقمتُ فيكم أربعين سنةً لا أُحدِّثكم شيئاً { أفلا تعقلون } أنَّه ليس من قبلي .\r { فمن أظلم ممن أفترى على الله كذباً } لا أحد أظلم ممَّن يظلم ظلم الكفر ، أَيْ : إني لم أفترِ على الله ، ولم أكذب عليه ، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أنَّ معه شريكاً { إنَّه لا يفلح المجرمون } لا يسعد مَنْ كذَّب أنبياء الله .\r { ويعبدون من دون الله ما لا يضرُّهم } إنْ لم يعبدوه { ولا ينفعهم } إن عبدوه { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } في إصلاح معاشهم في الدُّنيا؛ لأنَّهم لا يقرُّون بالبعث { قل أتنبؤون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض } أتخبرون الله أنَّ له شريكاً ، ولا يعلم الله سبحانه لنفسه شريكاً في السَّموات ولا في الأرض ، ثمَّ نزَّه نفسه عمَّا افتروه فقال : { سبحانه وتعالى عما يشركون } .\r { وما كان الناس إلاَّ أمة واحدة } يعني : من لدن عهد إبراهيم عليه السَّلام إلى أن غيَّر الدِّين عمرو بن لُحي { فاختلفوا } واتَّخذوا الأصنام { ولولا كلمة سبقت من ربك } بتأخير عذاب هذه الأُمَّة إلى القيامة { لقضي بينهم } بنزول العذاب .\r { ويقولون } يعني : أهل مكَّة : { لولا } هلاَّ { أنزل عليه آية من ربه } مثلُ العصا وما جاءت به الأنبياء { فقل إنما الغيب لله } أَيْ : إنَّ قولكم : هلاَّ أنزل عليه آيةٌ غيبٌ ، وإنَّما الغيب لله لا يعلم أحدٌ لمَ لمْ يفعل ذلك { فانتظروا } نزول الآية { إني معكم من المنتظرين } .\r { وإذا أذقنا الناس } كفار مكَّة { رحمة } مطراً وخَصْباً { من بعد ضرَّاء مستهم } فقرٍ وبؤسٍ { إذا لهم مكر في آياتنا } قولٌ بالتَّكذيب ، أَيْ : إذا أخصبوا بطروا ، فاحتالوا لدفع آيات الله { قل الله أسرع مكراً } أسرع نقمةً . يعني : إنَّ ما يأتيهم من العقاب أسرعُ في أهلاكهم ممَّا أتوه من المكر في إبطال آيات الله { إنَّ رسلنا } يعني : الحفظة { يكتبون ما تمكرون } للمجازاة به في الآخرة .","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"{ هو الذي يسيِّركم في البر } على المراكب والظُّهور { والبحر } على السُّفن { حتى إذا كنتم في الفلك } السُّفن { وجرين بهم } يعني : وجرت السُّفن بمَنْ ركبها في البحر { بريح طيبة } رُخاءٍ ليِّنةٍ { وفرحوا } بتلك الرِّيح للينها واستوائها { جاءتها ريحٌ عاصف } شديدةٌ { وجاءهم الموج } وهو ما ارتفع من الماء { من كلِّ مكان } من البحر { وظنوا أنهم أحيط بهم } دنوا من الهلاك { دعوا الله مخلصين له الدين } تركوا الشِّرك وأخلصوا لله الرُّبوبيَّة ، وقالوا { لئن أنجيتنا من هذه } الرِّيح العاصفة { لنكوننَّ من الشاكرين } الموحِّدين الطَّائعين .\r { فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق } يعملون بالفساد والمعاصي والجرأة على الله . { يا أيها الناس } يعني : أهل مكَّة { إنما بغيكم على أنفسكم } أَيْ : بغي بعضكم على بعضٍ { متاع الحياة الدنيا } أَيْ : ما ينالونه بهذا الفساد والبغي إنَّما يتمتَّعون به في الحياة الدُّنيا { ثم إلينا مرجعكم } .\r { إنما مثل الحياة الدنيا } يعني : الحياة الفانية في هذه الدَّار { كماءٍ } كمطرٍ { أنزلناه من السماء فاختلط به } بذلك المطر وبسببه { نبات الأرض ممَّا يأكل الناس } من البقول والحبوب والثِّمار { والأنعام } من المراعي والكلأ { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها } زينتها وحسنها { وازَّينت } بنباتها { وظنَّ } أهل تلك الأرض { أنهم قادرون } على حصادها والانتفاع بها { أتاها أمرنا } عذابنا { فجعلناها حصيداً } لا شيء فيها { كأن لم تغن } لم تكن بالأمس { كذلك } الحياةُ في الدُّنيا سببٌ لاجتماع المال وزهرة الدُّنيا ، حتى إذا كثر ذلك عند صاحبه ، [ وظنَّ ] أنَّه ممتَّعٌ به سُلِب ذلك عنه بموته ، أو بحادثةٍ تهلكه { كذلك نفصل الآيات } كما بيَّنا هذا المثل للحياة الدُّنيا كذلك يُبيِّن الله آيات القرآن { لقوم يتفكرون } في المعاد .\r { والله يدعو إلى دار السلام } وهي الجنَّة ببعث الرَّسول ، ونصب الأدلة { ويهدي من يشاء } عمَّ بالدَّعوة ، وخصَّ بالهداية مَنْ يشاء .\r { للذين أحسنوا } قالوا : لا إله إلاَّ الله { الحسنى } الجنَّة { وزيادة } النَّظر إلى وجه الله الكريم عزَّ وجلَّ { ولا يرهق } يغشى { وجوههم قترٌ } سوادٌ من الكآبة { ولا ذلة } كما يصيب أهل جهنَّم ، وهذا بعد نظرهم إلى ربِّهم تبارك وتعالى .","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"{ والذين كسبوا السيئات } عملوا الشِّرك { جزاء سيئة } أَيْ : فهلم جزاء سيئةٍ { بمثلها وترهقهم ذلة } يُصيبهم ذلٌّ وخزيٌ وهوانٌ { ما لهم من الله } من عذاب الله { من عاصم } من مانعٍ يمنعهم { كأنما أغشيت } أُلبست { وجوههم قطعاً } طائفةً { من الليل } وهو مظلم .\r { ويوم نحشرهم جميعاً } نجمعهم جميعاً : الكفَّارَ وآلهتَهم { ثمَّ نقول للذين أشركوا مكانكم } قفوا والزموا مكانكم { أنتم وشركاؤكم فزيلنا } فرَّقنا وميَّزنا { بينهم } بين المشركين وبين شركائهم ، وانقطع ما كان بينهم من التَّواصل في الدُّنيا { وقال شركاؤهم } وهي الأوثان : { ما كنتم إيانا تعبدون } أنكروا عبادتهم ، وقالوا : ما كنَّا نشعر بأنَّكم إيَّانا تعبدون ، والله يُنطقها بهذا .\r { فكفى بالله شهيداً . . . } الآية . هذا من كلام الشُّركاء . قالوا : شهد الله على علمه فينا ، ما { كنا عن عبادتكم } إلاَّ غافلين؛ لأنَّا كنَّا جماداً لم يكن فينا روحٌ .\r { هنالك } في ذلك الوقت { تبلو } تختبر { كلُّ نفس ما أسلفت } جزاء ما قدَّمَتْ من خيرٍ أو شرٍّ { ورُدُّوا إلى الله مولاهم الحق } أَي : الذي يملك تولِّي أمرهم ويجازيهم بالحقِّ { وضلَّ عنهم } زال وبطل { ما كانوا يفترون } في الدُّنيا من التَّكذيب .\r { قل مَنْ يرزقكم من السماء والأرض } مَنْ يُنزِّل من السَّماء المطر ، ويُخرج النَّبات من الأرض؟ { أم مَنْ يملك السمع والأبصار } مَنْ جعلها وخلقها لكم؟ على معنى : مَنْ يملك خلقها { ومن يخرج الحيَّ من الميت } المؤمن من الكافر ، والنَّبات من الأرض ، والإِنسان من النُّطفة ، وعلى الضدِّ من ذلك { يخرج الميِّتَ من الحيِّ ومَنْ يدبر } أمر الدُّنيا والآخرة { فسيقولون الله } أَي : الله الذي يفعل هذه الأشياء ، فإذا أقرُّوا بعد الاحتجاج عليهم { فقل أفلا تتقون } أفلا تخافون الله ، فلا تشركوا به شيئاً .\r { فذلكم الله ربكم الحق } أَي : الذي هذا كلُّه فِعْلُه هو الحقُّ ، ليس هؤلاء الذين جعلتم معه شركاء { فماذا بعد الحق } بعد عبادة الله { إلاَّ الضلال } يعني : عبادة الشَّيطان { فأنى تصرفون } يريد : كيف تُصرف عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يحيي ولا يميت .\r { كذلك } هكذا { حقت } صدَّقت { كلمت ربك } بالشَّقاوة والخذلان { على الذين فسقوا } تمرَّدوا في الكفر { أنَّهم لا يؤمنون } .","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"{ قل هل من شركائكم } يعني : آلهتكم { من يهدي } يرشد { إلى الحق } إلى دين الإسلام { قل الله يهدي للحق } أَيْ : إلى الحقِّ { أفمن يهدي إلى الحق أحقُّ أن يتبع أم من لا يهدي } أَي : الله الذي يهدي ، ويرشد إلى الحقِّ أهلَ الحقِّ أحقُّ أن يتَّبع أمره أم الأصنام التي لا تهدي أحداً { إلاَّ أن يُهدى } يُرشد ، وهي - وإنْ هُديت - لم تهتد ، ولكنَّ الكلام نزل على أنَّها إِن هُديت اهتدت؛ لأنَّهم لمَّا اتخذوها آلهةً عُبِّر عنهما كما يُعبَّر عمَّن يعلم { فما لكم } أيُّ شيءٍ لكم في عبادة الأوثان ، وهذا كلامٌ تامٌّ { كيف تحكمون } يعني : كيف تقضون حين زعمتم أنَّ مع الله شريكاً .","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"{ وما يتبع أكثرهم } يعني : الرُّؤساء؛ لأنَّ السَّفلة يتَّبعون قولهم { إلاَّ ظناً } يظنون أنَّها آلهةٌ { إنَّ الظن لا يغني من الحق شيئاً } ليس الظنُّ كاليقين . يعني : إنَّ الظَّنَّ لا يقوم مقام العلم . { إنَّ الله عليم بما يفعلون } من كفرهم .\r { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله } هذا جوابٌ لقولهم : { ائت بقرآنٍ غير هذا } يقول : ما كان هذا القرآن افتراءً من دون الله { ولكن تصديق } [ ولكن كان تصديق ] { الذي بين يديه } من الكتب { وتفصيل الكتاب } [ يعني : تفصيل ] المكتوب من الوعد لمَنْ آمن ، والوعيد لمَنْ عصى { لا ريب فيه } لا شكَّ في نزوله من عند ربِّ العالمين .\r { أم يقولون افتراه } بل أتقولون : افتراه محمد { قل فأتوا بسورة مثله } إن كان مفترىً { وادعوا } إلى معاونتكم على المعارضة كلَّ مَنْ تقدرون عليه { إن كنتم صادقين } في أنَّ محمَّداً اختلقه من عند نفسه ، ونظيرُ هذه الآية في سورة البقرة : { وإنْ كنتم في ريب . . . } الآية .\r { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } أَيْ : بما في القرآن من الجنَّة والنَّار ، والبعث والقيامة { ولما يأتهم تأويله } ولم يأتهم بعدُ حقيقة ما وُعدوا في الكتاب { كذلك كذَّب الذين من قبلهم } بالبعث والقيامة .\r { ومنهم } ومن كفَّار مكَّة { مَنْ يؤمن به } يعني : قوماً علم أنَّهم يؤمنون { ومنهم مَنْ لا يؤمن به ، وربك أعلم بالمفسدين } يريد : المكذِّبين ، وهذا تهديدٌ لهم .\r { وإن كذبوك فقل لي عملي . . . } الآية . نسختها آية الجهاد .\r { ومنهم مَنْ يستمعون إليك } نزلت في المستهزئين كانوا يستمعون الاستهزاء والتَّكذيب ، فقال الله تعالى : { أفأنت تُسمع الصمَّ } يريد أنَّهم بمنزلة الصُّمِّ لشدَّة عداوتهم { ولو كانوا لا يعقلون } أَيْ : ولو كانوا مع كونهم صمَّاً جهَّالاً! أخبر الله سبحانه أنَّهم بمنزلة الصُّمِّ الجُهَّال إذْ لم ينتفعوا بما سمعوا .\r { ومنهم مَنْ ينظر إليك } مُتعجِّباً منك غير منتفعٍ بنظره { أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون } يريد : إنَّ الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون شيئاً من الهدى .\r { إنَّ الله لا يظلم الناس شيئاً } لمَّا ذكر أهل الشَّقاوة ذكر أنَّه لم يظلمهم بتقدير الشَّقاوة عليهم؛ لأنَّه يتصرَّف في ملكه { ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون } بكسبهم المعاصي .","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"{ ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلاَّ ساعةً من النهار } كأن لم يلبثوا في قبورهم إلاَّ قدر ساعة من النَّهار ، استقصروا تلك المدَّة من هول ما استُقبلوا من أمر البعث .\rوالقيامة { يتعارفون بينهم } يعرف بعضهم بعضاً تعارف توبيخٍ؛ لأنَّ كلَّ فريق يقول للآخر : أنت أضللتني وما يشبه هذا { قد خسر } ثواب الجنَّة { الذين كذَّبوا } بالبعث .\r { وإمَّا نرينَّك بعض الذي نعدهم } يريد : ما ابتُلوا به يوم بدرٍ { أو نتوفينك } قبل ذلك { فإلينا مرجعهم } أَيْ : فنعذِّبهم في الآخرة { ثمَّ الله شهيد على ما يفعلون } من محاربتك وتكذيبك ، فيجزيهم بها ، ومعنى الآية : إنْ لم ينتقم منهم في العاجل ينتقم منهم في الآجل .\r { ولكلِّ أمة رسول } يُرسل إليهم { فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط } وهو هلاك مَنْ كذَّبه ، ونجاة من تبعه { وهم لا يظلمون } لا يُنقص ثواب المُصدِّق ، ويُجازى المكذِّب بتكذيبه .\r { ويقولون متى هذا الوعد } قالوا ذل حين قيل لهم : { وإمَّا نرينَّك بعض الذي نعدهم . . . } الآية ، فقالوا : متى هذا العذاب الذي تعدنا يا محمَّد؟ { إن كنتم } أنت يا محمَّد وأتباعك صادقين .\r { قل لا أملك لنفسي ضرَّاً ولا نفعاً إلاَّ ما شاء الله . . . } الآية مفسَّرةٌ في آيتين من سورة الأعراف .","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"فلمَّا استعجلوا العذاب قيل للنبيِّ A : { قل أرأيتم } أعلمتم { إن أتاكم عذابُهُ بياتاً } ليلاً { أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون } أَيٌّ شيءٍ يستعجل المجرمون من العذاب؟ وهذا استفهام ٌ معناه التَّهويل والتًّفظيع ، أَيْ : ما أعظم ما يلتمسون ويستعجلون! كما تقول : أعلمت ماذا تجني على نفسك؟! فلمَّا قال لهم النبيُّ عليه السَّلام هذا ، قالوا : نكذِّب بالعذاب ونستعجله ، فإذا وقع آمنَّا به ، فقال الله تعالى : \r { أثمَّ إذا ما وقع } وحلَّ بكم { آمنتم به } بعد نزوله ، فلا يقبل منكم الإِيمان ، ويقال لكم : { آلآن } تؤمنون به { وقد كنتم به تستعجلون } في الدُّنيا مستهزئين .","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"{ ويستنبئونك } يستخبرونك { أحقٌّ } ما أخبرتنا به من العذاب والبعث؟ { قل : إي } نعم { وربي إنَّه لحقٌّ } يعين : العذاب نازلٌ بكم { وما أنتم بمعجزين } بعد الموت ، أَيْ : فتجازون بكفركم .\r { ولو أنَّ لكلِّ نفسٍ ظلمت } أشركت { ما في الأرض لافتدت به } لبذلته لدفعِ العذاب عنها { وأسروا } أخفوا وكتموا { الندامة } يعني : الرُّؤساء من السَّفلة الذين أضلُّوهم { وقضي بينهم } بين السَّفلة والرُّؤساء { بالقسط } بالعدل ، فيجازي كلٌّ على صنيعه .\r { ألاَ إنَّ وعد الله حقٌّ } ما وعد لأوليائه [ وأعدائه ] { ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون } يعني : المشركين .","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"{ يا أيها الناس } يعني : قريشاً { قد جاءتكم موعظة من ربكم } القرآن { وشفاءٌ لما في الصدور } ودواءٌ لداء الجهل { وهدىً } وبيانٌ من الضَّلالة { ورحمةٌ للمؤمنين } ونعمةٌ من الله سبحانه لأصحاب محمَّدٍ .\r { قل بفضل الله } الإِسلام { وبرحمته } القرآن { فبذلك } الفضل والرَّحمة { فليفرحوا هو خيرٌ } أَيْ : ما آتاهم الله من الإِسلام والقرآن خيرٌ ممَّا يجمع غيرهم من الدُّنيا .\r { قل } لكفَّار مكَّة : { أرأيتم ما أنزل الله } خلقه وأنشأه لكم { من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً } يعني : ما حرَّموه ممَّا هو حلالٌ لهم من البحيرة وأمثالها ، وأحلُّوه ممَّا هو حرامٌ من الميتة وأمثالها { قل الله أذن لكم } في ذلك التَّحريم والتَّحليل { أم } بل { على الله تفترون } .\r { وما ظنُّ الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة } أَيْ : ما ظنُّهم ذلك اليوم بالله وقد افتروا عليه؟ { إنَّ الله لذو فضلٍ على الناس } أهل مكَّة حين جعلهم في أمنٍ وحرمٍ إلى سائر ما أنعم به عليهم { ولكنَّ أكثرهم لا يشكرون } لا يُوحدِّون ولا يُطيعون .\r { وما تكون } يا محمَّد { في شأن } أمرٍ من أمورك { وما تتلوا منه } من الله { من قرآنٍ } أنزله عليك { ولا تعملون من عمل } خاطبه وأمَّته { إلاَّ كُنَّا عليكم شهوداً } نشاهد ما تعلمون { إذ تفيضون } تأخذون { فيه وما يعزب } يغيب ويبعد { عن ربك من مثقال ذرة } وزن ذرَّة { إلاَّ في كتاب مبين } يريد : اللَّوح المحفوظ الذي أثبت الله سبحانه فيه الكائنات .\r { ألا إنَّ أولياء الله } هم الذين تولَّى الله سبحانه هداهم .\r { الذين آمنوا } صدَّقوا النبيَّ { وكانوا يتقون } خافوا مقامهم بين يدي الله سبحانه .\r { لهم البشرى في الحياة الدنيا } عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشرى من الله { وفي الآخرة } يُبشَّرون بثواب الله وجنَّته { لا تبديل لكلمات الله } لا خلف لمواعيده .\r { ولا يحزنك قولهم } تكذيبهم إيَّاك { إنَّ العزة لله } القوَّة لله والقدرة لله { جميعاً } وهو ناصرك { وهو السميع } يسمع قولهم { العليم } بما في ضميرهم ، فيجازيهم بما يقتضيه حالهم .\r { ألاَّ إن لله مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض } يعني : يفعل بهم وفيهم ما يشاء { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء } أيْ : ليسوا يتَّبعون شركاء على الحقيقة؛ لأنَّهم يعدُّونها شركاء شفعاء لهم ، وليست على ما يظنُّون { إن يتبعون إلاَّ الظنَّ } ما يتَّبعون إلاَّ ظنَّهم أنَّها تشفع لهم { وإن هم إلا يخرصون } يقولون ما لا يكون .","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"{ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً } مُضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم { إنًّ في ذلك لآيات لقومٍ يسمعون } سَمعَ اعتبار .\r { قالوا اتَّخذ الله ولداً } يعني : قولهم : الملائكة بنات الله { سبحانه } تنزيهاً له عمَّا قالوه { هو الغنيُّ } أن يكون له زوجةٌ أو ولدٌ { إنْ عندكم من سلطانٍ بهذا } ما عندكم من حجَّةٍ بهذا .","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"{ متاع في الدنيا } أيْ : لهم متاعٌ في الدُّنيا يتمتَّعون به أيَّاماً يسيراً ، وقوله : \r { إن كان كَبُرَ عليكم مقامي } أَيْ : عَظُم وشقَّ عليكم مكثي ولبثي فيكم { وتذكيري بآيات الله } وعظي وتخويفي إيَّاكم عقوبة الله { فعلى الله توكلت } فافعلوا ما شئتم ، وهو قوله : { فأجمعوا أمركم وشركاءَكم } أَيْ : اعزموا على أمرٍ مُحكمٍ تجتمعون عليه { وشركاءكم } مع شركائكم . وقيل : معناه : وادعوا شركاءكم يعني : آلهتكم { ثمِّ لا يكن أمركم عليكم غمة } أَيْ : ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً تتمكنون فيه ممَّا شئتم لا كمَنْ يكتم أمراً ويخفيه ، فلا يقدر أن يفعل ما يريد { ثمَّ اقضوا إليَّ } افعلوا ما تريدون ، وامضوا إليَّ بمكروهكم { ولا تنظرون } ولا تُؤخِّروا أمري ، والمعنى : ولا تألوا في الجمع والقوَّة؛ فإنَّكم لا تقدرون على مساءتي؛ لأنَّ لي إلهاً يمنعني ، وفي هذا تقويةٌ لقلب محمَّدٍ A ، لأنَّ سبيله مع قومه كسبيل الأنبياء من قبله .","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"{ فإن توليتم } أعرضتم عن الإِيمان { فما سألتكم من أجر } مالٍ تعطونيه ، وهذا من قول نوح عليه السَّلام لقومه .","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"{ فما كانوا ليؤمنوا } يعني : أمم الأنبياء والرُّسل { بما } كذَّب به قوم نوح . أَيْ : هؤلاء الآخرون لم يؤمنوا بما كذَّب به أوَّلُوهم ، وقد علموا أنَّ الله سبحانه أغرقهم بتكذيبهم ، ثم قال : { كذلك } كما طبعنا على قلوبهم { نطبع على قلوب المعتدين } المُجاوزين الحقّ إلى الباطل .","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"{ قالوا أجئتنا لتلفتنا } لتردَّنا { عمَّا وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء } الملك والعزُّ { في الأرض } في أرض مصر .","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"{ إنَّ الله سيبطله } سيهلكه { إنَّ الله لا يصلح عمل المفسدين } لا يجعله ينفعهم .\r { ويحق الله الحق } ويظهره بالدَّلائل الواضحة { بكلماته } بوعده .\r { فما آمن لموسى إلاَّ ذرية من قومه } يعني : مَنْ آمن به من بني إسرائيل ، وكانوا ذريَّة أولاد يعقوب { على خوفٍ من فرعون ومَلَئِهِمْ } ورؤسائهم { أن يفتنهم } يصرفهم عن دينهم بمحنةٍ وبليَّةٍ يوقعهم فيها { وإنَّ فرعون لعالٍ } متطاولٌ { في الأرض } في أرض مصر { وإنه لمن المفسرين } حيث كان عبداً فادَّعى الرُّبوبيَّة .","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"{ لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } أَيْ : لا تُظهرهم علينا فيروا أنَّهم خيرٌ منا ، فيزدادوا طغياناً ويقولوا : لو كانوا على حقٍّ ما سُلِّطنا عليهم ، فَيُفتنوا .","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"{ وأوحينا إلى موسى وأخيه . . . } الآية . لمَّا أُرسل موسى صلوات الله عليه إلى فرعون أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فَخُرِّبت كلُّها ، ومُنعوا من الصَّلاة ، فأُمروا أن يتَّخذوا مساجد في بيوتهم ، ويصلُّوا فيها خوفاً من فرعون ، فذلك قوله : { تَبَوَّأا لقومكما } أَيْ : اتَّخذا لهم { بمصر بيوتاً } في دورهم { واجعلوا بيوتكم قبلة } أَيْ : صلُّوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف ، وقوله : \r { ربنا ليضلوا عن سبيلك } أَيْ : جعلت هذه الأموال سبباً لضلالهم؛ لأنَّهم بطروا ، فاستكبروا عن الإِيمان { ربنا اطمس على أموالهم } امسخها وأذهبها عن صورتها ، فصارت دراهمهم ودنانيرهم حجارةً منقوشةً صحاحاً وأنصافاً ، وكذلك سائر أموالهم { واشدُدْ على قلوبهم } اطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإِيمان { فلا يؤمنوا } دعاءٌ عليهم { حتى يروا العذاب الأليم } يعني : الغرق ، فاستجيب في ذلك ، فلم يؤمن فرعون حتى أدركه الغرق .","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"{ قال قد أجيبت دعوتكما } وذلك أنَّ موسى دعا ، وأمَّن هارون { فاستقيما } على الرِّسالة والدًّعوة { ولا تَتَّبِعَانِّ سبيل الذين لا يعلمون } لا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فتستعجلا قضائي ، وقوله : \r { فأتبعهم فرعون وجنوده } طلبوا أن يلحقو بهم { بغياً } طلباً للاستعلاء بغير حقٍّ { وعدواً } ظلماً { حتى إذا أدركه الغرق } تلفَّظ بما أخبر الله عنه حين لم ينفعه ذلك ، لأنَّه رأى اليأس وعاينه ، فقيل له : { آلآن وقد عصيت قبل } أَيْ : آلآن تؤمن أو تتوب؟ فلمَّا أغرقه الله جحد بعض بني إسرائيل غَرَقَةُ ، وقالوا : هو أعظم شأناً من أن يغرق ، فأخرجه الله سبحانه من الماء حتى رأوه ، فذلك قوله : \r { فاليوم ننجيك } نخرجك من البحر بعد الغرق { ببدنك } بجسدك الذي لا روح فيه { لتكون لمَنْ خلفك آية } نكالاً وعبرةً { وإنَّ كثيراً من الناس } يريد : أهل مكَّة { عن آياتنا } عمَّا يراد بهم { لغافلون } .","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"{ ولقد بوَّأنا بني إسرائيل مبوَّأ صدق } أنزلنا قريظة والنضير منزل صدقٍ ، أَيْ : محموداً مختاراً ، يريد : من أرض يثرب ، ما بين المدينة والشّام { ورزقناهم من الطيبات } من النَّخل والثِّمار ، ووسَّعنا عليهم الرِّزق { فما اختلفوا } في تصديق النبيِّ A وأنَّه رسولٌ مبعوثٌ { حتى جاءهم العلم } حقيقةُ ما كانوا يعلمونه ، وهو محمَّد عليه السَّلام بنعته وصفته ، والقرآن ، وذلك أنَّهم كانوا يُخبرون عن زمانه ونبوَّته ، ويؤمنون به ، فلمَّّا أتاهم اختلفوا ، فكفر به أكثرهم .\r { فإن كنت في شك } هذا في الظَّاهر خطابٌ للنبيِّ A ، والمراد به غيره من الشَّاكِّين في الدِّين ، وقوله : { فَاسْأَلِ الذين يقرؤون الكتاب من قبلك } يعني : مَنْ آمن من أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام وأصحابه ، فيشهدون على صدق محمد ، ويخبرون بنبوَّته وباقي الآية والتي تليها خطاب النبيِّ A والمراد به غيره .","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"{ إنَّ الذين حقت عليهم كلمة ربك } وجبت عليهم كلمة العذاب .\r { لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آية } وذلك أنَّهم كانوا يسألون رسول الله A أن يأتيهم بالآيات حتى يؤمنوا ، فقال الله تعالى : { لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آية حتى يروا العذاب الأليم } فلا ينفعهم حينئذٍ الإِيمان كما لم ينفع فرعون .\r { فلولا كانت قرية } أَيْ : فما كانت قريةٌ { آمنت فنفعها إيمانها } عند نزول العذاب { إلاَّ قوم يونس لما آمنوا } عند نزول العذاب { كشفنا عنهم عذاب الخزي } يعني : سخط الله سبحانه { ومتعناهم إلى حين } يريد : حين آجالهم ، وذلك أنَّهم لمَّا رأوا الآيات التي تدلُّ على قرب العذاب أخلصوا التَّوبة ، وترادُّوا المظالم ، وتضرَّعوا إلى الله تعالى ، فكشف عنهم العذاب .\r { ولو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعاً } الآية : كان رسول الله A حريصاً على أن يؤمن جميع النَّاس ، فأخبره الله سبحانه أنَّه لا يؤمن إلاَّ من سبق له من الله السَّعادة ، وهو قوله : \r { وما كان لنفس أن تؤمن إلاَّ بإذن الله } أَيْ : إلاَّ بما سبق لها في قضاء الله وقدره { ويجعل الرجس } العذاب { على الذين لا يعقلون } عن الله تعالى أمره ونهيه وما يدعوهم إليه .\r { قل } للمشركين الذين يسألونك الآيات : { انظروا ماذا } [ أي : الذي أعظم منها ] { في السموات والأرض } من الآيات والعبر التي تدلُّ على وحدانيَّة الله سبحانه ، فيعلموا أنَّ ذلك كلَّه يقتضي صانعاً لا يشبه الأشياء ، ولا تشبهه ، ثمَّ بيَّن أنَّ الآيات لا تُغني عمَّن سبق في علم الله سبحانه أنَّه لا يؤمن فقال : { وما تغني الآيات والنذر } جمع نذير { عن قومٍ لا يؤمنون } يقول : الإنذار غير نافعٍ لهؤلاء .\r { فهل ينتظرون } أَيْ : يجب ألا ينتظروا بعد تكذيبك { إلاَّ مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } إلاَّ مثل وقائع الله سبحانه فيمَنْ سلف قبلهم من الكفَّار .","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"{ ثمَّ ننجي رسلنا والذين آمنوا } هذا إخبارٌ عن ما كان الله سبحانه يفعل في الأمم الماضية من إنجاء الرُّسل والمُصدِّقين لهم عما يعذِّب به مَنْ كفر { كذلك } أَيْ : مثل هذا الإِنجاء { ننج المؤمنين } بمحمَّد A من عذابي .\r { قل يا أيها الناس } يريد : أهل مكَّة { إن كنتم في شك من ديني } الذي جئت به { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } أيْ : بشكِّكم في ديني لا أعبد غير الله { ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم } يأخذ أرواحكم ، وفي هذا تهديدٌ لهم؛ لأنَّ وفاة المشركين ميعاد عذابهم ، وقوله : \r { وأن أقم وجهك للدين حنيفاً } استقم بإقبالك على ما أُمرت به بوجهك .\r { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرُّك } أَيْ : شيئاً ما؛ لأنَّه لا يتحقق النَّفع والضَّرُّ إلاَّ من الله ، فكأنَّه قال : ولا تدع من دون الله شيئاً .\r { وإن يمسسك بضرٍّ } بمرضٍ وفقرٍ { فلا كاشف له } لا مزيل له { إلاَّ هو } ، { وإن يردك بخيرٍ } يرد بك الخير { فلا رادَّ لفضله } لا مانع لما تفضَّل به عليك من رخاءٍ ونعمةٍ { يصيب به } بكلَّ واحدٍ ممَّا ذُكر { من يشاء من عباده } .\r { قل يا أيها الناس } يعني : أهل مكَّة { قد جاءكم الحق } القرآن { من ربكم } وفيه البيان والشِّفاء { فمن اهتدى } من الضَّلالة { فإنما يهتدي لنفسه } يريد : مَنْ صدَّق محمَّداً عليه السَّلام فإنَّما يحتاط لنفسه { ومَنْ ضلَّ } بتكذيبه { فإنما يضلُّ عليها } إنَّما يكون وبال ضلاله على نفسه { وما أنا عليكم بوكيلٍ } بحفيظٍ من الهلاك حتى لا تهلكوا .\r { واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله } نسخته آية السَّيف؛ لأنَّ الله سبحانه حكم بقتل المشركين ، والجزية على أهل الكتاب .","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"{ الر } أنا الله الرَّحمن { كتاب } هذا كتابٌ { أُحْكمتْ آياته } بعجيب النَّظم ، وبديع المعاني ورصين اللَّفظ { ثمَّ فصلت } بُيِّنت بالأحكام من الحلال والحرام ، وجميع ما يحتاج إليه من { لدن حكيم } في خلقه { خبير } بمَنْ يُصدِّق نبيَّه وبمَنْ يُكذِّبه .\r { ألا تعبدوا } أَيْ : بأن ، والتَّقدير : هذا كتابٌ بأن لا تعبدوا { إلاَّ الله } .\r { و } ب { أن استغفروا ربكم } أَيْ : من ذنوبكم السَّالفة { ثم توبوا إليه } من المستأنفة متى وقعت { يمتعكم متاعاً حسناً } يتفضَّل عليكم بالرِّزق والسِّعة { إلى أجل مسمى } أجل الموت { ويؤت كلَّ ذي فضلٍ فضله } يؤت كلَّ مَنْ فَضُلَت حسناته على سيئاته فضله؛ يعني : الجنَّة ، وهي فضل الله سبحانه { وإن تولوا } تتولَّوا عن الإِيمان { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } وهو يوم القيامة .","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"{ ألا إنهم يثنون صدورهم } نزلت في طائفةٍ من المشركين قالوا : إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا ، واستغشينا ثيابنا ، وطوينا صدورنا على عداوة محمد A كيف يعلم ربُّنا؟ فأنزل الله تعالى : { ألا إنهم يثنون صدورهم } أَيْ : يعطفونها ويطوونها على عداوة محمد A { ليستخفوا منه } ليتواروا عنه ويكتموا عداوته { ألا حين يستغشون ثيابهم } يتدثَّرون بها { يعلم ما يسرون وما يعلنون } أعلم الله سبحانه أنَّ سرائرهم يعلمها كما يعلم مظهرهم { إنه عليم بذات الصدور } بما في النُّفوس من الخير والشَّرِّ .\r { وما من دابة } حيوانٍ يدبُّ { في الأرض إلاَّ على الله رزقها } فضلاً لا وجوباً { ويعلم مستقرها } حيث تأوي إليه { ومستودعها } حيث تموت { كلٌّ في كتاب مبين } يريد : اللَّوح المحفوظ ، والمعنى : أنَّ ذلك ثابتٌ في علم الله .\r { وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام } ذكرنا تفسيره في سورة الأعراف { وكان عرشه على الماء } يعني : قبل خلق السَّموات والأرض { ليبلوكم } أَيْ : خلقها لكم لكي يختبركم بالمصنوعات فيها من آياته؛ ليعلم إحسان المحسن وإساءة المسيء ، وهو قوله تعالى : { أيكم أحسن عملاً } أَيْ : أَعملُ بطاعة الله تعالى . { ولئن قلت } للكفَّار بعد خلق الله السَّموات والأرض وبيان قدرته { إنكم مبعوثون من بعد الموت } كذَّبوا بذلك وقالوا : { إن هذا إلاَّ سحر مبين } أَيْ : باطلٌ وخداعٌ .\r { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة } إلى أجلٍ وحينٍ معلومٍ { ليقولَّن ما يحبسه } ما يحبس العذاب عنا؟ تكذيباً واستهزاء ، فقال الله سبحانه : { ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم } إذا أخذتهم سيوف المسلمين لم تغمد عنهم حتى يُباد الكفر ، وتعلوَ كلمة الإِخلاص { وحاق } نزل وأحاط { بهم } جزاء { ما كانوا به يستهزئون } وهو العذاب والقتل .\r { ولئن أذقنا الإِنسان } يعني : الوليد بن المغيرة { منَّا رحمة } رزقاً { ثمَّ نزعناها منه إنَّه ليؤسٌ } مُؤْيَسٌ قانطٌ { كَفُور } كافرٌ بالنِّعمة . يريد : إنَّه لجهله بسعة رحمة الله يستشعر القنوط واليأس عند نزول الشِّدَّة .\r { ولئن أذقناه نعماء . . . } الآية . معناه : إنَّه يبطر فينسى حال الشِّدَّة ، ويترك حمد الله على ما صرف عنه ، وهو قوله : { ليقولنَّ ذهب السيئات عني } فارقني الضُّرُّ والفقر { إنه لفرحٌ فخورٌ } يُفاخر المؤمنين بما وسَّعَ الله عليه ، ثمَّ ذكر المؤمنين فقال : \r { إلاَّ الذين صبروا } والمعنى : لكن الذين صبروا على الشِّدَّة والمكاره { وعملوا الصالحات } في السَّراء والضرَّاء .","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"{ فعلك تاركٌ . . . } الآية . قال المشركون لرسول الله A : ائتنا بكتابٍ ليس فيه سبُّ آلهتنا حتى نتَّبعك ، وقال بعضهم : هلاَّ اُنزل عليك مَلَكٌ يشهد لك بالنُّبوَّة والصِّدق ، أو تُعطى كنزاً تستغني به أنت وأتباعك ، فهمَّ رسولُ الله A أن يدع سبَّ آلهتهم ، فأنزل الله تعالى : { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } أَيْ : لعظيم ما يَرِدُ على قلبك من تخليطهم تتوهَّم أنَّهم يُزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربِّك { وضائق به صدرك أن يقولوا } أَيْ : ضائق صدرك بأن يقولوا { لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير } عليك أن تُنذرهم ، وليس عليك أن تأتيهم بما يقترحون { والله على كلِّ شيء وكيل } حافظٌ لكلِّ شيءٍ .\r { أم يقولون } بل أيقولون { افتراه } افترى القرآن وأتى به من قبل نفسه { قل فأتوا بعشر سورٍ مثله } مثل القرآن في البلاغة { مُفترياتٍ } بزعمكم { وادعوا من استطعتم من دون الله } إلى المعاونة على المعارضة { إن كنتم صادقين } أنَّه افتراه .\r { فإن لم يستجيبوا لكم } فإن لم يستجب لكم مَنْ تدعونهم إلى المعاونة ، ولم يتهيَّأ لكم المعارضة فقد قامت عليكم الحجَّة { فاعلموا أنما أُنْزِلَ بعلم الله } أَيْ : أُنزل والله عالمٌ بإنزاله ، وعالمٌ أنَّه من عنده { فهل أنتم مسلمون } استفهامٌ معناه الأمر ، كقوله : { فهل أنتم منتهون . }","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"{ من كان يريد الحياة الدنيا } أَيْ : مَنْ كان يريدها من الكفَّار ، ولا يؤمن بالبعث ولا بالثَّواب والعقاب { نوف إليهم أعمالهم } جزاء أعمالهم في الدُّنيا . يعني : إنَّ مَنْ أتى من الكافرين فِعلاً حسناً من إطعام جائعٍ ، وكسوة عارٍ ، ونصرة مظلومٍ من المسلمين عُجِّل له ثواب ذلك في دنياه بالزِّيادة في ماله { وهم فيها } في الدُّنيا { لا يُبخسون } لا يُنقصون ثواب ما يستحقُّون ، فإذا وردوا الآخرة وردوا على عاجل الحسرة؛ إذ لا حسنة لهم هناك ، وهو قوله تعالى : \r { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلاَّ النار . . . } الآية .\r { أفمن كان } يعني : النَّبيَّ A { على بيِّنة من ربه } بيانٍ من ربِّه ، وهو القرآن { ويتلوه شاهد } وهو جبريل عليه السَّلام { منه } من الله عزَّ وجلَّ . يريد أنَّه يتَّبعه ويؤيِّده ويشهده { ومن قبله } ومن قبل القرآن { كتاب موسى } التَّوراة يتلوه أيضاً في التَّصديق ، لأنّ موسى عليه السلام بَشّر به في التوراة ، فالتوراة تتلو النبي A في التصديق ، وقوله : { إماماً ورحمة } يعني أنَّ كتاب موسى كان إماماً لقومه ورحمة ، وتقدير الآية : أفمَنْ كان بهذه الصِّفة كمَنْ ليس يشهد بهذه الصِّفة؟ فترك ذكر المضادِّ له . { أولئك يؤمنون به } يعني : مَنْ آمن به مِنْ [ أهل ] الكتاب { ومن يكفر به من الأحزاب } أصنافِ الكفَّار { فالنار موعده فلا تك في مِرْيةٍ منه } من هذا الوعد { إنَّه الحقُّ من ربك ولكنَّ أكثر النَّاس لا يؤمنون } يعني : أهل مكَّة .\r { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً } فزعم أنَّ له ولداً وشريكاً { أولئك يعرضون على ربهم } يوم القيامة { ويقول الأشهاد } وهم الأنبياء والملائكة والمؤمنون { هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم ألا لعنةُ اللَّهِ } إبعاده من رحمته { على الظالمين } المشركين .","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"{ الذين يصدون عن سبيل الله } تقدَّم تفسير هذه الآية .\r { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أَيْ : سابقين فائتين ، لم يعجزونا أن نعذِّبهم في الدُّنيا ، ولكن أخَّرْنا عقوبتهم { وما كان لهم من دون الله من أولياء } يمنعوهم من عذاب الله { يضاعف لهم العذاب } لإِضلالهم الأتباع { ما كانوا يستطيعون السمع } لأني حُلْتُ بينهم وبين الإِيمان ، فكانوا صُمَّاً عن الحقِّ فلا يسمعونه ، وعمياً عنه فلا يبصرونه ، ولا يهتدون .\r { أولئك الذين خسروا أنفسهم } بأن صاروا إلى النَّار { وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون } بطل افتراؤهم في الدُّنيا ، فلم ينفعهم شيئاً .\r { لا جرم } حقَّاً { أنهم في الآخرة هم الأخسرون } .\r { إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأَخْبَتُوا إلى ربهم } اطمأنُّوا وسكنوا ، وقيل : تابوا .\r { مثل الفريقين } فريق الكافرين وفريق المسلمين { كالأعمى والأصم } وهو الكافر { والبصيرِ والسميع } وهو المؤمن { هو يستويان مثلاً } أَيْ : في المَثل . أَيْ : هل يتشابهان؟ { أفلا تَذَكَّرون } أفلا تتعظون يا أهل مكَّة .","part":1,"page":337},{"id":338,"text":"{ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه } فقال [ لهم ] : يا قومي { إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلاَّ الله } أَيْ : أُنذركم لِتُوحِّدوا الله وتتركوا عبادة غيره { إني أخاف عليكم } بكفركم { عذاب يومٍ أليم } مؤلمٍ .\r { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } وهم الأشراف والرُّؤساء : { ما نراك إلاَّ بشراً مثلنا } إنساناً مثلنا لا فضل لك علينا { وما نراك اتبعك إلاَّ الذين هم أراذلنا } أخسَّاؤنا . يعنون : مَنْ لا شرفَ لهم ولا مال { بادي الرأي } اتَّبعوك في ظاهر الرَّأي ، وباطنهم على خلاف ذلك { وما نرى لكم } يعنون لنوحٍ وقومه { علينا من فضل } وهذا تكذيبٌ منهم؛ لأنَّ الفضل كلَّه في النُّبوَّة { بل نظنُّكم كاذبين } ليس ما أتيتنا به من الله .\r { قال يا قوم أرأيتم } أَيْ : أعلمتم { إنْ كنت على بينة من ربي } يقينٍ وبرهانٍ { وآتاني رحمة من عنده } نُبوَّةً { فعميت عليكم } فخفيت عليكم؛ لأنَّ الله تعالى سلبكم علمها ، ومنعكم معرفتها لعنادكم الحقَّ { أنلزمكموها } أَنُلزمكم قبولها ونضطركم إلى معرفتها إذا كرهتم؟\r { ويا قوم لا أسألكم عليه } على تبليغ الرِّسالة { مالاً إن أجري إلاَّ على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا } سألوه طرد المؤمنين عنه ليؤمنوا به أنفةً من أن يكونوا معهم على سواء ، فقال : لا يجوز لي طردهم إذ كانوا يلقون الله فيجزيهم بإيمانهم ، ويأخذ لهم ممَّن ظلمهم وصغَّر شؤونهم ، وهو قوله : { إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون } أنَّ هؤلاء خيرٌ منكم؛ لإِيمانهم وكفركم .\r { ويا قوم مَنْ ينصرني من الله } مَنْ يمنعني من عذاب الله { إن طردتهم } ؟\r { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } يعني : مفاتيح ، وهذا جوابٌ لقولهم : اتَّبعوك في ظاهرِ ما نرى منهم ، وهم في الباطن على خلافك ، فقال مجيباً لهم : { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } غيوب الله { ولا أعلم الغيب } ما يغيب عني ممَّا يسترونه في نفوسهم ، فسبيلي قبول ما ظهر منهم { ولا أقول إني مَلَك } جوابٌ لقولهم : { ما نراك إلاَّ بشراً مثلنا } { ولا أقول للذين تزدري } تستصغر وتستحقر { أعينكم } يعني : المؤمنين : { لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم } أَيْ : بضمائرهم ، وليس عليَّ أن أطَّلع على ما في نفوسهم { إني إذاً لمن الظالمين } إن طردتهم تكذيباً لهم بعد ما ظهر لي منهم الإِيمان .","part":1,"page":338},{"id":339,"text":"{ إن كان الله يريد أن يغويكم } أَيْ : يُضِلَّكم ويوقع الغيَّ في قلوبكم لما سبق لكم من الشَّقاء { هو ربكم } خالقكم وسيِّدكم ، وله أن يتصرَّف فيكم كما شاء .\r { أم يقولون } بل أيقولون { افتراه } اختلف ما أتى به من الوحي { قل إن افتريته فعليَّ إجرامي } عقوبة جرمي { وأنا بريء مما تجرمون } من الكفر والتَّكذيب .","part":1,"page":339},{"id":340,"text":"{ فلا تبتئس } أَيْ : لا تحزن ولا تغتم .\r { واصنع الفلك بأعيننا } بمرأى منا ، وتأويله : بحفظنا إيَّاك حفظ مَنْ يراك ، ويملك دفع السُّوء عنك { ووحينا } وذلك أنَّه لم يعلم صنعة الفلك حتى أوحى الله إليه كيف يصنعها { ولا تخاطبني } لا تراجعني ولا تحاورني { في الذين ظلموا } في إمهالهم وتأخير العذاب عنهم ، وقوله : \r { إن تسخروا منا } أَيْ : لما يرون من صنعه الفلك { فإنا نسخر منكم } ونعجب من غفلتكم عمَّا قد أظلَّكم من العذاب .\r { فسوف تعلمون مَنْ يأتيه عذابٌ يخزيه } أَيْ : فسوف تعلمون مَنْ أخسر عاقبةً .\r { حتى إذا جاء أمرنا } بعذابهم وهلاكهم { وفار التنور } بالماء ، يعني : تنُّور الخابز ، وكان ذلك علامةً لنوح عليه السَّلام ، فركب السَّفينة { قلنا احمل فيها } في الفلك { من كلّ زوجين } من كلِّ شيءٍ له زوج { اثنين } ذكراً وأنثى { وأهلك } واحمل أهلك يعني : ولده وعياله { إلاَّ مَنْ سبق عليه القول } يعني : مَنْ كان في علم الله أنَّه يغرق بكفره ، وهو امرأته واغلة ، وابنه كنعان ، { ومَنْ آمن } واحمل مَنْ صدَّقك { وما آمن معه إلاَّ قليل } ثمانون إنساناً .\r { وقال } نوحٌ لقومه الذين أُمر بحملهم : { اركبوا } يعني : الماء { فيها } في الفلك { بسم الله مجريها ومرساها } يريد : تجري باسم الله ، وترسي باسم الله ، فكان إذا أراد أن تجري السفينة قال : بسم الله ، فجرت ، وإذا أراد أن ترسي قال : بسم الله ، فَرَسَتْ ، أَيْ : ثبتت { إن ربي لغفور } لأصحاب السَّفينة { رحيم } بهم .\r { وهي تجري بهم في موج } جمع موجةٍ ، وهي ما يرتفع من الماء { كالجبال } في العِظَم { ونادى نوح ابنه } كنعان ، وكان كافراً { وكان في معزل } من السَّفينة ، أَيْ : في ناحيةٍ بعيدة عنها .\r { قال سآوي إلى جبل } أنضمُّ إلى جبلٍ { يعصمني } يمنعني { من الماء } فلا أغرق ، { قال } نوح : { لا عاصم اليوم من أمر الله } لا مانع اليوم من عذاب الله { إلاَّ مَنْ رحم } لكن مَنْ رحم الله فإنَّه معصوم { وحال بينهما } بين ابن نوحٍ وبين الجبل { الموج } ما ارتفع من الماء .\r { وقيل يا أرض ابلعي ماءك } اشربي ماءك { ويا سماء أقلعي } أمسكي عن إنزال الماء { وغيض الماء } نقص { وقضي الأمر } أُهلك قوم نوحٍ ، وفُرِغ من ذلك { واستوت } السَّفينة { على الجودي } وهو جبل بالجزيرة { وقيل : بعداً } من رحمة الله { للقوم الظالمين } المتَّخذين من دون الله آلهاً .","part":1,"page":340},{"id":341,"text":"{ ونادى نوح ربَّه فقال ربِّ إنَّ ابني } كنعان { من أهلي وإنَّ وعدك الحق } وعدتني أن تنجيني وأهلي ، أَيْ : فأنجه من الغرق { وأنت أحكم الحاكمين } أعدل العادلين .\r { قال يا نوح إنه ليس من أهلك } الذين وعدتك أن أُنجيهم { إنه عمل غير صالح } أيْ : سؤالك إيَّاي أن أنجي كافراً عملٌ غير صالح ، وقيل : معناه : إنَّ ابنك ذو عملٍ غير صالحٍ { فلا تسألني ما ليس لك به علم } وذلك أنَّ نوحاً لم يعلم أنَّ سؤاله ربَّه نجاةَ ولدِه محظورٌ عليه مع إصراره على الكفر ، حتى أعلمه الله سبحانه ذلك ، والمعنى : فلا تسألني ما ليس لك به علمٌ بجواز مسألته { إني أعظك } أنهاك { أن تكون من الجاهلين } من الآثمين ، فاعتذر نوحٌ عليه السَّلام لمَّا أعلمه الله سبحانه أنَّه لا يجوز له أن يسأل ذلك وقال : \r { ربِّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلاَّ تغفر لي } جهلي { وترحمني أكن من الخاسرين } .\r { قيل يا نوح اهبط } من السَّفينة إلى الأرض { بسلامٍ } بسلامةٍ . وقيل : بتحيَّةٍ { منا وبركات عليك } وذلك أنَّه صار أبا البشر؛ لأنَّ جميع مَن بقي كانوا من نسله { وعلى أمم ممن معك } أَيْ : من أولادهم وذراريهم ، وهم المؤمنون وأهل السَّعادة إلى يوم القيامة { وأمم سنمتعهم } في الدُّنيا . يعني : الأمم الكافرة من ذريَّته لى يوم القيامة .","part":1,"page":341},{"id":342,"text":"{ تلك } القصَّة التي أخبرتك بها { من أنباء الغيب } أخبار ما غاب عنك وعن قومك { فاصبر } كما صبر نوح على أذى قومه { إنَّ العاقبة للمتقين } آخر الأمر بالظَّفر لك ولقومك ، كما كان [ لمؤمني ] قوم نوحٍ ، وقوله : \r { إن أنتم إلاَّ مفترون } ما أنتم إلاَّ كاذبون في إشراككم الأوثان .","part":1,"page":342},{"id":343,"text":"{ يرسل السماء عليكم مدراراً } كثير الدَّرِّ . يعني : المطر { ويزدكم قوة إلى قوتكم } يعني : المال والولد ، وكان الله سبحانه قد حبس عنهم المطر ثلاث سنين ، وأعقم أرحام نسائهم ، فقال لهم هود : إن آمنتم أحيا الله سبحانه بلادكم ، ورزقكم المال والولد .\r { قالوا } مُنكرين لنبوَّته : { يا هود ما جئتنا ببينة } بحجَّةٍ واضحةٍ ، وقوله : { اعتراك } أصابك ومسَّك { بعض آلهتنا بسوء } بجنونٍ فأفسد عقلك ، فالذي يظهر مِنْ عيبها لما لحق عقلك من التَّغيير { قال } نبيُّ الله عليه السَّلام عند ذلك : { إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون } أَيْ : إن كانت عندكم الأصنام أنَّها عاقبتني لطعني عليها ، فإني أزيد الآن في الطَّعن عليها ، وقوله : \r { فيكدوني جميعاً } احتالوا أنتم وأوثانكم في عداوتي { ثم لا تنظرون } لا تُؤجِّلون .","part":1,"page":343},{"id":344,"text":"{ ما من دابة إلاَّ هو آخذٌ بناصيتها } أَيْ : هي في قبضته ، وتنالها بما شاء قدرته { إنَّ ربي على صراط مستقيم } أَيْ : إنَّ الذي بعثني الله به دينٌ مستقيمٌ .\r { فإن تولوا } تتولَّوا ، بمعنى : تُعرضوا عمَّا دعوتكم إليه من الإِيمان { فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم } فقد ثبتت الحُجَّة عليكم بإبلاغي { ويستخلف ربي قوماً غيركم } أَيْ : ويخلف بعدكم مَنْ هو أطوعُ له منكم { ولا تضرونه } بإعراضكم { شيئاً } إنَّما تضرُّون أنفسكم { إنَّ ربي على كل شيء } من أعمال العباد { حفيظ } حتى يجازيهم عليها .\r { ولما جاء أمرنا } بهلاك عادٍ { نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمةٍ منا } حيث هديناهم إلى الإِيمان ، وعصمناهم من الكفر { ونجيناهم من عذاب غليظ } يعني : ما عُذِّب به الذين كفروا .\r { وتلك عاد } يعني : القبيلة { جحدوا بآيات ربهم } كذَّبوها فلم يُقِرّوا بها { وعصوا رسله } يعني : هوداً عليه السَّلام؛ لأنَّ مَنْ كذَّب رسولاً واحداً فقد كفر بجميع الرُّسل { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } واتَّبع السَّفلةُ الرُّؤساءَ . والعنيد : المعارضُ لك بالخلاف .\r { وأُتْبِِعُوا في هذه الدنيا لعنةً } أُردفوا لعنةً تلحقهم وتنصرف معهم { ويوم القيامة } أَيْ : وفي يوم القيامة ، كما قال : { لعنوا في الدنيا والآخرة } { ألاَ إنَّ عاداً كفروا ربهم } قيل : بربِّهم . وقيل : كفروا نعمة ربِّهم { ألا بعداً لعاد } يريد : بعدوا من رحمة الله تعالى ، وقوله : \r { وهو أنشأكم } أَيْ : خلقكم { من الأرض } من آدم ، وآدم خُلق من تراب الأرض { واستعمركم فيها } جعلكم عمَّاراً لها .\r { قالوا يا صالح قد كنتَ فينا مَرْجُوّاً قبل هذا } وذلك أنَّ صالحاً عليه السَّلام كان يعدل عن دينهم ، ويشنأ أصنامهم ، وكانوا يرجون رجوعه إلى دين عشيرته ، فلمَّا أظهر دعاءهم إلى الله تعالى زعموا أنَّ رجاءهم انقطع منه ، وقوله { مريب } موقعٍ في الرِّيبة .\r { قال يا قوم أرأيتم . . . } الآية . يقول : أعلمتم مَنْ ينصرني من الله ، أَيْ : مَنْ يمنعني من عذاب الله إن عصيته بعد بيِّنةٍ من ربِّي ونعمةٍ { فما تزيدونني غير تخسير } أَيْ : ما تزيدونني باحتجاجكم بعبادة آبائكم الأصنام ، [ وقولكم ] : { أتنهانا أن نعبدَ ما يعبدُ آباؤُنا } إلاَّ بنسبتي إيَّاكم إلى الخسارة ، أَيْ : كلَّما اعتذرتم بشيءٍ زادكم تخسيراً . وقيل : معنى الآية : ما تزيدونني غير تخسيرٍ [ لي ] إن كنتم أنصاري ، ومعنى التَّخسير : التَّضليل والإِبعاد من الخير .","part":1,"page":344},{"id":345,"text":"{ تمتعوا في داركم } أَيْ : عيشوا في بلادكم { ثلاثة أيام ذلك وعدٌ } للعذاب { غير مكذوب } [ غير كذبٍ ] ، وقوله : \r { ومن خزي يومئذٍ } أَيْ : نجَّيناهم من العذاب الذي أهلك قومه ، ومن الخزي الذي لزمهم ، وبقي العارُ فيهم مأثوراً عنهم ، فالواوُ في { ومِنْ } نسقٌ على محذوف ، وهو العذاب .\r { وأخذ الذين ظلموا الصيحة } لمَّا أصبحوا اليوم الرَّابع أتتهم صيحةٌ من السَّماء فيها صوت كلِّ صاعقةٍ ، وصوت كلِّ شيء في الأرض ، فتقطَّعت قلوبهم في صدورهم .","part":1,"page":345},{"id":346,"text":"{ ولقد جاءت رسلنا } يعني : الملائكة الذين أتوا { إبراهيم } عليه السَّلام على صورة الأضياف { بالبشرى } بالبشارة بالولد { قالوا سلاماً } أَيْ : سلِّموا سلاماً { قال سلامٌ } أَيْ : عليكم سلامٌ { فما لبث أن جاء بعجل حنيذٍ } مشويٍّ .\r { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } إلى العجل { نكرهم } أنكرهم { وأوجس منهم خيفة } أضمر منهم خوفاً ، ولم يأمن أن يكونوا جاؤوا لبلاءٍ لمَّا لم يتحرَّموا بطعامه ، فلمَّا رأوا علامة الخوف في وجهه { قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } بالعذاب .","part":1,"page":346},{"id":347,"text":"{ وامرأته } سارة { قائمة } وراء السِّتر تتسمَّع إلى الرُّسل { فضحكت } سروراً بالأمن حيث قالوا : { إنا أُرسلنا إلى قوم لوط } ، وذلك أنَّها خافت كما خاف إبراهيم عليه السَّلام ، فقيل لها : يا أيتها الضَّاحكة ستلدين غلاماً ، فذلك قوله : { فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق } أَيْ : بعده { يعقوب } [ عليهما السَّلام ] . وذلك أنَّهم بشَّروها بأنَّها تعيش إلى أن ترى ولد ولدها .\r { قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز } وكانت بنت تسع وتسعين سنةً { وهذا بعلي شيخاً } وكان ابن مائة سنة [ واثنتي عشرة سنة ] { إنَّ هذا } الذي [ تذكرون ] من ولادتي على كبر سنِّي وسنِّ بعلي { لشيء عجيب } معجب .\r { قالوا أتعجبين من أمر الله } قضاء الله وقدره { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } يعني : بيت إبراهيم عليه السَّلام ، فكان من تلك البركات أنَّ الأسباط ، وجميع الأنبياء كانوا من إبراهيم وسارة ، وكان هذا دعاءً من الملائكة لهم ، وقوله : { إنّه حميدٌ } أَيْ : محمودٌ في أفعاله { مجيد } كريمٌ .\r { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } الفزع { وجاءته البشرى } بالولد { يجادلنا } أَيْ : أقبل وأخذ يجادل رسلنا { في قوم لوط } وذلك أنَّهم لما قالوا لإِبراهيم عليه السَّلام : { إنَّا مهلكو أهلِ هذه القرية } قال لهم : أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا : لا . قال : فأربعون؟ قالوا : لا ، فما زال ينقص حتى قال : فواحدٌ؟ قالوا : لا ، فاحتجَّ عليهم بلوط ، و { قال : إنَّ فيها لوطاً قالوا : نحن أعلم . . } الآية . فهذا معنى جداله ، وعند ذلك قالت الملائكة : \r { يا إبراهيم أعرض عن هذا } الجدال ، وخرجوا من عنده فأتوا قرية قوم لوطٍ .","part":1,"page":347},{"id":348,"text":"{ يا إبراهيم أعرض عن هذا } الجدال ، وخرجوا من عنده فأتوا قرية قوم لوطٍ ، وذلك قوله : \r { ولما جاءت رسلنا لوطاً سِيءَ بهم } حزن بمجيئهم؛ لأنَّه رآهم في أحسن صورةٍ ، فخاف عليهم قومه ، وعلم أنَّه يحتاج إلى المدافعة عنهم ، وكانوا قد أتوه في صورة الأضياف { وضاق بهم ذرعاً } أَيْ : صدراً { وقال هذا يوم عصيب } شديدٌ . ولمَّا علم قومه بمجيء قومٍ حسانِ الوجوه أضيافاً للوط قصدوا داره ، وذلك ، قوله : \r { وجاء قومه يهرعون إليه } أَيْ : يُسرعون إليه { ومن قبل } أَيْ : ومِنْ قبل مجيئهم إلى لوطٍ { كانوا يعملون السيئات } يعني : فعلهم المنكر { قال يا قومِ هؤلاء بناتي } أُزوِّجكموهنَّ ف { هنَّ أَطْهَرُ لكم } من نكاح الرِّجال . أراد أن يقي أضيافه ببناته { فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي } لا تفضحوني فيهم؛ لأنَّهم إذا هجموا إلى أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة { أليس منكم رجل رشيد } يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .\r { قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق } لَسْنَ لنا بأزواجٍ فنستحقهنَّ { وإنك لتعلم ما نريد } أَيْ : إنَّا نريد الرِّجال لا النِّساء .\r { قال لو أنَّ لي بكم قوَّة } لو أنَّ معي جماعةً أقوى بها عليكم { أو آوي } أنضمُّ { إلى ركن شديد } عشيرةٍ تمنعني وتنصرني لَحُلْتُ بينكم وبين المعصية ، فلمَّا رأت الملائكة ذلك ، \r { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } بسوءٍ فإنَّا نحولُ بينهم وبين ذلك { فأسرِ بأهلك بقطع الليل } في ظلمة اللَّيل { ولا يلتفت منكم أحد } لا ينظر أحدٌ إلى ورائه إذا خرج من قريته { إلاَّ امرأتك } فلا تسرِ بها ، وخلِّفها مع قومها؛ فإنَّ هواها إليهم و { إنَّه مصيبها ما أصابهم } من العذاب { إنَّ موعدهم الصبح } للعذاب ، فقال لوط : أريد أعجلَ من ذلك ، بل السَّاعةَ يا جبريل ، فقالوا له : { أليس الصبح بقريب } .\r { فلما جاء أمرنا } عذابنا { جعلنا عاليها سافلها } وذلك أنَّ جبريل عليه السَّلام أدخل جناحه تحتها حتى قلعها ، وصعد بها إلى السَّماء ، ثمَّ قلبها إلى الأرض { وأمطرنا عليها حجارة } قبلَ قلبها إلى الأرض { من سجيل } من طينٍ مطبوخٍ ، طُبخ حتى صار كالآجر ، فهو سنك كل بالفارسية ، فَعُرِّب ، { منضود } يتلو بعضه بعضاً .\r { مسوَّمة } مُعلَّمةً بعلامةٍ تُعرف بها أنَّها ليست من حجارة أهل الدُّنيا { عند ربك } في خزائنه التي لا يُتصرَّف في شيءٍ منها إلاَّ بإرادته { وما هي من الظالمين ببعيد } يعني : كفَّار قريش ، يُرهبهم بها .","part":1,"page":348},{"id":349,"text":"{ وإلى مدين } ذكرنا تفسير هذه الآية في سورة الأعراف ، وقوله : { إني أراكم بخير } يعني : النِّعمة والخصب ، يقول : أيُّ حاجةٍ بكم إلى التَّطفيف مع ما أنعم الله سبحانه به عليكم من المال ورخص السِّعر { وإني أخاف عليكم عذاب يومٍ محيط } يُوعدهم بعذابٍ يُحيط بهم فلا يفلت منهم أحدٌ .\r { ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط } أَتِمّوهما بالعدل .\r { بقية الله } أَيْ : ما أبقى الله لكم بعد إيفاء الكيل والوزن { خير لكم } من البخس ، يعني : من تعجيل النَّفع به { إن كنتم مؤمنين } [ مُصدِّقين ] في نعمه .\rشَرَطَ الإِيمانَ لأنَّهم إنَّما يعرفون صحَّة ما يقول إذا كانوا مؤمنين { وما أنا عليكم بحفيظ } أَيْ : لم أُؤمر بقتالكم وإكراهكم على الإِيمان .\r { قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا } يريدون : دينُك يأمرك ، أَيْ : أفي دينك الأمر بذا؟ { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } من البخس والظُّلم ، ونقص المكيال والميزان { إنك لأنت الحليم الرشيد } أيْ : السَّفيه الجاهل ، وقالوا : الحليم الرَّشيد على طريق الاستهزاء .\r { قال يا قوم أرأيتم } أعلمتم { إن كنت على بينة من ربي } بيانٍ وحجَّةٍ من ربي { ورزقني منه رزقاً حسناً } حلالاً ، وذلك أنَّه كان كثير المال ، وجواب \" إنْ \" محذوف على معنى : إنْ كنت على بيِّنةٍ من ربي ورزقني المال الحلال أتَّبع الضَّلال فأبخس وأُطفف؟ يريد : إنَّ الله تعالى قد أغناه بالمال الحلال ، { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } أَيْ : لست أنهاكم عن شيءٍ وأدخل فيه ، وإنَّما أختار لكم ما أختار لنفسي { إن أريد } ما أريد { إلاَّ الإصلاح } فيما بيني وبينكم بأن تعبدوا الله وحده ، وأَنْ تفعلوا ما يفعل مَنْ يخاف الله { ما استطعت } أَيْ : بقدر طاقتي ، وطاقة الإِبلاغ والإِنذار ، ثمَّ أخبر أنَّه لا يقدر هو ولا غيره على الطَّاعة إلاَّ بتوفيق الله سبحانه ، فقال : { وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب } أرجع في المعاد .\r { ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي } لا يكسبنَّكم خلافي وعداوتي { أن يصيبكم } عذاب العاجلة { مثل ما أصاب قوم نوحٍ } من الغرق { أو قوم هود } من الرِّيح العقيم { أو قوم صالح } من الرَّجفة والصِّيحة { وما قوم لوط منكم ببعيد } في الزَّمان الذي بينكم وبينهم وكان إهلاكهم أقربَ الإِهلاكات التي عرفوها .\r { واستغفروا ربكم } اطلبوا منه المغفرة { ثمَّ توبوا إليه } توصَّلوا إليه بالتَّوبة { إنَّ ربي رحيم } بأوليائه { ودودٌ } محبٌّ لهم .","part":1,"page":349},{"id":350,"text":"{ قالوا يا شعيب ما نفقه } [ ما نفهم ] { كثيراً مما تقول } أَيْ : صحَّته . يعنون : ما يذكر من التَّوحيد والبعث والنُّشور { وإنا لنراك فينا ضعيفاً } لأنَّه كان أعمى { ولولا رهطك } عشيرتك { لرجمناك } قتلناك { وما أنت علينا بعزيز } بمنيعٍ .\r { قال يا قوم أرهطي أعزُّ عليكم من الله } يريد : أمنع عليكم من الله ، كأنَّه يقول : حفظكم إيَّاي في الله أولى منه في رهطي { واتَّخذتموه وراءكم ظهرياً } ألقيتموه خلف ظهوركم ، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي ، والله أعزُّ وأكبر من جميع خلقه { إنَّ ربي بما تعملون محيط } خبيرٌ بأعمال العباد حتى يجازيهم بها ، ثمَّ هدَّدهم فقال : \r { ويا قوم اعملوا . . . } الآية . يقول : اعملوا على ما أنتم عليه { إني عاملٌ } على ما أنا عليه من طاعة الله ، وسترون منزلتكم من منزلتي ، وهو قوله : { سوف تعلمون مَنْ يأتيه عذاب يخزيه } يفضحه ويذله { ومَنْ هو كاذب } منَّا { وارتقبوا إني معكم رقيب } ارتقبوا العذاب من الله سبحانه ، إنِّي مرتقب من الله سبحانه الرَّحمة ، وقوله : \r { وأخذت الذين ظلموا الصيحة } صاح بهم جبريل صيحةً فماتوا في أمكنتهم .\r { ألا بعداً لمدين } أَيْ : قد بعدوا من رحمة الله سبحانه .","part":1,"page":350},{"id":351,"text":"{ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } يريد : التَّوراة وما أنزل الله فيها من الأحكام { وسلطان مبين } وحجَّةٍ بيِّنةٍ ، وهي العصا .\r { وما أمر فرعون برشيد } بمرشدٍ إلى خيرٍ .\r { يقدم قومه } يتقدَّمهم إلى النَّار ، وهو قوله : { فأوردهم النار } أدخلهم النار { وبئس الورد المورود } المدخل المدخول .\r { وأُتْبِعُوا في هذه } الدُّنيا { لعنة } يعني : الغرق { ويوم القيامة } يعني : ولعنة يوم القيامة ، وهو عذاب جهنَّم { بئس الرفد المرفود } يعني : اللَّعنة بعد اللَّعنة ، وقوله : \r { منها قائمٌ وحصيد } أَيْ : من القرى التي أُهلكت قائمٌ بقيت حيطانه ، وحصيدٌ مخسوفٌ به قد مُحي أثره .\r { وما ظلمناهم } بالعذاب والإِهلاك { ولكن ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعصية { فما أغنت عنهم } ما نفعتهم وما دفعت عنهم { آلهتهم التي يدعون } يعبدون { من دون الله } سوى الله { وما زادوهم } وما زادتهم عبادتها { غير تتبيب } بلاءٍ وهلاكٍ وخسارةٍ .\r { وكذلك } وكما ذكرنا من أهلاك الأمم { أخذ ربك } بالعقوبة { إذا أخذ القرى وهي ظالمة } يعني : أهلها .","part":1,"page":351},{"id":352,"text":"{ إنَّ في ذلك } يعني : ما ذكر من عذاب الأمم الخالية { لآية } لعبرةً { لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس } لأنَّ الخلق كلهم يحشرون ويجمعون لذلك اليوم { وذلك يوم مشهود } يشهده البرُّ والفاجر .\r { وما نؤخره } وما نؤخِّر ذلك اليوم فلا نُقيمه عليكم { إلاَّ لأجلٍ معدود } لوقتٍ معلومٍ ، ولا يعلمه أحدٌ غير الله سبحانه .\r { يوم يأتِ } ذلك اليوم { لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فمنهم شقيٌّ وسعيد } فمن الأنفس في ذلك اليوم شقيٌّ وسعيدٌ .\r { فأمَّا الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق } وهما من أصوات المكروبين والمحزونين ، والزَّفير مثل أوَّل نهيق الحمار ، والشَّهيق آخره إذا ردَّده في الجوف .\r { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض } أبداً ، وهذا من ألفاظ التأبيد { إلاَّ ما شاء ربك } أن يُخرجهم ، ولكنَّه لا يشاء ذلك ، والمعنى : لو شاء أن لا يخلِّدهم لقدر . وقيل : إلاَّ ما شاء ربك . يعني : إلاَّ مقدار مكثهم في الدُّنيا والبرزخ والوقوف للحساب ، ثمَّ يصيرون إلى النَّار أبداً ، وقوله : \r { عطاء غير مجذوذ } أَيْ : مقطوعٍ .\r { فلا تك } يا محمَّدُ { في مرية } شكٍّ { ممَّا يعبد هؤلاء } أيْ : مِن حال ما يعبدون في أنَّها لا تضرُّ ولا تنفع { ما يعبدون إلاَّ كما آباؤهم من قبل } أَيْ : كعبادة آبائهم ، يريد : إنَّهم على طريق التَّقليد يعبدون الأوثان كعبادة آبائهم { وإنا لموفوهم نصيبهم } من العذاب { غير منقوص } .","part":1,"page":352},{"id":353,"text":"{ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } هذه الآية تعزيةٌ للنبيِّ A ، وتسليةٌ له باختلاف قوم موسى في كتابه { ولولا كلمة سبقت من ربك } بتأخير العذاب عن قومك { لَقُضي بينهم } لَعُجِّل عقابهم ، وفُرِغَ من ذلك { وإنهم لفي شك منه } من القرآن { مريب } موقعٍ للرِّيبة .\r { وإنَّ كلاًّ } من البرِّ والفاجر ، والمؤمن والكافر { لما } يعني : لمَنْ ، في قول الفرَّاء ، وفي قول البصريين \" ما \" زائدة ، والمعنى : وإنَّ كلاً { ليوفينهم ربك أعمالهم } أَيْ : ليتمنَّ لهم جزاء أعمالهم .\r { فاستقم } على العمل بأمر ربك والدُّعاء إليه { كما أمرت } في القرآن { ومن تاب معك } يعني : أصحابه ، أَيْ : وليستقيموا هم أيضاً على ما أُمروا به { ولا تَطْغَوا } تواضعوا لله ولا تتجبَّروا على أحدٍ { إنه بما تعملون بصير } لا تخفى عليه أعمال بني آدم .\r { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } لا تُداهنوهم ولا ترضوا بأعمالهم ، يعني : الكفَّار { فتمسكم النار } فيصيبكم لفحها { وما لكم من دون الله من أولياء } من مانع يمنعكم من عذاب الله { ثم لا تنصرون } استئنافٌ .","part":1,"page":353},{"id":354,"text":"{ وأقم الصلاة طرفي النهار } بالصبح والمغرب { وزلفاً من الليل } صلاة العشاء قرب أوَّل الليل ، والزُّلف : أوَّل ساعات اللَّيل . وقيل : صلاة طرفي النَّهار : الفجر والظُّهر والعصر ، وأمَّا المغرب والعشاء فإنَّهما من صلاة زلف اللَّيل . { إن الحسنات يذهبن السيئات } إنَّ الصَّلوات الخمس تكفِّر ما بينها من الذنوب إذا اجتنبت الكبائر { ذلك ذكرى } أَيْ : هذه موعظةٌ { للذاكرين } .\r { واصبر } على الصَّلاة { فإنَّ الله لا يضيع أجر المحسنين } يعني : المُصلِّين .\r { فلولا كان من القرون من قبلكم } أَيْ : ما كان منهم { أولوا بقية } دينٍ وتميزٍ وفضلٍ { ينهون عن الفساد في الأرض } عن الشِّرك والاعتداء في حقوق الله والمعصية { إلاَّ قليلاً } لكن قليلاً { ممن أنجينا منهم } وهم أتباع الأنبياء وأهل الحقِّ ، نهوا عن الفساد { واتَّبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه } آثروا الَّلذات على أمر الآخرة ، وركنوا إلى الدُّنيا والأموال وما أُعطوا من نعيمها .\r { وما كان ربك ليهلك القرى } أَيْ : أهلها { بظلمٍ } بشركٍ { وأهلها مصلحون } فيما بينهم ، أَيْ : ليس من سبيل الكفَّار إذا قصدوا الحقَّ في المعاملة أن يُنزِّل اللَّهُ بهم عذاب الاستئصال ، كقوم لوطٍ عُذِّبوا باللِّواط ، وقوم شعيب عُذِّبوا ببخس المكيال .\r { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } مسلمين كلَّهم { ولا يزالون مختلفين } في الأديان .","part":1,"page":354},{"id":355,"text":"{ إلاَّ من رحم ربك } يعني : أهل الحقِّ { ولذلك خلقهم } أَيْ : خلق أهل الاختلاف للاختلاف ، وأهل الرَّحمة للرَّحمة .\r { وكلاًّ نقصُّ عليك } أَيْ : كلَّ الذي تحتاج إليه { من أنباء الرسل } نقصُّ عليك { ما نثبت به فؤادك } ليزيدك يقيناً { وجاءك في هذه } أَيْ : في هذه السُّورة { الحق } يعني : ما ذُكر من أقاصيص الأنبياء ومواعظهم ، وذكر السَّعادة والشَّقاوة ، وهذا تشريفٌ لهذه السُّورة؛ لأنَّ غيرها من السُّور قد جاء فيها الحقُّ { وموعظة وذكرى للمؤمنين } يتَّعظون إذا سمعوا هذه السُّورة ، وما نزل بالأمم لمَّا كذَّبوا أنبياءهم .\r { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم } أمر تهديد ، أَيْ : اعملوا ما أنتم عاملون .\r { وانتظروا } ما يعدكم الشَّيطان { إنَّا منتظرون } ما يعدنا ربُّنا من النَّصر .\r { ولله غيب السموات والأرض } أَيْ : علم ما غاب عن العباد فيهما { وإليه يرجع الأمر كله } في المعاد حتى لا يكون لأحدٍ سواه أمرٌ { وما ربك بغافل عما يعملون } أَيْ : إنَّه يجزي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءَته .","part":1,"page":355},{"id":356,"text":"{ الر } أنا الله الرَّحمن { تلك } هذه { آيات الكتاب المبين } للحلال والحرام ، والأحكام ، يعني : القرآن .\r { إنا أنزلناه } يعني : الكتاب { قرآنا عربياً } بلغة العرب { لعلكم تعقلون } كي تفهموا .\r { نحن نقصُّ عليك أحسن القصص } نبيِّن لك أحسن البيان { بما أوحينا } بإيماننا { إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } وما كنتَ من قبل أن يُوحى إليك إلاَّ من الغافلين .\r { إذ قال } اذكر إذ قال { يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم . . . } الآية . رأى يوسف عليه السَّلام هذه الرُّؤيا ، فلمَّا قصَّها على أبيه أشفق عليه من حسد إخوته له ، فقال : \r { يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً } يحتالوا في هلاكك؛ لأنهم لا يعلمون تأويلها .\r { وكذلك } ومثل ما رأيت { يجتبيك ربك } يصطفيك ويختارك { ويعلمك من تأويل الأحاديث } تعبير الأحلام { ويتم نعمته عليك } بالنبُّوَّة { وعلى آل يعقوب } يعني : المُختَصِّين منهم بالنُّبوَّة { على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إنَّ ربك عليم } حيث يضع النبوَّة { حكيم } في خلقه .\r { لقد كان في يوسف وإخوته } أَيْ : في خبرهم وقصصهم { آيات } عبرٌ وعجائبُ { للسائلين } الذين سألوا رسول الله A عن ذلك ، فأخبرهم بها وهو غافلٌ عنها لم يقرأ كتاباً ، فكان في ذلك أوضح دلالةٍ على صدقه .\r { إذ قالوا } يعني : إخوة يوسف : { ليوسفُ وأخوه } لأبيه وأُمِّه { أحبُّ إلى أبينا منا ونحن عصبة } جماعةٌ { إنَّ أبانا لفي ضلالٍ مبين } ضلَّ بإيثاره يوسف وأخاه علينا . ضلالٍ : خطأ .\r { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً } في أرضٍ يبعد فيها عن أبيه { يخلُ لكم وجه أبيكم } يُقبل بكليته عليكم { وتكونوا من بعده قوماً صالحين } تُحدثوا توبةً بعد ذلك يقبلها الله سبحانه منكم .","part":1,"page":356},{"id":357,"text":"{ قال قائل منهم } وهو يهوذا أكبر إخوته : { لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب } في موضعٍ مظلمٍ من البئر لا يلحقه نظر النَّاظرين { يلتقطه بعض السيارة } مارَّة الطَّريق { إن كنتم فاعلين } ما قصدتم من التًّفريق بينه وبين أبيه ، فلمَّا تآمروا بينهم ذلك وعزموا على طرحه في البئر .\r { قالوا } لأبيهم : { مالك لا تأمنا على يوسف } لِمَ تخافنا عليه؟ { وإنا له لناصحون } في الرَّحمة والبرِّ والشَّفقة .\r { أرسله معنا غداً } إلى الصَّحراء { نرتعْ ونلعبْ } نسعى وننشط { وإنا له لحافظون } من كلِّ ما تخافه عليه .\r { قال إني ليحزنني أن تذهبوا به } ذهابكم به يحزنني؛ لأنَّه يفارقني ، فلا أراه { وأخاف أن يأكله الذئب } وذلك أنَّ أرضهم كانت مذأبة { وأنتم عنه غافلون } مشتغلون برعيتكم .\r { قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة } جماعةٌ بحضرته { إنا إذاً لخاسرون } لعاجزون .\r { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه غيابت الجب } وعزموا على ذلك أوحينا إلى يوسف في البئر تقويةً لقلبه : لتصدقنَّ رؤياك ولَتُخبِرِنَّ إخوتك بصنيعهم هذا بعد هذا اليوم { وهم لا يشعرون } بأنَّك يوسف في وقت إخبارك إيَّاهم .","part":1,"page":357},{"id":358,"text":"{ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق } نشتدُّ ونعدو ليتبيَّن أيُّنا أسرع عَدْواً { وتركنا يوسف عند متاعنا } ثيابنا { فأكله الذئب وما أنت بمؤمنٍ لنا } بمصدِّق لنا { ولو كنَّا صادقين } في كلِّ الأشياء لأنَّك اتَّهمتنا في هذه القصَّة .\r { وجاؤوا على قميصه بدم كذب } لأنَّه لم يكن دمه ، إنَّما كان دم سخلةٍ { قال } يعقوب عليه السَّلام : { بل } أَيْ : ليس كما تقولون { سوَّلت لكم } زيَّنت لكم { أنفسكم } في شأنه { أمْراً } غير ما تصفون { فصبر } أَيْ : فشأني صبرٌ { جميل } وهو الذي لا جزع فيه ولا شكوى { والله المستعان على ما تصفون } أَيْ : به أستعين في مكابدة هذا الأمر .\r { وجاءت سيارة } رفقةٌ تسير للسَّفر { فأرسلوا واردهم } وهو الذي يرد الماء ليستقي للقوم { فأدلى دلوه } أرسلها في البئر ، فَتَشَبَّثَ يوسف عليه السَّلام بالرِّشاء فأخرجه الوارد ، فلمَّا رآه { قال يا بشرى } أَيْ : يا فرحتا { هذا غلام وأسروه بضاعة } أسرَّه الوارد ومَنْ كان معه من التُّجار من غيرهم ، وقالوا : هذه بضاعةٌ استبضعها بعض أهل الماء { والله عليم بما يعملون } بيوسف ، فلمَّا علم إخوته ذلك أتوهم ، وقالوا : هذا عبدٌ آبقٌ منَّا ، فقالوا لهم : فبيعوناه ، فباعوه منهم ، وذلك قوله : { وشروه بثمن بخسٍ } حرامٍ؛ لأنَّ ثمن الحُرِّ حرامٌ { دراهم معدودة } باثنين وعشرين درهماً { وكانوا } يعني : إخوته { فيه } في يوسف { من الزاهدين } لم يعرفوا موضعه من الله سبحانه وكرامته عليه .","part":1,"page":358},{"id":359,"text":"{ وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته } وهو العزيز صاحب ملك مصر : { أكرمي مثواه } أحسني إليه طول مقامه عندنا { عسى أن ينفعنا } أَيْ : يكفينا - إذا بلغ وفهم الأمور- بعض شؤوننا { أو نتخذه ولداً } وكان حصوراً لا يولد له . { وكذلك } وكما نجَّيناه من القتل والبئر { مكَّنا ليوسف في الأرض } يعني : أرض مصر حتى بلغ ما بلغ { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } فعلنا ذلك تصديقاً لقوله { ويُعلِّمك من تأويل الأحاديث } { والله غالب على أمره } على ما أراد من قضائه ، لا يغلبه غالبٌ على أمره ، ولا يُبطل إرادته منازعٌ { ولكنَّ أكثر الناس } هم المشركون ومَنْ لا يؤمن بالقدر { لا يعلمون } أَنَّ قدرة الله غالبةٌ ، ومشيئته نافذةٌ .\r { ولما بلغ أشده } ثلاثين سنةً { آتيناه حكماً وعلماً } عقلاً وفهماً { وكذلك } ومثل ما وصفنا من تعليم يوسف { نجزي المحسنين } الصَّابرين على النَّوائب ، كما صبر يوسف عليه السَّلام .\r { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه } يعني : امرأة العزيز طلبت منه أن يُواقعها { وغلقت الأبواب } أَيْ : أغلقتها { وقالت هيت لك } أَيْ : هلمَّ وتعال { قال معاذ الله } أعوذ بالله أن أفعل هذا { إنه ربي } إنَّ الذي اشتراني هو سيِّدي { أحسن مثواي } أنعم عليَّ بإكرامي ، فلا أخونه في حرمته { إنه لا يفلح الظالمون } لا يسعد الزُّناة .\r { ولقد همت به وهمَّ بها } طمعت فيه وطمع فيها { لولا أن رأى برهان ربِّه } وهو أنَّه مُثِّل له يعقوب عليه السَّلام عاضَّاً على أصابعه يقول : أتعمل عمل الفجَّار ، وأنت مكتوبٌ في الأنبياء ، فاستحيا منه ، وجواب \" لولا \" محذوف ، على معنى : لولا أن رأى برهان ربِّه لأمضى ما همَّ به { كذلك } أَيْ : أريناه البرهان { لنصرف عنه السوءَ } وهو خيانة صاحبه { والفحشاء } ركوب الفاحشة { إنَّه من عبادنا المخلصين } الذين أخلصوا دينهم لله سبحانه .\r { واستبقا الباب } وذلك أنَّ يوسف عليه السَّلام لمَّا رأى البرهان قام مُبادراً إلى الباب ، واتَّبعته المرأة تبغي التَّشبُّث به ، فلم تصل إلاَّ إلى دُبر قميصه ، فقدَّته ، ووجدا زوج المرأة عند الباب ، فحضرها في الوقت كيدٌ ، فأوهمت زوجها أنَّ الذي تسمع من العدو والمبادرة إلى الباب كان منها لا من يوسف ف { قالت ما جزاء مَنْ أراد بأهلك سوءاً } تريد الزِّنا { إلاَّ أن يسجن } يحبس في الحبس { أو عذاب أليم } بالضَّرب ، فلمَّا قالت ذلك غضب يوسف و { قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد } وحكم حاكمٌ ، وبيَّن مبيِّنٌ { من أهلها } وهو ابنُ عمِّ المرأة ، فقال { إن كان قميصه قدَّ من قبلٍ فصدقت وهو من الكاذبين } .","part":1,"page":359},{"id":360,"text":"{ وإن كان قميصه قُدَّ من دبرٍ فكذبت وهو من الصادقين } .\r { فلما رأى قميصه قُدَّ من دبرٍ } من حكم الشَّاهد وبيانِه ما يُوجب الاستدلال على تمييز الكاذب من الصَّادق ، فلمَّا رأى زوج المرأة قميص يوسف قدَّ من دبرٍ { قال : إنَّه من كيدكنَّ } أَيْ : قولِك : { ما جزاء مَنْ أراد بأهلك سوءاً . . . } الآية .\r { يوسف } يا يوسف { أعرض عن هذا } اترك هذا الأمر فلا تذكره { واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين } الآثمين ، ثمَّ شاع ما جرى بينهما في مدينة مصر حتى تحدَّثت بذلك النِّساء ، وخضن فيه وهو قوله : \r { وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها } غلامها { عن نفسه قد شغفها حُبَّاً } قد دخل حبُّه في شغاف قلبها ، وهو موضع الدَّم الذي يكون داخل القلب { إنا لنراها في ضلالٍ } عن طريق الرُّشد بحبِّها إيَّاه .\r { فلما سمعت } امرأة العزيز { بمكرهنَّ } مقالتهنَّ ، وسمِّيت مكراً لأنهنَّ قصدْنَ بهذه المقالة أن تُريهنَّ يوسف ، ليقوم لها العذر في حبِّه إذا رأين جماله ، وكنَّ مشتهين ذلك؛ لأنَّ يوسف وُصف لهنَّ بالجمال { أرسلت إليهن } تدعوهنَّ { وأعتدت } وأعدَّت { لهنَّ مُتّكَأً } طعاماً يقطع بالسِّكين . قيل : هو الأترج { وآتت } وناولت { كلَّ واحدةٍ منهن سكيناً وقالت } ليوسف : { اخرج عليهنَّ فلما رأينه أكبرنه } أعظمنه وهَالَهُنَّ أمره وبُهتن { وقطعن أيديهنَّ } حَززْنَها بالسَّكاكين ، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهنَّ بيوسف { وقلن حاشَ لِلَّه } بَعُدَ يوسف عن أن يكون بشراً { إنْ هذا } ما هذا { إلاَّ ملك كريم } فلمَّا رأت امرأة العزيز ذلك قالت : \r { فذلكنَّ الذي لُمْتُنَّنِي فيه } في حبِّه والشَّغف فيه ، ثم أقرَّّت عندهنَّ بما فعلت فقالت : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } فامتنع وأبى ، وتوعَّدته بالسِّجن فقالت : { ولئن لم يفعل . . . } الآية؛ فأمرنه بطاعتها ، وقلن له : إنَّك الظَّالم وهي المظلومة ، فقال يوسف : \r { ربِّ السجن أحبُّ إلي ممَّا يدعونني إليه } من معصيتك { وإلاَّ تصرف عني كيدهنَّ } كيد جميع النِّساء { أصبُ إليهنَّ } أمل إليهنَّ { وأكن من الجاهلين } المذنبين .","part":1,"page":360},{"id":361,"text":"{ فاستجاب له ربُّه فصرف عنه كيدهنَّ } حتى لم يقع في شيءٍ ممَّا يطالبنه به { إنَّه هو السميع } لدعائه { العليم } بما يخاف من الإثم .\r { ثم بدا لهم } للعزيز وأصحابه { من بعد ما رأوا الآيات } آيات براءة يوسف { ليسجننه حتى حين } وذلك أنَّ المرأة قالت : إنَّ هذا العبد فضحني في النَّاس يُخبرهم أنِّي راودته عن نفسه ، فاحبسه حتى تنقطع هذه المقالة ، فذلك قوله : { حتى حين } أَيْ : إلى انقطاع اللائمة .\r { ودخل معه السجن فتيان } غلامان للملك الأكبر ، رُفع إليه أنَّ صاحب طعامه يريد أن يَسُمَّه ، وصاحب شرابه مَالأَهُ على ذلك ، فأدخلهما السِّجن ، ورأيا يوسف يُعبِّر الرُّؤيا ، فقالا : لنجرِّب هذا العبد العبرانيّ ، فتحالما من غير أن يكونا رأيا شيئاً ، وهو قوله { قال أحدهما } وهو السَّاقي { إني أراني أعصر خمراً } أَيْ : عنباً ، وقال صاحب الطَّعام : { إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً } رأيتُ كأنَّ فوقَ رأسي خبزاً { تأكل الطير منه } فإذا سباعُ الطير يَنْهَشْنَ منه { نبئنا بتأويله } أَيْ : خبرنا بتفسير الرُّؤيا { إنا نراك من المحسنين } تُؤثر الإِحسان ، وتأتي جميل الأفعال ، فعدلَ يوسف عليه السَّلام عن جواب مسألتهما ، ودَلَّهما أولاً على أنَّه عالمٌ بتفسير الرُّؤيا فقال : \r { لا يأتيكما طعام ترزقانه } تأكلان منه في منامكما { إلاَّ نبأتكما بتأويله } في اليقظة { قبل أن يأتيكما } التَّأويل { ذلكما مما علمني ربّي } أَيْ : لست أخبركما على جهة التَّكهُّن والتَّنجُّم ، إنَّما ذلك بوحي من الله عزَّ وجلَّ وعلمٍ ، ثمَّ أخبر عن إيمانه واجتنابه الكفر بباقي الآية .","part":1,"page":361},{"id":362,"text":"{ ما كان لنا أنْ نشرك بالله من شيء } يريد : إنَّ الله سبحانه عصمنا من أن نشرك به { ذلك من فضل الله علينا } أَيْ : اتِّباعنا للإِيمان بتوفيق الله تعالى وتفضُّله علينا { وعلى الناس } وعلى مَنْ عصمه الله من الشِّرك حتى اتَّبع دينه { ولكنَّ أكثر الناس لا يشكرون } نعمة الله بتوحيده ، والإِيمان برسله ، ثمَّ دعاهما إلى الإِيمان ، فقال : \r { يا صاحبي السجن } يعني : يا ساكنيه : { أأرباب متفرِّقون } يعني : الأصنام { خير } أعظم في صفة المدح { أم الله الواحد القهار } الذي يقهر كلَّ شيءٍ .\r { ما تعبدون من دونه } أنتما ومَنْ على مثل حالكما من دون الله { إلاَّ أسماءً } لا معانيَ وراءها { سميتموها أنتم } ، { إن الحكم إلاَّ لله } ما الفصلُ بالأمر والنَّهي إلاَّ لله { ذلك الدين القيم } المستقيم { ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون } ما للمطيعين من الثَّواب ، وللعاصين من العقاب ، ثمَّ ذكر تأويل رؤياهما بقوله : \r { يا صاحبي السجن أمَّا أحدكما فيسقي ربَّه خمراً ، وأمَّا الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه } فقالا : ما رأينا شيئاً ، فقال : { قُضِيَ الأمر الذي فيه تستفتيان } يعني : سيقع بكما ما عبَّرت لكما ، صدقْتُما أم كذبتما .\r { وقال } يوسف { للذي ظنَّ } علم { إنَّه ناج منهما } وهو السَّاقي : { اذكرني عند ربك } عند الملك صاحبك ، وقل له : إنَّ في السِّجن غلاماً محبوساً ظلماً { فأنساه الشيطان ذكر ربه } أنسى الشَّيطان يوسف الاستغاثة بربِّه ، وأوقع في قلبه الاستغاثة بالملك ، فعوقب بأن { لبث في السجن بضع سنين } سبع سنين ، فلمَّا دنا فرجه وأراد الله خلاصه رأى الملك رؤيا ، وهو قوله : \r { وقال الملك إني أرى . . . } الآية . فلمَّا استفتاهم فيها .\r { قالوا أضغاث أحلام } أحلامٌ مختلطةٌ لا تأويل لها عندنا { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } أقرُّوا بالعجز عن تأويلها .\r { وقال الذي نجا منهما } وهو السَّاقي { وادَّكر بعد أمةٍ } وتذكَّر أمر يوسف بعد حين من الدَّهر : { أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون } فأُرسل ، فأتى يوسف فقال : \r { يوسفُ } أَيْ : يا يوسف { أيها الصديق } الكثير الصِّدق ، وقوله : { لعلي أرجع إلى الناس } يعني : أصحاب الملك { لعلهم يعلمون } تأويل رؤيا الملك من جهتك .","part":1,"page":362},{"id":363,"text":"{ قال تزرعون } أَيْ : ازرعوا { سبع سنين دأباً } متتابعةً ، وهذا السَّبع تأويل البقرات السِّمان { فما حصدتم } ممَّا زرعتم { فذروه في سنبله } لأنَّه أبقى له وأبعد من الفساد { إلا قليلاً ممًّا تأكلون } فإنَّكم تدوسونه .\r { ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد } مُجدباتٌ صعابٌ ، وهذه تأويل البقرات العجاف { يأكلن } يُفنين ويُذهبن { مَا قدَّمتم لهن } من الحَبِّ { إلاَّ قليلاً ممَّا تحصنون } تحرزون وتدَّخرون .\r { ثمَّ يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } يمطرون ويخصبون حتى يعصروا من السِّمسم الدُّهن ، ومن العنب الخمر ، ومن الزَّيتون الزَّيت ، فرجع الرَّسول بتأويل الرُّؤيا إلى الملك ، فعرف الملك أنَّ ذلك تأويلٌ صحيحٌ ، فقال : \r { ائتوني } بالذي عبَّر رؤياي ، فجاء الرَّسول يوسف ، وقال : أجب الملك فقال للرسول : { ارجع إلى ربك } يعني : الملك { فسله } أن يسأل { ما بال النسوة } ما حالهنَّ وشأنهنَّ ، ليعلم صحَّة براءتي ممَّا قُذفت به ، وذلك أنَّ النِّسوة كنَّ قد عرفن براءته بإقرار امرأة العزيز عندهنَّ ، وهو قولها : { ولقد رَاودْتُه عن نفسِهِ فاستعصم } فأحبَّ يوسف عليه السَّلام أن يُعلم الملك أنَّه حُبس [ ظلماً ] ، وأنَّه بريءٌ ممَّا قُذِف به ، فسأله أن يستعلم النِّسوة عن ذلك { إن ربي بكيدهنَّ } ما فعلن في شأني حين رأينني وما قلن لي { عليم } فدعا الملك النِّسوة .","part":1,"page":363},{"id":364,"text":"{ ما خطبكنَّ } ما قصتكنَّ وما شأنكنَّ { إذ راودتنَّ يوسف عن نفسه } جمعهنَّ في المُراوَدة؛ لأنَّه لم يعلم مَنْ كانت المُراوِدة { قلن حاشَ لله } بَعُدَ يوسف عمَّا يُتَّهم به { ما علمنا عليه من سوء } من زنا ، فلمَّا برَّأْنَهُ أقرَّت امرأة العزيز فقالت : { الآن حصحص الحق } أَيْ : بان ووضح ، وذلك أنَّها خافت إنْ كذَّبت شهدت عليها النِّسوة فقالت : { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } في قوله : { هي راودتني عن نفسي } { ذلك } أَيْ : ما فعله يوسف من ردِّ الرَّسول إلى الملك { ليعلم } وزير الملك - وهو الذي اشتراه - { إني لم أخنه } في زوجته { بالغيب وأنَّ الله لا يهدي كيد الخائنين } لا يرشد مَنْ خان أمانته ، أَيْ : إنَّه يفتضح في العاقبة بحرمان الهداية من الله عزَّ وجلَّ ، فلمَّا قال يوسف عليه السَّلام : { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال جبريل عليه السَّلام : ولا حين هممت بها يوسف ، فقال : \r { وما أبرىء نفسي } وما أُزكِّي نفسي { إنَّ النفس لأمَّارة بالسوء } بالقبيح وما لا يحبُّ الله { إلاَّ ما } مَنْ { رحم ربي } فعصمه .","part":1,"page":364},{"id":365,"text":"{ وقال الملك ائتوني به } بيوسف { أستخلصه لنفسي } أجعله خالصاً لي لا يشركني فيه أحدٌ { فلمَّا كلَّمه } يوسف { قال : إنك اليوم لدينا مكين } وجيهٌ ذو مكانةٍ { أمين } قد عرفنا أمانتك وبراءتك ، ثمَّ سأله الملك أن يُعبِّر رؤياه شفاهاً ، فأجابه يوسف بذلك ، فقال له : ما ترى أن نصنع؟ قال : تجمع الطَّعام في السِّنين المخصبة ليأتيك الخلق فيمتارون منك بحكمك ، فقال : مَنْ لي بهذا ومَنْ يجمعه؟ فقال يوسف : \r { اجعلني على خزائن الأرض } على حفظها ، وأراد بالأرض أرض مصر { إني حفيظٌ عليمٌ } كاتبٌ حاسبٌ .\r { وكذلك } وكما أنعمنا عليه بالخلاص من السِّجن { مكنَّا ليوسف } أقدرناه على ما يريد { في الأرض } أرض مصر { يتبوأ منها حيث يشاء } هذا تفسير التَّمكين في الأرض { نصيب برحمتنا مَنْ نشاء } أتفضَّل على مَنْ أشاء برحمتي { ولا نضيع أجر المحسنين } ثواب المُوحِّدين .\r { ولأجر الآخرة خير . . . } الآية . أَيْ : ما يعطي الله من ثواب الآخرة خيرٌ للمؤمنين ، والمعنى : إنَّ ما يعطي الله تعالى يوسف في الآخرة خيرٌ ممَّا أعطاه في الدُّنيا ، ثمَّ دخل أعوام القحط على النَّاس ، فأصاب إخوة يوسف المجاعة ، فأتوه مُمتارين ، فذلك قوله : \r { وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون } لأنِّهم على زيِّ الملوك ، وكان قد تقرَّر في أنفسهم هلاك يوسف . وقيل : لأنَّهم رأوه من وراء سترٍ .","part":1,"page":365},{"id":366,"text":"{ ولما جهزهم بجهازهم } يعني : حمل لكلِّ رجلٍ منهم بعيراً { قال ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم } يعني : بنيامين ، وذلك أنَّه سألهم عن عددهم فأخبروه ، وقالوا : خلَّفنا أحدنا عند أبينا ، فقال يوسف : فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم . { ألا ترون أني أوفي الكيل } أُتمُّه من غير بخسٍ { وأنا خير المنزلين } وذلك لأن حين أنزلهم أحسن ضيافتهم ، ثمَّ أوعدهم على ترك الإِتيان بالأخ بقوله : \r { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون } .\r { قالوا سنراود عنه أباه } نطلب منه ونسأله أن يرسله معنا { وإنا لفاعلون } ما وعدناك من المراودة .\r { وقال } يوسف { لفتيانه } لغلمانه : { اجعلوا بضاعتهم } التي أتوا بها لثمن الميرة ، وكانت دارهم { في رحالهم } أوعيتهم { لعلَّهم يعرفونها } عساهم يعرفون أنَّها بضاعتهم بعينها { إذا انقلبوا إلى أهلهم } وفتحوا أوعيتهم { لعلهم يرجعون } عساهم يرجعون إذا عرفوا ذلك؛ لأنَّّهم لا يستحلُّون إمساكها .\r { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منّا الكيل } حُكم علينا بمنع الكيل بعد هذا إن لم نذهب بأخينا . يعنون قوله : { فلا كيل لكم عندي ولا تقربون } . { فأرسل معنا أخانا نكتل } نأخذ كيلنا .\r { قال هل آمنكم عليه . . . } الآية ، يقول : لا آمنكم على بنيامين إلاَّ كأمني على يوسف ، يريد : إنَّه لم ينفعه ذلك الأمن ، فإنَّهم خانوه ، فهو - وإن أَمِنَهم في هذا - خاف خيانتهم أيضاً ، ثمَّ قال : { فالله خير حافظاً } .\r { ولما فتحوا متاعهم } ما حملوه من مصر { وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي } منك شيئاً تردُّنا به وتصرفنا إلى مصر { هذه بضاعتنا ردت إلينا } فنتصرَّف بها { ونميرُ أهلنا } نجلب إليهم الطَّعام { ونزداد كيل بعير } نزيد حِمْل بعيرٍ من الطَّعام ، لأنَّه كان يُكال لكلِّ رجلٍ وِقْر بعير { ذلك كيلٌ يسير } متيسِّرٌ على مَنْ يكيل لنا لسخائه .\r { قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله } حتى تحلفوا بالله { لَتَأْتُنَّني به إلاَّ أن يحاط بكم } إلا أن تموتوا كلُّكم { فلما آتَوْهُ موثقهم } عهدهم ويمينهم { قال } يعقوب عليه السَّلام : { الله على ما نقول وكيل } شهيد ، فلمَّا أرادوا الخروج من عنده قال : \r { يا بني لا تدخلوا } مصر { من باب واحدٍ وادخلوا من أبواب متفرقة } خاف عليهم العين ، فأمرهم بالتَّفرقة { وما أغني عنكم من الله من شيء } يعني : إنَّ الحذر لا يُغني ولا ينفع من القدر .","part":1,"page":366},{"id":367,"text":"{ ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } وذلك أنَّهم دخلوا مصر متفرِّقين من أربعة أبواب { ما كان يغني عنهم من الله من شيء } ما كان ذلك ليردَّ قضاءً قضاه الله سبحانه { إلاَّ حاجةً } لكن حاجةً . يعني : إنَّ ذلك الدّخول قضى حاجةً في نفس يعقوب عليه السَّلام ، وهي إرادته أن يكون دخولهم من أبوابٍ متفرِّقةٍ شفقةً عليهم { وإنه لذو علم لما علمناه } لذو يقينٍ ومعرفةٍ بالله سبحانه { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أنَّ يعقوب عليه السَّلام بهذه الصِّفة .\r { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه } ضمَّه إليه وأنزله عند نفسه { قال إني أنا أخوك } اعترف له بالنِّسب ، وقال : لا تخبرهم بما ألقيت إليك { فلا تبتئس } فلا تحزن ولا تغتم { بما كانوا يعملون } من الحسد لنا ، وصرف وجه أبينا عنا .\r { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية } وهو إناءٌ من ذهبٍ مرصَّعٌ بالجواهر { في رحل أخيه } بنيامين { ثمَّ أذَّنَ مؤذنٌ } نادى منادٍ { أيتها العير } الرُّفقة { إنكم لسارقون } .\r { قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون } ؟\r { قالوا نفقد صواع الملك } يعني : السِّقاية { ولمن جاء به حمل بعير } أَيْ : من الطَّعام { وأنا به زعيم } كفيل .\r { قالوا تالله لقد علمتم } حلفوا على أنَّهم يعلمون صلاحهم وتجنُّبهم الفساد ، وذلك أنَّهم كانوا معروفين بأنَّهم لا يظلمون أحداً ، ولا يرزأون شيئاً لأحد .\r { قالوا فما جزاؤه } أَيْ : ما جزاء السَّارق { إن كنتم كاذبين } في قولكم : ما كنا سارقين .","part":1,"page":367},{"id":368,"text":"{ قالوا جزاؤه مَنْ وجد في رحله } [ وكانوا يستعبدون كلَّ سارقٍ بسرقته ، فلذلك قالوا : جزاؤه مَنْ وجد في رحله ] أَيْ : جزاء السَّرق ، مَنْ وجد في رحله المسروق { فهو جزاؤه } أَيْ : فالسَّرق جزاء السَّارق { كذلك نجزي الظالمين } أَيْ : إذا سرق سارقٌ اسْتُرِقَّ ، فلمَّا أقرُّوا بهذا الحكم صُرف بهم إلى يوسف عليه السَّلام ليفتِّش أمتعتهم .\r { فبدأ } يوسف { بأوعيتهم } وهي كلُّ ما استودع شيئاً من جرابٍ وجوالق ومِخْلاةٍ { قبل وعاء أخيه } نفياً للتُّهمة { ثمَّ استخرجها } يعني : السِّقاية { من وعاء أخيه كذلك كدنا } ألهمنا { ليوسف } أي : ألهمناه مثل ذلك الكيد ، حتى ضممنا أخاه إليه { ما كان ليأخذ أخاه } ويستوجب ضمَّه إليه { في دين الملك } في حكمه وسيرته وعادته { إلاَّ } بمشيئة الله تعالى ، وذلك أنَّ حكم الملك في السَّارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق ، فلم يكن يوسف يتمكَّن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كاد الله له تلطُّفاً ، حتى وجد السَّبيل إلى ذلك ، وهو ما أجري على ألسنة إخوته أنَّ جزاء السَّارق الاسترقاق ، { نرفع درجات مَنْ نشاء } بضروب الكرامات وأبواب العلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته في كلِّ شيء { وفوق كلِّ ذي علم عليم } يكون هذا أعلم من هذا ، وهذا أعلم من هذا حتى ينتهي العلم إلى الله سبحانه . فلمَّا خرج الصُّواع من رحل بنيامين .","part":1,"page":368},{"id":369,"text":"{ قالوا } ليوسف { إن يسرق } الصُّواع { فقد سرق أخ له من قبل } يعنون : يوسف عليه السَّلام ، وذلك أنَّه كان يأخذ الطعام من مائدة أبيه سرَّاً منهم ، فيتصدَّق به في المجاعة ، حتى فطن به إخوته { فأسرَّها يوسف في نفسه } أَيْ : أسرَّ الكلمة التي كانت جواب قولهم هذا { ولم يُبدها لهم } وهو أنَّه قال في نفسه : { أنتم شرٌّ مكاناً } عند الله بما صنعتم من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم { والله أعلم بما تصفون } أَيْ : قد علم أنَّ الذي تذكرونه كذبٌ .\r { قالوا يا أيها العزيز إنَّ له أباً شيخاً كبيراً } في السِّنِّ { فخذ أحدنا مكانه } واحداً منَّا تستعبده بدله { إنا نراك من المحسنين } إذا فعلت ذلك فقد أحسنت إلينا .","part":1,"page":369},{"id":370,"text":"{ فلما استيأسوا } يئسوا { منه خلصوا نجياً } انفردوا متناجين في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم { قال كبيرهم } وهو روبيل ، وكان أكبرهم سنَّاً : { ألم تعلموا أنَّ أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله } في حفظ الأخ وردِّه إليه { ومن قبل ما فرطتم في يوسف } \" ما \" زائدة ، أَيْ : قصَّرتم في أمر يوسف وخنتموه فيه { فلن أبرح الأرض } لن أخرج من أرض مصر { حتى يأذن لي أبي } يبعث إليَّ أنَْ آتيه { أو يحكم الله لي } يقضي في أمري شيئاً { وهو خير الحاكمين } أعدلهم ، وقال لإخوته : \r { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إنَّ ابنك سرق } يعنون في ظاهر الأمر { وما شهدنا إلاَّ بما علمنا } لأنَّه وُجدت السَّرقة في رحله ونحن ننظر { وما كنا للغيب حافظين } ما كنا نحفظه إذا غاب عنا .","part":1,"page":370},{"id":371,"text":"{ واسأل القرية التي كنَّا فيها } أَيْ : أهل مصر { والعير التي أقبلنا فيها } يريد : أهل الرُّفقة ، فلمَّا رجعوا إلى أبيهم يعقوب عليه السَّلام قالوا له هذا ، فقال : \r { بل سوَّلت لكم أنفسكم أمراً } زيَّنته لكم حتى أخرجتم بنيامين من عندي رجاء منفعة ، فعاد من ذلك شرٌّ وضررٌ .\r { وتولى عنهم } أعرض عن بنيه ، وتجدَّد وَجْدُه بيوسف { وقال : يا أسفى على يوسف } يا طول حزني عليه { وابيضت عيناه } انقلبت إلى حال البياض ، فلم يبصر بهما { من الحزن } من البكاء { فهو كظيم } مغمومٌ مكروبٌ لا يُظهر حزنه بجزعٍ أو شكوى .\r { قالوا تالله تفتأ } لا تزال { تذكر يوسف } لا تَفْتُر من ذكره { حتى تكون حرضاً } فاسداً دنفاً { أو تكون من الهالكين } الميِّتين . والمعنى : لا تزال تذكره بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه ، أو تموت بغمِّه ، فلمَّا أغلظوا له في القول .\r { قال إنما أشكو بثِّي } ما بي من البثِّ ، وهو الهمُّ الذي تفضي به إلى صاحبك { وحزني إلى الله } لا إليكم { وأعلم من الله ما لا تعلمون } وهو أنَّه علم أنَّ يوسف حيٌّ ، أخبره بذلك مَلَكُ الموت ، وقال له : اطلبه من هاهنا ، وأشار له إلى ناحية مصر .","part":1,"page":371},{"id":372,"text":"{ يا بنيَّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف } تَبَحَّثوا عنه { ولا تَيْأَسُوا من روح الله } من الفرج الذي يأتي به { إنه لا يَيْأَسُ من روح الله إلاَّ القوم الكافرون } يريد : إنَّ المؤمن يرجو الله تعالى في الشدائد ، والكافر ليس كذلك ، فخرجوا إلى مصر .\r { فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسَّنا وأهلنا الضر } أصابنا ومَنْ يختصُّ بنا الجوع { وجئنا ببضاعة مزجاة } ندافع بها الأيام ونتقوَّت ، وليست ممَّا يتشبَّع به ، وكانت دراهم زيوفاً { فأوف لنا الكيل } سألوه مساهلتهم في النَّقد ، وإعطاءَهم بدراهمهم مثل ما يعطي بغيرها من الجياد { وتصدَّق علينا } بما بين القيمتين { إن الله يجزي } يتولَّى جزاء { المتصدقين } فلمَّا قالوا هذا أدركته الرِّقَّة ودمعت عيناه ، وقال توبيخاً لهم وتعظيماً لما فعلوا : \r { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } بإدخال الغمِّ عليه بإفراده من يوسف { إذ أنتم جاهلون } آثمون بيعقوب أبيكم ، وقطع رحم أخيكم جهلاً منكم ، ولمَّا قال لهم هذه المقالة رفع الحجاب .","part":1,"page":372},{"id":373,"text":"{ أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف } الذي فعلتم به ما فعلتم { وهذا أخي } المظلوم من جهتكم { قد منَّ الله علينا } بالجمع بيننا بعد ما فرَّقتم { إنه مَن يتق } الله { ويصبر } على المصائب { فإنَّ الله لا يضيع أَجْرَ المحسنين } أجر مَنْ كان هذا حاله .\r { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } فضَّلك الله علينا بالعقل والعلم ، والفضل والحسن { وإنْ كنا لخاطئين } آثمين في أمرك .\r { قال لا تثريب عليكم اليوم } لا تأنيب ولا تعيير عليكم بعد هذا اليوم ، ثمَّ جعلهم في حلِّ ، وسأل لهم المغفرة فقال : { يغفر الله لكم . . . } الآية ، ثمَّ سألهم عن أبيه فقالوا : ذهبت عيناه ، فقال : \r { اذهبوا بقميصي هذا } وكان قد نزل به جبريل عليه السَّلام على إبراهيم عليه السَّلام لمَّا أُلقي في النَّار ، وكان فيه ريح الجنَّة لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلاَّ صحَّ ، فذلك قوله : { فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً } يرجعْ ويَعُدْ بصيراً .\r { ولما فصلت العير } خرجت من مصر مُتوجِّهةً إلى كنعان { قال أبوهم } لمن حضره : { إني لأجد ريح يوسف } وذلك أنَّه هاجت الرِّيح فحملت ريح القميص واتَّصلت بيعقوب ، فوجد ريح الجنَّة ، فعلم أنَّه ليس في الدُّنيا من ريح الجنَّة إلاَّ ما كان من ذلك القميص { لولا أن تفندون } تُسفِّهوني وتُجهِّلوني .\r { قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم } شقائك القديم ممَّا تكابد من الأحزان على يوسف وخطئك في النِّزاع إليه على بعد عهده منك ، وكان عندهم أنَّه قد مات ، وقوله : \r { فارتدَّ بصيراً } أَيْ : عاد ورجع بصيراً .","part":1,"page":373},{"id":374,"text":"{ سوف أستغفر لكم ربي } أخَّر ذلك إلى السَّحَر؛ ليكون أقرب إلى الإجابة ، وكان قد بعث يوسف عليه السًّلام مع البشير إلى يعقوب عليه السَّلام عُدَّة المسير إليه ، فتهيَّأ يعقوب وخرج مع أهله إليه ، فذلك قوله : \r { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه } أَيْ : ضمَّ إليه { أبويه } أباه وخالته ، وكانت أمُّه قد ماتت ، { وقال ادخلوا مصر } وذلك أنَّه كان قد استقبلهم ، فقال لهم قبل دخول مصر : ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله ، وكانوا قبل ذلك يخافون دخول مصر إلاَّ بجوازٍ من ملوكهم .","part":1,"page":374},{"id":375,"text":"{ ورفع أبويه على العرش } أجلسهما على السَّرير { وخرُّوا له سجداً } سجدوا ليوسف سجدة التَّحيَّة وهو الانحناء . { وقد أحسن بي } إليَّ { إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو } وهو البسيط من الأرض ، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواشٍ وبريَّة { من بعد أن نزغ الشيطان } أفسد { بيني وبين إخوتي } بالحسد { إنَّ ربي لطيف لما يشاء } عالم بدقائق الأمور { إنَّه هو العليم } بخلقه { الحكيم } فيهم بما شاء ، ثمَّ دعا ربَّه وشكره فقال : \r { رب قد آتيتني من الملك } ملك مصر { وعلمتني من تأويل الأحاديث } يريد : تفسير الأحلام { فاطر السموات والأرض } خالقهما ابتداءً { توفني مسلماً } اقبضني على الإِسلام { وألحقني بالصالحين } من آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم السَّلام . يريد : ارفعني إلى درجاتهم .\r { ذلك } الذي قصصنا عليك من أمر يوسف من الأخبار التي كانت غائبة عنك ، وهو قوله { من أنباءِ الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم } لدى إخوة يوسف { إذ أجمعوا أمرهم } عزموا على أمرهم { وهم يمكرون } بيوسف .\r { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } كان رسول الله A يرجو أن تؤمن به قريش واليهود لمَّا سألوه عن قصَّة يوسف ، فشرحها لهم فخالفوا ظنَّه ، فقال الله : { وما أكثر الناس ولو حرصت } على إيمانهم { بمؤمنين } لأنَّك لا تهدي مَنْ أحببت ، لكنَّ الله يهدي مَنْ يشاء .","part":1,"page":375},{"id":376,"text":"{ وما تسألهم عليه } على القرآن { من أجرٍ } مالٍ يعطونك { إن هو } ما هو { إلاَّ ذكر للعالمين } تذكرةٌ لهم بما هو صلاحهم . يريد : إنَّا أزحنا العلَّة في التَّكذيب حيث بعثناك مُبلِّغاً بلا أجرٍ ، غير أنَّه لا يؤمن إلاَّ مَن شاء الله سبحانه وإنْ حرص النبيُّ A على ذلك .\r { وكأين } وكم { من آية } دلالةٍ تدلُّ على التَّوحيد { في السموات والأرض } من الشَّمس والقمر والنُّجوم والجبال وغيرها { يمرُّون عليها } يتجاوزونها غير مُتفكِّرين ولا معتبرين ، فقال المشركون : فإنَّا نؤمن بالله الذي خلق هذه الأشياء ، فقال : { وما يؤمن أكثرهم بالله } في إقراره بأنَّ الله خلقه ، وخلق السَّموات والأرض إلاَّ وهو مشركٌ بعبادة الوثن .\r { أفأمنوا } يعني : المشركين { أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } عقوبة تغشاهم وتنبسط عليهم .\r { قل } لهم { هذه } الطَّريقة التي أنا عليها { سبيلي } سنَّتي ومنهاجي { أدعوا إلى الله } وتمَّ الكلام ، ثمَّ قال : { على بصيرة أنا } أَيْ : على دينٍ ويقينٍ { ومن اتبعني } يعني : أصحابه ، وكانوا على أحسن طريقة { وسبحان الله } أَيْ : وقل : سبحان الله تنزيهاً لله تعالى عمَّا أشركوا { وما أنا من المشركين } الذين اتَّخذوا مع الله ندَّاً .","part":1,"page":376},{"id":377,"text":"{ وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى } يريد : لم نبعث قبلك نبيَّاً إلاَّ رجالاً غير امرأةٍ ، وكانوا من أهل الأمصار ، ولم نبعث نبيَّاً من باديةٍ ، وهذا ردٌّ لإِنكارهم نبوَّته . يريد : إنَّ الرُّسل من قبلك كانوا على مثل حالك ، ومَنْ قبلهم من الأمم كانوا على مثل حالهم ، فأهلكناهم ، فذلك قوله : { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا } إلى مصارع الأمم المُكذِّبة فيعتبروا بهم { ولدار الآخرة } يعني : الجنَّة { خير للذين اتقوا } الشِّرك في الدُّنيا { أفلا تعقلون } هذا حتى تُؤمنوا؟! { حتى إذا استيأس الرسل } يئسوا من قومهم أن يؤمنوا { وظنوا أنهم قد كذبوا } .\rأيقنوا أنَّ قومهم قد كذَّبوهم { جاءهم نصرنا فنجِّي مَنْ نشاء } وهم المؤمنون أتباع الأنبياء { ولا يردُّ بأسنا } عذابنا .\r { لقد كان في قصصهم } يعني : إخوة يوسف { عبرة } فكرةٌ وتدبُّرٌ { لأولي الألباب } وذلك أنَّ مَنْ قدر على إعزاز يوسف ، وتمليكه مصر بعد ما كان عبداً لبعض أهلها قادرٌ على أن يعزَّ محمداً عليه السَّلام وينصره { ما كان } القرآن { حديثاً يفترى } يتقولَّه بشر { ولكن تصديق الذي بين يديه } [ ولكن كان تصديق ] ما قبله من الكتب { وتفصيل كل شيء } يحتاج إليه من أمور الدِّين { وهدىً } وبياناً { ورحمةً لقوم يؤمنون } يصدِّقون بما جاء به محمد A .","part":1,"page":377},{"id":378,"text":"{ المر } أنا الله أعلم وأرى { تلك } يعني : ما ذُكر من الأحكام والأخبار قبل هذه الآية { آيات الكتاب } القرآن { والذي أُنزل إليك من ربك الحق } ليس كما يقوله المشركون أنك تأتي به من قبل نفسك باطلاً { ولكنَّ أكثر الناس } يعني : أهل مكة { لا يؤمنون } .\r { اللَّهُ الذي رفع السموات بغير عمدٍ } جمع عماد ، وهي الأساطين { ترونها } أنتم كذلك مرفوعة بغير عمادٍ { ثمَّ استوى على العرش } بالاستيلاء والاقتدار ، وأصله : استواء التَّدبير ، كما أنَّ أصل القيام الانتصاب ، ثمَّ يقال : قام بالتَّدبير ، و \" ثُمَّ \" يدلُّ على حدوث العرش المستولى عليه [ لا على حدوث الاستيلاء بعد خلق العرش المستولى عليه ] { وسخر الشمس والقمر } ذلَّلهما لما يُراد منهما { كلٌّ يجري لأجلٍ مسمَّىً } إلى وقتٍ معلومٍ ، وهو فناء الدُّنيا { يُدبِّر الأمر } يُصرِّفه بحكمته { يُفصِّل الآيات } يبيِّن الدلائل التي تدلُّ على التَّوحيد والبعث { لعلَّكم بلقاء ربِّكم توقنون } لكي تُوقنوا يا أهل مكَّة بالبعث .\r { وهو الذي مدَّ الأرض } بسطها ووسًّعها { وجعل فيها رواسي } أوتدها بالجبال { وأنهاراً ومن كلِّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } حلواً وحامضاً ، وباقي الآية مضى تفسيره .\r { وفي الأرض قطعٌ متجاورات } قُرىً بعضُها قريبٌ من بعضٍ { وجنات } بساتين { من أعناب } وقوله : { صنوان } وهو أن يكون الأصل واحداً ، ثمَّ يتفرَّع فيصير نخيلاً يحملن ، وأصلهنَّ واحد { وغير صنوان } وهي المتفرِّقة واحدةً واحدةً { تسقى } هذه القطع والجنَّات والنَّخيل { بماء واحدٍ ونُفضِّل بعضها على بعض } يعني : اختلاف الطُّعوم { في الأكل } وهو الثَّمر فمن حلوٍ وحامضٍ ، وجيِّدٍ ورديءٍ { إنَّ في ذلك لآيات } لدلالاتٍ { لقوم يعقلون } أهل الإِيمان الذين عقلوا عن الله تعالى .","part":1,"page":378},{"id":379,"text":"{ وإن تعجب } يا محمد من عبادتهم ما لا يضرُّ ولا ينفع ، وتكذيبك بعد البيان فتعجَّبْ أيضاً من إنكارهم البعث ، وهو معنى قوله : { فعجب قولهم أإذا كنا تراباً . . . } الآية . { وأولئك الأغلال } جمع غُلٍّ ، وهو طوقٌ تقيَّد به اليد إلى العنق .\r { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } يعني : مشركي مكَّة حين سألوا رسول الله A أن يأتيهم بالعذاب استهزاءً . يقول : ويستعجلونك بالعذاب الذي لم أُعاجلهم به ، وهو قوله : { قبل الحسنة } . يعني : إحسانه إليهم في تأخير العقوبة عنهم إلى يوم القيامة { وقد خلت من قبلهم المَثُلاتُ } وقد مضت من قبلهم العقوبات في الأمم المُكذِّبة ، فلم يعتبروا بها { وإنَّ ربَّك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } بالتَّوبة . يعني : يتجاوز عن المشركين إذا آمنوا { وإنَّ ربك لشديد العقاب } يعني : لمَنْ أصرَّ على الكفر .\r { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آيةٌ من ربِّه } هلاَّ أتانا بآيةٍ كما أتى به موسى من العصا واليد { إنما أنت منذر } بالنَّار لمَنْ عصى ، وليس إليك من الآيات شيءٌ { ولكلِّ قومٍ هاد } نبيٌّ وَدَاعٍ إلى الله عزَّ وجلَّ يدعوهم لما يُعطَى من الآيات ، لا بما يريدون ويتحكَّمون .\r { الله يعلم ما تحملُ كلُّ أنثى } من علقةٍ ومضغةٍ ، وزائدٍ وناقصٍ ، وذَكَرٍ وأنثى { وما تَغِيضُ الأرحام } تنقصه من مدَّة الحمل التي هي تسعة أشهر { وما تزداد } على ذلك { وكلُّ شيءٍ عنده بمقدار } علم كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديراً .","part":1,"page":379},{"id":380,"text":"{ عالم الغيب } ما غاب عن جميع خلقه { والشهادة } وما شهده الخلق { الكبير } العظيم القدر { المتعال } عمّا يقوله المشركون .\r { سواء منكم . . . } الآية . يقول : الجاهر بنطقه ، والمُضمر في نفسه ، والظَّاهر في الطُُّرقات ، والمستخفي في الظُّلمات ، علمُ الله سبحانه فيهم جميعاً سواءٌ ، والمستخفي معناه : المختفي ، والسَّارب : الظَّاهر المارُّ على وجهه .\r { له } لله سبحانه { معقبات } ملائكةٌ حفظةٌ تتعاقب في النُّزول إلى الأرض ، بعضهم باللَّيل ، وبعضهم بالنَّهار { من بين يديه } يدي الإِنسان { ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } أَيْ : بأمره سبحانه ممَّا لم يُقدَّر ، فإذا جاء القدر خلَّوا بينه وبينه . { إنَّ الله لا يُغيِّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم } لا يسلب قوماً نعمةً حتى يعملوا بمعاصيه { وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً } عذاباً { فلا مردَّ له } فلا ردَّ له { وما لهم من دونه من والٍ } يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم .\r { هو الذي يريكم البرق خوفاً } للمسافر { وطمعاً } للحاضر في المطر { وينشىء } ويخلق { السحاب الثقال } بالماء .","part":1,"page":380},{"id":381,"text":"{ ويسبح الرعد } وهو الملك المُوكَّل بالسَّحاب { بحمده } وهو ما يسمع من صوته ، وذلك تسبيحٌ لله تعالى { والملائكة من خيفته } أَيْ : وتُسبِّح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته { ويرسل الصواعق } وهي التي تَحْرِق من برق السَّحاب ، وينتشر على الأرض ضوؤُه { فيصيب بها من يشاء } كما أصاب أربد حين جادل النبيَّ A ، وهو قوله : { وهم يجادلون في الله } والواو للحال ، وكان أربد جادل النبيَّ A فقال : أخبرني عن ربِّنا ، أمن نحاسٍ أم حديد؟ فأحرقته الصَّاعقة { وهو شديد المحال } العقوبة أَي : القوَّة .\r { له دعوة الحق } لله من خلقه الدعوة الحقُّ ، وهي كلمة التَّوحيد لا إله إلاَّ الله . { والذين يدعون } يعني : المشركين يدعون { من دونه } الأصنام { لا يستجيبون لهم بشيء إلاَّ كباسط } إلاَّ كما يستجاب للذي يبسط كفيه يشير إلى الماء ، ويدعوه إلى فيه { وما هو ببالغه } وما الماء ببالغ فاه بدعوته إيَّاه { وما دعاء الكافرين } عبادتهم الأصنام { إلاَّ في ضلال } هلاكٍ وبطلانٍ .\r { ولله يسجد مَنْ في السموات والأرض طوعاً } يعني : الملائكة والمؤمنين { وكرهاً } وهم مَنْ أُكرهوا على السُّجود ، فسجدوا لله سبحانه من خوف السَّيف ، واللَّفظ عامٌّ والمراد به الخصوص { وظلالهم بالغدو والآصال } كلُّ شخصٍ مؤمنٍ أو كافرٍ فإنَّ ظلَّه يسجد لله ، ونحن لا نقف على كيفية ذلك .","part":1,"page":381},{"id":382,"text":"{ قل } يا محمد للمشركين : { من ربُّ السموات والأرض } ؟ ثمَّ أخبرهم فقل : { الله } لأنَّهم لا ينكرون ذلك ، ثمَّ ألزمْهم الحجَّة فقلْ : { أفاتخذتم من دونه أولياء } تولَّيتم غير ربِّ السَّماء والأرض أصناماً { لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرَّاً } ثمَّ ضرب مثلاً للذي يعبدها والذي يعبد الله سبحانه ، فقال : { قل هل يستوي الأعمى } المشرك { والبصير } المؤمن { أم هل تستوي الظلمات } الشِّرك { والنور } الإِيمان { أم جعلوا لله شركاء . . } الآية . يعني : أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله ، فتشابه خلق الشُّركاء بخلق الله عندهم؟ وهذا استفهامُ إنكارٍ ، أَيْ : ليس الأمرُ على هذا حتى يشتبه الأمر ، بل الله سبحانه هو المتفرِّد بالخلق ، وهو قوله : { قل الله خالق كلِّ شيء } .\r { أنزل من السماء ماءً } يعني : المطر { فسالت أودية } جمع وادٍ { بقدرها } بقدر ما يملأها . أراد بالماء القرآن ، وبالأودية القلوب ، والمعنى : أنزل قرآناً فقبلته القلوب بأقدارها منها ما رُزق الكثير ، ومنها ما رُزق القليل ، ومنها ما لم يُرزق شيئاً { فاحتمل السيل زبداً } وهو ما يعلو الماء { رابياً } عالياً فوقه ، والزَّبَد مَثلُ الكفر . يريد : إنَّ الباطل - وإنْ ظهر على الحقِّ في بعض الأحوال - فإنَّ الله سيمحقه ويُبطله ، ويجعل العاقبة للحقِّ وأهله ، وهو معنى قوله : { فأمَّا الزبد فيذهب جفاء } وهو ما رمى به الوادي { وأمَّا ما ينفع الناس } ممَّا ينبت المرعى { فيمكث } يبقى { في الأرض } ثمَّ ضرب مثلاً آخر ، وهو قوله : { وممَّا يوقدون عليه في النَّار } يعني : جواهر الأرض من الذَّهب والفضَّة والنُّحاس وغيرها ممَّا يدخل النَّار ، فتوقد عليها وتتخذ منها الحُلِيُّ ، وهو الذَّهب والفضَّة ، والأمتعة وهي للأواني ، يعني : النُّحاس والرَّصاص وغيرهما ، وهذا معنى قوله : { ابتغاء حلية أو متاعٍ زبدٌ مثله } أَيْ : مثل زبد الماء . يريد : إنَّ من هذه الجواهر بعضها خبث ينفيه الكير . { كذلك } كما ذُكر من هذه الأشياء { يضرب الله } مثل الحقِّ والباطل ، وهذه الآية فيها تقديمٌ وتأخير في اللَّفظ ، والمعنى ما أخبرتك به .\r { للذين استجابوا لربهم } أجابوه لى ما دعاهم إليه { الحسنى } الجنَّة { والذين لم يستجيبوا له } وهم الكفَّار { لو أنَّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به } جعلوه فداء أنفسهم من العذاب { أولئك لهم سوء الحساب } وهو أن لا تُقبل منهم حسنة ، ولا يتجاوز عن سيئة .\r { أفمن يعلم أنَّ ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } نزلت في أبي جهل لعنه الله ، وحمزة Bه { إنما يتذكر } يتَّعظ ويرتدع عن المعاصي { أولوا الألباب } يعني : المهاجرين والأنصار .\r { الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق } يعني : العهد الذي عاهدهم عليه وهم في صلب آدم .\r { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } وهو الإِيمان بجميع الرُّسل .","part":1,"page":382},{"id":383,"text":"{ والذين صبروا } على دينهم وما أُمروا به { ابتغاء وجه ربِّهم } طلب تعظيم الله تعالى { ويدرؤون } يدفعون { بالحسنة } بالتَّوبة { السيئة } المعصية ، وهو أنَّهم كلَّما أذنبوا تابوا { أولئك لهم عقبى الدار } يريد : عقباهم الجنَّة .\r { جنات عدن يدخلونها ومَنْ صلح من آبائهم } ومَنْ صدَّق بما صدَّقوا به - وإن لم يعملْ مثل أعمالهم - يلحق بهم كرامةً لهم { والملائكة يدخلون عليهم من كلِّ باب } بالتَّحيَّة من الله سبحانه ، والهدايا .\r { سلامٌ عليكم } يقولون : سلامٌ عليكم ، والمعنى : سلَّمكم الله من العذاب { بما صبرتم } بصبركم في دار الدُّنيا عمَّا لا يحلُّ { فنعم عقبى الدار } فنعم العقبى عقبى داركم التي عملتم فيها ما أعقبكم الذي أنتم فيه .\r { والذين ينقضون . . . } الآية . مُفسَّرة في سورة البقرة .\r { الله يبسط الرزق } يُوسِّعه { لمن يشاء ويقدر } ويضيِّق { وفرحوا } يعني : مشركي مكة بما نالوا من الدُّنيا ، وبطروا { وما الحياة الدنيا في الآخرة } في حياة الآخرة أَيْ : بالقياس إليها { إلاَّ متاع } قليلٌ ذاهبٌ يُتمتَّع به ثمَّ يفنى .","part":1,"page":383},{"id":384,"text":"{ ويقول الذين كفروا لولا } هلاَّ { أنزل عليه آيةٌ من ربه } نزلت في مشركي مكَّة حين طالبوا رسول الله A بالآيات { قل إنَّ الله يضلُّ مَنْ يشاء } عن دينه ، كما أضلَّكم بعدما أنزل من الآيات ، وحرمكم الاستدلال بها { ويهدي إليه } يرشد إلى دينه { مَنْ أناب } رجع إلى الحقِّ .\r { الذين آمنوا } بدلٌ من قوله : { مَنْ أناب } { وتطمئن قلوبهم بذكر الله } إذا سمعوا ذكر الله سبحانه وتعالى أحبُّوه واستأنسوا به { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } يريد : قلوب المؤمنين .\r { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم } وهي شجرةٌ غرسها الله سبحانه بيده . وقيل : فرحٌ لهم وقُرَّة أعينٍ .\r { كذلك } كما أرسلنا الأنبياء قبلك { أرسلناك في أمة } في قرنٍ { قد خلت } قد مضت { من قبلها أمم } قرونٌ { لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك } يعني : القرآن { وهم يكفرون بالرحمن } وذلك أنَّهم قالوا : ما نعرف الرَّحمن إلاَّ صاحب اليمامة { قل هو ربي } أَي : الرَّحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيِّدي { لا إله إلاَّ هو } .","part":1,"page":384},{"id":385,"text":"{ ولو أنَّ قرآناً . . . } الآية . نزلت حين قالوا للنبيِّ A : إنْ كنت نبيَّاً كما تقول فسيِّر عنا جبال مكة ، فإنَّها ضيِّقةٌ واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً حتى نزرع ونغرس ، وابعث لنا آباءنا من الموتى يكلِّمونا أنَّك نبيٌّ ، فقال الله سبحانه : { ولو أنَّ قرآناً سيرت به الجبال } يريد : لو قضيت على أن لا يقرأ القرآن على الجبال إلاَّ سارت ، ولا على الأرض إلاَّ تخرَّقت بالعيون والأنهار ، وعلى الموتى أن لا يُكلَّموا؛ ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي ، وهذا جواب \" لو \" وهو محذوف . { بل } دع ذلك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره فالأمر لله جميعاً ، لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا ، وإذا لم يشأ لم ينفع ما اقترحوا من الآيات ، وكان المسلمون قد أرادوا أن يُظهر رسول الله A لهم آيةً ليجتمعوا على الإِيمان ، فقال الله : { أفلم ييئس الذين آمنوا } يعلم الذين آمنوا { أن لو يشاء الله } لهداهم من غير ظهور الآيات { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا } من كفرهم وأعمالهم الخبيثة { قارعة } داهيةٌ تقرعهم من القتل والأسر ، والحرب ، والجدب { أو تحلُّ } يا محمد أنت { قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله } يعني : القيامة . وقيل : فتح مكَّة .\r { ولقد استهزىء برسل من قبلك } أُوذي وكُذِّب { فأمليت للذين كفروا } أطلتُ لهم المدَّة بتأخير العقوبة ليتمادوا في المعصية { ثمَّ أخذتهم } بالعقوبة { فكيف كان عقاب } كيف رأيت ما صنعتُ بمن استهزأ برسلي ، كذلك أصنع بمشركي قومك .","part":1,"page":385},{"id":386,"text":"{ أفمن هو قائم على كلِّ نفس بما كسبت } أَيْ : بجرائه . يعني : متولٍّ لذلك ، كما يقال : قام فلان بأمر كذا : إذا كفاه وتولاَّه ، والقائم على كلِّ نفس هو الله تعالى والمعنى : أفمن هو بهذه الصِّفة كمَنْ ليس بهذه الصِّفة من الأصنام التي لا تضرُّ ولا تنفع؟ وجواب هذا الاستفهام في قوله : { وجعلوا لله شركاء قل سموهم } بإضافة أفعالهم إليهم إن كانوا شركاء لله تعالى ، كما يضاف إلى الله أفعاله بأسمائه الحسنى ، نحو : الخالق والرَّازق ، فإن سمَّوهم قل أتنبئونه { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } أَيْ : أتخبرون الله بشريكٍ له في الأرض ، وهو لا يعلمه ، بمعنى : أنَّه ليس [ له شريك ] { أم بظاهرٍ من القول } يعني : أم تقولون مجازاً من القول وباطلاً لا حقيقة له ، وهو كلامٌ في الظَّاهر ، ولا حقيقة له في الباطن ، ثمَّ قال : { بل } أَيْ : دع ذكر ما كنَّا فيه { زين للذين كفروا مكرهم } زيَّن الشَّيطان لهم الكفر { وصدوا عن السبيل } وصدَّهم الله سبحانه عن سبيل الهدى { لهم عذاب في الحياة الدنيا } بالقتل والأسر { ولعذاب الآخرة أشقُّ } أشدُّ وأغلظ { وما لهم من الله } من عذاب الله { من واق } حاجزٍ ومانعٍ .\r { مثل الجنة } صفة الجنَّة { التي وعد المتقون } . وقوله : { أكلها دائم } يريد : إنَّ ثمارها لا تنقطع كثمار الدُّنيا { وظلها } لا يزول ولا تنسخه الشَّمس .","part":1,"page":386},{"id":387,"text":"{ والذين آتيناهم الكتاب } يعني : مؤمني أهل الكتاب { يفرحون بما أنزل إليك } وذلك أنَّهم ساءهم قلَّة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التَّوراة ، فلما أنزل الله تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } فرح بذلك مؤمنو أهل الكتاب ، وكفر المشركون بالرَّحمن ، وقالوا : ما نعرف الرَّحمن إلاَّ رحمان اليمامة ، وذلك قوله : { ومن الأحزاب } يعني : الكفَّار الذين تحزَّبوا على رسول الله A { مَنْ ينكر بعضه } يعني : ذكر الرَّحمن .\r { وكذلك } وكما أنزلنا الكتاب على الأنبياء بلسانهم { أنزلناه حُكْماً عربياً } يعني : القرآن؛ لأنَّه به يحكم ويفصل بين الحقِّ والباطل ، وهو بلغة العرب { ولئن اتبعت أهواءهم } وذلك أنَّ المشركين دعوه إلى ملَّة آبائه ، فتوعَّده الله سبحانه على ذلك بقوله : { ما لك من الله من ولي ولا واق } .\r { ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً } ينكحونهنَّ { وذرية } وأولاداً أنسلوهم ، وذلك أنَّ اليهود عيَّرت رسول الله A بكثرة النِّساء ، وقالوا : ما له همَّةٌ إلاَّ النِّساء والنِّكاح { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلاَّ بإذن الله } أَيْ : بإطلاقه له الآية ، وهذا جوابٌ للذين سألوه أن يوسِّع لهم مكَّة . { لكل أجل كتاب } لكلِّ أجلٍ قدَّره الله ، ولكلِّ أمرٍ قضاه كتابٌ أثبت فيه ، فلا تكون آيةٌ إلاَّ بأجلٍ قد قضاه الله تعالى في كتابٍ .\r { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمُّ الكتاب } اللَّوح المحفوظ ، يمحو منه ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وظاهر هذه الآية على العموم ، وقال قوم : إلاَّ السَّعادة والشَّقاوة ، والموت والرِّزق ، والخَلق والخُلق .","part":1,"page":387},{"id":388,"text":"{ وإمَّا نرينك بعض الذي نعدهم } من العذاب { أو نتوفينك } قبل ذلك { فإنما عليك البلاغ } يريد : قد بلَّغت { وعلينا الحساب } إليَّ مصيرهم فأجازيهم ، أَيْ : ليس عليك إلاَّ البلاغ كيف ما صارت حالهم .\r { أَوَلَمْ يروا } يعني : مشركي مكَّة { أَنَّا نأتي الأرض } نقصد أرض مكَّة { ننقصها من أطرافها } بالفتوح على المسلمين . يقول : أولم ير أهل مكَّة أنَّا نفتح لمحمد A ما حولها من القرى ، أفلا يخافون أن تنالهم يا محمد { والله يحكم } بما يشاء { لا معقب لحكمه } لا أحدٌ يتتبع ما حكم به فيغيِّره ، والمعنى : لا ناقض لحكمه ولا رادَّ له { وهو سريع الحساب } أَي : المجازاة .\r { وقد مكر الذين من قبلهم } يعني : كفَّار الأمم الخالية ، مكروا بأنبيائهم { فلله المكر جميعاً } يعني : إنَّ مكر الماكرين له ، أَيْ : هو من خلقه ، فالمكر جميعاً مخلوق له ليس يضرُّ منه شيءٌ إلاَّ بإذنه { يعلم ما تكسب كلُّ نفس } جميع الأكساب معلومٌ له { وسيعلم الكافر } وهو اسم الجنس { لمن } العاقبة بالجنَّة ، وقوله تعالى : \r { ومن عند علم الكتاب } هم مؤمنو أهل الكتابين ، وكانت شهادتهم قاطعةً لقول أهل الخصوم .","part":1,"page":388},{"id":389,"text":"{ الر } أنا الله أرى . هذا { كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } من الشِّرك إلى الإِيمان { بإذن ربهم } بقضاء ربِّهم؛ لأنَّه لا يهتدي مهتدٍ إلاَّ بإذن الله سبحانه ، ثمَّ بيَّن ما ذلك النُّور فقال : { إلى صراط العزيز الحميد } .","part":1,"page":389},{"id":390,"text":"{ الذين يستحبون } يُؤثرون ويختارون { الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله } ويمنعون النَّاس عن دين الله { ويبغونها عوجاً } مضى تفسيره { أولئك في ضلال } في خطأ { بعيد } عن الحقِّ .\r { وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قومه } بلغة قومه ليفهموا عنه ، وهو معنى قوله : { ليبيِّن لهم فيضل الله من يشاء } بعد التَّبيين بإيثاره الباطل { ويهدي مَنْ يشاء } باتباع الحقِّ .\r { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بالبراهين التي دلَّت على صحَّة نبوَّته { أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور } من الشِّرك إلى الإِيمان { وذكرهم } وَعِظهم { بأيام الله } بنعمه ، أَي : بالتَّرغيب والتَّرهيب ، والوعد والوعيد { إنَّ في ذلك } التَّذكير بأيَّام الله { لآيات } لدلالاتٍ { لكلِّ صبَّار } على طاعة الله { شكور } لأنعمه ، والآية الثانية مفسَّرة في سور البقرة ، وقوله : \r { وإذ تأذَّن } معطوفٌ على قوله { إذ أنجاكم } والمعنى : وإذ أعلم ربُّكم { لئن شكرتم } وحَّدْتم وأطعتم { لأزيدنَّكم } ممَّا يجب الشُّكر عليه ، وهو النِّعمة { ولئن كفرتم } جحدتم حقِّي وحقَّ نعمتي { إنَّ عذابي لشديد } تهديدٌ بالعذاب على كفران النِّعمة .","part":1,"page":390},{"id":391,"text":"{ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم } يعني : من بعد هؤلاء الذين أهلكهم الله { لا يعلمهم إلاَّ الله } لكثرتهم ، ولا يعلم عدد تلك الأمم وتعيينها إلاَّ الله { جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم } أيدي أنفسهم { في أفواههم } أَيْ : ثقل عليهم مكانهم ، فعضُّوا على أصابعهم من شدَّة الغيظ .\r { قالت رسلهم أفي الله شكٌّ } أفي توحيد الله سبحانه شكٌّ؟ وهذا استفهامٌ معناه الإنكار ، أيْ : لا شكَّ في ذلك ، ثمَّ وصف نفسه بما يدلُّ على وحدانيته ، وهو قوله : { فاطر السموات والأرض يدعوكم } إلى طاعته بالرُّسل والكتب { ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمَّى } لا يعاجلكم بالعقوبة ، والمعنى : إن لم تجيبوا عوجلتم ، وباقي الآية وما بعدها إلى قوله : \r { ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } ظاهر ، ومعنى : { خاف مقامي } معناه : خاف مقامه بين يدي ، { وخاف وعيدِ } : ما أوعدت من العذاب .\r { واستفتحوا } واستنصروا الله سبحانه على قومهم ، ففازوا بالنَّصر { وخاب كلُّ جَبَّار } متكبِّرٍ عن طاعة الله سبحانه { عنيدٍ } مجانب للحقَّ .","part":1,"page":391},{"id":392,"text":"{ من ورائه جهنم } أَيْ : أمامه جهنَّم فهو يردها { ويُسقى من ماء صديد } وهو ما يسيل من الجرح مُختلطاً بالدَّم والقيح .\r { يتجرَّعه } يتحسَّاه بالجرع لا بمرَّةٍ لمرارته { ولا يكاد يسيغه } لا يجيزه في الحلق إلاَّ بعد إبطاءٍ { ويأتيه الموت } أَيْ : أسباب الموت من البلايا التي تصيب الكافر في النَّار { من كلِّ مكان } من كلِّ شعرةٍ في جسده { وما هو بميت } موتاً تنقطع معه الحياة { ومن ورائه } ومن بعد ذلك العذاب { عذاب غليظ } متَّصل الآلام ، ثمَّ ضرب مثلاً لأعمال الكفَّار فقال : \r { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف } أَيْ : شديد هبوب الرِّيح ، ومعنى الآية : إنَّ كلَّ ما تقرَّب به الكافر إلى الله تعالى فَمُحْبَطٌ غيرُ منتفعٍ به لأنَّهم أشركوا فيها غير الله سبحانه وتعالى ، كالرَّماد الذي ذرته الرِّيح وصار هباءً لا يُنتفع به ، فذلك قوله : { لا يقدرون مما كسبوا على شيء } أَيْ : لا يجدون ثواب ما عملوا . { ذلك هو الضلال البعيد } يعني : ضلال أعمالهم وذهابها ، والمعنى : ذلك الخسران الكبير .\r { ألم تر } يا محمد { أنَّ الله خلق السموات والأرض بالحق } أَيْ : بقدرته وصنعه وعلمه وإرادته ، وكلُّ حقٌّ { إن يشأ يذهبكم } يُمتكم أيُّها الكفَّار { ويأت بخلق جديد } خيرٍ منكم وأطوع .\r { وما ذلك على الله بعزيز } بممتنعٍ شديدٍ .","part":1,"page":392},{"id":393,"text":"{ وبرزوا لله جميعاً } خرجوا من قبورهم إلى المحشر { فقال الضعفاء } وهم الأتباع لأكابرهم الذين { استكبروا } عن عبادة الله : { إنَّا كنَّا } في الدُّنيا { لكم تبعاً فهل أنتم مغنون } دافعون { عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم } أَيْ : إنَّما دعوناكم إلى الضَّلال لأنَّا كنَّا عليه ، ولو أرشدنا الله لأرشدناكم .\r { وقال الشيطان } يعني : إبليس { لما قضي الأمر } فصار أهل الجنَّة في الجنَّة ، وأهل النَّار في النَّار ، وذلك أنَّ أهل النَّار حينئذٍ يجتمعون باللائمة على إبليس ، فيقوم خطيباً ويقول : { إنَّ الله وعدكم وعد الحق } يعني : كون هذا اليوم ، فصدقكم وعده { ووعدتكم } أنَّه غير كائنٍ { فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان } أَيْ : ما أظهرت لكم حجَّةً على ما وعدتكم { إلاَّ أن دعوتكم } لكن دعوتكم { فاستجبتم لي } فصدَّقتموني { فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } حيث أجبتموني من غير برهانٍ { ما أنا بمصرخكم } بمغيثكم { وما أنتم بمصرخي إني كفرتُ بما أَشْرَكْتُمونِ من قبل } بإشراككم إيَّاي مع الله سبحانه في الطَّاعة ، إنَّي جحدت أن أكون شريكاً لله فيما أشركتموني { إنَّ الظالمين } يريد : المشركين . وقوله : \r { تحيتهم فيها سلام } يحييهم الله سبحانه بالسَّلام ، ويحيي بعضهم بعضاً بالسَّلام .","part":1,"page":393},{"id":394,"text":"{ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً } بيَّن شبهاً ، ثمَّ فسَّره فقال : { كلمة طيبة } يريد : لا إله إلاَّ الله { كشجرة طيبة } يعني : النَّخلة { أصلها } أصل هذه الشَّجرة الطَّيِّبة { ثابت } في الأرض { وفرعها } أعلاها عالٍ { في السماء } .\r { تؤتي } هذه الشَّجرة { أكلها } ثمرها { كلَّ حين } كلَّ وقتٍ في جميع السَّنة ، ستة أشهرٍ طلعٌ رخص ، وستة أشهرٍ رطبٌ طيِّبٌ ، فالانتفاع بالنَّخلة دائمٌ في جميع السَّنة . كذلك الإِيمان ثابتٌ في قلب المؤمن ، وعمله ، وقوله ، وتسبيحه عالٍ مرتفع إلى السَّماء ارتفاع فروع النَّخلة ، وما يكتسبه من بركة الإِيمان وثوابه كما ينال من ثمرة النَّخلة في أوقات السَّنة كُلِّها من الرُّطَب والبسر والتَّمر { ويضرب الله الأمثال للناس } يريد : أهل مكَّة { لعلَّهم يتذكرون } لكي يتَّعظوا .\r { ومثل كلمة خبيثة } يعني : الشِّرك بالله سبحانه { ك } مثل { شجرة خبيثة } وهي الكشوث { اجتثت } انتزعت واستؤصلت ، والكشوت كذلك { من فوق الأرض } لم يرسخ فيها ، ولم يضرب فيها بعرق . { ما لها من قرار } مستقرٌّ في الأرض . يريد : إنَّ الشَّرك لا ينتفع به صاحبه وليس له حجَّةٌ ولا ثباتٌ كهذه الشَّجرة .\r { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } وهو قول لا إله إِلاَّ الله { في الحياة الدنيا } على الحقَّ { وفي الآخرة } يعني : في القبر يُلقِّنهم كلمة الحقِّ عند سؤال الملكين { ويضل الله الظالمين } لا يُلقِّن المشركين ذلك ، حتى إذا سُئلوا في قبورهم قالوا : لا ندري { ويفعل الله ما يشاء } من تلقين المؤمنين الصَّواب وإضلال الكافرين .\r { ألم تر إلى الذين بدَّلوا نعمة الله كفراً } بدَّلوا ما أنعم الله سبحانه عليهم به من الإِيمان ببعث الرسول A كفراً حيث كفروا به { وأحلوا قومهم } الذين اتَّبعوهم { دار البوار } الهلاك ، ثمَّ فسَّرها فقال : \r { جهنم يصلونها وبئس القرار } أَي : المقرُّ .\r { وجعلوا لله أنداداً } يعني : الأصنام { ليضلوا عن سبيله } النَّاس عن دين الله { قل تمتعوا } بدنياكم { فإنَّ مصيركم إلى النار } وقوله : \r { لا بيع فيه } لا فداء فيه { ولا خلال } مخالة . يعني : يوم القيامة ، وهو يوم لا بيعٌ فيه ، ولا شراءٌ ، ولا مُخالَّةٌ ، ولا قرابةٌ ، إنَّما هي أعمالٌ يُثاب بها قومٌ ، ويعاقب عليها آخرون .","part":1,"page":394},{"id":395,"text":"{ وسخر لكم الشمس والقمر } ذلَّلهما لما يُراد منهما { دائبين } مقيمين على طاعة الله سبحانه وتعالى في الجري { وسخر لكم الليل } لتسكنوا فيه { والنهار } لتبتغوا من فضله ومعنى \" لكم \" في هذه الآية لأجلكم ، ليس أنَّها مسخَّرة لنا ، هي مسخَّرةٌ لله سبحانه لأجلنا [ ويجوز أنَّها مسخَّرة لنا لانتفاعنا بها على الوجه الذي نريد ] .","part":1,"page":395},{"id":396,"text":"{ وإن تعدوا نعمة الله } إنعام الله عليكم { لا تحصوها } لا تطيقوا عدَّها { إن الإنسان } يعني : الكافر { لظلوم } لنفسه { كفَّار } نعمة ربِّه . وقوله : \r { واجنبني } أَيْ : بعِّدني واجعلني من على جانبٍ بعيدٍ .\r { ربِّ إنهن أضللن كثيراً من الناس } أَيْ : ضلُّوا بسببها { فمن تبعني } على ديني { فإنه مني } من المتدينين بديني { ومن عصاني } فيما دون الشِّرك { فإنك غفور رحيم } .\r { ربنا إني أسكنت من ذريتي } يعني : إسماعيل عليه السَّلام { بوادٍ غير ذي زرعٍ } مكَّة حرسها الله { عند بيتك المحرَّم } الذي مضى في علمك أنَّه يحدث في هذا الوادي { ربنا ليقيموا الصلاة } ليعبدوك { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } تريدهم وتحنُّ إليهم لزيارة بيتك { وارزقهم من الثمرات } ذُكر تفسيره في سورة البقرة { لعلَّهم يشكرون } كي يُوحِّدوك ويُعظِّموك .","part":1,"page":396},{"id":397,"text":"{ الحمد لله الذي وهب لي } أعطاني { على الكبر إسماعيل } لأنَّه وُلد له وهو ابن تسع وتسعين { وإسحاق } وُلد له وهو ابن مائة سنة واثنتي عشرة سنة . وقوله : \r { ومن ذريتي } أَيْ : واجعل منهم مَنْ يقيم الصَّلاة ، وقوله : \r { ولوالدي } استغفر لهما بشرط الإِيمان .\r { ولا تحسبن الله غافلاً عمَّا يعمل الظالمون } يريد : المشركين من أهل مكَّة { إنما يؤخرهم } فلا يعاقبهم في الدُّنيا { ليوم تشخص } تذهب فيه أبصار الخلائق إلى الهواء حيرةً ودهشةً .\r { مهطعين } مسرعين منطلقين إلى الداعي { مقنعي } رافعي { رؤوسهم } إلى السماء لا ينظر أحدٌ إلى أحدٍ { لا يرتدُّ إليهم طرفهم } لا ترجع إليهم أبصارهم من شدَّة النَّظر فهي شاخصةٌ { وأفئدتهم هواء } وقلوبهم خاليةٌ عن العقول بما ذهلوا من الفزع . وقوله : \r { فيقول الذين ظلموا } أَيْ : أشركوا { ربنا أخرنا إلى أجل قريب } استمهلوا مدَّةً يسيرةً كي يجيبوا الدَّعوة ، فيقال لهم : { أَوَلَمْ تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } حلفتم في الدُّنيا أنَّكم لا تُبعثون ولا تنتقلون إلى الآخرة ، وهو قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت . . . } الآية .","part":1,"page":397},{"id":398,"text":"{ وسكنتم } في الدُّنيا { في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } يعني : الأمم الكافرة { وتبيَّن لكم كيف فعلنا بهم } فلم تنزجروا { وضربنا لكم الأمثال } في القرآن فلم تعتبروا .\r { وقد مكروا مكرهم } يعني : مكرهم بالنبيِّ A وما همُّوا به من قتله أو نفيه { وعند الله مكرهم } هو عالمٌ به لا يخفى عليه ما فعلوا ، فهو يجازيهم عليه { وإن كان } وما كان { مكرهم لتزول منه الجبال } يعني : أمر النبيِّ A ، أَيْ : ما كان مكرهم ليبطل أمراً هو في ثبوته وقوَّته كالجبال .\r { فلا تحسبن الله } يا محمد { مخلف وعده رسله } ما وعدهم من الفتح والنَّصر { إنَّ الله عزيز } منيع { ذو انتقام } من الكفَّار يجازيهم بما كان من سيئاتهم .\r { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات } تُبدَّل الأرض بأرضٍ كالفضَّة بيضاء نقيَّة يُحشر النَّاس عليها ، والسَّماء من ذهبٍ { وبرزوا } وخرجوا من القبور ، كقوله تعالى : { وبرزوا لله جميعاً } .\r { وترى المجرمين } الذين زعموا أنَّ لله شريكاً وولداً يوم القيامة { مقرنين } موصولين بشياطينهم . كلُّ كافرٍ مع شيطانٍ في غلٍّ ، والأصفاد : سلاسل الحديد والأغلال .\r { سرابيلهم } قُمصهم { من قطران } وهو الهِناء الذي يُطلى به الإِبل ، وذلك أبلغ لاشتعال النَّار فيهم { وتغشى وجوههم } وتعلو وجوههم { النار } .\r { ليجزي الله كلَّ نفس } من الكفَّار { ما كسبت } أَيْ : ليقع لهم الجزاء من الله سبحانه بما كسبوا .\r { هذا } القرآن { بلاغ للناس } أَيْ : أنزلناه إليك لتبلِّغهم { ولينذروا به } ولتنذرهم أنت يا محمد { وليعلموا } بما ذُكر فيه من الحجج { أنما هو إله واحدٌ وليذكر } وليتَّعظ { أولوا الألباب } أهل اللُّبِّ والعقل والبصائر .","part":1,"page":398},{"id":399,"text":"{ الر } أنا الله أرى { تلك آيات } هذه آيات { الكتاب } الذي هو قرآن مبين للأحكام .\r { ربما يودُّ . . . } الآية . نزلت في تمنِّي الكفَّار الإِسلام عند خروج مَنْ يخرج من النَّار .\r { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } يقول : دع الكفَّار يأخذوا حظوظهم من دنياهم { ويلههم الأمل } يشغلهم الأمل عن الأخذ بحظِّهم من الإِيمان والطَّاعة { فسوف يعلمون } إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا .\r { وما أهلكنا من قرية } يعني : أهلها { إلاَّ ولها كتابٌ معلوم } أجلٌ ينتهون إليه . يعني : إنَّ لأهل كلِّ قرية أجلاً مؤقَّتاً لا يُهلكهم حتى يبلغوه .","part":1,"page":399},{"id":400,"text":"{ ما تسبق من أمة أجلها } أيْ : ما تتقدَّم الوقت الذي وُقَّت لها { وما يستأخرون } لا يتأخَّرون عنه .\r { وقالوا يا أيُّها الذي نُزِّل عليه الذكر } أَي : القرآن . قالوا هذا استهزاءً .\r { لو ما } هلا { تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } أنَّك نبيٌّ ، فقال الله عزَّ وجلَّ : \r { ما ننزل الملائكة إلاَّ بالحق } أَيْ : بالعذاب { وما كانوا إذاً منظرين } أَيْ : لو نزلت الملائكة لم يُنظروا ولم يُمهلوا .\r { إنا نحن نزلنا الذِّكر } القرآن { وإنا له لحافظون } من أن يُزاد فيه أو يُنقص .\r { ولقد أرسلنا من قبلك } أَيْ : رسلاً { في شيع الأوَّلين } أَيْ : فِرَقِهم .\r { وما يأتيهم من رسول إلاَّ كانوا به يستهزئون } تعزيةٌ للنبيِّ A .\r { كذلك } أَيْ : كما فعلوا { نسلكه } ندخل الاستهزاء والشِّرك والضَّلال { في قلوب المجرمين } ثمَّ بيَّن أَيَّ شيء الذي أدخل في قلوبهم ، فقال : \r { لا يؤمنون به } أَيْ : بالرَّسول { وقد خلت } مضت { سنَّة الأولين } بتكذيب الرُّسل ، فهؤلاء المشركون يقتفون آثارهم في الكفر .\r { ولو فتحنا عليهم } على هؤلاء المشركين { باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون } فطفقوا فيه يصعدون لجحدوا ذلك وقالوا : { إنما سكِّرت أبصارنا } .","part":1,"page":400},{"id":401,"text":"{ إنما سكِّرت أبصارنا } أَيْ : سُدَّت بالسِّحر ، فتتخايل لأبصارنا غير ما نرى { بل نحن قوم مسحورون } سحرنا محمد - A - فلا نبصر .\r { ولقد جعلنا في السماء بروجاً } يعني : منازل الشَّمس والقمر { وزيناها } بالنُّجوم للمعتبرين والمستدلِّين على توحيد صانعها .\r { وحفظناها من كلّ شيطان رجيم } مرميٍّ بالنُّجوم .\r { إلاَّ من استرق السمع } يعني : الخطفة اليسيرة { فأتبعه } لحقه { شهاب } نارٌ { مبين } ظاهرٌ لأهل الأرض .\r { والأرض مددناها } بسطناها على وجه الماء { وألقينا فيها رواسي } جبالاً ثوابت لئلا تتحرَّك بأهلها { وأنبتنا فيها } في الجبال { من كلِّ شيء موزون } كالذَّهب والفضَّة والجواهر .\r { وجعلنا لكم فيها معايش } من الثِّمار والحبوب { ومَنْ لستم له برازقين } العبيد والدَّوابَّ والأنعام ، تقديره : وجعلنا لكم فيها معايش وعبيداً وإماءً ودوابَّ نرزقهم ولا ترزقونهم .\r { وإن من شيء } يعني : من المطر { إلاَّ عندنا خزائنه } أَيْ : في حكمنا وأمرنا { وما ننزله إلاَّ بقدر معلوم } لا ننقصه ولا نزيده ، غير أنَّه يصرفه إلى مَنْ يشاء ، حيث شاء ، كما شاء .","part":1,"page":401},{"id":402,"text":"{ وأرسلنا الرياح لواقح } السَّحاب تَمُجُّ الماء فيه ، فهي لواقح ، بمعنى : ملقحاتٌ . وقيل : لواقح : حوامل؛ لأنَّها تحملُ الماء والتُّراب والسَّحاب { فأسقيناكموه } جعلناه سقياً لكم { وما أنتم له } لذلك الماء المنزل من السَّماء { بخازنين } بحافظين ، أَيْ : ليست خزائنه بأيديكم .\r { وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون } إذا مات جميع الخلائق .\r { ولقد علمنا المستقدمين . . . } الآية . حضَّ رسول الله A على الصَّف الأوَّل في الصَّلاة ، فازدحم النَّاس عليه ، فأنزل الله سبحانه هذه الآية . يقول : قد علمنا جميعهم ، وإنَّما نجزيهم على نيَّاتهم .","part":1,"page":402},{"id":403,"text":"{ ولقد خلقنا الإنسان } آدم { من صلصال } طينٍ منتنٍ { من حمأ } طينٍ أسود { مسنون } متغيِّر الرَّائحة .\r { والجانَّ } أبا الجنِّ { خلقناه من قبل } خَلْقِ آدم { من نار السموم } وهي نارٌ لا دخان لها .","part":1,"page":403},{"id":404,"text":"{ فإذا سويته } عدَّلت صورته { ونفخت فيه } وأجريت فيه { من روحي } المخلوقة لي { فقعوا } فخرُّوا { له ساجدين } سجود تحيَّةٍ .","part":1,"page":404},{"id":405,"text":"{ وإنَّ عليك اللعنة . . . } الآية . يقول : يلعنك أهل السَّماء وأهل الأرض إلى يوم الجزاء ، فتحصل حينئذٍ من عذاب النَّار .","part":1,"page":405},{"id":406,"text":"{ إلى يوم الوقت المعلوم } يعني : النَّفخة الأولى حين يموت الخلائق .\r { قال رب بما أغويتني } أَيْ : بسبب إغوائك إيَّاي { لأُزَيِّنَنَّ لهم } لأولاد آدم الباطل حتى يقعوا فيه .\r { إلاَّ عبادك منهم المخلصين } أَيْ : المُوحِّدين المؤمنين الذي أخلصوا دينهم عن الشِّرك .\r { قال هذا صراط عليّ } هذا طريق عليَّ { مستقيم } مرجعه إليَّ ، فأجازي كلاً بأعمالهم . يعني : طريق العبوديَّة .\r { إنَّ عبادي } يعني : الذين هداهم واجتباهم { ليس لك عليهم سلطانٌ } قوَّةٌ وحجَّةٌ في إغوائهم ، ودعائهم إلى الشِّرك والضَّلال .\r { وإنًّ جهنم لموعدهم أجمعين } يريد : إبليس ومَنْ تبعه من الغاوين .\r { لها } لجهنم { سبعة أبواب } سبعة أطباقٍ ، طبقٌ فوق طبقٍ { لكلِّ باب منهم } من أتباع إبليس { جزء مقسوم } .\r { إنَّ المتقين } للفواحش والكبائر { في جنات وعيون } يعين : عيون الماء والخمر .","part":1,"page":406},{"id":407,"text":"{ ادخلوها بسلامٍ } بسلامةٍ { آمنين } من سخط الله سبحانه وعذابه .\r { ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ } ذكرناه في سورة الأعراف { إخواناً } متآخين { على سرر } جمع سرير { متقابلين } لا يرى بعضهم قفا بعض .\r { لا يمسهم } لا يصيبهم { فيها نصب } إعياءٌ .\r { نبىء عبادي } أخبر أوليائي { أني أنا الغفور } لأوليائي { الرحيم } بهم .\r { وأنَّ عذابي هو العذاب الأليم } لأعدائي .\r { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } يعني : الملائكة الذين أتوه في صورة الأضياف .\r { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً } سلَّموا سلاماً ف { قال } إبراهيم : { إنَّا منكم وجلون } فَزِعُون .\r { قالوا : لا توجل } : لا تفزع . وقوله : \r { على أن مسَّني الكبر } أَيْ : على حالة الكبر { فبم تبشرون } استفهامُ تعجُّبٍ كأنَّه عجب من الولد على كبره .\r { قالوا بشرناك بالحق } بما قضاه الله أن يكون { فلا تكن من القانطين } الآيسين .\r { قال : ومَنْ يقنط } ييئس { من رحمة ربِّه إلاَّ الضالون } المكذِّبون .","part":1,"page":407},{"id":408,"text":"{ قال : فما خطبكم } ما شأنكم وما الذي جئتم له؟\r { قالوا : إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } يعني : قوم لوط .\r { إلاَّ آل لوط } أتباعه الذين كانوا على دينه . وقوله : \r { قدَّرنا } قضينا ودبَّرنا أنَّها تتخلَّف وتبقى مع مَنْ بقي حتى تهلك .","part":1,"page":408},{"id":409,"text":"{ منكرون } أَيْ : غير معروفين .\r { قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون } بالعذاب الذي كانوا يشكُّون في نزوله .\r { وأتيناك بالحق } بالأمر الثَّابت الذي لا شكَّ فيه من عذاب قومك .\r { فأسر بأهلك } مُفسَّرٌ في سورة هود . { واتبع أدبارهم } امش على آثارهم ببناتك وأهلك لئلا يتخلَّف منهم أحدٌ { ولا يلتفت منكم أحد } لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من العذاب { وامضوا حيث تؤمرون } حيث يقول لكم جبريل عليه السَّلام .\r { وقضينا إليه } أوحينا إليه وأخبرناه { ذلك الأمر } الذي أخبرته الملائكة إبراهيم من عذاب قومه وهو { أنَّ دابر هؤلاء } أَيْ : أواخر مَنْ تبقَّى منهم { مقطوع } مُهلَكٌ { مصبحين } داخلين في وقت الصُّبح . يريد : إنَّهم مهلكون هلاك الاستئصال في ذلك الوقت .\r { وجاء أهل المدينة } مدينة قوم لوط ، وهي سذوم { يستبشرون } يفرحون طمعاً منهم في ركوب المعاصي والفاحشة حيث أُخبروا أنَّ في بيت لوطٍ مُرداً حساناً ، فقال لهم لوط : \r { إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون } عندهم بقصدكم إيَّاهم ، فيعلموا أنَّه ليس لي عندكم قدرٌ .\r { واتقوا الله ولا تخزون } مذكورٌ في سورة هود .\r { قالوا أَوَلَمْ ننهك عن العالمين } عن ضيافتهم؛ لأنَّا نريد منهم الفاحشة ، وكانوا يقصدون بفعلهم الغرباء .\r { قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين } هذا الشَّأن . يعني : اللَّذة وقضاء الوطر . يقول : عليكم بتزوجهنَّ ، أراد أن يقي أضيافه ببناته .\r { لعمرك } بحياتك يا محمد { إنهم } إنَّ قومك { لفي سكرتهم يعمهون } في ضلالتهم يتمادون . وقيل : يعني : قوم لوط .\r { فأخذتهم الصيحة } صاح بهم جبريل عليه السَّلام صيحةً أهلكتهم { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشَّمس ، وذلك أنَّ تمام الهلاك كان مع الإِشراق .","part":1,"page":409},{"id":410,"text":"{ للمتوسمين } أَي : المُتفرِّسين المُتثبِّتين في النَّظر حتى يعرفوا حقيقة سمة الشَّيء .\r { وإنها } يعني : مدينة قوم لوط { لبسبيل مقيم } على طريق قومك إلى الشَّام ، وهو طريقٌ لا يندرس ولا يخفى .\r { إنَّ في ذلك لآية للمؤمنين } لعبرةً للمصدِّقين . يعني : إنَّ المؤمنين اعتبروا بها .\r { وإن كان أصحاب الأيكة } قوم شعيب ، وكانوا أصحاب غياضٍ وأشجار .\r { فانتقمنا منهم } بالعذاب . أخذهم الحرُّ أيَّاماً ، ثمَّ اضطرم عليهم المكان ناراً فهلكوا . { وإنَّهما } يعني : الأيكة ومدينة قوم لوطٍ { لبإمامٍ مبين } لبطريقٍ واضحٍ .\r { ولقد كذَّب أصحاب الحجر } يعني : قوم ثمود ، والحِجر اسم واديهم { المرسلين } يعين : صالحاً ، وذلك أنَّ مَنْ كذَّب نبيَّاً فقد كذَّب جميع الرُّسل .\r { وآتيناهم آياتنا } يعني : ما أظهر لهم من الآيات في النَّاقة .\r { وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً } لطول عمرهم كان لا يبقى معهم السُّقوف ، فاتَّخذوا كهوفاً من الجبال بيوتاً { آمنين } من أن يقع عليهم .\r { فأخذتهم الصيحة } صحية العذاب { مصبحين } حين دخلوا في وقت الصُّبح .","part":1,"page":410},{"id":411,"text":"{ فما أغنى عنهم } ما دفع العذاب { ما كانوا يكسبون } من الأموال والأنعام .\r { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلاَّ بالحق } أي : للثَّواب والعقاب . أُثيب مَنْ آمن بي وصدَّق رسلي ، وأعاقب مَنْ كفر بي ، والموعد لذلك السَّاعة ، وهو قوله تعالى : { وإنَّ الساعة لآتية } أَيْ : إنَّ القيامة تأتي ، فيجازى المشركون بقبيح أعمالهم { فاصفح } عنهم { الصفح الجميل } أَيْ : أعرض إعراضاً بغير فحشٍ ولا جزعٍ .\r { إن ربك هو الخلاق العليم } بما خلق .\r { ولقد آتيناك سبعاً من المثاني } يعني : الفاتحة ، وهي سبع آيات ، وتثنى في كلِّ صلاةٍ . امتنَّ الله على رسوله A بهذه السُّورة ، كما امتنَّ عليه بجميع القرآن حين قال : { والقرآن العظيم } أي : العظيم القدر .\r { لا تمدنَّ عينيك إلى ما متعنا به } نُهي رسول الله A عن الرَّغبة في الدُّنيا ، فحظر عليه أن يمدَّ عينيه إليها رغبةً فيها . وقوله : { أزواجاً منهم } أَيْ : أصنافاً من الكفَّار ، كالمشركين ، واليهود ، وغيرهم . يقول : لا تنظر إلى ما متَّعناهم به في الدُّنيا { ولا تحزن عليهم } إن لم يؤمنوا { واخفض جَناحَكَ للمؤمنين } ليِّن جانبك وارفق بهم .","part":1,"page":411},{"id":412,"text":"{ وقل إني أنا النذير المبين } أنذركم عذاب الله سبحانه ، وأُبيِّن لكم ما يقرِّبكم إليه .\r { كما أنزلنا } أَيْ : عذابنا { على المقتسمين } وهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدُّون الناس عن الإِيمان بمحمدٍ A ، فأنزل الله تعالى بهم خزياً ، فماتوا شرَّ ميتةٍ .\r { الذين جعلوا القرآن عضين } جزَّؤوه أجزاءً ، فقالوا : سحرٌ ، وقالوا : أساطير الأولين ، وقالوا : مفترى .\r { فوربك لنسألنهم أجمعين } .\r { عما كانوا يعملون } أَيْ : يفترون من القول في القرآن . يريد : لنسألنَّهم سؤال توبيخٍ وتقريعٍ .\r { فاصدع بما تؤمر } يقول : أَظهرْ ما تؤمر ، واجهر بأمرك ، { وأعرض عن المشركين } لا تُبالِ بهم ، ولم يزل النبيُّ A مستخفياً حتى نزلت هذه الآية .\r { إنا كفيناك المستهزئين } وكانوا خمسة نفرٍ : الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، وعدي بن قيس ، والأسود بن المطلب ، والأسود بن عبد يغوث ، سلَّط الله سبحانه عليهم جبريل عليه السَّلام حتى قتل كلَّ واحدٍ منهم بآفةٍ ، وكفى نبيه عليه السَّلام شرَّهم .","part":1,"page":412},{"id":413,"text":"{ فسبح بحمد ربك } قل : سبحان الله وبحمده { وكن من الساجدين } المصلِّين .\r { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أَي : الموت .","part":1,"page":413},{"id":414,"text":"{ أتى أمر الله } أَيْ : عذابه لمَنْ أقام على الشِّرك ، أَيْ : قد قَرُبَ ذلك { فلا تستعجلوه } فإنَّه نازلٌ بكم لا محالة { سبحانه } براءةٌ له من السُّوء { وتعالى } ارتفع بصفاته { عما يشركون } عن إشراكهم .\r { ينزل الملائكة } يعني : جبريل عليه السَّلام وحده { بالروح } بالوحي { من أمره } والوَحْيُ من أمر الله سبحانه { على مَنْ يشاء من عباده } يريد : النَّبيِّين الذين يختصُّهم بالرِّسالة { أن أنذروا } بدلٌ من الرُّوح ، أَيْ : أعلموا أهل الكفر { أنه لا إله إلاَّ أنا } مع تخويفهم إنْ لم يقرُّوا { فاتقون } بالتَّوحيد والطَّاعة ، ثمَّ ذكر ما يدلُّ على توحيده ، فقال : \r { خلق السموات . . . } الآية .\r { خلق الإِنسان من نطفة } يعني : أُبيَّ بن خلف { فإذا هو خصيم } مخاصمٌ { مبين } ظاهرُ الخصومة ، وذلك أنَّه خاصم النبيَّ A في إنكاره البعث .","part":1,"page":414},{"id":415,"text":"{ لكم فيها دفء } يعني : ما تستدفئون به من الأكسية والأبنية من أشعارها وأصوافها وأوبارها { ومنافع } من النَّسل والدَّرِّ والرُّكوب .\r { ولكم فيها جمال } زينةٌ { حين تريحون } تردُّونها إلى مَراحها بالعشايا { وحين تسرحون } تخرجونها إلى المرعى بالغداة .\r { وتحمل أثقالكم } أمتعتكم { إلى بلد } لو تكلَّفتم بلوغه على غير الإِبل لشقَّ عليكم ، والشِّقِّ : المشقَّة { إنَّ ربكم لرؤوف رحيم } حيث منَّ عليكم بهذه المرافق . وقوله : \r { ويخلق ما لا تعلمون } لم يُسمِّه ، فالله أعلم به .\r { وعلى الله قصد السبيل } أَي : الإِسلام والطَّريق المستقيم يُؤدِّي إلى رضا الله تعالى ، كقوله : { هذا صراط عليَّ مستقيم } { ومنها } ومن السَّبيل { جائر } عادلٌ مائل كاليهوديَّة والنَّصرانية { ولو شاء لهداكم } أرشدكم { أجمعين } حتى لا تختلفوا في الدِّين ، وقوله : \r { ومنه شجر } يعني : ما ينبت بالمطر ، وكلُّ ما ينبت على الأرض فهو شجر { فيه تسيمون } ترعون مواشيكم .","part":1,"page":415},{"id":416,"text":"{ وما ذرأ لكم } أَيْ : وسخَّر لكم ما خلق في الأرض { مختلفاً ألوانه } أَيْ : هيئته ومناظره ، يعني : الدَّوابَّ والأشجار وغيرهما .\r { وهو الذي سخر البحر } ذلَّله للرُّكوب والغوص { لتأكلوا منه لحماً طرياً } السَّمك والحيتان { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } الدُّرَّ والجواهرَ { وترى الفلك } السُّفن { مواخر فيه } شواقّ للماء تدفعه بِجُؤْجُئِها بصدرها { ولتبتغوا من فضله } لتركبوه للتِّجارة ، فتطلبوا الرِّبح من فضل الله .\r { وألقى في الأرض رواسي } جبالاً ثابتةً { أن تميد } لئلا تميد ، أَيْ : لا تتحرَّك { بكم وأنهاراً } وجعل فيها أنهاراً كالنِّيل والفرات ودجلة { وسبلاً } وطرقاً إلى كلِّ بلدةٍ { لعلكم تهتدون } إلى مقاصدكم من البلاد . فلا تضلُّوا .\r { وعلامات } يعني الجبال ، وهي علاماتُ الطُّرق بالنَّهار { وبالنجم } يعني : جميع النُّجوم { هم يهتدون } إلى الطُّرق والقِبلة في البرِّ والبحر .\r { أفمن يخلق } يعني : ما ذُكر في هذه السُّورة ، وهو الله تعالى { كمَنْ لا يخلق } يعني : الأوثان . يقول : أَهما سواءٌ حتى يسوَّى بينهما في العبادة؟ { أفلا تذكرون } أفلا تتَّعظون كما اتَّعظ المؤمنون .","part":1,"page":416},{"id":417,"text":"{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } مرَّ تفسيره { إنَّ الله لغفور } لتقصيركم في شكر نعمه { رحيم } بكم حيث لم يقطعها عنكم بتقصيركم .","part":1,"page":417},{"id":418,"text":"{ أموات } أَيْ : هي أمواتٌ لا روح فيها . يعني : الأصنام { غير أحياء } تأكيد { وما يشعرون أيان يبعثون } وذلك أنَّ الله سبحانه يبعث الأصنام لها أرواحٌ ، فيتبرَّؤون من عابديهم ، وهي في الدُّنيا جماد لا تعلم متى تُبعث ، وقوله : \r { إلهكم } ذكر الله سبحانه دلائل وحدانيته ، ثمَّ أخبر أنَّه واحد ، ثمَّ أتبع هذا إنكار الكفَّار وحدانيَّته بقوله : { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة } جاحدةٌ غير عارفة { وهم مستكبرون } ممتنعون عن قبول الحقِّ .\r { لا جرم } حقاً { أنَّ الله يعلم ما يسرون وما يعلنون . . . } الآية . أَيْ : يُجازيهم بذلك { إنه لا يحب المستكبرين } لا يمدحهم ولا يُثيبهم .\r { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين } الآية نزلت في النَّضر بن الحارث ، وذكرنا قصَّته .","part":1,"page":418},{"id":419,"text":"{ ليحملوا أوزارهم } هذه لام العاقبة؛ لأنَّ قولهم للقرآن : أساطير الأولين ، أدَّاهم إلى أن حملوا أوزارهم كاملة لم يُكفَّر منها شيء بنكبةٍ أصابتهم في الدُّنيا لكفرهم . { ومن أوزار الذين يضلونهم } لأنَّهم كانوا دعاةَ الضَّلالة ، فعليهم مثل أوزار من اتَّبعهم ، وقوله : { بغير علم } أَيْ : يضلُّونهم جهلاً منهم بما كانوا يكسبون من الإِثم ، ثمَّ ذمَّ صنيعهم فقال : { ألا ساء ما يزرون } أَيْ : يحملون .\r { قد مكر الذين من قبلهم } وهو نمروذ بنى صرحاً طويلاً ، ليصعد منه إلى السَّماء فيقاتل أهلها { فأتى الله } فأتى أمر الله ، وهو الرِّيح وخَلْقُ الزَّلزلة { بنيانهم } بناءهم { من القواعد } من أساطين البناء التي يعمده ، وذلك أنَّ الزَّلزلة خُلقت فيها حتى تحرَّكت بالبناء فهدمته ، وهو قوله : { فخرَّ عليهم السقف من فوقهم } يعني : وهم تحته { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } من حيث ظنُّوا أنَّهم في أمانٍ منه .\r { ثم يوم القيامة يخزيهم } يُذلُّهم { ويقول أين شركائي } أَي : الذين في دعواكم أنَّهم شركائي ، أين هم ليدفعوا العذاب عنكم { الذين كنتم تشاقون } تخالفون المؤمنين { فيهم قال الذين أوتوا العلم } وهم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفَّار في القيامة : { إنَّ الخزي اليوم والسوء } عليهم لا علينا .\r { الذين تتوفاهم الملائكة } مرَّ تفسيره في سورة النِّساء . وقوله : { فألقوا السلم } أَي : انقادوا واستسلموا عند الموت ، وقالوا : { ما كنا نعمل من سوء } شرك ، فقالت الملائكة : { بلى إنَّ الله عليمٌ بما كنتم تعملون } من الشِّرك والتَّكذيب .","part":1,"page":419},{"id":420,"text":"{ فادخلوا أبواب جهنم . . . } الآية . وقوله : { فلبئس مثوى } مقام { المتكبرين } عن التَّوحيد وعبادة الله سبحانه .\r { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم } هذا كان في أيَّام الموسم ، يأتي الرَّجل مكَّة فيسأل المشركين عمَّا أنزل على محمد A ؟ فيقولون : أساطير الأولين ، ويسأل المؤمنين عن ذلك فيقولون : { خيراً } أَيْ : ثواباً لمَنْ آمن بالله ، ثمَّ فسَّر ذلك الخير فقال : { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } قالوا : لا إله إلاَّ الله ثوابٌ مضاعف { ولدار الآخرة } وهي الجنَّة { خير } من الدُّنيا وما فيها .","part":1,"page":420},{"id":421,"text":"{ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } طاهرين من الشِّرك .\r { هل ينظرون إلاَّ أن تأتيهم الملائكة } لقبض أرواحهم { أو يأتي أمر ربك } بالقتل ، والمعنى : هل يكون مدَّة إقامتهم على الكفر إلاَّ مقدار حياتهم إلى أن يموتوا أو يُقتلوا { كذلك فعل الذين من قبلهم } وهو التَّكذيب ، يعني : كفَّار الأمم الخالية { وما ظلمهم الله } بتعذيبهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بإقامتهم على الشِّرك .\r { فأصابهم } هذا مؤخَّر في اللَّفظ ، ومعناه التَّقديم ، لأنَّ التَّقدير : كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم ، الآية ، ثمَّ يقول : { وما ظلمهم الله . . . } الآية . ومعنى : أصابهم { سيئات ما عملوا } أَيْ : جزاؤها { وحاق } أحاط { بهم ما كانوا به يَسْتهزئون } من العذاب .\r { وقال الذين أشركوا } يعني : أهل مكَّة : { لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء } أَيْ : ما أشركنا ، ولكنَّه شاءه لنا { ولا حرَّمنا من دونه من شيء } أَيْ : من السَّائبة والبحيرة ، وإنَّما قالوا هذا استهزاءً . قال الله تعالى : { كذلك فعل الذين من قبلهم } أَيْ : من تكذيب الرُّسل ، وتحريم ما أحلَّ الله { فهل على الرسل إلاَّ البلاغ المبين } أَيْ : ليس عليهم إلاَّ التَّبليغ ، وقد بلَّغتَ يا محمَّدُ ، وبلَّغوا ، فأمَّا الهداية فهي إلى الله سبحانه وتعالى ، وقد حقَّق هذا فيما بعد ، وهو قوله : \r { ولقد بعثنا في كلِّ أمة رسولاً } كما بعثناك في هؤلاء { أن اعبدوا الله } بأن اعبدوا الله { واجتنبوا الطاغوت } الشيطان وكلَّ من يدعو إلى الضلاَّلة { فمنهم مَنْ هدى الله } أرشده { ومنهم مَنْ حقَّت } وجبت { عليه الضلالة } الكفر بالقضاء السابق { فسيروا في الأرض } معتبرين بآثار الأمم المكذِّبة ، ثمَّ أكَّد أنَّ مَنْ حقَّت عليه الضَّلالة لا يهتدي ، وهو قوله : \r { إن تحرص على هداهم } أَيْ : تطلبها بجهدك { فإنَّ الله لا يهدي مَنْ يضل } كقوله : { من يُضللِ اللَّهُ فلا هادي له . }","part":1,"page":421},{"id":422,"text":"{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم } أغلظوا في الأيمان تكذيباً منهم بقدرة الله على البعث ، فقال الله تعالى : { بلى } ليبعثنَّهم { وعداً عليه حقاً } .\r { ليبيِّن لهم } بالبعث ما اختلفوا فيه من أمره ، وهو أنَّهم ذهبوا إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } ثمَّ أعلمهم سهولة خلق الأشياء عليه بقوله : \r { إنما قولنا لشيء . . . } الآية .\r { والذين هاجروا } نزلت في قومٍ عذَّبهم المشركون بمكَّة إلى أن هاجروا ، وقوله : { في الله } أَيْ : في رضا الله { لنبوئنهم في الدنيا حسنة } داراً وبلدةً حسنةً ، وهي المدينة { ولأجر الآخرة } يعني : الجنَّة .\r { الذين صبروا } على أذى المشركين وهم في ذلك واثقون بالله تعالى مُتوكِّلون عليه .\r { وما أرسلنا من قبلك } ذكرنا تفسيره في آخر سورة يوسف . وقوله : { فاسألوا أهل الذكر } يعني : أهل التَّوراة فيخبرونكم أنَّ الأنبياء كلَّهم كانوا بشراً .","part":1,"page":422},{"id":423,"text":"{ بالبينات } أَيْ : أرسلناهم بالبيِّنات بالحجج الواضحة { والزبر } الكتب { وأنزلنا إليك الذكر } القرآن { لتبين للناس ما نزل إليهم } في هذا الكتاب من الحلال والحرام ، والوعد والوعيد { ولعلهم يتفكرون } في ذلك فيعتبرون .\r { أفأمن الذين مكروا السيئات } عملوا بالفساد ، يعني : عبادة الأوثان ، وهم مشركو مكَّة { أن يخسف الله بهم الأرض } كما خسف بقارون { أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } أَيْ : من حيث يأمنون ، فكان كذلك؛ لأنَّهم أُهلكوا يوم بدر ، وما كانوا يُقدِّرون في ذلك .\r { أو يأخذهم في تقلبهم } للسَّفر والتِّجارة { فما هم بمعجزين } بممتنعين على الله .\r { أو يأخذهم على تخوّف } على تنقُّص ، وهو أن يأخذ الأوَّل حتى يأتي الأخذ على الجميع { فإنَّ ربكم لرؤوف رحيم } إذ لم يعجل عليهم بالعقوبة .\r { أَوَلَمْ يروا إلى ما خلق الله من شيء } له ظلٌّ من جبلٍ وشجرٍ وبناءٍ { يتفيَّأ } يتميَّل { ظلاله عن اليمين والشمائل } في أوَّل النَّهار عن اليمين ، وفي آخره عن الشِّمال إذا كنت مُتوجِّهاً إلى القبلة { سجداً لله } قال المُفسِّرون : ميلانها سجودها ، وهذا كقوله : { وظلالهم بالغدو والآصال } وقد مرَّ { وهم داخرون } صاغرون يفعلون ما يُراد منهم : يعني : هذه الأشياء التي ذكرها أنَّها تسجد لله .","part":1,"page":423},{"id":424,"text":"{ ولله يسجد } أَيْ : يخضع وينقاد بالتَّسخير { ما في السموات وما في الأرض من دابة } يريد : كلَّ ما دبَّ على الأرض { والملائكة } خصَّهم بالذِّكر تفضيلاً { وهم لا يستكبرون } عن عبادة الله تعالى . يعني : الملائكة .\r { يخافون ربهم من فوقهم } يعني : الملائكة ، هم فوق ما في الأرض من دابَّة ، ومع ذلك يخافون الله ، فلأَنْ يخافَ مَنْ دونهم أولى { ويفعلون ما يؤمرون } يعني : الملائكة .","part":1,"page":424},{"id":425,"text":"{ وله الدين واصباً } دائماً ، أَيْ : طاعته واجبةٌ أبداً . { أفغير الله } الذي خلق كلَّ شيء ، وأمر أن لا تتَّخذوا معه إلهاً { تتقون } .\r { وما بكم من نعمة } من صحَّة جسمٍ ، أو سعةِ رزقٍ ، أو إمتاعٍ بمالٍ وولدٍ ، فكلُّ ذلك من الله ، { ثمَّ إذا مسكم الضرُّ } الأسقام والحاجة { فإليه تجأرون } ترفعون أصواتكم بالاستغاثة .\r { ثمَّ إذا كشف الضر عنكم } يعني : مَنْ كفر بالله ، وأشرك بعد كشف الضُّرَّ عنه .\r { ليكفروا بما آتيناهم } ليجحدوا نعمة الله فيما فعل بهم { فتمتعوا } أمر تهديد { فسوف تعلمون } عاقبة أمركم .","part":1,"page":425},{"id":426,"text":"{ ويجعلون } يعني : المشركين { لما لا يعلمون } أَي : الأوثان التي لا علم لها { نصيباً مما رزقناهم } يعني : ما ذُكر في قوله : { وهذا لشركائنا } { تالله لتسألنَّ } سؤال توبيخٍ { عمَّا كنتم تفترون } على الله من أنَّه أمركم بذلك .\r { ويجعلون لله البنات } يعني : خزاعة وكنانة ، زعموا أنَّ الملائكة بنات الله ، ثمَّ نزَّه نفسه فقال تعالى : { سبحانه } تنزيهاً له عمَّا زعموا { ولهم ما يشتهون } يعني : البنين ، وهذا كقولهم : { أم له البنات . . . } الآية .\r { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أُخبر بولادة ابنةٍ { ظلَّ } صار { وجهه مسودّاً } متغيِّراً تغيُّرَ مغتمٍّ { وهو كظيم } ممتلىءٌ غمّاً .\r { يتوارى } يختفي ويتغيب مقدّراً مع نفسه { أيمسكه على هون } أيستحييها على هوانٍ منه لها { أم يدسُّه } يخفيه { في التراب } فعل الجاهليَّة من الوأد { ألا ساء } بئس { ما يحكمون } أَيْ : يجعلون لمن يعترفون بأنَّه خالقهم البناتِ اللاتي محلهنَّ منهم هذا المحل : ونسبوه إلى اتِّخاذ الأولاد ، وجعلوا لأنفسهم البنين .\r { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } العذاب والنَّار { ولله المثل الأعلى } الإِخلاص والتَّوحيد ، وهو شهادة أن لا إله إلاَّ الله .\r { ولو يؤاخذ الله الناس } المشركين { بظلمهم } بافترائهم على الله تعالى { ما ترك عليها من دابة } يعني : أحداً من المشركين { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } وهو انقضاء عمرهم .","part":1,"page":426},{"id":427,"text":"{ ويجعلون لله ما يكرهون } لأنفسهم ، وذلك هو البنات ، أَيْ : يحكمون له به ، { وتصف ألسنتهم الكذب } ثمَّ فسَّر ذلك الكذب بقوله : { أنَّ لهم الحسنى } أَي : الجنَّة والمعنى : يصفون أنَّ لهم مع قبح قولهم الجنَّة إن كان البعث حقّاً ، فقال الله تعالى : { لا } أَيْ : ليس الأمر كما وصفوه { جرم } كسب قولهم هذا { أنَّ لهم النار وأنَّهم مُفرْطون } متروكون فيها . وقيل : مُقدَّمون إليها . وقوله : \r { فهو وليُّهم اليوم } يعني : يوم القيامة ، وأُطلق اسم اليوم عليه لشهرته ، وقوله : \r { لتبين لهم الذي اختلفوا فيه } أَيْ : تُبيِّن للمشركين ما ذهبوا فيه إلى خلاف ما يذهب إليه المسلمون ، فتقوم الحجَّة عليهم ببيانك . وقوله : { وهدى } أَيْ : والهداية والرَّحمة للمؤمنين . وقوله : \r { والله أنزل } ظاهرٌ إلى قوله : { يسمعون } أَيْ : سماع اعتبار . يريد : إنَّ في ذلك دلالة على البعث .\r { وإنَّ لكم في الأنعام لعبرة } لدلالةً على قدرة الله تعالى ووحدانيَّته { نسقيكم مما في بطونه من بين فرث } وهو سرجين الكرش { ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين } جائزاً في حلوقهم .\r { ومن ثمرات } أَيْ : ولكم منها ما { تتخذون منه سكراً } وهو الخمر . نزل هذا قبل تحريم الخمر { ورزقاً حسناً } وهو الخلُّ والزَّبيب والتَّمرُ { إنَّ في ذلك لآية لقومٍ يعقلون } يريد : عقلوا عن الله تعالى ما فيه قدرته .\r { وأوحى ربك إلى النخل } ألهمها وقذف في أنفسها { أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر } هي تتَّخذ لأنفسها بيوتاً إذا كانت لا أصحاب لها ، فإذا كانت لها أرباب اتِّخذت بيوتها ممَّا تبني لها أربابها ، وهو قوله : { ومما يعرشون } أَيْ : يبنون ويسقفون لها من الخلايا .\r { ثمَّ كلي من كلِّ الثمرات فاسلكي سبل ربك } طرق ربِّك تطلب فيها الرَّعي { ذللاً } منقادة مُسخَّرة مطيعة { يخرج من بطونها شراب } وهو العسل { مختلف ألوانه } منه أحمر وأبيض وأصفر { فيه } في ذلك الشَّراب { شفاء للناس } من الأوجاع التي شفاؤها فيه .\r { والله خلقكم } ولم تكونوا شيئاً { ثمَّ يتوفاكم } عند انقضاء آجالكم { ومنكم مَنْ يردُّ إلى أرذل العمر } وهو أردؤه ، يعني : الهرم { لكيلا يعلم بعد علم شيئاً } يصير كالصبيِّ الذي لا عقل له . قالوا : وهذا لا يكون للمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن لا ينزع عنه علمه وإن كبر { إنّ الله عليم } بما يصنع { قدير } على ما يريد .","part":1,"page":427},{"id":428,"text":"{ والله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق } حيث جعل بعضكم يملك العبيد ، وبعضكم مملوكاً { فما الذين فضلوا } وهم المالكون { برادي رزقهم } بجاعلي رزقهم لعبيدهم ، حتى يكونوا عبيدهم معهم { فيه سواء } وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمشركين في تصييرهم عباد الله شركاء له ، فقال : إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في الملك ، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء؟ { أفبنعمة الله يجحدون } حيث يتَّخذون معه شركاء .\r { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً } يعني : النِّساء { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } يعني : ولد الولد { ورزقكم من الطيبات } من أنواع الثِّمار والحبوب والحيوان { أفبالباطل يؤمنون } يعني : الأصنام ، { وبنعمة الله هم يكفرون } يعني : التَّوحيد .\r { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات } يعني : الغيث الذين يأتي من جهتها { والأرض } يعني : النَّبات والثِّمار { شيئاً } أَيْ : قليلاً ولا كثيراً { ولا يستطيعون } لا يقدرون على شيء .\r { فلا تضربوا لله الأمثال } لا تشبِّهوه بخلقه ، وذلك أنَّ ضرب المثل إنَّما هو تشبيه ذاتٍ بذاتٍ ، أو وصفٍ بوصفٍ ، والله تعالى منزَّه عن ذلك { إنَّ الله يعلم } ما يكون قبل أن يكون { وأنتم لا تعلمون } قدر عظمته حيث أشركتم به .\r { ضرب الله مثلاً } بيَّن شبهاً فيه بيانٌ للمقصود ، ثمَّ ذكر ذلك فقال : { عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } لأنَّه عاجرٌ مملوكٌ لا يملك شيئاً ، وهذا مثَلٌ ضربه الله لنفسه ولمَنْ عُبِدَ دونه . يقول : العاجز الذي لا يقدر أن ينفق ، والمالك المقتدر على الإِنفاق لا يستويان ، فكيف يُسوَّى بين الحجارة التي لا تتحرَّك ، وبين الله الذي هو على كلِّ شيء قدير ، وهو رازقُ جميع خلقه ، ثمَّ بيَّن أنَّه المستحقُّ للحمد دون ما يعبدون من دونه فقال : { الحمد لله } لأنَّه المنعم { بل أكثرهم لا يعلمون } يقول : هؤلاء المشركون لا يعلمون أنَّ الحمد لي؛ لأنَّ جميع النِّعم مني ، والمراد بالأكثر ها هنا الجميع ، ثمَّ ضرب مثلاً للمؤمن والكافر .","part":1,"page":428},{"id":429,"text":"{ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء } من الكلام ، لأنَّه لا يَفْهم ولا يُفهم عنه { وهو كَلٌّ } ثِقْلٌ ووبالٌ { على مولاه } صاحبه وقريبه { أينما يوجهه } يرسله { لا يأت بخير } لأنَّه عاجزٌ لا يَفهم ما يقال له ، ولا يُفهم عنه { هل يستوي هو } أَيْ : هذا الأبكم { ومَنْ يأمر بالعدل } وهو المؤمن يأمر بتوحيد الله سبحانه { وهو على صراط مستقيم } دينٍ مستقيمٍ ، يعني : بالأبكم أُبيَّ بن خلف ، وكان كلاًّ على قومه؛ لأنَّه كان يؤذيهم ، ومَن يأمر بالعدل حمزة بن عبد المطلب .\r { ولله غيب السموات والأرض } أَيْ : علم ما غاب فيهما عن العباد { وما أمر الساعة } يعني : القيامة { إلاَّ كلمح البصر } كالنَّظر بسرعةٍ { أو هو أقرب } من ذلك إذا أردناه ، يريد : إنه يأتي بها في أسرع من لمح البصر إذا أراده . { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً } أَيْ : غير عالمين { وجعل لكم السَّمْعَ والأبصار } أَيْ : خلق لكم الحواسَّ التي بها يعلمون ، ويقفون على ما يجهلون .\r { ألم يروا إلى الطير مسخرات } مذلَّلاتٍ { في جوِّ السماء } يعني : الهواء ، وذلك يدلُّ على مُسخِّرٍ سخَّرها ، ومدبِّرٍ مكَّنها من التَّصرُّف { ما يُمسكهنَّ إلاَّ الله } في حال القبض والبسط والاصطفاف .\r { والله جعل لكم من بيوتكم سكناً } موضعاً تسكنون فيه ، ويستر عوراتكم وحرمكم ، وذلك أنَّه خلق الخشب والمدر والآلة التي يمكن بها تسقيف البيوت { وجعل لكم من جلود الأنعام } يعني : الأنطاع والأدم { بيوتاً } وهي القباب والخيام { تستخفونها يوم ظعنكم } يخفُّ عليكم حملها في أسفاركم { ويوم إقامتكم } لا يثقل عليكم في الحالتين { ومن أصوافها } يعني : الضَّأن { وأوبارها } يعني : الإِبل { وأشعارها } ، وهي المعز { أثاثاً } طنافس وأكسية وبُسطاً { ومتاعاً } تتمتَّعون به { إلى حين } البلى .\r { والله جعل لكم مما خلق } من البيوت والشَّجر والغمام { ظلالاً وجعل لكم من الجبال أكناناً } يعني : الغِيران والأسراب { وجعل لكم سرابيل } قمصاً { تقيكم الحر } تمنعكم الحرَّ والبرد ، [ فترك ذكر البرد ] ؛ لأنَّ ما وقى الحرَّ وقى البرد ، فهو معلوم { وسرابيل } يعني : دروع الحديد { تقيكم } تمنعكم { بأسكم } شدَّة الطَّعْن والضَّرب والرَّمي { كذلك } مثل ما خلق هذه الأشياء لكم { يتمُّ نعمته عليكم } يريد : نعمة الدُّنيا ، والخطاب لأهل مكَّة { لعلَّكم تسلمون } تنقادون لربوبيته فتوحِّدونه .\r { فإن تولوا } أعرضوا عن الإِيمان بعد البيان { فإنما عليك البلاغ المبين } وليس عليك من كفرهم وجحودهم شيء .","part":1,"page":429},{"id":430,"text":"{ يعرفون نعمة الله ثمَّ ينكرونها } يعني : الكفَّار ، يُقرُّون بأنَّها كلَّها من الله تعالى ثمَّ يقولون بشفاعة آلهتنا ، فذلك إنكارهم { وأكثرهم } جميعهم { الكافرون } .\r { ويوم } أَيْ : وأنذرهم يوم { نبعث } وهو يوم القيامة { من كلِّ أمة شهيداً } يعني : الأنبياء عليهم السَّلام يشهدون على الأمم بما فعلوا ، { ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الكلام والاعتذار { ولا هم يستعتبون } ولا يُطلب منهم أن يرجعوا إلى ما يرضي الله تعالى .\r { وإذا رأى الذين ظلموا } أشركوا { العذاب } النَّار { فلا يخفف عنهم } العذاب { ولا هم ينظرون } يمهلون .\r { وإذا رأى الذي أشركوا شركاءهم } أوثانهم التي عبدوها من دون الله { قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا } وذلك أنَّ الله يبعثها حتى تُوردهم النَّار ، فإذا رأوها عرفوها ، فقالوا : { ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول } أَيْ : أجابوهم فقالوا لهم : { إنكم لكاذبون } وذلك أنَّها كانت جماداً ما تعرف عبادة عابديها ، فيظهر عند ذلك فضيحتهم حيث عبدوا مَن لم يشعر بالعبادة ، وهذا كقوله تعالى : { سيكفرون بعبادتهم } { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } استسلموا لحكم الله تعالى { وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون } بطل ما كانوا يأملون من أنَّ آلهتهم تشفع لهم .","part":1,"page":430},{"id":431,"text":"{ ويوم نبعث في كلِّ أمَّة شهيداً } وهو يوم القيامة ، يبعث الله في كلِّ أُمَّةٍ شهيداً { عليهم من أنفسهم } وهو نبيُّهم؛ لأنَّ كلَّ نبيٍّ بُعث من قومه ، { وجئنا بك شهيداً على هؤلاء } على قومك ، وتمَّ الكلام ها هنا ، ثمَّ قال : { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً } بياناً { لكلِّ شيء } ممَّا أُمر به ونُهي عنه .\r { إنَّ الله يأمر بالعدل } شهادة أن لا إله إلاَّ الله { والإِحسان } وأداء الفرائض ، وقيل : بالعدل في الأفعال ، والإِحسان في الأقوال { وإيتاء ذي القربى } صلة الرَّحم ، فتؤتي ذا قرابتك من فضل ما رزقك الله . { وينهى عن الفحشاء } الزِّنا { والمنكر } الشِّرك { والبغي } الاستطالة على النَّاس بالظُّلم { يعظكم } ينهاكم عن هذا كلِّه ، ويأمركم بما أمركم به في هذه الآية { لعلكم تذكرون } لكي تتَّعظوا .\r { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } يعني : كلَّ عهدٍ يحسن في الشريعة الوفاء به { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } لا تحنثوا فيها بعد ما وكَّدتموه بالعزم { وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً } بالوفاء حيث حلفتم ، والواو للحال .\r { ولا تكونوا كالتي نقضت } أفسدت { غزلها } وهي امرأة حمقاء كانت تغزل طول يومها ، ثمَّ تنقضه وتفسده { من بعد قوة } الغزل بإمراره وفتله { أنكاثاً } قطعاً ، وتمَّ الكلام ها هنا ، ثمَّ قال : { تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم } أَيْ : غشَّاً وخديعةً { أن تكون } بأن تكون [ أو لأن تكون ] { أمة هي أربى من أمة } أَيْ : قوم أغنى وأعلى من قوم ، وذلك أنهم كانوا يحالفون قوماً فيجدون أكثر منهم وأعزَّّ ، فينقضون حلف أولئك ، ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزُّ ، فنُهوا عن ذلك . { إنما يبلوكم الله به } أَيْ : بما أمر ونهى { وليبينن لكم يومَ القيامة ما كنتم فيه تختلفون } في الدُّنيا ، ثمَّ نهى أصحاب رسول الله A الذين عاهدوه على نصرة الإِسلام عن أيمان الخديعة .","part":1,"page":431},{"id":432,"text":"{ ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم فتزلَّ قدمٌ بعد ثبوتها } تزلّ عن الإِيمان بعد المعرفة بالله تعالى ، وهذا إنَّما يستحقُّ في نقض معاهدة رسول الله A على نصرة الدِّين { وتذوقوا السوء } العذاب { بما صَدَدتُم عن سبيل الله } وذلك أنَّهم إذا نقضوا العهد لم يدخل غيرهم في الإِسلام ، فيصير كأنهم صدُّوا عن سبيل الله وعن دين الله .","part":1,"page":432},{"id":433,"text":"{ ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً } لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضاً من الدُّنيا { إنَّ ما عند الله } أَيْ : ما عند الله من الثَّواب على الوفاء { خير لكم إن كنتم تعلمون } ذلك .\r { ما عندكم ينفد } يفنى وينقطع ، يعني : في الدُّنيا { وما عند الله } من الثَّواب والكرامة { باق } دائمٌ لا ينقطع { ولنجزين الذين صبروا } على دينهم وعمَّا نهاهم الله تعالى { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } يعني : الطَّاعات ، وقوله : \r { فلنحيينه حياة طيبة } قيل هي القناعة ، وقيل : هي حياة الجنَّة .\r { فإذا قرأت القرآن } أَيْ : إذا أردت أن تقرأ القرآن { فاستعذ بالله } فاسأل الله أن يعيذك ويمنعك { من الشَّيطان الرجيم } .\r { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا } أَيْ : حجَّةٌ في إغوائهم ودعائهم إلى الضَّلالة ، والمعنى : ليس له عليهم سلطان الإِغواء .\r { إنما سلطانه على الذين يتولونه } يُطيعونه { والذين هم به } بسببه وطاعته فيما يدعوهم إليه { مشركون } بالله .\r { وإذا بدلنا آية } أَيْ : رفعناها وأنزلنا غيرها لنوعٍ من المصلحة { والله أعلم } بمصالح العباد في { ما ينزَّل } من النَّاسخ والمنسوخ { قالوا } يعني : الكفَّار { إنما أنت مفترٍ } كذَّابٌ تقوله من عندك { بل أكثرهم لا يعلمون } حقيقةَ القرآن وفائدةَ النَّسخ والتَّبديل .","part":1,"page":433},{"id":434,"text":"{ قل نزله روح القدس } جبريل عليه السَّلام { من ربك } من كلام ربِّك { بالحق } بالأمر الحقِّ { ليثبت الذين آمنوا } بما فيه من الحجج والآيات { وهدىً } وهو هدىً .\r { ولقد نعلم أنَّهم يقولون : إنما يُعلِّمه } القرآنَ { بشرٌ } يعنون عبداً لبني الحضرمي كان يقرأ الكتب { لسان الذي يلحدون إليه } لغةُ الذي يميلون القول إليه ويزعمون أنَّه يُعلِّمك { أعجميّ } لا يُفصح ولا يتكلَّم بالعربية { وهذا } يعني القرآن { لسان } لغة { عربيّ مبين } أفصح ما يكون من العربيَّة وأبينه ، ثمَّ أخبر أنَّ الكاذبين هم .","part":1,"page":434},{"id":435,"text":"{ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } لأنَّهم يقولون لما لا يقدر عليه إلاَّ الله هذا من قول البشر ، ثمَّ سمَّاهم كاذبين بقوله : { وأولئك هم الكاذبون } .\r { مَنْ كفر بالله من بعد إيمانه } هذا ابتداء كلام ، وخبره في قوله : { فعليهم غضب من الله } ثمَّ استثنى المُكره على الكفر ، فقال : { إلاَّ مَنْ أكره } أَيْ : على التَّلفظ بكلمة الكفر { وقلبه مطمئن بالإِيمان ولكن من شَرَحَ بالكفر صدراً } أَيْ : فتحه ووسَّعه لقبوله .\r { ذلك } الكفر { بأنهم استحبوا الحياة الدنيا } اختاروها { على الآخرة وأنَّ الله } لا يهديهم ولا يريد هدايتهم ، ثمَّ وصفهم بأنَّهم مطبوعٌ على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، وأنَّهم غافلون عمَّا يُراد بهم ، ثمَّ حكم عليهم بالخسار .","part":1,"page":435},{"id":436,"text":"{ لا جرم } أَيْ : حقَّاً { أنهم في الآخرة هم الخاسرون } المغبونون .\r { ثمَّ إنَّ ربك للذين هاجروا } يعني : المُستضعفين الذين كانوا بمكَّة { من بعد ما فتنوا } أَيْ : عُذِّبوا وأُوذوا حتى يلفظوا بما يرضيهم { ثمَّ جاهدوا } مع النبيِّ A { وصبروا } على الدِّين والجهاد { إنَّ ربك من بعدها } أَيْ : من بعد تلك الفتنة التي أصابتهم { لغفور رحيم } يغفر لهم ما تلفَّظوا به من الكفر تقيَّة .\r { يوم تأتي } أَيْ : اذكر لهم ذلك اليوم وذكِّرهم ، وهو يوم القيامة { كلُّ نفس } كلُّ أحدٍ لا تهمُّه إلاَّ نفسه ، فهو مخاصمٌ ومحتجٌ عن نفسه ، حتى إنَّ إبراهيم عليه السَّلام ليدلي بالخلَّة { وتوفى كلُّ نفس ما عملت } أَيْ : جزاء ما عملت { وهم لا يظلمون } لا ينقصون ، ثمَّ أنزل الله تعالى في أهل مكَّة وما امتُحنوا به من القحط والجوع قوله تعالى : \r { وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة } ذات أمنٍ لا يُغار على أهلها { مطمئنة } قارَّةً بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوفٍ أو ضيقٍ { يأتيها رزقها رغداً من كلِّ مكان } يُجلب إليها من كلِّ بلدٍ ، كما قال : { يُجبى إليه ثمراتُ كلِّ شيء } { فكفرت بأنعم الله } حين كذَّبوا رسوله { فأذاقها الله لباس الجوع } عذَّبهم الله بالجوع سبع سنين { والخوف } من سرايا النَّبيِّ A التي كان يبعثهم إليهم فيطوفون بهم { بما كانوا يصنعون } من تكذيب النبيِّ A وإخراجه من مكَّة .\r { ولقد جاءهم } يعني : أهل مكَّة { رسول منهم } من نسبهم ، يعرفونه بأصله ونسبه { فكذبوه فأخذهم العذاب } يعني : الجوع .\r { فكلوا } يا معشر المؤمنين { مما رزقكم الله } من الغنائم ، وهذه الآية والتي بعدها سبق تفسيرهما في سورة البقرة .","part":1,"page":436},{"id":437,"text":"{ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب } أَيْ : لوصف ألسنتكم الكذب ، والمعنى : لا تقولوا لأجل الكذب وسببه لا لغيره : { هذا حلال وهذا حرام } يعني : ما كانوا يحلُّونه ويُحرِّمونه من الحرث والأنعام { لتفتروا على الله الكذب } بنسبة ذلك التَّحليل والتَّحريم إليه ، ثمَّ أوعد المفترين فقال : { إنَّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } .\r { متاع قليل } أَيْ : لهم في الدُّنيا متاعٌ قليلٌ ، ثم يردُّون إلى عذابٍ أليمٍ .","part":1,"page":437},{"id":438,"text":"{ وعلى الذين هادوا حرَّمنا ما قصصنا عليك من قبل } يعني : في سورة الأنعام : { وعلى الذين هادوا حرمنا كلَّ ذي ظفر . . . } الآية . { وما ظلمناهم } بتحريم ما حرَّمنا عليهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بأنواع المعاصي .\r { ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة } أَيْ : الشِّرك { ثم تابوا من بعد ذلك } آمنوا وصدَّقوا { وأصلحوا } قاموا بفرائض الله وانتهوا عن معاصيه { إن ربك من بعدها } من بعد تلك الجهالة { لغفور رحيم } .\r { إنَّ إبراهيم كان أمة } مؤمناً وحده ، والنَّاس كلُّهم كفَّارٌ { قانتاً } مُطيعاً { لله حنيفاً } لأنَّه اختتن وقام بمناسك الحجِّ .","part":1,"page":438},{"id":439,"text":"{ وآتيناه في الدنيا حسنة } يعني : الذِّكر والثَّناء الحسن في النَّاس كلِّهم { وإنَّه في الآخرة لمن الصالحين } هذا ترغيبٌ في الصَّلاح؛ ليصير صاحبه من جملة مَنْ منهم إبراهيم عليه السَّلام مع شرفه .\r { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً } أمر باتِّباعه في مناسك الحجِّ ، كما علَّم جبريل عليه السَّلام إبراهيم عليه السَّلام .","part":1,"page":439},{"id":440,"text":"{ إنما جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فيه } وهم اليهود ، أمروا أن يتفرَّغوا للعبادة في يوم الجمعة ، فقالوا لا نريده ، ونريد اليوم الذي فرغ الله سبحانه فيه من الخلق ، واختاروا السَّبْتَ ، ومعنى اختلفوا فيه ، أَيْ : على نبيِّهم حيث لم يطيعوه في أخذ الجمعة ، فجعل السَّبْتَ عليهم ، أَيْ : غَلَّظَ وضيَّق الأمر فيه عليهم .\r { ادع إلى سبيل ربك } دين ربِّك { بالحكمة } بالنُّبوَّة { والموعظة الحسنة } يعني : مواعظ القرآن { وجادلهم } افتلهم عمَّا هم عليه { بالتي هي أحسن } بالكلمة اللَّيِّنة ، وكان هذا قبل الأمر بالقتال ، { إن ربك هو أعلم . . . } الآية . يقول : هو أعلم بالفريقين ، فهو يأمرك فيهما بما هو الصَّلاح .\r { وإن عاقبتم . . . } الآية . نزلت حين نظر النبيُّ A إلى حمزة وقد مُثِّل به ، فقال : واللَّهِ لأُمَثِلنَّ بسبعين منهم مكانك ، فنزل جبريل عليه السَّلام بهذه الآيات ، فصبر النبيُّ A وكفَّر عن يمينه ، وأمسك عمَّا أراد . وقوله سبحانه { ولئن صبرتم } أَيْ : عن المجازاة بالمثلة { لهو } أَيْ : الصَّبر { خير للصابرين } ثمَّ أمره بالصَّبر عزماً ، فقال : \r { واصبر وما صبرك إلاَّ بالله } أَيْ : بتوفيقه ومعونته { ولا تحزن عليهم } على المشركين بإعراضهم عنك { ولاتك في ضيق مما يمكرون } لا يضيق صدرك من مكرهم .\r { إنَّ الله مع الذين اتقوا } الفواحش والكبائر { والذين هم محسنون } في العمل بالنَّصرة والمعونة .","part":1,"page":440},{"id":441,"text":"{ سبحان الذي } براءةٌ له من السُّوء { أسرى بعبده } سيَّر محمَّداً عليه السَّلام { من المسجد الحرام } يعني : مكَّة ، ومكَّةُ كلُّها مسجد { إلى المسجد الأقصى } وهو بيت المقدس ، وقيل له الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام { الذي باركنا حوله } بالثِّمار والأنهار { لنريه من آياتنا } وهو ما أُري في تلك اللَّيلة من الآيات التي تدلُّ على قدرة الله سبحانه . ثمَّ ذكر أنَّه سبحانه أكرم موسى عليه السَّلام أيضاً قبله بالكتاب ، فقال : \r { وآتينا موسى الكتاب } التَّوراة { وجعلناه هدىً لبني إسرائيل } دللناهم به على الهدى { ألا تتخذوا } فقلنا : لا تتخذوا ، و \" أن \" زائدة ، والمعنى : لا تتوكَّلوا على غيري ولا تتَّخذوا من دوني ربَّاً .","part":1,"page":441},{"id":442,"text":"{ ذرية } يا ذريَّةَ { مَنْ حملنا مع نوح } يعني : بني إسرائيل ، وكانوا ذريَّةَ مَنْ كان في سفينة نوح عليه السَّلام ، وفي هذا تذكيرٌ بالنِّعمة إذْ أنجى آباءهم من الغرق ، ثمَّ أثنى على نوحٍ ، فقال : { إنَّه كان عبداً شكوراً } كان إذا أكل حمد الله ، وإذا لبس ثوباً حمد الله .\r { وقضينا إلى بني إسرائيل } أوحينا إليهم وأعلمناهم في كتابهم { لتفسدنَّ في الأرض مرتين } بالمعاصي وخلاف أحكام التَّوراة { ولتعلن علواً كبيراً } لتتعظمنَّ ولتبغُنَّ .\r { فإذا جاء وعد أولاهما } يعني : أوَّل مرَّة في الفساد { بعثنا عليكم } أرسلنا عليكم وسلَّطنا { عباداً لنا } يعني : جالوت وقومه { أولي بأسٍ شديد } ذوي قوَّةٍ شديدةٍ { فجاسوا خلال الديار } تردَّدوا وطافوا وسط منازلهم ليطلبوا مَنْ يقتلونهم { وكان وعداً مفعولاً } قضاءً قضاه الله تعالى عليهم .\r { ثمَّ رددنا لكم الكرَّة عليهم } نصرناكم ، ورددنا الدَّولة لكم عليهم بقتل جالوت { وأمددناكم بأموالٍ وبنين } حتى عاد أمركم كما كان { وجعلناكم أكثر نفيراً } أكثر عدداً من عدوِّكم .\r { إن أحسنتم } أَيْ : وقلنا : إن أحسنتم { أحسنتم لأنفسكم } إن أطعتم الله فيما بقي عفا عنكم المساوىء { وإنْ أسأتم } بالفساد وعصيان الأنبياء وقتلهم { فلها } فعليها يقع الوبال . { فإذا جاء وعد الآخرة } المرَّة الأخيرة من إفسادكم وجواب \" إذا \" محذوف على تقدير : بعثناهم { لِيَسُوْءُوْا وجوهكم } وهو أنَّه بعث عليهم بختنصر ، فسبى وقتل وخرب ، ومعنى لِيَسُوْءُوْا وجوهكم : ليخزوكم خزياً يظهر أثره في وجوهكم ، كسبي ذراريكم وإخراب مساجدكم { وليتبروا ما علوا } وليدمِّروا ويُخرِّبوا ما غلبوا عليه .\r { عسى ربكم } وهذا أيضاً ممَّا أُخبروا به في كتابهم ، والمعنى : لعلَّ ربكم { أن يرحمكم } ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل . { وإن عدتم } بالمعصية { عدنا } بالعقوبة ، هذا في الدُّنيا ، وأمَّا في الآخرة فقد { جعلنا جهنم للكافرين حصيراً } أَيْ : سجناً ومحبساً .\r { إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } يرشد إلى الحالة التي هي أعدل وأصوب ، هي توحيد الله تعالى والإِيمان برسله { ويبشر المؤمنين } بأنَّ { لهم أجراً كبيراً } وأنَّ أعداءهم معذَّبون في الآخرة .","part":1,"page":442},{"id":443,"text":"{ ويدعو الإِنسان . . . } الآية . ربَّما يدعو الإنسان على نفسه عند الغضب والضَّجر ، وعلى ولده وأهله بما لا يحبُّ أن يستجاب له ، كما يدعو لنفسه بالخير { وكان الإِنسان عجولاً } يعجل في الدُّعاء بالشَّرِّ كعجلته في الدُّعاء بالخير .","part":1,"page":443},{"id":444,"text":"{ وجعلنا الليل والنهار آيتين } علامتين تدلاَّن على قدرة خالقهما { فمحونا } طمسنا { آية الليل } نورها بما جعلنا فيها من السَّواد { وجعلنا آية النهار مبصرة } مُضيئةً يُبصر فيها { لتبتغوا فضلاً من ربكم } لتبصروا كيف تتصرَّفون في أعمالكم { ولتعلموا عدد السنين والحساب } بمحو آية اللَّيل ، ولولا ذلك ما كان يُعرف اللَّيل من النَّهار ، وكان لا يتبيَّن العدد . { وكل شيء } ممَّا يُحتاج إليه { فصلناه تفصيلاً } بينَّاه تبييناً لا يلتبس معه بغيره .\r { وكلَّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه } كتبنا عليه ما يعمل من خيرٍ وشرٍّ { ونخرج له } ونُظهر له { يوم القيامة } صحيفة عمله منشورةً .\r { اقرأ كتابك } أَيْ يُقال له : اقرأ كتابك { كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } مُحاسباً يقول : كفيتَ أنت في محاسبة نفسك .\r { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } ثواب اهتدائه لنفسه { ومن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها } على نفسه عقوبة ضلاله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وذلك أنَّ الوليد بن المغيرة ، قال : اتَّبعوني وأنا أحمل أوزاركم ، فقال الله تعالى : { ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى } أَي : لا تحمل نفسٌ ذنب غيرها { وما كنا معذبين } أحداً { حتى نبعث رسولاً } يُبيِّن له ما يجب عليه إقامةً للحجَّة .\r { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها } أمرناهم على لسان رسولٍ بالطَّاعة ، وعنى بالمترفين : الجبَّارين والمُسلَّطين والملوك ، وخصَّهم بالأمر لأنَّ غيرهم تبعٌ لهم . { ففسقوا فيها } أَيْ : تمرَّدوا في كفرهم ، والفسق في الكفر : الخروج إلى أفحشه { فحقَّ عليها القول } وجب عليها العذاب { فدمرناها تدميراً } أهلكناها إهلاك استئصال .","part":1,"page":444},{"id":445,"text":"{ من كان يريد العاجلة } بعمله وطاعته وإسلامه الدُّنيا { عجلنا له فيها ما نشاء } القدر الذي نشاء { لمن نريد } أن نعجِّل له شيئاً ، ثمَّ يدخل النَّار في الآخرة { مذموماً } ملوماً { مدحوراً } مطروداً لأنَّه لم يرد الله سبحانه بعمله .\r { ومن أراد الآخرة } الجنَّة { وسعى لها سعيها } عمل بفرائض الله { وهو مؤمن } لأنَّ الله سبحانه لا يقبل حسنةً إلاَّ من مؤمنٍِ { فأولئك كان سعيهم مشكوراً } تُضاعف لهم الحسنات .\r { كلاً } من الفريقين { نمدُّ } نزيد ، ثمَّ ذكرهما فقال : { هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك } يعني : الدُّنيا ، وهي مقسومةٌ بين البرِّ والفاجر { وما كان عطاء ربك محظوراً } ممنوعاً في الدُّنيا من المؤمنين والكافرين ، ثمَّ يختصُّ المؤمنين في الآخرة .\r { وانظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الرِّزق ، فمن مُقلٍّ ومُكثرٍ { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً } من الدُّنيا؛ لأنَّ درجات الجنَّة يقتسمونها على قدر أعمالهم .\r { لا تجعل } أَيُّها الإِنسان المخاطب { مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً } ملوماً { مخذولاً } لا ناصر لك .","part":1,"page":445},{"id":446,"text":"{ وقضى } وأمر { ربك أن لا تعبدوا إلاَّ إيَّاه وبالوالدين إحساناً } وأمرَ إحساناً بالوالدين { إمَّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } يقول : إن عاش أحد والديك حتى يشيب ويكبر ، أو هما جميعاً { فلا تقل لهما أف } [ لا تقل لهما ] رديئاً من الكلام ، ولا تستثقلنَّ شيئاً من أمرهما { ولا تنهرهما } لا تُوجِهْهُما بكلامٍ تزجرهما به { وقل لهما قولاً كريماً } ليِّناً لطيفاً .\r { واخفض لهما جناح الذل } ألن لهما جانبك واخضع لهما { من الرحمة } أَيْ : من رقَّتك عليهما وشفقتك { وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني } مثل رحمتهما إيَّاي في صغري حتى ربَّياني { صغيراً } .\r { ربكم أعلم بما في نفوسكم } بما تُضمرون من البِرِّ والعقوق { إن تكونوا صالحين } طائعين لله { فإنَّه كان للأوابين } الرَّاجعين عن معاصي الله تعالى { غفوراً } يغفر لهم ما بدر منهم ، وهذا فيمن بدرت منه بادرةٌ وهو لا يُضمر عقوقاً ، فإذا رجع عن ذلك غفر الله له ، ثمَّ أنزل في برِّ الأقارب وصلة ارحامهم بالإِحسان إليهم قوله : \r { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } ممَّا جعل الله لهما من الحقِّ في المال { ولا تبذر تبذيراً } يقول : لا تنفق في غير الحقِّ .\r { إنَّ المبذرين } المنفقين في غير طاعة الله { كانوا إخوان الشياطين } لأنَّهم يُوافقونهم فيما يأمرونهم به ، ثمَّ ذمَّ الشَّيطان بقوله : { وكان الشيطان لربه كفوراً } جاحداً لنعم الله ، وهذا يتضمنَّ أنَّ المُنفق في السَّرف كفور .","part":1,"page":446},{"id":447,"text":"{ وإمَّا تعرضنَّ عنهم . . . } الآية . كان النبيُّ A إذا سأله فقراء الصَّحابة ولم يكن عنده ما يعطيهم أعرض عنهم حياءً منهم ، وسكت ، وهو قوله : { وإمَّا تعرضنَّ عنهم ابتغاء رحمة من ربك } انتظار الرِّزق من الله تعالى يأتيك { فقل لهم قولاَ ميسوراً } ليِّناً سهلاً ، وكان إذا سُئل ولم يكن عنده ما يُعطي قال : يرزقنا الله وإيَّاكم من فضله .\r { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } لا تُمسكها عن البذل كلَّ الإِمساك حتى كأنَّها مقبوضة إلى عنقك لا تنبسط بخيرٍ { ولا تبسطها كلَّ البسط } في النَّققة والعطيَّة { فتقعد ملوماً } تلوم نفسك وتُلام { محسوراً } ليس عندك شيء ، من قولهم : حسرتُ الرَّجل بالمسألة : إذا أفنيتَ جميع ما عنده . نزلت هذه الآية حين وهب رسول الله A قميصه ، ولم يجد ما يلبسه للخروج ، فبقي في البيت .\r { إنَّ ربك يبسط الرزق لمَنْ يشاء ويقدر } يُوسِّع على مَنْ يشاء ، ويُضيِّق على مَنْ يشاء { إنَّه كان بعباده خبيراً بصيراً } حيث أجرى رزقهم على ما علم فيه صلاحهم .\r { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم } سبق تفسيره في سورة الأنعام وقوله : { خِطْئاً } أَيْ : إثماً .","part":1,"page":447},{"id":448,"text":"{ ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحق } بكفرٍ بعد إسلام ، أو زنا بعد إحصانٍ ، أو قتل نفسٍ بتعمُّدٍ { ومَنْ قتل مظلوماً } أَيْ : بغير إحدى هذه الخصال { فقد جعلنا لوليه } وارثه { سلطاناً } حجَّةً في قتل القاتل إن شاء ، أو أخذ الدِّية ، أو العفو { فلا يسرف في القتل } فلا يتجاوز ما حدَّ له ، وهو أن يقتل بالواحد اثنين ، أو غير القاتل ممَّنْ هو من قبيلة القاتل ، كفعل العرب في الجاهليَّة . { إنَّه } إنَّ الوليَّ { كان منصوراً } بقتل قاتل وليِّه والاقتصاص منه . وقيل : { إنَّه } إنَّ المقتول ظلماً { كان منصوراً } في الدُّنيا بقتل قاتله ، وفي الآخرة بالثَّواب .\r { ولا تقربوا مال اليتيم إلاَّ بالتي هي أحسن } يعني : الأكل بالمعروف ، وذكرنا هذا في سورة الأنعام . { وأوفوا بالعهد } وهو كلُّ ما أمر به ونهى عنه { إنَّ العهد كان مسؤولاً } عنه .\r { وأوفوا الكيل } أتمُّوه { إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المسقيم } بأقوم الموازين { ذلك خيرٌ } أقرب إلى الله تعالى { وأحسن تأويلاً } عاقبةً .\r { ولا تقف ما ليس لك به علم } لا تقولنَّ في شيءٍ بما لا تعلم { إنَّ السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً } أَيْ : يسأل الله العباد فيم استعملوا هذه الحواس .","part":1,"page":448},{"id":449,"text":"{ ولا تمش في الأرض مرحاً } أَيْ : بالكبر والفخر { إنَّك لن تخرق الأرض } لن تثقبها حتى تبلغ آخرها ، ولا تطاول الجبال ، والمعنى : إنَّ قدرتك لا تبلغ هذا المبلغ ، فيكون ذلك وصلةً إلى الاختيال ، يريد : إنَّه ليس ينبغي للعاجز أن يبذخ ويستكبر .\r { كلُّ ذلك } إشارةٌ إلى جميع ما تقدَّم ذكره ممَّا أمر به ونهى عنه { كان سَيِّئُهُ } وهو ما حرَّم الله سبحانه ونهى عنه .\r { ذلك } يعني : ما تقدَّم ذكره { ممَّا أوحى إليك ربك من الحكمة } من القرآن ومواعظه وباقي الآية مفسَّر في هذه السُّورة . ثمَّ نزل فيمن قال من المشركين : الملائكة بنات الله : \r { أفأصفاكم ربكم بالبنين } أَيْ : آثركم وأخلص لكم البنين دونه ، وجعل لنفسه البنات { إنكم لتقولون قولاً عظيماً } .\r { ولقد صرَّفنا } بيَّنَّا { في هذا القرآن من كلِّ مثل } يوجب الاعتبار به ، والتَّفكُّر فيه { ليذكروا } ليتَّعظوا ويتدبَّروا { وما يزيدهم } ذلك البيان والتَّصريف { إلاَّ نفوراً } من الحقِّ ، وذلك أنَّهم اعتقدوا أنَّها شُبَهٌ وحيلٌ ، فنفروا منها أشدَّ النُّفور .\r { قل } للمشركين : { لو كان معه } مع الله { آلهة كما يقولون إذاً لابْتَغَوْا إلى ذي العرش سبيلاً } إذاً لابتغت الآلهة أن تزيل ملك صاحب العرش .","part":1,"page":449},{"id":450,"text":"{ تسبح له السموات . . } الآية . المراد بالتَّسبيح في هذه الآية الدَّلالة على أنَّ الله سبحانه خالقٌ حكيمٌ مبرَّأٌ من الأسواء ، والمخلوقون والمخلوقاتُ كلُّها تدلُّ على هذا وقوله : { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } مخاطبة للكفَّار؛ لأنَّهم لا يستدلُّون ولا يعتبرون .\r { وإذا قرأت القرآن . . . } الاية . نزلت في قومٍ كانوا يُؤذون النَّبيَّ A إذا قرأ القرآن ، فحجبه الله تعالى عن أعينهم عند قراءة القرآن ، حتى كانوا يمرُّون به ولا يرونه . وقوله : { مستوراً } معناه : ساتراً .\r { وجعلنا على قلوبهم أكنة } سبق تفسيره في سورة الأنعام . { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } قلت : لا إله إلاَّ الله وأنت تتلو القرآن { ولوا على أدبارهم نفوراً } أعرضوا عنك نافرين .\r { نحن أعلم بما يستمعون به } نزلت حين دعا عليٌّ Bه أشراف قريش إلى طعام اتَّخذه لهم ، ودخل عليهم النَّبيُّ A ، وقرأ عليهم القرآن ، ودعاهم إلى الله سبحانه ، وهم يقولون فيما بينهم متناجين : هو ساحرٌ ، وهو مسحورٌ ، فأنزل الله تعالى : { نحن أعلم بما يستمعون به } أَيْ : يستمعونه . أخبر الله سبحانه أنَّه عالمٌ بتلك الحال ، وبذلك الذي كان يستمعونه { إذ يستمعون } إلى الرَّسول { وإذ هم نجوى } يتناجون بينهم بالتَّكذيب والاستهزاء { إذ يقول الظالمون } المشركون : { إن تتبعون } ما تتبعون { إلاَّ رجلاً مسحوراً } مخدوعاً أن اتَّبعتموه .","part":1,"page":450},{"id":451,"text":"{ انظر كيف ضربوا لك الأمثال } بَيَّنوا لك الأشباه حين شبَّهوك بالسَّاحر والكاهن والشَّاعر { فضلوا } بذلك عن طريق الحقِّ { فلا يستطعيون سبيلاً } مخرجاً .\r { وقالوا أإذا كنا عظاماً } بعد الموت { ورفاتاً } وتراباً ، أَنُبعث ونخلق خلقاً جديداً؟\r { قل كونوا حجارة أو حديداً . . . } الآية . معناها يقول : قدِّروا أنَّكم لو خُلقتم من حجارةٍ أو حديدٍ ، أو كنتم الموت الذي هو أكبر الأشياء في صدوركم لأماتكم الله ، ثمَّ أحياكم؛ لأنَّ القدرة التي بها أنشأكم بها يُعيدكم ، وهذا معنى قوله : { فسيقولون من يُعيدنا قل الذي فطركم } خلقكم { أول مرَّة فسينغضون إليك رؤوسهم } يُحرِّكونها تكذيباً لهذا القول { ويقولون متى هو } ؟ أَي : الإِعادة والبعث { قل عسى أن يكون قريباً } يعني : هو قريب .\r { يوم يدعوكم } بالنداء الذي يُسمعكم ، وهو النَّفخة الأخيرة { فتستجيبون } تجيبون { بحمده } وهو أنَّهم يخرجون من القبور يقولون : سبحانك وبحمدك ، حمدوا حين لا ينفعهم الحمد { وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً } استقصروا مدَّة لبثهم في الدُّنيا ، أو في البرزخ مع ما يعلمون من طول لبثهم في الآخرة .","part":1,"page":451},{"id":452,"text":"{ وقل لعبادي } المؤمنين : { يقولوا التي هي أحسن } نزلت حين شكا أصحاب النَّبيِّ A إليه أذى المشركين ، واستأذنوه في قتالهم ، فقيل له : قل لهم : يقولوا للكفَّار الكلمة التي هي أحسن ، وهو أن يقولوا : يهديكم الله . { إن الشيطان } هو الذي يفسد بينهم .\r { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم } يُوفِّقكم فتؤمنوا { أو إن يشأ يعذبكم } بأن يميتكم على الكفر { وما أرسلناك عليهم وكيلاً } ما وكل إليك إيمانهم ، فليس عليك إلاَّ التَّبليغ .\r { وربك أعلم بمَنْ في السموات والأرض } لأنَّه هو خالقهم { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } عن علمٍ بشأنهم ، ومعنى تفضيل بعضهم على بعض : تخصصٌ كلِّ واحد منهم بفضيلة دون الآخر { وآتينا داود زبوراً } أَيْ : فلا تنكروا تفضيل محمد عليه السَّلام ، وإعطاءه القرآن ، فقد جرت سنَّتنا بهذا في النَّبيين .\r { قل ادعوا الذين زعمتم . . . } الآية . ابتلى الله سبحانه قريشاً بالقحط سنين ، فشكوا ذلك إلى النبيِّ A ، فأنزل الله تعالى : { قل ادعو الذين زعمتم } ادَّعيتم أنَّهم آلهةٌ { من دونه } ثمَّ أخبر عن الآلهة فقال : { فلا يملكون كشف الضر } يعني : البؤس والشِّدة { عنكم ولا تحويلاً } من السَّقم والفقر إلى الصَّحة والغنى .","part":1,"page":452},{"id":453,"text":"ثمَّ ذكر أولياءَه فقال : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } يتضرَّعون إلى الله تعالى في طلب الجنَّة { أيُّهم } هو { أقرب } إلى رحمة الله سبحانه يبتغي الوسيلة إليه بصالح الأعمال .\r { وإن من قرية . . . } الآية . أَيْ : وما من أهل قريةٍ إلاَّ ستهلك؛ إمَّا بموت؛ وإمَّا بعذاب يستأصلهم ، أمَّا الصَّالحة فبالموت ، وأمَّا الطَّالحة فبالعذاب . { كان ذلك في الكتاب مسطوراً } مكتوباً في اللَّوح المحفوظ .\r { وما منعنا أن نرسل بالآيات } لمَّا سأل المشركون النبيَّ A أن يُوسِّع لهم مكَّة ، ويجعل الصَّفا ذهباً أتاه جبريل عليه السَّلام فقال : إن شئت كان ما سألوا ، ولكنَّهم إن لم يؤمنوا لم يُنظروا ، وإن شئت اتسأنيت بهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ومعناها : أنَّا لم نرسل بالآيات لئلا يُكذِّب بها هؤلاء ، كما كذَّب الذين من قبلهم فيستحقُّوا المعاجلة بالعقوبة { وآتينا ثمود الناقة مبصرة } آيةً مُضيئةً بيِّنةً { فظلموا بها } جحدوا أنَّها من الله سبحانه { وما نرسل بالآيات } أَي : العبر والدِّلالات { إلاَّ تخويفاً } للعباد لعلَّهم يخافون القادرعلى ما يشاء .","part":1,"page":453},{"id":454,"text":"{ وإذْ قلنا لك إنَّ ربك أحاط بالناس } أَيْ : فهم في قبضته وقدرته ، يمنعك منهم حتى تبلِّغ الرِّسالة ، ويحول بينك وبينهم أن يقتلوك . { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك } يعني : ما أُري ليلة أُسري به ، وكانت رؤيا يقظة { والشجرة الملعونة في القرآن } وهي شجرة الزَّقوم { إلاَّ فتنةً للناس } فكانت الفتنة في الرُّؤيا أنَّ بعضهم ارتدَّ حين أعلمهم بقصَّة الإسراء ، وازداد الكفَّار تكذيباً ، وكانت الفتنة في الزَّقوم أنَّهم قالوا : إنَّ محمداً يزعم أنَّ في النار شجراً ، والنَّار تأكل الشَّجر ، وقالوا : لا نعلم الزَّقوم إلاَّ التَّمر والزُّبد ، فأنزل الله تعالى في ذلك : { إنَّا جعلناها فتنةً للظالمين } الآيات { ونخوفهم } بالزَّقوم فما يزدادون إلاَّ كبراً وعتوَّاً .","part":1,"page":454},{"id":455,"text":"{ قال } يعني : إبليس { أرأيتك } أَيْ : أرأيت ، والكاف توكيدٌ للمخاطبة { هذا الذي كرَّمت عليّ } فضَّلته . يعني : آدم عليه السَّلام { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأَحتنكنَّ ذريته } لأستأصلنَّهم بالإغواء ولأستولينَّ عليهم { إلاًّ قليلاً } يعني : ممَّن عصمه الله تعالى .\r { قال } الله : { اذهب } إنِّي أنظرتك إلى يوم القيامة { فمن تبعك } أطاعك { منهم } من ذُرِّيَّتِهِ { فإنَّ جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً } وافراً .","part":1,"page":455},{"id":456,"text":"{ واستفزز من استطعت منهم } أَيْ : أزعجه واستخفَّه إلى إجابتك { بصوتك } وهو الغناء والمزامير { وأجلب عليهم } وصحْ { بخيلك ورجلك } واحثثهم عليهم بالإِغواء ، وخيلُه : كلُّ راكبٍ في معصية الله سبحانه وتعالى ، وَرَجِلُه : كلُّ ماشٍ على رجليه في معصية الله تعالى { وشاركهم في الأموال } وهو كلُّ ما أُخذ بغير حقٍّ { والأولاد } وهو كلُّ ولد زنا { وعدهم } أن لا جنَّة ولا نار ، ولا بعث ولا حساب ، وهذه الأنواع من الأمر كلُّها أمر تهديد ، قال الله تعالى : { وما يعدهم الشيطان إلاَّ غروراً } .\r { إنَّ عبادي } يعني : المؤمنين { ليس لك عليهم سلطانٌ } حجَّةٌ في الشِّرك { وكفى بربك وكيلاً } لأوليائه يعصمهم من القبول مِن إبليس .\r { ربكم الذي يزجي } يسيِّر { لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله } في طلب التِّجَارة { إنه كان بكم } بالمؤمنين { رحيماً } .\r { وإذا مسَّكم الضرُّ } خوف الغرق { في البحر ضلَّ } زال وبطل { من تدعون } من الآلهة { إلاَّ إياه } إلاَّ الله { فلما نجاكم } من الغرق وأخرجكم { إلى البر أعرضتم } عن الإيمان والتَّوحيد { وكان الإِنسان } الكافر لربِّه { كفوراً } لنعمة ربِّه جاحداً ، ثمًّ بيَّن أنَّه قادر أن يهلكهم في البرِّ ، فقال : \r { أفأمنتم } يريد : حيث أعرضتم حين سلمتم من هول البحر { أن يخسف بكم } يُغيِّبكم ويذهبكم في { جانب البَرِّ } وهو الأرض { أو يرسل عليكم حاصباً } عذاباً يحصبهم ، أَيْ : يرميهم بحجارةٍ { ثمَّ لا تجدوا لكم وكيلاً } مانعاً ولا ناصراً .\r { أم أمنتم أن يعيدكم } في البحر { تارةً } مرةً { أخرى فيرسل عليكم قاصفاً } ريحاً شديدةً تقصف الفلك وتكسيره { فيغرقكم بما كفرتم } بكفركم حيث سلمتم المرة الأولى { ثمَّ لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً } ثائراً ولا ناصراً ، ولامعنى : لا تجدوا مَنْ يتًّبعنا بإنكار ما نزل بكم .","part":1,"page":456},{"id":457,"text":"{ ولقد كرَّمنا } فضَّلنا { بني آدم } بالعقل والنُّطق والتَّمييز { وحملناهم في البر } على الإِبل والخيل والبغال والحمير { و } في { البحر } على السُّفن { ورزقناهم من الطيبات } الثِّمار والحبوب والمواشي والسَّمن والزُّبد والحلاوى { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا } يعني : البهائم والدَّوابَّ والوحوش .\r { يوم ندعو } يعني : يوم القيامة { كلَّ أناسٍ بأمامهم } بنبيِّهم ، وهو أن يقال : هاتوا مُتَّبعي إبراهيم عليه السَّلام ، هاتوا مُتبَّعي موسى عليه السَّلام ، هاتوا مُتَّبعي محمد عليه السَّلام ، فيقوم أهل الحقِّ فيأخذون كتبهم بأيمانهم ، ثمَّ يقال : هاتوا مُتَّبِعي الشَّيطان ، هاتوا مُتَّبعي رؤساء الضَّلالة ، وهذا معنى قول ابن عباس : إمام هدى وإمام ضلالة { ولا يظلمون } ولا ينقصون { فتيلاً } من الثَّواب ، وهي القشرة التي في شقِّ النَّواة .\r { ومَنْ كان في هذه أعمى } في الدُّنيا أعمى القلب عمَّا يرى من قدرتي في خلق السَّماء والأرض والشَّمس والقمر وغيرهما { فهو في الآخرة } في أمر الآخرة ممَّا يغيب عنه { أعمى } أشدُّ عمىً { وأضلُّ سبيلاً } وأبعد حجَّةً .\r { وإن كادوا . . . } الآية . نزلت في وفد ثقيف أتوا رسول الله A وقالوا : متِّعنا باللاَّت سنةً ، وحرِّمْ وادينا كما حرَّمت مكَّة؛ فإنَّا نحبُّ أن تعرف العربُ فضلنا عليهم ، فإنْ خشيت أن تقول العرب : أعطيتهم ما لم تعطنا فقل : الله أمرني بذلك ، وأقبلوا يلحُّون على النَّبيِّ A ، فأمسك رسول الله A عنهم وقد همَّ أنْ يعطيهم ذلك ، فأنزل الله : { وإن كادوا } همُّوا وقاربوا { ليفتنونك } ليستزلُّونك { عن الذي أوحينا إليك } يعني : القرآن ، والمعنى : عن حكمه ، وذلك أنَّ في إعطائهم ما سألوا مخالفةً لحكم القرآن { لتفتري علينا غيره } أَيْ : لتختلق علينا أشياء غير ما أوحينا إليك ، وهو قولهم : قل الله أمرني بذلك . { وإذاً } لو فعلت ما أرادوا { لاتخذوك خليلاً } .\r { ولولا أن ثبتناك } على الحقِّ بعصمتنا إيَّاك { لقد كدت تركن } تميل { إليهم شيئاً } ركوناً { قليلاً } ، ثمَّ توعَّد على ذلك لو فعله فقال : \r { إذاً لأذقناك ضعف الحياة } ضِعْفَ عذاب الدُّنيا { وضعف الممات } وضعف عذاب الآخرة . يعني : ضعف ما يعذِّب به غيره .\r { وإن كادوا لَيَسْتَفزٌّونَكَ } يعني : اليهود . قالوا للنبيِّ A : إنَّ الأنبياء بُعثوا بالشَّام ، فإنْ كنت نبيَّاً فالحق بها ، فإنَّك إنْ خرجتَ إليها آمنَّا بك ، فوقع ذلك في قلبه لحبِّ إيمانهم ، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية ، ومعنى ليستفزونك : ليزعجونك { من الأرض } يعني : المدينة { وإذا لا يلبثون خلافك إلاَّ قليلاً } أعلم الله سبحانه أنَّهم لو فعلوا ذلك لم يلبثوا حتى يستأصلوا ، كسنَّتنا فيمن قبلهم .","part":1,"page":457},{"id":458,"text":"{ سنة من قد أرسلنا قبلك . . . } الآية . يقول : لم نرسل قبلك رسولاً فأخرجه قومه إلاَّ أهلكوا . { ولا تجد لسنتنا تحويلاً } لا خُلف لسنَّتي ، ولا يقدر أحدٌ أن يقلبها .\r { أقم الصلاة } أَيْ : أدمها { لدلوك الشمس } من وقت زوالها { إلى غسق الليل } إقباله بظلامه ، فيدخل في هذا صلاة الظُّهر والعصر والعشاءين { وقرآن الفجر } يعني : صلاة الفجر ، سمَّاها قرآناً لأنَّ الصَّلاة لا تصحُّ إلاَّ بقراءة القرآن . { إنَّ قرآن الفجر كان مشهوداً } تشهده ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار .\r { ومن الليل فتهجد } فصلِّ { به } بالقرآن { نافلة لك } زيادةً لك في الدَّرجات؛ لأنه غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر ، فما عمل من عملٍ سوى المكتوبة فهو نافلةٌ لك ، من أجل أنَّه لا يعمل ذلك في كفَّارة الذُّنوب { عسى أن يبعثك ربك } \" عسى \" من الله واجبٌ ، ومعنى يبعثك ربُّك : يقيمك ربُّك في مقامٍ محمودٍ ، وهو مقام الشَّفاعة يحمده فيه الخلق .\r { وقل ربِّ أدخلني } لمَّا أُمر النَّبيُّ A بالهجرة أُنزلت عليه هذه الآية ، ومعناها : أدخلني المدينة إدخال صدق ، أَيْ : إدخالاً حسناً لا أرى فيه ما أكره { وأخرجني } من مكة إخراج صدق لا ألتفت إليها بقلبي { واجعل لي من لَدُنْكَ سلطاناً نصيراً } قوَّة القدرة والحجَّة حتى أُقيم بهما دينك .\r { وقل جاء الحق } الإِسلام { وزهق الباطل } واضمحلَّ الشِّرك { إن الباطل } الشِّرك { كان زهوقاً } مضمحلاً زائلاً . أُمر النبيُّ A أن يقول هذا عند دخول مكَّة يوم الفتح .\r { وننزل من القرآن } أَيْ : من الجنس الذي هو القرآن { ما هو شفاء } من كلِّ داءٍ؛ لأنَّ الله تعالى يدفع به كثيراً من المكاره { ورحمةٌ للمؤمنين } ثوابٌ لا انقطاع له في تلاوته { ولا يزيد } القرآن { الظالمين } المشركين { إلاَّ خساراً } لأنَّهم يكفرون به ولا ينتفعون بمواعظه .\r { وإذا أنعمنا على الإِنسان } يريد : الوليد بن المغيرة { أعرض } عن الدُّعاء والابتهال ، فلا يبتهل كابتهاله في البلاء والمحنة { ونأى بجانبه } بَعُد بنفسه عن القيام بحقوق نعم الله تعالى { وإذا مسه الشر } أصابه المرض والفقر { كان يؤساً } يائساً عن الخير ومن رحمة الله سبحانه؛ لأنَّه لا يثق بفضل الله تعالى على عباده .","part":1,"page":458},{"id":459,"text":"{ قل كلٌّ يعمل على شاكلته } على مذهبه وطريقته ، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإِعراض عند الإِنعام ، واليأس عند الشدَّة ، والمؤمن يفعل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرَّخاء ، والصَّبر والاحتساب عند البلاء ، ألا ترى أنَّه قال : { فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً } أَيْ : بالمؤمن الذي لا يُعرض عند النِّعمة ولا ييئس عند المحنة .\r { ويسألونك } يعني : اليهود { عن الروح } والرُّوح : ما يحيا به البدن ، سألوه عن ذلك وحقيقته وكيفيَّته ، وموضعه من البدن ، وذلك ما لم يُخبر الله سبحانه به أحداً ، ولم يُعط علمه أحداً من عبادِه ، فقال : { قل الروح من أمر ربي } أَيْ : من علم ربِّي ، أَيْ : إنَّكم لا تعلمونه ، وقيل : من خلق ربِّي ، أيْ : إنَّه مخلوقٌ له . { وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً } وكانت اليهود تدَّعي علم كلِّ شي بما في كتابهم ، فقيل لهم : وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً بالإِضافة إلى علم الله تعالى .\r { ولئن شئنا لنذهبنَّ بالذي أوحينا إليك } لنمحونَّه من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر { ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً } لا تجد مَنْ تتوكَّلُ عليه في ردِّ شيءٍ منه .","part":1,"page":459},{"id":460,"text":"{ إلاَّ رحمة من ربك } لكنَّ الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين { إن فضله كان عليك كبيراً } حيث جعلك سيِّد وَلدِ آدم ، وأعطاك المقام المحمود .\r { قل لئن اجتمعت الإِنس والجن . . . } الآية . لمَّا تحدَّاهم رسول الله A بالقرآن وعجزوا عن معارضته أنزل الله : { قل لِئن اجتمعت الإِنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن } في نظمه وبلاغته { لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } مُعيناً مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعرٍ فيقيمونه .\r { ولقد صرَّفنا } بَيَّنّا { للناس في هذا القرآن } لأهل مكَّة { من كلِّ مثل } من الأمثال التي يجب بها الاعتبار { فأبى أكثر الناس } أكثر أهل مكَّة { إلاَّ كفوراً } جحوداً للحقِّ ، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم ، وهو قوله تعالى : \r { وقالوا لن نؤمن لك } لن نصدِّقك { حتى تفجر } تشقق { لنا من الأرض ينبوعاً } عيناً من الماء ، وذلك أنَّهم سألوه أَن يجريَ لهم نهراً كأنهار الشَّام والعراق .\r { أو تكون لك جنَّة . . . } الآية . هذا أيضاً كان فيما اقترحوه عليه .\r { أو تسقط السماء كما زعمت } أنَّ ربَّك إن شاء فعل ذلك { كسفاً } أَيْ : قطعاً { أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً } تأتي بهم حتى نراهم مقابلةً وعياناً .\r { أو يكون لك بيتٌ من زخرف } من ذهبٍ ، فكان فيما اقترحوا عليه أن يكون له جنَّاتٌ وكنوزٌ وقصورٌ من ذهبٍ { أو ترقى في السماء } وذلك أنَّ عبد الله بن أبي أُميَّة قال : لا أؤمن بك يا محمَّد أبداً حتى تتَّخذ سلماً إلى السماء ، ثمَّ ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ، وتأتي بنسخةٍ منشورةٍ معك ، ونفر من الملائكة يشهدون لك أنَّك كما تقول ، فقال الله سبحانه : { قل سبحان ربي هل كنت إلاَّ بشراً رسولاً } أَيْ : إنَّ هذه الأشياء ليس في قوى البشر .\r { وما منع الناس } يعني : أهل مكَّة { أن يؤمنوا } أَيْ : الإِيمان { إذ جاءهم الهدى } البيان ، وهو القرآن { إلاَّ أن قالوا } إلاَّ قولهم في التَّعجب والإِنكار : { أبعث الله بشراً رسولاً } أَيْ : هلاَّ بعث مَلَكاً ، فقال الله تعالى : \r { قل لو كان في الأرض } بدل الآدميين { ملائكة يمشون مطمئنين } مستوطنين الأرض { لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً } يريد : إنَّ الأبلغ في الأداء إليهم بشرٌ مثلهم .","part":1,"page":460},{"id":461,"text":"{ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً } يمشيهم الله سبحانه على وجوههم عُمياً لا يرون شيئاً يسرُّهم { وبكماً } لا ينطقون بحجَّةٍ { وصماً } لا يسمعون شيئاً يسرُّهم { كلما خبت } أَيْ : سكن لهبها { زدناهم سعيراً } ناراً تتسعر .","part":1,"page":461},{"id":462,"text":"{ ذلك جزاؤهم } هذه الآية مفسَّرة في هذه السُّورة .\r { أَوَلَمْ يروا } أَوَلَمْ يعلموا { أنَّ الله الذي خلق السموات والأرض قادرٌ على أن يخلق مثلهم } أَيْ : يخلقهم ثانياً ، وأراد ب { مثلهم } إيَّاهم ، وتمَّ الكلام ، ثمَّ قال : { وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه } يعني : أجل الموت وأجل القيامة { فأبى الظالمون } المشركون { إلاَّ كفوراً } جحوداً بذلك الأجل ، وهو البعث والقيامة .\r { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي } خزائن الرِّزق { إذاً لأمسكتم } لبخلتم { خشية الإِنفاق } أن تنفقوا فتفتقروا { وكان الإِنسان قتوراً } بخيلاً ، ثمَّ ذكر قصَّة موسى عليه السَّلام وما آتاه من الآيات وإنكار فرعون ذلك ، فقال : \r { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } وهي العصا واليد ، وفلق البحر ، والطمسة ، وهي قوله : { ربَّنا اطمسْ على أموالِهم } والطُّوفان ، والجراد ، والقُمَّل ، والضفادع ، والدَّم { فاسأل } يا محمد { بني إسرائيل } المؤمنين من قريظة والنَّضير { إذ جاءهم } يعني : جاء آباءَهم ، وهذا سؤال استشهاد ليعرف اليهود صحَّة ما يقول محمَّد عليه السَّلام بقول علمائهم { فقال له فرعون : إني لأظنُّك يا موسى مسحوراً } ساحراً فقال موسى عليه السَّلام : \r { لقد علمت ما أنزل هؤلاء } الآيات { إلاَّ رب السموات والأرض بصائر } عبراً ودلائل { وإني لأظنك } لأعلمك { يا فرعون مثبوراً } ملعوناً مطروداً .\r { فأراد } فرعون { أن يستفزهم } يخرجهم ، يعني : موسى وقومه { من الأرض } أرض مصر . وقوله : \r { فإذا جاء وعد الآخرة } يريد : يوم القيامة . { جئنا بكم لفيفاً } مُجتمعين مُختلطين .\r { وبالحق أنزلناه } أَيْ : أنزلنا القرآن بالدِّين القائم ، والأمر الثَّابت { وبالحق نزل } وبمحمَّد نزل القرآن ، أَيْ : عليه نزل ، كما تقول : نزلتُ بزيدٍ .\r { وقرآناً فرقناه } قطعناه آيةً آيةً ، وسورةً سورةً في عشرين سنة { لتقرأه على الناس على مكث } تُؤَدةٍ وَتَرسُّلٍ ليفهموه { ونَزَّلْناهُ تنزيلاً } نجوماً بعد نجومٍ وشيئاً بعد شيءٍ .\r { قل } لأهل مكَّة : { آمنوا } بالقرآن { أو لا تؤمنوا } به ، وهذا تهديد ، أَيْ : فقد أنذر الله ، وبلَّغ رسوله { إنَّ الذين أوتوا العلم من قبله } من قبل القرآن . يعني : ناساً من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على النبيِّ A خرُّوا سُجَّداً . وقوله : \r { إن كان وعد ربنا لمفعولاً } أَيْ : وعده بإنزال القرآن وبعث محمِّد عليه السَّلام لمفعولاً .","part":1,"page":462},{"id":463,"text":"{ ويخرون للأذقان يبكون } كرَّر القول لتكرُّر الفعل منهم { ويزيدهم } القرآن { خشوعاً } .\r { قل ادعوا الله . . . } الآية . كان رسول الله A يقول : يا الله ، يا رحمان ، فسمع ذلك أبو جهل فقال : إنَّ محمداً ينهاناً أن نعبد إلهين ، وهو يدعو إلهاً آخر مع الله يقال له : الرَّحمن ، فأنزل الله سبحانه : { قل } يا محمد { ادعوا الله } يا معشر المؤمنين { أو ادعوا الرحمن } إن شئتم قولوا : يا الله وإن شئتم قولوا : يا رحمان { أياً ما تدعوا } أَيَّ أسماءِ اللَّهِ تدعوا { فله الأسماء الحسنى } . { ولا تجهر بصلاتك } بقراءتك فيسمعها المشركون فيسبُّوا القرآن { ولا تخافت بها } ولا تُخفها عن أصحابك فلا تسمعهم { وابتغِ بين ذلك سبيلاً } اسلك طريقاً بين الجهر والمخافتة ، وقوله : \r { ولم يكن له وليٌّ من الذل } لم يكن له وليٌّ ينصره ممَّن استّذلَّه من البشر { وكبره تكبيراً } عظمه عظمةً تامَّةً .","part":1,"page":463},{"id":464,"text":"{ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً } اختلافاً والتباساً .\r { قيماً } مستقيماً . يريد : أنزل على عبده الكتاب قيِّماً ، ولم يجعل له عوجاً { لينذر } الكافرين { بأساً } عذاباً { شديداً من لدنه } من قِبَلِه ، وقوله : { أجراً حسناً } يعني : الجنَّة .","part":1,"page":464},{"id":465,"text":"{ وينذر } بعذابِ الله { الذين قالوا اتخذ الله ولداً } وهم اليهود والنَّصارى .\r { ما لهم به } بذلك القول { من علمٍ } لأنَّهم قالوه جهلاً وافتراءً على الله { ولا لآبائهم } الذين قالوا ذلك . { كبرت كلمة } مقالتهم تلك كلمةً .","part":1,"page":465},{"id":466,"text":"{ فلعلك باخع نفسك } قاتلها { على آثارهم } على أثر تولِّيهم وإعراضهم عنك لشدَّة حرصك على إيمانهم { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } يعني : القرآن { أسفاً } غيظاً وحزناً .\r { إنا جعلنا ما على الأرض } يعني : ما خلق في الدُّنيا من الأشجار والنَّبات ولاماء وكلِّ ذي روح على الأرض { زينة لها } زيَّناها بما خلقنا فيها { لنبلوهم أيهم أحسن عملاَ } أزهد فيها ، وأترك لها ، ثمَّ أعلم أنَّه يُفني ذلك كلَّه ، فقال : \r { وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً } بلاقع ليس فيها نبات .\r { أم حسبت } بل أحسبت { أنَّ أصحاب الكهف } وهو المغارة في الجبل { والرقيم } وهو اللَّوح الذي كُتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم { كانوا من آياتنا عجباً } أَيْ : لم يكونوا بأعجب آياتنا ، ولم يكونوا العجب من آياتنا فقط؛ فإنَّ آياتنا كلَّها عجب ، وكانت قريش سألوا محمداً A عن خبر فتيةٍ فُقدوا في الزمان الأوَّل بتلقين اليهود قريشاً ذلك ، فأنزل الله سبحانه على نبيِّه عليه السَّلام خبرهم ، فقال : \r { إذ أوى } اذكر إذ أوى { الفتية إلى الكهف } هربوا إليه ممَّن يطلبهم ، فاشتغلوا بالدُّعاء ، والتَّضرُّع { فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة } أعطنا من عندك مغفرةً ورزقاً { وهيِّىء } أصلح { لنا من أمرنا رشداً } أَيْ : أرشدنا إلى ما يُقرِّب منك .\r { فضربنا على آذانهم } سددنا آذانهم بالنَّوم { في الكهف سنين عدداً } معدودةً .\r { ثم بعثناهم } ايقظناهم من نومهم { لنعلم } لنرى { أيّ الحزبين } من المؤمنين والكافرين { أحصى } أعدُّ { لما لبثوا } للبثهم في الكهف نائمين { أمداً } غايةً ، وكان وقع اختلافٌ بين فريقين من المؤمنين والكافرين في قدر مدَّة فقدهم ، ومنذ كم فقدوهم ، فبعثهم الله سبحانه من نومهم ليتبيَّن ذلك .","part":1,"page":466},{"id":467,"text":"{ نحن نقصُّ عليك نبأهم } خبرهم { بالحق } بالصِّدق { إنهم فتية } شُبَّانٌ وأحداثٌ { آمنوا بربهم وزدناهم هدى } ثبَّتناهم على ذلك .\r { وربطنا على قلوبهم } ثبتناها بالصَّبر واليقين { إذ قاموا } بين يديّ ملكهم الذي كان يفتن أهل الأديان عن دينهم { فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً } كذباً وجوراً إنْ دعونا غيره .\r { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة } يعنون : الذين عبدوا الأصنام في زمانهم { لولا } هلاَّ { يأتون عليهم } على عبادتهم { بسلطانٍ بيِّن } بحجَّةٍ بيِّنةٍ { فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً } فزعم أنَّ معه إلهاً ، فقال لهم تمليخا - وهو رئيسهم - : \r { وإذ اعتزلتموهم } فارقتموهم { وما يعبدون } من الأصنام { إلاَّ الله } فإنكم لن تتركوا عبادته { فأووا إلى الكهف } صيروا إليه { ينشر لكم ربكم من رحمته } يبسطها عليكم { ويهيَّىء لكم من أمركم مرفقاً } يُسهَّل لكم غذاءً تأكلونه .\r { وترى الشمس إذا طلعت تزاور } تميل عن كهفهم { ذات اليمين } في ناحية اليمين { وإذا غربت تقرضهم } تتركهم وتتجاوز عنهم { ذات الشمال } في ناحية الشِّمال ، فلا تصيبهم الشَّمس ألبتةَ؛ لأنَّها تميل عنهم طالعةَ غاربةً ، فتكون صورهم محفوظة ، { وهم في فجوة منه } مُتَّسعٍ من الكهف ينالهم برد الرِّيح ونسيم الهواء . { ذلك } التَّزوار والقرض { من آيات الله } دلائل قدرته ولطفه بأصحاب الكهف . { من يهد الله فهو المهتد } أشار إلى أنَّه هو الذي تولَّى هدايتهم ، ولولا ذلك لم يهتدوا .\r { وتحسبهم أيقاظاً } لأنَّ أعينهم مُفتَّحة { وهم رقود } نيامٌ { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } لئلا تأكل الأرض لحومهم { وكلبهم باسط ذراعيه } يديه { بالوصيد } بفناء الكهف { لو اطلعت } أشرفت { عليهم لوليت } أعرضت { منهم فراراً ولملئت منهم رعباً } خوفاً وذلك أنَّ الله تعالى منعهم بالرُّعب لئلا يراهم أحد .","part":1,"page":467},{"id":468,"text":"{ وكذلك } وكما فعلنا بهم هذه الأشياء { بعثناهم } أيقظناهم من تلك النَّومة التي تشبه الموت { ليتساءلوا بينهم } ليكون بينهم تساؤلٌ عن مدَّة لبثهم { قال قائل منهم كم لبثتم } كم مرَّ علينا منذ دخلنا الكهف؟ { قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم } وذلك أنَّهم دخلوا الكهف غدوةً ، وبعثهم الله في آخر النَّهار ، لذلك قالوا : يوماً ، فلمَّا رأوا الشمس قالوا : أو بعض يوم ، وكان قد بقيت من النَّهار بقيةٌ ، فقال تمليخا : { ربكم أعلم بما لبثتم } ردَّ علم ذلك إلى الله سبحانه { فابعثوا أحدكم بورقكم } بدراهمكم { هذه إلى المدينة فلينظر أيها } أَيُّ أهلها { أزكى طعاماً } أحلّ من جهةِ أنَّه ذبيحةُ مؤمن ، أو من جهة أنَّه غير مغصوب ، وقوله : { وليتلطف } في دخول المدينة وشراء الطَّعام حتى لا يَطَّلِع عليه أحدٌ { ولا يشعرنَّ بكم } ولا يخبرنَّ بكم ولا بمكانكم { أحداً } .\r { إنهم إن يظهروا عليكم } يطَّلعوا ويُشرفوا عليكم { يرجموكم } يقتلوكم { أو يعيدوكم في ملتهم } يردُّوكم إلى دينهم { ولن تفلحوا إذاً أبداً } لن تسعدوا في الدُّنيا ولا في الآخرة إن رجعتم إلى دينهم .\r { وكذلك } وكما بعثناهم وأنمناهم { أَعْثرنا } أطلعنا { عليهم ليعلموا } ليعلم القوم الذين كانوا في ذلك الوقت { أنَّ وعد الله } بالثَّواب والعقاب { حقٌّ وأنَّ الساعة } القيامة { لا ريب فيها } لا شكَّ فيها ، وذلك أنَّهم يستدلُّون بقصَّتهم على صحَّة أمر البعث { إذ يتنازعون } أَي : اذكر يا محمد إذ يتنازع أهلُ ذلك الزَّمان أمرَ أصحاب الكهف { بينهم } وذلك أنَّهم كانوا يختلفون في مدَّة مكثهم وفي عددهم . وقيل : تنازعوا فقال المؤمنون : نبني عندهم مسجداً ، وقال الكافرون : نُحوِّط عليهم حائطاً . يدلُّ على هذا قوله : { ابنوا عليهم بنياناً } استروهم عن النَّاس ببناءٍ حولهم ، وقوله : { ربُّهم أعلم بهم } يدلُّ على أنَّه وقع تنازعٌ في عدَّتهم . { قال الذين غلبوا على أمرهم } وهم المؤمنون ، وكانوا غالبين في ذلك الوقت . { لنتخذنَّ عليهم مسجداً } فذكر في القصَّة أنّه جعل على باب الكهف مسجد يصلَّى فيه .","part":1,"page":468},{"id":469,"text":"{ سيقولون ثلاثة . . . } الآية . أخبر الله تعالى عن تنازعٍ يجري في عدَّة أصحاب الكهف ، فجرى ذلك بالمدينة حين قدم وفد نصارى نجران ، فجرى ذكر أصحاب الكهف ، فقالت اليعقوبيَّة منهم : كانوا ثلاثةً رابعُهم كلبهم ، وقالت النِّسطورية : كانوا خمسةً سادسهم كلبهم ، وقال المسلمون : كانوا سبعةً وثامنهم كلبهم ، فقال الله تعالى : { قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلاَّ قليل } من النَّاس . قال ابن عباس : أنا من ذلك القليل ، ثمَّ ذكرهم بأسمائهم فذكر سبعة . { فلا تمار } فلا تجادل في أصحاب الكهف { إلاَّ مراءً ظاهراً } بما أنزل عليك ، أَيْ : أَفتِ في قصَّتهم بالظَّاهر الذي أنزل إليك ، وقل : لا يعلمهم إلاَّ قليل كما أنزل الله : { ما يعلمهم إلاَّ قليل } ، { ولا تستفت فيهم } في أصحاب الكهف { منهم } من أهل الكتاب { أحداً } .\r { ولا تقولنَّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاَّ أن يشاء الله } هذا تأديبٌ من الله سبحانه لنبيِّه A ، وأمرٌ له بالاستثناء بمشيئة الله سبحانه فيما يعزم . يقول : إذا قلت لشيءٍ : إني فاعله غداً فقل : إن شاء الله . { واذكر ربك إذا نسيت } أراد : إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله سبحانه فاذكره وقله إذا تذكَّرت { وقل عسى أن يهديني ربي } أَيْ : يعطيني ربِّي من الآيات والدّلالات على النُّبوَّة ما يكون أقرب في الرُّشد ، وأدلَّ من صحَّة قصَّة أصحاب الكهف ، ثمَّ فعل الله به ذلك حيث أتاه علم غيوب المرسلين وخبرهم ، ثمَّ أخبر عن قدر مدَّة لبثهم في الكهف بقوله : \r { ولبثوا في كهفهم } منذ دخلوه إلى أن بعثهم الله { ثلثمائةٍ سنين وازدادوا } بعدها تسع سنين .","part":1,"page":469},{"id":470,"text":"{ قل } يا محمد : { الله أعلم بما لبثوا } ممَّن يختلف في ذلك { له غيبُ السموات والأرض } علم ما غاب فيهما عن العباد { أبصر به وأسمع } ما أبصرَ الله تعالى بكلِّ موجودٍ ، وأسمعَه تعالى لكلِّ مسموعٍ { ما لهم } لأهل السَّموات والأرض { من } دون الله { من ولي } ناصرٍ { ولا يشرك } الله { في حكمه أحداً } فليس لأحدٍ أن يحكم بحكمٍ لم يحكمْ به الله .\r { واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك } اتَّبع القرآن { لا مبدِّل لكلماته } لا مغيِّر للقرآن { ولن تجد من دونه ملتحداً } أَيْ : ملجأ .\r { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } مفسَّر في سورة الأنعام إلى قوله : { ولا تعدُ عيناك عنهم } أَيْ : لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والرُّتبة { تريد زينة الحياة الدنيا } تريد مجالسة الأشراف { ولا تطع } في تنحية الفقراء عنك { من إغفلنا قلبه عن ذكرنا } جعلناه غافلاً . { وكان أمره فرطاً } أَيْ : ضَياعاً هلاكاً؛ لأنَّه ترك الإِيمان والاستدلال بآيات الله تعالى واتَّبع هواه .\r { وقل } يا محمَّد لمن جاءك من النَّاس : { الحق من ربكم } يعني : ما آتيتكم به من الإِسلام والقرآن { فمن شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر } تخييرٌ معناه التَّهديد . { إنا أعتدنا } هيَّأنا { للظالمين } الذين عبدوا غير الله تعالى { ناراً أحاط بهم سرادقها } وهو دخان يحيط بالكفَّار يوم القيامة . { وإن يستغيثوا } ممَّا هم فيه من العذاب والعطش { يُغاثوا بماءٍ كالمهل } كمذاب الحديد والرَّصاص في الحرارة { يشوي الوجوه } حتى يسقط لحمها ، ثمَّ ذمَّه فقال : { بئس الشراب } هو { وساءت } النَّار { مرتفقاً } منزلاً ، ثمَّ ذكر ما وعد المؤمنين فقال : \r { إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر مَنْ أحسن عملاً . . . } وقوله : \r { يحلون فيها من أساور من ذهب } يُحلَّى كلُّ مؤمنٍ واحدٍ بسوارين من ذهبٍ ، وكانت الأساورة من زينة الملوك في الدُّنيا ، وقوله : { ويلبسون ثياباً خضراً من سندسٍ وإستبرق } وهما نوعان من الحرير ، والسُّندس : ما رقَّ ، والاستبرق : ما غلظ { متكئين فيها على الأرائك } وهي السُّرر في الحجال { نعم الثواب } طاب ثوابهم { وحسنت } الأرائك { مرتفقاً } موضع ارتفاق ، أَيْ : اتِّكاءً على المرفق فيه .\r { واضرب لهم مثلاً رجلين } يعني : ابني ملكٍ كان في بني إسرائيل تُوفِّي وتركهما ، فاتخذ أحدهما القصور والأجنَّة ، والآخر كان زاهداً في الدُّنيا ، راغباً في الآخرة ، فكان إذا عمل أخوه شيئاً من زينة الدُّنيا ، أخذ الزَّاهد مثل ذلك ، فقدَّمه لآخرته ، واتَّخذ به عند الله الأجنة والقصور حتى نفد ماله ، فضربهما الله مثلاً للمؤمن والكافر الذي أبطرته النِّعمة ، وهو قوله : { جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل } وجعلنا النَّخل مُطبقاً بهما { وجعلنا بينهما } بين الجنتين { زرعاً }","part":1,"page":470},{"id":471,"text":"{ كلتا الجنتين آتت أكلها } أدَّت ريعها تامَّاً { ولم تظلم منه شيئاً } لم تنقص . { وفجرنا خلالهما } أخرجنا وسط الجنتين { نهراً } .\r { وكان له ثمر } وكان للأخ الكافر أموال كثيرة { فقال لصاحبه } لأخيه { وهو يحاوره } يراجعه في الكلام ويُجاذبه ، وذلك أنَّه سأله عن ماله فيما أنفقه؟ فقال : قدَّمته بين يدي لأقدم عليه ، فقال : { أنا أكثر منك مالاً وأعزُّ نفراً } رهطاً وعشيرةً .\r { ودخل جنته } وذلك أنَّه أخذ بيد أخيه المسلم فأدخله جنَّته يطوف به فيها ، وقوله : { وهم ظالم لنفسه } أَيْ : بالكفر بالله تعالى { قال : ما أظنُّ أن تبيد } تهلك { هذه أبداً } أنكر أنَّ الله سبحانه يفني الدُّنيا ، وأنَّ القيامة تقوم فقال : { وما أظن الساعة قائمة ، ولئن رددت إلى ربي } يريد : إن كان البعث حقَّاً { لأجدنَّ خيراً منها منقلباً } كما أعطاني هذا في الدُّنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منه ، فقال له أخوه المسلم : \r { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة } في رحم أُمِّك { ثم سوَّاك رجلاً } جعلك معتدل الخلق والقامة .\r { لكنا } لكن أنا { هو الله ربي . . . } الآية .\r { ولولا } وهلاَّ { إذْ دخلت جنتك قلت ما شاء الله } أي : الأمر ما شاء الله ، أَيْ : بمشيئة الله تعالى : { لا قوة إلاَّ بالله } لا يقوى أحدٌ على ما في يديه من ملكٍ ونعمةٍ إلاَّ بالله ، هذا توبيخٌ من المسلم للكافر على مقالته ، وتعليمٌ له ما يجب أن يقول ، ثم رجع إلى نفسه فقال : \r { إن ترن أنا أقلَّ منك مالاً وولداً فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة ، أو في الدُّنيا { خيراً من جنتك أو يرسل عليها } على جنَّتك { حسباناً من السماء } عذاباً يرميها به من بَرَدٍ أو صاعقةٍ { فتصبح صعيداً زلقاً } أرضاً لا نبات فيها .\r { أو يصبح ماؤها } يعني : النَّهر خلالها { غوراً } غائراً ذاهباً في الأرض { فلن تستطيع } لا تقوى { له طلباً } لا يبقى له أثرٌ تطلبه .\r { وأحيط بثمره } وأُهلكت أشجار المثمرة { فأصبح يقلب كفيه } يضرب يديه واحدةً على الأخرى ندامةً { على ما أنفق فيها وهي خاوية } ساقطةٌ { على عروشها } سقوفها وما عرش للكروم { ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً } تمنَّى أنَّه كان مُوحِّداً غير مشركٍ حين لم ينفعه التَّمني .\r { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله } لم ينصره النَّفر الذين افتخر بهم حين قال : { وأعزُّ نفراً } . { وما كان منتصراً } بأن يستردَّ بدل ما ذهب منه ، ثمَّ عاد الكلام إلى ما قبل القصة فقال : \r { هنالك } عند ذلك ، يعني : يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولَّون الله ويؤمنون به ، ويتبرَّؤون ممَّا كانوا يعبدون { هو خير ثواباً } أفضل ثواباً ممَّن يُرجى ثوابه { وخير عقباً } أَيْ : عاقبةُ طاعته خيرٌ من عاقبة طاعة غيره .","part":1,"page":471},{"id":472,"text":"{ واضرب لهم } لقومك { مثل الحياة الدنيا كماء } أَيْ : هو كماءٍ { أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض } أَيْ : شرب منه فبدا فيه الرِّيّ { فأصبح } أي : النَّبات { هشيماً } كسيراً مُتفتِّتاً { تذروه الرياح } تحمله وتفرِّقه ، وهذه الآية مختصرةٌ من قوله تعالى : { إنما مثل الحياة الدنيا . . . . } الآية . { وكان الله على كلِّ شيء } من الإنشاء والإِفناء { مقتدراً } قادراً ، أنشأ النَّبات ولم يكن ، ثمَّ أفناه .\r { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } هذا ردٌّ على الرُّؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والأبناء ، أخبر الله سبحانه أنَّ ذلك ممَّا يُتزيَّن به في الحياة الدُّنيا ، ولا ينفع في الآخرة { والباقيات الصالحات } ما يأتي به سلمان وصهيب وفقراء المسلمين من الصَّلوات والأذكار والأعمال الصَّالحة { خير عند ربك ثواباً } أفضل ثواباً ، وأفضل أملاً من المال والبنين .\r { ويوم } واذكر يوم { نسيّر الجبال } عن وجه الأرض كما نُسيِّر السَّحاب { وترى الأرض بارزة } ظاهرةً ليس عليها شيءٌ { وحشرناهم } المؤمنين والكافرين { فلم نغادر } نترك { منهم أحداً } .\r { وعرضوا على ربك } يعني : المحشورين { صفاً } مصفوفين ، كلُّ زمرةٍ وأمَّةٍ صفٌّ ، ويقال لهم : { لقد جئتمونا كما خلقناكم أوَّل مرة } حُفاةً عُراةً فرادى { بل زعمتم } خطابٌ لمنكري البعث { أن لن نجعل لكم موعداً } للبعث والجزاء .","part":1,"page":472},{"id":473,"text":"{ ووضع الكتاب } وُضع كتاب كلِّ امرىءٍ في يمينه أو شماله { فترى المجرمين } المشركين { مشفقين ممَّا فيه } خائفين ممَّا فيه من الأعمال السيئة { ويقولون } لوقوعهم في الهلكة : { يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر } لا يترك { صغيرة } من أعمالنا { ولا كبيرة إلاَّ أحصاها } أثبتها وكتبها { ووجدوا ما عملوا حاضراً } في الكتاب مكتوباً { ولا يظلم ربك أحداً } لا يعاقب أحداً بغير جرمٍ ، ثمَّ أمر نبيَّه عليه السَّلام أن يذكر لهؤلاء المُتكبِّرين عن مجالسة الفقراء قصَّة إبليس ، وما أورثه الكبر ، فقال : \r { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس كان من الجن } أَيْ : من قبيلٍ من الملائكة يُقال لهم : الجنُّ { ففسق } خرج { عن أمر ربه } إلى معصيته في ترك السُّجود { أفتتخذونه وذريته } أولاده ، وهم الشَّياطين { أولياء من دوني } تطيعونهم في معصيتي { وهم لكم عدوٌّ } كما كان لأبيكم عدواً { بئس للظالمين بدلاً } بئس ما استبدلوا بعبادة الرَّحمن طاعة الشَّيطان .\r { ما أشهدتهم } ما أحضرتهم ، يعني : إبليس وذريَّته { خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم } أخبر عن كمال قدرته ، واستغنائه عن الأنصار والأعوان فيما خلق { وما كنت متخذ المضلين عضداً } أنصاراً وأعواناً لاستغنائي بقدرتي عن الأنصار .","part":1,"page":473},{"id":474,"text":"{ ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم . . . } الآية . يقول الله تعالى يوم القيامة : ادعوا الذين أشركتم بي ليمنعوكم من عذابي { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم } بين المشركين وأهل لا إله إلاَّ الله { موبقاً } حاجزاً .\r { ورأى المجرمون } المشركون { النار فظنوا } أيقنوا { أنهم مواقعوها } واردوها وداخلوها { ولم يجدوا عنها مصرفاً } مهرباً لإحاطتها بهم من كلِّ جانبٍ . وقوله : \r { وكان الإِنسان } الكافر { أكثر شيء جدلاً } قيل : هو أُبيُّ بن خلف ، وقيل : النَّضر بن الحارث .\r { وما منع الناس } أهل مكَّة { أن يؤمنوا } الإِيمان { إذ جاءهم الهدى } يعني : محمداً A والقرآن { إلاَّ أن تأتيهم سنة الأولين } العذاب . يعني : إنَّ الله تعالى قدَّر عليهم العذاب ، فذلك الذي منعهم من الإِيمان { أو يأتيهم العذاب قبلاً } عياناً . يعني : القتل يوم بدرٍ ، وقوله : \r { ويجادل الذين كفروا بالباطل } يريد المُستهزئين والمقتسمين جادلوا في القرآن { ليدحضوا } ليبطلوا { به } بجدالهم { الحق } القرآن { واتخذوا آياتي } القرآن { وما أنذروا } به من النَّار { هزواً } .","part":1,"page":474},{"id":475,"text":"{ ومن أظلم ممن ذكّر } وُعظ { بآيات ربه فأعرض عنها } فتهاون بها { ونسي ما قدَّمت يداه } ما سلف من ذنوبه ، وباقي الآية سبق تفسيره . وقوله : \r { بل لهم موعد } يعني : البعث والحساب { لن يجدوا من دونه مَوْئِلاً } ملجأ .\r { وتلك القرى } يريد : القرى التي أهلكها بالعذاب { أهلكناهم } أهلكنا أهلها { لما ظلموا } أشركوا وكذَّبوا الرُّسل { وجعلنا لمهلكهم } لإِهلاكهم { موعداً } .\r { وإذ قال موسى } واذكر إذ قال موسى ، لما في قصَّته من العبرة { لفتاه } يوشع بن نون : { لا أبرح } لا أزال أسير { حتى أبلغ مجمع البحرين } حيث يلتقي بحر الروم وبحر فارس { أو أمضي } إلى أن أمضي { حقباً } دهراً طويلاَ ، وذلك أنَّ رجلاً أتى إلى موسى عليه السَّلام ، فقال : هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فقال : لا ، فأوحى الله تعالى إليه : بلى عبدنا خضر ، فسأل موسى عليه السَّلام السبيل إلى لُقيِّه ، فجعل الله تعالى له الحوت آيةً ، وقيل له : إذا فقدت الحوت فارجع فإنَّك ستلقاه ، فانطلق هو وفتاه حتى أتيا الصَّخرة التي عند مجمع البحرين ، فقال لفتاه : امكث حتى آتيك ، وانطلق موسى لحاجته ، فجرى الحوت حتى وقع في البحر ، فقال فتاه : إذا جاء نبيُّ الله حدَّثته ، فأنساه الشَّيطان .","part":1,"page":475},{"id":476,"text":"{ فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حُوْتَهُما } أراد : نسي أحدهما ، وهو يوشع ابن نون { فاتخذ سبيله } اتَّخذ الحوت سبيله { في البحر سرباً } ذهاباً ، والمعنى : سرب سرباً ، والآية على التّقديم والتَّأخير؛ لأنَّ ذهاب الحوت كان قد تقدَّم على النِّسيان .\r { فلما جاوزا } ذلك المكان الذي ذهب الحوت عنه { قال لفتاه ءاتنا غداءنا } ما نأكله بالغداة { لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً } عناءً وتعباً ، ولم يجد النَّصب في جميع سفره حتى جاوز الموضع الذي يريده ، فقال الفتى : \r { أرأيت إذْ أوينا إلى الصخرة } يعني : حيث نزلا { فإني نسيت الحوت } نسيت قصَّة الحوت أن أُحدِّثكها ، ثمَّ اعتذر بإنساء الشَّيطان إيَّاه؛ لأنَّه لو ذكر ذلك لموسى عليه السَّلام ما جاوز ذلك الموضع ، وما ناله النَّصب ، ثمَّ ذكر قصَّته فقال : { واتخذ سبيله في البحر عجباً } أَي : أعجب عجباً ، أخبر عن تعجُّبه من ذلك ، فقال موسى عليه السَّلام : \r { ذلك ما كنا نبغي } نطلب ونريد من العلامة { فارتدا على آثارهما } رجعا من حيث جاءا { قصصاً } يقصَّان آثارهما حتى انتهيا إلى الصَّخرة التي فعل الحوت عندها ما فعل .\r { فوجدا عبداً من عبادنا } يعني : الخضر عليه السَّلام { آتيناه رحمة من عندنا } نبوَّة { وعلمناه من لدنا علماً } أعطيناه علماً من علم الغيب . وقوله : \r { رشداً } أَيْ : علماً ذا رشدٍ ، والتَّقدير : على أن تعلِّمني علماً ذا رشدٍ ممَّا عُلِّمته .","part":1,"page":476},{"id":477,"text":"{ قال إنك لن تستطيع معي صبراً } لن تصبر على صنيعي؛ لأنِّي عُلِّمت غيب ربِّي ، ثمَّ أعلمه العلَّة في ترك الصَّبر ، فقال : \r { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً } أَيْ : على ما لم تعلمه من أمرٍ ظاهره منكرٌ .\r { قال } له موسى : { ستجدني إن شاء الله صابراً } لا أسألك عن شيءٍ حتى تكون أنت تحدِّثني به { ولا أعصي لك أمراً } ولا أخالفك في شيء .\r { قال } له الخضر عليه السَّلام : { فإن اتبعتني } صحبتني { فلا تسألني عن شيء } ممَّا أفعله { حتى أحدث لك منه ذكراً } حتى أكون أنا الذي أُفسِّره لك .\r { فانطلقا } ذهبا يمشيان { حتى إذا ركبا } البحر { في السفينة خرقها } شقَّها الخضر وقلع لوحين ممَّا يلي الماء ، ف { قال } موسى منكراً عليه : { أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً } أَيْ : عظيماً منكراً ، \rف { قال } الخضر : { ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً } ! فقال موسى : \r { لا تؤاخذني بما نسيت } أَيْ : تركت من وصيتك { ولا ترهقني من أمري عسراً } لا تضيِّيق عليَّ الأمر في صحبتي إيَّاك .\r [ { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله } أَيْ : ضربه فقضى عليه ، ] وقوله : { نفساً زاكية } أَيْ : طاهرةً لم تبلغ حدَّ التَّكليف { بغير نفس } بغير قودٍ .","part":1,"page":477},{"id":478,"text":"{ إن سألتك } سؤال توبيخٍ وإنكارٍ { عن شيء بعدها } بعد النَّفس المقتولة { فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً } أعذرت فيما بيني وبينك حيث أخبرتني أنِّي لا أستطيع معك صبراً .\r { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية } وهي أنطاكية { استطعما أهلها } سألاهم الطَّعام { فأبوا أن يضيفوهما } فلم يطعموهما { فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقص } قَرُبَ أَن يسقط لميلانه { قأقامه } فسوَّاه ، فقال موسى : { لو شئت لاتخذت } على إقامته { أجراً } جُعلاً حيث أبوا أن يطعمونا .\r { قال } الخضر : { هذا } وقت { فراق بيني وبينك } إنِّي لا أصحبك بعد هذا ، وأخبرك بتفسير ما لم تصبر عليه وأنكرته عليَّ .\r { أمَّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها } أجعلها ذات عيب { وكان وراءهم } أمامهم { ملك يأخذ كلَّ سفينة } صالحةٍ { غصباً } .","part":1,"page":478},{"id":479,"text":"{ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا } فكرهنا { أن يرهقهما } يُكلِّفهما { طغياناً وكفراً } ويحملهما حبُّه على أن يتَّبعاه ، ويدينا بدينه ، وكان الغلام كافراً .\r { فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة } صلاحاً { وأقرب رحماً } وأبرَّ بوالديه وأوصل للرَّحم .\r { وإمَّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة } يعني : في تلك القرية { وكان تحته كنز لهما } من ذهبٍ وفضَّةٍ ، ولو سقط الجدار أُخذ الكنز { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما } أراد الله سبحانه أن يبقى ذلك الكنز إلى بلوغ الغلامين حتى يستخرجاه . { وما فعلته عن أمري } أي : انكشف لي من الله سبحانه علمٌ فعملت به ، ولم أعمل من عند نفسي .\r { ويسألونك } يعني : اليهود ، وذلك أنَّهم سألوه عن رجلٍ طوَّافٍ بلغ شرق الأرض وغربها .\r { إنا مكنا له في الأرض } سهَّلنا عليه السَّير فيها ، وذلَّلنا له طرقها { وآتيناه من كلِّ شيء } يحتاج إليه { سبباً } علماً يتسبَّب به إلى ما يريد .\r { فأتبع سبباً } طريقاً يوصله إلى مغيب الشَّمس .","part":1,"page":479},{"id":480,"text":"{ حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة } ذات حمأةٍ ، وهو الطِّين الأسود { ووجد عندها } عند العين { قوماً قلنا : يا ذا القرنين إما أن تعذب } إمَّا أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه { وإمَّا أن تتخذ فيهم حسناً } تأسرهم فتعلِّمهم الهدى ، خيَّره الله تعالى بين القتل والأسر ، فقال : \r { أما من ظلم } أشرك { فسوف نعذبه } نقتله إذا لم يرجع عن الشِّرك { ثم يرد إلى ربه } بعد القتل { فيعذبه عذاباً نكراً } يعني : في النَّار .\r { وإمَّا مَنْ آمن وعمل صالحاً فله جزاءً الحسنى } الجنَّة { وسنقول له من أمرنا يسراً } نقول له قولاً جميلاً .\r { ثم أتبع سبباً } سلك طريقاً آخر يوصله إلى المشرق .\r { حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم } عُراةٍ { لم نجعل لهم من } دون الشمس { ستراً } سقفاً ولا لباساً .\r { كذلك } القبيل الذين كانوا عند مغرب الشَّمس في الكفر { وقد أحطنا بما لديه } من الجنود والعدَّة { خبراً } علماً؛ لأنَّا أعطيناه ذلك .\r { ثم أتبع سبباً } ثالثاً يُبلِّغه قطراً من أقطار الأرض .\r { حتى إذا بلغ بين السدين } وهما جبلان سدَّ بينهما ذو القرنين { وجد من دونهما } عندهما { قوماً لا يكادون يفقهون قولاً } لا يفهمون كلاماً ، فاشتكوا إليه فساد يأجوج ومأجوج ، وأذاهم إيَّاهم .","part":1,"page":480},{"id":481,"text":"{ إنَّ يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض } بالنَّهب والبغي { فهل نجعل لك خرجاً } جعلاً { على أن تجعل بيننا وبينهم سدّاً } .\r { قال : ما مكني فيه ربي خيرٌ } أَي : الذي أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم { فأعينوني بقوة } بعملٍ تعملون معي { أجعل بينكم وبينهم ردماً } سدَّاً حاجزاً .\r { آتوني } أعطوني { زبر } قطع { الحديد } فأتوه بها فبناه { حتى إذا ساوى بين الصدفين } جانبي الجبلين { قال انفخوا } على زُبر الحديد ، قطع الحديد بالكير والنَّار { حتى إذا جعله ناراً } جعل الحديد ناراً ، أَيْ : كنارٍ { قال آتوني } قطراً : وهو النُّحاس الذَّائب { أفرغ عليه } أصبُّ عليه ، فأفرغ النُّحاس المذاب على الحديد المحمى حتى التصق بعضه ببعض .\r { فما اسطاعوا أن يظهروه } ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وملاسته { وما استطاعوا } أن ينقبوه من أسلفه لصلابته .\r { قال } ذو القرنين لمَّا فرغ منه : { هذا رحمة من ربي } يعني : التَّمكين من ذلك البناء ، والتَّقوية عليه { فإذا جاء وعد ربي } أجل ربي بخروج يأجوج ومأجوج { جعله دكاً } كِسَراً { وكان وعد ربي } بخروجهم { حقاً } كائناً .\r { وتركنا بعضهم } يعني : الخلق من الإِنس والجنِّ { يومئذ } يوم القيامة { يموج في بعض } يدخل ويختلط . { ونفخ في الصور } وهو القرن الذي يُنفخ فيه للبعث { فجمعناهم } في صعيدٍ واحدٍ .","part":1,"page":481},{"id":482,"text":"{ وعرضنا } أظهرنا { جهنم يومئذ للكافرين عرضاً } .\r { الذين كانت أعينهم في غطاء } في غشاوةٍ { عن ذكري } أَيْ : كانوا لا يعتبرون بآياتي فيذكرونني بالتَّوحيد { وكانوا لا يستطيعون سمعاً } لعداوتهم النبيّ A لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلوا عليهم .\r { أفحسب } أفظنّ { الذين كفروا أن يتخذوا عبادي } الشَّياطين { من دوني أولياء } نفعهم ذلك ودفعوا عنهم ، كلا { إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً } منزلاً .\r { قل هل ننبئكم } نخبركم { بالأخسرين أعمالاً } بالذين هم أشدُّ الخلق وأعظمهم خسراناً فيما عملوا .\r { الذين ضل سعيهم } حبط عملهم { في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً } يظنُّون أنَّهم بعملهم مُطيعون ، ثمَّ بيَّن مَنْ هم ، فقال : \r { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم } بدلائل توحيده من القرآن وغيره { ولقائه } يعني : البعث { فحبطت أعمالهم } بطل اجتهادهم { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً } أَيْ : نهينهم بعذاب النَّار ، ولا نعبأ بهم شيئاً .","part":1,"page":482},{"id":483,"text":"{ جنات الفردوس } وهو وسط الجنَّة وأعلاها درجةً . وقوله : \r { لا يبغون عنها حولاً } لا يريدون أن يتحوَّلوا عنها .\r { قل لو كان البحر مداداً } وهو ما يكتب به { لكلمات ربي } أَيْ : لكتابتها ، وهي حِكَمُه وعجائبه ، والكلمات : هي العبارات عنها { لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله } بمثل البحر { مدداً } زيادة على البحر .\r { قل إنما أنا بشر مثلكم } آدميٌّ مثلكم { يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحدٌ فمن كان يرجو لقاء ربه } ثواب ربه { فليعمل عملاً صالحاً } خالصاً { ولا يشرك } ولا يراءِ { بعبادة ربه أحداً } نزلت هذه الآية في النَّهي عن الرِّياء بالأعمال .","part":1,"page":483},{"id":484,"text":"{ كهيعص } معناه : الله كافٍ لخلقه ، هادٍ لعباده ، يده فوق أيديهم ، عالمٌ ببريَّته ، صادقٌ في وعده .\r { ذكر } هذا ذكر { رحمة ربك عبده زكريا } أَيْ : هذا القول الذي أنزلت عليك ذكر رحمة الله سبحانه عبده بإجابة دعائه لمَّا دعاه ، وهو قوله : \r { إذ نادى ربه } دعا ربَّه { نداءاً خفياً } سرَّاً لم يطَّلعْ عليه غير الله .\r { قال رب إني وهن } ضعف { العظم مني } أَيْ : عظمي { واشتعل الرأس شيباً } وكثر شيب رأسي جداً { ولم أكن بدعائك } بدعائي إيَّاك { ربي شقياً } أَيْ : كنت مستجاب الدَّعوة قد عوَّدتني الإِجابة .","part":1,"page":484},{"id":485,"text":"{ وإني خفت الموالي } الأقارب وبني العمِّ والعصبة { من ورائي } من بعدي ألاَّ يحسنوا الخلافة لي في دينك { وكانت امرأتي } فيما مضى من الزَّمان { عاقراً } لم تلد { فهب لي من لدنك ولياً } ابناً صالحاً .\r { يرثني ويرث من آل يعقوب } العلم والنُّبوَّة { واجعله ربِّ رَضِيّاً } مرضياً ، فاستجاب الله تعالى دعاءه ، وقال : \r { يا زكريا إنا نبشرك بغلام } ولدٍ ذكرٍ { اسمه يحيى } لأنَّه يحيا بالعلم والطَّاعة { لم نجعل له من قبل سمياً } لم يُسمَّ أحدٌ قبله بهذا الاسم ، فأحبَّ زكريا أن يعلم من أيِّ جهةٍ يكون له الولد ، ومثلُ امرأته لا تلد ، ومثله لا يولد له فقال : { رب أَنّى يكون لي غلام } ولدٌ .\r { وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغتُ من الكبر عتياً } أَيْ : يُبوساً وانتهاءً في السِّنِّ .\r { قال } جبريل عليه السَّلام : { كذلك } أَيْ : الأمر كما قيل لك . { قال ربك هو عليَّ هيَّنٌ } أردُّ عليك قوَّتك حتى تقوى على الجماع ، وأفتق رحم امرأتك بالولد { وقد خلقتك من قبل } يعني : من قبل يحيى { ولم تك شيئاً } .\r { قال رب اجعل لي آية } على حمل امرأتي { قال آيَتُكَ أن لا تكلم الناس ثلاث ليالٍ سوياً } أَيْ : تمنع الكلام وأنت سويٌّ صحيحٌ سليمٌ ، فتعلم بذلك أنَّ الله قد وهب لك الولد .","part":1,"page":485},{"id":486,"text":"{ فخرج على قومه } وذلك أنَّهم كانوا ينتظرونه ، فخرج عليهم ولم يقدر أن يتكلَّم { فأوحى إليهم } أشار إليهم { أن سبحوا } صلُّوا لله تعالى { بكرة وعشياً } فوهبنا له يحيى ، وقلنا : \r { يا يحيى خذ الكتاب } التَّوراة { بقوة } أعطيتكها وقوَّيتك على حفظها والعمل بما فيها { وآتيناه الحكم صبياً } النُّبوَّة في صباه .\r { وحناناً } وآتيناه حناناً : رحمةً { من لدنا وزكاةً } تطهيراً . وقوله : \r { جباراً } أيْ قتَّالاً مُتكبِّراً { عصياً } عاصياً لربِّه .\r { وسلامٌ عليه } سلامةٌ له منَّا في الأحوال التي ذكرها ، يريد أنَّ الله سبحانه سلَّمه في هذه الأحوال .\r { واذكر } يا محمَّد { في الكتاب مريم إِذِ انتبذت } تنحَّت من أهلها { مكاناً شرقياً } من جانب الشَّرق ، وذلك أنَّها أرادت الغسل من الحيض فاعتزلت في ناحيةٍ شرقيةٍ من الدَّار .\r { فاتخذت من دونهم حجاباً } تتستَّر به عنهم { فأرسلنا إليهم روحنا } جبريل عليه السَّلام { فتمثَّل } فتصوَّر { لها بشراً } آدمياً { سويَّاً } تامَّ الخلق .\r { قالت إني أعوذ بالرحمن منك } أيُّها البشر { إن كنت تقيّاً } مُؤمناً مُطيعاً فستنتهي عني بتعوُّذي بالله سبحانه منك .","part":1,"page":486},{"id":487,"text":"{ قال } جبريل عليه السَّلام : { إنَّما أنا رسول ربّك لأهب لك غلاماً زكياً } ولداً صالحاً نبيَّاً .\r { قالت أنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر } ليس لي زوجٌ { ولم أك بغياً } ولست بزانيةٍ .\r { قال كذلك } أَيْ : الأمر كما وصفت لك . { قال ربك هو عليَّ هيِّن } أن أهب لكِ غلاماً من غير أبٍ { ولنجعله آية } علامةً للنَّاس على قدرة الله تعالى { ورحمةً منا } لمّنْ تبعه على دينه { وكان } ذلك { أمراً مقضيّاً } قضيت به في سابق علمي ، فرفع جبريل عليه السَّلام جانب درعها ، فنفخ في جيبها ، فحملت بعيسى عليه السَّلام ، وذلك قوله سبحانه : \r { فحملته فانتبذت به } تباعدت بالحمل { مكاناً قصياً } بعيداً من أهلها في أقصى وادي بيت لحم ، وذلك أنَّها لمَّا أحسَّت بالحمل ، هربت من قومها مخافة اللائمة .\r { فَأَجاءَها المخاض } وجع الولادة { إلى جذع النخلة } وذلك أنَّها حين أخذها الطَّلق صعدت أكمة ، فإذا عليها جذع نخلةٍ ، وهو ساقها ولم يكن لها سعفٌ ، فسارت إليها وقالت جزعاً ممَّا أصابها : { يا ليتني مت قبل هذا } اليوم وهذا الأمر { وكنت نسياً منسياً } شيئاً متروكاً لا يُعرف ولا يُذكر ، فلمَّأ رأى جبريل عليه السَّلام وسمع جزعها ناداها من تحت الأكمة .","part":1,"page":487},{"id":488,"text":"{ فناداها من تحتها ألاَّ تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً } نهر ماءٍ جارٍ ، وكان تحت الأكمة نهرٌ قد انقطع الماء منه ، فأرسل الله سبحانه الماء فيه لمريم .\r { وهزي } وحرِّكي { إليك } إلى نفسك { بجذع النخلة تُسَاقط } النَّخلة { عليك رطباً جنياً } غضَّاً ساعةَ جُني ، وذلك أنَّ الله تعالى أحيا لها تلك النَّخلة بعد يبسها ، فأورقت وأثمرت وأرطبت .\r { فكلي } من الرُّطب { واشربي } من الماء السَّري { وقري عيناً } بولدك { فإمَّا ترينَّ من البشر أحداً } فسألك عن ولدك ، ولامَك عليه { فقولي : إني نذرت للرحمن صوماً } صمتاً ، أَيْ : قولي له : إني أوجبت على نفسي لله سبحانه أن لا أتكلَّم ، وذلك أنَّ الله تعالى أراد أن يظهر براءتها من جهة عيسى عليه السَّلام يتكلَّم ببراءة أمِّه وهو في المهد ، فذلك قوله : { فلن أكلم اليوم إنسياً } .\r { فأتت به } بعيسى بعد ما طهرت من نفاسها { قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً } عظيماً منكراً ، ولداً من غير أبٍ!\r { يا أخت هارون } كان لها أخٌ صالحٌ من جهة أبيها يسمَّى هارون . وقيل : هارون رجلٌ صالحٌ كان من أمثل بني إسرائيل ، فقيل لمريم : يا شبيهته في العفاف { ما كان أبوك } عمران { امْرَأَ سوء } زانٍ { وما كانت أمك } حنَّة { بغياً } زانيةً ، فمن أين لك هذا الولد من غير زوجٍ؟\r { فأشارت } إلى عيسى بأن يجعلوا الكلام معه ، فتعجَّبوا من ذلك وقالوا : { كيف نكلم من كان في المهد صبياً } يعني : رضيعاً في الحِجْر .\r { قال } عيسى عند ذلك : { إني عبد الله } أقرَّ على نفسه بالعبوديَّة لله سبحانه { آتاني الكتاب } علَّمني التَّوراة . وقيل : الخطَّ .\r { وجعلني نبياً وجعلني مباركاً } معلِّماً للخير أدعو إلى الله تعالى { أينما كنت وأوصاني بالصلاة } أمرني بالصلاة { والزَّكاة } الطَّهارة { ما دمت حيَّاً } .\r { وبرَّاً } لطيفاً { بوالدتي } .\r { والسلام عليَّ يوم ولدت . . . } الآية . أَيْ : السَّلامة عليَّ من الله تعالى في هذه الأحوال .\r { ذلك عيسى ابنُ مريم } أَيْ : الذي قال : { إني عبد الله آتاني الكتاب . . . } الآية ، هو عيسى ابن مريم لا ما يقول النَّصارى مِنْ أنَّه إله ، وإنَّه ابن الله ، { قول الحق } أيْ : هذا الكلام قول الحقِّ ، والحقُّ : هو الله سبحانه . وقيل : معنى قول الحقِّ : أنَّه كلمةُ الله { الذي فيه يمترون } يشكُّون . يعني : اليهود ، يقولون : إنَّه لِزَنيةٍ ، وإنَّه كذَّاب ساحر ، ويقول النَّصارى : إنَّه ابن الله .\r { ما كان لله } ما ينبغي له سبحانه { أن يتخذ من ولد } أَيْ : ولداً { سبحانه } تنزيهاً له عن ذلك { إذا قضى أمراً } أراد كونه { فإنَّما يقول له كن فيكون } كما قال لعيسى : كن فكان من غير أبٍ .","part":1,"page":488},{"id":489,"text":"{ وإنَّ الله ربي وربكم } هذا راجعٌ إلى قوله تعالى : { وأوصاني بالصَّلاة } وأوصاني بأنَّ الله ربِّي وربُّكم { فاعبدوه } { هذا } الذي ذكرت { صراط مستقيم } .\r { فاختلف الأحزاب } يعني : فرق النَّصارى { من بينهم } فيما بينهم ، وهم النّسطورية واليعقوبيَّة والملكانية { فويلٌ للذين كفروا من مشهد يوم عظيم } يريد : مشهدهم يوم القيامة .\r { أسمع بهم وأبصر } ما أبصرهم بالهدى يوم القيامة وأطوعهم أنَّ عيسى ليس الله ، ولا ابن الله ، سبحانه ، ولا ثالث ثلاثة ، ولكن لا ينفعهم ذلك مع ضلالتهم في الدُّنيا ، وهو قوله : { لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين } من أمرعيسى والقول فيه .\r { وأنذرهم } خوِّفهم يا محمَّد { يوم الحسرة } يوم القيامة حين يُذبح الموت بين الفريقين { إذْ قضي الأمر } أُحكم وفرغ منه { وهم في غفلة } في الدُّنيا من ذلك اليوم { وهم لا يؤمنون } لا يُصدِّقون به .","part":1,"page":489},{"id":490,"text":"{ إنا نحن نرث الأرض } لأنَّا نُميت سُكَّانها ، { و } نرث { مَنْ عليها } لأنَّا نميتهم { وإلينا يرجعون } للثَّواب والعقاب .\r { واذكر } لقومك { في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً } مؤمناً مُؤقناً { نبياً } رسولاً رفيعاً .\r { إذا قال لأبيه : يا أبتِ لم تعبد ما لا يسمع } الدُّعاء { ولا يبصر } العبادة { ولا يغني } ولا يدفع { عنك } من عذاب الله { شيئاً } .","part":1,"page":490},{"id":491,"text":"{ يا أبت لا تعبد الشيطان } لا تُعطه { إنَّ الشيطان كان للرحمن عصياً } عاصياً .\r { يا أبت إني أخاف } إن متَّ على ما أنت عليه أن يصيبك { عذابٌ من الرحمن فتكون للشيطان ولياً } قريناً في النَّار .\r { قال } أبوه مُجيباً له : { أراغب أنت عن آلهتي } أَزاهدٌ فيها وتارك لعبادتها؟! { لئن لم تنته } لئن لم ترجع عن مقالتك في عيبها { لأرجمنك } لأشتمنَّك { واهجرني ملياً } زماناً طويلاً من الدَّهر .","part":1,"page":491},{"id":492,"text":"{ قال } إبراهيم : { سلام عليك } أَيْ : سلمتَ مني لا أصيبك بمكروه ، وهذا جواب الجاهل ، كقوله : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً } { سأستغفر لك ربي } كان هذا قبل أن نُهي عن استغفاره ، وعده ذلك رجاء أن يُجاب فيه { إنه كان بي حفياً } بارَّاً لطيفاً .\r { وأعتزلكم وما تدعون } أُفارقكم وأُفارق ما تعبدون من أصنامكم { وأدعو ربي } أعبده { عسى أن لا أكون بدعاء ربي } بعبادته { شقياً } كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام . يريد : إنَّه يتقبَّل عبادتي ويُثيبني عليها .\r { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله } وذهب مهاجراً إلى الشَّام { وهبنا له } بعد الهجرة { إسحق ويعقوب وكلاً } منهما { جعلنا } هُ { نبياً } .\r { ووهبنا لهم من رحمتنا } يعني : النُّبوَّة والكتاب { وجعلنا لهم لسان صدق علياً } ثناءً حسناً رفيعاً في كلِّ أهل الأديان .\r { واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً } مُوحِّداً قد أخلص دينه لله .\r { وناديناه من جانب الطور الأيمن } حيث أقبل من مدين يريد مصر ، فنودي من الشَّجرة ، وكانت في جانب الجبل على يمين موسى { وقرَّبناه نجيَّاً } قرَّبة الله تعالى من السَّموات للمناجاة ، حتى سمع صرير القلم يكتب له في الألواح .\r { ووهبنا له من رحمتنا } من نعمتنا عليه { أخاه هارون نبيَّاً } حين سأل ذلك ربَّه فقال : { واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي . . . } الآية .","part":1,"page":492},{"id":493,"text":"{ واذكر في الكتاب إسماعيل إنَّه كان صادق الوعد } إذا وعد وفَّى ، وانتظر إنساناً في مكانٍ وعده عنده حتى حال الحول عليه . { وكان رسولاً نبيَّاً } قد بُعث إلى جرهم .\r { وكان يأمر أهله } يعني : قومه { بالصلاة والزكاة } المفروضة عليهم { وكان عند ربِّه مرضياً } لأنَّه قام بطاعته .\r { واذكر في الكتاب } القرآن { إدريس } وقصَّته { إنَّه كان صديقاً نبيَّاً } .\r { ورفعناه مكاناً علياً } رُفع إلى السَّماء الرَّابعة . وقيل : إلى الجنَّة .\r { أولئك الذين } يعني : الذين ذكرهم من الأنبياء كانوا { من ذريَّة آدم وممن حملنا مع نوح } ومن ذريَّة مَنْ حملنا مع نوح في سفينته { ومن ذرية إبراهيم } يعني : إسحاق وإسماعيل ويعقوب { وإسرائيل } يعني : موسى وهارون { وممَّن هدينا } أرشدنا { واجتبينا } اصطفينا { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرُّوا سجداً وبكياً } [ جمع باكٍ ] أخبر الله سبحانه أنَّ هؤلاء الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سبحانه سجدوا وبكوا من خشية الله تعالى .","part":1,"page":493},{"id":494,"text":"{ فَخَلفَ من بعدهم } قفا بعد هؤلاء { خلف } قوم سوء ، يعني : اليهود والنَّصارى والمجوس { أضاعوا الصلاة } تركوا الصَّلاة المفروضة { واتبعوا الشهوات } اللَّذات من شرب الخمر والزِّنا { فسوف يلقون غياً } وهو وادٍ في جهنم .\r { إلاَّ من تاب } من الشِّرك { وآمن } وصدَّق النَّبيِّين { وعمل صالحاً } أدَّى الفرائض { فأولئك يدخلون الجنَّة ولا يظلمون شيئاً } لا يُنقصون من ثواب أعمالهم شيئاً .\r { جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب } بالمغيب عنهم ولم يروها { إنَّه كان وعده مأتياً } يؤتي ما وعده لا محالة ، تأتيه أنت كما يأتيك هو .\r { لا يسمعون فيها لغواً } قبيحاً من القول { إلاَّ } لكن { سلاماً } قولاً حسناً يسلمون منه ، والسَّلام : اسمٌ جامعٌ للخير { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً } على قدر ما يعرفون في الدُّنيا من الغداء والعشاء .\r { تلك الجنة التي نورث } نُعطي ونُنرل { من عبادنا مَنْ كان تقياً } يتَّقي الله بطاعته واجتناب معاصيه .\r { وما نتنزل } كان جبريل عليه السَّلام قد احتبس عن النبيِّ A أيَّاماً ، فلمَّا نزل قال له : ألاَّ زرتنا ، فأنزل الله سبحانه { وما نتنزل إلاَّ بأمر ربك له ما بين أيدينا } من أمر الآخرة [ { وما خلفنا } ما مضى من أمر الدُّنيا ] { وما بين ذلك } ما يكون من هذا الوقت إلى قيام السَّاعة . وقيل : { له ما بين أيدينا } : يعني : الدُّنيا ، { وما خلفنا } يعني : السَّموات ، { وما بين ذلك } : الهواء : { وما كان ربك نسياً } تاركاً لك منذ أبطأ عنك الوحي . وقوله : \r { هل تعلم له سمياً } هل تعلم أحداً يُسمَّى الله غيره؟\r { ويقول الإِنسان } يعني : أُبيَّ بن خلف { أإذا ما متُّ لسوف أخرج حياً } يقول هذا استهزاءً وتكذيباً بالبعث ، يقول : لسوف أخرج حيَّاً من قبري بعد ما متُّ!؟\r { أَوَلاَ يذكر } يتذكَّر ويتفكَّر هذا { الإنسان أنَّا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً } فيعلم أنَّ مَنْ قدر على الابتداء قدر على الإِعادة ، ثمَّ أقسم بنفسه أنَّه يبعثهم فقال : \r { فوربك لنحشرنَّهم } يعني : منكري البعث { والشياطين } قرناءهم الذين أضلُّوهم { ثمَّ لنحضرنَّهم حول جهنم جثياً } جماعات ، جمع : جُثوة .\r { ثمَّ لننزعنَّ } لنخرجنَّ { من كلِّ شيعة } أُمَّةٍ وفرقةٍ { أيُّهم أشدُّ على الرحمن عتياً } الأعتى فالأعتى منهم ، وذلك أنَّه يبدأ في التعذيب بأشدهم عتيَّا ، ثمَّ الذي يليه .","part":1,"page":494},{"id":495,"text":"{ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً } أحقُّ بدخول النَّار .\r { وإنْ منكم } وما منكم من أحدٍ { إلاَّ واردُها } إلاَّ وهو يرد النَّار { كان على ربك } كان الورود على ربِّك { حتماً مقضياً } حتم بذلك وقضى .\r { ثمَّ نُنَجِّي } من النَّار { الذين اتقوا } الشِّرك { ونذر الظالمين } المشركين { فيها جثياً } [ أَيْ ] : جميعاً .\r { وإذا تتلى عليهم آياتنا بَيِّناتٍ } يعني : القرآن وما بيَّن الله فيه { قال الذين كفروا } يعني : مشركي قريش { للذين آمنوا أَيُّ الفريقين } منَّا ومنكم { خيرٌ مقاماً } منزلاً ومسكناً { وأحسن ندياً } مجلساً ، وذلك أنَّهم كانوا أصحاب مالٍ وزينةٍ من الدُّنيا ، وكان المؤمنون أصحاب فقرٍ ورَثَاثة ، فقالوا لهم : نحن أعظم شأناً ، وأعزُّ مجلساً ، وأكرم منزلاً أم أنتم؟ فقال الله تعالى : \r { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً } متاعاً { ورئياً } منظراً من هؤلاء الكفَّار ، فلم يُغن ذلك عنهم شيئاً .\r { قل مَنْ كان في الضلالة } الشِّرك والجهالة { فليمدد له الرحمن مدَّاً } فإنَّ الله تعالى يمدُّ له فيها ويمهله في كفره ، وهذا لفظ أمرٍ معناه الخبر { حتى إذا رأوا ما يوعدون إمَّا العذاب } في الدُّنيا { وإما الساعة فسيعلمون مَنْ هو شرٌّ مكاناً وأضعف جنداً } أَهم أم المؤمنون؟ وذلك أنَّهم إن قُتلوا ونُصر المؤمنون عليهم علموا أنَّهم أضعف جنداً ، وإن ماتوا فدخلوا النَّار علموا أنَّهم شرٌّ مكاناً .","part":1,"page":495},{"id":496,"text":"{ ويزيد الله الذين اهتدوا هدىً } يزيدهم في يقينهم ورشدهم { والباقيات الصالحات } الأعمال الصَّالحة { خيرٌ عند ربك ثواباً } ممَّا يملك الكفَّار من المال { وخيرٌ مردَّاً } أَيْ : في المرَدِّ ، وهو الآخرة .\r { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } يعني : العاص بن وائل { وقال لأوتين مالاً وولداً } وذلك أنَّ خبَّاباً اقتضى ديناً له عليه ، فقال : ألستم تزعمون أنَّ في الجنَّة ذهباً وفضَّةً؟ ولئن كان ما تقولون حقَّاً فإنِّي لأفضلُ نصيباً منك ، فأَخِّرني حتى أقضيك في الجنَّة ، استهزاءً ، فذلك قوله : { لأوتين مالاً وولداً } يعني : في الجنَّة ، فقال الله تعالى : \r { أطلع الغيب } أعلمَ علم الغيب حتى عرف أنَّه في الجنَّة { أم اتخذ عند الرحمن عهداً } أم قال : لا إله إلاَّ الله حتى يستحقَّ دخول الجنَّة؟\r { كلا } ليس الأمر كما يقول : { سنكتب ما يقول } سيحفظ عليه ما يقول من الكفر والاستهزاء لنجازيه به { ونمدُّ له من العذاب مدَّاً } نزيده عذاباً فوق العذاب .\r { ونرثه ما يقول } من أنَّ في الجنَّة ذهباً وفضةً ، فنجعله لغيره من المسلمين { ويأتينا فرداً } خالياً من ماله وولده وخدمه . { واتخذوا من دون الله } يعني : أهل مكَّة { آلهة } وهي الأصنام { ليكونوا لهم عزَّاً } أعواناً يمنعونهم مني .","part":1,"page":496},{"id":497,"text":"{ كلا } ليس الأمر على ما ظنُّوا { سيكفرون بعبادتهم } لأنَّهم كانوا جماداً لم يعرفوا أنَّهم يُعبدون { ويكونون عليهم ضداً } أعواناً ، وذلك أنَّ الله تعالى يحشر آلهتهم فينطقهم ، ويركِّب فيهم العقول فتقول : يا ربِّ عذّب هؤلاء الذين عبدونا من دونك .\r { الم تر } يا محمَّد { إنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين } سلَّطناهم عليهم بالإِغواء { تؤزهم أزَّاً } تُزعجهم من الطَّاعة إلى المعصية .\r { فلا تعجل عليهم } بالعذاب { إنما نعدُّ لهم } الأيَّام واللَّيالي والأنفاس { عدَّاً } إلى انتهاء أجل العذاب .\r { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً } ركباناً مُكرمين .\r { ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً } عطاشاً .\r { لا يملكون الشفاعة إلاَّ من اتَّخذ } لكم { عند الرحمن عهداً } اعتقد التَّوحيد وقال : لا إله إلاَّ الله؛ فإنه يملك الشَّفاعة ، والمعنى : لا يشفع إلاَّ مَنْ شهد أن لا إله إلاَّ الله .\r { وقالوا اتخذ الرحمن ولداً } يعني : اليهود والنَّصارى ، ومَنْ زعم أنَّ الملائكة بنات الله .\r { لقد جئتم شيئاً إدَّاً } عظيماً فظيعاً .","part":1,"page":497},{"id":498,"text":"{ تكاد السموات } تقرب من أن { يتفطرن } يتشقَّقْن { منه } من هذا القول { وتخرُّ } وتسقط { الجبال هدَّاً } سقوطاً .\r { أن دعوا } لأنْ دعوا { للرحمن ولداً } .\r { وما ينبغي للرحمن أن يتَّخذ ولداً } لأنَّه لا يليق به الولد ، ولا مجانسة بينه وبين أحد .\r { إن كلُّ } ما كلُّ { من في السموات والأض إلاَّ } وهو يأتي الله سبحانه يوم القيامة مُقرَّاً له بالعبوديَّة .\r { لقد أحصاهم وعدَّهم عدَّاً } أَيْ : علمهم كلَّهم ، فلا يخفى عليه أحدٌ ولا يفوته .\r { وكلهم آتيْهِ يوم القيامة فرداً } من ماله وولده ليس معه أحدٌ .\r { إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } محبَّةً في قلوب المؤمنين ، قيل : نزلت في عليّ بن أبي طالب . وقيل : في عبد الرَّحمن بن عوف .\r { فإنما يسرناه } سهَّلنا القرآن { بلسانك } بلغتك { لتبشر به المتقين } الذين صدَّقوا وتركوا الشِّرك { وننذر به قوماً لداً } شداد الخصومة .\r { وكم أهلكنا من قبلهم } قبل قومك { من قرن } جماعةٍ { هل تحس } تجد { منهم من أحدٍ أو تسمع لهم رِكْزاً } صوتاً .","part":1,"page":498},{"id":499,"text":"{ طه } يا رجل .\r { وما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } لتتعب بكثرة الجهد ، وذلك أنَّه كان يُصلِّي اللَّيل كلَّه بمكَّة حتى تورَّمت قدماه ، وقال له الكفَّار : إنَّك لتشقى بترك ديننا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .\r { إلاَّ تذكرة } أي : ما أنزلناه إلاَّ تذكرةً ، موعظةً { لمن يخشى } يخاف الله عزَّ وجلَّ .\r { تنزيلاَ ممَّن خلق الأرض والسموات العلى } جمع العليا .\r { الرحمن على العرش } مع أنَّه أعظم المخلوقات { استوى } [ أي : أقبل على خلقه ، كقوله : { ثم استوى إلى السماء } مع أنه أعظم المخلوقات ] ، أي : استولى .","part":1,"page":499},{"id":500,"text":"{ وما تحت الثرى } ما تحت الأرض ، والثَّرى : التُّراب النَّدي .\r { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر } وهو ما أسررت لفي نفسك { وأخفى } وهو ما ستحدِّث به نفسك ممَّا لم يكن بعد ، والمعنى : إنَّه يعلم هذا ، فكيف ما جُهِرَ به؟","part":1,"page":500},{"id":501,"text":"{ وهل أتاك } يا محمَّد . { حديث موسى } خبره وقصَّته .\r { إذ رأى ناراً } في طريقه إلى مصر لمَّا أخذ امرأته الطَّلْقُ { فقال لأهله } لامرأته : { امكثوا } أقيموا مكانكم { إني آنست } أبصرت { ناراً لعلي آتيكم منها بقبس } شعلة نارٍ { أو أجد على النار هدى } مَنْ يهديني ويدلُّني على الطَّريق ، وكان قد ضلَّ عن الطَّريق .\r { فلما أتاها } أي : النَّار .\r { نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك } وكانتا من جلد حمارٍ ميِّتٍ غيرِ مدبوغٍ ، لذلك أُمر بخلعها { إنك بالواد المقدس } المُطهَّر { طوى } اسم ذلك الوادي .\r { وأنا اخترتك } اصطفيتك للنُّبوَّة { فاستمع لما يوحى } إليك مني .\r { وأقم الصلاة لذكري } لتذكرني فيها .","part":1,"page":501},{"id":502,"text":"{ إنَّ الساعة } القيامة { آتية أكاد أخفيها } أسترها للتَّهويل والتَّعظيم ، و \" أكادُ \" صلةٌ { لتجزى } في ذلك اليوم { كل نفس بما تسعى } تعمل .\r { فلا يصدنك } يمنعنَّك { عنها } عن الإِيمان بالسَّاعة { مَنْ لا يؤمن بها واتبع هواه } مراده { فتردى } فتهلك .\r { وما تلك } وما التي { بيمينك } في يدك اليمنى؟ { قال هي عصاي أتوكأ عليها } أتحامل عليها عند المشي والإِعياء { وأهش } أخبط الورق عن الشَّجر { بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى } حاجاتٌ أخرى سوى التَّوَكُّؤِ والهشِّ .","part":1,"page":502},{"id":503,"text":"{ سنعيدها سيرتها الأولى } أَيْ : نردُّها عصاً كما كانت .\r { واضمم يدك إلى جناحك } جناح الإِنسان : عضده إلى أصل إبطه ، يريد : أدخلها تحت جناحك { تخرج بيضاء من غير سوء } برصٍ أو داءٍ { آية أخرى } لك سوى العصا .\r { لنريك من آياتنا الكبرى } وكانت يده أكبر آياته .\r { اذهب إلى فرعون إنه طغى } كفر بأنعمي ، وتكبَّر عن عبادتي ، فعند ذلك .\r { قال } موسى : { رب اشرح لي صدري } وسِّعْ ولَيِّنْ لي قلبي بالإِيمان والنُّبوَّة .\r { ويسِّر لي أمري } وسهِّلْ عليَّ ما أمرتني به من تبليغ الرِّسالة .","part":1,"page":503},{"id":504,"text":"{ واحلل } افتح { عقدة من لساني } وكانت في لسانه رُتَّة للجمرة التي وضعها على لسانه في صباه .\r { يفقهوا قولي } كي يفهموا كلامي .\r { واجعل لي وزيراً } معيناً { من أهلي } وهو ، \r { هارون } .\r { اشدد به أزري } قوِّ به ظهري .\r { وأشركه في أمري } اجعل ما أمرتني به من النُّبوَّة بيني وبينه .\r { كي نسبحك } نصلِّي لك { كثيراً } .\r { ونذكرك كثيراً } باللسان على كلِّ حالٍ .\r { إنك كنت بنا بصيراً } عالماً ، فاستجاب الله له ، وقال تعالى : \r { قد أوتيت سؤلك يا موسى } أُعطيت مرادك ، ثمَّ ذكر منَّته السالفة عليه بقوله تعالى : \r { ولقد مننا عليك مرَّة أخرى } قبل هذه ، وهي : { إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى } أَيْ : ألهمناها ما يلهم الإِنسان من الصَّواب ، وهو إلهام الله تعالى إيَّاها : \r { أن اقذفيه } اجعليه { في التابوت فاقذفيه } فاطرحيه { في اليم } يعني : نهر النِّيل .\r { فليلقه اليمُّ بالساحل } فيردُّه الماء إلى الشَّطِّ { يأخذه عدوٌّ لي وعدوٌّ له } وهو فرعون { وألقيت عليك محبة مني } حتى لم يقتلك عدوُّك الذي أخذك من الماء ، وهو أنَّه حبَّبه إلى الخلق كلِّهم ، فلا يراه مؤمنٌ ولا كافرٌ إلاَّ أحبَّه . { ولتصنع } ولتربى وتغذَّى { على عيني } على محبَّتي ومرادي . يعني : إذ ردَّه إلى أُمِّه حتى غذته ، وهو قوله : \r { إذ تمشي أختك } مُتعرِّفةً خبرك وما يكون من أمرك بعد الطَّرح في الماء { فتقول } لكم : { هل أدلُّكم على مَنْ يكفله } يرضعه ويضمُّه إليه ، وذلك حين أبى موسى عليه السَّلام أن يقبل ثدي امرأةٍ ، فلمَّا قالت لهم ذلك قالوا : نعم ، فجاءت بالأُمِّ ، فَدُفع إليها ، فذلك قوله : { فرجعناك إلى أمك كي تقرَّ عينها } بلقائك وبقائك { ولا تحزن } على فقدك { وقتلت نفساً } يعني : القبطي الذي قتله { فنجيناك من الغم } من غمِّ أن تُقتل به { وفتناك فتوناً } اختبرناك اختباراً بأشياء قبل النَّبوَّة { فلبثت } مكثت { سنين في أهل مدين } عشر سنين في منزل شعيب { ثم جئت على قدر } على رأس أربعين سنة . وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء عليهم السَّلام .\r { واصطنعتك لنفسي } اخترتك بالرِّسالة لكي تحبَّني وتقوم بأمري .\r { اذهب أنت وأخوك بآياتي } يعني : بما أعطاهما من المعجزة { ولا تنيا } لا تَفتُرا .\r { اذهبا إلى فرعون إنَّه طغى } علا وتكبَّر .","part":1,"page":504},{"id":505,"text":"{ فقولا له قولاً ليّناً } كنِّياه وعِداه على الإِيمان نعيماً وعمراً طويلاً في صحَّة ، ومصيراً إلى الجنَّة { لعله يتذكر } يتَّعظ { أو يخشى } يخاف الله تعالى ، ومعنى \" لعلَّ \" ها هنا يعود إلى حال موسى وهارون . أَي : اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ، وقد علم الله تعالى ما يكون منه .\r { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا } [ يعجل علينا ] بالقتل والعقوبة { أو أن يطغى } يتكبَّر ويستعصي .\r { قال لا تخافا إنني معكما } بالعون والنُّصرة { أسمع } ما يقول { وأرى } ما يفعل . وقوله : \r { فأرسل معنا بني إسرائيل } أَيْ : خلِّ عنهم ولا تستسخرهم { ولا تعذبهم } ولا تتعبهم في العمل { قد جئناك بآية من ربك } يعني : اليد البيضاء [ والعصا ] { والسلام على من اتبع الهدى } سَلِمَ مَنْ أسلم .\r { إنا قد أوحي إلينا أنَّ العذاب على مَنْ كذَّب } أنبياء الله { وتولى } أعرض عن الإِيمان .","part":1,"page":505},{"id":506,"text":"{ ربنا الذي أعطى كلَّ شيء خلقه } أَيْ : أتقن كلَّ شيءٍ ممَّا خلق ، وخلقه على الهيئة التي بها يُنتفع ، والتي هي أصلح وأحكم لما يُراد منه { ثم هدى } أي : هداه لمعيشته ، ثمَّ سأله فرعون عن أعمال الأمم الماضية .","part":1,"page":506},{"id":507,"text":"{ فما بال القرون الأولى } الماضية؟ فأجابه موسى عليه السَّلام بأنَّ أعمالهم محفوظةٌ عند الله يُجازون بها ، وهو قوله : \r { علمها عند ربي في كتاب } وهو اللَّوح المحفوظ { لا يضل ربي } لا يخطىء ، ومعناه : لا يترك مَنْ كفر به حتى ينتقم منه { ولا ينسى } مَنْ وحَّده حتى يجازيه .\r { الذي جعل لكم الأرض مهاداً } فراشاً { وسلك لكم فيها سبلاً } وسهَّل لكم فيها طُرُقاً { وأنزل من السماء ماء } يريد : المطر ، وتمَّ ها هنا جواب موسى ، ثمَّ تلوَّن الخطاب ، وقال الله تعالى : { فأخرجنا به أزواجاً } أصنافاً { من نبات شتى } مختلفة الألوان والطُّعوم .\r { كلوا } منها { وارعوا أنعامكم } فيها ، أَيْ : أسيموها واسرحوها في نبات الأرض { إنَّ في ذلك } الذي ذكرت { لآيات } لعبرة { لأولي النهي } لذوي العقول .\r { منها خلقناكم } يعني : آدم عليه السَّلام { وفيها نعيدكم } عند الموت { ومنها نخرجكم } عند البعث { تارة } مرَّةً { أخرى } .\r { ولقد أريناه } يعني : فرعون { آياتنا كلَّها } الآيات التِّسع { فكذَّب } بها ، وزعم أنَّها سحرٌ { وأبى } أن يُسلم .\r { قال } لموسى : { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا } من أرض مصر .","part":1,"page":507},{"id":508,"text":"{ بسحرك يا موسى فلنأتينَّك بسحر مثله } فلنعارضنَّ سحرك بسحرٍ مثله { فاجعل بيننا وبينك موعداً } لمعارضتنا إيَّاك ، لا نُخلف ذلك الموعد { نحن ولا أنت } وأراد بالموعد ها هنا موضعاً يتواعدون للاجتماع هناك ، وهو قوله : { مكاناً سوى } أَيْ : يكون النَّصف فيما بيننا وبينك .\r { قال موعدكم يوم الزينة } أَيْ : وقتُ موعدكم يوم الزِّينة ، وهو يوم عيدٍ كان لهم { وأن يحشر الناس ضحى } يريد : يجمع أهل مصر في ذلك اليوم نهاراً ، أراد موسى صلوات الله عليه أن يكون أبلغ في الحجَّة ، وأشهر ذكراً في الجمع .\r { فتولى } فأدبر { فرعون فجمع كيده } حِيَله وسحرته { ثم أتى } الميعاد .\r { قال لهم موسى } للسَّحرة : { لا تفتروا على الله كذباً } لا تشركوا مع الله أحداً { فيسحتكم } فيستأصلكم { بعذاب وقد خاب من افترى } خسر مَن ادَّعى مع الله تعالى إلهاً آخر .\r { فتنازعوا أمرهم بينهم } فتشاوروا بينهم ، يعني : السَّحرة { وأسروا النجوى } تكلَّموا فيما بينهم سرَّاً من فرعون ، فقالوا : إنْ غلَبَنا موسى اتَّبعناه .\r { قالوا إنَّ هذين لساحران } يعنون : موسى وهارون عليهما السَّلام { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } من مصر ويغلبا عليها { بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } بجماعتكم الأشراف ، أَيْ : يصرفا وجوههم إليهما .","part":1,"page":508},{"id":509,"text":"{ فأجمعوا كيدكم } أي : اعزموا على الكيد من غير اختلافٍ بينكم فيه { ثم ائتوا صفاً } مُجتمعين مصطفِّين؛ ليكون أشدَّ لهيبتكم { وقد أفلح اليوم من استعلى } أَيْ : قد سعد اليوم مَنْ غلب .\r { قالوا يا موسى إمَّا أن تلقي } عصاك من يدك إلى الأرض { وإمَّا أن نكون أوَّل من ألقى } .\r { قال بل ألقوا } أنتم ، فألقوا { فإذا حبالهم وعصيهم } جمع العصا { يخيل إليه } يُشبَّه لموسى { أنها تسعى } وذلك أنَّها تحرَّكت بنوع حيلةٍ وتمويهٍ ، وظن موسى أنَّها تسعى نحوه .\r { فأوجس } فأضمر { في نفسه خيفة } خوفاً ، خاف أن لا يفوز ولا يغلب فلا يُصدَّق ، حتى قال الله تعالى له : \r { لا تخف إنك أنت الأعلى } الغالب .\r { وألق ما في يمينك تلقف } تبتلع { ما صنعوا إنّ ما صنعوا } أي : الذي صنعوه { كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى } ولا يسعد السَّاحر حيث ما كان . فألقى موسى عصاه فتلقَّفت كلَّ الذي صنعوه ، وعند ذلك أُلقي .\r { السحرة سجداً } خرُّوا ساجدين لله تعالى { قالوا آمنا برب هارون وموسى }","part":1,"page":509},{"id":510,"text":"{ قال آمنتم له } صدّقتموه { قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم } معلّمكم { الذي علمكم السحر فلأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم من خلاف } اليد اليمنى والرِّجل اليسرى { ولأصلبنكم في جذوع النخل } على رؤوس النَّخل { ولتعلمن أينا أشد عذاباً } أنا أو ربُّ موسى { وأبقى } وأدوم .\r { قالوا لن نؤثرك } لن نختار دينك { على ما جاءنا من البينات } اليقين والهدى { والذي فطرنا } ولا نختارك على الذي خلقنا { فاقض ما أنت قاض } فاصنع ما أنت صانعٌ من القطع والصَّلب { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } إنَّما سلطانك وملكك في هذه الحياة الدُّنيا .\r { إنَّا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } الشِّرك الذين كنَّا فيه { وما أكرهتنا عليه من السحر } وإكراهك إيانا على تعلُّم السِّحر { والله خير } لنا منك { وأبقى } لأنَّك فانٍ هالكٌ .\r { إنَّه مَنْ يأت ربَّه مجرماً } مات على الشِّرك { فإنَّ له جهنم لا يموت فيها } فيستريح بالموت { ولا يحيا } حياةً تنفعه .\r { ومَنْ يأته مؤمناً } مات على الإيمان { قد عمل الصالحات } قد أدَّى الفرائض { فأولئك لهم الدرجات العلى } في الجنَّة . وقوله : \r { جزاء من تزكى } تطهَّر من الشِّرك بقول : لا إله إلاَّ الله .","part":1,"page":510},{"id":511,"text":"{ ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي } سِرْ بهم ليلاً من أرض مصر { فاضرب لهم } بعصاك { طريقاً في البحر يبساً } يابساً { لا تخاف دركاً } من فرعون خلفك { ولا تخشى } غرقاً في البحر .\r { فأتبعهم } فلحقهم { فرعون بجنوده فغشيهم من اليم } فعلاهم من البحر { ما غشيهم } ما غرَّقَهم .\r { وأضل فرعون قومه وما هدى } ردَّ عليه حيث قال : { وما أهديكم إلاَّ سبيل الرشاد } ثمَّ ذكر مِننه على بني إسرائيل فقال : \r { قد أنجيناكم من عدوكم } فرعون { وواعدناكم } لإِيتاء الكتاب { جانب الطور الأيمن } وذلك أنَّ الله سبحانه وعد موسى أن يأتي هذا المكان ، فيؤتيه كتاباً فيه الحلال والحرام والأحكام ، ووعدهم موسى أن يأتي هذا المكان عند ذهابه عنهم { ونزلنا عليكم المنَّ والسلوى } يعني : في التِّيه .\r { كلوا } أيْ : وقلنا لهم : كلوا { من طيبات } حلالات { ما رزقناكم ولا تطغوا } ولا تكفروا النِّعمة { فيه فيحلَّ } فيجب { عليكم غضبي ومن يحلل } [ يجب ] { عليه غضبي فقد هوى } هلك وصار إلى الهاوية .\r { وإني لغفار لمن تاب } من الشِّرك { وآمن } وصدَّق بالله { وعمل صالحاً } بطاعة الله { ثمَّ اهتدى } أقام على ذلك حتى مات عليه .","part":1,"page":511},{"id":512,"text":"{ وما أعجلك عن قومك } يعني : السَّبعين الذين اختارهم ، وذلك أنَّه سبقهم شوقاً إلى ميعاد الله ، وأمرهم أن يتَّبعوه ، فذلك قوله : \r { قال : هم أولاء على أثري } يجيئون بعدي { وعجلت إليك } بسبقي إيَّاهم { لترضى } لتزداد عني رضىً .\r { قال فإنا فد فتنا قومك } أَيْ : ألقيناهم في الفتنة واختبرناهم { من بعدك } من بعد خروجك من بينهم { وأضلهم السامريُّ } بدعائهم إلى عبادة العجل .\r { فرجع موسى إلى قومه غضان أسفاً } شديد الحزن . { قال : يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً } أنَّه يعطيكم التَّوراة [ صدقاً ] لذلك الموعد . { أفطال عليكم العهد } مدَّة مفارقتي إيَّاكم { أم أردتم أن يحل } أن يجب { عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي } باتِّخاذ العجل ولم تنظروا رجوعي إليكم .\r { قالوا : ما أخلفنا موعدك بملكنا } [ باختيارنا ] ونحن نملك من أمرنا شيئاً ، ولكنَّ السَّامريَّ استغوانا وهو معنى قوله : { ولكنا حملنا أوزاراً } أثقالاَ { من زينة القوم } من حُلي آل فرعون { فقذفناها } ألقيناها في النَّار بأمر السَّامِرِيَّ ، وذلك أنَّه قال : اجمعوها وألقوها في النَّار ليرجع موسى ، فيرى فيها رأيه { فكذلك ألقى السامري } ما معه من الحُلِّي في النَّار ، وهو قوله : { فكذلك ألقى السامري } ثمَّ صاغ لهم عجلاً .","part":1,"page":512},{"id":513,"text":"{ فأخرج لهم عجلاً جسداً } لحماً ودماً { له خوار } صوت ، فسجدوا له ، وافتتنوا به ، وقالوا : { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } فتركه ها هنا وخرج يطلبه . قال الله تعالى احتجاجاً عليهم : \r { أفلا يرون ألا يرجع } أنَّه لا يرجع { إليهم قولاً } لا يُكلِّمهم العجل ولا يجيبهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } .\r { ولقد قال لهم هارون من قبل } من قبل رجوع موسى : { يا قوم إنما فتنتم به } ابتليتم بالعجل { وإنَّ ربكم الرحمن } لا العجل { فاتبعوني } على ديني { وأطيعوا أمري } .\r { قالوا لن نبرح عليه عاكفين } على عبادته مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } فلمَّا رجع موسى .\r { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أخطأوا الطَّريق بعبادة العجل { أن لا تتبعني } أن تتبعني وتلحق بي وتخبرني؟ { أفعصيت أمري } حيث أقمتَ فيما بينهم وهم يعبدون غير الله!؟ ثمَّ أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضباً وإنكاراً عليه ، فقال : \r { يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرَّقت بين بني إسرائيل } خشيت إن فارقتهم واتَّبعتك أن يصيروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً ، فتقول : أوقعتَ الفرقة فيما بينهم { ولم ترقب قولي } لم تحفظ وصيتي في حسن الخلافة عليهم .","part":1,"page":513},{"id":514,"text":"ثمَّ أقبل موسى على السَّامري فقال : \r { فما خطبك } فما قصَّتك وما الذي تخاطب به فيما صنعت؟\r { وقال : بصرت بما لم يبصروا به } علمت ما لم يعلمه بنو إسرائيل . قال موسى : وما ذلك؟ قال : رأيت جبريل عليه السَّلام على فرس الحياة ، فأُلقي في نفسي أن أقبض من أثرها ، فما ألقيته على شيءٍ إلاَّ صار له روحٌ ولحمٌ ودمٌ ، فحين رأيتُ قومك سألوك أن تجعل لهم إلهاً زيَّنت لي نفسي ذلك ، فذلك قوله : { فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها } طرحتها في العجل { وكذلك سوَّلت لي نفسي } حدَّثتني نفسي .\r { قال } له موسى صلوات الله عليه : { فاذهب فإنَّ لك في الحياة } يعني : ما دمت حيَّاً { أن تقول لا مساس } لا تخالط أحداً ولا يخالطك ، وأمر موسى بني إسرائيل ألا يخالطوه ، وصار السَّامريُّ بحيث لو مسَّه أحدٌ أو مسَّ هو أحداً حُمَّ كلاهما { وإن لك موعداً } لعذابك { لن تخلفه } لن يُخلفكه الله { وانظر إلى إلهك } معبودك { الذي ظلت عليه عاكفاً } دمتَ عليه مقيماً تعبده { لنحرقنَّه } بالنَّار { ثمَّ لننسفنَّه } لنذرينَّه في البحر .\r { إنما إلهكم الله الذي لا إله إلاَّ هو } لا العجل { وسع كلَّ شيء علماً } علم كلَّ شيء علماً .","part":1,"page":514},{"id":515,"text":"{ كذلك } كما قصصنا عليك هذه القصَّة { نقص عليك من أنباءِ ما قد سبق } من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } يعني : القرآن .\r { من أعرض عنه } فلم يؤمن به { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } حملاً ثقيلاً من الكفر .\r { خالدين فيه } لا يغفر ربك لهم ذلك ، ولا يكفِّر عنهم شيء { وساء لهم يوم القيامة حملاً } بئس ما حملوا على أنفسهم من المآثم كفراً بالقرآن .\r { يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين } الذين اتَّخذوا مع الله إلهاً آخر { يؤمئذ زرقاً } زرق العيون سود الوجوه .\r { يتخافتون } يتساررون { بينهم إن لبثهم } ما لبثتم في قبوركم إلاَّ عشر ليالٍ يريدون : ما بين النَّفختين ، وهو أربعون سنة يُرفع العذاب في تلك المدَّة عن الكفَّار ، فيستقصرون تلك المدَّة إذا عاينوا هول القيامة ، قال الله تعالى : \r { نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة } أعدلهم قولاً { إن لبثتم إلاَّ يوماً } .\r { ويسألونك عن الجبال } سألوا النبيَّ A كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ { فقل ينسفها ربي نسفاً } يصيِّرها كالهباء المنثور حتى تستوي مع الأرض ، وهو قوله : \r { فيذرها قاعاً صفصفاً } مكاناً مستوياً .\r { لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً } انخفاضاً وراتفاعاً .","part":1,"page":515},{"id":516,"text":"{ يومئذ يتبعون الداعي } الذي يدعوهم إلى موقف القيامة ، ولا يقدرون ألا يتَّبعوا { وخشعت } سكنت { الأصوات للرحمن فلا تسمع إلاَّ همساً } وَطْءَ الأقدام في نقلها إلى المحشر .\r { يومئذ } يوم القيامة { لا تنفع الشفاعة } أحداً { إلاَّ مَنْ أذن له الرحمن } في أن يُشفَع له ، وهم المسلمون الذين رضي الله قولهم؛ لأنَّهم قالوا : لا إله إلاَّ الله ، وهذا معنى قوله : { ورضي له قولاً } .\r { يعلم ما بين أيديهم } من أمر الآخرة { وما خلفهم } في أمر الدُّنيا . وقيل : ما قدَّموا وما خلَّفوا من خيرٍ وشرٍّ { ولا يحيطون به علماً } وهم لا يعلمون ذلك .\r { وعنت الوجوه } خضعت وذلَّت { للحيّ القيوم وقد خاب مَنْ حمل ظلماً } خسر مَنْ أشرك بالله .\r { ومَنْ يعمل من الصالحات } الطَّاعات لله { وهو مؤمن } مصدِّق بما جاء به محمد A { فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } لا يخاف أن يزاد في سيئاته ، ولا ينقص من حسناته .\r { وكذلك } وهكذا { أنزلناه قرآناً عربياً وصرَّفنا } بيَّنا { فيه من الوعيد لعلَّهم يتقون أو يحدث لهم } القرآن { ذكراً } وموعظة .","part":1,"page":516},{"id":517,"text":"{ ولا تعجل بالقرآن } كان إذا نزل جبريل عليه السَّلام بالوحي يقرؤه مع جبريل عليه السَّلام مخافة النِّسيان ، فأنزل الله سبحانه : { ولا تعجل بالقرآن } أَيْ : بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } من قبل أن يفرغ جبريل ممَّا يريد من التَّلاوة { وقل رب زدني علماً } بالقرآن ، وكان كلمة نزل عليه شيء من القرآن ازداد به علماً .\r { ولقد عهدنا إلى آدم } أمرنا وأوصينا إليه { من قبل } هؤلاء الذين تركوا أمري ، ونقضوا عهدي في تكذيبك { فنسي } فترك ما أمر به { ولم نجد له عزماً } حفظاً لما أُمر به .","part":1,"page":517},{"id":518,"text":"{ ولا تضحى } أَيْ : لا يؤذيك حرُّ الشَّمس . وقوله : \r { شجرة الخلد } يعني : مَنْ أكل منها لم يمت . وقوله : \r { فغوى } فأخطأ ولم ينل مراده ممَّا أكل . ويقال : لم يرشد .\r { ثم اجتباه } اختاره { ربه فتاب عليه } عاد عليه بالرَّحمة والمغفرة { وهدى } أي : هداه إلى التَّوبة .","part":1,"page":518},{"id":519,"text":"{ من أعرض عن ذكري } موعظتي ، وهي القرآن { فإنَّ له معيشة ضنكاً } ضيقى .\rيعني : في جهنَّم وقيل : يعني عذاب القبر . { ونحشره يوم القيامة أعمى } البصر . { قال ربِّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } .","part":1,"page":519},{"id":520,"text":"{ قال كذلك أتتك آياتنا } يقول : كما أتتك آياتي { فنسيتها } فتركتها ولم تؤمن بها { وكذلك اليوم تنسى } تُترك في جهنَّم .\r { وكذلك } وكما نجزي مَنْ أعرض عن القرآن { نجزي مَنْ أسرف } أشرك .\r { ولعذاب الآخرة أشدُّ } ممَّا يُعذِّبهم به في الدُّنيا والقبر { وأبقى } وأدوم .\r { أفلم يهد لهم } أفلم يتبيَّن لهم بياناً يهتدون به { وكم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون } هؤلاء إذا سافروا في مساكن أولئك الذين أهلكناهم بتكذيب الأنبياء { إنَّ في ذلك لآيات } لعبراً { لأولي النهى } لذوي العقول .\r { ولولا كلمة سبقت من ربك } في تأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً } لكان العذاب لازماً لهم في الدُّنيا { وأجل مسمى } وهو القيامة . وقوله : \r { وسبح بحمد ربك } صلِّ لربِّك { قبل طلوع الشمس } صلاة الفجر { وقبل غروبها } صلاة العصر { ومن آناء الليل فسبح } فصلِّ المغرب والعشاء الآخرة { وأطراف النهار } صلِّ صلاة الظُّهر في طرف النِّصف الثاني ، وسمَّى الواحد باسم الجمع { لعلك ترضى } لكي ترضى من الثَّواب في المعاد .\r { ولا تمدنَّ عينيك } مُفسَّر في سورة الحجر . وقوله : { زهرة الحياة الدنيا } أَي : زينتها وبهجتها { لنفتنهم فيه } لتجعل ذلك فتنةً لهم { ورزق ربك } لك في المعاد { خير وأبقى } أكثر وأدوم .","part":1,"page":520},{"id":521,"text":"{ وأمر أهلك بالصلاة } يعني : قريشاً . وقيل : أهل بيته { لا نسألك رزقاً } لخلقنا ولا لنفسك { نحن نرزقك والعاقبة } الجنَّة { للتقوى } لأهل التَّقوى . يعني : لك ولمن صدَّقك ، ونزلت هذه الآيات لمَّا استسلف رسول الله A من يهوديٍّ وأبى أن يعطيه إلاَّ برهنٍ ، وحزن لذلك رسول الله A .\r { وقالوا } يعني : المشركين { لولا } هلاَّ { يأتينا } محمَّد عليه السَّلام { بآية من ربه } ممَّا كانوا يقترحون من الآيات . قال الله : { أَوَلَمْ تأتهم بيِّنة } بيان { ما في الصحف الأولى } يعني : في القرآن بيان ما في التَّوراة والإِنجيل والزَّبور .\r { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله } من قبل نزول القرآن . وقوله : { من قبل أن نذل } بالعذاب { ونخزى } في جهنَّم .\r { قل } يا محمَّد لهم : { كلٌّ متربص } منتظرٌ دوائر الزَّمان ، ولمَنْ يكون النَّصر { فتربصوا فستعلمون } في القيامة { من أصحاب الصراط السويّ } المسقيم { ومن اهتدى } من الضَّلالة نحن أم أنتم .","part":1,"page":521},{"id":522,"text":"{ اقترب للناس } يعني : أهل مكَّة { حسابهم } وقت محاسبة الله إيَّاهم على أعمالهم . يعني : القيامة { وهم في غفلة } عن التَّأهُّب لذلك { معرضون } عن الإِيمان .\r { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } يعني : ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيءٍ من القرآن يُذكِّرهم ويعظهم به { إلاَّ استمعوه وهم يلعبون } يستهزئون به .\r { لاهية } غافلةً { قلوبهم وأسروا النجوى } قالوا سرّاً فيما بينهم { الذين ظلموا } أشركوا ، وهم أنَّهم قالوا : { هل هذا } يعنون محمَّداً { إلاَّ بشرٌ مثلكم } لحمٌ ودمٌ { أفتأتون السحر } يريدون : إنَّ القرآن سحرٌ { وأنتم تبصرون } أنَّه سحر ، فلمَّا أطلع الله سبحانه نبيَّه A على هذا السِّرِّ الذي قالوه ، أخبر أنَّه يعلم القول في السَّماء والأرض .","part":1,"page":522},{"id":523,"text":"{ قل ربي يعلم القول } أَيْ : ما يقال { في السماء والأرض وهو السميع } للأقوال { العليم } بالأفعال ، ثمَّ أخبر انَّ المشركين اقتسموا القول في القرآن ، وأخذوا ينقضون أقوالهم بعضها ببعض ، فيقولون مرَّةً : \r { أضغاث أحلام } أَيْ : أباطيلها . يعنون أنَّه يرى ما يأتي به في النَّوم رؤيا باطلة ، ومرَّةً هو مفترىً ، ومرَّةً هو شعرٌ ، ومحمَّد شاعرٌ { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } بالآيات ، مثل : النَّاقة ، والعصا ، واليد ، فاقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهالٌ إذا كُذِّب بها ، فقال الله تعالى : \r { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } بالآيات التي اقترحوها { أفهم يؤمنون } يريد : إنَّ اقتراح الآيات كان سبباً للعذاب والاستئصال للقرون الماضية ، وكذلك يكون لهؤلاء .\r { وما أرسلنا قبلك إلاَّ رجالاً نوحي إليهم } ردّاً لقولهم { هل هذا إلاَّ بشر مثلكم } . { فاسألوا } يا أهل مكَّة { أهل الذكر } مَنْ آمن من أهل الكتاب { إن كنتم لا تعلمون } أنَّ الرُّسل بشر .\r { وما جعلناهم } أي : الرُّسل { جسداً } أَيْ : أجساداً { لا يأكلون الطعام } وهذا ردٌّ لقولهم : { ما لهذا الرسول يأكل الطعام } فأُعلموا أنَّ الرُّسل جميعاً كانوا يأكلون الطَّعام ، وأنَّهم يموتون ، وهو قوله : { وما كانوا خالدين } .","part":1,"page":523},{"id":524,"text":"{ ثم صدقناهم الوعد } ما وعدناهم من عذاب مَنْ كفر بهم ، وإنجائهم مع مَنْ تابعهم ، وهو قوله : { فأنجيناهم ومَنْ نشاء وأهلكنا المسرفين } المشركين .\r { لقد أنزلنا إليكم } يا معشر قريش { كتاباً فيه ذكركم } شرفكم { أفلا تعقلون } ما فضَّلكم به على غيركم؟!\r { وكم قصمنا } أهلكنا { من قرية كانت ظالمة } يعني : إنَّ أهلها كانوا كفَّاراً { وأنشأنا } أحدثنا { بعدها } بعد إهلاك أهلها { قوماً آخرين } نزلت في أهل قرىً باليمن كذَّبوا نبيَّهم وقتلوه ، فسلَّط الله سبحانه عليهم بختنصَّر حتى أهلكهم بالسَّيف ، فذلك قوله : \r { فلما أحسوا بأسنا } رأوا عذابنا { إذا هم منها } من قريتهم { يركضون } يسرعون هاربين . وتقول لهم الملائكة .\r { لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } نَعِمْتُم فيه { لعلكم تسألون } من دنياكم شيئاً . قالت الملائكة لهم هذا على سبيل الاستهزاء بهم ، كأنَّهم قيل لهم : ارجعوا إلى ما كنتم فيه من المال والنِّعمة لعلكم تُسألون ، فإنَّكم أغنياء تملكون المال ، فلمَّا رأَوا ذلك أقرُّوا على أنفسهم حيث لم ينفعهم ، فقالوا : \r { يا ويلنا إنا كنا ظالمين } لأنفسنا بتكذيب الرُّسل .\r { فما زالت } هذه المقالة { دعواهم } يدعون بها ، ويقولون : يا ويلنا { حتى جعلناهم حصيداً } بالسُّيوف كما يحصد الزَّرع { خامدين } ميِّتين .","part":1,"page":524},{"id":525,"text":"{ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين } عبثاً وباطلاً ، أَيْ : ما خلقتهما إلاَّ لأُجازي أوليائي ، وأُعذِّب أعدائي .\r { لو أردنا أن نتخذ لهواً } امرأةً . وقيل : ولداً { لاتخذناه من لدنا } بحيث لا يظهر لكم ، ولا تطَّلعون عليه { إن كنا فاعلين } ما كنَّا فاعلين ، ولسنا ممَّن يفعله .\r { بل نقذف بالحق على الباطل } نُلقي القرآن على باطلهم { فيدمغه } فيذهبه ويكسره { فإذا هو زاهقٌ } ذاهبٌ { ولكم الويل } يا معشر الكفَّار { مما تصفون } الله تعالى بما لا يليق به .\r { وله من في السموات والأرض } عبيداً وملكاً { ومَنْ عنده } يعني : الملائكة { لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون } لا يملُّون ولا يعيون .\r { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } لا يضعفون .\r { أم اتخذوا آلهةً من الأرض } يعني : الأصنام { هم ينشرون } يحيون الأموات ، والمعنى : أَتنشر آلهتهم التي اتَّخذوها؟\r { لو كان فيهما } في السَّماء والأرض { آلهةٌ إلاَّ اللَّهُ } غير الله { لفسدتا } لخربتا وهلك مَنْ فيهما بوقوع التَّنازع بين الآلهة .\r { لا يُسأل عما يفعل } عن حكمه في عباده { وهم يُسألون } عمَّا عملوا سؤال توبيخ .","part":1,"page":525},{"id":526,"text":"{ أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم } حجَّتكم على أن مع الله تعالى معبوداً غيره . { هذا ذكر مَنْ معي } يعني : القرآن { وذكر مَنْ قبلي } يعني : التَّوراة والإِنجيل ، فهل في واحدٍ من هذه الكتب إلاَّ توحيد الله سبحانه وتعالى؟ { بل أكثرهم لا يعلمون الحق } فلا يتأمَّلون حجَّة التَّوحيد ، وهو قوله : { فهم معرضون } .\r { وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ . . . } الآية . يريد : لم يُبعثْ رسولٌ إلاَّ بتوحيد الله سبحانه ، ولم يأتِ رسولٌ أُمّته بأنَّ لهم إلهاً غير الله .\r { وقالوا اتخذ الرحمن ولداً } يعني : الذين قالوا : الملائكة بنات الله ، والمعنى وقالوا : اتَّخذ الرحمن ولداً من الملائكة { سبحانه } ثمَّ نزَّه نفسه عمَّا يقولون { بل } هم { عباد مكرمون } يعني : الملائكة مكرمون بإكرام الله إيَّاهم .\r { لا يسبقونه بالقول } لا يتكلَّمون إلاَّ بما يأمرهم به { وهم بأمره يعملون } .\r { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ما عملوا ، وما هم عاملون { ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى } لمن قال : لا إله إلاَّ الله { وهم من خشيته مشفقون } خائفون؛ لأنَّهم لا يأمنون مكر الله .\r { ومَنْ يقل منهم } من الملائكة { إني إلهٌ من دونه } من دون الله تعالى { فذلك نجزيه جهنم } يعني : إبليس حيث ادَّعى الشِّركة في العبادة ، ودعا إلى عبادة نفسه { كذلك نجزي الظالمين } المشركين الذين يعبدون غير الله تعالى .\r { أَوَلَمْ يَر } أولم يعلم { الذين كفروا أنَّ السموات والأرض كانتا رتقاً } مسدودةً { ففتقناهما } بالماء والنَّبات ، كانت السَّماء لا تُمطر ، والأرض لا تُنبت ، ففتحهما الله سبحانه بالمطر والنَّبات { وجعلنا من الماء } وخلقنا من الماء { كلَّ شيء حي } يعني : إنَّ جميع الحيوانات مخلوقةٌ من الماء ، كقوله تعالى : { والله خلق كلَّ دابَّةٍ من ماءٍ } ثمَّ بكَّتهم على ترك الإيمان ، فقال : { أفلا يؤمنون } . وقوله : \r { وجعلنا فيها } في الرَّواسي { فجاجاً سبلاً } طرقاً مسلوكةً حتى يهتدوا .\r { وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً } بالنُّجوم من الشَّياطين { وهم عن آياتها } شمسها وقمرها ونجومها { معرضون } لا يتفكَّرون فيها . وقوله : \r { كلٌّ في فلك يسبحون } يجرون ويسيرون ، والفَلَكُ : مدار النُّجوم .\r { وما جَعَلْنا لبشر من قبلك الخلد } دوام البقاء { أفإن مت فهم الخالدون } نزل حين قالوا : { نتربَّصُ به ريَب المنون } وقوله : \r { ونبلوكم } نختبركم { بالشر } بالبلايا والفقر { والخير } المال والصِّحة { فتنة } ابتلاءً لننظر كيف شكركم وصبركم .","part":1,"page":526},{"id":527,"text":"{ وإذا رآك الذين كفروا } يعني : المستهزئين { إن يتخذونك } ما يتَّخذونك { إلاَّ هزواً } مهزوءاً به ، قالوا : { أهذا الذي يذكر آلهتكم } يعيب أصنامكم { وهم بذكر الرحمن هم كافرون } جاحدون إلهيَّته ، يريد أنَّهم يعيبون مَنْ جحد إلهيَّة أصنامهم وهم جاحدون إلهية الرَّحمن ، وهذا غاية الجهل .\r { خلق الإنسانُ من عجل } يريد : إنَّ خلقته على العجلة ، وعليها طُبع { سَأُرِيكم آياتي } يعني : ما توعدون به من العذاب { فلا تستعجلون } .\r { ويقولون متى هذا الوعد } وعد القيامة .\r { لو يعلم الذين كفروا . . . } الآية . وجواب \" لو \" محذوف ، على تقدير : لآمنوا ولما أقاموا على الكفر .\r { بل تأتيهم } القيامة { بغتة } فجأةً { فتبهتهم } تُحيِّرهم .","part":1,"page":527},{"id":528,"text":"{ قل مَنْ يَكْلَؤُكُمْ } يحفظكم { بالليل والنهار من الرحمن } إن أنزل بكم عذابه { بل هم عن ذكر ربهم } كتاب ربِّهم { معرضون } .\r { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطعيون نصر أنفسهم } فيكف تنصرتهم وتمنعهم؟! { ولا هم منا يصحبون } لا يُجارون من عذابنا .","part":1,"page":528},{"id":529,"text":"{ بل متَّعنا هؤلاء } الكفَّار { وآباءهم حتى طال عليهم العمر } أَيْ : متَّعناهم بما أعطيناهم من الدُّنيا زماناً طويلاً ، فقست قلوبهم { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرفاها } بالفتح على محمد A { أفهم الغالبون } أم النبيُّ A وأصحابه؟ .\r { قل إنما أنذركم } أُخوِّفكم { بالوحي } بالقرآن الذي أوحي إليَّ ، وأُمرت فيه بإنذاركم { ولا يسمع الصم الدُّعاء إذا ما ينذرون } كذلك أنتم يا معشر المشركين . { ولئن مستهم } أصابتهم { نفحة من عذاب ربك } قليلٌ وأدنى شيءٍ لأقرّوا على أنفسهم بسوء صنيعهم ، وهو قوله : { ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين } .\r { ونضع الموازين القسط } ذوات القسط ، أي : العدل { فلا تظلم نفسٌ شيئاً } لا يزاد على سيئاته ولا ينقص من ثواب حسناته { وإن كان } ذلك الشَّيء { مثقال حبة } وزن حبَّةٍ { من خردل أتينا بها } جئنا بها { وكفر بنا حاسبين } مُجازين ، وفي هذا تهديد .\r { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } البرهان الذي فرَّق به [ بين ] حقّه وباطل فرعون . { وضياء } يعني : التَّوراة الذي كان ضياءً ، يُضيء هدى ونوراً { وذكراً } وعِظَةً { للمتقين } من قومه .\r { الذين يخشون ربهم بالغيب } يخافونه ولم يروه .\r { وهذا ذكر مبارك } يعني : القرآن { أفأنتم له منكرون } جاحدون .","part":1,"page":529},{"id":530,"text":"{ ولقد آتينا إبراهيم رشده } هُداه وتوفيقه { من قبل } من قبل موسى وهارون { وكنا به عالمين } أنَّه أهلٌ لما آتيناه .\r { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل } الأصنام { التي أنتم لها عاكفون } على عبادتها مقيمون! .\r { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } فاقتدينا بهم .","part":1,"page":530},{"id":531,"text":"{ قالوا أجئتنا بالحق } يعنون : أَجادٌّ أنت فيما تقول أم لاعبٌ؟\r { قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهنَّ وأنا على ذلكم من الشاهدين } أي : أشهد على أنَّه خالقها .\r { وتالله لأكيدنَّ أصنامكم } لأمكرنَّ بها { بعد أن تولوا مدبرين } قال ذلك في يوم عيدٍ لهم ، وهم يذهبون إلى الموضع الذي يجتمعون فيه .\r { فجعلهم جذاذاً } حطاماً ودقاقاً { إلاَّ كبيراً لهم } عظيم الآلهة فإنَّه لم يكسره { لعلهم إليه } إلى إبراهيم ودينه { يرجعون } إذا قامت الحُجَّة عليهم ، فلمَّا انصرفوا\r { قالوا من فعل هذا بآلهتنا . . . } الآية . قال الذين سمعوا قوله : { لأكيدن أصنامكم } : \r { سمعنا فتى يذكرهم } يعيبهم { يقال له إبراهيم } .","part":1,"page":531},{"id":532,"text":"{ قالوا فأتوا به على أعين الناس } على رؤوس النَّاس بمرأىً منهم { لعلَّهم يشهدون } عليه أنَّه الذي فعل ذلك ، وكرهوا أن يأخذوه بغير بيِّنةٍ ، فلمَّا أتوا به ، { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم } ؟\r { قال بل فعله كبيرهم هذا } غضب من أن يعبدوا معه الصِّغار ، وأراد إقامه الحجَّة عليهم { فاسألوهم } مَنْ فعل بهم هذا { إن كانوا ينطقون } إن قدروا على النُّطق .\r { فرجعوا إلى أنفسهم } تفكَّروا ورجعوا إلى عقولهم { فقالوا إنكم أنتم الظالمون } هذا الرجل بسؤالكم إيَّاه ، وهذه آلهتكم حاضرةٌ فاسألوها .\r { ثم نكسوا على رؤوسهم } أطرقوا لما لحقهم من الخجل ، وأقرُّوا بالحجَّة عليهم فقالوا : { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } فلمَّا اتَّجهت الحجَّة عليهم قال إبراهيم : \r { أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم } .\r { أفٍ لكم } أَيْ : نتناً لكم ، فلمَّا عجزوا عن الجواب .\r { قالوا حرّقوه } بالنَّار { وانصروا آلهتكم } بإهلاك مَنْ يعيبها { إن كنتم فاعلين } أمراً في أهلاكه ، فلمَّا ألقوه في النَّار .\r { قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } ذات بردٍ وسلامةٍ ، لا يكون فيها بردٌ مضرٌّ ، ولا حرٌّ مُؤذٍ .","part":1,"page":532},{"id":533,"text":"{ وأرادوا به } بإبراهيم { كيداً } مكراً في إهلاكه { فجعلناهم الأخسرين } حين لم يرتفع مرادهم في الدُّنيا ، ووقعوا في العذاب في الآخرة .\r { ونجيناه } من نمروذ وقومِه { ولوطاً } ابن أخيه { إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } وهي الشَّام ، وذلك أنَّه خرج مهاجراً من أرض العراق إلى الشَّام .\r { ووهبنا له إسحاقَ } ولداً لصلبه { ويعقوب نافلة } ولد الولد { وكلاً جعلنا صالحين } يعني : هؤلاء الثَّلاثة .\r { وجعلناهم أئمة } يُقتدى بهم في الخير { يهدون } يدعون النَّاس إلى ديننا { بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات } أن يفعلوا الطَّاعات ، ويقيموا الصَّلاة ، ويؤتوا الزَّكاة .\r { ولوطاً آتيناه حكماً } فصلاً بين الخصوم بالحقِّ { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } يعني : أهلها ، كانوا يأتون الذُّكران في أدبارهم .","part":1,"page":533},{"id":534,"text":"{ ونوحاً إذ نادى من قبل } من قبل إبراهيم { فنجيناه وأهله من الكرب العظيم } الغمِّ الذي كان فيه من أذى قومه .\r { ونصرناه } منعناه من أن يصلوا إليه بسوءٍ .","part":1,"page":534},{"id":535,"text":"{ إذ يحكمان في الحرث } قيل : كان ذلك زرعاً . وقيل : كان كرماً { إذ نفشت } رعت ليلاً { فيه غنم القوم } [ بلا راعٍ ] { وكنا لحكمهم شاهدين } لم يغبْ عن علمنا .\r { ففهمناها سليمان } ففهمنا القضيَّة سليمان دون داود عليهما السَّلام ، وذلك أنَّ داود حكم لأهل الحرث برقاب الغنم ، وحكم سليمان بمنافعها إلى أن يعود الحرث كما كان . { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن } يجاوبنه بالتَّسبيح { و } كذلك { الطير وكنا فاعلين } ذلك .\r { وعلمناه صنعة لبوس لكم } عمل ما يلبسونه من الدُّروع { لتحصنكم } لتحرزكم { من بأسكم } من حربكم { فهل أنتم شاكرون } نعمتنا عليكم؟ .\r { ولسليمان الريح } وسخَّرنا له الرِّيح { عاصفة } شديدة الهبوب { تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها } يعني : الشَّام ، وكان منزل سليمان عليه السَّلام بها .\r { ومن الشياطين } وسخَّرنا له من الشَّياطين { من يغوصون له } يدخلون تحت الماء لاستخراج جواهر البحر { ويعملون عملاً دون ذلك } سوى الغوص { وكنا لهم حافظين } من أن يُفسدوا ما عملوا ، وليصيروا تحت أمره .","part":1,"page":535},{"id":536,"text":"{ وأيوب إذ نادى ربه } دعا ربَّه { أني مسني الضرُّ } أصابني الجهد . وقوله : \r { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } وهو أنَّ الله تعالى أحيا مَنْ أمات من بنيه وبناته ، ورزقه مثلهم من الولد { رحمة } نعمةً { من عندنا وذكرى للعابدين } عظةً لهم ليعلموا بذلك كمال قدرتنا . وقوله : \r { وذا الكفل } هو رجلٌ من بني إسرائيل تكفَّل بخلافه نبيٍّ في أُمَّته ، فقام بذلك .","part":1,"page":536},{"id":537,"text":"{ وذا النون } واذكر صاحب الحوت ، وهو يونس عليه السَّلام { إذ ذهب } من بين قومه { مغاضباً } لهم قبل أمرنا له بذلك { فظن أن لن نقدر عليه } أن لن نقضي عليه ما قضينا من حبسه في بطن الحوت { فنادى في الظلمات } ظلمة بطن الحوت ، وظلمة البحر ، وظلمة اللَّيل { أن لا إله إلاَّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } حيث غاضبت قومي وخرجت من بينهم قبل الإذن .\r { وكذلك } وكما نجيناه { ننجي المؤمنين } من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا . وقوله : \r { لا تذرني فرداً } أَيْ : وحيداً لا ولد لي ولا عقب ، { وأنت خير الوارثين } خير من يبقى بعد مَنْ يموت .","part":1,"page":537},{"id":538,"text":"{ وأصلحنا له زوجه } بأن جعلناها ولوداً بعد أن صارت عقيماً { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } يُبادرون في عمل الطَّاعات { ويدعوننا رغباً } في رحمتنا { ورهباً } من عذابنا { وكانوا لنا خاشعين } عابدين في تواضع .\r { والتي أحصنت } واذكر التي منعت { فرجها } من الحرام { فنفخنا فيها من روحنا } أمرنا جبريل عليه السَّلام حتى نفخ في جيب درعها ، والمعنى : أجرينا فيها روح المسيح المخلوقة لنا { وجعلناها وابنها آية للعالمين } دلالةً لهم على كمال قدرتنا ، وكانت الآيةُ فيهما جميعاً واحدةً ، لذلك وُحِّدت .\r { إنَّ هذه أمتكم } دينكم وملَّتكم { أمة واحدة } ملَّة واحدة وهي الإِسلام .\r { وتقطعوا أمرهم بينهم } اختلفوا في الدّين فصاروا فرقاً { كلٌّ إلينا راجعون } فنجزيهم بأعمالهم .\r { فمن يعمل من الصالحات } الطَّاعات { وهو مؤمنٌ } مصدِّق بمحمَّدٍ عليه السَّلام { فلا كفران لسعيه } لا نُبطل عمله بل نُثيبه { وإنا له كاتبون } ما عمل حتى نجازيه .\r { وحرام على قرية } يعني : قريةً كافرةً { أهلكناها } أهلكناها بعذاب الاستئصال أن يرجعوا إلى الدُّنيا ، و \" لا \" زائدةٌ في الآية ، ومعنى \" حرامٌ \" عليهم أنَّهم ممنوعون من ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قضى على مَنْ أُهلك أن يبقى في البرزخ إلى يوم القيامة .\r { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } من سدِّها { وهم من كلِّ حدب } نَشَز وتلٍّ { ينسلون } ينزلون مسرعين .","part":1,"page":538},{"id":539,"text":"{ واقترب الوعد الحق } يعني : القيامة ، والواو زائدة؛ لأنَّ \" اقترب \" جواب \" حتى \" . { فإذا هي شاخصة } ذاهبةٌ لا تكاد تطرف من هول ذلك اليوم . يقولون : { يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا } في الدُّنيا عن هذا اليوم { بل كنا ظالمين } بالشِّرك وتكذيب الرُّسل .\r { إنكم } أيُّها المشركون { وما تعبدون من دون الله } يعني : الأصنام { حصب جهنم } وقودها { أنتم لها واردون } فيها داخلون .\r { لو كان هؤلاء } الأصنام { آلهة } على الحقيقة ما دخلوا النَّار { وكلٌّ } من العابدين والمعبودين في النَّار { خالدون } .","part":1,"page":539},{"id":540,"text":"{ إنَّ الذين سبقت لهم منا الحسنى } السَّعادة والرَّحمة { أولئك عنها } عن النَّار { مبعدون } .\r { لا يسمعون حسيسها } صوتها .\r { لا يحزنهم الفزع الأكبر } يعني : الإِطباق على النَّار . وقيل : ذبح الموت بمرأىً من الفريقين { وتتلقاهم الملائكة } تستقبلهم ، فيقولون لهم : { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } للثَّواب ودخول الجنَّة .","part":1,"page":540},{"id":541,"text":"{ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب } وهو مَلَكٌ يطوي كتب بني آدم . وقيل : السِّجلُّ : الصَّحيفة ، والمعنى : كطيِّ السِّجل على ما فيه من المكتوب . { كما بدأنا أوَّل خلق نعيده } كما خلقناكم ابتداءً حُفاةً عُراةً غُرلاً ، كذلك نُعيدكم يوم القيامة { وعداً علينا } أَيْ : وعدناه وعداً { إنا كنَّا فاعلين } يعني : الإِعادة والبعث .\r { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر } قيل : في الكتب المنزلة بعد التَّوراة . وقيل : أراد بالذِّكر اللَّوح المحفوظ { أنَّ الأرض } يعني : أرض الجنَّة { يرثها عبادي الصالحون } وقيل : أرض الدُّنيا تصير للمؤمنين من أُمَّة محمَّدٍ A .\r { إنَّ في هذا } القرآن { لبلاغاً } لوصولاً إلى البغية { لقوم عابدين } مُطيعين لله تعالى .\r { وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين } للبَرِّ والفاجر ، فمن أطاعه عُجِّلت له الرَّحمة ، ومَنْ عصاه وكذَّبه لم يلحقه العذاب في الدُّنيا ، كما لحق الأمم المكذِّبة .","part":1,"page":541},{"id":542,"text":"{ فإن تولوا } عن الإسلام { فقل آذنتكم على سواءٍ } أعلمتكم بما يوحى إليَّ على سواءٍ لتستووا في ذلك ، يريد : لم أُظهر لبعضكم شيئاً كتمته عن غيره . { وإن أدري } ما أعلم { أقريب أم بعيد ما توعدون } يعني : القيامة .","part":1,"page":542},{"id":543,"text":"{ وإن أدري لعله } لعلَّ تأخير العذاب عنكم { فتنة } اختبارٌ لكم { ومتاعٌ إلى حين } إلى حين الموت .\r { قال رب احكم بالحق } اقض بيني وبين أهل مكَّة بالحقِّ ، أُمر أن يقول كما قالت الرُّسل قبله من قولهم : { ربَّنا افتحْ بيننا وبينَ قومِنا بالحقِّ } . { وربنا } أَيْ : وقل ربُّنا { الرحمن المستعان على ما تصفون } من كذبكم وباطلكم .","part":1,"page":543},{"id":544,"text":"{ يا أيها الناس } يا أهل مكَّة { اتقوا ربَّكم } أطيعوه { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } وهي زلزلةٌ يكون بعدها طلوع الشَّمس من مغربها .\r { يوم ترونها } يعني : الزَّلزلة { تذهل كلُّ مرضعة عمَّأ أرضعت } تترك كلُّ امرأةٍ تُرضع ولدها الرَّضيع اشتغالاً بنفسها وخوفاً { وتَضَعُ كلُّ ذات حملٍ حملها } تُسقط ولدها من هول ذلك اليوم { وترى الناس سكارى } من شدَّة الخوف { وما هم بسكارى } من الشَّراب { ولكنَّ عذاب الله شديد } فهم يخافونه .\r { ومن الناس مَن يجادل في الله بغير علم } نزلت في النَّضر بن الحارث وجماعةٍ من قريش كانوا يُنكرون البعث ، ويقولون : القرآن أساطير القرآن أساطير الأولين ، ويجادلون النبيَّ A { ويتبع } في جداله ذلك { كلَّ شيطان مريد } متمرِّدٍ عاتٍ .","part":1,"page":544},{"id":545,"text":"{ كُتب عليه } قُضي على الشَّيطان { أنَّه مَنْ تولاَّه } اتَّبعه { فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } يدعوه إلى النَّار بما يُزيِّن له من الباطل .\r { يا أيها الناس } يعني : كفار مكَّة { إن كنتم في ريب من البعث } شكٍّ من الإِعادة { فإنا خلقناكم } خلقنا أباكم الذي أصل البشر { من تراب ثمَّ } خلقنا ذريَّته { من نطفة ثمَّ من علقة } وهي الدَّم الجامد { ثمَّ من مضغة } وهي لحمةٌ قليلةٌ قدر ما يُمضغ { مُخَلَّقَةٍ } مصوَّرةٍ تامَّة الخلق { وغير مخلقة } وهي ما تمجُّه الأرحام دماً ، يعني : السِّقط { لنبيِّن لكم } كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم { ونقرُّ في الأرحام ما نشاء } ننزل فيها ما لا يكون سقطاً { إلى أجل مسمى } إلى وقت خروجه { ثم نخرجكم } من بطون الأمهات { طفلاً } صغاراً { ثمَّ لتبلغوا أَشدكم } عقولكم ونهاية قوَّتكم { ومنكم من يُتوفَّى } يموت قبل بلوغ الأشدِّ { ومنكم مَنْ يردُّ إلى أرذل العمر } وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل شيئاً ، وهو قوله : { لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً } ثمَّ ذكر دلالةً أخرى على البعث فقال : { وترى الأرض هامدة } جافَّةً ذات ترابٍ { فإذا أنزلنا عليها الماء } المطر { اهتزت } تحرَّكت بالنَّبات { وربت } زادت { وأنبتت من كلِّ زوج بهيج } من كلِّ صنفٍ حسنٍ من النَّبات .\r { ذلك } الذي تقدَّم ذكره من اختلاف أحوال خلق الإِنسان ، وإحياء الأرض بالمطر { بأنَّ الله هو الحق } الدَّائم الثَّابت الموجود { وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شَىْء قَدِير } .","part":1,"page":545},{"id":546,"text":"{ ومنَ الناس من يجادل في الله بغير علم } نزلت في أبي جهلٍ { ولا هدىً } ليس معه من ربِّه رشادٌ ولا بيانٌ { ولا كتابٍ } له نورٌ .\r { ثاني عطفه } لاوي عنقه تكبُّراً { ليضل } الناس عن طاعة الله سبحانه باتِّباع محمَّد عليه السَّلام { له في الدنيا خزي } يعني : القتل ببدرٍ .\r { ذلك بما قدَّمت يداك } هذا العذاب بما كسبْتَ { وإنَّ الله ليس بظلام للعبيد } لا يعاقب بغير جرمٍ .\r { ومن الناس مَن يعبد الله على حرف } على جانبٍ لا يدخل فيه دخول مُتمكِّنٍ { فإن أصابه خير } خِصبٌ وكثرةُ مالٍ { اطمأنَّ به } في الدِّين بذلك الخصب { وإن أصابته فتنة } اختبارٌ بجدبٍ وقلَّة مالٍ { انقلب على وجهه } رجع عن دينه إلى الكفر .\r { يدعو من دون الله ما لا يضرُّه } إن عصاه { ولا ينفعه } إن أطاعه { ذلك هو الضلال البعيد } الذَّهاب عن الحقِّ .","part":1,"page":546},{"id":547,"text":"{ يدعو لمَنْ ضرُّه أقرب من نفعه } ضرره بعبادته أقرب من نفعه ، ولا نفع عنده ، والعرب تقول لما لا يكون : هو بعيدٌ ، والمعنى في هذا أنَّه يضرُّ ولا ينفع { لبئس المولى } الناصر { ولبئس العشير } الصَّاحب والخليط .","part":1,"page":547},{"id":548,"text":"{ مَنْ كان يظن أن لن ينصره الله } لن ينصر الله محمَّداً A حتى يُظهره على الدِّين كلِّه فليمت غيظاً ، وهو تفسير قوله : { فليمدد بسبب إلى السماء } أَيْ : فليشدد حبلاً في سقفه { ثمَّ ليقطع } أَيْ : ليَمُدَّ الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً { فلينظر هل يُذْهِبَنَّ كيده ما يغيظ } غيظه .","part":1,"page":548},{"id":549,"text":"{ إنَّ الله يفصل بينهم يوم القيامة } أَيْ : يحكم ويقضي ، بأن يدخل المؤمنين الجنَّة ، وغيرهم من هؤلاء الفرق النَّار . { إنَّ الله على كلِّ شيء شهيد } يريد : إنَّ اللَّهَ عالمٌ بما في قلوبهم .\r { ألم تر أنَّ الله يسجد له } يذلُّ له ، وينقاد له { من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حقَّ عليه العذاب } وذلك أنَّ كلَّ شيءٍ منقادٌ لله عزَّ وجلَّ على ما خلقه ، وعلى ما رزقه ، وعلى ما أصحَّه وعلى ما أسقمه ، فالبَرُّ والفاجر ، والمؤمن و الكافر في هذا سواءٌ { ومَنْ يهن الله } يذلَّه بالكفر { فما له من مكرم } أحدٌ يكرمه { إنَّ الله يفعل ما يشاء } يُهين من يشاء بالكفر ، ويكرم مَنْ يشاء بالإِيمان .","part":1,"page":549},{"id":550,"text":"{ هذا خصمان } يعني : المؤمنين والكافرين { اختصموا في ربهم } في دينه { فالذين كفروا قطعت لهم ثيابٌ من نار } يلبسون مقطَّعات النِّيران { ويصبُّ من فوق رؤوسهم الحميم } ماءٌ حارٌّ ، لو سقطت منه نقطٌ على جبال الدُّنيا أذابتها .\r { يصهر } يُذاب { به } بذلك الماء { ما في بطونهم } من الأمعاء { والجلود } وتنشوي جلودهم فتسَّاقط .\r { ولهم مقامع } سياطٌ { من حديد } .\r { كلما أرادوا أن يخرجوا منها } من جهنَّم { من غمّ } يصيبهم { أعيدوا فيها } ردُّوا إليها بالمقامع ، { و } تقول لهم الخزنة : { ذوقوا عذاب الحريق } النَّار ، وقال في الخصم الذين هم المؤمنون : \r { إنَّ الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات . . . } الآية ، وهي مفسَّرةٌ في سورة الكهف .\r { وهدوا } أُرشدوا في الدُّنيا { إلى الطيب من القول } وهو شهادة أن لا إله إلا الله { وهدوا إلى صراط الحميد } دين اللَّهِ المحمود في أفعاله .","part":1,"page":550},{"id":551,"text":"{ إنَّ الذين كفروا ويصدُّون عن سبيل الله } يمنعون عن طاعة الله تعالى . { والمسجد الحرام } يمنعون المؤمنين عنه { الذي جعلناه للناس } خلقناه وبنيناه للنَّاس كلِّهم لن نخصَّ به بعضاً دون بعض { سواءً العاكف فيه والباد } سواءٌ في تعظيم حرمته وقضاء النُّسك به الحاضر ، والذي يأتيه من البلاد ، فليس أهل مكَّة بأحقَّ به من النَّازع إليه { ومَن يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ } أَيْ : إلحاداً بظلمٍ ، وهو أن يميل إلى الظُّلم ، ومعناه : صيد حمامة وقطع شجرة ، ودخوله غير مُحرمٍ ، وجميع المعاصي؛ لأنَّ السَّيئات تُضاعف بمكَّة كما تُضاعف الحسنات .\r { وإذْ بؤَّأنا لإبراهيم مكان البيت } بيَّنا له أين يُبنى { أن لا تشرك } يعني : وأمرناه أن لا تشرك { بي شيئاً وطهر بيتي } مفسَّرٌ في سورة البقرة .\r { وأذن في الناس } نادِ فيهم { بالحج يأتوك رجالاً } مُشاةً على أرجلهم ، { و } ركباناً { على كلّ ضامر } وهو البعير المهزول { يأتين من كلِّ فج عميق } طريق بعيدٍ .\r { ليشهدوا } ليحضروا { منافع لهم } من أمر الدُّنيا والآخرة { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } يعني : التَّسمية على ما ينحر في يوم النَّحر وأيَّامِ التَّشريق { فكلوا منها } أمر إباحةٍ ، وكان أهل الجاهليَّة لا يأكلون من نَسائكم ، فأمر المسلمون أن يأكلوا { وأطعموا البائس الفقير } الشَّديد الفقر .\r { ثم ليقضوا تفثهم } يعني : ما يخرجون به من الإحرام ، وهو أخذ الشَّارب ، وتقليم الظُّفر ، وحلق العانة ، ولبس الثَّوب { وليوفوا نذورهم } يعني : ما نذروه من برٍّ وهدي في أيَّام الحجِّ { وليطوفوا بالبيت العتيق } القديم . وقيل : المُعتق من أن يتسلَّط عليه جبَّار . يعني : الكعبة .\r { ذلك } أَيْ : الأمر ذلك الذي ذكرت { ومن يعظم حرمات الله } فرائض الله وسننه . { وأحلت لكم الأنعام } أن تأكلوها { إلاَّ ما يتلى عليكم } في قوله : { حُرِّمت عليكم الميتة . . . } الآية . ومعنى هذا النَّهي تحريمُ ما حرَّمه أهل الجاهليَّة من البحيرة والسَّائبة وغير ذلك { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } يعني : عبادتها { واجتنبوا قول الزور } يعني : الشِّرك بالله .\r { حنفاء لله } مسلمين عادلين عن كلِّ دينٍ سواه . { ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ } سقط { من السماء } فاختطفته الطَّير من الهواء ، أو ألقته الرِّيح في { مكان سحيق } بعيدٍ . يعني : إنَّ مَنْ أشرك فقد هلك وبَعُدَ عن الحقِّ .\r { ذلك ومن يعظم شعائر الله } يستسمن البُدن { فإنَّ ذلك من } علامات التَّقوى .","part":1,"page":551},{"id":552,"text":"{ لكم فيها منافع } الرُّكوب والدَّرُّ والنَّسل { إلى أجل مسمى } وهو أن يُسمِّيها هدياً { ثمَّ محلها } حيث يحلُّ نحرها عند { البيت العتيق } يعني : الحرم كلَّه .\r { ولكلِّ أمة } جماعةٍ سلفت قبلكم { جعلنا منسكاً } ذبحاً للقرابين { ليذكروا اسم الله } عند الذَّبح { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } يعني : الأنعام { فإلهكم إله واحد } أَيْ : لا تذكروا على ذبائحكم إلاَّ الله وحده { فله أسلموا } أخلصوا العبادة { وبشر المخبتين } المتواضعين .","part":1,"page":552},{"id":553,"text":"{ والبدن } الإبل والبقر { جعلناها لكم من شعائر الله } أعلام دينه { لكم فيها خيرٌ } النَّفع في الدُّنيا ، والأجر في العقبى { فاذكروا اسم الله } وهو أن يقول عند نحرها : الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر { صواف } قائمةً معقولة اليد اليسرى { فإذا وجبت جنوبها } سقطت على الأرض { فكلوا منها وأطعموا القانع } الذي يسألك { والمعتر } الذي يتعرَّض لك ولا يسألك . { كذلك } الذي وصفنا { سخرناها لكم } يعني : البدن { لعلَّكم تشكرون } لكي تطيعوني .\r { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها } كان المشركون يُلطِّخون جدار الكعبة بدماء القرابين ، فقال الله تعالى : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها } أَيْ : لن يصل إلى الله لحومها ولا دماؤها { ولكن يناله التقوى منكم } أَيْ : النِّيَّةُ والإِخلاص وما أريد به وجه الله تعالى . { لتكبروا الله على ما هداكم } إلى معالم دينه { وبشر المحسنين } المُوحِّدين .\r { إن الله يدفع } غائلة المشركين عن المؤمنين { إنَّ الله لا يحب كل خوَّانٍ } في أمانته { كفور } لنعمته ، وهم الذين تقرَّبوا إلى الأصنام بذبائحهم .\r { أُذِنَ للذين يقاتلون } يعني : المؤمنين ، وهذه أوَّلُ آيةٍ نزلت في الجهاد والمعنى : أُذن لهم أن يُقاتلوا { بأنهم ظلموا } بظلم الكافرين إيَّاهم { وإنَّ الله على نصرهم لقدير } وعدٌ من الله تعالى بالنَّصر .\r { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } يعني : المهاجرين { إلاَّ أن يقولوا ربنا الله } أَيْ : لم يُخرجوا إلاَّ بأن وحَّدوا الله تعالى { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } لولا أن دفع الله بعض النَّاس ببعض { لهدِّمت صوامع وبيعٌ } في زمان عيسى عليه السَّلام { وصلوات } في أيَّام شريعة موسى عليه السَّلام ، يعني : كنائسهم وهي بالعبرانيَّة صلوتا { ومساجد } في أيام شريعة محمَّد A { ولينصرنَّ الله من ينصره } يعني : مَنْ نصر دين الله نصره الله على ذلك { إن الله لقوي } على خلقه { عزيز } منيعٌ في سلطانه .","part":1,"page":553},{"id":554,"text":"{ الذين إن مكناهم في الأرض } يعني : هذه الأمَّة إذا فتح الله عليهم الأرض { أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } أَيْ : آخر أمور الخلق ومصيرهم إليه ، ثمَّ عزَّى نبيَّه فقال : \r { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعادٌ وثمود } .\r { وقوم إبراهيم وقوم لوط } .\r { وأصحاب مدين وكُذِّب موسى فأمليت للكافرين } أَيْ : أمهلتهم { ثم أخذتهم } عاقبتهم { فكيف كان نكير } إنكاري عليهم ما فعلوا بالعذاب .\r { فكأين من قرية } وكم من قريةٍ { أهلكناها وهي ظالمة } بالكفر { فهي خاوية } ساقطةٌ { على عروشها } سقوفها { وبئر مُعَطَّلَةٍ } متروكةٍ بموت أهلها { وقصر مشيد } رفيعٍ طويلٍ .\r { أفلم يسيروا في الأرض } يعني : كفَّار مكَّة { فينظروا } إلى مصارع الأمم المكذبة ، وهو قوله : { فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها } فيتفكَّروا ويعتبروا ، ثم ذكر أن الأبصار لا تعمى عن رؤية الآيات ، ولكن القلوب تعمى ، فلا يتفكروا ولا يعتبروا .","part":1,"page":554},{"id":555,"text":"{ ويستعجلونك بالعذاب } كانوا يقولون له : { فَأْتِنا بما وعدتنا إن كنت من الصَّادقين } فقال الله تعالى : { ولن يخلف الله وعده } الذي وعدك من نصرك وإهلاكهم ، ثمَّ ذكر أنَّ لهم مع عذاب الدُّنيا في الآخرة عذاباً طويلاً ، وهو قوله تعالى : { وإنَّ يوماً عند ربك } أَيْ : من أيَّام عذابهم { كألف سنة مما تعدون } وذلك أن يوماً من أيَّام الآخرة كألفِ سنةٍ في الدُّنيا ، ثمَّ ذكر سبحانه أنَّه قد أخذ قوماً بعد الإِمهال فقال : \r { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمةٌ ثمَّ أخذتها وإليَّ المصير } .","part":1,"page":555},{"id":556,"text":"{ والذين سعوا في آياتنا } عملوا في إبطالها { معاجزين } مُقدِّرين أنَّهم يُعجزوننا ويفوتوننا .\r { وما أرسلنا من قبلك من رسول } وهو الذي يأتيه جبريل عليه السًّلام بالوحي عياناً { ولا نبيّ } وهو الذي تكون نبوَّته إلهاماً ومناماً { إلاَّ إذا تمنى } قرأ { ألقى الشيطان } في قراءته ما ليس ممَّا يقرأ ، يعني : ما جرى على لسان النبيِّ A حين قرأ سورة \" والنجم \" في مجلس من قريش ، فلما بلغ قوله تعالى : { ومناة الثَّالثة الأخرى } جرى على لسانه : تلك الغرانيق العلى ، وإنَّ شفاعتهنَّ لترتجى ثمَّ نبَّهه جبريل عليه السَّلام على ذلك ، فرجع وأخبرهم أنَّ ذلك كان من جهة الشَّيطان ، فذلك قوله : { فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثمَّ يحكم الله آياته } يُبيِّنها حتى لا يجد أحدٌ سبيلاً إلى إبطالها { والله عليم } بما أوحى إلى نبيِّه محمد A { حكيم } في خلقه ، ثمَّ ذكر أنَّ ذلك ليفتن الله به قوماً ، فقال : \r { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة } ضلالةً { للذين في قلوبهم مرض } وهم أهل النِّفاق { والقاسية قلوبهم } المشركين { وإنَّ الظالمين } الكافرين { لفي شقاق بعيد } خلافٍ طويلٍ مع النبيِّ A والمؤمنين .\r { وليعلم الذين أوتوا العلم } التَّوحيد والقرآن { أنه الحق } أَيْ : الذي أحكم الله سبحانه من آيات القرآن ، وهو الحقُّ { فتخبت له قلوبهم } فتخشع .\r { ولا يزال الذين كفروا في مرية } في شكٍّ { منه } ممَّا أُلقي على لسان الرَّسول A { حتى تأتيهم الساعة } القيامة { بغتة } فجأة { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } يعين : يوم بدرٍ ، وكان عقيماً عن أني كون للكافرين فيه فرحٌ أو راحةٌ ، والعقيم معناه : التي لا تلد .","part":1,"page":556},{"id":557,"text":"{ الملك يومئذ } يعني : يوم القيامة { لله } وحده من غير مُنازعٍ ولا مُدَّعٍ { يحكم بينهم } ثمَّ بيَّن حكمه فقال : { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم } .\r { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين } .\r { والذين هاجروا } فارقوا أوطانهم وعشائرهم { في سبيل الله } في طاعة الله { ثمَّ قتلوا أو ماتوا لَيَرْزُقّنَّهُمُ الله رزقاً حسناً } في الجنَّة .\r { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مدخلاً } أَيْ : إدخالاً وموضعاً { يرضونه } وهو الجنة .\r { ذلك } أَيْ : الأمر ذلك قصصنا عليك { ومَنْ عاقب بمثل ما عوقب به } أَيْ : جازى العقوبة بمثلها { ثم بغي عليه } ظُلم { لينصرنَّه الله } يعني : المظلوم .\r { ذلك } أَيْ : ذلك النَّصر للمظلوم بأنَّه القادر على ما يشاء ، فمن قدرته أنَّه { يولج الليل في النهار } يزيد من هذا في ذلك ، ومن ذلك في هذا ، والباقي ظاهرٌ إلى قوله : \r { إنَّ الإنسان لكفور } يعني : إنَّ الكافر لجاحدٌ لآيات الله تعالى الدَّالة على توحيده .","part":1,"page":557},{"id":558,"text":"{ لكلّ أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه } شريعةً هم عاملون بها { فلا يُنازِعُنَّكَ } يُجادِلُنَّكَ { في الأمر } نزلت في الذين جادلوا المؤمنين فقالوا : ما لكم تأكلون ما تقتلون ، ولا تأكلون ممَّا قتله الله؟\r { وإن جادلوك } بباطلهم مِراءً وتعنُّتاً فادفعهم بقولك : { الله أعلم بما تعملون } من التَّكذيب والكفر .","part":1,"page":558},{"id":559,"text":"{ ألم تعلم أنَّ الله يعلم ما في السماء والأرض إنَّ ذلك } كلَّه { في كتاب } يعني : اللَّوح المحفوظ { إن ذلك } يعني : علمه بجميع ذلك { على الله يسير } .\r { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به } بعبادته { سلطاناً } حجَّةً وبرهاناً { وما ليس لهم من به علم } لم يأتهم به كتابٌ ولا نبيٌّ { وما للظالمين } المشركين { من نصير } مانعٍ من عذاب الله تعالى .\r { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } يعني : القرآن { تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر } الإِنكار بالعبوس والكراهة { يكادون يسطون } يقعون ويبطشون { بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم } بِشَرٍ لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون { النار } أَيْ : هي النَّار .\r { يا أيها الناس } يعني : يا أهل مكَّة { ضرب مثل } بُيِّن لكم ولمعبودكم شَبَهٌ { فاستمعوا له إنَّ الذين تدعون من دون الله } من الأصنام { لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا } كلُّهم لخلقه { وإن يسلبهم الذباب شيئاً } ممَّا عليهم من الطَّيب { لا يستنقذوه منه } لا يستردُّوه منه لعجزهم { ضعف الطالبُ والمطلوب } يعني : العابد والمعبود ، والطَّالب : الذُّباب يطلب من الصَّنم ما لطِّخ به من الزَّعفران والطِّيب ، وهو مَثَلٌ لعابده يطلب منه الشَّفاعة والنُّصرة ، والمطلوب : الصنم .\r { ما قدروا الله حق قدره } ما عظَّموه حقَّ تعظيمه إذ أشركوا به ما لا يمتنع من الذُّباب ولا ينتصر منه .\r { الله يصطفي من الملائكة رسلاً } مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السَّلام { ومن الناس } يعني : النبيِّين عليهم السَّلام { إنَّ الله سميع } لقول عباده { بصير } بمَنْ يختاره .\r { يعلم ما بين أيديهم } ما عملوه { وما خلفهم } وما هم عاملون ممَّا لم يعلموه .","part":1,"page":559},{"id":560,"text":"{ وجاهدوا في الله } في سبيل الله { حق جهاده } بنيَّةٍ صادقةٍ { هو اجبتاكم } اختاركم لدينه { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ضيقٍ؛ لأنَّه سهَّل الشَّريعة بالتَّرخيص { ملَّة أبيكم } اتبعوا ملَّة أبيكم { إبراهيم } كان هو في الحرمة كالأب A ، ولذلك جُعل أبا المسلمين { هو سماكم } أَيْ : الله تعالى سمَّاكم { المسلمين من قبل } [ أي : من قبل القرآن ] في سائر الكتب { وفي هذا } يعني : القرآن { ليكون الرسول شهيداً عليكم } وذلك أنَّه يشهد لمَنْ صدَّقه ، وعلى مَنْ كذَّبه { وتكونوا شهداء على الناس } تشهدون عليهم أنَّ رسلهم قد بلَّغتهم ، وقوله : { واعتصموا بالله } أَيْ : تمسَّكوا بدينه { هو مولاكم } ناصركم ومتولي أموركم { فنعم المولى ونعم النصير } .","part":1,"page":560},{"id":561,"text":"{ قد أفلح المؤمنون } سعد المصدِّقون ، ونالوا البقاء في الجنَّة .\r { الذين هم في صلاتهم خاشعون } ساكنون لا يرفعون ابصارهم عن مواضع سجودهم .\r { والذين هم عن اللغو معرضون } عن كلِّ ما لا يجمل في الشَّرع من قولٍ وفعلٍ .\r { والذين هم للزكاة فاعلون } للصَّدقة الواجبة مُؤَدُّون .\r { والذين هم لفروجهم حافظون } يحفظونها عن المعاصي .\r { إلاَّ على أزواجهم } من زوجاتهم { أو ما ملكت أيمانهم } من الإماء { فإنهم غير ملومين } لا يلامون في وطئهنَّ .\r { فمن ابتغى } طلب ما { وراء ذلك } بما بعد الزَّوجة والأَمَة { فأولئك هم العادون } المتعدُّون عن الحلال إلى الحرام .","part":1,"page":561},{"id":562,"text":"{ والذين هم لأماناتهم } ما ائتمنوا عليه من أمر الدِّين والدُّنيا { وعهدهم راعون } وحلفهم الذي يُوجد عليهم راعون ، يرعون ذلك ويقومون بإتمامه .\r { والذين هم على صلواتهم يحافظون } بإدائها في مواقيتها .\r { أولئك هم الوارثون } ثمَّ ذكر ما يرثون فقال : \r { الذين يرثون الفردوس } وذلك أنَّ الله تعالى جعل لكلِّ امرىءٍ بيتاً في الجنَّة ، فمَنْ عمل عمل أهل الجنَّة ورث بيته في الجنَّة ، والفردوس خير الجنان .\r { ولقد خلقنا الإنسان } ابن آدم { من سلالة } من ماءٍ سُلَّ واستُخرِجَ من ظهر آدم ، وكان آدم عليه السَّلام خُلق من طينٍ .\r { ثمَّ جعلناه } جعلنا الإنسان { نطفة } في أوَّل بُدوِّ خلقه { في قرار مكين } يعني : الرَّحم . وقوله : \r { ثم أنشأنا خلقاً آخر } قيل : يريد الذُّكورية والأُنوثيَّة . وقيل : يعني : نفخ الرُّوح . وقيل : نبات الشَّعر والأسنان { فتبارك الله } استحقَّ التَّعظيم والثَّناء بدوام بقائه { أحسن الخالقين } المُصوِّرين والمُقدِّرين .","part":1,"page":562},{"id":563,"text":"{ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق } سبع سمواتٍ ، كلٌّ سماءٍ طريقةٌ { وما كنَّا عن الخلق غافلين } عمَّن خلقنا من الخلق كلِّهم .","part":1,"page":563},{"id":564,"text":"{ وأنزلنا من السماء ماء بقدر } بمقدارٍ معلومٍ عند الله تعالى { فأسكناه } أثبتناه { في الأرض } قيل : هو النِّيل ودجلة ، والفرات ، وسيحان وجيحان . وقيل : هو جميع المياه في الأرض { وإنا على ذهابٍ به لقادرون } حتى تهلكوا أنتم ومواشيكم عطشاً .","part":1,"page":564},{"id":565,"text":"{ وشجرة تخرج } يعني : الزَّيتون { من طور سيناء } يعني : جبلاً معروفاُ ، أوَّل ما ينبت الزَّيتون ينبت هناك { تنبت بالدهن } لأنَّه يتَّخذ الدُّهن من الزَّيتون { وصبغ } إدامٍ { للآكلين } .","part":1,"page":565},{"id":566,"text":"{ يريد أن يتفضل عليكم } يتشَّرف عليكم ، فيكون أفضل منكم بأن يكون متبوعاً ، وتكونوا له تبعاً { ولو شاء الله لأنزل ملائكة } تُبلِّغنا عنه { ما سمعنا بهذا } الذي يدعوا إليه نوحٌ { في آبائنا الأولين } .\r { إن هو } ما هو { إلاَّ رجلٌ به جنة } جنونٌ { فتربصوا به حتى حين } انتظروا موته حتى يموت .\r { قال رب انصرني } بإهلاكهم { بما كذَّبون } بتكذيبهم إيّاي .","part":1,"page":566},{"id":567,"text":"{ فأوحينا إليه . . . } الآية . مُفسَّرة في سورة هود . { فاسلك فيها } أَيْ : اُدخل في السَّفينة ، والباقي مفسَّر في سورة هود .\r { فإذا استويت } اعتدلت في السَّفينة راكباً . الآية .\r { وقل رب أنزلني } منها { منزلاً } إنزالاً { مباركاً } فاستجاب الله تعالى دعاءَه حيث قال : { اهبط بسلام منا وبركات عليك } وبارك فيهم بعد إنزالهم من السَّفينة ، حتى كان جميع الخلق من نسل نوحٍ [ ومَنْ كان معه في السَّفينة ] .\r { إنَّ في ذلك } الذي ذكرت { لآيات } لدلالاتٍ على قدرتنا { وإن كنا لمبتلين } مُختبرين طاعتهم بإرسال نوحٍ إليهم .\r { ثم أنشأنا من بعدهم } أحدثنا { قرناً آخرين } يعني : عاداً .\r { فأرسلنا فيهم رسولاً منهم } وهو هود . وقوله : \r { وأترفناهم } أَيْ : نعَّمناهم ووسَّعنا عليهم .","part":1,"page":567},{"id":568,"text":"{ أنكم مخرجون } أَيْ : من قبوركم أحياء .\r { هيهات هيهات } بُعْداً { لما توعدون } من البعث .\r { إن هي } ما هي { إلاَّ حياتنا الدنيا } يعني : الحياة الدَّانية في هذه الدَّار { نموت ونحيا } يموت الآباء ، ويحيا الأولاد .","part":1,"page":568},{"id":569,"text":"{ قال رب انصرني } عليهم { بما كذبون } بتكذيبهم إيَّاي .\r { قال عمَّا قليل } عن قريبٍ { ليصبحنَّ نادمين } يندمون إذا نزل بهم العذاب على التَّكذيب .\r { فأخذتهم الصيحة } صيحة العذاب { بالحق } بالأمر من الله تعالى { فجعلناهم غثاء } هلكى هامدين كغثاء السَّيل ، وهو ما يحمله من بالي الشَّجر { فبعداً } فهلاكاً { للقوم الظالمين } المشركين .","part":1,"page":569},{"id":570,"text":"{ ما تسبق من أمة أجلها } لا تموت قبل أجلها { وما يستأخرون } بعد الأجل طرفة عين . وقوله : \r { تترا } أَيْ : متتابعةً { وجعلناهم أحاديث } أَيْ : لمَنْ بعدهم يتحدَّثون بهم . وقوله : \r { وكانوا قوماً عالين } مستكبرين قاهرين غيرهم بالظُّلم .","part":1,"page":570},{"id":571,"text":"{ وقومهما لنا عابدون } أَيْ : مُطيعون مُتذلِّلون .","part":1,"page":571},{"id":572,"text":"{ ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون } لكي يهتدي به قومه .\r { وجعلنا ابن مريم وأُمَّه آية } دلالةً على قدرتنا { وآويناهما إلى ربوة } يعني : بيت المقدس ، وهو أقرب الأرض إلى السَّماء { ذات قرار } أرضٍ مستويةٍ ، وساحةٍ واسعةٍ { ومعين } ماءٍ ظاهرٍ . وقيل : هي دمشق .\r { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات } هذا خطابٌ للنبيِّ A ، والمراد به أنَّ الله تبارك وتعالى كأنه أخبر أنَّه قد قال لجميع الرُّسل قبله هذا القول ، وأمرهم بهذا ، والمعنى : كلوا من الحلال .\r { وإنَّ هذه أمتكم أمة واحدة } أَيْ : ملَّتكم أيُّها الرُّسل ملَّةٌ واحدةٌ ، وهي الإِسلام { وأنا ربكم } شرعتها لكم [ وبيَّنتها لكم ] { فاتقون } فخافون .\r { فتقطعوا أمرهم بينهم } يعني : المشركين واليهود والنَّصارى { زبراً } فرقاً { كلُّ حزب } جماعةٍ { بما لديهم } بما عندهم من الدِّين { فرحون } مُعجبون مسرورون .","part":1,"page":572},{"id":573,"text":"{ فذرهم في غمرتهم } حيرتهم وضلالتهم { حتى حين } [ يريد : حتى حينِ ] الهلاكِ بالسَّيف أو الموت .\r { أيحسبون أنما نمدُّهم به } ما نبسط عليهم { من مال وبنين } من المال والأولاد في هذه الدُّنيا .\r { نسارع لهم في الخيرات } نُعطيهم ذلك ثواباً لهم { بل لا يشعرون } أنَّ ذلك استدراجٌ ، ثمَّ رجع إلى ذكر أوليائه فقال : \r { إنَّ الذين هم من خشية ربهم مشفقون } خائفون عذابه ومكره .","part":1,"page":573},{"id":574,"text":"{ والذين يؤتون ما آتوا } يُعطون ما يُعطون { وقلوبهم وجلة } خائفةٌ أنَّ ذلك لا يُقبل منهم ، وقد أيقنوا أنَّهم إلى ربِّهم صائرون بالموت . وقوله : \r { وهم لها سابقون } أَيْ : إليها ، ثمَّ ذكر أنَّه لم يُكلِّف العبد إلاَّ ما يسعه ، فقال : \r { ولا نكلف نفساً إلاَّ وسعها } فمَنْ لم يستطع أن يصلي قائماً فليصلِّ جالساً { ولدينا كتاب } يعني : اللَّوح المحفوظ { ينطق بالحق } يُبيِّن بالصِّدق { وهم لا يظلمون } لا يُنقصون من ثواب أعمالهم .","part":1,"page":574},{"id":575,"text":"ثمَّ عاد إلى ذكر المشركين فقال : { بل قلوبهم في غمرة } في جهالةٍ وغفلةٍ { من هذا } الكتاب الذي ينطق بالحقِّ { ولهم أعمال من دون ذلك } وللمشركين أعمالٌ خبيثةٌ دون أعمال المؤمنين الذين ذكرهم { هم لها عاملون } .\r { حتى إذا أخذنا مترفيهم } رؤساءَهم وأغنياءَهم { بالعذاب } بالقحط والجوع سبع سنين { إذا هم يجأرون } يضجُّون ويجزعون ، ونقول لهم : \r { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون } لا تُمنعون ، ولا ينفعكم جزعكم .\r { قد كانت آياتي تتلى عليكم } يعني : القرآن { فكنتم على أعقابكم } على أدباركم { تنكصون } ترجعون القهقرى مُكذِّبين به .\r { مستكبرين به } أي : بالحرم ، تقولون : لا يظهر علينا أحدٌ؛ لأنَّا أهل الحرم { سامراً } سُمَّاراً باللَّيل { تُهْجِرُون } تهذون وتقولون الهُجر من سبِّ النبيِّ A .\r { أفلم يدبروا القول } يتدبَّروا القرآن ، فيقفوا على صدقك { أم جاءهم } بل أَجاءهم { ما لم يأت آباءهم الأولين } يريد : إنَّ إنزال الكتاب قد كان قبل هذا ، فليس إنزال الكتاب عليك ببديعٍ ينكرونه .\r { أم لم يعرفوا رسولهم } الذي نشأ فيما بينهم وعرفوه بالصِّدق .\r { أم يقولون } بل أيقولون { به جنة } جنونٌ { بل جاءهم } ليس الأمر كما يقولون ، بل جاءهم الرَّسول { بالحق } بالقرآن من عند الله .","part":1,"page":575},{"id":576,"text":"{ ولو اتبع الحق } القرآن الذي يدعو إلى المحاسن { أهواءَهم } التي تدعو إلى المقابح ، أي : لو كان التَّنزيل بما يُحبُّون { لفسدت السموات والأرض } وذلك أنَّها خُلقت دلالةً على توحيد الله ، فلو كان القرآن على مرادهم كان يدعو إلى الشِّرك ، وذلك يُؤدِّي إلى إفساد أدلة التَّوحيد ، وقوله : { ومَنْ فيهنَّ } لأنَّهم حينئذٍ يُشركون بالله تعالى { بل أتيناهم بذكرهم } بشرفهم في الدُّنيا والآخرة .\r { أم تسألهم } أنت يا محمَّد على ما جئت به { خرجاً } جُعلاً وأجراً { فخراجُ ربك } فعطاء ربِّك وثوابه { خير } .","part":1,"page":576},{"id":577,"text":"{ لناكبون } أَيْ : عادلون مائلون .\r { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضرّ } جدبٍ وقحطٍ { للجوا } لتمادوا { في طغيانهم يعمهون } نزلت هذه الآية حين شكوا إلى النبيِّ A وقالوا : قتلْتَ الآباء بالسَّيف ، والأبناء بالجوع .\r { ولقد أخذناهم بالعذاب } بالجوع { فما استكانوا لربهم } ما تواضعوا .\r { حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد } يوم بدرٍ . وقيل : عذاب الآخرة { إذا هم فيه مبلسون } آيسون من كلِّ خيرٍ .","part":1,"page":577},{"id":578,"text":"{ وله اختلاف الليل والنهار } أَي : هو الذي جعلهما مختلفين .","part":1,"page":578},{"id":579,"text":"{ ملكوت كل شيء } أَيْ : ملكه . يعني : مَنْ يملك كلَّ شيء؟ { وهو يجير } يُؤمن من يشاء { ولا يجار عليه } لا يُؤمَنُ مَنْ أخافه . وقوله : \r { فأنى تسحرون } تُخدعون وتُصرفون عن توحيده وطاعته .\r { بل أتيناهم بالحق } يعني : القرآن { وإنهم لكاذبون } أنَّ الملائكة بنات الله .\r { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق } ينفرد بمخلوقاته فيمنع الإله الآخر عن الاستيلاء عليها { ولعلا بعضهم على بعض } بالقهر والمزاحمة كالعادة بين الملوك { سبحان الله } تنزيهاً له { عما يصفون } من الكذب .","part":1,"page":579},{"id":580,"text":"{ قل رب إما تريني ما يوعدون } ما يُوعَدُ المشركون من العذاب .\r { فلا تجعلني } معهم أَيْ : إنْ أنزلت بهم النِّقمة فاجعلني خارجاً منهم .","part":1,"page":580},{"id":581,"text":"{ ادفع بالتي هي أحسن } من الحلم والصَّفح { السيئة } التي تأتيك منهم من الأذى والمكروه { نحن أعلم بما يصفون } فنجازيهم به ، وهذا كان قبل الأمر بالقتال .\r { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين } نزغاتها ووساوسها .\r { وأعوذ بك رب أن يحضرون } في شيءٍ من أموري . وقوله : \r { رب ارجعون } أي : ارددني إلى الدُّنيا .\r { لعلي أعمل صالحاً } أَيْ : أشهد بالتَّوحيد { فيما تركت } حين كنت في الدُّنيا { كلا } لا يرجع إلى الدُّنيا { إنها كلمة هو قائلها } عند الموت ، ولا يُجاب إلى ذلك ، { ومن ورائهم } أمامهم { برزخ } حاجزٌ بينهم وبين الرُّجوع إلى الدُّنيا .\r { فإذا نفخ في الصور } النَّفخة الأخيرة { فلا أنساب بينهم يومئذ } لا يفتخرون بالأنساب { ولا يتساءلون } كما يتساءلون في الدُّنيا من أيِّ قبيلةٍ ونَسبٍ أنت .","part":1,"page":581},{"id":582,"text":"{ تلفح } تحرق . { وهم فيها كالحون } عابسون لتقلُّص شفاههم بالانشواء ، فيقال لهم : \r { ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون } .\r { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } التي قضيتَ علينا { وكنا قوماً ضالين } أقرُّوا على أنفسهم بالضَّلال .","part":1,"page":582},{"id":583,"text":"{ اخسؤوا } أي : تباعدوا تباعد سخطٍ عليكم .","part":1,"page":583},{"id":584,"text":"{ فاتخذتموهم سخرياً } أَيْ : سخرتم منهم ، واستهزأتم { حتى أنسوكم ذكري } لاشتغالكم بالاستهزاء منهم .\r { إني جزيتهم اليوم } قابلتُ عملهم بما يستحقُّون من الثَّواب { بما صبروا } على أذاكم { أنهم هم الفائزون } النَّاجون من العذاب والنَّار .\r { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين } قال الله تعالى لمنكري البعث إذا بعثهم من قبورهم : كم لبثتم في قبوركم؟ وهذا سؤال توبيخٍ لهم؛ لأنَّهم كانوا يُنكرون أن يُبعثوا من قبورهم .\r { قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم } وذلك أنَّ العذاب رُفع عنهم فيما بين النَّفختين ، ونسوا ما كانوا من العذاب ، فاستقصروا مدَّة لبثهم ، فلذلك قالوا : { لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين } أي : فاسأل الملائكة الذين يحفظون عدد ما لبثنا .\r { قال إن لبثتم } ما لبثتم { إلاَّ قليلاً } وإن طال لبثكم؛ في طول لبثكم في النَّار { لو أنكم كنتم تعلمون } مقدار لبثكم في القبر ، وذلك أنَّهم لم يعلموا ذلك حيث قالوا : { لبثنا يوماً أو بعض يوم } فقيل لهم : لو كنتم تعلمون ذلك كان قليلاً عند طول لبثكم في النَّار .\r { أفحسبتم أنَّما خلقناكم عبثاً } أَيْ : للعبث لا لحكمة من ثوابٍ للمطيع ، وعقابٍ للعاصي . وقيل : عبثاً للعبث ، حتى تعبثوا وتغفلوا وتلهوا .\r { رب العرش الكريم } أي : السَّرير الحسن .\r { ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به } لا حجَّة له بما يفعل من عبادته غير الله { فإنما حسابه عند ربه } جزاؤه عند الله تعالى ، فهو يجازيه بما يستحقُّه { إنه لا يفلح الكافرون } لا يسعد المُكذِّبون ، ثمَّ أمره رسوله أن يستغفر للمؤمنين ، ويسأل لهم الرَّحمة فقال : \r { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين } .","part":1,"page":584},{"id":585,"text":"{ سورة أنزلناها } أَيْ : هذه سُورةٌ أنزلناها { وفرضناها } ألزمنا العمل بما فُرض فيها .\r { الزانية والزاني } إذا كانا حُرَّين بالغين غير محصنين { فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة } رقَّةٌ ورحمةٌ فَتُعطِّلوا الحدود ، وتخفِّفوا الضَّرب حتَّى لا يُؤلم ، وقوله : { في دين الله } أَيْ : في حكم الله . { وليشهد } وليحضر { عذابهما } جلدهما { طائفة } نفرٌ { من المؤمنين } .\r { الزاني لا ينكح إلاَّ زانية . . . } الآية . نزلت في قومٍ من فقراء المهاجرين همُّوا أن يتزوَّجوا بغايا كنَّ بالمدينة لِعَيْلَتِهم ، فأنزل الله تعالى تحريم ذلك؛ لأنهنَّ كنَّ زانياتٍ مشركاتٍ ، وبيَّن أنَّه لا يتزوَّج بهنَّ إلاَّ زانٍ أو مشركٌ ، وأنَّ ذلك حرامٌ على المؤمنين .","part":1,"page":585},{"id":586,"text":"{ والذين يرمون } بالزِّنا { المحصنات } الحرائر العفائف { ثمَّ لم يأتوا } على ما رموهنَّ به { بأربعة شهداء } أَيْ : يشهدون عليهنَّ بذلك { فاجلدوهم } أَي : الرَّامين { ثمانين جلدة } يعني : كلَّ واحدٍ منهم { ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً } لا تُقبل شهادتهم إذا شهدوا؛ لأنَّهم فسقوا برمي المحصنات إلاَّ أن يرجعوا ويُكذِّبوا أنفسهم ويتركوا القذف ، فحينئذٍ تُقبل شهادتهم لقوله تعالى : \r { إلاَّ الذين تابوا من بعد ذلك } .\r { والذين يرمون أزواجهم } يقذفونهنَّ بالزِّنا { ولم يكن لهم شهداء إلاَّ أنفسهم } يشهدون على صحَّة ما قالوا [ إلاَّ هم ] { فشهادة أحدهم أربع شَهاداتٍ بالله } أربع مرات أنَّه صادقٌ فيما قذفها به ، يُسقط عنه الحدَّ ، ثم يقول في الخامسة : لعنةُ الله عليه إنْ كان من الكاذبين ، فإذا فعل الزَّوج هذا وجب الحدُّ على المرأة ، ويسقط ذلك عنها بأن تقول : أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما قذفني به ، أربع مرات ، وذلك قوله تعالى : \r { ويدرأ عنها العذاب } أَيْ : يدفع عنها عقوبة الحدِّ ، والخامسة تقول : عليَّ غضب الله إنْ كان من الصَّادقين .","part":1,"page":586},{"id":587,"text":"{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته } جواب \" لولا \" محذوفٌ ، على تقدير : لفضحكم بارتكاب الفاحشة ، ولعاجلكم بالعقوبة ، ولكنَّه { توابٌ } يقبل التَّوبة ، ويرحم مَنْ رجع عن السَّيئة [ { حكيم } فيما فرض من الحدود ] .\r { إنَّ الذين جاؤوا بالإِفك } بالكذب على عائشة رضوان الله عليها وصفوان { عصبة } جماعة { منكم } يعني : حسَّان بن ثابت ، ومسطحاً ، وعبد الله ابن أُبيّ المنافق ، وحمنة بنت جحش { لا تحسبوه } لا تحسبوا ذلك الإفك { شرّاً لكم بل هو خيرٌ لكم } لأنَّ الله تعالى يأجركم على ذلك ، ويُظهر براءتكم { لكلِّ امرىء منهم ما اكتسب من الإِثم } جزاء ما اجترح من الذَّنب { والذي تولَّى كبره } تحمَّل معظمه فبدأ بالخوض فيه ، وهو عبد الله ابن أُبيّ .\r { لولا } هلاَّ { إذ سمعتموه } يعني : الإِفك { ظنَّ المؤمنون والمؤمنات } رجع من الخطاب إلى الخبر ، والمعنى : ظننتم أيُّها المؤمنون بالذين هم كأنفسهم { خيراً } والمؤمنون كلُّهم كالنَّفس الواحدة ، وقلتم : { هذا إفك مبين } كذبٌ ظاهرٌ .","part":1,"page":587},{"id":588,"text":"{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسّكم } لأصابكم { فيما أفضتم } خضتم { فيه } من الإفك { عذاب عظيم } .\r { إذ تلقونه بألسنتكم } تأخذونه ويرويه بعضكم عن بعض { وتحسبونه هيناً } وتظنُّونه سهلاً ، وهو كبيرٌ عند الله سبحانه .\r { ولولا } هلاَّ { إذ سمعتموه } سمعتم هذا الكذب { قلتم ما يكون لنا أن نتكلَّم بهذا سبحانك } تعجُّباً من هذا الكذب { هذا بهتان } كذبٌ نتحيَّر من عظمه ، والمعنى : هلا أنكرتموه وصنتم ألسنتكم عن الخوض فيه؟ .\r { يعظكم الله أن تعودوا } كراهة أن تعودوا لمثل هذا الإِفك أبداً .","part":1,"page":588},{"id":589,"text":"{ إنَّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } يفشوَ الزِّنا { في الذين آمنوا لهم عذاب أليمٌ } وهم المنافقون كانوا يشيعون هذا الكذب ، ويطلبون العيب للمؤمنين ، وأن يكثر فيهم الزِّنا .\r { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } لعجَّل لكم الذي تستحقُّونه من العقوبة .\r { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى } ما صلح وطهر من هذا الذَّنب أحد { منكم } يعني : من الذين خاضوا فيه { ولكنَّ الله يزكي مَنْ يشاء } يُطهِّر مَنْ يشاء من الإِثم والذَّنب بالرَّحمة والمغفرة .\r { ولا يأتل } ولا يحلف { أولو الفضل منكم والسعة } يعني أبا بكر الصديق Bه { أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله } يعني : مسطحاً ، وكان مسكيناً مهاجراً وكان ابن خالة أبي بكر ، وكان قد حلف أن لا ينفق عليه ولا يُؤتيه شيئاً . { وليعفوا وليصفحوا } عنهم لخوضهم في حديث عائشة { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } فلمَّا نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق : بلى ، أنا أحبُّ أن يغفر الله لي ، ورَجَع إلى مسطح بنفقته التي كان ينفق عليه .\r { إنَّ الذين يرمون المحصنات الغافلات } عن الفواحش ، كغفلة عائشة Bها عمَّا قذفت به { لعنوا } عُذِّبوا { في الدنيا } بالجلد { و } في { الآخرة } بالنَّار .\r { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } وقوله : \r { يوفيهم الله دينهم الحق } أي : جزاءهم الواجب { ويعلمون أنَّ الله هو الحق المبين } لأنَّه قد بيَّن لهم حقيقة ما كان يعدهم به في الدُّنيا .\r { الخبيثات } من القول . وقيل : من النِّساء { للخبيثين } من الرِّجال { والخبيثون } من النَّاس { للخبيثات } من القول . وقيل : من النِّساء { والطيبات } من القول .\rوقيل : من النِّساء { للطيبين } من النَّاس { والطيبون } من النَّاس { للطيبات } من القول . وقيل : من النَّاس . { أولئك } يعني : عائشة وصفوان { مبرَّؤون مما يقولون } يقوله أهل الخبث والقاذفون .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا } تستأذنوا { وتسلموا على أهلها } وهو أن يقول : السَّلام عليكم ، أَأَدخلُ؟\r { فإن لم تجدوا فيها } في البيوت { أحداً } يأذن لكم في دخولها { فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا } انصرفوا { فارجعوا } ولا تقفوا على أبوابهم { هو } أي : الرُّجوع { أزكى لكم } أطهر لكم وأصلح ، فلمَّا نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله ، أفرأيت الخانات والمساكن في الطَّريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله سبحانه : \r { ليس علكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة } بغير استئذانٍ { فيها متاع } منفعةٌ { لكم } في قضاء حاجةٍ ، أو نزولٍ وغيره .\r { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } يكفُّوها عن النَّظر إلى ما لا يحلُّ { ويحفظوا فروجهم } عن مَنْ لا يحلُّ . وقيل : يستروها حتى لا تظهر .","part":1,"page":589},{"id":590,"text":"{ ولا يبدين زينتهنَّ } يعني : الخلخالين ، والقُرطين ، والقلائد ، والدَّماليج ، ونحوها ممَّا يخفى { إلاَّ ما ظهر منها } وهو الثِّياب ، والكحل ، والخاتم والخضاب ، والسِّوار ، فلا يجوز للمرأة أن تظهر إلاَّ وجهها ويديها إلى نصف الذِّراع { وليضربن بخمرهنَّ } وليلقين مقانعهنَّ { على جيوبهنَّ } ليسترن بذلك شعورهنَّ وقرطهنَّ وأعناقهنَّ { ولا يبدين زينتهن } يعني : الزِّنية الخفيَّة لا الظَّاهرة { إلاَّ لبعولتهن } أزواجهنَّ . وقوله : { أو نسائهنَّ } يعني : النِّساء المؤمنات ، فلا يحلُّ لامرأةٍ مسلمةٍ أن تتجرَّد بين يدي امرأةٍ مشركةٍ إلاَّ إذا كانت المشركة مملوكةً لها ، وهو قوله : { أو ما ملكت أيمانهن أوالتابعين غير أولي الإربة من الرجال } يعني : الذين يتَّبعون النِّساء يخدمونهنَّ ليصيبوا شيئاً ، ولا حاجة لهم فيهنَّ ، كالخصيِّ والخنثى ، والشَّيخ الهَرِم ، والأحمق العنِّين { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } لم يقووا عليها { ولا يضربن بأرجلهنَّ ليعلم ما يخفين من زينتهنَّ } أَيْ : لا يضربن بإحدى الرِّجلين على الأخرى ليصيب الخلخالُ الخلخالَ فيعلم أنَّ عليها خلخالين ، فإنَّ ذلك يحرِّك من الشَّهوة { وتوبوا إلى الله جميعاً } راجعوا طاعة الله سبحانه فيما أمركم ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السُّورة .","part":1,"page":590},{"id":591,"text":"{ وأنكحوا الأيامى منكم } الذين لا أزواج لهم من الرِّجال والنِّساء { والصالحين من عبادكم } عبيدكم { وإمائكم } جواريكم { إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله } هذا وعدٌ من الله تعالى بالغنى على النِّكاح ، وإعلامٌ أنَّه سببٌ لنفي الفقر .\r { وليستعفف } وليعفَّ عن الحرام مَنْ لا يقدر على تزوُّج امرأةٍ ، بأن لا يملك المهر والنًّفقة { حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون } يطلبون { الكتاب } المكاتبة { مما ملكت أيمانكم } من عبيدكم ، وهو أن يطلب من مولاه أن يبيعه منه بمالٍ معلومٍ يُؤدِّيه إليه في مدَّةٍ معلومةٍ ، فإذا أدَّى ذلك عتق { فكاتبوهم } فأعطوهم ما يطلبون من الكتابة { إن علمتم فيهم خيراً } اكتساباً للمال ، يقدرون على أداء مال الكتابة { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } يعني : حطُّوا عنهم من المال الذي كاتبتموهم عليه ، ويستحبُّ ذلك للسيِّد ، وهو أن يحطَّ عنه ربع المال . وقيل : المراد بهذا أن يُؤتوا سهمهم من الزَّكاة { ولا تكرهوا فتياتكم } إماءكم { على البغاء } الزِّنا . نزلت في عبد الله ابن أُبيِّ ، وكانت له جوارٍ يكرههنَّ على الزِّنا ، ويأخذ منهنَّ أجراً معلوماً { إن أردن تحصناً } قيل : إنَّ هذا راجعٌ إلى قوله : { وانكحوا الأيامى منكم والصَّالحين من عبادكم وإمائكم } إن أردن تحصُّناً . وقيل : \" إنْ \" بمعنى : \" إذ \" ، والمعنى : لا تكرهوهنَّ على الزِّنا إذ أردن التًّعفُّف عنه { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } يعني : ما يؤخذ من أجورهنَّ { ومن يكرههنَّ } على الزِّنا { فإنَّ الله من بعد إكراههنَّ } لهنَّ { غفور رحيم } والوزر على المُكْرِه .\r { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } يعني : القرآن { ومثلاً } وخبراً وعبرةً { من الذين خَلَوا } مضوا { من قبلكم } يعني : ما ذُكر من قصص القرون الماضية .\r { الله نور السموات والأرض } أَيْ : بنوره وهداه يَهتدي من في السموات والأرض ، ثمَّ ضرب مثلاً لذلك النُّور الذي يقذفه في قلب المؤمن حتى يهتدي به فقال : { مثل نوره كمشكاة } وهي الكوَّة غير النَّافذة ، والمراد بها ها هنا الذي وسط القنديل كالكوَّة يُوضع فيها الذُّبالة ، وهو قوله : { فيها مصباح } يعني : السِّراج { المصباح في زجاجة } لأنَّ النُّور في الزُّجاج ، وضوء النَّار أبين منه في كلِّ شيءٍ . { الزجاجة كأنها كوكب } لبياضه وصفائه { دريّ } منسوبٌ إلى أنَّه كالدُّرِّ { تُوقدُ } أي : الزُّجاجة ، والمعنى للمصباح ، ولكنه حذف المضاف ، مَنْ قرأ بالياء أراد : يُوقد المصباح { من شجرة } أَيْ : من زيت شجرةٍ { مباركة زيتونة لا شرقية } ليست ممَّا يطلع عليها الشَّمس في وقت شروقها فقط { ولا غربية } أو عند الغروب ، والمعنى : ليس يسترها عن الشَّمس في وقتٍ من النَّهار شيءٌ ، فهو أنضر لها ، وأجود لزيتها { يكاد زيتها يضيء } لصفائه دون السِّراج ، وهو قال عزَّ مِنْ قائلٍ : { يهدي الله لنوره مَنْ يشاء .","part":1,"page":591},{"id":592,"text":". . } الآية\r { في بيوت } أَي : المصباح يوقد في بيوتٍ ، يعني : المساجد { أذن الله أن ترفع } تبنى ، وقوله تعالى : \r { تتقلب فيه القلوب } بين الطَّمع في النَّجاة ، والحذر من الهلاك { والأبصار } تتقلَّب في أيِّ ناحيةٍ يُؤخذ بهم ، أذات اليمين أم ذات الشِّمال؟ ومن أيِّ جهةٍ يُؤتون كُتبهم من جهة اليمين أم من جهة الشِّمال؟\r { ليجزيهم الله أحسن } بأحسن { ما عملوا ويزيدهم من فضله } ما لم يستحقُّوه بأعمالهم ، ثمَّ ضرب مثلاً لأعمال الكافرين ، فقال : \r { والذين كفروا أعمالهم كسراب } وهو ما يرى في الفلوات عند شدَّة الحرِّ ، كأنَّه ماءٌ { بقيعة } جمع قاعٍ ، وهو المنبسط من الأرض { يحسبه الظمآن } يظنُّه العطشان { ماءً حتى إذا جاءه } جاء موضعه { لم يجده شيئاً } كذلك الكافر يحسب أنَّ عمله مُغنٍ عنه أو نافعه شيئاً ، فإذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله لم يجد علمه أغنى عنه شيئاً { ووجد الله عنده } ووجد الله بالمرصاد عند ذلك { فوفَّاه حسابه } تحمَّل جزاء عمله .","part":1,"page":592},{"id":593,"text":"{ أو كظلمات } وهذا مثلٌ آخرُ ضربه الله لأعمال الكافر { في بحر لجيٍّ } وهو البعيد القعر الكثير الماء { يغشاه } يعلوه { موجٌ } وهو ما ارتفع من الماء { من فوقه موج } متراكمٌ بعضه على بعض { مِن } فوق الموج { سحاب } وهذه كلُّها { ظلمات بعضها فوق بعض } ظلمة السَّحاب ، وظلمة الموج ، وظلمة البحر . { إذا أخرج } النَّاظر { يده } بين هذه الظُّلمات { لم يكد يراها } لم يرها لشدَّة الظُّلمة ، وأراد بالظُّلمات أعمال الكفار ، وبالبحر اللُّجيِّ قلبه ، وبالموج من فوق الموج ما يغشى قلبه من الجهل والشَّكِّ والحيرة ، وبالسَّحاب الرِّين والختم على قلبه ، ثمَّ قال : { ومَنْ لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } أَيْ : مَنْ لم يهده الله للإِسلام لم يهتد .\r { ألم تر أنَّ الله يسبح له } يصلّي له { من في السموات والأرض } المطيع يُسبِّح له ، والعاصي يذلُّ أيضاً بخلق الله تعالى إيَّاه على ما يشاء ، على أنَّ الله بريءٌ من السُّوء { والطير صافات } أجنحتهنَّ في الهواء تسبِّح الله . { كلٌّ قد علم صلاته } وهي لبني آدم { وتسبيحه } وهو عامٌّ لغيرهم من الخلق .","part":1,"page":593},{"id":594,"text":"{ ألم تر أنَّ الله يزجي } يسوق { سحاباً } إلى حيث يريد { ثمَّ يؤلف بينه } يجمع بين قطع ذلك السَّحاب { ثم يجعله ركاماً } بعضه فوق بعض { فترى الودق } المطر { يخرج من خلاله } فُرَجِه { وينزل من السماء من جبالٍ } في السَّماء { من بَردٍ فيصيب } بذلك البرد { مَنْ يشاء ويصرفه عَنْ مَنْ يشاء يكاد سنا برقه } ضوء برق السَّحاب { يذهب بالأبصار } من شدَّة توقُّده .\r { يقلب الله الليل والنهار } يُصرِّفهما في اختلافهما وتعاقبهما { إنَّ في ذلك } الذي ذكرت من هذه الأشياء { لعبرة لأولي الأبصار } لذوي العقول .\r { والله خلق كلَّ دابة من ماء } أَيْ : من نطفةٍ { فمنهم من يمشي على بطنه } كالحيًّات والحيتان { ومنهم من يمشي على رجلين } كالإنس والجنِّ والطَّير { ومنهم مَنْ يمشي على أربع } كالبقر والجمال وغيرهما .","part":1,"page":594},{"id":595,"text":"{ ويقولون آمنا بالله } يعني : المنافقين { ثمَّ يتولى } يعرض عن قبول حكم الرَّسول A { فريق منهم من بعد ذلك } الإقرار { وما أولئك بالمؤمنين } .\r { وإذا دعوا إلى الله } إلى كتاب الله { ورسوله ليحكم بينهم } نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهوديّ ، كان اليهوديُّ يجرُّه إلى رسول الله A ليحكم بينهما ، وجعل المنافق يجرُّه إلى كعب بن الأشرف ، وهذا إذا كان الحقُّ على المنافقين أعرضوا عن حكم رسول الله A ؛ لأنَّه كان لا يقبل الرُّشا ، وإن كان لهم الحقُّ على غيرهم أسرعوا إلى حكمه ، وهو وقوله تعالى : \r { وإن يكن لهم الحقُّ يأتوا إليه مذعنين } مُطيعين مُنقادين .","part":1,"page":595},{"id":596,"text":"{ أفي قلوبهم مرض } فجاء بلفظ التَّوبيخ ليكون أبلغ في ذمِّهم { أم ارتابوا } شكُّوا { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } أي : يظلم { بل أولئك هم الظالمون } لأنفسهم بكفرهم ونفاقهم .","part":1,"page":596},{"id":597,"text":"{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجنَّ } وذلك أنَّ المنافقين حلفوا أنَّهم يخرجون إلى حيث يأمرهم الرَّسول A للغزو والجهاد ، فقال الله تعالى : { قل لا تقسموا طاعة معروفة } خيرٌ وأمثلُ من يمينٍ تحنثون فيها .\r { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمَّل } من تبليغ الرِّسالة { وعليكم ما حملتم } من طاعته . الآية .\r { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض } ليورثنَّهم أرض الكفَّار من العرب والعجم { كما استخلف الذين من قبلهم } يعني : بني إسرائيل { وليمكنَّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم } حتى يتمكَّنوا منه من غير خوفٍ { وليبدلنَّهم من بعد خوفهم } من العدوِّ { أمناً } لا يخافون معه العدوَّ { ومن كفر } بهذه النِّعمة فعصى الله ورسوله ، وسفك الدِّماء { فأولئك هم الفاسقون } فكان أوَّل [ مَنْ كفر ] بهذه النِّعمة بعد ما أنجز الله وعده الذين قتلوا عثمان بن عفان Bه ، فعادوا في الخوف ، وظهر الشَّرُّ والخلاف .","part":1,"page":597},{"id":598,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } من العبيد والإماء { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } من الأحرار { ثلاث مرَّات } ثمَّ بيَّنهنَّ فقال : { من قبل صلاة الفجر } وهو حين يخرج الإنسان من ثياب النَّوم { وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة } للقائلة { ومن بعد صلاة العشاء } الآخرة { ثلاث عورات لكم } يعني : هذه الأوقات؛ لأنَّها أوقات التَّجرُّد وظهور العورة ، { ليس علكم ولا عليهم جناح } ألا يستأذنوا بعد هذه الأوقات { طوافون } أَيْ : هم طوَّافون { عليكم } يريد أنَّهم خدمكم ، فلا بأس عليهم أن يدخلوا في غير هذه الأوقات الثَّلاثة بغير إذنٍ ، وهذه الآية منسوخةٌ عند قومٍ ، وعند قومٍ لم تُنسخ ، ويجب العمل بها .","part":1,"page":598},{"id":599,"text":"{ وإذا بلغ الأطفال منكم } من أحراركم { الحلم فليستأذنوا } في كلِّ وقتٍ { كما استأذن الذين من قبلهم } يعني : الكبار من الأحرار .\r { والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً } يعني : العجائز اللاتي أيسن من البعولة { فليس عليهم جناح أن يضعن ثيابهن } جلابيبهنَّ { غير متبرجات بزينة } غير مُظهراتٍ زينتهنَّ ، وهو أن لا تريد بوضع الجلباب أن تُري زينتها { وأن يستعففن } فلا يضعن الجلباب { خيرٌ لهن } .\r { ليس على الأعمى حرج . . . } الآية . كان المسلمون يخرجون للغزو ، ويدفعون مفاتيح بيوتهنَّ إلى الزَّمنى الذين لا يخرجون ، ويقولون لهم : قد أحللنا لكم أن تأكلوا ممَّا فيها ، فكانوا يتوقَّون ذلك حتى نزلت هذه الآية . وقوله : { ولا على أنفسكم } أراد : ولا عليكم أنفسكم { أن تأكلوا من بيوتكم } أَيْ : بيوت أولادكم ، فجعل بيوت أولادهم بيوتهم؛ لأنَّ ولد الرَّجل من كسبه ، ومالَه كمالِه ، وقوله : { أو ما ملكتم مفاتحه } يريد : الزَّمنى الذين كانوا يخزنون للغزاة { ليس عليكم جناح أن تأكلوا } من منازل هؤلاءٍ إذا دخلتموها وإن لم يحضروا ولم يعلموا من غير أن يحملوا ، وهذه رخصةٌ من الله تعالى لطفاً بعباده ، ورغبة بهم عن دناءة الأخلاق وضيق النَّظر ، وقوله : { أو صديقكم } يجوز للرَّجل أن يدخل بيت صديقه فيتحرَّم بطعامه من غير استئذانٍ بهذه الآية ، وقوله : { أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً } يقول : لا جناح عليكم إن اجتمعتم في الأكل ، أو أكلتم فرادى ، وإن اختلفتم فكان فيكم الزَّهيد والرغيب ، والعليل والصَّحيح ، وذلك أنَّ المسلمين تركوا مؤاكلة المرضى والزَّمنى بعد نزول قوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } فقالوا : إنَّهم لا يستوفون من الأكل ، فلا تحلُّ لنا مؤاكلتهم ، فنزلت الرُّخصة في هذه الآية . { فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } فليسلِّم بعضكم على بعض . وقيل : إذا دخلتم بيوتاً خالية فليقل الدَّاخل : السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين .","part":1,"page":599},{"id":600,"text":"{ وإذا كانوا معه على أمر جامع } يجمعهم في حربٍ حضرت ، أو صلاةٍ في جمعةٍ ، أو تشاورٍ في أمرٍ { لم يذهبوا } لم يتفرقوا عن النبيِّ A { حتى يستأذنوه } نزلت في حفر الخندق ، كان المنافقون ينصرفون بغير امر رسول الله A ، وقوله : \r { لا تجعلوا دعاءَ الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً } أَيْ : لا تقولوا إذا دعوتموه : يا محمد ، كما يقول أحدكم لصاحبه ، ولكن قولوا : يا رسول الله ، يا نبيَّ الله { قد يعلم الله الذين يتسللون } يخرجون في خُفيةٍ من بين النَّاس { لواذاً } يستتر بغيره فيخرج مُختفياً { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } أَيْ : يخالفون أمر الرَّسول A ، وينصرفون بغير إذنه { أن تصيبهم فتنة } بليَّةٌ تُظهر نفاقهم { أو يصيبهم عذاب أليم } عاجلٌ في الدُّنيا .\r { ألا إنَّ لله ما في السموات والأرض } عبيداً وملكاً وخلقاً .","part":1,"page":600},{"id":601,"text":"{ تبارك } ثبت ودام { الذي نزل الفرقان } القرآن الذي فرق بين الحقِّ والباطل { على عبده } محمَّد A { ليكون للعالمين } الجنِّ والإِنس { نذيراً } مخوِّفاً من العذاب .\r { وخلق كلَّ شيء } ممَّا يُطلق في صفة المخلوق { فقدَّره تقديراً } جعله على مقدارٍ . وقوله : \r { نشوراً } أَيْ : حياةً بعد الموت .\r { وقال الذين كفروا إن هذا } ما هذا القرآن { إلاَّ إفك } كذبٌ { افتراه } اختلقه { وأعانه عليه قوم آخرون } يعنون : اليهود { فقد جاؤوا } بهذا القول { ظلماً وزوراً } كذباً .\r { وقالوا أساطير الأولين } أَيْ : هو ما سطره الأوَّلون { اكتتبها } كتبها { فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً } يعنون أنَّه يختلف إلى مَنْ يعلَّمه بالغداة والعشيِّ .\r { قل } يا محمد لهم : { أنزله } أنزل القرآن { الذي يعلم السر في السموات والأرض } يعلم بواطن الأمور ، فقد أنزله على ما يقتضيه علمه .\r { وقالوا ما لهذا الرسول } يعنون محمداً عليه السَّلام { يأكل الطعام } أنكروا أن يكون الرَّسول بصفة البشر { ويمشي في الأسواق } طلباً للمعاش ، يعنون أنَّه ليس بمَلِكٍ ولا مَلَكٍ { لولا } هلاَّ { أنزل إليه ملك } يُصدِّقه { فيكون معه نذيراً } داعياً إلى الله يشاركه في النُّبوَّة .\r { أو يلقى إليه كنز } يستغني به عن طلب المعاش { وقال الظالمون } المشركون : { إن تتبعون } ما تتبعون { إلاَّ رجلاً مسحوراً } مخدوعاً .\r { انظر } يا محمَّد { كيف ضربوا لك الأمثال } إذ مثَّلوك بالمسحور والفقير الذي لا يصلح أن يكون رسولاً ، والناقص عن القيام بالأمور إذ طلبوا أن يكون معك مَلَك { فضلوا } بهذا القول عن الدَّين والإِيمان { فلا يستطيعون سبيلاً } إلى الهدى ومخرجاً من ضلالتهم .\r { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك } الذي قالوه من إلقاء الكنز ، وجعل الجنَّة ، ثمَّ بيَّن ذلك فقال : { جنات تجري من تحتها الأنهار } يعني : في الدُّنيا؛ لأنَّه قد شاء أن يعطيه ذلك في الآخرة .","part":1,"page":601},{"id":602,"text":"{ سمعوا لها تغيظاً } أَيْ : صوتاً بغيظٍ ، وهو التَّغضُّب { وزفيراً } صوتاً شديداً .\r { وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً } وذلك أنَّهم يُدفعون في النَّار كما يُدفع الوتد في الحائط { مقرَّنين } مقرونين مع الشَّياطين { دعوا هنالك ثبوراً } ويلاً وهلاكاً ، فيقال لهم : \r { لا تدعوا اليوم ثُبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً } .\r { قل أذلك } الذي ذكرتُ من موضع أهل النَّار ومصيرهم { خيرٌ أم جنة الخلد . . . } الآية . وقوله : \r { وعداً مسؤولاً } لأنَّ الملائكة سألت ذلك لهم في قوله تعالى : { ربَّنا وأَدْخِلْهم جنَّاتِ عدنٍ التي وَعَدْتَهُم ومَنْ صلَحَ من آبائِهم وأزوَاجِهم وذُرِّيَّاتهم } { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله } الأصنام ، والملائكة ، والمسيح ، وعزيراً { فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } هذا توبيخ للكفَّار ، كقوله لعيسى عليه السَّلام : { أَأنتَ قُلْتَ للنَّاس اتَّخذوني وأُمِّي إلهين من دُونِ الله } { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتَّخذ من دونك أولياء } أن نوالي أعداءك ، وفي هذا براءةُ معبوديهم منهم { ولكن متعتهم وآباءهم } في الدُّنيا بالصَّحة والنِّعمة { حتى نسوا الذكر } تركوا ما وُعظوا به { وكانوا قوماً بوراً } هلكى بكفرهم .\r { فقد كذبوكم بما تقولون } بقولكم : إنَّهم كانوا آلهة { فما تستطيعون } يعني : الآلهة { صرفاً } للعذاب عنكم { ولا نصراً } لكم { ومن يظلم } أَيْ : يشرك { منكم نذقه عذاباً كبيراً } .\r { وما أرسلنا قبلك . . . } الآية . هذا جوابٌ لقولهم : { ما لهذا الرسول . . . } الآية . أخبر الله سبحانه أنَّ كلَّ مَنْ خلا من الرُّسل كان بهذه الصِّفة { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } الصَّحيح للمريض ، والغنيّ للفقير فيقول الفقير : لو شاء الله لأغناني كما أغنى فلاناً ، ويقول المريض : لو شاء الله لعافاني كما عافى فلاناً ، وكذلك كلُّ النَّاس مبتلى بعضهم ببعض ، فقال الله تعالى : { أتصبرون } على البلاء؟ فقد عرفتم ما وُعد الصَّابرون { وكان ربك بصيراً } بمَنْ يصبر ، وبمَنْ يجزع .","part":1,"page":602},{"id":603,"text":"{ وقال الذين لا يرجون لقاءنا } لا يخافون البعث : { لولا } هلاَّ { أنزل علينا الملائكة } فتخبرنا أنَّ محمداً صادقٌ { أو نرى ربنا } فيخبرنا بذلك { لقد استكبروا في أنفسهم } حين طلبوا من الآيات ما لم يطلبه أُمَّة { وعتوا عتوّاً كبيراً } وغلوا في كفرهم أشدَّ الغلوِّ .\r { يوم يرون الملائكة } يعني : إنَّ ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة هو يوم القيامة ، وإنَّ الله سبحانه حرمهم البشرى في ذلك اليوم ، وتقول لهم الملائكة : { حجراً محجوراً } أَيْ : حراماً محرَّماً عليهم البشرى .\r { وقدمنا } وقصدنا { إلى ما عملوا من عمل } ممَّا كانوا يقصدون به التقرُّب إلى الله سبحانه { فجعلناه هباءً منثوراً } باطلاً لا ثواب له؛ لأنَّهم عملوه للشَّيطان ، والهباء : دقاق التُّراب ، والمنثور : المتفرِّق .\r { أصحاب الجنة يومئذ خيرٌ مستقراً } موضع قرار { وأحسن مقيلاً } موضع قيلولة .\r { ويوم تشقق السماء بالغمام } عن الغمام ، وهو السَّحاب الأبيض الرَّقيق { ونزل الملائكة تنزيلاً } لإكرام المؤمنين .\r { الملك يومئذ الحق } أَيْ : الملك الذي هو الملك حقَّاً ملك الرَّحمن يومئذ .","part":1,"page":603},{"id":604,"text":"{ ويوم يعض الظالم } الكافر ، يعني : عُقبة بن أبي مُعَيط كان قد آمن ثمَّ ارتدَّ لرضى أُبيّ بن خلف { على يديه } ندماً وتحسُّراً { يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً } طريقاً إلى الجنة بالإِسلام .\r { يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً } يعني : أُبيَّاً { خليلاً } .\r { لقد أضلني عن الذكر } القرآن { بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً } عند البلاء . يعني : إنًّ قبوله قول أُبيِّ بن خلف في الكفر كان من عمل الشيطان .\r { وقال الرسول } في ذلك اليوم : يا { ربِّ إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً } متروكاً أعرضوا عنه .\r { وكذلك } وكما جعلنا لك أعداءً من المشركين { جعلنا لكلِّ نبيٍّ عدوَّاً من المجرمين وكفى بربك هادياً } يهديك وينصرك ، فلا تُبالِ بِمَنْ يعاديك .\r { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدة } أَيْ : لم نزل عليه متفرِّقاً؟ وهلاَّ كان دفعةً واحدةُ كالتَّوراة والإِنجيل؟ قال الله تعالى : { كذلك } فرَّقنا تنزيله { لنثبت به فؤادك } لِنُقوِّيَ به قلبك ، وذلك أنَّه كلَّما نزل عليه وحيٌ جديدٌ ازداد هو قوَّة قلبٍ { ورتلناه ترتيلاً } بيَّناه تبييناً في تثبُّتٍ ومهلةٍ .","part":1,"page":604},{"id":605,"text":"{ ولا يأتونك } يعني : المشركين { بمثل } يضربونه في إبطال أمرك { إلاَّ جئناك بالحق } بما يردُّ ما جاؤوا به المثل { وأحسن تفسيراً } بياناً وتفصيلاً ممَّا ذكروا .\r { الذين } أَيْ : هم الذين { يحشرون على وجوههم } يُمشيهم الله عليها ، فهم يُساقون على وجوههم { إلى جهنم أولئك شرٌّ مكاناً وأضلُّ سبيلاً } من كلِّ أحدٍ .\r { ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً } أَيْ : مُعيناً وملجأ .\r { فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذَّبوا بآياتنا } وهم القبط ، فكذَّبوهما { فدمَّرناهم تدميراً } أهلكناهم إهلاكاً .\r { وقوم نوحٍ لمَّا كذَّبوا الرسل } مَنْ كذَّب نبيَّاً فقد كذَّب الرُّسل كلَّهم؛ لأنَّهم لا يفرِّقون بينهم في الإيمان بهم . { أغرقناهم وجعلناهم للناس آية } عبرة { وأعتدنا للظالمين } في الآخرة { عذاباً اليماً } سوى ما ينزل بهم من عاجل العذاب . وقوله : \r { وأصحاب الرَّسِّ } كانوا أهل بئرٍ قعودٍ عليها ، وأصحاب مواشٍ يعبدون الأصنام ، فأُهلكوا بتكذيب نبيِّهم { وقروناً } وجماعاتٍ { بين ذلك } الذين ذكرناهم { كثيراً } .\r { وكلاً ضربنا له الأمثال } بيَّنا لهم الأشباه في إقامة الحجَّة عليهم { وكلاًّ تبرنا تتبيراً } أهلكنا إهلاكاً .","part":1,"page":605},{"id":606,"text":"{ ولقد أتوا } يعني : مشركي مكَّة { على القرية التي أمطرت مطر السوء } يعني : الحجارة ، وهي قرية قوم لوطٍ { أفلم يكونوا يرونها } إذا مرُّوا بها مسافرين فيعتبروا { بل كانوا لا يرجون نشوراً } لا يخافون بعثاً .\r { وإذا رأوك إن يتخذونك إلاَّ هزواً } ما يتَّخذونك إلاَّ مهزوءاً به ، ويقولون : { أهذا الذي بعث الله رسولاً } إلينا؟\r { إن كاد } إنَّه كاد { ليضلنا عن آلهتنا } فيصدُّنا عن عبادتها { لولا أن صبرنا عليها } لصرفنا عنها .\r { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } وهو أنَّهم كانوا يعبدون شيئاً حجراً ، أو ما كان ، فإذا رأوا حجراً أحسن طرحوا الأوَّل وعبدوا الأحسن ، فهم يعبدون ما تهواه أنفسهم { أفأنت تكون عليه وكيلاً } حفيظاً حتى تردَّه إلى الإِيمان ، أَيْ : ليس عليك إلاَّ التبليغ . وقيل : إنَّ هذا ممَّا نسخته آية السَّيف .\r { أم تحسب أنَّ أكثرهم يسمعون } سماع تفهيم { أو يعقلون } بقلوبهم ما تقول لهم : { إن هم } ما هم { إلاَّ كالأنعام } في جهل الآيات وما جعل لهم من الدَّليل { بل هم أضلُّ سبيلاً } لأنَّ النَّعم تنقاد لمن يتعهده ، وهم لا يطيعون مولاهم الذي أنعم عليهم .\r { ألم ترَ } ألم تعلم { إلى ربك كيف مدَّ الظلَّ } وقت الإِسفار إلى وقت طلوع الشَّمس { ولو شاء لجعله } لجعل الظلَّ { ساكناً } ثابتاً دائماً { ثمَّ جعلنا الشمس عليه دليلاً } لأنَّ بالشَّمس يُعرف الظِّلُّ .\r { ثم قبضناه } قبضنا الظِّلَّ إلينا بارتفاع الشَّمس { قبضاً يسيراً } قيل : خفيَّاً . وقيل : سهلاً .\r { وهو الذي جعل لكم الليل لباساً } يستركم { والنوم سباتاً } راحةً لأبدانكم { وجعل النهار نشوراً } حياة تنتشرون فيه من النَّوم . وقوله : \r { طهوراً } هو الطَّاهر المُطهِّر .\r { لنحيي به } بالماء الذي أنزلناه من السَّماء { بلدة ميتاً } بالجدوبة { ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسيَّ كثيراً } جمع إنسيٍّ ، وهم الذين سقيناهم المطر .\r { ولقد صرفناه } أَيْ : المطر { بينهم } بأنواعه وابلاً ، وطشَّاً ، ورُهَاماً ، ورذاذاً { ليذكروا } ليتذكَّروا به نعمة الله تعالى { فأبى أكثر الناس إلاَّ كفوراً } جُحوداً حين قالوا : سُقينا بِنَوء كذا .\r { ولو شِئنا لبعثنا في كلِّ قرية نذيراً } لنخفِّف عليك أعباء النبوَّة ، ولكن لم نفعل ذلك ليعظم أجرك .\r { فلا تطع الكافرين } في هواهم ولا تداهنهم { وجاهدهم به } وجاهد بالقرآن { جهاداً كبيراً } لا يُخالطه فتورٌ .","part":1,"page":606},{"id":607,"text":"{ وهو الذي مرج البحرين } خلطهما { هذا عذب فرات } شديد العذوبة { وهذا ملحٌ أجاج } شديد الملوحة { وجعل بينهما } بين العذب والمالح { برزخاً } حاجزاً من قدرته حتى لا يختلط أحدهما بالآخر { وحجراً محجوراً } حراماً محرَّماً أن يغلب أحدهما صاحبه .\r { وهو الذي خلق من الماء } النُّطفة { بشراً } آدمياً { فجعله نسباً } لا يحلُّ تزوُّجه { وصهراً } يحلُّ تزوُّجه ، كابنة العمِّ والخال ، وابنهما { وكان ربك قديراً } قادراً على ما يشاء . وقوله : \r { وكان الكافر على ربه ظهيراً } معيناً للشَّيطان على معصية الله سبحانه .","part":1,"page":607},{"id":608,"text":"{ قل ما أسألكم عليه } على تبليغ الرِّسالة والوحي { من أجر } فيقولون : إنَّه يطلب أموالنا { إلاَّ من شاء } لكن مَنْ شاء { أن يتخذ إلى ربه سبيلاً } بإنفاق ماله .","part":1,"page":608},{"id":609,"text":"{ فاسأل به خبيراً } فاسأل أيُّها الإنسان الذي لا تعلم صفته خبيراً يخبرك بصفاته .\r { وإذا قيل لهم } لهؤلاء المشركين : { اسجدوا للرحمن } وهو اسم الله سبحانه ، كانوا لا يعرفونه لذلك قالوا : { وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا } أنت يا محمد { وزادهم } قول القائل لهم : اسجدوا للرَّحمن { نفوراً } عن الإِيمان .","part":1,"page":609},{"id":610,"text":"{ تبارك الذي جعل في السماء بروجاً } أَيْ : منازل الكواكب السَّبعة { وجعل فيها سراجاً } وهو الشَّمس .\r { وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْقَةً } إذا ذهب هذا أتى هذا ، فأحدهما يخلف الآخر ، فمَنْ فاته عملٌ بالليل فله مُسْتَدْرَكٌ بالنَّهار ، وهو قوله : { لمن أراد أن يذكَّر } يذكر الله بصلاةٍ وتسبيحٍ وقراءةٍ { أو أراد شكوراً } شكراًَ لنعمته وطاعته .\r { وعباد الرحمن } يعني : خواصَّ عباده { الذين يمشون على الأرض هوناً } بالسَّكينة والوقار { وإذا خاطبهم الجاهلون } بما يكرهونه { قالوا سلاماً } سداداً من القول يسلمون فيه من الإِثم .","part":1,"page":610},{"id":611,"text":"{ غراماً } أيْ : شرَّاً لازماً .","part":1,"page":611},{"id":612,"text":"{ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا } لم يكن إنفاقهم في معصية الله تعالى { ولم يقتروا } لم يمنعوا حقَّ الله سبحانه { وكان } إنفاقهم بين الإِسراف والإِقتار { قوماً } قائماً ، قوله : \r { يلق أثاماً } أَيْ : عقوبةً . وقيل : جزاء الآثام .","part":1,"page":612},{"id":613,"text":"{ يبدّل الله سيئاتهم حسنات } يُبدِّلهم الله بقبائح أعمالهم في الشِّرك محاسن الأعمال في الإسلام ، بالشِّرك إيماناً ، وبالزِّنا عفَّة وإحصاناً ، وبقتل المؤمنين قتل المشركين .\r { ومن تاب } أَيْ : عزم على التَّوبة { فإنه يتوب إلى الله متاباً } فينبغي أن يبادر إليها ويتوجَّه بها إلى الله .\r { والذين لا يشهدون الزور } لا يشهدون بالكذب { وإذا مرُّوا باللغو مروا كراماً } سمعوا من الكفار الشَّتم والأذى صفحوا وأعرضوا ، وهو منسوخ بالقتال على هذا التَّفسير .\r { والذين إذا ذكروا } وُعظوا { بآيات ربهم } بالقرآن { لم يخروا عليها صماً وعمياناً } لم يتغافلوا عنها كأنَّهم صمٌّ لم يسمعوها ، وعميٌّ لم يروها .\r { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } بأَنْ نراهم مطيعين لك صالحين { واجعلنا للمتقين إماماً } أَيْ : اجعلنا ممَّن يهتدي به المُتَّقون ، ويهتدي بالمتَّقين .","part":1,"page":613},{"id":614,"text":"{ أولئك يجزون } يثابون { الغرفة } الدرجة في الجنة { بما صبروا } على طاعة الله سبحانه { ويلقون } ويُستقبلون { فيها } في الغرقة بالتَّحيَّة والسَّلام .","part":1,"page":614},{"id":615,"text":"{ قل ما يعبأ بكم } أَيْ : ما يفعل ويصنع ، وأيُّ وزنٍ لكم عنده { لولا دعاؤكم } توحيدكم وعبادتكم إياه { فقد كذبتم } يا أهل مكَّة ، فخرجتم عن أن يكون لكم عنده مقدار { فسوف يكون } العذاب لازماً لكم .","part":1,"page":615},{"id":616,"text":"{ طسم } أقسم الله بطَوله وسنائه وملكه .\r { تلك } هذه { آيات الكتاب المبين } يعني : القرآن .\r { لعلَّك باخعٌ نفسك } قاتلٌ نفسك { ألا يكونوا مؤمنين } لتركهم الإِيمان ، وذلك أنَّه لما كذَّبه أهل مكًّة شقَّ عليه ذلك ، فأعلمه الله سبحانه أنَّه لو شاء لاضطرهم إلى الإِيمان ، فقال : \r { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين } يذلُّون بها ، فلا يلوي أحدٌ منهم عنقه إلى معصية الله تعالى .\r { وما يأتيهم من ذكرٍ } من وعظٍ { من الرحمن محدث } في الوحي والتَّنزيل .\r { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } فسيعلمون نبأ ذلك ، وهو وعيدٌ لهم .","part":1,"page":616},{"id":617,"text":"{ كم أنبتنا فيها من كلِّ زوج كريم } من كلِّ نوع محمودٍ ممَّا يحتاج إليه النَّاس .\r { إنَّ في ذلك لآية } لدلالةً على توحيد الله سبحانه وقدرته { وما كان أكثرهم مؤمنين } لما سبق في علمي وقضائي فيهم .","part":1,"page":617},{"id":618,"text":"{ و } اذكر يا محمَّدُ { إذ نادى ربك موسى } ليلة رأى الشَّجرة والنَّار { أن ائت القوم الظالمين } لأنفسهم بالكفر .\r { قوم فرعون ألا يتقون } ألا يخافون الله سبحانه فيؤمنوا به .","part":1,"page":618},{"id":619,"text":"{ ويضيق صدري } من تكذيبهم إيَّاي { ولا ينطلق لساني } بأداء الرِّسالة للعقدة التي في فيه { فأرسل إلى هارون } ليظاهرني على التَّبليغ .\r { ولهم عليَّ ذنب } بقتل القبطيِّ .\r { قال كلا } لا يقتلونك { إنَّا معكم } بالنُّصرة { مستمعون } نسمع ما تقول ويقال لك .\r { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول } ذوا رسالة { ربّ العالمين } .\r { أن أرسل معنا بني إسرائيل } مفسَّرٌ في سورة طه ، فلمَّا أتاه بالرِّسالة عرفه فرعون .","part":1,"page":619},{"id":620,"text":"{ ألم نُربِّك فينا وليداً } صبيّاً { ولبثت فينا من عمرك سنين } ثلاثين سنةً .\r { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني : قتل القبطيِّ { وأنت من الكافرين } الجاحدين لنعمتي عليك .\r { قال } موسى : { فعلتها إذاً وأنا من الضالين } الجاهلين ، لم يأتني من الله شيءٌ .","part":1,"page":620},{"id":621,"text":"{ وتلك نعمة تمنُّها عليَّ } أقرَّ بإنعامه عليه ، فقال : هي نعمةٌ إذ ربَّيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل . و { عبَّدت } معناه : اتَّخذت عبيداً .\r { قال فرعون وما ربُّ العالمين } أَيُّ شيءٍ ربُّ العالمين الذي تزعم أنَّك رسوله؟\r { قال ربُّ السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } أنَّه خالقهما .\r { قال } فرعون { لمن حوله } من أشراف قومه مُعجبِّاً لهم : { ألا تستمعون } إلى ما يقوله : موسى؟! فقال موسى : \r { ربكم وربُّ آبائكم الأولين } .\r { قال } فرعون : { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } يتكلَّم بكلام لا تعرف صحَّته .\r { قال } موسى : { ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فقال فرعون حين لزمته الحجَّة : \r { لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين } من المحبوسين في السِّجن .","part":1,"page":621},{"id":622,"text":"{ قال } موسى : { أَوَلَوْ جِئِتُكَ بشيء مبين } يعني : أَوَ تَفْعَلُ ذلك وإن أتيتُك على ما أقول بحجَّةٍ بيِّنةٍ؟\r { قال فأت به } مفسَّر أكثره إلى قوله تعالى : \r { قالوا لا ضير } لا ضرر { إنا إلى ربنا منقلبون } راجعون إلى ثوابٍ .\r { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أنْ كنا } لأن كنَّا { أول المؤمنين } من هذه الأُمَّة .\r { وأوحينا إلى موسى أن أسرِ بعبادي إنكم متبعون } يتَّبعكم فرعون وقومه .","part":1,"page":622},{"id":623,"text":"{ قال } موسى : { أَوَلَوْ جِئِتُكَ بشيء مبين } يعني : أَوَ تَفْعَلُ ذلك وإن أتيتُك على ما أقول بحجَّةٍ بيِّنةٍ؟\r { قال فأت به } مفسَّر أكثره إلى قوله تعالى : \r { قالوا لا ضير } لا ضرر { إنا إلى ربنا منقلبون } راجعون إلى ثوابٍ .\r { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أنْ كنا } لأن كنَّا { أول المؤمنين } من هذه الأُمَّة .\r { وأوحينا إلى موسى أن أسرِ بعبادي إنكم متبعون } يتَّبعكم فرعون وقومه .","part":1,"page":623},{"id":624,"text":"{ فأرسل فرعون في المدائن حاشرين } يعني : الشُّرَط ليجمعوا له الجيش ، وقال لهم : \r { إنَّ هؤلاء } يعني : بني إسرائيل { لشرذمة } عصبةٌ { قليلون } .\r { وإنهم لنا لغائظون } مُغضبون بمخالفتهم إيَّانا .\r { وإنا لجميع حاذرون } مُستعدّون للحرب بأخذ أداتها و { حذرون } متيقِّظون .\r { فأخرجناهم من جنات } يعني : حين خرجوا من مصر ليلحقوا موسى وقومه .\r { ومقام كريم } مجلسٍ حسنٍ .\r { كذلك } كما وصفنا { وأورثناها } بهلاكهم { بني إسرائيل } .\r { فأتبعوهم } لحقوهم { مشرقين } في وقت شروق الشَّمس .\r { فلما تراءى الجمعان } رأى كلُّ واحدٍ الآخر { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أيْ : سيدركنا جمع فرعون .\r { قال : كلا } لن يدركونا { إنًّ معي ربي } بالنُّصرة { سيهدين } طريق النَّجاة .\r { فكان كلُّ فرق } قطعةٍ من الماء { كالطود العظيم } كالجبل .\r { وأزلفنا ثمَّ الآخرين } قرَّبنا قوم فرعون إلى الهلاك ، وقدَّمناهم إلى البحر .","part":1,"page":624},{"id":625,"text":"{ وما كان أكثرهم مؤمنين } لم يؤمن من أهل مصر إلاَّ رجلٌ وامرأتان .","part":1,"page":625},{"id":626,"text":"{ فإنَّهم عدوٌّ لي } أَيْ : هذه الآلهة التي تعبدونها عدوٌّ لي ، أعاديهم أنا ولا أعبدهم { إلاَّ ربَّ العالمين } لكن ربّ العالمين أعبده .\r { الذي خلقني } ظاهرٌ إلى قوله : \r { لسان صدقٍ في الآخرين } أَيْ : ذكراً جميلاً ، وثناءً حسناً في الأمم التي تجيء بعدي .\r { واجعلني } ممَّن يرث الجنَّة بفضلك ورحمتك .","part":1,"page":626},{"id":627,"text":"{ إلاَّ مَنْ أتى الله بقلب سليم } سلم من الشِّرك .\r { وأزلفت الجنة } قرِّبت { للمتقين } .\r { وبرزت } وأُظهرت { الجحيم للغاوين } للكافرين .","part":1,"page":627},{"id":628,"text":"{ فكبكبوا فيها } طُرح بعضهم على بعض في الجحيم { هم والغاوون } يعني : الشَّياطين .\r { وجنود إبليس } أتباعه من الجنِّ والإِنس .\r { قالوا } للشَّياطين والمعبودين .\r { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } .\r { إذ نسويكم } نَعْدِلُكُمْ { بربِّ العالمين } في العبادة .\r { وما أضلّنا } وما دعانا إلى الضَّلال { إلاَّ المجرمون } أوَّلونا الذين اقتدينا بهم .\r { فما لنا من شافعين } .\r { ولا صديق حميم } قريبٍ يشفع .\r { فلو أنَّ لنا كرَّة } رجعةً إلى الدُّنيا ، تمنَّوا أن يرجعوا إلى الدُّنيا فيؤمنوا . وقوله : \r { إني لكم رسول أمين } على الوحي والرِّسالة؛ لأنَّكم عرفتموني قبل هذا بالأمانة .","part":1,"page":628},{"id":629,"text":"{ واتبعك الأرذلون } يعني : السَّفلة والحاكة .","part":1,"page":629},{"id":630,"text":"{ من المرجومين } أَيْ : من المشتومين . وقيل : من المقتولين .","part":1,"page":630},{"id":631,"text":"و { الفلك المشحون } المملوء .","part":1,"page":631},{"id":632,"text":"{ أتبنون بكلِّ ريع } أَيْ : شَرَفٍ ومكانٍ مرتفعٍ { آية } علماً { تعبثون } تلعبون : يعني : أبنية الحمام وبروجها .\r { وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون } أَيْ : تتخذون مباني وقصوراً للخلود ، لا تُفكِّرون في الموت .\r { وإذا بطشتم بَطَشْتُمْ جبارين } إذا ضربتم بالسَّوط ، و [ إذا عاقبتم ] قتلتم فعل الجبَّارين الذين يقتلون على الغضب بغير حقٍّ .","part":1,"page":632},{"id":633,"text":"{ إن هذا } ما هذا الذي تدعونا إليه { إلا خَلْق الأوَّلين } كذبهم وافتراؤهم . ومَنْ قرأ { خُلق الأولين } فمعناه : عادة الأوَّلين ، أَيْ : الذي نحن فيه عادة الأوَّلين يعيشون ما عاشوا ، ثمَّ يموتون ولا بعثٌ ولا حسابٌ .","part":1,"page":633},{"id":634,"text":"{ أتتركون في ما هاهنا } أَيْ : في الدُّنيا { آمنين } من الموت والعذاب .","part":1,"page":634},{"id":635,"text":"{ ونخل طلعها } أَيْ : ثمرها . { هضيم } أَيْ : [ ليِّنٌ ] نضيجٌ .\r { وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين } حاذقين بنحتها ، و { فرهين } أشرين بطرين ، وكانوا مُعمَّرين لا يبقى البناء مع عمرهم ، فنحتوا في الجبال بيوتاً .","part":1,"page":635},{"id":636,"text":"{ إنما أنت من المسحرين } أَيْ : من الذين سُحروا مرَّةً بعد أخرى : وقيل : ممَّن له سَحر ، وهو الرِّئة ، أَيْ : إنَّما أنت بشرٌ مثلنا .","part":1,"page":636},{"id":637,"text":"{ لها شربٌ } أَيْ : حظٌّ ونصيبٌ من الماء .\r { لا تمسوها بسوء } بعقرٍ .","part":1,"page":637},{"id":638,"text":"{ أتأتون الذكران من العالمين } يريد : ما كان من فعل قوم لوطٍ مِنْ إتيان الرِّجال في أدبارهم .\r { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } وتدَعون أن تأتوا نسائكم { بل أنتم قوم عادون } ظالمون غاية الظُّلم .\r { قالوا : لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين } عن بلدنا .\r { قال : إني لعملكم } يعني : اللِّواط { من القالين } من المُبْغِضين .","part":1,"page":638},{"id":639,"text":"{ إلاَّ عجوزاً } يعني : امرأته { في الغابرين } في الباقين في العذاب .\r { ثمَّ دمرنا } أهلكنا .","part":1,"page":639},{"id":640,"text":"{ كذَّب أصحاب الأيكة } وهي الغيضة ، وهم قوم شعيب .","part":1,"page":640},{"id":641,"text":"{ أوفوا الكيل } أتمُّوه { ولا تكونوا من المخسرين } النَّاقصين للكيل والوزن .","part":1,"page":641},{"id":642,"text":"{ والجبلَّة الأولين } أَيْ : الخليقة السَّابقين .","part":1,"page":642},{"id":643,"text":"{ فأسقط علينا كسفاً من السماء } أَيْ : قطعةً .\r { قال ربي أعلم بما تعملون } فيجازيكم به ، وما عليَّ إلاَّ الدَّعوة .\r { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة } وذلك أنَّ الحرَّ اخذهم ، فلم ينفعهم ماءٌ ولا كَنٌّ ، فخرجوا إلى البرِّيَّة ، وأظلَّتهم سحابةٌ وجدوا لها برداً ، واجتمعوا تحتها ، فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا به .","part":1,"page":643},{"id":644,"text":"{ وإنه } يعني : القرآن { لتنزيل رب العالمين } .\r { نزل به الروح الأمين } جبريل عليه السَّلام .\r { على قلبك } حتى وعيته .","part":1,"page":644},{"id":645,"text":"{ وإنه } وإنَّ ذكر محمَّدٍ A { لفي زبر الأولين } لفي كتب الأوَّلين .\r { أو لم تكن لهم } للمشركين { آية } دلالةً على صدقه { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } يعلمون محمداً A بالنُّبوَّة والرِّسالة .","part":1,"page":645},{"id":646,"text":"{ ولو نزلناه } يعني : القرآن { على بعض الأعجمين } جمع الأعجم ، وهو الذي لا يحسن العربيَّة .\r { فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين } أنفةً من اتَّباعه .\r { كذلك سلكناه } أدخلنا التَّكذيب { في قلوب المجرمين } فذلك الذي منعهم عن الإِيمان .\r { لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم } .\r { فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } .\r { فيقولوا هل نحن منظرون } فلمَّا نزلت هذه الآيات قالوا : إلى متى توعدنا بالعذاب؟ فأنزل الله سبحانه : \r { أفبعذابنا يستعجلون } .\r { أفرأيت إن متعناهم } بالدُّنيا وأبقيناهم فيها { سنين } .\r { ثمَّ جاءهم } العذاب لم ينفعهم إمتاعهم بالدُّنيا فيما قبل .","part":1,"page":646},{"id":647,"text":"{ وما أهلكنا من قرية إلاَّ لها منذرون } رسلٌ ينذرونهم .\r { ذكرى } إنذاراً للموعظة { وما كنا ظالمين } في إهلاكهم بعد قيام الحُجَّة عليهم .\r { وما تَنَزَّلَتْ به } بالقرآن { الشياطين } .\r { وما ينبغي لهم } ذلك { وما يستطيعون } ذلك .\r { إنَّهم } عن استراق السَّمع من السَّماء { لمعزولون } بالشُّهب .","part":1,"page":647},{"id":648,"text":"{ وأنذر } خوِّف { عشيرتك الأقربين } أدنى أهلك وأقاربك .\r { واخفض جناحك } ليِّن جانبك .","part":1,"page":648},{"id":649,"text":"{ الذي يراك حين تقوم } أَيْ : إلى صلاتك .\r { وتقلبك } تصرُّفك في أركان الصَّلاة قائماً وقاعداً ، وراكعاَ ، وساجداً { في الساجدين } في المُصلِّين .","part":1,"page":649},{"id":650,"text":"{ هل أنبئكم } أخبركم { على مَنْ تنزل الشياطين } .\r { تنزَّل على كلِّ أفاك } كذَّاب { أثيم } فاجرٍ ، مثل مسيلمة وغيره من الكهنة .\r { يلقون } إليهم ما سمعوا ويخلطوا بذلك كذباً كثيراً ، وهذا كان قبل أن حجبوا عن السَّماء .\r { والشعراء يتبعهم الغاوون } يعني : شعراء الكفَّار ، كانوا يهجون رسول الله A فيتَّبعهم الكفَّار .\r { ألم ترَ أنهم في كلِّ وادٍ يهيمون } في كلِّ لغوٍ يخوضون ، يمدحون بباطلٍ ، ويشتمون بباطلٍ ، ثمَّ استثنى شعراء المؤمنين فقال : \r { إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا } ردُّوا على مَنْ هجا رسول الله A والمسلمين { وسيعلم الذين ظلموا أَيَّ منقلب ينقلبون } أَيَّ مرجعٍ يرجعون إليه بعد مماتهم .","part":1,"page":650},{"id":651,"text":"{ طس تلك آيات القرآن } هذه الآيات التي وُعدتم بها ، وذلك أنَّهم وُعدوا بالقرآن في كتبهم { وكتاب } أَيْ : وآياتِ كتابٍ { مبين } .\r { هدىً } أَيْ : هو هدىً { وبشرى للمؤمنين } .","part":1,"page":651},{"id":652,"text":"{ إنَّ الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم } جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زيَّنا لهم أعمالهم القبيحة حتى رأوها حسنةً { فهم يعمهون } يتحيَّرون .\r { أولئك الذين لهم سوء العذاب } في الدُّنيا القتل ببدرٍ ، { وهم في الآخرة هم الأخسرون } بحرمان النَّجاة ، والمنع من الجنان .\r { وإنك لتلقى القرآن . . . } الآية . أَيْ : يلقى إليك القرآن وحياً من الله سبحانه .\r { إذ قال موسى } اذكر يا محمَّد قصَّة موسى حين قال { لأهله } في مسيرة من مدين إلى مصر ، وقد ضلَّ الطَّريق ، وأصلد زنده : { إني آنست ناراً } أبصرتها من بعيد { سآتيكم منها بخير } عن الطَّريق أين هو { أو آتيكم بشهاب قبسٍ } شعلة نار أقتبسها لكم { لعلكم تصطلون } تستدفئون من البرد .\r { فلمَّا جاءها نودي أن بورك مَنْ في النار } أَيْ : مَنْ في طلب النَّار وقصدها ، والمعنى : بورك فيك يا موسى . يقال : بورك فلانٌ ، وبورك له ، وبورك فيه { ومَنْ حولها } وفيمن حولها من الملائكة ، وهذا تحيَّةٌ من الله سبحانه لموسى وتكرمةٌ له { وسبحان الله ربِّ العالمين } تنزيهاً لله من السُّوء .","part":1,"page":652},{"id":653,"text":"{ تهتزُّ } أَيْ : تتحرَّك { كأنَّها جانّ } حيَّةٌ خفيفةٌ { ولى مدبراً ولم يعقب } ولم يرجع ولم يلتفت قلنا : { يا موسى لا تخف } .\r { إلاَّ مَنْ ظلم } لكن مَنْ ظلم نفسه { ثمَّ بدَّل حسناً بعد سوء } أَيْ : تاب { فإني غفورٌ رحيم } . وقوله : \r { في تسع آيات } أَيْ : من تسع آيات أنت مرسلٌ بها . { إلى فرعون وقومه } . وقوله : \r { مبصرة } أَيْ : مضيئةً واضحةً .\r { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم . . . } الآية . معناها : وجحدوا بها ظلماً وترفُّعاً عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى وهم يعلمون أنَّها من عند الله عزَّ وجلَّ .","part":1,"page":653},{"id":654,"text":"{ وورث سليمان داود } نبوَّته وعلمه دون سائر أولاده { وقال : يا أيُّها الناس علِّمنا منطق الطير } فهمنا ما يقوله الطَّير .\r { وحشر } وجُمع { لسليمان جنوده } في مسيرٍ له { فهم يوزعون } يُحبس أوَّلهم على آخرهم حتى يجتمعوا .\r { حتى إذا أتوا على وادي النمل } كان هذا الوادي بالشَّام ، وكانت نملة كأمثال الذُّباب { لا يحطمنَّكم سليمان وجنوده } لا يكسرنَّكم بأن يطؤوكم .\r { فتبسَّم } سليمان عليه السلام لمَّا سمع قولها ، وتذكَّر ما أنعم الله به عليه فقال : { ربِّ أوزعني } ألهمني { أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن عمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .\r { وتفقد الطير } طلبها وبحث عنها { فقال : ما لي لا أرى الهدهد أم كان } بل أَكان { من الغائبين } لذلك لم يره .\r { لأعذبنه عذاباً شديداً } لأنتفنَّ ريشه وألقينَّه في الشَّمس { أو ليأتيني بسلطان مبين } حجَّةٍ واضحةٍ في غيبته .\r { فمكث غير بعيدٍ } لم يطل الوقت حتى جاء الهدهد ، وقال لسليمان : { أحطتُ بما لم تحط به } علمتُ ما لم تعلمه { وجئتك من سبأ } وهي مدينةٌ باليمن { بنبأ يقين } بخبرٍ لا شكَّ فيه . وقوله : \r { وأوتيت من كلِّ شيء } أَيْ : ممَّا يُعطى الملوك { ولها عرش } سريرٌ { عظيم } .","part":1,"page":654},{"id":655,"text":"{ ألا يسجدوا } أَيْ : لأنْ لا يسجدوا لله { الذي يخرج الخبء في السموات والأرض } القطر من السَّماء ، والنَّبات من الأرض .","part":1,"page":655},{"id":656,"text":"{ ثمَّ تولَّ عنهم } أَيْ : استأخر غير بعيدٍ { فانظر ماذا يرجعون } ما يردُّون من الجواب ، فمضى الهدهد ، وألقى إليها الكتاب ، ف\r { قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليَّ كتاب كريم } حسنٌ ما فيه ، ثمَّ بيَّنت ما فيه فقالت : \r { إنَّه من سليمان وإنَّه بسم الله الرحمن الرحيم } .\r { ألا تعلوعليَّ } أَيْ : لا تترفَّعوا عليَّ وإن كنتم ملوكاً { وأتوني مسلمين } طائعين مُنقادين .\r { قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري } بيِّنوا لي ما أعمل { ما كنت قاطعة } قاضيةً وفاصلةً { أمر حتى تشهدون } حتى تحضرون ، أَيْ : لا أقطع أمراً دونكم .\r { قالوا } مُجيبين لها : { نحن أولو قوَّة } في القتال { وأولو بأس شديد } عند الحرب { والأمر إليك } أيَّتها الملكة { فانظري ماذا تأمرين } نُطِعْك .\r { قالت : إنَّ الملوك إذا دخلوا قرية } عنوةً وغلبةً { أفسدوها } خرَّبوها { وجعلوا أعزَّة أهلها أذلة } أهانوا أشرافها بها؛ ليستقيم لهم الأمر ، أشارت إلى أنَّها لو جاءت سليمان محاربةً احتاجت إلى التَّخريب والإِفساد ، وصدَّقها الله سبحانه في قولها فقال : { وكذلك يفعلون } .\r { وإني مرسلة إليهم بهدية } أُصانعه بها وأختبره أملكٌ هو أم نبيٌّ؟ فإن كان ملكاً قبلها ، وإن كان نبيّاً لم يقبلها { فناظرة بِمَ } بأيِّ شيءٍ { يرجع المرسلون } من عنده .\r { فلما جاء } البريد أو الرَّسول { سليمان قال أتمدونني بمالٍ فما آتاني الله } من الدِّين والنُّبوَّة والحكمة { خيرٌ مما آتاكم } من الدُّنيا { بل أنتم بهديتكم تفرحون } لأنَّهم أهل مكاثرة بالدُّنيا ، ثمَّ قال للرَّسول : \r { ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم } لا طاقة لهم { بها ولنخرجنَّهم منها } من أرضهم { أذلة } ، فجاءها الرَّسول وأخبرها بما رأى وشاهد ، فتجهَّزت للمسير إلى سليمان ، فلمَّا علم سليمان عليه السَّلام بمسيرها إليه .\r { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها } سريرها { قبل أن يأتوني مسلمين } لأنَّه حينئذٍ لا يحلُّ أخذ ما في أيديهم .","part":1,"page":656},{"id":657,"text":"{ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها } سريرها { قبل أن يأتوني مسلمين } لأنَّه حينئذٍ لا يحلُّ أخذ ما في أيديهم .\r { قال عفريت من الجن } وهو المارد القويُّ : { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } من مجلسك الذي جلستَ فيه للحكم { وإني عليه } على حمله { لقويٌّ أمين } على ما فيه من الجواهر ، فقال سليمان عليه السَّلام : أريد أسرع من هذا ، ف\r { قال الذي عنده علم من الكتاب } وهو آصف بن برخيا ، وكان قد قرأ كتب الله سبحانك { أنا آتيك به قبل أن يرتدَّ إليك طرفك } قبل أن يرجع إليك الشَّخَص من منتهى طرفك { فلما رآه } رأى سليمان عليه السَّلام العرش { مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر } نعمته { أم أكفر } ها { ومَنْ شكر فإنما يشكر لنفسه } لأَنَّ نفع ذلك يعود إليه ، حيث يستوجب المزيد { ومَنْ كفر فإنَّ ربي غنيٌّ } عن شكره { كريم } بالإٍفضال على مَنْ يكفر النِّعمة .\r { قال نكروا } غيِّروا لها { عرشها } بتغيير صورته { ننظر أتهتدي } أتعلم أنَّه عرشها فتعرفه .\r { فلما جاءت قيل : أهكذا عرشك قالت كأنّه هو } شبَّهته به؛ لأنَّه كان مُغيَّراً ، وأراد سليمان أن يختبر عقلها؛ لأنَّه قيل له : إنَّ في عقلها شيئاً ، ثمَّ قالت : { وأوتينا العلم } بصحَّة نبوَّة سليمان { من قبلها } من قبل هذه الآية التي رأيتُها في إحضار العرش { وكنا مسلمين } منقادين له قبل مجيئنا .","part":1,"page":657},{"id":658,"text":"{ وصدَّها } ومنها [ عن ] الإيمان { ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين } فنشأت فيهم ، ولم تعرف إلاَّ قوماً يعبدون الشَّمس .\r { قيل لها ادخلي الصرح } وذلك أنَّه قيل لسليمان عليه السَّلام : إنَّ قدميها كحافر الحمار ، فأراد سليمان أن يرى قدميها ، فاتَّخذ له ساحةً من زجاجٍ تحته الماء والسَّمك ، وجلس سليمان في صدر الصَّرح ، وقيل لها : ادخلي الصَّرح { فلما رأته حسبته لجة } ماءً ، وهي معظمه { وكشفت عن ساقيها } لدخول الماء ، فرأى سليمان قدمها وإذا هي أحسن النَّاس ساقاً وقدماً ، و { قال } لها : { إنَّه صرح ممرَّد } أملس { من قوارير } ، ثمَّ إنَّ سليمان عليه السَّلام دعاها إلى الإِسلام فأجابت و { قالت : رب إني ظلمت نفسي } بالكفر { وأسلمت مع سليمان لله ربّ العالمين } . وقوله : \r { فإذا هم فريقان } فإذا قوم صالحٍ فريقان مؤمنٌ وكافرٌ { يختصمون } يقول كلُّ فريقٍ : الحقُّ معي ، وطلبت الفرقة الكافرة على تصديق صالح عليه السَّلام العذاب ، فقال : \r { يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } أَي : لمَ قلتم : إنْ كان ما أتيت به حقاً فأْتنا بالعذاب { لولا } هلاَّ { تستغفرون الله } بالتَّوبة من الكفر { لعلكم ترحمون } لكي ترحموا .","part":1,"page":658},{"id":659,"text":"{ قالوا اطيرنا بك } تشاءمنا بك { وبمن معك } وذلك إنَّهم قُحطوا بتكذيبهم ، فقالوا : أصابنا القحط بشؤمك وشؤم أصحابك ، فقال صالح عليه السَّلام : { طائركم عند الله } أَيْ : ما أصابكم من خيرٍ وشرٍّ فمن الله { بل أنتم قوم تفتنون } تختبرون بالخير والشرِّ .\r { وكان في المدينة } مدينة ثمود { تسعة رهط } كانو عتاةَ قومِ صالحٍ .\r { قالوا : تقاسموا } احلفوا { بالله لنبيتنَّه وأهله } لنأتينَّ صالحاً ليلاً ، ولنقتلنَّه وأهله { ثم لنقولنَّ } لوليِّ دمه : { ما شهدنا مهلك أهله } ما حضرنا إهلاكهم { وإنا لصادقون } في قولنا .\r { ومكروا مكراً } لتبييت صالحٍ { ومكرنا مكراً } جازيناهم على ذلك . وقوله : \r { إنَّا دمرناهم } وذلك أنَّهم لمَّا خرجوا ليلاً لإِهلاك صالحٍ دَمَغتهم الملائكة بالحجارة من حيث لا يرونهم فقتلوهم ، وقوله : { وقومهم أجميعن } إهلاك قوم ثمود بالصَّيحة .\r { فتلك بيوتهم } مساكنهم { خاوية } ساقطةً خاليةً { بما ظلموا } بكفرهم بالله سبحانه .","part":1,"page":659},{"id":660,"text":"{ أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون } تعلمون أنَّها فاحشة ، فهو أعظم لذنوبكم .","part":1,"page":660},{"id":661,"text":"{ إنَّهم أناس يتطهرون } يتنزَّهون عن أدبار الرِّجال ، يقولونه استهزاءً . وقوله : \r { قدرناها من الغابرين } أَيْ : قضينا عليها أنَّها من الباقين في العذاب .\r { وأمطرنا عليهم } على شُذَّاذهم ومَنْ كان منهم في الأسفار { مطراً } وهو الحجارة .\r { قل } لهم يا محمد : { الحمد لله } أَيْ : على إهلاك الكفَّار من الأمم الخالية { وسلامٌ على عباده الذين اصطفى } اصطفاهم لرسالته { آلله خير أم ما يشركون } به من الأصنام ، وقوله : \r { حدائق ذات بهجة } أَيْ : بساتين ذات حسنٍ { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } أَيْ : ما قدرتم عليه { بل هم قومٌ يعدلون } يشركون .\r { أم من جعل الأرض قراراً } لا تتحرَّك { وجعل خلالها أنهاراً } وسطها أنهاراً جاريةً { وجعل لها رواسي } جبالاً ثوابت { وجعل بين البحرين } العذب والمالح { حاجزاً } مانعاً من قدرته حتى لا يختلطا .\r { أم من يجيب المضطر } المجهود ذا الضرورة { ويكشف السوء } الضُّرَّ { ويجعلكم خلفاء الأرض } سكَّانها بإهلاك مَنْ قبلكم .","part":1,"page":661},{"id":662,"text":"{ ومن يرزقكم من السماء } المطر { و } من { الأرض } النَّبات .","part":1,"page":662},{"id":663,"text":"{ بل أدرك علمهم في الآخرة } أَيْ : لحقهم علمهم بأنَّ السَّاعة والبعث حقٌّ في الآخرة حين لا ينفعهم ذلك ، ومَنْ قرأ : { ادَّارك } فمعناه : تدارك ، أَيْ : تكامل علمهم يوم القيامة؛ لأنَّهم يبعثون ويشاهدون ما وعدوا . { بل هم في شك منها } في الدُّنيا { بل هم منها } من علمها { عمون } جاهلون .","part":1,"page":663},{"id":664,"text":"{ ولا تحزن عليهم } أَيْ : على تكذيبهم وإعراضهم عنك { ولا تكن في ضيق مما يمكرون } ولا تضيّق قلبك بمكرهم .\r { ويقولون متى هذا الوعد } أَيْ : وعد العذاب { إن كنتم صادقين } أنَّ العذاب نازلٌ بالمكذِّب .\r { قل عسى أن يكون ردف لكم } أَي : ردفكم ، والمعنى : تبعكم ودنا منكم { بعض الذي تستعجلون } من العذاب ، وكان ذلك يوم بدرٍ .","part":1,"page":664},{"id":665,"text":"{ وما من غائبة } أَيْ : جملةٍ غائبةٍ عن الخلق { إلاَّ في كتاب مبين } وهو اللَّوح المحفوظ .\r { إنَّ هذا القرآن يقصُّ على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون } وذلك أنَّ بني إسرائيل اختلفوا حتى لعن بعضهم بعضاً ، فقال الله سبحانه : إنَّ هذا القرآن ليقصُّ عليهم الهدى ممَّا اختلفوا فيه لو أخذوا به .","part":1,"page":665},{"id":666,"text":"{ إنَّ ربك يقضي بينهم } بين المختلفين في الدِّين { بحكمه } يوم القيامة { وهو العزيز } القويُّ فلا يردُّ له أمرٌ { العليم } بأحوالهم .","part":1,"page":666},{"id":667,"text":"{ إنك لا تسمع الموتى } الكفَّار { ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين } يعني : الكفَّار الذين هم بمنزلة الصُّمِّ لا يسمعون النِّداء إذا أعرضوا .\r { وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم } يريد : إنَّه أعماهم حتى لا يهتدوا ، فكيف يهدي النبيُّ A عن ضلالتهم قوماً عمياً . { إن تُسمع } ما تُسمع سماع إفهام { إلاَّ مَنْ يؤمن بآياتنا } بأدلَّتنا { فهم مسلمون } في علم الله سبحانه .\r { وإذا وقع القول عليهم } وجب العذاب والسُّخط عليهم ، وذلك حين لا يقبل الله سبحانه من كافرٍ وإيمانه ، ولم يبق إلاَّ مَنْ يموت كافراً في علم الله سبحانه { أخرجنا لهم دابة من الأرض } وخروجها من أوَّل أشراط القيامة { تكلمهم } تُحدِّثهم بما يسوءهم { أنَّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } تخبر الدَّابَّة مَنْ رآها أنَّ أهل مكَّة كانوا بمحمد A وبالقرآن لا يوقنون ، ومَنْ كسر { إنَّ النَّاس } كان المعنى : تقول لهم : إنَّ الناس .\r { ويوم نحشر } نجمع { من كلِّ أمة فوجاً } جماعةً { ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون } يحبس أوَّلهم على آخرهم ليجتمعوا .\r { حتى إذا جاؤوا قال } الله تعالى لهم : { أكذَّبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً } ولم تعرفوها حقَّ معرفتها ، وهذا توبيخٌ لهم { أم ماذا كنتم تعملون } حين لم تتفكَّروا فيها .\r { ووقع القول } وجبت الحُجَّة { عليهم بما ظلموا } بإشراكهم { فهم لا ينطقون } بحجَّةٍ وعذرٍ ، ثمَّ ذكر الدَّليل على قدرته وإلهيتَّه سبحانه وتعالى ، فقال : \r { ألم يروا أنا جعلنا اليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً إنَّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } .","part":1,"page":667},{"id":668,"text":"{ إلاَّ مَنْ شاء الله } يعني : الشّهداء { وكلٌّ أتوه } يأتون الله سبحانه { داخرين } صاغرين .\r { وترى الجبال تحسبها جامدة } واقفةً مُستقرَّةً { وهي تمرُّ مرَّ السحاب } وذلك أنَّ كلَّ شيءٍ عظيمٌ ، وكلَّ جمع كثيرٌ يقصر عنه الطَّرف لكثرته فهو في حسبان النَّاظر واقفٌ وهو يسير { صنع الله } أَيْ : صنع الله ذلك صنعه { الذي أتقن } أحكم { كلَّ شيء } .\r { من جاء بالحسنة } وهي كلمة لا إله إلاَّ الله { فله خيرٌ منها } فمنها يصل إليه الخير { ومَنْ جاء بالسيئة } الشِّرك { فَكُبَّت } أُلقيت وطُرحت { وجوههم في النار } وقيل لهم : { هل تجزون إلاَّ ما كنتم } بما كنتم { تعملون } .\rقل يا محمَّد : { إنما أمرت أن أعبد ربَّ هذه البلدة } يعني : مكَّة { الذي حرَّمها } جعلها حرماً آمناً { وله كلُّ شيء } مِلكاً وخلقاً . وقوله : \r { ومن ضلَّ فقل إنما أنا من المنذرين } أَيْ : ليس عليَّ إلاَّ البلاغ .\r { وقل الحمد لله سيريكم آياته } أيُّها المشركون . يعني : يوم بدر { فتعرفونها وما ربك بغافل بما تعملون } .","part":1,"page":668},{"id":669,"text":"{ طسم } .\r { تلك آيات الكتاب المبين } يعني : القرآن ، وهو مبينٌ للأحكام .\r { تتلو } نقصُّ { عليك من نبأ موسى } خبر موسى { وفرعون بالحق } بالصِّدق الذي لا شكَّ فيه { لقوم يؤمنون } يُصدِّقون أنَّ ما يأتيهم به صدقٌ .\r { إنَّ فرعون علا } استكبر وتعظَّم { في الأرض } أرض مصر { وجعل أهلها شيعاً } فرقاً تتبع بعض تلك الفرق بعضاً في خدمته { يستضعف طائفة منهم } وهم بنو إسرائيل .\r { ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض } ننعم على بني إسرائيل { ونجعلهم أئمّة } قادةً في الخير { ونجعلهم الوارثين } يرثون ملك فرعون وقومه . وقوله : \r { ونمكن لهم في الأرض } أرض مصر والشَّام حتى يغلبوا عليها من غير مُنازعٍ { ونُرِيَ فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } وذلك أنَّهم كانوا قد أُخبروا أنَّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل ، فكانوا على وجلٍ منهم .\r { وأوحينا إلى أم موسى } قيل : إنَّه وحي إلهام . وقيل : وحي إعلام .\r { فالتقطه } أخذه { آل فرعون } عن الماء { ليكون لهم عدواً وحزناً } أَيْ : ليصير الأمر إلى ذلك { إنَّ فروعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } أَيْ : عاصين آثمين .\r { وقالت امرأة فرعون قرة عين } أَيْ : هو قرَّة عين لي { ولك لا تقتلوه } فإنَّه أتانا به الماء من أرضٍ أخرى ، وليس هو من بني إسرائيل { وهم لا يشعرون } بما هو كائنٌ من أمرهم وأمره .\r { وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً } خالياً عن كلِّ شيء إلاَّ عن ذكر موسى وهمِّه { إن كادت لتبدي به } بأنَّه ابنها { لولا أن ربطنا على قلبها } قوَّينا قلبها وألهمناها الصَّبر { لتكون من المؤمنين } المُصدِّقين بوعد الله سبحانه .","part":1,"page":669},{"id":670,"text":"{ وقالت لأخته } لأخت موسى { قصته } اتَّبعي أثره ، فاتَّبعته { فبصرت به عن جنب } أبصرته من بعيدٍ { وهم لا يشعرون } أنَّها أخته .\r { وحرَّمنا عليه المراضع } منعنا موسى أن يقبل ثدي مرضعةٍ { من قبل } أن نردَّه على أُمَّه { فقالت } أخته حين تعذَّر عليهم رضاعة : { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } يضمُّونه إليهم { وهم له ناصحون } مخلصون شفقته .\r { فرددناه إلى أمه } وذلك أنَّها دلَّتهم على أمِّ موسى ، فَدُفِعَ إليها تُربِّيه لهم . وقوله : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } آل فرعون كانوا لا يعلمون أنَّ الله وعدها ردَّه عليها .\r { ولما بلغ أشدَّه } منتهى قوَّته ، وهو ما فوق الثَّلاثين { واستوى } وبلغ أربعين سنةً { آتيناه حكماً } عقلاً وفهماً { وعلماً } قبل النُّبوَّة .\r { ودخل المدينة } يعني : مدينةً بأرض مصر { على حين غفلة من أهلها } فيما بين المغرب والعشاء { فوجد فيها رجلين يقتتلان } أحدهما إسرائيليٌّ ، وهو الذي من شيعته ، والآخر قبطيٌّ ، وهو الذي من عدوه { فاستغاثه } الإِسرائيلي على الفرعونيِّ { فوكزه موسى } ضربه بجميع كفِّه { فقضى عليه } فقتله ولم يتعمَّد قتله ، فندم على ذلك لأنَّه لم يُؤمر بقتله ف { قال هذا من عمل الشيطان إنَّه عدوٌّ مضلٌّ مبين } ثمَّ استغفر فقال : \r { ربِّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } .","part":1,"page":670},{"id":671,"text":"{ قال رب بما أنعمت عليَّ } بالمغفرة { فلن أكون ظهيراً للمجرمين } لن أُعين بعدها على خطيئة .\r { فأصبح في } تلك { المدينة خائفاً } من قتله القبطيَّ { يترقب } ينتظر الأخبار { فإذا } الإسرائيليُّ { الذي استنصره بالأمس يستصرخه } يستغيثه . { قال له موسى : إنك لغويٌّ مبين } ظاهر الغواية ، قد قتلتُ بك بالأمس رجلاً ، وتدعوني إلى آخر ، وأقبل إليهما ، [ { فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدوٌّ لهما } أَيْ : بالقبطِيِّ ] ، فظنَّ الذي من شيعته أنَّه يريده ، فقال : \r { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريدإلا أن تكون جباراً في الأرض } تقتل ظلماً ، فلمَّا قال الإِسرائيلي هذا علم القبطيُّ أنَّه قاتل القبطيِّ بالأمس ، فأتى فرعون فأخبره بذلك ، فأمر فرعون بقتل موسى ، فأتاه رجلٌ فأخبره بذلك ، وهو قوله : \r { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } وهو مؤمن آل فرعون { قال يا موسى إنَّ الملأ يأتمرون بك } يأمر بعضهم بعضاً يتشاورون { ليقتلوك فاخرج } من هذه المدينة { إني لك من الناصحين } .\r { فخرج منها خائفاً يترقب } ينتظر الطَّلب { قال : ربّ نجني من القوم الظالمين } قوم فرعون .","part":1,"page":671},{"id":672,"text":"{ ولما توجَّه } قصد بوجهه { تلقاء مدين } نحوها { قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } قصد الطَّريق ، وذلك أنَّه لم يكن يعرف الطَّريق .\r { ولما ورد ماء مدين } وهو بئرٌ لهم { وجد عليه أمة } جماعةً { من الناس يسقون } مواشيهم { ووجد من دُونِهمُ امرأتين تذودان } تحسبان غنمهما عن الماء حتى يصدر مواشي النَّاس { قال } موسى لهما : { ما خطبكما } ؟ ما شأنكما لا تسقيان مع النَّاس؟ { قالتا لا نسقي } مواشينا { حتى يصدر الرعاء } عن الماء ، لأنا لا نطيق أن نستقي وأن نُزاحم الرِّجال ، فإذا صدروا سقينا من فضل مواشيهم { وأبونا شيخ كبير } لا يمكنه أن يرد وأن يستقي .\r { فسقى لهما } أغنامهما من بئرٍ أخرى رفع عنها حجراً كان لا يرفعه إلاَّ عشرة أنفس { ثمَّ تولى إلى الظلّ } أَيْ : إلى ظلِّ شجرةٍ { فقال ربِّ إني لما أنزلت إليَّ من خير } طعامٍ { فقير } محتاجٌ ، وكان قد جاع فسأل الله تعالى ما يأكل ، فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بما فعل موسى ، فقال لإحداهما : اذهبي فادعيه ، فذلك قوله : \r { فجاءته إحداهما } أخذت { تمشي على استحياء } مُستترةً بكُمِّ درعها { قالت : إنَّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقصَّ عليه القصص } أخبره بأمره والسَّبب الذي أخرجه من أرضه { قال : لا تخف نجوت من القوم الظالمين } يعني : من فرعون وقومه؛ فإنَّه لا سلطان له بأرضنا .","part":1,"page":672},{"id":673,"text":"{ قالت إحداهما يا أبت استأجره } ليرعى أغنامنا { إنَّ خير من استأجرت القويُّ الأمين } وإنَّما قالت ذلك لأنَّها عرفت قوَّته برفع الحجر من رأس البئر ، وأمانته بأنَّ موسى قال لها لمَّا دعته إلى أبيها : امشي خلفي ، فإنَّا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النِّساء .\r { قال } عند ذلك الشِّيخ لموسى : { إني أريد أن أنكحك } أزوِّجك { إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تأجرني } تكون أجيراً لي { ثماني حجج } سنين { فإن أتممت عشراً فمن عندك } وليس بواجبٍ عليك { وما أريد أن أشقَّ عليك } بأن اشترط العشر { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } الوافين بالعهد .\r { قال } موسى : { ذلك } الذي وصفت { بيني وبينك } أَيْ : لك ما شرطتَ عليَّ ولي ما شرطتُ من تزويج إحداهما . { أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليَّ } لا ظلم عليَّ بأن أُطالب بأكثر منه { والله على ما نقول وكيل } والله شاهدنا على ما عقدنا .","part":1,"page":673},{"id":674,"text":"{ فلما قضى موسى الأجل } مفسَّر فيما مضى إلى قوله : { أو جذوة من النار } قطعةٍ وشعلةٍ من النَّار .\r { فلما أتاها نودي من شاطىء } جانب { الوادي الأيمن } من يمين موسى { في البقعة } في القطعة من الأرض { المباركة } بتكليم الله سبحانه فيها موسى عليه السَّلام ، وإتيانه النُّبوَّة { من الشجرة } من جانب الشَّجرة { أن يا موسى إني أنا الله ربُّ العالمين } والباقي مفسَّرٌ فيما سبق .","part":1,"page":674},{"id":675,"text":"{ واضمم إليك جناحك } أَيْ : يدك { من الرهب } من الخوف ، والمعنى : سكِّن روعك واخفض عليك جنبيك ، وذلك أنه كان يرتعد خوفاً { فذانك } اليد والعصا { برهانان من ربك . . . } الآية .","part":1,"page":675},{"id":676,"text":"{ ردءاً } أَيْ : مُعيناً .\r { قال : سنشدُّ عضدك } أَيْ : نُقوِّيك { بأخيك ونجعل لكما سلطاناً } حُجَّةً بيِّنة { فلا يصلون إليكما } بسوءٍ ، { بآياتنا } العصا واليد ، وسائر ما أُعطيا .","part":1,"page":676},{"id":677,"text":"{ وقال موسى } لمَّا كُذِّب ونُسب إلى السِّحر : { ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده } يعني : نفسه ، أَيْ : ربِّي أعلم بي أنَّ الذي جئتُ به من عنده { ومن تكون له عاقبة الدار } أَيْ : العقبى المحمودة في الدَّار الآخرة ، وقوله : \r { فأوقد لي يا هامان على الطين } أَيْ : اطبخ لي الآجر { فاجعل لي صرحاً } بناء طويلاً مشرفاً { لعلي أطلع إلى إله موسى } أنظر إليه وأقف عليه .","part":1,"page":677},{"id":678,"text":"{ وجعلناهم أئمة } قادةً ورؤساء { يدعون إلى النار } أَيْ : إلى الضَّلالة التي عاقبتها النَّار .\r { وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنةً } وذلك أنَّهم لمَّا هلكوا لُعنوا ، فهم يُعرضون على النار غدوةً وعشيةً إلى يوم القيامة { ويوم القيامة هم من المقبوحين } الممقوتين المهلكين .","part":1,"page":678},{"id":679,"text":"{ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس } أَيْ : مبيِّناً لهم .\r { وما كنت بجانبي الغربيّ } أَيْ : الجبل الغربيّ الذي هو في جانب الغرب { إذ قضينا إلى موسى الأمر } أحكمناه معه ، وعهدنا إليه بأمرنا ونهينا { وما كنت من الشاهدين } الحاضرين هناك .\r { ولكنا أنشأنا } أحدثنا وخلقنا { قروناً } أمماً { فتطاول عليهم العمر } فنسوا عهد الله وتركوا أمره . { وما كنت ثاوياً } مُقيماً { في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين } أرسلناك رسولاً وأنزلنا عليك هذه الأخبار ، ولولا ذلك ما علمتها .\r { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } موسى { ولكن } أوحينا إليك هذه القصص { رحمة من ربك } .\r { ولولا أن تصيبهم مصيبة } عقوبةٌ ونقمةٌ { بما قدَّمت أيديهم } وجواب \" لولا \" محذوف ، تقديره : لعاجلناهم بالعقوبة .\r { فلما جاءهم الحق } محمد A { من عندنا قالوا : لولا أوتي } محمد { مثل ما أوتي موسى } كتاباً جملةً واحدةً { أَوَلَمْ يكفروا بما أوتي موسى من قبل } أَيْ : فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمَّد A و { قالوا ساحران تظاهرا } وذلك حين سألوا اليهود عنه فأخبروهم أنَّهم يجدونه في كتابهم بنعته وصفته ، وقالوا : ساحران تظاهرا . يعنون : موسى ومحمداً عليهما السَّلام تعاونا على السِّحر { وقالوا إنَّا بكلٍّ } من موسى ومحمدٍ عليهما السَّلام { كافرون } .\r { قل } لهم : { فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما } من كتابيهما { أتبعه أن كنتم صادقين } أَنَّهما كانا ساحرين .\r { فإن لم يستجيبوا لك } أَيْ : لم يجيبوك إلى الإِتيان بالكتاب { فاعلم أنَّما يتبعون أهواءهم } أَيْ : يُؤثرون هواهم على الدِّين .\r { ولقد وصلنا لهم القول } أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضاً { لعلهم يتذكرون } يتَّعظون ويعتبرون .\r { الذين آتيناهم الكتاب من قبله } من قبل محمد A { هم به يؤمنون } يعني : مؤمني أهل الكتاب .\r { وإذا يُتلى عليهم } القرآن { قالوا آمنا به } صدَّقنا به { إنَّه الحقُّ من ربنا } وذلك أنَّهم عرفوا بما ذُكر في كتبهم من نعت النبيِّ A وكتابه { إنَّا كنا من قبله } من قبل القرآن ، أو من قبل محمد A { مسلمين } لأنَّا كنَّا نؤمن به وبكتابه .","part":1,"page":679},{"id":680,"text":"{ أولئك يؤتون أجرهم مرتين } مرَّةً بإيمانهم بكتابهم ، ومرَّةً بإيمانهم بالقرآن { بما صبروا } بصبرهم على ما أُوذوا { ويدرؤون بالحسنة السيئةَ } ويدفعون بما يعملون من الحسنات ما تقدَّم لهم من السَّيئات { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدَّقون .\r { وإذا سمعوا اللغو } القبيح من القول { أعرضوا عنه } لم يلتفتوا إليه . يعني : إذا شتمهم الكفَّار لم يشتغلوا بمعارضتهم بالشَّتم { وقالوا : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم } ليس هذا تسليم التحيَّة ، وإنَّما هو تسليم المُتاركة ، أَيْ : بيننا وبينكم المتاركة والتَّسليم ، وهذا قبل أن يُؤمر المسلمون بالقتال { لا نبتغي الجاهلين } لا نصحبهم .\r { إنك لا تهدي مَنْ أحببت } نزلت حين حرص النبيُّ A على إيمان عمِّه عند موته ، فلم يؤمن ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى : لا تهدي مَنْ أحببت هدايته { ولكنَّ الله يهدي من يشاء } هدايته { وهو أعلم بالمهتدين } بمن يهتدي في معلومه .\r { وقالوا } يعني : مشركي مكَّة : { إن نتبع الهدى معك } بالإِيمان بك { نُتخطف } نُسلب ونُؤخذ { من أرضنا } لإِجماع العرب على خلافنا ، فقال الله تعالى : { أَوَلَمْ نمكن لهم حرماً آمناً } أخبر سبحانه أنَّه آمنهم بحرمة البيت ، ومنع منهم العدوَّ ، فكيف يخافون أن تسحتلَّ العرب قتالهم فيه؟ { يجبى } يُجمع . { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أنَّ ذلك ممَّا تفضَّل الله به سبحانه عليهم .\r { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } عاشوا في البطر وكفران النِّعمة { فتلك مساكنهم } خاويةً { لم تسكن من بعدهم إلاَّ قليلاً } لا يسكنها إلاَّ المسافر والمارُّ يوماً أو ساعةً .\r { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها } أعظمها ، الآية .","part":1,"page":680},{"id":681,"text":"{ أفمن وعدناه وعداً حسناً } يعني : الجنَّة { فهو لاقيه } مُدركه ومُصيبه { كمَنْ متعناه متاع الحياة الدنيا ثمَّ هو يوم القيامة من المحضرين } في النَّار . نزلت في رسول الله A وأبي جهل .\r { ويوم يناديهم } أَيْ : المشركين { فيقول : أين شركائي الذين كنتم تزعمون } في الدُّنيا أنَّهم شركائي .\r { قال الذين حقَّ عليهم القول } وجب عليهم العذاب يعني : الشَّياطين { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون } كعادة الشَّيطان في التَّبَرُّؤِ ممَّن يطيعه إذا أورده الهلكة .","part":1,"page":681},{"id":682,"text":"{ وقيل } للكفَّار : { ادعوا شركاءَكم } مَنْ كنتم تعبدون من دون الله { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } لم يجيبوهم بشيءٍ ينفعهم { ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } لما اتَّبعوهم ولما رأوا العذاب .\r { ويوم يناديهم فيقول : ماذا أجبتم المرسلين } .\r { فعميت عليهم الأنباء } عميت عليهم الحجج؛ لأنَّ الله تعالى قد أعذر إليهم في الدُّنيا ، فلا تكون لهم حُجَّةٌ يومئذٍ ، فسكتوا فذلك قوله : { فهم لا يتساءلون } أَيْ : لا يسأل بعضهم بعضاً عمَّا يحتجُّون به .","part":1,"page":682},{"id":683,"text":"{ وربك يخلق ما يشاء } كما يشاء { ويختار } ممَّا يشاء ما يشاء ، فاختار من كلِّ ما خلق شيئاً { ما كان لهم الخيرة } ليس لهم أن يختاروا على الله تعالى ، وليس لهم الاختيار ، والمعنى : لا يرسل الرُّسل إليهم على اختيارهم ، والباقي ظاهرٌ إلى قوله : \r { ونزعنا من كلِّ أمة } أَيْ : أخرجنا { شهيداً } يعني : رسولهم الذي أُرسل إليهم { فقلنا هاتوا برهانكم } أَيْ : ما اعتقدتم به أنّه برهانٌ لكم في أنَّكم كنتم على الحقِّ { فعلموا أنَّ الحق لله } أنَّ الحقَّ ما دعا إليه الله سبحانه ، وأتاهم به الرَّسول A { وضلَّ عنهم ماكانوا يفترون } لم ينتفعوا بما عبدوه من دون الله سبحانه .\r { إنَّ قارون كان من قوم موسى } كان ابن عمِّه . { فبغى عليهم } بالكبر والتجبُّر والبذخ وكثرة المال { وآتيناه من الكنوز ما إنَّ مفاتحه } جمع المفتح ، وهو ما يُفتح به { لتنوء بالعصبة } تُثقل الجماعة { أولي القوة } { إذ قال له قومه : لا تفرح } بكثرة المال ولا تأشر { إنَّ الله لا يحبُّ الفرحين } الأشرين البطرين .\r { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة } أَيْ : اطلبها بإنفاق مالك في رضا الله تعالى { ولا تنس نصيبك من الدنيا } لا تترك أن تعمل في دنياك لآخرتك { وأحسن } إلى الناس { كما أحسن الله إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض } العمل بالمعاصي .\r { قال إنما أوتيته على علمٍ عندي } على فضل علمٍ عندي ، وكنت بذلك العلم مُسحقَّاً لفضل المال ، وكان أقرأ بني إسرائيل للتَّوراة . قال الله تعالى : { أو لم يعلم أنَّ الله قد أهلك من قبله من القرون مَنْ هو أشدُّ منه قوة وأكثر جمعاً } للمال منه { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } لأنَّهم يدخلون النَّار بغير حسابٍ .","part":1,"page":683},{"id":684,"text":"{ فخرج على قومه في زينته } في ثيابٍ حمرٍ عليه وعلى دوابِّه ، والرُّكبان الذين معه { قال الذين يردون الحياة الدنيا } ظاهرٌ إلى قوله : \r { ولا يلقاها } أَيْ : ولا يُلقَّن ولا يُوفَّق لهذه الكلمة { إلاَّ الصابرون } عن زينة الدُّنيا .","part":1,"page":684},{"id":685,"text":"{ وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس } صار الذين كانوا يقولون : \" يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون \" { يقولون : ويكأنَّ الله } ألم تر ألم تعلم أن { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } يُوسِّع لن يشاء ويُضيِّق { لولا أنْ منَّ الله علينا } عصمنا عن مثل ما كان عليه قارون من البطر والبغي { لخسف بنا } كما خُسف به .\r { تلك الدار الآخرة } يعني : الجنَّة { نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض } تكبُّراً وتجبُّراً فيها { ولا فساداً } عملاً بالمعاصي وأخذاً للمال بغير حقٍّ { والعاقبة } المحمودة { للمتقين } .","part":1,"page":685},{"id":686,"text":"{ إن الذي فرض عليك القرآن } أنزله . وقيل : فرض عليك العمل بما في القرآن { لرادُّك إلى معاد } إلى مكَّة ظاهراً عليها ، وذلك حين اشتاق رسول الله A إلى مولده .\r { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلاَّ رحمة من ربك } لكن رحمك ربُّك ، فاختارك للنُّبوَّة ، وأنزل عليك الوحي .\r { ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك } وهذا حين دُعي إلى دين آبائه . وقوله : \r { كل شيء هالك إلاَّ وجهه } أَيْ : إلاَّ إيَّاه { له الحكم } يحكم بما يريد { وإليه ترجعون } .","part":1,"page":686},{"id":687,"text":"{ الم } .\r { أحسب الناس أن يتركوا . . . } اية . نزلت في الذين جزعوا من أصحاب النبيِّ A من أذى المشركين . معناه : أحسبوا أن يُقنع منهم بأن يقولوا : إنَّا مؤمنون فقط ، ولا يُمتحنون بما يُبيِّن حقيقة إيمانهم .\r { ولقد فتنا الذين من قبلهم } اختبرنا وابتلينا { فليعلمنَّ الله } صِدقَ { الذين صدقوا } في قولهم : آمنَّا ، بوقوعه منهم ، وهو الصَّبر على البلاء { وليعلمنَّ } كذب { الكاذبين } في قولهم : آمنَّا ، بارتدادهم إلى الكفر عن الدِّين عند البلاء ، ومعنى العلم ها هنا العلم به موجوداً كائناً .\r { أم حسب الذين يعملون السيئات } الشِّرك { أن يسبقونا } يفوتونا { ساء ما يحكمون } بئس حكماً يحكمون لأنفهسم بهذا الظَّنِّ .\r { من كان يرجو لقاء الله } يخشى البعث { فإنَّ أجل الله } وعده بالثَّواب والعقاب { لآتٍ } لكائن .","part":1,"page":687},{"id":688,"text":"{ ولنجزينَّهم أحسن الذي كانوا يعملون } أَيْ : بأحسن أعمالهم ، وهو الطَّاعة .\r { ووصينا الإِنسان بوالديه حسناً } أمرناه أن يُحسن إليهما { وإن جاهداك } اجتهدا عليك { لتشرك بي ما ليس لك به علم } أنَّه لي شريك { فلا تطعهما } أُنزلت في سعد بن أبي وقَّاص لمَّا أسلم ، حلفت أمُّه أن لا تأكل ولا تشرب ، ولا يظلُّها سقف بيت حتى يكفر بمحمد A ، ويرجع إلى ما كان عليه ، فأُمر أن يترضَّاها ويُحسن إليها ، ولا يُطيعها في الشِّرك . وقوله : \r { لندخلنَّهم في الصالحين } أَيْ : في زمرتهم وجملتهم ، ومعناه : لنحشرنَّهم معهم . وقوله : \r { جعل فتنة الناس } أَيْ : أذاهم وعذابهم { كعذاب الله } جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ، ولا يصبر على الأذيَّة في الله . { ولئن جاء } المؤمنين { نصرٌ من ربك ليقولنَّ } هؤلاء الذين ارتدُّوا حين أُوذوا : { إنا كنَّا معكم } وهم كاذبون ، فقال الله تعالى : { أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } يعني : إنَّه علامٌ بإيمان المؤمن وكفر الكافر .\r { وليعلمنَّ الله الذين آمنوا وليعلمنَّ المنافقين } هذا إخبارٌ عن الله تعالى أنَّه يعلم إيمان المؤمن ونفاق المنافق .\r { وقال الذين كفروا } من أهل مكَّة { للذين آمنوا : اتبعوا سبيلنا } الطَّريق الذي نسلكه في ديننا { ولنحمل خطاياكم } أَيْ : إن كان فيه إثمٌ فنحن نحمله ، قال الله تعالى : { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء } يخفِّف عنهم العذاب { إنهم لكاذبون } في قولهم؛ لأنَّهم في القيامة لا يحملون عنهم خطاياهم ، ثمَّ أعلم الله عزَّ وجلَّ أنَّهم يحملون أوزار أنفسهم ، وأثقالاً أخرى بسبب إضلالهم مع أثقال أنفسهم؛ لأنَّ مَنْ دعا إلى ضلالةٍ فاتُّبع فعليه مثل أوزار الذين اتَّبعوه ، ثمَّ ذكر أنَّه يُوبِّخهم على ما قالوا فقال : { وليسألنَّ يوم القيامة عما كانوا يفترون } أَيْ : سؤال توبيخٍ .","part":1,"page":688},{"id":689,"text":"{ وتخلقون إفكاً } أَيْ : تقولون كذباً : إنَّ الأوثان شركاء الله .","part":1,"page":689},{"id":690,"text":"{ أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده } كما بدأ ، وليس المعنى : على أو لم يروا كيف يعيده؛ لأنَّهم لم يروا الإِعادة .\r { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق } يعني : الأمم الماضية ، كيف قدر الله سبحانه على خلقهم ابتداءً { ثمَّ الله ينشىء النشأة الآخرة } أيْ : يبعثهم ثانيةً بإنشائه إيَّاهم .","part":1,"page":690},{"id":691,"text":"{ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء } لو كنتم فيها ، ثمَّ عاد الكلام إلى قصَّة إبراهيم عليه السَّلام .","part":1,"page":691},{"id":692,"text":"{ فما كان جواب قومه } حين دعاهم إلى الله سبحانه { إلاَّ أن قالوا اقتلوه أو حرّقوه . . . } الآية .\r { وقال } لهم إبراهيم : { إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم } أَيْ : ليتوادُّوا بها ، فهي مودَّة بينكم ما دمتم في هذه الدَّنيا ، ثمَّ تنقطع ولا تنفع في الآخرة ، وهو قوله تعالى : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } تتبرَّأُ الأوثان من عابديها . وقوله تعالى : \r { فآمن له لوط } هو أوَّل مَنْ آمن بإبراهيم عليه السَّلام { وقال إني مهاجر إلى ربي } هاجر من سواد الكوفة إلى الشَّام .\r { وآتيناه أجره في الدنيا } قيل : هو الذِّكر الحسن . وقيل : هو الولد الصَّالح .","part":1,"page":692},{"id":693,"text":"{ وتقطعون السبيل } أَيْ : سبيل الولد . وقيل : يأخذون النَّاس من الطُّرق لطلب الفاحشة { وتأتون في ناديكم } مجلسكم { المنكر } كان بعضهم يُجامع بعضاً في مجالسهم { فما كان جواب قومه إلاَّ أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصَّادقين } أنًّه نازلٌ بنا .","part":1,"page":693},{"id":694,"text":"{ ولقد تركنا منها } من قرية قوم لوط { آية بينة } عبرةً ظاهرةً ، وهي خرابها وآثارها .","part":1,"page":694},{"id":695,"text":"{ وكانوا مستبصرين } أَيْ : في ضلالتهم معجبين بها . وقيل : حسبوا أنَّهم على الهدى ، وهم علىالباطل . وقيل : أتوا ما أتوه وقد بيِّن لهم أنَّ عاقبته العذاب .","part":1,"page":695},{"id":696,"text":"{ فكلاً } من الكفَّار { أخذنا } عاقبنا { بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً } وهم قوم لوط { ومنهم من أخذته الصيحة } قوم ثمود { ومنهم مَنْ خسفنا به الأرض } قارون وقومه { ومنهم من أغرقنا } قوم نوح وفرعون { وما كان الله ليظلمهم } لأنَّه قد بيَّن لهم بإرسال الرَّسول { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بكفرهم .\r { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } يعني : الأصنام في قلَّة غنائها عنهم { كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً } لا يدفع عنها حراً ولا برداً { وإنَّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت } وذلك أنَّه لا بيت أضعف منه فيما يتَّخذه الهوامُّ . { لو كانوا يعلمون } موضعَه عند قوله : مثلُ الذين اتخذوا من دونه أولياء لو كانوا يعلمون كمثل العنكبوت ، فهو مؤخَّر معناه التَّقديم .","part":1,"page":696},{"id":697,"text":"{ إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } يعني : إنَّ في الصَّلاة منهاةً ومزدجراً عن معاصي الله تعالى ، فمن لم تنهه صلاته عن المنكر فليست صلاته بصلاةٍ { ولذكر الله أكبر } من كلِّ شيء في الدُّنيا وأفضل .\r { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاَّ بالتي هي أحسن } وهو الجميل من القول بالدُّعاء إلى الله عزَّ وجلَّ ، والتَّنبيه على الحجج { إلاَّ الذين ظلموا منهم } أَيْ : إلاَّ الذين ظلموكم بالقتال ومنع الجزية .\r { وكذلك } أَيْ : وكما آتيناهم الكتاب { أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } بمحمد A . يعني : مَنْ كانوا قبل عصره كانوا يؤمنون به لما يجدونه من نعته في كتابهم { ومن هؤلاء } الذين هو بين ظهرانيهم { مَنْ يؤمن به } .\r { وما كنت تتلو من قبله } من قبل هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك { من كتابٍ ولا تخطُّه } ولا تكتبه { بيمينك إذاً لارتاب المبطلون } لشكُّوا فيك واتَّهموك لو كنت تكتب . وأراد بالمبطلين كفَّار قريش ، يعني : لقالوا : إنَّه كتبه وتعلَّمه من كتاب .\r { بل هو } يعني : محمداً A والعلم بأنَّه أُمِّيٌّ { آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } من أهل الكتاب ، قرؤوها من التَّوراة وحفظوها .","part":1,"page":697},{"id":698,"text":"{ وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربِّه } كما أُنزل على مَنْ قبله من الأنيباء { قل إنما الآيات عند الله } إذا شاء أرسلها ، وليست بيدي .\r { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً } يشهد على صديقي وعلى تكذيبكم .","part":1,"page":698},{"id":699,"text":"{ ويقول : ذوقوا ما كنتم تعملون } أَيْ : جزاءه من العذاب .\r { يا عبادي الذين آمنوا إنَّ أرضي واسعة } نزلت في حثِّ مَنْ كانوا بمكَّة لا يقدرون على إظهار دينهم على الهجرة .\r { كلُّ نفس ذائقة الموت } أينما كانت ، فلا تُقيموا بدار الشِّرك . وقوله : \r { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ من الجنة غرفاً } أَيْ : ولننزلنَّهم منها قصوراً .","part":1,"page":699},{"id":700,"text":"{ وكأين } وكم { من دابَّة لا تحمل رزقها } فتخبئه لغدٍ { الله يرزقها } يوماً بيوم { وإياكم } وذلك أنَّ الذين كانوا بمكَّة من المؤمنين إذا قيل لهم اخرجوا إلى المدينة قالوا : فمَنْ يُطعمنا بها ، ولا مال لنا هنالك ، فأنزل الله تعالى : { الله يرزقها وإياكم } .","part":1,"page":700},{"id":701,"text":"{ ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولنَّ الله قل الحمد لله } على إنزاله الماء لإِحياء الأرض { بل أكثرهم لا يعقلون } العقل الذي يعرفون به الحقَّ من الباطل .\r { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب } لنفادها عن قريب { وإنَّ الدار الآخرة لهي الحيوان } الحياة الدَّائمة { لو كانوا يعلمون } أنَّها كذلك ، ولكنَّهم لا يعلمون .\r { فإذا ركبوا في الفلك } وخافوا الغرق { دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } .\r { ليكفروا بما آتيناهم } أَيْ : ليجحدوا بما أنعمنا عليهم من إنجائهم ، والظَّاهر أنَّ هذ لام الأمر ، أمر التَّهديد ، ويدلُّ عليه قوله تعالى : { وليتمتعوا فسوف يعلمون } .\r { أَوَلَمْ يروا } يعني : أهل مكَّة { أنا جعلنا حرماً آمناً } ذا أمنٍ لا يُغار على أهله { ويتخطف الناس من حولهم } بالقتل والنَّهب والسَّبي { أفبالباطل يؤمنون } يعني : الأصنام { وبنعمة الله } يعني : محمداً A والقرآن { يكفرون } .","part":1,"page":701},{"id":702,"text":"{ والذين جاهدوا فينا } أعداء الدِّين والكفَّار { لنهدينَّهم سبلنا } سبل الشًّهادة والمغفرة . وقيل : من اجتهد في عملٍ لله زاده الله تعالى هدىً على هدايته { وإنَّ الله لمع المحسنين } بنصره إيَّاهم .","part":1,"page":702},{"id":703,"text":"{ الم } .\r { غلبت الروم } غلبتها فارس { في أدنى الأرض } أدنى أرض الشَّام من أرض العرب وفارس ، وهي أذرعات وعسكر . { وهم } والرُّوم { من بعد غلبهم } غلبة فارس إيَّاهم { سيغلبون } فارس .\r { في بضع سنين } البضع : ما بين الثّلاث إلى التِّسع . { لله الأمر من قبل } من قبل أن تغلب الرُّوم { ومن بعد } ما غلبت . { ويومئذٍ يفرح المؤمنون } يوم تغلب الرُّومُ فارسَ يفرح المؤمنون { بنصر اللَّهِ } الرُّوم؛ لأنَّهم أهل كتاب ، فهم أقرب إلى المؤمنين ، وفارس مجوس فكانوا أقرب إلى المشركين ، فالمؤمنون يفرحون بنصر الله الرُّوم على فارس ، والمشركون يحزنون لذلك .","part":1,"page":703},{"id":704,"text":"{ وعد الله } وعد ذلك وعداً { ولكنَّ أكثر الناس } يعني : مشركي مكَّة { لا يعلمون } ذلك ، ثمَّ بيَّن مقدار ما يعلمون فقال : \r { يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا } يعني : أمر معاشهم ، وذلك أنَّهم كانوا أهل تجارة تكسُّب بها .\r { أو لم يتفكروا في أنفسهم } فيعلموا { ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلاَّ بالحق } أَيْ : للحقِّ ، وهو الدّلالة على توحيده وقدرته { وأجل مسمى } ووقتٍ معلومٍ تفنى عنده . يعني : يوم القيامة . وقوله : \r { وأثاروا الأرض } أَيْ : قلبوها للزِّراعة { وعمروها أكثر مما عمروها } يعني : إنَّ الذين أُهلكوا من الأمم الخالية كانوا أكثر حرثاَ وعمارةً من أهل مكَّة .\r { ثم كان عاقبة الذين أساؤوا } أشركوا { السوأى } النَّار { أن كذَّبوا } بأن كذَّبوا .","part":1,"page":704},{"id":705,"text":"{ يبلس المجرمون } أَيْ : يسكتون لانقطاع حجَّتهم ، وليأسهم من الرَّحمة .\r { ولم يكن لهم من شركائهم } أوثانهم التي عبدوها رجاء الشَّفاعة { شفعاء وكانوا بعبادتهم كافرين } قالوا : ما عبدتمونا ، وقوله : \r { يؤمئذ يتفرَّقون } يعني : المؤمنين والكافرين ، ثمَّ بيَّن كيف ذلك التَّفرُّق فقال : \r { فأمَّا قال آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون } أَي : يسمعون في الجنَّة .","part":1,"page":705},{"id":706,"text":"{ فسبحان الله } فصلُّوا لله سبحانه { حين تمسون } يعني : صلاة المغرب والعشاء الآخرة { وحين تصبحون } صلاة الفجر { وعشياً } يعني : صلاة العصر { وحين تظهرون } يعني : صلاة الظُّهر .","part":1,"page":706},{"id":707,"text":"{ ومن آياته أن خلقكم من تراب } يعني : أباكم آدم { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } يعني : ذريته .\r { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم } : من جنسكم { أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } يعني : الأُلفة بين الزَّوجين .\r { ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم } وأنتم بنو رجلٍ واحدٍ ، وامرأةٍ واحدةٍ .","part":1,"page":707},{"id":708,"text":"{ ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } أَي : اللَّيل لتناموا فيه ، والنَّهار لتبتغوا فيه من فضله .\r { ومن آياته يريكم البرق خوفاً } للمسافر { وطعماً } للحاضر . وقوله : \r { ثمَّ إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } ثم إذا دعاكم دعوة ، إذا أنتم تخرجون من الأرض ، هكذا تقدير الآية على التَّقديم والتأخير . وقوله : \r { كلٌّ له قانتون } أَيْ : مُطيعون ، لا طاعة العبادة ولكن طاعة الإرادة ، خلقهم على ما أراد فكانوا على ما أراد ، لا يقدر أحدٌ أن يتغيَّر عمَّا خُلق عليه . وقوله : \r { وهو أهون عليه } أَيْ : هيِّنٌ عليه . وقيل : هو أهون عليه عندكم وفيما بينكم؛ لأَنَّ الإِعادة عندنا أيسر من الابتداء { وله المثل الأعلى } الصِّفة العليا ، وهو أنَّه لا إله إلاَّ هو ولا ربَّ غيره .\r { ضرب لكم مثلاً } بيَّن لكم شبهاً في اتِّخاذكم الأصنام شركاء مع الله سبحانه { من أنفسكم } ثمَّ بيَّن ذلك فقال : { هل لكم ممَّا ملكت أيمانكم } من العبيد والإِماء { من شركاء فيما رزقناكم } من المال والولد ، أّيْ : هل يشاركونكم فيما أعطاكم الله سبحانه حتى تكونوا أنتم وهم { فيه سواء تخافونهم } أن يرثوكم ، كما يخاف بعضكم بعضاً أن يرثه ماله ، والمعنى : كما لا يكون هذا فكيف يكون ما هو مخلوقٌ لله تعالى مثلَه حتى يُعبد كعبادته؟ فلمَّا لزمتهم الحجَّة بهذا ذكر أنَّهم يعبدونها باتَّباع الهوى فقال : { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم } في عبادة الأصنام .\r { فأقم وجهك للدين حنيفاً } أَيْ : أقبل عليه ولا تُعرض عنه . { فطرة الله } أي : اتَّبع فطرة الله ، أَيْ : خِلقة الله التي خلق النَّاس عليها ، وذلك أنَّ كلَّ مولودٍ يُولد على ما فطره الله عليه من أنَّه لا ربَّ له غيره ، كما أقرَّ له لمَّا أُخرج من ظهر آدم عليه السَّلام { لا تبديل لخلق الله } لم يبدَّلِ الله سبحانه دينه ، فدينُه أنَّه لا ربَّ غيره . { ذلك الدين القيم } المستقيم .\r { منيبين إليه } راجعين إلى ما أمر به ، وهو حالٌ من قوله : { فأقم وجهك } ، والمعنى : فأقيموا وجوهكم؛ لأنَّ أمره أمرٌ لأمته .","part":1,"page":708},{"id":709,"text":"{ من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً } مفسَّرٌ في سورة الأنعام { كلُّ حزب } كلُّ جماعةٍ من الذين فارقوا دينهم { بما لديهم فرحون } أَيْ : يظنون أنَّهم على الهدى ، ثمَّ ذكر أنَّهم مع شركهم لا يلتجئون في الشَّدائد إلى الأصنام ، فقال : \r { وإذا مسَّ الناس ضرٌّ دعوا ربهم منيبين إليه . . . } الآية . وقوله : \r { وليكفروا بما آتيناهم } مفسَّرٌ في سورة العنكبوت إلى قوله : \r { أم أنزلنا } أَيْ : أَأنزلنا { عليهم سلطاناً } كتاباً { فهو يتكلَّم بما كانوا به يشركون } ينطق بعذرهم في الإِشراك .\r { وإذا أذقْنا الناس رحمة فرحوا بها . . . } الآية . هذا من صفة الكافر يبطر عند النِّعمة ، ويقنط عند الشِّدَّة ، لا يشكر في الأُولى ، ولا يحتسب في الثَّانية .","part":1,"page":709},{"id":710,"text":"{ وما آتيتم من رباَ ليربوَ في أموال الناس } يعني : ما يعطونه من الهدية ليأخذوا أكثر منها ، وهو من الرِّبا الحلال { فلا يربو عند الله } لأنَّكم لم تريدوا بذلك وجه الله ، وقوله : { فأولئك هم المضعفون } أصحاب الإِضعاف ، يُضَاعِفُ لهم بالواحدة عشراً .","part":1,"page":710},{"id":711,"text":"{ ظهر الفساد } القحط وذهاب البركة { في البر } القفاز { والبحر } القرى والرِّيف { بما كسبت أيدي الناس } بشؤم ذنوبهم { ليذيقهم بعض الذي عملوا } كان ذلك لِيُذَاقوا الشِّدَّة بذنوبهم في العاجل .","part":1,"page":711},{"id":712,"text":"{ فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يومٌ } القيامةُ ، فلا ينفع نفساً إيمانها { يومئذٍ يصدَّعون } يتفرَّقون؛ فريقٌ في الجنَّة ، وفريقٌ في السَّعير .\r { مَنْ كفر فعليه كفره } أي : وبال كفره وعذابه { ومَنْ عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون } يفرشون ويُسَوُّون المضاجع ، والمعنى : لأنفسهم يبغون الخير .","part":1,"page":712},{"id":713,"text":"{ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } بالمطر { وليذيقكم من رحمته } نعمته بالمطر يُرسلها { ولتجري الفلك بأمره } وذلك أنَّها تجري بالرِّياح { ولتبتغوا من فضله } بالتِّجارة في البحر ، وقوله : \r { فانتقمنا من الذين أجرموا } أَيْ : عاقبنا الذين اشركوا { وكان حقاً عليناً نصر المؤمنين } في العاقبة ، وكذلك ننصرك في العاقبة على مَنْ عاداك .\r { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً } تُزعجها وتُخرجها من أماكنها { فيبسطه } الله { في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً } قطعاً . يريد أنَّه مرَّةً يبسطه ، ومرَّةً يقطعه { فترى الودق } المطر { يخرج من خلاله } وسطه وشقوقه { فإذا أصاب به } بالودق { من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون } يفرحون .\r { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } المطر { من قبله } كرَّر \" من قبل \" للتَّأكيد { لمبلسين } آيسين .\r { فانظر إلى آثار رحمة الله } يعني : آثار المطر الذي هو رحمة الله تعالى { كيف يحيي الأرض } جعلها تنبت { بعد موتها } [ يُبسها ] { إنَّ ذلك } الذي فعل ذلك ، وهو الله عزَّ وجلَّ { لمحيي الموتى } .\r { ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً } رأوا النَّبت قد اصفرَّ وجفَّ { لظلُّوا من بعده يكفرون } يريد : إنَّ الكفَّار يستبشرون بالغيث ، فإذا جفَّ النَّبت ولم يحتاجوا إلى الغيث ظلُّوا يكفرون بنعمة الله عزَّ وجلَّ فلم يؤمنوا ، ولم يشكروا إنعامه بالمطر .\r { فإنك لا تسمع الموتى } مضت الاية في سورة الأنبياء ، والتي بعدها في سورة النمل .","part":1,"page":713},{"id":714,"text":"{ الله الذي خلقكم من ضعف } من نطفةٍ . الآية .\r { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون } يحلف الكافرون { ما لبثوا } في قبورهم { غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون } أَيْ : كذَّبوا في هذا الوقت كما كانوا يُكذِّبون في الدُّنيا .\r { وقال الذين أوتوا العلم والإِيمان لقد لبثتم في كتاب الله } أَيْ : فيما بيَّن في كتابه ، وهو اللَّوح المحفوظ { إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون } أنَّه يكون . وقوله : \r { ولا هم يستعتبون } أَيْ : لا يُطلب منهم أن يرجعوا إلى ما يُرضي الله سبحانه .\r { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كلِّ مثل } بيَّنا لهم الأمثال للاعتبار { ولئن جئتهم بآية } لهم فيها بيانٌ واعتبارٌ { ليقولنَّ الذين كفروا إن أنتم إلاَّ مبطلون } ما أنتم إلاَّ أصحاب الأباطيل .\r { كذلك } كما طبع الله على قلوبهم حتى لم يفهموا { يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } أدلَّة التَّوحيد .\r { فاصبر إنَّ وعد الله } في نصرك وتمكينك { حق ولا يستخفنَّك } لا يستفزنَّك عن دينك { الذين لا يوقنون } أي : الضُّلال الشَّاكُّون .","part":1,"page":714},{"id":715,"text":"هذه السورة مفسَّرة فيما مضى إلى قوله : \r { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } يعني : النَّضر بن الحارث ، كان يخرج تاجراً إلى فارس ، فيشتري أخبار الأعاجم ، ثمَّ يأتي بها فيقرؤها في أندية قريش ، فيستمحلونها ويتركون استماع القرآن ، وقوله : { ويتخذها هزواً } أَيْ : يتَّخذ آيات الكتاب هزواً .","part":1,"page":715},{"id":716,"text":"{ ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله } أَيْ : وقلنا له : أن اشكر لله .","part":1,"page":716},{"id":717,"text":"{ حملته أمه وهناً على وهن } أَيْ : لزمها بحملها إيَّاه أن تضعف مرَّةً بعد مرَّةً . { وفصاله } وفطامه { في عامين } لأنَّها ترضع الولد عامين { أن اشكر لي ولوالديك } المعنى : وصَّينا الإِنسان أن اشكر لي ولوالديك .\r { وإن جاهداك } مُفسَّرٌ فيما مضى ، وقوله : { وصاحبهما في الدنيا معروفاً } أَيْ : مُصَاحَباً معروفاً ، وهو المستحسن { واتبع سبيل من أناب } رجع { إليَّ } يعني : اسلك سبيل محمد A وأصحابه ، نزلت في سعد بن أبي وقاص ، وقد مرَّ .\r { يا بني إنها إن تك مثقال } رُوي أنَّ ابنه قال له : إنْ عملتُ بالخطيئة حيث لا يراني أحدٌ كيف يعلمها الله عزَّ وجلَّ؟ فقال : { إنها } أي : الخطيئة { إن تك مثقال حبة من خردل } أو : السَّيِّئة ، ثمَّ كانت { في صخرة } أَيْ : في أخفى مكان { أو في السموات أو الأرض } أينما كانت أتى الله بها ولن تخفى عليه ، ومعنى { يأت بها الله } أَيْ : للجزاء عليها { إنَّ الله لطيف } باستخراجها { خبير } بمكانها . وقوله : \r { إنَّ ذلك من عزم الأمور } أي : الأمور الواجبة .\r { ولا تصعر خدِّك للناس } لا تُعرض عنهم تكبُّراً { ولا تمش في الأرض مرحاً } مُتَبختراً مختالاً .\r { واقصد في مشيك } ليكن مشيك قصداً ، لا بِخُيلاء ولا بإسراع { واغضض } واخفض { من صوتك إنَّ أنكر الأصوات } أقبحها { لصوت الحمير } .\r { ألم تروا أنَّ الله سخر لكم ما في السموات } من الشَّمس والقمر والنُّجوم لنتنفعوا بها { وما في الأرض } من البحار والأنهار والدَّوابِّ { وأسبغ } وأوسعَ وأتمَّ { عليكم نعمة ظاهرة } وهي حسن الصُّورة وامتداد القامة { وباطنة } وهي المعرفة ، والباقي قد مضى تفسيره . إلى قوله تعالى : \r { أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } أَيْ : موجباته ، فيتَّبعونه .\r { ومن يسلم وجهه إلى الله } يُقبل على طاعته وأوامره { وهو محسن } مؤمنٌ موحِّدٌ { فقد استمسك بالعروة الوثقى } بالطَّرفِ الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه { وإلى الله عاقبة الأمور } مرجعها .","part":1,"page":717},{"id":718,"text":"{ نمتعهم قليلاً } بالدُّنيا { ثمَّ نضطرهم } نُلجئهم { إلى عذاب غليظ } .\r { ولئن سالتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله } الذي خلقها { بل أكثرهم لا يعلمون } إذ أشركوا به بعد إقرارهم بأنَّه خالقهما .","part":1,"page":718},{"id":719,"text":"{ ولو أنَّ ما في الأرض من شجرة أقلام . . . } الآية . وذلك أنَّ المشركين قالوا في القرآن : هذا كلامٌ سينفذ وينقطع ، فأعلم الله سبحانه أنَّ كلامَهُ لا ينفد { والبحر يمده } أَيْ : يزيد فيه ، ثمَّ كتبت به كلمات الله { ما نفدت } .\r { ما خلقكم ولا بعثكم إلاَّ كنفس واحدة } أَيْ : كخلق وكبعث نفسٍ واحدةٍ؛ لأنَّ قدرة الله سبحانه على بعث الخلق كقدرته على بعث نفسٍ واحدةٍ ، وقوله : \r { ألم تر أنَّ الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلٌّ يجري إلى أجل مسمىً وأنَّ الله بما تعملون خبير } .\r { ذلك } أَيْ : فعل الله ذلك لتعلموا { بأن الله هو الحق } الذي لا إله غيره . وقوله : \r { إنَّ في ذلك لآيات لكلّ صبار شكور } أَيْ : لكلِّ مؤمنٍ بهذه الصِّفة .\r { وإذا غشيهم } علاهم { موج كالظلل } كالجبال . وقيل : كالسَّحاب . وقوله : { فمنهم مقتصد } أَيْ : مؤمنٌ مُوفٍ بما عاهد الله في البحر . وقوله : { كلُّ ختار } غدَّارٍ { كفور } جحودٍ . وقوله : \r { لا يجزي والد عن ولده } لا يكفي ولا يُغني عنه شيئاً ، و { الغَرُور } الشَّيطان .\r { إنَّ الله عنده علم الساعة } متى تقوم { وينزل الغيث } المطر { ويعلم ما في الأرحام } ذكراً أوأنثى .","part":1,"page":719},{"id":720,"text":"قوله : \r { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض } يعني : القضاء من السَّماء فينزله إلى الأرض مدَّة أيام الدُّنيا { ثمَّ يعرج إليه } أَيْ : يرجع الأمر والتَّدبير إلى السَّماء ، ويعود إليه بعد انقضاء الدُّنيا وفنائها { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } وهو يوم القيامة ، وذلك اليوم يطول على قومٍ ويشتدُّ حتى يكون كخمسين ألف سنة ، ويقصر على قوم ، فلا آخر له معلوم .","part":1,"page":720},{"id":721,"text":"{ الذي أحسن كلَّ شيء خلقه } أَيْ : أتقنه وأحكمه { وبدأ خلق الإنسان من طين } آدم عليه السَّلام .\r { ثم جعل نسله } ذريَّته { من سلالةٍ } نطفةٍ { من ماء مهين } ضعيفٍ حقيرٍ .","part":1,"page":721},{"id":722,"text":"{ وقالوا } يعني : منكري البعث { أإذا ضللنا في الأرض } صرنا تراباً وبطلنا { أإنا لفي خلق جديد } نُخلق بعد ذلك خلقاً جديداً .\r { قل يتوفاكم } يقبض أرواحكم .\r { ولو ترى } يا محمد { إذ المجرمون } المشركون { ناكسو رؤوسهم } مُطأطئوها حياءً من ربِّهم عزَّ وجلَّ ، ويقولون : { ربنا أبصرنا } ما كنا به مُكذِّبين { وسمعنا } منك صدق ما أتت به الرُّسل { فارجعنا } فارددنا إلى الدُّنيا { نعمل صالحاً } \r { ولو شئنا لآتينا كلَّ نفس هداها } رشدها . الآية . ويقال لأهل النَّار .\r { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } أَيْ : تركتم الإِيمان به { إنا نسيناكم } تركناكم في النَّار .","part":1,"page":722},{"id":723,"text":"{ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها } أي : وُعظوا { خرُّوا سجداً } لله سبحانه خوفاً منه { وسبحوا بحمد ربهم } نزَّهوا الله تعالى بالحمد لله { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان به والسُّجود له .\r { تتجافى جنوبهم } ترتفع أضلاعهم { عن المضاجع } الفرش ومواضع النَّوم { يدعون ربهم خوفاً } من النَّار { وطمعاً } في الجنَّة { ومما رزقناهم ينفقون } يصَّدَّقون .\r { فلا تعلم نفس } من هؤلاء { ما أخفي لهم } ما أُعدَّ لهم { من قرة أعين } ممَّا تقرُّ به عينه إذ رآه .\r { أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً } نزلت في أمير المرمنين عليّ بن أبي طالب Bه ، والوليد بن عقبة بن أبي معيط .","part":1,"page":723},{"id":724,"text":"{ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قيل : المصيبات في الدُّنيا ، وقيل : القتل ببدر . وقيل : عذاب القبر . وقيل : الجوع سبع سنين ، والأولى المُصيبات والجوع لقوله : { لعلهم يرجعون } . وقوله : \r { فلا تكن في مرية من لقائه } أَيْ : من لقاء موسى عليه السَّلام ليلة المعراج ، وعده الله تعالى أن يريه موسى عليه السَّلام ليلة الإِسراء به .\r { وجعلنا منهم } من بني إسرائيل { إئمة } قادة { يهدون } يدعون الخلق { بأمرنا لما صبروا } حين صبروا على الحقِّ .\r { إنَّ ربك هو يفصل } يحكم { بينهم يوم القيامة } بين المُكذِّبين بك { فيما كانوا فيه يختلفون } من أمرك .\r { أو لم يهد لهم } يتبيَّن لهم صدقك { كم أهلكنا } إهلاكنا مَنْ كذَّب الرُّسل منهم وهم { يمشون في مساكنهم } إذا سافروا ، فيرون خرابَ منازلهم { إنَّ في ذلك لآيات أفلا يسمعون } آيات الله وعظاته .\r { أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز } الغليظة التي لا نبأت فيها { فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون } هذا فيعلموا أنَّا نقدر على إعادتهم .","part":1,"page":724},{"id":725,"text":"{ ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } وذلك أنَّ المؤمنين قالوا للكفَّار : إنَّ لنا يوماً يحكم الله بيننا وبينكم فيه ، يريدون يوم القيامة ، فقالوا : متى هذا الفتح؟ فقال الله تعالى : { قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون } يُمهلون للتَّوبة .\r { فأعرض عنهم } منسوخٌ بآية السَّيف { وانتظر } عذابهم { إنهم منتظرون } هلاكك [ في زعمهم الكاذب ] .","part":1,"page":725},{"id":726,"text":"{ يا أيها النبي اتق الله } اثبت على تقوى الله ، ودُمْ عليه { ولا تطع الكافرين والمنافقين } وذلك أنَّ الكافرين قالوا له : ارفض ذكر آلهتنا ، وقل : إنَّ لها شفاعةً ومنفعةً لمن عبدها ، ووازَرَهم المنافقون على ذلك { إنَّ الله كان عليماً } بما يكون قبل كونه { حكيماً } فيما يخلق .","part":1,"page":726},{"id":727,"text":"{ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } هذا تكذيبٌ لبعض مَنْ قال من الكافرين : إنَّ لي قلبين أفهم بكلِّ واحدٍ منهما أكثر ممَّا يفهم محمد ، فأكذبه الله تعالى . قيل : إنَّه ابن خطل { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتهم } لم يجعل نساءكم اللائي تقولون : هنَّ علينا كظهور أمهاتنا في الحرام كما تقولون ، وكان هذا من طلاق الجاهليَّة ، فجعل الله في ذلك كفَّارة { وما جعل أدعياءكم } مَنْ تبنَّيتموه { أبناءكم } في الحقيقة كما تقولون { ذلكم قولكم بأفواهكم } قولٌ بالفم لا حقيقة له { والله يقول الحق } وهو أنَّ غير الابن لا يكون ابناً { وهو يهدي السبيل } أَيْ : السَّبيل المستقيم .\r { ادعوهم لآبائهم } أَيْ : انسبوهم إلى الذين ولدوهم { هو أقسط عند الله } أعدل عند الله { فإن لم تعلموا آباءهم } مَنْ هم { فإخوانكم في الدين } أي فهم إخوانكم في الدِّين { ومواليكم } وبنو عمّكم . وقيل : أولياؤكم في الدِّين { وليس عليكم جناج فيما أخطأتم به } وهو ن يقول لغير ابنه : يا بنيَّ من غير تَعَمُّدٍ أن يجريه مجرى الولد في الميراث ، وهو قوله : { ولكن ما تعمَّدت قلوبكم } يعني : ولكنَّ الجُناح في الذي تعمَّدت قلوبكم .\r { النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم } إذا دعاهم النبيُّ A إلى شيءٍ ، ودعتهم أنفسهم إلى شيءٍ كانت طاعة النبيِّ A أولى . { وأزواجه أمهاتهم } في حرمة نكاحهنَّ عليهم { وأولوا الأرحام } والأقارب { بعضهم أولى ببعض } في الميراث { في كتاب الله } في حكمه { من المؤمنين والمهاجرين } وذلك أنَّهم كانوا في ابتداء الإِسلام يرثون بالإِيمان والهجرة { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً } لكن إن يوصوا له بشيءٍ من الثُّلث فهو جائزٌ { كان ذلك في الكتاب مسطوراً } كان هذا الحكم في اللَّوح المحفوظ مكتوباً .\r { وإذا أخذنا } واذكر إذ أخذنا { من النبيّين ميثاقهم } على الوفاء بما حملوا ، وأن يُصدِّق بعضهم بعضاً .\r { ليسأل الصادقين عن صدقهم } المُبلِّغين من الرُّسل عن تبليغهم ، وفي تلك المسألة تبكيتٌ للكفَّار { وأعدَّ للكافرين } بالرُّسل { عذاباً أليماً } .\r { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود } يعني : الأحزاب ، وهم قريش وغطفان وقُريظة والنَّضير ، حاصروا المسلمين أيَّام الخندق { فأرسلنا عليهم ريحاً } [ وهي الصَّبا ] كفأت قدورهم ، وقلعت فساطيطهم { وجنوداً لم تروها } وهم الملائكة { وكان الله بما يعملون } من حفر الخندق { بصيراً } .\r { إذ جاؤوكم من فوقكم } من قبل المشرق ، يعني : قُريظة والنَّضير ، { ومن أسفل منكم } قريشٌ من ناحية مكَّة { وإذ زاغت الأبصار } مالت وشخصت ، وتحيَّرت لشدَّة الأمر وصعوبته عليكم { وبلغت القلوب الخناجر } ارتفعت إلى الحلوق لشدَّة الخوف { وتظنون به الظنونا } ظنَّ المنافقون أنَّ محمداً A وأصحابه يُستأصلون ، وأيقن المؤمنون بنصر اللَّهِ .","part":1,"page":727},{"id":728,"text":"{ هنالك } في تلك الحال { ابتلي المؤمنون } اختبروا ليتبيَّن المخلص من المنافق { وزلزلوا } وحرِّكوا وخُوِّفوا .\r { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } شكٌّ ونفاقٌ : { ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غرورا } إذْ وعدنا أنَّ فارس والرُّوم يُفتحان علينا .\r { وإذ قالت طائفة منهم } من المنافقين : { يا أهل يثرب } يعني : المدينة { لا مقام لكم } لا مكان لكم تُقيمون فيه { فارجعوا } إلى منازلكم بالمدينة ، أمروهم بترك رسول الله A وخذلانه ، وذلك أنَّ النبيَّ A كان قد خرج من المدينة إلى سلع لقتال القوم { ويستأذن فريقٌ منهم } من المنافقين { النبيَّ } في الرُّجوع إلى منازلهم { يقولون : إنَّ بيوتنا عورة } ليست بحصينةٍ ، نخاف عليها العدوِّ ، قال الله تعالى : { وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً } من القتال .\r { ولو دخلت عليهم } لو دخل عليهم هؤلاء الذين يريدون قتالهم المدينة { من أقطارها } جوانبها { ثمَّ سئلوا الفتنة } سألتهم الشِّرك بالله { لأتوها } لأعطوا مرادهم { وما تلبثوا بها إلاَّ يسيراً } وما احتبسوا عن الشِّرك إلا يسيراً ، أَيْ : لأسرعوا الإجابة إليه .","part":1,"page":728},{"id":729,"text":"{ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } عاهدوا رسول الله A قبل غزوة الخندق { لا يولون الأدبار } لا ينهزمون عن العدوِّ { وكان عهد الله مسؤولاً } والله تعالى يسألهم عن ذلك العهد يوم القيامة .\r { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } الذي كُتب عليكم { وإذاً لا تمتعون إلاَّ قليلاً } لا تبقون في الدُّنيا إلاَّ إلى آجالكم .","part":1,"page":729},{"id":730,"text":"{ قد يعلم الله المعوقين منكم } الذين يُعوِّقون النَّاس عن نصرة محمَّد عليه السَّلام ، { والقائلين لإِخوانهم هلمَّ إلينا } يقولون لهم : خلُّوا محمداً A فإنَّه مغرورٌ وتعالوا إلينا { ولا يأتون البأس إلاَّ قليلاً } لا يحضرون الحرب مع [ أصحاب ] النبيِّ A إلاّ تعذيراً وتقصيراً ، [ يرى أنَّ له عذراً ولا عذر له ] ، يوهمونهم أنَّهم معهم .\r { أشحة عليكم } بخلاء عليكم بالخير والنَّفقة { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليكم تدور أعينهم } في رؤوسهم من الخوف كدوران عين الذي { يُغشى عليه من الموت } قَرُبَ أن يموت فانقلبت عيناه { فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد } آذوكم بالكلام وجادلوكم في الغنيمة { أشحة } بخلاء { على الخير } الغنيمة .\r { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } لجبنهم وشدَّة خوفهم يظنون أنَّهم بعد انهزامهم لم ينصرفوا بعد { وإن يأت الأحزاب } يرجعوا كرَّةً ثانية { يودوا لو أنَّهم بادون في الأعراب } خارجون من المدينة إلى البادية في الأعراب { يسألون عن أنبائكم } أَيْ : يودوا لو أنَّهم غائبون عنكم يسمعون أخباركم بسؤالهم عنها من غير مشاهدة . قال الله تعالى : { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلاَّ قليلاً } رياءً من غير حِسْبَةٍ ، ولمَّا وصف الله تعالى حال المنافقين في الحرب وصف حال المؤمنين فقال : \r { لقد كان لكم } أيُّها المؤمنون { في رسول الله أسوة حسنة } سنَّةٌ صالحةٌ ، واقتداءٌ حسنٌ حيث لم يخذلوه ولم يتولَّوا عنه ، كما فعل هو A يوم أُحدٍ شُجَّ حاجبه ، وكُسرت رباعيته ، فوقف A ولم ينهزم ، ثمَّ بيَّن لمَنْ كان هذا الاقتداء برسول الله A فقال : { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } أَيْ : يخافهما .\r { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا } تصديقاً لوعد الله تعالى : { هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } ووعدُ الله تعالى إيَّاهم في قوله : { أمْ حسبْتُم أن تدخلوا الجنَّة ولمَّا يأتكم مثَلُ الذين خلوا مِنْ قبلِكم مسًّتهم البأساءُ والضَّراء وزُلزلوا حتَّى يقولَ الرَّسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله؟ ألا إِنَّ نصر الله قريبٌ } فعلموا بهذه الآية أنَّهم يُبتلون ، فلمَّا ابتلوا بالأحزاب علموا أنَّ الجنَّة والنَّصر قد وجبا لهم إن سلَّموا وصبروا ، وذلك قوله : { وما زادهم إلاَّ إيماناً } وتصديقاً بالله ورسوله { وتسليماً } لله أمره .\r { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله } كانوا صادقين في عهودهم بنصرة النبيِّ A { فمنهم من قضى نحبه } فرغٍ من نذره واستُشهد . يعني : الذين قُتلوا بأُحدٍ { ومنهم مَنْ ينتظر } أن يقتل شهيداً { وما بدلوا تبديلاً } عهدهم ، ثمَّ ذكر جزاء الفريقين فقال : \r { ليجزي الله الصادقين بصدقهم . . . } الآية .\r { وردَّ الله الذين كفروا } قريشاً والأحزاب { بغيظهم } على ما فيهم من الغيظ { ولم ينالوا خيراً } لم يظفروا بالمسلمين { وكفى الله المؤمنين القتال } بالرِّيح والملائكة .","part":1,"page":730},{"id":731,"text":"{ وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب } الذين عاونوا الأحزاب من قريظة { من صياصيهم } حصونهم ، وذلك أنَّ النبيَّ A حاصرهم ، واشتدَّ ذلك عليهم حتى نزلوا على حكمه ، وذلك قوله تعالى : { وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون } يعني : الرِّجال { وتأسرون فريقاً } يعني : النِّساء والذُّريَّة . وقوله : \r { وأرضاً لم تطؤوها } يعني : خيبر ، ولم يكونوا نالوها ، فوعدهم الله تعالى إيَّاها .\r { يا أيها النبيُّ قل لأزواجك . . } الآية . نزلت حين سألت نساء رسول الله A شيئاً من عرض الدُّنيا ، وآذْينَهُ بزيادة النَّفقة ، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات ، وأمره أن يُخيِّرهنَّ بين الإِقامة معه على طلب ما عند الله ، أو السِّراح إن أردْنَ الدُّنيا ، وهو قوله : { إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكنَّ } متعة الطَّلاق ، فقرأ عليهنَّ رسول الله A هذه الآيات ، فاخترن الآخرة على الدُّنيا ، والجنَّة على الزِّينة ، فرفع الله سبحانه درجتهنَّ على سائر النِّساء بقوله : \r { يا نساء النبيّ مَنْ يأت منكنَّ بفاحشة مبيِّنة } بمعصيةٍ ظاهرةٍ { يضاعف لها العذاب ضعفين } ضعفي عذاب غيرها من النِّساء .","part":1,"page":731},{"id":732,"text":"{ ومن يقنت } يطع { نؤتها أجرها مرَّتين } مثلي ثواب غيرها من النِّساء { وأَعتدنا لها رزقاً كريماً } يعني : الجنَّة . وقوله : \r { فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض } أَيْ : لا تقلن قولاَ يجد منافقٌ به سبيلاً إلى أن يطمع في موافقتكنَّ له . وقوله : { وقلن قولاً معروفاً } أَيْ : قلن بما يوجبه الدِّين والإِسلام بغير خضوعٍ فيه بل بتصريحٍ .","part":1,"page":732},{"id":733,"text":"{ وقرن في بيوتكن } أمرٌ لهنَّ من الوقار والقرار جميعاً { ولا تبرجن } ولا تُظهرن المحاسن كما كان يفعله أهل الجاهليَّة ، وهو ما بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما . { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس } وهو كلُّ مُستَنكرٍ ومُستقذَرٍ من عملٍ { أهل البيت } يعني : نساء النبيِّ A ورجال أهل بيته .\r { واذكرن ما يتلى في بيوتكنَّ من آيات الله } يعني : القرآن { والحكمة } يعني : السُّنَّة .\r { إنَّ المسلمين والمسلمات . . . } الآية . قالت النِّساء : ذكر الله تعالى الرِّجال بخيرٍ في القرآن ، ولم يذكر النِّساء بخيرٍ ، فما فينا خيرٌ يُذكر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .\r { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة . . . } الآية . نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب ، خطبها رسول الله A على مولاه زيد بن حارثة ، وظنَّت أنَّه خطبها لنفسه ، فلمَّا علمت أنًّه يريدها لزيدٍ كرهت ذلك ، فأنزل الله تعالى : { وما كان لمؤمن } يعني : عبد الله بن جحش { ولا مؤمنة } يعني : أخته زينب { إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } أَيْ : الاختيار ، فأعلم أنَّه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله ، وزوَّجها من زيدٍ ، ومكثت عنده حيناً ، ثمَّ إن رسول الله A أتى زيداً ذات يومٍ لحاجة ، فأبصرها قائمةً في درعٍ وخمارٍ ، فأعجبته وكأنَّها وقعت في نفسه ، وقال : سبحان الله مُقلِّب القلوب ، فلمَّا جاء زيدٌ أخبرته بذلك ، وأُلقي في نفس زيدٍ كراهتها ، فأراد فراقها ، فأتى رسول الله A فقال : إني أريد أن أفارق صاحبتي؛ فإنَّها تؤذيني بلسانها .","part":1,"page":733},{"id":734,"text":"{ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } بالإسلام ، يعني : زيداً { وأنعمت عليه } بالإِعتاق : { أمسك عليك زوجك واتق الله } فيها ، وكان A يحبُّ أن يتزوَّج بها ، إلا أنَّه آثر ما يجب من الأمر بالمعروف ، وقوله : { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } أن لو فارقَها تزوَّجتها ، وذلك أنَّ الله تعالى كان قد قضى ذلك ، وأعلمه أنَّها ستكون من أزواجه ، وإأنَّ زيداً يُطلِّقها { وتخشى الناس } تكره قالة النَّاس لو قلت : طَلِّقْها ، فيقال أمر رجلاً بطلاق امرأته ، ثمَّ تزوَّجها { والله أحقُّ أن تخشاه } في كلِّ الأحوال ، ليس أنَّه لم يَخْشَ الله في شيءٍ من هذه القضيَّة ، ولكن ذكر الكلام ها هنا على الجملة . وقيل والله أحقُّ أن تستحيي منه ، فلا تأمر زيداً بإمساك زوجته بعد إعلام الله سبحانه إياك أنها ستكون زوجتك ، وأنت تستحيي من النَّاس وتقول : أمسك عليك زوجك . { فلما قضى زيد منها وطراً } حاجته من نكاحها { زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج . . . } الآية . لكيلا يظنَّ ظانٌّ أنَّ امرأة المتبنَّى لا تحلُّ للمتبنِّي ، وكانت العرب تظنُّ ذلك ، وقوله : { وكان أمر الله مفعولاً } كائناً لا محالة ، وكان قد قضى في زينب أن يتزوَّجها رسول الله A .\r { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } فيما أحلَّ له من النِّساء { سنة الله في الذين خلوا من قبل } يقول : هذه السُّنَّة قد مضت أيضاً لغيرك . يعني : كثرة أزواج داود وسليمان عليهما السَّلام ، والمعنى : سنَّ الله له سنَّةٌ واسعةً لا حرج عليه فيها { وكان أمر الله قدراً مقدوراً } قضاءً مقضياً .","part":1,"page":734},{"id":735,"text":"{ الذين يبلغون رسالات الله } \" الذين \" نعت قوله : { في الذين خلوا من قبل } . { ويخشونه ولا يخشون أحداً إلاَّ الله } لا يخشون قالة النَّاس ولائمتهم فيما أحلَّ الله لهم { وكفى بالله حسيباً } حافظاً لأعمال خلقه .\r { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } فتقولوا : إنَّه تزوجَّ امرأة ابنه ، يعني : زيداً ليس له بابنٍ وإن كان قد تبنَّاه { ولكن } كان { رسول الله وخاتم النبيين } لا نبيَّ بعده .\r { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً } وهو أن لا يُنسى على حالٍ .\r { وسبحوه } صلُّوا له { بكرة } صلاة الفجر { وأصيلاً } صلاة العصر والعشاءين .\r { هو الي يصلي عليكم } يغفر لكم ويرحمكم { وملائكته } يستغفرون لكم { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } من ظلمات الجهل والكفر إلى نور اليقين والإسلام .\r { تحيتهم } تحيَّةُ الله للمؤمنين { يوم يلقونه } يرونه { سلام } يسلِّم عليهم { وأعدَّ لهم أجراً كريماً } وهو الجنَّة .\r { يا أيها النبيُّ إنا أرسلناك شاهداً } على أُمَّتك بإبلاغ الرِّسالة .\r { وداعياً إلى الله } إلى ما يُقرب منه من الطَّاعة والتَّوحيد { بإذنه } بأمره ، أَيْ : إنَّه أمرك بهذا لا أنَّك تفعله من قبلك { وسراجاً منيراً } يُستضاء به من ظلمات الكفر .","part":1,"page":735},{"id":736,"text":"{ ودع أذاهم } لا تُجازهم عليه إلى أن تُؤمر فيهم بأمرنا .\r { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات } تزوجتموهنَّ { ثمَّ طلقتموهنَّ من قبل أن تمسوهنَّ } تجامعوهنَّ { فمالكم عليهن من عدَّة تعتدونها } تحصونها عليهنَّ بالأقراء والأشهر؛ لأنَّ المُطلَّقة قبل الجماع لا عدَّة عليها { فمتعوهنَّ } أعطوهنَّ ما يستمتعن به ، وهذا أمر ندب؛ لأنَّ الواجب لها نصف الصَّداق { وسرحوهن سَراحاً جميلاً } بالمعروف كما أمر الله تعالى ، ثمَّ ذكر ما يحلُّ من النِّساء للنبيِّ A فقال : \r { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن } مهورهنَّ { وما ملكت يمينك } من الإِماء { ممَّا أفاء الله عليك } جعلهنَّ غنيمة تُسبى وتُسترقُّ بحكم الشَّرع { وبنات عمك وبنات عماتك } أن يتزوجهنَّ ، يعني : نساء بني عبد المطلب { وبنات خالك وبنات خالاتك } يعني : نساء بني زُهرة { اللاتي هاجرن معك } فمن لم يهاجر منهنَّ لم يحلَّ له نكاحها { وامرأة } وأحللنا لك امرأةً { مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيِّ إن أراد النبيُّ أن يستنكحها } فله ذلك { خالصة لك من دون المؤمنين } فليس لغير النبيِّ A أن يستبيح وطء امرأةٍ بلفظ الهبة من غير وليٍّ ، ولامهرٍ ، ولا شاهدٍ ، { قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم } وهو أن لا نكاح إلاَّ بوليٍّ وشاهدين { وما ملكت أيمانهم } يريد أنَّه لا يحلُّ لغير النبيِّ A إلاَّ أربع بوليٍّ وشاهدين ، وإلا ملك اليمين ، والنبيُّ A يحلُّ له ما ذكر في هذه الآية { لكيلا يكون عليك حرج } في النِّكاح .\r { ترجي من تشاء منهن } تُؤخِّر { وتؤوي } وتضمُّ { إليك مَنْ تشاء } أباح الله سبحانه له أن يترك القسمة والتَّسوية بين أزواجه ، حتى إنَّه ليؤخِّر مَنْ شاء منهنَّ عن وقت نوبتها ، ويطأ مَنْ يشاء من غير نوبتها ، ويكون الاختيار في ذلك إليه يفعل فيه ما يشاء ، وهذا من خصائصه { ومن ابتغيت } طلبتَ وأردتَ إصابتها { ممن عزلت } هجرتَ وأخَّرت نوبتها { فلا جناح عليك } في ذلك كلِّه { ذلك أدنى أن تقرَّ أعينهنَّ . . . . } الآية . إذا كانت هذه الرُّخصة مُنزَّلة من الله سبحانه عليك كان أقرب إلى أن { يرضين بما آتيتهن كلهنَّ والله يعلم ما في قلوبكم } من أمر النِّساء والميل إلى بعضهنَّ ، ولمَّا خيَّر النبيُّ A نساءه فاخترنه ورضين به ، قصره الله سبحانه عليهنَّ ، وحرَّم عليه طلاقهنَّ والتَّزوُّج بسواهنَّ ، وجعلهنَّ أُمَّهات المؤمنين .","part":1,"page":736},{"id":737,"text":"{ ولا يحلُّ لك النساء من بعد } أَيْ : من بعد هؤلاء التِّسع { ولا أن تبدَّل بهنَّ من أزواجٍ ولو أعجبك حسنهنَّ } ليس لك أن تطلِّق واحدةً من هؤلاء ، ولا تتزوَّج بدلها أخرى أعجبتك بجمالها { إلاَّ ما ملكت يمينك } من الإِماء فإنهنَّ حلالٌ لك .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي . . . } الآية . نزلت في ناسٍ من المؤمنين كانوا يتحيَّنون طعام النبي A ، فيدخلون عليه قبل الطَّعام إلى أن يدرك ، ثمَّ يأكلون ولا يخرجون ، فكان النبي A يتأذَّى بهم ، وهو قوله : { غير ناظرين إناه } أيْ : منتظرين إدراكه { ولا مُسْتأنِسِين لحديث } طالبين الأنس { والله لا يستحيِ من الحق } لا يترك تأديبكم وحملكم على الحقِّ { وإذا سألتموهنَّ متاعاً فاسألوهنَّ من وراء حجاب } إذا أردتم أن تخاطبوا أزواج النبيِّ A في أمرٍ فخاطبوهنَّ من وراء حجابٍ ، وكانت النِّساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرِّجال ، فلمَّا نزلت هذه الآية ضرب عليهنَّ الحجاب ، فكانت هذه آية الحجاب بينهنَّ وبين الرِّجال { ذلكم } أَيْ : الحجاب { أطهر لقلوبكم وقلوبهن } فإنَّ كلَّ واحدٍ من الرَّجل والمرأة إذا لم ير [ الآخر ] لم يقع في قلبه { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } أَيْ : ما كان لكم أذاه في شيءٍ من الأشياء { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً } وذلك أنَّ رجلاً من أصحاب النبيِّ A قال : لئن قبض رسول الله A لأنكحنَّ عائشة Bها وعن أبيها ، فأعلم الله سبحانه أنَّ ذلك محرَّمٌ بقوله : { إن ذلك كان عند الله عظيماً } أَيْ : ذنباً عظيماً .\r { إن تبدوا شيئاً أو تخفوه . . . } الآية . نزلت في هذا الرَّجل الذي قال : لأنكحنَّ عائشة ، أخبر الله أنَّه عالمٌ بما يُظهر ويُكتم ، فلمَّا نزلت آية الحجاب قالت الآباء والأبناء لرسول الله A : ونحن أيضاً نُكلِّمهنَّ من وراء الحجاب؟ فأنزل الله سبحانه : { لا جناح عليهن في آبائهنَّ ولا أبنائهنَّ ولا إخوانهنّ ولا أبناءِ إخوانهنّ ولا أبناءِ أخواتهنّ ولانسائهنّ ولا ما ملكت أيمانهن } أَيْ : في ترك الاحتجاب من هؤلاء .","part":1,"page":737},{"id":738,"text":"{ إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النبيِّ } الله تعالى يثني على النبيِّ ويرحمه ، والملائكة يدعون له { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً } قولوا : اللهم صلِّ على محمدٍ وسلِّمْ .\r { إن الذين يؤذون الله ورسوله } يعني : اليهود والنَّصارى والمشركين في قولهم : { يد الله مغلولةٌ } و { إنَّ الله فقيرٌ } و { المسيحُ ابنُ الله } والملائكة بنات الله ، وشجُّوا وجه رسول الله A وقالوا له : ساحرٌ وشاعرٌ .\r { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } يرمونهم بغير ما عملوا .\r { يا أيها النبي قل لأزواجك . . . } الآية . كان قومٌ من الزُّناة يتَّبعون النِّساء إذا خرجن ليلاً ، ولم يكونوا يطلبون إلاَّ الإِماء ، ولم يكن يؤمئذٍ تُعرفْ الحرَّة من الأمة؛ لأنَّ زِيَّهُنَّ كان واحداً ، إنَّما يخرجن في درعٍ وخمارٍ ، فنهى الله سبحانه الحرائر أن يتشبَّهنَّ بالإماء ، وأنزل قوله تعالى : { يدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ } أَيْ : يرخين أرديتهنَّ وملاحفهنَّ؛ ليعلم أنهنَّ حرائر فلا يتعرض لهنَّ ، وهو قوله : { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً } لما سلف من ترك السِّتر { رحيماً } بهنَّ إذ يسترهنَّ .\r { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض } يعني : الزُّناة { والمرجفون في المدينة } الذين يوقعون أخبار السَّرايا بأنهم هُزموا بالكذب والباطل { لنغرينَّك بهم } لنسلطنَّك عليهم { ثم لا يجاورونك فيها } لا يساكنونك في المدينة { إلاَّ قليلاً } حتى يخرجوا منها .\r { ملعونين } مطرودين { أينما ثقفوا } وُجدوا { أخذوا وقتلوا تقتيلاً } .\r { سنة الله في الذين خلوا من قبل } سنَّ الله في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يُقتلوا حيث ما ثقفوا .","part":1,"page":738},{"id":739,"text":"{ إنا أطعنا سادتنا } أَيْ : قادتنا ورؤساءنا في الشِّرك والضَّلالة .\r { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } مثلي عذابنا .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى } لا تؤذوا نبيَّكم كما آذَوا هم موسى عليه السَّلام ، وذلك أنَّهم رموه بالبرص والأدرة حتى برَّأه الله مما رموه به بآيةٍ معجزةٍ { وكان عند الله وجيهاً } ذا جاهٍ ومنزلةٍ . وقوله : \r { وقولوا قولاً سديداً } أَيْ : حقَّاً وصواباً . قيل : هو لا إله إلاَّ الله .","part":1,"page":739},{"id":740,"text":"{ إنا عرضنا الأمانة } الفرائض التي افترض الله سبحانه علىالعباد ، وشرط عليهم أنَّ مَنْ أدَّاها جُوزي بالإِحسان ، ومَنْ خان فيها عوقب . { على السموات والأرض والجبال } أفهمهنَّ الله سبحانه خطابه وأنطقهنَّ { فأبين أن يحملْنَها } مخافةً وخشيةً لا معصيةً ومخالفةً ، وهو قوله : { وأشفقن منها } أَيْ : خشين منها { وحملها الإِنسان } آدم عليه السَّلام { إنَّه كان ظلوماً } لنفسه { جهولاً } غِرَّاً بأمر الله سبحانه وما احتمل من الأمانة ، ثمَّ بيَّن أنَّ حمل آدم عليه السَّلام هذه الأمانة كان سبباً لتعذيب المنافقين والمشركين في قوله : \r { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } يعني : إذا خانوا في الأمانة بمعصية أمر الله سبحانه تاب عليهم بفضله { وكان الله غفوراً رحيماً } .","part":1,"page":740},{"id":741,"text":"{ الحمد لله } على جهة التَّعظيم { الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة } لأنَّ أهل الجنَّة يحمدونه .\r { يعلم ما يلج في الأرض } يدخل فيها من الماء والأموات { وما يخرج منها } من النَّبات { وما ينزل من السماء } من الأمطار { وما يعرج } يصعد { فيها } من الملائكة .\r { وقال الذين كفروا } يعني : منكري البعث : { لا تأتينا الساعة } أَيْ : لا نبعث { قل } لهم يا محمَّدُ : { بلى وربي لتأتبينَّكم عالمِ الغيب } بالخفض من نعت قوله : { وربي } وبالرَّفع على معنى : هو عالم الغيب ، وقوله : { لا يعزب } مفسَّرٌ في سورة يونس ، وقوله : \r { ليجزي } يعود إلى قوله : { لتأتينكم } معناه : لتأتينَّكم السَّاعة { ليجزي الذين آمنوا . . . } الآية .\r { والذين سعوا في آياتنا } مفسَّر في سورة الحج .\r { ويرى الذين أوتوا العلم } يعني : مؤمني أهل الكتاب { الذي أنزل إليك من ربك } وهو القرآن { هو الحقَّ ويهدي إلى صراط العزيز } القرآن .\r { وقال الذين كفروا } إنكاراً للبعث وتعجُّباً منه : { هل ندلكم على رجل } وهو محمَّد A { ينبئكم إذا مزقتم كلَّ ممزق } أَيْ : فُرِّقتم وصرتم رُفاتاً { إنكم لفي خلق جديد } أَيْ : تُبعثون .\r { أفترى على الله كذباً } فيما يُخبر به من البعث { أم به جنة } حالةُ جنونٍ . قال الله تعالى : { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } .","part":1,"page":741},{"id":742,"text":"{ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض } يقول : أما يعلمون أنَّهم حيث ما كانوا فهم يرون ما بين أيديهم من الأرض والسَّماء مثل الذي خلفهم ، وأنَّهم لا يخرجون منها ، فكيف يأمنون؟! { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء } عذاباً { إنَّ في ذلك لآية لكلِّ عبدٍ منيب } لعلامةً تدلُّ على قدرة الله سبحانه على إحياء الموتى لكلِّ مَنْ أناب إلى الله تعالى ، وتأمَّل ما خلق الله سبحانه .\r { ولقد آتينا داود منَّا فضلاً } ثمَّ بيَّن ذلك فقال : { يا جبال } أَيْ : قلنا يا جبال { أوّبي معه } سبِّحي معه { والطير } كان إذا سبَّح جاوبته الجبال بالتَّسبيح ، وعكفت عليه الطَّير من فوقه تسعده على ذلك { وألنا له الحديد } جعلناه ليِّناً في يده ، كالطِّين المبلول والعجين ، وقلنا له : \r { أن اعمل سابغات } دروعاً كوامل { وقدِّر في السرد } لا تجعل مسمار الدِّرع دقيقاً فيفلق ، ولا غليظاً فيفصم الحلق . اجعله على قدر الحاجة ، والسَّرْد : نسج الدُّروع { واعملوا } يعني : داود وآله { صالحاً } عملاً صالحاً من طاعة الله تعالى .\r { ولسليمان الرِّيح } وسخَّرنا له الرِّيح { غدوها شهر } مسيرها إلى انتصاف النَّهار مسيرة شهر ، ومن انتصاف النَّهار إلى اللَّيل مسيرة شهر ، وهو قوله : { ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر } أذبنا له عين النُّحاس ، فسالت له كما يسيل الماء { ومن الجنِّ } أَيْ : سخَّرنا له من الجنِّ { مَنْ يعمل بين يديه بإذن ربه } بأمر ربه { ومَنْ يزغ } يمل ويعدل { منهم عن أمرنا } الذي أمرناه به من طاعة سليمان { نذقه من عذاب السعير } وذلك أنَّ الله تعالى وكَّل بهم ملكاً بيده سوطٌ من نار ، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه ضربةً أحرقته .\r { يعملون له ما يشاء من محاريب } مجالس ومساكن ومساجد { وتماثيل } صور الأنيباء؛ إذ كانت تصوَّر في المساجد ليراها النَّاس ، ويزدادوا عبادة { وجفانٍ } قصاعٍ كبارٍ { كالجوابِ } كالحياض التي تجمع الماء { وقدور راسيات } ثوابت لا تحرَّكن عن مكانها لعظمه ، وقلنا : { اعملوا } بطاعة الله يا { آل داود شكراً } له على نعمه .","part":1,"page":742},{"id":743,"text":"{ فلما قضينا عليه الموت ما دلَّهم . . . } الآية . كان سليمان عليه السَّلام يقول : اللَّهم عمِّ على الجنِّ موتي؛ ليعلم الإِنس أنَّ الجنَّ لا يعلمون الغيب ، فمات سليمان عليه السَّلام مُتوكِّئاً على عصاه سنةً ، ولم تعلم الجنُّ ذلك حتى أكلت الأرضةُ عصاه ، فسقط ميِّتاً ، وهو قوله : { ما دلَّهم على موته إلاَّ دابَّةُ الأرض تأكل منسأته } عصاه { فلما خرَّ } سقط { تبينت الجن } علمت { أنْ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا } بعد موت سليمان { في العذاب المهين } فيما سخَّرهم فيه سليمان عليه السَّلام واستعملهم .\r { لقد كان لسبأ } وهو اسم قبيلةٍ { في مساكنهم } باليمن { آية } دلالةٌ على قدرتنا { جنتان } أَيْ : هي جنَّتان { عن يمين وشمال } بستانٌ يمنةً ، وبستانٌ يسرةً ، وقيل لهم : { كلوا من رزق ربكم واشكروا له } على ما أنعم عليكم { بلدة طيبة } أَيْ : بلدتكم بلدةٌ طيِّبةٌ ليست بسبخةٍ { و } الله { ربٌّ غفور } والمعنى : تمتَّعوا ببلدتكم الطَّيِّبة واعبدوا ربَّاً يغفر ذنوبكم .","part":1,"page":743},{"id":744,"text":"{ فأعرضوا } عن أمر الله تعالى بتكذيب الرُّسل { فأرسلنا عليهم سيل العرم } وهو السِّكْر الذي يحبس الماء ، وكان لهم سِكْرٌ يحبس الماء عن جنَّتيهم ، فأرسل الله تعالى فيه جرذاناً ثقبته ، فانبثق الماء عليهم ، فغرق جنَّاتهم { وبدلناهم بجنَّتيهم جنتين ذواتي أكل خمط } أَيْ : ثمرٍ مُرٍّ { وأثل } وهو الطَّرفاء { وشيء من سدر قليل } وذلك أنَّ الله تعالى أهلك أشجارهم المثمرة ، وأنبت بدلها الأراك والطَّرفاء والسِّدر .\r { وذلك جزيناهم بما كفروا } أَيْ : جزيناهم ذلك الجزاء بكفرهم { وهل نجازي إلاَّ الكفور } بسوء عمله ، وذلك أنَّ المؤمن تُكفَّر عنه سيئاته ، والكافر يُجازى بكلِّ سوءٍ يعمله .\r { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها } يعني : قرى الشَّام ، { قرى ظاهرة } متواصلةً ، يُرى من هذه القرية القرية الأخرى ، فكانوا يخرجون من سبأ إلى الشَّام ، فيمرُّون على القرى العامرة { وقدرنا فيها السير } جعلنا سيرَهم بمقدارٍ ، إذا غدا أحدهم من قريةٍ قال في أخرى ، وإذا راح من قريةٍ أوى إلى أخرى ، وقلنا لهم : { سيروا فيها } في تلك القرى { ليالي وأياماً } أَيَّ وقت شئتم من ليلٍ أو نهارٍ { آمنين } لا تخافون عدوَّاً ولا جوعاً ولا عطشاً .\r { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا } وذلك أنَّهم سئموا الرَّاحة ، وبطروا النِّعمة فتمنَّوا أن تتباعد قراهم ليبعد سفرهم بينها { وظلموا أنفسهم } بالكفر والبطر { فجعلناهم أحاديث } لمَنْ بعدهم يتحدَّثون بقصَّتهم { ومزَّقناهم كلَّ ممزق } وفرَّقناهم في البلاد ، فصاروا يُتمثَّل بهم في الفُرقة ، وذلك أنَّهم ارتحلوا عن أماكنهم وتفرَّقوا في البلاد { إنَّ في ذلك } الذي فعلنا { لآيات لكلّ صبار شكور } أَيْ : لكلِّ مؤمنٍ؛ لأنَّ المؤمن هو الذي إذا ابتُليَ صبر ، وإذا أُعطيَ شكر .","part":1,"page":744},{"id":745,"text":"{ ولقد صدَّق عليهم إبليس ظنَّه } الذي ظنَّ بهم من إغوائهم { فاتبعوه إلاَّ فريقاً من المؤمنين } أَيْ : وجدهم كما ظنَّ بهم إلاَّ المؤمنين .\r { وما كان لهم عليهم من سلطان } من حجَّةٍ يستتبعهم بها { إلاَّ لنعلم } المعنى : لكن امتحانهم بإبليس لنعلم { مَنْ يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك } عُلِمَ وقوعه منه .\r { قل } يا محمد لمشركي قومك : { ادعوا الذين زعمتهم } أنَّهم آلهةٌ { من دون الله } وهذا أمرُ تهديدٍ ، ثمَّ وصفهم فقال : { لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما } في السَّموات ولا في الأرض { من شرك } شركةٍ { وما له } لله { منهم من ظهير } عونٍ . يريد : لم يُعنِ اللَّهَ على خلق السَّموات والأرض آلهتُهم ، فكيف يكونون شركاء له؟ ثمَّ أبطل قولهم أنَّهم شفعاؤنا عند الله فقال : \r { ولا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له } أَيْ : أذن الله له أن يشفع { حتى إذا فزّع } أذهب الفزع { عن قلوبهم } يعني : كشف الفزع عن قلوب المشركين بعد الموت إقامةً للحجَّة عليهم وتقول لهم الملائكة : { ماذا قال ربكم } ؟ فيما أوحى إلى أنبيائه { قالوا الحق } فأقرُّوا حين لا ينفعهم الإِقرار .","part":1,"page":745},{"id":746,"text":"{ قل من يرزقكم من السموات } المطر { و } من { الأرض } النَّبات ، ثمَّ أمره أن يخبرهم فقال : { قل الله } أَيْ : الذي يفعل ذلك الله ، وهذا احتجاجٌ عليهم ، ثمَّ أمره بعد إقامة الحجَّة عليهم أن يُعرَّض بكونهم على الضَّلال فقال : { وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين } أَيْ : نحن أو أنتم إمَّا على هدىً أو ضلالٍ ، والمعنى : أنتم الضَّالون حيث أشركتم بالذي يرزقكم من السَّماء والأرض ، وهذا كما تقول لصاحبك إذا كذب : أحدنا كاذبٌ ، وتعنيه ، ثمَّ بيَّن براءته منهم ومن أعمالهم فقال : \r { قل لا تسألون عما أجرمنا . . . } الآية . وهذا كقوله تعالى : { لكم دينكم ولي دين } ثمَّ أخبر أنَّه يجمعهم في القيامة ، ثمَّ يحكم بينهم ، وهو قوله تعالى : \r { قل يجمع بيننا ربنا ثمَّ يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } .\r { قل أروني الذين ألحقتم به شركاء } ألحقتموهم بالله تعالى في العبادة ، يعني : الأصنام ، أَيْ : أرونيهم هل خلقوا شيئاً ، وهذه الآية مختصرةٌ ، تفسيرها قوله تعالى : { قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دُونِ اللَّهِ أروني ماذا خلقوا من الأرضِ أَمْ لهم شِركٌ في السَّموات } ثمَّ قال : { كلا } أيْ : ليس الأمر على ما يزعمون { بل هو الله العزيز الحكيم } .\r { وما أرسلناك إلاَّ كافَّة للناس } جامعاً لهم كلَّهم بالإِنذار والتَّبشير { ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون } ذلك .","part":1,"page":746},{"id":747,"text":"{ ولا بالذي بين يديه } أَيْ : من الكتب المُتقدِّمة ، وقوله : { يرجع بعضهم إلى بعض القول } أَيْ : في التَّلاوم ، ثمَّ ذكر إيش يرجعون فقال : { يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } .\r { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا : أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } .\r { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا : بل مكر الليل والنهار } أَيْ : مكركم بنا فيهما { إذ تأمروننا أن نكفر بالله } { وأسروا } : وأظهروا .\r { وما أرسلنا من قرية من نذير } نبيٍّ يُنذرهم { إلاَّ قال مترفوها } رؤساؤها وأغنياؤها { إنَّا بما أُرسلتم به كافرون } .\r { وقالوا } للرُّسل : { نحن أكثر أموالاً وأولاداً } منكم . يعنون أنَّ الله سبحانه رضي منَّا حيث أعطانا المال { وما نحن بمعذبين } كما تقولون .\r { قل إنَّ ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } وليس ذلك ممَّا يدلُّ على العواقب { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك .\r { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } أَيْ : قُربى . يعني : تقريباً { إلاَّ من آمن } لكنْ مَنْ آمن { وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف } من الثَّواب بالواحد عشرة { وهم في الغرفات آمنون } قصور الجنَّة .","part":1,"page":747},{"id":748,"text":"{ وما أنفقتم من شيء } ما تصدَّقتم من صدقةٍ { فهو يخلفه } يعطي خلفه؛ إمَّا عاجلاً في الدُّنيا؛ وإمَّا آجلاً في الآخرة .\r { ويوم نحشرهم جميعاً } العابدين والمعبودين { ثم نقول للملائكة } توبيخاً للكفَّار : { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } .\r { قالوا سبحانك } تنزيهاً لك { أنت ولينا } الذي نتولاَّه ويتولاَّنا { من دونهم بل كانوا يعبدون الجن } يُطيعون إبليس وأعوانه { أكثرهم بهم مؤمنون } مُصدِّقون ما يمنُّونهم ويعدونهم .","part":1,"page":748},{"id":749,"text":"{ وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير } يعني : مشركي مكَّة لم يكونوا أهل كتابٍ ، ولا بُعث إليهم نبيٌّ قبل محمد A .\r { وكذب الذين من قبلهم } من الأمم { وما بلغوا } يعني : مشركي مكَّة { معشار } عشر { ما آتيناهم } من القُوَّة والنِّعمة { فكذبوا رسلي فكيف كان نكيرِ } إنكاري عليهم ما فعلوا بالإِهلاك والعقوبة؟\r { قل إنما أعظكم بواحدة } بخصلةٍ واحدةٍ ، وهي الطَّاعة لله تعالى { أن تقوموا } لأن تقوموا { لله مثنى وفرادى } مُجتمعين ومُنفردين { ثم تتفكروا } فتعلموا { ما بصاحبكم } محمَّد { من جنةٍ } من جنونٍ { إنْ هو إلاَّ نذير لكم } ما هو إلاَّ نذيرٌ لكم { بين يدي عذاب شديد } إنْ عصيتموه .\r { قل ما سألتكم من أجر } على تبليغ الرِّسالة { فهو لكم إن أجري إلاَّ على الله } يعني : إنَّما أطلب الثَّواب من الله لا عَرضاً من الدُّنيا .\r { قل إنَّ ربي يقذف بالحق } يُلقيه إلى أنبيائه .\r { قل جاء الحق } جاء أمر الله الذي هو الحقُّ { وما يبدىء بالباطل وما يعيد } أَيْ : ما يخلق إبليس أحداً ولا يبعثه ، إنَّما يفعل ذلك الله تعالى .","part":1,"page":749},{"id":750,"text":"{ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي } أَيْ : على نفسي يكون وبال ضلالي ، وهذا إخبارٌ أنَّ مَنْ ضلَّ فإنما يضرُّ نفسه { وإن اهتديت فبما يوحي إليَّ ربي } يعني : لولا الوحيُ ما كنت أهتدي .\r { ولو ترى } يا مُحمّد { إذ فزعوا } عن البعث { فلا فوت } لهم منَّا { وأخذوا من مكان قريب } على الله وهو القبور .\r { وقالوا } حين عاينوا العذاب { آمنا به } بالله { وأنى لهم التناوش } أَيْ : كيف يتناولون التَّوبة . وقيل : الرَّجعة ، وقد بعدت عنهم ، يريد : إنَّ التَّوبة كانت تُقبل عنهم في الدُّنيا ، وقد ذهبت الدُّنيا وبعدت عن الآخرة .\r { وقد كفروا به } بمحمد A والقرآن { من قبل } أَيْ : في الدُّنيا { ويقذفون بالغيب } يرمون محمداً A بالكذب والبهتان ظنَّاً لا يقيناً { من مكان بعيد } وهو أنَّ الله تعالى أبعدهم قبل أن يعلموا صدق محمد A .\r { وحيل بينهم } مُنعوا ممَّا يشتهون من التَّوبة والإِيمان والرُّجوع إلى الدنيا { كما فُعل بأشياعهم } ممَّن كانوا على مثل دأبهم من تكذيب الرُّسل قبلهم حين لم يقبل منهم الإِيمان والتَّوبة { إنهم كانوا في شك } من أمر الرُّسل والبعث { مريب } موقعٍ للرِّيبة والتُّهمة .","part":1,"page":750},{"id":751,"text":"{ الحمد لله فاطر السموات والأرض } خالقهما على ابتداء { جاعل الملائكة رسلاً أولي } أصحاب { أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق } في خلق الملائكة وأجنحتها { ما يشاء } .\r { ما يفتح الله للناس من رحمة } رزقٍ ومطرٍ ، فلا يقدر أحدٌ أن يمسكه ، والذي يمسك لا يرسله أحد .\r { يا أيها الناس } خطاب أهل مكَّة { اذكروا نعمة الله عليكم } بالرِّزق والمطر وسائر ذلك . { هل من خالق غير الله } هل يخلق أحدٌ سواه ، ثُمَّ { يرزقكم من السماء } المطر { و } من { الأرض } النَّبات { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } من أين يقع لكم الإِفك والكذب بتوحيد الله؟! ثمَّ عزَّى نبيَّه عليه السَّلام بقوله : \r { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور } .","part":1,"page":751},{"id":752,"text":"{ أفمن زين له سوء عمله } بإضلال الله تعالى إيَّاه ، فرأى قبيح ما يعمله حسناً { فإنَّ الله يضلُّ مَنْ يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } لا تغتمَّ لكفرهم ولا تتحسَّر على تركهم الإيمان .","part":1,"page":752},{"id":753,"text":"{ مَنْ كان يريد العزة } أَيْ : عِلْمَ العزَّةِ لمَنْ هي { فللَّه العزة جميعاً إليه يصعد الكلم الطيب } إليه يصل الكلام الذي هو توحيده ، وهو قول لا إله إلا الله { والعمل الصالح } يرفع ذلك الكلم الطَّيَّب ، والكلم الطَّيَّب : ذكر الله تعالى . والعمل الصَّالح : أداء فرائضه ، فمن قال حسناً وعمل صالحاً رفعه العمل ، ومعنى الرَّفع رفعه إلى محل القبول { والذين يمكرون السيئات } يعني : الذين مكروا برسول الله A في دار النَّدوة . { ومكر أولئك هو يبور } أي : يفسد ويبطل . وقوله تعالى : \r { وما يعمَّر من معمَّر } أَيْ : ما يُطوَّل عُمر أحدِ { ولا ينقص من عمره } ولا يكون أحدٌ ناقص العمر إلاَّ وهو مُحصىً في الكتاب . يعني : عدد عمر الطَّويل العمر ، وعمر القصير العمر .\r { وما يستوي البحران هذا عَذْبٌ فرات } شديد العذوبة { وهذا ملح أجاج } شديد المرارة { ومن كلٍّ } من الملح والعذب { تأكلون لحماً طرياً } من السَّمك { وتستخرجون } منه من الملح { حلية تلبسونها } يعني : المرجان ، وإنَّما ذكر هذا للدَّلالة على قدرته . وقوله : \r { من قطمير } يعني : لفافة النَّواة .\r { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } أَيْ : يقولون : ما كنتم إيَّانا تعبدون { ولا ينبئك مثل خبير } وهو الله عزَّ وجلَّ .","part":1,"page":753},{"id":754,"text":"{ ولا تزرُ وازِرَةٌ } أَيْ : لا تحمل نفسٌ حاملةٌ { وزِرْ أخرى } حِمل نفسٍ أخرى { وإن تدع مثقلة } نفسٌ مُثقَلةٌ بالذُّنوب { إلى حملها } ذنوبها { لا يحمل منه شيء ولو كان } المدعو { ذا قربى } مثل الأب والابن { إنما تنذر الذين يخشون ربَّهم بالغيب } إنَّما ينفع إنذارك الذين يخافون الله تعالى ، ولم يروه { ومَنْ تزكَّى } عمل خيراً .\r { وما يستوي الأعمى } عن الحقِّ ، وهو الكافر { والبصير } الذي يبصر رشده ، وهو المؤمن .\r { ولا الظلمات ولا النور } يعني : الكفر والإيمان .\r { ولا الظل ولا الحرور } يعني : الجنَّة التي فيها ظلٌّ دائمٌ ، والنَّار التي لها حرارةٌ شديدةً .\r { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } يعني : المؤمنين والكفَّار { إنَّ الله يُسمع من يشاء } فينتفع بذلك { وما أنت بمسمع مَنْ في القبور } يعني : الكفَّار ، شبَّههم بالأموات ، أيْ : كما لا يسمع أصحاب القبور كذلك لا يسمع الكفَّار .","part":1,"page":754},{"id":755,"text":"{ ومن الجبال جدد بيض وحمر } أَيْ : طرائق تكون في الجبال كالعروق بيض وحمر ، { وغرابيب سود } وهي الجبال ذات الصُّخور السُّود .\r { ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك } أَيْ : كاختلاف الجبال والثَّمرات في اختلاف الألوان . { إنما يخشى الله من عباده العلماء } أَيْ : مَنْ كان عالماً بالله اشتدَّت خشيته . وقوله : \r { يرجون تجارة لن تبور } يعني : لن تكسد ولن تفسد .\r { إنه غفور } لذنوبهم { شكور } لحسناتهم .\r { ثمَّ أورثنا } أعطينا بعد هلاك الأمم { الكتاب } القرآن ل { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم أمَّة محمد A ، ثمَّ ذكر أصنافهم فقال : { فمنهم ظالم لنفسه } وهو الذي زادت سيئاته على حسناته { ومنهم مقتصد } وهو الذي استوت حسناته وسيِّئاته { ومنهم سابق الخيرات } وهو الذي رجحت حسناته { بإذن الله } بقضائه وإرادته . { ذلك هو الفضل الكبير } يعني : إيتاء الكتاب .","part":1,"page":755},{"id":756,"text":"{ الحمد له الذي أذهب عنا الحَزَنَ } يعني : كلَّ ما يحزن له الإنسان من أمر المعاش والمعاد .\r { الذي أحلنا } أنزلنا { دار المقامة } دار الخلود { من فضله } أَيْ : ذلك بتفضُّله لا بأعمالنا { لا يمسنا فيها نصب } تعبٌ { ولا يمسنا فيها لغوب } إعياءٌ .\r { والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا } .\r { وهم يصطرخون } يستغيثون . وقوله : { أولم نعمركم ما يتذكَّر فيه مَنْ تذكَّر } أَيْ : العمر الذي يتَّعظ فيه ، يرجع فيه إلى الله مَنْ يتَّعظ ، وهو ستون سنةً { وجاءكم النذير } يعني : الرَّسول ، وقيل : الشَّيب .","part":1,"page":756},{"id":757,"text":"{ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أَيْ : جعلكم أُمَّةً خلقت مَنْ قبلها من الأمم .\r { قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني } أخبروني عنهم { ماذا خلقوا من الأرض } . أَيْ : بأيِّ شيءٍ أوجبتم لهم الشِّركة مع الله ، أَلخلقٍ خلقوه من الأرض { أم لهم شرك في } خلق { السموات أم آتيناهم } أعطينا المشركين { كتاباً } بما يدَّعونه من الشِّرك { فهم على بيَّنةٍ } من ذلك الكتاب { بل إن يعد الظالمون } ما يعد بعض الظالمين بعضاً { إلاَّ غروراً } أباطيل .\r { إنَّ الله يمسك السموات والأرض أن تزولا } لئلا تزولا وتتحرَّكا { ولئن زالتا } ولو زالتا { إن أمسكهما } ما أمسكهما { من أحدٍ من بعده } سوى الله تعالى .\r { وأقسموا بالله جهد إيمانهم } يعني : المشركين ، كانوا يقولون قبل بعثه محمد A لئن أتانا رسولٌ { ليكونن أهدى من إحدى الأمم } أَيْ : من اليهود والنَّصارى والمجوس { فلما جاءهم نذير } هو النبيُّ A { ما زادهم } مجئيه { إلاَّ نفوراً } عن الحقِّ .\r { استكباراً في الأرض } أَيْ : استكبروا عن الإيمان استكباراً ، { ومكر السَّيِّىء } ومكروا المكر السَّيِّىءَ ، وهو مكرهم بالنبيّ A ليقتلوه { ولا يحيق } أَيْ : يحيط { المكرُ السيِّىء إلاَّ بأهله } فحاق بهم مكرهم يوم بدرٍ . { فهل ينظرون } بعد تكذيبك { إلاَّ سنة الأولين } يعني : العذاب .","part":1,"page":757},{"id":758,"text":"{ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } من الجرائم { ما ترك على ظهرها } على ظهر الأرض { من دابة } من الإنس والجنِّ وكلِّ ما يعقل { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمَّىً فإذا جاء أجلهم فإنَّ الله كان بعباده بصيراً } .","part":1,"page":758},{"id":759,"text":"{ يس } يا إنسان .\r { والقرآن الحكيم } أقسم الله تعالى بالقرآن المحكم أنَّ محمداً A من المرسلين ، وهو قوله : \r { إنك لمن المرسلين } .\r { على صراط مستقيم } على طريق الأنبياء الذين تقدَّموك .\r { تنزيل } أَيْ : القرآن تنزيل { العزيز الرحيم } .\r { لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم } في الفترة { فهم غافلون } عن الإيمان والرُّشد .\r { لقد حقَّ القول } وجبت عليهم كلمة العذاب { فهم لا يؤمنون } ثمَّ بيَّن سبب تركهم الإيمان .","part":1,"page":759},{"id":760,"text":"{ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } أراد : في أعناقهم وأيديهم؛ لأنَّ الغلَّ لا يكون في العنق دون اليد { فهي إلى الأذقان } أَيْ : فأيديهم مجموعةٌ إلى أذقانهم؛ لأنَّ الغلَّ يجعل في اليد ممَّا يلي الذقن { فهم مقمحون } رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق؛ لأنَّ مَنْ غُلَّت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه ، وهذا مَثَلٌ معناه : أمسكنا أيديهم عن النَّفقة في سبيل الله بموانعَ كالأغلال .\r { وجعلنا من بين أيديهم سدَّاً ومن خلفهم سداً } هذا وصف إضلال الله تعالى إيَّاهم ، فهو بمنزلة مَنْ سُدَّ طريقه من بين يديه ومن خلفه . يريد : إنَّهم لا يستطيعون أن يخرجوا من ضلالهم { فأغشيناهم } فأعميناهم عن الهدى { فهم لا يُبصرون } ه ثم ذكر أنَّ هؤلاء لا ينفعهم الإِنذار فقال : \r { وسواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } .\r { إنما تنذر من اتبع الذكر } إنما ينفع إنذارك من اتَّبع القرآن فعمل به { وخشي الرحمن بالغيب } خاف الله تعالى ولم يره .\r { إنا نحن نُحْيِ الموتى } عند البعث { ونكتب ما قدَّموا } من الأعمال { وآثارهم } ما استُنَّ به بعدهم . وقيل : خطاهم إلى المساجد { وكلَّ شيء أحصيناه } عددناه وبيَّناه { في إمام مبين } وهو اللَّوح المحفوظ .\r { واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية } وهي أنطاكية { إذ جاءها المرسلون } رسل عيسى عليه السَّلام .\r { إذْ أرسلنا إليهم اثنين } من الحوارييِّن { فكذبوهما فَعَزَّزْنا بثالث } قوَّينا الرِّسالة برسولٍ ثالثٍ .","part":1,"page":760},{"id":761,"text":"{ إنّا تطيرنا بكم } أَيْ : تشاءمنا ، وذلك أنَّهم حُبس عنهم المطر ، فقالوا : هذا بشؤمكم { لئن لم تنتهوا لَنَرْجُمَنَّكم } لنقتلنَّكم رجماً بالحجارة .\r { قالوا طائركم معكم } شؤمكم معكم بكفركم { أَإِنْ ذكرتم } وُعظتم وخُوِّفتم تطيَّرتم { بل أنتم قوم مسرفون } مُجاوزون الحدّ بشرككم .\r { وجاء من أقصى المدينة رجل } وهو حبيب النَّجار ، كان قد آمن بالرُّسل ، وكان منزله في أقصى البلد ، فلمَّا سمع أنَّ القوم كذَّبوهم وهمُّوا بقتلهم أتاهم يأمرهم بالإيمان ، فقال : { يا قوم اتبعوا المرسلين } .\r { اتبعوا مَنْ لا يسألكم أَجْراً } على أداء النُّصح وتبليغ الرِّسالة { وهم مهتدون } يعني : الرُّسل ، فقيل له : أنت على دين هؤلاء؟ فقال : \r { ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون } .\r { أأتخذ من دونه إلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغنِ عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون } .\r { إني إذاً لفي ضلال مبين } .","part":1,"page":761},{"id":762,"text":"{ إني آمنت بربكم فاسمعون } فلمَّا قال ذلك وثبوا إليه فقتلوه ، فأدخله الله تعالى الجنَّة ، فذلك قوله تعالى : \r { قيل ادخل الجنَّة } فلمَّا شاهدها قال : { يا ليت قومي يعلمون } .\r { بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } أَيْ : بمغفرة ربِّي .\r { وما أنزلنا على قومه } يعني : على قوم حبيب { من جند من السماء } لنصرة الرُّسل الذين كذَّبوهم . يريد : لم نحتج في إهلاكهم إلى إرسال جند .\r { إن كانت } ما كانت عقوبتهم { إلاَّ صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السَّلام ، فماتوا عن آخرهم ، وهو قوله : { فإذا هم خامدون } ساكنون قد ماتوا .\r { يا حسرة على العباد } يعني : هؤلاء حين استهزؤوا بالرُّسل ، فتحسَّروا عند العقوبة .\r { ألم يروا } يعني : أهل مكَّة { كم أهلكنا قبلهم من القرون أنَّهم إليهم لا يرجعون } يعني : ألم يروا أنَّ الذين أهلكناهم قبلهم لا يرجعون إليهم .\r { وإن كل } وما كلُّ مَنْ خُلق مِن الخلق إلاَّ { جميع لدينا محضرون } عند البعث يوم القيامة يحضرهم ليقفوا على ما عملوا .\r { وآية لهم } على البعث { الأرض الميتة أحييناها } .","part":1,"page":762},{"id":763,"text":"{ وما عملته أيديهم } أَيْ : لم تعمله ولا صنع لهم في ذلك .\r { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } أَيْ : الأجناس من النَّبات والحيوان { وممَّا لا يعلمون } ممَّا خلق الله سبحانه من جميع الأنواع والأشباه .\r { وآية لهم } ودلالةٌ لهم على توحيد الله سبحانه وقدرته { الليل نسلخ } نُخرج { منه النهار } إخراجاً لا يبقى معه شيء من ضوء النَّهار ، والمعنى : ننزع النَّهار فنذهب به ، ونأتي باللَّيل { فإذا هم مظلمون } داخلون في الظَّلام .\r { والشمس } أَيْ : وآيةٌ لهم الشَّمس { تجري لمستقرٍ لها } عند انقضاء الدُّنيا .\r { والقمر قدرنا منازل } ذا منازلٍ { حتى عاد } في آخر منزله { كالعرجون القديم } وهو عود الشِّمراخ إذا يبس اعوجَّ .\r { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } فيجتمعا معاً { ولا الليل سابق النهار } يسبقه فيأتي قبل انقضاء النَّهار { وكلٌّ } من الشَّمس والقمر والنُّجوم { في فلك يسبحون } . [ يسيرون ] .\r { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم } أباهم { في الفلك المشحون } يعني : سفينة نوحٍ عليه السَّلام .","part":1,"page":763},{"id":764,"text":"{ وخلقنا لهم من مثله } من مثل جنس سفينة نوح { ما يركبون } في البحر .\r { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم } فلا مُغيث لهم { ولا هم يُنقذون } يُنجون .\r { إلاَّ رحمةً منا ومتاعاً إلى حين } أَيْ : إلا أن نَرحمهم ونُمتِّعهم إلى انقضاء آجالهم .\r { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم } العذاب الذي عُذِّب به الأمم قبلكم { وما خلفكم } يعني : عذاب الآخرة { لعلكم ترحمون } لكي تكونوا على رجاء الرَّحمة ، وجواب { إذا } محذوف تقديره : وإذا قيل لهم هذا أعرضوا ، ودلَّ على هذا قوله تعالى : \r { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلاَّ كانوا عنها معرضين } .\r { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } كان فقراء أصحاب رسول الله A يقولون للمشركين : أعطونا من أموالكم ما زعمتم أنَّها لله تعالى ، فكانوا يقولون استهزاءً : { أنطعم مَن لو يشاء الله أطعمه } فقال الله تعالى : { إن أنتم إلاَّ في ضلال مبين } .\r { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } أنَّا نُبعث .\r { ما ينظرون } ما ينتظرون { إلاَّ صيحة واحدة } وهي نفخة إسرافيل { تأخذهم وهم يخصمون } يختصمون ، يُخاصم بعضهم بعضاً . يعني : يوم تقوم الساعة وهم في غفلةٍ عنها .","part":1,"page":764},{"id":765,"text":"{ فلا يستطيعون } بعد ذلك أن يُوصوا في أمورهم بشيءٍ { ولا إلى أهلهم يرجعون } لا ينقلبون إلى أهليهم من الأسواق ، ويموتون في مكانهم .\r { ونفخ في الصور } يعني : نفخة البعث { فإذا هم من الأجداث } القبور { إلى ربهم ينسلون } يخرجون بسرعة .\r { قالوا : يا وليا مَنْ بعثنا من مرقدنا } أَيْ : منامنا ، وذلك أنَّهم كانوا قد رُفع عنهم العذاب فيما بين النَّفختين ، فيرقدون ثم يقولون : { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } أقرُّوا حين لم ينفعهم .\r { إن كانت إلاَّ صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون } يريد : إنَّ بعثهم وإحياءهم كان بصيحة تُصاح بهم ، وهو قول إسرافيل عليه السَّلام : أيَّتها العظام البالية .","part":1,"page":765},{"id":766,"text":"{ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل } بافتضاض الأبكار { فاكهون } ناعمون فرحون مُعجبون .","part":1,"page":766},{"id":767,"text":"{ ولهم ما يدعون } يتمنَّون .\r { سلام } أَيْ : لهم سلامٌ { قولاً } يقوله الله عزَّ وجلَّ قولاً .\r { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } أَيْ : انفردوا عن المؤمنين .\r { ألم أعهد إليكم } ألم آمركم { يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنَّه لكم عدوٌ مبين } .","part":1,"page":767},{"id":768,"text":"{ ولقد أضل منكم جبلاً } خلقاً { كثيراً أفلم تكونوا تعقلون } عدوانه وإضلاله .","part":1,"page":768},{"id":769,"text":"{ اصلوها اليوم } اُدخلوها وقاسوا حرَّها { بما كنتم تكفرون } بكفركم .","part":1,"page":769},{"id":770,"text":"{ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } لأعميناهم وأذهبنا أبصارهم { فاستبقوا الصراط } فتبادروا إلى الطَّريق { فأنى } يبصرون حينئذٍ وقد طمسنا أعينهم؟\r { ولو نشاء لمسخناهم } حجارةً وقردةً وخنازير { على مكانتهم } في منازلهم { فما استطاعوا مُضيّاً ولا يرجعون } أَيْ : لم يقدروا على ذهابٍ ولا مجيءٍ .\r { ومَنْ نعمره ننكسه في الخلق } مَنْ أطلنا عمره نكَّسنا خلقه ، فصار بدل القوَّة صعفاً ، وبدل الشَّباب هرماً { أفلا تعقلون } أنَّا نفعل ذلك .\r { وما علمناه الشعر } لم نعلِّمْ محمداً A قول الشِّعر { وما ينبغي له } وما يتسهَّل له ذلك { إن هو } أَيْ : لس الذي أتى به { إلاَّ ذكرٌ وقرآن مبين } .\r { لينذر مَنْ كان حيَّاً } عاقلاً ، فلا يغفل ما يُخاطب به؛ لأنَّ الكافر كالميِّت { ويحق القول على الكافرين } تجب الحُجَّة عليهم .","part":1,"page":770},{"id":771,"text":"{ أَوَلَمْ يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً } أَيْ : عملناه من غير واسطةٍ ولا توكيلٍ ، ولا شريكٍ أعاننا { أنعاماً فهم لها مالكون } ضابطون .\r { وذللناها } سخَّرناها { لهم فمنها ركوبهم } ما يركبون .","part":1,"page":771},{"id":772,"text":"{ واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون } يُمنعون من عذاب الله تعالى .\r { لا يستطيعون نصرهم } لا تنصرهم آلهتهم { وهم لهم جند محضرون } . في النار؛ لأنَّ أوثانهم معهم فيها .\r { فلا يحزنك قولهم } فيك بالسُّوء والقبيح . { إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } فنجازيهم بذلك .\r { أَوَلَمْ ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة } يعني : العاص بن وائل . وقيل : أُبيّ بن خلف { فإذا هو خصيم مبين } جَدِلٌ بالباطل ، خاصم النبيَّ A في إنكار البعث ، وهو قوله : \r { وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه } وهو أنَّه قال : متى يُحيي الله العظيم البالي المتفتِّت؟ ونسي ابتداء خلقه؛ لأنَّه لو علم ذلك ما أنكر الإِعادة ، وهذا معنى قوله : { قال : مَنْ يُحْيِ العظام وهي رميم } أَيْ : باليةٌ .\r { قل : يحييها الذي أنشأها } خلقها { أول مرة وهو بكلّ خلق } من الابتداء والإِعادة { عليم } .\r { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً } يعني : المرخ والعفار ، ومنهما زنود الأعراب { فإذا أنتم منه توقدون } تورون النَّار ، ثمَّ احتجَّ عليهم بخلق السَّموات والأرض ، فقال : \r { أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } ثمَّ ذكر كمال قدرته فقال : \r { إنما أمره إذا أراد شيئاً } أَيْ : خلق شيءٍ { أن يقول له كن فيكون } ذلك الشَّىء .\r { فسبحان } تنزيهاً لله سبحانه من أن يُوصف بغير القدرة على الإعادة { الذي بيده ملكوت كلِّ شيء } أَيْ : القدرة على كلِّ شيء { وإليه ترجعون } تُردُّون في الآخرة .","part":1,"page":772},{"id":773,"text":"{ والصافات صفاً } يعني : صفوف الملائكة في السَّماء .\r { فالزاجرات زجراً } يعني : الملائكة تزجر السَّحاب وتسوقه .\r { فالتاليات ذكراً } جماعة قرَّاء القرآن .\r { إن إلهكم لواحد } أقسم الله سبحانه بهؤلاء أنَّ إلهكم لواحد .\r { وربّ المشارق } مطالع الشمس .\r { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } بضوئها ، { و } حفظناها .\r { حفظاً من كلِّ شيطان مارد } متمرِّدٍ خبيثٍ .","part":1,"page":773},{"id":774,"text":"{ لا يَسَّمَّعون إلى الملأ الأعلى } يعني : الملائكة . { ويقذفون من كلّ جانب } ويُرمون .\r { دحوراً } يُدحرون دحوراً ، أَيْ : يُباعدون { ولهم عذاب واصب } دائم .\r { إلاَّ من خطف الخطفة } سمع الكلمة من الملائكة فأخذها بسرعةٍ { فأتبعه } لقحه { شهاب ثاقب } كوكبٌ مضيءٌ .\r { فاستفتهم } فسلهم . يعني : أهل مكَّة { أهم أشد خلقاً أم من خلقنا } من الأمم السَّالفة قبلهم ، وغيرهم من السَّموات والأرض { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصقٍ لازمٍ .\r { بل عجبت } يا محمَّد من تكذيبهم إيَّاك { و } هم { يسخرون } من تعجُّبك .","part":1,"page":774},{"id":775,"text":"{ وإذا رأوا آية } معجزةً سخروا .\r { وقالوا إن هذا إلاَّ سحر مبين } .","part":1,"page":775},{"id":776,"text":"{ قل : نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون أذلاَّء .\r { فإنما هي } يعني : القيامة { زجرة } صيحةٌ { واحدة فإذا هم } أحياءٌ { ينظرون } سوء أعمالهم . وقيل : ما كذَّبوا به .\r { وقالوا : يا ويلنا هذا يوم الدين } يوم نُجازى فيه بما عملنا .\r { هذا يوم الفصل } بين الحقِّ والباطل . { الذي كنتم به تكذبون } .\r { احشروا الذين ظلموا } كفروا { أزواجهم } قرناءهم من الشَّياطين وأوثانهم .\r { فاهدوهم } دلُّوهم إلى النار .\r { وقفوهم } احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم .\r { مالكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضاً .\r { بل هم اليوم مستسلمون } مُنقادون .\r { وأقبل بعضهم على بعض } يعني : الأتباع والرُّؤساء { يتساءلون } يتخاصمون .\r { قالوا } يعني : الأتباع للرُّؤساء { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } تقهروننا بالقوَّة من قبل الدِّين ، فتضلُّونا عنه .\r { قالوا بل لم تكونوا مؤمنين } أَيْ : إنَّما الكفر من قِبَلِكم .","part":1,"page":776},{"id":777,"text":"{ فحق علينا } جميعاً { قول ربنا } كلمة العذاب .","part":1,"page":777},{"id":778,"text":"{ إلاَّ عباد الله المخلصين } المؤمنين لكن عباد الله المخلصين .\r { أولئك لهم رزق معلوم } بكرةً وعشياً .","part":1,"page":778},{"id":779,"text":"{ بكأس من معين } خمرٍ تجري على وجه الأرض .\r { بيضاء لذة للشَّاربين } ذات لذَّةٍ .\r { لا فيها غولٌ } داءٌ ولا وجعٌ { ولا هم عنها ينزفون } لا تذهب بعقولهم .\r { وعندهم قاصرات الطرف } نساء لا ينظرن إلى غير أزواجهنَّ { عين } نُجْل العيون .\r { كأنهن بيض } في صفاء لونها { مكنون } يستره ريش النَّعام .\r { فأقبل بعضهم } يعني : أهل الجنَّة { على بعض يتساءلون } عمَّا مرَّ بهم .\r { قال قائل منهم إني كان لي قرين } يعني : الذين قصَّ الله خبرهما في سورة الكهف ، كان يقول له قرينه : \r { أَإِنّك لمن المصدقين } ممَّن يصدِّق بالبعث والجزاء؟ وقوله : \r { أإنَّا لمدينون } أَيْ : مجزيون .\r { قال } الله سبحانه لأهل الجنَّة : { هل أنتم مطلعون } إلى النَّار .\r { فاطلع } المسلم فرأى قرينه الكافر { في سواء الجحيم } وسطه ، فقال له : \r { تالله إن كدت لَتُرِديْنَ } تهلكني وتضلُّني .","part":1,"page":779},{"id":780,"text":"{ ولولا نعمة ربي } عصمته ورحمته { لكنت من المحضرين } في النَّار .\r { أفما نحن بميتين } . { إلاَّ موتتنا الأولى } يقوله أهل الجنَّة للملائكة حين يُذبح الموت ، فتقول الملائكة : لا ، فيقولون : { إنَّ هذا لهو الفوز العظيم } . { لمثل هذا فليعمل العاملون } .\r { أذلك } الذي ذكرتُ من نعيم أهل الجنَّة { خيرٌ نُزُلاً أم شجرة الزقوم } .\r { إنا جعلناها فتنة للظالمين } افتتنوا بها ، وكذَّبوا بكونها فصارت فتنةً لهم ، وذلك أنَّهم أنكروا أن يكون في النَّار شجرة . قال الله تعالى : \r { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } أصلها في قعر جهنَّم .\r { طلعها } ثمرها { كأنَّه رؤوس الشياطين } في القبح وكراهية المنظر .","part":1,"page":780},{"id":781,"text":"{ ثمَّ إنَّ لهم عليها } على شجرة الزَّقوم { لشوباً } خلطاً ومزاجاً { من حميم } ماءٍ حارٍ .\r { ثم إنَّ مرجعهم } مرجع الكفَّار { لإِلى الجحيم } الذي يجمع هذه الأشياء .","part":1,"page":781},{"id":782,"text":"{ يهرعون } أَيْ : يزعجون إلى أتباعهم .","part":1,"page":782},{"id":783,"text":"{ ولقد نادانا نوح } يعني : قوله : { إنِّي مغلوبٌ فانتصر } { فلنعم المجيبون } نحن .\r { ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } يعني : الغرق .\r { وجعلنا ذريته هم الباقين } لأنَّ الخلق كلَّهم أُهلكوا إلاَّ مَنْ كان معه في سفينته ، وكانوا من ذرِّيَّته .\r { وتركنا عليه في الآخرين } فيمن يأتي بعده ثناءً حسناً ، وهو أن يُصلَّى عليه ويُسلَّم ، وهو معنى قوله : { سلام على نوح في العالمين } .","part":1,"page":783},{"id":784,"text":"{ وإن من شيعته } أهل دينه وملَّته { لإِبراهيم } .\r { إذ جاء ربه بقلب سليم } من الشِّرك .","part":1,"page":784},{"id":785,"text":"{ فما ظنكم برب العالمين } قال إبراهيم عليه السَّلام لقومه وهم يعبدون الأصنام : أَيُّ شيءٍ ظنُّكم بربِّ العالمين وأنتم تعبدون غيره؟\r { فنظر نظرة في النجوم } وذلك أنَّه كان لقومه من الغد عيدٌ يخرجون إليه ، ويضعون أطعمتهم بين يدي أصنامهم لتبرِّك عليها زعموا ، فقالوا لإِبراهيم : ألا تخرج معنا إلى عيدنا؟ فنظر إلى نجم وقال : \r { إني سقيم } وكانوا يتعاطون علم النُّجوم ، فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه ، واعتلَّ في التَّخلُّف من عيدهم بأنَّه يعتلُّ ، وتأوَّل في قوله : { سقيم } سأسقم .\r { فتولوا عنه مدبرين } أدبروا عنه إلى عيدهم وتركوه .\r { فراغ } فمال { إلى آلهتهم فقال } إظهاراً لضعفها وعجزها { ألا تأكلون } من هذه الأطعمة .","part":1,"page":785},{"id":786,"text":"{ فراغ } فمال { عليهم } يضربهم { ضرباً باليمين } بيده اليمنى .\r { فأقبلوا إليه } من عيدهم { يزفون } يسرعون . فقال لهم إبراهيم محتجاً .\r { أتعبدون ما تنحتون } . { والله خلقكم وما تعملون } من نحتكم وجميع أعمالكم .\r { قالوا ابنوا له بنياناً } حظيرة واملؤوه ناراً ، وألقوا إبراهيم في تلك النَّار .\r { فأرادوا به كيداً } حين قصدوا إحراقه بالنَّار { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين ، لأنَّه علاهم بالحجَّة والنُّصرة .\r { وقال إني ذاهب إلى ربي } إلى المكان الذي أمرني بالهجرة إليه { سيهدين } يثبتني على الهدى .\r { رب هب لي } ولداً { من الصالحين } .\r { فبشرناه بغلام حليم } سيِّدٍ يُوصف بالحلم .\r { فلما بلغ } ذلك الغلام { معه السعي } أَيْ : أدرك معه العمل { قال : يا بنيَّ إني أرى في المنام أني أذبحك } وذلك أنَّه أُمر في المنام بذبح ولده { فانظر ماذا ترى } ما الذي تراه فيما أقول لك ، هل تستسلم له؟ فاستسلم الغلام و { قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين } .\r { فلما أسلما } انقادا لأمر الله { وتلَّه للجبين } صرعه على أحد جنبيه .\r { وناديناه أن يا إبراهيم } . { قد صدَّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين } .\r { إنّ هذا لهو البلاء المبين } الاختيار الظاهر . يعني : حين اختبره بذبح ولده ، فانقاد وأطاع .\r { وفديناه بذبحٍ } بكبشٍ { عظيم } لأنَّه رعى في الجنَّة أربعين خريفاً ، وكان الكبش الذي تُقبِّل من ابن آدم عليه السَّلام .","part":1,"page":786},{"id":787,"text":"{ ولقد مننا على موسى وهارون } بالنُّبوَّة .\r { ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم } يعني : الغرق .","part":1,"page":787},{"id":788,"text":"{ أتدعون بعلاً } يعني : صنماً كان لهم .","part":1,"page":788},{"id":789,"text":"{ فكذبوه فإنهم لمحضرون } في النَّار .\r { إلاَّ عباد الله المخلصين } من قومه .","part":1,"page":789},{"id":790,"text":"{ سلام على إِلْ ياسين } يعني : إلياس عليه السَّلام . وقيل : يعني قومه ممَّن ينتسب إلى اتَّباعه .","part":1,"page":790},{"id":791,"text":"{ إذ أبق } هرب { إلى الفلك المشحون } السَّفينة المملوءة حين ذهب مُغاضباً ، فوقفت السَّفينة ولم تجرِ ، فقارعه أهل السَّفينة فخرجت القرعة عليه ، فخرج منها وألقى نفسه في البحر ، فذلك قوله : \r { فساهم } فقارع { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة .\r { فالتقمه } فابتلعه { الحوت وهم مليم } أتى بما يُلام عليه .\r { فلولا أنَّه كان من المسبحين } من المُصلِّين قبل ذلك .\r { للبث في بطنه } في بطن الحوت إلى يوم القيامة .\r { فنبذناه } طرحناه { بالعراء } وجه الأرض { وهو سقيم } عليلٌ كالفرخ الممعَّط .\r { وأنبتنا عليه } عنده { شجرة من يقطين } وهو القرع ليستظلَّ بها .\r { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } بل يزيدون .\r { فآمنوا فمتعناهم إلى حين } إلى انقضاء آجالهم .\r { فاستفتهم } فسل يا محمَّد أهلَ مكَّة { ألربك البنات ولهم البنون } وذلك أنَّهم كانوا يزعمون أنَّ الملائكة بنات الله .\r { أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون } حاضرون خلقنا إيَّاهم .","part":1,"page":791},{"id":792,"text":"{ أَصطفى البنات على البنين } أتَّخذ البنات دون البنين فاصطفاها ، وجعل لكم البنين؟ كقوله : { أفأصفاكم ربُّكم بالبنين واتَّخذَ من الملائكة إِناثاً . }","part":1,"page":792},{"id":793,"text":"{ أم لكم سلطان } برهانٌ { مبين } على أنَّ لله ولداً .\r { فأتوا بكتابكم } الذي فيه حُجَّتكم { إن كنتم صادقين } .\r { وجعلوا بينه وبين الجنة } يعني : الملائكة { نسباً } حين قالوا : إنَّهم بنات الله . { ولقد علمت الجنة } الملائكة { إنهم لمحضرون } أنَّ الذين قالوا هذا القول محضرون في النَّار .","part":1,"page":793},{"id":794,"text":"{ إلاَّ عباد الله المخلصين } فإنهم ناجون من النَّار .\r { فإنكم وما تعبدون } من الأصنام .\r { وما أنتم عليه بفاتنين } لا تفتنون أحداً على ما يعبدون ولا تضلونه .\r { إلاَّ مَنْ هو صال الجحيم } أَيْ : إلا مَنْ هو في معلوم الله أنَّه يدخل النَّار .\r { وما منا إلاَّ له } هذا من قول الملائكة ، والمعنى : ما منَّا مَلَكٌ إلاَّ له { مقام معلوم } من السَّماء يعبد الله سبحانه هناك .\r { وإنا لنحن الصافون } في الصَّلاة .\r { وإنا لنحن المسبحون } المُصلُّون .\r { وإن كانوا ليقولون } كان كفار مكَّة يقولون : لو جاءنا كتابٌ كما جاء غيرنا من الأوَّلين لأخلصنا عبادة الله سبحانه ، فلمَّا جاءهم كفروا به .","part":1,"page":794},{"id":795,"text":"{ فسوف يعلمون } عاقبة كفرهم .\r { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } .\r { إنهم لهم المنصورون } .\r { وإن جندنا لهم الغالبون } أَيْ : تقدَّم الوعد بنصرتهم ، وهو قوله : { كَتَبَ اللَّهُ لأغلبنَّ أنا ورسلي } { فَتَوَلَّ عنهم حتى حين } حتى تنقضي المدة التي أمهلوا فيها .\r { وأَبْصرْهم } انظر إليهم إذا عذِّبوا { فسوف يبصرون } ما أنكروا .\r { أفبعذابنا يستعجلون } وذلك أنَّهم كانوا يقولون : متى هذا الوعد؟\r { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم } بِفِنائهم { فَسَاءَ صباح المنذرين } .","part":1,"page":795},{"id":796,"text":"{ وأبصر } انظر فبئس ما يصبحون عند ذلك .","part":1,"page":796},{"id":797,"text":"{ ص } صدق الله { والقرآن ذي الذكر } ذي الشَّرف .\r { بل الذين كفروا في عزَّة } امتناعٍ من الدِّين { وشقاق } خلافٍ وعداوةٍ .\r { كم أهلكنا } هذا جواب القسم ، اعترض بينهما قوله : { بل الذين كفروا } .\r { فنادوا } بالاستغاثة عند الهلاك { ولات حين مناص } وليس حين منجىً وفوت .\r { وعجبوا } يعني : أهل مكَّة { أن جاءهم منذر منهم } محمَّد A .\r { أجعل الآلهة إلهاً واحداً } وذلك أنَّهم اجتمعوا عند أبي طالب يشكون إليه النبيَّ صلى الله عيله وسلم ، فقال النبيُّ A : إني أدعوكم إلى كلمة التَّوحيد لا إله إلاَّ الله ، فقالوا : كيف يسع الخلق كلَّهم إلهٌ واحد؟ { إنَّ هذا } الذي يقوله { لشيء عجاب } عجيب .\r { وانطلق الملأ منهم } نهضوا من مجلسهم ذلك ، يقول بعضهم لبعض : { امشوا واصبروا على آلهتكم إنَّ هذا } الذي يقوله محمَّد { لشيءٌ يراد } أَيْ : لأَمرٌ يُراد . بنا ، ومكرٌ يمكر علينا .\r { ما سمعنا بهذا } الذي يقوله { في الملَّة الآخرة } فيما أدركنا عليه آباءنا { إن هذا إلاَّ اختلاق } زورٌ وكذب .\r { أَأنزل عليه الذكر من بيننا } كيف خُصَّ بالوحي من جملتنا؟ قالوا هذا حسداً له على النُّبوَّة . قال الله تعالى : { بل هم في شك من ذكري } أَيْ : وَحْيِي [ أَيْ : حين قالوا : اختلاق ] { بل لما يذوقوا عذاب } ولو ذاقوه لأيقنوا وصدَّقوا .\r { أم عندهم خزائن رحمة ربك } أَيْ : مفاتيح النُّبوَّة حتى يعطوا النُّبوَّة مَن اختاروا .","part":1,"page":797},{"id":798,"text":"{ أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما } يعني : إنَّ ذلك لله عزَّ وجلَّ فيصطفي مَنْ يشاء { فليرتقوا في الأسباب } أَيْ : إن ادَّعوا شيئاً من ذلك فليصعدوا فيما يوصلهم إلى السَّماء ، وليأتوا منها بالوحي إلى مَنْ يختارون ، ثمَّ وعد نبيَّه النَّصر فقال : \r { جند ما هنالك } أَيْ : هم جندٌ هنالك { مهزوم } مغلوبٌ { من الأحزاب } كالقرون الماضية الذين قُهروا وأُهلكوا ، وهذا إخبارٌ عن هزيمتهم ببدرٍ ، ثمَّ عزَّى نبيَّه عليه السَّلام فقال : \r { كذبت قبلهم قوم نوح وعادٌ وفرعون ذو الأوتاد } ذو الملك الشَّديد .","part":1,"page":798},{"id":799,"text":"{ إنْ كلٌّ } ما كلٌّ من هؤلاء { إلاَّ كذَّب الرسل فحقَّ } فوجب { عقاب } .\r { وما ينظر هؤلاء } أَيْ : ما ينتظر هؤلاء كفار مكَّة { إلاَّ صيحة واحدة } وهي نفخة القيامة { ما لها من فواق } رجوعٌ ومردٌّ .\r { وقالوا ربنا عجِّلْ لنا قطنا } كتابنا وصحيفة أعمالنا { قبل يوم الحساب } وذلك لمَّا نزل قوله : { فأمَّا مَنْ أوتي كتابه بيمينه } { وأمَّا مَنْ أوتي كتابه بشماله } سألوا ذلك ، فنزلت هذه الآية . وقوله : \r { داود ذا الأيد } أي : ذا القوَّة في العباد { إنَّه أوَّابٌ } رجَّاع إلى الله سبحانه .\r { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن } يجاوبنه بالتَّسبيح { بالعشي والإِشراق } يعني : الضُّحى .\r { والطير } أَيْ : وسخَّرنا الطَّير { محشورة } مجموعةً { كلٌّ له } لداود { أواب } مطيعٌ يأتيه ويسبِّح معه .\r { وشددنا ملكه } بالحرس ، وكانوا ثلاثةً وثلاثين ألف رجلٍ يحرسون كلَّ ليلةٍ محرابه . { وآتيناه الحكمة } الإِصابة في الأمور { وفصل الخطاب } بيان الكلام ، والبصر في القضاء ، وهو الفصل بين الحقِّ والباطل .\r { وهل أتاك نبأ الخصم } يعني : الملكين اللذين تصوَّرا في صورة خصمين من بني آدم { إذ تسوروا المحراب } علوا غرفة داود عليه السَّلام .\r { إذ دخلوا على داود ففزع منهم } لأنَّهما دخلا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم { قالوا لا تخف خصمان } أَيْ : نحن خصمان { بغى بعضنا على بعض } أَيْ : ظلم بعضنا بعضاً { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } ولا تَجُرْ { واهدنا إلى سواء الصراط } إلى طريق الحقِّ .\r { إنَّ هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجة } يعني : امرأة { ولي نعجة واحدة } أَي : امرآةٌ { فقال : أكفلنيها } أَي : انزل عنها واجعلني أنا أكفلها { وعزَّني في الخطاب } غلبني في الاحتجاج لأنَّه أقوى مني . وأقدر على النُّطق ، وهذا القول من الملكين على التّمثيل لا على التَّحقيق ، كأنَّ القائل منهما قال : نحن كخصمين هذه حالهما ، فلمَّا قال هذا أحد الخصمين اعترف له الآخر .","part":1,"page":799},{"id":800,"text":"{ قال } داود عليه السَّلام : { لقد ظلمك بسؤال نعجتك } أَيْ : بسؤاله إيَّاك نعجتك : امرأتك أن يضمَّها { إلى نعاجه ، وإن كثيراً من الخلطاء } الشُّركاء { ليبغي بعضهم على بعض إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما هم } [ وقليلٌ هم ] { وظنَّ داود } علم عند ذلك { إنّما فتناه } ابتليناه بتلك المرأة التي أحبَّ أن يتزوَّجها ، ثمَّ تزوَّجها بعد قتل زوجها { فاستغفر ربه } ممَّا فعل ، وهو محبَّته يتزوَّج امرأةَ مَنْ له امرأةٌ واحدةٌ ، وله تسع وتسعون امرأةً { وخرَّ راكعاً } سقط للسُّجود بعد ما كان راكعاً { وأناب } رجع إلى الله سبحانه بالتَّوبة .\r { فغفرنا له ذلك وإنَّ له عندنا } بعد المغفرة { لزلفى } قربةً { وحسن مآب } مرجع .\r { يا داود إنَّا جعلناك خليفة في الأرض } أَيْ : عَنْ مَنْ قبلك من الأنبياء ، وقوله : { بما نسوا يوم الحساب } أَيْ : تركوا الإِيمان به والعمل له .\r { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً } إلاَّ لأمرٍ صحيحٍ ، وهو الدَّلالة على قدرة خالقهما وتوحيده وعبادته .","part":1,"page":800},{"id":801,"text":"{ الصافناتُ الجياد } أي : الخيل القائمة .\r { فقال : إني أحببت حبَّ الخير عن ذكر ربي } آثرت حبَّ الخير ، أي : الخيل ، على ذكر الله حتى فاتني في وقته { حتى توارت } الشَّمس { بالحجاب } أَيْ : غربت ، وقوله : \r { فطفق مسحاً بالسوق والأعناق } أَيْ : أقبل يقطع سوقها وأعناقها ، ولم يفعل ذلك إلاَّ لإِباحة الله عزَّ وجلَّ له ذلك ، وقوله : \r { ولقد فتنا سليمان } ابتليناه { وألقينا على كرسيِّه جسداً } شيطاناً تصوَّر في صورته ، وذلك أنَّه تزوَّج امرأة وهويها ، وعبدت الصَّنم في داره بغير علمه ، فنزع الله ملكه أيَّاماً ، وسلَّط شيطاناً على مملكته ، ثمَّ تاب سليمان وأعاد الله عليه ملكه ، فسأل الله أن يهب له ملكاً يدلُّ على أنَّه غفر له ، وردَّ عليه ما نزع منه ، وهو قوله : \r { وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي } . وقوله : \r { رخاءً } أي : ليِّنةً مُطيعةً سريعةً { حيث أصاب } أراد وقصد سليمان عليه السَّلام .\r { والشياطين } أَيْ : وسخَّرنا له { كلَّ بناء } من الشَّياطين مَنْ يبنون له { وغوَّاص } يغوصون في البحر ، فيستخرجون ما يريد .\r { وآخرين مقرنين في الأصفاد } وسخَّرنا له مردة الشَّياطين حتى قرنهم في السَّلاسل من الحديد ، وقلنا له : \r { هذا } الذي أعطيناك { عطاؤنا فامنن } أَيْ : أعطِ { أو أمسك بغير حساب } عليك في إعطائه ولا إمساكه ، وهذا مما خصَّ به .","part":1,"page":801},{"id":802,"text":"{ بنصب } أَيْ : بتعبٍ ومشقَّةٍ في بدني { وعذاب } في أهلي ومالي ، فقلنا له : \r { اركض برجلك } أَيْ : دُسْ وحرِّك برجلك في الأرض ، فداس فنبعت عين ماءٍ ، فاغتسل به حتى ذهب الدّاء من ظاهره ، ثمَّ شرب منه فذهب الدَّاء من باطنه .\r { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب } مُفسَّرةٌ في سورة الأنبياء عليهم السَّلام .\r { وخذ بيدك ضغثاً } حزمةً من الحشيش { فاضرب به } امرأتك { ولا تحنث } في يمينك . وقوله : \r { أولي الأيدي } أَيْ : ذوي القوَّة في العبادة { والأبصار } البصائر في الدِّين .\r { إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار } أَيْ : جعلناهم يُكثرون ذكر الدَّار الآخرة والرُّجوع إلى الله تعالى .","part":1,"page":802},{"id":803,"text":"{ من الأخيار } جمع خيِّر .\r { هذا ذكر } شرفٌ وذكرٌ جميلٌ يُذكرون به أبداً { وإنَّ للمتقين } مع ذلك { لحسن مآب } مرجعٍ في الآخرة ، ثمَّ بيَّن ذلك المرجع فقال : \r { جنات عدن } .","part":1,"page":803},{"id":804,"text":"{ أتراب } [ أقرانٌ وأمثالٌ ] أسنانهنَّ واحدةٌ .","part":1,"page":804},{"id":805,"text":"{ هذا وإنَّ للطاغين } أي : الأمر هذا الذي ذكرت .","part":1,"page":805},{"id":806,"text":"{ هذا فليذوقوه حميمٌ وغساق } أَيْ : هذا حميمٌ وغسَّاقٌ فليذوقوه ، والغسَّاق : ما سال من جلود أهل النَّار .\r { وآخر } أَيْ : وعذابٌ آخر { من شكله } من مثل ذلك الأوَّل { أزواج } أنواع فإذا دخلت الرُّؤساء النَّار ، ثمَّ دخل بعدهم الأتباع قالت الملائكة : \r { هذا فوج } جماعةٌ { مقتحمٌ معكم } داخلوا النَّار ، فقال الرُّؤساء : { لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار } كما صليناها ، فقال الأتباع : \r { بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمتموه لنا } شرعتم وسنتتم الكفر لنا { فبئس القرار } قرارانا وقراراكم .\r { قالوا } أي : الأتباع { ربنا مَنْ قدَّم لنا هذا } شرعه وسنَّه { فزده عذاباً ضعفاً في النار } كقوله : { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } { وقالوا } يعني : صناديد قريش : { ما لنا لا نرى رجالاَ كنَّا نعدُّهم من الأشرار } أي : فقراء المسلمين .\r { أتخذناهم سخرياً } كنَّا نسخر بهم في الدَّنيا ، أَمفقودون هم؟ { أم زاغت عنهم الأبصار } فلا نراهم ها هنا .\r { إن ذلك } الذي ذكرنا عن أهل النَّار { لحق } ثمَّ بيَّن ما هو فقال : { تخاصم أهل النار } .","part":1,"page":806},{"id":807,"text":"{ قل هو نبأٌ عظيم } أَي : القرآن الذي أنبأكم به وجئتكم فيه بما لا يُعلم إلاَّ بوحي .","part":1,"page":807},{"id":808,"text":"{ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى } وهم الملائكة { إذ يختصمون } في شأن آدم عليه السَّلام . يعني : قولهم : { أتجعل فيها مَنْ يفسد فيها . . . } الآية .","part":1,"page":808},{"id":809,"text":"{ لما خلقت بيدي } أَيْ : تولَّيت خلقه ، وهذا اللَّفظ ذُكر تخصيصاً وتشريفاً لآدم عليه السَّلام ، وإن كان كلُّ شيءٍ يتولَّى الله خلقه دون غيره .","part":1,"page":809},{"id":810,"text":"{ قال فالحقُّ والحقَّ أقول } أَيْ : فبالحقِّ أقول ، وأقول الحقَّ [ قَسمٌ جوابه ] : { لأملأنَّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } .\r { قل ما اسألكم عليه } على تبليغ الرِّسالة { من أجر وما أنا من المتكلفين } المُتقوِّلين للقرآن من تلقاء نفسي .\r { إن هو } ليس القرآن { إلاَّ ذكر } عظةٌ { للعالمين } .\r { ولتعلمنَّ } أنتم أيُّها المشركون { نبأه } ما أخبرتكم فيه من البعث والقيامة { بعد حين } بعد الموت .","part":1,"page":810},{"id":811,"text":"{ تنزيل الكتاب } ابتداءٌ ، وخبرُه قوله : { من الله العزيز الحكيم } . وقوله : \r { مخلصاَ له الدين } أَيْ : الطَّاعة ، والمعنى : اعبده مُوحِّداً لا إله إلاَّ هو .\r { ألا لله الدين الخالص } أَيْ : الطَّاعة لا يستحقُّها إلاَّ الله تعالى ، ثمَّ ذكر الذين يعبدون غيره فقال : { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم } أَيْ : ويقولون : { ما نعبدهم إلاَّ ليُقَرِّبونا إلى الله زلفى } أَيْ : قربى { إنَّ الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون } من أمر الدِّين ، ثمَّ ذكر أنَّه لا يهدي هؤلاء ، فقال : { إنَّ الله لا يهدي مَنْ هو كاذب } في إضافة الولد إلى الله تعالى { كفار } يكفر نعمته بعبادة غيره ، ثمَّ ذكر براءته عن الولد فقال : \r { لو أراد الله أن يتخذ ولداً } كما يزعم هؤلاء { لاصطفى } لاختار { ممَّا يخلق ما يشاء ، سبحانه } تنزيهاً له عن الولد . وقوله : \r { يكور الليل على النهار } أَيْ : يدخل أحدهما على الآخر .\r { خلقكم من نفس واحدة } يعني : آدم عليه السَّلام { ثمَّ جعل منها زوجها } حوَّاء { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } مشروحٌ في سورة الأنعام ، وقوله : { خلقاً من بعد خلق } أَيْ : نطفةً ، ثمَّ علقةً ، ثمَّ مضغةً { في ظلمات ثلاث } ظلمة البطن ، وظلمة الرَّحم ، وظلمة المشيمة { فأنى تُصرفون } عن عبادته إلى عبادة غيره بعد هذا اليبان! وقوله : \r { ولا يرضى لعباده الكفر } أَيْ : المؤمنين المخلصين منهم ، كقوله : { عيناً يشرب بها عباد الله } . { وإن تشكروا } أَيْ : إن تطيعوا ربَّكم { يرضه لكم } يرض الشُّكر لكم ويُثبكم عليه .","part":1,"page":811},{"id":812,"text":"{ وإذا مسَّ الإنسان } يعني : الكافر { ضرٌّ دعا ربَّه منيباً إليه } راجعاً { ثمَّ إذا خَوَّلَهُ } أعطاه { نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل } نسي الله الذي كان يتضرَّع إليه من قبل النِّعمة ، وترك عبادته { قل } يا محمَّد عليه السَّلام لمن يفعل ذلك : { تمتع بكفرك قليلاًَ إنك من أصحاب النار } . وهذا تهديدٌ .\r { أم مَنْ هو قانت } قائمٌ مطيعٌ لله { آناء الليل } أوقاته { يحذر } عذاب { الآخرة } كمَنْ هو عاص؟ ثمَّ ضرب لهما مثلاً فقال : { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } أَيْ : هل يستوي العالم والجاهل؟ كذلك لا يستوي المطيع والعاصي . { إنما يتذكر أولوا الألباب } إنَّما يتَّعظ بوعظ الله ذوو العقول . وقوله : \r { للذين أحسنوا في هذه الدنيا } وحَّدوا الله تعالى وعملوا بطاعته { حسنة } وهي الجنَّة { وأرض الله واسعة } فهاجروا فيها ، واخرجوا من بين الكفَّار { إنما يوفى الصابرون } على طاعة الله تعالى وما يبتليهم به { أَجْرَهُمْ بغير حساب } بغير مكيالٍ ولا ميزان .\r { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين } أَيْ : مُوحِّداً .\r { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } من هذه الأُمَّة .","part":1,"page":812},{"id":813,"text":"{ قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } بالتَّخليد في النَّار { وأهليهم } لأنَّهم لم يدخلوا مدخلِ المؤمنين الذين لهم أهل في الجنَّة .\r { لهم من فوقهم ظللٌ } هذا كقوله { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم . . . } الآية ، وكقوله : { لهم من جهنَّم مهادٌ ومن فوقهم غواشٍ } { ذلك } الذي وصفت من العذاب { يخوِّف الله به عباده } .\r { والذين اجتنبوا الطاغوت } أَيْ : الأوثان { أن يعبدوها وأنابوا إلى الله } رجعوا إليه بالَّطاعة { لهم البشرى } بالجنَّة { فبشر عباد } .\r { الذين يستمعون القول } القرآن وغيره { فيتبعون أحسنة } وهو القرآن .\r { أفمن حقَّ عليه كلمةُ العذاب أفأنت } يا محمَّدُ { تنقذ } ه ، أَيْ : تُخرجه من النَّار ، أيْ : إنَّه لا يقدر إلى هدايته ، وقوله : \r { لهم غرفٌ من فوقها غرفٌ مبنية } أَيْ : لهم منازل في الجنَّة رفيعةٌ ، وفوقها منازل أرفع منها .\r { ألم تر أنَّ الله أنزل من السماء ماءً فسلكه } أدخل ذلك الماء { ينابيع في الأرض } وهي المواضع التي ينبع منها الماء ، وكلُّ ماءٍ في الأرض فمن السَّماء نزل . { ثم يخرج به } بذلك الماء { زرعاً مختلفاً ألوانه } خضرةً ، وحمرةً ، وصفرةً { ثمَّ يهيج } ييبس { فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً } دُقاقاً فتاتاً { إنَّ في ذلك لذكرى لأولي الألباب } يذكرون ما لهم من الدَّلالة في هذا على توحيد الله تعالى وقدرته .\r { أفمن شرح الله صدره } وسَّعه { للإِسلام فهو على نور من ربه } أَيْ : فاهتدى إلى دين الإِسلام ، كمَنْ طبع على قلبه ، ويدل على هذا المحذوف قوله : { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } .\r { والله نزل أحسن الحديث } أي : القرآن { كتاباً متشابهاً } يشبه بعضه بعضاً من غير اختلافٍ ولا تناقضٍ { مثاني } يثني فيه الأخبار والقصص ، وذكر الثَّواب والعقاب { تقشعر } تضطرب وتتحرَّك بالخوف { منه جلود الذين يخشون ربهم } يعني : عند ذكر آية العذاب { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } أَيْ : من آية الرَّحمة { ذلك هدى الله } أَيْ : ذلك الخشية من العذبا ورجاء الرَّحمة هدى الله .\r { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب } وهو الكافر يُلقي في النَّار مغلولاً ، فلا يتهيَّأ له أن يتَّقي النَّار إلاَّ بوجهه ، ومعنى الآية : أَفَمن هذه حاله كمَن يدخل الجنَّة؟","part":1,"page":813},{"id":814,"text":"{ غير ذي عوج } أَيْ : ليس فيه اختلافٌ وتضادٌّ ، ثمَّ ضرب مثلاً للموحِّد والمشرك فقال : \r { ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون } متنازعون سيِّئةٌ أخلاقهم ، وكلُّ واحدٍ يستخدمه بقدر نصيبه ، وهذا مَثَلُ المشرك الذي يعبد آلهةً شتى { ورجلاً سالماً } خالصاً لرجل وهو الذي يعبد الله وحده { هل يستويان مثلاً } أَيْ : هل يستوي مَثَل الموحِّد ومَثَل المشرك؟ { الحمد لله } وحده دون غيره من المعبودين { بل أكثرهم لا يعلمون } مفسَّر في سورة النَّحل . ثمَّ ذكر أنهم يموتون ويرجعون إلى الله فيختصمون عنده ، فقال : \r { إنك ميت وإنهم ميتون } { ثمَّ إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } يعني : المؤمن والكافر ، والمظلوم والظَّالم .\r { فمن أظلم ممن كذب على الله } وزعم أنَّ له ولداً وشريكاً { وكذَّب بالصدق } بالقرآن { إذ جاءه } على لسان الرَّسول . { أليس في جهنَّم مثوى } مقامٌ ومنزلٌ لهؤلاء .\r { والذي جاء بالصدق } يعني : محمداً A جاء بالقرآن { وصدَّق } أبو بكر Bه ثمَّ المؤمنون بعده .","part":1,"page":814},{"id":815,"text":"{ أليس الله بكافٍ عبده } يعني : محمداً صلوات الله عليه ، ينصره ويكفيه أمر مَنْ يُعاديه { ويخوفونك بالذين من دونه } أَيْ : يُخوِّفونك بأوثانهم ، يقولون : إنَّك لتعيبها ، وإنَّها لتصيبنَّك بسوء ، ثمَّ بيَّن أنَّهم مع عبادتهم الأوثان يُقرُّون بأنَّ الخالق هو الله .","part":1,"page":815},{"id":816,"text":"{ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنَّ الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله } الأوثان . { إن أرادني بضرٍّ } بلاءٍ وشدَّةٍ . هل يكشفنَ ذلك عني { أو أرادني برحمة } نعمةٍ . هل يمسكن ذلك عني؟ وهذا بيان أنَّها لا تنفع ولا تدفع .","part":1,"page":816},{"id":817,"text":"{ الله يتوفى الأنفس } يقبض الأرواح { حين } عند { موتها والتي لم تمت } أَيْ : ويقبض روح التي لم تمت { في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت } أَيْ : يمسك أنفس الأموات عنده ، { ويرسل الأخرى } أنفس الأحياء [ إذا أنتبهوا من منامهم يردُّ عليهم أرواحهم ] { إلى أجل مسمى } وهو أجل الموت .\r { أم اتخذوا من دون الله شفعاء } أَيْ : الأوثان التي عبدوها لتشفع لهم . { قل أَوَلَوْ كانوا لا يملكون شيئاً } من الشَّفاعة { ولا يعقلون } أنَّهم يعبدونهم لا يتركون عبادتهم .\r { قل لله الشفاعة جميعاً } فليس يشفع أحدٌ إلاَّ بإذنه .\r { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } كان المشركون إذا سمعوا قول لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له نفروا من ذلك ، وإذا ذكر الأوثان فرحوا ، و { اشمأزَّت } : نفرت .","part":1,"page":817},{"id":818,"text":"{ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } في الدُّنيا أنَّه نازلٌ بهم في الآخرة .","part":1,"page":818},{"id":819,"text":"{ إنما أوتيته على علمٍ } أُعطيته على شرفٍ وفضلٍ ، وكنت علمتُ أنِّي سأُعطى هذا باستحقاقي { بل هي فتنة } أَيْ : تلك العطيَّة فتنةٌ من الله تعالى يبتلي به العبد ليشكر أو يكفر .\r { قد قالها الذين من قبلهم } يعني : قارون حين قال : { إنَّما أُوتيته على علمٍ عندي . }","part":1,"page":819},{"id":820,"text":"{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } بارتكاب الكبائر والفواحش ، نزلت في قومٍ من أهل مكَّة همُّوا بالإسلام ، ثمَّ قالوا : إنَّ محمداً يقول : إنَّ مَنْ عبد الأوثان ، واتَّخذ مع الله آلهةً ، وقتل النَّفس لا يُغفر له ، وقد فعلنا كلَّ هذا ، فأعلم الله تعالى أنَّ مَنْ تاب وآمن غفر الله له كلَّ ذنب ، فقال : { لا تقنطوا من رحمة الله . . . } الآية .\r { وأنيبوا إلى ربكم } أَيْ : ارجعوا إليه الطَّاعة { وأسلموا } وأطيعوا { له } .\r { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم } أَيْ : القرآن ، كقوله : { اللَّهُ نزَّل أَحسنَ الحَديثِ } وقوله : \r { أن تقول نفس يا حسرتى } أَيْ : افعلوا ما أمرتكم به من الإنابة واتِّباع القرآن خوفَ أن تصيروا إلى حالةٍ تقولون فيها هذا القول . وقوله : { على ما فرطت في جنب الله } أَيْ : قصَّرت في طاعة الله ، وسلوك طريقة { وإن كنت لمن الساخرين } أَيْ : ما كنت إلاَّ من المستهزئين بدين الله تعالى وكتابه .","part":1,"page":820},{"id":821,"text":"{ وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم } بمنجاتهم من العذاب ، والمفازة ها هنا بمعنى الفوز .","part":1,"page":821},{"id":822,"text":"{ له مقاليد السموات والأرض } أَيْ : مفاتيح خزائنها ، فكلُّ شيء في السموات والأرض؛ واللَّهُ فاتحُ بابه .\r { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } هذا جواب الذين دعوه إلى دين آبائه .","part":1,"page":822},{"id":823,"text":"{ والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة } أَيْ : ملكه من غير منازعٍ ، كما يقال : هو في قبضة فلان : إذا ملك التَّصرُّف فيه وإن لم يقبض عليه بيده ، { والسموات مطويات } كقوله : { يوم نطوي السَّماء } { بيمينه } أَيْ : بقوَّته . وقيل : بقسمه؛ لأنَّه حلف أنَّه يطويها .\r { ونفخ في الصور فصعق } أَيْ : مات { مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض إلاَّ من شاء الله } قيل : هم الشُّهداء ، وهم أحياءٌ عند ربِّهم . وقيل : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وحملة العرش عليهم السَّلام . { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ينتظرون أمر الله فيهم .\r { وأشرقت الأرض } أُلبست الإِشراق عَرَصَاتُ القيامة { بنور ربها } وهو نورٌ يخلقه الله في القيامة يلبسه وجه الأرض { ووضع الكتاب } أَيْ : الكتب التي فيها أعمال بني آدم { وجيء بالنبيين والشهداء } الذين يشهدون للرُّسل بالتَّبليغ .","part":1,"page":823},{"id":824,"text":"{ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً } جماعاتٍ وأفواجاً .","part":1,"page":824},{"id":825,"text":"{ طبتم } أَيْ : كنتم طيِّبين في الدُّنيا . وقوله : \r { وأورثنا الأرض } أَيْ : أرض الجنَّةَ { نتبوَّأ من الجنة } نتَّخذ منها منازل { حيث نشاء فنعم أجر العاملين } ثواب المطيعين .\r { وترى الملائكة حافين من حول العرش } محيطين به { وقضي بينهم } أيْ : حُكم بين أهل الجنَّة والنَّار . { وقيل الحمد لله رب العالمين } .","part":1,"page":825},{"id":826,"text":"{ حم } قُضي ما هو كائن .\r { تنزيل الكتاب } ابتداءٌ ، وخبره : { من الله العزيز العليم } .\r { غافر الذنب } لمن قال لا إله إلاَّ الله { وقابل التوب } ممن قال : لا إله إلاَّ الله { شديد العقاب } لمَنْ لم يقل لا إله إلاَّ الله . { ذي الطول } الغنى والسَّعة .\r { ما يجادل في آيات الله } أَيْ : في دفعها وإبطالها . { فلا يغررك تقلبهم } تصرُّفهم { في البلاد } للتِّجارت ، أَيْ : سلامتهم بعد كفرهم حتى إنَّهم يتصرَّفون حيث شاؤوا؛ فإنَّ عاقبتهم كعاقبة مَنْ قبلهم من الكفَّار ، وهو قوله : \r { كذبت قبلهم قوم نوحٍ والأحزاب من بعدهم } أي : الذين تحزَّبوا على انبيائهم بالمخالفة والعداوة كعادٍ وثمود { وهمَّت كلُّ أمة برسولهم ليأخذوه } أَيْ : قصدت كلُّ أمة رسولها ليتمكَّنوا منه فيقتلوه { وجادلوا } بباطلهم { ليدحضوا } ليدفعوا { به الحق فأخذتهم } فعاقبتهم { فكيف كان عقاب } استفهام تقرير .\r { وكذلك } ومثل ما ذكرنا { حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } يعني : قوله : { لأملأنَّ جهنم منك وممن تبعك . . . } الآية . ثمَّ أخبر بفضل المؤمنين وأنَّ الملائكة يستغفرون لهم فقال : \r { الذين يحملون العرش ومَنْ حوله } من الملائكة ، وقوله : { ربنا وسعت كلَّ شيءٍ رحمةً وعلماً } أَيْ : وسعت رحمتك كلَّ شيء ، وعلمتَ كلَّ شيء .","part":1,"page":826},{"id":827,"text":"{ إن الذين كفروا ينادون } وهم في النَّار وقد مقتوا أنفسهم حين وقعوا في العذاب . { لمقت الله } إيَّاكم في الدُّنيا إذ تُدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبرُ من مقتكم أنفسكم .\r { قالوا ربنا أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } وذلك أنَّهم كانوا أمواتاً نُطفاً ، فأُحيوا ثمَّ أُميتوا في الدُّنيا ، ثمَّ أُحيوا للبعث { فاعترفنا بذنوبنا } أي : أريتنا من الآيات ما أوجب علينا الإقرار بذنوبنا { فهل إلى خروج } من الدُّنيا { من سبيل } ؟ فقيل لهم : \r { ذلكم } العذاب { بأنَّه إذا دعي الله وحده كفرتم } [ نكرتم وحدانيته ] { وإن يشرك به تؤمنوا } تُصدِّقوا ذلك الشِّرك { فالحكم لله } في إنزال العذاب بكم لا يمنعه عن ذلك مانع .\r { هو الذين يريكم آياته } دلائل توحيده { وينزل لكم من السماء رزقاً } بالمطر { وما يتذكر } وما يتَّعظ بآيات الله { إلاَّ مَنْ ينيب } يرجع إلى الله بالإيمان .\r { فادعوا الله مخلصين له الدين } الطَّاعة .\r { رفيع الدرجات } رافعها لأهل الثَّواب في الجنَّة { ذو العرش } مالكه وخالقه { يلقي الروح } الوحي الذي تحيا به القلوب من موت الكفر { من أمره } من قوله { على مَنْ يشاء من عباده } على مَنْ يختصه بالرِّسالة { لينذر يوم التلاق } ليخوِّف الخلق يوم يلتقي أهل الأرض وأهل السَّماء ، أَيْ : يوم القيامة .\r { يوم هم بارزون } خارجون من قبورهم { لا يخفى على الله } من أعمالهم وأموالهم { شيء } يقول الله في ذلك اليوم : { لمن الملك اليوم } ثمَّ يجيب نفسه { لله الواحد القهار } .","part":1,"page":827},{"id":828,"text":"{ وأنذرهم يوم الآزفة } خوّفهم بيوم القيامة ، والآزقة ، القريبة { إذ القلوب لدى الحناجر } وذلك أنَّ القلوب ترتفع من الفزع إلى الحناجر { كاظمين } ممتلئين غمّاً وخوفاً وحزناً { ما للظالمين } أي : الكافرين { من حميم } قريبٍ { ولا شفيع يطاع } فيشفع فيهم .\r { يعلم خائنة الأعين } خيانة الأعين ، وهي مسارقتها النَّظر إلى ما لا يحلُّ .","part":1,"page":828},{"id":829,"text":"{ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بعلاماتنا التي تدلُّ على صحة نبوّته { وسلطان مبين } أيْ : حجَّةٍ ظاهرةٍ .","part":1,"page":829},{"id":830,"text":"{ فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه } وذلك أَنَّ فرعون أمر بإعادة القتل على الذُّكور من أولاد بني إسرائيل لمَّا أتاه موسى عليه السَّلام؛ ليصدَّهم بذلك عن متابعة موسى . { وما كيد الكافرين } مكر فرعون وسوء صنيعه { إلاَّ في ضلال } زوالٍ وبطلانٍ وذهابٍ .\r { وقال فرعون } لملَئهِ : { ذروني أقتل موسى وليدع ربه } الذي أرسله إلينا ، فيمنعه { إني أخاف أن يبدل دينكم } الذين أنتم عليه يبطله { أو أن يظهر في الأرض الفساد } أو يفسد عليكم دينكم إن لم يبطله ، فلمَّا توعَّده بالقتل قال موسى : \r { إني عذت بربي وربكم من كلِّ متكبر لا يؤمن بيوم الحساب } . وقوله : \r { يصبكم بعض الذي يعدكم } قيل : كلُّ الذي يعدكم .\r { يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض } هذا من قول مؤمن آل فرعون؛ أعلمهم أنَّ لهم الملك ظاهرين عالين على بني إسرائيل في أرض مصر ، ثمَّ أعلمهم أنَّ عذاب الله لا يدفعه دافع فقال : { فمن ينصرنا من بأس الله } أَيْ : مَنْ يمنعنا من عذابه { إن جاءنا } ؟ ف { قال فرعون } حين منع من قتله : { ما أُريكُمْ } من الرَّأي والنَّصيحة { إلاَّ ما أرى } لنفسي .\r { وقال الذين آمن } يعني : مؤمن آل فرعون : { يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } ثمَّ فسَّر ذلك فقال : \r { مثل دأب قوم نوح وعادٍ وثمود والذين من بعدهم } خوَّفهم إن أقاموا على كفرهم مثل حال هؤلاء حين عذِّبوا ، ثمَّ خوَّفهم بيوم القيامة . وهو قوله :","part":1,"page":830},{"id":831,"text":"{ إني أخاف عليكم يوم التناد } وذلك أنَّه يكثر النِّداء في ذلك اليوم ، يُنادى بالسَّعادة والشَّقاوة ، ويُنادى فيُدعى كلُّ أناسٍ بإمامهم .\r { يوم تولون مدبرين } مُنصرفين عن موقف الحساب إلى النَّار { ما لكم من الله } [ من عذاب الله ] { من عاصم } مانعٍ يمنعكم من عذاب الله .\r { ولقد جاءكم يوسف من قبل } أَيْ : من قبل موسى { بالبينات } بالآيات المعجزات { كذلك } مثل ذلك الضَّلال { يضل الله مَنْ هو مسرف } مشركٌ { مرتاب } شاكٌّ فيما أتى به الأنبياء .\r { الذين يجادلون في آيات الله } أَيْ : في إبطالها ودفعها { بغير سلطان } أَيْ : حُجَّةٍ { أتاهم كبر } ذلك الجدال { مقتاً } بغضاً .\r { وقال فرعون : يا هامان ابن لي صرحاً } قصراً طويلاً { لعلي أبلغ الأسباب } أبواب السَّموات وأطرافها التي تُوصلني إليها .\r { وإني لأظنه كاذباً } في ادِّعائه إلهاً دوني . { وكذلك } مثل ما وصفنا { زين لفرعون سوء عمله وصدَّ عن السبيل } ومُنع عن الإيمان { وما كيد فرعون إلاَّ في تباب } خسارٍ . يريد : أنه خسر كيده ولم ينفعه ذلك .\r { وقال الذي آمن } من قوم فرعون : { يا قوم اتَّبِعُون أهدكم سبيل الرشاد } طريق الصَّواب .\r { يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع } متعةٌ ينتفعون بها مدَّة ولا تبقى . وقوله :","part":1,"page":831},{"id":832,"text":"{ وأشرك به ما ليس لي به علم } أيْ : أشرك بالله شيئاً لا علم لي به أنَّه شريك له .\r { لا جرم } حقّاً { إنَّ ما تدعونني إليه ليس له دعوة } إجابة دعوة ، أَيْ : لا يستجيب لأحدٍ { في الدنيا ولا في الآخرة وأنَّ مردَّنا } مرجعنا { إلى الله } .\r { فستذكرون } إذا عاينتم العذاب { ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله } وذلك أنَّهم تَوَعَّدُوه لمخالفته دينهم .","part":1,"page":832},{"id":833,"text":"{ النار يعرضون عليها غدوّاً وعشياً } وذلك أنَّهم يُعرضون على النَّار صباحاً ومساءً ، ويقال لهم : هذه منازلكم إذا بعثتم .","part":1,"page":833},{"id":834,"text":"{ وقال الذين في النار لخزنة جهنم : ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب } .\r { قالوا : أَوَلَمْ تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا : بلى ، قالوا : فادعوا } أَيْ : فادعوا أنتم إذاً ، فإنَّا لن ندعو الله لكم { وما دعاء الكافرين إلاَّ في ضلال } هلاكٍ وبطلانٍ؛ لأنَّه لا ينفعهم .\r { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا } بظهور حجتهم ، والانتصار ممَّن عاداهم بالعذاب في الدُّنيا والآخرة { ويوم يقوم الاشهاد } الملائكةُ الذين يكتبون أعمال بني آدم .","part":1,"page":834},{"id":835,"text":"{ فاصبر } يا محمَّدُ { إنَّ وعد الله } في نصرتك وإهلاك أعدائك { حق وسبِّح بحمد ربك } صلِّ بالشُّكر منك لربِّك { بالعشي والإِبكار } أَيْ : طرفي النَّهار ، وقوله : \r { إن في صدورهم إلاَّ كبر ما هم ببالغيه } أَيْ : تكبُّرٌ وطمعٌ أن يعلوا على محمدٍ عليه السلام ، وما هم ببالغي ذلك { فاستعذ بالله } أي : فامتنع بالله من شرِّهم .\r { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس } أَيْ : أعظم في القدرة من إعادة النَّاس للبعث .","part":1,"page":835},{"id":836,"text":"{ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } اعبدوني أُثبكم وأغفر لكم ، وقوله : { داخرين } أي : صاغرين .","part":1,"page":836},{"id":837,"text":"{ كذلك يؤفك } أَيْ : كما صُرفتم عن الحقِّ مع قيام الدلائل يُصرف عن الحقِّ { الذين كانوا بآيات الله يجحدون } .","part":1,"page":837},{"id":838,"text":"{ ولتبلغوا أجلاً مسمَّى } أَيْ : وقتاً محدوداً لا تجاوزونه { ولعلكم تعقلون } ولكي تعقلوا أنَّ الذي فعل ذلك لا إله غيره .","part":1,"page":838},{"id":839,"text":"{ ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله } أيْ : في دفعها وإبطالها { أنى يصرفون } عن الحقِّ .","part":1,"page":839},{"id":840,"text":"{ والسلاسل يسحبون } يُجَرُّون .\r { في الحميم ثم في النار يسجرون } يُصيَّرون وقوداً للنَّار .\r { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون } .\r { من دون الله } أي : الأصنام . { قالوا ضلوا عنا } زالوا عنَّا وبطلوا ، فلا نراهم { بل لم نكن ندعو من قبل شيئاً } أَيْ : ضاعت عبادتنا ، فلم تكن تصنع شيئاً { كذلك } كما أضلَّهم { يضل الله الكافرين } .\r { ذلكم } العذاب الذي نزل بكم { بما كنتم تفرحون } بالباطل وتبطرون .","part":1,"page":840},{"id":841,"text":"{ فإمَّا نرينك بعض الذي نعدهم } من العذاب في حياتك { أو نتوفينك } قبل أن ينزل بهم ذلك { فإلينا يرجعون } . وقوله : \r { فإذا جاء أمر الله } بعذاب الأمم المُكذِّبة { قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون } أَيْ : تبيَّن خسران أصحاب الباطل .","part":1,"page":841},{"id":842,"text":"{ ولكم فيها منافع } من الصُّوف والوبر ، والدَّرِّ والنَّسل { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } من حمل أثقالكم إلى البلاد .","part":1,"page":842},{"id":843,"text":"{ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم } رضوا بما عندهم من العلم ، وقالوا : نحن أعلم منهم لن نُبعث ولن نعذَّب .","part":1,"page":843},{"id":844,"text":"{ سنة الله } أَيْ : سنَّ الله هذه السُّنَّةَ في الأمم كلِّها أن لا ينفعهم الإِيمان إذا رأوا العذاب { وخسر هنالك الكافرون } تبيَّن لهم الخسران .","part":1,"page":844},{"id":845,"text":"{ حم } .\r { تنزيلُ من الرحمن الرحيم } ابتداءٌ وخبره [ قوله ] : \r { كتابٌ فصلت آياته } بُيِّنت . { لقوم يعلمون } لمَنْ يعلم ذلك ممَّن يعلم العربيَّة .","part":1,"page":845},{"id":846,"text":"{ وقالوا قلوبنا في أكنَّة } أغطيةٍ . { وفي آذاننا وقر } صممٌ ، أَيْ : نحن في ترك القبول منك بمنزلة مَن لا يفقه ولا يسمع . { ومن بيننا وبينك حجاب } خلافٌ في الدِّين فلا نجتمع معك ولا نوافقك { فاعمل } على دينك ف { إننا عاملون } على ديننا . وقوله : \r { فاستقيموا إليه } وجِّهوا إليه وجوهكم بالطَّاعة . { وويلٌ للمشركين } .\r { الذين لا يؤتون الزكاة } لا يؤمنون بوجوبها فلا يُؤدُّونها .","part":1,"page":846},{"id":847,"text":"{ قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } الأحد والأثنين .\r { وبارك فيها } بما خلق فيها من المنافع { وقدَّر فيها أقواتها } أرزاق أهلها وما يصلح لمعاشهم من البحار والأنهار ، والأشجار والدَّوابِّ { في أربعة أيام } في تتمة أربعة أَيَّامٍ وهو يوم الثلاثاء والأربعاء ، فصارت الجملة أربعة أيَّام خلق الله الأرض وما فيها من سبب الأقوات والمنافع والتجارات ، فتمَّ أمرها في أربعة أيَّام { سواء } أَيْ : استوت استواء ، وسواءً { للسائلين } عن ذلك ، أَيْ : لمَنْ سأل في كم خُلقت السَّموات والأرض؟ فيقال : في أربعة أيام .","part":1,"page":847},{"id":848,"text":"{ ثم استوى } قصد وعمد { إلى } خلق { السماء وهي دخان } بخارٌ مرتفعٌ عن الماء { فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً } بما خلقت فيكما من المنافع ، وأَخْرِجاها لمنافع خلقي . قال للسَّموات : أطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وقال للأرض : أخرجي ماءك وثمارك طائعةً أو كارهةً ، ففعلتا ما أمرهما طوعاً ، وهو قوله : { قالتا أتينا طائعين } .\r { فقضاهن } صنعهنَّ وأحكمهنَّ { سبع سموات في يومين وأوحى في كلِّ سماءٍ أمرها } أوحى في أهل كلِّ سماءٍ بما أراد من الأمر والنَّهي . وقوله : { وحفظاً } أَيْ : حفظناها من استماع الشَّياطين بالكواكب حفظاً .\r { فإن أعرضوا } عن الإِيمان بعد هذا البيان { فقل أنذرتكم } خوَّفتكم { صاعقة } مهلكةً تنزل بكم كما نزلت بمن قبلكم { إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم } أتت الرُّسل إيَّاهم ومَنْ كان قبلهم { ومن خلفهم } ومن بعد الرُّسل الذين أُرسلوا إلى آبائهم جاءتهم الرُّسل أنفسهم .","part":1,"page":848},{"id":849,"text":"{ ريحاً صرصراً } أي : لها صوتٌ شديدٌ { في أيام نحسات } مشؤوماتٍ عليهم .","part":1,"page":849},{"id":850,"text":"{ وأما ثمود فهديناهم } دعوناهم ودللناهم { فاستحبوا العمى على الهدى } فاختاروا الكفر على الإيمان { فأخذتهم صاعقة } مهلكةُ { العذاب } ذي { الهون } وهو الهوان ، أي : العذاب الذي يُهينهم . وقوله : \r { وهو خلقكم أوَّل مرة } ابتداءُ إخبارٍ عن الله تعالى ، وليس من كلام الجلود .\r { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم } [ أَيْ مِنْ أن يشهد عليكم سمعكم ] أي : لم تكونوا تخافون أن يشهد عليكم جوارحكم ، فتستتروا منها { ولكن ظننتم أنَّ الله } أي : ظننتم أنَّ ما تُخفون { لا يعلم } اللَّهُ ذلك ولا يطَّلع عليه ، وذلك الظَّنُّ منكم بربِّكم .\r { أرداكم } أهلككم .\r { فإن يصبروا } في جهنَّم { فالنار مثوىً لهم } أي : مقامهم لا يخرجون منها { وإن يستعتبوا } يطلبوا الصلح { فما هم من المعتبين } أَيْ : ممَّن يُصالح ويرضى .","part":1,"page":850},{"id":851,"text":"{ وقيضنا لهم } أيْ : سبَّبنا لهم { قرناء } من الشَّياطين { فزينوا لهم ما بين أيديهم } من أمر الدُّنيا حتى آثروه { وما خلفهم } من أمر الآخرة ، فدعوهم إلى التَّكذيب به ، وأن لا جنَّة ولا نار ، ولا بعث ولا حساب . { وحقَّ عليهم القول في أمم } مع أممٍ بالخسران والهلاك . وقوله : \r { والغوا فيه } أَيْ : عارضوه بكلامٍ لا يُفهم من المُكاء ، والصَّفير ، وباطل الكلام { لعلكم تغلبون } ه على قراءته فيترك القراءة .","part":1,"page":851},{"id":852,"text":"{ ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس } يعنون : إبليس وقابيل؛ لأنًّهما أوَّل مَنْ سنَّ الضَّلالة { نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا } في الدَّرك الأسفل من النَّار .\r { إنَّ الذين قالوا ربنا الله } أَيْ : وحَّدوه { ثمَّ استقاموا } على التَّوحيد ، فلم يشركوا به شيئاً { تتنزل عليهم الملائكة } عند الموت { ألا تخافوا } ذنوبكم { ولا تحزنوا } عليها؛ فإنَّ الله يغفرها لكم .\r { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة } أَيْ : أنصاركم وأحباؤكم ، وهم قرناؤهم الذين كانوا معهم في الدُّنيا من الحفظة ، يقولون لهم : لن نُفارقكم [ في القيامة ] حتى ندخلكم الجنَّة . { ولكم فيها ما تدَّعون } تتمنَّون وتسألون .\r { نزلاً } أيْ : جعل الله ذلك زرقاً لهم مُهيَّئاً .\r { ومَنْ أحسن قولاً ممن دعا إلى الله . . . } الآية . قيل : هو رسول الله A ؛ لأنَّه دعا إلى توحيد الله . وقيل : إنَّها نزلت في المُؤّذِّنين .\r { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } \" لا \" زائدة . { ادفع } السَّيئة { بالتي هي أحسن } كالغضب يُدفع بالصَّبر ، والجهل بالحلم ، والإِساءة بالعفو { فإذا الذي بينك وبينه عداوة } يصير لك كأنًّه صديقٌ قريبٌ إذا فعلت ذلك .\r { وما يلقاها } أَي : ْ ما يُلقَّى هذه الخصلة { إلاَّ الذين صبروا } بكظم الغيظ واحتمال الأذى { وما يلقَّاها إلاَّ ذو حظ عظيم } وهو الجنَّة .\r { وإمَّا ينزغنك من الشيطان نزغ } أَيْ : إنْ صرفك عن الاحتمال نَزْغُ الشَّيطان { فاستغذ بالله } من شرِّه وامض على حلمك .\r { ومن آياته } علاماته التي تدلُّ على أنَّه واحدٌ { الليل والنهار والشمس والقمر . . } الآية .\r { فإن استكبروا } أي : الكفَّار . يقول : إن استكبروا عن السُّجود لله { فالذين عند ربك } وهم الملائكة { يسبحون } يُصلُّون له { بالليل والنهار وهم لا يسأمون } لا يملُّون .","part":1,"page":852},{"id":853,"text":"{ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة } مُغبَّرةً لا نبات فيها { فإذا أنزلنا عليهم الماء اهتزَّت } تحرَّكت بالنًّبات { وربت } انتفخت وعلت ، ثمَّ تصدَّعت عن النَّبات .\r { إنَّ الذين يلحدون في آياتنا } يجعلون الكلام فيها على غير جهته ، بأن ينسبوها إلى الكذب والسِّحر { لا يخفون علينا } بل نعلمهم ونجازيهم بذلك .\r { إنَّ الذين كفروا بالذكر } أَيْ : بالقرآن { لما جاءهم وإنَّه لكتاب عزيز } منيعٌ من الشَّيطان والباطل .\r { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه } أي : الكُتب التي تقدَّمت لا تبطله ، ولا يأتي كتابٌ بعده يبطله . وقيل : إنَّه محفوظٌ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه ، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه .\r { ما يقال لك إلاَّ ما قد قيل للرسل من قبلك } أَيْ : إنْ كذَّبك قومك فقد كذَّب الذين من قبلك .\r { ولو جعلناه قرآناً أعجمياً } لا بلسان العرب { لقالوا : لولا فصلت } بُيِّنت { آياته } بلغتنا حتى نعرفها { أأعجمي وعربي } أي : القرآنُ أعجميٌّ ، ونبيٌّ عربيٌّ { قل هو } أي : القرآن { للذين آمنوا هدى } من الضَّلالة { وشفاء } من الجهل { والذين لا يؤمنون } في ترك قبوله بمنزلة مَنْ { في آذانهم وقرٌ وهو } أي : القرآن { عليهم } ذو { عمى } لأنَّهم لا يفقهونه { أولئك ينادون من مكان بعيد } أَيْ : كأنهم لقلَّة استماعهم وانتفاعهم يُنادون إلى الإيمان بالقرآن من حيث لا يسمعونه لبعد المسافة .\r { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } بالتَّكذيب والتَّصديق ، والإِيمان به والكفر كما فعل قومك { ولولا كلمة سبقت من ربك } بتأخير العذاب عن قومك { لقضي بينهم } لفرغ من هلاكهم { وإنهم لفي شك منه } من القرآن { مريب } .","part":1,"page":853},{"id":854,"text":"{ إليه يردُّ علم الساعة } لأنَّه لا يعلمه غيره { وما تخرج من ثمرة من أكمامها } أوعيتها { ويوم يناديهم أين شركائي } الذين كنتم تزعمون { قالوا آذناك } أعلمناك { ما منا من شهيد } شاهدٍ أنَّ لك شريكاً ، لمَّا عاينوا القيامة تبرَّؤوا من معبوديهم .\r { وضلَّ عنهم } زال وبطل { ما كانوا يدعون من قبل } [ يثقون به ] ويعبدونه قبل يوم القيامة { وظنوا } علموا { ما لهم من محيص } من مهربٍ .\r { لا يسأم الإنسان من دعاء الخير } لا يَمَلُّ الكافر من الدُّعاء بالصحَّة والمال { وإن مسَّه الشرُّ } الفقر والضرُّ { فيؤوس } من روح الله { قنوط } من رحمته . وقوله : \r { ليقولنَّ هذا لي } أَيْ : هذا واجبٌ لي بعملي استحققته { وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إنَّ لي عند للحسنى } أَيْ : لستُ أوقن بالبعث وقيام السَّاعة ، فإن كان الأمر على ذلك إنَّ لي عنده لثواباً .\r { وإذا أنعمنا على الإنسان . . . } الآية . يقول : إذا كان الكافر في نعمةٍ تباعد عن ذكر الله ، وإذا مسَّته الحاجة أكثر الدُّعاء .\r { قل أرأيتم إن كان } القرآن { من عند الله ثم كفرتم به من أضلُّ } منكم ، لأنَّهم في { شقاق بعيد } أيْ : في خلافٍ بعيدٍ عن الحقّ بكفرهم بالقرآن .\r { سنريهم آياتنا في الآفاق } ما يفتح على محمَّد A من القرى { وفي أنفسهم } فتح مكة { حتى يتبين لهم } أنَّ القرآن حقٌّ وصدقٌ منزلٌ من عند الله تعالى : { أَوَلَمْ يكف بربك أنَّه على كل شيء شهيد } وهو يشهد لمحمَّد عليه السَّلام ولكتابه بالصِّدق .\r { ألا إنهم في مرية } شكٍّ { من لقاء ربهم } من البعث والمصير إليه { ألا إنَّه بكلِّ شيء محيط } عالمٌ .","part":1,"page":854},{"id":855,"text":"{ حم } ح : حكم الله ، م : مجده .\r { عسق } ع : علمه ، س : سناؤه ، ق : قدرته . أقسم الله تعالى بها .\r { كذلك يوحي إليك } ما من نبيٍّ صاحب كتابٍ إلاَّ وقد أوحى الله إليه : حم عسق ، فهو معنى قوله : { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك } .","part":1,"page":855},{"id":856,"text":"{ تكاد السموات يتفطرن من فوقهن } تكاد كلُّ واحدة منها تتفطَّر فوق التي تليها من قول المشركين : اتَّخذ الله ولداً . { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } يُنزِّهون الله تعالى عن السُّوء { ويستغفرون } اللَّهَ { لمن في الأرض } من المؤمنين .\r { والذين اتخذوا من دونه أولياء } أَيْ : آلهةً . { الله حفيظ عليهم } يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها { وما أنت عليهم بوكيل } لم تُوكَّل عليهم ، وما عليك إلاَّ البلاغ .\r { وكذلك } وهكذا { أوحينا إليك قرآناً عربياً } بلفظ العرب { لتنذر أمَّ القرى } أهل مكَّة { ومَنْ حولها } سائر النَّاس { وتنذر يوم الجمع } تخوِّفهم بيوم القيامة الذي يجمع فيه الخلق { لا ريب فيه } كما يرتاب الكافرون { فريق في الجنة وفريق في السعير } إخبارٌ عن اختلاف حال النَّاس في ذلك اليوم .\r { ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة } لجعل الفريقين فريقاً واحداً { ولكن يدخل مَنْ يشاء في رحمته } بيَّن أنَّه إنَّما يُدخل الجنة مَنْ يشاء ، فهو فضلٌ منه { والظالمون } والكافرون { ما لهم من وليٍّ ولا نصير } ناصرٍ يمنعهم من العذاب .\r { أم اتخذوا } بل اتَّخذوا { من دونه أولياء فاللَّهُ هو الوليُّ } لا ما اتَّخذوه من دونه .\r { وما اختلفتم فيه من شيء } من أمر الدِّين { فحكمه إلى الله } لا إليكم ، وقد حكم أنَّ الدِّين هو الإِسلام لا غيره . وقوله : \r { جعل لكم من أنفسكم أزواجاً } حلائل { ومن الأنعام أزواجاً } أَيْ : خلق الذَّكر والأنثى { يذرؤكم فيه } أيْ : يُكثِّركم يجعله لكم حلائل؛ لأنهنَّ سبب النَّسل ، و \" فيه \" بمعنى \" به \" { ليس كمثله شيء } الكافُ زائدةٌ ، أَيْ : ليس مثله شيء .","part":1,"page":856},{"id":857,"text":"{ شرع لكم } بيَّن وأظهر لكم { من الدين ما وصَّى به } أمر { نوحاً } ثمَّ بيَّن ذلك فقال : { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } والله يبعث الأنبياء كلَّهم بإقامة الدِّين وترك الفرقة . { كبر } عَظُمَ وشقَّ { على المشركين ما تدعوهم إليه } من التَّوحيد وترك الأوثان . { الله يجتبي إليه مَنْ يشاء } يصطفي مَنْ يشاء لدينه ، فيهديه إليه .\r { وما تفرَّقوا إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم } ما تفرَّق أهل الكتاب إلاَّ عن علمٍ بأنَّ الفرقة ضلالةٌ ، ولكنَّهم فعلوا ذلك للبغي { ولولا كلمةٌ سبقت من ربك } في تأخيرهم إلى السَّاعة { لقضي بينهم } لجوزوا بأعمالهم { وإنَّ الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } يعني : هذه الأمَّة ، أعطوا الكتاب من بعد اليهود والنَّصارى { لفي شك منه مريب } يعني : كفَّار هذه الأمَّة ومشركيها .\r { فلذلك فادع } أَيْ : إلى ذلك . يعني : إلى إقامة الدِّين فادع النَّاس { واستقم كما أمرت } اثبت على الدِّين الذي أُمرتَ به { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } أَيْ : بجميع كتب الله المنزلة { وأمرت لأعدل بينكم } لأسوِّي بينكم في الإيمان بكتبكم . وقيل : لأعدل بينكم في القضية . وقوله : { لا حجة } أَيْ : لا خصومة { بيننا وبينكم } وهذا منسوخٌ بآية القتال .","part":1,"page":857},{"id":858,"text":"{ والذين يحاجون في الله } يُخاصمون في دين الله نبيَّه عليه السَّلام { من بعد ما استجيب له } أُجِيبَ النبيُّ عليه السَّلام إلى الدِّين ، فأسلموا ودخلوا في دينه { حجتهم داحضةٌ عند ربهم } أَيْ : باطلةٌ زائلةٌ؛ لأنَّهم يخاصمون صادقاً في خبره قد ظهرت معجزته .\r { الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } أَيْ : العدل ، والمعنى : إنَّ الله تعالى أمر أن يقتدي بكتابه في أوامره ونواهيه ، وأن يعامل بالنَّصفة والسَّويَّة ، وآلةُ ذلك الميزان ، ثمَّ قال : { وما يدريك لعلَّ الساعة قريب } أَيْ : فاعمل بالعدل والكتاب ، فلعلَّ السَّاعة قد قربت منك وأنت لا تدري .\r { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ظنَّاً منهم أنَّها غير كائنة ، { والذين آمنوا مشفقون } خائفون منها ، لأنَّهم يعلمون أنَّهم مبعوثون ومحاسبون . { ألا إنَّ الذين يمارون } تدخلهم المِرية والشَّكُّ { في الساعة لفي ضلال بعيد } لأنَّهم لو فكَّروا لعلموا أنَّ الذي أنشأهم أوَّلاً قادرٌ على إعادتهم .\r { الله لطيف بعباده } حفيٌّ بارٌّ بهم ، بَرِّهم وفاجرِهم حيث لم يقتلهم جُوعاًَ بمعاصيهم .","part":1,"page":858},{"id":859,"text":"{ مَنْ كان يريد حرث الآخرة } من أراد بعمله الآخرة { نزد له في حرثه } أَيْ : كسبه بالتَّضعيف بالواحدة عشراً . { ومَنْ كان يريد حرث الدنيا } بعمله الدُّنيا { نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب } أَيْ : مَنْ آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيباً في الآخرة .\r { أم لهم } بل أَلهم { شركاء } آلهةٌ { شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل } أَيْ : القَدَر السَّابق بأنَّ القضاء والجزاء يوم القيامة { لقضي بينهم } في الدُّنيا .\r { ترى الظالمين } المشركين يوم القيامة { مشفقين } خائفين { ممَّا كسبوا } أَيْ : من جزائه { وهو واقع بهم } لا محالة ، وقوله : \r { قل لا أسألكم عليه أجراً } أَيْ : على تبليغ الرِّسالة { أجراً إلاَّ المودَّة في القربى } أيْ : إلاَ أن تحفظوا قرابتي وتَوَدُّوني ، وتصلوا رحمي ، وذلك أنَّه لم يكن حيٌّ من قريشٍ إلاَّ وللنبي A فيهم قرابةٌ ، فكأنًّه يقول : إذا لم تؤمنوا بي فاحفظوا قرابتي ولا تُؤذوني . وقيل : معناه : إلاَّ أَنْ تتودَّدُوا إلى الله عزَّ وجلَّ بما يُقرِّبكم منه ، وقوله : { إلاَّ المودة } استثناءٌ ليس من الأوَّل . { ومن يقترف } يعمل { حسنة نزدْ له فيها حسناً } نضاعفها له .\r { أم يقولون } بل أيقولون ، يعني : أهل مكَّة { افترى على الله كذباً } تقوَّل القرآن من قبل نفسه { فإنْ يشأ اللَّهُ يختم على قلبك } يربط على قلبك بالصَّبر على أذاهم ، ثمَّ ابتدأ فقال { ويمحو الله الباطل } أَيْ : الشِّرك { ويحق الحق بكلماته } بما أنزله من كتابه على لسان نبيِّه عليه السَّلام [ وهو القرآن ] .\r { وهو الذين يقبل التوبة عن عباده } إذا رجع العبد عن معصية الله تعالى إلى طاعته قَبِلَ ذلك الرُّجوع ، وعفا عنه ما سلف ، وهو قوله : { ويعفو عن السيئات } .\r { ويستجيب الذين آمنوا } أَيْ : يُجيبهم إلى ما يسألون .\r { ولو بسط الله الرزق لعباده } أَيْ : وسَّع عليهم الرِّزق { لبغوا في الأرض } لطغوا وعصوا { ولكن ينزِّل بقدر ما يشاء } فيجعل واحداً فقيراً ، وآخر غنيَّاً { إنَّه بعباده خبيرٌ بصير } .\r { وهو الذي ينزل الغيث } المطر { من بعد ما قنطوا } من بعدِ يأسِ العباد من نزوله { وينشر رحمته } ويبسط مطره .","part":1,"page":859},{"id":860,"text":"{ ومن آياته } دلائل قدرته { خلق السموات والأرض وما بثَّ } فرَّق ونشر { فيهما من دابة وهو على جمعهم } للحشر { إذا يشاء قدير } .\r { وما أصابكم من مصيبة } بليَّةٍ وشدَّةٍ { فبما كسبت أيديكم } فهي جزاء ما اكتسبتم من الإِجرام { ويعفو عن كثير } فلا يُجازي عليه .\r { وما أنتم بمعجزين في الأرض } هرباَ ، اَيْ : إنِْ هربتم لم تعجزوا الله في أخذكم .\r { ومن آياته الجوار } السُّفن التي تجري { في البحر كالأعلام } كالجبال في العظم .\r { إن يشأ يسكن الريح فيظللن } فيصرن { رواكد } ثوابت على ظهر البحر لا تجري { إنَّ في ذلك لآيات لكلِّ صبار شكور } لكلِّ مؤمنٍ .\r { أو يوبقهن } يُهلكهنَّ ، يعني : أهلها { بما كسبوا } من الذُّنوب { ويعف عن كثير } فلا يعاقب عليها .\r { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } أَيْ : في دفعها وإبطالها { ما لهم من محيص } مهربٍ من عذاب الله .\r { فما أوتيتم من شيء } من أثاثِ الدُّنيا { فمتاع الحياة الدنيا } يتمتَّع به في هذه الدَّار { وما عند الله } من الثَّواب { خير وأبقى للذين آمنوا } نزلت في أبي بكر الصِّديق Bه حين أنفق جميع ماله وتصدَّق به ، فلامه النَّاس .","part":1,"page":860},{"id":861,"text":"{ والذين يجتنبون } عطفٌ على قوله : { للذين آمنوا } . { كبائر الإِثم والفواحش } الشِّرك وموجبات الحدود { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } يتجاوزون ويحلمون .\r { والذين استجابوا لربهم } أجابوه بالإِيمان والطَّاعة . { وأمرهم شورى بينهم } لا ينفردون برأيهم بل يتشاورون .\r { والذين إذا اصابهم البغي } الظُّلم { هم ينتصرون } ينتقمون ممَّن ظلمهم ، ثمَّ بيَّن حدَّ الانتصار فقال : \r { وجزاء سيئة سيئة مثلها } أَيْ : إنما يُجازى السُّوء بمثله ، فيقتصُّ من الجاني بمقدار جنايته { فمن عفا } ترك الانتقام { وأصلح } بينه وبين الظَّالم عليه بالعفو { فأجره على الله } أَيْ : إنَّ الله يأجره على ذلك { إنَّه لا يحب الظالمين } الذين يبدؤون بالظُّلم .\r { ولمن انتصر بعد ظلمه } أَيْ : بعد أنْ ظُلم { فأولئك ما عليهم من سبيل } [ باللَّوم ولا القصاص ، لأنَّه آخذٌ حقَّه ] .","part":1,"page":861},{"id":862,"text":"{ ولمن صبر } على الأذى { وغفر } ولم يكافىء { إن ذلك } أَيْ : الصَّبر والغفران { لمن عزم الأمور } لأنَّه يوجب الثَّواب ، فهو أتمُّ عزمٍ .","part":1,"page":862},{"id":863,"text":"{ وتراهم يعرضون عليها } على النَّار { خاشعين من الذل } مُتواضعين ساكنين . { ينظرون } إلى النَّار { من طرف خفي } مُسارقةً .","part":1,"page":863},{"id":864,"text":"{ استجيبوا لربكم } بالإيمان والطَّاعة { من قبل أن يأتي يومٌ لا مردَّ له من الله } أَيْ : إنَّ الله تعالى إذا أتى به لم يردَّه { مالكم من ملجأ يومئذٍ } مهربٍ من العذاب { وما لكم من نكير } إنكارٌ على ما ينزل بكم من العذاب ، لا تقدرون أن تنكروه فتغيِّروه .","part":1,"page":864},{"id":865,"text":"{ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً } أَيْ : يجعل ما يهب من الولد بعضه ذكوراً ، وبعضه إناثاً { ويجعل من يشاء عقيماً } لا يُولد له .\r { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاَّ وحياً } بأن يوحي إليه في منامه { أو من وراء حجاب } كما كلَّم موسى عليه السَّلام { أو يرسل رسولاً } مَلَكاً { فيوحيَ بإذنه ما يشاء } فيكلِّمه عنه بما يشاء .\r { وكذلك } وكما أوحينا إلى سائر الرُّسل { أوحينا إليك روحاً } ما يحيا به الخلق ، أَيْ : يهتدون به ، وهو القرآن { من أمرنا } أَيْ : فِعْلِنا في الوحي إليك . { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } قبل الوحي . ويعني : بالإيمان شرائعه ومعالمه { ولكن جعلناه } جعلنا الكتاب { نوراً } وقوله : { وإنك لتهدي } بوحينا إليك { إلى صراط مستقيم } . [ يعني الإِسلام ] .","part":1,"page":865},{"id":866,"text":"{ حم } .\r { والكتاب المبين } الذي أبان الهدى وما تحتاج إليه الأُمَّة .\r { إنا جعلناه } بيَّناه { قرآناً عربياً } بلغة العرب { لعلكم تعقلون } تعرفون أحكامه ومعانيه .\r { وإنه } أَيْ : القرآن { في أمِّ الكتاب } أَيْ : اللَّوح المحفوظ { لدينا لعليٌّ حكيم } يريد : إنَّه مثبتٌ عند الله تعالى في اللَّوح المحفوظ بهذه الصِّفة .\r { أفنضرب عنكم الذكر صفحاً } أَفنمسك عن إنزال القرآن ونتركه من أجل أنَّكم لا تؤمنون به ، وهو قوله : { أن كنتم قوماً مسرفين } أَيْ : لأن كنتم قوماً مُشركين مُجاوزين أمر الله . قال قتادة Bه : واللَّهِ لو أنَّ هذا القرآنَ رُفع حين ردَّه أوئل هذه الأمَّة لهلكوا .","part":1,"page":866},{"id":867,"text":"{ فأهلكنا أشد منهم } من قومك { بطشاً } قوَّة { ومضى مثل الأولين } سنَّتهم في العقوبة .","part":1,"page":867},{"id":868,"text":"{ والذي نزل من السماء ماءً بقدر } بمقدارٍ معلومٍ عند الله { فأنشرنا } فأحيينا { به } بذلك الماء { بلدة ميتاً كذلك تخرجون } من قبوركم أحياء .\r { والذي خلق الأزواج } الأصناف { كلها } . وقوله : \r { وما كنَّا له مقرنين } أَيْ : مُطيقين .","part":1,"page":868},{"id":869,"text":"{ وجعلوا له من عباده جزءاً } أَيْ : الذين جعلوا الملائكة بنات الله .\r { أم اتخذ ممَّا يخلق بنات وأصفاكم } أخلصكم وخصَّكم { بالبنين } كقوله : { أفأصفاكم ربُّكم بالبنين . . . } الآية .\r { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاَ } بما وصفه به من اتِّخاذ البنات .\r { أَوَمَنْ يُنَشَّؤُ في الحلية } أَيْ : أَنسبوا إليه مَنْ يُنشَّأ في الحلية؟ يعني : البنات { وهو في الخصام غير مبين } وذلك أنَّ المرأة لا تكاد تقوم بحجَّةٍ في الخصومة .\r { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً } أَيْ : حكموا بأنَّهم إناثٌ حين قالوا : إنَّهم بنات الله . { أشهدوا } أَحضروا { خلقهم } حين خُلقوا؟ { ستكتب شهادتهم } على الملائكة بأنَّهم بنات الله { ويسألون } عنها .\r { وقالوا : لو شاء الرحمن ما عبدناهم } أَيْ : الملائكة ، وذلك أنَّهم قالوا : لو لم يرض منَّا بعبادتنا إيَّاها لعجَّل عقوبتنا . { ما لهم بذلك من علم } ما لهم بقولهم : الملائكة بناتُ الله من علمٍ . { إن هم إلاَّ يخرصون } يكذبون .\r { أم آتيناهم كتاباً من قبله } من قبل القرآن فيه عبادة غير الله { فهم به مستمسكون } بذلك الكتاب ، ثمَّ بيَّن أنَّهم اتَّبعوا ضلالة آبائهم ، فقال : \r { بل قالوا : إنا وجدنا آباءنا على أمة } دينٍ .","part":1,"page":869},{"id":870,"text":"{ قال أو لو جئتكم بأهدى } بدينٍ أهدى { ممَّا وجدتم عليه آباءكم } أَتتبعونهم؟ { قالوا } أَيْ : الأمم للرُّسل : { إنا بما أرسلتم به كافرون } .\r { فاتنقمنا منهم } بالعقوبة .\r { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه : إنني براء } أَيْ : بريٌ .","part":1,"page":870},{"id":871,"text":"{ وجعلها كلمة } أَيْ : كلمة التَّوحيد { باقية في عقبه } عقب إبراهيم عليه السَّلام ، لا يزال من ولده مَنْ يوحِّدُ الله عزَّ وجلَّ { لعلهم يرجعون } كي يرجعوا بها من الكفر إلى الإيمان .\r { بل متعتُ هؤلاء وآباءهم } في الدُّنيا ولم أهلكهم { حتى جاءهم الحق } القرآن .","part":1,"page":871},{"id":872,"text":"{ وقالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من } [ إحدى ] { القريتين } مكَّة والطَّائف { عظيم } أَيْ : الوليد بن المغيرة من أهل مكَّة ، وعروة بن مسعود الثقفيِّ من الطَّائف ، قال الله تعالى : \r { أهم يقسمون رحمة ربك } نبوَّته وكرامته ، فيجعلونها لمن يشاؤون؟ { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا } فجعلنا بعضهم غنيَّاً وبعضهم فقيراً { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } بالمال { ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً } ليُسخِّر الأغنياء بأموالهم الفقراء ويستخدموهم ، فيكون بعضهم لبعض سببَ المعاش في الدُّنيا ، هذا بماله ، وهذا بأعماله ، فكما قسمنا هذه القسمة كذلك اصطفينا للرِّسالة مَنْ نشاء ، ثمَّ بيَّن أنَّ الآخرة أفضل من الدُّنيا فقال : { ورحمة ربك } أَيْ : الجنَّة { خيرٌ ممَّا يجمعون } في الدُّنيا ، ثمَّ ذكر قلَّة خطر الدُّنيا عنده فقال : \r { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة } مجتمعين على الكفر . وقوله : { ومعارج } : مراقي { عليها يظهرون } يعلون ويصعدون .\r { ولبيوتهم أبواباً وسرراً } من فضَّةٍ { عليها يتكئون } .\r { وزخرفاً } أَيْ : ومن زخرفٍ ، وهو الذَّهب { وإن كلُّ ذلك لما متاع الحياة الدنيا } [ لمتاع الحياة الدُّنيا ] .\r { ومَنْ يعش } يُعرض { عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً } نسبِّب له شيطاناً { فهو له قرين } لا يُفارقه .\r { وإنهم } أَيْ : الشَّياطين { ليصدونهم } يمنعون الكافرين { ويحسبون } الكفَّار { أنهم مهتدون } .\r { حتى إذا جاءنا } يعني : الكافر { قال } لقرينه : { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } أَيْ : بُعد ما بين المشرق والمغرب { فبئس القرين } أنت؛ ثم لا يفارقه حتى يصيرا إلى النار ، وقال الله تعالى : \r { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم } أشركتم في الدُّنيا { أنكم في العذاب مشتركون } اشتراككم في العذاب لأنَّ لكلِّ واحدٍ نصيبَه الأوفرَ منه .","part":1,"page":872},{"id":873,"text":"{ فإمَّا نذهبنَّ بك } نُميتك قبل أن نعذِّبهم { فإنا منهم منتقمون } بعد موتك .\r { أو نرينك } في حياتك { الذي وعدناهم } من العذاب .","part":1,"page":873},{"id":874,"text":"{ وإنه } أَيْ : القرآن { لذكر } لَشرفٌ { لك ولقومك } إذ نزل بلغتهم ، ونزل عليك وأنت منهم { وسوف تسألون } عن شكر ما جعلنا لكم من الشَّرف .\r { واسأل من أرسلنا } أَيْ : أمم مَنْ أرسلنا { من قبلك } يعني : أهل الكتابين ، هل في كتاب أحدٍ الأمرُ بعبادة غير الله تعالى؟ ومعنى هذا السُّؤال التَّقرير لعبدة الأوثان أنَّهم على الباطل .","part":1,"page":874},{"id":875,"text":"{ وما نريهم من آية إلاَّ هي أكبرُ من أختها } قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها { وأخذناهم بالعذاب } بالسِّنين والطُّوفان والجراد { لعلهم يرجعون } عن كفرهم .\r { وقالوا يا أيها الساحر } خاطبوه بما تقدَّم له عندهم من التَّسمية بالسَّاحر : { ادع لنا ربك بما عهد عندك } فيمن آمن به مِنْ كشف العذاب عنه { إننا لمهتدون } أَيْ : مؤمنون .\r { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون } ينقضون عهدهم . وقوله : \r { وهذه الأنهار تجري من تحتي } بأمري . وقيل : من تحت قصوري .\r { أم أنا } بل أنا { خير من هذا الذي هو مهين } حقيرٌ ضعيفٌ ، يعني : موسى . { ولا يكاد يبين } يُفصح بكلامه لِعِيِّه .\r { فلولا } فهلاًّ { ألقي عليه أسورة من ذهب } حليٌّ بأساور الذَّهب إن كان رئيساً مُطاعاً؟ والطَّوق والسِّوار من الذَّهب كان من علامة الرِّئاسة عندهم . { أو جاء معه الملائكة مقترنين } مُتتابعين يشهدون له .\r { فاستخف قومه } وجد قومه القبط جُهَّالاً .\r { فلما آسفونا } أغضبونا بكفرهم . { انتقمنا منهم } .\r { فجعلناهم سلفاً } مُتقدِّمين في الهلاك [ ليتَّعظ ] بهم مَنْ بعدهم { ومثلاً للآخرين } عبرةً لمَنْ يجيء بعدهم .\r { ولما ضرب ابن مريم مثلاً } نزلت هذه الآية حين خاصمه الكفَّار لما نزل قوله تعالى : { إنَّكم وما تعبدون من دُونِ الله . . . } الآية ، فقالوا : رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى ، فجعلوا عيسى عليه السَّلام مثلاً لآلهتهم ، فقال الله تعالى : { ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يَصِدًّون } أَيْ : يضجُّون ، وذلك أنَّ المسلمين ضجُّوا من هذا حتى نزل قوله تعالى : { إنَّ الذين سَبَقَتْ لهم منا الحُسنى أولئك عنها مُبعدون } وذكر الله تعالى في هذه السُّورة تلك القصَّة ، وهو قوله : \r { وقالوا أآلهتنا خيرٌ أم هو } يعني : عيسى عليه السَّلام . { ما ضربوه لك إلاَّ جدلاً } أَيْ : إلاَّ الإرادة للمجادلة؛ لأنَّهم علموا أنَّ المراد بحصب جهنم ما اتَّخذوه من الموات . { بل هم قوم خصمون } يجادلون بالباطل ، ثمَّ بيَّن حال عيسى عليه السَّلام فقال : \r { إن هو إلاَّ عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل } آيةً تدلُّ على قدرة الله .\r { ولو نشاء لجعلنا منكم } بدلكم { ملائكة في الأرض يخلفون } بأن نلهككم ونأتي بهم بدلاً منكم يكونون خلفاء منكم .\r { وإنه } أَي : وإنَّ عيسى { لعلم للساعة } بنزوله يُعلم قيام السَّاعة { فلا تمترنَّ بها } لا تشكُّوا فيها .","part":1,"page":875},{"id":876,"text":"{ ولما جاء عيسى } إلى بني إسرائيل { بالبينات } بالآيات التي يعجز عنها المخلوقون { قال : قد جئتكم بالحكمة } أَيْ : الإنجيل { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } أَيْ : كلَّه .","part":1,"page":876},{"id":877,"text":"{ فاختلف الأحزاب . . . } الآية مفسَّرةٌ في سورة مريم .\r { هل ينظرون } أَيْ : يجب ألا ينتظروا بعد تكذيبك { إلاَّ } أن يَفْجَأَهُمْ قيام { السَّاعة } ، ثمَّ ذكر أنَّ مخالَّتهم في الدُّنيا تبطل في ذلك اليوم ، وتنقلب عداوة ، فقال : \r { الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلاَّ المتقين } وهم المؤمنون .","part":1,"page":877},{"id":878,"text":"{ تحبرون } تُكرمون وتسرُّون .\r { يطاف عليهم بصحاف } بقصاع وأكوابٍ ، وهي الأواني التي لا عُرى لها . { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } أَيْ : تستلذًّ ، وهذا وصفٌ لجميع ما في الجنَّة من الطَّيِّبات .","part":1,"page":878},{"id":879,"text":"{ لا يفتر عنهم } أَيْ : لا يخفَّف عنهم العذاب { وهم فيه مبلسون } ساكتون سكوت يأس .","part":1,"page":879},{"id":880,"text":"{ ونادوا يا مالك ليقضِ علينا ربك } ليمتنا فنستريح { قال : إنكم ماكثون } مُقيمون في العذاب .","part":1,"page":880},{"id":881,"text":"{ أم أبرموا أمراً } أحكموا الأمر في المكر بمحمَّد عليه السَّلام { فإنا مبرمون } مُحكمون أمراً في مجازاتهم .","part":1,"page":881},{"id":882,"text":"{ قل : إن كان للرحمن ولد . . . } الآية معناها : إنْ كنتم تزعمون أنَّ للرحمن ولداً فأنا أوَّل الموحِّدين؛ لأنَّ مَنْ عبد الله واعترف بأنَّه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد . وقيل : { فأنا أول العابدين } الآنفين من هذا القول .","part":1,"page":882},{"id":883,"text":"{ وهو الذي في السماء إله } يُعبد { وفي الأرض إله } يُعبد ، أيْ : هو المعبود فيهما { وهو الحكيم } في تدبير خلقه { العليم } بصلاحهم .","part":1,"page":883},{"id":884,"text":"{ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } أَيْ : الأوثان لا يشفعون لعابديها . { إلاَّ مَنْ شهد بالحق } يعني : عيسى وعزيراً والملائكة ، [ فلهم الشَّفاعة في المؤمنين لا في الكفَّار ] ، وهم يشهدون بالحقِّ بالوحدانيَّة لله { وهم يعلمون } حقيقة ما شهدوا به .","part":1,"page":884},{"id":885,"text":"{ وقيله } أَيْ : ويسمع قول محمَّد عليه السَّلام شاكياًَ إلى ربِّه ، وهو راجعٌ إلى قوله : { أنا لا نسمع سرَّهم ونجواهم } .\r { فاصفح عنهم } أَيْ : أعرض عنهم ، وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم { وقل سلام } أيْ : سلامةٌ لنا منكم { فسوف تعلمون } تهديدٌ لهم .","part":1,"page":885},{"id":886,"text":"{ حم } .\r { والكتاب المبين } .\r { إنا أنزلناه } أَيْ : القرآن { في ليلة مباركة } قيل : هي ليلة القدر في رمضان ، أنزل الله القرآن فيها من أمِّ الكتاب إلى سماء الدُّنيا ، ثمَّ أنزله على نبيِّه عليه السَّلام نجوماَ . وقيل : ليلة النِّصف من شعبان { إنا كنا منذرين } مُحذِّرين عبادنا العقوبة بإنزال الكتاب .\r { فيها يفرق } يُفصل { كلُّ أمر حكيم } مُحكمٍ من أرزاق العباد وآجالهم ، وذلك أنَّه يُدبِّر في تلك الليلة أمر السَّنة .\r { أمراً من عندنا } معناه : يُفْرق كلُّ أمرٍ حكيمٍ فرقاً من عندنا ، فوضع الأمر موضع الفرق؛ لأنَّه أمرٌ . { إنا كنا مرسلين } محمَّداً إلى قومه .","part":1,"page":886},{"id":887,"text":"{ رحمةً } أَيْ : للرًّحمة ، وقوله : \r { إن كنتم موقنين } أَيْ : إن أيقنتم بأنَّه ربُّ السَّموات والأرض ، فأيقنوا أنَّ محمداً رسوله؛ لأنَّه أرسله .","part":1,"page":887},{"id":888,"text":"{ بل هم في شك } من البعث والنَّشر { يلعبون } مُشتغلين بالدُّنيا .\r { فارتقب } فانتظر { يوم تأتي السماء بدخان مبين } وذلك حين دعا رسول الله A على قومه بالقحط ، فمنع المطر ، وأجدبت الأرض ، وانجرَّت الآفاق ، وصار بين السَّماء والأرض كالدُّخان .\r { يغشى الناس } ذلك الدخان وهم يقولون { هذا عذاب أليم } .\r { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } مُصدِّقون بنبيِّك . قال الله تعالى : \r { أنى لهم الذكرى } من أين لهم التَّذكُّر والاتِّعاظ ، { و } حالهم أنَّهم { قد جاءهم رسول مبين } يبيِّن لهم أحكام الدِّين . يعني : محمَّداً A .\r { ثمَّ تولوا } أعرضوا { عنه وقالوا معلَّم } أَيْ : إنَّه معلَّم يُعلِّمه ما يأتي به بشر .\r { إنا كاشفو العذاب قليلاً } أَيْ : يكشف عنكم عذاب الجوع في الدُّنيا ، ثمَّ تعودون في العذاب ، وهو قوله : { إنكم عائدون } .\r { يوم نبطش البطشة الكبرى } أَيْ : يوم القيامة . وقيل : يوم بدرٍ .\r { ولقد فتنا } بلونا { قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم } على الله تعالى : يعني : موسى عليه السَّلام .\r { أن أدوا إليَّ عباد الله } أَيْ : سلِّموهم إليَّ ولا تُعذِّبوهم ، يعني : بني إسرائيل ، كما قال : { فأرسل معي بني إسرائيل } { إني لكم رسول أمين } على وحي الله عزَّ وجلَّ .\r { وأن لا تعلوا على الله } لا تعصوه ولا تخالفوا أمره { إني آتيكم بسلطان مبين } بحجَّةٍ واضحةٍ تدلُّ على أنَّني نبيٌّ .\r { وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون } أَن تقتلون ، وذلك أنَّهم توعَّدوه بالقتل .\r { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } أَيْ : لا تكونوا عليَّ [ ولا لي ] ، وخلُّوا عني .\r { فدعا ربَّه أنَّ } أَيْ : بأنَّ { هؤلاء } [ أَيْ : يا ربِّ هؤلاء ] { قوم مجرمون } مُشركون .","part":1,"page":888},{"id":889,"text":"{ فأسرِ بعبادي } بني إسرائيل { ليلاً إنكم متبعون } يتَّبعكم فرعون وقومه .\r { واترك البحر رهواً } خلِّفه وراءك ساكناً غير مضطربٍ ، وذلك أنّ الماء وقف له كالطود العظيم حين جاوز البحر { إنهم جندٌ مغرقون } نغرقهم في ذلك البحر الذي تجاوزوه رهواً .\r { كم تركوا } بعد هلاكهم { من جنات وعُيُون . . . } الآية ، مُفسَّرةٌ في سورة الشُّعراء .","part":1,"page":889},{"id":890,"text":"{ كذلك } أَيْ : الأمر كما وصفنا { وأورثناها } أعطيناها { قوماً آخرين } يعني : بني إسرائيل .\r { فما بكت عليهم السماء والأرض } لأنَّهم ماتوا كفَّاراً ، والمؤمن يبكي عليه مصعد عمله ، ومُصلاَّه من الأرض . { وما كانوا منظرين } مؤخَّرين حين أخذناهم بالعذاب .\r { ولقد نجينا بني إسرائيل } بإهلاك فرعون وقومه { من العذاب المهين } يعني : قتل الأبناء واستخدام النِّساء .\r { من فرعون إنه كان عالياً } مستكبراً مُتعظِّماً { من المسرفين } الكافرين المُتجاوزين حدِّهم .\r { ولقد اخترناهم } بني إسرائيل { على علمٍ } منَّا بهم { على العالمين } عالمي زمانهم .\r { وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين } نعمةٌ ظاهرةٌ من فلق البحر ، وإنزال المنِّ والسَّلوى .\r { إنَّ هؤلاء } أَيْ : مشركي مكَّة { ليقولون : إن هي إلاَّ موتتنا الأولى } أَيْ : ليس إلاَّ الموت ولا نشر بعده ، وهو قوله : { وما نحن بمنشرين } .\r { فأتوا بآبائنا } الذين ماتوا { إن كنتم صادقين } أنَّا نُبعث بعد الموت .\r { أهم خير } أَيْ : أقوى وأشدُّ { أم قوم تبع } الحِميريِّ { والذين من قبلهم } من الكفَّار { أهلكناهم } .\r { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } ونحن نلعب في خلقهما ، أَيْ : إنَّما خلقناهما لأمرٍ عظيم ، وهو قوله : { ما خلقناهما إلاَّ بالحق } أَيْ : لإقامة الحقِّ وإظهاره من توحيد الله وإلزام طاعته .\r { إنَّ يوم الفصل } وهو يوم القيامة ، يفصل الله تعالى فيه بين العباد { ميقاتهم } الذي وقَّتنا لعذابهم { أجمعين } .\r { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً } قريبٌ عن قريبٍ { ولا هم ينصرون } يُمنعون من عذاب الله .","part":1,"page":890},{"id":891,"text":"{ إلاَّ من رحم } لكن مَنْ رحم الله فإنَّه يُنصر .\r { إنَّ شجرة الزَّقوم } .\r { طعام الأثيم } أَيْ : صاحب الإثم ، وهو أبو جهل .\r { كالمهل } أَيْ : كالذَّائب من الفضَّة والنُّحاس في الحرارة . { يَغلي في البطون } في بطون آكليه .\r { كغلي الحميم } وهو الماء الحارُّ .\r { خذوه } يعني : الأثيم { فاعتلوه } سوقوه [ سوقاً ] بالعنف { إلى سواء الجحيم } وسط الجحيم .\r { ثمَّ صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم } كما قال : { يصبُّ من فوقِ رؤوسهم الحميم } ويقال له : \r { ذق إنك أنت العزيز الكريم } بزعمك وعلى قولك ، وذلك أنَّه قال : ما بين جبليها أعزُّ ولا أكرم مني .\r { إنَّ هذا } الذي ترون من العذاب { ما كنتم به تمترون } فيه تشكُّون .\r { إنَّ المتقين في مقام أمين } أمنوا فيه من الغير .","part":1,"page":891},{"id":892,"text":"{ يلبسون من سندس } وهو ما رقَّ من الثّياب { وإستبرق } وهو ما غلظ منه { متقابلين } مُتواجيهن .\r { كذلك } كما وصفنا { وزوجناهم بحور } وهنَّ النِّساء النَّقيات البياض { عين } واسعة الأعين .\r { يدعون فيها بكلِّ فاكهة آمنين } من الموت .\r { لا يذوقون فيها الموت إلاَّ } سوى { الموتة الأولى } الموتة التي ذاقوها في الدُّنيا .","part":1,"page":892},{"id":893,"text":"{ فإنما يسرناه } سهَّلنا القرآن { بلسانك لعلهم يتذكرون } يتَّعظون .\r { فارتقب } فانتظر الفتح والنَّصر { إنهم مرتقبون } مُنتظرون قهرك وهلاكك .","part":1,"page":893},{"id":894,"text":"{ حم } .\r { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } .\r { إنَّ في السموات والأرض } أَيْ : إنَّ في خلقهما { لآيات } لدلالاتٍ على قدرة الله وتوحيده .","part":1,"page":894},{"id":895,"text":"{ فبأيِّ حديث بعد الله } أَيْ : بعد حديث الله وكتابه { يؤمنون } .\r { ويلٌ لكلِّ أفاك أثيم } كذَّاب صاحب إثمٍ .\r { يسمع آيات الله تتلى عليه ثمَّ يصرُّ } يُقيم على كفره { مستكبراً } مُتعظِّماً عن الإيمان به .\r { وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً } استهزأ بها .\r { ومن ورائهم } أمامهم { جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا } من الأموال { شيئاً } .\r { هذا هدى } أَيْ : هذا القرآن هدىً . { والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذابٌ من رجز أليم } مُؤلمٌ مُوجعٌ .","part":1,"page":895},{"id":896,"text":"{ جميعاً منه } أيْ : كلُّ ذلك تفضُّلٌ منه وإحسانٌ .\r { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } نزلت قبل الأمر بالقتال يقول : قل لهم يصفحوا عن المشركين الذين لا يخافون عقوبته الله وعذابه { ليجزي قوماً } أَيْ : ليجزيهم { بما كانوا يكسبون } من سوء أعمالهم .","part":1,"page":896},{"id":897,"text":"{ ورزقناهم من الطيبات } أَيْ : المنِّ والسَّلوى .\r { وآتيناهم بينات من الأمر } يعني : أحكام التَّوراة ، وبيان أمر النبيِّ عليه السَّلام { فما اختلفوا } في نبوَّته { إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم } يعني : ما علموه من شأنه . { بغياً بينهم } حسداً منهم له .\r { ثم جعلناك على شريعة } مذهبٍ وملَّةٍ { من الأمر } من الدِّين { فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } مراد الكافرين .\r { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً } لن يدفعوا عنك عذاب الله إن اتَّبعت أهواءهم .\r { هذا } إشارةٌ إلى القرآن { بصائر } معالم { للناس } في الحدود والأحكام يبصرون بها .\r { أم حسب الذين اجترحوا السيئات } اكتسبوا الكفر والمعاصي { أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم } مُستوياً حياتهم وموتهم ، أَيْ : المؤمنُ مؤمنٌ حياً وميتاً ، والكافر كافرٌ حياً وميتاً ، فلا يستويان { ساء ما يحكمون } بئس ما يقضون إذ حسبوا أنَّهم كالمؤمنين ، نزلت هذه الآية حين قال المشركون : لئن كان ما تقولون حقاً لنفضلنَّ عليكم في الآخرة ، كما فضلنا عليكم في الدُّنيا .","part":1,"page":897},{"id":898,"text":"{ أفرأيت من اتخذ إله هواه } أَيْ : الكافر اتَّخذ دينه ما يهواه ، فلا يهوى شيئاً إلاَّ ركبه . { وأضله الله على علم } على ما سبق في علمه قبل أن يخلقه [ أنَّه ضالٌّ ] . وباقي الآية مُفسَّر في أوَّل سورة البقرة .\r { وقالوا } يعني : منكري البعث : { ما هي إلاَّ حياتنا الدنيا } أَيْ : ما الحياة إلاَّ هذه الحياة في دار الدُّنيا { نموت } نحن { ونحيا } أولادنا { وما يهلكنا إلاَّ الدهر } أَيْ : ما يفنينا إلاَّ مرُّ الزَّمان . { وما لهم بذلك من علم } أَيْ : الذين يقولون . { إن هم إلاَّ يظنون } ما هم إلاَّ ظانِّين ما يقولون .\r { وإذا تتلى عليهم آياتنا } أَدلَّتنا في قدرتنا على البعث { بينات } واضحاتٍ { وما كان حجَّتهم إلاَّ أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } أنَّا نُبعث بعد الموت . وقوله : \r { ثمَّ يجمعكم إلى يوم القيامة } أَيْ : مع ذلك اليوم .","part":1,"page":898},{"id":899,"text":"{ وترى كلَّ أمة } كلَّ أهلِ دينٍ { جاثية } مُجتمعةً للحساب . وقيل : جالسةً على الرُّكَب من هول ذلك اليوم .\r { هذا كتابنا ينطق } أَيْ : ديوان الحفظة { إنا كنا نَستنسِخُ } نأمر بنسخ { ما كنتم تعملون } .","part":1,"page":899},{"id":900,"text":"{ وقيل اليوم ننساكم } نترككم في العذاب كما تركتم الإيمان والعمل ليومكم هذا وقوله : \r { ولا هم يستعتبون } أَيْ : لا يُلتمس منهم عمل ولا طاعة .","part":1,"page":900},{"id":901,"text":"{ وله الكبرياء } العظمة { في السموات والأرض } أَيْ : إنَّه يُعظَّم بالعبادة في السموات والأرض { وهو العزيز الحكيم } .","part":1,"page":901},{"id":902,"text":"{ حم } \r { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } .\r { ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلاَّ بالحق } أَيْ : للحقِّ ، ولإِقامة الحقِّ { وأجل مسمَّى } تفنى عند انقضاء ذلك الأجل { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } أعرضوا بعدما قامت عليهم الحجَّة بخلق الله السَّموات والأرض ، ثمَّ طالبهم بالدَّليل على عبادة الأوثان ، فقال : \r { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات } أَيْ : مشاركةٌ مع الله في خلقهما لذلك أشركتموهم في عبادته { ائتوني بكتاب من قبل هذا } [ أَيْ : من قَبْلِ ] القرآن فيه بيان ما تقولون { أو أثارة من علم } روايةٍ عن الأنبياء أنَّهم أَمروا بعبادة غير الله ، فلمَّا قامت عليهم الحجَّة جعلهم أضلَّ الخلق ، فقال : \r { ومَنْ أضلُّ ممن يدعو من دون الله مَنْ لا يستجيب له إلى يوم القيامة . . . } أَيْ : أبداً . الآية .\r { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً } عادوا معبوديهم؛ لأنَّهم بسببهم وقعوا في الهلكة ، وجحد المعبودون عبادتهم ، وهو قوله : { وكانوا بعبادتهم كافرين } كقوله : { تبرَّأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون . }","part":1,"page":902},{"id":903,"text":"{ قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً } أَيْ : عذَّبني على افترائي لم تملكوا دفعه ، وإذا كنتم كذلك لم أفتر على الله من أجلكم { هو أعلم بما تفيضون فيه } تخوضون فيه من الإفك . { وهو الغفور } لمَنْ تاب { الرحيم } به .\r { قل ما كنت بدعاً } بديعاً { من الرسل } أَيْ : لستُ بأوَّل مرسل فتنكروا نبوَّتي ، { وما أدري ما يفعل بي } إلى إيش يصير أمري معكم ، أتقتلونني أم تخرجونني { ولا بكم } أَتُعذِّبون بالخسف أم الحجارة ، والمعنى : ما أدري إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدُّنيا .\r { قل أرأيتم إن كان } القرآن { من عند الله وكفرتم به وشهد شاهدٌ من بني إسرائيل } يعني : عبد الله بن سلام { على مثله } على مثل ما شهد عليه القرآن من تصديق محمَّد عليه السَّلام { فآمن } ذلك الرَّجل { واستكبرتم } عن الإيمان .\r { وقال الذين كفروا } من اليهود : { لو كان } دين محمَّدٍ { خيراً ما سبقونا إليه } يعنون : عبد الله بن سلام وأصحابه { وإذ لم يهتدوا به } بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان { فسيقولون هذا إفكٌ قديم } كما قالوا : أساطير الأوَّلين .\r { ومن قبله } ومن قبل القرآن { كتاب موسى } التَّوراة { إماماً ورحمة وهذا كتاب } أَيْ : القرآن { مصدق } أَيْ : مصدِّقٌ لما بين يديه لما تقدَّم من الكتب { لساناً عربياً } نصب على الحال .","part":1,"page":903},{"id":904,"text":"{ حملته أمه كرهاً } على مشقَّةٍ { ووضعته كرهاً } أَيْ : على مشقَّةٍ { وحمله وفصاله ثلاثون شهراً } أقلُّ الحمل ستة أشهر ، والفِصال : الفِطام ، ويكون ذلك بعد حولين { حتى إذا بلغ أشده } غاية شبابه ، وهي ثلاثٌ وثلاثون سنةً { وبلغ أربعين سنةً قال : ربِّ أوزعني . . . } الآية . نزلت في أبي بكر Bه ، وذلك أنَّه لمَّا بلغ أربعين سنةً آمن بالنبيِّ A ، وآمن أبواه ، فذلك قوله : { أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي } أَيْ : بالإِيمان { وأصلح لي في ذريتي } بأن تجعلهم مؤمنين ، فاستجاب الله له في أولاده فأسلموا ، ولم يكن أحدٌ من الصَّحابة أسلم هو وأبواه وبنوه وبناته إلاَّ أبو بكر Bه .","part":1,"page":904},{"id":905,"text":"{ والذي قال لوالديه } نزلت في كافرٍ عاقٍّ قال لوالديه : { أَتَعِدانِني أن أخرج } من قبري حيَّاً { وقد خلت القرون من قبلي } فلم يُبعث منهم أحدٌ { وهما يستغيثان الله } يعني : والديه يستغيثان بالله على إيمان ولدهما ، ويقولان له : { ويلك آمن إنَّ وعد الله حق فيقول : ما هذا } الذي تدعونني إليه { إلاَّ أساطير الأولين } .\r { أولئك الذين } أَيْ : مَنْ كان بهذه الصِّفة فهم الذين { حق عليهم القول } وجب عليهم العذاب { في أمم } كافرةٍ . { من الجن والإِنس } .\r { ولكلٍّ } من المؤمنين والكافرين { درجات } منازل ومراتب من الثَّواب والعقاب { ممَّا عملوا } .\r { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } فيقال لهم : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } وذلك أنَّهم يفعلون ما يشتهون ، لا يَتَوَقَّوْن حراماً ، ولا يجتنبون مأثماً { فاليوم تجزون عذاب الهون } الهوان . الآية .\r { واذكر أخا عاد } يعني : هوداً { إذ أنذر قومه بالأحقاف } أَيْ : منازلهم { وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه } أَيْ : قد أُنذروا بالعذاب أنْ عَبَدوا غيرَ الله قبل إنذار هود وبعده .\r { قالوا أجئتنا لتأفكنا } لتصرفنا { عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } .\r { قال : إنما العلم عند الله } هو يعلم متى يأتيكم العذاب ، { و } إنما أنا مُبلِّغٌ { أبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوماً تجهلون } مراشدكم حين أدلُّكم على الرَّشاد وأنتم تُعرضون .\r { فلما رأوه } أَيْ : السَّحاب { عارضاً } قد عرض في السماء { مستقبل أوديتهم } يأتي من قبلها . { قالوا هذا عارض ممطرنا } سحابٌ يمطر علينا . قال الله تعالى : { بل هو ما أستعجلتم به } من العذاب .\r { تدمّر } تُهلك { كلَّ شيء } مرَّت به من الرِّجال والدَّوابِّ . { فأصبحوا لا يُرى } أشخاصهم { إلاَّ مساكنهم } لأنَّ الرِّيح أهلكتهم وفرَّقتهم ، وبقيت مساكنهم خاليةً .\r { ولقد مكَّناهم } من القوَّة والعمر والمال { فيما إن مكَّناكم فيه } في الذي ما مكَّنَّاكم فيه .","part":1,"page":905},{"id":906,"text":"{ ولقد أهلكنا ما حولكم } يا أهل مكَّة { من القرى } كحجر ثمود وقرى قوم لوط { وصرَّفنا الآيات } بيَّنا الدَّلالات { لعلهم يرجعون } عن كفرهم . يعني : الأمم المهلكة .\r { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة } يعني : أوثانهم الذين اتَّخذوها آلهةَ يتقرَّبون بها إلى الله . { بل ضلوا عنهم } بطلوا عند نزول العذاب { وذلك إفكهم } أَيْ : كذبهم وكفرهم . يعني : قولهم : إنَّها تُقرِّبنا إلى الله .\r { وإذْ صرفنا إليك نفراً من الجن } كانوا تسعة نفرٍ من الجنِّ من نينوى من أرض الموصل ، وذلك أنَّه عليه السَّلام أُمر أن يُنذر الجنَّ ، فصرف إليه نفرٌ منهم ليتسمعوا ويبلِّغوا قومهم . { فلما حضروه } قال بعضهم لبعض : { أنصتوا } أَيْ : اسكتوا { فلما قضي } أَيْ : فرغ من تلاوة القرآن رجعوا { إلى قومهم منذرين } ؛ وقالوا لهم ما قصَّ الله في كتابه .","part":1,"page":906},{"id":907,"text":"{ ولم يعي بخلقهن } أَيْ : لم يضعف عن إبداعهنَّ .","part":1,"page":907},{"id":908,"text":"{ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } أَيْ : ذوو الرَّأي والجدِّ ، وكلّهم أولو العزم إلاَّ يونس . وقيل : هم أصحاب الشَّرائع نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد منهم صلى الله عليهم أجمعين . { ولا تستعجل لهم } العذاب { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } من العذاب في الآخرة { لم يلبثوا } في الدُّنيا { إلاَّ ساعة من نهار } لهولِ ما عاينوا ، ونسوا قدر مكثهم في الدُّنيا . { بلاغ } أَيْ : هذا القرآن بلاغٌ ، أَيْ : تبْليغٌ من الله تعالى إليكم على لسان محمَّد عليه السَّلام { فهل يهلك إلاَّ القوم الفاسقون } أَيْ : لا يُهلك مع رحمة الله وتفضُّله إلاَّ الكافرون .","part":1,"page":908},{"id":909,"text":"{ الذين كفروا } أهل مكَّة { وصدوا عن سبيل الله } ومنعوا النَّاس عن الإيمان بمحمَّدٍ A { أضلَّ أعمالهم } أحبطها ، فلا يرون في ألآخرة لها جزاءً . وقوله : \r { كفَّر عنهم سيئاتهم } أَيْ : سترها وغفرها لهم { وأصلح بالهم } أمرهم وحالهم .\r { ذلك } الإِضلال والتَّكفير لاتِّباع الكافرين الباطل ، وهو الشَّيطان ، واتِّباع المؤمنين الحقَّ ، وهو القرآن . { كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } أَيْ : كالبيان الذي ذُكر يُبيِّن الله للنَّاس أمثال سيئات الكافرين وحسنات المؤمنين .\r { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } فاضربوا رقابهم ، أَيْ : فاقتلوهم { حتى إذا أثخنتموهم } أكثرتم فيهم القتل { فشدوا } وثاق الأسارى حتى لا يفلتوا منكم { فإمَّا منَّاً بعد } أَيْ : بعد أن تأسروهم؛ إمَّا مننتم عليهم فأطلقتموهم؛ وإمَّا أن تُفادوهم بمالٍ { حتى تَضَعَ الحرب أوزارها } أَيْ : اقتلوهم وأسروهم حتى لا يبقى كافرٌ يقاتلكم ، فتسكن الحرب وتنقطع ، وهو معنى قوله : { تضع الحرب أوزارها } أَيْ : يضع أهلها آلة الحرب من السِّلاح وغيره ، ويدخلوا في الإِسلام أو الذِّمَّة . { ذلك } أَيْ : افعلوا ذلك الذي ذكرت { ولو يشاء الله لانتصر منهم } أهلكهم بغير قتالٍ { ولكن ليبلو بعضكم ببعض } يمحِّص المؤمنين بالجهاد ، ويمحق الكافرين { والذين قتلوا في سبيل الله } وهم أهل الجهاد .\r { سيهديهم } في الدُّنيا إلى الطَّاعات ، وفي الآخرة إلى الدَّرجات { ويصلح بالهم } أمر معاشهم .\r { ويدخلهم الجنة عرَّفها لهم } بيَّن لهم مساكنهم فيها ، وعرَّفهم منازلهم .\r { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله } أَيْ : رسوله ودينه { ينصركم ويثبت أقدامكم } في مواطن القتال .\r { والذين كفروا فتعساً لهم } أَيْ : سقوطاً وهلاكاً { وأضلَّ أعمالهم } أبطلها؛ لأنَّها كانت للشَّيطان .","part":1,"page":909},{"id":910,"text":"ثمَّ توعَّدهم فقال : { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمَّر الله عليهم وللكافرين أمثالها } أَيْ : أمثال تلك العاقبة التي كانت لمَنْ قبلهم .\r { ذلك } أَيْ : ذلك النَّصر للمؤمنين والهلاك للكافرين { بأنَّ الله مولى الذين آمنوا } وليُّهم وناصرهم { وأن الكافرين لا مولى لهم } لا وليَّ لهم ينصرهم من الله .\r { والذين كفروا يتمتعون } في الدُّنيا { ويأكلون كما تأكل الأنعام } ليس لهم همَّةٌ إلاَّ بطونهم وفروجهم ، ثمَّ يصيرون إلى النَّار .\r { وكأين من قرية هي أشدُّ قوة من قريتك التي أخرجتك } يعني : مكَّة ، أخرجك أهلها { أهلكناهم } بتكذيبهم الرُّسل { فلا ناصر لهم } .\r { أفمن كان على بينة من ربه } وهم النبيُّ A والمؤمنون { كمَنْ زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } وهم أبو جهل والكفَّار .\r { مثل } صفة { الجنَّة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماءٍ غير آسن } غير متغيِّرِ الرَّائحة { وأنهار من خمر لذة للشاربين } لذيذة .\r { ومنهم مَنْ يستمع إليك } يعني : المنافقين { حتى إذا خرجوا من عندك } كانوا يستمعون خطبة رسول الله A ، وإذا خرجوا سألوا أصحاب رسول الله A استهزاءً وإعلاماً أنَّهم لم يلتفتوا إلى ما قال ، يقولون : { ماذا قال آنفاً } أَيْ : الآن . وقوله : \r { وآتاهم تقواهم } أَيْ : ثواب تقواهم ، ويجوز أن يكون المعنى : وألهمهم تقواهم ووفَّقهم لها .","part":1,"page":910},{"id":911,"text":"{ فهل ينظرون } ينتظرون { إلاَّ الساعة } القيامة { أن تأتيهم بغتة } أَيْ : هم في الحقيقة كذلك؛ لأنَّه ليس الأمر إلاَّ أن تقوم عليهم السَّاعة بغتةً { فقد جاء أشراطها } علاماتها من بعث محمد A وغيره { فأنى لهم إذا جاءتهم } السَّاعة { ذكراهم } أَيْ : فمن أين لهم أن يتذكَّروا أو يتوبوا بعد مجيء السَّاعة .\r { فأعلم أنه لا إله إلاَّ الله } أَيْ : فاثبت على ذلك من علمك . { والله يعلم متقلبكم } مُتصرِّفكم في أعمالكم وأشغالكم . وقيل : مُتقلَّبكم من الأصلاب إلى الأرحام . { ومثواكم } مرجعكم في الدُّنيا والآخرة .\r { ويقول الذين آمنوا } حرصاً منهم على الوحي إذا استبطؤوه : { لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة } غير منسوخةٍ { وذكر فيها } فُرِضَ { القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض } أَيْ : المناققين { ينظرون إليك } شزراً { نظر المغشي عليه من الموت } كنظر مَنْ وقع في سكرات الموت ، كراهة منهم للقتال . { فأولى لهم } .\r { طاعة وقول معروف } أَيْ : لو أطاعوا وقالوا لك قولاً حسناً كان ذلك أولى . { فإذا عزم الأمر } أَيْ : جدَّ الأمرُ ولزم فرض القتال { فلو صدقوا الله } في الإِيمان والطَّاعة { لكان خيراً لهم } .\r { فهل عسيتم إن توليتم } أَيْ : لعلَّكم إن أعرضتم عمَّا جاء به محمد عليه السَّلام أن تعودوا إلى أمر الجاهليَّة ، فيقتل بعضكم بعضاً ، وهو قوله : { أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أَيْ : بالبغي والظُّلم والقتل .","part":1,"page":911},{"id":912,"text":"{ أفلا يتدبرون القرآن } فيتَّعظوا بمواعظه { أم على قلوبٍ أقفالها } فليس تفهمها .\r { إنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى } يعني : كفَّار أهل الكتاب كفروا بمحمدٍ A وهم يعرفونه { الشيطان سؤَّل لهم } زيَّن لهم { وأملى لهم } أطال لهم الأمل .\r { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله } يعني : المشركين { سنطيعكم في بعض الأمر } في التَّظاهر على عداوة محمَّد A .\r { فكيف } أَيْ : فيكف يكون حالهم { إذا توفتهم الملائكة } .","part":1,"page":912},{"id":913,"text":"{ أم حسب الذين في قلوبهم مرض } وهم المنافقون { أن لن يخرج الله أضغانهم } لن يظهر الله أحقادهم على النبيِّ A والمؤمنين .\r { ولو نشاء لأريناكهم } لعرَّفناكهم { فلعرفتهم بسيماهم } بعلامتهم { ولتعرفنهم في لحن القول } في معنى كلامهم إذا تكلَّموا معك .\r { ولنبلونكم } بالجهاد { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } العلم الذي يقع به الجزاء { ونبلوا أخباركم } أَيْ : ونكشف ما تُسرُّون .\r { إنَّ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله . . . } الآية . يعني : المُطعمين من أصحاب بدرٍ . وقوله : \r { ولا تبطلوا أعمالكم } أَيْ : بالمنِّ على رسول الله A بإسلامكم .","part":1,"page":913},{"id":914,"text":"{ وتدعوا إلى السلم } أَيْ : لا توادعوهم ولا تتركوا قتالهم حتى يُسلموا؛ لأنَّكم الأعلون ، ولا ضعف بكم فتدعوا إلى الصُّلح { والله معكم } بالنُّصرة { ولن يتركم أعمالكم } لن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم . وقوله : \r { ولا يسألكم أموالكم } أَيْ : لا يسألكم محمَّد عليه السَّلام أموالكم أجراً على تبليغ الرِّسالة .\r { إن يسألكموها فيحفكم } يجهدكم بالمسألة { تبخلوا ويخرج أضغانكم } ويظهر عداوتكم؛ لأنَّ في مسألة المال ظهور العداوة والحقد .\r { ها أنتم هؤلاء } يا هؤلاء { تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم مَنْ يبخل } بالصَّدقة { ومَنْ يبخل فإنما يبخل عن نفسه } لأنَّ له ثواب ما أعطي ، فإذا لم يعط لم يستحقَّ الثَّواب { والله الغنيُّ } عن صدقاتكم { وأنتم الفقراء } إليها في الآخرة { وإن تتولوا } عن الرَّسول { يستبدل قوماً غيركم } أطوع منكم ، وهم فارس { ثم لا يكونوا } في الطَّاعة { أمثالكم } بل يكونوا أطوع منكم ، وهذا الخطاب للعرب .","part":1,"page":914},{"id":915,"text":"{ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } حكمنا لك بإظهار دينك والنُّصرة على عدوِّك ، وفتحنا لك أمر الدِّين .\r { ليغفر لك الله ما تقدَّم من ذنبك } ما عملت في الجاهليَّة { وما تأخَّر } ممَّا لم تعمله وقيل : ما تقدَّم من ذنبك ، يعني : ذنب أبويك آدم وحوَّاء ببركتك ، وما تأخَّر من ذنوب أُمَّتك بدعوتك . { ويتم نعمته عليك } بالنُّبوَّة والحكمة { ويهديك صراطاً مستقيماً } أَيْ : يُثبِّتك عليه .\r { وينصرك الله نصراً عزيزاً } ذا عزٍّ لا يقع معه ذلٌّ .\r { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } اليقين والطُّمأنينة { ليزدادوا إيماناً } بشرائع الدِّين { مع إيمانهم } تصديقهم بالله وبرسوله .","part":1,"page":915},{"id":916,"text":"{ الظانين بالله ظنَّ السوء } يظنُّون أن لن ينصر الله محمَّداً والمؤمنين { عليهم دائرة السوء } بالذُّلَّ والعذاب ، أَيْ : عليهم يدور الهلاك والخزي .","part":1,"page":916},{"id":917,"text":"{ إنَّا أرسلناك شاهداً } على أُمَّتك يوم القيامة { ومبشراً } بالجنَّة مَنْ عمل خيراً { ونذيراً } منذراً بالنَّار مَنْ عمل سوءً .\r { وتعزروه } أَيْ : تنصروه { وتوقروه } وتعظِّموه .\r { إنَّ الذين يبايعونك } بالحديبية { إنما يبايعون الله } أَيْ : أخذك عليهم البيعة عقدُ الله عليهم . { يد الله فوق أيديهم } نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة . { فمن نكث } نقض البيعة { فإنما ينكث على نفسه } فإنما يضرُّ نفسه بذلك النَّكث .\r { سيقول لك المخلفون من الأعراب . . . } الآية . لمَّا أراد رسول الله A المسير إلى مكَّة عام الحديبية استنفر مَنْ حول المدينة من الأعراب حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب ، فتثاقلوا عنه وخافوا قريشاً على رسول الله A وعلى أنفسهم ، فأنزل الله تعالى : { سيقول لك المخلفون } الذين خلَّفهم الله عن صحبتك إذا انصرفت إليهم فعاتبتهم عن التَّخلُّف : { شغلتنا } عن الخروج معك { أموالنا وأهلونا } أَيْ : ليس لنا مَنْ يقوم فيها إذا خرجنا { فاستغفر لنا } تركنا الخروج معك ، ثمَّ كذَّبهم الله تعالى في ذلك العذر ، فقال : { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم . . . } الآية .\r { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً } وذلك أنَّهم قالوا : إنَّ محمداً وأصحابه أكلة رأس [ أًيْ : قليلو العدد ] وأنَّهم لا يرجعون من هذا الوجه أبداً ، فقال الله تعالى : { وظننتم ظنَّ السوء وكنتم قوماً بُوْراً } هالكين عند الله تعالى بهذا الظَّنِّ .","part":1,"page":917},{"id":918,"text":"{ سيقول المخلفون } يعني : هؤلاء : { إذا انطلقتم إلى مغانم } يعني : غنائم خيبر { ذرونا نتبعكم } إلى خيبر فنشهد معكم . { يريدون أن يبدلوا كلام الله } يغيّروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية ، وذلك أنَّ الله تعالى حكم لهم بغنائم خيبر دون غيرهم . { قل لن تتبعونا } إلى خيبر { كذلكم قال الله من قبل } [ أَيْ : من قبل ] مرجعنا إليكم ، إنَّ غنيمة خيبر لمّنْ شهد الحديبية دون غيرهم { فسيقولون بل تحسدوننا } أن نصيب معكم من الغنائم .\r { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم } إلى قتال قوم { أولي بأس شديد } وهم فارس والرُّوم . وقيل : بنو حنيفة أصحاب اليمامة . { تقاتلونهم أو يسلمون } يعني : أو هم يسلمون [ أصحاب مسيلمة الكذاب ] فيترك قتالهم { فإن تطيعوا } مَنْ دعاكم إلى قتالهم { يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل } عام الحديبية ، يعني : نافقتم وتركتم الجهاد { يعذِّبكم عذاباً أليماً } . ثم ذكر أهل العُذر في التَّخلُّف عن الجهاد فقال : \r { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج . . . } الآية . ثمَّ ذكر خبر مَنْ أخلص نيَّته فقال : \r { لقد B المؤمنين } وكانوا ألفاً وأربعمائة { إذ يبايعونك } بالحديبية على أن يناجزوا قريشاً ولا يفرُّوا { تحت الشجرة } يعني : سمرة كانت هنالك ، وهذه البيعة تسمَّى بيعة الرِّضوان { فعلم ما في قلوبهم } من الإِخلاص والوفاء { فأنزل } الله { السكينة عليهم } وهي الطُّمأنينة وثلج الصدر بالنُّصرة من الله تعالى : لرسوله { وأثابهم فتحاً قريباً } أَيْ : فتح خيبر .","part":1,"page":918},{"id":919,"text":"{ ومغانم كثيرة يأخذونها } يعني : عقار خيبر وأموالها .\r { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة ، { فعجَّل لكم هذه } يعني : خيبر { وكفَّ أيدي الناس عنكم } لما خرجوا وخلفوا عيالهم بالمدينة حفظ الله عليهم عيالهم ، وقد همَّت اليهود بهم ، فقذف الله في قلوبهم الرُّعب ، فانصرفوا { ولتكون } هزيمتهم وسلامتكم { آية للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً } يعني : طريق التَّوكُّل وتفويض الأمر إلى الله سبحانه في كلِّ شيء .\r { وأخرى } أَيْ : ومغانم أخرى { لم تقدروا عليها } يعني : فارس والرُّوم { قد أحاط الله بها } علم أنَّه يفتحها لكم .\r { ولو قاتلكم الذين كفروا } أَيْ : أهل مكَّة لو قاتلوكم عام الحديبية { لولوا الأدبار } لانهزموا عنك ، ولنصرت عليهم .\r { سنة الله } كسنَّة الله في النُّصرة لأوليائه .\r { وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة } مَنَّ الله سبحانه على المؤمنين بما أوقع من صلح الحديبية ، فكفَّهم عن القتال بمكَّة ، وذكر حُسن عاقبة ذلك في الآية الثَّانية . وقوله : { من بعد أن أظفركم عليهم } وذلك أنَّ رجالاً من قريش طافوا بعسكر رسول الله A ذلك العام ليصيبوا منهم ، فأُخذوا وأُتي بهم رسول الله A فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم ، وكان ذلك سبب الصُّلح بينهم .","part":1,"page":919},{"id":920,"text":"{ هم الذين كفروا } يعني : أهل مكَّة { وصدوكم عن المسجد الحرام } منعوكم من زيارة البيت { والهدي } ومنعوا الهدي { معكوفاً } محبوساً { أن يبلغ محله } منحره ، وكانت سبعين بدنةً . { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } بمكَّة { لم تعلموهم أن تطؤوهم } أَيْ : لولا أن تطؤوهم في القتال؛ لأنَّكم لم تعلموهم مؤمنين ، وهو وقوله : { بغير علم } { فتصيبكم منهم معرَّة } [ كفَّارةٌ و ] عارٌ وعيبٌ من الكافرين . يقولون : قتلوا أهل دينهم { ليدخل الله في رحمته } دينه الإِسلام { مَنْ يشاء } من أهل مكَّة قبل أن يدخلوها { لو تزيلوا } تميَّز عنهم هؤلاء المؤمنون { لعذَّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً } لأنزلنا بهم ما يكون عذاباً لهم أليماً بأيديكم .\r { إذْ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية } حين صدُّوا رسول الله A وأصحابه عن البيت { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } أَيْ : الوقار حين صالحوهم ، ولم تأخذهم من الحمية ما أخذهم فيلجُّوا ويقاتلوا . { وألزمهم كلمة التقوى } توحيد الله والإيمان به وبرسوله : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وقيل : يعني : بسم الله الرحمن الرحيم ، أبى المشركون أن يقبلوا هذا لمَّا أراد رسول الله A أن يكتب كتاب الصُّلح بينهم ، وقالوا : اكتب باسمك اللَّهم ، فقال الله تعالى : { وكانوا أحقَّ بها وأهلها } أَيْ : المؤمنون؛ لأنَّ الله اختارهم للإيمان ، وكانوا أحقَّ بكلمة التَّقوى من غيرهم .\r { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق . . . } الآية . كان رسول الله A رأى في منامه قبل خروجه عام الحديبية كأنَّه وأصحابه يدخلون مكَّة مُحلِّقين ومُقصِّرين غير خائفين ، فلمَّا خرج عام الحديبية كانوا قد وطنوا أنفسهم على دخول مكَّة لرؤيا رسول الله A ، فلمَّا صدُّوا عن البيت راب بعضهم ذلك ، فأخبر الله تعالى أنَّ تلك الرُّؤيا صادقةٌ ، وأنَّهم يدخلونها إٍن شاء الله آمنين . وقوله : { فعلم ما لم تعلموا } علم الله تعالى أنًّ الصَّلاح كان في ذاك الصُّلح ، ولم تعلموا ذلك . { فجعل من دون ذلك } أَيْ : من دون دخولكم المسجد { فتحاً قريباً } وهو صلح الحديبية ، ولم يكن فتحٌ في الإسلام كان أعظم من ذلك؛ لأنَّه دخل في الإسلام في تلك السِّنين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر ، وقيل : يعني : فتح خيبر .\r { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله } ليجعل دين الحقِّ ظاهراً على سائر الأديان عالياً عليها { وكفى بالله شهيداً } أنَّك مرسلٌ بالحقِّ ، ثمَّ حقَّق الله تلك الشَّهادة وبيَّنها .","part":1,"page":920},{"id":921,"text":"{ محمد رسول الله والذين معه } من المؤمنين { أشداء } غلاظٌ { على الكفار رحماء بينهم } متوادُّون متعاطفون { تراهم ركعاً سجداً } في صلواتهم { يبتغون فضلاً من الله } أني يدخلهم الجنَّة { ورضواناً } أن يرضى عنهم { سيماهم } علامتهم { في وجهوههم من أثر السجود } يعني : نوراً وبياضاً في وجوههم يوم القيامة ، يُعرفون بذلك النُّور أنَّهم سجدوا في دار الدُّنيا لله تعالى . { ذلك مثلهم } صفة محمَّد A وأصحابه { في التوراة ، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه } فراخه ونباته { فآزره } قوَّاه وأعانه ، أيْ : قوَّى الشَّطأ الزَّرع ، كما قوَّى أمر محمَّد وأصحابه ، والمعنى : أنَّهم يكونون قليلاً ثمَّ يكثرون ، وهذا مثل ضربه الله تعالى لنبيِّه عليه السَّلام إذ خرج وحده ، فأيَّده بأصحابه كما قوَّى الطَّاقة من الزرع بما ينبت حوله { فاستغلظ } فَغَلُظَ وقوِيَ . { فاستوى } ثمَّ تلاحق نباته وقام على { سوقه } جمع ساق { يعجب الزراع } بحسن نباته واستوائه { ليغيظ بهم الكفار } فعل الله تعالى ذلك بمحمَّد وأصحابه ليغيظ بهم أهل الكفر . { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم } أَيْ : من أصحاب عليه السَّلام { مغفرة وأجراً عظيماً } .","part":1,"page":921},{"id":922,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } أَيْ : لا تُقدِّموا خلاف الكتاب والسُّنَّة . وقيل : لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيُّ عليه السَّلام في الأضحى وقيل : لا تصوموا قبل صومه . نزلت في النَّهي عن صوم يوم الشَّكِّ ، والمعنى : لا تسبقوا رسول الله A بشيءٍ حتى يكون هو الذي يأمركم به { واتقوا الله } في مخالفة أمره { إنَّ الله سميع } لأقوالكم { عليم } بأحوالكم .\r { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ } نزلت في ثابت ابن قيس بن شماس ، وكان جهوريَّ الصَّوت ، وربَّما كان يُكلِّم رسول الله A فينادي بصوته ، فأُمروا بغضِّ الصَّوت عند مخاطبته { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } لا تُنزِّلوه منزلة بعضكم من بعضٍ ، فتقولوا : يا محمد ، ولكن خاطبوه بالنبوَّة والسَّكينة والإِعظام { أن تحبط أعمالكم } كي لا تبطل حسناتكم { وأنتم لا تشعرون } أنَّ خطابه بالجهر ورفع الصَّوت فوق صوته يُحبط العمل ، فلمَّا نزلت هذه الآية خفض أبو بكر وعمر Bهما صوتهما ، فما كلَّما النبيَّ A إلاَّ كأخي السِّرار ، فأنزل الله تعالى : \r { إنَّ الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } أَيْ : اختبرها وأخلصها للتَّقوى .\r { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } نزلت في وفد تميمٍ أتوا رسول الله A ليفاخروه ، فنادوا على الباب : يا محمَّد ، اخرج إلينا؛ فإنَّ مدحنا زينٌ وإنَّ ذمنا شينٌ ، فقال الله تعالى : { أكثرهم لا يعقلون } أَيْ : إنَّهم جهَّال ، ولو عقلوا لما فاخروا رسول الله A .\r { ولو أنَّهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم } من إيذائهم إيَّاك بالنِّداء على بابك { والله غفورٌ رحيم } لمَنْ تاب منهم .\r { يا أيُّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ } نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله A مُصَّدِّقاً إلى قومٍ كانت بينه وبينهم تِرةٌ في الجاهليَّة ، فخاف أن يأتيهم ، وانصرف من الطَّريق إلى رسول الله A ، وقال : إنَّهم منعوا الصَّدقة وقصدوا قتلي ، فذلك قوله : { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } أَيْ : فاعلموا صدقه من كذبه { أن تصيبوا } لئلا تصيبوا { قوماً بجهالة } وذلك أنَّ رسول الله A همَّ أن يغزوهم حتى تبيَّن له طاعتهم .","part":1,"page":922},{"id":923,"text":"{ واعلموا أنَّ فيكم رسول الله } فلا تقولوا الباطل؛ فإنَّ الله يخبره { لو يطيعكم في كثير من الأمر } لو أطاع مثل هذا المخبر الذي أخبره بما لا أصل له { لعنتم } لأثمتم ولهلكتم { ولكنَّ الله حبب إليكم الإيمان } فأنتم تطيعون الله ورسوله ، فلا تقعون في العنت ، يعني بهذا : المؤمنين المخلصين ، ثمَّ أثنى عليهم فقال : { أولئك هم الراشدون } .\r { فضلاً من الله } أَيْ : الفضل من الله عليهم .\r { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } نزلت في جمعين من الأنصار كان بينهما قتالٌ بالأيدي والنِّعال { فأصلحوا بينهما } بالدُّعاءِ إلى حكم كتاب الله . فإن بغت إحداهما على الأخرى [ أَيْ : تعدَّت إحداهما على الأخرى ] وعدلت عن الحقِّ { فقاتلوا } الباغية حتى ترجع إلى أمر الله في كتابه . { فإن فاءت } رجعت إلى الحقِّ { فأصلحوا بينهما } بحملهما على الإِنصاف { وأقسطوا } وأعدلوا { إنَّ الله يحب المقسطين } .\r { إنما المؤمنون أخوة } في الدين والولاية { فأصلحوا بين أخويكم } إذا اختلفا واقتتلا { واتقوا الله } في إصلاح ذات البين { لعلكم ترحمون } كي ترحموا به .\r { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم . . . } الآية . نهى الله تعالى المؤمنين والمؤمنات أن يسخر بعضهم من بعض { عسى أن يكونوا } أَيْ : المسخور منه { خيراً منهم } من السَّاخر ، ومعنى السُّخرية ها هنا الازدراء والاحتقار . { ولا تلمزوا أنفسكم } لا يعب بعضكم بعضاً { ولا تنابزوا بالألقاب } وهو أن يُدعى الرَّجل بلقبٍ يكرهه ، نهى الله تعالى عن ذلك . { بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان } يعني : إنَّ السُّخرية واللَّمز والتَّنابز فسوقٌ بالمؤمنين ، وبئس ذلك بعد الإِيمان .","part":1,"page":923},{"id":924,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إنَّ بعض الظن إثم } وهو أنْ يظنَّ السُّوء بأهل الخير ، وبمن لا يُعلم منه فسقٌ . { ولا تجسسوا } لا تطلبوا عورات المسلمين ، ولا تبحثوا عن معايبهم { ولا يغتب بعضكم بعضاً } لا تذكروا أحدكم بشيءٍ يكرهه وإن كان فيه ذلك الشَّيء . { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً } يعني : إنَّ ذكرك أخاك على غيبةٍ بسوءٍ كأكل لحمه وهو ميِّت ، لا يحسُّ بذلك . { فكرهتموه } إنْ كرهتم أكل لحمه ميتاً فاكرهوا ذكره بسوءٍ .\r { يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى } أَيْ : كلُّكم بنو أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدةٍ ، فلا تفاضل بينكم في النَّسب { وجعلناكم شعوباً } وهي رؤوس القبائل ، كربيعة ومضر { وقبائل } وهي دون الشُّعوب كبكر من ربيعة ، وتميم من مضر { لتعارفوا } ليعرف بعضكم بعضاً في قرب النَّسب وبعده لا لتتفاخروا بها ، ثمَّ أعلم أنَّ أرفعهم عنده منزلةً أتقاهم ، فقال : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم . . . } الآية .\r { قالت الأعراب آمنا } نزلت في نفرٍ من بني أسدٍ قدموا المدينة في سنةٍ جدبةٍ بذراريَّهم ، وأظهروا كلمة الشَّهادة ، ولم يكونوا مؤمنين في السِّرِّ ، فقال الله تعالى : { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } أَيْ : لم تُصدِّقوا الله ورسوله بقلوبكم ولكن أظهرتم الطَّاعة مخافة القتل والسَّبي { ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله } ظاهراً وباطناً { لا يلتكم } لا ينقصكم { من } ثواب { أعمالكم شيئاً . . . } الآية . ثمَّ بيَّن حقيقة الإيمان والمؤمن .","part":1,"page":924},{"id":925,"text":"{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } . أَيْ : هؤلاء هم الذين صدقوا في إيمانهم ، لا مَنْ أسلم خوف السَّيف ، ورجاء المنفعة ، فلمَّا نزلت الآيتان جاءت الأعراب رسول الله A ، وحلفوا بالله أنَّهم مؤمنون ، وعلم الله غير ذلك منهم ، فأنزل الله تعالى : \r { قل أتعلمون الله بدينكم . . . } الآية . أيْ : أَتُعَلِّمونه بما أنتم عليه وهو يعلم ذلك .\r { يمنون عليك أن أسلموا } وذلك أنَّهم كانوا يقولون لنبيِّ الله A : أتيناك بالعيال والأثقال طوعاً ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلانٍ فأعطنا ، فقال الله تعالى : { قل لا تمنوا عليَّ } وقوله : { إن كنتم صادقين } أنَّكم مؤمنون ، أَيْ : لله المنَّةُ إن صدقتم في إيمانكم لا لكم .","part":1,"page":925},{"id":926,"text":"{ ق } قُضي ما هو كائنٌ [ إلى يوم القيامة ] { والقرآن المجيد } [ الكبير القدر و ] الكثير الخير .\r { بل عجبوا } يعني : كفَّار مكَّة { أن جاءهم منذر منهم } محمدٌ عليه السَّلام ، وهم يعرفون نسبه وأمانته { فقال الكافرون هذا شيء عجيب } يعني : هذا الإنذار الذي ينذرنا .\r { أإذا متنا وكنا تراباً } نُبعث؟ وهذا استفهامُ إنكارٍ ، وجوابه محذوفٌ ، ثمَّ انكروا ذلك أصلاً ، فقالوا : { ذلك } أَيْ : البعث { رجع بعيد } ردٌّ لا يكون . قال الله تعالى : \r { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } ما تأكل من لحومهم { وعندنا كتاب حفيظ } أَي : ْ اللَّوح المحفوظ من أن يدرس ويتغيَّر ، وفيه جميع الأشياء المقدَّرة .","part":1,"page":926},{"id":927,"text":"{ بل كذَّبوا بالحق } أَيْ : بالقرآن { لما جاءهم فهم في أمرٍ مريج } مُلتبسٍ عليهم ، مرَّةً يقولون للنبيِّ A : ساحرٌ ، ومرَّةً : شاعرٌ ومرَّةً : مُعلَّمٌ ، ثمَّ دلَّهم على قدرته فقال : \r { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج } شقوق . وقوله : \r { من كلِّ زوج بهيج } أَيْ : من كلِّ لونٍ حسنٍ .\r { تبصرة } فعلنا ذلك تبصيراً وتذكيراً ودلالةً على قدرتنا { لكلِّ عبد منيب } يرجع إلى الله تعالى ، فيتفكَّر في قدرته . وقوله : \r { وحبَّ الحصيد } أَيْ : ما يُقتات من الحبوب .\r { والنخل باسقات } طوالاً { لها طلع نضيد } ثمرٌ متراكبٌ .\r { رزقاً للعباد } أَيْ : آتينا هذه الأشياء للرِّزق { وأحيينا به } بذلك الماء { بلدة ميتاً كذلك الخروج } من القبور .","part":1,"page":927},{"id":928,"text":"{ وقوم تبع } وهو ملكٌ كان باليمن أسلم ، ودعا قومه إلى الإِسلام فكذَّبوه وقوله : { فحقَّ وعيد } وجب عليهم العذاب .\r { أفعيينا بالخلق الأول } أَيْ : أَعجزنا عنه حتى نعيى بالإعادة { بل هم في لبس } شكٍّ { من خلق جديد } أَيْ : البعث .\r { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } يحدثه قلبه { ونحن أقرب إليه } بالعلم { من حبل الوريد } وهو عرقٌ في العنق .\r { إذ يتلقى المتلقيان } أَيْ : المَلكان الحافظان يتلقَّيان ويأخذان ما يعمله الإنسان ، فيثبتانه . { عن اليمين وعن الشمال قعيد } قاعدان على جانبيه .\r { ما يلفظ } يتكلَّم { من قول إلاَّ لديه رقيب } حافظٌ { عتيد } حاضر .\r { وجاءت سكرة الموت } أَيْ : غمرته وشدَّته { بالحق } أَيْ : من أمر الآخرة حتى يراه الإنسان عياناً . { ذلك ما كنت منه تحيد } أَي : ْ تهرب وتروغ : يعني : الموت .\r { ونفخ في الصور } أَيْ : نفخة البعث . { وذلك يوم الوعيد } الذي يُوعد الله به الكفَّار .\r { وجاءت كلُّ نفس } إلى المحشر { معها سائق } من الملائكة يسوقها { وشهيد } شاهدٌ عليها بعملها ، وهو الأيدي والأرجل ، فيقول الله تعالى : \r { لقد كنت في غفلة هذا } اليوم { فكشفنا عنك غطاءك } فخلينا عنك سترك حتى عاينته { فبصرك اليوم حديد } فعلمك بما أنت فيه نافذٌ .\r { وقال قرينه } أَيْ : المَلك الموَّكل به : { هذا ما لديَّ عتيد } هذا الذي وكَّلتني به قد أحضرته ، فأحضرت ديوان أعماله ، فيقول الله للملَكين الموكَّلين بالإِنسان : \r { ألقيا في جهنم كلَّ كفار عنيد } عاصٍ مُعرضٍ عن الحقِّ .\r { مناع للخير } للزَّكاة المفروضة وكلِّ حقٍّ في ماله { معتد } ظالمٍ { مريب } شاكٍّ .","part":1,"page":928},{"id":929,"text":"{ قال قرينه } من الشَّياطين : { ربنا ما أطغيته } ما أضللته { ولكن كان في ضلال بعيد } أَيْ : إنَّما طغى هو بضلاله ، وإنَّما دعوته فاستجاب لي ، كما قال في الإخبار عن الشَّيطان : { إلاَّ أنْ دعوتُكم فاستجبتُمْ لي } فحينئذٍ يقول الله : \r { لا تختصموا لدي وقد قدَّمت إليكم بالوعيد } حذَّرتكم العقوبة في الدُّنيا على لسان الرُّسل .\r { ما يبدل القول لدي } لا تبديل لقولي ولا خلف لوعدي { وما أنا بظلام للعبيد } فأعاقب بغير جرم .\r { يوم نقول لجهنم هل امتلأت } وهذا استفهامُ تحقيقٍ ، وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ وعدها أن يملأها ، فلمَّا ملأها قال لها : { هل امتلأت وتقول هل من مزيد } أَيْ : هل بقي فيَّ موضعٌ لم يمتلىء ، أيْ : قد امتلأت .\r { وأزلفت الجنة } أُدنيت الجنَّة { للمتقين } حتى يروها { غير بعيد } منهم ، ويقال لهم : \r { هذا ما توعدون لكلِّ أوَّاب } رجَّاع إلى الله بالطًّاعة { حفيظ } حافظ لأمر الله .\r { من خشي الرحمن بالغيب } خاف الله ولم يره { وجاء بقلب منيب } مقبلٍ إلى طاعة الله . يقال لهم : \r { ادخلوها بسلام } بسلامةٍ من العذاب { ذلك يوم الخلود } لأهل الجنَّة فيها .\r { لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد } زيادةٌ ممَّا لم يخطر ببالهم . وقيل هو الرُّؤية .\r { وكم أهلكنا قبلهم } قبل أهل مكَّة { من قرنٍ } جماعةٍ من النَّاس { هم أشدُّ منهم بطشاً فَنَقَّبوا } طوَّفوا البلاد وفتَّشوا ، فلم يروا محيصاً من الموت .\r { إن في ذلك } الذي ذكرت { لذكرى } لعظةً وتذكيراً { لمن كان له قلب } أَيْ : عقلٌ { أو ألقى السمع } أَيْ : استمع القرآن { وهو شهيد } حاضر القلب . وقوله : \r { وما مسنا من لغوب } أَيْ : وما أصابنا تعبٌ وإعياءٌ ، وهذا ردٌّ على اليهود في قولهم : إنَّ الله تعالى استراح يوم السَّبت .\r { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك } صلِّ لله { قبل طلوع الشمس } أَيْ : صلاة الفجر { وقبل الغروب } صلاة الظهر والعصر .\r { ومن الليل فسبحه } أَيْ : صلاتي العشاء { وأدبار السجود } أَيْ : الرَّكعتين بعد المغرب .\r { واستمع } يا محمد { يوم ينادي المنادي } وهو إسرافيل عليه السَّلام يقول : أيَّتها العظام البالية ، واللُّحوم المُتمزِّقة ، إنَّ الله يأمركنَّ أن تجتمعن لفصل القضاء { من مكان قريب } من السِّماء ، وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضعٍ من الأرض إلى السَّماء .\r { يوم يسمعون الصيحة بالحق } أَيْ : نفخة البعث { ذلك يوم الخروج } من القبور .","part":1,"page":929},{"id":930,"text":"{ يوم تشقق الأرض عنهم } فيخرجون { سراعاً } .\r { وما أنت عليهم بجبار } بمسلِّطٍ يجبرهم على الإسلام ، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال { فذكِّر } فعظ { بالقرآن مَنْ يخاف وعيد } .","part":1,"page":930},{"id":931,"text":"{ والذاريات ذرواً } أي : الرِّياح التي تذرو التُّراب .\r { فالحاملات وقراً } وهي السَّحاب تحمل الماء .\r { فالجاريات يسراً } السُّفن تجري في البحر بيسرٍ { فالمقسمات أمراً } الملائكة تأتي بأمرٍ مختلفٍ من الخصب والجدب ، والمطر والموت ، والحوادث .\r { إن ما توعدون } من الخير والشَّرِّ ، والثَّواب والعقاب { لصادق } . أقسم الله بهذه الأشياء على صدق وعده .\r { وإنَّ الدين } الجزاء على الأعمال { لواقع } لكائنٌ .\r { والسماء ذات الحبك } الخَلْق الحسن .\r { إنكم } يا أهل مكَّة { لفي قول مختلف } في أمر النبيِّ A .","part":1,"page":931},{"id":932,"text":"{ يؤفك عنه } يُصرف عن الإيمان به { مَنْ أفك } صُرف عن الخير .\r { قتل الخراصون } لُعن الكذَّابون ، يعني : المُقتسمين .\r { الذين هم في غمرة } غفلةٍ { ساهون } لاهون .\r { يسألون أيان يوم الدين } متى يوم الجزاء؟ استهزاءً منهم . قال الله تعالى : \r { يوم هم على النار يفتنون } أي : يقع الجزاء يوم هم على النَّار يُفتنون يُحرَّقون ويُعذَّبون ، وتقول لهم الخزنة : \r { ذوقوا فتنتكم } عذابكم { هذا الذي كنتم به تستعجلون } في الدُّنيا .\r { إنَّ المتقين في جنات وعيون } .\r { آخذين ما آتاهم ربهم } من الثَّواب والكرامة { إنهم كانوا قبل ذلك } قبل دخولهم الجنَّة { محسنين } .\r { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون } كانوا ينامون قليلاً من اللَّيل .","part":1,"page":932},{"id":933,"text":"{ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } وهو الذي لا يسأل النَّاس ولا يكتسب .\r { وفي الأرض آيات } دلالاتٌ على قدرة الله تعالى ووحدانيته { للموقنين } .\r { وفي أنفسكم } أيضاً آياتٌ من تركيب الخلق ، وعجائب ما في الآدمي من خلقه { أفلا تبصرون } ذلك .\r { وفي السماء رزقكم } أَي : الثَّلج والمطر الذي هو سبب الرِّزق والنَّبات من الأرض { وما توعدون } \" ما \" ابتداءٌ ، وخبره محذوفٌ على تقدير : وما توعدون من البعث والثَّواب والعقاب حقٌّ ، ودلَّ على هذا المحذوف قوله : \r { فوربِّ السماء والأرض إنَّه لحقٌّ مثل ما أنكم تنطقون } أَيْ : كما أنَّكم تتكلَّمون ، أي : إنَّه معلومٌ بالدَّليل كما إِنَّ كلامكم إذا تكلّمتم معلومٌ لكم ضرورةً أنَّكم تتكلَّمون ، و \" مثلُ \" رفع لأنَّه صفةٌ لقوله : \" لحق \" ، ومَنْ نصب أراد : إنَّه لحقّ حقاً مثلَ ما أنّكم تنطقون .\r { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } بأن خدمهم بنفسه .\r { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً } سلَّموا سلاماً { قال سلامٌ } عليكم { قوم منكرون } أي : أنتم قوم لا نعرفكم .\r { فراغ } فعدل ومال { إلى أهله } .","part":1,"page":933},{"id":934,"text":"{ فأوجس منهم خيفة } أَيْ : وقع في نفسه الخوف منهم ، وقوله : \r { فأقبلت امرأته في صرَّة } أَيْ : أخذت تصيح بشدَّةٍ { فَصَكَّتْ } لطمت { وجهها وقالت } : أنا { عجوز عقيم } فكيف ألد؟\r { قالوا كذلك } كما اخبرناك { قال ربك } أي : نخبرك عن الله لا عن أنفسنا { إنَّه هو الحكيم العليم } يقدر أن يجعل العقيم ولوداً ، فلمَّا قالوا ذلك علم إبراهيم أنَّهم رسلٌ ، وأنَّهم ملائكة [ صلوات الله عليهم ] .\r { قال : فما خطبكم } أي : ما شأنكم وفيمَ أُرسلتم؟\r { قالوا إنا أُرسلنا إلى قومٍ مجرمين } يعنون قوم لوط .\r { لنرسل عليهم حجارة من طين } يعني : السِّجيل .\r { مسوَّمة عند ربك للمسرفين } مًعلَّمة على كلِّ حجرٍ منها اسم مَنْ يهلك به .\r { فأخرجنا مَنْ كان فيها } يعني : من قرى قوم لوطٍ { من المؤمنين } .\r { فلما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } يعني : بيت لوطٍ عليه السَّلام .\r { وتركنا فيها } بأهلاكهم { آية } علامة للخائفين تدلُّ على أنَّ الله أهلكهم .\r { وفي موسى } عطفٌ على قوله : \" وفي الأرض \" . { إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين } بحجَّةٍ واضحةٍ .\r { فتولى } فأعرض عن الإيمان { بركنه } مع جنوده وما كان يتقوَّى به . وقوله : \r { وهو مليم } أَيْ : أتى ما يُلام عليه .\r { وفي عاد } أيضاً آيةٌ { إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } وهي التي لا بركة فيها ، ولا تأتي بخيرٍ .\r { ما تذر من شيء أتت عليه إلاَّ جعلته كالرميم } كالنَّبت الذي قد تحطَّم .","part":1,"page":934},{"id":935,"text":"{ وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } إلى فناء آجالكم .\r { فعتوا عن أمر ربهم } عصوه { فأخذتهم الصاعقة } العذاب المهلك .\r { فما استطاعوا من قيام } أي : أن يقوموا بعذاب الله { وما كانوا منتصرين } أي : لم ينصرهم أحدٌ علينا .\r { وقوم نوح } وأهلكنا قوم نوحٍ قبل هؤلاء .\r { والسماء بنيناها بأيدٍ } بقوَّةٍ { وإنا لموسعون } لقادرون . وقيل : جاعلون بين السَّماء والأرض سعةً .\r { والأرض فرشناها } مهَّدناها لكم { فنعم الماهدون } نحن .\r { ومن كل شيء خلقنا زوجين } صنفين كالذَّكر والأنثى ، والحلو والحامض ، والنُّور والظُّلمة { لعلكم تذكرون } فتعلموا أنَّ خالق الأزواج فردٌ .\r { ففروا } من عذاب الله إلى طاعته .","part":1,"page":935},{"id":936,"text":"{ كذلك } كما أخبرناك { ما أتى الذين من قبلهم } من قبل أهل مكَّة { من رسول إلاَّ قالوا ساحرٌ أو مجنون } .\r { أتواصوا به } أوصى بعضهم بعضاً بالتَّكذيب ، والألف للتَّوبيخ . { بل هم قوم طاغون } عاصون .\r { فتولًّ عنهم فما أنت بملوم } لأنَّك بلغت الرِّسالة .\r { وذكر } ذكِّرهم بأيَّام الله { فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين } .\r { وما خلقت الجن والإِنس إلاَّ ليعبدون } أي : إلاَّ لآمرهم بعبادتي وأدعم إليها . وقيل : أراد المؤمنين منهم ، وكذا هو في قراءة ابن عباس : \" وما خلقت الجن والإِنس من المؤمنين إلاَّ ليعبدون \" . { ما أريد منهم من رزق } أن يرزقوا أنفسهم أو أحداً من عبادي { وما أريد أن يطعمون } لأنِّي أنا الرَّزَّاق والمُطعم . وقوله : \r { المتين } أي : المُبالغ في القُوَّة .\r { فإنَّ للذين ظلموا } أَيْ : أهل مكَّة { ذنوباً } نصيباً من العذاب { مثل ذنوب } نصيب { أصحابهم } الذين أُهلكوا { فلا يستعجلون } إنْ أخَّرتهم إلى يوم القيامة .\r { فويلٌ للذين كفروا من يومهم الذين يوعدون } من يوم القيامة .","part":1,"page":936},{"id":937,"text":"{ والطور } أقسم الله تعالى بالجبل الذي كلَّم عليه موسى ، وهو جبلٌ بمدين اسمه زبير .\r { وكتاب مسطور } مكتوبٍ .\r { في رقّ } وهو الجلد الذي يكتب فيه { منشور } مبسوطٍ . أَيْ : دواوين الحفظة التي أثبتت فيها أعمال بني آدم .\r { والبيت المعمور } وهو بيتٌ في السَّماء بإزاء الكعبة تزوره الملائكة .\r { والسقف المرفوع } أي : السَّماء .","part":1,"page":937},{"id":938,"text":"{ والبحر المسجور } المملوء .\r { إنَّ عذاب ربك لواقع } لنازلٌ كائنٌ .","part":1,"page":938},{"id":939,"text":"{ يوم تمور السماء موراً } تتحرَّك وتضطرب وتدور . يعني : يوم القيامة .","part":1,"page":939},{"id":940,"text":"{ الذين هم في خوض } باطلٍ { يلعبون } أي : تشاغلهم بكفرهم .\r { يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً } يُدفعون إليها دفعاً عنيفاً ، ويقال لهم : \r { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } .\r { أفسحر هذا } الذي ترون { أم أنتم لا تبصرون } ؟ وهذا توبيخٌ لهم ، والمعنى : أتصدِّقون الآن عذاب الله .","part":1,"page":940},{"id":941,"text":"{ فاكهين بما آتاهم ربهم } أَيْ : مُعجبين به .","part":1,"page":941},{"id":942,"text":"{ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } يريد : إنَّه يلحق الأولاد بدرجة الآباء في الجنَّة إذا كانوا على مراتب ، وكذلك الآباء بدرجة الأبناء لتقرَّ بذلك أعينهم ، فيلحق بعضهم بعضاً إذا اجتمعوا في الإيمان ، من غير أن ينقص من أجر مَنْ هو أحسن عملاً شيئاً بزيادته في درجة الأنقص عملاً ، وهو قوله : { وما ألتناهم } أَيْ : وما نقصناهم { من عملهم من شيء كلُّ امرىء بما كسب } بما عمل من خيرٍ أو شرٍّ { رهين } مرهونٌ يُؤخذ به .\r { وأمددناهم بفاكهة ولحم } أَيْ : زدناهم .\r { يتنازعون } يتناولون ويأخذ بعضهم من بعض { فيها كأساً لا لغوٌ فيها ولا تأثيم } لا يجري بينهم فيها باطلٌ ولا إثمٌ كما يجري بين شَرَبة الخمر في الدُّنيا .\r { ويطوف عليهم } بالخدمة { غلمان لهم كأنهم } في بياضهم وصفائهم { لؤلؤ مكنون } مخزونٌ مصونٌ .\r { وأقبل بعضهم على بعض } في الجنَّة { يتساءلون } عن أحوالهم التي كانت في الدُّنيا .\r { قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } خائفين من عذاب الله .\r { فمنَّ الله علينا } بالجنَّة { ووقانا عذاب السموم } عذاب سموم جهنم ، وهو نارها وحرارتها .","part":1,"page":942},{"id":943,"text":"{ فذكر } فذكِّرهم يا محمَّد الجنَّة والنَّار { فما أنت بنعمة ربك } برحمة ربّك وإكرامه إيَّاك بالنُّبوَّة { بكاهنٍ } تخبر بما في غدٍ من غير وحيٍ { ولا مجنون } كما تقولون .\r { أم يقولون } بل أيقولون : هو { شاعرٌ نتربَّص به ريب المنون } ننتظر به الموت فيهلك .\r { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } حتى يأتي أمر الله فيكم .\r { أم تأمرهم أحلامهم } عقولهم { بهذا } أَيْ : بترك قبول الحقِّ من صاحب المعجزة { أم هم قوم طاغون } أَيْ : أم يكفرون طغياناً بعد ظهور الحقِّ .\r { أم يقولون تقوَّله } أَي : القرآن من قبل نفسه ، ليس كما يقولون { بل لا يؤمنون استكباراً } .\r { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } أنَّ محمداً يقوله من قبل نفسه .\r { أم خلقوا من غير شيء } أَيْ : لغير شيءٍ . يعني : أَخُلقوا عبثاً وسُدىً { أم هم الخالقون } أنفسهم .","part":1,"page":943},{"id":944,"text":"{ أم عندهم خزائن ربك } ما في خزائن ربِّك من العلم بما يكون في غدٍ { أم هم المسيطرون } المُسلَّطون الجبَّارون .\r { أم لهم سلَّم } مرقىً إلى السَّماء { يستمعون فيه } أنَّ الذي هم عليه حقٌّ { فليأت مستمعهم } إن ادَّعوا ذلك { بسلطانٍ مبين } بحجَّةٍ واضحةٍ ، ثمَّ سفَّه أحلامهم في جعلهم البنات لله ، فقال : \r { أم له البنات ولكم البنون } .\r { أم تسألهم أجراً } على ما جئتهم به { فهم من مغرم } غُرمٍ { مثقلون } مجهودون ، والمعنى : إنَّ الحجَّة واجبةٌ عليهم من كلِّ جهةٍ .\r { أم عندهم الغيب } علم ما يؤول إليه أمر محمد A { فهم يكتبون } يحكمون بأنَّه يموت فتستريح منه .\r { أم يريدون كيداً } مكراً بك في دار النَّدوة { فالذين كفروا هم المكيدون } المجزيون بكيدهم؛ لأنَّ الله تعالى حفظ نبيَّه عليه السَلام من مكرهم ، وقُتلوا هم ببدر .","part":1,"page":944},{"id":945,"text":"{ وإن يروا كسفاً } قطعاً { من السماء ساقطاً يقولون } لعنادهم وفرط شقاوتهم : { سحاب مركوم } بعضه على بعض . وهذا جوابٌ لقولهم : { فأسقط علينا كسفاً من السماء } أخبر الله تعالى أنَّه لو فعل ذلك لم يؤمنوا .\r { فذرهم حتى يلاقو يومهم الذي فيه يصعقون } يموتون ، ثمَّ أخبر أنَّه يعجِّل لهم العذاب في الدُّنيا .","part":1,"page":945},{"id":946,"text":"{ وإنَّ للذين ظلموا } كفروا { عذاباً دون ذلك } قبل موتهم ، وهو الجوع والقحط سبع سنين ، ثمَّ أمره بالصَّبر فقال : \r { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } بحيث نراك ونحفظك ونرعاك { وسبح بحمد ربك حين تقوم } من مجلسك قل : سبحانك اللهم وبحمدك .\r { ومن الليل } فسبحه ، أَيْ : صلِّ له صلاتي العشاء { وإدبار النجوم } أَيْ : ركعتي الفجر","part":1,"page":946},{"id":947,"text":"{ والنجم إذا هوى } أي : والثُّريا إذا سقطت . وقيل : القرآن إذا نزل مُتفرِّقاً نجوماً .\r { ما ضلَّ صاحبكم } محمد عليه السَّلام { وما غوى } .\r { وما ينطق عن الهوى } ما الذي يتكلَّم به ممَّا قاله بهواه .\r { إن هو } ما هو { إلاَّ وحيٌ يوحى } إليه .\r { علمه شديد القوى } أَيْ : جبريل عليه السَّلام .\r { ذو مرَّة } قوَّةٍ شديدةٍ { فاستوى } جبريل عليه السَّلام في صورته التي خلقه الله عزَّ وجلَّ عليها .\r { وهو بالأفق الأعلى } وذلك أنَّ رسول الله A سأله أن يريه نفسه على صورته ، فواعده ذلك بحراء ، فطلع له جبريل عليه السَّلام من المشرق ، فسدَّ الأفق إلى المغرب .\r { ثم دنا فتدلى } هذا من المقلوب ، أَيْ : ثمَّ تدلى أَيْ : نزل من السَّماء ، فدنا من محمَّد عليه السَّلام .","part":1,"page":947},{"id":948,"text":"{ فكان } منه في القرب على قدر { قوسين أو أدنى } والمعنى : أنَّه بعد ما رأى رسول الله A من عظمه ، وهاله ذلك ردَّه الله تعالى إلى صورة آدميٍّ حتى قرب من النبيِّ A للوحي ، وذلك قوله : \r { فأوحى إلى عبده } محمد A { ما أوحى } الله عزَّ وجلَّ إلى جبريل عليه السَّلام .\r { ما كذب الفؤاد ما رأى } أَيْ : لم يكذب قلب محمَّد عليه السَّلام فيما رأى ليلة المعراج ، وذلك أنَّ الله جعل بصره لفي فؤاده حتى رآه ، وحقَّق الله تعالى تلك الرُّؤية وقال : إنها كانت رؤية حقيقية ولم تكن كذباً .\r { أفتمارونه على ما يرى } أفتجادلونه في أنه رأى الله عزَّ وجلَّ .\r { ولقد رآه } ربَّه . وقيل : رأى جبريل على صورته التي خلق عليها { نزلة أخرة } مرَّة أخرى .\r { عند سدرة المنتهى } وهي شجرةٌ إليها ينتهي علم الخلق ، وما وراءها غيبٌ لا يعلمه إلاَّ الله عزَّ وجلَّ .\r { عندها جنة المأوى } وهي جنَّةٌ تصير إليها أرواح الشُّهداء .\r { إذ يغشى السدرة ما يغشى } قيل : يغشاها فراش من ذهب . وقيل : الملائكة أمثال الغربان .\r { ما زاغ البصر وما طغى } هذا وصفٌ أدبِ النبيِّ A ليلة المعراج ، أَيْ : لم يمل بصره عمَّا قصد له ، ولا جاوز إلى ما أُمر به .","part":1,"page":948},{"id":949,"text":"{ لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أَيْ : ما رأى من الآيات العظام تلك اللَّيلة .\r { أفرأيتم اللات والعُزَّى } .\r { ومناة الثالثة الأخرى } هذه أصنامٌ من حجارةٍ كانت في جوف الكعبة . والمعنى أخبرونا عن هذه الإناث التي تعبدونها ، وتزعمون أنَّها بنات الله ، أللَّهِ هي ، وأنتم تختارون الذُّكران ، وذلك قوله : \r { ألكم الذكر وله الأنثى } .\r { تلك إذاً قسمة ضيزى } جائرةٌ ناقصةٌ .\r { إن هي } ما هذه الأوثان { إلاَّ أسماء } لا حقيقة لها { سميتموهم أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها } بعبادتها { من سلطان } حجَّةٍ وبرهانٍ . { إن يتبعون } ما يتَّبعون في عبادتها وأنَّها شفعاء لهم { إلاَّ الظن وما تهوى الأنفس } يعني : إنَّ ذلك شيء ظنُّوه ، وأمرٌ سوَّلت لهم أنفسهم { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } البيان على لسان محمَّد A .\r { أم للإِنسان ما تمنى } أَيظنُّون أنَّ لهم ما تمنَّوا من شفاعة الأصنام؟ ليس كما تمنَّوا . بل","part":1,"page":949},{"id":950,"text":"{ فللَّه الآخرة والأولى } فلا يجري في الدَّارين إلاَّ ما يريد .\r { وكم من ملك في السموات } هو أكرم على الله من هذه الأصنام { لا تغني شفاعتهم } عن أحدٍ { شيئاً إلاَّ من بعد أن يأذن الله } لهم في ذلك { لمن يشاء ويرضى } كقوله : { ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى } { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } يقولون : إنَّهم بنات الله .\r { وما لهم به من علم إن يتبعون إلاَّ الظن وإنَّ الظن لا يغني من الحق شيئاً } إنَّ ظنَّهم لا يدفع عنهم من العذاب شيئاً .\r { فأعرض } يا محمَّد { عن من تولَّى عن ذكرنا } أعرضَ عن القرآن { ولم يرد إلاَّ الحياة الدنيا } .\r { ذلك مبلغهم من العلم } يقول : ذلك نهاية علمهم أَنْ آثروا الدُّنيا على الآخرة .","part":1,"page":950},{"id":951,"text":"{ إلاَّ اللمم } يعني : صغار الذُّنوب ، كالنَّظرة والقُبلة ، وقوله : { إذ أنشأكم من الأرض } يعني : خلق أباكم من التُّراب { وإذ أنتم أجنَّة } جمع جنين . { فلا تزكوا أنفسكم } لا تمدحوها { هو أعلم بمن اتقى } عمل حسنةً .\r { أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان ، يعني : الوليد بن المغيرة ، وكان قد اتَّبع رسول الله A فعيَّره بعض المشركين على ذلك فقال : إنّي أخشى عذاب الله ، فضمن له إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أنْ يتحمَّل عنه عذاب الله ، فرجع في الشِّرك وأعطى صاحبه الضَّامن من بعض ما كان ضمن له ، ومنعه الباقي ، وذلك قوله : \r { وأعطى قليلاً وأكدى } أَيْ : قطع ذلك ومنعه .\r { أعنده علم الغيب فهو يرى } ما غاب عنه من أمر الآخرة ، حتى علم أنَّ غيره يحمل عنه العذاب .\r { أم لم ينبأ بما في صحف موسى } أسفار التَّوراة .\r { و } صحف . { إبراهيم الذي وفَّى } أكمل ما أُمر به وأتمَّه ، ثمَّ بيَّن ذلك فقال : \r { ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى } أَيْ : لا تؤخذ نفسٌ بمأثم غيرها .\r { وإن ليس للإِنسان إلاَّ ما سعى } عمل لآخرته .\r { وإنَّ سعيه } عمله { سوف يرى } في ميزانه من خيرٍ وشرٍّ .\r { ثم يجزاه } يجزى عليه { الجزاء الأوفى } الأتمَّ .\r { وأنَّ إلى ربك المنتهى } المصير والمرجع .\r { وأنه هو أضحك } مَنْ شاء من خلقه { وأبكى } مَنْ شاء منهم .\r { وأنه هو أمات } في الدُّنيا { وأحيا } للبعث .","part":1,"page":951},{"id":952,"text":"{ إذا تمنى } أَيْ : تصبُّ في الرَّحم .\r { وأنَّ عليه النشأة الأخرى } الخلق الآخر بعد الموت .\r { وأنه هو أغنى } بالمال { وأقنى } أرضى بما أعطى . وقيل : أقنى : أعطى أصول الأموال وما يتَّخذ فيه قنيةً .\r { وأنَّه هو رب الشعرى } وهي كوكبٌ خلف الجوازاء كانت تُعبد في الجاهليَّة .\r { وأنه أهلك عاداً الأولى } قوم هود .","part":1,"page":952},{"id":953,"text":"{ والمؤتفكة } قرى قوم لوط { أهوى } أسقطها إلى الأرض بعد رفعها .\r { فغشَّاها ما غشَّى } ألبسها العذاب والحجارة .\r { فبأي آلاء ربك تتمارى } بأيِّ نِعَم ربِّك التي تدلُّ على توحيده وقدرته تتشكَّكُ أيُّها الإنسان؟\r { هذا } محمَّدٌ { نذير من النذر الأولى } أَيْ : هو رسولٌ أُرسل إليكم كما أُرسل مَنْ قبله من الرُّسل .\r { أزفت الآزفة } قربت القيامة .\r { ليس لها من دون الله كاشفة } لا يكشف عنها إلاَّ الله تعالى ، كقوله : { لا يجلِّيها لوقتها إلا هو } { أفمن هذا الحديث } أي : القرآن { تعجبون } .\r { وتضحكون ولا تبكون } .\r { وأنتم سامدون } لاهون غافلون .\r { فاسجدوا لله واعبدوا } معناه : فاسجدوا لله واعبدوا الذي خلق السَّموات والأرض ، ولا تسجدوا للأصنام التي ذكرت في هذه السُّورة .","part":1,"page":953},{"id":954,"text":"{ اقتربت الساعة } دنت القيامة { وانشقَّ القمر } انفلق بنصفين على عهد رسول الله A ، وذلك أنَّ أهل مكَّة سألوه آيةً ، فأراهم القمر فلقتين حتى رأوا حراءً بينهما ، فأخبر الله تعالى أنَّ ذلك من علامات قرب السَّاعة .\r { وإن يروا } يعني : أهل مكَّة { آية } تدلُّ على صدق محمد A { يعرضوا ويقولوا سحرٌ مستمر } ذاهب باطلٌ يذهب . وقيل : محكمٌ شديدٌ . وقوله : \r { وكلُّ أمر مستقر } أَيْ : يستقرُّ قرار تكذيبهم وقرار تصديق المؤمنين . يعني : عند ظهور الثَّواب والعقاب .\r { ولقد جاءهم } جاء أهل مكَّة { من الأنباء } أخبار إهلاك الأمم المُكذِّبة { ما فيه مزدجر } متناهى ومنتهى .\r { حكمة بالغة } أَيْ : ما أتاهم من أخبار مَنْ قبلهم حكمةٌ بالغةٌ تامَّةٌ ، ليس فيها نقصانٌ ، أي : القرآن ، وذلك أنَّ تلك الأخبار قُصَّت عليهم في القرآن { فما تغني النذر } جمع نذير ، أَيْ : فليست تغني عن التَّكذيب .\r { فتولَّ عنهم } ، وتمَّ الكلام ، ثمَّ قال : { يوم يدع الداعي إلى شيء نكر } مُنكرٍ ، وهو النَّار .\r { خشعاً } ذليلةً { أبصارهم يخرجون من الأجداث } القبور { كأنهم جراد منتشر } كقوله : { كالفراش المبثوث } { مهطعين } مُقبلين ناظرين { إلى الداعي } إلى مَنْ يدعوهم إلى المحشر { يقول الكافرون هذا يوم عسر } شديدٌ .\r { كذبت قبلهم } قبل أهل مكَّة { قوم نوح فكذَّبوا عبدنا } نوحاً { وقالوا : مجنون وازدجر } زُجر [ ونُهِرَ ] ونُهي عن دعوته ومقالته .\r { فدعا ربَّه أني مغلوب } مقهورٌ { فانتصر } فانتقم لي منهم .\r { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } سائلٍ .","part":1,"page":954},{"id":955,"text":"{ وفجرنا الأرض عيوناً } فتحناها بعيون الماء { فالتقى الماء } ماءُ السَّماء وماءُ الأرض { على أمر قد قدر } قُضي عليهم في أمِّ الكتاب .\r { وحملناه } أَيْ : نوحاً { على ذات ألواح } وهي السَّفينة { ودسر } يعني : ما تُشدَّ به السَّفينة من المسامير والشُّرُط .\r { نجري بأعيننا } بمرأىً منا وحفظٍ { جزاءً لمن كان كفر } يعني : نوحاً ، أَيْ : فعلنا ذلك ثواباً له إذ كُفر به وكُذِّب .\r { ولقد تركناها آية } تركنا تلك القِصَّة آيةً : علامةً؛ ليُغتبر بها { فهل من مدَّكر } مُتَّعظٍ بها .\r { فكيف كان عذابي } استفهام معناه التَّقرير { ونذر } أي : إنذاري .\r { ولقد يسرنا القرآن للذكر } سهَّلناه للحفظ ، فليس يحفظ كتابٌ من كتب الله ظاهراً إلاَّ القرآن { فهل من مدكر } مُتَّعظ بمواعظه .","part":1,"page":955},{"id":956,"text":"{ إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً } شديدةً ذات صوتٍ { في يوم نحس } شؤمٍ { مستمر } دائم الشُّؤم .\r { تنزع الناس } تقلعهم من مواضعهم { كأنهم أعجاز نخل } أصول نخلٍ { منقعر } مُنقطعٍ ساقطٍ ، شُبِّهوا وقد كبَّتهم الرِّيح على وجوههم بنخيل سقطت على الأرض .","part":1,"page":956},{"id":957,"text":"{ كذبت ثمود بالنذر } جمع نذير . وقوله : \r { إنا إذاً لفي ضلال } ذهابٍ عن الصَّواب { وسعر } جنون .\r { أألقي الذكر عليه من بيننا } أنكروا أن يكون مخصوصاً بالوحي من بينهم . { بل هو كذَّاب أشر } بَطِرٌ يريد أن يتعظَّم علينا . قال الله تعالى : \r { سيعلمون غداً } عند نزول العذاب بهم { من الكذاب الأشر } .\r { إنا مرسلو الناقة } مخرجوها من الهضبة كما سألوا { فتنة لهم } محنةً لهم لنختبرهم { فارتقبهم } انتظر ما هم صانعون { واصطبر } .\r { ونبئهم أنَّ الماء قسمة بينهم } بين ثمود والناقة غِبَّاً؛ لهم يومٌ ، ولها يومٌ { كلُّ شرب } نصيبٍ من الماء { محتضر } يحضره القوم يوماً ، والنَّاقة يوماً .\r { فنادوا صاحبهم } قُدَاراً عاقر الناقة { فتعاطى } تناول النَّاقة بالعقر فعقرها .","part":1,"page":957},{"id":958,"text":"{ كهشيم المحتظر } هو الرَّجل يجعل لغنمه حظيرةً بالشَّجر والشَّوك دون السِّباع ، مما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيمُ .","part":1,"page":958},{"id":959,"text":"{ إلاَّ آل لوط } أَي : أتباعه على دينه من أهله وأُمَّته . { نجيناهم } من العذاب { بسحر } من الأسحار ، كقوله : { فأسر بأهلك . . . } الآية .\r { نعمة من عندنا } عليهم بالإنجاء { كذلك } كما جزينا لوطاً وآله { نجزي مَنْ شكر } آمن بالله وأطاعه .\r { ولقد أنذرهم } خوَّفهم لوط { بطشتنا } أخذنا إيَّاهم بالعقوبة { فتماروا بالنذر } كذَّبوا بإنكاره شكَّاً منهم .\r { ولقد راودوه عن ضيفه } سألوه أن يُخلِّي بينهم وبين القوم الذين أتوه في صورة الأضياف ، وكانوا ملائكةً { فطمسنا أعينهم } أعميناها ، وصيّرناها كسائر الوجه ، وقلنا لهم : { فذوقوا عذابي ونذر } .\r { ولقد صبحهم بكرةً } جاءهم صباحاً { عذابٌ مستقر } ثابتٌ؛ لأنَّه أفضى بهم إلى عذاب الآخرة .","part":1,"page":959},{"id":960,"text":"{ ولقد جاء آل فرعون النذر } الإنذار على لسان موسى وهارون عليهما السَّلام .\r { كذبوا بآياتنا } التِّسع { كلها فأخذناهم } بالعذاب { أخذ عزيز } قويٍّ { مقتدر } قادرٍ لا يعجزه شيء . ثمَّ خاطب العرب فقال : \r { أكفاركم خيرٌ من أولئكم } الذين ذكرنا قصَّتهم { أم لكم براءة } من العذاب { في الزبر } الكتب تأمنون بها من العذاب .\r { أم يقولون } كفَّار مكَّة : { نحن جميع منتصر } جماعةٌ منصورون .\r { سيهزم الجمع } أَي : جمعهم { ويولون الدبر } ينهزمون فيرجعون على أدبارهم ، وكان هذا يوم بدرٍ .\r { بل الساعة موعدهم } للعذاب { والساعة أدهى وأمر } أشدُّ أمراً وأشدُّ مرارةً ممَّا يلحقهم في الدُّنيا .\r { إنَّ المجرمين في ضلال } في الدُّنيا { وسعر } نارٍ في الآخرة .\r { يوم يسبحون } يجرُّون { في النار على وجوههم } ويقال لهم : { ذوقوا مسَّ سقر } إصابة جهنَّم إيَاكم بالعذاب .\r { إن كلَّ شيء خلقناه بقدر } أَيْ : كلُّ ما خلقناه فمقدورٌ مكتوبٌ في اللَّوح المحفوظ ، وهذه الآيات نزلت في القدرية الذين يُكذِّبون بالقدر .\r { وما أمرنا } لشيءٍ إذا أردنا تكوينه { إلاَّ واحدة } كلمةٌ واحدةٌ ، وهي \" كن \" { كلمح بالبصر } في السُّرعة كخطفة البصر .\r { ولقد أهلكنا أشياعكم } أشباهكم في الكفر من الأمم الماضية .\r { وكل شيء فعلوه في الزبر } في كتب الحفظة .\r { وكلُّ صغير وكبير } من أعمالهم { مستطر } مكتوبٌ .\r { إنَّ المتقين في جنات ونهر } ضياءٍ وسعةٍ . وقيل : أراد أنهاراً ، فوحَّد لوفاق الفواصل .\r { في مقعد صدق } في مجلس حقٍّ لا لغوٌ فيه ولا تأثيمٌ { عند مليك مقتدر } وهو الله تعالى . و \" عند \" إشارةٌ إلى الرُّتبة والقربة من فضل الله ورحمته .","part":1,"page":960},{"id":961,"text":"{ الرحمن } .\r { علم القرآن } علَّم نبيَّه عليه السَّلام القرآن ، ليس كما يقول المشركون : { إنَّما يُعلِّمه بَشرٌ } وقيل : معناه : يسَّر القرآن لأَنْ يُذكر ، فعلَّمه هذه الأُمَّة حتى حفظوه .\r { خلق الإنسان } يعني : النبيَّ A .\r { علَّمه البيان } القرآن الذي فيه بيان كلِّ شيءٍ . وقيل : { خلق الإنسان } يعني ابن آدم ، فعلَّمه النُّطق ، وفضَّله به على سائر الحيوان .\r { الشمس والقمر } يجريان { بحسبان } بحسابٍ لا يجاوزانه .","part":1,"page":961},{"id":962,"text":"{ والنجم } كلُّ نبتٍ لا يقوم على ساق ، ولا يبقى على الشَّتاء . { والشجر يسجدان } يخضعان لله تعالى بما يريد منهما .\r { والسماء رفعها } فوق الأرض { ووضع الميزان } العدل والإنصاف .\r { أن لا } لئلا { تطغوا } تجاوزوا القدر { في الميزان } .\r { وأقيموا الوزن بالقسط } بالعدل { ولا تخسروا الميزان } لا تنقصوا الوزن .\r { والأرض وضعها للأنام } للجنِّ والإنس .\r { فيها فاكهة } أنواع الفواكه { والنخل ذات الأكمام } أوعية الثَّمر .\r { والحب ذو العصف } أَيْ : ورق الزَّرع . وقيل : هو التِّبن { والريحان } الرِّزق ، ثمَّ خاطب الجن والإنس فقال : \r { فبأي آلاء } نِعمَ { ربكما } من هذه الأشياء التي ذكرها { تكذبان } لأنَّها كلَّها مُنعَمٌ بها عليكُم في دلالتها إيَّاكم على وحدانيَّة الله سبحانه ، ثمَّ كرر في هذه السُّورة هذه الآية توكيداً وتذكيراً لنعمه .\r { خلق الإنسان } آدم { من صلصال } طينٍ يابسٍ يُسمع له صلصلةٌ { كالفخار } وهو ما طبخ من الطِّين .\r { وخلق الجان } أَيْ : أبا الجن { من مارج } من لهب النَّار الخالص .\r { رب المشرقين ورب المغربين } مشرق الصَّيف ومشرق الشَّتاء ، وكذلك المغربان .","part":1,"page":962},{"id":963,"text":"{ مرج البحرين } خلط البحر العذب والبحر المالح { يلتقيان } يجتمعان ، وذلك أنَّ البحر المالح فيه عيون ماءٍ عذبٍ .\r { بينهما برزخ } حاجزٌ من قدرة الله { لا يبغيان } لا يختلطان ولا يُجاوزان ما قدَّر الله لهما ، فلا الملح يختلط بالعذب ، ولا العذب يختلط بالملح .\r { يخرج منهما } أراد : من أحدهما ، وهو الملح { اللؤلؤ } وهو الحبُّ الذي يخرج من البحر { والمرجان } صغار اللؤلؤ .\r { وله الجوار } السُّفن { المنشئات } المرفوعات . { كالأعلام } كالجبال في العظم .\r { كلُّ مَنْ عليها } على الأرض من حيوانٍ { فانٍ } هالكٌ .\r { ويبقى وجه ربك } وهو السَّيِّد { ذو الجلال } العظمة { والإِكرام } لأنبيائه وأوليائه .\r { يسأله من في السموات والأرض } من مَلَكٍ وإنس وجنِّ الرِّزقَ والمغفرة وما يحتاجون إليه { كلَّ يوم هو في شأن } من إظهار أفعاله ، وإحداث ما يريد من إحياءٍ وإماتةٍ ، وخفضٍ ورفعٍ ، وقبضٍ وبسطٍ .\r { سنفرغ لكم } سنقصد لحسابكم بعد الإمهال { أيها الثقلان } يعني : الجنَّ والإنس .","part":1,"page":963},{"id":964,"text":"{ يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا } تخرجوا { من أقطار السموات والأرض } نواحيها هاربين من الموت { فانفذوا } فاخرجوا { لا تنفذون إلاَّ بسلطان } أَيْ : حيث ما كنتم شاهدتم حجَّة الله وسلطاناً يدلُّ على أنَّه واحد .\r { يرسل عليكما شواطٌ من نار } وهو اللَّهب الذي لا دخان له { ونحاس } وهو الدخان [ الذي لا لهب له ] أَيْ : يُرسل هذا مرَّةً وهذا مرَّةً ، وهو في يوم القيامة يُحاط على الخلق بلسانٍ من نارٍ { فلا تنتصران } أَيْ : تمتنعان .\r { فإذا انشقت السماء } انفرجت أبواباً لنزول الملائكة { فكانت وردة } في اختلاف ألوانها كالدُّهن واختلاف ألوانه .\r { فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه } سؤالَ استفهامٍ ، ولكن يُسألون سؤالَ تقريعٍ وتوبيخٍ .\r { يعرف المجرمون بسيماهم } بعلامتهم ، وهي سواد الوجوه ، وزرقة العيون { فيؤخذ بالنواصي والأقدام } تضمُّ نواصيهم إلى أقدامهم ، ويُلقون في النَّار ، والنَّواصي : جمع النَّاصية ، وهو شعر الجبهة ، ثم يقال لهم : \r { هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون } .","part":1,"page":964},{"id":965,"text":"{ يطوفون بينها وبين حميم آن } وهو الذي قد انتهى في الحرارة ، والمعنى أنَّهم إذا استغاثوا من النَّار جُعل غياثهم الحميم الآني ، فيُطاف بهم مرَّةً إلى الحميم ، ومرَّةً إلى النَّار .\r { ولمن خاف مقام ربه } قيامه بين يدي الله تعالى للحساب ، فترك المعصية . { جنتان } .\r { ذواتا أفنان } أغصانٍ .\r { فيهما عينان تجريان } إحدهما بالماء الزُّلال ، والأخرى بالخمر .\r { فيهما من كلِّ فاكهة زوجان } نوعان كلاهما حلو .\r { متكئين على فرش } جمع فراش { بطائنها } ما بطن منها ، وهو ضدُّ الظَّاهر { من إستبرق } وهو ما غلظ من الدِّيباج { وجنى الجنتين } ثمرهما { دان } قريبٌ يناله القاعد والقائم .\r { فيهن قاصرات الطرف } حابسات الأعين إلاَّ على أزواجهنَّ ، ولا ينظرن إلى غيرهم { لم يَطْمِثْهُنَّ } لم يُجامعهنَّ { إنس قبلهم } قبل أزواجهن { ولا جانٌ } .\r { كأنهنَّ الياقوت } في الصَّفاء { والمرجان } في البياض .\r { هل جزاء الإِحسان إلاَّ الإِحسان } ما جزاء مَنْ أحسن في الدُّنيا بطاعة الله تعالى إلاَّ الإِحسان إليه في الآخر بالجنَّة ونعيمها .","part":1,"page":965},{"id":966,"text":"{ ومن دونهما } وسوى الجنتين الأُولَيَيْنِ { جنتان } أُخريان .\r { مدهامتان } سوداوان لشدَّة الخضرة .","part":1,"page":966},{"id":967,"text":"{ فيهن خيرات } نساء فاضلات الأخلاق { حسان } الوجوه .\r { حور } سود الأحداق { مقصورات } محبوساتٌ { في الخيام } من الدُّرِّ المُجوَّفة .","part":1,"page":967},{"id":968,"text":"{ متكئين على رفرف } وهو ما فضل من الفرش والبسط . وقيل : الوسائد . { وعبقري } أَيْ : الزَّرابي والطَّنافس { حسان } ثمَّ ختم السورة بما ينبغي أن يُمجَّد به ويُعظَّم ، فقال : \r { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإِكرام } .","part":1,"page":968},{"id":969,"text":"{ إذا وقعت الواقعة } جاءت القيامة .\r { ليس لوقعتها } لمجيئها { كذبٌ } .\r { خافضة رافعة } تخفض قوماً إلى النَّار ، وترفع آخرين إلى الجنَّة .\r { إذا رجَّت الأرض رجّاً } حُرَّكت الأرض حركةً شديدةً .\r { وبست الجبال بساً } فتَّت فتَّاً .\r { فكانت هباء منبثاً } غُباراً متقرِّقاً .\r { وكنتم } في ذلك اليوم { أزواجاً } أَصنافاً { ثلاثة } ثمَّ بيَّن الأصناف ، فقال : \r { فأصحاب الميمنة } وهم الذين يُؤتون كتبهم بأيمانهم . وقيل : الذين كانوا على يمين آدم عليه السَّلام حين أخرج الذُّريَّة من ظهره { من أصحاب الميمنة } أَيُّ شيءٍ هم؟ على التَّعظيم لشأنهم .\r { وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة } أَيْ : الشِّمال . تفسيرها على ضدِّ تفسير التي قبلها .\r { والسابقون } إلى الإِيمان ، من كلِّ أمَّةٍ { السابقون } إلى رحمة الله وجنَّته .\r { أولئك المقربون } إلى كرامة الله .","part":1,"page":969},{"id":970,"text":"{ ثلة من الأولين } جماعةٌ من الأمم الماضية .\r { وقليل من الآخرين } من هذه الأُمّة . يريد : من سابقي الأمم وسابقي هذه الأُمَّة .\r { على سرر موضونة } منسوجةٍ بقضبان الذَّهب والجواهر .","part":1,"page":970},{"id":971,"text":"{ ولدان مخلدون } غلمانٌ لا يموتون ولا يهرمون .\r { بأكواب } بأقداحٍ لا عُرى لها { وأباريق } التي لها عُرى وخراطيم { وكأس } إناءٍ { من معين } من خمرٍ جاريةٍ .\r { لا يصدعون عنها } لا ينالهم الصُّداع عن شربها { ولا ينزفون } ولا يسكرون .\r { وفاكهة مما يتخيرون } يختارون .","part":1,"page":971},{"id":972,"text":"{ وحور } جوارٍٍ وغلمانٌ شديدات سواد الأعين وبياضها { عين } ضخام العيون .\r { كأمثال } كأشباه { اللؤلؤ المكنون } في صفاء اللَّون ، والمكنون : المستور في كِنِّه ، وهو الصَّدَف .","part":1,"page":972},{"id":973,"text":"{ لا يسمعون فيها } في الجنَّات { لغواً } كاملاً فاحشاً { ولا تأثيماً } ولا ما يوقع في الإِثم .\r { إلاَّ قيلاً } قولاً { سلاماً سلاماً } ما يسلمون فيه اللَّغو والإٍثم ، ثمَّ ذكر منازل أصحاب الميمنة ، فقال : \r { في سدر } وهو نوعٌ من الشَّجر { مخضود } مقطوعِ الشَّوك ، لا كسدر الدُّنيا .\r { وطلح } وهو شجر الموز { منضود } نُضِدَ بالحمل من أوَّله إلى آخره ، فليست له سوقٌ بارزةٌ .\r { وظل ممدود } دائمٍ ثابت .\r { وماء مسكوب } جارٍ غير منقطع .\r { وفاكهة كثيرة } .\r { لا مقطوعة } بالأزمان { ولا ممنوعة } بالأثمان .\r { وفرش مرفوعة } على السُّرر .","part":1,"page":973},{"id":974,"text":"{ إنا أنشأناهن } خلقناهنَّ ، أَيْ : الحور العين { إنشاء } خلقاً من غير ولادةٍ .\r { فجعلناهنَّ أبكاراً } عذارى .\r { عُرباً } مُتحبِّبات إلى الأزواج ، عواشق لهم { أتراباً } مُستوياتٍ في السنِّ .\r { لأصحاب اليمين } .\r { ثلة من الأولين } من الأمم الماضية .\r { وثلة من الآخرين } من هذه الأُمَّة . يعني : إنَّ أصحاب الجنَّة نصفان : نصفٌ من الأمم الماضية ، ونصفٌ من هذه الأمَّة ، ثمَّ ذكر منازل أصحاب الشِّمال ، فقال : \r { في سموم } ريحٍ حارَّةٍ { وحميم } .\r { وظلٍّ من يحموم } دخانٍ شديد السَّواد { لا بارد } المنزل { ولا كريم } المنظر .\r { إنهم كانوا قبل ذلك } في الدُّنيا { مترفين } مُنعَّمين لا يتعبون في طاعة الله .\r { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } يُقيمون على الذَّنب العظيم ، وهو الشِّرك ، وكانوا يُنكرون البعث . { وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أَإِنّا لمبعوثون } . فقال الله تعالى : \r { قل إنَّ الأولين والآخرين } . { لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } وهو يوم القيامة ومعنى { إلى ميقات } لميقات يوم .","part":1,"page":974},{"id":975,"text":"{ شرب الهيم } أَيْ : الإِبل العطاش .\r { هذا نزلهم } ما أعدَّ لهم من الرِّزق { يوم الدين } المجازاة .\r { نحن خلقناكم } ابتداءً { فلولا } فهلاَّ { تصدّقون } بالخلق الثَّاني ، وهو البعث .\r { أفرأيتم ما تمنون } تصبُّون في الأرحام من المنيّ .\r { أأنتم تخلقونه } بشراً { أم نحن الخالقون } .\r { نحن قدَّرنا } قضينا { بينكم الموت وما نحن بمسبوقين } .\r { على أن نبدِّل أمثالكم } أَيْ : إن أردنا أن نخلق خلقاً غيركم لم نُسبق ، ولا فاتنا ذلك { وننشئكم } نخلقكم { فيما لا تعلمون } من الصُّور ، أَيْ : نجعلكم قردةً وخنازير ، والمعنى : لسنا عاجزين عن خلق أمثالكم بدلاً منكم ، ومسخكم من صوركم إلى غيرها .\r { ولقد علمتم النشأة الأولى } الخلقة الأولى ، أَيْ : أقررتم بأنَّ الله خلقكم في بطون أُمَّهاتكم { فلولا تذكرون } أنِّي قادرٌ على إعادتكم .\r { أفرأيتم ما تحرثون } تقلبون من الأرض وتلقون فيه من البذر .\r { أأنتم تزرعونه } تنبتونه { أم نحن الزارعون } .\r { لو نشاء لجعلناه حطاماً } تبناً يابساً لا حَبَّ فيه { فظلتم تفكهون } تعجبون وتندمون ممَّا نزل بكم ، وممَّا علمتم من الحرث ، وتقولون :","part":1,"page":975},{"id":976,"text":"{ إنا لمغرمون } صار ما أنفقنا على الحرث غُرْماً علينا .\r { بل نحن محرومون } ممنوعون مُنعنا رزقنا .","part":1,"page":976},{"id":977,"text":"{ أجاجاً } أَيْ : مِلحاً لا يمكن شربه .\r { أفرأيتم النار التي تورون } تقدحون .\r { أأنتم أنشأتم } خلقتم { شجرتها } التي تخرج منها .\r { نحن جعلناها تذكرة } يتذكَّر بها نار جهنَّم { ومتاعاً } ومنفعةً { للمقوين } للمسافرين .\r { فسبح باسم ربك العظيم } أَيْ : نَزِّه الله ممَّا يقول المشركون .\r { فلا أقسم } \" لا \" زائدة { بمواقع النجوم } مساقطها ومغاربها . وقيل : أراد نجوم القرآن .","part":1,"page":977},{"id":978,"text":"{ إنه لقرآن كريم } حسنٌ عزيزٌ .\r { في كتاب مكنون } مصونٍ عند الله .","part":1,"page":978},{"id":979,"text":"{ لا يمسه } باليد ، أَيْ : المصحف { إلاَّ المطهرون } من الجنابات والأحداث .\r { تنزيل من رب العالمين } .\r { أفبهذا الحديث } أَيْ : القرآن { أنتم مدهنون } مُكِّذبون .\r { وتجعلون رزقكم } شكر زرقكم ، فحذف الشُّكر { أنكم تكذبون } بسقيا الله إذا مُطرتم ، وتقولون : مطرنا بنوء كذا .\r { فلولا } فهلاَّ { إذا بلغت } الرُّوح { الحلقوم } .\r { وأنتم } يا أصحاب الميت { حينئذٍ تنظرون } إليه وهو في النَّزع .\r { ونحن أقرب إليه منكم } بالعلم والقدرة { ولكن لا تبصرون } لا تعلمون ذلك .\r { فلولا إن كنتم غير مَدِينين } مملوكين ومجزيين .\r { ترجعونها } أَيْ : تردُّون الرُّوح إلى الميِّت { إن كنتم صادقين } أنَّكم غير مملوكين وغير مُدْبِرين . وقوله : { ترجعونها } جوابٌ واحدٌ لشيئين ، وقوله : { فلولا إذا بلغت الحلقوم } وقوله : { فلولا إن كنتم } ثمَّ ذكر مآل الخلق بعد الموت فقال : \r { فأمَّا إن كان المقربين } . { فروح } فلهم روحٌ ، أَيْ : استراحةٌ وبردٌ { وريحان } ورزقٌ حسنٌ .\r { وأمَّا إن كان من أصحاب اليمين } . { فسلام لك من أصحاب اليمين } أَيْ : إنَّك ترى فيهم ما تحبُّ من السَّلامة وقد علمت ما أعدَّ لهم من الجزاء ، لأنَّه قد بُيِّن لك في قوله : { في سدر مخضود . . . } الآيات .","part":1,"page":979},{"id":980,"text":"{ وإمَّا إن كان من المكذبين الضالين } وهم أصحاب المشأمة .\r { فنزل من حميم } فلهم نزلٌ أعدَّ لهم من شراب جهنَّم .\r { وتصلية جحيم } إدخال النَّار .\r { إنَّ هذا } الذي ذكرت { لهو حق اليقين } .\r { فسبح باسم ربك العظيم } أَيْ : نزِّه الله من السُّوء .","part":1,"page":980},{"id":981,"text":"{ سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } ذُكر تفسيرها في قوله : { وإنْ مِنْ شيءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بحمده . }","part":1,"page":981},{"id":982,"text":"{ هو الأوَّل } قبل كلِّ شيءٍ ، فكلُّ شيءٍ دونه { والباطن } العالم بكلِّ شيءٍ .\r { يعلم ما يلج في الأرض } ما يدخل فيها من مطرٍِ وغيره { وما يخرج منها } من نباتٍ وشجرٍ { وما ينزل من السماء } من رزقٍ ومطرٍ ، ومَلكٍ وأمرٍ { وما يعرج فيها } يصعد إليها من عملٍ { وهو معكم } بالعلم والقدرة { أينما كنتم } .","part":1,"page":982},{"id":983,"text":"{ آمنوا بالله ورسوله } صدِّقوا بأنَّ الله تعالى واحدٌ ، وأنَّ محمداً رسول الله { وأنفقوا } من المال الذي { جعلكم مستخلفين فيه } أَيْ : كان لغيركم فملكتموه . وقوله : \r { وقد أخذ ميثاقكم } أَيْ : حين أخرجكم من ظهر آدم عليه السَّلام بأنَّ الله ربُّكم لا إله لكم سواه { إن كنتم مؤمنين } أي : إِن كنتم على أن تؤمنوا يوماً من الأيام .","part":1,"page":983},{"id":984,"text":"{ وما لكم أنْ لا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض } أَيْ : أَيُّ شيءٍ لكم في ترك الإِنفاق في طاعة الله وأنتم ميِّتون تاركون أموالكم ، ثمَّ بيَّن فضل السَّابقين في الإنفاق والجهاد ، فقال : { لا يستوي منكم مَنْ أنفق من قبل الفتح } يعني : فتح مكَّة { وقاتل } جاهد مع رسول الله A أعداء الله . { أولئك أعظم درجة } [ يعني : عند الله ] { من الذين أنفقوا من بعد } الفتح { وقاتلوا وكلاً } من الفريقين { وعد الله الحسنى } الجنَّة .\r { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً } ذُكر تفسيره في سورة البقرة .\r { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات } وهو يوم القيامة { يسعى نورهم } على الصِّراط { بين أيديهم وبأيمانهم } وتقول لهم الملائكة : { بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم } .\r { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظروا نقتبس من نوركم } انتظرونا وقفوا لنا نستضىء بنوركم { قيل } لهم { ارجعوا وراءكم } من حيث جئتم { فالتمسوا نوراً } فلا نور لكم عندنا { فضرب بينهم } بين المؤمنين والمنافقين . { بسور } وهو حاجزٌ بين الجنَّة والنَّار . قيل : هو سور الأعراف { له باب } في ذلك السُّور بابٌ { باطنه فيه الرحمة } لأنَّ ذلك الباب يُفضي إلى الجنَّة { وظاهره من قبله } أَيْ : من قبل ذلك الظَّاهر { العذاب } وهو النَّار .\r { ينادونهم } ينادي المنافقون المؤمنين : { ألم نكن معكم } في الدُّنيا نناكحكم ونوارثكم { قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم } آثمتموها بالنِّفاق { وتربصتم } بمحمدَّ عليه السَّلام الموت { وارتبتم } شككتم في الإيمان { وغرَّتكم الأمانيّ } ما كنتم تمنَّون من نزول الدَّوابر بالمؤمنين { حتى جاء أمر لله } الموت { وغرَّكم بالله } أَيْ : بحلمه وإمهاله { الغرور } الشَّيطان .\r { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } بدلٌ { ولا من الذين كفروا } وهم المشركون { مأواكم النار } منزلكم النَّار { هي مولاكم } أولى بكم { وبئس المصير } هي .","part":1,"page":984},{"id":985,"text":"{ ألم يأن للذين آمنوا } ألم يحن { أن تخشع قلوبهم } ترقَّ وتلين { لذكر الله وما نزل من الحق } وهو القرآن ، وهذا حثٌّ من الله تعالى لقومٍ من المؤمنين على الرِّقة والخشوع { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل } أي : اليهود والنَّصارى { فطال عليهم الأمد } الزَّمان بينهم وبين أنبيائهم { فقست قلوبهم } لم تَلِنْ لذكر الله ، ونسوا ما عهد الله سبحانه إليهم في كتابهم { وكثير منهم فاسقون } وهم الذين تركوا الإِيمان بمحمد A .\r { اعلموا أنَّ الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات } أَيْ : إنَّ إحياء الأرض بعد موتها دليلٌ على توحيد الله تعالى وقدرته .\r { إنَّ المصدِّقين والمصدقات } الذين يتصدَّقون وينفقون في سبيل الله { وأقرضوا الله قرضاً حسناً } بالنَّفقة في سبيله { يضاعف لهم } ما عملوا { ولهم أجرٌ كريم } وهو الجنَّة .\r { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } المُبالغون في الصِّدق { والشهداء عند ربهم } أَي : الأنبياء عليهم السَّلام { لهم أجرهم ونورهم } في ظلمة القبر . وقيل : هم جميع المؤمنين .\r { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو } في انقضائها وقلَّة حاصلها { وزينة } يتزيَّنون بها { وتفاخرٌ بينكم } يفخر بها بعضكم على بعض { وتكاثر في الأموال والأولاد } مباهاةٌ بكثرتها ، ثمَّ ضرب لها مثلاً فقال : { كمثل غيث } مطرٍ { أعجب الكفار } أي : الزُّراع { نباتُه } ما أنبته ذلك الغيث ، { ثم يهيج } ييبس { فتراه مصفراً } بعد يبسه { ثمَّ يكون حطاماً } هشيماً مُتفتِّتاًَ ، وكذلك الإِنسان يهرم ثمَّ يموت ويبلى { وفي الآخرة عذاب شديد } للكفَّار { ومغفرة من الله ورضوان } لأوليائه .\r { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } ذُكر في سورة آل عمران عند قوله : { وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربِّكم . . . } الآية .\r { ما أصاب من مصيبة في الأرض } بالجدبِ { ولا في أنفسكم } بالمرض والموت والخسران { إلاَّ في كتاب } أي : اللَّوح المحفوظ { من قبل أن نبرأها } نخلق تلك المصيبة { إنَّ ذلك على الله يسير } أَيْ : خلقها في وقتها بعد أَنْ كتبها في اللَّوح المحفوظ .\r { لكيلا تأسوا على ما فاتكم } من الدُّنيا { ولا تفرحوا بما آتاكم } أعطاكم منها ، أَيْ : لكيلا تحزنوا حزناً يُطغيكم ، ولا تبطروا بالفرح بعد أَنْ علمتم أنَّ ما يصيبكم من خيرٍ وشرٍّ فمكتوب لا يخطئكم . { والله لا يحب كلَّ مختال } مُتكبِّرٍ بما أُوتي من الدُّنيا { فخور } به على النَّاس .\r { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } ذُكر في سورة النِّساء .\r { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } بالدّلالات الواضحات { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } العدل { ليقوم الناس بالقسط } ليتعامل النَّاس بينهم بالعدل { وأنزلنا الحديد } وذلك أنَّ آدم عليه السَّلام نزل إلى الأرض بالعلاة والمطرقة وآلة الحدَّادين { فيه بأس شديد } قوَّةٌ وشدَّةٌ يُمتنع بها ويُحارب { ومنافع للناس } يستعملونه في أدواتهم { وليعلم الله } أَيْ : أرسلنا الرُّسل ومعهم هذه الأشياء ليتعامل النَّاس بالحقِّ ، وليرى الله مَنْ ينصر دينه { ورسله بالغيب } في الدُّنيا .","part":1,"page":985},{"id":986,"text":"{ ورهبانية ابتدعوها } أَي : ابتدعوا من قبل أنفسهم رهبانيَّةً ، أَي : التَّرهُّب في الصَّوامع { ما كتبناها عليهم } ما أمرناهم بها { إلاَّ ابتغاء رضوان الله } لكنَّهم ابتغوا بتلك الرَّهبانيَّة رضوان الله { فما رعوها حق رعايتها } أَيْ : قصَّروا في تلك الرَّهبانيَّة حين لم يؤمنوا بمحمد عليه السَّلام ، { فآتينا الذين آمنوا منهم } بمحمَّدٍ عليه السَّلام { أجرهم وكثير منهم فاسقون } وهم الذين لم يؤمنوا به .\r { يا أيها الذين آمنوا } بالتَّوراة والإنجيل { اتقوا الله وآمنوا برسوله } محمد عليه السَّلام { يؤتكم كفلين } نصيبين { من رحمته } نصيباً بإيمانكم الأوَّل ، ونصيباً بإيمانكم بمحمَّد عليه السَّلام وكتابه { ويجعل لكم نوراً تمشون به } في الآخرة على الصِّراط { ويغفر لكم } وعدهم الله هذه الأشياء كلَّها على الإِيمان بمحمد عليه السَّلام ، ثمَّ قال : \r { لئلا يعلم } أي : ليعلم ، و \" لا \" زائدة { أهل الكتاب } اليهود والنَّصارى { ألا يقدرون على شيء } أنَّهم لا يقدرون على شيءٍ { من فضل الله } يعني : إِنْ لم يؤمنوا لم يُؤتهم الله شيئاً ممَّا ذُكر { وأنَّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم }","part":1,"page":986},{"id":987,"text":"{ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } نزلت في سبب خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصَّامت ، ظاهر منها وكان ذلك أوَّل ظهارٍ في الإِسلام ، وكان الظِّهار من طلاق الجاهليَّة ، فأتت رسول الله A وذكرت أنَّ زوجها ظاهر منها ، فقال رسول الله A : حَرُمْتِ عليه ، فقالت : أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي وصبيةً صغاراً ، وجعلت تُراجع رسول الله A فإذا قال لها : حَرُمْتِ عليه هتفت وشكت إلى الله ، وقوله : { والله يسمع تحاوركما } أَيْ : تخاطبكما ومراجعتكما الكلام ،","part":1,"page":987},{"id":988,"text":"ثمَّ ذمَّ الظَّهار فقال : { الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنَّ أمهاتهم } أَيْ : ما اللواتي يجعلن من الزَّوجات كالأمهات بأمهاتٍ . { إن أمهاتهم إلاَّ اللائي ولدنهم } ما أُمهاتهم إلاَّ الوالدات { وإنهم ليقولون } بلفظ الظِّهار { منكراً من القول } لا تُعرف صحَّته { وزوراً } وكذباً؛ فإنَّ المرأة لا تكون كالأمِّ { وإنَّ الله لعفو غفور } عفا وغفر للمُظاهِر بجعل الكفَّارة عليه ، ثمَّ ذكر حكم الظِّهار ، فقال : \r { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ ، تقديرها : والذين يُظاهرون من نسائهم فتحرير رقبةٍ لما قالوا ، ثمَّ يعودون ، أيْ : على المُظاهر عتق رقبةٍ لقوله لامرأته : أنتِ عليَّ كظهر أُمِّي ، ثمَّ يعود إلى استباحة الوطء ، ولا تحلُّ له قبل الكفَّارة ، وهو قوله : { من قبل أن يتماسا } أي : يَجَّامعا { ذلكم توعظون به } أي : ذلك التَّغليظ في الكفَّارة وعظٌ لكم كي تنزجروا به عن الظِّهار فلا تُظاهروا .\r { فمن لم يجد } الرَّقبة لفقره { فصيام شهرين متتابعين } لو أفطر فيما بين ذلك بطل التَّتابع ، ويجب عليه الاستئناف { فمن لم يستطع } ذلك لمرضٍ أو لخوفِ مشقَّةٍ عظيمةٍ { فإطعام ستين مسكيناً } لكلِّ مسكينٍ مدٌّ من غالب القوت . { ذلك } أي : الفرض الذي وصفنا { لتؤمنوا بالله ورسوله } لتصدقوا ما أتى به الرَّسول عليه السَّلام ، وتُصدِّقوا أنَّ الله تعالى به أمر { وتلك حدود الله } يعني : ما وصف في الظِّهار والكفَّارة { وللكافرين } لمن لم يُصدِّق به { عذاب أليم } .\r { إنَّ الذين يحادون الله } يُخالفون الله { ورسوله كُبِتوا } أُذِلُّوا وأُخزوا { كما كُبِتَ الذين من قبلهم } ممَّن خالف الله ورسوله { وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين } بها { عذاب مهين } .\r { يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا } يخبرهم بذلك ليعلموا وجوب الحجَّة عليهم { أحصاه الله } علمه الله وأحاط بعدده { ونسوه } هم . وقوله : \r { ما يكون من نجوى ثلاثة } أَيْ : مناجاة ثلاثةٍ ، وإن شئت قلتَ : من متناجين ثلاثة { إلاَّ هو رابعهم } بالعلم ، يسمع نجواهم .","part":1,"page":988},{"id":989,"text":"{ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } نزلت في المنافقين واليهود ، كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين ، وينظرون إلى المؤمنين ليُواقعوا في قلوبهم ريبةً وتهمةً ، ويظنُّون أنَّ ذلك لشيءٍ بلغهم ممَّا يهمُّهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله A فنهاهم عن ذلك ، فعادوا لما نُهوا عنه ، فأنزل الله : { ألم تر إلى الذين نُهوا عن النجوى ثم يعودون لما } أَي : إلى { ما نُهوا عنه ويتناجون بالإِثم والعدوان ومعصية الرسول } أي : يُوصي بعضهم بعضاً سرَّاً بالظُّلم والإِثم ، وترك طاعة الرَّسول عليه السَّلام . { وإذا جاؤوك حيوك بما لم يُحَيِّكَ به الله } يعني : قولهم : السَّام عليك { ويقولون في أنفسهم : لولا يعذِّبنا الله بما نقول } وذلك أنَّهم قالوا : لو كان نبيَّاً لعذَّبنا بهذا ، قال الله : { حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } . ثمَّ نهى المؤمنين عن مثل ذلك ، فقال : \r { يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإِثم والعدوان ومعصيت الرسول } { إنما النجوى من الشيطان } أَيْ : النَّجوى بالإِثم والعدوان ممَّا يزيِّن الشَّيطان لهم { ليحزن الذين آمنوا وليس بضارِّهم } وليس الشَّيطان بضارِّهم { شيئاً إلاَّ بإذن الله ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أَيْ : وإِليه فَلْيَكِلُوا أمورهم .\r { يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس } توسَّعوا في مجلس رسول الله A { فافسحوا } أوسعوا المجلس { يفسح الله لكم } يُوسِّعه عليكم . نزلت في قومٍ كانوا يُبكِّرون إلى مجلس رسول الله A ، ويأخذون مجالسهم بالقرب منه ، فإذا دخل غيره ضنُّوا بمجالسهم ، وكان رسول الله A يحبُّ أن يُكرم أهل بدرٍ ، فدخلوا يوماً فقاموا بين يديه ولم يجدوا عنده مجلساً ، ولم يقم لهم أحدٌ من هؤلاء الذين أخذوا مجالسهم ، فكره النبيُّ عليه السَّلام ذلك ، فنزلت هذه الآية ، وأمرهم أن يُوسِّعوا في المجلس لمن أراد النَّبيُّ A . { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } وإذا قيل لكم : قوموا إلى صلاةٍ أو جهادٍ ، أو عمل خيرٍ فانهضوا { يرفع الله الذين آمنوا منكم } بطاعة الرَّسول { والذين أوتوا العلم درجات } في الجنَّة .\r { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم } أمام مناجاتكم { صدقة } . نزلت حين غلب أهلُ الجدة الفقراءَ على مجالسة رسول الله A ومناجاته ، فكره الرَّسول ذلك فأمرهم الله بالصَّدقة عند المناجاة ، ووضع ذلك عن الفقراء فقال : { فإن لم تجدوا فإنَّ الله غفور رحيم } ثمَّ نسخ الله ذلك ، فقال : \r { أأشفقتم } بخلتم وخفتم بالصَّدقة الفقر { فإذْ لم تفعلوا وتاب الله عليكم } عاد عليكم بالتَّخفيف { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } المفروضة .\r { ألم تر إلى الذين أوتوا قوماً غضب الله عليهم } أَي : المنافقين تولَّوا اليهود وناصحوهم ، ونقلوا إليهم أسرار المؤمنين { ما هم منكم } أيُّها المؤمنون { ولا منهم } من اليهود { ويحلفون على الكذب } يحلفون أنَّهم لا يخونون المؤمنين { وهم يعلمون } أنَّهم كاذبون في حلفهم .","part":1,"page":989},{"id":990,"text":"{ اتخذوا أيمانهم } الكاذبة { جنة } يستجنُّون بها من القتل .","part":1,"page":990},{"id":991,"text":"{ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له } كاذبين ما كانوا مشركين { كما يحلفون لكم } كاذبين { ويحسبون أنهم على شيء } من نفاقهم ، يأتونكم بوجهٍ ، ويأتون الكفَّار بوجهٍ ، ويظنُّون أنَّهم يسلمون فيما بينكم وبينهم { ألا إنهم هم الكاذبون } .\r { استحوذ عليهم الشيطان } أي : استولى عليهم .\r { إنَّ الذين يحادون الله ورسوله } يخالفونهما . { أولئك في الأذلين } المغلوبين .\r { كتب الله } قضى الله { لأغلبنَّ أنا ورسلي } إمَّا بالظفَّر والقهر ، وإمَّا بظهور الحجَّة .\r { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله . . . } الآية . أخبر الله في هذه الآية أنَّ المؤمن لا يوالي الكافر وإنْ كان أباه ، أو أخاه ، أو قريبه وذلك أنَّ المؤمنين عادوا آباءَهم الكفَّار وعشائرهم وأقاربهم ، فمدحهم الله على ذلك فقال : { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } أَيْ : أثبته { وأيديهم بروحٍ منه } أيْ : بنور الإِيمان ، وقيل : بالقرآن ، ثمَّ وعدهم الإِدخال في الجنَّة فقال : { ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها Bهم ورضوا عنه أولئك حزب الله أَلاَ إنَّ حزب الله هم المفلحون } .","part":1,"page":991},{"id":992,"text":"{ سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم } .\r { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب } يعني : بني النَّضير { من ديارهم } مساكنهم بالمدينة ، وذلك أنَّه نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله A ، فأمر رسول الله A بقتل كعب بن الأشرف سيِّدهم ، فقتل غيلةً ، وحاصر بني النَّضير ثمَّ صالحهم على أن يخرجوا إلى الشَّام ، فخرجوا وتركوا رباعهم وضياعهم ، وقوله : { لأوَّل الحشر } كانوا أوَّل مَنْ حُشر إلى الشَّام من اليهود من جزيرة العرب وقيل : إنَّه كان أوَّل حشرٍ إلى الشَّام ، والحشر الثَّاني حشر القيامة ، والشَّام أرض المحشر . { ما ظننتم } أَيُّها المؤمنون { أن يخرجوا } لعدَّتهم ومنَعتهم { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } وذلك أنَّهم كانوا أهل حلقةٍ وحصونٍ ، فظنُّوا أنَّها تحفظهم من ظهور المسلمين عليهم { فأتاهم الله } أي : أمر الله { من حيث لم يحتسبوا } من جهة المؤمنين ، وما كانوا يحسبون أنَّهم يغلبونهم ويظهرون عليهم { وقذف في قلوبهم الرعب } ألقى في قلوبهم الخوف بقتل سيِّدهم { يخربون بيوتهم بأيديهم } وذلك أنَّ النبيَّ A صالحهم على أنَّ لهم ما أقلَّت الإِبل ، وكانوا ينظرون إلى الخشبة والشَّيء في منازلهم ممَّا يستحسنونه ، فيقلعونه وينتزعونه ويهدمون البيوت لأجله ، فذلك إخرابهم بأيديهم ، ويخرِّب المؤمنون باقيها ، وهو قوله : { وأيدي المؤمنين } وأضاف الإخراب بأيدي المؤمنين إليهم؛ لأنَّهم عرَّضوا منازلهم للخراب بنقض العهد . { فاعتبروا } فاتَّعظوا { يا أولي الأبصار } يا ذوي العقول ، فلا تفعلوا فعل بني النَّضير فينزل بكم ما نزل بهم .\r { ولولا أن كتب الله } قضى الله { عليهم الجلاء } الخروج عن الوطن { لعذَّبهم في الدنيا } بالقتل والسَّبى كما فعل بقريظة .","part":1,"page":992},{"id":993,"text":"{ ما قطعتم من لينة } من نخلةٍ من نخيلهم { أو تركتموها قائمة } فلم تقطعوها { فبإذن الله } أي : إنَّه أذن في ذلك ، إِنْ شئتم قطعتم وإنْ شئتم تركتم ، وذلك أنَّهم لمَّا تحصَّنوا بحصونهم أمر رسول الله A بقطع نخيلهم وإحراقها فجزعوا من ذلك ، وقالوا : من أين لك يا محمَّد عقر الشَّجر المثمر؟ واختلف المسلمون في ذلك ، فمنهم مَنْ قطع غيظاً لهم ، ومنهم من ترك القطع وقالوا : هو مالنا : أفاء الله علينا به ، فأخبر الله أنَّ كلَّ ذلك من القطع والتَّرك بإذنه { وليخزي الفاسقين } وليذلَّ اليهود وليغيظهم .\r { وما أفاء الله على رسوله } ردَّ الله على رسوله ورجع إليه { منهم } من بني النَّضير من الأموال { فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } أَيْ : ما حملتم خيلكم ولا إبلكم على الوجيف إليه ، وهو السَّير السَّريع ، والمعنى : لم تركبوا إليه خيلاً ولا إبلاً ، ولا قطعتم إليه شُقَّة ، فهو خالصٌ لرسول الله A يعمل فيه ما أحبَّ ، وليس كالغنيمة التي تكون للغانمين ، وهذا معنى قوله : { ولكنَّ الله يسلط رسله على مَنْ يشاء . . . } الآية .\r { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } من أموال أهل القرى الكافرة { فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } وكان الفيء يُخَمَّسُ خمسةَ أخماسٍ ، فكانت أربعةُ أخماسه لرسول الله A يفعل فيها ما يشاء ، والخمس الباقي للمذكورين في هذه الآية ، وأمَّا اليوم فما كان للنبيِّ A من الفيء يُصرف إلى أهل الثُّغور المُترصِّدين للقتال في أحد قولي الشَّافعي C ، والفيء : كلُّ مالٍ رجع إلى المسلمين من أيدي الكفَّار عفواً من غير قتال ، مثل : مال الصُّلح والجزية والخراج ، أو هربوا فتركوا ديارهم وأموالهم ، كفعل بني النَّضير ، وقوله : { كيلا يكون } يعني : الفيء { دولة } متداولاً { بين الأغنياء } الرُّؤساء والأقوياء { منكم وما آتاكم الرسول } أعطاكم من الفيء { فخذوه وما نهاكم عنه } عن أخذه { فانتهوا } .","part":1,"page":993},{"id":994,"text":"{ للفقراء المهاجرين } يعني : خمس الفيء للذين هاجروا إلى المدينة وتركوا ديارهم وأموالهم حُبَّاً لله ولرسوله ، ونصرةً لدينه ، وهو قوله : { وينصرون الله } أي : دينه { ورسوله أولئك هم الصادقون } في إيمانهم .\r { والذين تبوَّؤا الدار والإِيمان } نزلوا المدينة وقبلوا الإيمان { من قبلهم } من قبل المهاجرين وهم الأنصار { يحبون من هاجر إليهم } من المسلمين { ولا يجدون في صدورهم حاجة } غيظاً وحسداً { مما أوتوا } ممَّا أُوتي المهاجرون من الفيء ، وذلك أنَّ رسول الله A قسم أموال بني النَّضير بين المهاجرين ، ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلاَّ ثلاثة نفرٍ ، كانت بهم حاجة فطابت أنفس الأنصار بذلك ، فذلك قوله : { ويؤثرون على أنفسهم } أَي : يختارون إخوانهم المهاجرين بالمال على أنفسهم { ولو كانت بهم خصاصة } حاجةٌ وفاقةٌ إلى المال { ومَنْ يوق شح نفسه } مَنْ حُفظ من الحرص المهلك على المال ، وهو حرصٌ يحمله على إمساك المال عن الحقوق والحسد { فأولئك هم المفلحون } .\r { والذين جاؤوا من بعدهم } أي : والذين يَجئيون من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواتنا الذين سبقونا بالإيمان } أي : المهاجرين والأنصار { ولا تجعل في قلوبنا غلاً } حقداً { للذين آمنوا . . . } الآية . فمن ترحَّم على أصحاب رسول الله A ولم يكن في قلبه غِلٌّ لهم فهو من أهل هذه الآية ، ومَنْ يشتم واحداً منهم ولم يترحَّم عليه لم يكن له حظٌّ في الفيء ، وكان خارجاً من جملة أقسام المؤمنين ، وهم ثلاثةٌ : المهاجرون والأنصار ، والذين جاؤوا من بعدهم بهذه الصِّفة التي ذكرها الله تعالى .","part":1,"page":994},{"id":995,"text":"{ ألم تر إلى الذين نافقوا . . . } الآية . وذلك أنَّ المنافقين ذهبوا إلى بني النَّضير لمَّا حاصرهم رسول الله A ، وقالوا : لا تخرجوا من دياركم ، فإن قاتلكم محمدٌ كنَّا معكم ، وإن أخرجكم خرجنا معكم ، وذلك قوله : { لئن أخرجتم لنخرجنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً } سألنا خذلانكم { أبداً } فكذَّبهم الله تعالى فيما قالوا بقوله : { والله يشهد إنهم لكاذبون } والآية الثَّانية ، وذكر أنَّهم إن نصروهم انهزموا ولم ينتصروا ، وهو قوله : \r { ولئن نصروهم ليولنَّ الأدبار ثمَّ لا ينصرون } .\r { لأنتم } أيُّها المؤمنون { أشد رهبة في صدروهم } صدور المنافقين من الله ، يقول : أنتم أهيبُ في صدورهم من الله تعالى؛ لأنَّهم يُخفون منك موافقة اليهود خوفاً منكم ، ولا يخافون الله فيتركون ذلك .\r { لا يقاتلونكم جميعاً } أي : اليهود { إلاَّ في قرىً محصنة أو من وراء جدر } أي : لِمَا ألقى الله في قلوبهم من الرعب لا يقاتلونكم إلاَّ مُتحصِّنين بالقرى والجدران ، ولا يبرزون لقتالكم . { بأسهم بينهم شديد } خلافهم بينهم عظيم { تحسبهم جميعاً } مُجتمعين مُتَّفقين { وقلوبهم شتى } مُختلفةٌ مُتفرِّقةٌ ، و { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } عن الله أمره .","part":1,"page":995},{"id":996,"text":"{ كمثل الذين من قبلهم } أي : المشركين ، يقول : هم في تركهم الإيمان وغفلتهم عن عذاب الله كالذين من قبلهم { قريباً ذاقوا وبال أمرهم } يعني : أهل بدرٍ ذاقوا العذاب بمدَّةٍ قليلةٍ من قبل ما حلَّ بالنَّضير من الجلاء والنَّفي ، وكان ذلك بعد مرجعه من أُحدٍ ، وقوله : \r { كمثل الشيطان } يعني : إنَّ المنافقين في نصرتهم لليهود كمثل الشَّيطان { إذ قال للإِنسان اكفر } يعني : عابداً في بني إسرائيل فتنه الشَّيطان حتى كفر ، ثمَّ خذله ، كذلك المنافقون منَّوا بني النَّضير نصرتهم ثمَّ خذلوهم وتبرَّؤوا منهم .\r { فكان عاقبتهما } عاقبة الشَّيطان والكافر { أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين } .\r { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } بأداء فرائضه واجتناب معاصيه { ولتنظر نفسٌ ما قدَّمت لغد } يوم القيامة من طاعةٍ وعملٍ صالحٍ .\r { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } تركوا طاعة اللَّه وأمره { فأنساهم أنفسهم } حظَّ أنفسهم أن يُقدِّموا لها خيراً .","part":1,"page":996},{"id":997,"text":"{ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } أخبر الله تعالى أنَّ من شأن القرآن وعظمته أنَّه لو جُعل في الجبل تمييزٌ - كما جعل في الإنسان - وأُنزل عليه القرآن لخشع وتصدَّع ، أَيْ : تشقَّق من خشية الله . قوله : \r { عالم الغيب والشهادة } السِّرِّ والعلانيَة . وقوله : \r { الملك } : ذو الملك { القدوس } الطَّاهر عمَّا لا يليق به { السلام } ذو السَّلامة من الآفات والنَّقائص { المؤمن } المُصدِّق رسله بخلق المعجزة لهم . وقيل : الذي آمن خلقه من ظلمه { المهيمن } الشَّهيد { العزيز } القويُّ { الجبار } الذي جبر الخلق على ما أراد من أمره { المتكبر } عمَّا لا يليق به .","part":1,"page":997},{"id":998,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة لمَّا كتب إلى مشركي مكَّة يُنذرهم برسول الله A حين أراد الخروج إليهم { تلقون إليهم بالمودة } أَيْ : تُلقون إليهم أخبار النَّبيِّ A وسرَّه بالمودة التي بينكم وبينهم { وقد كفروا } أَي : وحالهم أنَّهم كافرون { بما جاءكم من الحق } دين الإِسلام والقرآن { يخرجون الرسول وإياكم } أيُّها المؤمنون من مكَّة { أن تؤمنوا } لأن آمنتم { بالله ربكم إن كنتم خرجتم } من مكَّة { جهاداً } للجهاد { في سبيلي وابتغاء مرضاتي } وجواب هذا الشَّرط متقدِّم وهو قوله : { لا تتخذوا عدوي } أي : لا تتَّخذوهم أولياء إن كنتم تبتغون مرضاتي ، وقوله : { تسرون إليهم بالمودة } كقوله : { تُلقون إليهم بالمودَّة } { وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم } وذلك أنَّ الله أطلع نبيَّه عليه السَّلام على مكاتبة حاطبٍ للمشركين حتى استردَّ الكتاب ممَّن دفعه إليه ليوصله إليهم { ومن يفعله منكم } أي : الإسرار إليهم { فقد ضلَّ سواء السبيل } أخطأ طريق الدِّين ، ثمَّ أعلم أنَّه ليس ينفعهم ذلك عند المشركين ، فقال : \r { إن يثقفوكم } أَيْ : يلقوكم ويظفروا بكم { يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم } بالضَّرب والقتل { وألسنتهم بالسّوء } أي : الشَّتم { وودوا لو تكفرون } فلا تُناصِحوهم ، فإنَّهم معكم على هذه الحالة ، ثمَّ أخبر أنَّ أهلهم وأولادهم الذين لأجلهم يُناصحون المشركين لا ينفعونهم شيئاً في القيامة ، فقال : \r { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم } المشركون { يوم القيامة يفصل بينكم } فيدخل المؤمنون الجنَّة ، والكافرون النَّار ، ثمَّ أمرَ أصحاب رسول الله A بالاقتداء بأصحاب إبراهيم عليه السَّلام ، فقال : { قد كانت لكم أسوة حسنة } .","part":1,"page":998},{"id":999,"text":"{ قد كانت لكم أسوة حسنة } ائتمامٌ واقتداءٌ [ وطريقةٌ حسنةٌ ] { في إبراهيم والذين معه } من أصحابه إذ تبرَّؤوا من قومهم الكفَّار وعادوهم ، وقالوا لهم : { كفرنا بكم } أَيْ : أنكرناكم وقطعنا محبتكم . وقوله : { إلاَّ قول إبراهيم لأبيه } أَيْ : كانت لكم أسوةٌ فيهم ما خلا هذا ، فإنَه لا يجوز الاستغفار للمشركين ، ثمَّ أخبر أنَّهم قالوا يعني قوم إبراهيم : { ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير } .\r { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } أَيْ : لا تُظهرهم علينا فيظنوا أنَّهم على حقٍّ ، فيفتتنوا بذلك .\r { لقد كان لكم فيهم } في إبراهيم والذين معه { أسوة حسنة } تقتدون بهم ، فتفعلون من البراءة من الكفَّار كما فعلوا ، وتقولون كما قالوا ممَّا أخبر عنهم ، ثمَّ بيَّن أنَّ هذا الاقتداء بهم { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } { ومن يتول } عن الحقِّ ووالى الكفَّار { فإنَّ الله هو الغني الحميد } .\r { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم } من مشركي مكَّة { مودَّة } بأن يهديهم للدِّين ، فيصيروا لكم أولياء وإخواناً ، ثمَّ فعل ذلك بعد فتح مكَّة ، فتزوَّج رسول الله A أمَّ حبيبة بنت سفيان ، ولان أبو سفيان للمؤمنين وترك ما كان عليه من العداوة ، ثمَّ رخص في صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفَّار ، فقال : \r { ولا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم } أَيْ : لا ينهاكم عن برِّ هؤلاء { وتقسطوا إليهم } أَيْ : تعدلوا فيهم بالإحسان ، ثمَّ ذكر أنَّه إنَّما ينهاهم عن أن يتولَّوا مشركي مكَّة الذين قاتلوهم ، فقال : { إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم . . . . } .","part":1,"page":999},{"id":1000,"text":"{ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم } .\r { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات . . . } الآية . نزلت بعد صلح الحديبية ، وكان الصُّلح قد وقع على أن يردَّ إلى أهل مكَّة مَنْ جاء من المؤمنين منهم ، فأنزل الله في النِّساء إذا جئن مهاجراتٍ أَنْ يُمتحنَّ ، وهو وقوله : { فامتحنوهن } وهو أنّْ تُستحلف ما خرجت بُغضاً لزوجها ، ولا عشقاً لرجلٍ من المسلمين ، وما خرجت إلاَّ رغبةً في الإسلام ، فإذا حلفت لم تردَّ إلى الكفَّار ، وهو قوله : { فإن علمتموهنَّ مؤمنات فلا ترجعوهنَّ إلى الكفار } لأنَّ المسلمةَ لا تحلُّ للكافر ، وقوله : { وآتوهم } يعني : أزواجهم الكفَّار ما أنفقوا عليهنَّ من المهر { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ءاتيتموهنَّ أجورهنَّ } أي : مهورهنَّ وإن كان لهنَّ أزواجٌ كفَّارٌ ، [ في دار الإِسلام ] ، لأنَّ الإِسلام أبطل تلك الزَّوجية ، { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } أَيْ : لا تمسكوا بنكاحهنَّ؛ فإنَّ العصمة لا تبقى بين المشركة والمؤمن ، والمعنى : إن لحقت بالمشركين واحدةٌ من نسائكم فلا تتمسكوا بنكاحها { واسألوا ما أنفقتم } عليهنَّ من المهر مَنْ يتزوجهنَّ من الكفَّار { وليسألوا } يعني : المشركين { ما أنفقوا } من المهر ، فلمَّا نزلت هذه الآية أدَّى المؤمنون ما أُمروا به من نفقات المشركين على نسائهم ، وأبى المشركون ذلك ، فنزلت : \r { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار } أَيْ : إنْ لحقتْ واحدةٌ من نسائكم مرتدَّةً بالكفَّار { فعاقبتم } فغزوتموهم وكانت العقبى لكم { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم } إلى الكفَّار { مثل ما أنفقوا } عليهنَّ من الغنائم ، ثمَّ نزل في بيعة النِّساء : \r { يا أيها النبيُّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنَّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } أَيْ : لا يأتين بولدٍ ينسبنه إلى الزَّوج؛ فإن ذلك بهتانٌ وفِريةٌ { ولا يعصينك في معروف } أيْ : فيما وافق طاعة الله تعالى { فبايعهنَّ } أمره أن يُبايعهنَّ على الشَّرائط التي ذكرها في هذه الآية ، ثمَّ نهى المؤمنين عن موالاة اليهود ، فقال : \r { يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة } أن يكون لهم فيها ثوابٌ { كما يئس الكفار } الذين لا يوقنون بالبعث { من أصحاب القبور } أن يُبعثوا . وقيل : كما يئس الكفَّار الذين في القبور مَنْ أَنْ يكون لهم في الآخرة خيرٌ .","part":1,"page":1000},{"id":1001,"text":"{ سبَّح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم } .\r { يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون } كان المؤمنون يقولون : لو علمنا أحبَّ الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا ، فأُخبروا بذلك في قوله : { إنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون } الآية .\rوقوله : { كَبُر مقتاً عند الله } أَيْ : عَظُم ذلك في البعض { أن تقولوا ما لا تفعلون } وقوله : \r { إنَّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً } وأُعلموا أنَّ أحب الأعمال إلى الله الجهاد ، فلم يَفوا بما قالوا وانهزموا يوم أُحدٍ ، فَعُيِّروا بهذه الآية . وقوله : { كأنهم بنيان مرصوص } لاصق ٌ بعضه ببعض لا يزولون عن أماكنهم .\r { وإذ قال موسى } أَيْ : اذكر يا محمَّد لقومك قصَّة موسى إذ قال لقومه : { يا قوم لم تؤذونني } وذلك حين رموه بالأُدْرَة { وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } والرَّسول يُعظَّم ولا يُؤذى { فلما زاغوا } عدلوا عن الحقِّ { أزاغ الله قلوبهم } أضلَّهم الله وصرف قلوبهم عن الحقِّ { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أَيْ : مَنْ سبق في علمه أنَّه فاسقٌ .","part":1,"page":1001},{"id":1002,"text":"{ وأخرى تحبونها } أَيْ : ولكم أخرى تحبُّونها في العاجل مع ثواب الآجل ، ثمَّ بيَّن ما هي فقال : { نصرٌ من الله وفتح قريب } .\r { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله } أعواناً بالسَّيف على أعدائه { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين مَنْ أنصاري إلى الله } أَيْ : مع الله { قال الحواريون نحن أنصار الله ، فآمنت طائفة من بني إسرائيل } بعيسى { وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا } [ قوّيناهم ] { على عدوهم فأصبحوا ظاهرين غالبين .","part":1,"page":1002},{"id":1003,"text":"{ يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم } .\r { هو الذي بعث في الأميين } يعني : العرب { رسولاً منهم } محمداً عليه السَّلام .\r { وآخرين منهم } أَيْ : وفي آخرين منهم { لما يلحقوا بهم } وهم التَّابعون وجميعُ مَنْ يدخل في الإسلام ، والنبيُّ A مبعوثٌ إلى كلِّ مَنْ شاهده ، وإِلى كلِّ مَنْ كان بعدهم من العرب والعجم .","part":1,"page":1003},{"id":1004,"text":"{ مثل الذين حملوا التوارة } كُلِّفوا العمل بها { ثمَّ لم يحملوها } لم يعملوا بما فيها { كمثل الحمار يحمل أسفاراً } كتباً . أَيْ : اليهود ، شبَّههم في قلَّة انتفاعهم بما في أيديهم من التَّوراة إذ لم يؤمنوا بمحمد عليه السَّلام بالحمار يحمل كتباً ، ثمَّ قال : { بئس مثلُ القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين } .\r { قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } فسِّر في سورة البقرة عند قوله : { قل إنْ كانت لكم الدَّارُ الآخرةُ . . . . } الآية .","part":1,"page":1004},{"id":1005,"text":"{ قل إنَّ الموت الذي تفِرُّون منه } وذلك أنَّهم علموا أنَّ عاقبتهم النَّار بتكذيب محمد عليه السَّلام ، فكرهوا الموت ، قال الله : { فإنَّه ملاقيكم } أَيْ : لا بدَّ لكم منه يلقاكم وتلقونه .\r { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } أَيْ : اعلموا على المشي إليه { وذروا البيع } اتركوه بعد النِّداء .\r { فإذا قضيت الصَّلاة } فُرغ منها { فانتشروا في الأرض } أَمرُ إباحةٍ { وابتغوا من فضل الله } الرِّزق .\r { وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها } أَيْ : تفرَّقوا عنك إلى التِّجارة ، وكان النبيُّ A في خطبته يوم الجمعة ، فقدمت عيرٌ وضرب لقدومها الطبل ، وكان ذلك في زمان غلاءٍ بالمدينة ، فتفرَّق النَّاس عن النبيّ A إلى التِّجارة وصوت الطبل ، ولم يبق معه إلاَّ اثنا عشر نفساً . وقوله : { وتركوك قائماً } أَيْ : في الخطبة . { قل ما عند الله } [ للمؤمنين ] { خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } فإيَّاه فاسألوا ، ولا تنفضُّوا عن الرَّسول A لطلب الرِّزق .","part":1,"page":1005},{"id":1006,"text":"{ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ، والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون } لإِضمارهم خلاف ما أظهروا .\r { اتخذوا أيمانهم } جمع يمينٍ { جنَّة } سترةً يستترون بها من القتل . يعني : قولهم : { ويحلفون بالله إنَّهم لمنكم } وقوله : { يحلفون بالله ما قالوا } { فصدوا عن سبيل الله } منعوا النَّاس عن الإِيمان بمحمَّد A { إنهم ساء ما كانوا يعملون } بئس [ العملُ ] عملهم .\r { ذلك بأنهم آمنوا } في الظَّاهر { ثمَّ كفروا } بالاعتقاد .\r { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } في طولها واستواء خلقها ، وكان عبد الله بن أبيّ جسيماً صبيحاً فصيحاً ، إذا تكلَّم يَسمع النبيُّ A قوله ، وهو قوله : { وإن يقولوا تسمع لقولهم } ثمَّ أعلم أنَّهم في ترك التَّفهُّم بمنزلة الخشب ، فقال : { كأنهم خشب مسندة } أَيْ : ممالةٌ إلى الجدار { يحسبون } من جُبنهم وسوء ظنِّهم { كلَّ صيحة عليهم } أَيْ : إنْ نادى منادٍ في العسكر ، أو ارتفع صوتٌ ، ظنُّوا أنَّهم يُرادون بذلك لما في قلوبهم من الرُّعب { هم العدو } وإن كانوا معك { فاحذرهم } ولا تأمنهم { قاتلهم الله } لعنهم الله { أنى يؤفكون } من أين يُصرفون عن الحقِّ بالباطل؟! .\r { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم } وذلك أنَّه لمَّا نزلت هذه الآيات قيل لعبد الله بن أبيّ : لقد نزلت فيك آيٌ شدادٌ ، فاذهب إلى رسول الله A يستغفر لك ، فلوى رأسه وأعرض بوجهه إظهاراً للكراهة { ورأيتهم يصدون } يُعرضون عمَّا دُعوا إليه { وهم مستكبرون } لا يستغفرون ، ثمَّ أخبر أنَّ استغفار الرَّسول عليه السَّلام لا ينفعهم لفسقهم وكفرهم فقال : \r { سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم } .","part":1,"page":1006},{"id":1007,"text":"{ هم الذين يقولون : لا تنفقوا على من عند رسول الله } وذلك أَنَّ عبد الله ابن أبيّ قال لقومه وذويه : لا تنفقوا على أصحاب محمَّد - A ورضي عنهم - حتى ينفضُّوا ، أَيْ : يتفرَّقوا { ولله خزائن السموات والأرض } أَيْ : إنَّه يرزق الخلق كلَّهم ، وهو يرزق المؤمنين والمنافقين جميعاً .\r { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة } يعني : عبد الله ابن أبيّ ، وكان قد خرج مع رسول الله A إلى غزوة بني المصطلق ، وجرى بينه وبين واحدٍ من المؤمنين جدال ، فأفرط عليه المؤمن فقال عبد الله بن أبيّ : { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذل } يعني : بالأعزِّ نفسه ، وبالأذلِّ رسول الله A ، فقال الله تعالى : { ولله العزَّة } القوَّة والغلبة { ولرسوله } بعلوِّ كلمته وإظهار دينه { وللمؤمنين } بنصر الله إيَّاهم على مَنْ ناوأهم .\r { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم } لا تشغلكم { أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } أَيْ : الصَّلوات الخمس { ومَنْ يفعل ذلك } يشتغل بشيءٍ عن الصَّلوات { فأولئك هم الخاسرون } .\r { وأنفقوا مما رزقناكم } يعني : أَدُّوا الزَّكاة { من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول : ربِّ لولا أخرتني إلى أجل قريب } هلاَّ أخرتني إلى أجلٍ قريبٍ ، يسأل الرجعة ، وما قصَّر أحدٌ في الزَّكاة والحجِّ إلاَّ سأل الرَّجعة عند الموت { فأصدَّق } أَيْ : أتصدَّق وأُزكِّي { وأكن من الصالحين } أَيْ : أحج . قال الله تعالى : \r { ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبيرٌ بما تعملون } .","part":1,"page":1007},{"id":1008,"text":"{ يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير } .\r { هو الذي خلقكم } أَيْ : في بطون أمهاتكم { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } أَيْ : خلقكم كُفَّاراً ومؤمنين ، وقوله : \r { فأحسن صوركم } أَيْ : خلقكم أحسن الحيوان .","part":1,"page":1008},{"id":1009,"text":"{ ألم يأتكم } يا أهلَ مكَّة { نبأ الذين كفروا من قبل } أَيْ : خبر الأمم الكافرة قبلكم { فذاقوا وبال أمرهم } ذاقوا في الدُّنيا العقوبة بكفرهم { ولهم } في الآخرة { عذاب أليم } .\r { ذلك } أَيْ : ذلك الذي نزل بهم { بأنَّه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا : أبشرٌ يهدوننا } استبعدوا أن يكون الدَّاعي إلى الحقِّ بشراً ، والمراد بالبشر ههنا الجمع ، لذلك قال : { يهدوننا ، فكفروا وتولوا } عن الإِيمان { واستغنى الله } أَيْ : عن إيمانهم { والله غنيٌّ } عن خلقه { حميد } في أفعاله .","part":1,"page":1009},{"id":1010,"text":"{ يوم التغابن } يغبن فيه أهلُ الجنَّة أهلَ النَّار بأخذ منازلهم التي كانت لهم في الجنَّة لو آمنوا ، ويغبن مَنْ ارتفعت منزلته في الجنَّة مَنْ كان دون منزلته ، فيظهر في ذلك اليوم غبن كلِّ كافرٍ بترك الإِيمان ، وغبن كلِّ مؤمنٍ بتقصيره .","part":1,"page":1010},{"id":1011,"text":"{ ما أصاب من مصيبة إلاَّ بإذن الله } بعلمه وإرادته { ومَنْ يؤمن بالله } يُصدِّق بأنَّه لا تصيبه مصيبةٌ إلاَّ بإذن الله { يهد قلبه } يجعله مهتدياً حتى يشكر عند النِّعمة ، ويصبر عند الشدَّة .","part":1,"page":1011},{"id":1012,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا إنَّ من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم } نزلت في قومٍ آمنوا ، وأرادوا الهجرة فثبَّطهم أهلهم وأولادهم ، وقالوا : لا نصبر على مفارقتكم ، فأخبر الله تعالى أنَّهم أعداءٌ لهم بحملهم إيَّاهم على المعصية وترك الطَّاعة { فاحذروهم } أن تقبلوا منهم ولا تطيعوهم ، ثمَّ إذا هاجر هذا الذي ثبَّطه أهله عن الهجرة رأى النَّاس قد تعلَّموا القرآن ، وتفقَّهوا في الدِّين فيهمُّ أن يعاقب أهله ، فقال الله تعالى : { وإن تعفوا وتصفحوا فإن الله غفور رحيم } .\r { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } اتبلاءٌ واختبارٌ لكم ، فمَنْ كسب الحرام لأجل الأولاد ، ومنع ماله عن الحقوق ، فهو مفتونٌ بالمال والولد { والله عنده أجر عظيم } لمن صبر عن الحرام ، وأنفق المال في حقِّه .\r { فاتقوا الله ما استطعتم } يعني : إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عن ذلك . وهذه الآية ناسخةٌ لقوله تعالى : { اتَّقوا اللَّهَ حقَّ تُقاتِه } وقوله : { وأنفقوا خيراً لأنفسكم } أَيْ : قدِّموا خيراً لأنفسهم من أموالكم { ومَنْ يُوقَ شُحَّ نفسه } بخلها وحرصها حتى ينفق المال { فأولئك هم المفلحون } الفائزون بالخير .","part":1,"page":1012},{"id":1013,"text":"{ يا أيها النبيُّ إذا طلقتم النساء } هذا خطابٌ للنبيِّ A ، والمؤمنون داخلون معه في الخطاب ، ومعنى قوله : { إذا طلقتم } : إذا أردتم طلاق النِّساء { فطلقوهنَّ لعدتهنَّّ } أَيْ : لطهرهنَّ الذي يحصينه من عدتهنَّ ، وهذا سنَّةُ الطَّلاق ، ولا تُطلقوهنَّ لحيضتهنَّ التي لا يعتدون بها من زمان العِدَّة . { وأحصوا العدة } أَيْ : عدد أقرائها ، واحفظوها لتعلموا وقت الرَّجعة إن أردتم أن تُراجعوهنَّ ، وذلك أنَّ الرجعة إنَّما تجوز في زمان العِدَّة { واتقوا الله ربكم } وأطيعوه فيما يأمركم وينهاكم { لا تخرجوهنَّ من بيوتهن } حتى تنقضي عدَّتهنَّ { ولا يخرجن } من البيوت في زمان العِدَّة { إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينة } وهي الزِّنا ، فيخرجن حينئذٍ لإِقامة الحدِّ عليهنَّ { وتلك حدود الله } يعني : ما ذكر من طلاق السُّنَّة { ومَنْ يتعدَّ حدود الله } ما حدَّ الله له من الطَّلاق وغيره { فقد ظلم نفسه لا تدري لعلَّ الله يحدث بعد ذلك أمراً } بعد الطَّلاق مراجعةً ، وهذا يدلُّ على كراهية التَّطليق ثلاثاً بمرَّةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ إحداث الرَّجعة لا يكون بعد الثَّلاث .\r { فإذا بلغن أجلهنَّ } قاربن انقضاء العدَّة { فأمسكوهنَّ } برجعةٍ تراجعونهنَّ بها { بمعروف } وهو أن لا يريد بالرَّجعة ضرارها { أو فارقوهنَّ بمعروف } أَيْ : اتركوهنَّ حتى تنقضي عدتهنَّ فتبين ، ولا تضاروهنَّ بمراجعتهنَّ . { وأشهدوا ذوي عدل منكم } على الرَّجعة أو الفراق . { ومَنْ يتَّق الله } يُعطه فيما يأمره وينهاه { يجعل له مخرجاً } من الشدَّة إلى الرَّخاء ، ومن الحرام إلى الحلال ، ومن النَّار إلى الجنَّة ، يعني : من صبر على الضِّيق ، واتَّقى الحرام جعل الله له مخرجاً من الضِّيق .","part":1,"page":1013},{"id":1014,"text":"{ ويرزقه من حيث لا يحتسب } ويروى أنَّ هذا نزل في عوف بن مالك الأشجعيِّ أتى رسول الله A ، فقال : إنَّ العدو أسر ابني ، وشكا إليه الفاقة ، فقال له رسول الله A : اتَّق الله واصبر ، وأَكْثِرْ من قول : لا حول ولا قوة إلاَّ بالله ، ففعل الرَّجل ذلك ، فبينا هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو ، وأصابَ إبلاً لهم وغنماً ، فساقها إلى أبيه . { ومَن يتوكل على الله } ما أهمَّه يتوثق به ويسكن قلبه إليه { فهو حسبه } كافيه { إنَّ الله بالغ أمره } يبلغ أمره فيما يريد ، وينفذه { قد جعل الله لكل شيء قدراً } ميقاتاً وأجلاً .\r { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم } أَيْ : القواعد من النِّساء اللاتي قعدن عن الحيض { إن ارتبتم } إنْ شككتم في حكمهنَّ ولم تعلموا عدَّتهنَّ ، وذلك أنَّهم سألوا فقالوا : قد عرفناه عدَّة التي تحيض ، فما عِدَّة التي لا تحيض والتي لم تحض بعد؟ فبيَّن الله تعالى ذلك فقال : { فعدتهنَّ ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } يعني : الصِّغار . { وأولات الأحمال } ذوات الحمل من النِّساء { أجلهنَّ } عدتهنَّ { أن يضعن حملهنَّ } فإذا وضعت الحامل انقضت عدَّتها مُطلَّقةً كانت ، أو مُتوفَّى عنها زوجها { ومن يتق الله } بطاعته في أوامره ونواهيه { يجعل له من أمره يسراً } أتاه باليسر في أموره .\r { ذلك } يعني : ما ذُكر من أحكام العِدَّة { أمر الله أنزله إليكم . . . } الآية .\r { أسكنوهنَّ } أَيْ : المطلَّقات { من حيث سكنتم } أَيْ : من منازلكم وبيوتكم { من وُجدكم } : من سعتكم وطاقتكم { ولا تضاروهنَّ } لا تؤذوهن { لتضيقوا عليهن } مساكنهن فيحتجن إلى الخروج { وإن كنّ } أي المطلقات { أولات حَمْلٍ فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم } أولادكم منهنَّ { فآتوهن أجورهنّ } على إرضاعهنَّ { وائتمروا بينكم بمعروف } أَيْ : ليقبل بعضكم من بعضٍ إذا أمره بمعروف { وإن تعاسرتم } تضايقتم ولم تتوافقوا على إرضاع الأمِّ { فسترضع } الصَّبيَّ [ { له } لوالده ] مرضعةٌ أخرى سوى الأُمَّ ، ولا تُكرَهُ الأمُّ على الإِرضاع .","part":1,"page":1014},{"id":1015,"text":"{ لينفق ذو سعة من سعته } أمر أهل التَّوسعة أن يُوسِّعوا على نسائهم المرضعات أولادهنَّ { ومَنْ قدر عليه رزقه } مَنْ كان رزقه بمقدار القوت { فلينفق } على قدر ذلك . { لا يكلف الله نفساً إلاَّ ما آتاها } أعطاها . { سيجعل الله بعد عسرٍ يُسْراً } أعلم الله تعالى المؤمنين أنَّهم - وإن كانوا في حالٍ ضيقةٍ - سَيُوَسِّرهم ويفتح عليهم ، وكان الغالب عليهم في ذلك الوقت الفقر والفاقة ، ثمَّ فتح الله عليهم وجاءهم باليسر .\r { وكأين } وكم { من قرية عتت عن أمر ربها ورسله } عتا أهلها عمَّا أمر الله تعالى به ورسله { فحاسبناها } في الآخرة { حساباً شديداً وعذَّبناها عذاباً نكراً } فظيعاً ، يعني : عذاب النَّار .\r { فذاقت وبال أمرها } ثقل عاقبة أمرها { وكان عاقبة أمرها خسراً } خساراً وهلاكاً . وقوله : \r { قد أنزل الله إليكم ذكراً } أَيْ : القرآن .\r { رسولاً } أَيْ : وأرسل رسولاً . { يتلو عليكم آياتِ الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . وقوله : { قد أحسن الله له رزقاً } أَيْ : رزقهُ الجنَّة التي لا ينقطع نعيمُها . وقوله : \r { يتنزل الأمر بينهنَّ } يعني : إنَّ في كلِّ سماء وكلِّ أرض خلقاً من خلقه ، وأمراً نافذاً من أمره { لتعلموا } أَيْ : أعلمكم ذلك وبيَّنه لتعلموا قدرته على كلّ شيء ، وأنَّه علم كلَّ شيءٍ .","part":1,"page":1015},{"id":1016,"text":"{ يا أيها النبيُّ لم تحرِّم ما أحلَّ الله لك } رُوي أنَّ النبيَّ A دخل على حفصة في يوم نوبتها ، فخرجت هي لبعض شأنها ، فأرسل رسول الله A إلى مارية جاريته ، وأدخلها بيت حفصة وواقعها ، فلمَّا رجعت حفصة علمت بذلك فغضبت وبكت ، وقالت : أَما لي حرمةٌ عندك وحقٌّ؟! فقال رسول الله A : اسكتي فهي حرامٌ عليَّ ، أبتغي بذلك رضاك ، وحلف أن لا يقربها ، وبشَّرها بأنَّ الخليفة من بعده أبوها وأبو عائشة Bهم أجميعن ذكوراً وإناثاً ، وقال لها : لا تخبري أحداً بما أسررتُ إليك من أمر الجارية وأمر الخلافة من بعدي ، فلمَّا خرج رسول الله A من عندها أخبرت عائشة Bها وعن أبيها بذلك وقالت : قد أراحنا الله من مارية ، فإنَّ رسول الله A حرَّمها على نفسه ، وقصَّت عليها القصَّة ، فنزل : { لم تحرِّم ما أحل الله لك } أَيْ : الجارية { تبتغي } بتحريمها { مرضاة أزواجك والله غفور رحيم } غفر لك ما فعلت من التَّحريم ، ثمَّ أمره بأن يكفِّر عن يمينه .","part":1,"page":1016},{"id":1017,"text":"{ قد فرض الله لكم } أَيْ : بيَّن الله لكم { تحلَّة أيمانكم } ما تستحلُّ به المحلوف عليه من الكفَّار . يعني : في سورة المائدة .\r { وإذ أسرَّ النبيُّ إلى بعض أزواجه } يعني : حفصة { حديثاً } تحريم الجارية وأمر الخلافة { فلما نبأت به } أخبرت به عائشة رضوان الله عليهما وعلى أبيهما { وأظهره الله عليه } أطلع نبيَّه عليه السَّلام على إفشائها السِّرَّ { عرَّف بعضه } أخبر حفصه ببعض ما قالت لعائشة { وأعرض عن بعض } فلم يُعرِّفها إيَّأه على وجه التَّكرُّم والإِغضاء { فلما نبأها به } أخبر حفصة بما فعلت { قالت من أنبأك هذا } من أخبرك بما فعلت؟ { قال نبأني العليم الخبير } .\r { إن تتوبا إلى الله } يعني : عائشة وحفصة { فقد صغت قلوبكما } عدلت وزاغت عن الحقِّ ، وذلك أنَّهما أحبَّتا ما كره رسول الله A من اجتناب جاريته { وإن تظاهرا عليه } تتعاعونا على أذى رسول الله A { فإنَّ الله هو مولاه } وليُّه وحافظه فلا يضرُّه تظاهُرُكُما عليه وقوله : { وصالح المؤمنين } قيل : أبو بكر وعمر Bهما ، وهو تفسير النبيِّ A { والملائكة بعد ذلك ظهير } أَيْ : الملائكة بعد هؤلاء أعوانٌ .","part":1,"page":1017},{"id":1018,"text":"{ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن } هذا إخبارٌ عن قدرة الله تعالى على أن يُبدِّله لو طلَّق أزواجه خيراً منهنَّ ، وتخويفٌ لنسائه . وقوله : { قانتات } مطيعاتٍ { سائحات } صائماتٍ .\r { يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً } أَيْ : خذوا أنفسكم وأهليكم بما يُقرِّب من الله تعالى ، وجَنِّبوا أنفسكم وأهليكم المعاصي { وقودها الناس والحجارة } أَيْ : توقد بهذين الجنسين { عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } يعني : خزنة جهنَّم .","part":1,"page":1018},{"id":1019,"text":"{ توبة نصوحاً } هي التَّوبة التي تنصح صاحبها حتى لا يعود إلى ما تاب منه ، ونصوحاً معناه بالغةً في النُّصْح . وقوله : { لا يخزي الله النبيَّ والذين آمنوا معه } أَيْ : لا يفضحهم ولا يهلكهم . { نورهم } على الصِّراط { يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا } إذا طُفىء نور المنافقين دعوا الله وسألوه أن يتمَّ لهم النُّور ، ثمَّ ضرب مثلاً للنِّساء الصَّالحات والطَّالحات ، فقال : { ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح . . . } .","part":1,"page":1019},{"id":1020,"text":"{ ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح امرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما } أَيْ : في الدِّين ، فكانت امرأةُ نوحٍ تخبر قومه أنَّه مجنونٌ ، وامرأة لوط دلَّت على أضيافه { فلم يُغْنيا } يعني : نوحاً ولوطاً { عنهما من } عذاب { الله شيئاً } من شيءٍ ، وهذا تخويفٌ لعائشة وحفصة ، وإخبار أنَّ الأنبياء لا يُغنون عن مَنْ عمل بالمعاصي شيئاً ، وقطعٌ لطمع من ركب المعصية رجاء أن ينفعه صلاح غيره . وقوله : \r { ربِّ ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة } قيل : إنَّ فرعون لما تبيَّن له إسلامها وَتَدَها على الأرض بأربعة أوتاد على يديها ورجليها ، فقالت وهي تعذَّب : { ربِّ ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله } أَيْ : تعذيبه إيَّاي ، وفي هذا بيانٌ أنَّها لم تمل إلى معصيته مع شدَّة ما قاست من العذاب ، وكذا فليكن صوالح النِّساء ، وأمرٌ لعائشة وحفصة أن يكونا كآسيةَ وكمريم بنت عمران . وقوله : \r { ومريم ابنة عمران } هو عطفٌ على قوله : \" امرأة فرعون \" { التي أحصنت فرجها } أَيْ : عفَّت وحفظت { فنفخنا فيه من } جيب درعها من { روحنا } . فُسِّر في سورة الأنبياء ، { وصدَّقت بكلمات ربِّها وكتبه } آمنت بما أنزل الله على الأنبياء { وكانت من القانتين } أَيْ : من القوم المُطيعين لله ، أَيْ : إِنَّها أطاعت فدخلت في جملة المطيعين لله من الرِّجال والنِّساء .","part":1,"page":1020},{"id":1021,"text":"{ تبارك } أَيْ : تعالى وتعظَّم { الذي بيده الملك } يُؤتيه مَنْ يشاء وينزعه عمَّن يشاء .\r { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم } في الحياة { أيكم أحسن عملاً } أَيْ : أطوع لله وأورع عن محارمه ، ثمَّ يُجازيكم بعد الموت .\r { الذي خلق سبع سموات طباقاً } بعضها فوق بعضٍ { ما ترى في خلق الرحمن } أَيْ : خلقه السَّماء { من تفاوت } اضطرابٍ واختلافٍ ، بل هي مستويةٌ مستقيمةٌ { فارجع البصر } [ أعد فيها النَّظر ] { هل ترى من فطور } صدوعٍ وشقوقٍ . { ثم ارجع البصر } [ كرِّر النظر ] { كرَّتين } مرَّتين .\r { ينقلب إليك البصر } ينصرف ويرجع { خاسئاً } صاغراً ذليلاً { وهو حسير } أيْ : وقد أعيا من قبل أن يرى في السَّماء خللاً .\r { ولقد زيَّنا السماء الدنيا } التي تدنو منكم { بمصابيح } بكواكب { وجعلناها رجوماً } مرامي { للشياطين } إذا استرقوا السَّمع { وأعتدنا لهم } في الآخرة { عذاب السعير } .","part":1,"page":1021},{"id":1022,"text":"{ إذا ألقوا فيها سمعوا لها } لجهنَّم { شهيقاً } صوتاً كصوت الحمار { وهي تفور } تغلي .\r { تكاد تميز من الغيظ } تتقطَّع غضباً على الكفَّار { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها } سؤال توبيخ : { ألم يأتكم نذير } رسولٌ في الدُّنيا ينذركم عذاب الله؟ فقالوا :","part":1,"page":1022},{"id":1023,"text":"{ لو كنا نسمع } من الرُّسل سمع مَنْ يفهم ويتفكَّر { أو نعقل } عقل مَن ينظر { ما كنا في أصحاب السعير } . وقوله : \r { فاعترفوا بذنبهم } بتكذيب الرُّسل ، ثمَّ اعترفوا بجهلهم { فسحقاً لأصحاب السعير } أَيْ : أسحقهم الله سحقاً ، أَيْ : باعدهم من رحمته مُباعدةً .\r { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } قبل مُعاينة العذاب وأحكام الآخرة .\r { وأسروا قولكم أو اجهروا به } نزلت في المشركين الذين كانوا ينالون من رسول الله A بألسنتهم ، فيخبره الله تعالى ، فقالوا : فيما بينهم : أَسرّوا قولكم كيلا يسمع إله محمَّدا .","part":1,"page":1023},{"id":1024,"text":"{ ألا يعلم من خلق } أَيْ : ألا يعلم ما في صدوركم وما تُسرّون به مَنْ خلقكم؟\r { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً } سهلاً مُسخَّرةً { فامشوا في مناكبها } جوانبها { وإليه النشور } إليه يبعث الخلق .\r { أأمنتم من في السماء } قدرته وسلطانه وعرشه { أن يخسف بكم الأرض } تغور بكم { فإذا هي تمور } تتحرَّك بكم وترتفع فوقكم . وقوله : \r { فستعلمون } أَيْ : عند مُعاينة العذاب { كيف نذير } أَيْ : إنذاري بالعذاب .\r { ولقد كذَّب الذين من قبلهم فكيف كان نكير } إنكاري إذ أهلكتهم .\r { أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات } باسطاتٍ أجنحتها { ويقبضن } يضربن بها جنوبهنَّ { ما يمسكهنَّ } في حال القبض والبسط { إلاَّ الرحمن } بقدرته .\r { أم مَنْ هذا الذي هو جند لكم ينصركم مِنْ دون الرحمن } يدفع عنكم عذابه .\r { بل لجُّوا } تمادوا { في عتوّ } عصيانٍ وضلالٍ { ونفور } تباعدٍ عن الحقِّ .\r { أفمن يمشي مكباً على وجهه } أَيْ : الكافر يُحشر يوم القيامة وهو يمشي على وجهه . يقال : كببْتُ فلاناً على وجهه فأكبَّ هو . يقول : هذا { أهدى أم من يمشي سوياً } مستوياً مستقيماً { على صراط مستقيم } وهو المؤمن .","part":1,"page":1024},{"id":1025,"text":"{ قل هو الذي أنشأكم } خلقكم { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون } أَيْ : لا تشكرون خالقكم وخالق هذه الأعضاء لكم إذ أشركتم به غيره .\r { قل هو الذي ذرأكم } خلقكم { في الأرض وإليه تحشرون } .\r { ويقولون متى هذا الوعد } أَيْ : وعد الحشر .\r { قل إنما العلم } بوقوعه ومجيئه { عند الله وإنما أنا نذير } مُخوِّفٌ { مبين } أُبيِّن لكم الشَّريعة .\r { فلمَّا رأوه } أَيْ : العذاب في الآخرة { زلفة } قريباً { سيئت وجوه الذين كفروا } تبيَّن في وجوههم السُّوء ، وعلتها الكآبة { وقيل هذا } العذاب { الذي كنتم به تَدَّعُون } تفتعلون من الدُّعاء ، أَيْ : تدعون الله به إذ تقولون : { اللَّهم إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندك . . . } الآية .\r { قل أرأيتم إن أهلكني الله } فعذَّبني { ومَنْ معي أو رحمنا } غفر لنا { فمن يجير الكافرين من عذاب أليم } يعني : نحن مع إيمناننا خائفون نخاف عذاب الله ونرجو رحمته ، فمن يمنعكم من عذابه وأنتم كافرون؟","part":1,"page":1025},{"id":1026,"text":"{ قُلْ أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً } غائراً ذاهباً في الأرض { فمن يأتيكم بماء معين } ظاهر تناله الأيدي والدِّلاء .","part":1,"page":1026},{"id":1027,"text":"{ ن } أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرضُ . { والقلم } يعني : القلم الذي خلقه الله تعالى ، فجرى بالكائنات إلى يوم القيامة { وما يسطرون } أَيْ : وما تكتب الملائكة .\r { ما أنت بنعمة ربك } بإنعامه عليك بالنُّبوِّة { بمجنون } أَيْ : إِنَّك لا تكون مجنوناً وقد أنعم الله عليك بالنُّبوَّة ، وهذا جوابٌ لقولهم : { وقالوا يا أيها الذي نُزِّل عليه الذِّكر إنَّك لمجنونٌ } { وإنَّ لك لأجراً غير ممنون } غير مقطوعٍ ولا منقوصٍ .","part":1,"page":1027},{"id":1028,"text":"{ وإنك لعلى خلق عظيم } أَيْ : أنت على الخُلُقِ الذي أمرك الله به في القرآن .\r { فستبصر } يا محمد { ويبصرون } أَيْ : المشركون الذي رموه بالجنون .\r { بأييكم المفتون } الفتنة ، أَبِكَ أم بهم .\r { فلا تطع المكذبين } فيما دعوك إليه من دينهم .\r { وَدُّوا لو تدهن فيدهنون } تلين فيلينون لك .\r { ولا تطع كلَّ حلاَّفٍ } كثير الحلف بالباطل ، أَيْ : الوليد بن المغيرة { مهين } حقير .\r { همَّاز } عيَّابٍ { مشَّاء بنميم } سَاعٍ بين النَّاسِ بالنَّميمة .\r { مناع للخير } بخيلٍ بالمال عن الحقوق { معتد } مجاوزٍ في الظُّلم { أثيم } آثمٍ .\r { عتل } جافٍ غليظٍ { بعد ذلك } مع ما ذكرنا من أوصافه { زنيم } مُلحَقٍ بقومه وليس منهم .\r { إن كان } لأن كان { ذا مال وبنين } يُكذِّب بالقرآن . وهو قوله : \r { إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } والمعنى : أَيجعل مُجازاة نعمة الله عليه بالمال والبنين الكفر بآياتنا؟\r { سنسمه على الخرطوم } سنجعل على أنفه علامةً باقيةً ما عاش ، نخطم أنفه بالسَّيف يوم بدرٍ .","part":1,"page":1028},{"id":1029,"text":"{ إنا بلوناهم } امتحنا أهل مكَّة بالقحط والجوع { كما بلونا أصحاب الجنة } كما امتحنَّا أصحاب البستان بإحراقها وذهاب قوتهم منها ، وكانوا قوماً بناحية اليمن ، وكان لهم أبٌ وله جنَّةٌ كان يتصدَّق فيها على المساكين ، فلمَّا مات قال بنوه : نحن جماعةٌ ، وإنْ فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ، فحلفوا ليقطعنَّ ثمرها بسدفةٍ من اللَّيل كيلا يشعر المساكين فيأتوهم ، وهو قوله : { إذْ أقسموا ليصرمنها مصبحين } .\r { ولا يستثنون } ولا يقولون إن شاء الله .\r { فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون } أَيْ : أنزل الله عليها ناراً أحرقتها .\r { فأصبحت كالصريم } كاللَّيل المُظلم سوداء .\r { فتنادوا مصبحين } نادى بعضهم بعضاً لمَّا أصبحوا ليخرجوا إلى الصِّرام ، وهو قوله : \r { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين } قاطعين الثَّمر .\r { فانطلقوا } ذهبوا إليها { وهم يتخافتون } يتسارُّون الكلام بينهم .\rب { ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } .\r { وغدوا على حرد } قصدٍ وجدٍّ { قادرين } عند أنفسهم على ثمر الجنَّة .\r { فلما رأوها } سوداء محترقةً { قالوا إنَّا لضالون } مُخطئون طريقنا ، وليست هذه جنَّتنا ، ثمَّ علموا أنَّها عقوبةٌ من الله تعالى فقالوا : \r { بل نحن محرومون } حُرمنا ثمر جنَّتنا بمنعنا المساكين .","part":1,"page":1029},{"id":1030,"text":"{ قال أوسطهم } أعدلهم وأفضلهم : { ألم أقل لكم لولا تسبحون } هلاَّ تستثنون ، ومعنى التَّسبيح ها هنا الاستثناء بإنْ شاء الله؛ لأنَّه تعظيمٌ لله ، وكلُّ تعظيمٍ لله فهو تسبيحٌ له .\r { قالوا سبحان ربنا } نزَّهوه عن أن يكون ظالماً ، وأقرُّوا على أنفسهم بالظُّلم فقالوا : { إنا كنا ظالمين } .\r { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } يلوم بعضهم بعضاً بما فعلوا من الهرب من المساكين ومنع حقهم .\r { قالوا يا ويلتنا إنا كنا طاغين } بمنع حقِّ الفقراء وترك الاستثناء .\r { عسى ربنا أن يُبْدِلَنا خيراً منها } من هذه الجنَّة { إنا إلى ربنا راغبون } .\r { كذلك العذاب } كما فعلنا بهم نفعل بمَنْ خالف أمرنا ، ثمَّ بيَّن ما عند الله للمؤمنين فقال تعالى : \r { إنَّ للمتقين عند ربهم جنات النعيم } فلمَّا نزلت قال بعض قريش : إنْ كان ما تذكرون حقَّاً فإنَّ لنا في الآخرة أكثرَ ممَّا لكم ، فنزل : \r { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } . { ما لكم كيف تحكمون } .\r { أم لكم كتاب } نزل من عند الله { فيه } ما تقولون { تدرسون } تُقرُّون ما فيه .\r { إنَّ لكم فيه } في ذلك الكتاب { لما تخيرون } تختارون .\r { أم لكم أيمان } عهودٌ ومواثيق { علينا بالغة } محكمةٌ لا ينقطع عهدها { إلى يوم القيامة إنَّ لكم لما تحكمون } تقضون . وكسرت \" إنَّ \" في الآيتين لمكان اللام في جوابها ، وحقُّها الفتح لو لم تكن اللام .\rف { سلهم } يا محمد { أيهم بذلك } الذي يقولون من أنَّ لهم في الآخرة حظّاَ { زعيم } كفيلٌ لهم .\r { أم لهم شركاء } آلهةٌ تكفل لهم بما يقولون { فليأتوا بشركائهم } لتكفل لهم { إن كانوا صادقين } فيما يقولون .\r { يوم يكشف عن ساق } عن شدَّةٍ من الأمر ، وهو يوم القيامة . قال ابنُ عبَّاس Bه : أشدُّ ساعةٍ في القيامة ، فصار كشف السَّاق عبارةً عن شدَّة الأمر { ويدعون إلى السجود } أَيْ : الكافرون والمنافقون { فلا يستطيعون } يصير ظهرهم طبقاً واحداً كلَّما أراد أن يسجد واحدٌ منهم خرَّ على قفاه .\r { خاشعة أبصارهم } ذليلةً لا يرفعونها { ترهقهم } تغشاهم { ذلَّة وقد كانوا يدعون إلى السجود } في الدُّنيا { وهم سالمون } فيأبون ولا يسجدون لله .\r { فذرني ومَنْ يكذب بهذا الحديث } دعني والمُكذِّبين بهذا القرآن ، أَيْ : كِلْهُمْ إليَّ ولا تشغل قلبك بهم ، فإنِّي أكفيك أمرهم . { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } أَيْ : نأخذهم قليلاً قليلاً ولا نباغتهم .","part":1,"page":1030},{"id":1031,"text":"{ وأملي لهم } أُمهلهم كي يزدادوا تمادياً في الشِّرك { إنَّ كيدي متين } شديدٌ لا يطاق .\r { أم تسألهم } بل أتسألهم على ما آتيتهم به من الرِّسالة { أجراً فهم من مغرم } ممَّا يعطونك { مُثقلون } .\r { أم عندهم الغيب } علم ما في غدٍ { فهم يكتبون } يحكمون . وقوله : \r { ولا تكن كصاحب الحوت } كيونس في الضَّجر والعجلة { إذ نادى } دعا ربَّه { وهو مكظوم } مملوءٌ غمَّاً .\r { لولا أن تداركه } أدركه { نعمة } رحمةٌ { من ربه لنبذ } لطرح حين ألقاه الحوت { بالعراء } بالأرض الفضاء الواسعة؛ لأنَّها خاليةٌ من البناء والإِنسان والأشجار { وهو مذموم } مجرم .\r { فاجتباه ربه } فاختاره { فجعله من الصالحين } بأن رحمه وتاب عليه .\r { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر } أَيْ : إنَّهم لشدَّة إبغاضهم وعداوتهم لك إذا قرأت القرآن ينظرون إليك نظراً شديداً يكاد يصرعك ويسقطك عن مكانك { ويقولون إنه لمجنون } .\r { وما هو } أَيْ : القرآن { إلاّ ذكر } عظةٌ { للعالمين } .","part":1,"page":1031},{"id":1032,"text":"{ الحاقة } أَيْ : القيامة؛ لأنَّها حقَّت فلا كاذبة لها .\r { ما الحاقة } استفهامٌ معناه التَّعظيم لشأنها ، كقولك : زيدٌ ما هو؟\r { وما أدراك ما الحاقة } أَيٌّ شيء أعلمك ما ذلك اليوم؟ ثمَّ ذكر أمر مَنْ كذَّب بالقيامة ، فقال : \r { كذبت ثمود وعادٌ بالقارعة } بالقيامة التي تقرع القلوب .\r { فأمَّا ثمود فأهلكوا بالطاغية } أَيْ : بالصَّيحة الطَّاغية ، وهي التي جاوزت المقدار .\r { وأمَّا عادٌ فأهلكوا بريح صرصر عاتية } عتت على خُزَّانها فلم تُطعهم .","part":1,"page":1032},{"id":1033,"text":"{ سخرها عليهم } استعملها عليهم كما شاء . وقوله : { حسوماً } أَيْ : دائمةً مُتتابعةً ، والمعنى : تحسمهم حسوماً ، أَيْ : تذهبهم وتفنيهم { فترى القوم } [ أيْ : أهل القرى ] { فيها } أَيْ : في تلك الأيَّام { صرعى } جمع صريعٍ { كأنهم أعجاز } أصول { نخل خاوية } ساقطةٍ .\r { فهل ترى لهم من باقية } أَيْ : هل ترى منهم باقياً .\r { وجاء فرعون ومِنْ قِبَلِه } أَيْ : تُبَّاعه . ومَنْ قرأ : { ومَنْ قَبْلَه } فمعناه : مَنْ تقدَّمه من الأمم { والمؤتفكات } أَيْ : أهل قرى قوم لوط { بالخاطئة } بالخطأ العظيم ، وهو الكفر .\r { فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية } زائدةً تزيد على الأخذات .\r { إنَّا لما طغى الماء } جاوز حدَّه . يعني : أيَّام الطُّوفان { حملناكم } أَيْ : حملنا آباءكم { في الجارية } وهي السَّفينة .\r { لنجعلها } لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا من إغراق قوم نوحٍ وإنجاء مَنْ معه { لكم تذكرة } تتذكَّرونها فتتَّعظون بها { وتعيها أذن واعية } لتحفظها كلُّ أذنٍ تحفظ ما سمعت .\r { فإذا تفخ في الصور نفخة واحدة } أَيْ : النِّفخة الأولى لقيام السَّاعة .\r { وحملت الأرض والجبال فدكتا } كُسرتا { دكَّة واحدة } فصارت هباءً منبثاً .","part":1,"page":1033},{"id":1034,"text":"{ فيومئذٍ وقعت الواقعة } قامت القيامة .\r { وانشقت السماء فهي يومئذٍ واهية } أَيْ : مُتَشَقِّقةٌ .\r { والملك } يعني : الملائكة { على أرجائها } نواحيها { ويحمل عرش ربك فوقهم } فوق الملائكة { يومئذٍ ثمانية } أملاك .\r { يومئذٍ تعرضون } على ربِّكم { لا تخفى منكم خافية } كقوله : { لا يخفى على الله منهم شيءٌ } { فأمَّا مَنْ أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه } خذوا فاقرؤوا كتابي ، وذلك لما يرى فيه من الحسنات .\r { إني ظننت أني ملاق حسابيه } أَيْ : أيقنت أنِّي أُحاسب .\r { فهو في عيشة راضية } ذات رضىً ، أَيْ : يرضى بها صاحبها .","part":1,"page":1034},{"id":1035,"text":"{ قطوفها دانية } ثمارها قريبةٌ من مريدها على أيِّ حالٍ كان . يقال لهم : { كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم } قدَّمتم لآخرتكم من الأعمال الصَّالحة { في الأيام الخالية } الماضية في الدُّنيا .","part":1,"page":1035},{"id":1036,"text":"{ يا ليتها كانت القاضية } يقول : ليت الموتة التي مُتها لم أَحْيَ بعدها .","part":1,"page":1036},{"id":1037,"text":"{ هلك عني سلطانية } ذهب عني حجَّتي ، وزال عني ملكي وقوَّتي ، فيقول الله لخزنة جهنَّم .\r { خذوه فغلُّوه } . { ثم الجحيم صلُّوه } أدخلوه .\r { ثمَّ في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه } أَيْ : أدخلوه في تلك السِّلسلة ، فتدخل في دبره وتخرج من فيه ، وهي سلسلةٌ لو جُمع حديد الدُّنيا ما وزن حلقةً منها .","part":1,"page":1037},{"id":1038,"text":"{ ولا يحض على طعام المسكين } لا يأمر بالصَّدقة على الفقراء .\r { فليس له اليوم هاهنا حميم } قريبٌ ينفعه .\r { ولا طعام إلاَّ عن غسلين } وهو صديد أهل النَّار .\r { لا يأكله إلاَّ الخاطئون } وهم الكافرون .\r { فلا أقسم } { لا } زائدة { بما تبصرون } ما ترون من المخلوقات .\r { وما لا تبصرون } ما لا ترون منها .\r { إنه } إنَّ القرآن { لقول } لتلاوةُ { رسول كريم } على الله . يعني : محمَّداً صلوات الله عليه .\r { وما هو بقول شاعر } أَيْ : ليس هو شاعراً { قليلاً ما تؤمنون } { ما } لغوٌ مؤكِّدة .\r { ولا بقول كاهن } وهو الذي يُخبر عن المُغيَّبات من جهة النُّجوم كذباً وباطلاً ، ثمَّ بيَّن أنَّ ما يتلوه تنزيلٌ من الله تعالى ، فقال : \r { تنزيل من رب العالمين } .\r { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } يعني : النبيَّ A لو قال ما لم يُؤمر به ، وأتى بشيءٍ مِنْ قِبَل نفسه . { لأخذنا منه باليمين } { مِنْ } صلةٌ ، والمعنى : لأخذناه بالقوَّة والقدرة .\r { ثمَّ لقطعنا منه الوتين } وهو نياط القلب ، أَيْ : لأهلكناه .\r { فما منكم من أحد عنه حاجزين } أَيْ : لم يحجزنا عنه أحدٌ منكم .","part":1,"page":1038},{"id":1039,"text":"{ وإنَّه } أَيْ : القرآن { لحسرة على الكافرين } يوم القيامة إذا رأوا ثواب متابعيه .\r { وإنه لحق اليقين } أَيْ : وإنَّه اليقين حقُّ اليقين .\r { فسبح باسم ربك العظيم } نزِّهه عن السُّوء .","part":1,"page":1039},{"id":1040,"text":"{ سأل سائل } دعا داعٍ { بعذاب واقع } .\r { للكافرين } على الكافرين ، وهو النَّضر بن الحارث حين قال : { اللَّهم إن كانَ هذا هو الحقَّ من عندكَ } الآية . { ليس له دافع } ليس لذلك العذاب الذي يقع بهم دافعٌ .\r { من الله } أَيْ : ذلك العذاب يقع بهم من الله { ذي المعارج } ذي السَّموات .\r { تعرج الملائكة والروح } يعني : جبريل عليه السَّلام { إليه } إلى محل قربته وكرامته ، وهو السَّماء { في يوم } { في } صلةُ \" واقعٍ \" ، أَيْ : عذابٌ واقعٌ في يومٍ { كان مقداره خمسين ألف سنة } وهو يوم القيامة .\r { فاصبر صبراً جميلاً } وهذا قبل أن أُمر بالقتال . { إنهم } يعني : المشركين { يرونه } يرون ذلك اليوم { بعيداً } مُحالاً لا يكون .\r { ونراه قريباً } لأنَّ ما هو آتٍ قريبٌ ، ثمَّ ذكر متى يكون ذلك اليوم فقال : \r { يوم تكون السماء كالمهل } كدرديِّ الزَّيت . وقيل : كالقار المُذاب ، وقد مَّر هذا .\r { وتكون الجبال } : [ الجواهر . وقيل : الذَّهب والفضَّة والنُّحاس ] { كالعهن } كالصُّوف المصبوغ .\r { ولا يسأل حميم حميماً } لا يسأل قريبٌ عن قريبٍ لاشتغاله بما هو فيه .\r { يبصرونهم } يُعرَّف بعضهم بعضاً ، أَيْ : إنَّ الحميم يرى حميمه ويعرفه ، ولا يسأل عن شأنه . { يودُّ المجرم } يتمنَّى الكافر { لو يفتدي من عذاب يومئذٍ ببنيه } .\r { وصاحبته } وزوجته { وأخيه } .\r { وفصيلته } عشيرته التي فُصِلَ منها { التي تؤويه } تضمُّه إليها في النَّسب .","part":1,"page":1040},{"id":1041,"text":"{ ومَنْ في الأرض جميعاً ثم ينجيه } ذلك الافتداء .\r { كلا } ليس الأمر كذلك ، لا ينجيه شيءٌ . { إنها لظى } وهي من أسماء جهنَّم .\r { نزاعة للشوى } يعني : جلود الرَّأس تقشيرها عنه .\r { تدعو } الكافر باسمه والمنافق ، فتقول : إليَّ إليَّ يا { مَنْ أدبر } عن الإِيمان { وتولى } أعرض .\r { وجمع } المال { فأوعى } فأمسكه في وعائه ، ولم يُؤدِّ حقَّ الله منه .\r { إنَّ الإِنسان خُلق هلوعاً } وتفسير الهلوع ما ذكره في قوله : \r { إذا مسَّه الشر جزوعاً } يجزع من الشَّرِّ ولا يستمسك .\r { وإذا مسَّه الخير منوعاً } إذا أصاب المال منع حقَّ الله .\r { إلاَّ المصلين } أَيْ : المؤمنين .\r { الذين هم على صلاتهم دائمون } لا يلتفتون في الصَّلاة عن سمت القبلة .","part":1,"page":1041},{"id":1042,"text":"{ والذين هم بشهاداتهم قائمون } يقيمونها ولا يكتمونها .","part":1,"page":1042},{"id":1043,"text":"{ فما للذين كفروا } ما بالهم { قبلك مهطعين } يُديمون النَّظر إليك ، ويتطلّعون نحوك .\r { عن اليمين وعن الشمال } عن جوانبك { عزين } جماعاتٍ حلقاً حلقاً ، وذلك أنَّهم كانوا يجتمعون عنده ، ويستهزئون به وبأصحابه ، ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنَّة فلندخلنَّها قبلهم . قال الله تعالى : \r { أيطمع كلُّ امرىءٍ منهم أن يدخل جنة نعيم كلا } لا يدخلونها . { إنا خلقناهم مما يعلمون } من ترابٍ ومن نطفةٍ ، فلا يستوجب أحدٌ الجنة بشرفه وماله؛ لأنَّ الخلق كلَّهم من أصلٍ واحدٍ ، بل يستوجبونها بالطَّاعة .\r { فلا أقسم } \" لا \" صلة . يعني : أُقسم . وقوله : \r { وما نحن بمسبوقين } أَيْ : بمغلوبين ، نظيره قد تقدَّم في سورة الواقعة .\r { فذرهم يخوضوا } في باطلهم { ويلعبوا } في دنياهم { حتى يُلاقوا يومهم الذي يوعدون } نسختها آية القتال .\r { يوم يخرجون من الأجداث } القبور { سراعاً كأنهم إلى نصب } إلى شيءٍ منصوبٍ من علمٍ أو رايةٍ { يوفضون } يُسرعون .\r { خاشعة أبصارهم } ذليلةً خاضعةً لا يرفعونها لذلَّتهم { ترهقهم ذلة } يغشاهم هوان { ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون } يعني : يوم القيامة .","part":1,"page":1043},{"id":1044,"text":"{ إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك } أَيْ : بأن خوِّفهم عذاب الله { من قبل أن يأتيهم عذابٌ أليم } .\r { قال يا قوم إني لكم نذير مبين } . { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } .\r { يغفر لكم من ذنوبكم } { مِنْ } صلة { ويؤخركم } عن العذاب { إلى أجل مسمىً } وهو أجل الموت ، فتموتوا غيرَ ميتة مَنْ يهلك بالعذاب { إنَّ أجل الله إذا جاء لا يؤخر } إذا جاء الأجل في الموت لا يُؤخَّر { لو كنتم تعلمون } ذلك .","part":1,"page":1044},{"id":1045,"text":"{ إلاَّ فراراً } أَيْ : نفاراً عن طاعتك وإدباراً عني .\r { وإني كلما دعوتهم } إلى الإِيمان بك { لتغفر لهم } ما قد سلف من ذنوبهم { جعلوا أصابعهم في آذانهم } لئلا يسمعوا صوتي { واستغشوا ثيابهم } غطُّوا بها وجوههم مبالغةً في الإِعراض عني كيلا يروني { وأصروا } أَقاموا على كفرهم { واستكبروا } عن اتِّباعي { استكباراً } لأنَّهم قالوا : { أَنؤمنُ لك واتَّبعكَ الأَرْذَلون } { ثم إني دعوتهم جهاراً } أظهرتُ لهم الدَّعوة .\r { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً } أَيْ : خلطتُ دعاءَهم العلانيَة بدعاءِ السِّرِّ .\r { فقلت استغفروا ربكم إنه غفاراً } . { يرسل السماء عليكم مدراراً } .\r { ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً } وذلك أنَّهم لما كذَّبوه حبس الله عنهم المطر وأعقم نساءَهم ، فهلكت أموالهم ومواشيهم ، فوعدهم نوحٌ إنْ آمنوا أَنْ يردَّ الله عليهم ذلك ، فقال : { يرسل السماء عليكم مدراراً } كثيرة الدرِّ ، أَيْ : كثيرة المطر ، { ويمددكم بأموالٍ وبنين } : يعطكم زينة الدُّنيا ، وهي المال والبنون .\r { ما لكم لا تَرْجُون لله وقاراً } لا تخافون لله عظمةً .\r { وقد خلقكم أطواراً } حالاً بعد حالٍ . نطفةً ، ثمَّ علقةً ، ثمَّ مضغةً ، إلى تمام الخلق .","part":1,"page":1045},{"id":1046,"text":"{ ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً } بعضها فوق بعض .\r { وجعل القمر فيهن نوراً } أَيْ : في إحداهنَّ { وجعل الشمس سراجاً } تُضِيءُ لأهل الأرض .\r { والله أنبتكم من الأرض نباتاً } جعلكم تنبتون من الأرض نباتاً ، وذلك أنَّه خلق آدم من الأرض وأولاده [ أحياءً ] منه .\r { ثم يعيدكم فيها } أمواتاً { ويخرجكم } منها إخراجاً . وقوله :","part":1,"page":1046},{"id":1047,"text":"{ سبلاً فجاجاً } أَيْ : طرقاً بيِّنةً . وقوله : \r { واتبعوا مَنْ لم يزده ماله وولده إلاَّ خساراً } أَيْ : اتَّبعوا أشرافهم الذين لا يزيدون بإنعام الله تعالى عليهم بالمال والولد إلاَّ طغياناً وكفراً .\r { ومكروا مكراً كباراً } أفسدوا في الأرض فساداً عظيماً بالكفر وتكذيب الرُّسل .\r { وقالو } لسفلتهم : { لا تذرنَّ آلهتكم ولا تَذَرُنَّ ودَّاً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً } وفي أسماء أوثانهم .\r { وقد أضلوا كثيراً } أَيْ : ضلَّ كثيرٌ من النَّاس بسببها ، كقوله : { إنهنَّ أضللْنَ كثيراً من النَّاس } { ولا تزد الظالمين إلاَّ ضلالاً } دعاءٌ من نوحٍ عليهم بأن يزيدهم الله ضلالاً ، وذلك أن الله تعالى أخبره أنه لن يؤمن من قومه إلاَّ من قد آمن ، فلما أيس نوح من إيمانهم دعا عليهم بالضَّلال والهلاك . قال الله تعالى : \r { ممَّا خطيئاتهم } { ما } صلة ، أَيْ : مِن خطيئاتهم التي ارتكبوها { أغرقوا } بالطُّوفان { فأدخلوا ناراً } بعد الغرق ، أَيْ : أُدخلوا جهنَّم { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً } لم يجدوا مَنْ يمنعهم من عذاب الله .\r { وقال نوحٌ ربِّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديَّاراً } أَيْ : نازل دار ، أَيْ : أحداً .\r { إنك إن تذرهم } فلا تهلكهم { يضلوا عبادك } بدعوتهم إلى الضَّلال { ولا يلدوا إلاَّ فاجراً كفاراً } إلاَّ مَنْ يفجر ويكفر ، وذلك أنَّ الله أخبره أنَّهم لا يلدون مؤمناً .\r { ربِّ اغفر لي ولوالدي } وكانا مؤمنين { ولمن دخل بيتي } مسجدي { مؤمناً للمؤمنين والمؤمنات } إلى يوم القيامة { ولا تزد الظالمين إلاَّ تباراً } هلاكاً ودماراً .","part":1,"page":1047},{"id":1048,"text":"{ قل أوحي إليَّ } أَيْ : أُخبرت بالوحي من الله إليَّ { أنَّه استمع نفرٌ من الجن } وذلك أنَّ الله تعالى بعث نفراً من الجنِّ ليَستمعوا قراءة النبيِّ A وهو يُصلِّي الصُّبح ببطن نخلة ، وهؤلاء الذين ذكرهم الله في سورة الأحقاف في قوله : { وإذ صرفنا إليك نفراً . . . . } الآية . فلما رجعوا إلى قومهم قالوا : { إنا سمعنا قرآناً عجباً } في فصاحته وبيانه وصدق إخباره .","part":1,"page":1048},{"id":1049,"text":"{ وأنَّه تعالى جدُّ ربنا } أي : جلاله وعظمته عن أن يتَّخذ ولداً أو صاحبة .\r { وأنَّه كان يقول سفيهنا } جاهلنا { على الله شططاً } غلوَّاً في الكذب حتى يصفه بالولد والصاحبة .\r { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً } أي : كنَّا نظنُّهم صادقين في أنَّ لله صاحبةً وولداً حتى سمعنا القرآن ، وكنَّا نظنُّ أنَّ أحداً لا يكذب على الله . انقطع هاهنا قول الجن . قال الله تعالى : \r { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } وذلك أنَّ الرَّجل في الجاهليَّة كان إذا سافر فأمسى في الأرض القفر . قال : أعوذ بسيِّد هذا الوادي من شرِّ سفهاء قومه ، أَي : الجنِّ . يقول الله : { فزادوهم رهقاً } أَيْ : فزادوهم بهذا التَّعوُّذ طغياناً ، وذلك أنَّهم قالوا : سُدْنا الجنَّ والإِنس .\r { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً } يقول : ظنَّ الجنُّ كما ظننتم أيُّها الإِنس أن لا بعث يوم القيامة ، وقالت الجنُّ : \r { وأنا لمسنا السماء } أَي : رُمْنَا استراق السَّمع فيها { فوجدناها ملئت حرساً شديداً } من الملائكة { وشهباً } من النُّجوم . يريدون : حُرست بالنُّجوم من استماعنا .\r { وأنا كنَّا } قبل ذلك { نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً } أي : كواكب حفظةً تمنع من الاستماع .\r { وأنَّا لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض } بحدوث رجم الكواكب { أم أراد بهم ربهم رشداً } أَيْ : خيراً .\r { وأنا منا الصالحون } بعد استماع القرآن ، أَيْ : بررةٌ أتقياءُ { ومنا دون ذلك } دون البررة { كنا طرائق قدداً } أَيْ : أصنافاً مختلفين .","part":1,"page":1049},{"id":1050,"text":"{ وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض } علمنا أن لا نفوته إِنْ أراد بنا أمراً { ولن نعجزه هرباً } إِنْ طلبنا . وقوله : \r { فلا يخاف بَخْساً } أَيْ : نقصاً { ولا رهقاً } أَيْ : ظلماً ، والمعنى : لا نخاف أن ينقص من حسناته ، ولا أن يُزاد في سيئاته .\r { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون } الجائرون عن الحقّ { فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً } قصدوا طريق الحقّ .","part":1,"page":1050},{"id":1051,"text":"{ وأن لو استقاموا على الطريقة } لو آمنوا جميعاً ، أَي : الخلق كلُّهم أجمعون الجنُّ والإِنس { لأسقيناهم ماءً غدقاً } لوسَّعنا عليهم في الدُّنيا ، وضرب المثل بالماء لأنَّ الخير كلَّه والرِّزق بالمطر ، وهذا كقوله تعالى : { ولو أنَّ أهل القرى آمنوا واتقوا . . . . } الآية .\r { لِنَفْتنهم فيه } لنختبرهم فنرى كيف شكرهم { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه } يدخله { عذاباً صعداً } شاقاً .\r { وأنَّ المساجد لله } يعني : المواضع التي يُصلَّى فيها . وقيل : الأعضاء التي يسجد عليها . وقيل : يعني : إنَّ السَّجدات لله ، جمع مسجد بمعنى السُّجود { فلا تدعوا مع الله أحداً } أمرٌ بالتَّوحيد لله تعالى في الصَّلاة .\r { وإنه لما قام عبد الله يدعوه } أي : النَّبيُّ A لمَّا قام ببطن نخلة يدعو الله { كادوا يكونون عليه } كاد الجنُّ يتراكبون ويزدحمون حرصاً على ما يسمعون ، ورغبةً فيه .","part":1,"page":1051},{"id":1052,"text":"{ ولن أجد من دونه ملتحداً } أَيْ : ملجأً .\r { إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاته } لكن أُبلِّغ عن الله ما أُرسلت به ، ولا أملك الكفر والإِيمان وهو قوله : { لا أملك لكم ضرّاً ولا رشداً } . وقوله : \r { حتى إذا رأوا } أي : الكفَّار { ما يوعدون } من العذاب والنَّار { فسيعلمون } حينئذٍ { مَنْ أضعف ناصراً } أنا أو هم { وأقل عدداً } .\r { قل إن أدري } ما أدري { أقريب ما توعدون } من العذاب { أم يجعل له ربي أمداً } أجلاً وغايةً .\r { عالم الغيب } أي : هو عالم الغيب { فلا يظهر } فلا يُطلع على ما غيَّبه عن العباد { أحداً } .\r { إلاَّ من ارتضى } اصطفى { من رسول } فإنَّه يُطلعه على ما يشاء من الغيب معجزةً له { فإنَّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً } أي : يجعل من جميع جوانبه رصداً من الملائكة يحفظون الوحي من أن يسترقه الشَّياطين ، فتلقيه إلى الكهنة ، فيساوون الأنبياء .\r { ليعلم } الله { أن قد أبلغوا رسالات ربهم } أي : ليُبلِّغوا رسالات ربِّهم ، فإذا بلَّغوا علم الله ذلك ، فصار كقوله : { ولمَّا يعلمِ اللَّهُ الذين جاهدوا منكم } أي : ولمَّا يجاهدوا . { وأحاط بما لديهم } علم الله ما عندهم { وأحصى كلَّ شيء عدداً } أي : علم عدد كلِّ شيء فلم يخف عليه شيءٌ .","part":1,"page":1052},{"id":1053,"text":"{ يا أيها المزمل } أي : المُتَلفِّف بثيابه . نزل هذا على النبيِّ A وهو مُتلَفِّفٌ بقطيفةٍ .\r { قم الليل إلاَّ قليلاً } أي : صلِّ [ كلَّ ] اللَّيلِ إلاَّ شيئاً يسيراً تنام فيه ، وهو الثُّلث ، ثمَّ قال : \r { نصفه } أَيْ : قم نصفه { أو انقص منه } من النِّصف { قليلاً } إلى الثُّلث .\r { أو زد عليه } على النِّصف إلى الثُّلثين ، جعل له سعةً في مدَّة قيامه في اللَّيل ، فكأنَّه قال : قم ثلثي اللَّيل أو نصفه أو ثلثه ، فلمَّا نزلت هذه الآية أخذ المسلمون أنفسهم بالقيام على هذه المقادير ، وشقَّ ذلك عليهم؛ لأنَّهم لم يمكنهم أن يحفظوا هذه المقادير ، وكانوا يقومون اللَّيل كلَّه انتفخت أقدامهم ، ثمَّ خفَّف الله عنهم بآخر هذه السُّورة ، وهو قوله : { إنَّ ربك يعلمُ أنَّك تقوم . . . } الآية ، ثمَّ نسخ قيام اللَّيل بالصَّلوات الخمس ، وكان هذا في صدر الإِسلام . وقوله : \r { ورتل القرآن ترتيلاً } أَي : بيِّنه تبييناً بعضُه على إثر بعضٍ في تُؤّدةٍ .\r { قولاً ثقيلاً } رصيناً رزيناً ، ليس بالسفساف والخفيف؛ لأنَّه كلام الله .\r { إنَّ ناشئة الليل } ساعاته { هي أشد وطأ } أثقلُ على المُصلِّين من ساعات النَّهار ، ومَنْ قرأ : \" وِطاء \" فمعناه : أشدُّ موافقةً بين القلب والسَّمع والبصر واللِّسان؛ لأنَّ اللَّيل تهدأ فيه الأصوات ، وتنقطع الحركات ، ولا تحول دون تسمُّعه وتفهُّمه شيءٌ . { وأقوم قيلاً } وأصوب قراءةً .\r { إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً } أَيْ : تصرُّفاً في حوائجك إقبالاً وإدباراً ، وهذا حثٌ على القيام باللَّيل لقراءة القرآن .\r { واذكر اسم ربك } بالتَّعظيم والتَّنزيه { وتبتل إليه تبتيلاً } وانقطع إليه في العبادة . وقوله : \r { فاتخذوه وكيلاً } أَيْ : قيِّماً بأمورك مُفوَّضاً إليه .\r { واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً } وهو أن لا تتعرَّض لهم ولا تشتغل بمكافآتهم ، وهذه الآية نسختها آية القتال .","part":1,"page":1053},{"id":1054,"text":"{ وذرني والمكذبين } لا تهتمَّ لشأنهم فإني أكفيكهم ، يعني : رؤساء المشركين ، كقوله : { فذرني ومَنْ يُكذِّب بهذا الحديث } وقد مرَّ . { أولي النعمة } ذوي التَّنعُّم والتًَّرفُّه { ومهِّلهم قليلاًَ } يعني : إلى مدَّة آجالهم .\r { إنَّ لدينا } يعني : في الآخرة { أنكالاً } قيوداً { وجحيماً } ناراً عظيمةً .\r { وطعاماً ذا غُصَّةٍ } يغصُّ في الحلوق ولا يسوغ ، وهو الغِسلين والضَّريع والزَّقُّوم .\r { يوم ترجف الأرض والجبال } تضطرب وتتحرَّك { وكانت الجبال كثيباً مهيلاً } رملاً سائلاً .\r { إنا أرسلنا إليكم رسولاً } محمداً A { شاهداً عليكم } يشهد عليكم يوم القيامة بما فعلتم . وقوله : \r { فأخذناه أخذاً وبيلاً } ثقيلاً غليظاً .\r { فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً } أَيْ : فكيف تتحصَّنون من عذاب يومٍ يشيب الطِّفل لهوله وشدَّته إن كفرتم اليوم في الدُّنيا .\r { السماء منفطر به } متشقِّق في ذلك اليوم .\r { إنَّ هذه } الآيات { تذكرة } تذكيرٌ للخلق { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً } بالطَّاعة والإِيمان .\r { إنَّ ربك يعلم أنك تقوم } للصَّلاة والقراءة { أدنى } أقلَّ { من ثلثي الليل ونصفه وثلثه } أي : وتقوم نصفه وثلثه { وطائفة من الذين معك ، والله يقدِّر الليل والنهار } فيعلم مقادير أوقاتهما { علم أن لن تحصوه } لن تُطيقوا قيام اللَّيل { فتاب عليكم } رجع لكم إلى التَّخفيف { فاقرؤوا ما تيسر من القرآن } رخَّص لهم أن يقوموا ، فيقرؤوا ما أمكن وخفَّ بغير مقدارٍ معلومٍ من القراءة والمُدَّة . { علم أن سيكون منكم مرضى } فيثقل عليهم قيام اللَّيل ، وكذلك المسافرون للتِّجارة والجهاد ، وهو قوله : { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله } يريد : أنَّه خفف قيام اللَّيل لما علم من ثقله على هؤلاء { فاقرؤوا ما تيسر منه } قال المُفسِّرون : وكان هذا في صدر الإِسلام ، ثمَّ نُسخ بالصَّلوات الخمس ، وقوله : { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً } مما خلَّفتم وتركتم . { واستغفروا الله إن الله غفور } [ لذنوب المؤمنين { رحيم } بهم ] .","part":1,"page":1054},{"id":1055,"text":"{ يا أيها المدثر } [ أي : المدثِّر ] في ثوبه .\r { قم فأنذر } النَّاس .\r { وربك فكبر } فصفه بالتَّعظيم .\r { وثيابك فطهر } لا تلبسها على معصيةٍ ولا على غدر؛ فإنَّ الغادر والفاجر يُسمَّى دنس الثِّياب .\r { والرجز فاهجر } أي : الأوثان فاهجر [ عبادتها ] ، وكذلك كلَّ ما يؤدي إلى العذاب .","part":1,"page":1055},{"id":1056,"text":"{ ولا تمنن تستكثر } لا تُعطِ شيئاً لتأخذَ أكثر منه ، وهذا خاصَّة للنبيِّ A لأنَّه مأمورٌ بأجلِّ الأخلاق ، وأشرفِ الآداب .\r { ولربك فاصبر } اصبر لله على أوامره ونواهيه وما يمتحنك به حتى يَكون هو الذي يُثيبك عليها .\r { فإذا نقر في الناقور } نُفخ في الصُّور . الآية . وقوله :","part":1,"page":1056},{"id":1057,"text":"{ ذرني ومن خلقت وحيداً } أَيْ : لا تهتمَّ لشأنه فإني أكفيك أمره ، أَي : الوليد بن المغيرة ، يقول : خلقته وحيداً لا ولد له ولا مال .\r { وجعلت له مالاً ممدوداً } دائماً لا ينقطع عنه من الزَّرع والضَّرع والتّجارة .\r { وبنين شهوداً } حضوراً معه بمكَّة ، وكانوا عشرةً .\r { ومهدت له تمهيداً } بسطت له في العيش والمال بسطاً .\r { ثم يطمع أن أزيد } يرجو أن أزيده مالاً وولداً .\r { كلا } قطعٌ لرجائه { إنَّه كان لآياتنا عنيداً } للقرآنِ معانداُ غير مطيعٍ .\r { سأرهقه صعوداً } سأغشيه مشقَّةً من العذاب .\r { إنَّه فكر وقدَّر } وذلك أنَّ قريشاً سألته ما تقول في محمَّد؟ فتفكَّر في نفسه وقدَّر القول في محمَّد عليه السَّلام والقرآن ماذا يمكنه أن يقول فيهما .\r { فقتل } لُعن وعُذِّب { كيف قدَّر } ؟ استفهامٌ على طريق التَّعجُّب .","part":1,"page":1057},{"id":1058,"text":"{ ثم نظر } . { ثم عبس وبسر } كلح وجهه .\r { ثمَّ أدبر واستكبر } عن الإِيمان .\r { فقال إن هذا } ما هذا الذي يقرؤه محمد { إلاَّ سحرٌ يؤثر } يُروى عن السَّحرة .\r { إن هذا إلاَّ قول البشر } كما قالوا : { إنَّما يُعلِّمه بشرٌ } قال الله تعالى : \r { سأصليه سقر } سأُدخله جهنَّم ، ثمَّ أعلم عظم شأن سقر من العذاب ، فقال : \r { وما أدراك ما سقر } ما أعلمك أيُّ شيءٍ سقر . !","part":1,"page":1058},{"id":1059,"text":"{ لواحة للبشر } محرّقةٌ للجلد حتى تُسوِّده .\r { عليها تسعة عشر } من الخزنة ، الواحدة منهم يدفع بالدُّفعة الواحدة في جهنَّم أكثر من ربيعة ومضر ، فلمَّا نزلت هذه الآية قال بعض المشركين : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، فاكفوني اثنين ، فأنزل الله : \r { وما جعلنا أصحاب النار إلاَّ ملائكة } لا رجالاً ، فمن ذا يغلب الملائكة؟ { وما جعلنا عدتهم } عددهم في القلَّة { إلاَّ فتنة للذين كفروا } لأنَّهم قالوا : ما أعوان محمَّدٍ إلاَّ تسعة عشر { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } ليعلموا أنَّ ما أتى به النبيُّ A موافقٌ لما في كتبهم { ويزداد الذين آمنوا } لأنَّهم يُصدِّقون بما أتى به الرَّسول عليه السَّلام ، وبعدد خزنة النَّار { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون } أَيْ : لا يشكُّون في أنَّ عددهم على ما أخبر به محمد عليه السَّلام { وليقول الذين في قلوبهم مرض } شكٌّ { والكافرون : ماذا أراد الله بهذا مثلاً } أيُّ : شيءٍ أراد الله بهذا العدد وتخصيصه؟ { كذلك } كما أضلَّهم الله بتكذيبهم { يضلُّ الله مَنْ يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلاَّ هو } هذا جوابٌ لقولهم : ما أعوانه إلاَّ تسعة عشر { وما هي } أي : النَّار { إلاَّ ذكرى للبشر } أَيْ : إنَّها تُذكِّرهم في الدُّنيا النّار في الآخرة .\r { كلا } ليس الأمر على ما ذكروا من التَّكذيب له { والقمرِ } قسمٌ .\r { والليل إذ أدبر } جاء بعد النَّهار .\r { والصبح إذا أسفر } أضاء .\r { إنها لإِحدى الكبر } إنَّ سقر لإِِحدى الأمور العظام .\r { نذيراً } إنذاراً { للبشر } .\r { لمن شاء منكم أن يتقدَّم } فيما أُمِرَ به { أو يتأخر } عنه ، فقد أُنذرتم .\r { كلُّ نفسٍ بما كسبت رهينةٌ } مأخوذةٌ بعملها .\r { إلاَّ أصحاب اليمين } يعني : أهل الجنَّة فهم لا يُرتهنون بذنوبهم ، ولكنَّ الله يغفرها لهم . وقيل : أصحاب اليمين ها هنا أطفال المسلمين .","part":1,"page":1059},{"id":1060,"text":"{ ما سلككم في سقر } أَيْ : ما أدخلكم جهنَّم؟","part":1,"page":1060},{"id":1061,"text":"{ وكنا نخوض مع الخائضين } ندخل الباطل مع مَنْ دخله .\r { وكنا نكذب بيوم الدين } بيوم الجزاء .\r { حتى أتانا اليقين } الموت .","part":1,"page":1061},{"id":1062,"text":"{ فما لهم عن التذكرة معرضين } ما لهم يُعرضون عن تذكيرك إيَّاهم .\r { كأنَّهم حمر مستنفرة } نافرةٌ مذعورة .\r { فرَّت من قسورة } أي : الأسد . وقيل : الرُّماة الصَّيَّادون .\r { بل يريد كلُّ امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منتشرة } وذلك أنَّهم قالوا : إنْ سرَّك أن نتَّبعك فأت كلَّ واحدٍ منا بكتابٍ من ربِّ العالمين نؤمر فيه باتِّباعك ، كما قالوا : { لن نُؤمنَ لرقيِّك حتى تنزِّلَ علينا كتاباً نقرؤه . . . } الآية .\r { كلا } ردٌّ لما قالوا { بل لا يخافون الآخرة } حيث يقترحون أن يُؤتوا صحفاً منشرة .\r { كلا إنه تذكرة } إنَّ القرآن تذكيرٌ للخلق ، وليس بسحرٍ .\r { فمن شاء ذكره } .\r { وما يذكرون إلاَّ أن يشاء الله هو أهل التقوى } أهلٌ أن يُتَّقى عقابه { وأهل المغفرة } أهلٌ أنْ يعمل بما يُؤدِّي إلى مغفرته .","part":1,"page":1062},{"id":1063,"text":"{ لا أقسم } \" لا \" صلةٌ ، معناه : أقسم ، وقيل : \" لا \" ردٌّ لإِنكار المشركين البعث ، ثمّ قال : أقسم { بيوم القيامة } .\r { ولا أقسم بالنفس اللوامة } وهي نفس ابن آدم تلومه يوم القيامة إنْ كان عمل شرَّاً لِمَ عمله ، وإنْ كان عمل خيراً لأمته على ترك الاستكثار منه ، وجواب هذا القسم مضمرٌ على تقدير : إنَّكم مبعوثون ، ودلَّ عليه ما بعده من الكلام ، وهو قوله : \r { أيحسب الإِنسان } أي : الكافر { أن لن نجمع عظامه } للبعث والإِحياء بعد التَّفرقة والبلى!\r { بلى قادرين } بلى نقدر على جمعها و { على أن نسوي بنانه } نجعله كخفِّ البعير ، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئاً ، وقيل : نُسوِّي بنانه على ما كانت وإنْ دقَّت عظامها وصغرت .\r { بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه } يُؤخِّر التَّوبة ويمضي في معاصي الله تعالى قُدُماً قُدُماً ، فيقدّم الأعمال السَّيِّئة . وقيل : معناه ليكفر بما قدَّامه ، يدلُّ على هذا قوله : { يسأل أيان . . . } .","part":1,"page":1063},{"id":1064,"text":"{ يسأل أيان } متى { يوم القيامة } تكذيباً به واستبعاداً لوقوعه .\r { فإذا برق البصر } فزع وتحيَّر .\r { وخسف القمر } أظلم وذهب ضوءه .\r { وجمع الشمس والقمر } أَيْ : جُمعا في ذهاب نورهما .\r { يقول الإنسان يومئذٍ أين المفر } أَي : الفرار؟\r { كلا } لا مفرَّ ذلك اليوم و { لا وزر } ولا ملجأ ولا حِرز .\r { إلى ربك يومئذٍ المستقر } المنتهى والمصير .\r { ينبأ الإِنسان } يُخبر { بما قدَّم وأخر } بأوَّل عمله وآخره .\r { بل الإِنسان على نفسه بصيرة } أَيْ : شاهدٌ عليها بعملها ، يشهد عليه جوارحه ، وأُدخلت الهاء في البصيرة للمبالغة . وقيل : لأنَّه أراد بالإِنسان الجوارح .\r { ولو ألقى معاذيره } ولو اعتذر وجادل فعليه من نفسه من يُكذِّب عذره ، وقيل : معناه : ولو أرخى السُّتور وأغلق الأبواب ، والمِعذار : السِّتر بلغة اليمين .\r { لا تحرّك به } بالوحي { لسانك لتعجل به } كان جبريل عليه السَّلام إذا نزل بالقرآن تلاه النبيُّ A قبل فراغ جبريل كراهيةَ أن ينفلت منه ، فأعلم الله تعالى أنَّه لا يُنسيه إيَّاه ، وأنَّه يجمعه في قلبه .","part":1,"page":1064},{"id":1065,"text":"{ إنَّ علينا جمعه وقرآنه } قراءته عليك حتى تعيه .\r { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } أَي : لا تعجل بالتِّلاوة إلى أن يقرأ عليك .\r { ثم إنَّ علينا بيانه } أَيْ : علينا أن ننزِّله قرآناً فيه بيانٌ للنَّاس .\r { كلا } زجرٌ وتنبيهٌ . { بل تحبون العاجلة } .\r { وتذرون الآخرة } أي : تختارون الدُّنيا على العقبى .\r { وجوهٌ يومئذٍ } يوم القيامة { ناضرة } مُضِيئةٌ حسنةٌ . { إلى ربها ناظرة } تنظر إلى خالقها عياناً .\r { ووجوه يومئذ باسرة } كالحةٌ .\r { تظن } توقن { أن يفعل بها فاقرة } داهيةٌ عظيمةٌ من العذاب .\r { كلا إذا بلغت التراقي } يعني : النَّفس . بلغت عظام الحلق .\r { وقيل مَنْ راق } مال مَنْ حضر ذلك الذي قارب الموت : هل من طبيبٍ يداويه ، وراقٍ يرقيه فيشفى برقيته؟\r { وظن } أيقن الذي نزل به الموت { أنَّه الفراق } من الدُّنيا والأهل والمال .\r { والتفت الساق بالساق } التفَّت ساقاه لشدَّة النَّزع . وقيل : تتابعت عليه الشَّدائد .","part":1,"page":1065},{"id":1066,"text":"{ إلى ربك يومئذ المساق } المنتهى والمرجع بسوق الملائكة الرُّوح إلى حيث أمر الله سبحانه .\r { فلا صدَّق ولا صلى } يعني : أبا جهلٍ لعنه الله .\r { ولكن كذب وتولى } عن الإِيمان .\r { ثمَّ ذهب إلى أهله يتمطى } يتبختر .\r { أولى لك فأولى } . { ثم أولى لك فأولى } هذا تهديدٌ ووعيدٌ له ، والمعنى : وليك المكروه يا أبا أجهل ، [ أي : لزمك المكروه ] .\r { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } مُهملاً غير مأمورٍ ولا منهيٍّ .\r { ألم يك نطفة من مني يمنى } يصبُّ في الرَّحم .\r { ثمَّ كان علقة فخلق فسوى } فخلقه الله فسوَّى خلقه ، حتى صار إنساناً بعد أن كان علقةً .\r { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } فخلق من الإِنسان صنفين الرَّجل والمرأة .\r { أليس ذلك } الذي فعل هذا { بقادر على أن يحيي الموتى } ؟ [ بلى ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير ] .","part":1,"page":1066},{"id":1067,"text":"{ هل أتى على الإنسان } قد أتى على آدم { حين من الدَّهر } أربعون سنةً { لم يكن شيئاً مذكوراً } لأنَّه كان جسداً مُصوَّراً من طينٍ ، لا يُذكر ولا يُعرف ، ويجوز أن يريد جميع النَّاس ، لأنَّ كلَّ أحدٍ يكون عدماً إلى أَنْ يصير شيئاً مذكوراً .\r { إنا خلقنا الإِنسان } يعني : ابن آدم { من نطفة أمشاج } أخلاطٍ ، يعني : ماء الرَّجل وماء المرأة واختلاف ألوانهما { نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً } أَيْ : خلقناه كذلك لنختبره بالتَّكليف والأمر والنَّهي .\r { إنَّا هديناه السبيل } بيَّنا له الطَّريق { إمَّا شاكراً وإمَّا كفوراً } إنْ شكر أو كفر ، يعني : أعذرنا إليه في بيان الطَّريق ببعث الرَّسول آمن أو كفر .","part":1,"page":1067},{"id":1068,"text":"{ إنَّ الأبرار } المُطيعين لربِّهم . { يشربون من كأس } إناءٍ فيه شرابٌ { كان مزاجها كافوراً } يُمزج لهم بالكافور .\r { عيناً } من عينٍ { يشرب بها } بتلك العين { عباد الله يفجرونها تفجيراً } يقودونها حيث شاؤوا من منازلهم .\r { يوفون بالنذر } إذا نذروا في طاعة الله وفوا به { ويخافون يوماً كان شرُّه مستطيراً } منتشراً فاشياً .\r { ويطعمون الطعام على حبّه } على قلَّته وحبِّهم إيَّاه { مسكيناً } فقيراً { ويتيماً } لا أب له { وأسيراً } أي : المملوك والمحبوس في حقٍّ من المسلمين ، ويقولون لهم : \r { إنما نطعمكم لوجه الله } لطلب ثواب الله { لا نريد منكم } بما نُطعمكم { جزاءً } مكافأةً منكم { لا شكوراً } شكراً .\r { إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً } كريه المنظر لشدَّته { قمطريراً } صعباً شديداً طويل الشَّر .\r { فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم } الذي يخافون { ولقَّاهم نضرة } [ ضياءً ] في وجوههم { وسروراً } في قلوبهم .\r { وجزاهم بما صبروا } على طاعة الله وعن معصيته { جنة وحريراً } .\r { متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً } حرَّاً ولا برداً ، صيفاً ولا شتاءً .","part":1,"page":1068},{"id":1069,"text":"{ ودانية عليهم ظلالُها } أَيْ : قريبةً منهم ظلال أشجارها { وذللت قطوفها تذليلاً } أُدنيت منهم ثمارها ، فهم ينالونها قعوداً كانوا أو قياماً .\r { ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا } أَيْ : لها بياض الفضَّة وصفاء القوارير وهو قوله : \r { قوارير من فضة قدروها تقديراً } أي : جُعلت الأكواب على قدر رِيِّهِمْ ، وهو ألذُّ الشَّراب .\r { ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً } والزَّنجبيل : شيءٌ تستلذُّه العرب ، فوعدهم الله ذلك في الجنَّة .\r { عيناً } من عينٍ { فيها } في الجنَّة { تسمى } تلك العين { سلسبيلاً } \r { ويطوف عليهم ولدان } أي : غلمانٌ { مخلَّدون } لا يشيبون { إذا رأيتهم حسبتهم } في بياضهم وصفاء ألوانهم { لؤلؤاً منثوراً } .\r { وإذا رأيت ثمَّ } إذا رميت ببصرك في الجنَّة { رأيت نعيماً وملكاً كبيراً } وهو أنَّ أدناهم منزلاً ينظر في ملكه في مسيرة ألف عامٍ .\r { عاليهم } فوقهم { ثياب سندس } أي : الحرير . وقوله : { شراباً طهوراً } طاهراً من الأقذاء والأقذار ، ليس بنجس كخمر الدُّنيا .","part":1,"page":1069},{"id":1070,"text":"{ ولا تطع منهم آثماً } يعني : عتبة بن ربيعة { أو كفوراً } يعني : الوليد بن المغيرة ، وذلك أنَّهما ضمنا للنبيِّ A المال والتَّزويج إِنْ ترك دعوتهم إلى الإِسلام .","part":1,"page":1070},{"id":1071,"text":"{ إنَّ هؤلاء يحبُّون العاجلة } يعني : الدُّنيا { ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً } ويتركون العمل ليومٍ شديدٍ أمامهم ، وهو يوم القيامة .\r { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم } خلقهم وخلق مفاصلهم .\r { إنَّ هذه } السُّورة { تذكرة } تذكيرٌ للخلق { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً } وسيلةً بالطَّاعة .\r { وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله } أَيْ : لستم تشاؤون شيئاً إلاَّ بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّ الأمر إليه .\r { يدخل من يشاء في رحمته } جنَّته ، وهم المؤمنون ، { والظالمين } الكافرين الذين عبدوا غيره { أعدَّ لهم عذاباً أليماً } .","part":1,"page":1071},{"id":1072,"text":"{ والمرسلات عرفاً } أي : الرِّياح التي أُرسلت مُتتابعةً كعُرْف الفرس .\r { فالعاصفات عصفاً } أي : الرِّياح الشَّديدة الهبوب .\r { والناشرات نشراً } الرِّياح التي تأتي بالمطر .\r { فالفارقات فرقاً } يعني : آي القرآن فرَّقت بين الحلال والحرام .\r { فالملقيات ذكراً } أي : الملائكة التي تنزل بالوحي .\r { عذراً أو نذراً } للإِعذار والإِنذار من الله تعالى .\r { إنَّ ما توعدون } من البعث والثَّواب والعقاب { لواقع } .\r { فإذا النجوم طمست } مُحي نورها .\r { وإذا السماء فُرِجَتْ } شُقَّت .","part":1,"page":1072},{"id":1073,"text":"{ وإذا الجبال نسفت } قُلعت من أماكنها ، فأُذهبت بسرعةٍ .\r { وإذا الرسل أقتت } جُمعت لوقتٍ ، وهو يوم القيامة .\r { لأيِّ يومٍ أجِّلت } أُخِّرت وأُمهلت .\r { ليوم الفصل } القضاء بين النَّاس .\r { وما أدراك ما يوم الفصل } على التَّعظيم لذلك اليوم . { ويلٌ يومئذٍ للمكذبين } .\r { ألم نهلك الأولين } من الأمم المكذِّبة .\r { ثم نتبعهم الآخرين } ممَّن سلكوا سبيلهم في الكفر والتَّكذيب .\r { كذلك } مثل الذي فعلنا بهم { نفعل بالمجرمين } بالمُكذِّبين من قومك .\r { ألم نخلقكم من ماء مهين } أي : النُّطفة .\r { فجعلناه في قرار مكين } أي : الرَّحم .\r { إلى قدر معلوم } وهو وقت الولادة .\r { فقدرنا } أَيْ : قدَّرنا وقت الولادة { فنعم القادرون } فنعم المُقدِّرون نحن ، وقُرئت بالتَّشديد والتَّخفيف ، لغتان بمعنى واحدٍ .","part":1,"page":1073},{"id":1074,"text":"{ ألم نجعل الأرض كفاتاً } وعاءً . وقيل : ذات كفات ، أَيْ : ضمٍّ وجمعٍ تَكْفِتُ الخلق أحياءً على ظهرها ، وأمواتاً في بطنها .\r { وجعلنا فيها رواسي } جبالاً ثوابت { شامخات } مرتفعاتٍ . { وأسقيناكم ماءً فراتاً } عذباً .\r { ويل يومئذ للمكذبين } ويُقال لهم ذلك اليوم .\r { انطلقوا } اذهبوا . { إلى ما كنتم به تكذبون } في الدنُّيا .\r { انطلقوا إلى ظل } إلى دُخان جهنَّم { ذي ثلاث شعب } إذا ارتفع انْشَعَبَ ثلاث شُعَبٍ ، فيقف على رؤوس الكافرين .\r { لا ظليل } باردٍ { لا يغني من اللهب } ولا يدفع من لهب النَّار شيئاً .\r { إنها ترمي بشرر } وهو ما يتطاير من النَّار { كالقصر } من البناء في العظم .\r { كأنه جُمالاتٌ } جمع جمالٍ { صفر } سود .\r { هذا يوم لا ينطقون } .\r { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } يعني : في بعض ساعات ذلك اليوم يُؤمرون بالسُّكوت .","part":1,"page":1074},{"id":1075,"text":"{ هذا يوم الفصل } بين أهل الجنَّة والنَّار { جمعناكم والأولين } .\r { فإن كان لكم كيدٌ فكيدون } إنْ كان عندكم حيلةٌ فاحتالوا لأنفسكم .","part":1,"page":1075},{"id":1076,"text":"{ كلوا وتمتعوا } في الدُّنيا { قليلاً إنكم مجرمون } مشركون .\r { وإذا قيل لهم اركعوا } صلُّوا { لا يركعون } لا يصلُّون .\r { فبأيّ حديث بعده } بعد القرآن الذي آتاهم فيه البيان { يؤمنون } إذا لم يؤمنوا به .","part":1,"page":1076},{"id":1077,"text":"{ عمَّ يتساءلون } [ عمَّا يتساءلون ] والمعنى : عن أيِّ شيءٍ يتساءلون . يعني : قريشاً ، وهذا لفظ استفهامٍ معناه تفخيم القصَّة ، وذلك أنَّهم اختلفوا واختصموا فيما أتاهم به الرَّسول A فمن مصدِّق ومكذِّبٍ ، ثمَّ بيَّن فقال : \r { عن النبأ العظيم } [ يعني : البعث ] .\r { الذي هم في مختلفون } لا يُصدِّقون به .\r { كلا } ليس الأمر على ما ذكروا من إنكارهم البعث { سيعلمون } حقيقة وقوعه .\r { ثم كلا سيعلمون } تأكيدٌ وتحقيقٌ ، ثمَّ دلَّهم على قدرته على البعث ، فقال : \r { ألم نجعل الأرض مهاداً } أَيْ : فرشناها لكم حتى سكنتموها .","part":1,"page":1077},{"id":1078,"text":"{ وخلقناكم أزواجاً } ذكوراً وإناثاً .\r { وجعلنا نومكم سباتاً } راحةً لأبدانكم .\r { وجعلنا الليل لباساً } يلبس كلَّ شيءٍ بسواده .\r { وجعلنا النهار معاشاً } سبباً للمعاش .\r { وبنينا فوقكم سبعاً شداداً } سبع سمواتٍ شدادٍ محكمةٍ .\r { وجعلنا سراجاً } أي : الشَّمس { وهَّاجاً } وقَّاداً حارَّاً .\r { وأنزلنا من المعصرات } السَّحاب { ماء ثجاجاً } صبَّاباً .\r { لنخرج به حبَّاً } ممَّا يأكله النَّاس { ونباتاً } ممَّا ترعاه النَّعم .\r { وجنات ألفافاً } مُلتفَّةً مُجتمعةً .\r { إنَّ يوم الفصل كان ميقاتاً } لما وعده الله من الجزاء والثَّواب .\r { يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً } زُمراً وجماعاتٍ .\r { وفتحت السماء } شُقِّقت { فكانت أبواباً } حتى يصير فيها أبواب .\r { وسيِّرت الجبال } عن وجه الأرض { فكانت سراباً } في خفَّة سيرها .\r { إنَّ جهنم كانت مرصاداً } ترصد أهل الكفر ، فلا يجاوزونها .\r { للطاغين } للكافرين { مآباً } مرجعاً .\r { لابثين } ماكثين { فيها أحقاباً } جمع حقب ، وهو ثمانون سنة ، كلُّ سنةٍ ثلثمائة وستون يوماً . كلُّ يومٍ كألف سنةٍ من أيَّام الدُّنيا ، فإذا مضى حقبٌ عاد حقبٌ إلى ما لا يتناهى .","part":1,"page":1078},{"id":1079,"text":"{ لا يذوقون فيها برداً } نوماً وراحةً { ولا شراباً } .\r { إلاَّ حميماً } ماءً حارَّاً من حميم جهنَّم { وغسَّاقاً } وهو ما سال من جلود أهل النَّار .\r { جزاءً وفاقاً } أَيْ : جُوزوا وفق أعمالهم ، فلا ذنب أعظم من الشِّرك ، ولا عذاب أعظم من النَّار .\r { إنهم كانوا لا يرجون حساباً } لا يخافون أن يحاسبهم الله .\r { وكذبوا بآياتنا كذاباً } تكذيباً .\r { وكلَّ شيء } من أعمالهم { أحصيناه } كتبناه { كتاباً } لنحاسبهم عليه .","part":1,"page":1079},{"id":1080,"text":"{ إنَّ للمتقين مفازاً } فوزاً بالجنَّة ونجاةً من النَّار .","part":1,"page":1080},{"id":1081,"text":"{ وكواعب } جواري قد تكعَّبت ثُدُيّهن . { أتراباً } مُستوياتٍ في السِّنِّ .\r { وكأساً دهاقاً } ممتلئةً .","part":1,"page":1081},{"id":1082,"text":"{ عطاءً حساباً } كثيراً كافياً ، وقوله : \r { لا يملكون منه خطاباً } أَيْ : لا يمكلون أن يخاطبوه إلاَّ بإذنه ، كقوله تعالى : { لا تكلَّمُ نفسٌ إلاَّ بإذنه } وقد فُسِّر هذا فيما قبل . وقوله : \r { يوم يقوم الروح } قيل : هو جبريل عليه السَّلام . وقيل : هو مَلَكٌ يقوم صفاً . وقيل : الرُّوح جندٌ من جنود الله ليسوا من الملائكة ولا من النَّاس يقومون { والملائكة صفاً } صفوفاً . { لا يتكلمون إلاَّ من أذن له الرحمن وقالوا صواباً } حقاً في الدُّنيا . يعني : لا إله إلاَّ الله .\r { ذلك اليوم الحقُّ فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً } مرجعاً إلى طاعته .\r { إنا أنذرناكم عذاباً قريباَ } يعني : يوم القيامة ، { يوم ينظر المرء ما قدَّمت يداه } ما عمل من خيرٍ وشرٍّ { ويقول الكافر } في ذلك اليوم : { يا ليتني كنت تراباً } ولك حين يقول الله تعالى للبهائم والوحوش : كوني تراباً ، فيتمنَّى الكافر أن لفو كان تراباً فلا يُعذَّب .","part":1,"page":1082},{"id":1083,"text":"{ والنازعات } أي : الملائكة التي تنزع أرواح الكفَّار { غرقاً } إغراقاً كما يُغرق النَّازع في القوس . يعني : المبالغة في النَّزع .\r { والناشطات نشطاً } يعني : الملائكة تقبض نفس المؤمن كما ينشط العقال من يد البعير ، أَيْ : يُفتح .\r { والسابحات سبحاً } أي : النُّجوم تسبح في الفلك .\r { فالسابقات سبقاً } أرواح المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقاً إلى لقاء الله عزَّ وجلَّ . وقيل : النُّجوم يسبق بعضها بعضاً في السَّير .\r { فالمدبرات أمراً } يعني : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام ، يُدبِّر أمر الدُّنيا هؤلاء الأربعة من الملائكة ، وجواب هذه الأقسام مضمرٌ على تقدير : لَتُبعَثُنَّ .\r { يوم ترجف الراجفة } تضطرب الأرض وتتحرَّك حركةً شديدةً .","part":1,"page":1083},{"id":1084,"text":"{ تتبعها الرادفة } يعني : نفخة البعث تأتي بعد الزَّلزلة .\r { قلوب يومئذٍ واجفة } قلقةٌ زائلةٌ عن أماكنها .\r { أبصارها خاشعة } ذليلةٌ .\r { يقولون } يعني : منكري البعث { أإنا لمردودون في الحافرة } أَيْ : إلى أوَّل الأمر من الحياة بعد الموت ، وهو قوله : \r { أإذا كنا عظاماً نخرة } أَيْ : باليةً .\r { قالوا تلك إذاً كرَّة خاسرة } رجعةٌ يُخسر فيها ، فأعلم الله تعالى سهولة البعث عليه فقال : \r { فإنما هي زجرة واحدة } أي : صيحةٌ ونفخةٌ .\r { فإذا هم بالساهرة } يعني : وجه الأرض بعد ما كانوا في بطنها .\r { هل أتاك } يا محمَّد { حديث موسى } .\r { إذ ناداه ربُّه بالوادي المقدس طوى } طوى اسم ذلك الوادي .\r { اذهب إلى فرعون إنَّه طغى } جاوز الحدَّ في الكفر .\r { فقل هل لك إلى أن تزكى } أترغب في أن تتطهَّر من كفرك بالإِيمان .","part":1,"page":1084},{"id":1085,"text":"{ فأراه الآية الكبرى } اليد البيضاء .\r { فكذَّب } فرعون موسى { وعصى } أمره .\r { ثم أدبر } أعرض عنه { يسعى } في الأرض يعمل فيها بالفساد .\r { فحشر } فجمع السَّحرة وقومه { فنادى } .\r { فقال أنا ربكم الأعلى } ليس ربٌّ فوقي .\r { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } أَيْ : نكَّل الله به في الآخرة بالعذاب في النَّار ، وفي الدُّنيا بالغرق .","part":1,"page":1085},{"id":1086,"text":"{ أأنتم } أيُّها المنكرون للبعث { أشدُّ خلقاً أم السماء بناها } .\r { رفع سمكها } سقفها { فسوَّاها } بلا شقوقٍ ولا فطورٍ .\r { وأغطش } أَظلم { ليلها وأخرج ضحاها } أظهر نورها بالشَّمس .\r { والأرض بعد ذلك دحاها } بسطها ، وكانت مخلوقةً غير مدحوَّةٍ .\r { أخرج منها ماءها ومرعاها } ما ترعاه النَّعم من الشَّجر والعشب .\r { والجبال أرساها } . { متاعاً } منفعةً { لكم ولأنعامكم } .\r { فإذا جاءت الطامة الكبرى } يعني : صيحة القيامة .","part":1,"page":1086},{"id":1087,"text":"{ يسألونك عن الساعة } يعني : القيامة . { أيَّان مرساها } متى وقوعها وثبوتها؟ قال الله تعالى : \r { فيم أنت } يا محمد { من ذكراها } أي : ليس عندك علمها .\r { إلى ربك منتهاها } منتهى علمها .\r { إنما أنت منذر مَنْ يخشاها } إنَّما ينفع إنذارك من يخشاها .\r { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا } في قبورهم { إلاَّ عَشِيَّةً أو ضحاها } أَيْ : نهارها .\rاستقصروا مدَّة لبثهم في القبور لما عاينوا من الهول .","part":1,"page":1087},{"id":1088,"text":"{ عبس } كلح { وتولَّى } أعرض .\r { أن } [ لأَنْ ] . { جاءه الأعمى } وهو عبد الله بن أمِّ مكتوم أتى النبيَّ A وهو يدعوا أشراف قريش إلى الإِسلام ، فجعل يُناديه ويكرِّر النِّداء ، ولا يدري أنَّه مشتغلٌ حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله A ، فعبس وأعرض عنه ، وأقبل على القوم الذين يكلمهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات .\r { ومَا يدريك لعله } لعلَّ الأعمى { يزكَّى } يتطهَّر من ذنوبه بالإِسلام ، وذلك أنَّه أتاه يطلب الإِسلام ، ويقول له : علِّمني ممَّا علمك الله .\r { أو يَذكَّر } يتَّعظ { فتنفعه الذكرى } الموعظة ، ثمَّ عاتبه عزَّ وجلَّ فقال : \r { أمَّا من استغنى } أثرى من المال .","part":1,"page":1088},{"id":1089,"text":"{ فأنت له تصدَّى } تُقبِلُ عليه وتتعرَّض له .\r { وما عليك ألا يزكَّى } أيُّ شيء عليك في أنْ لا يُسلم؛ لأنَّه ليس عليك إسلامه ، إنَّما عليك البلاغ .\r { وأمَّا مَنْ جاءك يسعى } أي : الأعمى .\r { وهو يخشى } الله تعالى .\r { فأنت عنه تلهى } تتشاغل .\r { كلا } ردعٌ وزجرٌ ، أيْ : لا تفعل مثل ما فعلت { إنها } إنَّ آيات القرآن { تذكرة } تذكيرٌ للخلق .\r { فمن شاء ذكره } يعني : القرآن ، ثمَّ أخبر بجلالته في اللَّوح المحفوظ عنده ، [ فقال ] : \r { في صحف مكرمة } .\r { مرفوعة } رفيعة القدر { مطهرة } لا يمسُّها إلاَّ المطهرون .\r { بأيدي سفرة } كَتَبةٍ ، وهم الملائكة .\r { كرام بررة } جمع بارٍّ .\r { قتل الإنسان } لُعن الكافر . يعني : عُتبة بن أبي لهب { ما أكفره } ما أشدَّ كفره .\r { من أي شيء خلقه } استفهامٌ معناه التَّقرير ، ثمَّ فسَّر فقال : \r { من نطفة خلقه فقدَّره } أطواراً من علقةٍ ومضغةٍ إلى أن خرج من بطن أُمِّه ، وهو قوله : { ثم السبيل يسره } .","part":1,"page":1089},{"id":1090,"text":"{ ثم السبيل يسره } أي : طريق خروجه من بطن أُمِّه .\r { ثمَّ أماته } قبض روحه { فأقبره } جعل له قبراً يُوارى فيه ، ولم يجعله ممَّن يُلقى إلى السِّباع والطير .\r { ثمَّ إذا شاء أنشره } أحياه بعد موته .\r { كلا } حقاً [ { لما } ] لم { يقض } هذا الكافر { ما أمره } به ربُّه .\r { فلينظر الإنسان إلى طعامه } كيف قدَّره ربُّه ودبَّره له .\r { أنّا صببنا الماء صباً } أي : المطر من السَّحاب .\r { ثم شققنا الأرض شقاً } بالنَّبات .\r { فأنبتنا فهيا حباً } . { وعنباً وقضباً } وهو القتُّ الرَّطب .","part":1,"page":1090},{"id":1091,"text":"{ وحدائق غلباً } بساتين كثيرة الأشجار .\r { وفاكهة وأباً } أي : الكلأ الذي ترعاه الماشية .\r { متاعاً } منفعةً { لكم ولأنعامكم } .\r { فإذا جاءت الصاخَّة } صيحة القيامة .\r { يوم يفرُّ المرء من أخيه } . { وأمه وأبيه } .\r { وصاحبته وبنيه } لا يلتفت إلى واحدٍ منهم لشغله بنفسه ، وهو قوله : \r { لكلِّ امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه } يشغله عن شأن غيره .\r { وجوهٌ يومئذٍ مسفرة } مضيئةٌ .\r { ضاحكة مستبشرة } فرحةٌ .\r { ووجوه يومئذ عليها غبرة } غبارٌ .\r { ترهقها } تغشاها { قترة } ظلمةٌ وسوادٌ .\r { أولئك } أهل هذه الحال { هم الكفرة الفجرة } .","part":1,"page":1091},{"id":1092,"text":"{ إذا الشمس كورت } ذهب ضوؤها .\r { وإذا النجوم انكدرت } تساقطت وتناثرت .\r { وإذا الجبال سيرت } عن وجه الأرض فصارت هباءً منبثاً .\r { وإذا العشار } يعني : النُّوق الحوامل { عطلت } سُيِّبت وأُهملت ، تركها أربابها ، ولم يكن مالٌ أعجب إليهم منها ، لإِتيان ما يشغلهم عنها .\r { وإذا الوحوش حشرت } جُمعت للقصاص .\r { وإذا البحار سجرت } أُوقدت فصارت ناراً [ ويقال : تقذف الكواكب فيها ثم تضطرم فتصير ناراً ] .\r { وإذا النفوس زوجت } قُرِن كلُّ أحدٍ بمَنْ يعمل عمله ، فأُلحق الفاجر بالفاجر والصَّالح بالصَّالح ، وقيل : قُرنت الأجساد بالأرواح .","part":1,"page":1092},{"id":1093,"text":"{ وإذا المَوْءُوْدَةُ } وهي الجارية تدفن حيَّةً . { سئلت } .\r { بأيِّ ذنب قتلت } وسؤالها سؤال توبيخ لوائدها؛ لأنها تقول : قتلت بغير ذنبٍ ، وهذا كقوله تعالى لعيسى عليه السَّلام : { أَأَنتَ قلتَ للنَّاسِ . . . } الآية .\r { وإذا الصحف نشرت } كُتُب الأعمال .\r { وإذا السماء كشطت } قُلعت كما يكشط الغطاء عن الشَّيء .\r { وإذا الجحيم سعِّرت } أُوقدت .\r { وإذا الجنة أزلفت } قرِّبت لأهلها حتى يروها .\r { علمت نفس ما أحضرت } أي : إذا كانت هذه الأشياء التي تكون في القيامة علمت في ذلك الوقت كلُّ نفسٍ ما أحضرت من عملٍ .\r { فلا أقسم } \" لا \" زائدة . { بالخنس } وهي النُّجوم الخمس تخنس ، أَيْ : ترجع في مجراها وراءها ، وتكنس : تدخل في كناسها ، أَيْ : تغيب في المواضع التي تغيب فيها ، فهي الكنَّس ، جمع كانسٍ .\r { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه ، وقيل : أدبر .\r { والصبح إذا تنفس } امتدَّ حتى يصير نهاراً بيِّناً .\r { إنه لقول رسول كريم } أي : القرآن لتنزيلُ جبريلٍ .\r { ذي قوة } من صفة جبريل { عند ذي العرش مكين } ذي مكانةٍ ومنزلةٍ .","part":1,"page":1093},{"id":1094,"text":"{ مطاع ثمَّ } تطيعه الملائكة في السَّماء { أَمين } على الوحي .\r { وما صاحبكم } محمد A { بمجنون } كما زعمتم .\r { ولقد رآه } رأى جبريل عليه السَّلام في صورته { بالأفق المبين } وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق .\r { وما هو } يعني محمداً A { على الغيب } أي : على الوحي وخبر السَّماء { بظنين } بمتَّهم ، أَيْ : هو الثِّقة بما يؤدِّيه عن الله تعالى .\r { وما هو } يعني : القرآن { بقول شيطان رجيم } .\r { فأين تذهبون } فأيَّ طريقٍ تسلكون أبينَ من هذه الطَّريقة التي قد بُيِّنت لكم؟\r { إن هو إلاَّ ذكر } ليس القرآن إلاَّ عظةٌ { للعالمين } .\r { لمن شاء منكم أن يستقيم } يتبع الحقَّ ويعمل به ، ثمَّ أعلمهم أنَّهم لا يقدرون على ذلك إلاَّ بمشيئة الله تعالى ، فقال : \r { وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله رب العالمين } .","part":1,"page":1094},{"id":1095,"text":"{ إذا السماء انفطرت } انشقَّت .\r { وإذا الكواكب انتثرت } تساقطت .\r { وإذا البحار فجِّرت } فُتح بعضها في بعضٍ فصارت بحراً واحداً .\r { وإذا القبور بعثرت } قُلب ترابها وبُعث الموتى الذين فيها .\r { علمت نفسٌ ما قدَّمت } من عملٍِ أُمرت به { و } ما { أخرت } منه فلم تعمله .\r { يا أيها الإِنسان ما غرَّك بربك الكريم } أَي : ما خدعك وسوَّل لك الباطل حتى أضعت ما أوجب عليك .\r { الذي خلقك فسوَّاك } جعلك مستوي الخلق { فعدلك } قوَّمك وجعلك معتدل الخلق والقامة .","part":1,"page":1095},{"id":1096,"text":"{ في أيِّ صورة ما شاء ركَّبك } إمَّا طويلاً؛ وإمَّا قصيراً؛ وإمَّا حسناً؛ وإمَّا قبيحاً .\r { كلا بل تكذبون بالدين } بالمجازاة بالأعمال .\r { وإنَّ عليكم لحافظين } يحفظون أعمالكم .\r { كراماً } على الله { كاتبين } يكتبون أقوالكم وأعمالكم .\r { يعلمون ما تفعلون } لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم .\r { إنَّ الأبرار } الصَّادقين في إيمانهم . { لفي نعيم } .\r { وإنَّ الفجار } الكفَّار . { لفي جحيم } .\r { يصلونها } يقاسون حرَّها . { يوم الدين } .\r { وما هم عنها بغائبين } بمخرجين ، ثمَّ عظَّم شأن يوم القيامة ، فقال : \r { وما أدراك ما يوم الدين } .\r { يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً } لا تملك أن تُنجيها من العذاب ، { والأمر يومئذٍ لله } وحده ، لم يملك أحدٌ أمراً في ذلك اليوم كما ملك في الدُّنيا .","part":1,"page":1096},{"id":1097,"text":"{ ويل للمطففين } يعني : الذين يبخسون حقوق النَّاس في الكيل والوزن .\r { الذين إذا اكتالوا } أخذوا بالكيل { على الناس } من النَّاس { يستوفون } يأخذون حقوقهم تامَّة وافيةً .\r { وإذا كالوهم } كالوا لهم { أو وزنوهم } وزنوا لهم { يخسرون } ينقصون .\r { ألا يظن أولئك } ألا يستيقن أولئك الذين يفعلون ذلك { أنهم مبعوثون } .\r { ليوم عظيم } يعني : يوم القيامة .\r { يوم يقوم الناس } من قبورهم { لربِّ العالمين } والمعنى أنَّهم لو أيقنوا بالبعث ما فعلوا ذلك .\r { كلا } ردعٌ وزجرٌ ، أَيْ : ليس الأمر على ما هم عليه ، فليرتدعوا { إنَّ كتاب الفجار } الذي فيه أعمالهم مرقومٌ مكتوبٌ مثبتٌ عليهم في { سجين } في أسفل سبع أرضين ، وهو محل إبليس وجنده .\r { وما أدراك ما سجين } أي : ليس ذلك ممَّا كنتَ تعلمه أنت ولا قومُك . وقوله : \r { كتاب مرقوم } فمؤخَّرٌ معناه التَّقديم؛ لأنَّ التَّقدير كما ذكرنا : إنَّ كتاب الفجَّار كتابٌ مرقومٌ في سجِّين .","part":1,"page":1097},{"id":1098,"text":"{ كلا بل ران على قلوبهم } أي : غلب عليها حتى غمرها وغشيها { ما كانوا يكسبون } من المعاصي ، وهو كالصَّدأ يغشى القلب .\r { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } يحجبون عن الله تعالى فلا يرونه .\r { ثم إنهم لصالوا الجحيم } لداخلو النَّار .\r { ثمَّ يقال هذا } العذاب { الذي كنتم به تكذِّبون } في الدُّنيا .\r { كلا إنَّ كتاب الأبرار لفي عليين } في السَّماء السَّابعة تحت العرش .\r { وما أدراك } وما الذي أعلمك يا محمد { ما عليون } كيف هي ، وأيُّ شيءٍ صفتها .\r { كتاب مرقوم } يعني : كتاب الأبرار كتابٌ مرقومٌ .\r { يشهده المقربون } تحضره الملائكة؛ لأنَّ عليين محلُّ الملائكة .","part":1,"page":1098},{"id":1099,"text":"{ على الأرائك ينظرون } أَيْ : إلى ما أعطاهم الله سبحانه من النَّعيم والكرامة .\r { تعرف في وجوههم نَضْرَةَ النعيم } أي : غضارته وبريقه .\r { يسقون من رحيق } وهو الخمر الصَّافية . { مختوم } .\r { ختامه مسك } يعني : إذا فني ما في الكأس وانقطع الشَّراب يختم ذلك الشَّراب برائحة المسك . { وفي ذلك فيتنافس المتنافسون } فليرغب الرَّاغبون بالمبادرة إلى طاعة الله عزَّ وجلَّ .\r { ومزاجه } ومزاج ذلك الشَّراب { من تسنيم } وهو عينُ ماءٍ تجري في جنَّة عدنٍ ، وهي أعلى الجنَّات ، ثمَّ فسَّره فقال : \r { عيناً يشرب بها المقربون } أَيْ : يشربها المُقرَّبون .\r { إنَّ الذين أجرموا } أشركوا : يعني : أبا جهلٍ وأصحابه { كانوا من الذين آمنوا } من فقراء المؤمنين { يضحكون } استهزاءً بهم .\r { وإذا مروا بهم يتغامزون } يغمز بعضهم بعضاً ويشيرون إليهم .\r { وإذا انقلبوا } رجعوا { إلى أهلهم } أصحابهم وذويهم { انقلبوا فاكهين } مُعجبين بما هم فيه ، يتفكَّهون بذكر المؤمنين .\r { وإذا رأوهم } رأوا المؤمنين { قالوا : إنَّ هؤلاء لضالون } .\r { وما أرسلوا } يعني : الكفَّار { عليهم } على المؤمنين { حافظين } لأعمالهم موكلين بأموالهم .\r { فاليوم } يعني : يوم القيامة { الذين آمنوا من الكفار يضحكون } كما ضحكوا منهم في الدُّنيا .\r { على الأرائك ينظرون } إليهم كيف يُعذَّبون .\r { هل ثوِّب الكفار ما كانوا يفعلون } أي : هل جُوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدُّنيا؟","part":1,"page":1099},{"id":1100,"text":"{ إذا السماء انشقت } تنشقُّ السَّماء يوم القيامة .\r { وأذنت لربها } سمعت أمر ربِّها بالانشقاق { وحقت } وحقَّ لها أن تطيع .\r { وإذا الأرض مدَّت } من أطرافها فَزِيد فيها ، كما يمدُّ الأديم .\r { وألقت ما فيها } ما في بطنها من الموتى والكنوز { وتخلَّت } وخَلَتْ منها .","part":1,"page":1100},{"id":1101,"text":"{ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً } عاملٌ لربِّك عملاً { فملاقيه } فملاقٍ عملك ، والمعنى : إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله .\r { فأمَّا مَنْ أوتي كتابه بيمينه } .\r { فسوف يحاسب حساباً يسيراً } وهو العرض على الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ مَنْ نُوقش الحساب عُذِّب .\r { وينقلب إلى أهله } في الجنَّة { مسروراً } .\r { وأمَّا مَنْ أوتي كتابه وراء ظهره } وذلك أنَّ يديه غُلَّتا إلى عنقه ، فيُؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره .\r { فسوف يدعو ثبوراً } فينادي بالهلاك على نفسه .\r { ويصلى سعيراً } ويدخل النَّار .\r { إنَّه كان في أهله } في الدُّنيا { مسروراً } متابعاً لهواه .\r { إنَّه ظنَّ أن لن يحور } لن يرجع إلى ربِّه .\r { بلى } أيْ : ليس الأمر كما ظنَّ ، يرجع إلى ربِّه .\r { فلا أقسم } معناه فأقسم { بالشفق } وهو الحمرة التي تُرى بعد سقوط الشَّمس . وقيل : يعني : اللَّيل والنَّهار .\r { والليل وما وسق } جمع وحمل ، وضمَّ وآوى من الدَّوابِّ والحشرات ، والهوام والسباع ، وكلّ شيء دخل عليه اللَّيل .\r { والقمر إذا اتسق } اجتمع واستوى .\r { لتركبنَّ طبقاً عن طبق } حالاً بعد حالٍ ، من النُّطفة وإلى العلقة ، وإلى الهرم والموت حتى يصيروا إلى الله تعالى .","part":1,"page":1101},{"id":1102,"text":"{ والله أعلم بما يوعون } أي : يحملون في قلوبهم ، ويُضمرون .\r { فبشرهم } أخبرهم { بعذاب أليم } . وقوله : \r { غير ممنون } أي : غير منقوصٍ ولا مقطوعٍ .","part":1,"page":1102},{"id":1103,"text":"{ والسماء ذات البروج } يعني : بروج الكواكب ، وهي اثنا عشر برجاً .\r { واليوم الموعود } يوم القيامة .\r { وشاهد } يوم الجمعة { ومشهود } يعني : يوم عرفة .\r { قتل } لُعن { أصحاب الأخدود } وهو الشَّقُّ يحفر في الأرض طولاً ، وهم قومٌ كفرةٌ كانوا يعبدون الصنم ، وكان قومٌ من المؤمنين بين أظهرهم يكتمون إيمانهم ، فاطَّلعوا على ذلك منهم فشقُّوا أخدوداً في الأرض ، وملؤوه ناراً وعرضوهم على النَّار ، فمن لم يرجع عن دينه قذفوه فيها .\r { النار ذات الوقود } ذات الالتهاب .\r { إذ هم عليها قعود } وذلك أنَّهم قعدوا عند تلك النَّار .","part":1,"page":1103},{"id":1104,"text":"{ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من التَّعذيب والصَّدِّ عن الإِيمان { شهود } حاضرون . أخبر الله تعالى عن قصَّة قومٍ بلغت بصيرتهم في إيمانهم إلى أن صبروا على أَنْ أُحرقوا بالنَّار في الله .\r { وما نقموا منهم إلاَّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } أَيْ : ما أنكروا عليهم ذنباً إلاَّ إيمانهم .","part":1,"page":1104},{"id":1105,"text":"{ إنَّ الذين فتنوا } أَيْ : أحرقوا { المؤمنين والمؤمنات ثمَّ لم يتوبوا } لم يرجعوا عن كفرههم { فلهم عذاب جهنم } بكفرهم { ولهم عذاب الحريق } بما أحرقوا المؤمنين .","part":1,"page":1105},{"id":1106,"text":"{ إنَّ بطش ربك } أخذه بالعذاب { لشديد } .\r { إنَّه هو يبدىء } الخلق ، يخلقهم ابتداءً ثمَّ يُعيدهم عند البعث .\r { وهو الغفور الودود } المحبُّ أولياءه .\r { ذو العرش } خالقه ومالكه { المجيد } المستحقُّ لكمال صفات العلوِّ والمدح .","part":1,"page":1106},{"id":1107,"text":"{ هل أتاك حديث الجنود } خبر الجموع الكافرة ، ثمَّ بيَّن مَنْ هم فقال : \r { فرعون وثمود } .\r { بل الذين كفروا } من قومك { في تكذيب } كذبٍ لك .\r { والله من ورائهم محيط } قدرته مشتملةٌ عليهم فلا يعجزه منهم أحدٌ .\r { بل هو قرآن مجيد } كثير الخير ، وليس كما زعم المشركون .\r { في لوح محفوظ } من أن يبدِّل ما فيه أو يُغيِّر .","part":1,"page":1107},{"id":1108,"text":"{ والسماء والطارق } يعني : النُّجوم كلَّها؛ لأنَّ طلوعها باللَّيل ، وكلُّ ما أتى ليلاً فهو طارق ، وقد فسَّر الله تعالى ذلك بقوله : \r { النجم الثاقب } المضيء النَّيِّرُ .\r { إن كلُّ نفسٍ لما عليها } لَعَليها ، و { ما } صلة { حافظ } من ربِّها يحفظ عملها .\r { فَلْيَنْظُرِ الإِنسان ممَّ خلق } من أيِّ شيءٍ خلقه ربُّه ، ثمَّ بيَّن فقال : \r { خلق من ماءٍ دافق } مدفوقٍ مصبوبٍ في الرَّحم . يعني : النُّطفة .\r { يخرج من بين الصلب } وهو ماء الرَّجل { والترائب } عظام الصَّدر ، وهو ماء المرأة .\r { إنَّه } إنَّ الله { على رجعه } على بعث الإِنسان وإِعادته بعد الموت { لقادر } .","part":1,"page":1108},{"id":1109,"text":"{ يوم تبلى السرائر } يعني : يوم القيامة ، وفي ذلك اليوم تختبر السَّرائر ، وهي الفرائضُ التي هي سرائر بين العبد وربِّه ، كالصَّلاة والصَّوم وغسل الجنابة ، ولو شاء العبد أن يقول : فعلت ذلك ولم يفعله أمكنه ، فهي سرائر عند العبد ، وإنما تبين وتظهر صحَّتها وأمانة العبد فيها يوم القيامة .\r { فما له } يعني : الإِنسان الكافر { من قوة ولا ناصر } .\r { والسماء ذات الرجع } أَيْ : المطر .\r { والأرض ذات الصدع } تتشقَّق عن النَّبات .\r { إنه } أَيْ : القرآن { لقول فصل } يفصل بين الحقّ والباطل .\r { وما هو بالهزل } أَيْ : باللَّعب والباطل .\r { إنهم } يعني : مشركي مكَّة { يكيدون كيداً } يُظهرون للنبيِّ A على ما هم على خلافه .\r { وأكيد كيداً } وهو استدارجُ الله تعالى إيَّاهم من حيث لا يعلمون { فمهِّل الكافرين أمهلهم رويداً } يقول : أخِّرهم قليلاً؛ فإني آخذهم بالعذاب ، فأُخذوا يوم بدرٍ ، وذلك أنَّه كان يدعو الله تعالى عليهم ، فقال الله تعالى : { أمهلهم رويداً } ، أَيْ : قليلاً .","part":1,"page":1109},{"id":1110,"text":"{ سبِّح اسم ربك الأعلى } نزِّه ذات ربِّك من السُّوء . وقيل : معناه : قل : سبحان ربِّي الأعلى .\r { الذي خلق فسوَّى } خلق الإنسان مُستوي الخلق .\r { والذي قدَّر فهدى } قدَّر الأرزاق ثمَّ هدى لطلبها .\r { والذي أخرج } من الأرض { المرعى } النَّبات .\r { فجعله غثاء } يابساً وهو ما يحمله السَّيل ممَّا يجف من النَّبات { أحوى } أسود بالياً .\r { سنقرئك } سنجعلك قارئاً لما يأتيك به جبريل عليه السَّلام من الوحي { فلا تنسى } شيئاً ، وهذا وعدٌ من الله سبحانه لنبيِّه عليه السَّلام أن يحفظ عليه الوحي حتى لا ينفلت منه شيءٌ .","part":1,"page":1110},{"id":1111,"text":"{ إلاَّ ما شاء الله } أن ينسخه . وقيل : إلاَّ ما شاء الله ، وهو لا يشاء أن تنسى { إنَّه يعلم الجهر } من القول والفعل { وما يخفى } .\r { ونيسِّرك لليسرى } أَيْ : نُهوِّن عليك الشَّريعة اليسرى ، وهي الحنيفيَّة السَّمحة .\r { فذكر } فَعِظْ بالقرآن { إن نفعت الذكرى } التَّذكير .\r { سيذكر } سيتَّعظ { من يخشى } الله .\r { ويتجنبها } ويتجنَّب الذِّكرى ويتباعد عنها { الأشقى } في علم الله .\r { الذي يصلى النار الكبرى } الذي يدخل جهنَّم .\r { ثمَّ لا يموت فيها ولا يحيى } لا يموت فيها موتاً يستريح به من العذاب ، ولا يحيا حياةً يجد فيها روح الحياة .\r { قد أفلح } صادف البقاء في الجنَّة { مَنْ تزكَّى } أكثر من العمل الصالح .\r { وذكر اسم ربه فصلى } أَيْ : الصَّلوات الخمس .\r { بل تؤثرون } تختارون { الحياة الدنيا } .\r { والآخرة خير وأبقى } من الدُّنيا .\r { إنَّ هذا } الذي ذكرتُ من فلاح المُتزكِّي ، وكون الآخرة خيراً من الدُّنيا { لفي الصحف الأولى } مذكورٌ في الكتب المتقدِّمة .\r { صحف إبراهيم وموسى } يعني : ما أنزل الله عليهما من الكتب .","part":1,"page":1111},{"id":1112,"text":"{ هل أتاك حديث الغاشية } يعني : القيامة؛ لأنَّها تغشى الخلق ، ومعنى : { هل أتاك } أَيْ : إنَّ هذا لم يكن من علمك ، ولا من علم قومك .\r { وجوه يومئذٍ خاشعة } ذليلةٌ .\r { عاملة } في النار تعالج حرَّها وعذابها { ناصبة } ذات نصبٍ وتعبٍ .\r { تصلى ناراً } تقاسي حرَّها { حامية } حارَّةً .\r { تسقى من عين آنية } متناهيةٍ في الحرارة .\r { ليس لهم } في جهنم { طعام إلاَّ من ضريع } وهو يبيس الشِّبْرِقِ ، وهو نوعٌ من الشَّوك لا تقربه دابَّةٌ ولا ترعاه ، وصفته ما ذكر الله : { لا يسمن ولا يغني من جوع } .","part":1,"page":1112},{"id":1113,"text":"{ وجوهٌ يومئذٍ ناعمة } حسنةٌ .\r { لسعيها } في الدُّنيا { راضية } حين أًعطيت الجنَّة بعملها .\r { في جنة عالية } .\r { لا تسمع فيها لاغية } لغواً ولا باطلاً .","part":1,"page":1113},{"id":1114,"text":"{ ونمارق مصفوفة } أَيْ : وسائد بعضها بجنب بعضٍ .\r { وزرابيُّ } وهي البسط والطَّنافس { مبثوثة } مفرَّقة في المجالس ، ثمَّ نبَّههم على عظيمٍ من خلقه قد ذلَّله لصغير؛ ليدلَّهم ، بذلك على توحيده ، فقال : \r { أفلا ينظرون إلى الإِبل كيف خلقت } .","part":1,"page":1114},{"id":1115,"text":"{ سطحت } أَيْ : بُسطت .\r { فذكِّر إنما أنت مذكِّر } ذكِّرهم نعم الله ودلائل توحيده ، فإنَّك مبعوثٌ بذلك .\r { لست عليهم بمسيطر } بمسلِّط تُكرههم على الإِيمان ، وهذا قبل أَنْ أُمر بالحرب .\r { إلاَّ من تولى } لكنْ من تولَّى عن الإيمان { وكفر } .\r { فيعذِّبه الله العذاب الأكبر } عذاب جهنم .\r { إنَّ إلينا إيابهم } رجوعهم .\r { ثمَّ إنَّ علينا حسابهم } .","part":1,"page":1115},{"id":1116,"text":"{ والفجر } يعني : فجر كلِّ يومٍ .\r { وليالٍ عشر } عشر ذي الحجَّة .\r { والشفع } يعني : يوم النَّحر؛ لأنَّه يوم العاشر { والوتر } يوم عرفة؛ لأنَّه يوم التَّاسع .\r { والليل إذا يسر } يعني : ليل المزدلفة إذا مضى وذهب . وقيل : إذا جاء وأقبل .\r { هل في ذلك } الذي ذكرت { قَسَمٌ لذي حجر } أَيْ : مقنعٌ ومكتفى في القسم لذي عقلٍ ، ثمَّ ذكر الأمم التي كذَّبت الرُّسل كيف أهلكهم فقال : \r { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } .","part":1,"page":1116},{"id":1117,"text":"{ إرم } يعني : عاداً الأولى ، وهو عاد بن عوص بن إرم ، وإرم : اسم القبيلة . { ذات العماد } أَيْ : ذات الطُّول ، وقيل : ذات البناء الرفيع ، وقيل : ذات العمد السيَّارة ، وذلك أنَّهم كانوا أهل عمدٍ سيَّارة ينتجعون الغيث .\r { التي لم يخلق مثلها في البلاد } في بطشهم وقوَّتهم وطول قامتهم .\r { وثمود الذي جابوا } قطعوا { الصخر } فاتَّخذوا منها البيوت { بالواد } يعني : وادي القرى ، وكانت مساكنهم هناك .\r { وفرعون ذي الأوتاد } ذي الجنود والجموع الكثيرة ، وكانت لهم مضارب كثيرةٌ يوتدونها في أسفارهم .","part":1,"page":1117},{"id":1118,"text":"{ فصبَّ عليهم ربك سوط عذاب } أَيْ : جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب .\r { إنَّ ربك } جواب القسم الذي في أوَّل السُّورة { لبالمرصاد } بحيث يرى ويسمع ويرصد أعمال بني آدم .\r { فأمَّا الإنسان } يعني : الكافر { إذا ما ابتلاه ربُّه } امتحنه بالنِّعمة والسَّعة { فأكرمه } بالمال { ونعَّمة } بما وسَّع عليه { فيقول ربي أكرمنِ } لا يرى الكرامة من الله إلاَّ بكثرة الحظِّ من الدُّنيا .\r { وإمَّا إذا ما ابتلاه فقدر } فضيَّق { عليه رزقه فيقول : ربي أهانن } يرى الهوان في قلَّة حظِّه من الدنيا ، وهذا صفة الكافر ، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يُكرمه الله بطاعته ، والهوان أن يُهينه بمعصيته ، ثم رَدَّ هذا على الكافر ، فقال : \r { كلا } أَيْ : ليس الأمر كما يظنُّ هذا الكافر . { بل لا تكرمون اليتيم } إخبارٌ عمَّا كانوا يفعلونه من ترك توريث اليتيم ، وحرمانه ما يستحقُّ من الميراث .\r { ولا تَحَاضُّون على طعام المسكين } لا تأمرون به ، ولا تُعينون عليه .\r { وتأكلون التراث } يعني : ميراث اليتامى { أكلاً لمّاً } شديداً ، تجمعون المال كلَّه في الأكل ، فلا تُعطون اليتيم نصيبه .\r { وتحبون المال حباً جماً } كثيراً .\r { كلا } ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر { إذا دكت الأرض دكاً دكاً } إذا زُلزلت الأرض فكَسر بعضها بعضاً .\r { وجاء ربك } أَيْ : أمر ربِّك وقضاؤه { والملك } أَيْ : الملائكةُ { صفاً صفاً } صفوفاً .\r { وجيء يومئذٍ بجهنم } تُقاد بسبعين أَلْفِ زمامٍ ، كلُّ زمامٍ بأيدي سبعين ألف مَلَكٍ { يومئذٍ يتذكَّر الإنسان } يُظهر الكافر التَّوبة { وأنى له الذكرى } ومن أين له التَّوبة؟\r { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } أَيْ : للدَّار الآخرة التي لا موت فيها .\r { فيومئذٍ لا يعذِّب عذابه أحد } لا يتولَّى عذاب الله تعالى يومئذٍ أحدٌ ، والأمر يومئذ أمره ، ولا أمر غيره .\r { ولا يوثق وثاقه } يعني بالوثاق الإِسار والسًَّلاسل والأغلال ، والمعنى : لا يبلغ أحدٌ من الخلق كبلاغ الله سبحانه في التَّعذيب والإِيثاق .","part":1,"page":1118},{"id":1119,"text":"{ يا أيتها النفس المطمئنة } إلى ما وعد الله سبحانه المصدِّقة بذاك .\r { ارجعي إلى ربك } يقال لها ذلك عند الموت . { راضية } بما آتاها الله { مرضية } رضي عنها ربُّها . هذا عند خروجها من الدُّنيا ، فإذا كان يوم القيامة قيل : \r { فادخلي في عبادي } أَيْ : في جملة عبادي الصَّالحين .\r { وادخلي جنتي } .","part":1,"page":1119},{"id":1120,"text":"{ لا أقسم } المعنى : أقسم ، و { لا } توكيدٌ . { بهذا البلد } يعني : مكَّة .\r { وأنت } يا محمَّدُ { حلٌّ بهذا البلد } تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ، أُحلَّت له مكَّةُ ساعةً من النَّهار يوم الفتح حتى قاتل وقتل من شاء .\r { ووالدٍ } أقسم بآدم عليه السَّلام { وما ولد } وولده ، و { ما } بمعنى \" مَنْ \" .\r { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } أَيْ : مشقَّةٍ يكابد أمر الدُّنيا والآخرة وشدائدهما . وقيل مُنتصباً معتدلاً .\r { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } نزلت في رجلٍ من بني جمح يُكنى أبا الأشدين ، كان يوصف بالقوَّة؛ فقال الله تعالى : أيحسب بقوَّته أن لن يقدر عليه أحدٌ ، والله قادر عليه .","part":1,"page":1120},{"id":1121,"text":"{ يقول أهلكت مالاً } على عداوة محمد A { لبداً } كثيراً بعضه على بعض ، وهو كاذبٌ في ذلك ، قال الله تعالى : \r { أيحسب أن لم يره أحد } في إنفاقه ، فيعلم مقدار نفقته ، ثمَّ ذكر ما يستدلُّ به على أنَّ الله تعالى قادرٌ عليه ، وأَنْ يحصي عليه ما يعمله ، فقال : \r { ألم نجعل له عينين } . { ولساناً وشفتين } .\r { وهديناه النجدين } يقول : ألم نُعرِّفه طريق الخير وطريق الشَّرِّ .\r { فلا اقتحم العقبة } أَيْ : لم يدخل العقبة ، وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمنفق في طاعة الله يحتاج أن يتحمَّل الكُلفة ، كمَنْ يتكلَّف صعود العقبة ، يقول : لم ينفق هذا الإنسان في طاعة الله شيئاً .\r { وما أدراك ما العقبة } أَيْ : ما اقتحام العقبة ، ثمَّ فسَّره فقال : \r { فك رقبة } وهو إخراجها من الرِّقِّ بالعون في ثمنها .\r { أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبة } مجاعةٍ .\r { يتيماً ذا مقربة } ذا قرابةٍ .\r { أو مسكيناً ذا متربة } أَيْ : ذا فقرٍ قد لصق من فقره بالتُّراب .\r { ثم كان من الذين آمنوا } أَيْ : كان مقتحم العقبة وفاكُّ الرَّقبة والمُطعم من الذين آمنوا؛ فإنَّه إنْ لم يكن منهم لم ينفعه قربةٌ { وتواصوا } أوصى بعضهم بعضاً { بالصبر } على طاعة الله تعالى { وتواصوا بالمرحمة } بالرَّحمة على الخلق .\r { أولئك أصحاب الميمنة } مَنْ كان بهذه الصفة فهو من جملة أصحاب اليمين .\r { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة } أصحاب الشِّمال . وقيل في أصحاب اليمين : إنَّهم الميامين على أنفسهم ، وفي أصحاب المشأمة : إنَّهم المشائيم على أنفسهم .\r { عليهم نار مؤصدة } مُطَبقةٌ .","part":1,"page":1121},{"id":1122,"text":"{ والشمس وضحاها } وضيائها .\r { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضِّياء والنُّور ، وذلك في النِّصف الأوَّل من الشَّهر يخلف الشَّمسَ القمرُ في النُّور .\r { والنهار إذا جلاَّها } جلَّى الظُّلمة وكشفها . وقيل : جلَّى الشَّمس وبيَّنها؛ لأنها تبين إذا انبسط النَّهار .\r { والليل إذا يغشاها } يستر الشَّمس .\r { والسماء وما بناها } أَيْ : وبنائها .\r { والأرض وما طحاها } وطحوها ، أَيْ : بسطها .\r { ونفس وما سوَّاها } وتسوية خلقها .\r { فألهمها فجورها وتقواها } علَّمها الطَّاعة والمعصية .","part":1,"page":1122},{"id":1123,"text":"{ قد أفلح } سعد { مَنْ زكاها } أصلح الله نفسه وطهَّرها من الذُّنوب .\r { وقد خاب مَنْ دسَّاها } جعلها الله ذليلةً خسيسةً حتى عملت بالفجور ، ومعنى دسَّاها : أخفى محلها ، ووضع منها وأحملها وخذلها .\r { كذبت ثمود بطغواها } بطغيانها كذَّبت الرُّسل .\r { إذِ انبعث } قام { أشقاها } عاقر النَّاقة .\r { فقال لهم رسول الله } [ صالحٌ ] . { ناقة الله } ذَروا ناقة الله { وسقياها } وشربها في يومها .\r { فكذَّبوه فعقروها } فقتلوا النَّاقة { فدمدم عليهم ربهم } أهلكهم هلاك استئصال { بذنبهم فسوَّاها } سوَّى الدمامة عليهم فعمَّهم بها . وقيل : سوَّى ثمود بالهلاك ، فأنزله بصغيرها وكبيرها .\r { ولا يخاف عقباها } لا يخاف اللَّهُ من أحدٍ تبعةَ ما أنزل بهم . وقيل : لا يخاف أشقاها عاقبة جنايته .","part":1,"page":1123},{"id":1124,"text":"{ والليل إذا يغشى } أيْ : يغشى الأُفق بظلمته .\r { والنهار إذا تجلى } بان وظهر .\r { وما خلق } ومَنْ خلق { الذكر والأنثى } وهو الله تعالى ، [ وجواب القسم وهو قوله : ] \r { إنَّ سعيكم لشتى } إنَّ عملكم لمختلفٌ . يريد : بينهما بُعدٌ يعني : عمل المؤمن وعمل الكافر . نزلت في أبي بكر الصِّديق وأبي سفيان بن حرب .\r { فأمَّا مَنْ أعطى } ماله { واتقى } ربَّه واجتنب محارمه .\r { وصدَّق بالحسنى } أيقن بأنَّ الله سبحانه سيخلف عليه . وقيل : صدَّق ب لا إله إلاَّ الله .\r { فسنيسره } فسنهيِّئه { لليسرى } للخلَّة اليسرى ، أَي : الأمر السَّهل من العمل بما يُرضي الله تعالى ، وكان أبو بكر الصديق Bه اشترى جماعةً يُعذِّبُهم المشركون ليرتدُّوا عن الإِسلام ، فوصفه الله تعالى بأنَّه أعطى وصدَّق بالمُجازاة من الله له .\r { وأمَّا مَنْ بخل } بالنَّفقة في الخير { واستغنى } عن الله ، فلم يرغب في ثوابه .","part":1,"page":1124},{"id":1125,"text":"{ فسنيسره للعسرى } أَيْ : نخذله حتى يعمل بما يُؤدِّيه إلى العذاب والأمر العسير .\r { وما يغني عنه ماله إذ تردَّى } أَيْ : مات وهلك . وقيل : سقط في جهنَّم .\r { إنَّ علينا للهدى } أَي : إِنَّ علينا أَّنْ نبيِّن طريق الهدى من طريق الضَّلال .\r { وإن لنا للآخرة والأولى } فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ .\r { فأنذرتكم } خوَّفتكم { ناراَ تلظى } تتوقَّد .\r { لا يصلاها إلاَّ الأشقى } لا يدخلها إلاَّ الكافر . { الذي كذَّب وتولَّى } .\r { وسيجنبها } أَيْ : يبعد منها { الأتقى } يعني : أبا بكر رضوان الله عليه .\r { الذي يؤتي ماله يتزكى } يطلب أن يكون عند الله زاكياً ، ولا يطلب رياءً ولا سمعةً .\r { وما لأحدٍ عنده من نعمة تجزى } وذلك أنَّ الكفَّار قالوا لمَّا اشترى أبو بكر Bه بلالاً فأعتقه : ما فعل أبو بكر ذلك إلاَّ ليدٍ كانت عنده لبلال ، فقال الله تعالى : وما لأحد عنده من نعمةٍ تُجزى ، أَيْ : لم يفعل ذلك مجازاة ليدٍ أُسديت إليه .\r { إلاَّ ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي : لكن طلب ثواب الله .\r { ولسوف يرضى } سيدخل الجنَّة .","part":1,"page":1125},{"id":1126,"text":"{ والضحى } أيْ : النَّهارِ كلِّه .\r { والليل إذا سجى } سكن بالخلق واستقرَّ بظلامه .\r { ما ودَّعك ربك وما قلى } وما تركك منذ اختارك ، وما أبغضك منذ أحبَّك ، وهذا جواب القسم . وقد كان تأخَّر الوحي عن النبيِّ A خمسة عشر يوماً ، فقال ناس : إنَّ محمداً ودَّعه ربُّه وقلاه ، فأنزل الله هذه السورة .\r { وللآخرة خير لك من الأولى } لأّنَّ الله يعطيك فيها الكرامات والدَّرجات .\r { ولسوف يعطيك ربك } في الآخرة من الثَّواب ، وفي مقام الشَّفاعة { فترضى } .\rيروى أنَّه قال عليه السَّلام لمَّا نزلت هذه الآية : إذن لا أرضى وواحدٌ من أُمَّتي في النَّار . ثمَّ أخبر عن حاله قبل الوحي ، وذكَّره نعمه عليه فقال :","part":1,"page":1126},{"id":1127,"text":"{ ألم يجدك يتيماً } حين مات أبواك ولم يُخلِّفا لك مالاً ولا مأوى { فآوى } فآواك إلى عمِّك [ أبي طالب ] وضمَّك إليه حتى كفلك وربَّاك .\r { ووجدك ضالاً } عمَّا أنت عليه اليوم من معالم النُّبوَّة وأحكام القرآن والشَّريعة ، فهداك إليها ، كقوله : { ما كنتَ تدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ . . . } الآية .\r { ووجدك عائلاً } فقيراً ولا مال لك ، فأغناك بمال خديجة Bه ، ثمَّ بالغنائم .\r { فأما اليتيم فلا تقهر } على ماله ، واذكر يُتمك .\r { وأما السائل فلا تنهر } فلا تزجره ، ولكن بذلٌ يسير ، أو ردٌّ جميلٌ ، واذكر فقرك .\r { وأمَّا بنعمة ربك } أَيْ : النُّبوَّة والقرآن { فحدِّث } أخبر بها .","part":1,"page":1127},{"id":1128,"text":"{ ألم نشرح لك صدرك } أَلم نفتحْ ونوسِّع ، ونليِّن لك قلبك بالإِيمان والنُّبوَّة ، والعلم والحكمة؟ هذا استفهامٌ معناه التَّقرير .\r { ووضعنا } [ حططنا ] { عنك وزرك } ما سلف منك في الجاهليَّة . وقيل : يعني : الخطأ والسَّهو . وقيل : معناه : خفَّفنا عليك أعباء النُّبوَّة ، والوِزر في اللُّغة : الحِمل الثقيل : \r { الذي أنقض } أثقل { ظهرك } .\r { ورفعنا لك ذكرك } أي : إذا ذُكرت ذكرتَ معي .\r { فإنَّ مع العسر يسراً } أي : مع الشِّدَّة التي أنتَ فيها من مقاساة بلاء المشركين يُسراً ، بإظهاري إيَّاك عليهم حتى تغلبهم ، وينقادوا لك طوعاً أو كرهاً .\r { إنَّ مع العسر يسراً } تكرارٌ للتَّأكيد . وقيل : إنَّ هذا عامٌّ في كلِّ عسرٍ أصاب المؤمن ، وهو من الله تعالى على وعد اليسر؛ إمَّا في الدُّنيا ، وإمَّا في الآخرة ، فالعسر واحدٌ ، واليسر اثنان .\r { فإذا فرغت } من صلاتك { فانصب } أَي : اتعب في الدُّعاء وسله حاجتك ، وارغب إلى الله تعالى به .","part":1,"page":1128},{"id":1129,"text":"{ والتين والزيتون } هما جبلان بالشَّام ، طور تينا ، وطور زيتا بالسِّريانية ، سمِّيا بالتِّين والزَّيتون؛ لأنَّهما يُنبتانهما .\r { وطور سِنين } جبل موسى عليه السَّلام ، وسينين : المبارك بالسِّريانية .\r { وهذا البلد الأمين } [ الآمن ] . يعني : مكَّة ، سمَّاه أميناً لأنه آمنٌ لا يُهاج أهله .\r { لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم } صورةٍ؛ لأنَّه معتدل القامة ، يتناول مأكوله بيده .\r { ثمَّ رددناه أسفل سافلين } إلى أرذل العمر ، والسَّافلون : هم الهرمى والزَّمنى والضَّعفى .\r { إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ ممنون } يعني : إنَّ المؤمن إذا ردَّ إلى أرذل العمر كُتب له مثل أجره إذا كان يعمل ، بخلاف الكافر ، فذلك قوله : { فلهم أجرٌ غير ممنون } أي : غير مقطوعٍ . وقيل : معنى : { ثم رددناه أسفل سافلين } : إلى النَّار ، يعني : الكافر ، ثمَّ استثنى المؤمنين ، فقال : { إلاَّ الذين آمنوا } وهذا القول أظهر ، ثمَّ قال توبيخاً للكافر : \r { فما يكذبك } أيُّها الإِنسان { بعد } هذه الحُجَّة { بالدين } بالحساب والجزاء ، ومعنى : ما يُكذِّبك : ما الذي يجعلك مكذِّباً بالدِّين . وقيل : إنَّ هذا خطابٌ للنبيِّ A ، فما الذي يكذِّبك يا محمد بعد ما تبيَّن من قدرتنا على خلق الإِنسان ، وظهر من حجَّتنا ، كأنَّه قال : فمَنْ يقدر على تكذيبك بالثَّواب والعقاب .\r { أليس الله بأحكم الحاكمين } في جميع ما خلق وصنع ، وكلُّ ذلك دالٌّ على علمه وحكمته [ جلَّ جلاله ، وتقدَّست أسماؤه ، ولا إله غيره ] .","part":1,"page":1129},{"id":1130,"text":"{ أقرأ باسم ربك } يعني : اقرأ القرآن باسم ربك ، وهو أن تذكر التَّسمية في ابتداء كلِّ سورةٍ . { الذي خلق } الأشياء والمخلوقات .\r { خلق الإِنسان } يعني : ابن آدم { من علق } جمع عَلَقةٍ .\r { اقرأ وربك الأكرم } يعني : الحليم عن جهل العباد ، فلا يعجل عليهم بالعقوبة .\r { الذي علَّم بالقلم } ثمَّ بيَّن ما علَّم ، فقال : \r { علَّم الإنسان ما لم يعلم } وهو الخطُّ والكتابة .\r { كلا } حقَّاً { إنَّ الإِنسان ليطغى } ليتجاوز ويستكبر على ربِّه .\r { أن رآه } رأى نفسه { استغنى } .\r { إنَّ إلى ربك الرجعى } المرجع في الآخرة ، فيجازي الطَّاغي بما يستحقُّه .","part":1,"page":1130},{"id":1131,"text":"{ أرأيت الذي ينهى } يعني : أبا جهلٍ .\r { عبداً إذا صلى } وذلك أنَّه قال : لئن رأيتُ محمداً يصلي لأطأنَّ على رقبته ، ومعنى : أرأيتَ ها هنا تعجُّبٌ ، وكذلك قوله : \r { أرأيت إن كان على الهدى } . { أو أمر بالتقوى } .\r { أرأيت إن كذب وتولى } . والمعنى : أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلَّى وهو على الهدى آمرٌ بالتَّقوى ، والنَّاهي كاذبٌ مُتولٍّ عن الذِّكرى ، أَيْ : فما أعجب من ذا!\r { ألم يعلم } أبو جهلٍ { بأنَّ الله يرى } أَيْ : يراه ويعلم ما يفعله .\r { كلا } ردعٌ وزجرٌ { لئن لم ينته } عمَّا هو عليه من الكفر ومعاداة النبيِّ A { لنسفعن بالناصية } لنجرَّن بناصيته إلى النَّار ، ثمَّ وصف ناصيته ، فقال : \r { ناصيةٍ كاذبة خاطئة } وتأويلها : صاحبُها كاذبٌ خاطىءٌ .\r { فليدع ناديه } فليستعن بأهل مجلسه ، وذلك أنَّه قال لرسول الله A : لأملأنَّ عليك هذا الوادي خيلاً جُرداً ، ورجالاً مُرداً ، فقال الله تعالى : { فليدع ناديه } .\r { سندع الزبانية } وهم الملائكة الغلاظ الشِّداد . قال رسول الله A : \" لو دعا ناديه لأخذته الزَّبانية عياناً \"\r { كلا } ليس الأمر على ما عليه أبو جهلٍ { لا تطعه واسجد } وصلِّ { واقترب } تقرّب إلى ربِّك بطاعته .","part":1,"page":1131},{"id":1132,"text":"{ إنا أنزلناه } أي : أنزلنا القرآن { في ليلة القدر } ليلة الحكم والفصل ، يقضي الله فيها قضاء السَّنة ، والقَدْر : بمعنى التَّقدير . أنزل الله تعالى القرآن كلَّه في ليلة القدر جُملةً واحدةً من اللَّوح المحفوظ إلى سماء الدُّنيا ، ثمَّ نزل به جبريل عليه السَّلام على النبيِّ A في عشرين سنةً .\r { وما أدراك } يا محمَّد عليه السَّلام { ما ليلة القدر } على التَّعظيم لشأنها والتَّعجيب منها ، ثمَّ أخبر عنها فقال : \r { ليلة القدر خير من ألف شهر } أي : من ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر .\r { تنزل الملائكة والروح } يعني : جبريل عليه السَّلام { فيها } في تلك اللَّيلة { بإذن ربهم من كل أمر } أي : بكلِّ أمرٍ قضاه الله تعالى في تلك اللَّيلة للسَّنة ، وتمَّ الكلام ها هنا ، ثمَّ قال : \r { سلام هي } أَيْ : تلك اللَّيلة كلها سلامةٌ وخيرٌ لا داء فيها ، ولا يستطيع الشَّيطان أن يصنع فيها شيئاً . وقيل : يعني : تسليم الملائكة في تلك اللَّيلة على أهل المساجد { حتى مطلع الفجر } إلى وقت طلوع الفجر .","part":1,"page":1132},{"id":1133,"text":"{ لم يكن الذين كفروا } بمحمَّدٍ A { من أهل الكتاب } أي : اليهود والنَّصارى { والمشركين } يعني : كفَّار العرب { منفكين } مُنتهين زائلين عن كفرهم { حتى تأتيهم البينة } يعني : أتتهم البينة ، أَي : البيان والبصيرة ، وهو محمد عليه السَّلام والقرآن . يقول : لم يتركوا كفرهم حتى بُعث إليهم محمَّدٌ عليه السَّلام ، وهذا فيمَنْ آمن من الفريقين ، ثمَّ فسَّر البيِّنة فقال : \r { رسول من الله يتلو صحفاً } كتباً { مطهرة } من الباطل .\r { فيها كتب } أحكامٌ { قيِّمة } مستقيمةٌ عادلةٌ ، ثمَّ ذكر كفَّار أهل الكتاب ، فقال : \r { وما تفرَّق الذين أوتوا الكتاب } أي : ما اختلفوا في كون محمَّدٍ عليه السَّلام حقاً لما يجدون من نعته في كتابهم { إلاَّ مِنْ بعد ما جاءتهم البينة } إلاَّ من بعد ما بيَّنوا أنَّه النبيُّ الذي وُعدوا به في التَّوراة والإِنجيل ، يريد : أنَّهم كانوا مجتمعين على صحَّة نبوَّته ، فلمَّا بُعث جحدوا نبوَّته وتفرَّقوا ، فمنهم مَنْ كفر بغياً وحسداً ، ومنهم مَنْ آمن ، وهذا كقوله تعالى : { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم . . . } الآية .\r { وما أمروا } يعني : كفَّار الذين أُوتوا الكتاب { إلاَّ ليعبدوا الله } إلاَّ أنْ يعبدوا الله { مخلصين له الدين } الطَّاعة ، أَيْ : مُوحِّدين له لا يعبدون معه غيره . { حنفاء } على دين إبراهيم عليه السَّلام ودين محمَّدٍ A . وقوله : { وذلك دين القيمة } أي : دين الملَّة القيِّمة ، وهي المستقيمة ، وباقي الآية ظاهرٌ .","part":1,"page":1133},{"id":1134,"text":"{ إذا زلزلت الأرض زلزالها } أي : حُرِّكت حركةً شديدةً لقيام السَّاعة .\r { وأخرجت الأرض أثقالها } كنوزها وموتاها ، فألقتها على ظهرها .\r { وقال الإِنسان } يعني : الكافر الذي لا يؤمن بالبعث { ما لها } إنكاراً لتلك الحالة .\r { يومئذ تحدّث أخبارها } أَيْ : تُخبر بما عُمل عليها من خيرٍ وشرٍّ .\r { بأنَّ ربك أوحى لها } أي : أمرها بالكلام وأذن لها فيه .\r { يومئذ يصدر الناس } ينصرف النَّاس { أشتاتاً } متفرِّقين عن موقف الحساب ، فآخذٌ ذات اليمين ، وآخذٌ ذات الشِّمال { ليروا أعمالهم } أَيْ : ثوابها .\r { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره } يرى المؤمن ثوابه في الآخرة ، والكافر في الدُّنيا يراه في نفسه وأهله وماله .\r { ومَنْ يعمل مثقال ذرة شراً يره } جزاء المؤمن في الدُّنيا بالأحزان والمصائب ، والكافر في الآخرة .","part":1,"page":1134},{"id":1135,"text":"{ والعاديات } يعني : الخيل في الغزو { ضبحاً } تضبح ضبحاً ، وهو صوت أجوافها إذا عدت .\r { فالموريات } وهي الخيل التي تُوري النَّار { قدحاً } بحوافرها إذا عدت في الأرض ذات الحجارة باللَّيل .\r { فالمغيرات صبحاً } يعني : الخيل تُغير على العدوِّ وقت الصبح ، وإنما يُغير أصحابها ولكن جرى الكلام على الخيل .\r { فأثرن } هيَّجن { به } بمكان عدوها { نقعاً } غباراً .\r { فوسطن } توسطن { به } بالمكان الذي هي به { جمعاً } من النَّاس أغارت .\rعليهم ، يريد : صارت في وسط قومٍ من العدوِّ تُغير عليهم .\r { إن الإنسان } جواب القسم { لربه لكنود } لكفورٌ . يعني : الكافر يجحد نعم الله تعالى .\r { وإنه } وإنَّ الله تعالى { على ذلك } على كنوده { لشهيد } .\r { وإنّه لحب الخير } لأجل حبِّ المال { لشديد } لبخيلٌ .\r { أفلا يعلم } هذا الإنسان { إذا بعثر } قُلب فَأُثير { ما في القبور } يعني : إذا بُعث الموتى .\r { وحصِّل } بيِّن وأُبرز { ما في الصدور } [ من الكفر والإيمان .\r { إنَّ ربهم بهم يومئذٍ لخبير } عالمٌ فيجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم ، وإنَّما قال \" بهم \" لأنَّ الإِنسان اسم الجنس ] .","part":1,"page":1135},{"id":1136,"text":"{ القارعة } يعني : القارعة؛ لأنَّها تقرع القلوب بأهوالها .\r { ما القارعة } تفخيمٌ لشأنها وتهويلٌ ، كما قلنا في الحاقَّة .\r { يوم يكون الناس كالفراش } كغوغاء الجراد لا يتَّجه إلى جهةٍ واحدةٍ ، كذلك النَّاس إذا بُعثوا ماج بعضهم في بعضٍ للحيرة { المبثوث } المفرَّق .\r { وتكون الجبال كالعهن } كالصُّوف { المنفوش } المندوف ، لخفَّة سيرها .\r { فأمَّا مَنْ ثقلت موازينه } بالحسنات .\r { فهو في عيشة راضية } يرضاها .\r { وأما من خفت موازينه } . { فأمه هاوية } فمسكنه النَّار .\r { وما أدراك ماهِيَهْ } ثمَّ فسرها فقال : \r { نار حامية } شديدة الحرارة .","part":1,"page":1136},{"id":1137,"text":"{ ألهاكم التكاثر } . { حتى زرتم المقابر } شغلكم التَّكاثر بالأموال والأولاد والعدد عن طاعة الله تعالى : { حتى زرتم المقابر } : حتى أدرككم الموت على تلك الحالة . نزلت في اليهود قالوا : نحن أكثرُ من بني فلانٍ ، وبنو فلان أكثرُ من بني فلانٍ ، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضُلالاً .\r { كلا } ليس الأمر الذي ينبغي أَنْ تكونوا عليه التَّكاثر { سوف تعلمون } عند النَّزع سوء عاقبة ما كنتم عليه .\r { ثمَّ كلا سوف تعلمون } سوء عاقبة ما كنتم عليه في القبر ، والتَّكرير لتأكيد التَّهديد .\r [ { كلا لو تعلمون عليم اليقين } أَيْ : لو علمتم الأمرَ حقَّ علمه لشغلكم ذلك عمَّا أنتم فيه ، وجواب { لو } محذوف ] ثمَّ ابتدأ فقال : \r { لترون الجحيم } .\r { ثم لترونها } تأكيدٌ أيضاً { عَيْنَ اليقين } عياناً لستم عنها بغائبين .\r { ثمَّ لتسألنَّ يومئذ عن النعيم } عن الأمن والصَّحة فيما أفنيتموها .","part":1,"page":1137},{"id":1138,"text":"{ والعصر } هو الدَّهر ، أَقسم الله به .\r { إنَّ الإِنسان } يعني : الكافر العامل لغير طاعة الله { لفي خسر } خسرانٍ ، يعني : إنَّه يخسر أهله ومحله ومنزلته في الجنَّة .\r { إلاَّ الذين آمنوا } فإنَّهم ليسوا في خسرٍ . { وتواصوا بالحق } وصَّى بعضهم بالإِقامة على التَّوحيد والإِيمان { وتواصوا بالصَّبر } على طاعة الله والجهاد في سبيله . ويروى [ مرفوعاً ] : { إن الإنسان لفي خسرٍ } يعني : أبا جهلٍ ، { إلاَّ الذين آمنوا } يعني : أبا بكر { وعملوا الصالحات } يعني : عمر بن الخطاب . { وتواصوا بالحقِّ } يعني : عثمان . { وتواصوا بالصَّبر } يعني : علياً . Bهم أجمعين .","part":1,"page":1138},{"id":1139,"text":"{ ويلٌ لكلِّ همزة لمزة } يعني : الإنسان الذي يغتاب النَّاس ويعيبهم . نزلت في أُميَّة بن خلف . وقيل : في الوليد بن المغيرة ، كان يغتاب النبيِّ A .\r { الذي جمع مالاً وعدده } أعدَّه للدَّهر ، وقيل : أكثر عدده .\r { يحسب أنَّ ماله أخلده } في الدُنيا حتى لا يموت .\r { كلا } ليس الأمر على ما يحسب . { لينبذنَّ في الحطمة } ليطرحنَّ في النار .","part":1,"page":1139},{"id":1140,"text":"{ التي تطلع على الأفئدة } أَيْ : يبلغ ألمها وإحراقها إلى الأفئدة .\r { إنها عليهم مؤصدة } مطبقةٌ .\r { في عمد } جمع عمودٍ . { ممددة } . قيل : يعني : أوتاد الأطباق التي تطبق عليهم ، ومعنى { في عمدٍ } : بعمدٍ . وقيل : إنَّها عمدٌ يُعذَّبون بها في النَّار .","part":1,"page":1140},{"id":1141,"text":"{ ألم ترَ } ألم تعلم . وقيل : ألم تخبر { كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } .\r { ألم يجعل كيدهم في تضليل } أضلَّ كيدهم عمَّا أرادوا من تخريب الكعبة .\r { وأرسل عليهم طيراً أبابيل } جماعاتٍ جماعاتٍ .\r { ترميهم بحجارة من سجيل } من آجرٍ .\r { فجعلهم كعصف مأكول } كزرعٍ أكلته الدَّوابُّ فداسته وفتَّتته . والعصف : ورق الزرع .","part":1,"page":1141},{"id":1142,"text":"{ لإِيلاف قريش } قيل : هذه اللام تتَّصل بما قبلها ، على معنى : أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وتألف رحلتيها . وقيل : معنى اللام التَّأخير ، على معنى : فليعبدوا ربَّ هذا البيت { لإِيلاف قريش } أَيْ : ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النِّعم واعترافاً بها . يقال : ألف الشَّيء وآلفه بمعنىً واحد ، والمعنى : لإِلف قريش رحلتيها ، وذلك انَّه كانت [ لهم ] رحلتان رحلةٌ في الشِّتاء إلى اليمين ، و [ رحلة ] في الصَّيف إلى الشَّام ، وبهما كانت تقوم معايشهم وتجاراتهم . وكان لا يتعرَّض لهم في تجارتهم أحدٌ . يقول : هم سكَّان حرم الله وولاة بيته ، فمنَّ الله عليهم بذلك ، وقال : \r { فليعبدوا ربَّ هذا البيت } . { الذي أطعهم من جوع } أَيْ : بعد جوعٍ ، وكانوا قد أصابتهم شدة حتى أكلوا الميتة والجيف ، ثمَّ كشف الله ذلك عنهم { وآمنهم من خوف } فلا يخافون في الحرم الغارة ، ولا يخافون في رحلتهم .","part":1,"page":1142},{"id":1143,"text":"{ أرأيت الذي يكذب بالدين } نزلت في العاص بن وائل . وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة . وقيل : في أبي سفيان ، وذلك أنَّه نحر جزوراً فأتاه يتيمٌ يسأله ، فقرعه بعصاه ، فذلك قوله تعالى : { يدعُّ اليتيم } أَيْ : يدفعه بجفوةٍ من حقِّه .\r { ولا يحضُّ على طعام المسكين } لا يُطعم المسكين ولا يأمر بإطعامه .\r { فويل للمصلين } . { الذين هم عن صلاتهم ساهون } غافلون يُؤخِّرونها عن وقتها .\r { الذين هم يراؤون } يعني : المنافقين يُصلُّون في العلانيَة ، ويتركون الصَّلاة في السِّرِّ .\r { ويمنعون الماعون } الزَّكاة وما فيه منفعةٌ من الفأس والقِدر والماء والملح .","part":1,"page":1143},{"id":1144,"text":"{ إنَّا أعطيناك الكوثر } قيل : هو نهرٌ في الجنَّة حافتاه الدُّرُّ . وقيل : هو الخير الكثير .\r { فصلِّ لربك } صلاة العيد ، يعني : يوم النَّحر { وانحر } نُسكك . وقيل : { فصلِّ } فضع يدك على نحرك في صلاتك .\r { إنَّ شانئك } مُبغضك { هو الأبتر } المُنقطع العقب . [ وقيل : المنقطع عن كلِّ خير . نزلت في العاص بن وائل سمَّى النبيَّ A أبتر عند موت ابنه القاسم ] .","part":1,"page":1144},{"id":1145,"text":"{ قل يا أيها الكافرون } نزلت في رهطٍ من قريشٍ قالوا للنبيِّ A تعبد آلهتنا سنةً . ونعبد إلهك سنةً ، فأنزل الله هذه السُّورة .\r { لا أعبد ما تعبدون } في الحال .\r { ولا أنتم عابدون ما أعبد } في الحال ما أعبده .\r { ولا أنا عابد } في الاستقبال { ما عبدتم } .\r { ولا أنتم عابدون } في الاستقبال { ما أعبد } فنفى عنهم عبادة الله في الحال ، وفيما يستقبل ، وهذا في قومٍ أعلمه الله أنَّهم لا يؤمنون ، ونفى أيضاً عن نفسه عبادة الأصنام في الحال وفيما يستقبل ، لييئسوا عنه في ذلك .\r { لكم دينكم } الشِّرك { ولي ديني } الإِسلام ، وهذا قبل أَنْ يُؤمر بالحرب .","part":1,"page":1145},{"id":1146,"text":"{ إذا جاء نصر الله } إيَّاك على مَنْ ناوأك من اليهود والعرب { والفتح } يعني : فتح مكة .\r { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا } جماعاتٍ جماعاتٍ بعد ما كان يدخل واحدٌ فواحدٌ . وكان رسول الله A لمَّا نزلت هذه السورة قال : قد نُعِيَتْ إليَّ نفسي .\r { فسبح بحمد ربك } أمره الله عزَّ وجل أن يُكثر التَّسبيح والاستغفار ، ليختم له في آخر عمره بالزِّيادة في العمل الصّالح .","part":1,"page":1146},{"id":1147,"text":"{ تبت يدا أبي لهب وتب } لمَّا نزل قوله : { وأنذر عشيرتك الأقربين } صعد رسول الله A الصَّفا ، ونادى بأعلى صوته يدعو قومه ، فاجتمعوا إليه فأنذرهم النَّار ، وقال : إنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديدٍ ، فقال أبو لهب : تبَّاً لك ، ما دعوتنا إلاَّ لهذا ، فأنزل الله : { تبت يدا أبي لهب } أَيْ : خابت وخسرت { وتب } وخسر هو ، ولمَّا خوَّفه النبيُّ A بالعذاب قال : إنَّه إنْ كان ما يقوله ابن أخي حقاً؛ فإني أفتدي منه بمالي وولدي ، فقال الله تعالى : \r { ما أغنى عنه ماله وما كسب } يعني : ولده .\r { سيصلى ناراً ذات لهب } .\r { وامرأته حَمّالةَ الحطب } نقَّالة الحديث الماشية بالنَّميمة ، وهي أمُّ جميلٍ أخت أبي سفيان .\r { في جيدها } في عنقها { حبل من مسد } سلسلةٌ من حديدٍ ذرعها سبعون ذراعاً ، تدخل في فيها وتخرج من دبرها ، ويلوى سائرها في عنقها ، والمسد : كلُّ ما أُحكم به الحبل .","part":1,"page":1147},{"id":1148,"text":"روي أنَّ قوماً من المشركين قال لرسول الله A : انسب لنا ربَّك ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ : \r { قل هو الله أحد } أَيْ : الذي سألتم نسبته هو الله أحدٌ .\r { الله الصمد } السَّيِّد الذي قد انتهى إليه السُّؤدد . وقيل : الصَّمد : الذي لا جوف لَه ، ولا يأكل ولا يشرب . وقيل : هو المقصود إليه في الرَّغائب .\r { لم يلد ولم يولد } .\r { ولم يكن له كفواً أحد } لم يكن أحدٌ مثلاً له .","part":1,"page":1148},{"id":1149,"text":"{ قل أعوذ برب الفلق } نزلت هذه السُّورة والتي بعدها لمَّا سحر لبيدُ بن الأعصم اليهوديّ رسول الله A ، فاشتكى شكوى شديدةً ، فأعلمه الله بما سحر به ، وأين هو ، فبعث مَنْ أتى به ، وكان وَتَراً فيه إحدى عشرة عقدةً ، فجعلوا كلما حلُّوا عقدةً وجد راحةً حتى حلُّوا العقد كلَّها ، وأمره الله تعالى أن يتعوَّذ بهاتين السُّورتين ، وهما إحدى عشرة آية على عدد العقد ، وقوله : { برب الفلق } يعني : الصُّبح .","part":1,"page":1149},{"id":1150,"text":"{ ومن شر غاسق } يعني : اللَّيل { إذا وقب } دخل .\r { ومن شر النفاثات } يعني : السَّواحر تنفث { في العقد } كأنَّها تنفخ فيها بشيءٍ تقرؤه .\r { ومن شرِّ حاسد إذا حسد } يعني : لبيداً الذي سحره .","part":1,"page":1150},{"id":1151,"text":"{ قل أعوذ برب الناس } . { ملك الناس } . { إله الناس } .\r { من شرِّ الوسواس } [ يعني : ذا الوسواس ] وهو الشيطان { الخناس } وهو الذي يخنس ويرجع إذا ذُكر الله ، والشَّيطان جاثمٌ على قلب الإِنسان ، فإذا ذَكر الله تنحَّى وخنس ، وإذا غفل التقم قلبه فحدَّثه ومنَّاه ، وهو قوله : \r { الذي يوسوس في صدور الناس } .\r { من الجِنَّة } أَيْ : الشيطان الذي هو من الجنِّ { والناس } عطف على قوله : الوسواس . والمعنى : من شرِّ ذي الوسواس ومن شر النَّاس ، كأنَّه أُمر أن يستعيذه من شرِّ الجنِّ ومن شر النَّاس .","part":1,"page":1151}],"titles":[{"id":1,"title":"الفاتحة","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3,"title":"البقرة","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":4,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":5,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":7,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":8,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":9,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":10,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":12,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":13,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":15,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":16,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":17,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":27,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":28,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":29,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":30,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":31,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":32,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":33,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":34,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":36,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":38,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":39,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":41,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":42,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":43,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":44,"title":"168","lvl":2,"sub":0},{"id":45,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":46,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":47,"title":"178","lvl":2,"sub":0},{"id":48,"title":"183","lvl":2,"sub":0},{"id":49,"title":"186","lvl":2,"sub":0},{"id":50,"title":"189","lvl":2,"sub":0},{"id":51,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"197","lvl":2,"sub":0},{"id":53,"title":"199","lvl":2,"sub":0},{"id":54,"title":"203","lvl":2,"sub":0},{"id":55,"title":"207","lvl":2,"sub":0},{"id":56,"title":"213","lvl":2,"sub":0},{"id":57,"title":"216","lvl":2,"sub":0},{"id":59,"title":"220","lvl":2,"sub":0},{"id":60,"title":"222","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"228","lvl":2,"sub":0},{"id":62,"title":"231","lvl":2,"sub":0},{"id":64,"title":"235","lvl":2,"sub":0},{"id":65,"title":"236","lvl":2,"sub":0},{"id":67,"title":"243","lvl":2,"sub":0},{"id":68,"title":"248","lvl":2,"sub":0},{"id":69,"title":"253","lvl":2,"sub":0},{"id":70,"title":"256","lvl":2,"sub":0},{"id":71,"title":"259","lvl":2,"sub":0},{"id":72,"title":"261","lvl":2,"sub":0},{"id":73,"title":"266","lvl":2,"sub":0},{"id":74,"title":"270","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"273","lvl":2,"sub":0},{"id":76,"title":"278","lvl":2,"sub":0},{"id":77,"title":"283","lvl":2,"sub":0},{"id":78,"title":"آل عمران","lvl":1,"sub":0},{"id":78,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":79,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":80,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":81,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":82,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":83,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":84,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":85,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":86,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":87,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":88,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":89,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":90,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":91,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":92,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":93,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":94,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":95,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":96,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":98,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":99,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":100,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":101,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":102,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":103,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":104,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":106,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":107,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":108,"title":"157","lvl":2,"sub":0},{"id":109,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":110,"title":"169","lvl":2,"sub":0},{"id":111,"title":"173","lvl":2,"sub":0},{"id":112,"title":"177","lvl":2,"sub":0},{"id":113,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":114,"title":"191","lvl":2,"sub":0},{"id":115,"title":"197","lvl":2,"sub":0},{"id":116,"title":"النساء","lvl":1,"sub":0},{"id":116,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":117,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":118,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":120,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":121,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":122,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":123,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":124,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":125,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":126,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":127,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":128,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":129,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":130,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":131,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":132,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":134,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":135,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":136,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":137,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":138,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":139,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":140,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":141,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":142,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":143,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":144,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":145,"title":"162","lvl":2,"sub":0},{"id":146,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":147,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":148,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":149,"title":"المائدة","lvl":1,"sub":0},{"id":149,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":150,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":151,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":152,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":153,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":154,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":155,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":156,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":157,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":158,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":159,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":160,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":161,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":162,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":163,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":164,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":165,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":166,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":167,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":168,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":169,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":170,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":171,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":172,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":173,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":174,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":175,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":176,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":177,"title":"الأنعام","lvl":1,"sub":0},{"id":177,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":178,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":179,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":180,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":181,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":182,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":183,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":184,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":185,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":186,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":187,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":188,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":189,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":190,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":191,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":192,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":193,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":194,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":195,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":196,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":197,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":198,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":199,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":200,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":201,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":202,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":203,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":204,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":205,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":206,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":207,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":208,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":209,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":210,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":211,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":212,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":213,"title":"الأعراف","lvl":1,"sub":0},{"id":213,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":214,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":215,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":216,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":217,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":218,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":219,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":220,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":221,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":222,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":223,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":224,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":225,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":226,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":227,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":228,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":229,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":230,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":231,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":232,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":233,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":234,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":235,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":236,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":237,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":238,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":239,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":240,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":241,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":242,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":243,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":244,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":245,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":246,"title":"157","lvl":2,"sub":0},{"id":247,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":248,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":249,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":250,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":251,"title":"176","lvl":2,"sub":0},{"id":252,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":253,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":254,"title":"188","lvl":2,"sub":0},{"id":255,"title":"190","lvl":2,"sub":0},{"id":256,"title":"193","lvl":2,"sub":0},{"id":257,"title":"198","lvl":2,"sub":0},{"id":258,"title":"203","lvl":2,"sub":0},{"id":259,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":259,"title":"الأنفال","lvl":1,"sub":0},{"id":260,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":261,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":262,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":263,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":264,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":265,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":266,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":267,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":268,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":269,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":270,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":271,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":272,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":273,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":274,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":275,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":276,"title":"التوبة","lvl":1,"sub":0},{"id":276,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":277,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":278,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":279,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":280,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":281,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":282,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":283,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":284,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":285,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":286,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":287,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":288,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":289,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":290,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":291,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":292,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":293,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":294,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":295,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":296,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":297,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":298,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":299,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":300,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":301,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":302,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":303,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":304,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":305,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":306,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":307,"title":"يونس","lvl":1,"sub":0},{"id":307,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":308,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":309,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":310,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":311,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":312,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":313,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":314,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":315,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":316,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":318,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":319,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":320,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":321,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":322,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":323,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":324,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":325,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":326,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":327,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":328,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":329,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":330,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":331,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":332,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":333,"title":"هود","lvl":1,"sub":0},{"id":333,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":334,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":335,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":336,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":337,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":338,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":339,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":340,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":341,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":342,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":343,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":344,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":345,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":346,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":347,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":348,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":349,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":350,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":351,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":352,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":353,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":354,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":355,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":356,"title":"يوسف","lvl":1,"sub":0},{"id":356,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":357,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":358,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":359,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":360,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":361,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":362,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":363,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":364,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":365,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":366,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":367,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":368,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":369,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":370,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":371,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":372,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":373,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":374,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":375,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":376,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":377,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":378,"title":"الرعد","lvl":1,"sub":0},{"id":378,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":379,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":380,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":381,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":382,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":383,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":384,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":385,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":386,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":387,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":388,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":389,"title":"إبراهيم","lvl":1,"sub":0},{"id":389,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":390,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":391,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":392,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":393,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":394,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":395,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":396,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":397,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":398,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":399,"title":"الحجر","lvl":1,"sub":0},{"id":399,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":400,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":401,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":402,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":403,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":404,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":405,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":406,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":407,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":408,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":409,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":410,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":411,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":412,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":413,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":414,"title":"النحل","lvl":1,"sub":0},{"id":414,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":415,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":416,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":417,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":418,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":419,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":420,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":421,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":422,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":423,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":424,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":425,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":426,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":427,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":428,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":429,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":430,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":431,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":432,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":433,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":434,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":435,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":436,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":437,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":438,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":439,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":440,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":441,"title":"الإسراء","lvl":1,"sub":0},{"id":441,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":442,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":443,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":444,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":445,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":446,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":447,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":448,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":449,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":450,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":451,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":452,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":453,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":454,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":455,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":456,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":457,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":458,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":459,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":460,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":461,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":462,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":463,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":464,"title":"الكهف","lvl":1,"sub":0},{"id":464,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":465,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":466,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":467,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":468,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":469,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":470,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":471,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":472,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":473,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":474,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":475,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":476,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":477,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":478,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":479,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":480,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":481,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":482,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":483,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":484,"title":"مريم","lvl":1,"sub":0},{"id":484,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":485,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":486,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":487,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":488,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":489,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":490,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":491,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":492,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":493,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":494,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":495,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":496,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":497,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":498,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":499,"title":"طه","lvl":1,"sub":0},{"id":499,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":500,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":501,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":502,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":503,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":504,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":505,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":506,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":507,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":508,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":509,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":510,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":511,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":512,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":513,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":514,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":515,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":516,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":517,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":518,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":519,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":520,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":521,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":522,"title":"الأنبياء","lvl":1,"sub":0},{"id":522,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":523,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":524,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":525,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":526,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":527,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":528,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":529,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":530,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":531,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":532,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":533,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":534,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":535,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":536,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":537,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":538,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":539,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":540,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":541,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":542,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":543,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":544,"title":"الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":544,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":545,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":546,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":547,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":548,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":549,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":550,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":551,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":552,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":553,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":554,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":555,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":556,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":557,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":558,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":559,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":560,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":561,"title":"المؤمنون","lvl":1,"sub":0},{"id":561,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":562,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":563,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":564,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":565,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":566,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":567,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":568,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":569,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":570,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":571,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":572,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":573,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":574,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":575,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":576,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":577,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":578,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":579,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":580,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":581,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":582,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":583,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":584,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":585,"title":"النور","lvl":1,"sub":0},{"id":585,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":586,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":587,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":588,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":589,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":590,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":591,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":593,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":594,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":595,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":596,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":597,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":598,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":599,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":600,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":601,"title":"الفرقان","lvl":1,"sub":0},{"id":601,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":602,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":603,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":604,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":605,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":606,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":607,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":608,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":609,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":610,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":611,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":612,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":613,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":614,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":615,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":616,"title":"الشعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":616,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":617,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":618,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":619,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":620,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":621,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":622,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":624,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":625,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":626,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":627,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":628,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":629,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":630,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":631,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":632,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":633,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":634,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":635,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":636,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":637,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":638,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":639,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":640,"title":"176","lvl":2,"sub":0},{"id":641,"title":"181","lvl":2,"sub":0},{"id":642,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":643,"title":"187","lvl":2,"sub":0},{"id":644,"title":"192","lvl":2,"sub":0},{"id":645,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":646,"title":"198","lvl":2,"sub":0},{"id":647,"title":"208","lvl":2,"sub":0},{"id":648,"title":"214","lvl":2,"sub":0},{"id":649,"title":"218","lvl":2,"sub":0},{"id":650,"title":"221","lvl":2,"sub":0},{"id":651,"title":"النمل","lvl":1,"sub":0},{"id":651,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":652,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":653,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":654,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":655,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":656,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":657,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":658,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":659,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":660,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":661,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":662,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":663,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":664,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":665,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":666,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":667,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":668,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":669,"title":"القصص","lvl":1,"sub":0},{"id":669,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":670,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":671,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":672,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":673,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":674,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":675,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":676,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":677,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":678,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":679,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":680,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":681,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":682,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":683,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":684,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":685,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":686,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":687,"title":"العنكبوت","lvl":1,"sub":0},{"id":687,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":688,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":689,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":690,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":691,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":692,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":693,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":694,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":695,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":696,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":697,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":698,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":699,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":700,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":701,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":702,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":703,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":703,"title":"الروم","lvl":1,"sub":0},{"id":704,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":705,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":706,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":707,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":708,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":709,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":710,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":711,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":712,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":713,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":714,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":715,"title":"لقمان","lvl":1,"sub":0},{"id":715,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":716,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":717,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":718,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":719,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":720,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":720,"title":"السجدة","lvl":1,"sub":0},{"id":721,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":722,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":723,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":724,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":725,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":726,"title":"الأحزاب","lvl":1,"sub":0},{"id":726,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":727,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":729,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":730,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":732,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":733,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":734,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":735,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":736,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":737,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":738,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":739,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":740,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":741,"title":"سبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":741,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":742,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":743,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":744,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":745,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":746,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":747,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":748,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":749,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":750,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":751,"title":"فاطر","lvl":1,"sub":0},{"id":751,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":752,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":753,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":754,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":755,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":756,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":757,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":758,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":759,"title":"يس","lvl":1,"sub":0},{"id":759,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":760,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":761,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":762,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":763,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":764,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":765,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":766,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":767,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":768,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":769,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":770,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":771,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":772,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":773,"title":"الصافات","lvl":1,"sub":0},{"id":773,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":774,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":775,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":776,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":777,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":778,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":779,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":780,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":781,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":782,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":783,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":784,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":785,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":786,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":787,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":788,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":789,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":790,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":791,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":792,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":793,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":794,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":795,"title":"170","lvl":2,"sub":0},{"id":796,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":797,"title":"ص","lvl":1,"sub":0},{"id":797,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":798,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":799,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":800,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":801,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":802,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":803,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":804,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":805,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":806,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":807,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":808,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":809,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":810,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":811,"title":"الزمر","lvl":1,"sub":0},{"id":811,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":812,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":813,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":814,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":815,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":816,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":817,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":818,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":819,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":820,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":821,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":822,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":823,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":824,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":825,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":826,"title":"غافر","lvl":1,"sub":0},{"id":826,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":827,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":828,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":829,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":830,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":831,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":832,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":833,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":834,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":835,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":836,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":837,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":838,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":839,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":840,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":841,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":842,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":843,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":844,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":845,"title":"فصلت","lvl":1,"sub":0},{"id":845,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":846,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":847,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":848,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":849,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":850,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":851,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":852,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":853,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":854,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":855,"title":"الشورى","lvl":1,"sub":0},{"id":855,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":856,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":857,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":858,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":859,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":860,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":861,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":862,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":863,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":864,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":865,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":866,"title":"الزخرف","lvl":1,"sub":0},{"id":866,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":867,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":868,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":869,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":870,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":871,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":872,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":873,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":874,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":875,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":876,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":877,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":878,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":879,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":880,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":881,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":882,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":883,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":884,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":885,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":886,"title":"الدخان","lvl":1,"sub":0},{"id":886,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":887,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":888,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":889,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":890,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":891,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":892,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":893,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":894,"title":"الجاثية","lvl":1,"sub":0},{"id":894,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":895,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":896,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":897,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":898,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":899,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":900,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":901,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":902,"title":"الأحقاف","lvl":1,"sub":0},{"id":902,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":903,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":904,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":905,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":906,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":907,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":908,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":909,"title":"محمد","lvl":1,"sub":0},{"id":909,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":910,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":911,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":912,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":913,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":914,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":915,"title":"الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":915,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":916,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":917,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":918,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":919,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":920,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":921,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":922,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":922,"title":"الحجرات","lvl":1,"sub":0},{"id":923,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":924,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":925,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":926,"title":"ق","lvl":1,"sub":0},{"id":926,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":927,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":928,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":929,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":930,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":931,"title":"الذاريات","lvl":1,"sub":0},{"id":931,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":932,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":933,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":934,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":935,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":936,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":937,"title":"الطور","lvl":1,"sub":0},{"id":937,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":938,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":939,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":940,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":941,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":942,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":943,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":944,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":945,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":946,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":947,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":947,"title":"النجم","lvl":1,"sub":0},{"id":948,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":949,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":950,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":951,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":952,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":953,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":954,"title":"القمر","lvl":1,"sub":0},{"id":954,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":955,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":956,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":957,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":958,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":959,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":960,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":961,"title":"الرحمن","lvl":1,"sub":0},{"id":961,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":962,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":963,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":964,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":965,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":966,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":967,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":968,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":969,"title":"الواقعة","lvl":1,"sub":0},{"id":969,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":970,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":971,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":972,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":973,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":974,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":975,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":976,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":977,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":978,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":979,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":980,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":981,"title":"الحديد","lvl":1,"sub":0},{"id":981,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":982,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":983,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":984,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":985,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":986,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":987,"title":"المجادلة","lvl":1,"sub":0},{"id":987,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":988,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":989,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":990,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":991,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":992,"title":"الحشر","lvl":1,"sub":0},{"id":992,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":993,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":994,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":995,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":996,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":997,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":998,"title":"الممتحنة","lvl":1,"sub":0},{"id":998,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":999,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1000,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1001,"title":"الصف","lvl":1,"sub":0},{"id":1001,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1002,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1003,"title":"الجمعة","lvl":1,"sub":0},{"id":1003,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1004,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1005,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1006,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1006,"title":"المنافقون","lvl":1,"sub":0},{"id":1007,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1008,"title":"التغابن","lvl":1,"sub":0},{"id":1008,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1009,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1010,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1011,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1012,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1013,"title":"الطلاق","lvl":1,"sub":0},{"id":1013,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1014,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1015,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1016,"title":"التحريم","lvl":1,"sub":0},{"id":1016,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1017,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1018,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1019,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1020,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1021,"title":"الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":1021,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1022,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1023,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1024,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1025,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1026,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1027,"title":"القلم","lvl":1,"sub":0},{"id":1027,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1028,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1029,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1030,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1031,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1032,"title":"الحاقة","lvl":1,"sub":0},{"id":1032,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1033,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1034,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1035,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1036,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1037,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1038,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1039,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1040,"title":"المعارج","lvl":1,"sub":0},{"id":1040,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1041,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1042,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1043,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1044,"title":"نوح","lvl":1,"sub":0},{"id":1044,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1045,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1046,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1047,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1048,"title":"الجن","lvl":1,"sub":0},{"id":1048,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1049,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1050,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1051,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1052,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1053,"title":"المزمل","lvl":1,"sub":0},{"id":1053,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1054,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1055,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1055,"title":"المدثر","lvl":1,"sub":0},{"id":1056,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1057,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1058,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1059,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1060,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1061,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1062,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1063,"title":"القيامة","lvl":1,"sub":0},{"id":1063,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1064,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1065,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1066,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1067,"title":"الإنسان","lvl":1,"sub":0},{"id":1067,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1068,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1069,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1070,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1071,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1072,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1072,"title":"المرسلات","lvl":1,"sub":0},{"id":1073,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1074,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1075,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1076,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1077,"title":"النبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":1077,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1078,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1079,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1080,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1081,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1082,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1083,"title":"النازعات","lvl":1,"sub":0},{"id":1083,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1084,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1085,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1086,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1087,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1088,"title":"عبس","lvl":1,"sub":0},{"id":1088,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1089,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1090,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1091,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1092,"title":"التكوير","lvl":1,"sub":0},{"id":1092,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1093,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1094,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1095,"title":"الإنفطار","lvl":1,"sub":0},{"id":1095,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1096,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1097,"title":"المطففين","lvl":1,"sub":0},{"id":1097,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1098,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1099,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1100,"title":"الإنشقاق","lvl":1,"sub":0},{"id":1100,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1101,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1102,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1103,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1103,"title":"البروج","lvl":1,"sub":0},{"id":1104,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1105,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1106,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1107,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1108,"title":"الطارق","lvl":1,"sub":0},{"id":1108,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1109,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1110,"title":"الأعلى","lvl":1,"sub":0},{"id":1110,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1111,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1112,"title":"الغاشية","lvl":1,"sub":0},{"id":1112,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1113,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1114,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1115,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1116,"title":"الفجر","lvl":1,"sub":0},{"id":1116,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1117,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1118,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1119,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1120,"title":"البلد","lvl":1,"sub":0},{"id":1120,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1121,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1122,"title":"الشمس","lvl":1,"sub":0},{"id":1122,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1123,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1124,"title":"الليل","lvl":1,"sub":0},{"id":1124,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1125,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1126,"title":"الضحى","lvl":1,"sub":0},{"id":1126,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1127,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1128,"title":"الشرح","lvl":1,"sub":0},{"id":1128,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1129,"title":"التين","lvl":1,"sub":0},{"id":1129,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1130,"title":"العلق","lvl":1,"sub":0},{"id":1130,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1131,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1132,"title":"القدر","lvl":1,"sub":0},{"id":1132,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1133,"title":"البينة","lvl":1,"sub":0},{"id":1133,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1134,"title":"الزلزلة","lvl":1,"sub":0},{"id":1134,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1135,"title":"العاديات","lvl":1,"sub":0},{"id":1135,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1136,"title":"القارعة","lvl":1,"sub":0},{"id":1136,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1137,"title":"التكاثر","lvl":1,"sub":0},{"id":1137,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1138,"title":"العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":1138,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1139,"title":"الهمزة","lvl":1,"sub":0},{"id":1139,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1140,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1141,"title":"الفيل","lvl":1,"sub":0},{"id":1141,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1142,"title":"قريش","lvl":1,"sub":0},{"id":1142,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1143,"title":"الماعون","lvl":1,"sub":0},{"id":1143,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1144,"title":"الكوثر","lvl":1,"sub":0},{"id":1144,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1145,"title":"الكافرون","lvl":1,"sub":0},{"id":1145,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1146,"title":"النصر","lvl":1,"sub":0},{"id":1146,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1147,"title":"المسد","lvl":1,"sub":0},{"id":1147,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1148,"title":"الإخلاص","lvl":1,"sub":0},{"id":1148,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1149,"title":"الفلق","lvl":1,"sub":0},{"id":1149,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1150,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1151,"title":"الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":1151,"title":"1","lvl":2,"sub":0}]}